المملكة العربية السعودية 

    وزارة التعليم العالي 

      جامعة أم القرى

الكلية الجامعية بالقنفذة      

 

 

مقرر المدخل إلى علوم القرآن

 

رقم المقرر (2801102-50)

 

العام الدراسي

 

1433-1434هـ

الفصل الدراسي الأول

أساتذة المقرر/

أ.حسن الفقيه       د.عبد الله أبو الغيث
أولاً : أهداف المقرر :

  • ·       الإلمام ببعض أنواع علوم القرآن الكريم التي تمكن الطالب من الفهم السليم للقرآن الكريم .
  • ·       تزويد الطالب بالخلفيات التاريخية التي تمكنه من الوقوف على جهود علماء الأمة في حفظ كتاب الله من التغيير والتبديل بما يزيد من يقينه وإيمانه وحبه لكتاب ربه .
  • ·       تشجيع الطالب على تعلم القرآن الكريم ونشر علومه والدفاع عنه.

ثانياً : مفردات المقرر :

   يشتمل المنهج على الموضوعات التالية:

 الموضوع الأول : نشأة علوم القرآن الكريم وتطوره.

الموضوع الثاني: معنى علوم القرآن، وما يدخل تحته من تعريفات.

الموضوع الثاني : نزول القرآن الكريم .

الموضوع الثالث :نزول القرآن منجماً .

الموضوع الرابع : أسباب نزول القرآن .

الموضوع الخامس: الوحي وأنواعه .

الموضوع السادس: المكي والمدني من القرآن الكريم . 

الموضوع السابع : جمع القرآن الكريم .

الموضوع الثامن : ترجمة القرآن الكريم.

الموضوع التاسع : تفسير القرآن الكريم .

 

أهمية علوم القرآن

 

   علوم القرآن من أهم العلوم, وأعلاها, وأنفعها، إذ هو السبيل لفهم كتاب الله, ومعرفة أحكامه , وحكمه , ولذا تظهر علوم القرآن الكريم من جوانب عديدة أبرزها ما يلي :

1- يساعد على فهم وتدبر القرآن الكريم , واستنباط أحكامه , ومعرفة حكمه , وحل مشكله , وفهم متشابهه، بصورة صحيحة دقيقة , لأنه لا يمكن أن يفهم القرآن ويفسره من لا يعرف نطقه، ورسمه، وأوجه قراءته, وأسباب نزوله , وناسخه ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه، ونحو ذلك , فهو الأساس, والمفتاح لفهم القرآن الكريم.

2- زيادة الثقة واليقين بهذا القرآن العظيم , خاصة لمن يتعمق في معرفة إعجازه، وأحكامه، وحكمه, ويقف على دقيق أسراره، إذ الجهل بمثل هذه العلوم يجعل المسلم عرضة للشبهات التي يقصد من ورائها زعزعة اليقين.

3- معرفة الجهود العظيمة ـ الممتدة عبر التاريخ وفي كل القرون ـ التي بذلها العلماء لخدمة هذا الكتاب , ودور هذه الجهود في حفظه من التغيير والتبديل، وفي تيسير فهمه .

4- التسلح بعلوم قيمة تمكن من الدفاع عن هذا الكتاب العزيز ضد من يتعرض لـه من أعداء الإسلام, ويبث الشكوك والشبهات في عقائده وأحكامه, وتعاليمه, وهو من أعظم الواجبات .

5- زيادة ثقافة الفرد المسلم بالمصدر الأول لدينه , وأعظم ما يملكه في وجوده , إذ ينبغي لكل مسلم أن يأخذ حظه من القرآن مهما كان تخصصه, ومهنته، وحرفته .

6- نيل الأجر والثواب , إذ تعلم مثل هذه العلوم من أوسع أبواب العبودية لله U .

7- تطهير القلب , وتهذيب النفس , وزيادة الإيمان، إذ تعلم علوم القرآن يربط المسلم بصورة قوية بكتاب الله الذي أنزله الله شفاء للناس ورحمة .

 

 

 

 

تعريف علوم القرآن وبيان نشأته وتطوره

 

 كان الرسول -صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرف العلماء، وفوق ما عرف العلماء من بعد.

أما الرسول -صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعلم من القرآن ظاهره وباطنه، ومحكمه ومتشابهه، وعامَّه وخاصَّه، ومطلقه ومقيده، وغير ذلك من الأمور الجلية والخفية، التي اشتملها هذا الكتاب العظيم.

فقد كتب الله على نفسه الرحمة ليجمعنَّه له في صدره، وليطلقنَّ لسانه بقراءته وترتيله، وليميطنَّ اللثام عن معانيه وأسراره.

قال جل شأنه في سورة القيامة: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} 1.

وأما أصحابه، فقد نهلوا من معينه، فعلموا منه بقدر طاقتهم ما أعانهم على فهم ما يتعلق بشئون دينهم ودنياهم، وعرفوا من أقواله وأفعاله -صلى الله عليه وسلم- مراد الله تعالى من كلامه المنَزَّل، أعان بعضهم بعضًا على ذلك، بعد أن لقي الرسول -صلى الله عليه وسلم ربه، فكان منهم يسأل الآخر عَمَّا غمض عليه فهمه، أو جهل حكمه.

وكان منهم من دعا له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالعلم والفقه؛ كابن عباس -رضي الله عنهما، والخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.

وكان الصحابة عربًا خُلَّصًا، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم، وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم, وكثرة الفنون.

وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- مع هذه الخصائص أمِّيين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم, والرسول -صلى الله عليه وسلم- نهاهم أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه, عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثُوا عني فلا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".

وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه.

فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن, كما لم يكتب الحديث الشريف، ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر.

ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها تتلقينًا لا تدوينًا، ومشافهة لا كتابة" أ. هـ.

 ولما اتسعت رقعة الإسلام في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، خاف بعض المسلمين على القرآن أن يختلف المسلمون في قراءته إن لم يجتمعوا على مصحف واحد، فأشاروا على عثمان بكتابة القرآن الكريم في مصحف واحد, وتنسخ منه عدة مصاحف يُبْعَثُ بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس ما عداها، على ما سيأتي بيانه مفصَّلًا عند الكلام على جمع القرآن.

فاستجاب -رضي الله عنه- لهذه النصيحة الغالية؛ فجمع المسلمين على مصحف واحد عُرِفَ بمصحف الإمام، وبهذا العمل وضع عثمان -رضي الله عنه- الأساس لما نسميه علم رسم القرآن، أو علم الرسم العثماني.

ثم جاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه، فلاحظ أن العُجْمَة تكاد تحفيف على اللغة العربية، وسمع بعض الناس يلحنون في اللسان العربي، فأمر أبا الأسود الدؤليّ أن يضع بعض القواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل، ووضع له المنهج، وقال له: انح للناس على هذا النحو.

وبذلك يكون -رضي الله عنه- أول مَنْ وضع علم النحو, وتبعه فيما بعد علم إعراب القرآن، وهو علم يعين المفسِّر على فهم كتاب الله تعالى كما هو معلوم, والإعراب فرع المعنى كما يقولون.

ومضى المسلمون بعد الخلافة الرشيدة في نشر علوم القرآن، بالمشافهة والتلقين، حتى جاء عهد التدوين بعد المائة الأولى من الهجرة، فأُلِّفَت كتب في أنواع شتَّى من علوم القرآن، واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير بوصفه رأس العلوم وعمدتها، لما فيه من التعرُّضِ لها في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز.

ومن أوائل الكاتبين في التفسير: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهم من علماء القرن الثاني.

ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفَّى سنة 310هـ, وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها، لأنه أوَّل من عرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض, كما عرض للإعراب والاستنباط.

وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا. أما علوم القرآن الأخرى، ففي مقدمة المؤلفين فيها: على بن المديني شيخ البخاري، إذ ألَّفَ في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام، إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث.

وفي مقدمة من ألَّفَ في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني, وهو من علماء القرن الرابع.

وفي طليعة من صنَّف في إعراب القرآن: علي بن سعيد الحوفي، وهو من علماء القرن الخامس.

ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي، وهو من علماء القرن السادس.

كذلك تصدَّر للتأليف في مجاز القرآن: العز بن عبد السلام, وفي القراءات: عَلَمُ الدين السخاوي، وهما من علماء القرن السابع.

وهكذا قويت العزائم، وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن، وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، لهذا اشرأَبَّت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علمًا جديدًا يكون كالفهرس لها، والدليل عليها والمتحدِّث عنها، فكان هذا العلم هو ما نسميه "علوم القرآن" بالمعنى المدوَّن.

قال الزرقاني: "ولا نعلم أن أحدًا قبل المائة الرابعة للهجرة ألَّفَ أو حاول أن يؤلِّفَ في علوم القرآن بالمعنى المدوَّن؛ لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف، وإن كنَّا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء، على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب، ولم يفردوها باسم.

ولقد كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن، أن أوَّل عهد ظهر فيه هذا الإصطلاح، أي اصطلاح علوم القرآن، وهو القرن السابع.

لكن وجد في دار الكتب المصرية كتاب لعلي بن إبراهيم بن سعيد، الشهير بالحوفي, المتوفَّى سنة 330هـ، اسمه "البرهان في علوم القرآن", وهو يقع في ثلاثين مجلدًا، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدًا غير مرتبة، ولا متعاقبة، من نسخة مخطوطة.

وبهذا نستطيع أن نتقدّم بتاريخ هذا الفن نحو قرنين من الزمان، أي: إلى بداية القرن الخامس بدلًا من القرن السابع.

ثم جاء القرن السادس فألَّفَ فيه ابن الجوزي, المتوفَّى سنة 597هـ كتابين: أحدهما اسمه "فنون الأفنان في علوم القرآن"، والثاني اسمه: "المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن", وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية.

وفي القرن السابع ألَّفَ علم الدين السخاوي المتوفَّى سنة 641هـ كتابًا سماه: "جمال القرَّاء".

وألَّفَ أبو شامة المتوفى سنة 665هـ كتابًا أسماه: "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز", وهما -كما قال السيوطي- عبارة عن طائفة يسيرة ونبذ قصيرة، بالنسبة للمؤلفات التي أُلِّفَتْ بعد ذلك في هذا النوع.

ثم أهلَّ القرن الثامن، فكتب فيه بدر الدين الزركشي المتوفى سنة 794هـ كتابًا سماه: "البرهان في علوم القرآن", ثم طلع القرن التاسع على هذا العلم باليمن والبركة، فدرج فيه وترعرع، إذا ألَّف محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة 873هـ كتابًا يقول السيوطي عنه: إنه لم يسبق إليه.

وفي هذا القرن أيضًا وضع جلال الدين البلقيني كتابًا سماه: "مواقع العلوم من مواقع النجوم".

وفي هذا القرن التاسع أيضًا ألَّف السيوطي كتابًا سماه: "التحبير في علوم التفسير", ضمَّنه ما ذكره البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وأضاف إليه فوائد سمحت قريحته بنقلها، وقد أوفى هذا الكتاب على الاثنين بعد المائة من الأنواع، وفرغ الإمام من تأليف تحبيره هذا سنة 872هـ, غير أن نفسه الكبيرة لم تقنع بهذا المجهود العظيم, بل طمح إلى التبحُّر والتوسُّع والترتيب، فوضع كتابه الثاني "كتاب الإتقان في علوم القرآن", وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفن، ذكر فيه ثمانين نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والإدماج"1.

ثم فترت الهمم بعد السيوطي المتوفى سنة 911هـ, لكنها لم تلبث حتى انبعثت مرة أخرى تجدد لهذه العلوم ثوبها، وتضيف إليها من البحوث ما يزيل شبه المستشرقين، ومن لف لفهم حول بعض ما جاء في كتب الأقدمين من روايات، وتَقَّول، وتطفوا على هذه العلوم القرآنية نظريات جديدة دعت إليها ضرورة العصر الذي تميَّزَ بظهور كثير من الاكتشافات العلمية في العلوم الطبيعية والفلسفية، وغيرها، فألفت في هذه العلوم القرآنية كتب كثيرة، منها:

1- "البيان في علوم القرآن" للشيخ طاهر الجزائري، يقع في قريب من ثلاثمائة صفحة، وفرُغَ من تأليفه سنة 1335هـ.

2- "منهج الفرقان في علوم القرآن" للشيخ محمد علي سلامة.

3- "النبأ العظيم" للشيخ محمد عبد الله دراز.

4- "مناهل العرفان" للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.

5- اللآلئ الحسان في علوم القرآن" للدكتور موسى لاشين.

6- "مباحث في علوم القرآن" للشيخ منَّاع القطان.

هذا وهناك بحوث ورسائل كثيرة كُتِبَت في بحوث مختلفة نُشِرَت في جامعة الأزهر، وجامعة القاهرة وجامعة عين شمس، وغيرها من جامعات العالم.

ولو جُمِعَ من هذه البحوث والرسائل أنقاها وأزكاها في موسوعة بالغة ما بلغت من الحجم لكان عملًا رائعًا يستحقه الإكبار والتقدير.

إذ يجد الباحث في هذه الموسوعة ما يبتغيه من أيسر طريق، وبأقل جهد.

التعريف بعلوم القرآن

علوم القرآن مركب إضافي، مكون من كلمتين، كلمة علوم وقرآن .

وعلوم هي جمع علم , والعلم في اللغة نقيض الجهل , وهو مصدر مرادف للفهم والمعرفة والإدراك, ويراد به إدراك الشيء على حقيقته، ثم نُقل بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة ضبطاً علمياً والمتعلقة بعلم ما، ومن أحسن ما قيل في كلمة العلم أنها أشهر من أن تعرف.

والقرآن في اللغة : اختلفت فيه أقوال العلماء هل هو مصدر أم وصف؟ ثم هل هو مهموز أم غير مهموز؟

والذي نختاره أنه مصدر مهموز علي وزن فُعلان بالضم كالغفران، والشكران، من قرأ يقرأ قراءةً , وقرآناً , ويشهد لهذا الاختيار ورود القرآن بمعنى القراءة في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (القيامة:17-18) أي قراءته .

فـ " قرأ " : تأتي بمعنى الجمع والضم والتلاوة، والقراءة : ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، وقد نقل من هذا المعنى المصدري, وجعل اسماً للكلام  المعجز, المنزل على محمد r من باب إطلاق المصدر على مفعوله، فأصبح كالعلم الشخصي له، ومنه قوله تعالى : (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) (يونس:37) . 

ولعلوم القرآن معنيان :

أ- معنى عام .

ب- ومعنى خاص باعتباره ( فناً مدوناً ), وإليك الحديث عن كلِّ نوع:

أ- تعريف علوم القرآن في المعنى العام هو:

(( أنواع المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن الكريم ، سواء كانت خادمة له , أو دل القرآن على مسائلها وأحكامها )) .

فعلوم خادمة للقرآن كعلم التجويد , وعلم التفسير , وعلوم اللغة العربية , وعلم الناسخ والمنسوخ , ونحو ذلك , وعلوم دل القرآن على مسائلها وأحكامها , كعلم الفقه , وعلم التوحيد , وعلم الفرائض , وعلم التاريخ, ونحو ذلك .

وقد توسع بعض العلماء في ذلك حتى أدخلوا علم الطب , وعلم الفلك, والجبر , والهندسة , وغيرها.

   ولكن ليس هنالك شك أن كل العلوم الدينية والعربية داخلة في معنى علوم القرآن  في معناه العام .

ب- تعريف علوم القرآن باعتباره علماً مدوناً :

علوم القرآن باعتباره فناً مدوناً عبارة عن مباحث أساسية ينبغي الإلمام بها لكل مقبل على فهم ودراسة القرآن الكريم وإلا ضل عن سواء السبيل , لذا يمكن تعريفه بأنه : (( أنواع المعارف والعلوم الخادمة للقرآن الكريم كعلم النزول , وعلم الرسم , وعلم التجويد والقراءات, وعلم أسباب النزول, وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير ونحو ذلك)).

 

تعريف القرآن الكريم:

يذكر له العلماء تعريفاً له: هو كلام الله، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز في لفظه ومعناه، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته.

أما كلام فهو اسم جنس يشمل جميع الكلام لله تعالى وللمخلوقات وبإضافته إلى لفظ الجلالة (ما أما

 

كلام الله) يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.

