قائمة الروابط

جامعة أم القرى

كلية الدعوة وأصول  الدين

قسم  الدعوة  والثقافة  الإسلامية

 

جهود المملكة

في الأمر بالمعروف والنهي عن                                                                                                                                                                                                                                        المنكر

إعداد الأستاذ: عبدالله بن علي بن أحمد القرني.

المعيدبقسم الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة أم القرى


 

 


 


بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله المتفرد بالكمال ، خالق الخلق وبارئي الأكوان ، أحمده جل شأنه واشكره، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ، والقدوة العليا لكل الخلق ، والأسوة لجميع المؤمنين ، وعلى آله وصحبه الميامين ، ومن تبعهم إلى يوم الدين .

    أما بعد :

   فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، فهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة .

   وفي زوال واندثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيذان بعموم الشرور ، وإظهار الفسوق والفجور ، وذلك مؤذن بعذاب الله وشديد عقابه .

   قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ  "وإذا كان جماع الدين ، وجميع الأولويات أمر ونهي ، فالأمر الذي بعث به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر ، وهذا نعت النبي صلى

الله عليه وسلم ، والمؤمنين كما قال تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ٌ} " (1) (2)  

   والمعروف : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله ، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس ، ولكل ما ندب إليه الشرع ، والمنكر ضد ذلك .

   والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قد انزل الله به كتبه ، وأرسل به رسله فمن ذلك ما وصف الله به نبينا محمد ـ r ـ في كتابه فقال تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ َ}(1) .

   وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : { وجعلني مباركاً حيثما كنت }  . قالوا : كانت بركته : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .(2)

   وبين الله في كتابه أن النجاة من العذاب ، والذي سببه عصيان أمر الله ، إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى ، في قصة أصحاب قرية السبت : {وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } (3).

   في كل مجتمع يبرز منه طائفة مؤمنة مخلصة تحمل على عاتقها مهمة الإصلاح ، ذلك الإصلاح العظيم الذي يتناول جميع جوانب الحياة العلمية والعملية ، فهناك الإصلاح الفكري ، وهناك الإصلاح الاقتصادي ، وهناك الإصلاح الأسري والاجتماعي ، وعلى رأس كل هذا الإصلاح يأتي الإصلاح الديني والأخلاقي ، ذلك الإصلاح الذي يعد الثمن الغالي لتحقيق الوعد الإلهي بالبقاء والتمكين .
   وحين يكتب الله لأمة - مسلمة أو كافرة - النهوض ، فإنها تهب عليها رياح الجد والعمل ونكران الذات ، والبعد عن الشهوات ، فإذا بدأ " العد التنازلي " ولاحت علامات التدهور ، فإن الصفات الجادة الجيدة تختفي ، لتحل مكانها صفات الكسل ، وحب الذات والأنانية المفرطة والتواكل وحب إشباع الشهوات الشخصية على حسابا انحلال المجتمع ، حتى ليصبح أداء الواجب من أصعب الأمور ، وتنطلق الشهوات ، ويطرح الإيمان والفكر في زاوية هامشية ...

   فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة لابد منها لقيام المجتمع ، استقامة حاله ، وليس أمراً فرضه الوقت حيناً من الدهر ، والقائمون به من أحسن الناس قولاً ، وأنبلهم فعلاً ، وأزكاهم عملاً ، ولقد قامت حكومة المملكة بالعناية بهذا  الركن العظيم ، وإقامة مؤسساته ، وتقوية بنائه ، انطلاقاً من إيمانها بضرورته ، وعظيم قدره ومنزلته .

   وقد قسمت البحث على مبحثين :

المبحث الأول : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجزيرة العربية .

ويشمل مطلبين :

المطلب الأول : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زمن الشيخ : محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية الأولى إلى نهاية الدولة السعودية الثانية .

المطلب الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الملك عبد العزيز ـ برحمه الله ـ.

المبحث الثاني : جهود المملكة من خلال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.  

ويشمل مطلبين :المطلب الأول: نشأة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

المطلب الثاني :جهود المملكة العربية السعودية من خلال الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ثم الخاتمة ، وتشتمل على أهم النتائج التي وفقني الله للتوصل إليها .

