قائمة الروابط

 

 الدولة السعودية الثانية حتى نهايتها "سرد تاريخي":

     بتمام عام ثلاثة وأربعين ومائتين وألف للهجرة (1243هـ) كان أقليم نجد قد دخل في طاعة الإمام تركي على العموم([1])، الأمر الذي أعطاه فرصة للعمل على إخضاع بعض البوادي، كعربان هتيم وبعض الدواسر وآخرين من قحطان([2])وغيرهم من العجمان([3]) بالإضافة إلى وضع الترتيبات الإدارية من خلال تعيين الأمراء على البلدان؛ من ذلك استعمال عمر بن عفيصان([4]) أميرًا على الخـرج([5])، وعبـد العـزيز آل أبوعليان([6]) في بريدة([7])، وغير ذلك من الأعمال الإدارية كتعيين أحمد بن ناصر الصانع([8]) على بيت المال في سدير([9])وعثمان القاضي([10]) في بيت مال عنيزة([11])، وإرسال القضاة إلى البلدان من ذلك الشيخ محمد بن مقرن([12]) استعمله قاضيًا على ناحية المحمل وحريملاء والشيخ عبد الله أبابطين([13])على سدير([14])وغيرهم.

     خلال ذلك كان الإمام تركي يتطلع إلى استعادة إقليم الأحساء الهام([15])، والقضاء على قوة بني خالد التي حاول قادتها القضاء عليه عام خمسة وأربعين ومائتين وألف للهجرة (1245هـ) حيث جمعوا جيشًا من الحاضرة والبادية وخرجوا بهم يريدون الإمام تركي في الرياض([16])، الذي بادر بإرسال جيش من حاضرة نجد وباديتها لملاقاتهم وهو ما وقع فعلاً في شهر رمضان من تلك السنة([17])، في وقعة استمرت أيامًا([18])، وعُرفت بـ"السبية"([19])وكانت الغلبة فيها للإمام تركي الذي توجه إلىالأحساء بعد أن كاتب رؤساء أهلها ليدخلوا في طاعته؛ فأجابوه لذلك؛ فلما وصلها خرج إليه الرؤساء والعلماء فبايعوه، فلما رأى محمد بن عريعر أمير الأحساء آنذاك ذلك لم يسعه إلا أن يُسلم نفسه([20])، وبهذا عادت الأحساء لحكم الدولة السعودية مرة أخرى بعد انقطاع دام أكثر من عشرة أعوام؛ أما الخليج فقد وفد إلى الإمام تركي منهم بعض رؤساء عمان للمبايعة، وطلبوا أن يرسل معهم قاضيًا وسرية لحمايتهم([21])، كما أن أمراء البحرين دفعوا الزكاة للإمام معلنين تبعيتهم له([22])؛ وبهذا يكون الإمام تركي قد استعاد جزاء كبيرة مما كانت الدولة السعودية الأولى تسيطر عليها، وهي الأجزاء التي استمرت كما هي لم تزد شيئًا حتى نهاية الدولة السعودية الثانية([23]).

