,»,جامعة,أم,القرى" /> » جامعة أم القرى" />

قائمة الروابط

 
   
   

 

المملكة العربية السعودية

وزارة التعليم العالي

جامعة أم القرى

كلية اللغة العربية

قسم الدراسات العليا العربية

فرع اللغة والنحو والصرف 

خطة بحث بعنوان :

معالم التجديد النحوي في القرن الرابع الهجري 

مقدم لنيل درجة الدكتوراه في النحو والصرف

 

إعداد الطالب  

محمد بن ردَّه عطية الله العمري

الرقم الجامعي / 70093 - 426

إشراف الأستاذ الدكتور

سليمان بن إبراهيم العايد

1427هـ - 1428هـ

 

( هيكل خطة البحث )

أولاً : مقدمة : أتحدث فيها عن فكرة الموضوع ودوافعه .

ثانياً : تمهيد : البيئة الفكرية والثقافية في القرن الرابع .

ثالثاً : فصول البحث :

الفصل الأول : معالم فكرية :

أ - علم الكلام         ب - الفلسفة والمنطق

الفصل الثاني : التفكير العقلي في الأصول التكوينية (الاحتجاج ) :

أ - السماع .

ب - القياس .

الفصل الثالث : معالم التجديد في الأصول التفسيرية :

أ - العامل .

ب - التعليل .

ج - التأويل .

رابعاً : الخاتمة : وفيها أهم نتائج البحث .

مع العلم أن هذه الخطة قابلة للتعديل في ضوء ما تراه لجنة الموضوعات ، ثم في ضوء ما يستجد أثناء البحث ويوجه إليه سعادة المشرف على الرسالة .

والله المستعان أولاً وآخراً ،،،

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين        وبعد :

فهذه إضاءة حول ما عرضته من مقدمات لموضوع مقترح لرسالة الدكتوراه بعنوان : « معالم التجديد النحوي في القرن الرابع الهجري » .

وقد أفدت فيها كثيراً مما لاحظته اللجنة في اطلاعها الأول على خطة البحث ،حيث طُلب مني الرجوع إلى مؤلفات القرن الرابع ؛ للتأكد من وجود ما تقوم به مادة البحث وفق الخطة المقدمة ، وللبرهنة على ذلك قمت بإعداد نماذج مما وقفت عليه في ذلك .

كذلك أشارت اللجنة وفقها الله إلى أن الخطة في هيكلتها المقدَّمة لا تقدم جديداً حول موضوع البحث ، إذ أن كل فصول البحث ومباحثه مخدومة من قبل ولا مجال فيها لجديد .

وقد جمعت في هذه الوريقات بعض الإشارات اليسيرة عن الخطة والمنهج المتبع فيها ثم أردفتها بنماذج مما ستتناوله مباحث الخطة ، فأقول :

أولاً : لا يقطع أيُّ باحث يستن سنن البحث العلمي الرصين بأن يصل إلى نتائج جديدة في موضوع بحثه ، بمعنى أن النتائج لأي بحث علمي تبقى رهينة لسلوك الباحث في عمله ؛ ولهذا لا تخلو أي دراسة علمية جادة من أن تصل بعد الانتهاء منها إلى :

أ - التأكيد على نتائج سابقة ، والتحقق من صحتها وإثبات صدقها .

ب - تقويم وتعديل تلك النتائج ، وبيان وجوه القصور أو الانحراف فيها .

 

جـ - الخروج بنتائج جديدة تضاف لسابقتها وتثري البحث في موضوعها .

وأحسب أنني لن أعدم الظفر بواحدة من تلك بإذن الله تعالى .

ثانياً : المنهج وطريقة البحث :

أما عن وجهتي في هذا البحث ، ومنهجي في دراسته فسيتمان بإذن الله تعالى وفق ثلاثة محاور :

المحور الأول : رصد التطور الحقيقي والملموس للدراسة النحوية في القرن الرابع مقارنة بالقرون السابقة ، في الحدود التي تخدم الموضوع ، وذلك من خلال الظواهر البارزة التي يمكن ملاحظتها والاتفاق عليها لكل من ينعم النظر في الدراسات النحوية العربية .

المحور الثاني : مناقشة وعرض معالم التجديد في هذا القرن عرضاً علمياً يفضي إما إلى قبولها أو ردها أو تقويمها ، مدعماً ذلك بما يؤكده من نصوص وآراء نحويي القرن الرابع .

المحور الثالث : الربط بين فصول هذه المعالم كما تقررها الخطة ، فالمعالم الفكرية لابد وأن يظهر أثرها في النظر إلى أصول الاستدلال والتي بدورها تستلزم تجديداً في الأصول التفسيرية يمكن من خلالها التوجيه والتفسير للظواهر النحوية وفق ما استقر من أصول فكرية واستدلالية .

- وقد قمت بتعديل الخطة بعد مراجعتها لتستقر بصورتها النهائية على ما أرفقته مع هذه الأوراق .

 

وأما عن الخطة العامة ، فهي وإن وافقت بعض المباحث والفصول في كتب وأبحاث موجودة ، فإنني لم أقف فيما اطلعت عليه على مؤلف قام في هيكله على ما تقوم عليه خطتي من حيث تبويبها ، وقد أشرت في المقدمة إلى أن كل الدراسات التي تناولت هذا الموضوع إنما كان تناولها له من خلال إشارات خاطفة لا تقوم دليلاً على استقصاء أو أسبقية ، ولا تروي نهم المريد للحقيقة العلمية القائمة على الاستقصاء والتمحيص ، إضافة إلى ما في كثير منها من تجنٍ على النحاة في هذا القرن ، وترديد لأحكام عجلى دون تمحيصها والتأكد من صحتها .

أهداف الدراسة :

تهدف الدراسة إلى معرفة ما استجد على الدراسة النحوية واستجلائه في  هذا القرن والخاص بالدراسة النحوية , مما كان له الأثر المباشر في توجيه الدراسة والتأليف النحويَيْنِ . 

كما تهدف الدراسة إلى التوفيق بين التنظير والتطبيق بحيث تكون كل الحقائق والآراء التي أوردها فيها مدعمة بالجانب التطبيقي الذي يثبتها ويدفع غيرها, مما يجلي الصورة الحقيقة لموضوع النحو ومنهجه في هذه القرن . 

دوافع الدراسة :

 دفعني لدراسة هذا الموضوع دوافع كثيرة منها :

1-  أن شبه الإجماع على تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي أو الفلسفة اليونانية عامة وفي هذا القرن خاصة يبعث الظن بأن النحاة اكتفوا ببيان المقولات الأرسطية وأن معطيات النحو في هذا القرن هي في أساسها تكييف لهذا الفكر وتلك الفلسفة وحدها.

2-  أن كثيراً ممن يرمون النحو العربي بالخضوع للفكر غير العربي يخصون هذا القرن بالذات باستحكام هذا الأثر ويردون كل تجديد في النحو من حيث التبويب والتقسيم والميل إلى التيسير إلى آثار هذا القرن .

3-  أن جل الأحكام التي صدرت على الفكر النحوي والدراسة النحوية في هذا القرن كانت أحكاماً عامة لا تقوم حجة في ميدان المعرفة ، ولا يوقف عندها، ومع هذا فقد تُلقِّفت على أساس من التسليم يحيلهالحقائق علمية غير مشكوك فيها([1]).

4-  لم يشر إلى هذا الموضوع خاصة وبجوانبه المتعددة إلا في ثنايا من الكتب النحوية والبحوث الحديثة التي يشملها الإيجاز والإبهام وتكتفي بترديد الآراء السابقة عليها دون تمحيصها ودراستها.

5-  أغلب الدراسات حول هذا الموضوع قامت على أساس الدمج بين المؤثرات على التفكير النحوي بصورة مجملة وفي مراحل متعاقبة من دون التركيز على مرحلة معينة , وبصورة علمية واضحة تكون الحقيقة العلمية هي وحدها الهدف والغاية.