   هذا وأسال الله التوفيق والسداد في الأمر كله ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

        المبحث الأول :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجزيرة العربية.

المطلب الأول:

 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من  زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية الأولى ، إلى نهاية الدولة السعودية الثانية .

  بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ عليه رحمة الله ـ دعوته إلى التوحيد الخالص ، والجزيرة العربية ترسف في أغلال الشركيات والبدع ، التي غيرت معالم العبادة وأركانها ، بل أتت على الدين كله ، إذ كان في نجد وما حولها من عبدوا الأولياء والصالحين ؛ يستغيثون بهم في قضاء الحاجات وتفريج الشدائد ، وكان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ، ويدعونه في حاجاتهم وكربهم ، وكان عندهم رجل عدوه من الأولياء ؛ اسمه " تاج " صرفوا إليه النذور ، ودعوه لصرف الضر عنهم ، وقضاء شؤونهم ، وهو رجل ضرير من الخرج .( 1)

خصوصاً في باب التوحيد ، بل أنتهى الأمر ببعضهم إلى مسايرة العامة في ضلالهم ، والدفاع عن بدعهم وجهلهم.

___________________

(1)     انظر : الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية (35)،للدكتور: محمد الشثري، ط/ دار الحبيب .

 

 

 

 

 ومن جانب آخر فقد عم الجهل ، وخيم على  الفكر الإسلامي لون من الجمود والخمول ، فأضحى همّ العلماء التزام التقليد ، والتمسك بحفظ بالمتون والحواشي ؛ وعدم اكتراثهم بما عليه العامة من الجهل ولم تكن البلاد الأخرى بأحسن حالاً مما آلات إليه الأمور في نجد ، ففي الحجاز كان قبر خديجة ـ رضي الله عنها ـ في المعلاه ، يدعون عنده ، ويختلط الرجال والنساء ، وفي المدينة النبوية كان التوسل والاستغاثة أمر ظاهراً ع8ند الحجرة النبوية ، حتى عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ؛ فقد سأله شيخه محمد حياة السندي ، عندما رأى الناس يدعون ويستغيثون عند الحجرة النبوية ، ما تقول في هؤلاء ؟ فقال { إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا ما يعملون } .(1)(2)

   وفي اليمن وحضرموت كذلك ، فكان عندهم قبر " العيدروس " يُستغاث ويدعا من دون الله جل جلاله .

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : ( وبالجملة ففي كل بلد في الغالب ، أناس يدعونهم ويسألونهم قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، بل بلغ الأمر إلى أن يسألونهم مغفرة الذنوب ، وترجيح الميزان ، ودخول الجنة و النجاة من النار ، والتثبيت عند الموت والسؤال وغير ذلك من أنواع المطالب التي لا تطلب إلا من الله ) .(3)

_______________

(1)    سورة الأعراف (139).

(2)    انظر : التطبيقات العملية للحسبة في المملكة (68) ، للدكتور : طامي البقمي .

(3)    تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ،لسليمان بن عبد الله ( 185)،ط/مكتبة الرياض الحديثة .

 

 

 وفي هذه الظروف ، وغياهب الجهل والبدع ، ظهرت دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام : محمد بن عبد الوهاب ، في حريملاء ، ثم انتقل إلى العيينة مسقط رأسه ، حيث آزره أميرها في بداية الأمر ، فا ستطاع  أن يجهر بالدعوة إلى التوحيد ، وأن يهدم كثيراً من القباب التي بنيت على القبور ، وان يقيم الحدود ، فشاع خبر دعوته في بلاد نجد وما جاورها ، وسعى به الساعون إلى حاكم الأحساء ، فأرسل إلى أمير العيينة يتهدده ، ويأمره بأن يقتل الشيخ : محمد أو يخرجه من العيينة ، فحينئذ خرج الشيخ : محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية ، والتقى بأميرها محمد بن سعود ، وشرح له أصول التوحيد وطلب نصرته فيما يدعو إليه ، فبايعه الأمير على النصرة ، ومحاربة البدع والضلالات ، ورفع شأن الإسلام ، وبهذا دخلت الدعوة في مرحلة جديدة ومؤثرة ؛ حيث أصبحت ذات سلطان وقوة .