و (المنزل) يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً ).

وتقييد المنزل بكونه ( على محمد صلى الله عليه وسلم) يخرج ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.

و (المعجز بلفظه ومعناه) قيدٌ في التعريف؛ لأن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة والرسالة المتجددة الصالحة لكلِّ زمان ومكان، وقد وقع به التحدي لإلى يوم القيامة، قال تعالى ( قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).

و ( المنقول إلينا بالتواتر) قيد خرج به الحديث القدسي والنبوي مما لم يرد متواترا، وخرج به قراءات الآحاد والشواذ.

و ( المتعبد بتلاوته ) يُخرج قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية؛ لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك، كما خرج به سائر الحديث النبوي والقدسي لأنه لا يتعبد بتلاوتهما.

 

أسماؤه وأوصافه

من أسماء القرآن:

للقرآن الكريم أسماء كثيرة منها:

1-"القرآن"  قال تعالى: ( ق والقرءان المجيد ).  وسمي بذلك لأنه يقرأ.

2- "الكتاب" قال تعالى: ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ) وسمي بذلك لأنه يقرأ ويحفظ في الصدور وأيضاً يُكتب.

تنبيه مهم: جاء لفظ الكتاب في القرآن الكريم ويراد به غير القرآن فمن ذلك:

أ/ جاءت بمعنى التوراة في  قوله تعالى: ( ولقد آتينا موسى الكتاب ).

ب/ جاءت بمعنى الكتابة في قوله تعالى عن عيسى: ( ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ).

ج/ وجاءت كلمة الكتاب والمراد بها اللوح المحفوظ في قوله تعالى: ( إنه لقرءان كريم * في كتاب مكنون ) وقوله تعالى: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ).

د/ وجاءت بمعنى أي كتاب في  قوله تعالى: ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ).

هـ/ وجاءت بمعنى كتاب الأعمال في قوله تعالى: ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ).

ومن أسماء القرآن أيضا :

3-" الفرقان" قال تعالى: ( تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)  وسمي بذلك لأن الله تعالى فرَّق به بين الحق والباطل، أو لأنه نزل مفرقا.

4- "الذكر" قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ).

5- "التنزيل" قال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).

من أوصاف  القرآن:

ووصف الله القرآن بأوصاف كثيرة كذلك منها:

" نور " ( يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ).

و" هدى" و" شفاء" و" رحمة" و" موعظة" ( يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين ).

     و" مبارك" ( وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ مصدِّقُ الذي بين يديه ).

     و" مبين" ( قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين ).

     و" بشرى" ( مصدقاً لما بين يديه وهدىً وبشرى للمؤمنين ).

     و" عزيز" ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتابٌ عزيز ).

     و" مجيد" (  بل هو قرآنٌ مجيد ).

     و" بشير" و" نذير" ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً        

    فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ  ).

 

الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي

³الفرق بين القرآن والحديث القدسي:

القرآن

الحديث القدسي

1. أن  القران كلام الله أوحى به إلى رسول الله بلفظه، وتحدى به العرب، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله ولا يزال التحدي به قائماً، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين.

الحديث القدسي لم يقع به التحدي والإعجاز.

2. القران لا ينسب إلا إلى الله تعالى، فيقال: قال الله تعالى.

والحديث القدسي قد يُروى مضافاً إلى الله وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء فيقال: قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى، وقد يروى مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه عليه الصلاة والسلام هو المخبر به عن الله، فيقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل.

3. جميعه منقول بالتواتر، فهو قطعي الثبوت.

أكثره أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت.

4. هو من عند الله لفظاً ومعنى، فهو وحي باللفظ والمعنى.

معناه من عند الله ولفظه من عند الرسول ص الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ، ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين.

5/ متعبد بتلاوته، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة، وقراءته عبادة يثيب الله عليها.

الحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة، ويثيب الله على قراءته ثواباً عاماً.

³ الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:

الحديث النبوي

الحديث القدسي

الحديث النبوي قسمان:

  1. 1.               "قسم توقيفي" وهو الذي تلقى الرسول ص مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه.
  2. 2.                "قسم توفيقي" وهو الذي استنبطه الرسول ص من فهمه للقرآن، لأنه مبين له، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد، وهذا قد يقره الوحي إذا كان صواب، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بما فيه الصواب.
  • · يتبين أن الأحاديث النبوية بقسميها التوقيفي التوفيقي الاجتهادي الذي أقره الوحي  يمكن أن يقال فيها إن مردها جميعاً إلى الوحي.

الحديث القدسي معناه من عند الله عز وجل، يُلقى إلى الرسول ص بكيفية من كيفيات الوحي-لا على التعيين.

أما ألفاظه فمن عند الرسول ص على الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة لمضمونه لا نسبة لألفاظه، ولو كان لفظه من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن، ولوقع التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته.

 

 

الوحي

مع ازدهار الحياة العلمية، أصبح الإيمان بأن هناك عالم غيبي لملاحظة آثاره ومظاهره، وإن  كان  يصعب معرفة كنهه، مع استثناء الملاحدة والماديين الذين ينكرون الأشياء غير المادية.

والبحوث النفسية  الروحية لها في مضمار العلم الآن مكانتها، ويقربها إلى الأفهام تفاوت الناس في مداركهم وميولهم وغرائزهم، فمن العقول العبقري الذي يبتكر كل جديد، ومنها الغبي الذي يستعصي عليه إدراك بديهي الأمور، وبين المنزلتين درجات. والنفوس كذلك منها الصافي المشرق، والخبيث المعتم.

والروح مثل الجسم تحتاج إلى غذاء، وتعتل الروح كما يعتل الجسد.

وليس ببعيد على الله تعالى أ، يختار من عباده نفوساً لها من نقاء الجوهر وسلامة الفطرة ما يعدها للوحي السماوي، ليلقي إليها برسالاته التي تسد حاجة البشر في رقي وجدانه، وسمو أخلاقه، واستقامة نظامه، وهؤلاء هم رسله وأنبياؤه.

ولا غرابة في أن يكون هذا الاتصال بالوحي السماوي.

ومثال في حياتنا يقرب المعنى أن الرجلان يتخاطبان في الهاتف، أحدهما في أقصى المشرق، والآخر في أقصى المغرب، وقد يتراءيان مع هذا التخاطب، ولا يسمع الجالسون بجانبهما شيئاً سوى أزيز كدوي النحل الذي في صفة الوحي.

وقد شاهد الوحي معاصروه ونقل إلينا بالتواتر المستوفي لشروطه بما يفيد العلم القطعي إلى الأجيال اللاحقة، ولمست الإنسانية أثره في حضارة أمته، وعزة أتباعه ما استمسكوا به وخذلان من فرط به.

كيفية وحي الله إلى الملائكة

جاء في القرآن الكريم ما ينص على كلام الله لملائكته: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ).  

وعلى إيحائه إليهم: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلا?ئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ ).

وعلى قيامهم بتدبير شئون الكون حسب أمره: ( فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ) ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ).

وهذه النصوص متآزرة تدل على أن الله يكلم الملائكة دون واسطة بكلام يفهمونه.

ويؤيد هذا ماجاء في الحديث عن النواس بن سَمْعان رضي الله عنه قال : قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلَّـم بالوحي، أخذت السماء رجفةٌ-أو قال: رعدة- شديدةٌ خوفاً من اللَّه عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السموات صَعِقوا وخرُّوا سجَّداً فـيكون أول من يرفعُ رأسَهُ جبريل، فـيكلـمه اللَّهُ  من وحيه بما أراد، ثم  يمر جبريل على الملائكة، كلـما مرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول:" قال الـحق وهو العلي الكبير" فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فـينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أُمره الله عز وجل ».

فهذا الحديث يبين أن كيفية الوحي تكلم من الله، وسماع من الملائكة، وهول شديد لأثره، وإذا كان ظاهره-في مرور جبريل وانتهائه بالوحي- يدل على أن ذلك خاص بالقرآن فإن صدره يبين كيفية عامة.

الوحي في اللغة :

يقال: وَحَى إليه وله , " يَحِي" وَحْياً أشار وأومأ إليه, وأوْحَيْتُ إليه إذا كلمته بما تخفيه عن غيره , فكل ما تلقيه إلى غيرك خفية فهو من الوحي.

فالوحي في اللغة يعني : الإعلام في خفاء بأي صورة كانت.

قال ابن تيمية:"الوحي الإعلام السريع الخفي , إما في اليقظة وإما في المنام".

فالوحي بمعناه اللغوي يتناول:

  1. 1.      الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أم موسى ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَى? أُمِّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ ).
  2. 2.      والإلهام الغريزي للحيوان كالوحي إلى النحل ( وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى? النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ).
  3. 3.      الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء كإيحاء زكريا فيما حكاه القرآن عنه: (فَخَرَجَ عَلَى? قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ).
  4. 4.      ووسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى? أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ).
  5. 5.      ما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلا?ئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ).

الوحي في الاصطلاح :

عرِّف الوحي في اصطلاح الشرع بتعريفات أخص من التعريف اللغوي؛ ومن أشهرها وأجمعها:

كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه.

وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.

الأدلة العقلية على إثبات الوحي للنبي r :

   ثبوت الوحي في تاريخ الأنبياء من الأمور المسلَّم بها بين أهل الديانات الربانية السابقة ، فلم يكن  النبي r أول بشر أوحى الله إليه , أو ادّعى ظاهرة لم تكن معروفة في الأنبياء السابقين له؛ ولذلك قال تعالى لرسوله الكريم r :â  ö@è% $tB àMZä. %Yæô?Î/ z`ÏiB È@ß???9$# !$tBur ?Í?ô?r& $tB ã@yèøÿã? ?Ï1 ?wur ö/ä3Î/ ( ÷bÎ) ßìÎ7¨?r& ?wÎ) $tB #Óyrqã? ¥?n<Î) !$tBur O$tRr& ?wÎ) Ö??É?tR ×ûüÎ7?B á وقال تعالى : â !$¯RÎ) !$uZø?xm÷rr& y7ø?s9Î) !$yJx. !$uZø?xm÷rr& 4?n<Î) 8yqçR z`¿Íh?Î;¨Z9$#ur .`ÏB ¾ÏnÏ?÷èt/ á.

وقد قال ورقة بن نوفل ـ الذي كان قد تنصر في الجاهلية ـ للنبي r عندما ذهبت به زوجه خديجة إليه فقال: (هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)، والنَّامُوسُ : صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ .

فهي ظاهرة ليست بدعة في التاريخ، وقد تضافرت الأدلة العقلية والنقلية في الكتاب والسنة بما يؤكد ثبوت الوحي من الله U لنبيه الكريم محمد r ، وهذه الأدلة هي من مؤكدات النبوة , منها :

1ـ حالات النبي r مع الوحي وذلك :

أ / عند نزول الوحي عليه : ما كان يظهر على النبي r من ثقل جسمه ، وتفصده عرقاً في الليلة الشاتية ، ويسمع عند جبينه دوي كدوي النحل ونحوها مما هو خارج عن مقدور إنسان أن يتصنعه ونقل الصحابة ذلك نقلاً متواتراً بما يفيد اليقين ويؤكد صدقه .

ب/ عند انقطاع الوحي عنه في وقت هو أحوج ما يكون إليه :  وقد كان الوحي ينقطع عنه في وقت هو في حاجة إليه ، ولا ينزل طوع إرادته مما يؤكد صدق النبي r ، وذلك عندما كان  يسأل عن بعض الأمور ولم يكن له في ذلك علم من الله تعالى ينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب السائل.

ج/ عندما ينزل الوحي مصوباً أو معاتباً له : ومما يؤكد صدقهr  ما جاء في القرآن الكريم من عتاب وتصويب لبعض مواقفه كقوله تعالى : â $pk??r'¯»t? ?ÓÉ<¨Z9$# zOÏ9 ãPÍh?utéB !$tB ¨@xmr& ª!$# y7s9 ( ?ÉótGö;s? |N$|Êö?tB y7Å_¨urø?r& 4 ª!$#ur Ö?qàÿxî ×LìÏm§? á, وكقوله تعالى: â ?Å"ø?éBur ?Îû y7Å¡øÿtR $tB ª!$# Ïm?Ï?ö7ãB Óy´ø?rBur }¨$¨Z9$# ª!$#ur ?,xmr& br& çm9t±ø?rB á .

شمائل النبي  r تدل على صدقه : فقد قامت الأدلة القاطعة على صدق النبي r من مهده إلى بعثته فلم يعرف عنه كذب في حياته قط وقد شهد بذلك أعداؤه قبل أتباعه وأصحابه. فعندما سأل هرقل أبا سفيان في قوله ( فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ: لا ، فقالَ هرقل: فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ) .

 3ـ نصرة الله تعالى له : ومما يؤكد صدقه نصرة الله له, وإهلاك أعدائه, وتولي أمره وأمر من آمن معه؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين, ولا ينصر الكاذبين . 

4ـ ما أيَّده الله به من معجزات : فقد أيده الله بمعجزات كثيرة تدل على صدقه وعلى رأس تلك المعجزات القرآن الكريم ؛ الذي تحدى الله به الخلق وخاصة من يشكُّون في صدق النبي r أن يأتوا بمثله، أو عشر سور من مثله، أو حتى سورة من مثله.

5ـ علوم القرآن الواسعة المتنوعة : ما جاء في القرآن من علوم ومعارف متنوعة حوت كل مباحث الإيمان ، وشملت كل فضائل الأخلاق والأعمال ، وتشريعات أشرقت لها جوانب الحياة المختلفة المالية , والجنائية, والعسكرية, والسياسية, والاجتماعية ونحوها, وعلوم كونية شملت السماء وزينتها ، والأرض وما عليها من جبال، وبحار، وأنهار، ورياح، ونبات، وحيوان وغيرها ، وعلوم نفسية وتربوية غائرة في أعماق النفس بشكل تحتار فيه العقول في زمان العلم دعك عن غيره ، ولا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها من تلقاء نفسه ، في سعتها ، ودقتها وعمقها.

6ـ القيم التي دعا إليها النبي r تؤكد صدقه؛ لأنَّه دعا إلى ما دعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين، من عبادة الله وحده دون سواه وترك عبودية غيره، ودعا إلى مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، فهو لم يأت إلا بما بعث الله عليه المرسلين ، ولهذا عندما سأل هرقل أبا سفيان وقال له: ( فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ) . فَقَالَ لَهُ : هَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ )

 7 ـ الأمور الغيبية في القرآن الكريم : ما جاء في القرآن الكريم من أنباء الغيب التي أوحى الله إليه بها والتي لا يمكنه معرفة حقائقها إلا عن طريق الوحي ؛ خاصة تلك الأخبار التي هي لأمم اندثرت آثارهم من الأرض

المبحث الرابع : أقسام الوحي :

الوحي من حيث العموم:

       ينقسم الوحي من حيث العموم  إلى قسمين : 

أ ـ وحي باللفظ والمعنى : وهذا هو القرآن الكريم ، قال تعالى : â y7Ï9¨x?x.ur !$uZø?xm÷rr& y7ø?s9Î) $¸R#uäö?è% $w?Î/u?tã á وقد أُمِرْنَا بالتعبد بتلاوته قال تعالى â È@Ïo?u?ur tb#uäö?à)ø9$# ¸x?Ï?ö?s? á والتدبر في معانيه قال تعالى â ë=»tGÏ. çm»sYø9u?Rr& y7ø?s9Î) Ô8u?»t6ãB (#ÿrã?­/£?u?Ïj9 ¾ÏmÏG»t?#uä u?ª.x?tFu?Ï9ur (#qä9'ré& É=»t6ø9F{$# á وإتباع وحيه والدعوة لهديه قال تعالى â (#qãèÎ7¨?$# !$tB tAÍ?Ré& Nä3ø?s9Î) `ÏiB óOä3În/§? ?wur (#qãèÎ7­Fs? `ÏB ÿ¾ÏmÏRrß? uä!$u?Ï9÷rr& 3 Wx?Ï=s% $¨B tbrã?ª.x?s? á.

