جماليات

وصف الناقة فى معلقة طرفة

دراسة بلاغية تحليلية نقدية 

 

للدكتورالسعيد عبد المجيد النوتى 

الأستاذ  بكلية اللغة العربية جامعة أم القرى بمكة المكرمة 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة 

  الحمد لله الذى بحمده نستفتح أقوالنا وأعمالنا، أحمده I وهو المحمود على كل ما قدره وقضاه، وأستعين به استعانة من يعلم أنه لا رب له غيره ولا إله له سواه، وأستهديه سبل الذين أنعم عليهم ممن اختاره لقبول الحق وارتضاه، وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من عطاياه، وأستغفره من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه.

  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه صلى الله عليه وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد ؛ فيقول مَنْ أسلم إليه ربه زمام الفصاحة والبلاغة، وكان أحق بها وأهلها r : إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا‏ ([1])  ولم لا! والشعر ديوان العرب وسجل أحسابهم وأنسابهم وأيامهم ومستودع حكمتهم وبلاغتهم، وحُق لشيخ البلاغيين أن يقول عن الشعر: ... فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأنه مجنى ثمر العقول والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف وطلب محاسن القول والفعل منارا مرفوعا، وعلما منصوبا، وهاديا مرشدا، ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر والزاهد في اكتساب المحامد داعِياً ومُحَرِّضاً، وباعِثاً وَمُحَضِّضاً، وَمُذَكِّراً وَمُعَرِّفاً، وَواعِظاً وَمُثَقِّفاً‏ ([2]). 

وهو الذى صور لنا الحياة والمجتمع الذي يعيشه الشاعر فمثلا: العصر الجاهلي لم نعرف عن تلك الحقبة شيئا لولا شعر شعرائها فقد كان التدوين معدوماً آنذاك، ولذلك عرفنا  قصة داحس والغبراء، وعنترة وعبلة وغيرها، وكان الشعر العربي في هذا العصر ديوان العرب حقاً، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم أصح منه، واستمر بعد تلك الحقبة فنا أدبيا بارزا، وكانت العرب تقيم الأفراح إن برز من أبنائها شاعر مبدع، وكان الشعر عند العرب قديما يرفع من شأن القبيلة ويحط من قيمة الأخرى.

وأما في عصر صدر الإسلام فكان وسيلة من وسائل الدفاع عن الوحي المنزل على رسولنا r ، ولا يخفى إذاً دور الشعر في نشر الإسلام ونصرة الحق، ودوره في العصور التي أتت بعده، ولهذا انبرى شعراء الرسول e: حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك y إلى التغني بفضائل العقيدة والدعوة إليها والتصدي للمشركين وهجائهم والرد عليهم، وكان الرسول e يحث الشعراء المسلمين على الرد على هجاء المشركين.

وكان يحث حسانا t على ذلك فيقول له: اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ([3])، كما كان الشعر في عهد بني أمية وعصر بنى العباس وسيلة من وسائل الفرق السياسية والفكرية المتنازعة، قصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها.

ومما يؤكد فضل الشعر وأهميته أن به إثبات إعجاز القرآن، فقد كان ذروة بلاغتهم وفصاحتهم، ولهذا قالوا عن النبي r : شاعر؛ لما تبينت بلاغة القرآن فقد كان الشعر أبلغ القول وأفصحه وأجوده.

ويربط الأديب البهبيتي قدسية الشعر عند العرب بالاعتقاد الذي كانت العرب تعتقده من أن الشاعر كان يقوم في قومه مقام النبي، ويحتج بقول أبي عمرو بن العلاء الذي يرويه أبو حاتم الرازي في الزينة بحيث كان الشعراء في الجاهلية يقومون من العرب مقام الأنبياء في غيرهم([4])

ومعلوم أن مقياس التغـير والتقدم للشعـوب يبدأ من اللغة فهى مقياس رقي الشعـوب، ولأننا في مرحلة فاصلة كلها صراعات بين الأفكار والقيم فإن الواجب يقضي أن نكون مع الجمال والإبداع، لنظهر هُويتنا العربية الأصيلة.

من هذا المنطلق أقول: إن الشعر تعبير عن التجارب الإنسانية وما يصحبها من انفعالات ومشاعر إزاء مشاهد الكون المحيطة؛ لأنه متصل بالبيئة التي تشكل مصدرا ومنبعا للصور الفنية والخيال الجامح، ومن هذا المنطلق أيضا كان من الضروري أن أقف وقفة متأنية عند  فحول الشعر العربى الذين وضعوا اللبنة الأولى في تلك الحقبة المتميزة  من تاريخ عصر ما قبل الإسلام.

ولذلك وقع اختيارى على طرفة لما له من مكانة إبداعية بارعة بين فحول تلك الحقبة الزاهرة بالنبوغ الفطري، لهذا السبب رأيت أن أدلى بدلوى فى ديوان العرب فكان الاختيار لمعلقة طرفة وبخاصة وصف الناقة عنده، والكشف عن جماليات وأسرار الوصف العجيب، هذا وقد اقتضت طبيعة البحث أن يأتى فى فصلين تتصدرهم مقدمة وتمهيد وتقفوهم خاتمة وفهارس كالتالى: المقدمة وفيها سبب اختيارالموضوع وخطة البحث  التمهيد وجاء للحديث عن: أولا: نتفة من حياة طرفة وشعره  ثانيا: المقصود بالجماليات

الفصل الأول:  جماليات التفكير فى وصف الناقة، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: امتزاج أفكار طرفه بأحاسيسه

المبحث الثانى: امتزاج أفكاره بوجدانه فى اختياره للألفاظ المعبرة: (الألفاظ والتراكيب - الألفاظ والمعجم الشعرى - الصنعة اللفظية - المحسنات البديعية - الأساليب الخبرية والإنشائية - التعبير الإيقاعى - الوزن الشعرى)

الفصل الثانى:  جماليات تصوير الناقة، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: جماليات التصوير بالتشبيه المبحث الثانى: جماليات التصوير بالاستعارة والمجاز المرسل المبحث الثالث: جماليات التصوير بالكناية الخاتمة وفيها أهم ما جاء فى البحث من نتائج

***

تمهيد

أولا: نتفة من حياة طرفة وشعره هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن معدّ بن عدنان، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، كان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره.