    وبهذا الاتفاق على نصرة دين الله ، أصبح الإمام محمد بن سعود من المحتسبين في الأمر بالمعروف والنهي عن النكر ، وبهذا التعاهد بزغ فجر دولة جديدة هي الدولة السعودية الأولى سنة 1158هـ.

   فاستوطن الشيخ : محمد بن عبد الوهاب  الدرعية ، محاطاً بالأمان ، وعقد حلقات الدرس في أصول التوحيد ، وتوافد عليه طلبة العلم ، وأتباع الدعوة في البلدان المجاورة ، كما وفد رؤساء بعض البلدان والقبائل ؛ يعلنون أتباعهم للدعوة ومناصرتهم لها ، وواصل الشيخ : محمد مكاتباته إلى

 

   العلماء والقضاة في البلدان والقبائل النجدية ؛ رجاء أن يهتدوا للصواب ، فيكون لهم التأثير الكبير في أتباعهم وعامة الناس ؛ فمنم من قبل الحق واتبع ، ومنهم من عاند واستهزأ . (1)

   وكان الشيخ : محمد يحث طلابه وأنصار الدعوة ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، متسلحين بسلاح العلم والفقه في الدين ، ملتزمين بالرفق واللين .

    كما كان يوجههم إلى أهمية حث الناس على إقامة الصلوات في الجماعة في المساجد ، وإقامة الجمع ، ومعاقبة من لا يحضرها بدون عذر . (2)

   وبقي الشيخ : محمد بن عبد الوهاب يدعو إلى الحق والتوحيد ، حتى توفاه الله عام 1207هـ ، بعده

حمل الرسالة أئمة آل سعود ، وأبناء الشيخ وتلاميذه ، من صفوة العلماء والقضاة والدعاة ، الذين كانوا قد تأهلوا عملياً للقيام بأعباء الدعوة ، وأعمال الحسبة ، من أمر بالمعروف ونهي عن منكر ، وإصلاح بين الناس .

   وعندما دخل الإمام : سعود بن عبد العزيز مكة المكرمة في محرم عام 1218هـ ، اجتمع بالعلماء الموجودين في مكة ، وناقشهم في موضوع القباب التي على القبور ، حتى أقنعهم ببدعية ذلك ، وأمرهم بهدمها ؛ فمضوا وهدموها بأنفسهم ، وأمر أن يُجعل في أسواقها ، من بأمر بالصلاة إذا دخل وقتها.

____________________

(1)   انظر التطبيقات المعاصرة (70 _71).

(2)   المرجع السابق (73) .

 

 

 

 

 

 

 

 وعندما دخلت الأحساء في حكم آل سعود ، وبايع أهلها الإمام : سعود عام 1207هـ ، هدموا القبور والمشاهد  ، وأزالوا كل أثر يمثل ذلك .

   وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمحافظة على الصلاة والزكاة وفروض الدين ، وأراد الله أن يمتحن عباده المؤمنين ، فسلط عليهم أعداءهم ، فاستسلمت الدرعية للقوات المصرية بقيادة ابر هيم باشا عام 1233هـ ، والذي عاث في الأرض فساداً بالقتل والإفساد ، يقول ابن بشر : (وانحل فيها نظام الجماعة والسمع والطاعة ،  وعُدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ حتى لا يستطيع أحد أن ينهى عن المنكر أو أن يأمر بطاعة ، وعُمل بالمحرمات والمكروهات جهاراً ، واندرس معرفة الأصول وأنواع العبادات ، وسل سيف الفتنة بين الأنام ، وظهرت دعوى الجاهلية بين العباد ، حتى أتاح الله لها نوراً ساطعاً ، وسيفاً لمن أثار الفتنة قاطعاً ؛ وهو الإمام : تركي بن عبد الله ) . (1)

  فكان الإمام تركي بن عبد الله مؤسس الدولة السعودية الثانية ، عندما استقر له الأمر ، أخذ يرتب أمور شؤون الدولة ، ويرتب في كل بلدة وقرية إماماً في مسجدهم لصلاة الجماعة ، ومحتسب يؤدب من تخلف عنها ، ويحضهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والاجتماع في مجالس الدرس وتعليم الجهال أصول الإسلام .(2)

_____________________

(1)    عنوان المجد لابن بشر (1/426) ، ط / دار الملك عبد العزيز .

(2)    انظر : التطبيقات العملية للحسبة في المملكة ( 79 ) .

 

 

 

 وفي عهد الإمام فيصل بن تركي ،شهدت أعمال الاحتساب في الأمر بالمعروف والنهي عن النكر عناية كبيرة ؛ فكان من رسائله ـ رحمه الله ـ [ أهم الأمور تعلم ما فرض الله سبحانه ، من معرفة أصل دين الإسلام ، وأركانه وجميع شرائعه ، ومعرفة ذلك بالكتاب والسنة ، وقوام ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلابد في كل ناحية من طائفة متصدين لهذا الأمر ] . وقال : [ وأنا ملزم كل من كان يخاف الله تعالى ويرغب في الفلاح ، أن يأمر بالمعروف وينهى عن النكر ] . (1)

وفي الفترة من عام 1282 هـ حتى عام 1319 هـ ، وهي الفترة التي وقع فيها الخلاف بين أبناء الإمام فيصل بن تركي ، كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقع على كاهل المتطوعين من العلماء والقضاة

والدعاة ، وكان في مقدمتهم الشيخ : عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ، وأبناؤه عبد الله ، وإبراهيم ، وعبد العزيز ، والشيخ : حمد بن عتيق ، والشيخ : محمد بن سليم ، وغيرهم ، وبعض هؤلاء امتد به العمر  إلى أن جاء الملك : عبد العزيز على الرياض  عام 1319هـ ، وعهد لهم رسمياً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ن والقضاء والتدريس ، وغير ذلك .

 

 

___________________

(1)   عنوان المجد ، لابن بشر (2/130) .

 

 

 

 

المطلب الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الملك : عبد العزيز ـ رحمه الله ـ .

   حين مكن الله للملك : عبد العزيز فتح الرياض عام 1319هـ ، كانت عملية الاحتساب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقوم بها دعاة متطوعون ؛ احتساباً لوجه الله .

   وكان من أشهرهم الشيخ : عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ ، الذي كان يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعليم الناس ، وزجرهم عن المنكرات في مدينة الرياض . (1)

   ولقد علم الملك : عبد العزيز أهمية هذه الفريضة ، في حفظ المجتمع المسلم من الجرائم والمنكرات ، فأصدر أمره بتأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمر الشيخ : عبد العزيز بن عبد اللطيف بمتابعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وزوده بأعضاء يساعدونه في مهمته ، كالشيخ : عمر بن حسن آل الشيخ ، والشيخ : عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ ؛ وبذلك انتقل عمله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مرتبة التطوع ، إلى مرتبة التكليف الرسمي .

واستمر هؤلاء العلماء المخلصون ، يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بمفردهم أحياناً ، وأحياناً أخرى ينظم إليهم بعض المتطوعين ، والملك : عبد العزيز يدعمهم ويوازرهم .

 

___________________

(1)    انظر : التطبيقات العملية للحسبة في المملكة (85ــ 86) .

   وعقب وفاة الشيخ : عبد العزيز بن عبد اللطيف ، كلف الملك : عبد العزيز أحد مساعيه ، وهو الشيخ : عمر بن حسن آل الشيخ بأعمال الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 1345هـ ، فأصبح الشيخ : عمر رئيساً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة نجد بما فيها القصيم ، وتوسعت حتى شملت كل المناطق التي تم توحيدها وضمها بعد ذلك . (1)

   وأعطيت الهيئة صلاحية باتخاذ ما تراه مناسباً ، من الوسائل العملية التي تكفل نجاح فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما كان هناك دليل لعمل موظفي الهيئة ، ألفه الشيخ : محمد بهجت البيطار ؛ استند فيه على كتاب الاحتساب لشيخ الإسلام ابن تيمية ، كما حاول أن يبين بعض المجالات الجديدة في الاحتساب والتي ظهرت في المملكة نتيجة التطور والتوسع الذي شهدته المملكة العربية السعودية .