6-  الإسهام في استكشاف التجديد في هذا القرن واستخلاص معالمه وفق الاستقراء والتحليل اللازمين للوصول للحقيقة العلمية المجردة .

الدراسات السابقة :

سبق أن نوقش هذا الموضوع وطرح من قبل على أيدي بعض الباحثين, وهذا ما سأعرض له بإذن الله مفصلاً في التمهيد لهذه الدراسة , ولكن يُجمل الكلام حول هذه الدراسات ما تقدم في الدافعين الرابع والخامس مما تقدم في دوافع اختياري لهذا الموضوع .

وسأكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاث دراسات سابقة يمكن أن يظن أنها تتقارب مع دراستي , وتغني عنها وهي في الحقيقة ليست كذلك , مع تقديري للجهود المبذولة فيها, والشمولية التي يمكن أن تكون صفة عامة تجمع  بينها وتفرق بينها وبين دراستي . وهذه الدراسات هي :

الدراسة الأولى : تقويم الفكر النحوي , وأصول التفكير النحوي , وهما كتابان للدكتور : علي أبو المكارم ,وقد رغب أبو المكارم فيهما إلى تحليل أصول النحو الفكرية الرئيسة التي قام عليها بنيانه الكلي ؛ ولذلك فقد كانت دراسته في تقديم الفكر النحوي تحاول « التصدي لتقويم الفكر النحوي في امتداده الزماني والمكاني , دون التقيد بشخصية أو الاقتصاد على موضوع أو الارتباط بتجمع أو التركيز على اتجاه » ([2]).

ومع أنني أدين للدكتور أبي المكارم بالفضل في السبق في هذا الموضوع, والشمولية في الطرح, والقدرة على التحليل والربط بين أجزاء دراسته بما يتناسب والمراحل التاريخية التي درسها إلا أنني أجد أن دراسته تختلف عن دراستي فيما يلي :

  1. أنه اعتمد الدراسة التاريخية الوصفية في كتابيه , ولذا لم يستطرد في الحديث عن كل فترة أو مرحلة تاريخية من مراحل التفكير النحوي إلا بما يمكن أن يعتبر حديثاً عاماً لا يغوص في خصائص تلك الفترة والمرحلة كما يطلب , علماً بأن لكل مرحلة تاريخية من هذه المراحل خصوصية معينة , وتصور فكري معين, وروافد فكرية خاصة؛ ولهذا فقد تشعب الموضوع عليه كما سيأتي في النقطة رقم (4) من وجوه الاختلاف التي ستذكر .

  2. تردد الدكتور على أبو المكارم في الحكم على أثر الأصول الفكرية في القرن الرابع, ووقع بسبب ذلك في تناقض من أمره حيث صرح بوجود مقاومة للترجمة وتوضيح لقصورها في احتواء مناهج التصور الإسلامي وعلومه إلا أنه تناسى أثر ذلك حين يقرر بعده بأسطر أن النحو في القرن الرابع تابع بالكامل للمنطق خاضع بالإطلاق له , حتى لا يجد فيه أثراً للموروث عن المراحل السابقة([3]) , وهذا في نظري تدافع بين بداية الكلام ونهايته.

  3. بنى على ما تقدم في (2) نتيجة عامة عن النحو ومنهجه في هذه المرحلة فهو يرى أن صياغته أعيدت, ووضع وضعاً جديداً انطلاقاً من النظرة المنطقية الصورية . وكأنها وحدها هي الرافد الفكري, في هذا العصر.

  4. اعتبر أبو المكارم القرن الرابع وما تلاه حتى العصر الحديث مرحلة واحدة فعمَّم مظاهر التجديد فيها، وأرجعها إلى أصول فكرية واحدة وهذا يوضح لنا أثر التشعب الذي سبق أن أشرت إليه في (1) .

الدراسة الثانية : كتاب ( الفكر النحوي عند العرب: أصوله ومناهجه , للدكتور علي مزهر الياسري ) , وهي دراسة موسوعية تناولت مراحل ومناهج الفكر النحوي بصورة شاملة , وقد جاءت في ما يقرب من 460 صفحة استعرض فيها تلك المراحل بصفة إجمالية للوصول إلى الأصول الفكرية العامة للنحو العربي على امتداد عمره وصولاً إلى العصر الحديث, وكما صرّح المؤلف في مقدمته فقد كان يهدف إلى معرفة ( مدى فائدة ذلك في تقريب العربية للدارسين سواءً في أعمال النحاة القدامى أو بحوث المحدثين)([4]).

وهذا البحث وإن كان يتداخل في بعض جزئياته مع دراستي إلا أن هدفه العام يختلف تماماً عن هدف دراستي ودوافعها .

إذ يلتمس من خلال ما تقدم من هدف الدراسة أنها دراسة انتقائية ترمي إلى الربط المباشر بين طرق التأليف قديماً وحديثاً، إضافة إلى ما في البحث من  الشمولية التي ينتفي معها الإحاطة بأخص خصائص القرن الرابع الفكرية التي بلورت مناهج البحث النحوي وأثرت في تأليفه من خلال سيطرتها على تفكير النحاة .

الدراسة الثالثة : ( خصائص التأليف النحوي في القرن الرابع الهجري , للدكتور / سعود بن غازي أبوتاكي ) .

وكان يهدف فيه إلى أن «  يقف على الخصائص العامة للاتجاهات النحوية من خلال المؤلفات التي ألفها أصحابها في القرن الرابع الهجري »  ([5]).

وكما هو واضح من عنوان الكتاب ومحتواه , فهو بحث خاص, بالتأليف والكتب في هذا القرن , يتناول فيها مناهج العلماء في مؤلفاتهم ثم يصنفهم بناءً عليها , والفرق بين هذه الدراسة ودراستي اختلاف في الهدف والمنهج , فإذا كانت مناهج التأليف النحوي قد تعددت في هذا القرن كما توصل إلىه (أبو تاكي)في ذلك , فإن التساؤل الذي لم تجب عليه دراسته هوما الأصول الفكرية العامة التي أثرت في نحاه هذا القرن , فنتج عنها هذا الاختلاف في اتجاهات التأليف؟؟ .

وثمة أمر آخر حول دراسة الدكتور ( أبو تاكي ) هو أنها دراسة وصفية , إذ اكتفى في الباب الأول كاملاً بوصف مؤلفات هذا القرن وتحليلها من حيث مادتها وموضوعاتها وأسلوب مؤلفيها ؛ ولهذا كان هدفه أولاً وأخراً -كما تقدم- تصنيف هذه المؤلفات من حيث مناهجها إلى اتجاهات معينة, وفي الباب الثاني حاول أن يحلل الاتجاهات بناءً على وصف المؤلفات المسبقة، فخرج من البحث بنتائج لابد أن تفضي إليها أي دراسة وصفية مسحية تكتفي بالوقوف أمام المؤلفات وحدها وتفصلها عن سياقها الفكري والتاريخي العام؛ ولذا لم تكن لديه أية نتائج جديدة حول هذا الموضوع , فقد تشابهت الأسس المنهجية التي قام عليها النحو العربي مع الأسس المنهجية التي قام عليها النحو الأرسطي كما أن لغة التأليف في النحو هي نفسها لغة التأليف المنطقي عند أرسطو([6]).

وقد رأيت بعد هذا كله أنّ تحقيق الهدف من دراستي يتم من خلال تقسيمها إلى تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة .

أما التمهيد : فأتحدث فيه عن القرن الرابع من جوانب متعددة بهدف رسم صورة جليّة لبيئة موضوع البحث , مع بيان الحركات الفكرية والثقافية، والترجمة وأثرها في هذا القرن .

