النحو في الأصول لتمام حسّان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد/

فقد بادر معهد اللغة العربية بجامعة أم القرى مشكورا إلى تنظيم لقاء علميّ للاحتفاء بشيخنا أد: تمام حسان بمناسبة حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة والأدب لعام 1426هـ، وهو حدث أثلج صدورنا عشاق لغة الضاد، فكان اللقاء في 7/ ربيع الأول/1427هـ، الموافق 5/ إبريل 2006م.

وقد دُعِيتُ إلى المشاركة فكان أن قلت:

اسمحوا لي أن أقول لكم: إنّ ما أعرضه هنا هو في حقيقته اعترافٌ بأنّ ما كتبه: أ.د. تمام حسان في كتابيه اللغة العربية معناها ومبناها والأصول هو ما فتح أمامي آفاقا لم تكن لتُفْتَح بدون هذين الكتابين.

فعلى الرغم من الجهد العلمي العظيم في كتب النحاة القديمة والجديدة منها إلاّ أني لم أستفد منها سوى حفظ أشتاتٍ من قواعد النحو ومن مسائل الخلاف، وهذه فروع، مع إلمام بشيء من الأصول بقراءات في ابن جني والسيوطي وابن الأنباري، مع حفظ بعضِ نصوصٍ وامتلاك شيء من مهارات الكتابة والقراءة والإعراب.

أما ما أفدته من الكتابين فهو فوق ذلك فقد أطلعاني على منهج الأوائل في التفكير، وكيف أمكنهم بناء هذا الصرح النحوي الشامخ، وما الطرق العلميّة التي تتبع في بناء هيكل نحوي للغة من اللغات، وتعلّمت كيف أكون ناقدا منصفا لصنيع الأسلاف الذين أشتغلُ فيما اشتغلوا فيه، كلُّ هذا وغيره هو ما أظنّني أفدته من هذين الكتابين وتلك ثمرة جليلة وغاية عظيمة.

       لقد رأينا أستاذَنا في كتابة الأصول يتجه مباشرة إلى أصول الفكر اللغوي العربي في محاولة لعرض النحو في صورته المتكاملة، ولبناء هيكل نظري ضخم التزم النحاة بمضمونه، وإن لم يعنوا بصياغته، فتناثر في عبارات مفرقة وعارضة في ثنايا مناقشاتهم للمسائل الفرعية، كما يقول.

فكان أن جمع المفرّق وفصّل المجمل ووضّح الغامض بكل براعة.

وها أنا ذا لا زلت أعتقد جازمًا أن قراءتي لهذا الكتاب وأن تدريسي لموضوعات منه لم ولن تذهب هباءً، فقد أفدت منه وأفاد منه الطلاب، وأظنّ كتاب الأصول هو أكثر الكتب - التي عنيت بهذا الجانب من النظر - فائدةً وأكبرها أثرا في اتجاه البحوث النحوية في الدراسات العليا عندنا وعند غيرنا.

ولقد كان معظم الرسائل في الدراسات العليا يتجه إلى مسائل النحو وقواعده نظرية وتطبيقًا، وإلى تحقيق المخطوطات، ولكن دراسة أصول النحو - وقد قمت بهذا عدة مرات في السنة المنهجية مع الحرص على استحضار كتاب الأصول - أوجدت عددًا من البحوث على غير النمط الذي كان سائدا، بل اتجهت لجنة الموضوعات ومجلس الدراسات إلى صرف الباحثين عن دراسة المسائل إذا لم تكن دراسةً تُعنى بالأصول، وهكذا صدَق ما قاله شيخنا من أن عرض أصول النحو في بنيتها النظرية المتكاملة يعود بالخير على طلاب الدراسات العليا في دراساتهم.

والآن تعالوا معي لنمُرَّ على ما يمكن أن يكون جديدًا في نظري عند أستاذنا، وأزعم أني لم أعرفه إلاّ عن طريقة.