ولد طرفة في البحرين عام 86 ق.هـ  - 539م ، ونشأ يتيماً وكفله أعمامه لكنهم لم يعوّضوه عن فقدان الأب بل حُكي أنهم اضطهدوه، فجعله ذلك متفرّداً منكفئاً على ذاته، متحللاً بفطرته من التقاليد الاجتماعية، واندفع الفتى منذ شبابه الباكر في حياة الفروسية واللّهو والمتعة حتى طرده قومه وجال في البلاد ووصل أطراف الجزيرة وتقرّب من بلاط المناذرة، واتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه، ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين وعُمان يأمره بقتله لأبيات بلغ الملك أن طرفه هجاه بها فقتله المكعبر بها، وكان مقتل طرفة في عام 60 ق. هـ  564م

وقد لعبت البيئة الصحراوية دورا كبيرا في تشكيل جسمه وعقله ، فجسمه قوي صلب من دوام عمله ورحيله وسعيه وراء رزقه، وأما عقله فيمتاز بالقوة والصلابة نتيجة الظروف التي عاشها، وكأن الصحراء الصعبة القاسية جعلت جسمه وعقله صلبين قاسيين.

ولو تأملنا شعر طرفة لوجدنا دقة التصوير وروعة المعني والقدرة على عبور المسافات من أقرب طرقها، والوصول إلي قلوبنا وعقولنا بمثل هذه الأبيات التي تحمل إلينا الخبرة الإنسانية الصالحة لكل زمان ومكان.

وقد تميز شعر طرفة بخاصيات كثيرة، أذكر منها: توالي الصّور وتتابعها، إذ يلحظ القارئ لوصف طرفة لناقته ـ مثلا ـ تتابع وتعاقب الصور الفنية التي يحفل بها شعره، وهذا يدل على حرص الشاعر على التصوير وولعه بإيراد المعنى الواحد بصور متعددة كل منها أثيرة إلى نفس المتلقي، وهذا يقتضي قدرة تخييليّة عالية تعرف خاصيات الأشياء، وتلحظ نواحي التشابه والتقارب بينها، ويشيع هذا المسلك في التصوير ضرباً من التوحّد في تضاعيف القصيدة يضاف إلى أدوات الربط الأخرى، وهكذا تبدو القصيدة مجموعة لوحات متوالية  كل منها يكاد ينطق روعة وإبداعا.

كما تميز بشيوع التشبيه وترتبط هذه الخاصية بالخاصية السابقة؛ إذ التشبيه أظهر طرق التصوير التي يشبَّه فيها النفسي أو العقلي بالحسيّ، فضلا عن بروز عناصر التصوير الحسّي من هيئة ولون وصوت وملمس وطعم، وإن كان للهيئات قصب السبق فيما اعتمد طرفة من أدوات الرسم، ولهذا كانت للصورة عنده ملامح بارزة مميزة فى وصفه كعمق الصورة وبعدها عن السطحية، والتشخيص والتجسيد الذى أضفى جمالا على الصورة، ودور الطبيعة وإثراؤها للصورة،  واعتماده على لغة الحياة، وامتزاج الصور امتزاجا عجيبا، والصدق فى التجربة الشعرية، مما أحدث تجاذبا وتجاوبا مع قارئ النص.

وأما معلقته فهى من درر الشعر، وجواهر الكلم المنظوم، وقلائد من جُمان، زيَّنَتْ تاريخ العرب لما حَوَتْ من بلاغة في التعبير، وزجالة في الألفاظ، ومتانةٍ في التركيب، ورصانة في لغتها وصورها، وترابط بين الشكل والمضمون، وهي من أبدع ما جادت به قرائح الشعراء، ولهذا اختارها العرب لتعلق في الكعبة، وحُق لهم فهى متميزة عن سائر ما نظم العرب من أشعار .

وقد اهتم المستشرقون بشعراء المعلقات محاولين التعرف على الظروف الاجتماعية المحيطة بهم، والأسباب التي دفعتهم لنظمهم هذه المعلقات وعن أي موضوع تتحدث، وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف عليها وسبر غور معانيها، وفي هذا السياق أذكر بعض ما قيل عن معلقة طرفة في عملين رائدين قام بترجمتهما الأستاذ صلاح صلاح:  أحدهما من تأليف ليدي آن بلنت(Lady Anne Blunt) وفلفريد شافن بلنت(Vlfred Chavn Blunt) والآخر من لدبليو إى كلوستون:( W. E. Clauston )، قالت  Lady Anne Blunt  And Vlfred Chavn Blunt عن معلقة طرفة في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: يعتقد أن هذه المعلقة أكثر انتظاماً في بنيتها من كل المعلقات الأخرى ([5])  

ثانيا: المقصود بالجماليات

تنحصر الجماليّة عند كثير من علماء الجمال في البحث في: ظواهر الفن([6]) ولا تتجاوز ذلك إلى ما سواه من نشاطات الإنسان، ولكنها عند آخرين لا تقف عند حدود الفن، وإنما تتخطاه إلى كل شيء جميل، فالجمالية بالتالي لا تستهدف الفن فحسب، بل تتعداه إلى الطبيعة، وبصورة عامة إلى جميع كيفيات الجمال ([7]

يقول الفيروزابادى: الجمال: الحسن في الخٌلق والخَلق([8]) وهذا التعريف لا يعطي للجمال حقه، وفي القواميس الإنكليزية: الجمال: امتلاك خصائص تسعد الحواس وخاصة حاسة النظر أو هو مجموعة الفضائل. 