وأما الفصل الأول: فسأخصصه للمعالم الفكرية ( الروافد أو المنابع ) للدراسة النحوية في هذا القرن ومنها : علم الكلام , الفلسفة والمنطق .

وسأحاول في هذا الفصل توضيح هيئة التفاعل الفكري للنحاة مع هذه الأصول وأثرها في توجيه الفكر النحوي في هذا القرن بوجه عام .

والفصل الثاني : ( التفكير العقلي للأصول التكوينية ) أو ( الاحتجاج ) ,
( القياس – السماع ) فسأجعله خاصاً بالاستشهاد والاحتجاج في هذا القرن وقد تعمدت أن يكون تالياً للفصل السابق وذلك حتى يمكن رصد أثر المعالم  الفكرية في قضايا الاستشهاد والاحتجاج في هذا القرن .

الفصل الثالث : المعالم التفسيرية : وسأدرس فيه بإذن الله التجديد في ( العامل , العلة, التأويل) باعتبارها أصولاً اعتمد عليها نحاة القرن الرابع في تفسير الظواهر اللغوية المختلفة, وقد اعْتُبرت في أغلب الدراسات التي تناولتها في القرن الرابع أو غيره من مراحل النحو العربي أبرز مظاهر التأثر بالاتجاه العقلي والمنطقي في الدراسة النحوية خلال هذا القرن , مما ولد لدى جميع باحثيها تقرير خضوع النحو العربي للمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية بعامة .

وسأحاول في هذا الفصل أيضا بيان أثر المعالم الفكرية في توجيه هذه الأصول والاعتماد على التنظير والتطبيق , من خلال الغوص في البنية الفكرية الموجهة لهذه الأصول .

الخاتمة : وسأعرض فيها لأهم نتائج البحث بإذن الله .

ثالثاً : النماذج :

المعالم الفكرية

1 - المنطق :

هو علم القوانين التي يسير عليها الفكر في وصوله إلى التصورات والتصديقات الصحيحة([7]) .

فعند أبي علي الفارسي في كتاب الإيضاح ، يلاحظ أنه لم يتعمق في قضايا المنطق لكونه كتاباً تعليمياً ، ولأنه لم يعرف كثيراً عن أبي علي الايغال في المنطق والاعتداد به ، ولكن وإثباتاً لما سنذكره في البحث إن شاء الله إنما يلجأ النحويون لطريقة المناطقة في المسائل النحوية عند الجدل ، والرغبة في الإقناع ، تأثراً بروح العصر ، وثقافته .

وأبو علي كان قد جادل عضد الدولة في ناصب الاسم الواقع بعد (إلا) في قول الفاضل : خرج القوم إلا زيداً ، وحينما اعترض عليه عضد الدولة اعتذر بأن هذا جواب ميداني ، وقد استحضر أبو علي هذا الموقف أثناء عرضه لباب الاستثناء فظهرت فيه روح المجادلة والإقناع .

يقول : « ليس يخلو الاستثناء من أن يكون في كلام موجب أو غير موجب ، والاستثناء من الكلام الموجب نصب ، مثال ذلك : « جاء القوم إلا زيداً » ، و« خرج أصحابك إلا عبد الله » ، و« انطلق الناس إلا إخوتك » فانتصاب الاسم إنما هو بما تقدم في الجملة من الفعل أو معنى الفعل بتوسط إلا ، كما أن الاسم الذي بعد الواو في باب المفعول معه منتصب بتوسط الواو ، فإن كان الكلام المذكور فيه إلا ، غير موجب فإنه لا يخلو من أن يكون تاماً أو غير تام ، فمثال غير التام : ما جاء في إلا زيد ... وهذا لا يكون فيه الرفع لأن الفعل مفرغ لما بعد إلا ، فالعامل فيه ما قبل إلا .... »([8]) .

وقد استعمل أبو علي هذا الباب السبر والتقسيم كما ظهر ، والتنظير أيضاً كما فعل في ذكر ما بعد واو المعية ، والتعليل كما يظهر في سبب انتصاب ما بعد إلا وما بعد واو المعية .

ويظهر أثر المنطق واضحاً في الحدود ، والتعريفات وذلك من خلال مراعاة الكليات الخمس ( الجنس ، النوع ، والفصل ، الخاص ، والعرض ) .

ويمكن أن نلحظ ذلك جلياً في تفريق السيرافي بين دلالة الفعل ودلالة الاسم ودلالة الحرف حيث يقول : « وإنما تجيء الحروف مؤثرة في غيرها بالنفي والإثبات ، والجمع والتفريق ، وغير ذلك من المعاني ، والأسماء والأفعال معانيها في أنفسها قائمة صحيحة ، والدليل على ذلك أنه إذا قيل : ما الإنسان ؟ كان الجواب على ذلك أن
يقال : الذي يكون حياً ناطقاً كاتباً ، وإذا قيل ما الفرس ؟ قيل : الذي يكون حيَّاً ، وله قوائم وصهيل ، وغير ذلك من الأوصاف التي تخص المسمى ، وإذا قيل : ما معنى
قام ؟ قيل : وقوع قيام في زمان ماض ، فعقل معناه في نفسه قبل أن يتجاوزه إلى
غيره ، وليس كذلك الحروف ؛ لأنه إذا قيل : ما معنى ( من ) ؟ كان الجواب أن يبعض بها الجزء من الكل ، فالجزء غير ( من ) وكذلك ( الكل ) ولم يعقل معنى تحتها غير الجزء والكل ، فعلمنا أنها تؤثر في المعاني ، ولا يعقل معناها إلا بغيرها »([9]) .

والكلام عن الأثر المنطقي أو أثر منطق أرسطو في النحو العربي ليس مسألة
جديدة ،أو يحتاج المرء معها لسرد الأمثلة ، فقد أورد كل من كتب عن ذلك أمثلة متعددة ، منها ما يرجع إلى ما قبل القرن الذي أنا بصدد دراسته ، لكن من كتبوا عن ذلك تجاهلوا المبرر في اعتماد النحويين عليه ، وهل كانت تمليه طبيعة النحو ؟ أم طبيعة العصر والثقافة ؟ ، وقد أجاب عن هذا التساؤل الزجاجي فقال بعد أن تحدث عن حد الاسم :« وليس هذا من ألفاظ النحويين ولا أوضاعهم ، وإنما هو من كلام المنطقيين ومذهبهم ؛ لأن غرضهم غير غرضنا ، ومغزاهم غير مغزانا ، وهو عندنا على أوضاع النحو غير صحيح ؛ لأنه يلزم منه أن يكون كثير من الحروف أسماء ؛ لأن من الحروف ما يدل على معنى دلالة غير مقرونة بزمان نحو : إنّ ، ولكنَّ ،وما أشبه ذلك »([10]) .

وقال أيضاً : « أفلا تراهم كيف اختلفوا هذا الاختلاف ، وليس فيه تناقض ؛ لأن كل واحد منهم قصد إلى طريق ما فخدمها منه ، وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد الفلسفة هاهنا ، وليس من أوضاع النحو ؛ لأن هذه المسألة نجيب عنها من يتعاطى المنطق وينظر فيه ، فلم نجد بٌدَّاً من مخاطبتهم من حيث يعقلون ، وتفهيمهم من حيث
يفهمون »([11]) .

ومن هذين النصين يظهر أن التسليم بالأثر المطلق للمنطق يفضي إلى التجني على النحو ، بل قد يؤدي إلى تضليل القاعدة النحوية وانحرافها ، إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكن التجاسر بالقول إن المنطق لم يكن مؤثراً في شكل ومنهج التأليف النحوي في هذا العصر ، وقد ذكرت في مقدمة الخطة أننا نعدم هذه النظرة عند كثير ممن كتبوا عن علاقة النحو العربي بالمنطق الأرسطي ، فالنحو كله في نظر هؤلاء ترديد لهذه المقولات وتكييف لها .

وهدف البحث هو تقويم هذه النظرة ، من خلال تجلية الصورة عن كيفية هذا التأثر ، أهو تأثر شكلي في طريقة التأليف والمنهج ؟ أم يتعداها إلى الموضوع العام للنحو فيؤدي به إلى الانحراف في هذا القرن كما يدعي غير قليل ممن أخضعوا النحو كليةً في هذا القرن للمنطق ؟

2 - علم الكلام :

وعناية النحويين به غير مستغربة ويفيد منه المعتزلة خصوصاً بالقول بأن صفات الله ليست قديمة ، والمقصود به : أن تعرض الأمور التي يتعلق بها الحكم النحوي أو اللغوي ، ثم تُبيَّن وجه بطلانها جميعاً([12]) .

وقد خصص ابن جني باباً في الخصائص : « في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن لا على ما يبعد ويقبح » ، ومما جاء فيه : « وذلك كأن تقسم نحو ( مروان ) إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فيقول : لا يخلو من أن يكون فعلان أو مفعالاً أو فَعْوالاً ، فهذا ما يبيحك التمثيل في بابه ، فيفسد كونه مفعالاً أو فعوالاً أنهما مثالان لم يجيئا ، وليس لك أن تقول في تمثيله : لا يخلو أن يكون مفلان أو مفوالاً أو فعوان أو نحو
ذلك ، لأن هذه ونحوها أمثلة ليست موجودة أصلاً ، ولا قريبة من الموجودة ، كقرب فعوال ومفعال من المثلة الموجودة ، ألا ترى أن فَعْوالاً أخت فِعْوال كقِرْواش ،وأختِ مَعْوال كعصواد ، وأن مَفْعالاً أخت مِفْعال كمحراب ، وأن كل واحد من مَفْلان ، مَفوان ، وفَعْوان لا يقرب منه شيء من أمثلة كلامهم »([13]) .

وسيأتي بيان أثره في كل الفصول اللاحقة إذ قامت عليه كما سيظهر .

معالم التجديد  في الأصول الاستدلالية

السماع :

يعد الأصل الأول في بناء النحو العربي اتفاقاً ، فلم ينكر أحد من النحويين أن السماع حجة ، وحد السماع عن علماء العربية « الكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح الخارج عن حدِّ القلة إلى حدِّ الكثرة »([14]) .

ويشمل السماع  القرآن الكريم والحديث الشريف وكلام العرب شعراً ونثراً .

وقد اعتمد على السماع وحده الرعيل الأول من النحاة في إثبات كثير من المسائل ، وكان الكوفيون أميل إليه من البصريين ؛ ولذا جاء عند ابن الأنباري للكوفيين خمس وعشرون مسألة اعتمدوا فيها على السماع ، وحده بينما اعتمد عليه البصريون وحده في ست مسائل فقط([15]) .

ولست هنا في مقام بسط الموضوع ، ورصد مراحل تطوره ، حيث سأكتفي هنا بتقسيم نحاة هذا القرن للكلام المنقول عن العرب من حيث الاطراد والشذوذ
والذي بُنيت عليه نظرة نحاة هذا القرن للسماع ومصادره كما ستكشف ذلك الدراسة بإذن الله .

فأقول : قسَّم ابن جني الكلام من حيث الاطراد والشذوذ إلى أربعة أضرب مطرد في القياس والاستعمال ، ثم مطرد في القياس شاذ في الاستعمال ، ثم مطرد في الاستعمال شاذ في القياس ، ثم شاذ في الاستعمال والقياس جميعاً([16]) .

أولاً : المطرد في القياس والاستعمال :

« وهذا هو الغاية المطلوبة ، والمثابة المنوبة »([17]) كالنصب بأدوات النصب ، والجر بحروف الجر ، والجزم بحروف الجزم([18]) .

ثانياً : المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال :

يقول أبو علي الفارسي : « ولو لم يعاضد القياس السماع ُحتى يجيء السمع بشيء خارج عن قياس لوجب اطراح القياس ، والمصير إلى ما أتى به السمع ، ألا ترى أن التعلق بالقياس من غير مراعاة السمع منه يؤدي إلى الخروج عن لغتهم والنطق بما هو خطأ في كلامهم ؟ فلو أعللت استحوذ ، فلم تراع فيه السماع وقلت : «  إنه جاء معلاً نحو استعاد ، واستفاد ، فكذلك أعل هذا المثال قياساً على الكثير الشائع ، لكنت ناطقاً بغير لغتهم ، ومدخلاً فيها ما ليس منها ، فالقياس أبداً يترك للسماع ، وإنما يلجأ إليه إذا عدم الشيء في السمع ، فأما أن يترك السماع للقياس فخطأ فاحش ، وعدول عن الصواب بيّن ، ألا ترى أنه يجوز في القياس أشياء كثيرة ، نحو الجر في ” لدن غدوةٍ “ ، والضم في ” لعمرك “ في القسم ، واستعمال الماضي في يذر ويدع ، وايقاع أسماء الفاعلين أخباراً لكاد ، ثم لا يجيء به السماع فيرفض ولا يؤخذ ، ويطرح ولا يستعمل، ويكون المستعمل لذلك آخذاً بشيء رفضه أهل العربية ، كما رفضوا استعمال سائر اللغات التي ليست بلغة لهم ، وهذا طريق يؤدي سالكه إلى خلاف ما وضعت له العربية ؛ لأن هذه العلل إنما تستخرج من المسموعات بعد اطرادها في الاستعمال ، لتوصل إلى النطق على حسب ما نطق به أهل اللغة العربية ، وتسوى في الفصاحة بمن أدركها ، ويأمن بتمسكه بها الزيغ عن لغة الفصحاء المعربين إلى لغة مَنْ لم يكن على وصفهم ، فإذا أدى إلى خلاف ذلك وجب أن ينبذ ويطرح ، من حيث كان ضداً عما وضعت له هذه الصناعة ، واستخرج من أجله هذا العلم »([19]) .

وهذا النص يقدم نظرة أبي علي الدقيقة إلى السماع والقياس معاً ، والعلاقة بينهما ، وعن هذا القسم يقول ابن جني : « واعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما ، ثم سمعت العرب قد نطقت به بشيء آخر على قياس غيره فدع ما كنت عليه إلى ما هم عليه » .

ثالثاً : المطرد في السماع الشاذ في القياس ، وقد أشار إليه أبو علي في النص
السابق ، ومثَّل له باستحوذ واستصوب ، وإليه أشار ابن جني بقوله : « واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال ، وشذ عن القياس فلابد من اتباع السمع الوارد فيه
نفسه ، لكنه لا يتخذ أصلاً يقاس عليه غيره ... »([20]) .

ويشير الرماني إلى ذلك أيضاً فيقول : « ومن ذلك قولهم : ما أكثر قائلته ، فالقياس في هذا ما أقيله ؛ لأنه من قال يقيل ، إلا أنه استغنى - سيبويه - عن ما أقيله بما أكثر قائلته ، وخالفه في ذلك كثير من النحويين ، وزعموا أنه قد سمع : ما أقيلهُ من العرب ، وهذا الذي ذكروا غير مدفوع ، ولا هو مفسد لمذهب سيبويه ؛ لأنه وجد الأغلب في كلام العرب ما أكثر قائلته ، فاستخرج العلة في ذلك وهي الاستغناء في الأكثر عن ما أقيله »([21]) .

رابعاً : الشاذ في القياس والسماع معاً :

وهو مرذول مطرح لا يلتفت إليه ، يقول أبو علي الفارسي : « والشاذ في القياس والاستعمال جميعاً سبيله في هذا سبيل من قال : ( قام زيداً ) »([22]) .