     وقد استمر حكم الإمام تركي حتى عام تسعة وأربعين ومائتين وألف للهجرة (1249هـ) وهو العام الذي قتل فيه([24])، حيث تولى الأمر بعده ابنه فيصل([25])؛ الذي لم يستمر حكمه طويلاً في فترته الأولى حيث استسلم للقوات المصرية عام أربعة وخمسين ومائتين وألف للهجرة (1254هـ)وأُرسل إلى مصر وبقي فيها أسيرًا، وبهذا انتهت فترة حكمه الأولى؛ وبعد الإمام فيصل وُلي الأمر خالد بن سعود([26]) من قِبل الترك، ولذا لم يستمر له الأمر طويلاً حيث خرج عليه عبد الله بن ثنيان([27]) الذي دعا إلى طرد الترك ومن شايعهم([28])؛ وتم له ما أراد حيث انتزع الأمر من خالد بن سعود في آخر عام سبعة وخمسين ومائتين وألف للهجرة (1257هـ)([29])، واستمر الأمر له مدة عام تقريبًا؛ حيث كانت عودة الإمام فيصل عام تسعة وخمسين ومائتين وألف للهجرة (1259هـ)([30]) الذي استطاع استعاد السلطة وتولي الحكم في الفترة الثانية له التي استمرت أكثر من عشرين عامًا، استطاعت الدعوة الإصلاحية خلالها أن تقدم الكثير من الجهود التي كان لها أثرها الحسن على الناس في تلك الفترة، بيد أن ذلك التحسن لم يستمر طويلاً حيث توفي الإمام فيصل عام اثنين وثمانين ومائتين وألف للهجرة (1282هـ)([31])وتولى بعده ابنه عبد الله([32]) الذي لم يستقم الأمر له إلا عامًا واحدًا حيث خرج عليه أخوه سعود([33]) منازعًا له([34])، ولم يزل الأمر سجالا بينهما([35])، الأمرالذي كان له أسوء الأثر علىالحركة الدعوية والعلمية في الدولة السعودية الثانية، وأفقدها كثيرًا من مكاسبها ونجاحها الدعوي، وكانت البداية العملية لسقوط هذه الدولة، حيث استمر الأمر على هذا المنوال حتى توفي سعود عام واحد وتسعين ومائتين وألف للهجرة (1291هـ)([36])حيث عاد الإمام عبدالله وتولى الحكم بيد أن الأمر لم يستقم له لأسباب منها:منازعة أبناء أخيه سعود له، وتحريضهم للقبائل عليه، وظهور محمد بن رشيد([37]) الطامع بحكم نجد الذي كانت لديه قوة تفوق قوة الإمام عبدالله([38])التي أنهكتها الصراعات الداخلية، حيث لم يزل أمر الدولة السعودية ينتقل من ضعف إلى ضعف حتى كانت نـهايتها بخروج الإمام عبدالرحمن([39])-الذي تولى الأمر بعد وفاة أخيه الإمام عبد الله عام سبعة وثلاثمائة وألف للهجرة (1307هـ)-بعد أن هزم ومن معه أمام ابن رشيد في حريملاء عام تسعة وثلاثمائة وألف للهجرة (1309هـ)([40])، وذلك بعد هزيمة أهل القصيم أمام بن رشيد في موقعة المليدا المشهورة عام ثمانية وثلاثمائة وألف للهجرة (1308هـ)([41])، وبذلك انتهت الدولة السعودية الثانية.  

 


 ([1])    عبد الله العثيمين، بحوث وتعليقات:150.

 ([2]) عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/58-59 .

 ([3])  نفسه:2/63 .

 ([4]) هو عمر بن محمد بن عفيصان، من أسرة معروفة بمناصرة آل سعود، كان ممن ناصر الإمام تركي أول قيامه، ولي عدة أمارات منها إمارة الخرج والأحساء وعمان وغيرها، عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/28،41، 75،65، 75، 86

 ([5]) نفسه:2/41 .

 ([6]) هو عبد العزيز بن محمد بن عبدالله آل أبو عليان، ولاه الإمام تركي إمارة بريدة خلفًا للشاعر محمد بن علي العرفج عام1243هـ، واستمر فيها إلى أن قتل عام1277هـ، عثمان بن بشر، المصدر نفسه:2/64،122.

 ([7]) عبد الله بن محمد آل بسام، تحفة المشتاق (مخطوط):ورقة253.

 ([8]) هو أحمـد بن ناصر الصانع، ولاه الإمام تركي عدة أعمال منها بيت المال في سدير، ثم أميرًا عليها، عثمـان ابن بشر،المصدر نفسه:2/122 .

 ([9]) عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/37 .

 ([10])   هو عثمان بن حمد القاضي من قبيلة تميم، ولي للإمام تركي وابنه فيصل ومن بعده ابنه عبد الله بيت المال في عنيزة، وهو من أسرة لها وجاهتها في ذلك البلد، عبد الله بن محمد آل بسام، تحفة المشتاق (مخطوط): ورقة254.

 ([11])   عبد الله بن محمد آل بسام،تحفة الشتاق (مخطوط):ورقة254.

