«ثـلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسـوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله،

وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».

[ رواه الشيخان]

تخريج الحديث

هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع :

في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان برقم: (16)

وباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان. برقم: (21)

وفي كتاب الأدب، باب الحب في الله، برقم: (6401) باختلاف يسير في الألفاظ .

وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، برقم: (6941)

وأخرجه مسلم في صحيحه: في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم: (67) و (68) بلفظ «ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان ... ».

و الترمذي في جامعه: في كتاب الإيمان، باب حديث «ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان». برقم: (2624) بلفظ « ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان ».

و النسائي في سننه باختلاف يسير في الألفاظ :

 في كتاب الإيمان، باب طعم الإيمان، برقم: ( 4990).

وباب حلاوة الإيمان، برقم: ( 4991).

وباب حلاوة الإسلام، برقم: (4992).

 

الوقفة الأولى

 نظرة في عموم الحديث

 هذا الحديث من الأحاديث العظيمة حيث إنه يضم معاني عظيمة وأسسا كبيرة من أسس الإيمان، من حب الله ورسوله، والتحاب فيما بين المسلمين، والثبات على الإيمان، والعض عليه بالنواجذ، وبغض الكفر وأهله، بلوغ كراهية الكفر مبلغا أن يؤثر عليه القذف في النار .

 إن الحب في الإسلام بصورته النقية أحد عنصري غاية الوجود الإنساني فوق هذه الأرض: العبودية لله سبحانه تعالى، لأن العبودية تتمثل في عنصرين متكاملين هما: الذل والمحبة في غايتهما. قال ابن تيمية في رسالة (العبودية): «العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له»([1]).

ولهذا بين الرسول ? أن حلاوة الإيمان عند العبد المسلم لا تتحقق إلا بحبه لله فحب الله هو الأساس، وما سواه مما ذكر في الحديث إنما يعود إليه؛ سواء كان حب الرسول r أو حب أولياء الله، أو كراهة الكفر، فهو في هذه الكراهة يؤكد ثبوت حبه لله بكراهة الكفر كأنه يثبت الشيء بنفي نقيضه.

وأول موقع من مواقعها هو حب المسلم للرسول r الذي أنقذه الله به من الظلمات إلى النور، والواسطة العظمى بين الله وبينه في تبليغ مراد الله له، ولهذا اقترن ذكر الرسول بذكره في مقام طلب الحب في الحديث: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» ومن حب الله ورسوله حب شريعته ودينه الذي جاء به كتابه الكريم، وبينه رسوله العظيم محمد r في سنته المباركة.

ومن مواقعها الإنسان المحب لله الطالب مرضاته وهذا ما ذكر في الحديث في قوله r بعد ذكر محبة الله ورسوله: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله».

فمحبة الإنسان في الله تكون على أساس قربه من الله، وقرب الله يتحقق بالإسلام له، والعمل بطاعته، ولما كان هذا القرب يزيد بقدر زيادة العبد في طاعته لربه؛ كانت المحبة مطردة في زيادتها ونقصها مع هذا القرب والطاعات، فإذا ابتعد هذا الإنسان بنفسه عن ربه باقتراف ما يقضي بذلك حل مقابل تلك المحبة له في نفس المؤمن، أي حل البغض له بسبب هذا البعد، وفي هذه الحالة يجتمع له حب لطاعته وبغض لمعصيته، فإذا ما قطع صلته بالله وآثر بقربه بعدا وبطاعته معصية وكفرا بانسلاخه من الإسلام، تحولت تلك المحبة إلى بغض وكراهة لهذا الشخص بسبب كفره، ولا يمكن أن يبقى من المحبة في قلب المؤمن شيء.

 فالمحبة كما تقع على الأشخاص تقع على الأفعال، وإلى ذلك نبه الحديث الشريف في الثالثة من الثلاث اللائى يجد بهن المرء حلاوة الإيمان،
وهي أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار .

وكما أن حالة الكفر تبلغ عند المؤمن غاية الكره، فإن البدع والمعاصي مكروهة مبغضة بحسب كبرها وبشاعتها، وبالمقابل فإن حالة الإيمان والاستسلام لله تستوجب من المسلم حبا لصاحبها، والطاعات والآداب الشرعية محبوبة من المؤمن([2]).

قال ابن حجر: قال البيضاوي: وَإِنَّمَا جعل هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَان لِأَنَّ المَرْء إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ المُنْعِم بِالذَّاتِ هُوَ الله تَعَالَى , وَأَنْ لَا مَانِح وَلَا مَانِع فِي الْحَقِيقَة سِوَاهُ , وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِط , وَأَنَّ الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُبَيِّن لَهُ مُرَاد رَبّه , اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّه بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوه: فَلَا يُحِبّ إِلَّا مَا يُحِبّ, وَلَا يُحِبّ مَنْ يُحِبّ إِلَّا مِنْ أَجْله، وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَة مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقّ يَقِينًا. وَيُخَيَّل إِلَيْهِ المَوْعُود كَالْوَاقِعِ , فَيَحْسَب أَنَّ مَجَالِس الذِّكْر رِيَاض الْجَنَّة , وَأَنَّ الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلْقَاء فِي النَّار. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا ([3]).

 


([1]) كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص: 44.

([2]) ينظر كتاب: الصداقة في الإطار الشرعي للدكتور عبد الرحمن الزنيدي، ص: 54-61 باختصار.

([3]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني: 1/ 61، المكتبة السلفية.