إذن نظر نحاة هذا القرن إلى موارد السماع بناءً على قواعدهم السابقة المقررة في السماع ، ومعلوم أن موارد السماع هي القرآن والأحاديث النبوية وكلام العرب شعراً ونثراً ، وهذا ما سيبحث بالتفصيل في الرسالة ، ولاسيما أن ذلك لابد أن يرتُبط بالأصول الفكرية التي غذت عقول هؤلاء النحاة فصدروا عنها في آرائهم ومواقفهم من الظواهر النحوية .

القياس :

كان القياس في القرون الثلاثة الأولى يعني اطراد الظواهر في النصوص اللغوية مروية أو مسموعة .

وقد كان هذا القياس فطرياً لا أثر فيه للتعمق ، بل هو مجرد مشابهة شيء بشيء من غير مزج له بالقضايا المنطقية ، أو وصله بالمسائل العقلية البحتة ، أكثر ما يعتمد على الحس الفطري ، فكان الغالب عليه التطبيق النابع من طبيعة اللغة وحدها .

يقول سيبويه : « وإذا أردت رؤية العين لم يجز ( رأيتنُي ) ؛ لأنها حينئذٍ بمنزلة ضربتني ، وإذا أردت التي بمنزلة ” علمت “ صارت بمنزلة إن وأخواتها ؛ لأنهن لسن بأفعال ، وإنما يجئن لمعنى ، كذلك هذه الأفعال إنما جئن لعلم أوشك ، ولم يرد فعلاً سلف منه إلى إنسانٍ يبتدئه »([23]) .

فهو يقيس ( رأى ) العلمية على ” إن “ وأخواتها لاشتراك كل في الدلالة على معنى .

وقد امتاز أهل البصرة بدقة ضبطه والعناية به وتحكيمه في اللغة ، حتى كانت النزعة القياسية أهم ما يميز مدرستهم ، وعلى العكس تراجع القياس مقابل السماع عند أهل الكوفة .

ويمكن أن نقول : إن الهدف من البحث النحوي في القرون الثلاثة الأولى هو الوصول بالقاعدة النحوية إلى الاستقرار ، والاطراد حيث تسيطر على اللغة ؛ لذا كان القياس فيها على المطرد الشائع ، ومع ظهور كتاب ابن السراج في القرن الرابع اتجه الدرس النحوي إلى التأصيل والبحث عن المبادئ العقلية .

وأول ما يبرز عند ابن السراج في هذا الجانب عنايته باطراد القاعدة إذعاناً للقياس ولذا فعنده « لو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم »([24]) .

وإجمالاً يمكن القول إن ابن السراج أول مَنْ قدَّم النحو بشكل منطقي متناسق ؛ حتى قيل إن النحو كان مجنوناً حتى عقله ابن السراج ، فلابد أن يكون القياس عنده قد اتخذ مفهوماً متطوراً عما كان عليه في المراحل المتقدمة ، ونستطيع أن نقول إنه أخذ المفهوم الشكلي التنظيري لأول مرة عند ابن السراج ، لكنه اقتصر فيه على بعض الحروف كما أشار إلى ذلك ابن جني في مرحلة تالية كما سيأتي .

- وما نلبث كثيراً حتى نجد العلة ودورها في القياس ، وهذا مظهر جديد لم يعهده النحو قبل القرن الرابع .

أما العناية بالعلة وجعلها أساساً من أسس القياس فأول ظهور له كان عند الزجاجي؛ لذا نجده يقول عن أضرب العلة التي جمعها : « وضرب منها مما استنبطته
على أصول القوم ، واخترعته حسب ما رأيت من الكلام ينساق فيه ، والقياس يطرد عليه »([25]) .

ومن أمثلة العلة القياسية عنده « أن يقال : لم نصب زيد بـ( إن ) في قولنا : إن زيداً قائم ؟ ولم وجب أن تنصب ( إن ) الاسم ؟ والجواب في ذلك أن يقال : لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلى مفعوله فحملت عليه وأعملت إعماله لما ضارعته »([26]) .

إذن يمكن أن نقول إن الزجاجي صبغ القياس بالعلة وتأثر في ذلك
كله باصطلاحات المناطقة والمتكلمين ، وهذا أمر طبيعي في عصر غلبت فيه
تلك النزعة .

- أما أبو علي الفارسي فقد بلغ من اعتداده بالقياس أن قال : « أخطئ في خمسين مسألة في اللغة ، ولا أخطئ في واحدة من القياس »([27]) .

ومن المهم جداً هنا أن أنبه إلى أن جُلَّ المتأخرين عن أبي علي الفارسي اعتبروا ما نُقل عنه في هذا قلب لقضية القياس والسماع حتى أصبح عنده القياس متحكم في اللغة موجهٌ لها لا العكس ، يقول الدكتور عبد الفتاح شلبـي بعد أن ذكر توجيه أبي علي لقراءة حمزة في قوله تعالى : ? لكل باب منهم جزء مقسوم ? : « ... أرأيتم كيف يجعل الكتاب تابعاً للقياس ؟ وأن القياس هو الأصل عنده ، وما ثبت بالنقل والأثر هو الفرع ، وذلك عندي غاية ما يعتد به في أمر القياس حتى يحكمه أبو علي على هذه الصورة في كتاب الله »([28]) .

وهذا تجنٍ على أبي علي ومبالغة في بيان موقفه من القياس ، وأول ما يرد هذا
عن أبي علي قوله في الحلبيات : « ... فالقياس يترك أبداً للسماع ، وإنما يلجأ إليه إذا عدم في الشيء السمع ، فأما أن يترك السماع للقياس فخطأ فاحش وعدل عن الصواب بيّن »([29]) .

إلا أنه لا يلغي اعتداد أبي علي بالقياس واعتماده الكبير عليه ، ولاسيما في كتاب
« الحجة » حيث نوّع فيه وتعمق فيه حتى أصبح عقلياً يتمشى مع الصناعة المنطقية ، وسنأتي في البحث بإذن الله على استقصاء ذلك وبيانه على وجهٍ من البسط والتمثيل .

وسأكتفي بإيراد مثالٍ واحد من قياس أبي علي يكشف شيئاً من نظرته للقياس وطريقته فيه يقول : « واعلم أن الإضافة إلى ” يوم الدين “ في كلتا القراءتين من باب :
يا سارق الليلةِ أهل الدار ، اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به ، ثم وقعت الإضافة إليه على هذا الحد »([30]) وهذا من قياس الشبه الذي كثر في كتب أبي علي .

وقد ورث ابن جني عن شيخه شدة العناية بالقياس حتى قال : « إن مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس »([31]) وقد مرّ معنا في ما تقدم تقسيمه للمنقول ودرجات القياس عليه .

والقياس عند ابن جني باب عظيم حتى قال بعض المحدثين عن كتابه الخصائص إنما هو مجموعة كبيرة من الأقيسة السديدة([32]) .

وكأن إكثار ابن جني من القياس كان لمجرد الحشو والإطالة ، دون مراعاة للبيئة الثقافية التي كان ابن جني يعيش فيها ، ولا للدور التي تحمله هذه الأقيسة من تثبيت للظواهر اللغوية ، علاوة على ما فيها من المران والدربة العقلية .

والأمر في القياس وتأثره بالمنطق والتطور الذي لحق به يظهر جلياً في مؤلفات السيرافي والرماني وهذا ما سنتناوله مفصلاً في البحث بإذن الله .

العامل :

يعتبر الكثيرون فلسفة العامل في النحو العربي من مظاهر تأثر النحو بالمنطق اليوناني ، وتكييف مقولاته حتى قال أحد الباحثين « إن فكرة التأثير والتأثر التي قام عليها العامل في النحو العربي موجودة في منطق أرسطو ... تركت الفكرة المنطقية ظلالها على عقول الباحثين من علماء النحو الذين نقلوها بدورهم إلى دراستهم »([33]) .

ولاشك أن قضية العامل قد احتلت المنزلة الأولى في الدرس النحوي ، وقد ارتبطت فكرة العامل في الأساس بقضية الإعراب ، على أساس أن الحركات الإعرابية آثار وأن العوامل مؤثرات ، وقضية الحدث والمحدث والأثر والمؤثر قضية عميقة في الفلسفة الإسلامية ، فهي قائمة على أن لكل أثر مؤثر ولكل حدث محدث ، وبالتالي فإنه لابد من عامل لكل معمول في كل عمل ، فإن ظهر ذلك العامل ، وإلا افترض وجوده واستخلص من العقل .

هذه هي فكرة النشأة للعامل في النحو العربي ، ولذا نجد النحاة يجعلون العلامات الإعرابية آثاراً للعوامل ؛ فإن ظهرت تلك العوامل في الكلام فهي اللفظية ، وإلا كانت معنوية فقدرت .

يقول ابن جني : « وإنما قالوا : لفظي ومعنوي ، لما ظهرت آثار فعل المتكلم ، بمضامة اللفظ اللفظ ، أو باشتمال المعنى على اللفظ »([34]) .

وقد اصطبغت هذه القضية بثقافة القرن الرابع وما كان فيه من منطق وحجج عقلية ومذاهب كلامية مما لا يمكن لأحد إنكاره ، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النماذج التالية :

 

 

أولاً : المنطق :

أجمع النحاة على أن العامل قبل المعمول ، وأن الحروف عوامل في الأسماء والأفعال ، وهذا يقتضي منطقياً أن تكون الحروف قبل الأسماء والأفعال سابقة لها في الوجود ، ولذا فقد اعْتُرِض على النحويين بذلك حيث  جعلوا الترتيب ( اسم ، فعل ، حرف ) ، وهذا يتعارض في الظاهر مع ما قرروه في قضية العمل والعامل .

فيرد الزجاج على ذلك منطقياً فيقول : « وهذه مغالطة ، ليس يشبه الحدث والمحدث ولا العلة والمعلول ، وذلك أنا نقول : إن الفاعل في جسمٍ فعلاً ما ، من حركة وغيرها سابق لفعله ذلك فيه لا للجسم ، فنقول : إن الضارب قبل ضربه الذي أوقعه بالمضروب ، ولا يجب من ذلك أن يكون سابقاً للمضروب موجوداً قبله ، بل يجب أن يكون سابقاً لضربه الذي أوقعه به ، وقد يجوز أن يكون المضروب أكبر سناً من الضارب ، وتقول أيضاً : إن النجار سابق للباب الذي نجره ، ولا يجب من ذلك أن يكون سابقاً للخشب الذي منه نجر الباب ، ومثل هذا واضح بيّن ، فكذلك مثال هذه الحروف العوامل في الأسماء والأفعال الذي هو الرفع والنصب والخفض
والجزم ، ولا يجب من ذلك أن تكون سابقة للأسماء والأفعال نفسها »([35]) .

ثانياً : ثقافة العصر :

حكى ابن الأنباري عن ابن السراج أنه شبه الجازم للفعل المضارع بالدواء والحركة التي تنعدم بدخول الجازم على هذا الفعل بالفضلة التي يخرجها الدواء ، وكما أن الدواء إذا صادف فضله حذفها ، وإن لم يصادف فضلة أخذ من نفس الجسم ، وسهل حذف العلة لسكونه ؛ لأنه بسكونه يضعف فيصير في حكم الحركة ، فكما أن الحركة تحذف كذلك هذه الحروف([36]) .

ثالثاً : المذهب الكلامي :

1 - يذهب المعتزلة إلى أن فاعل الفعل الإنساني هو الإنسان ؛ الذي يفعل ما يريد بقدرته ، فلا يستطيع أحد أن يسلبه إرادته أو يكبت قدرته .

وانطلاقاً من هذا جعل ابن جني العامل هو المتكلم نفسه الموجد للحركات الإعرابية بمضامة اللفظ ومصاحبته ، يقول : « فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره ، وإنما قالوا لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باهتمال المعنى على اللفظ »([37]) .

- أما الأشاعرة فذهبوا إلى القول بالكسب ، والفعل لله أولاً لسبقه بالتقدير والإرادة ، والإنسان لاحقٌ بفعله لفعل الله وإرداته ..

ولهذا جعل الزجاج العامل ما في نفس المتكلم من إرادة الإخبار عنه([38]) .

وقد صور تلميذه الزجاجي هذه المعاني بقول « إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ، ومضافاً إليها ، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني ، بل كانت مشتركة ، جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني »

رابعاً : الجدل وإظهار البراعة والرياضة العقلية :

قال ابن السراج : « فإن قلت : « هند زيدٌ ضاربته » لم يكن بد من أن تقول « هي » من أجل أن قولك : « ضاربته » ليس لزيد في الفعل نصيب ، وإنما الضرب كان من هند ولم يعد عليها شيء من ذكرها والفعل لها ، فإنما « ضاربته » خبر عن زيد ، وفاعله « هند » في المعنى ، ولم يجز إلا إظهار الضمير ، فقلت حينئذٍ هي مرتفعة « بضاربته »كما ترتفع هند إذا قلت : زيد ضاربته هند ، فالمكني هاهنا بمنزلة الظاهر ، ولا يجوز أن أن تتضمن « ضاربته » ضمير الفاعل ، فإن أردت أن تثني قلت : الهندان الزيدان ضاربتهما هما ؛ لأن « ضاربه » ليس فيه ضمير الهندين إنما هو فعل فاعله المضمر »([39])  

وهذا كله من سعة التحليل وإظهار البراعة وقوة الخيال في تصور العامل ، حتى يمثل بما لم تنطق به العرب ، ولاشك أنه يظهر فيه بصورة جلية أثر العامل في ظاهرتين أخريين سنتناولهما بالدراسة في البحث وهما التعليل والتأويل .

التعليل :

من المؤكد أن التعليل النحوي جاء في مرحلة لاحقة للتقعيد ، ولاشك أن التعليل في كل مرحلة من مراحله يتناسب مع ما يقابله من مراحل الدراسة والتأليف
النحويين .

فإذا كانت -كما أشرت في مقدمة الموضوع- البدايات الأولى للنحو العربي لا تخرج عن أن تحصر الظواهر اللغوية وتقعد لها فإن التعليل في هذه المرحلة كان يتناسب معها فيقتصر على تبرير القواعد وتسويغ أحكامها .

وهكذا يتطور التعليل مع تطور الدراسة النحوية ، حتى نصل إلى القرن الرابع وهي المرحلة التي غزت فيها النزعة المنطقية الفكر الإسلامي عموماً ، فهل يتصور أن تكون العلة على ما كانت عليه في المراحل السابق ؟ .

فالعلل ثلاثة أضرب كما يقول الزجاجي : « علل تعليمية ، وعلل قياسية ، وعلل جدلية نظرية »([40]) .

ومن غير الخافي أن العلل التعليمية والقياسية ظاهرة موجودة في كتب القرن الرابع ، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى استطراد أو تدليل ، ولنقف مثلاً على كتاب الإيضاح العضدي للفارسي وسنجد أن معظم العلل في هذا الكتاب من العلل القياسية ؛ لكون الكتاب في أصله تعليمي يقوم على العلل القياسية .

لكن لننظر إلى تعليل الزجاجي لامتناع الأفعال من الخفض ، ومن حسن الحظ أن الزجاجي بدأ في ذلك بتعليل سيبويه في ذلك يقول : « وليس في الأفعال المضارعة
جر ، كما أنه ليس في الأسماء جزم ؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه ، معاقب للتنوين ، وليس ذلك في هذه الأفعال ثم يعقب الزجاجي بقوله : « هذا الذي يعتمد عليه الناس في امتناع الأفعال من الخفض ، وكل علّة تذكر بعد هذا في امتناع الأفعال من الخفض فإنما هي شرح هذه العلة وإيضاحها أو مولدة عنها ... وإنما قال : وليس في الأفعال المضارعة جر فقصدها دون سائر الأفعال ؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرب ، وإنما كان في ذكر الجر ، والجر إعرابٌ ولما كان إعراباً ، وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب سقط السؤال عنها ، وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب »([41]) .