   وبهذا ندرك ما قام به الملك : عبد العزيز ، من تأسيسه لأول هيئة رسمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما أثمره ذلك من توسع نطاقها ومجالاتها فيما بعد.

 

____________________

(1)    انظر : التطبيقات العملية للحسبة (86ـ87) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني :

جهود المملكة من خلال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

المطلب الأول :

نشأة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

   يذهب المؤرخون إلى أن تأسيس أول هيئة رسمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تمَ في عهد الدولة السعودية الثالثة ، على يد الملك : عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ؛ فبدأت الهيئة أعمالها في الرياض ، وكانت لها فروع في مدن نجد الكبرى ، وكلُّف الشيخ : عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ برئاستها رسمياً ، وعقب وفاته كلُّف الملك : عبد العزيز ، الشيخ : حسن آل الشيخ برئاستها عام 1345هـ ، فصار رئيساً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بمنطقة نجد بما فيها القصيم وحائل وسدير ، ثم ضُم إليها المنطقة الشرقية والحدود الشمالية ووادي الدواسر ، فاقتضت المصلحة العامة إقامة موقع دائم للهيئة في الرياض .

   أما في الحجاز فقد أُنشئت الهيئة فيها بموجب الأمر الصادر من رئيس ديوان النيابة العامة ، برقم (2295) في 16/2/1346هـ وقد كانت تخضع لها البلدان المجاورة كالطائف وجدة وغيرها .

   أما في المدينة المنورة فقد كانت هيئتها شبه مستقلة ، لكنها تخضع في رئاستها العليا ، إلى نائب جلالة الملك في الحجاز ، الأمير فيصل بن عبد العزيز .

   وفي عهد الملك : سعود ـ رحمه الله ـ صدر أمره عام 1373هـ ، بالتوسع في إنشاء الهيئة ، وإيجاد الوظائف والإعتمادات اللازمة لها في كل من : منطقة عسير ، ومنطقة جازان ، ومنطقة الباحة ، ومنطقة تبوك ، ومنطقة نجران ، ومنطقة القنفذة ، ومنطقة أملج ؛ وقد كانت كل هذه المناطق تتبع لرئاسة الهيئات بالحجاز .

   وفي عهد الملك : خالد ـ رحمه الله ـ صدر المرسوم الملكي رقم (م ـ 64) بتاريخ :1/9/1396هـ ، بتوحيد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هيئة واحدة ، تحت مسمى " الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وتحت رئيس واحد يعين بأمر ملكي .

  وفي عام 1400هـ صدر نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بموجب المرسوم الملكي رقم

(م ـ 38) وتاريخ :26/ 10/1400هـ ؛ لكي ينظم أعمال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على نحو يكفل القيام بواجب الرئاسة في جميع أنحاء المملكة ، ويتكون هذا النظام من إحدى وعشرين مادة مقسمة على أربعة أبواب ، تحت العناوين الآتية :

الباب الأول : تشكيل الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتبعها .

الباب الثاني : صلاحيات الرئيس العام.

الباب الثالث : تعيين وترقية أعضاء موظفي الهيئات وتأديبهم .

الباب الرابع : وجبات الهيئة في المدن والقرى .

   ويكون الرئيس العام بمرتبة وزير ، وبذلك زاد الدعم لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عنه المنكر في بناء الدولة ، أسوة بغيره من الأجهزة الحكومية ؛ بغية الحفاظ على المجتمع من كل غزو فكري دخيل ،

 

 

 

 

 

ومن كل بدع ٍ تضله عن الصراط المستقيم . (1)

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)               انظر : الموقع الرسمي للهيئة على الشبكة العنكبوتيةwww.hesbah.gov.sa  ، والتطبيقات العملية للحسبة (89ــ 97) .          