ويتحدث علماء الغرب عن الجمالية ويعزونها إلى القرن الثامن عشر، وهم بهذا قد غفلوا غفلة كبيرة؛ لأن قرآننا العظيم قد تناول الجمال تناولا محكما سديدا يسهم فى سمو المجتمعات الإنسانية ويدفعها إلى تحقيق الغرض من الرسالة الشريفة ويرشدها إلى كل جميل فى الكون حول الإنسان، وقد ذكر القرآن الكريم فى ثمان آيات أن الحسن والجمال إشعاع وبريق من صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء ([9])

فهل يطل الإنسان على جمالية الكون بغير ما يرتضيه الله تعالى لنا من رؤية تملأ العين، وتبهج النفس، وتقر العقل، ويلمس بها الفؤاد رحمة ربه؟ 

وقد سأل العباس بن عبد المطلب t النبى r عن الجمال فقال: يارسول الله: فيم الجمال؟ قال: فى اللسان([10]) فالجمال: يشمل رؤية تملأ العين، وبهجة تبتهج لها النفس، واستقرارا يستقر عنده العقل، ولمسة يلمس الفؤاد بها رحمة ربه.

وقد قلبت صفحات الكتب والأبحاث التى تعنى بالجمالية فلم أقف على تعريف دقيق ([11]) للجمالية، ويرجع السبب وراء ذلك إلى مفاهيم الجمال المختلفة من شخص لآخر، فكل إنسان له نظرة قد تكون جمالية عنده، وفى الوقت نفسه تشاؤمية عند غيره، وقد يتذوق الإنسان شيئا فيستحسنه، ويتذوق غيره نفس الشئ فلا يستحسنه، ولهذا أرى للجمال مواصفات شكليّة تختلف من متلقٍ لآخر باختلاف الثقافة والخبرة، ولا يكاد يجمع الناس على مفهوم محدّد للجمال، لأن الأذواق مختلفة، يقول هيجل عن مفهومه للجمال: نمط معيّن لتظهير الحقيقة وتمثيلها، وأن الجميل هو التظاهر الحسى للفكرة ([12]) ويمكن القول: إن الجمال وجود قصدى تشكيلى ذو مضمون معرفى يتأسس على الإبداع والنظام والتقويم([13])

ويرى الناقد الأستاذ الدكتور صالح الزهرانى: أن تعريفات الجمال عند الفلاسفة ضاع معها الجمال فلا يزداد القارئ إمعاناً فيها إلاّ ازداد بالجمال جهلاً؛ لأن الجمال يستعصي على الحصر والتحديد فهو إحساس داخلي ينبثق من داخل النفس الإنسانية أكثر من كونه هيئة محسوسة .

إن الجمال جمالٌ بما تولّد النفوس من معانيه، ونقيس من مشابـهه ونتخيّل من دلائله وإشاراته، لا بما يلقاها به من حدود وزخرف، وإنما هو جمال بما يثير فيها من بهجة، ويطلق من أصداء، ويحبو من حريّة وخصب فهل تبقى معانيه حيّة، وتأثيـره دائمـاً على تغيّر القسـمات والملامح وخصب وانطفاء لمعتها البهيجة؟

فالجمال ليس في صور الأشياء وإنمّا في الشعور بصور الأشياء ولهذا يختلف الموقف الجمالي لدى المتأملين باختلاف شعورهم، وتلوّن أحاسيسهم فالمعاني تُنسب إلى مظاهر الوجود من قبيل التغليب، وإلا فهي في حقيقتها معاني أنفسنا، وصور أفكارنا ومشاعرنا، وتأثيراتنا، وهب أنني رجل أكمه الذوق فما تكون معاني هذه الصور في نفسي ؟ ([14])

فالجمالية إذن: علم يبحث في معنى الجمال من حيث مفهومه وماهيته ومقاييسه ومقاصده، والجمالية في الشيء تَعْنِي أن الجمال فيه حقيقة جوهرية وغاية مقصدية، فما وُجِدَ إلا ليكون جميلا.

والجمالية من حيث هي مفهوم قديمة قدم الإنسان نفسه، وصاحبت الحضارات البشرية كلها دون استثناء، واتخذت لها طابعا خاصا مع كل حضارة، كما كانت لها تجليات خاصة ومتميزة مع كل تجربة إنسانية مختلفة.

وتتميز الجماليات فى النص الشعري بالابتكار، والترابط، والتناسق، والتسلسل، وتوهج اللفظ وإشراقه، وتألقه فى سياقه، كما تتميز بالكثافة والعمق والمغايرة والاتساع الدلالي.

وعند علمائنا القدامى ما ينص أحيانا ويشير أخرى إلى أصالة مصطلح الجمالية لديهم ، وبعرض مقتضب لكلام علمائنا أشير قائلا:

 لقد امتلك البلاغيون رؤية جمالية بالقدر الذي مكنهم منها حسهم المرهف، وذوقهم الطبيعي، كما يتضح من خلال هذه الآراء الانطباعية في أول أمرها، والتي يمكن إدراجها في منظورها السياقي العام، سواء ما كان منها معبراً عن طبيعة الجمال بالتصريح أم معبراً بالتلميح، وقد يلحظ المتتبع ذلك في وقفاتهم الطويلة عند تعرضهم للبلاغة لأهمية هذا العلم عندهم والذي قرنوه بالشعر.‏

فقد عبّر الأصمعي  (ت 217هـ) عن الشعر  قائلا: ما قل لفظه وسهل ودقّ معناه ولطف ([15]) فلطف المعنى عند الأصمعى تأكيد ضمني لمعنى الجمال في الشعر الذي تستجيب له رغبة المتذوق في استحسان النص، والشعور بالجمال هنا يعطي النص كماله القائم على اختيار ألفاظه وصوره البيانية.