       أولا: شغلَنا ومَنْ قبلَنا كثيرًا مسألةُ عدم انطباق القاعدة على كثير من المسموع الصحيح قرآنًا أو شعرًا أو نثرًا؛ إذ يتجاوز المسموعُ القاعدة ويتمرّد عليها، فوُصِم النحاة بعدم استقراءِ كلِّ المسموع، ومن ثمّ وضع القواعد بناء على ذلك، وقال بهذا بعض النحاة واللغويين المتأخرين، وظننا أنّ الاستقراء التام كان واجبًا ضربةَ لازِبٍ على النحاة.

فتبين لنا مما كتبه أستاذنا أن الاستقراء الناقص هو ما عليه العلوم المضبوطة كالنحو، بعد أن أوضح أن النحو علم مضبوط وأنه ما سمي صناعة إلا لذلك؛ فهو من العلوم التي تحصل بالتمرّن أي أنه قواعد مقررة وأدلة وجد العالم بها أو لا كما يقال.

       وهذا النوع من العلم يختلف عن المعارف بجملة من الخصائص هي: الموضوعية، والشمول، والتماسك، والاقتصاد، فإذا تحققت فيه كان علما مضبوطا، أو كما وصفه السلف صناعة.

       وقد بيّن حفظة الله: أن النحو يتسم بالموضوعية وما يكون لها من استقراء ناقص ( ذلك أنهم بنوا النحو على المسموع، وهو من اللغة الأدبية، لا لغة الكلام والتخاطب، حسب منهج محدد ذي اختيارات زمانيّة ومكانيّة واجتماعيّة )، وما يكون لها أيضا من ضبط، وله مظهران:

أحدهما: ردُّ القواعد إلى ما تقوله العرب، وتوثيق القاعدة بالشواهد، وهذا يشبه (تحقيق الفرض في التجارب العلمية).

والثاني: ضوابط أنشئوها ليتعرّفوا على الأبواب كذَوْقِ الحرف عند الخليل، وكضبط ابن السراج المبتدأ بصياغة السؤال والجواب، ممّا يُشبهُ ضبْطَ نتائج العمليات الحسابية.

       ويتّسم أيضا بالشمول: وعنصره الأول الحتميّة، وهي القياس عند النحاة الذي يعني أنّ نتائج النحو يتحتّم انطباقُها على غير المنقول، وهو الذي لم يتناوله الاستقراء وبهذا لا يبقى من لغة العرب ما لا يخضع لقواعد النحو، ولا يطعن في هذا ما شذّ.

والعنصر الثاني: هو تجريد الثوابت، وهو أكثر النشاط النحوي، فقد جرّدوا: الأصل والفرع والقياس والعلّة والحُكْم والعُدول والرَّدّ وغيرها، وجرّدوا: عناصر الاستدلال من سماع واستصحاب وقياس وغيرها. وهذه الثوابت عون على الاطراد والشمول.

       ويتسم النحو أيضًا بالتماسك، وعنصراه عدم التناقض والتصنيف، فالنحو نظام محكم وبنية جامعة لا يستطاعُ نفيُ شيء منها ولا إضافة شيء إليها، وبهذا فلا يمكن أن يتّسم بالتناقض، وأما التصنيف فهو ظاهر في جميع التقسيمات النحوية الشاملة للكلم، وما نراه من تصنيفات في أبوابه النحوية بناء على العلاقات الوفاقية الجامعة لكلّ صنف والخلافية المفرّقة بين الأصناف المختلفة، وهذه العلاقات بنوعيها هي التي تحكم تماسكَ النحو باعتباره صناعة مضبوطة.

       ويتسم النحو بالاقتصاد، وله مظهران: الاستغناء بالكلام على الأصناف عن الكلام عن المفردات؛ فالأصناف هي الثابتة والمفردات هي المتغيرة وهذا اقتصاد، والمظهر الثاني: هو التقعيد، وهو بدوره استغناء بالكلام في الحكم الشامل، وهو القاعدة، عن الكلام في أحكام المفردات كلٍّ منها على حده.

       وأمّا وقد بيّن أستاذنا ودلّل على تحقّق هذه الخصائص الأربع في النحو، فالنحو إذًا علم مضبوط، أو صناعة علمية كما قال السيوطي، ونكون بذلك قد وضعنا أيدينا على أهم ما يجب أن نعرفه عن النحو، فلا ننساق وراء تساؤلات: من مثل: لماذا كان استقراء النحاة ناقصًا، ولماذا لم يهتم النحو بالمعنى إلا عندما يخرج عن مجاله إلى مجال تفسير النصوص، و- فقط - عندما يصادم المسموع القاعدة.