ب ـ وحي بالمعنى دون اللفظ: وهذه هي سنة النبي  r،كما قال تعالى : â $tBur ß,ÏÜZt? Ç`tã #?uqolù;$# ÇÌÈ ÷bÎ) uqèd ?wÎ) ÖÓórur 4Óyrqã? á وهذه قد أمرنا بأخذها والعمل بها ، قال تعالى : â !$tBur ãNä39s?#uä ãAqß?§?9$# çnrä?ã?sù $tBur öNä39pktX çm÷Ytã (#qßgtFR$$sù 4 (#qà)¨?$#ur ©!$# ( ¨bÎ) ©!$# ß??Ï?x© É>$s)Ïèø9$#   áمن هنا كان الأخذ بالسنة أخذاً بالقرآن .

الوحي من حيث النزول : 

ينقسم وحي الله U لرسوله الكريم محمد بن عبد الله r وغيره من الرسل من حيث طرق نزوله  إلى قسمين وهما :

    أ  ـ   وحي بدون واسطة : وهو على ثلاثة أنواع :

  1. 1.   الرؤيا في المنام .
  2. 2.   النفث في الروع .
  3. 3.   كلام الله لنبيه من وراء حجاب .

ب ـ  وحي بواسطة رسول من الملائكة : يرسله الله U ليبلغ رسالة الله U لرسله , قال تعالى : â ÷rr& ?@Å?ö?ã? Zwqß?u? zÓÇrqã?sù ¾ÏmÏRø?Î*Î/ $tB âä!$t±o? 4 ¼çm¯RÎ) ;?Ì?tã ÒO?Å6xm á ، ولا ينزل الملك بالوحي إلا بعد أن يرسله الله ويأذن له كما حكى القرآن  ذلك عن جبريل عليه السلام مع النبي r الكريم في قوله تعالى : â $tBur ãA¨?t\tGtR ?wÎ) Í?øBr'Î/ y7În/u? ( ¼çms9 $tB tû÷üt/ $uZ?Ï?÷?r& $tBur $sYxÿù=yz $tBur ?ú÷üt/ y7Ï9¨s? 4 $tBur tb%x. y7?/u? $w?Å¡nS á وإليك الحديث عن كلِّ قسم:

  القسم الأول : وحي بدون واسطة : وهو على ثلاثة أنواع :

1 ـ الرؤيا الصادقة في النوم :

رؤيا الأنبياء وحيٌّ من الله U , وقد كان أول ما بدئ به النبي r من الوحي الرؤيا الصالحة , كما جاء في حديث عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِr مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح).

وقد ثبتت الرؤيا لنبي الله إبراهيم عليه السلام عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام.

2 ـ  النفث في الروع:

وهو أن يلقي الله U الوحي في قلب ونفس الرسول r على وجه لا يستطيع دفعه ولا يجد فيه شكَّاً, ولا يتصور معه المخالفة، ولا التردد بل يوقن أنه من عند الله U ليس من خطرات النفس, ولا نزغات الشيطان, فعن ابن مسعود t أن رسول الله r قال : ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق  أن تأخذوا بمعصية الله , فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ).

3 ـ كلام الله لنبيه من وراء حجاب :

وهو أن يكلم الله تعالى نبيه كلاماً حقيقياً يليق بجلاله دون تشبيه ولا تمثيل , ولا تعطيل , ولا إلحاد , يسمعه منه نبيه ويعيه دون رؤيته للباري جل وعلا كما حدث لموسى عليه السلام قال تعالى: â $£Js9ur uä!%y` 4Óy?qãB $uZÏF»s)?ÏJÏ9 ¼çmyJ¯=x.ur ¼çm?/u? á, وقال تعالى: â zN¯=x.ur ª!$# 4Óy?qãB $VJ?Ï=ò6s? á.

القسم الثاني:

ما يكون بواسطة رسول من الملائكة يرسله الله تعالى كجبريل أو غيره من الملائكة  فيوحي إلى الأنبياء ـ  عليهم الصلاة والسلام ـ ما كلفه الله بتبليغه وإنزاله , وقد اختص جبريل عليه السلام بإنزال الوحي على النبي r كما في قوله تعالى : â ¼çm¯RÎ)ur ã@?Í?\tGs9 Éb>u? tûüÏHs>»yèø9$# ÇÊÒËÈ tAu?tR ÏmÎ/ ßyr??9$# ßûüÏBF{$# ÇÊÒÌÈ 4?n?tã y7Î7ù=s% tbqä3tGÏ9 z`ÏB tûïÍ?É?ZßJø9$# á .

حالات إتيان الملك بالوحي :

الحالات التي أتى فيها جبريل عليه السلام بالوحي إلى النبي r لا تخلو من حالات ثلاث وهي :

1ـ أن يأتي جبريل عليه السلام في صورته التي خلق عليها؛ له ستمائة جناح, وقد سد الأفق وهي حالة نادرة وقد ورد أنَّ النبي r رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين: الأولى كانت في الأرض في مكة على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق , والثانية في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء والمعراج .

2ـ  أن يأتي إليه في صورة رجل سوي , كصورة دحية الكلبي أو أعرابي فيكلمه, ويراه الحاضرون, ويسمعون كلامه ويفهمونه, ولكنهم لا يعرفون أنه جبريل؛ ولكن النبي r يعلم يقيناً أنه جبريل جاء ليعلمهم أمر دينهم، كما في حديث عمر بن الخطاب قال : (بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r ذَاتَ يَوْمٍ ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ, شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ, لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ , ولا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ؛ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ r,  فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ, وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ... الحديث ).

3 ـ  أن يأتي إليه جبريل عليه السلام فينزل عليه بالوحي خفية دون رؤيته, ولكن يظهر أثر الوحي, والتغير على رسول الله r , فيغطُّ غطيط النائم, ويثقل جسده ثقلاً شديداً, ويتصبب عرقاً في جبينه في اليوم الشديد البرد, ويكون وقعه عليه كصلصلة الجرس, ويسمع الحاضرون عند وجهه كدوي النحل دون أن يفهموا منه شيئاً, أمَّا هو فيفهمه, ويعي ما يوحي إليه به الملك وبمجرد ما ينفصم عنه يجد ما أوحي إليه في قلبه، كما قال تعالى : â y7è?Í?ø)ãZy? ?xsù #Ó|¤Ys? á وهو يدرك يقيناً أنه وحي من الله  سبحانه من غير لبس.

والقرآن كله نزل على هذه الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته, ولم يثبت ـ والله أعلم ـ أن جبريل عليه السلام أتاه بشيء من القرآن وهو على صورة بشر, وكل ما جاء من ذلك فهو من وحي السنة, وليس من وحي القرآن الكريم . ولعل في ذلك حكمة عظيمة , إذ أنه لو نزل شيء من القرآن في حالة تصور جبريلu على هيئة بشر لكان في هذا مدخل للشك والتدليس , ولوجد المشركون سنداً لزعمهم في قولهم الذي حكاه القرآن : â ô?s)s9ur ãNn=÷ètR óOßg¯Rr& ?cqä9qà)t? $yJ¯RÎ) ¼çmßJÏk=yèã? Ö?t±o0 3 Üc$|¡Ïj9 ?Ï%©!$# ?crß?Åsù=ã? Ïmø?s9Î) @?ÏJyfôãr& #x?»ydur îb$|¡Ï9 @?Ï1u?tã êúüÎ7?B  á وقد نص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى:

â  ¼çm¯RÎ)ur ã@?Í?\tGs9 Éb>u? tûüÏHs>»yèø9$# ÇÊÒËÈ tAu?tR ÏmÎ/ ßyr??9$# ßûüÏBF{$# ÇÊÒÌÈ 4?n?tã y7Î7ù=s% tbqä3tGÏ9 z`ÏB tûïÍ?É?ZßJø9$#  á

وقوله تعالى : â ö@è% `tB ?c%x. #xrß?tã ?@?Î?ö9ÅfÏj9 ¼çm¯RÎ*sù ¼çms9¨?tR 4?n?tã y7Î6ù=s% Èbø?Î*Î/ «!$# $]%Ïd?|ÁãB $yJÏj9 ?ú÷üt/ Ïm÷?y?t? ?Y?èdur 2?u?ô³ç0ur tûüÏYÏB÷sßJù=Ï9 á

فقد نصت هاتان الآيتان على أن الوحي بالقرآن الكريم كان بواسطة جبريل ـ أي وليس بأي صورة أخرى من صور الوحي ـ أما وجه الاستدلال بهما على أن جبريل كان ينزل بصورته الملائكية فهو أنهما نصّتا كذلك على أن مناط هذا النزول أو محله هو قلب النبي الكريم r .

وكلتا الحالتين مذكور فيما يروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله r فقال :" يا رسول الله.... كيف يأتيك الوحي؟  فقال  رسول الله r :" أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول".

 

نزول القرآن الكريم :

    الذي عليه جمهور العلماء  ـ رحمهم الله ـ أن القرآن الكريم تميز بنوعين من أنواع النزول :

 الأول : نزول القرآن جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا .

 الثاني : نزول القرآن منجماً على قلب النبيr .

ولكل نزول أدلته ، وحكمته على التفصيل التالي :

المطلب الأول : نزول القرآن جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا :

     هنالك عدد من الأدلة ساقها العلماء لإثبات هذا النوع من النزول من أبرزها قوله تعالى:â  ã?÷ky­ tb$?ÒtBu? ü?Ï%©!$# tAÍ?Ré& Ïm?Ïù ãb#uäö?à)ø9$# ?Y?èd Ĩ$¨Y=Ïj9 ;M»sYÉi?t/ur z`ÏiB 3?y?ßgø9$# Èb$s%ö?àÿø9$#ur 4 á وقوله تعالى: â !$¯RÎ) çm»sYø9u?Rr& ?Îû 7's#ø?s9 >px.u?»t6?B 4 $¯RÎ) $¨Zä. z`?Í?É?ZãB á وقوله تعالى : â !$¯RÎ) çm»sYø9u?Rr& ?Îû Ï's#ø?s9 Í?ô?s)ø9$# á, ومن المعلوم أن القرآن لم ينزل على النبيr في شهر واحد وهو شهر رمضان؛ وإنمَّا نزل فيه وفي غيره من الشهور, كما أنَّه لم ينزل في ليلة واحدة وإنمَّا نزل في عدد من الليالي والأيام, وبالليل والنهار, والصيف والشتاء, فقالوا إنَّ هذه الآيات تتحدث عن نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا؛ بدليل الآثار التي جاءت توضح ذلك منها:

1ـ  ما جاء عن عكرمة عن ابن عباس y أنه قال: ( أُنْزِلَ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فِي لَيْلَة الْقَدْر, ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْد ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَة، ثم قَرَأَ:  â ?wur y7tRqè?ù't? @@sVyJÎ/ ?wÎ) y7»sY÷¥Å_ Èd,ysø9$$Î/ z`|¡ômr&ur #¶??Å¡øÿs? á و â $ZR#uäö?è%ur çm»sYø%u?sù ¼çnr&u?ø)tGÏ9 ?n?tã Ĩ$¨Z9$# 4?n?tã ;]õ3ãB çm»sYø9¨?tRur Wx?Í?\s? á ).

2 ـ وفي رواية أخرى عن ابن عباس t أنه قال : ( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، فجعل جبريل عليه السلام ينزله على النبي r ويرتله ترتيلا).

فهذه الأدلة وغيرها تثبت نزول القرآن جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا.

فهذه الآثار صحيحة صححها أهل العلم, وقول الصحابي في ما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع للنبي r ، وخاصة قول عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن, وهو قول مؤيد بظاهر أدلة القرآن الكريم .

وقد رجح بعض العلماء أن قوله تعالى :  â !$¯RÎ) çm»sYø9u?Rr& ?Îû Ï's#ø?s9 Í?ô?s)ø9$# á يراد به الإنزالان :

النزول الأول : جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ،كما جاءت الأدلة التي توضح ذلك  .

والنزول الثاني: ابتداء نزوله على رسول الله r وهو أيضاً قول صحيح كما روى الإمام أحمد في المسند من حديث وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: ( أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ).

وَهَذَا كُلّه مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: â ã?÷ky­ tb$?ÒtBu? ü?Ï%©!$# tAÍ?Ré& Ïm?Ïù ãb#uäö?à)ø9$# á ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:  â !$¯RÎ) çm»sYø9u?Rr& ?Îû Ï's#ø?s9 Í?ô?s)ø9$# á فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لَيْلَة الْقَدْر فِي تِلْكَ السَّنَة كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة, فَأُنْزِلَ فِيهَا جُمْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا, ثُمَّ أُنْزِلَ فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرِينَ إِلَى الأَرْض أَوَّل قوله تعالى :â  ù&u?ø%$# ÉOó?$$Î/ y7În/u? ?Ï%©!$# t,n=yz á.

المطلب الثاني:نزول القرآن منجماً على قلب النبي r :

وهذا النوع من النزول قد تضافرت عليه الأدلة الكثيرة في القرآن والسنة من خلال أدلة تثبت نزول القرآن عليه ، وأخرى تثبت تنجيم النزول ، من ذلك قوله تعالى : â ¼çm¯RÎ)ur ã@?Í?\tGs9 Éb>u? tûüÏHs>»yèø9$# ÇÊÒËÈ tAu?tR ÏmÎ/ ßyr??9$# ßûüÏBF{$# ÇÊÒÌÈ 4?n?tã y7Î7ù=s% tbqä3tGÏ9 z`ÏB tûïÍ?É?ZßJø9$# ÇÊÒÍÈ Ab$|¡Ï=Î/ 5c?Ï1u?tã &ûüÎ7?B á, وقوله تعالى : â ö@è% `tB ?c%x. #xrß?tã ?@?Î?ö9ÅfÏj9 ¼çm¯RÎ*sù ¼çms9¨?tR 4?n?tã y7Î6ù=s% Èbø?Î*Î/ «!$# $]%Ïd?|ÁãB $yJÏj9 ?ú÷üt/ Ïm÷?y?t? ?Y?èdur 2?u?ô³ç0ur tûüÏYÏB÷sßJù=Ï9 á, وقوله تعالى : â ß?÷Kutù:$# ¬! ü?Ï%©!$# tAu?Rr& 4?n?tã ÏnÏ?ö7tã |=»tGÅ3ø9$# óOs9ur @yèøgs? ¼ã&©! %y`uqÏã á, وقوله تعالى: â x8u?$t6s? ?Ï%©!$# tA¨?tR tb$s%ö?àÿø9$# 4?n?tã ¾ÏnÏ?ö6tã tbqä3u?Ï9 ?úüÏJn=»yèù=Ï9 #·??É?tR á.

ومن الأدلة التي تثبت تنجيم نزول القرآن عليه قوله تعالى: â $ZR#uäö?è%ur çm»sYø%u?sù ¼çnr&u?ø)tGÏ9 ?n?tã Ĩ$¨Z9$# 4?n?tã ;]õ3ãB çm»sYø9¨?tRur Wx?Í?\s? á, قال ابن كثير وقوله â $ZR#uäö?è%ur çm»sYø%u?sù á أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه : فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا , ثم نزل مفرقاً منجماً على الوقائع إلى رسول الله r في ثلاث وعشرين سنة.

وعن ابن عباس أنه قرأ "فرَّقناه" بالتشديد, أي أنزلناه آية آية ، مبيَّناً ، ومفسراً .

وقال تعالى :â  tA$s%ur tûïÏ%©!$# (#rã?xÿx. ?wöqs9 tAÍh?çR Ïmø?n=tã ãb#uäö?à)ø9$# Z's#÷Häd Zoy?Ïn¨ur 4 y7Ï9¨x??2 |MÎm7s[ãZÏ9 ¾ÏmÎ/ x8y?#xsèù ( çm»sYù=¨?u?ur Wx?Ï?ö?s?  á.

كما أن الأدلة الكثيرة المتضافرة في السنة النبوية التي توضح كيفية نزول جبريل بالقرآن الكريم لآياته وسوره تقطع الشك في نزوله منجماً على قلبه , وأن النبي r سمعه من جبريل بأذنيه , ووعاه بقلبه , وبلغه للناس كما سمعه .  

