نموذج من النثر

(( وصف البعوضة لابن شهيد  ))   

لابن شهيد صاحب كتاب

التوابع والزوابع


  التعريف بالكاتب : هو أبو عامر احمد بن أبي مروان بن شهيد ولد في قرطبة عام 382هـ وعاش طفولة ناعمة مترفة وتهيأت له أسباب العلم والثقافة وحين أصبح شابا كان على اتصال ببعض الخلفاء الأندلسيين ويقال انه بلغ مرتبة الوزارة فكثرة حسادة حتى دخل السجن ولاكن سرعان ما أفرج عنه بسبب التقلبات السياسية وقد مرض بالفالج في آخر حياته وتوفي عام 425هـ .

قال ابن شهيد في وصف البعوضة : 
  (( البعوضة مليكة لا جيش لها سواها ، تحقرها عين من يراها ، تمشي إلى الملك بندبها ، وتضرب في بحبوحة داره بطبلها ، تؤذيه بإقبالها ، وتعرفه بإراقة دمه مالها ، فتعجز كفه ، وترغم انفه ، وتضرج خده ، وتفري لحمه وجلده ، زمجرتها تسليمها ، ورمحها خرطومها ، تذلل صعبك ، إن كنت ذا قوة وعزم ،  وتسفك دمك ، وان كنت ذا حلف وعسكر ضخم ، تنقض العزائم ، وهي منقوضة ،  وتعـــجز القوي وهي بعوضـة ، ليرنا الله عجائب قدرته وضعفنا عن أضعف خليقته . )) 

==============

الشرح : 
 

     لا شك بأن البعوضة حشرة صغيرة محتقرة عند الإنسان وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى : " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " الآية ( البقرة 26 )  

    وبرغم صغرها وحقارتها إلا أنها ممكن أن تودي بحياة إنسان ، أو تؤذيه وتجعل أبسط حق مشروع له ، وهو النوم يفارق مقلتيه وذلك دون أن يستطيع مجرد الدفاع عن نفسه ، وكم من متغطرس متعجرف ، يسكت المئات بكلمة واحدة ولا يستطيع مقاومة بعوضة ممكن أن تزعج راحته وتقض مضجعه ، فالنص الذي أمامنا أبدع فيه ابن شُهيد أيّما إبداع حيث صور البعوضة تصويراً دقيقاً وصورها في هيئة مليكة وصغر هنا  لغرض التحقير من شأنها ولكنها في ذات الوقت بالنسبة له ملكة في عظمتها وأفعالها ، حيث بمفردها تكون جيشاً وتستحقر في عيون الآخرين ، ولكن نراها السهل الممتنع  ، حيث وصفها بأنها تسير إلى صاحب المجد والرفعة الملك الهمام مكونة جيشاً بمفردها حيث تقدم إليه في صوت مزعج بالنسبة له وتريق دمه بوخزة بسيطة تمتص فيها من دمه وتجعله في حركة دائبة فمتى ما استقرت فوق كفه تجعله يحركها بطريقة عشوائية ، فشبهها بالغواني اللاتي يضربن الطبول في وسط داره .        وشبهها أيضاً بالمحارب الذي يحمل رمحه ، وتجعل من أنفه المحشوم  مرغماً وتقلل من شأنه ، وتجعل خده منتفخاً ، ويصل بها الأمر أنها تفري لحمه وجلده ، وسلامها عليه بالصوت المزعج ، حيث مثلها بمجاهد يحمل رمحه ولكنه رمح يمتص دماً بجرح أليم ، وتقلل من شأنه ، ولو كان حوله مئات من جنده المسلحين ، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه ، ولا حتى يستطيع جنوده الذود عنه ،  وفي هذا تصريح من الكاتب بأنها محتقرة لكن بقدرة الله تستطيع أن تحيل حياة الملوك إلى جحيم مقيت ، فسبحان الخالق الذي يجعل من عظمته في أضعف خلقه وهي البعوضة .     و هنا نجد الشاعر استخدم الصورة ، واستخدم الكنايات ، حيث قال) :  لا جيش لها سواها ) كناية عن قوتها في شن الهجوم رغم أنها بمفردها ، وأيضاً في قوله :  ( تعجز القوي وهي بعوضة ) كناية عن فتكها بمن تريد رغم حقارتها . 
    ونراه يراوح أيضاً بين فنون الجناس لإحداث السجع  حيث قال :  ( لها سواها ، من يراها ، بندبها ، طبلها ، لإقبالها ، ما لها ) ، ( كفه ، أنفه ، خده ، لحمه ، جلده ) ، وعاد ليستخدم الجناس مرة أخرى في قوله : ( تسليمها ، خرطومها )  وأيضاً في قوله : ( عزم ، ضخم ) وقوله : ( منقوضة ، بعوضة )   ويمكننا القول بأن ابن شهيد أجاد في تصوير البعوضة بكل فنون البلاغة وتقديمها في صورة الملكة . 