       كل ما قاله شيخنا في الأصول يعد إنجازًا له قيمته في نظري والمنصفين، والآن اسمحوا لي أن أتحدث عن قضيه أخرى وهي قضية الإشارة إلى الأصل في الأصوات، والمفردات، والتراكيب والقواعد، فقد أحسن الشيخ إلى أبعد الحدود في عرض هذه المسألة وتتبعِها والكشف عنها، وأبان بذلك أن صنيع النحاة لم يقف عند عدّ المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات والتفكير في العامل، بل جاء في كلامهم إشاراتٌ قوية إلى اهتمام بحركة الصوت وأحواله داخل الكلمة، وعلاقة ذلك بالأصول المقررة في كل صوت، وبحركة المفردة وأحوالها عند الاستعمال وما تكون عليه من أصل، وما تخرج به عنه وترد به إليه، وكذلك التركيب، ما الأصول التي يكون عليها؟ وما تكون عليه أنماط الخروج على هذه الأصول؟

       وكلامه هذا يضع أيدينا ويفتح أعيننا على جهد النحاة عبر عصور بناء صناعة النحو.

       إن تجريد الأصول في الوضع احتاجت من النحاة إلى نظر متقن ومستبصر في المسموع قد لا يتسنى لغيرهم مثله، وعلى هذا فإني أظن أنّ أعظم منجزاتهم وهي كثيرة وعظيمة هو تصنيفُ ما هو أصل وما هو فرع وما هو كثير وما هو قليل وما هو مقيس عليه وما هو مقاس على غيره، إلى آخر تلك التصنيفات البديعة الكاشفة للوجه الجميل للغتنا.

       كما أنّ تفكيرهم الجاد في التعليل لكثير من الظواهر اللغوية، وما اقترحوه من علل يعد جهدًا خارقًا مكّن من تسويغ الكثير من الاستعمالات للمفردات والتراكيب، ومكّن كذلك لكثير من القواعد، فغدت شامخة صامدة ومحكمة على الأغلب، وكما نعلم فإحكام القاعدة هدف من أهداف النحاة، سواء أصابوا في هذه الفكرة أم جانبهم الصواب، وربما بالغوا فيها كثيرًا.

       ثالثًا: ما ذكره عن الهيكل البنيوي للنحو العربي في غاية الأهمية؛ لما ذكره من أن هذا الهيكل هو الغاية المرجوة، ولكنّ طريقَه غير سالكة فيحتاج الوصول إليه إلى صُوًى ومعالم تمثلت في الاستدلال، والخطوة الأولى في هذا السبيل هي النقل والاستقراء والكشف عن هيئات المسموع، فإذا انتهى النحوي من ذلك انتهت المرحلة الحسية، وبدأ التجريد وهو استخراج المعقول من المحسوس، وللتجريد ثلاث وجهات: استصحاب الحال، والقياس، وجملة مبادئ عامة تضبط نظر النحوي في السماع والقياس والاستصحاب وهي قواعد التوجيه كما أسماها الشيخ، والمقصود بها عنده ضوابط المنهج، ومنها ضوابط للاستدلال وللسماع ولأصل الوضع ولأصل القاعدة ولفروعهما وللرد إليها، وهكذا.

       وكونها ضوابطَ تعني أن من عرف النحو وجهلها فهو عالم بمسائل النحو، ولكنه لا يعرف هيكل النحو وهو كغيره من آلاف النحاة غير قادر على الاجتهاد والإضافة إلا في حدود ضيقة كما قال حفظه الله.

       رابعًا: ماذكره الشيخ من محاولة الكشف عن تفاصيل النظر في دليل الاستصحاب، وأن يضعه موضعه الصحيح في ترتيب الخطة النحوية متوسطا بين السماع والقياس.