الحكمة من نزول القرآن منجماً على النبي r :

لنزول القرآن الكريم منجماً على قلب النبي r في بضع وعشرين سنة حكم كثيرة منها ما نص عليه القرآن الكريم أو السنة النبوية , ومنها ما استنبطه العلماء ، وما زال المجال واسعاً أمام الباحثين لاستنباط المزيد من الحكم , وإليك الحديث عن بعضها :

1 ـ تثبيت فؤاد النبي r :

هذه الحكمة قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى : â tA$s%ur tûïÏ%©!$# (#rã?xÿx. ?wöqs9 tAÍh?çR Ïmø?n=tã ãb#uäö?à)ø9$# Z's#÷Häd Zoy?Ïn¨ur 4 y7Ï9¨x??2 |MÎm7s[ãZÏ9 ¾ÏmÎ/ x8y?#xsèù ( çm»sYù=¨?u?ur Wx?Ï?ö?s? á.

يعني لنقوي به قلبك , فإنَّ الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب , وأشدُّ عناية بالمرسل إليه , ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه , وتجديد العهد به , وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز , فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة.

2 ـ رد شُبَه الكفار والإجابة عن أسئلة السائلين :

وقد هذا قد جاء في قوله تعالى: â ?wur y7tRqè?ù't? @@sVyJÎ/ ?wÎ) y7»sY÷¥Å_ Èd,ysø9$$Î/ z`|¡ômr&ur #¶??Å¡øÿs? á أي لا يأتونك بحجة أو شبهة، ولا يقولون قولاً يعارضون به الحق إلا جئناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم، فأخبره الله أن يجيبهم بأن أحكام الله لا تتبع أهواء البشر، وأنه لا يملك من الأمر شيئاً ، وإنَّما هو مبلغ ما يُوحى إليه , فعليكم أن تفهموا مهمتي.

3 ـ فضح مكائد الأعداء في حينها :

كان القرآن الكريم ينزل على رسوله الكريم بكشف عورات أعدائه بصورة تهز كيان الباطل وتعلي بنيان الحق , وتؤكد صدق الرسول r , وأن هذا القرآن منزل من الله U وهذا كثير ، كقوله تعالى عن المنافقين  :â #s?Î)ur (#qà)s9 tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#ûqä9$s% $¨YtB#uä #s?Î)ur (#öqn=yz 4?n<Î) öNÎgÏY?ÏÜ»u?x© (#ûqä9$s% $¯RÎ) öNä3yètB $yJ¯RÎ) ß`øtwU tbrâäÍ?÷kyJó¡ãB á.

4 ـ مسايرة الحوادث في عهد النبوة:

لحكمة أرادها الله جعل القرآن يمس واقع الحياة بأحداثها , ويحدث فيها تغييراً حياً يرتبط بحياتهم الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، جعل بعض الآيات تنزل مرتبطة ببعض أسباب النزول حتى يأخذوا من الأحداث والوقائع التي تمر بهم دروساً قوية مؤثرة في حياتهم, ويدفعهم ذلك إلى التشوق للاستماع إليها, والتفكر في معانيها, وأخذ الدروس والعبر القوية من خلالها.

5ـ التدرج ومراعاة الأولويات في التربية والتعليم :

وقد كان لهذا التنجيم فوائد عظيمة في التدرج بهم في تلقي الوحي, فهو يساعد دون شك على سهولة الحفظ لألفاظه, والتدبر والفهم لمعانيه, والتدرج مع النفوس في تطبيق أحكامه, وذلك لأن منهج التدرج في التربية والتعليم والتغيير له أثر كبير في تحقيق الأهداف المرجوة وتقبل المكلفين للدعوة؛ وذلك لأن الناس لا يمكن أن يتخلوا عن عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم وسلوكياتهم بين يوم وليلة, وفي ذلك تعليم للأمة في كل زمان ومكان أن الإصلاح الاجتماعي يحتاج إلى أولوية في الخطاب, وقراءة لواقع   الدعوة, ومعرفة تامة بنفسية المخاطبين وعاداتهم وعقائدهم وطاقاتهم, وأن ترك هذا الفقه الذي نتعلمه من تتبع نزول القرآن لمعالجة ذلك الواقع تخل عن منهج الله الذي رسمه للإصلاح, وسبب من أعظم أسباب فشل بعض الدعاة.

فالتخلي عن الباطل يحتاج إلى تدرج , كما أن التحلي بالحق يحتاج إلى فقه واسع في التدرج حتى تبلغ النفوس البشرية مبلغاً في الكمال الذي يريده الله, ولا بد أن يكون التدرج وفق منهج الأولويات، ومن هنا بدأ الإسلام في تربيتهم بقضايا الإيمان وأصول الأخلاق ثم تدرج في فرض العبادات ابتداءً  بالصلاة ثم الصيام ثم الزكاة ثم الحج, وتدرج معهم في فضائل الإسلام وشعائره الأخرى، فلو نزلت الفرائض جملة لثقل على قلوبهم تقبلها , ولذلك أنزله الله وفق علمه وحكمته بما يصلح مع نفوس البشر.

 

6ـ تحقيق اليقين على أن القرآن الكريم كلام رب العالمين :

فالقرآن الكريم من خلال نزوله آيات يدل على أنه من عند الله العزيز الحكيم؛ وذلك من خلال التتبع لما نزل أولاً وما نزل آخراً، وما بينهما، في بضع وعشرين سنة، وفي أماكن مختلفة, وأزمنة متباينة, وأحوال متنوعة, لكننا لا نجد فيه اختلافاً بين آياته، وكلماته، وحروفه, فألفاظه متشابهة، ومعانيه محكمة, وأسلوبه كله فريد متناسق لا اختلاف ولا تضاد، كما قال تعالى : â ?xsùr& tbrã?­/y?tFt? tb#uäö?à)ø9$# 4 öqs9ur tb%x. ô`ÏB Ï?ZÏã Î?ö?xî «!$# (#rß?y`uqs9 Ïm?Ïù $Zÿ»n=ÏF÷z$# #[??ÏW?2 á.

 

أول ما نزل وآخر ما نزل :

    اعتنى العلماء عناية خاصة بأول القرآن نزولاً, وآخر ما نزل منه،كما اعتنوا بأول ما نزل في مكة, وآخر ما نزل فيها, وأول ما نزل في المدينة وآخر ما نزل فيها, وأول ما نزل في كلِّ حكم، وآخر ما نزل فيه. 

أول ما نزل من القرآن الكريم :

القول الأول: اختلف العلماء في تحديد أول ما نزل من القرآن الكريم إلى عدة أقوال أشهرها أن أول ما نزل من القرآن صدر سورة اقرأ ، وهذا القول رجحه جمهور العلماء من السلف والخلف, وتسنده الأدلة الواضحة من ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ e مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ  ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ ـ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ ، فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ  ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : â ù&u?ø%$# ÉOó?$$Î/ y7În/u? ?Ï%©!$# t,n=yz ÇÊÈ t,n=yz z`»|¡SM}$# ô`ÏB @,n=tã ÇËÈ ù&u?ø%$# y7?/u?ur ãPu?ø.F{$# á , فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ e يَرْجُفُ فُؤَادُهُ .

وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت : ( أول سورة نزلت من القرآن â ù&u?ø%$# ÉOó?$$Î/ y7În/u? ?Ï%©!$# t,n=yz á ، ومرادها بالسورة الآيات الخمس الأولى منها ).

القول الثاني:

وذهب طائفة من العلماء إلى أن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر، فقد روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "سألت جابر بن عبد الله ، أي القرآن أنزل قبل؟! قال : يا أيها المدثر"

 

 

 

والراجح:

هو القول الأول لأمور، ومنها:

ما ثبت في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال : سمعت رسول الله r وهو يحدث عن فترة الوحي فقال: بينما أنا امشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض.

وقد أجاب السيوطي في الإتقان عن الحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني بأجوبة انتقيت منها أفضلها وأقربها للواقعية والإقناع:

أن مراد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما – إنّما هو فيما نزل سورة كاملة، ذلك أن المدثر اكتمل نزولها قبل سورة اقرأ، التي نزل منها صدر السورة فقط.

أن مراد جابر يتعلّق بأوليّة الإنذار، لا مطلق الإنباء، فمن المعلوم أن سورة المدثر: نزلت آمرة النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق داعية إلى الله منذراً أهل الشرك والضلالة مغبة ما هم فيه من عبادة الأوثان وتقديس الأصنام. أما سورة العلق فلم يكن فيها شيء من ذلك، بل هو مجرد الإنباء والتهيئة لتلقي رسالة السماء.

آخر ما نزل من القرآن الكريم :

اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال عديدة منها

القول الأول: آخر ما نزل هو قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) فقد أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها آخر آية نزلت آية الربا.

القول الثاني: أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: â (#qà)¨?$#ur $YBöqt? ?cqãèy_ö?è? Ïm?Ïù ?n<Î) «!$# ( §NèO 4?¯ûuqè? ?@ä. <§øÿtR $¨B ôMt6|¡?2 öNèdur ?w tbqãKn=øàã? á .

    فقد وردت روايات كثيرة عن ابن عباس توضح ذلك منها ما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال : ( آخر  شيء  نزل من  القرآن: â (#qà)¨?$#ur $YBöqt? ?cqãèy_ö?è? Ïm?Ïù ?n<Î) «!$# ( á ).

القول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين للأثر الوارد عن ابن عباس قال آخر القرآن عهدا بالعرش آية الدين.
القول الرابع: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ)  روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ)
القول الخامس: إنّ آخر ما نزل قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً) أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً)  وهي آخر ما نزل، وما نسخها شيء.

القول السادس: إن آخر ما نزل سورة المائدة,وهو مروي عن عائشة وغيرها. فقد روى الترمذي عن عائشة، وعبد الله بن عمرو قولهما: "آخر ما نزل سورة المائدة.

القول السابع: إن آخر ما نزل سورة النصر. فقد أخرج مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال: "آخر سورة أنزلت: ( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) إلى آخرها .

القول الثامن: إن آخر ما نزل هو قوله( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) فقد روى البخاري ومسلم في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب: "أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أيّ آية؟! قال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا) قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

* فوائد معرفة أول وآخر ما نزل:
لمعرفة أول وآخر ما نزل فوائد عديدة متى أمكن تحقيق وتحرير هذا البحث, فمن ذلك:
1- معرفة تدرج القرآن في النزول، وما الأمور التي نزل بشأنها الوحي أولاً، وذلك للاستفادة منها في العلم والدعوة، وترتيب سلم الأولويات في حياة العلماء والدعاة.
2- معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام والتشريعات.
3- ضبط ورصد كل ما يتعلق بالقرآن الكريم, لما له من المنزلة العظيمة في النفوس والقلوب.

 

 

أسباب النزول تعريفه وعناية العلماء به وطرق معرفته :

تعريف سبب النزول :

هو ما أنزل الله بشأنه قرآناً ؛ وقت وقوعه ، كحادثة أو سؤال :

أولاً: فقولنا "ما أنزل الله بشأنه قرآناً", فقد يكون النازل آية كما كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ حين أَنْزَلَ اللَّهُ U: â ø?Î) tbqèW?ÉótGó¡n@ öNä3­/u? z>$yftFó?$$sù öNà6s9 ?ÏoTr& Nä.??ÏJãB 7#ø9r'Î/ z`ÏiB Ïps3Í´¯»n=yJø9$# ?úüÏùÏ?ó?ßD á.

وقد يكون النازل آيات كما جاء في نزول سور الضحى.

وقد يكون النازل سورة من القرآن الكريم كما جاء في نزول سورة المسد â ôM¬7s? !#y?t? ?Ï1r& 5=ygs9 ¡=s?ur á.

ثانياً: وقولنا "وقت وقوعه" : فإنه قد تنزل الآيات أو السورة بعد الحادثة أو السؤال مباشرة كسورة المسد, وقد يتأخر نزول الآية عن السبب أو السؤال بعض الوقت لحكمة أرادها الله U كحادثة الثلاثة الذين خلفوا عن تبوك حيث نزلت بعد أربعين يوماً, وكحادثة الإفك نزلت بعد شهر من الواقعة, وكالسؤال عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين نزلت الآيات بعد خمسة عشر يوماً من سؤالهم.

أما إذا كانت الحادثة وقعت في الأمم الماضية وقبل بعثة النبي r ولم يرتبط بها سؤال فإنها لا تدخل في أسباب النزول, كالحوادث التي وقعت بين موسى وفرعون, وكحادثة إبراهيم عندما ألقي في النار, وكحادثة أصحاب الأخدود, وكحادثة أصحاب الفيل, فكل ذلك يدخل في باب القصص والأخبار عن الأمم الماضية.

ثالثاً : وقولنا " كحادثة " قد تكون الحادثة مرتبطة  بشخصية الرسول r ، أو بزوجات النبي r ، أو ببعض أصحاب النبي r ، أو ببعض المشركين , واحداً أو جماعة منهم ، أو بالمنافقين, واحداً أو جماعة ، أو بأهل الكتاب واحداً , أو جماعة منهم .

رابعاً: "أما السؤال" فقد يتعلق بأمر ماضي قال تعالى: â y7tRqè=t«ó¡o?ur ` ?Ï? Èû÷ütRö?s)ø9$# á فهم سألوا النبي r عن خبر هذا الملك العادل الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها .

وقد يكون السؤال متعلق بأمر حاضر, كما جاء ذلك في قوله تعالى: â y7tRqè=t«ó¡o?ur Ç`tã Çyr??9$# á وقوله تعالى: â y7tRqè=t«ó¡o? Ç`tã Ï'©#ÏdF{$# á.

وقد يكون السؤال متعلق بأمر في المستقبل كقوله تعالى: â y7tRqè=t«ó¡o? Ç`tã Ïptã$¡¡9$# tb$§?r& $yg9y?ö?ãB á وقوله تعالى : â y7tRqè=t«ó¡o? #s?$tB tbqà)ÏÿZã? á  .

وينبغي التنبه أنه لا يلتمس لكل آية سبب نزول كما بينا, إذ أن نزول القرآن الكريم لم يكن متوقفاً كله على سبب نزول خاص بل أغلبه نزل للسبب العام، كما قال الجعبري: (( نزل القرآن على قسمين , قسم نزل ابتداء , وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال )).

عناية العلماء بأسباب النزول :

اعتنى علماء علوم القرآن بصورة كبيرة بدراسة أسباب النزول , وتظهر هذه العناية من خلال ما يلي :

أولاً : اهتمام أصحاب النبي r ومن بعدهم من التابعين به  ، كما يقول عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود t : (( وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ , ولا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الإبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ )), يريد بهذا سبب نزولها .

ثانياً: تأكيد العلماء على أهمية هذا العلم للمفسر, حتى يستطيع أن يفهم كثيراً من الآيات المتعلقة بأسباب النزول فهماً صحيحاً 

ثالثاً :هنالك عدد كبير من العلماء أفرد هذا الموضوع بمؤلفات ودراسات خاصة وهي كثيرة منهم :

1- علي بن المديني شيخ البخاري (ت:234 هـ) كتابه مخطوطة لم تطبع.

2- أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت: 468 هـ) له "أسباب النزول" وهو من الكتب القيمة المفيدة جداً .

3- ابن الجوزي (ت:597 هـ) له " أسباب نزول القرآن " .

4- الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ) له "العجاب في بيان الأسباب".

5- والإمام السيوطي (ت: 911 هـ) له "لباب النقول في أسباب النزول" وهو كتاب حافل موجز محررا لم يؤلف مثله في هذا النوع.

رابعاً : لا يخلو كتاب من كتب علوم القرآن من إفراد هذا الموضوع ببحث خاص .

الألفاظ الدالة على سبب النزول (صبغة سبب النزول) (كيف يعبر عن سبب النزول):

استقرأ العلماء الألفاظ التي جاءت في الروايات المختلفة عن أسباب النزول فقسموها إلى قسمين :

القسم الأول : ألفاظ صريحة في السببية , وهي الألفاظ التي تنص على السببية ولا تحمل غيره، وهي التي صرح فيها الراوي بسبب النزول كأن يقول: (( سبب نزول هذه الآية كذا ))  أو يقول: (( حدث كذا فأنزل الله كذا))، بأن يأتي بفاء تعقيبية داخلة على سبب النزول بعد ذكر سببها , فهذه الألفاظ نصٌ صريحٌ في السببية والأمثلة عن هذا قد تقدمت.

القسم الثاني : ألفاظ محتملة للسببية, ولما تضمنته الآية من أحكام, فهي ليست نصاً في السببية؛ كأن يقول الراوي: (( نزلت هذه الآية في كذا )).