ولم يقل أبو العباس ثعلب)ت 293هـ) بالجمال صراحة إلا أنه دلّ عليه ضمناً حين تحدث عن التحجيل قائلا: والأبيات المحجلة ما نُتِجَ قافية البيت عن عروضه، وأبان عجزه بغية قائله وكان كتحجيل الخيل، والنور يعقب الليل([16])

ولنتأمل إبداع ابن طباطبا (ت 322 هـ ) حين خطّ منهجا جماليا للشاعر إذا أراد صياغة الشعر فيقول: ... فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه؛ بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا كملت له المعاني، وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها، ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه ونتجته فكرته، يستقصي انتقاده، ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية، وإن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالنساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويت ويسديه وينيره ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه، وكالنقاش الرفيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها([17])

إن التركيز على جمالية الأداء التعبيري عند نقادنا القدامى والقائمة غالباً على مفهوم التناسب أو التناسق، كان بدافع وعيهم بأن ذلك يمد الصياغة اللفظية بالدفء والخصوبة، لكون القدرة الإبداعية هي قدرة على توفير هذا المفهوم ـ التناسب ـ  فقدامة بن جعفر) ت 337هـ( يقسم كتابه تقسيماً ثنائياً؛ اعتمد فيه أولاً على ذكر النعوت الواجبة في الشعر، ثم أتبعها بذكر العيوب، وكأنه بهذا قد حدد الأسس الجمالية للشعر  ([18])وإن كان لم يذكر أيضاً الجمال كمصطلح صريح إلا أنه قنن للصناعة الشعرية من خلال أسس ومعايير تعد من القيم الجمالية.

ولنتأمل قوله:  ومما يزيد فى حسن الشعر ويمكن له حلاوة فى الصدور: حسن الإنشاء وحلاوة النغمة، وأن يكون قد عمد إلى معانى شعره فجعلها فيما يشاكلها من اللفظ، فلا يكسو المعانى الجديدة ألفاظا هزلية فيسخفها، ولا يكسو المعانى الهزلية ألفاظا جديدة فيستوضحها سامعها، ولكن يعطى كل شئ من ذلك حقه ويضعه موضعه([19])

ويرى القاضي الجرجاني (ت392هـ) أن الجمال صلة بين بواطن الأشياء والنفس البشرية إذ يقول: ... لا يكون حتًما جميلاً ما وافق القواعد الجمالية والمقاييس الموضوعية بل قد يخل الشيء بهذه القواعد ولكنه يكون أعلق بالقلوب([20]).

وكأن الجمال- عند القاضي الجرجاني- كامن في الباطن لا في الظاهر وكأن إدراكه في مكانه موكل إلى الضمائر التي تتغلغل إلى البواطن ؛ فالجمال إذن صلة بين بواطن الأشياء والنفس البشرية وليس بين سطحها وحواس الإنسان وكأن الجميل ما علق بالقلوب وإن كان في الظاهر قبيحًا ([21]).

          ويستخدم القاضي الجرجاني مصطلح (الرشاقة) إزاء مصطلح (الجمال) مثل قوله: موقع اللفظ الرشيق من القلب واللفظ الرشيق هو اللفظ غير المستكره… والصورة الرشيقة تقع في القلب.. والإحكام والرشاقة من صفات الصورة([22])…

          وحين تعرض أبو هلال العسكري) ت 395هـ( لطبيعة الفاعلية الإبداعية قال: فإذا أردت أن تعمل شعراً فأحضر المعاني التي تريد نظمها في فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزناً يتأتى فيه إيرادها وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقاً وأيسر كلفه منه في ذلك، ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجيء سلساً سهلاً ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجيء كزاً فجاً، ومتجعداً جلفاً، فإذا عملت القصيدة فهذبها ونقحها، بإلقاء ما غث من أبياتها، ورث ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوي أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها([23]) واضح من خلال النص أن أبا هلال ركز على فهم الكلام الجميل الذى يرتبط بثقافة المتلقي وذوقه الجمالي وحالته النفسية، كما أنه ربط جودة التشبيه وبلاغته وقيمته الجمالية مرتبطة بمعرفيته التى تتحد بأربعة أوجه ([24])

ويركز ابن سنان الخفاجى (ت 466 هـ) على قضية الذوق وهى تعود فى المقام الأول إلى الجماليات فى النص فيقول: ... أما الذوق فلأمر يرجع إلى الحس وأما العروض فلأنه قد حصر فيه جميع ما عملت العرب عليه من الأوزان فمتى عمل شاعر شيئاً لا يشهد بصحته الذوق وكانت العرب قد عملت مثله جاز له ذلك كما ساغ له أن يتكلم بلغتهم‏.‏

فأما إذا خرج عن الحسن وأوزان العرب فليس بصحيح ولا جائز لأنه لا يرجع إلى أمر يسوغه والذوق مقدم على العروض فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى العروض في جوازه ولكن قد يفسد فيه بعض ما يصح بالعروض على المعنى الذي ذكرناه كالزحافات المروية في أشعار العرب المذكورة في كتب العروض وهو الأصل الذي عملت العرب الأول عليه‏.‏([25])

وواضح أن النظرة العقلانية للجمالية بارزة عند عبد القاهر(ت 471هـ) ؛ إذ يزن مقدار التلقي الجمالي في الفن بحمل الشيء على ما يشابهه بما يقتضيه ارتباط الأصل بالفرع، وإنها لصنعة تستدعي جودة القريحة والحذق الذي يلطف ويدق في أن يجمع أعناق المتناظرات المتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، لأن ذلك في نظره يحتاج إلى دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر، ولن يتم ذلك بحسب اعتقاده إلا بتجاوز ما يحضر العين إلى ما يستحضر العقل، ولا يعنى بما تنال الرؤية بل يعني بما تعلق بالودية([26])

فالجمال عند عبد القاهر قائم على البنية العقلية وفق معطيات محددة على حد ما جاء في قوله: وجملة الأمر أن ها هنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثاً ترى الحسن من الجهتين وجبت له المزية بكلا الأمرين والإشكال في هذا الثالث، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد خفت فيه على النظم فتركته، وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدَّرت في حسن كان به، وباللفظ أنه للفظ خاصة([27])

والرؤية الجمالية عند عبد القاهر الجرجاني لا تتوقف عند هذا الحد وإنما تصل إلى مستوى الانسجام والتناغم بين أجزاء العمل([28])  ولا نعدو الحق إذا قلنا إن نظرية عبد القاهر في النظم كانت نظرية في الصياغة الجمالية([29])

والمعول عليه فى تأليف الكلام من المنثور والمنظوم عند ابن الأثير(630هـ) إنما هو حسنه وطلاوته فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشئ  ([30])وواضح من خلال كلام العلامة ابن الأثير أن العرب القدماء كان لهم مع الكلام تجربة جمالية رائدة وأن هذه التجربة الجمالية قد ضربت فى حياتهم الوجدانية بجذور عميقة ([31])

أما حازم القرطاجنى (684 هـ) فقد نظر إلى العبارة الشعرية من زاوية جمالية إذ يقول: يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه، ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من جهة هيئاتها ودلالاتها على ما هو خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها، وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس([32])

ويصف ابن خلدون(808هـ) البيان بالعلم مرة وبالفن أخرى وهو مدرك الفرق بين العلم ـ لأي نشاط ـ بوصفه قواعد وحدوداً وبين الفن باعتباره دربة وملكة وذوقا، فهو يتحدث عن ثمرة فن البيان وأثار قضية القاعدة والذوق في البلاغة، ثم لما كانت العرب تضع الشيء ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظاً أخرى خاصة به، فرق ذلك عندنا بين الوضع والاستعمال واحتاج إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ، كما وضع الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض، ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب، ومن الإنسان بالأزهر، ومن الغنم بالأملح... ([33])واضح أن هذه الآراء صدرت عن وعي جمالي له أسسه في حقل الجماليات البلاغية.

أبعد هذا العرض لآراء علمائنا ورؤيتهم الثاقبة للجمال والجمالية نسلّم للغرب عزوهم مصطلح الجمالية إلى القرن الثامن عشر!!!

ولا نعدو بعيدا إذا قلنا: إن دقة طرفة فى وصف الناقة دقة مبدع فى شعره، إذ  دلت على رؤيته الجمالية وانسجام صوره التعبيرية، بالإضافة إلى كونها نابعة من عاطفة معتمدة على التذوق لكل ما هو ملموس، لأنه مختلط بالحياة حلوها ومرها سعادتها وشقائها، واندمج مع العالم الخارجى كل الاندماج، يقول جان مارى جوتو (Jean-Marie Goto):

إن الاندماج النفسى مع العالم الخارجى مظهر من مظاهر الشعور الجمالى الذى اعتمده الشاعر الجاهلى فى إبداعه من خلال إرواء حاجته الملحة والتئامها مع عالمه الداخلى، فعلى هذا يقوم جمال الاحساسات والجمال، والجمال لا يستبعد الفائدة بل يتضمن وجود إرادة تلاؤم بين الوسائل والغايات، وتحاول أن تبلغ هدفا من الأهداف بأقل جهد ممكن فعلى هذا يقوم جمال الحركات. ([34])

الفصل الأول:  جماليات التفكير فى وصف الناقة

  المبحث الأول: امتزاج أفكار طرفه بأحاسيسه

 

لابد لكل شاعر من أفكار يقوم عليها شعره يطرحها ويناقشها، إذ الوصول للقصد بعد الفكر يشعر المتلقى بلذة القول وفضله ويثبت الفكرة، يقول الجرجاني: ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالمزية أولى فكان موقعه من النفس أجل وألطف ([35]).

والأفكار: الأساس الذى ينبني عليه العمل الفني، وبالنسبة للقارئ: الاستخلاص النظري عما عبر عنه الفنان بالصور، وهى بالطبع ذائبة في العمل الفني وكلما اختفت الفكرة وذابت فى العمل الفنى ازداد الشعر بعدا وتميزا.

وقد استقى الشعراء لبنات صورهم من الحياة ومن الطبيعة التى شكلتهم جسديا وشعوريا وسلوكيا، فكانت مصدر إلهامهم، ومثار إحساسهم، ومحركا لمشاعرهم، وكانت خير مترجم لأحوالهم، فالطبيعة بما فيها من جماد وحيوان... الخ، صامتة فى عرفنا وعاداتنا وتقاليدنا، لكنها عند الشعراء غير؛ لأنهم أنطقوها وغيروا مفاهيمنا عنها، فأصبحت صامتة وصائتة، هادئة وغاضبة، فيها أمواج متلاطمة، يظهر فيها كل ما هو مخلوق في هذا الكون العجيب والغريب والجميل.

وترجع جمالية الأفكار عند الشاعر إلى الأخذ بسنة التدرج لتهيئة ذهن المتلقي بحصيلة وافرة عن النص دون تشتيت ذهني، فتبين عن اتجاه تفكير المبدع ومدى عمقه الذى يتميز بطلاقة أفكاره وتسلسلها وتنوعها وأصالتها من حيث جدة الأفكار المطروحة، وطرافتها، وإيجاد علاقات جديدة تربط بينها  بالإضافة إلى دقته في اختيار ألفاظ الفكرة، وصياغتها بأسلوب جميل يحمل في طياته قيماً تعيش في أذهان وقلوب المتلقين.

وقد اتضح ذلك عند شعراء المعلقات جميعا؛ لأنهم تأملوا الحياة بفطرتهم وأصالتهم، فجاء تعبيرهم صادقا أصيلا نابعا من أحضان الحياة التى عاشوها وسلكوا دروبها فرحا وترحا، فتعاطفت معهم أحيانا وقست عليهم أخرى، فتلون وصفهم بين هذا وذاك، بخاصة وصف الناقة المنقذة لهم من الهموم، وكأنها أحست بهم وبأحوالهم، وهى عند طرفة لها خصوصية أكبر، ظهر ذلك واضحا من خلال أفكاره التى يمكن تقسيمها كالتالى بعد قراءة النص:

نص وصف طرفة لناقته ([36])

وَإِني لاُ مْضِي الَهمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ
أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ
 نَصَأتُها
جَمَاِليَّةٍ وَجْنَاءَ
 تَرْدي كَأنَّها
تُبارِي عِتَاقاً ناجِياتٍ
 وَأَتْبَعَتْ
تَرَبَّعَتِ الْقُفّيْنِ فِي
 الشَّوْلِ تَرْتَعِي
تَرِيعُ إِلىَ صَوْتِ
 الُمهِيبِ وَتَتَّقي
كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَ حيِّ
 تَكَنَّفَا
فَطَوْراً بهِ خَلْفَ
 الزّميلِ وَتَارَةً
لها فَخِذَانِ أُكمِلَ
 النَّحْضُ فيهما
وَطَيِّ مُحالٍ كالَحنيّ
 خُلُوفُهُ
كأنّ كِناسَيْ ضَالَةٍ
 يُكْنِفانِها
لها مِرْفَقَانِ أَفْتَلانِ
 كأنّها
كقَنْطَرَةِ الرُّوِميّ
 أَقْسَمَ ربّها
صُهابِيّةُ الْعُثْنُونِ مُو
 جَدَةُ الْقَرَا
أُمِرَّتْ يَدَاها فَتْلَ
 شَزْرٍ وأُجْنِحَتْ
جَنُوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ
 ثمَّ أُفْرِعَتْ
كأَنَّ عُلوبَ النَّسْعِ في
 دَأَيَاتِها
تَلاقَى وَأَحْياناً تَبينُ
 كأنّها
وَأَتْلع نَهَّاضٌ
 صَعَّدَتْ بِهِ
وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ
 الْعَلاةِ كأنّما
وَخَد كقِرْطاسِ الشّآمي
 ومِشْفَرٌ
وَعَيْنَانِ كالَماوِيَتَيْنِ
 اسْتَكَنّتا
طَحورانِ عُوّارَ الْقَذَى
 فَتَراهُما
وَصَادِفَتَا سَمْعِ
 التَّوَجُّسِ للسُّرى
مؤَلّلتانِ تَعْرِف
 الْعِتْقَ فيهِما
وَأرْوَعُ نَبَّاضٌ أَحدُّ
 مُلَمْلمٌ
وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ من
 اْلأَنفِ مارِنٌ
وَإِنْ شئتُ لم تُرْقِلْ
 وَإِنْ شئتُ أَرْقَلَتْ
وَإِنْ شئتُ سامى وَاسطَ
 الكورِ رَأسهَا
على مِثْلِهَا أَمْضي إِذَا
 قالَ صاحبي

 

بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي
على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْرُ
 بُرْجُد
سَفَنجَةٌ تَبْري لأَزْعَرَ
 أَرْبَدِ
وَظيفاً وَظيفاً فَوْقَ
 مَوْرٍ مُعَبَّد
حَدَائِقَ مَوْليَّ
 الاسِرَّةِ أَغْيَدِ
بذي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكلَفَ
 مُلْبِدِ
حِفا فيهِ شُكّا في العَسِيبِ
 بِمسْرَد
على حَشَفٍ كالشَّنّ ذاوٍ
 مُجَدَّد
كأنّهما بابا مُنيفٍ
 مُمَرَّدِ
وَأجْرِنَةٌ لُزَّتْ بدَأْيٍ
 مُنَضَّدِ
وَأَطْرَ قِسِيِّ تَحْتَ
 صُلْبٍ مُؤَبَّدِ
تَمُرُّ بِسَلْمَيْ داِلجٍ
 مُتَشَدِّد
لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ
 بِقَرْمَدِ
بعيدةُ وَخْدِ الرّجْلِ
 مَوّارَةُ اليَدِ
لها عَضُداها في سَقيفٍ
 مُسَنَّدِ
لها كتِفَاها في مُعالي
 مُصَعَّدِ
مَوَارِدُ من خَلْقاءَ في
 ظهرِ قَرْدَدِ
بَنائِقُ غَرِّ في قَميصٍ
 مُقَدَّدِ
كسُكّانِ بُوِصيِّ بِدْجِلَةَ
 مُصْعِد
وَعى الُمْلَتقى منها إِلى
 حرْفِ مِبْرَدِ
كسِبْتِ الْيَماني قَدُّهُ لم
 يُجَرَّد
بكهفَي حجَاجَي صَخْرَةٍ
 قلْتِ مَوْرِدِ
كمِكْحَولَتَيْ مذعورَةٍ أُمِّ
 فَرْقَد
لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ
 لِصَوْتٍ مُنَدِّد
كسامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَلَ
 مُفْرَدِ
كمِرْداةِ صَخْرٍ في صَفِيحٍ
 مُصَمَّد
عَتيقٌ متى تَرْجُمْ به
 اْلأَرْضَ تَزْددِ
مَخَافَةَ مَلْوِيِّ مِنَ
 الْقَدِّ مُحْصَدِ
وَعامَتْ بضَبْعَيها نجاءَا
 الخَفَيْدَدِ
أَلا لَيْتَني أَفديكَ منها
 وَأفْتَدي

الفكرة الأولىالناقة ملاذ الشاعر للهروب من همومه، وجاءت فى بيت واحد/1

الفكرة الثانية: حركة الناقة وسرعتها، واستغرقت هذه الفكرة الأبيات/ 2:  4

الفكرة الثالثة: مكان رعيها وكيفيته، وجاءت فى بيت واحد/    5

الفكرة الرابعة: ذكاء الناقة وقوة بنيانها واتساقها وهى رمز التحدي في شخص الشاعر، واستغرقت الأبيات/6: 17

الفكرة الخامسة: جمال الناقة، واستغرقت الأبيات/ 18 :   29

واضح جمالية الأفكار وتسلسلها ووثاقتها وتناميها بشكل رائع، وكل فكرة تمهد لأختها؛ فقد استهل طرفة الحديث عن ناقته وكونها ملاذا للهروب من الهموم، وهذا يتطلب سرعة من الناقة فانتقل إلى حركتها وسرعتها، ومن ثمّ إلى المكان الذى كان سببا فى قوة سرعتها وهو مكان رعيها فكانت الفكرة الثالثة، ثم تحدث عن ذكائها وقوة بنيانها بسبب المرعى الذى نشأت وترعرعت على عشبه فكانت الفكرة الرابعة، ومع كل هذه السرعة وهذا الجهد فى إنقاذه من همومه لم تفقد جمالها ولذلك كانت الفكرة الخامسة والأخيرة مما جعل النص نسيجا مترابط الأجزاء ولا يمكن التقديم والتأخير بين أفكاره، كما أن الشمولية سيطرت عليها، بالإضافة إلى أنها تناولت جميع جوانب الموضوع فلم يغادر فكرة إلى غيرها إلا بعد إتمامها إتماماً.

وقد قرأت لأستاذ ناقد قوله: ألح طرفة على فكرة أساسية، وهي: إبراز قوة الناقة واتساق بنيانها؛ ليصل من خلال ذلك إلى أن هذه الناقة قادرة على تنفيذ إرادة الشاعر التي عزم على إنفاذها؛ ولذا تركزت كل الصور الفنية والأساليب حول هذه الفكرة، مما أصاب الوصف بشيء من الركود وعدم تجدد أفكاره

لكنى أرى عمق الأفكار التى تجاوزت حدود ألفاظها إلى معان لا تدرك إلا بالتأمل والتدبر؛ لأنه فتن بذكر الناقة، وتملكت إعجابه في تتويج قصيدته بها، وربط موضوعاتها وأفكارها فكانت العقد الجامع، والمحور الرئيس، والجسر الفني.

وهذا يعطى لنا انطباعا أن طرفة احترم عقل القارىء وقدم له أفكاره بصورة منسجمة ارتاح إليها عقل المتلقى، لأنها أفكار مترابطة، أحسن طرفة ترتيبها وصياغتها، فأدت كل فكرة وظيفتها الحيوية في بناء التجربة، فظهر وصف الناقة على أنه المحور الرئيس لحياته، وعوّل علي ناقته فى  نقل أحاسيسه ومواجعه وتصوراته، ولهذا لم يقف عند حدودها الجسمية، بل تعدى ذلك إلى جوهر طبائعها، وخصائص سلوكها، تبادلا للسلوك، وتداخلا واتحادا في الخصائص والأحاسيس، واشتراكًا في العواطف والانفعالات، وكأنها تحس به وبآلامه وبمشاعره.

وحُق له أن يزهو بوصفها ويطيل فى تصويرها ويفخر بتشبيهه لها بسائر أنواع الحيوان الوحشي والصحراوي، ويتخير من كل حيوان الصفة الملائمة للإعجاب حتى يسقطها على ناقته، فأعطته فرصة لتقصي أجزائها، ووصف جوانبها، فمجَّدها حتى غدت متحفًا وعمدة شعرية، بقيت ماثلة على مرّ الزمن، فكانت محورًا فنيًا وموضوعًا بارزًا في قسمات القصيدة الجاهلية، شغلت مساحة كبيرة في كيانها وهيكلها([37])

وتعبر الناقة عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي عموما وعند طرفة خصوصا، فما هي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوتها وصبرها وتحديها لعوادي الزمن والطبيعة.

وقد اهتم أهل البادية منذ القدم اهتماماً واضحاً بإبلهم لما تربطهم بها من علاقة حميمة، ولم لا! وقد اعتمدوا عليها اعتمادا كبيرا في حياتهم  حتى أصبحت محل مباهاة بينهم، وليس غريباً أن ينظموا مسابقات ترمي إلى التشجيع على امتلاك الإبل والعناية بها، بوصفها جزءاً أساسياً في حياتهم، وعنواناً لها، وما زالوا إلى يومنا هذا، يبدو هذا جليا من خلال كثرة المؤلفات حول الإبل([38])

وقد احتل وصف الناقة مساحة كبيرة فى الشعر الجاهلي نظرا للمكانة الرفيعة التي كانت تتمتع بها في نفس العربي آنذاك، فضلا عن كونها دية لأسرى الحرب والقتلى لقيمتها الكبرى فى نفوسهم، ثم ربطها بالأطلال والرحلة والصيد، وهى تعبر عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي، والناقة ما هي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوة الناقة وصبرها وتحديها لقسوة الزمن والطبيعة.

وتمثل الناقة وسيلة لتفريج الهم والترويح عن النفس ويؤكد طرفة هذا بقوله: وإنى لأمضى الهم ...، فالشاعر يؤكد على أن الناقة هي الوسيلة المثلى لتفريج الهم والكرب والحزن .