================

   شرح بلاغي للنص 


     إن إحساساً عميقاً بالألم يحدثه البعوض لدى الشاعر، ورغبة خفية تـلح عليه في إثبات تـفوقه الشعري في النظم ، هي ما تحذو به لأن يصف البعوض ، ويتـفنن في تصوير حاله ، وقوته التي لا تخفى على أحد ، غير أنها عند الكاتب كانت ذات وضع مختـلف ، وهيئة متجددة ، فهو ينسج له وصفاً يستمده من تفاصيل المعركة التي تخيل أحداثها قائمة بين البعوض والإنسان ، بما فيها من مظاهر هجوم البعوض على الإنسان ، واستماتت الآخر في الدفاع عن نفسه ، بدون جدوى ، وأسهم التركيب البلاغي في دقة عرض تـفاصيل تـلك الصورة فاستخدام أسلوب التشبيه الضمني والاستعارة مما يعكس المبالغة في وصف الهجوم والسطوة ، في مقابل ضعف الدفاعات والقدرة على الصدّ ، فقد جعل البعوض يبدأ بالهجوم فشخصه بالاستعارات المتوالية يسري إلى الأجسام ،وهو السير ليلاً للإنسان ،ويهتـك الحجب ، وهو مفترس في هجومه ، ضار في لدغه فاستعار له " العض" استعارة مكنية ،وسلاحه في تـلك المعركة " فوه "والذي شبهه الكاتب ضمنياً بالحراب ، وجعلها من أشدها فتـكاً فعبر عن ذلك " بأفعل التفضيل " فقال : "من أعدى الحراب " ، وهو على ذلك محارب يتمتع بالجرأة ، والإصرار في الوصول لأهدافه ، ولا يعبأ بما قام له من دفاع وصد ، فقال عنه " ولا يثـنيه عما قد تعوده طلاب " ،فأما آثار تـلك المعركة فتبدو واضحة على الخصم " الإنسان" والتي أبرزها الكاتب في تشبيه دم القلوب - وهي كناية عن آثار ضرره ولدغه - " بالخضاب " ، وصاغ التشبيه صياغة تخفيه وتجعلنا نشعر وكأنه خضاب حقيقي ، وكانت إضافة الدم للقلوب تعكس شعوره بالألم الشديد والضرر البالغ . ================== الأسئلة : س ـ ما تكبير ( مليكة )؟ وماذا أفاد تصغيرها ؟ ج  ـ تكبير مليكة ملكه ، وأفاد التصغير التفخيم والتهويل .   س ـ  بم شبه ابن شهيد البعوضة ؟ وبم شبه خرطومها ؟ وما رأيك في التشبيهين . ج ـ شبه البعوضة بالملكة ، وشبه خرطومها بالرمح ، والتشبيه تشبيه بليغ .


س ـ صور ابن شهيد ألوانا من الـأذى تلحقها البعوضة بالإنسان  ، فما أهم تلك الألوان  ؟

ج ـ أهمها سفك الدم ، ولقد صور ابن شهيد ألوانا من الأذى تصيب الإنسان من البعوضة ، فهي تمشى إلى الملك وتضرب في وسط داره ، وهى تؤذيه بإقبالها وترغم أنفه ، وتضرج خده وتفري لحمه وجلده .  

س ـ ما الفن البديعي الغالب على النص ؟ وهل نجده عفويا أو متكلفا ؟

ج ـ الفن البديعي الغالب في النص هو السجع ، ونشعر في النص أن هذا النوع جاء بدون تكلف ، وأجاد ابن شهيد في استخدام الوصف والتشبيه ، حيث  اعتمد على عنصر التفخيم والتهويل .  

س ـ ما غرض ابن شهيد من وصف البعوضة ؟

ج ـ غرض ابن شهيد في هذا النص التأمل في خلق الله تعالى ، والتفكر في مخلوقاته ، وعجائب قدرته ، ومعرفة عجز الإنسان ، وضعفه أمام أضعف المخلوقات .  

س ـ بم شبه ابن شهيد البعوضة وخرطومها .

ج ـ شبه ابن شهيد البعوضة بالملكة ، وشبه خرطومها بالرمح ، وهما تشبيهان جيدان ، لأن الأول يوحى بالعظمة ، التي تتحلى بها البعوضة في وسط أبناء جنسها  ، والثاني يدل على قوة الخرطوم وصلابته .  

س ـ ما العاطفة المسيطرة على الشاعر في هذا النص ؟

ج ـ العاطفة المسيطرة على الكاتب في هذا النص عاطفة الإعجاب بالبعوضة والإيمان بالله ، والرغبة في التأمل في خلق الله تعالى .  

= اختاري الإجابة الصحيحة مما يلي :

من أعظم أوصاف البعوضة الواردة في نص ابن شهيد هو:

أ – أنّها تكون جيشها بمفردها .

ب – أنها من مخلوقات الله العجيبة.

ج – أنها تشبه حيوانًا ضخمًا مفترسًا.

د – جميع الفقرات السابقة. 
 

قال ابن شهيد:  "  وتضرب في بُحبوحة داره بطبلها، وترغم أنفه، وتضرّج خدّه، تذلل صعبك إن كنت ذا قوّة وعزم  ". في العبارة السابقة تشبيه يكمن في قوله:

 أ – رغم أنفه.

ب –تضرب في بحبوحة داره بطبلها .

  ج – تضرّج خدّه.

د – إن كنت ذا قوّة .