قال الزركشي : (( قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: أنزلت هذه الآية في كذا؛ فإنه يريد بذلك أنها تضمنت هذا الحكم؛ لأن هذا كان السبب في نزولها , فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية, لا من جنس النقل لما وقع )).

أو أن يقول الراوي : أظن أو أحسب أن هذه الآية نزلت في كذا.

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب :

قسم العلماء النازل من القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام :

أولاً : أن يكون السبب خاصاً واللفظ النازل خاصاً .

ثانياً : أن يكون السبب عاماً واللفظ النازل عاماً .

فهذان النوعان لا خلاف بين العلماء في حمل كل منهما على الآخر وذلك للمطابقة بين السبب واللفظ المنزل .

ثالثاً: أن يكون السبب خاصاً, واللفظ النازل عاماً, فهذا الذي اختلف فيه العلماء، والذي عليه الجمهور أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمثلاً آيات الظهار وإن نزلت في خولة بنت ثعلبة مع زوجها إلا أن الحكم عام لهما ولغيرهما، وذلك لأنه لو أراد الله قصر الحكم على السبب ما أنزل علينا لفظاً عاماً, ولأن حمل النصوص العامة على الأسباب الخاصة تخصيص للنص القرآني بما لا يصح أن يخصص به.

كما أنه ينبغي العلم بأن الذين خالفوا الجمهور في أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم , لأن هذا لا يقولـه عاقل ولا مسلم على الإطلاق؛ لأنه لم يقل أحد من علماء المسلمين أن عموميات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين , وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ وإنما يكون بالقياس ، أو بدليل آخر غير هذا الدليل الذي نزل في سبب خاص .

(( فالآية التي لها سبب معين إن كانت أمراً ونهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته, وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضاً)).

فوائد معرفة أسباب النزول :

أولاً: يعين على فهم الآية فهماً صحيحاً, ويؤدي إلى معالجة ما يطرأ على البعض من إشكال، وذلك لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، بل هنالك جوانب من أسباب النزول يتوقف فهم المراد منها على علمه، والمفسر لا يستغنى عن علمه؛ لأن فيها بيان مجمل، أو إيضاح خفي وموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيرا . 

ثانياً: يساعد على إدراك الحكمة التي دعت إلى تشريع بعض الأحكام، ومعرفة مقاصد الشرع، ومراعاته للمصالح العامة، والخاصة في معالجة الحوادث, وحسن رعاية الله بخلقه وسعة سمعه, وعلمه وحكمته .

ثالثاً: يساعد على فهم واقع الدعوة, وكيفية مواجهة الحوادث التي تواجهها: العقدية, والأخلاقية, والاجتماعية, والسياسية، والعسكرية، لأن لارتباط بعض الآيات بأسباب نزول خاص جعل في القرآن واقعية تمس الحياة اليومية للمجتمع في كل جوانبه مما يدل دلالة حيَّة على أن هذا القرآن ينبغي أن يتخذ منهجاً للحياة, تعالج وفق تعاليمه وقائع وأحداث الأمة وكيفية استغلال مثل هذه الأحداث في الناحية التربوية والتعليمية؛ لأن ربط نصوص الكتاب والسنة بوقائع الحياة وأحداثها تجعل معاني القرآن حية في نفوس المسلمين ذات أثر عميق في دواخلهم .

رابعاً: فيه تسهيل لوعي الأمة بكلام ربها ، ويسهل عليها كذلك حفظه لأن معرفة السبب يعين على الفهم, والفهم يعين على الحفظ كما أن ربط الآيات بأحداث معينة يجعلها أكثر رسوخاً في الذهن ، وثباتاً في القلب .

خامساً: معرفة من نزلت فيه الآية بعينه، لأن في ذلك من الفوائد الشيء الكثير إذ فيه إسناد الفضل لأهله, ونفي التهمة عن البريء؛ حتى لا تحمل على غيره بدافع البغض أو المحبة .

سادساً:كشف وجه من وجوه بلاغة القرآن الكريم؛ وذلك من خلال معرفة مراعاة الكلام لمقتضى الحال ؛ وذلك من خلال المطابقة والمقارنة بين الحادثة والنص القرآني الذي أنزل فيها ...إلى غير ذلك من فوائد .

 

المكي والمدني من القرآن الكريم

علم المكي والمدني تعريفه وعناية العلماء به :

تعريف المكي والمدني :

للعلماء في تعريف المكي والمدني أقوال ثلاثة، أحسنها تعريف من عرف المكي والمدني باعتبار زمان النزول, وذلك بجعل الهجرة حداً فاصلاً، فقالوا : ((  المكي ما نزل قبل الهجرة؛ وإن كان بغير مكة , والمدني ما نزل بعد الهجرة ؛ وإن كان بمكة, وما نزل في أثناء الهجرة قبل أن يصل النبي r إلى المدينة ؛ فهو مكي)) .

    وهذا التعريف رجحه العلماء لأنه حاصر وضابط ، ولا تخرج عنه آية من آيات القرآن, خلافاً للقولين الآخرين , لأن من عرفه باعتبار مكان النزول قالوا : (( المكي ما نزل بمكة وما جاورها كـ (منى ، وعرفات ، والحديبية ) والمدني ما نزل بالمدينة وما جاورها كـ (أحد ، وقباء ، وبدر) , فإنه غير حاصر ولا ضابط , لأن ليس كل القرآن اختصر نزولـه على هذه الأمكنة؛ بل هناك آيات قرآنية نزلت في تبوك، والطائف، وبيت المقدس وغيرها، ومن عرَّفه كذلك باعتبار الخطاب؛ وذلك بجعل المكي ما كان فيه â $pk??r'¯»t? â¨$¨Y9$# á , وâ ûÓÉ_t6»t? tPy?#uä á باعتبار أن الكفر كان غالباً فناسبهم هذا الخطاب, والمدني ما كان فيه â $yg??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä á باعتبار أن الإيمان كان غالباً فناسبهم كذلك أن يخاطبهم الله بما هو محبب إلى نفوسهم, فهو غير حاصر ولا ضابط, وذلك لأن ليس كل القرآن مصدر أو فيه هذه النداءات الثلاثة .

عناية العلماء بالمكي والمدني :

اهتم العلماء قديماً وحديثاً بموضوع المكي والمدني في القرآن اهتماماً خاصاً , وتتبعوا القرآن سورة سورة ؛ بل آية آية لمعرفة زمان النزول ومكانه، معتمدين على صحيح المنقول , وسليم المنظور وفق اجتهاد قام على أسس وضوابط , ويظهر هذا الاهتمام من خلال النقاط الآتية :

أولاً: عناية أصحاب النبي r به؛ كما يقول عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود t : (( وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَت ْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ ))

وكان علي بن أبي طالب يقول على المنبر: (( سلوني,فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم , وسلوني عن كتاب الله, فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بالنهار، أفي سهل أم في جبل )).

ثانياً : هنالك عدد من العلماء أفردوا هذا الموضوع بالتأليف قديماً وحديثاً، منهم مكي بن أبي طالب حمّوش القيسي ( ت : 437هـ) ، لكن كتابه مفقود, وعبد العزيز بن أحمد بن سعد الدميري المعروف بالديريني (ت : 694هـ) وكتابه كذلك مفقود .

ومن الدراسات الحديثة :

1- خصائص السور والآيات المكية ومقاصدها د. أحمد عباس البدوي.

2- خصائص السور والآيات المدنية وضوابطها ومقاصدها لـ "عادل محمد صالح أبو العلا .

ثالثاً: لا يخلو كتاب من كتب علوم القرآن القديمة والحديثة من الحديث عن هذا الموضوع، وتفصيل القول حول أهم النقاط التي تتعلق به, مما يدل على أهميته .

رابعاً: جعله العلماء من العلوم الواجبة على المفسر تعلمها, ويحرم عليه إن جهلها أن يتكلم في كتاب الل.

خامساً : مما يدل على اهتمام العلماء بهذا العلم تلك الفوائد الكثيرة التي نص عليها العلماء، وهي فوائد لا غنىً لمعلم، أو متعلم، أو فقيه ، أو داعية عنها .

ضوابط السور المكية والمدنية وخصائصهما الموضوعية :

أولاً : ضوابط السور المكية :

1- كل سورة فيها سجدة فهي مكية وهي (14) سجدة ، و â üÉ á  ليست من عزائم السجدات وهي مكية.  

2- كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية , وذكرت ثلاثة وثلاثين مرة, في خمسة عشرة سورة ، في النصف الأخير من القرآن ، لأنها كلمة رد وزجر تناسب عناد المشركين وكبريائهم.

3-كل سورة مبدوءة بقسم فهي مكية, وهي خمس عشرة سورة هي "الصافات، الذاريات، الطور، النجم، المرسلات، النازعات، البروج، الطارق، القمر، الشمس، الليل، الضحى، التين، العاديات، العصر" .

4-كل سورة مفتتحة بأحرف التهجي فهي مكية، ما عدا البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان بالإجماع، فيكون الباقي سبعة وعشرين سورة مكية.

5-كل سورة فيها â $pk??r'¯»t? â¨$¨Y9$# á وليس فيهاâ  $yg??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä á  فهي مكية كيونس، وفاطر, أما إذا انفردت فيها â $yg??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä á  فهي مدنية .

6-كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية ما عدا سورة البقرة .

7-كل سورة فيها قصص الأنبياء , والأمم الغابرة ؛  فهي مكية سوى البقرة وآل عمران.

ثانياً : ضوابط السور المدنية :

1- كل سورة فيها ذكر الفرائض والحدود فهي مدنية .

2- كل سورة فيها ذكر أهل الكتاب ومجادلتهم فهي مدنية.

3- كل سورة فيها ذكر الجهاد ، أو الحث عليه ، أو توضيح أحكامه فهي مدنية .

4-كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية , سوى العنكبوت , وقد ورد في صدرها إحدى عشرة آية ذكر فيها المنافقون وهي مدنية على الراجح .

5-كل سورة فيها â $yg??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä á  وليس فيها â $pk??r'¯»t? â¨$¨Y9$# á فهي  مدنية .

الخصائص الموضوعية للمكي والمدني :

أولاً : خصائص المكي :

للقرآن المكي خصائص تميز بها في موضوعاته وسمات أسلوبه يمكن إجمالها فيما يلي :

1- بسط القول عن توحيد الله , وإفراده بالعبادة , مع إبطال الشرك ومجادلة المشركين بما يقطع حججهم ويلجم ألسنتهم بالأدلة والبراهين العقلية والآيات الكونية , مع إثبات صحة رسالة النبي r , وأن القرآن كلام الله ، وأن البعث حق , وتفصيل الحديث عن القيامة وهولها , وذكر الجنة ونعيمها , والنار وعذابها .

2- تشريع أصول العبادات، والمعاملات، والأخلاق التي يقوم عليها كيان المجتمع والتي دعت إليها كل الديانات السماوية، كقوله تعالى: â ¨bÎ) ©!$# ã?ãBù't? ÉAô?yèø9$$Î/ Ç`»|¡ômM}$#ur Ä?!$tG?Î)ur ?Ï? 4?n1ö?à)ø9$# 4?sS÷Zt?ur Ç`tã Ïä!$t±ósxÿø9$# Í?x6YßJø9$#ur ÄÓøöt7ø9$#ur 4 öNä3ÝàÏèt? öNà6¯=yès9 ?crã?ª.x?s? á كما تتناول فضح جرائم المشركين وما كانوا عليه من سوء العادات كسفك الدماء , ووأد البنات , وأكل أموال اليتامى والضعفاء ظلماً ونحو ذلك .

3- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجراً وعظة للمشركين , وتسلية وتثبيتاً للنبي r والمؤمنين .

4- قصر الآيات والسور غالباً مع قوة الألفاظ, وإيجاز العبارة, وبلاغة المعنى في أسلوب يكثر فيه التأكيد، والتهديد، والوعيد, وضرب الأمثال, وتكرار بعض الجمل والآيات .

ثانياً : خصائص المدني :

1- بيان العبادات كـ (( الصلاة والصيام والزكاة )) ، والمعاملات كـ       (( النكاح، والطلاق ، والبيوع )) , والحدود , كـ ((حد الزنا ،والقذف ، والسرقة )) , ونظام الأسرة , ونظام الدولة من قواعد وأحكام للسلم والحرب .

2- دعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام ، وإقامة الحجة عليهم ، وبيان تحريفهم وانحرافهم ، وكشف سوء ماضيهم وواقعهم , كما نجد ذلك بصورة واضحة في البقرة ، وآل عمران ، والتوبة .

3- كشف الستار عن حقيقة المنافقين , وبيان صفاتهم الذميمة ، ونواياهم السيئة , وخبثهم ، ومكرهم ، وكيدهم ، وخطرهم ، وجبنهم ، وهلعهم ، كما جاء ذلك في التوبة ، والأحزاب ، والمنافقون ، وغيرها .

4- ذكر كل الأحكام الخاصة بالجهاد والحروب والغزوات ، وما بينها من صلح ومعاهدات ، وما فيه من غنائم، وفيء ، وأسر، كما نجد ذلك في : البقرة ، والأنفال ، والتوبة ، ومحمد ، والفتح .

5- طول أكثر الآيات والسور , بما يتناسب مع البسط لتوضيح شرائع الإسلام وأحكامه في أسلوب يغلب عليه هدوء العبارة ولينها , في خطاب يغلب فيه النداء الإيماني .

فوائد العلم بالمكي والمدني :

أولاً : يساعد على فهم وتدبر القرآن بصورة دقيقة وسليمة .

ثانياً : الاستعانة به في ربط معاني القرآن بواقع الحياة ووقائعها وأحداثها, فإننا نتعلم من القرآن المكي أن الناس في أوقات ضعف الدعوة وبداياتها, يحتاجون إلى أن يزودوا بقصص الأنبياء والصالحين تسلية  وتثبيتاً , وكيف صبر أولئك حتى نصرهم الله , وأهلك عدوهم مع عدده , بأسباب لم تكن في حسابهم ، وأن يذكروا كذلك بالصبر على الأذى , والتحمل , وضبط النفس, وكيف تحسم الفتن الداخلية ؛ فإن هذا التدرج في النزول مدرسة تربوية , تعليمية , لا حدود لها أمام الأمة بأثر , ونحن لم نأخذ منها إلا القليل.

ثالثاً : تمييز الناسخ من المنسوخ, وذلك لأن علم الناسخ والمنسوخ قائم على علم المكي والمدني الذي يهتم بتاريخ نزول الآيات والسور, حتى نستطيع تميز المتقدم من المتأخر في النسخ عند التعارض في الأحكام.

رابعاً : الاستفـادة من تدرج نـزول القرآن الكريم في التعليم والدعوة، أولاً في ترتيب أولويات الخطاب الدعوى؛ وذلك بالبدء بالأهم في معالجة أمراض الأفراد والأمم، إذ أن القرآن المكي ركَّز على إصلاح العقيدة, وتقويم السلوك, والأخلاق, وبعد أن ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحرام والحلال, وتفاصيل الأحكام, لأن الإنسان إن صلَّى , وصام , وحج, وفعل الخيرات؛ لكن كان مشركاً بالله ما نفعه ذلك عند الله تعالى. 

خامساً: الوقوف على سيرة النبي r وذلك لأن نزول القرآن على النبي r ساير تاريخ الدعوة بمراحلها المختلفة, حيثما كان , ومن هنا كان القرآن الكريم هو المرجع الأصيل للسيرة النبوية, وعليه تصحيح روايات أهل السير التي ليس لها سند صحيح .

سادساً: معرفة مدى عناية المسلمين واهتمامهم بالقرآن الكريم , وجهودهم المتواصلة في خدمته حفظاً، وفهماً، ومتابعة لزمان نزوله ومكانه بما يورث الثقة ، ويزرع اليقين في وصول هذا الكتاب إلينا دون زيادة أو نقصان , إذ أن الأمة لم تهتم فقط بنقل النص أو تفسيره , وإنما اهتموا كذلك بزمان نزوله ومكانه.


جمع القرآن الكريم

تضافرت الأدلة الكثيرة التي توضح حفظ الله U لكتابه العزيز , قال تعالى : â $¯RÎ) ß`øtwU $uZø9¨?tR u?ø.Ïe%!$# $¯RÎ)ur ¼çms9 tbqÝàÏÿ»utm: á وقال تعالى : â ¼çm¯RÎ)ur ë=»tGÅ3s9 Ö??Í?tã ÇÍÊÈ ?w Ïm?Ï?ù't? ã@ÏÜ»t7ø9$# .`ÏB Èû÷üt/ Ïm÷?y?t? ?wur ô`ÏB ¾ÏmÏÿù=yz ( ×@?Í?\s? ô`ÏiB AO?Å3xm 7??ÏHxq á, فهذه الأدلة وغيرها تدل بصورة قاطعة على حفظ الله U لكتابه من التغيير والتبديل على امتداد الزمان, وأن الخلق لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، وقد هيأ الله الأسباب العظيمة التي من خلالها تحقق هذا الحفظ العظيم لكتابه العزيز, وذلك من خلال نوعين من أنواع الجمع تمَّا في عهد النبي r واستمرَّا إلى يومنا هذا؛ بل وزادت وسائل أخرى تعين على الحفظ له في عصرنا الحديث, وكل هذا الذي وقع هو مما قدره الله وأراده ليحفظ به كتابه, ولو أراد الله بدون هذه الأسباب لتم ذلك, ولكن أراد الله أن تجري سننه في الكون بربط الأسباب بمسبباتها, وأن يرفع الله درجات من يقومون بهذا العمل العظيم عبر التاريخ, وينالون شرف خدمة هذا الكتاب المجيد الذي يشرف بخدمته كل مسلم صدق في إيمانه, ومن هنا سوف يتم الكلام على نوعي الجمع اللذين تمَّا لكتابه منذ عهد النبي r إلى يومنا هذا دون انقطاع، وهما جمعه في الصدور وجمعه في السطور .

وجمع القرآن الكريم عند إطلاقه كمصطلح يراد به واحد من معنيين وهما :

الأول : جمعه بمعنى حفظه في الصدور  كما جاء ذلك في قوله تعالى : â ¨bÎ) $uZø?n=tã ¼çmyè÷Hsd ¼çmtR#uäö?è%ur á  قال الزمخشري : أي : جمعه في صدرك وإثبات قراءته في لسانك.

والثاني : جمعه بمعنى كتابته

جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور :

المطلب الأول : حفظ النبي r  للقرآن  :

من أبرز خصائص القرآن الكريم أن يسره الله U للحفظ، والفهم، والعمل قال تعالى: ô?s)s9ur $tRö??£o? tb#uäö?à)ø9$# Í?ø.Ïe%#Ï9 ö@ygsù `ÏB 9?Ï.£??B á وقد تكفل الله U لرسوله r منذ بداية الوحي أن ينزل عليه كتاباً ينقش على الصدور قبل السطور, كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله r قال : إن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم ، قلت إذن يثلقوا رأسي حتى يدعوه خبزا، فقَالَ: ( إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ) وفي هذا إشارة إلى أنَّ حفظه لا يعتمد فقط على كتابته وتدوينه على ألواح  وصحف يمكن أن تُغسل بالماء فيزول ما فيها.

ومن هنا كان النبي r أوَّل من جمع القرآن الكريم في صدره, وذلك وفق عناية إلهية خاصَّة, تظهر بصورة واضحة من خلال مدارسة جبريل معه القرآن الكريم, والعرض الذي كان يتم بينهما هو صورة من صور الإجازة التي تتم اليوم لحملة كتاب الله U , ولا يعتبر الإنسان حافظاً متقناً إلا إذا تلقاه عن شيخ  متقن، وعرض عليه ما عنده من قرآن، وأجازه على ذلك.

حفظ الصحابة ومن بعدهم للقرآن الكريم :

أقبل أصحاب النبي r على تعلم القرآن الكريم حفظاً, وفهماً, وعملاً, بصورة يندر لها مثيل, ومما دفعهم على حفظه, والإقبال عليه بصورة خاصة؛ تشجيع النبي r لهم على ذلك، ولا شك أن الحفظ المتين من أعلى مقامات التعلم, وهو لا يتحقق إلا من خلال تلاوة صحيحة، وفهم سليم, وارتباط بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً, ولذا نجد حفاظ القرآن هم أكثر الناس تلاوة له, وذلك لأنه يحتاج إلى معاهدة مستمرة كما أخبر بذلك النبيr .

ثانياً: من خلال سنته العملية التي تشير بصورة واضحة إلى منزلة ومكانة أهل القرآن العالية عند الله U ؛ إذ كان النبي r يفاضل بين الصحابة أحياءً وأمواتاً بما معهم من  قرآن, كما فعل بشهداء أحد, وبتقدمه لإمامة الصلاة التي هي من أعظم العبادات دلالة على فضله ومكانته.

وقد زوج النبي r  الرجل الذي ليس عنده مهر بما معه من قرآن تشجيعاً لهم على الحفظ، فدلَّ على فضل القراءة عن ظهر قلب لأنَّها أمكن في التوصُّل إلى التعليم.

ولذا تنافس الصحابة على حفظه، وتلاوته، وفهمه, تاركين لذيذ النوم, وهاجرين دفئ الفراش, وهجيع الليل, للقيام بتلاوته, والتدبر لمعانيه التي هي أعظم ما يستمتع به أهل الإيمان في ليلهم، ولذا كان يسمع لبيوتهم دويَّاً كدويّ النحل من تلاوة القرآن، والقيام به في الليل, وقد كان النبي r يستمع إلى هذه الأصوات العذبة المنبعثة بين هذه البيوت المباركة وقلبه منشرح بذلك, مشجعاً لهم على ما يسمع ويرى،كما قال لأبي موسى الأشعري t .

ولكن هنالك أسباب أخرى غير تشجيع النبي r لهم ساعدت على إقبال الصحابة على حفظ القرآن الكريم منها:

غلبة الأميَّة, وعدم توفر وسائل الكتابة, والكُتَّاب، قوة الحفظ التي تميَّزوا بها, وهي نتيجة العروبة الخالصة المعروفة بهذا التميز، ومنزلة القرآن العظيمة في نفوسهم, جعلتهم يقبلون عليه بهمة لا تعرف التراخي وغيرها من أسباب. ومن هنا فقد حفظ القرآن الكريم عدد كبير من أصحاب النبي r في حياته وبعد مماته .

وقد تلقَّى التابعون القرآن عن أصحاب النبي r حفظاً وفهماً , خاصة من أولئك الذين تفرغوا لتدريسه كابن عباس , وابن مسعود , وزيد بن ثابت , وأبي بن كعب , وغيرهم.

لذا استمر حفظ القرآن وجمعه في الصدور في هذه الأمة منذ تلك القرون المفضلة إلى يومنا هذا بسند متصل جيلاً عن جيلٍ لم ينقطع في فترة من تاريخها الطويل .

جمع القرآن بمعنى حفظه في السطور :

كما اهتم النبي r بتشجيع الصحابة على حفظ القرآن في الصدور اهتم كذلك بحفظه في السطور, وقد مرَّ جمع القرآن في السطور بثلاث مراحل مهمة في تاريخه وهي :

المرحلة الأولى : في عهد النبي r .

المرحلة الثانية : في عهد أبي بكر الصديق t .

المرحلة الثالثة : في عهد عثمان t .

وقد تميزت كل مرحلة بميزات سوف يأتي الحديث عنها بإذن الله U :

المطلب الأول : جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد النبي r :

أ/ كُتَّاب الوحي :

   اهتم النبي r منذ بداية الوحي ـ على الرغم من قلة الكتّاب, وعدم توفر وسائل الكتابة ـ بكتابة القرآن الكريم وذلك من خلال اتخاذه عدداً من كُتَّاب الوحي مع الإذن للمسلمين بكتابته لأنفسهم ، كما قال r لأصحابه: ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ).

   ومن أبرز كتاب الوحي للنبي r , الخلفاء الأربعة, وعبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي، وهو أول من كتب له الوحي بمكة, وأبي بن كعب الأنصاري الخزرجي، وهو أول من كتب للنبي r عند قدومه المدينة،  وزيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، وهو أكثر الكتاب ملازمة للنبي r , ومعاوية بن أبي سفيان القرشي، طلب أبوه من النبي r في فتح مكة أن يجعله كاتباً بين يديه فكان بعد ذلك ملازماً للكتابة بين يدي النبي r , والزبير بن العوام, وعمرو بن العاص, وحنظلة بن الربيع، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وعبد الله بن رواحة، وآخرين.

ب/ وسائل الكتابة :

لم تكن وسائل الكتابة ميسَّرة في عهد النبي r بل كانوا يكتبون على وسائل بدائية توفرت لديهم على حسب الحال ؛ والتي منها :

الرِّقاع : جمع رقعة , وهي القطعة التي تكون من جلد أو قماش أو ورق .

والعُسُب : جمع عسيب , وهو طرف الجريد العريض بعد أن يكشطون الخوص يكتبون عليه .

واللِّخاف : جمع لَخْفَة , بفتح فسكون , وهي الحجارة الرقيقة .

والأقتاب : جمع قتب , وهو قطع الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه .

والأكتاف : جمع كتف , وهي العظام العريضة من أكتاف الحيوان كالإبل والبقر . وغير ذلك من وسائل توفرت لهم .

ج/ مميزات جمع القرآن في عهد النبي r :

تميز الجمع الذي تم في عهد النبي r بعدة مميزات أبرزها ما يلي :

1- كانت كتابته بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، كما قال النبي r:  ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) ؛ لأنه كتب كما أنزل .

2- كتب وجمع تحت رعاية إلهية , إذ لو كان في هذه الكتابة أدنى ملاحظة , لأخبر الوحي النبي r , وذلك لأن الكتابة كانت الأساس لكل جمع جاء بعده ، وهي صورة من صور حفظ القرآن الكريم التي قدرها الله U .

3- كان مشتملا على بعض الآيات التي نسخت تلاوة، لأنها ظلت مكتوبة ولم تخرج من المكتوب حتى توفي النبي r , ولكن الصحابة كانوا يعلمون  بنسخها قطعاً , فعن عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: (( كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ  رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ )) , ثُمَّ نُسِخْنَ (( بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ )) , فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ )).

4- أجمع العلماء على أنه مرتب الآيات , واختلفوا في ترتيب السور .

5- لم يكن القرآن الكريم قد جمع في مصحف واحد , وإنما كان مكتوباً لكن مفرقاً على الرقاع , والعسب ، والأقتاب ، ونحوها , ولهذا قال زيد بن ثابت عن الجمع الذي تم في عهد أبي بكر الصديق : (( فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُب وَاللِّخَافِ , وَصُدُورِ   الرِّجَال )).

د/ أسباب عدم جمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبيr :

هنالك عدة أسباب أدت إلى عدم جمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي r منها:

1- الأمن من ذهاب شيء من القرآن الكريم, والنبي r موجود, والصحابة كانوا إذا اختلفوا في شئ رجعوا إلى النبي r لا إلى المكتوب, إذ هو المرجع الأوَّل بالنسبة لهم في حياته، وقد أمنه الله من النسيان، قال تعالى : â y7è?Í?ø)ãZy? ?xsù #Ó|¤Ys? ÇÏÈ ?wÎ) $tB uä!$x© ª!$# á.

2- ما كان يترقبه النبي r من ورود ناسخ لبعض الآيات, إذ التشريع لم يكن قد اكتمل.

3- لأن ترتيب نزول القرآن لم يكن على ما هو عليه اليوم في المصاحف, وما استقر عليه القرآن في العرضة الأخيرة, مما كان يضطرهم إلى تغييره كلما نزل شئ جديد, ولم يكن هذا بالإمكان لعدم توفر وسائل الكتابة, ومشقتها على تلك الوسائل البدائية .

4- قصر الفترة بين اكتمال نزول القرآن ووفاة النبي r , وهي لم تتجاوز تسع ليالٍ  فقط, وهي مدة لا تكفي لجمع القرآن الكريم .

5- توفر عدد كبير من حملة القرآن وكتّابه، بصورة لا يخشى معها ذهاب شيء من القرآن الكريم .

ولذا عندما اشتد القتل بالقراء في معركة اليمامة , وفقد العدد الكبير من حملة القرآن , أمر الصديق زيد بن ثابت بجمع القرآن في مصحف ؛ يكون مرجعاً للأمَّة في مستقبل أيَّامها , وذلك خوفاً من ذهاب شيء من القرآن . فلمَّا اكتمل نزول الوحي , وانتهى أمر النسخ , وتوفي النبي r , واشتد القتل بالقراء  ,  ألهم الله تعالى عمر ،  ومن بعده أبي بكر y على جمعه في  مصحف واحد .

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق  t :

 أ/ أسباب الجمع :

تولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة النبي r أبو بكر الصديق t , وقد واجهته فتنة عظيمة , من أبرزها ارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام , وامتناع بعضها عن أداء الزكاة , مما دعا الصديق t إلى أن يحزم أمره , ويجرد جيوشه لمقاتلة المرتدين ,والمانعين.

وكان قوام هذه الجيوش أصحاب النبي r ، ومن أبرزهم حملة القرآن الكريم , وقد اشتد القتل بالمسلمين في معركة اليمامة, وقتل الكثير من الصحابة، ومن حملة القرآن؛ وذلك لشراسة المعركة, وكثرة المرتدين حتى قيل أن الذين قتلوا خمسمائة، وقيل سبعمائة, وقيل أكثر، فخشي الفاروق عمرt أن يشتد القتل بالقرَّاء في المواضع الأخرى فيضيع شيء من القرآن بمقتل حملته في المعارك, إذ العلم يقبض بقبض أهله, ولذا جاء إلى الصديق t وحثَّه على جمع القرآن في مكان واحد، على مصحف إمام, بدلاً من العسب, والرقاع, واللخاف, ونحوها. فتردد الصديق في بداية الأمر؛ خوفاً من إحداث شيء في الدين لم يفعله رسول الله r ؛ وذلك لشدة حرصه على الاتِّباع, وخوفه من الابتداع، ولكن مراجعة عمر المتكررة له جعلته يطمئن إلى ما اطمأن إليه عمر؛ في أنَّ جمعه في مصحف ليس عملاً محدثاً, وإنَّما هو امتداد لما سنَّه النبي r ، كما أنَّه محقِّق لمصالح عظيمة دعت الحاجة إليها لحفظ القرآن الكريم من الضياع , وقد ورد في صحيح البخاري ما يوضح كل ذلك في رواية زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ t قَالَ: ((  أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ عند مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ , قَالَ أَبُو بَكْرٍ t : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي , فَقَال : إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ . قُلْتُ لِعُمَرَ : كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ عُمَرُ : هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ . فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ , وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ , عَاقِلٌ ، لا نَتَّهِمُكَ ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ r , فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ . قُلْتُ : كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r ؟ قَالَ : هُوَ وَاللَّهِ خَيْر. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ y فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُب وَاللِّخَافِ , وَصُدُورِ الرِّجَال حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ, لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ , â ô?s)s9 öNà2uä!%y` ×Aqß?u? ô`ÏiB öNà6Å¡àÿRr& î??Í?tã Ïmø?n=tã $tB óO?GÏYtã á حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ,  ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ , ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ y ))

ومن هنا يظهر لنا أن من أسباب الجمع الأساسية الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق t كان هو :

أولاً:  الخوف من ذهاب شيء من القرآن الكريم بموت حملته .

ثانياً : أنَّهم كانوا يريدون جمعاً للقرآن الكريم؛ يتم بحضور جمهور الصحابة , وينعقد الإجماع عليه , على أنَّه هو القرآن الذي أنزل على محمد r دون زيادة أو نقصان .

وذلك سدَّاً لباب الفتنة؛ التي ربَّما كانت تقع فيما بعد؛ لو لم يقدَّر الله هذا العمل العظيم؛ الذي تمَّ بعد معركة اليمامة في السنة الثانية عشر للهجرة .

ب/ منهج الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق t :

قام الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر الصديق  t ؛ والذي تولاه زيد بن ثابت بمعاونة عمر ابن الخطاب ، وإشراف أبي بكر الصديق رضي الله عنهم , على وفق أسس دقيقة .

لأنَّ الغرض من هذا الجمع لم يكن كتابة القرآن فقط ,  وإنَّما هو الإجماع على قرآن مكتوب يكون إماماً للناس إذا اختلفوا في شيء منه ؛ وذلك لأنَّ القرآن كان مكتوباً في بيت النبي r , وعدد من الصحابة , ومحفوظاً في صدور الكثيرين منهم , وفي مقدمتهم أبو بكر، وعمر، وزيد رضي الله عنهم ، ولكن الفائدة الأولى من هذا الجمع كانت هي التوثيق , والتدقيق , والوقوف على كل ما كتب بين يديّ رسول الله r , ومطابقة ذلك لما هو في صدور أصحاب النبي r .

وقد قام هذا الجمع الذي اعتمد فيه على المكتوب , والمحفوظ , على ثلاثة أسس ثابتة ، تدل على متانته ، ودقته , وهي :

1- لا يأخذون شيئاً من المحفوظ في الصدور ؛ إلا إذا تلقَّاه الصحابي من فم النبي r مباشرة , دون واسطة .

2- لا يعتمدون على شيء من المكتوب من القرآن الكريم ؛ إلا إذا كان قد كُتِبَ بين يديِّ النبي r ؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب للصحابة رضي الله عنهم: (( مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ)), وقال زيد : (( فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ  الرِّقَاعِ ، وَالْعُسُبِ ، وَاللِّخَاف ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ ))

3- لابد لمن تلقَّى شيئاً كتابةً, أو حفظاً من رسول اللهr  أن يشهد له شاهدان ، كما قال أبو بكر لزيد وعمر رضي الله عنهم : (( اُقْعُدَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ , فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ   فَاكْتُبَاهُ )).

ج/ مميزات جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق t :

1-  اقتصر في هذا الجمع على ما لم تنسخ تلاوته من الآيات .

2- كان على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ؛ لأنَّ مهمة الصديق كانت منحصرة في التحقق من عين ما كتب بين يديّ رسول اللهr , وجمعه في مكان واحد خشية الضياع .

3- كان مرتَّب الآيات بالإجماع وفي ترتيب السور خلاف .

4- ظـفر هـذا الجمـع بإجمـاع الأمـة عليـه لأنَّه قـام على أدقَّ المعايير في

التثبُّت والتوثيق , وهذا يدل على مكانة هذا الجمع .

5- جمع في نسخة واحدة حفظت عند أبي بكر الصديق t . 

جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان t :

أ/ أسباب الجمع :

عاد الخلاف في عهد عثمان t ، وبصورة أشد وأوضح ، في داخل المدينة النبوية وفي خارجها , ففي داخل المدينة كان بعد ظهور جيل جديد لم يدرك تلك الحقبة المباركة ، فقد كان كل طالب من الصبيان في المدينة يعتز بقراءته التي تلقَّاها عن أحد من أصحاب النبي r, ويخطِّئ الآخر, وينكر عليه قراءته, فقام عثمان t فيهم خطيباً وقال: (( أنتم عندي تختلفون, فمن نأى عنِّي من الأمصار أشد اختلافاً , اجتمعوا يا أصحاب محمد , واكتبوا للناس إماماً)), ويرجع السبب خارج المدينة إلى انتشار الصحابة في هذه الأقاليم البعيدة نتيجة للتوسُّع الكبير للفتوحات الإسلامية في عهد عثمان t  يعلِّمون أهلها القرآن الكريم, وقد كان كل واحد منهم يعلِّم بالحرف الذي معه، فلذا كان عندما يلتقي أهل الأمصار يحصل بينهم النزاع الذي خشي عثمان t من وقوعه، وقد جاء حذيفة بما ظنَّه, وتخوَّف منه من شِدَّة اختلاف أهل الأمصار البعيدة؛ وذلك بعد عودته من غزوة إرمينية وأذربيجان مع الجيش الإسلامي المكوَّن جنوده من أهل الشام أصحاب أبي الدرداء  وأهل العراق أصحاب عبد الله بن مسعود , كما جاء ذلك في رواية أَنَسَ بْنَ مَالِك t  (( أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ؛ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ , فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ ؛ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ , ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْك ِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر ،ِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ  ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ : إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْش ؛ٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ؛ حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ, وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا , وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ )).

فأفزع عثمان t ما رأى في المدينة , وما سمعه عن أخبار غيرها , فبادر بفكرة جمع الناس على حرف واحد , ومصحف إمام يتعلَّمون منه , ويدعون ما سواه ، و ذلك بإحراق كل صحيفةٍ ومصحفٍ غيره , و قد تمَّ ذلك بعد مشاورة كاملة لأصحاب النبي r ، وإجماعهم على رأيه , فعن علي بن أبي طالب t قال : (( اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان فجعل الرجل يقول للرجل : قراءتي خير من قراءتك , فبلغ ذلك   عثمان , فجمعنا أصحاب رسول الله r فقال : إنَّ الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة , وأنتم بين ظهرانيهم , فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة , قال : فاجمع رأينا مع رأيه على ذلك , قال : وقال على : لو ولِّيت مثل الذي ولِّي , لصنعت مثل الذي صنع )).

فكان السبب لهذا الجمع هو قطع دابر الخلاف , وحسم مادة النزاع في قراءة القرآن الكريم ، بسبب اختلاف الأحرف السبعة ؛ وذلك بجمع الناس على حرف واحد ، ورسم واحد ، يجمع في مصحفٍ إمام ، يقرأ منه أهل كل مصر , ويحرق ماعداه من مصاحف وصحف .

ب/ مميزات جمع القرآن في عهد عثمان :

تميَّز الجمع الذي تمَّ في عهد عثمان بعدة مميَّزات من أبرزها :

1- جمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة , قال ابن القيِّم رحمه الله : (( جمع عثمان الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة ؛ التي أطلق لهم الرسول r القراءة بها لما كان ذلك مصلحة )).

2-كتب بلغة قريش , ورسم برسم يحتمل لأوجه القراءات الصحيحة الثابتة عن النبي r.

3-كان مرتب الآيات والسور على الوجه المعروف اليوم في المصاحف دون خلاف .

4- نسخ القرآن في عدد من المصاحف .

5- جمع بهدف حمل الناس على القراءة من هذا النسخ ، وتحريق ما سواه من صحيفة, ومصحف ؛ كما جاء في رواية البخاري : (( وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا, وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ ))

ج/ الفرق بين جمع أبي بكر الصديق وجمع عثمان رضى الله عنهما:

اعتنى العلماء بالحديث عن الفرق بين الجمعين اللذين تمَّا في عهد أبي بكر وعثمان رضى الله عنهما, وذلك لإزالة اللبس الذي قد يقع , ولتوضيح مميزات كل جمع, ولذا يمكن تلخيص أهم هذه الفروق فيما يلي:

1- اختلاف الأسباب والدواعي لكل جمع . فسبب الجمع في عهد أبي بكر الصديق t كان الخوف من ذهاب شيء من القرآن الكريم بذهاب حَمَلته , وذلك بعد أن استحر القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة .

 أما في عهد عثمان t فكان السبب في جمعه الخوف على الأمة من الفتنة بسبب الاختلاف في أوجه قراءته نسبة لاختلاف الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم .

2- أهداف الجمع في عهد أبي بكر t كان جمع القرآن في مصحف واحد إمام يكون مرجعاً للأمة عند الاختلاف, وفي عهد عثمان t كان الهدف كتابة القرآن في عدد من المصاحف, وحمل الناس على القراءة والنسخ منها ، وإحراق ما عداها .

3- جمع أبي بكر الصديق t كان على الأحرف السبعة ، في حين أنَّ جمع عثمان t كان على حرف واحد من الأحرف السبعة .

4- جمع أبي بكر t اتفق العلماء على أنَّه كان مرتب الآيات , واختلفوا في ترتيب السور , أما جمع عثمان t فقد اتفق العلماء على أنه كان مرتب الآيات والسور على ما هو عليه الحال اليوم في المصاحف .

5- جمع أبي بكر كان في مصحف واحد، وأمَّا جمع عثمان كان في عدد من المصاحف .

6- أسس الجمع الذي تمَّ في عهد أبي بكر t تختلف عن أسس الجمع الذي تم في عهد عثمان  ، مما جعل لكل جمع خصائص ومميَّزات مختلفة .

 

ترجمة  معاني القرآن الكريم

أهمية الترجمة:

موضوع الترجمة من المواضيع المهمة والدقيقة التي اعتنى بها علماء الأمة قديماً وحديثاً؛ وذلك لأهمية الموضوع وخطورته، أهميته من حيث الحاجة الماسة والمستمرة لتبليغ رسالة القرآن للناس كافة تحقيقاً لقوله تعالى : â?zÓÇrré&ur?¥?n<Î)?#x?»yd?ãb#uäö?à)ø9$#?Nä.u?É?RT{?¾ÏmÎ/?.`tBur?x÷n=t/?á، وقال تعالى:â ?x8u?$t6s???Ï%©!$#?tA¨?tR?tb$s%ö?àÿø9$#?4?n?tã?¾ÏnÏ?ö6tã?tbqä3u?Ï9??úüÏJn=»yèù=Ï9?#·??É?tR?á, فالقرآن عربي اللسان عالمي القيم والتعاليم؛ ولذا فالواجب على من عرفوا لغة القرآن أن يبلغوا رسالة القرآن للناس كافة على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في شتى بقاع الأرض, ولا يتم ذلك إلا بمعرفة لغات تلك الأقوام ثم حمل رسالة الإسلام إليهم.

وخطورة الترجمة تكمن في كونها باباً يمكن أن يدخل به أعداء الدين، فيحرفوا معاني القرآن ويبدلوها, وقد حدث ذلك من خلال ترجمات كثيرة قام بها عدد من أصحاب المقاصد السيئة؛ قصدوا من وراء عملهم تشويه صورة الإسلام ووقف مده, وقد حدث هذا من خلال أول ترجمة إلى اللغة اللاتينية ـ لغة العلم في أوربا ـ وذلك سنة 1143م التي تمت على يد روبرت الكيتوني القسيس الإنجليزي الأصل الذي أضاف إلي الترجمة هجوماً وقدحاً في الإسلام , والقرآن ، وفي شخص النبي r الكريم ؛ بهدف حجب عقول تلك الشعوب النصرانية وغيرها من نور الإسلام . وقد بقيت آثار هذه الترجمة إلى وقت قريب في أوربا , إضافة إلى الترجمة اللاتينية الثانية عام 1721م التي قام بها لودفيج ماراتشي التي هي أشد انحرافاً, وأقبح تحريفاً , وهي للأسف المصدر المباشر لمعظم الترجمات الأوربية حتى وقت قريب فهذا مما يظهر لنا خطورة هذا الموضوع, وأهميته البالغة مما يوجب دراسة هذا الموضوع, وتأصيله تأصيلاً علمياً يحقق مصالح الأمة , ويقطع السبيل أمام أعدائها .

المطلب الثاني : مفهوم الترجمة :

أولاً : في اللغة : تطلق الترجمة في اللغة ويراد بها واحد من أربعة معان :

الأول : تبليغ الكلام لمن لم يبلغه

الثاني : تفسير الكلام بلغته التي جاء بها , ومنه قول عبد الله بن مسعود يقول:( نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ) ، ويقال : ترجم كلامه إذا فسره.

الثالث : تفسير الكلام بلغة غير لغته بمعنى بيان معناه بلسان آخر كما يبين معنى كلام عربي ثم يفسر بكلام تركي . والترجمان المفسر للكلام , وقد ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر ، و ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ، ومنه الترجمان ، وهو المفسر للسان ، وفي حديث هرقل في البخاري قال لترجمانه.

الرابع : نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى بدون بيان كوضع رديف موضع رديف من لغة واحدة .

ولكون هذه المعاني الأربعة فيها بيان جاز على سبيل التوسع إطلاق الترجمة على كل ما فيه بيان مما عدا هذه الأربعة.

الترجمة في الاصطلاح :

ترجمة القرآن في الاصطلاح يقصد بها: نقل معاني القرآن التي توصل إليها العلماء وفق استنباط سليم، إلى اللغات الأخرى غير العربية، وفق ضوابط الترجمة التي وضعها العلماء ، دون المحاولة لترجمة النص القرآني ترجمة  حرفية .

أقسام الترجمة :

من خلال تحديد مفهوم الترجمة في العرف المتداول بين الناس قسم العلماء الترجمة إلى قسمين :

الترجمة الحرفية , أو المساوية , أو اللفظية :

وهي : وضع لفظ من لغة مكان لفظ آخر من لغة أخرى مع مراعاة الموافقة في النظم والترتيب, فيشترط لتحققها على الوجه الصحيح مراعاة نظم الأصل, وترتيبه في الجملة دون النظر إلى المعنى؛ وذلك لأنَّ تحقق المعنى بكل خصائصه ومقوماته اللغوية مع مراعاة نظم الأصل وترتيبه مستحيل ؛ ولذا سماها بعض العلماء الترجمة اللفظية بمعنى نقل كلمة إلى نظائرها من اللغات المترجم لها .

الترجمة التفسيرية : وتسمى الترجمة المعنوية :

وهي : شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، المهم فيها نقل المعاني , وأغراض الكلام , ومقاصده إلى اللغة الأخرى بدون النظر إلى الألفاظ .

الفرق بين الترجمة الحرفية والتفسيرية :

1/ الترجمة الحرفية هي إبدال لفظ من لغة مكان آخر من لغة أخرى للدلالة على المعنى الذي قصده المتكلم بلفظ الأصل مع مراعاة النظم والترتيب بينهما؛ وأما الترجمة التفسيرية فإنَّما تكون بفهم معنى الأصل, وشرح غامضه, وتفصيل مجمله بألفاظ وجمل تدل على ذلك من لغة أخرى.

2/ الترجمة الحرفية لابد فيها من المحافظة على جميع المعنى الذي قصده المتكلم من عبارة الأصل؛ بخلاف التفسيرية فإنَّه ليس الغرض منها الإحاطة بجميع مراد المتكلم .

3/ الترجمة الحرفية لا بد فيها من مراعاة نظم الأصل وترتيبه في إفادة المعنى ، بخلاف التفسيرية فلا يشترط فيها ذلك.

حكم ترجمة القرآن الكريم :

لا خلاف بين العلماء في جواز الترجمة من حيث معناها اللغوي "التبليغ" ، أو بيان المعنى وتفسيره بلغته العربية . بل ذلك مما حث عليه الشرع أن يبلغ القرآن للناس

حكم الترجمة الحرفية :

أجمع العلماء على مر العصور على استحالتها, وذلك لأنها متضمنة محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه ؛ مع الاحتفاظ بدلالاته القريبة , والبعيدة , والأصلية , والتبعية , وسائر ما يمتاز به من إيقاع وتأثير وذلك لما يلي :

أ/ أن الترجمة الحرفية لا يمكن أن تقع أساساً لا في الشعر , ولا في النثر من كلام البشر , وفي جميع اللغات , فكيف بها في كلام الله الذي بلغ من البيان أعلاه, ومن اللسان أكمله وأعذبه ؛ بصورة يعجز البشر أن يأتوا بمثله من لغته

ب/ أن القرآن كلام الله المعجز لا يمكن الإتيان بمثله , أو بعشر سور من مثله , أو سورة من مثله فيما سواه من كلام البشر, ولو كان عربياً فضلاً عن الإتيان بمثله من كلام العجمي , وقد جاء هذا التحدي صريحاً للعرب أهل الفصاحة , والبلاغة , فعجزوا عن الإتيان بمثله,ولو بأقصر سورة منه.

ج/ أن الترجمة الحرفية لابد فيها من مراعاة صورة الأصل في لفظه , ونظمه ؛ مع الوفاء بكامل معانيه , ومقاصده , والإحاطة بكامل معاني القرآن , ومقاصده أمر مستحيل, ولا يمكن لأحد أن يحيط بكل دلالات القرآن , ومعانيه الأصلية والتبعية , ودقائق نظمه , وترتيبه , فضلاً عن أنه لا توجد لغة في الدنيا تحمل من الخصائص ما تحمله لغة القرآن الكريم .

د/من المفهوم السائد عند اللغويين أنه لا توجد مفردتان متساويتان تماماً في دلالاتهما ـ ليس بين لغة وأخرى بل حتى في اللغة الواحدة ، ولذا فالترجمة الحرفية للقرآن الكريم غير ممكنة عقلاً, ولا تسمى أي ترجمة قرآناً, ولا تعطى حكمه, ولا تحمل خواصه. ولذا قال العلماء: لا يجوز الإقدام عليها شرعاً لما يترتب عليها من المفاسد من ذلك ما يلي :

1/ إيهام أن الترجمة حلت محل القرآن في جميع خصائصه فيترك التعبد بتلاوته.

2/ فتح باب الاختلاف بين المسلمين حول هذا الكتاب الذي أمروا بالاعتصام به والتوحد عليه , إذ كل أمة ستكتفي بالترجمة الحرفية التي بين يديها , وأنها أوفى بالغرض المقصود من غيرها .

3/ الإخلال بحفظ القرآن الكريم كما أنزل في نظمه, وأسلوبه , وتعريضه للتغير , والتبديل , خاصة إذا وصل الأمر إلى حد الاستغناء عن القرآن بترجماته.

4/ تغيير لما مضى عليه الأوائل الأخيار من سلف هذه الأمة إذ لم ينقل أن القرآن الكريم قرئ تلاوة بغير اللسان الذي نزل به لا في الصلاة , ولا في غيرها , خاصة إذا جازت الترجمة الحرفية , وسميت ذلك قرآناً , لاختلاف الناس بعد ذلك في حكم القراءة بها في الصلاة والتعبد بها تلاوة , وإعطائها حكم القرآن الكريم .

5/ فيها إخراج للقرآن الكريم من إعجازه, وفيه تضييع لكثير من أحكامه وبيانه , وتكذيب الله في  أنه لا يأتي أحد بمثل القرآن , ولن يأتوا بمثله أبداًُ .

6/ ليس هنالك ضرورة للترجمة بغرض التعبد باللفظ ؛ وذلك أن المشاهد بين كثير من المسلمين غير العرب عبر التاريخ وإلى يومنا هذا أنهم قرأوا القرآن وحفظوه رغم عدم معرفتهم باللغة العربية ، وهذا من فضل الله على الناس كآفة بأن يسر عليهم كتابه العزيز.

حكم الترجمة التفسيرية وضوابطها :

هذا النوع من الترجمة أجازه العلماء , وحفزوا عليه , وأكدوا أهميته لما يتحقق من خلالها من مصالح عظيمة , وفوائد قيمة . قال الشيخ محمد شاكر : " إن أئمة الإسلام الذين أجمعوا على تحريم ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأعجمية لم يختلفوا في جواز تفسيره باللغات الأعجمية , كما أجازوا تفسيره باللغة العربية 

وقال السيد محمد رشيد رضا : وحينئذٍ لا تكون هذه الترجمة هي للقرآن , وإنما هي فهم رجل للقرآن يخطئ في فهمه ويصيب.

فهي لا تخرج من اسمها عن كونها تفسيراً للقرآن بلغة أخرى غير لغة القرآن الكريم , وحتى تكون هذه الترجمة مستوفية للغرض , محققة للمصالح التي قصدت من خلالها , ومنعاً للمفاسد التي يمكن أن تنجم من خلالها ؛ وضع العلماء ضوابط ينبغي مراعاتها في أثناء القيام بها . من أبرز ذلك ما يلي :  

1/الالتزام بترجمة معاني القرآن الكريم ، وتجنب الترجمة الحرفية .

2/ أن تترجم المعاني الواضحة المحكمة الموافقة لأصول الشريعة , وقواعد اللغة المستمدة من القرآن , والسنة , وأقوال الصحابة , واجتهادات علماء الأمة الموفقة, وعدم إخضاع الترجمة والتفسير للآراء المذهبية والاجتهادات الشخصية والآراء الفلسفية ، فلابد من التأكد من صحة الكلام المترجم أولاً رواية ودراية .

3/ أن يكون المترجم عارفاً معرفة تامة بأوضاع اللغتين المترجم منها, والمترجم إليها  بأسرارهما , وخصائصهما , ودلالاتهما, مع التزام الصدق والأمانة في النقل , بعيداً عن الهوى , والأغراض الخاصة .

4/ كتابة النص القرآني كما أنزل باللسان العربي ، ثم يكتب التفسير العربي بجواره ، ثم  ترجمته ؛ حتى لا يتوهم أحد أن هذه الترجمة التفسيرية هي ترجمة حرفية للقرآن , ويفهم الكل على أنها فقط ترجمة لذلك التفسير العربي .

5/ وفاء الترجمة التفسيرية بجميع معاني الأصل ومقاصده على وجه مطمئن ، مع عدم التصرف في مفهوم الآيات القرآنية لدى الترجمة بزيادة أو نقصان .

6/ الإبقاء على المصطلحات الإسلامية التي يتعذر ترجمتها إلى اللغات الأخرى بلفظها العربي مع شرحها في قائمة تلحق بالترجمة كالصلاة والزكاة والحج والعمرة .

7/ الالتزام باستخدام المصطلحات والتعبيرات الإسلامية عند الترجمة وتجنب الكلمات والمصطلحات الخاصة بالأديان الأخرى كاليهودية والنصرانية والبوذية وغيرها .

8/ اختيار اللغة المعاصرة المفهومة لدى معظم الناطقين باللغة المترجم إليها وتجنب استخدام اللغة القديمة المهجورة .

9/ مراعاة المخاطب المتلقي الذي تتوخى الترجمة إيصال معاني كتاب الله إليه فيراعي التدرج في الخطاب الدعوي لغير المسلمين ووسائل الدعوة ومناهجها في أثناء ترجمة معاني القرآن .

10/ أن تقوم الترجمة على عمل جماعي متكامل من لجان تضم مختصين في علوم القرآن والشريعة واللغة العربية واللغة المترجم إليها وذلك لمعالجة قصور الأعمال الفردية التي يقصد بها  أمة من الناس . ويحبذ أن يتولى هذا العمل فريق من المختصين تحت إشراف جهة علمية عريقة ؛ لأن العمل الجماعي أكثر دقة , وانضباطاً , وكمالاً .  

 11/ تسميته ترجمة تفسيرية للقرآن الكريم , ولا يجوز تسميته ترجمة القرآن الكريم ، ويبين ذلك بصورة واضحة في مقدمة الكتاب على أن هذا العمل هو ترجمة لمعاني القرآن الكريم حسب فهم واستنباط العلماء , وليس ترجمة للقرآن.

فوائد الترجمة التفسيرية :

لترجمة القرآن الكريم ترجمة تفسيرية فوائد كثيرة من ذلك :

1/ تبليغ رسالة القرآن الكريم العالمية للناس جميعاً , خاصة غير العرب ؛ لأنَّ القرآن الكريم أنزله الله بلسان عربي مبين للناس جميعاً، ولا سبيل لإيصاله للناس , وتبليغه إليهم إلا من خلال ترجمة معانيه إلى تلك اللغات المتنوعة.

2/ إزالة الأفكار المنحرفة في وسط غير المسلمين التي انتشرت بينهم بسبب بعض الترجمات الخاطئة سواء أكان ذلك في جوانب العقائد , أم العبادات , أم المعاملات , وأعظمها ما وصل إليهم عبر ترجمات قام بها بعض أعداء الإسلام بقصد صد الناس عن الدين , وتضليل المسلمين عن الإسلام الصحيح

3/ الدفاع عن القرآن الكريم , وحمايته من أيدي العابثين به من خلال تحريف معانيه , وتشويه قيمه .

4/ تحبيب القرآن ولغته العربية إلى غير العرب من خلال تقريب معانيه إليهم مما يسهل عليهم فهم الإسلام بصورة صحيحة , وتصور مقاصده بصورة عميقة , والالتزام به , ونشر فضائله بقوة وعزيمة.

5/ قطع الطريق أمام أعداء الأمة والدين ؛ الذين أدخلوا سمومهم من خلال الترجمات الكثيرة التي قام بها بعض القساوسة والمبشرين والمستشرقين قصدوا من خلالها القدح في  الإسلام , وتحريف معانيه , والطعن في رسول الإسلام.

6/ توحيد الأمة المسلمة تحت لسان واحد ؛ وذلك من خلال صلاتهم وتلاوتهم للقرآن الكريم وفق اللسان الذي اختاره الله عز وجل لهم , وهو من أعظم عوامل قوتهم  ووحدتهم

7/ تلبية حاجة الثقافة العصرية في العالم ، بعد ما نشأ ما يسمى بحوار الحضارات والأديان, وتعايشها, وعدم التصادم بينهما , بحيث يعلو الحوار والحجة بينهما.

 

التفسير تعريفه وأهميته :

التفسير في اللغة :

مأخوذ من مادة "فَسَرَ": وهي كلمة تدور على معنى ظهور الشيء , وبيانه, وتوضيحه كما قال تعالى: â ?wur y7tRqè?ù't? @@sVyJÎ/ ?wÎ) y7»sY÷¥Å_ Èd,ysø9$$Î/ z`|¡ômr&ur #¶??Å¡øÿs? á أي: تفصيلا وتوضيحا , ومنه فسرت الحديث؛ إذا بينته ووضحته.

وفي الاصطلاح :

علم يعرف به فهم كتاب الله ؛ المنزل على نبيه محمد r , وبيان معانيه , واستخراج أحكامه وحكمه .

وقيل: علم يفهم به كلام الله U على قدر الطاقة البشرية )).

أهمية تدبر القرآن :

أمرنا الله U بتدبر هذا الكتاب العزيز , والسعي لفهم معانيه ؛ لأن ذلك طريق الإيمان، والعمل الصالح، قال ابن قيم الجوزية: (( ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر, ويتفكر فيه, ويعمل به, لا لمجرد التلاوة مع الإعراض عنه )).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه , فالقرآن أولى بذلك , وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه , فكيف بكلام الله ؛ الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ))

ومما يؤكد على أهمية فهم القرآن أن الله ذمَّ كل من أعرض عن تدبر معانيه.

فقال تعالى: â ?xsùr& tbrã?­/y?tGt? ?c#uäö?à)ø9$# ôQr& 4?n?tã A>qè=è% !$ygä9$xÿø%r& á  وما ضلَّت الفرق من أمة الإسلام إلا لعدم فهمهم القرآن الكريم

طرق تفسير القرآن الكريم :

نسبة لاختلاف مناهج ودرجات المفسرين في فهم وتفسير القرآن الكريم , وضع العلماء طرقاًً ينبغي أن يسير عليها كل من أراد أن يفسر هذا الكتاب العزيز وفق منهج سليم وهي ستة طرق متدرجة متوالية وفقها يفهم القرآن وتستنبط معانيه وحكمه وهي:

1- تفسير القرآن بالقرآن :

هو أعلى أنواع التفسير؛ لأنه توضيح لكلام الله بكلام الله؛ فإن القرآن الكريم قد يجمل  في موضع ويفصل في موضع آخر , ويعمم في موضع ويخص في موضع آخر , ويطلق الحكم في موضع ويقيده في موضع آخر ونحو ذلك

وأول من اعتنى بهذا النوع من التفسير هو النبي r ؛ فقد فسر ما أشكل على الصحابة .

2- تفسير القرآن بالسنة :

    إذا لم نجد للقرآن تفسيراً في القرآن رجعنا إلى السنة النبوية وذلك لأن النبي r هو أعلم الخلق بعد معلمه جبريل بالقرآن الكريم, وقد تكفل الله له ببيانه، وهو معصوم بالوحي، وهو المكلف بشرحه وبيانه للناس من خلال أقواله, وأفعاله, وتقريراته, وصفاته, فلا عجب أن يكون أعلم الناس به.

3- تفسير القرآن بأقوال الصحابة :

إذا لم يجد الإنسان تفسيراً للقرآن في القرآن , ولا في السنة , رجع إلى أقوال أصحاب النبي r وذلك للآتي :

1- أنهم تعلموا على يد أعظم معلم ، بل أكثر المعلمين بركة ألا وهو النبي r ، فهو الذي قد وضح لهم معاني القرآن بأوضح بيان , شرح لهم معانيه , وفصل لهم مجمل أحكامه , وبين لهم ما أشكل عليهم من فهم , ورعاهم رعاية خاصة , ودعا لبعضهم بفقهه .

2- أننا أمرنا بالاقتداء بهم , واتباع منهجهم , لما لهم من فهم صائب , وعمل صالح.

3- أنهم شاهدوا التنزيل وعاصروا الوحي , وعرفوا أحوال نزول القرآن, فهم أعرف الناس بأسباب نزوله , وناسخه ومنسوخه , وعامه وخاصه , ومطلقه ومقيده , ومحكمه ومتشابهه ونحو ذلك .

4- أنهم كانوا أهل لغة ونزل القرآن بلغتهم , فهم أفهم الناس لمعانيه,وأحكامه , وهديه .

4- تفسير القرآن بأقوال التابعين :

إذا لم نجد تفسيراً للآية في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة رجع كثير من العلماء إلى أقوال التابعين وذلك :

1- أنهم تعلموا على يد أصحاب النبي r ؛ خاصة الذين أخذوا منهم علماً كثيراً كمجاهد وسعيد بن جبير , وعكرمة مولى ابن عباس , وعطاء بن أبي رباح , وغيرهم .

2- أنهم عاشوا في القرون المفضلة ؛ التي قربت من عصر النبوة, ولم تظهر فيها البدع المضلة ظهوراً بينّاً .

3- لأنهم عاشوا في عصر اللغة الذهبي قبل أن تفسد العجمة اللسان العربي, فهم أعلم الناس بعد أصحاب النبي r بلغة القرآن.

4- أنهم كانوا أئمة في العلم والصلاح, عرفوا باستقامة في المنهج ، وصلاح في المعتقد ، وحسن سيرة في العبادة وصدق وأمانة وورع وتقوى.

تفسير القرآن وفق لغة العرب :

إذا لم يجد المفسر لتفسير الآية تفسيراً لا في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة, ولا في أقوال التابعين يرجع الإنسان إلى اللغة العربية التي نزل هذا القرآن بها كما قال تعالى: â #x?»ydur îb$|¡Ï9 @?Ï1u?tã êúüÎ7?B á ولا يمكن لإنسان يجهل لغة العرب نحواً وصرفا وبلاغة ومعنىً أن يفسر القرآن

تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد :

وهذا النوع قسمه العلماء إلى قسمين: رأي محمود, ورأي مذموم .

أ/ فالرأي المحمود: هو كل رأي مستمد من القرآن والسنة, وكان صاحبه عالماً باللغة العربية وأساليبها والشريعة وأصولها .

ولكن ينبغي أن يكون الرأي والاجتهاد فيما لا مجال للنص فيه , وليس للنبي r فيه قول قاطع , ولابد أن يكون ممن كان أهل للاجتهاد , ممن عرف لغة القرآن , وألم بقواعد الشرع وأصوله .

ب/ الرأي المذموم: هو تفسير القرآن بمجرد الرأي والهوى, وهو مذموم لأنه قول على الله بغير علم في كلام الله ، وهو من كبائر الذنوب ، ومن أعظم ما نهى الله عنه قال تعالى: â ?wur ß#ø)s? $tB }§ø?s9 y7s9 ¾ÏmÎ/ íOù=Ïæ 4 ¨bÎ) yìôJ¡¡9$# u?|Çt7ø9$#ur y?#xsàÿø9$#ur ?@ä. y7Í´¯»s9'ré& tb%x. çm÷Ytã Zwqä«ó¡tB á ولما روى عن النبي r : (( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار )) ، وكل الأدلة التي جاءت عن النبي r وما نقل عن الصحابة في ذم الرأي إنما المراد به هذا النوع من أنواع الرأي وهو الرأي المذموم .

أهم كتب التفسير :

نذكر هنا أمثلة لكتب في التفسير اجتمعت فيها كل طرق التفسير الصحيح أو غالبها, وذلك لأنها قامت على منهج سليم والأخذ منها أولى من غيرها؛ حتى يستطيع الإنسان أن يميز بعد ذلك وهو يقرأ في الكتب الأخرى المفيدة لكنها لم تخلُ من ملاحظات عليها:

1- جامع البيان عن تأويل آي القرآن: للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري والمتوفى سنة "310هـ.

2- معالم التنزيل : للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516هـ

3- تفسير القرآن العظيم: للإمام أبي الفداء عماد الدين بن إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي توفي سنة 774هـ

4- فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية في علم التفسير: للإمام أبي عبدالله محمد بن علي بن محمد الشوكاني, توفي عام 1250هـ

5- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للعلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المتوفى سنة 1393هـ

6- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان : للشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي المتوفى سنة 1376هـ