ويمكن أن نلحظ أن ما توصل إليه الزجاجي في ذلك يأخذ صفة القياس المنطقي وهي أن كل فعل غير مضارع مبني غير معرب ، والجر إعراب إذن يسقط السؤال عن دخول الجر في غير الفعل المضارع .

وعندما نصل إلى السيرافي نجده يستخدم العلل بأنواعها الثلاثة ، والذي يهمني هنا هو العلة الجدلية التي كان لثقافة العصر أثر بالغ في بروزها والجنوح إليها ، قال في باب مالا يعمل في المعروف إلا مضمراً : « وأما علامة التأنيث التي تلحق الفعل فإنها تلحق « نعم » و« بئس » إذا كان بعدهما مؤنث كقولك « نعمت المرأة » و« بئست الجارية » وحذف علامة التأنيث منهما أحسن وأكثر من حذفها من سائر الأفعال لنقصان تمكنهما في الأفعال ، وبطلان استعمال المستقبل منهما ؛ وذلك أن دخول علامة التأنيث في المستقبل أقوى منه في الماضي ؛ لأن علامة التأنيث في الماضي زيادة ، وفي المستقبل وضع حرف مكان لآخر وهو « التاء » مكان « الياء » فلخفة تكلف العلامة في المستقبل صارت ألزم ، ولما كانت « نعم » و« بئس » لا مستقبل لهما صار « نعم
المرأة » و« بئس الجارية »  أحسن من « قام المرأة » و« ذهب الجارية » لأنك في المستقبل يلزمك : « تقوم المرأة » و« تذهب الجارية » وليس ذلك في « نعم » و« بئس » فإن قال قائل : ِلمَ لم يكن لهما مستقبل والأفعال لا تمتنع من الاستقبال إذا أريد بها الاستقبال ؟ قيل له : المانع من الاستقبال أنهما وضعا للمدح والذم ، ولا يصح المدح والذم إلا بما قد وجد وثبت في الممدوح والمذموم »([42]) .

وسأذكر هنا أنموذجاً للتعليل النحوي في ثلاث مراحل متعاقبة لمسألة نحوية واحدة يظهر من خلالها التطور الذي يطرأ على العلة مع كل مرحلة من هذه المراحل ، بما يتناسب والظروف العامة التي تكتنفها .

يقول سيبويه : « ولا يجوز أن تقول للمخاطب : اضْرِبْكَ ، ولا اقْتُلْكَ نفسك ، ولا ضَرَبْتَكَ » ، لما كان المخاطب فاعلاً ، وجعلت مفعوله نفسه قَبُح ذلك ؛ لأنهم استغنوا بقولهم : اقتل نفسك عن الكاف وعن إياك .. وكذلك المتكلم لا يجوز له أن يقول : أهلكتُني أو أهلِكُني ؛ لأنه جعل نفسه مفعوله فقبح ذلك ، وذلك لأنهم استغنوا بقولهم : أنفع نفسي عن « ني » وعن « إياي » »([43]) .

فتعليل سيبويه تعليل بسيط مرتبط بالاستعمال اللغوي فقط ، فالأسلوب المذكور في نصه قبيح ولم يعرف عند العرب ، وهذه هي مرحلة التعليل الأولى التي تعلل للظاهرة اللغوية تعليلاً مباشراً لا تكلف فيه .

المرحلة الثانية : نجدها على نفس المسألة عند المبرد في ما نقله عنه السيرافي « اعتمد المبرد وغيره من أصحابنا في إبطال ( أضْرِبْكَ ) ونحوه على أن الفاعل بكليته لا يكون مفعولاً بكليته ، فأبطلوا من أجله ( ضَرَبْتُني ) وما أشبهه »([44]) .

ويظهر في تعليل المبرد شيء من الفلسفة حين ذكر الكل ، ولم يشر إلى استعمال العرب كما فعل سيبويه .

المرحلة الثالثة : عند أبي سعيد السيرافي حيث يقول في إبطال مثل هذا الأسلوب
« لأن المفعول الصحيح ما اخترعه فاعله ، وأخرجه من العدم إلى الوجود ، نحو خلق الله للأشياء ، وما يفعله الإنسان من القعود والقيام ، ولا يجوز أن يكون الفاعل في ذلك مفعولاً ، لأنه لابد من أن يكون الفاعل موجوداً قبل وجود المفعول »([45]) .

وهذا يعني أنه لا وجود لمعمول قبل وجود عامله ، ولا يكون الشيء عاملاً ومعمولاً في آن واحد وإلا كان ذلك خلاف المعقول للأشياء الموافقة للطبيعة ، وهذا إمعان في التعليل لم يعرفه الأقدمون ، لعدم حاجة عصرهم إليه .

وفي إلماحة بسيطة أذكر نموذجاً من أثر المنطق في هذا القرن على التعليل عند الرماني والذي عرف عنه شرحه النحو بالمنطق يقول في باب الاستثناء : « ولا يجوز في الاستثناء من موجب البدلُ ؛ لأنه لو جاز البدل جاز تفريع العامل لما بعد إلاّ ، وليس يجوز ذلك في الإيجاب ؛ لأنه يضمن الكلام بمدلول لا يدل عليه ، وليس كذلك
النفي ؛ لأنه يدل إذا أطلق على أعم العام ، وليس يعارض هذا أن الإيجاب إذا أطلق يدل على أخص الخاص ، لأن أخص الخاص لا يستثنى منه شيء نحو زيد وعمرو ، مع أن أخص الخاص ينقسم قسمة تبطل دلالة الفعل عليه حتى يكون مستغنى عنه ، وليس كذلك أحد ، لأن الفعل المنفي إذا أطلق في الاستثناء دلّ عليه دلالة توجب أنه مستغنى عن ذكره ، وليس في الإيجاب مثل هذا »([46]) .

كما يمكن الإشارة إلى أثر المذهب الكلامي في نظرة نحاة هذا القرن إلى العلل النحوية من حيث كونها موجبة تستلزم معلولها ، أو غير موجبة لا تستلزم وجوده ، وذلك من خلال أن الأشاعرة يرون « الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً ... بل كل شيئين ليس هذا ذاك ، ولا ذاك هذا ، ولا إثبات أحدهما متضمن لاثبات الآخر ، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر ، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر »([47]) .

وقريب من هذه النظرة نظرة الزجاجي للعلل النحوية حين قال : « أقول إن علل النحو ليست موجبة ، وإنما هي مستنبطة أوضاعاً ومقاييس ، وليست كالعلل الموجبة للأشياء المعلومة بها ، ليس هذا من تلك الطريق »([48]) .

وعكس هذا عند ابن جني وهو معتزلي والمعتزلة يعتبرون العلة وصف ذاتي لا يتوقف على جعل جاعل ، فهي تؤثر بذاتها فهي عندهم مؤثر أو موجب يقول ابن
جني : « ومن بعد فالعلة الحقيقة عند أهل النظر لا تكون معلولة ، ألا ترى أن السواد الذي هو تسويد ما يحله إنما صار كذلك لنفسه ، لا لأن جاعلاً جعله على هذه
القضية »([49]) .