 ([12])   هو محمد بن مقرن بن سند الدوسري من العلماء الكبار، ولي القضاء للإمام تركي وابنه فيصل في أماكن متعددة منها بلدان المحمـل والأحساء،وجلس للتدريس فانتفع به خلق،توفي عام 1267هـ،انظر:عبد الله ابن عبد الرحمن البسام، علماء نجد: 6/393، وعثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/286،ومحمد القاضي،روضة الناظرين:2/198، وعبد الرحمن بن قاسم، المرجع نفسه:12/60.

 ([13])     ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله" ص : 214.

 ([14])   عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/37 .

 ([15])   وقع قبل هذا الحدث مناوشات اختلف فيها المؤرخين؛ من ذلك حادثة إرسال الإمام تركي سرية استـولت على إحدى القوافل الأحسائية،حيث اختلفوا في تاريخ وقوعها وبقيادة من كانت،فيرى عثمان بن بشـر-مثلاً- أنها كان عام1245بقيادة عمر بن عفيصان، بينما يرى عبد الرحمن آل ملا في تاريخ هجر أنها كانت قبل ذلـك بقيادة محمد بن عفيصان، ولعدم أهميتها تجاوزتها لما هو أهم، ولمزيد فائدة انظر:عثمان ابن بشر،المصـدر نفسه:2/69،حصة السعدي، المرجع نفسه : 115، ومحمد عرابي نخلة،تاريخ الأحساء السياسي:51،وعبدالرحمن بن عثمان بن محمد آل ملا، تاريخ هجر، دراسة حضارية شاملة: 311،وغيرها.

 ([16])   عبد الرحمن آل ملا،المرجع نفسه: 311.

 ([17])   عبد الله بن محمد آل بسام،تحفة الشتاق (مخطوط):ورقة255.

 ([18])   محمد آل عبد القادر،المرجع نفسه:149 .

 ([19])   يرى عثمان بن بشر أن سبب هذه التسمية هو كثرة ما سُبي فيها من الحلي والحلل والأثاث والأغنام والإبل، وقد ذكر حمد الجاسر أن السبية اسم لأقواز الرمل شرق الدهناء، انظر:محمد آل عبد القادر،المرجع نفسه:148هامش، وعثمان بن بشر، المصدر نفسه:2/71.

 ([20])   محمد آل عبد القادر،المرجع نفسه:149.

 ([21])   عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/65.

 ([22])   حصة السعدي،المرجع نفسه:218،والظاهر أن تلك التبعية كانت شكلية لتحمي نفسها من الأطمـاع الفارسية والعمانية.

 ([23])   عبد الله العثيمين، بحوث وتعليقات:151.

 ([24])   يأتي الكلام على مقتله مفصلاً في الفصل الرابع"معوقات الدعوة"المبحث الأول. ص: 364.

 ([25])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله" ص: 162.

 ([26])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله" ص: 185.

 ([27])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله" ص: 186.

 ([28])   عثمان بن بشر،المصدر نفسه:192.

 ([29])   انظر فيما سبق: عثمان بن بشر،المصدر نفسه:2/172-199.

 ([30])   نفسه:2/207.

 ([31])   إبراهيم بن عيسى،عقد الدرر  فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر:46.

 ([32])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله" . ص: 176.

 ([33])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله".  ص: 181.

 ([34])   إبراهيم بن عيسى، عقد الدرر:48.

 ([35])   رسائل للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ،،في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:3/69 وغيرها. 

 ([36])   إبراهيم بن عيسى، تاريخ بعض الحوادث :187.

 ([37])   هو محمد بن عبد الله بن علي بن رشيد، ولي الإمارة عام 1288هـ،وبلغت إمارة آل رشيد في عهده شأنًا عاليًا،توفي عام 1315هـ وليس له عقب، محمد سعيد كمال (ناشر)، الأزهار النادية من أشعار البادية:3/28.

 ([38])   أمين الريحاني،المرجع نفسه:101.

 ([39])   ستأتي له ترجمة وافية -إن شاء الله- في الفصل الثاني "القائمون بالدعوة إلى الله". ص: 182.

 ([40])   إبراهيم بن عيسى،عقد الدرر:90، وعبد الله بن محمد آل بسام،تحفة المشتاق (مخطوط):ورقة327 .

 ([41])  إبراهيم بن عيسى، عقد الدرر : 89 .