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني :

جهود المملكة العربية السعودية من خلال الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

    كان لحكّام المملكة العربية السعودية ، الدور الكبير والفعال في قيام هذا الجهاز بدوره المناط به ، وتذليل السبل لقيامه بأداء واجباته على أكمل وجه ، من عهد الملك : عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ إلى عهدنا الحاضر ، ويظهر ذلك من خلال انشائها لهذا الجهاز بداية ً، ثم دعمه وموازرته في عمله وميدانه ، وإقرار النظم التي تزيد من قوته ومكانته ، وتفسح المجال له لينشر المعروف ويزيل المنكر ، ويظهر ذلك أكثر وضوحاً من خلال تتبع أنظمة هذا الجهاز ، ومراحله وتصريح مسؤولية ؛ حيث صدرت الأوامر الملكية المتلاحقة على مر العقود في التمكين لهذا العمل النبيل ، حتى صدر المرسوم الملكي رقم

( م ـ 36 ) وتاريخ :26/10/1400هـ ، المبني على قرار مجلس الوزراء رقم (161) وتاريخ :16/9/1400 هـ ، بالموافقة على نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصيغة التي لازال يُعمل بها إلى الآن .

ويتكون هذا النظام من إحدى وعشرين مادة ، مقسمة على أربعة أبواب ـ كما سبق ـ ، ولعلي ألخص بعض النقاط الهامة ، والتي تدل دلالة كبيرة على الجهد الكبير الذي بذلته حكومة المملكة العربية السعودية ، في إعلائها لهذا الجهاز ودوره والرفع منه ، فيما يلي :

** الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، جهاز مستقل ، يرتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء ، كما دلت عليه المادة ( 1 ) ؛ ولا ريب أن هذا يعطي الهيئة دعماً ونفوذاً وقوة في مجال عملها أكثر من ذي قبل .

** يكون الرئيس العام للهيئة برتبة وزير ، كما تدل عليه المادة ( 2 ) ؛ وبهذا يقوي من سلطة رئسها ، وترتفع منزلة الهيئة ككل .

** يُنشأ في كل منطقة هيئة فرعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما تدل عليه المادة ( 3 ) ؛ مما له أثر كبير في انتشار أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحد من انتشار الفساد .

** للرئيس العام تشكيل لجان من الأعضاء والمحققين ، تتولى النظر في المخالفات الشرعية ، والقضايا الأخلاقية ، وتحديد التهم ، ونوع العقوبات ، ويتولى المشرفون التأديب بموافقة أمير المنطقة ، كما دلت على ذلك المادة ( 4) ؛ وفي ذلك ردع لأهل الفسق والمنكر، وتقوية للآمرين بالمعروف .

** على الهيئات أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بكل حزم وجد ، كما دلت عليه المادة ( 10 ) ؛ وفي ذلك موازرة وإعانة لهم على إقامة هذه الشعيرة العظيمة .

** كما للهيئة حق المشاركة في مراقبة الممنوعات ، مما له أثر على العقائد والسلوك ، أو الآداب العامة مع بالترتيب مع الجهات المختصة ، كما تدل عليه المادة ( 12 ) ؛ وفي ذلك توسيع وشمول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

** كما ترك النظام تحديد أعضاء الهيئة في كل منطقة أو مركز أو فرع إلى الرئيس العام للهيئة ، وذلك حسب الظروف والأحول والاحتياجات  ، وكذا الحال في المفتشين والمحققين ورجال الشرطة وغيرهم ، كما تدل عليه المادة ( 7 ) ؛ وفي ذلك تقوية لهذا الجهاز  ، وعدم حصر أو تضييق له .

   ومن متابعة النظام ؛ نجد أن الهيئات أعطيت سلطات مهمة لتحقيق مهمتها ، ومن ذلك : سلطة الضبط ، والتحقيق ، وتوقيع العقوبة ‘ والرقابة على الممنوعات ، كما أن للهيئة دور مهم وفعال في الاحتساب في مجالات عدة منها : الاحتساب في مجال العقائد والعبادات ، والآداب العامة والسلوك .