أعتقد أنه قد وفق إلى حد كبير في هذين، وإن كنت أرى أن استصحاب الأصل ليس دليلًا كما هي الأدلة الأخرى سواء أوَضعناه بين السماع والقياس أم جعلناه بعدهما، إذ الأولى أن يعدّ تصنيفا من تصنيفات المسموع إلى ما هو أصل وما هو فرع، وهذا من جهود النحاة القيمة، أما جعله دليلًا مستقلا فلا أراه كذلك، كما لا أراهم عوّلوا عليه كثيرًا، بل كان شأنهم عند ذكره شأن من يذكّر بالأصل ولا يزيد، في حين لا يذكّر بالأصل ولا يعتدّ به إذا قام الدليل على مخالفته، وصنيعهم ذلك كصنيعهم عندما يذكّرون بأنّ شيئًا من المسموع كثير، فهذا حكم على السماع، وليس استدلالا، فالاستدلال لا يبدأ إلا بعد السماع والنظر فيه كما هو رأي شيخِنا، ومن النظر المدقّق للسلف في المسموع تصنيفه إلى أصل وفرع.

       خامسًا: في موضوع القياس لم أجد كتابة واضحة كالتي كتب أستاذنا، فما نجده عند الشيخ محمد الخضر حسين وغيره ممّن تناولوا مصطلح القياس وحاولوا شرحه لم يكن كافيًا، ولم يقاربوا إيصال الفكرة إلى أذهان الطلاب والعلماء في بعض الأحيان.

وقد شعر د. إبراهيم أنيس رحمة الله بالمشكلة، واستطاع أن ينبه إلى اختلاف مفهوم كلمة القياس باختلاف الزمن والقائلين به في كل زمن، وحدّد لذلك ثلاث مراحل: 1- القياس ويقصد به وضع القواعد العامة للغة، وهذا في كلام النحاة الأوائل، 2- والقياس ويراد به استنباط شيء جديد في صورة صيغ أو دلالات أو تراكيب وهذا في القرن الثالث، مع بقاء المفهوم الأوّل، 3- ثم كان للقياس دلالة ثالثة عند المتأخرين وهي مجرد المشابهة، واستغلّوا ذلك في تعليلاتهم لكثير من الأحكام.

ثم جاء أستاذنا ليكتب عن القياس فكان واضحًا وموضحًا وحل إشكالات كثيرة في فهم هذا الدليل.

فالقياس ببساطة شديدة نوعان: استعماليّ ونحوي، أما الاستعمالي فهو وسيلة كسب اللغة في الطفولة، وهو الذي يسعى المعلم إلى تدريب تلاميذه عليه في حجرات الدراسة، وهو الذي يفتح أمامنا بالنمط الواحد جملا لا حصر لها، وهو الذي نكسب به أساليبنا في الكتابة والتكلّم أيضا، وهو مما يطبقه مجمع اللغة العربية في صوغ ألفاظ الحضارة والمصطلحات.

وأما النحويّ فهو قياس الأحكام وهو ثلاثة أنواع: 1- قياس روعيت فيه العلّة النحويّة، وهي مناسبة لإجراء القياس فهذا قياس علّة، 2- وقياس روعيت فيه العلة وهي غير مناسبة لإجرائه فهو قياس الطرد، 3- وقياس لا تراعى فيه العلّة وهو قياس الشبه.

       هل يمكن أن نجد كلاما أسهل من هذا يقفنا على المراد من هذا المصطلح الذي لاكته الألسن والأفكار فعجزت عن فهم مراد النحاة منه فهما كاملا زمنًا ليس بالقصير من أزمنة ثقافتنا النحوية.

سادسا: ما سجله الأستاذ الكريم تحت عنوان (قواعد التوجيه) هو إنجاز آخر لا يقل أهميّة عن غيره وأهمية هذه القواعد تظهر في أنها الضوابط المنهجيّة التي وضعها النحاة ليلتزموا بها عند النظر في المادة اللغويّة ( سماعا أكانت أم استصحابا أم قياسا ) التي تستعمل لاستنباط الأحكام، وقد أصبحت معايير لأفكارهم ومقاييس لأحكامهم وأرائهم التي يأتون بها فيما يتصل بمفردات المسائل، هذا ما قاله الشيخ وهو كلام يستحق أن يكتب بماء الذهب، والإبداع في لفت النظر إلى هذه القواعد لا يخفى.

       وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين