المملكة العربية السعودية

وزارة التعليم العالي

جامعة أم القرى

كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

قسم التاريخ

 تاريخ الدولة العباسية

العصر العباسي الأول

132هـ - 232هـ

 

تأليف

محمد سهيل طقوش

استاذ المادة

د. خالد الشريف

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله r وعلى اله وصحبه وبعد:

تتناول هذه الدراسة تاريخ دولة الخلافة العباسية من جانبها السياسي بموضوعية, والواقع أن أحداث التاريخ العباسي معقدة ومتشعبة ومتشابكة, وذات تكوينات سياسية متعددة, تفاعلت عليها عناصر متعددة عربية وفارسية وتركية, وشهدت بنى اجتماعية وعنصرية متباينة, وتطورات سياسية واقتصادية واجتماعية هامة, حدّدت مسيرتها ونهجها, وظل العامل الابرز في صنع هذه الاحداث والتفاعلات العقيدة الاسلامية بفعل تأثيرها الجذري في المجتمع الاسلامي.

  لم يكن قيام دولة الخلافة العباسية مجرد بيعة خليفة دون اخر, أو انتقال الحكم من الامويين إلى العباسيين في حكم الجماعة الاسلامية بل يعد هذا الحدث ثورة شاملة في التاريخ الاسلامي ومنعطفاً مهماً في مسيرة التطور الاسلامي غيّر بشكل جذري المجتمع الاسلامي وترك انطباعاً عميقاً في جميع نواحي الحياه السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وفتح امام المسلمين من غير العرب باب الظهور في تلك النواحي.

وقد حاول المؤرخون كشف مكنونات هذا التحول وتفسيره, منطلقين من مفاهيم مختلفة فقد رأى فيه بعضهم ثورة الفرس على الحكم العربي في حين علّله بعضهم بأنه مجرد ثورة على حكم بني أمية لإزاحتهم عن الحكم, واحلال العباسيين مكانهم, وقال فريق آخر بحتمية هذا التحوّل نتيجة التطورات التي شهدها العالم الاسلامي خلال القرن الأول الهجري.

والواقع أنه نتج عن سياسة الامويين غير المتوازنة تجاه الشعوب غير العربية وتجاه بعض الفئات العربية, تعثر واضح في الحياه السياسية استغله العباسيون لصالحهم, وكان هؤلاء قد استغلوا أيضاً الفراغ القيادي الذي أحدثته وفاه أبي هاشم بن محمد بن الحنفية صاحب الدعوة الكيسانية وإمامها, فملأوا هذا الفراغ, وترأس محمد بن علي بن عبدالله بن عباس الدعوة للرضا من آل محمد, ظاهراً, وأخذ يعمل على تخصيصها لبني العباس, سراً, وقد نجح في ذلك بفضل ذكائه ومقدرته وكفاءته.

 وبعد أن وجد الشخص القيادي, وجدت أيضاً الأرضية المتوثبة لنقبل الدعوة, وتمثلت بخراسان كأرض وبالخراسانيين كشعب متوثب لتقبل هذا التغيير, مدفوعاً بعوامل سياسية واجتماعية وعقدية.

  ففي خراسان تنازع العرب فيما بينهم, ويكاد النزاع القيسي اليمني لا ينقطع, وشهدت هذه البلاد اشتباكات مع الأتراك الوثنيين بحكم موقعها الحدودي من منطقة بلاد ما وراء النهر, كما وجد فيها عدد كبير من الفرس والموالي الذين استاءوا من الحكم الأموي, خاصة وأن خراسان بعيد المسافة عن مركز الخلافة الأموية, مما حال دون وصول النجدات إليها في الوقت المناسب, وبالتالي ساعد هذا العامل على خلق بؤر للفوضى, والإشهار بالتمرد على مركز الخلافة.

  وهكذا تمكن أبو مسلم الخراساني الذي وجهّه ابراهيم بن علي إلى خراسان لإظهار الدعوة العباسية, من دخول مرو, واستولى على فارس, ثم اتجهت جيوشه نحو العراق , وتمكنت من هزيمة الجيوش الأموية ودخلت البصرة والكوفة في عام (132هـ/749م).

 في هذا الوقت توجه أبو العباس السفاح, الذي خلف أخاه ابراهيم الإمام في رئاسة الدعوة إلى الكوفة وخطب في الناس معلناً قيام دولة الخلافة العباسية, وبذلك يعد أول خليفة عباسي, وقصى قادته على بقية الأمويين.

  خلف ابا العباس بعد وفاته أخوه أبو جعفر المنصور الذي يعد, بحق المؤسس لدولة الخلافة العباسية, ثم تتابع الخلفاء من بعده على مدى أربعة عصور تارخية امتدت حتى عام (656هـ / 1258م).

كانت حدود العالم الاسلامي عندما آلت الخلافة إلى بني العباس, قد شملت إقليمي جرجان وطخارستان, وجاورت حدود بلاد الترك والصين, وبلاغ بلاد كشمير في الجنوب الشرقي, وبلاد النوبة في الجنوب المصري, وإلى ما يلي المغرب جنوباً في الصحراء, وجبال القوقاز وأرمينيا في الشمال, وتاخمت حدود الامبراطورية البيزنطية, أما في الاندلس فقد جاورت حدودها جنوبي بلاد الفرنجة.

  شهدت دولة الخلافة العباسية, في عصرها المبكر, ألواناً عدة من الخلافات الداخلية من أجل الاستحواذ على السلطة, تطورت إلى اشتباكات دامية, مثل خروج عبدالله بن علي على ابن أخيه أبي جعفر المنصور, ولعل أخطر صراع شهده العصر العباسي الأول هو النزاع الذي نشب بين الأمين والمأمون.

وواجه الخلفاء العباسيون خلال العصر العباسي الأول معارضة اولاد عمومتهم الطالبيين, الذين أملوا عندما ساندوا الثورة, أن تؤول الخلافة إليهم, إلا أنهم اصيبوا بخيبة أمل عندما استأثر العباسيون بالحكم فتصدوا لهم بقوة الحركات المناوئة, وواجه العباسيون ايضاً حركات عنصرية فارسية مناهضة للحكم العربي خاصة بعد التخلص من أبي مسلم الخراساني مثل البابكية والخرمية.

  وشهدت دولة الخلافة العباسية, في عصرها الأول, اصطدامات على حدودها بينها وبين جيرانها خاصة البيزنطيين, فاستمرت حرب الصوائف والشواتي, التي كان مسرحها الثغور. لكن لم يتجه العباسييون إلى القضاء على الدولة البيزنطية, أما على الجبهة الشرقية فقد ثبت العباسيون النفوذ الاسلامي في إقليم بلاد ما وراء النهر وفي إقليم السند.

  وعملت دولة الخلافة العباسية, على تثبيت سلطتها في بلاد المغرب, لكن الاندلس ما لبثت أن انفصلت عنها في خطوة ملفتة بقيادة عبدالرحمن الداخل الأموي, واقتدى الادارسة به, وانفصلوا بالمغرب الاقصى مما دفع العباسيين إلى محاولة ربط الاقاليم الأخرى في دولتهم التي تحاول الانفصال برباط رسمي, ومن ذلك تولية الرشيد ابراهيم بن الاغلب على افريقية.

  وقد تأثرت دولة الخلافة العباسية بذلك الصراع على النفوذ بين العرب والفرس والترك, وقوي نفوذ الفرس, بفعل عدم قدرة الخلفاء المحافظة طويلاً على التوازن بين هذه الشعوب, فسيطروا على معظم المرافق, فكان منها الوزراء والقادة المتسلطون بدءاً من عهد المنصور, حتى اضطر هارون الرشيد إلى نكبة وزرائه البرامكة, ثم رجحت كفتهم بعد انتصار المأمون على أخية الأمين, وبلغ بنو سهل, وهم فرس, منزله كبيرة في عهده, ورأى المعتصم أن يصطنع لنفسه عنصراً جديداً يعتمد عليه, فاتخذ من الاتراك بطانة وأداة, ووزراء, وقادة, فقضى بذلك على النفوذ الفارسي وبوفاة الواثق في عام (232هـ / 847م) ينتهي العصر العباسي الأول.

خلفاء العصر العباسي الأول ومدة خلافة كل منهم

أبو العباس عبدالله السفاح                                      132-136هـ/750-754م

عبدالله أبو جعفر المنصور                                        136-158هـ/754-775م

أبو عبدالله محمد المهدي                                        158-169هـ/775-785م

أبو محمد موسى الهادي                                         169-170هـ785-786م

أبو جعفر هارون الرشيد                                          170-193هـ/786-809م

أبو موسى محمد الأمين                                          193-198هـ/809-813م

أبو جعفر عبدالله المأمون                                        198-218هـ/813-833م

أبو اسحاق محمد المعتصم                                     218-227هـ/833-841م

أبو جعفر هارون الواثق                                           227-232هـ/841-847م

قيام دولة الخلافة العباسية

تنظيم الدعوة العباسية

لقد وضع العباسيون الأوائل نهجاً , في التنظيم السري , أضحى مثلاً يحتذي  طبقته بعض الدول التي قامت في كنف الخلافة العباسية , كالفاطميين , ويقوم هذا التنظيم على السرية المطلقة . وقد انتهج العباسيون الأوائل هذا الأسلوب السري على أثر الكوارث التي حلت بآل البيت طيلة العصر الأموي , وما عمدت إليه الدولة الأموية من القضاء على الحركات العلوية وعلى زعمائها بشكل خاص , وتقوم الدعوة السرية حول إمام من آل البيت يدير دفة هذه الحركات السرية , ويرعى هذه التنظيمات ويوجه النقباء والدعاة ويقودهم.

   الإمام محمد بن علي العباسي(118-125هـ) الذي آلت إليه الدعوة العباسية ومن مقرة في الحميمة , أخذ ينظم الدعوة , ويدير شؤونها ويرسل الدعاء والنقباء إلى الجهات الملائمة وأهمها خراسان , وذلك عن طريق شبكة سرية متعددة الحلقات حملت اسم " دعوة آل البيت " وتجلّت مقدرته في وضع هيكلية التنظيم السري الذي قام على الشعارات الدعائية من اختيار مركز الدعوة وشعارتها والامصار التي تنطلق منها وتحديد مقر الدعاة, ومهنتهم, وطريقة التعامل مع الناس فمن حيث مركز الدعوة فقد أختار الحميمة , ومن حيث الشعار فإنه نادى بشعار المساواة , والدعوة إلى الرضا من آل محمد , والإصلاح ومن حيث الأمصار التي تنطلق منها الدعوة , فإن محمد بن علي أمر الدعاة بالتركيز على خراسان ومن حيث تحديد مقر الدعاة  , فقد اتخذ الإمام العباسي الكوفة المعروفة بالولاء لآل البيت . وقد اشار محمد بن علي على دعاته أن يتعاطوا مهنة التجارة لإخفاء هدفهم عن السلطة , كما أوصاهم بنشر الدعوة بالحكمة .

أطوار الدعوة العباسية

الطور الأول

 

يبدأ هذا الطور في مستهل القرني الثاني للهجرة , وينتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني إلى الدعوة , ويغطي الفترة الزمنية بين عامي (100هـ -128هـ ) وقد تميزت الدعوة , في هذا الطور بالسرية التامة , وخلوها من أساليب العنف.

الطور الثاني:

 يبدأ هذا الطور بانضمام أبي مسلم إلى الدعوة العباسية , واستمراره حتى عام (132هـ/750م) وهو العام الذي سقطت فيه دولة الخلافة الأموية , وقامت الخلافة العباسية .

تميزت الدعوة في هذا الطور , باستعمال القوة لتحقيق هدفها .

عرض إبراهيم الإمام , القيادة على أبا مسلم الخراساني ممثلاً له في خراسان فاستقامت أمور العباسين في خراسان نتيجة جهوده السياسية والعسكرية واستطاع هذا الرجل بما تمتع به من كفاءات أن يصبح الداعية العباسي المتحكم في الشرق كله.

وترجح الروايات التاريخية الأصل الفارسي لأبي مسلم فهو مولي فارسي واسمه الحقيقي بهزوان .

  نزل أبو مسلم , فور وصولة إلى خراسان , وأخذ يدير الأمور ويلتف حوله الموالي استعداداً للتحرك, وفعلاً , أعلنت الثورة في خراسان فالتفّت شيعة العباسيين حول أبي مسلم وقد اتخذوا السواد شعاراً في ملابسهم وألويتهم ولذا عرفوا بالمسودة وعمد أبو مسلم إلى أسلوب المزج بين السياسة والقوة العسكرية بهدف التفريق بين القوى الخراسانية فنجح بدهائه في الإبقاء على العداء بين الوالي الأموي على خراسان , نصر بن سيار , وخصومه ثم زرع بذور الشقاق بين الوالي وزعماء القبائل وهكذا تحرك ابو مسلم على كافة جبهات القوى السياسية, ونجح في قطف ثمار جهوده بالقضاء على خصومه والتفرد بحكم خرسان وفر نصر إلى نيسابور وأضحى الحاكم الأوحد لبلاد المشرق واتخذ لنفسه لقب " أمير آل محمد "  وأضحى هذا الرجل بعد أن تقرب من سكان بلاد المحليين أمل الموالي الذين توسموا فيه القدرة لرد اعتبارهم , وأحياء الإرث الفارسي القديم ويمكن اعتباره مقدمه لظهور البرامكة والطاهريين والبويهيين , يكون بذلك أسس الدولة الخراسانية .

واعترف بأبي سلمه رئيس دعاة العراق وزيراً لآل محمد , وقد أضحي صاحب السلطة الفعلية .

 

اعتلاء بني العباس السلطة

   فرضت الخراسانية الفعلية مرشحها العباسي , أبا العباس عبدالله بن محمد أميراً للمؤمنين ,فبويع له بالخلافة يوم الجمعة عام 132هـ شهر تشرين الأول عام 749م والجدير بالذكر أن تاريخ خلافته يبدأ بعد مقتل مروان الثاني آخر الخلفاء الأمويين  و هو تاريخ قيام دولة الخلافة العباسية .

الاتجاهات العامة لدولة الخلافة العباسية

انتهجت دولة الخلافة العباسية منذ قيامها , سياسة مشرقية واضحة وجاء هذا التحول نتيجة عدة عوامل أهمها :

1)  مناوأة أهل الشام للعباسين

2)  انتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد

3)  التأثير الفارسي إلى النظم والحياة العباسية

4)  انتعاش التجارة المشرقية .

5)  ابتعاد الدولة العباسية عن عالم البحر الأبيض المتوسط .

6)  عدم اهتمام العباسيين بإنشاء أسطول بحري في المتوسط.

هذا وقد تراجع النشاط الحربي الكبير الذي شهده العصر الأموي على الجبهة الغربية في عالم البحر المتوسط  ونظر العباسيون إلى شواطئه على أنها حدود وانصرف العباسيون , بشكل عام , نحو الشرق فأوقفوا الخطر الصيني الزاحف  على ديار المسلمين ونمت البحرية الإسلامية في المحيط الهندي وقد أدى تفاهم العباسين مع الصين إلى فتح أسواق الشرق الأقصى أمام تجارة متبادلة غنية كما نتج عن انتقال العاصمة والابتعاد عن الاهتمام بالشئون الغربية , أن النفوذ العباسي في المغرب الإسلامي مما أدى إلى انفصال تلك الأطراف الغربية فاستقلت الأندلس على يد عبدالرحمن الداخل الأموي وانفصل المغرب الأقصى على يد الأدارسة العلويين واستقل بنو رستم , الخوارج بالمغرب الأوسط ن , واكتفى العباسيون بإقامة دولة حاجزة موالية لهم في المغرب الأدنى هي دولة الأغالبة .

وحمل العصر العباسي معه تطوراً آخر . فقد جمع العباسيون السياسة مع الدين فأعلنوا أنهم يريدون إحياء السنة وإقامة العدل فأحاطوا أنفسهم بالعلماء والفقهاء واستغلوا فكرة المهدي حتى أضحت شعارهم الديني والسياسي واعتمدوا على نظرية الإمامة التي كانت محور عقيدتهم ودعوتهم وقد أعطت هذه السياسة الدينية, للخلافة العباسية مسحة من القداسة.

  كما اتبع الخلفاء العباسيون بعض العادات الفارسية مثل : الاستئثار بالسلطة والاحتجاب عن الناس , الظهور وسط حرس وحاشية فنشأت نتيجة لذلك وظيفة الحجابة.

وتأثرت حياة الخلفاء وأساليبهم في العمل وطريقتهم في الحكم بالأساليب الفارسية وطغت على نظمهم الإدارية تقاليد الديوان الفارسي.

تقسيم تاريخ دولة الخلافة العباسية

حكمت دولة الخلافة العباسية قرابة 524عامآ: (132-656هـ /750-1258) وابتدأت بأبي العباس السفاح وانتهت بوفاة المستعصم.

العصر العباسي الأول: 132-232هـ / 750-847م:

ابتدأ هذا العصر بخلافة أبي العباس السفاح وانتهى بخلافة الواثق, وتميز بقوة الخلافة واستقلالها التام, وتركيز السلطة العليا في الدولة بيد الخلفاء, وتتمتع الفرس في هذا العصر بمكانه مرموقة في الدولة وكان لنفوذهم الواسع تأثير كبير في توجيه سياستها, حتى سيطروا أخيراً على الجهازين الإداري والعسكري في بغداد والأقاليم الخاضعة لنفوذها, وقد ختم هذا الدور بانتهاء عهد الخلفاء الذين كانوا يقودون الجيوش بأنفسهم, ومثّل هذا العصر الزاهي كل من الخلفاء أبو العباس, المنصور, المهدي, الهادي, الرشيد, الأمين, المأمون, المعتصم والواثق.

الخليفة أبو العباس السفاح

هو عبدالله بن محمد بن علي العباسي , وكنيته أبو العباس ولد في عام (105هـ/723م) بالحميمة ويلاحظ وجود تشابه بين اسمي أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور ( عبدالله بن محمد بن علي العباسي) كان الخليفة أبو العباس مقيماً بالكوفة وانتقل إلى الانبار وبنى بجوارها مدينه لنفسه عرفت بهاشمية الانبار أقام بها حتى وفاته.

  قضي أبو العباس معظم عهده في تثبيت حكمه , فحارب القادة العرب الذين ناصروا الأمويين , ثم تخَّلص من بعض القادة الذين ساندوه في الوصول الى الحكم بعد ما  بدرت منهم بوادر انفصالية مثل أبا سلمة الخلال.

الأوضاع الداخلية في عهد أبي العباس

 ألتفت أبو العباس بعد ذلك إلى تصفية جيوب الأمويين .فبعد أن هزمت قواته بقيادة عمه عبدالله بن علي قوات مروان الثاني على الزاب وطاردته  حتى مصر وقتلته هناك؛ نشبت الفتن والاضطرابات الداخلية ضد الحكمة في المناطق العربية مثل فلسطين والشام والجزيرة التي كانت مركزاً للنفوذ الأموي,وقام أبو العباس بتصفية المنافس السياسي ابو سلمة الخلال وزير آل محمد.

الأوضاع الخارجية في عهد أبي العباس

جبهة الشرق

 كان أبو مسلم الخراساني , القائد الأول للثورة العباسية , قد تسلم الحكم عاملاً للخليفة في خراسان والجبال , فقام يُثَّبت أقدام العباسيين في هذه المناطق , وقضى على الثورات المناهضة للحكومة المركزية,  وتعرضت بلاد ما وراء النهر في الوقت نفسه لخطر كبير من جانب الصينيين ثم حدث أن تعرضت الصين  إلى مشكلات داخلية ونشبت فيها حرب أهلية بفعل الصراع على العرش , ممَّا صرف الصينيين عن التدخل في شؤون بلاد ما وراء النهر وتعد معركة (طراز) نهاية التدخل الصيني في هذه المنطقة التي نعمت في ظل الحكم العباسي بعهد طويل من الرخاء .

الجبهة البيزنطية

استفادة الدولة البيزنطية من الاضطرابات التي سادة الدولة الإسلامية , نتيجة انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين , فهاجمت المناطق الشمالية للدولة الإسلامية , ونجح الإمبراطور قسطنطين الخامس في توسعة حدود بلاده , بعيداً نحو الشرق , عندما أغار على مناطق الثغور الشامية والجزرية واستولى على مدنها وقلاعها. كان رد الفعل الإسلامي محدوداً في بادئ الأمر , ثم أخذ يقوى تدريجياً , وظهرت حركة الاستجابة بالرد على الهجمات البيزنطية مع اقتراب استقرار أوضاع الخلافة , فاستؤنفت حركة الصوائف والشواتي وحرص الخليفة على استعادة ما استولى عليه البيزنطيون وبشكل عام , يمكن وصف المناوشات العسكرية بين الطرفين في ذلك الوقت بحرب الحدود .

 

الوزارة في عهد أبي العباس

استحدث منصب الوزير مباشرة بعد انتصار الجيوش العباسية على الجيوش الأموية وقبل مبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة , وهذا المنصب هو نظام فارسي قديم . وقد تم ذلك بتحريض الفرس إذ إنهم دعوا أبا سلمة الخلال " وزير آل محمد " وأقره أبو العباس ثم اخذ هذا النظام يتطور حتى استقر فجعلت للوزارة اختصاصات معنية وقواعد ثابتة لعلها أهمها الإشراف على الشؤون المالية .والوزارة في عهد العباسيين على توعين :

- وزارة تنفيذ     - وزارة تفويض.

فوزارة التنفيذ تنحصر في تنفيذ أوامر الخليفة الوزير فهو همزة الوصل الوحيدة بين الإمام والشعب , أما وزارة التفويض فتقوم على تصرف الوزير المطلق في شؤون الدولة وعندما ضعفت سلطة الخلفاء العباسيين , تحول النفوذ من الخلافة إلى الوزارة فأرتفع شأن الوزراء , وأضحت وزارة تفويض بعد أن كانت وزارة تنفيذ ومن أشهر وزراء التفويض في العصر العباسي الأول آل برمك.

ويُعدُّ منصب الوزارة أهم منصب في الدولة العباسية بعد منصب الخلافة  عهد السفاح في عام ( 136هـ/754م) لأخيه أبي جعفر بالخلافة من بعده وقد توفي بالانبار.

 

الخليفة أبو جعفر المنصور

  هو عبدالله بن محمد بن علي العباسي , أبو جعفر المنصور ولد في الحميمة ولما أفضت الخلافة إلى أخيه أبي العباس , كان ساعده الأشد في تدبير أمور الخلافة . اتصف المنصور بالشدة والبأس واليقظة والحزم والصلاح وعرف بالثبات عند الشدائد , ولا شك بأن هذه من بين أبرز الصفات التي كفلت له النجاح .

الاوضاع الداخلية في عهد المنصور

 تولى أبو جعفر المنصور الخلافة, ولم تكن قد توطدت دعائمها بعد. وقد خشي منافسة عمه عبدالله بن علي الذي كان يطلب الخلافة كما انتابه الخوف من تعاظم نفوذ أبي مسلم الخراساني , ومن خروج بني عمه آل علي بن أبي طالب على حكمه.

نهاية أبي مسلم الخراساني

ساهم الفرس الخراسانيون بدور بارز في قيام دولة الخلافة العباسية وعلى رأسهم أبي مسلم الخراساني , آملين تحقيق تطلعاتهم التي يمكن تلخيصها بما يلي :

   أ‌-   الرغبة في التخلص من الحكم الأموي الذي أعطى العنصر العربي ميزه على ما عداه, تجلّت في ميادين الحياة كافة.

      ب‌-      إعادة مجدهم الغابر, وإحياء سلطانهم الفارسي.

وحينما أشتد ساعد دولة الخلافة العباسية , وتوضحت سياستها , لاحظ هؤلاء أن الدولة الجديدة لم تحقق تطلعاتهم بالشكل الذي يريدونه لذلك تغير موقفهم من النظام الجديد.

وكانت حركة أبي مسلم الخراساني فاتحة هذه الحركات المعادية بين القوة الخراسانية المعتدة بقوتها وبين المركزية في سلطان الخلافة.

  ولما تولى المنصور الخلافة , قرر  التخلص منه , فنهج معه أسلوباً سياسياً قائماً على الأسس التالية : 

         أ‌-         ابعاده عن منطقة نفوذه في خراسان.

      ب‌-      أن يلقاه وحيداً مجرداً من النفوذ والسلطان.

      ت‌-      تلطيف الأجواء بينهما حتى يزيل الريبة من قبله.

      ث‌-      جعله قريباً من مركز الخلافة حتى تسهل مراقبته.

حاول ابو مسلم الوصول إلى الخلافة عن طريق العلاقات الاجتماعية , حين خطب لنفسه آمنة بنت علي كما وضع نفسه في المكانة الأولى في الدولة فضلاً عن ادعاء النسب العباسي أما التهم الأخرى التي وجهت إليه فهي :

       أ‌-                                   قتله لسليمان بن كثير نقيب النقباء في خراسان.

ب‌-                                     قتله لعدد من رؤساء القبائل اليمنية.

  ج‌-   قراره بالسير إلى خراسان دون استئذان الخليفة أو أخذ موافقته فقتل في اليوم الخامس والعشرون من ( شهر شعبان عام 137هـ.وظهرت في خراسان بعد مقتله حركات دينية سياسية وقوة غربية عن الإسلام واتخذوا من أبي مسلم رمزاً ووسيلة للتعبير عن معارضتهم للسلطة العباسية ومن هذه الحركات:

الحركة الرواندية التي قامت في عام (141هـ - 758م )

العلاقة مع الطالبيين

  يبدو أن العلاقة بين العباسيين والطالبيين , أثناء فترة الدعوة العباسية حسنة , وعندما انتهت الثورة , بانتقال الخلافة إلى آل العباس  , اعتبر الطالبيون أن العباسيين خدعوهم وحاول العباسيون , من جانبهم , في مستهل حياتهم السياسية , أن يتعاونوا مع الطالبيين لإعطاء دولتهم الناشئة الفرصة لتثبيت أقدامها , ثم بدأ الفريقان في التباعد إلا أن العلاقة تبدلّت بعد ذلك في عهد المنصور فمالت نحو الـتأزم  ثم الاصطدام . والواقع أن أول الخارجين من الطالبيين , على حكم العباسيين , كان محمد عبدالله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية , واخوه إبراهيم ويبدو أن محمداً هذا كان يدعو إلي نفسه , ويتطلع إلى الخلافة قبل وصول العباسيين إلى الحكم , وأضحى له شيعة يدعو ن له في الحجاز والعراق وخراسان ولما تسلم العباسيون السلطة , ولم يرضَ عن ذلك , وامتنع عن مبايعة الخليفة السفاح .ولما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة , امتنع الأخوان محمد وإبراهيم عن مبايعته , وأقاما  في الحجاز .

واعتقد محمد أن ظروف خروجه باتت مواتية بفعل عدة عوامل لعل أهمها:

أ‌-     تضيق العباسيين عليه.

ب‌-    قيام المنصور بصب جام عذابه على اسرته.

ت‌-    كما وصلته رسائل تأيد من أمراء الأقاليم .

ث‌-    اعتراف كثير من الناس بإمامته, وخاصة أهل الحجاز.

ج‌- إلحاح أصحابه عليه بالخروج .

ح‌- تأييد والده له بالخروج.

خ‌- إفتاء الإمام مالك بجواز بيعته .

د‌-    اعتقاده أنه  أضحى أقوى من المنصور .

لذلك أعلن دعوته وظهر في المدينة وتلقب بأمير المؤمنين في حين ذهب أخوه ابراهيم إلى البصرة ليرفع لواء الانتفاضة فيها , وبدأ أنصار الطالبيين يرتدون البياض.

ثم حدثت المعركة الفاصلة بين الطرفين , وانتهت بانتصار الجيش العباسي , ومقتل محمد ذو النفس الزكية.

أما أخوه إبراهيم بن عبدالله فقد استقر في البصرة , بعد أن ترك الحجاز والتف حوله الضعفاء والطبقات الفقيرة والمؤيدين له من الأمويين وتمكن بواسطة هؤلاء جميعاً من أن يسيطر , بسهولة , على البصرة , ودانت له الاهواز, وفارس , والمدائن , ونمت  حركة إبراهيم , وتوافدت الجموع على البصرة لمبايعته , فقويت شوكته ودعى لنفسه بالخلافة , وتسمى  بأمير المؤمنين وبايعه أتباعه على ذلك والواقع أن هذه الحركة تعتبر من اشد الحركات التي واجهت المنصور وأخيراً وقعت المواجهة المسلحة بين الطرفين في باخمرا, وهي قرية قريبة من الكوفة وكادت الهزيمة تلحق بالجيش العباسي , لولا أن تغير وجه المعركة وشن الجيش العباسي هجوماً مضاداً كفل له النصر.

الأوضاع في المغرب

 شهد المغرب , آنذاك ظهور إماراتيين خارجيتين قامتا على أكتاف البربر برئاسة زعماء من العرب , واستقلتا استقلالاً يكاد يكون تاماً أما الإمارة الأولى إمارة سجلماسة . وهي دولة بني مدرار أو بني واصل وتدين بالمذهب الصفري , نشأت في عام (140هـ/757م) في جنوب المغرب الأقصى في المنطقة شبة الصحراوية تعد هذه الإمارة من أبرز إمارات الخوارج المستقلة التي تأسست في عهدة الخليفة المنصور إما الإمارة الثانية فهي الإمارة الإباضية نسبة إلى عبدالله بن إباض المري في المغرب الأوسط عام (144هـ/761م ) اسسها رجل فارسي, هو عبدالرحمن بن رستم  وقد حمل لقب الإمام وكانت عاصمة هذه الإمارة مدينة تاهرت التي بناها المؤسس في عام (150هـ/763م) , وأضحت إفريقية تحت رحمه الخوارج تتبادل فيها السلطان عليها جماعة بعد جماعة مما دفع أهلها للاستغاثة بالخلافة العباسية.

إحياء دولة الخلافة الأموية في الأندلس:

كانت الاندلس الولاية الأشد تأثراً بانتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين فقد عانت من فوضى الصراعات العنصرية والاقليمية خلال مرحلة غياب السلطة المركزية التي استمرت بين عامي (124-138هـ/742-756م),وعندما سقطت الخلافة الاموية على يد العباسيين استطاع النجاة من مطاردة هؤلاء , عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مراوان, فيمم وجهه شطر المغرب.

وهكذا استطاع هذا الأمير الأموي الطريد, أن يحيى, من جديد, دولة الخلافة الأموية التي سقطت في الشرق, وأن يجعل من الأندلس دولة مستقلة, وأول ولاية اقتطعت من الدولة العباسية.

الأوضاع الخارجية في عهد المنصور

العلاقة مع البيزنطيين:

اتسمت الحروب بين المسلمين والبيزنطيين في عهد المنصور بالمهادنة إذ لم تتعد المناوشات الحدودية المحدودة, والواضح ان المنصور اتبع, تجاه الدولة البيزنطية, السياسة التي تتفق مع الوضع الهجومي الذي نفذه الإمبراطور البيزنطي, وهي محاولة إيقاف الهجوم عن طريق إعادة تحصين الثغور وترميم المخربة منها وإعادة بناء المهدمة ثم تنظيم وسائل الدفاع عنها, والجدير بالذكر أن مناطق الثغور كانت تنقسم إلى قسمين:

الأولى: منطقة الثغور الجزرية:

الثانية: منطقة الثغور الشامية:

 لقد حصن المنصور هذه المناطق وخصصها بحكم إداري مستقل, وحشد فيها الآلف من المقاتلين والمرابطين, ومنحهم الإقطاعات والمزارع, وبنى لهم البيوت والاصطبلات, وأنفق عليهم الأموال, ووضع لهم نظاماً عسكرياً ينفذونه.

بناء مدينة بغداد

كان من بين أهم الأعمال التي قام بها الخليفة أبو جعفر المنصور وتركت أثارها في مستقبل دولة الخلافة العباسية, بناؤه مدينة بغداد, وقد ظل العباسيون قبل ذلك, ثلاثة عشر عاماً منذ وصولهم إلى الحكم دون عاصمة لملكهم حتى بنوا بغداد.

  هذا وكانت لدى المنصور من الدوافع السياسية والعسكرية والاقتصادية, والمناخية ما جعله يقدم على بنائها. فمن حيث الدوافع السياسية, فقد تعذر على العباسيين اتخاذ دمشق عاصمة لهم, نظراً لما تكنه من إخلاص لبني أمية.

أما بغداد فكانت مؤسسة جديدة خالصة للعباسيين, وتقع على مقربة من بلاد الفرس, وجاء بناؤها متوافقاً مع رغبة العباسيين في الاحتفاظ بالسلطة, والتخلص من الطالبيين. أما من حيث الدوافع العسكرية, فقد كان مركز دمشق النائي نحو الغرب لا يلائم دولة تمتد أراضيها من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السند.

ويمتاز موقع بغداد, في وادي الرافدين على الضفة الغربية لنهر دجلة في أعلى المكان الذي يلتقي فيه هذا النهر بنهر الصراة, بأنه صلة الوصل بين بلاد الشام وبلاد فارس, كما يمتاز بأهميته الاقتصادية كمركز تجاري لوقوعه على الطرق والممرات المائية والبرية والبحرية المتصلة ببقية أنحاء الدولة.

   إن اسم بغداد مشتق, على الأرجح, من صيغة فارسية مركبة من كلمتين هما باغ وداد, وتعني عطية Q, وذكر المؤرخون, والجغرافيون العرب عدة اشتقاقات لهذا الاسم, وسماها المنصور السلام تيمنا بجنة الخلد. لأن وادي دجلة كان يقال له وادي السلام وكان هذا هو الاسم الرسمي.

شرع المنصور في بناء عاصمته في عام 145هـ وقد استغرق بناؤها أربعة أعوام تقريبا, انتهى في عام 149هـ وقد شيدت مدينة بغداد على شكل حصن كبير, وتألفت من ثلاثة عناصر معمارية هي: التحصينات, الأسوار الخارجية, ثم المنطقة السكنية الداخلية.

وبنى المنصور في عام (151هـ/ 768م) مدينة الرصافة أو بغداد الشرقية لابنه المهدي على الجانب الشرقي من دجلة مقابل مدينة بغداد الغربية, وقد عرفت باسم "عسكر المهدي".

ولاية العهد ووفاة المنصور:

من الأحداث المؤثرة التي وقعت في عهد المنصور خلعه لابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد, وأخذه البيعة لابنه المهدي.

وأسرع المنصور فحمل الناس على بيعة المهدي, ثم توفي المنصور ليلة السبت (لست مضين من ذي الحجة عام 158هت) وكان يشكو من عسر الهضم, فخرج لأداء فريضة الحج, وعانى أثناء الطريق, من الآلام الموجعة فمات رحمه الله.

الخليفة محمد المهدي

هو محمد بن عبد Q بن محمد بن علي بن عبد Q بن عباس, أبو عبد Q المهدي. ولد بالحميمة ونشأ في بيت الخلافة فمال إلى العلم والأدب بويع له بالخلافة بعد وفاة المنصور.

الأوضاع الداخلية في عهد المهدي

 تعتبر خلافة المهدي, التي استمرت زهاء عشرة أعوام, فترة انتقال بين عهد الشدة والقمع الذي ساد عهد من سبقه من خلفاء بني العباس, وعهد الاعتدال واللين الذي امتازت به أيامه وأيام من أتى بعده. وامتاز عهده بالهدوء الداخلي.

واهتم بشؤون التجارة فأنشأ شبكة من الطرق التجارية جعلت من بغداد مركزا تجاريا عالميا, وغدت الموسيقى والشعر والحكمة والأدب من مميزات هذا العصر. فهو أول الخلفاء العباسيين الذين جلسوا للمظالم.

الحركات المعادية للعباسيين في عهد المهدي:

حركات الزنادقة:

انتشرت في المجتمع الإسلامي منذ العهد الأموي ظاهرة الزندقة, والواقع أن كلمة الزندقة أطلقت في الأصل على اتباع الديانات المجوسية, كالزرادشتية والمانوية, ثم تدرجت فشملت الملحدين والمتشككين في الدين ثم اتسع هذا اللفظ ليشمل الشعوبية, وأصبح لهذا الاصطلاح, بعد ذلك دلالات دينية  سياسية عامة.

والحقيقة أن الزندقة حركة سياسية مغلفة بإطار فكري ديني منظم, ينادي اتباعها بنشر مذهب المانوية بكل ما يحويه من عقيدة دينية وتراث فكري, باعتباره بديلا عن التراث الإسلامي ـ العربي.

وكانت الزندقة في ناحية من نواحيها, ثورة مجوسية ترمي إلى هدم الدولة الإسلامية من أساسها, وإقامة الدولة الفارسية مكانها.

ومن الواضح بأن الزندقة, التي يرتكز عليه بحثنا, هي الحركة المانوية التي تجدد انتعاشها بعد الفتح الإسلامي في العراق والأقاليم الفارسية, وكان سبب انتشار هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي إبان العصر العباسي, الحرية الدينية التي تمتع بها أصحاب الديانات بعد الفتح, مما أدى إلى نوع من صراع الأفكار والآراء في المجتمع كانت نتيجته ظهور جماعات من المفكرين الفرس أخذوا يروجون للحضارة الساسانية ومثلها, ويدعون إلى تطبيق نظمها وقيمها في المجتمع. وخاصة وأن هؤلاء شعروا أن انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين لم يحقق أهدافهم المتمثلة في إقامة حكومة فارسية في مظهرها وحقيقتها, وفي سلطتها ولغتها ومعتقدها الديني, فأخذوا يعملون على نشر دين المانوية داخل المجتمع الإسلامي وإحياء التراث المانوي ـ الفارسي القديم, عن طريق نشر الكتب القديمة وتعريبها عن الفارسية.

أدرك الخلفاء العباسيون مدى الخطر الذي يحدق بدينهم وبدولتهم نتيجة انتشار أفكار ومبادئ الزندقة, فهبوا للقضاء على هذه الدعوة المنحرفة. وفعلا اهتم الخليفة المهدي بأمر الزنادقة, فتتبعهم في سائر الآفاق من خلال حملات منظمة, وأنشأ ديوانا خاصا بهم سماه "ديوان الزنادقة".

ومما لاشك فيه بأن المهدي كان مدفوعا في ملاحقته للزنادقة بعاملين:

الأول: ديني بفعل أن مبادئهم القائمة على الثنوية تبطل التكاليف الشرعية, وأن تأويلهم لنصوص القرآن والحديث يخالف المعنى الطبيعي.

الثاني: سياسي, بفعل تطور العلاقات بين العباسيين وبين العناصر الفارسية المتطرفة واتجاهها نحو التأزم.

ولاية العهد ووفاة المهدي:

خلع المهدي عيسى بن موسى من ولاية العهد وعهد إلى ولديه موسى الهادي ثم هارون الرشيد على التوالي.

 

 

الخليفة ابو محمد الهادي:

هو موسى الهادي بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس, وأمه أم ولد تدعى الخيزران.

الأوضاع الداخلية في عهد الهادي:

العلاقة مع الطالبيين:

لم تستمر السياسة السلمية التي انتهجها المهدي مع الطالبيين طويلا, فقد شدد الهادي على الطالبيين وقسا عليهم, فقطع الصلات والأرزاق عنهم, وراح يتجسس عليهم, وأمر ولاته بمراقبة تحركاتهم والتضييق عليهم.

فأضحى الطالبيون في الحجاز في وضع سيء, فاتجهوا إلى كبيرهم وشيخهم الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب, وحثوه على الخروج للخلاص مما هم فيه من الشدة والرعب.

وأعلن موعد الخروج في فجر يوم (الثالث عشر من شهر ذي القعدة عام 169هـ) فاستولى على المدينة واتخذ من المسجد النبوي قاعدة انطلاق فبايعه بعض أهلها.

ثم قصد مكة ليستولي عليها, وعسكر في وادي فخ, وهو أحد ضواحيها, لكن المكيين لم يتجاوبوا مع دعوته في هذا الوقت, وصل إلى المنطقة جيش عباسي, هاجم معسكره في فخ في الثامن من شهر ذي الحجة وقضى على الحسين وأتباعه وسمي الحسين بـ "قتيل فخ" أو "صاحب فخ".

التنكيل بالزنادقة:

ورث الهادي عن أبيه كراهيته للزنادقة, واقتدى بسياسته في تتبعهم والتنكيل بهم.

ولاية العهد ووفاة الهادي:

عزم الهادي على خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد, والبيعة لابنه جعفر, فحاول إقناعه حتى يخلع نفسه, وكاد أن يفعل لولا أن ثبته يحيى بن خالد البرمكي, عندئذ لجأ الهادي إلى استعمال أسلوب الشدة والمضايقة مما دفع هارون إلى الابتعاد عن العاصمة هربا, وظل بعيدا عنها حتى توفي الهادي. وبويع له ولم تطل خلافة الهادي, حيث توفي في بغداد عام (170هـ).

الخليفة ابو جعفر هارون الرشيد:

هو هارون الرشيد, أمير المؤمنين ابن المهدي, القرشي الهاشمي أبو جعفر وأمه الخيزران. بويع له بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي بعهد من أبيه المهدي وعمره خمسة وعشرين عاما.

يعتبر الرشيد من أوسع الخلفاء العباسيين شهرة, وقد تجاوزت شهرته الشرق ووصلت إلى الغرب.

كان الرشيد متدينا, ورعا, محافظا على التكاليف الشرعية, متمسكا بنصوص الكتاب والسنة, كان يحج إن لم يغز, فهو بين حج وغزو طيلة حياته, يحب الشعر والأدب والفقه, قرب الشعراء والمغنيين والأدباء والفقهاء وأكرمهم وشجع حركة التعريب.

فقد كان عصره عصر بذخ وإمعان في الحضارة بما توفر من موارد وأموال وتقدم علمي وفلسفي, وتربى في بيئة مترفة ونشأ نشأة جهادية قيادية.

يعتبر عصر هارون الرشيد, العصر الذهبي لدولة الخلافة العباسية. فقد بلغت في عهده درجة لم تصل إليها من قبل, فأصبحت مركز التجارة العالمية, وكعبة رجال العلم والأدب, أما شخصيته فتمثل تاريخ عصر أكثر مما تمثل تاريخ إنسان.

الأوضاع الداخلية في عهد الرشيد:

العلاقة مع الطالبيين:

أراد الرشيد, في مستهل حكمه, أن يستميل الطالبيين عن طريق الرفق بهم بعد سياسة الهادي العنيفة تجاههم, فمال إلى التساهل والتعاطف معهم.

       لكن الطالبيين لم يعدلوا اعتقادهم الراسخ بأحقيتهم بالخلافة ومن أجل ذلك لم يدم الصفاء بين الجانبين العباسي والعلوي, وعاد الصراع عنيفا بينهما.

كانت موقعة فخ بعيدة الأثر, فقد نجا منها اثنان من زعماء الطالبيين هما إدريس بن عبد Q بن الحسن وقد ذهب إلى إفريقية, وأخوه يحيى الذي يمم وجهه شطر بلاد الديلم في المشرق.

أما إدريس فقد استقر في إقليم طنجة بالمغرب الأقصى, وأقام لنفسه دولة مستقلة هي دولة الأدارسة, وهي أول دولة طالبية تنفصل عن جسم الخلافة.

هددت هذه الدولة النفوذ العباسي في شمالي إفريقية, لذلك قرر الرشيد القضاء عليها.

ولما ازداد خطر هذه الدولة, أقطع الرشيد إبراهيم بن الا غلب ولاية إفريقية ليقف في وجهها.

وأما يحيى, فقد اشتدت شوكته في بلاد الديلم, وقوى أمره بما التف حوله من الأتباع, ثم أعلن خروجه في عام (176هـ/ 792م) فهدد سلامة الدولة.

واستقر رأي الخليفة على القضاء على حركته, فقبض عليه وسجنه ثم قتله.

أما الشخصية الأخرى التي قضت في عهد الرشيد, فهو الإمام موسى الكاظم بن جعفر

 

حركة الخوارج

هم الخوارج الذين نشطوا في عهد الرشيد في منطقة الجزيرة اعتبارا من عام (178هـ/ 794م) بقيادة طريف الشاري وبسطوا هيمنة فعلية على أرمينيا وأذربيجان فأهتم الرشيد بأمرهم وقضى عليهم.

الاضطرابات في إفريقية:

سادت الاضطرابات في إفريقية اعتبارا من عام (171هـ/ 787م) بفعل خروج الخوارج وقادة الجند والبربر, فأرسل الرشيد هرثمة بن أعين واليا على إفريقية فنجح في مهمته ودخل القيروان وأمّن الناس.

ويبدو أن الخلافات بين الفئات الإسلامية المتعددة كانت واسعة فتجددت القلاقل, ولم يتمكن هرثمة من رأب الصدع. فاستغل إبراهيم بن الأغلب هذه الأوضاع القلقة, وطلب من الخليفة توليته على إفريقية ونجح إبراهيم في تحقيق الاستقرار وازدهرت إفريقية في عهده وشهدت حركة عمرانية واسعة ونشاطا اقتصاديا كبيرا.

نكبة البرامكة:

هم أسر فارسية من أشهرها أسرة البرامكة وأسرة آل سهل والأسرة الطاهرية.

تنتسب أسرة البرامكة الفارسية العريقة إلى جدها برمك وبرز من هذه الأسرة في أوائل عهد دولة الخلافة العباسية, خالد بن برمك من خلال مقدرته الإدارية والمالية, ورجاحة عقله.

أنجب خالد رجلا يعتبر واسطة عقد الأسرة البرمكية هو يحيى, وقد ارتبط تاريخه بتاريخ هارون الرشيط وقد أدى دورا بارزا في تأمين ولاية العهد له.

ولما بويع الرشيد بالخلافة حفظ ليحيى فضله, فقلده وزارة التفويض, ومنحه سلطات مطلقة, فكانت الدواوين كلها بيده, واجتمعت له الوزارتان كما خصه بامتيازات جديدة, فهو أول من أمّر الوزراء.

واستطاع يحيى بمساعدة ولديه الفضل وجعفر إدارة دولة الخلافة العباسية مدة سبعة عشر عاما. محققا بذلك نظرية المشاركة الكاملة في الحكم, وتعتبر هذه الفترة بحق, فترة تألق البرامكة وعصرهم الذهبي.

وقد تميز الوجود السياسي للبرامكة بثلاث مميزات هي:

أولا: لقد عمرت هذه الأسرة طويلا.

ثانيا: التطور السياسي لهذه الأسرة الذي يبدو أنه مدروس ومخطط له. كالتدخل في رسم سياسة الدولة.

ثالثا: الاستمرارية في العلاقات الجيدة مع الخلفاء.

اختلف المؤرخون في تحديد أسباب نكبة البرامكة والراجح أن هذه الأسباب تعود إلى دافعين رئيسيين, سياسي ومالي:

فمن حيث الدافع السياسي, فقد اتضح للرشيد بعد مضي بضع سنين أن البرامكة أضحوا يشكلون خطرا فعليا على دولته, بفعل عدة عوامل لعل أبرزها ميلهم إلى الطالبيين وميولهم العنصرية.

ومن حيث الدافع المالي فقد استبد البرامكة بمالية الدولة, كما أن الوشاية قد أدت دورا آخر في التأثير على الرشيد للإيقاع بهم, إذ حاول خصومهم انتهاز كل فرصة لإيغار صدره عليهم, وإثارة شكوكه في تصرفاتهم ولذا أمر بسجنهم وقتلهم.

هكذا كانت نهاية البرامكة, وهي رمز للتضارب بين سلطة الوزراء, وسلطة الخلفاء.

 

العلاقات الخارجية في عهد الرشيد

العلاقة مع البيزنطيين:

استمر الصراع بين المسلمين والبيزنطيين في عهد الرشيد, ورغم ان الغزوات انتهت دون أن تغير من أوضاع الجانبيين, إلا أن الصدامات أظهرت تفوق المسلمين العسكري.

وجه الرشيد اهتمامه, فور اعتلائه منصب الخلافة, إلى تحصين المناطق الحدودية المتاخمة لبلاد البيزنطيين وتقويه الجيش العباسي المرابط فيها وقد حرص على الجمع بين سياستين متوازيتين, هجومية ودفاعية, فأنشأ مناطق على الحدود داخل وحدات إدارية تتمتع بحرية ذاتية في تسيير شؤونها, ووضع لمنطقة الحدود نظامين:

الأول: النظام الأمامي, ويضم ثغور الجزيرة والشام.

الثاني: النظام الخلفي, ويضم الأقاليم الخلفية والحصون الجنوبية وسماها العواصم وتمتد من أنطاكية إلى الفرات.

أما مهمتها فهي مساندة مناطق الثغور, وإمدادها بالعتاد والرجال والمؤن.

وأنشأ البيزنطيون من جانبهم خطا دفاعيا لمواجهة الثغور الإسلامية, وينقسم إلى قسمين:

الأول: مخصص لمواجهة نشاط المسلمين من جهة شمالي العراق.

الثاني: مخصص لمواجهة نشاط المسلمين من جهة بلاد الشام.

بعد الانتهاء من إنجازات التحصين والدعم, ابتدأت الصدامات العسكرية المتبادلة فنشطت حركة الصوائف.

وقفت الإمبراطورة إيرين عاجزة أمام انتصارات المسلمين فمالت إلى الصلح الذي تحقق عام (183هـ/ 799م) وتقرر بموجبه:

  • تبادل الأسرى.
  • تدفع إيرين جزية سنوية.
  • تستمر الهدنة مدة أربعة أعوام.

استمرت الهدنة حتى عام (187هـ/ 803م) فخُلعت ايرين عن العرش, واعتلى نقفور الأول العرش البيزنطي, فرفض الاستمرار في دفع الجزية وطالب بإعادة ما دفعته الإمبراطورة السابقة بحجة أنها لم تفعل ذلك إلا لضعف النساء.

وجاء الرد على هذا التصرف سريعا, ووجد نقفور نفسه عاجزا عن التصدي له, فاضطر إلى عرض الصلح والموادعة على خراج يؤديه كل عام.

ويبدو أن نقفور أساء تقدير الموقف العسكري فنقض العهد واستولى على طرسوس ولم يتمكن المسلمون من صده, نظرا لانهماك الخليفة بقمع الحركات الداخلية المناهضة, فقاد حملة ضخمة عبر بها الحدود وتوغل بعيدا داخل الأملاك البيزنطية, وشعر نقفور بعجزه عن صد المسلمين أو تخفيف ضغطهم على أراضيه, وأخذ يبحث عن وسيلة للخروج من هذا المأزق, ولم تكن هذه الوسيلة سوى الصلح, فاتصل بالرشيد وعرض عليه السلام.

وقد قبل الرشيد عقد معاهدة صلح معه تضمن البنود التالية:

  • يلتزم نقفور بدفع الخراج والجزية بمقدار ثلاثمائة ألف دينار سنويا.
  • يمتنع عن إعادة بناء أو ترميم الحصون التي هدمها المسلمون مثل: هرقلة وأنقرة ودبسة والصفصاف.
  • تعهد الرشيد من جانبه بعدم تخريب الحصون.
  • يرد للبيزنطيين معسكراتهم التي كانت في حوزته.
  • تستمر الهدنة مدة ثلاثة سنوات.

العلاقة مع الفرنجة:

شهد العالم الإسلامي, في عصر الرشيد وجود دولتين إسلاميتين كبيرتين هما:

دولة الخلافة العباسية في المشرق, والدولة الأموية في الأندلس, وانقسم العالم المسيحي كذلك إلى دولتين كبيرتين هما: الدولة البيزنطية في الشرق, ودولة الفرنجة الكارولنجية في الغرب, فتقاربت الخلافة العباسية مع الفرنجة, وتقاربت بيزنطية مع الأمويين في الأندلس.

 وشهدت العلاقات بين الدولتين الفرنجية والأموية حالة من التوتر والعداء بفعل تجاورهما واتجاهات المسلمين للتوسع نحو الشمال من جهة, ومحاولة الكارولينجيين السيطرة على أوروبا ووراثة الإمبراطورية الرومانية من جهة أخرى.

أما فيما يتعلق بالعلاقات بين الفرنجة والعباسيين, فقد كانت بعيدة مما أتاح فرصة ملائمة لقيام علاقات سياسية بين الجانبين.

  

أما فيما يتعلق بالدوافع التي أدت إلى قيام العلاقات بين الجانبين فهي:

دوافع الرشيد:

  • إن الخصومة التقليدية بين المسلمين والبيزنطيين دفعت الخلية العباسي إلى القضاء على نفوذهم المعنوي بين مسيحيي الشرق عن طريق تقوية صلاته بالغرب.
  • عداء الخليفة العباسي للأمويين في الأندلس, ورغبته في إعادة هذه البلاد إلى كنف الخلافة العباسية.

دوافع شارلمان:

  • رغبة الملك الفرنجي في السيطرة على أوروبا, بما فيها الأندلس.
  • الخلاف بينه وبين الإمبراطور البيزنطي حول وراثة تاج الدولة الرومانية.
  • رغبته في إعطاء تسهيلات لرعاياه الراغبين بالحج للأماكن المقدسة.
  • العداء بين البابا, حليف شارلمان, وبطريرك القسطنطينية وتنافسهما حول السيادة الروحية على العالم المسيحي.

لكن الحقائق التاريخية تنفي أي احتمال لقيام مثل هذا التحالف السياسي بين العاهلين, بدليل:

1.  لم يكن الرشيد بحاجة إلى مساندة الغرب في صراعه مع البيزنطيين لأنه كان المنتصر عليهم, وذهب بعيدا في تأكيد انتصاره حين فرض الجزية عليهم.

2.  لا يوجد أي دليل على أن مسيحي الشرق كانوا يشكلون خطرا على سلامة الدولة الإسلامية في عهد الرشيد, وقد عامل الخلفاء العباسيون في العصر العباسي الأول, النصارى من رعايا دولتهم وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية في معاملة أهل الذمة, وقد بلغ بعضهم مكانة رفيعة في قصور الخلافة وتبوأ بعضهم مناصب إدارية في الإدارة العباسية.

3.  لم تشر المصادر الشرقية إسلامية كانت أم مسيحية إلى هذه السفارات.

والراجح احتمال وجود نوع من العلاقات التجارية والسياسية, وأن المسؤول عنها هم التجار اليهود الذين كانوا حلقة الوصل بين الشرق والغرب.

ولاية العهد ووفاة الرشيد:

اختار الرشيد في عام (175هـ/ 791م) ابنه محمد الأمين وليا للعهد وفضّله على أخيه الأكبر عبدالله المأمون بتأثير من زوجته زبيدة وفي عام 183هـ بايع الرشيد لابنه عبدالله المأمون بولاءة العهد بعد الأمين, وهكذا وقع الرشيد في خطأ أسلافه, بفعل خشيته على الحكم من بعده.

خرج الرشيد من بغداد في عام 193هـ ولما وصل إلى طوس في شهر 2 توفي ليلة السبت لثلاث خلون من شهر جمادي الآخرة 193هـ.

الخليفة أبو موسى محمد الأمين

هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور, أبو موسى الهاشمي العباسي وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور. ولد بالرصافة عام 170هـ.

أسباب النزاع بين الأمين والمأمون:

ترجع جذور النزاع بين الأخوين الأمين والمأمون إلى ثلاثة أسباب هي: مشكلة ولاية العهد ـ الصراع العنصري العربي والفارسي ـ أطماع الحاشية.

 

 مشكلة ولاية العهد:

  • محاولته, في بادئ الأمر بسط نفوذه على ولايات أخويه ثم تقديم ابنه موسى عليهما في البيعة.
  • تصريحات الأمين حين عزم على خلع المأمون ومبايعة ابنه موسى.

مراحل النزاع بين الأمين والمأمون:

    مّر النزاع بين الأمين والمأمون بمرحلتين: مرحلة المفاوضات السلمية ومرحلة الحسم العسكري التي انتهت بمقتل الأمين.

مرحلة المفاوضات:

اتخذ النزاع, في بادئ الأمر شكل سفارات ومراسلات, متبادلة بين الأخوين حول قضية ولاية العهد, والصلاحيات الخاصة بالخليفة لكل ما لبث أن اشتد التوتر بين الأخوين وأغلقت الحدود بينهما, وأوشكت دولة الخلافة العباسية أن تنقسم إلى قسمين ينازع كل منهما الآخر, القسم الغربي حيث مدينة بغداد وعلى رأسه الأمين تسانده العرب والقسم الشرقي أي خراسان والولايات الشرقية حيث يقيم المأمون في مدينة مرو بمساندة الفرس وعلى رأس قواته طاهر بن الحسين.

وتفاقم النزاع, بمرور الأيام وفشل الأمين في حمل أخيه المأمون على التنازل عن ولاية العهد لصالح ابنه موسى.

مرحلة الحسم العسكري:

سير الأمين جيشا, تقدم إلى الري حيث كان جيش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين والتحم الجيشان في رحى معركة قاسية أسفرت عن انتصار جيش المأمون.

ووقعت المعركة الثانية بين القوتين في همذان, انتصر فيها جيش المأمون أيضا.

ونتيجة لضغط الحصار خارت قوة الأمين, وانتهت المقاومة ودخل طاهر بن حسين المدينة عنوة, ثم اقتحم عليه عدد من الجنود الخراسانية سجنه وقتلوه عام  (198هـ), وسيطر طاهر على بغداد وأمن أهلها, وانتهت بذلك خلافة الأمين.

الخليفة أبو جعفر عبدالله المأمون

هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد القرشي الهاشمي, أبو جعفر أمير المؤمنين.

الأوضاع الداخلية في عهد المأمون

الأوضاع في بغداد:

أراد الفضل بن سهل أن يقطف ثمار انتصاره, فنصح الخليفة بإحداث تغييرات في الإدارة تتماشى مع الوضع الجديد.

استجاب المأمون لنصيحة وزيره, وأراد أن يكافئه, فخلع عليه لقبا جديدا هو "ذوالرئاستين" أي رئاسة السيف ورئاسة القلم, وإلى جانب هذه الخاصية, تمتع الفضل بخاصية الإمرة, وهو أول وزير لقّب وأول وزير اجتمع له اللقب والتأمير, وكان يقال له "الوزير الأمير".

سبب هذا التصرف من جانب المأمون سخط العناصر العربية, وضجر الناس من هذا النزاع وما أفرزه ومما زاد الأمر تعقيدا وخطورة كف يد طاهر القوية عن العراق, وميل المأمون إلى الطالبيين وقد ظهر ذلك بصورة فجائية ولأول مرة وتمثل في البيعة لعلي الرضا وهكذا نشبت الحرب الأهلية.

البيعة لعلي الرضا:

حدث أثناء إقامة المأمون في مرو, أن مال إلى الطالبيين, وطرح السواد شعار العباسيين, وصاهر علي بن موسى بن جعفر ثم ولاه عهده في شهر 9 عام 201هـ وسماه الرضا, إذ كان رضيا عند أمير المؤمنين. لكن هذه البيعة لم تمر دون أن تخلف أثرا, حيث تربى المأمون في بيئة فارسية بفعل هوية والدته الفارسية, تؤمن بأحقية علي بن أبي طالب, وأولاده بمن بعده, بالخلافة وارتبط ارتباطا وثيقا بخراسان, فأظهر التشيع ومال إلى العلويين.

وأما من حيث النتائج, فلعل أبرزها انتقال الخلافة الإسلامية من البيت العباسي إلى البيت العلوي.

أحداث العودة إلى بغداد:

أدرك المأمون, بعد أن أطلعه علي الرضا على الأوضاع المتردية أن بغداد لا تستطيع أن تعيش بدون خليفة, بالإضافة إلى خطر الاضطرابات التي نشبت في مصر والجزيرة, ينذر بخطر حرب أهلية جديدة بين أفراد الأسرة العباسية, وأن سياسة الفضل بن سهل سوف تؤدي إلى ضياع ملكه, كما بدأت تظهر في الشمال حركات مذهبية قائمة على تعاليم أبي مسلم انتشرت في أذربيجان بفعل ظهور بابك الخرمي.

وهذا يعني زوال الصبغة الفارسية والعودة إلى الأصول العربية.

ولم يكد المأمون يبدأ رحلته إلى بغداد حتى دبر مقتل الفضل بن سهل ولما وصل إلى طوس توفي علي الرضا فجأة في أوائل عام 203هـ ثم حدث أن واصل المأمون رحلته فوصل إلى همذان, ولم يكد يقترب من بغداد حتى سارع أهلها إلى خلع إبراهيم بن المهدي وبايعوا المأمون, ودخل المأمون بغداد يوم السبت (لأربع عشر بقين من شهر 2 عام 204هـ).

 

الحركات المناهضة للدولة

حركة الزط:

   قام الزط بانتفاضة عاتية في جنوبي العراق بنواحي البصرة, وهم قوم من أخلاط الناس المعروفين بالنور, أصلهم من هنود آسيا استقروا في البطائح بين واسط والبصرة وقوي أمرهم في فترة النزاع بين الأمين والمأمون  وقطعوا الاتصالات بين البصرة وبغداد, وازدادت سطوتهم في عهد المأمون.

وظل الزط شوكة في جنب الدولة العباسية إلى أيام المعتصم الذي سيقضي على حركتهم وينفيهم إلى عين زربة في منطقة الثغور الإسلامية.

حركة بابك الخرمي:

هي أخطر حركة دينية المظهر, سياسية الهدف, عرفتها دولة الخلافة العباسية منذ قيامها, وتتميز بسعة انتشارها, وبتنظيم دعايتها, وببراعة قيادتها, وباتصالها بغير الفرس.

اعتنق بابك مبادئ الخرمية على يد جاويدان. ثم أخذ ينمي حركته وينظمها في محاولة لتقوية قبضته للوصول إلى تحقيق غاياته السياسية والدينية, فالبابكية طائفة من الخرمية تبع أتباعها بابك, وهذا دليل على أن بابك وأتباعه كانوا ضد سلطة العرب السياسية, وضد الدين الإسلامي فمن الناحية الدينية فقد اعتقد البابكيون بمبدأ التناسخ والرجعة وقالوا بالاشتراكية والإباحية, وعليه تكون الأفكار البابكية منافية لمبادئ الدين الإسلامي.

ومن الناحية العنصرية, فإن حركة بابك هي تعبير عن تنفيس الكراهية التي كانت تمتلئ بها نفوس أقوام من الفرس ضد الدين الإسلامي وضد العرب الذين أزالوا دولتهم. وربط بابك نفسه بأبي مسلم الخراساني, فادعى أنه من نسل ابنته فاطمة, مما يدل على النزعة الفارسية القديمة.

اتسم بابك بالبراعة السياسية, حين انتهز الظروف الصعبة التي كانت تمر بها دولة الخلافة العباسية نتيجة نزاع بين الأمين والمأمون, فأعلن حركته المعادية في الأقاليم الشمالية, وهي مناطق بعيدة عن سيطرة الدولة, وكانت جبال أذربيجان وأزّان مهد هذه الحركة ومركزها البذ.

وصادفت دعوته نجاحا ملفتا في منطقة الجبال وهمذان وغيرها واستمر بابك في نجاح مطرد بفعل غياب القوة العباسية المنهمكة بالنزاعات الداخلية, وبإخماد الحركات المعادية في مصر وبلاد الشام والعراق, وبالحرب مع البيزنطيين, فكانت هذه الأوضاع عاملا مساعدا في نجاحها العسكري.

واتبع بابك سياسة عسكرية قائمة على هدم الحصون وتخريبها, كما ركز جهوده على قطع خطوط تموينهم, ونهب قوافلهم, واشتهر أتباعه الجبليون بمعرفة الطرق والمسالك الجبلية, ونتيجة لانتصاراته المتلاحقة, أضحى بابك يشكل قوة خطيرة ضد الدولة العباسية وتوفي المأمون عام 218هـ وبابك في أوج قوته.

العلم في عهد المأمون:

 يعتبر عهد هذا الخليفة من أرقى العهود العلمية حيث وصلت الجهود الثقافية إلى الذروة, وذلك بفعل عدة أسباب لعل أبرزها:

  • أن المأمون أولع منذ صغره, بالقراءة فدرس العلم والفقه وكان محبا للعلم شغوفا بالازدياد منه.
  • شهد عصر المأمون نهضة علمية بفعل انكباب الناس على البحث العلمي والإقبال على المعارف القديمة, وازدياد عدد العلماء في الأمصار.
  • لقد ساعد نمو العلاقات بين الدول, آنذاك بالإضافة إلى المبادلات التجارية؛ على ازدهار حركة التعريب.
  • عمدت الدولة العباسية منذ عهد المنصور, إلى عقد الصفقات التجارية الخاصة بشراء الكتب والحصول عليها, وازدادت هذه الظاهرة في عهد المأمون فكان على اتصال دائم بالامبراطور البيزنطي وجرى إرسال البعثات إلى بلاد البيزنطيين لاختيار الكتب العلمية القديمة المخزونة والمدخرة فيها.
  • لم تعد حركة التعريب حركة فردية إنما أضحت رسمية تعنى بها الدولة وتشجعها وتساعدها وتنفق عليها الأموال.

والواقع أنه قدر للمأمون أن يخدم الثقافة الإسلامية فأرسل بعثات علمية, للبحث عن الكتب اليونانية, ونقلها إلى بيت الحكمة الذي أنشأه عام 215هـ/ 830م ويعتبر هذا البيت بمثابة معهد علمي يضم مكتبة لنسخ الكتب الأجنبية ودارا لتعريبها وتدريسها, ويحتوي على مرصد فلكي, فحوى هذا البيت تراث الثقافة الإسلامية إلى جانب تراث الثقافة الأجنبية.

تأثر الفكر الإسلامي, في عصر المأمون, بثلاثة موارد. فقد تأثر بالثقافة الإغريقية والهيللينية شكلا وموضوعا, وتأثر الفكر الإسلامي بالثقافة الهندية عن طريق الفتح والتجارة وانتقل من خلال انتقال الهنود إلى مختلف الأمصار الإسلامية, حاملين معهم أفكارهم, وثقافتهم كما تسربت بعض الأفكار الهندية عن طريق الفرس.

كما تركت الثقافة الفارسية أثرا في اللغة العربية والأدب العربي بشكل خاص وعكف المعربون في عصر المأمون على تعريب أمهات الكتب من اللغات اليونانية والسريانية وغيرها, وبرز منهم في بيت الحكمة حنين بن إسحاق.

 

وفاة المأمون: عهد المأمون قبل وفاته إلى أخيه المعتصم, وتوفي في البدندون وهو يغزو بلاد البيزنطيين.

الخليفة ابو اسحاق محمد المعتصم

هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي, يقال له "المثمن" لأنه ثامن ولد العباس وثامن الخلفاء من ذريته ومنها أنه تمكن من إحراز ثماني فتوحات, وأقام في الخلافة ثماني سنوات, وثمانية أشهر وثمانية أيام, وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في 8 وهو الشهر الثامن من السنة وأنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات, بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس.

حكم المعتصم الدولة العباسية حكما استبداديا, أولع بالعمارة والزراعة وكرس وقته لتشييد القصور وتخطيط الحدائق والبساتين.

الأوضاع الداخلية في عهد المعتصم

حركة الزط:

من المصاعب التي واجهت المعتصم وأثقلت كاهله أثناء خلافته, حركة الزط الذين تمكنوا من السيطرة على طريق البصرة, وهددوا مرافق الدولة, وفرضوا المكوس على السفن, وحالوا دون وصول الإمدادات إلى بغداد, فشدد عليهم أحد قواده حتى طلبوا الأمان فنفاهم الخليفة إلى عين زربة.

القضاء على حركة بابك:صعد المعتصم حربه ضد البابكية حتى قضى على حركتهم في عام 223هـ/ 838م فقد ركز جهوده وأرسل الحملة تلو الحملة ضده, فقد تفاقم خطر بابك بعد أن دخلت أذربيجان في حوزته, فنشر الرعب في المنطقة الممتدة حتى إيران.

وعين المعتصم في عام 220هـ/ 835م أعظم قادته وهو الأفشين حيدر بن كاوس أميرا على الجبال. وكان المعتصم يمده بالإمدادات والمؤن.

وبذلك أضحى للمسلمين سلسلة من الحصون المتماسكة في مواجهة بابك.

ولجأ الأفشين إلى استعمال الأسلوب التجسسي كي يضعف خصمه ويطلع على خططه, هرب بابك وسلمه أحد الأشخاص إلى الأفشين.

وجيء ببابك إلى سامراء وطافوا به في شوارعها وأخيرا قطعوا رأسه وأرسله الخليفة إلى بغداد حيث عرض على الناس وانتهت ثورته.

حركة المازيار:

ما كادت الخلافة العباسية تتخلص من الأخطار التي كانت تمثلها حركة بابك الخرمي في المناطق الواقعة إلى الغرب من بحر قزوين, حتى واجهتها حركة فارسية أخرى, تمثلت في حركة المازيار بن قارن آخر الأمراء القاريانيين بطبرستان, الذي اتخذ من موطنه مسرحا لنشاطه الثوري المعادي للدولة.

اعتنق المازيار الإسلام وتسمى باسم محمد وولاه المأمون على طبرستان.

فأراد الانفصال عن جسم الدولة فاستغل الخصومة بين الطاهريين, الذين كان يكرههم وبين الأفشين الطامع في ولاية خراسان وكان هذا الأخير قد كاتب المازيار وشجعه على إعلان العصيان على حكمهم.

و اعترف المازيار بأن الأفشين حرضه على الخروج والعصيان لمذهب اجتمعوا عليه, ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس, كما كان المازيار يكاتب بابك, ويعرض عليه المساعدة, والراجح أنه كان على مذهب الخرمية, ذلك المذهب الذي أضحى يمثل ثورة الوعي الفارسي ضد سلطان العباسيين وضد المجتمع الذي أقاموه, وأن الدوافع التي حركت بابك هي التي حملته على العصيان, و كانت مزيجا من الدوافع السياسية والعنصرية والدينية.

والواقع أن هذه الحركة ولدت ميتة, ذلك أن توقيت إعلانها لم يكن مناسبا, فقد كانت دولة الخلافة العباسية آنذاك في وضع مستقر, وعلى درجة عالية من القوة, وبالتالي فإن القضاء على حركة المازيار لم يكلفها الكثير من الجهد, أما أنها نهاية المازيار فقد كانت شبيهة بنهاية بابك حيث قتله الخليفة ثم صلبه إلى جانب بابك.

ظهور العنصر التركي:

بويع للمعتصم بالخلافة في ظل ظروف من الصراع العنيف بين العرب من ناحية والفرس من ناحية أخرى.

فقد ساءت العلاقات بين العباسيين والخراسانيين منذ انتقال المأمون من مرو ولم يركن المعتصم العربي, ولم يثق بالعرب, نظراً لكثرة تقلبهم, واضطرابهم وقيامهم ضد الخلفاء, بالإضافة إلى أن هؤلاء فقدوا كثيراً من مقومات قوتهم السياسية والعسكرية.

حملت هذه المعطيات المعتصم على أن يوكل أمر سلامته الشخصية إلى فرقة من العنصر التركي, وقد توافقت طباعه النفسية وصفاته الجسدية ومتانة الجسم, مع صفات أخواله الأتراك كأمة عنيفة محاربة.

وأصبح الحرس التركي يمثل دعامة من دعائم الخلافة أيام حكمه. والواقع أن الأتراك قد دخلوا في صميم الحياة الإسلامية منذ العهد العباسي وبدأ عددهم يتزايد منذ عهد المأمون الذي استخدمهم في الجيش, ليحقق نوعا من التوازن بين العنصرين العربي والفارسي.

وتلقف المعتصم هذه العصبية الجديدة النامية لاستغلال مواهبها العسكرية للحفاظ على دولته, والإبقاء على خلافته, في ظل الصراع العربي ـ الفارسي.

أما مصادر هؤلاء الأتراك, فقد جلبهم المعتصم من أقاليم ما وراء النهر, مثل فرغانة والشاش وأشروسنة وخوارزم, وكان ذلك إما عن طريق النخاسة, وإما عن طريق الأسر في الحروب, وإما عن طريق الهدايا التي كان يؤديها ولاة هذه الأقاليم.

وأسكنهم سامراء التي بناها خصيصا لهم, ومن جهة أخرى حرم العرب مما كان لهم من قيادة الجيوش.

وكان لسياسة المعتصم هذه نتائج آنية وبعيدة:

فمن حيث النتائج الآنية, فقد أغضبت هذه السياسة العرب, فانتفضوا على حكم المعتصم, كما دبروا مؤامرة لاغتياله, لكن المؤامرة فشلت.

ومن حيث النتائج البعيدة, فقد تسببت هذه السياسة بحدوث أضرار بالغة وخطيرة على دولة الخلافة العباسية وأدت إلى إضعاف سلطة الخليفة.

القضاء على الأفشين:

وكان من بين هؤلاء الذين تمتعوا بنزعات استقلالية, القائد التركي الأفشين الذي أراد تأسيس دولة انفصالية له في أشروسنة.

فشل الأفشين في تحقيق هدفه وقبض عليه وحاكمه المعتصم فتوفي في سجنه.

العلاقات الخارجية في عهد المعتصم:

العلاقة مع البيزنطيين: توقف القتال بين المسلمين والبيزنطيين في السنوات الأولى لخلافة المعتصم, نتيجة انهماك الخلافة بالقضاء على ثورة بابك الخرمي. وفي المقابل فقد انصرف الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل إلى التخطيط لاستعادة جزيرة صقلية من أيدي المسلمين.

فشهدت مناطق الحدود هدوءا يكاد يكون تاما, فأغار فيوثيل على منطقة أعالي الفرات واستولى في طريقه على زبطرة مسقط رأس والدة الخليفة وأسر من فيها من المسلمين ومثّل بهم وسبى المسلمات.

اعتبر المعتصم هذه الغارة البيزنطية تحديا شخصيا له قبل أن تكون تحديا للخلافة العباسية, فما كاد ينتهي من إخماد ثورة بابك حتى أعد جيشا كثيفا يهدف توجيه ضربة قاصمة للامبراطورية, تقضي بدورها على هيبة الامبراطور, وخرج هو على رأس هذا الجيش متجها صوب عمورية مسقط رأس ثيوفيل عازما على تدميرها.

غادر الخليفة سامراء وجعل أنقرة أول هدف للحملة, ورسم الخليفة خطته التكتيكية على أن تجتمع الأقسام الثلاثة عند سهل أنقرة لمهاجمة المدينة.

وفي الوقت الذي كان فيه جيش الخليفة يقترب من أنقرة, كان الأفشين يجتاز سيواس إلى توقات فتحتم عليه عند ذاك, أن يشتبك في معركة مع الإمبراطور, ووقع الاضطراب في صفوف البيزنطيين, وترك الامبراطور ساحة المعركة, ولم يسع ثيوفيل بعد هزيمته وسقوط أنقرة, إلا أن يرسل إلى المعتصم يطلب الصلح معتذرا عن مذابح زبطرة ومتعهدا بإعادة بنائها وإعادة السكان إليها, إلا أن الخليفة رفض عرض الصلح.

وتقدم الخليفة نحو عمورية بعد تدمير أنقرة فوصلها في سبعة أيام وشرع في حصارها, وعلى الرغم من مناعتها وحصانتها إلا أنها استسلمت غي السابع عشر من شهر 9 223هـ بعد أسبوعين من الحصار فأسر المسلمون كثيرا من أهلها وغنموا غنائم وفيرة, وهدم المعتصم أسوارها, وأمر بالمقابل بترميم زبطرة وتحصينها.

كشفت حملة المعتصم عن ضعف الإمبراطورية البيزنطية. وأخيرا تقررت الهدنة بين الطرفين ثم حدث أن توفي كل من المعتصم وثيوفيل في العام نفسه.

الخليفة ابو جعفر  هارون الواثق

بويع له بالخلافة بعهد من والده المعتصم, أولع بالعلم والأدب, كان شاعرا له شعر حسن وأجزل العطاء للشعراء وقد أفرد في قصره مجلسا للمناقشات الفكرية مقتديا, في ذلك بالمأمون وكان يقال له "المأمون الصغير" واقتدى بأبيه في الاعتماد على العنصر التركي, فأحل الأتراك في المناصب القيادية محل العرب.

الأوضاع الداخلية في عهد الواثق:

اعتنق الواثق عقيدة المعتزلة المتعلقة بخلق القرآن, وانتهج سياسة والده في الانتصار لها ومساندتها, وتشدد في فرض آرائه الدينية على الناس, ويبدو أنه تراجع عن عقيدته هذه قبل موته.

اعترى إدارة الواثق الضعف والتحكم من قبل الولاة والبطانة, وتفشت الرشوة في عهده وكثر الفساد. وتمتع ولاة الأقاليم في عهد الواثق, بنفوذ كبير.

وفاة الواثق:

دام اعتلاء الواثق لسدة الخلافة العباسية أقل من ست سنوات ويشكل عهده نهاية العصر العباسي الأول.