ولا يمكن لأحد أن ينكر توسع نحويي هذا القرن في العلل ، وإيغالهم فيها ، ولكن هل نال هذا من موضوع النحو ، فانحرف عما كان عليه ، أم بقيت هذه العلل من باب التمارين العقلية والصناعة الرياضية كما قال ابن سنان الخفاجي : « وربما اعتذر لهم المعتذرون بأن عللهم التي ذكروها وأوردوها هي صناعة ورياضة يتدرب بها المتعلم ، ويقوى بتأملها المبتدئ »([50]) .

التأويل :

هو في الكلام بمعنى تبيينه والكشف عن المراد به ، ويكون ذلك عادة في الكلام المتشابه الذي يحتمل غير وجه ، لا في الكلام القاطع الأداء الصريح الدلالة على معناه وإلا كان تكلفاً واعتسافاً([51]) .

ولاشك أن للموقف من السماع والقياس ، أثر كبير في هذه الظاهرة ، ومن هنا عرف عن البصريين سعتهم في التأويل لتشددهم في قبول الشواهد ، وتمسكهم بالقياس على الكثير ، ولهذا السبب اضطروا كثيراً إلى التأويل لتوافق الغالب الأعم الذي وصل إليهم فبنوا عليه قواعدهم .

وإذا كنا قد قررنا مسبقاً أن البيئة العامة في القرن الرابع كانت بيئة عقلية فإن الغالب على النحويين في هذا القرن كان الاعتماد على القياس ، ولذا فمن المؤكد أن ظاهرة التأويل تعتبر سمة بارزة لدى نحاة هذا القرن ، وقد تنبه ابن جني إلى ذلك فحذر من التوسع فيه ، بعد أن عرض كثيراً من الأمثلة التي ينبه بها الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى ، يقول : « ألا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى فإذا مر بك شيء من هذا من أصحابنا فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه ، فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو مالا غاية وراءه ، وإن كان تقدير الإعراب مخالفاً لتفسير المعنى تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه ، وصححت طريق الإعراب حتى لا يشذ شيء منها ، وإياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه »([52]) .

ولا يستغرب إذا وجدنا التأويل قد يصل في هذه المرحلة إلى القراءات القرآنية .

فهذا أبو علي الفارسي يقول في العسكريات : « وأما قراءة : ” ومن وراء اسحق
يعقوبَ » بالفتح فلا يخلو من أن تعطفه على الباء المجرورة كأنه أراد أنها بشرت بهما ، أو تحمله على موضع المجرور على حد مَنْ قرأ « وحوراً عيناً » « بعد » يطاف عليهم بكأس ، والوجه الأول ليس بالسهل ؛ لأن الواو عاطفة على حرف جر ، وقد فصل بينها وبين المعطوف بها بالظروف ، والآخر أيضاً كذلك وإن كان الأول أفحش ، وهذا كما أعلمتك إنما نجده في الشعر “([53]) .

وما أن نصل إلى أبي سعد السيرافي حتى نجد في شرحه الإفراط في التأويل ، حتى وصل به الأمر إلى أن يجعل لقول سيبويه : « هذا باب ما الكلم من العربية » خمسة عشر وجهاً إعرابياً ، بناءً على ما يؤوله في كل وجه منها([54]) .

وغير خافٍ على كل من يقرأ مؤلفات النحويين في القرن الرابع أثر المذهب الكلامي أو الفرقة الدينية في التأويل ، وكان ذلك مبنياً في أساسه على موقف كل فرقة من النقل والعقل ، وهي مسألة تمتُّ لمسألة القياس والسماع بصلة كما تقدم .

فمثلاً « جعل أبو علي الفارسي ( ورهبانية ) مقتطعة من العطف على ما قبلها من رأفة ورحمة فانتصب عنده ( ورهبانية ) على إضمار فعل يفسره ما بعده ، فهو من باب الاشتغال أي ( وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ) يعني ( وأحدثوها ) من عند أنفسهم ونذروها .  وهذا إعراب المعتزلة ، وكان أبو علي معتزلياً ، وهم يقولون ما كان مخلوقاً لله لا يكون مخلوقاً للعبد ، فالرأفة والرحمة من خلق الله ، والرهبانية من ابتداع الإنسان فهو مخلوقة له ، وهذا الإعراب الذي لهم ليس يحيد من جهة صناعة العربية ؛ لأن مثل هذا هو مما يجوز فيه الرفع بالابتداء ، ولا يجوز الابتداء هنا بقوله ( ورهبانية ) لأنها نكرة لا مسوغ لها من المسوغات للابتداء بالنكرة »([55]) .

 

أسأل الله العون والتسديد .

 

 

 


([1]) انظر مثلاً : إبراهيم مدكور : منطق أرسطو والنحو العربي: مجلة مجمع اللغة العربية 1953من 338 إلى 346, إبراهيم أنيس : من أسرار العربية ص 119, مهدي المخزومي : مدرسة الكوفة ص 620 -621 , أمين الخولي : مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير ص 72, عبد الرحمن محمد أيوب : دراسات نقدية في النحو العربي 9- 11 , بالإضافة إلى الدراسات التي سأذكرها في الصفحات القادمة مما له علاقة بموضوع الدراسة.

([2]) تقويم الفكر النحوي المقدمة , ك, ل .

([3]) تقويم الفكر النحوي , 56, 60, 62 .

([4]) انظر ص 10 من كتابه .

([5]) انظر ص 10 من كتابه .

([6]) مناهج التأليف في القرن الرابع الهجري , 349 .

([7]) المنطق الصوري والرياضي ، عبد الرحمن بدوي ص 6  .

([8]) الإيضاح 175  .

([9]) شرح كتاب سيبويه ، للسيرافي 1 / 52  .

([10]) الإيضاح ، ص 48  .

([11]) السابق .

([12]) لمع الأدلة : 127 - 128  .

([13]) الخصائص 3 / 68  .

([14]) لمع الأدلة : 28  .

([15]) في أدلة النحو للدكتورة عفاف حسانين ص 28 وما بعدها .

([16]) الخصائص 1 / 96 وما بعدها .

([17]) السابق 1 / 97  .

([18]) السابق 1 / 126  .

([19]) الحلبيات 226  .

([20]) الخصائص 1 / 99  .

 

([21]) شرح الكتاب 4 / 1 / 27 نقلاً عن الرماني النحوي ص 270  .

([22]) الحجة 2 / 278  .

([23]) الكتاب 1 / 286  .

([24]) المزهر 232  .

([25]) الإيضاح 78  .

([26]) السابق 64 ، 65  .

([27]) نقله عنه ابن جني في الخصائص 2 / 88  .

([28]) أبو علي الفارسي 227  .

([29]) الحلبيات 226  .

 

([30]) الحجة 1 / 14  .

([31]) الخصائص 2 / 88  .

([32]) المدارس النحوية 276  .

([33]) أصول النحو العربي ، محمد عيد 239 ، 240  .

([34]) الخصائص 1 / 109  .

([35]) الإيضاح 83 - 84  .

([36]) أسرار العربية 122  .

([37]) الخصائص 1 / 109 - 110  .

([38]) نقلاً عن إبراهيم مصطفى : إحياء النحو 52  .

([39]) الأصول 1 / 71  .

([40]) الإيضاح 64  .

([41]) الإيضاح 41 - 42  .

([42]) شرح السيرافي 3 / 68 - 69  .

([43]) الكتاب 1 / 385  .

([44]) الكتاب لسيبويه 2 / 366 هامش ( 2 ) .

([45]) السابق .

([46]) انظر نصه في ( الرماني النحوي : 404  ) .

([47]) تهافت الفلاسفة 65  .

([48]) الإيضاح 38  .

([49]) الخصائص 1 / 173 - 174  .

([50]) سر الفصاحة 31  .

([51]) الاقتراح ص 115 - 116  .

([52]) الخصائص 1 / 283 ، 284  .

([53]) العسكريات 135  .

([54]) شرح السيرافي 1 / 6  .

([55]) البحر المحيط 8 / 226 .