 وبهذا يتبين لنا ما للمملكة من جهود قيمة ، في إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من خلال هذا الجهاز المبارك ، وما أتبعته من أنظمة زادته استقلالاً وقوة ، كما فتحت المجال له بالمشاركات الإعلامية ، فالرئاسة العامة لديها إدارة العلاقات العامة الإعلام ، ولها مشاركات إعلامية وصحفية ، ولديها نشرة " الحسبة " تصدر كل شهرين ، ولها موقع رسمي على الشبكة العالمية (الانترنت) ، باسم فرعها بالدينة النبوية (www.hesbah.gov.sa) ؛ وفي هذا زيادة لدعمها ، وتواصلها مع الناس و { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون } . (1) (2)

___________________

(1)               سورة يوسف (38) .

(2)               انظر : التطبيقات العلمية للحسبة ( 122ــ 133) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

  فأحمد الله جل وعلا الذي يسر لي إتمام هذا البحث المبارك ، وسأله سبحانه أن يوزعني شكر نعمه وآلائه ، وبنهاية هذا البحث نخلص إلى النتائج التالية :

·       أن إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حاجة أساسية لاستقرار المجتمع ، وعيشه الحياة الطيبة الآمنة المطمئنة ، وفي ذلك تحقيق لمطلب الإنسان وحاجته .

·       أن جذور إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قديمة في حكّام هذه البلاد المباركة ، بله الأساس في قيامها ، وارتفاع رايتها .

·       أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قام في هذه البلاد ؛ بغية الإصلاح ودفع الشر والفساد ، وكان مرد أصحابه إلى علوم الشريعة ومقاصدها الجليلة .

·       ما تمتعت به هذه البلاد من القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من لدن العلماء والدعاة ، وبدعم حكام هذا البلد الطيب .

·        أن أول تأسيس لجهاز المر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان في عهد الملك عبد العزيز ، إدراكاً منه لأهميته ، وعظيم شأنه ، وحاجة المجتمع له ،على أنه سبقه بوادر لهذا الشأن في عهد الإمام : فيصل بن تركي من خلال رسائله وكلماته .

 

·       أن ما تمّ من وضع النظام للهيئة في عهد الملك خالد ، قد زاد الهيئة استقلالاً وقوة في الحق ، وتقوية لها في إقامة الدين في المجتمع .

 

هذا وأسال الله التوفيق والسداد ، والعفو والمغفرة لي ولجميع المسلمين ، واستغفر الله من كل ذنب وأتوب إليه ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبة اجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .  

 

المصادر والمراجع

v   القرآن الكريم .

v   التطبيقات العملية للحسبة في المملكة العربية السعودية ( من عام :1351_1408) للدكتور: طامي هديف البقمي ، الطبعة الأولى :1415 هـ ، بدون اسم الناشر .

v   تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ، للشيخ: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، طبعة مكتبة الرياض الحديثة .

v   جامع البيان في تأويل القرآن . للإمام : محمد بن جرير الطبري ، طبعة مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى1420هـ .

v   الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية ، للدكتور : محمد ناصر الشثري ،طبعة دار الحبيب ،الطبعة الأولى 1424هـ .

v   مجموع الفتاوى ، للإمام : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ،جمع عبد الرحمن بن قاسم ، الطبعة المصورة .

v   الموقع الرسمي للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشبكة العالمية ( الانترنت)www.hesbah.gov.sa

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع

الصفحة

1

المقدمة

1

2

المبحث الأول :الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

المطلب الأول : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زمن الشيخ : محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية الأولى إلى نهاية الدولة السعودية الثانية

5

3

المطلب الثاني :الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الملك عبد العزيز

11

 4

المبحث الثاني: جهود المملكة من خلال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المطلب الأول :نشأة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

13

5

المطلب الثاني : جهود المملكة من خلال الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

16

6

الخاتمة

19

7

قائمة المراجع والمصادر

22

الفهرس



(1)  سورة التوبة ( 71 )  .

(2)  الفتاوى ( 6/323) .

 

 

(1)   سورةالأعراف ( 157 ).

(2)    جامع البيان في تأويل القرآن للطبري (18/191).

(3)    سورة الأعراف ( 164 ـ 165 ).