ولقد ألبس طرفة ناقته شتى الأفكار التي جالت بخاطره، واستمد من أوصافها معاني عديدة كغيره من الجاهليين ([39]) ولم يغادر فيها صغيرة ولا كبيرة إلا ورسمه بريشة فنان بارع ولوّنه بألوان زاهية نلمح فيها كل الحضور والحب والإبداع ...  ولم لا يفعل طرفة ذلك وهو الذى تعلق بناقته تعلق الصديق والرفيق وولّدت بينهما العشرة تآلفا متبادلا شدت أواصره طبيعة الحياة وظروفها آنذاك ([40])

وهو من أكثر الشعراء صحبةً للناقة حتى أن مشكلته مع أهله صغيراً وإسرافه في اللهو شاباً دفعه إلى التغرب في البلدان هائماً على وجهه متنقّلاً بين أحياء العرب أو قاصداً الملوك، ولا أنيس له إلا ناقته، وقد أعطانا طرفة أجمل الصور الشعرية التي تتحدث عن علاقته بناقته، كما سنراها.

ولا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن الناقة قد استحوذت على وجدان طرفة، فوصفها وخلد بأشعاره ذكرها، لأنها مركبة رحلته، ومطية أهله، وأنيسه فى وحدته، ومفرجة كربه، ومزيلة غمه، ومسرية عن همه، وهي غذاؤه وطعامه ولباسه،

ويمكن القول: إن طرفة تخصص فى وصف الناقة مما دفع أحد الباحثين للقول: ولم يصف أحد ممن تقدم وتأخر الناقة أحسن من وصف طرفة بن العبد فإنه جمع صفات خلقها وسرعتها فجاء بها أحسن كلام وأوضح تشبيه([41])  ولأستاذ آخر قوله: ولم يقف أحد عند وصف الناقة وقفة طويلة متأملة مثل طرفة فى معلقته([42])

 

المبحث الثانى: امتزاج أفكاره بوجدانه فى اختياره للألفاظ المعبرة :

  • الألفاظ المعبرة:

من المعلوم أن لكل شاعر لغته التى تفرض نفسها عليه حسب المقام، وتختلف لغة الشاعر نفسه من موقف إلى موقف تبعاً لعوامل كثيرة لا نستطيع سبر أغوارها إلا عن طريق الألفاظ والعبارات، فهما وسيلتان يُكتشف بهما داخلية المبدع وطبيعته وشخصيته، يقول العلامة الكبير ابن الأثير: واعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تُتخيل فى السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تُتخيل كأشخاص من ذوي دماثة، ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهّبوا للطّراد، وترى ألفاظ البحتري كأنّها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبغات وقد تحلَّين بأصناف الحليّ ([43])، ثم يتحدث عن الصناعة اللفظية فيقول: ... اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء‏:‏

الأول‏:‏ اختيار الألفاظ المفردة وحكم ذلك اللآلئ المبددة فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم.

الثاني‏:‏ نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها لئلا يجيء الكلام قلقاً نافراً عن مواضعه وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها.

الثالث‏:‏ الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه وحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم فتارةً يجعل إكليلاً على الرأس وتارةً يجعل قلادة في العنق وتارةً يجعل شنفاً في الأذن ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه‏.‏

فهذه ثلاثة أشياء لا بد للخطيب والشاعر من العناية بها وهي الأصل المعتمد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر، فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة‏.‏

ثم يقول: وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة، ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها‏.  ([44])

وقد سبق البلاغيون وتعرفوا على الصلة التى لا تنفصم بين لغة الشاعر وبين ما تحتويه خلجات نفسه، وكأنهم علموا المعنى الذى فى بطن الشاعر، يروى فى ذلك الناقد العلامة ابن قتيبة قصة الرشيد حين قال للمفضّل الضبّي:  اذكرْ لي بيتاً جيّد المعنى، يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه، ثمّ دعْني وإياه.

فقال المفضّل: أتعرف بيتاً أوله أعرابي في شملته هابّ من نومته، كأنّما صدر عن ركب جرى في أجفانهم الوسن، فركد يستفزهم بعنجهية البدو وتعجرف الشدو، وآخره مدنيّ رقيق كأنما غُذّي بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر: ألا أيّها الرّكبُ النيامُ ألا هبّوا، ثم أدركته رقة المشوق فقال: أسائلكمُ هل يقتلُ الرّجلَ الحبُّ؟  قال: صدقت([45]) فمن أى باب اقتحم المفضّل بإحساسه المرهف دواخل نفسية الشاعر وانفعالاته بالحدث فتعرف على الغلظة فى مطلعه، والجمال واللين والرقة فى خاتمته؟ أظنه من إيحاءات الألفاظ وإشعاعاتها في نفسه.

وفى اختيار الألفاظ المعبرة أسرار جمالية تبدو من خلال:

  • صدق العاطفة، وهو من الأمور التي يصعب الحكم عليها بالصدق أو عدمه؛ لارتباطها بسياق الوصف وظروف إبداعه، لكن أسلوب طرفة يشير بكلتا يديه إلى هذا الصدق، ولنتأمل حسن الابتداء فى وصف الناقة حين يقول: وإنى لأمضى الهم... وانفعاله القوى بالحدث وهو الذى كشف عنه معجم الشاعر، وطريقة تركيبه الألفاظ فى كل ما يلى هذا المطلع، وما يهم الشاعر قبل كل شيئ أن يكون كلامه ترجمانا عما في نفسه من صدق الشعور وعمق التفكير، وصدق الإحساس وحرارة العاطفة، ولعل صدق العاطفة يتجلى بأعمق صورة سواء أكـان صدقا شـــعوريا أم صدقا واقعيا، ومعلوم أن صدق الانفعال يزداد كلما اشتدت الصلة بين النفس ومصدر الانفعال  فكيف إذا كان مصدر الانفعال هي حياة طرفة نفسها، وشعوره الدائم بالظلم والاضطهاد، وهنا يبدو الصدق الفني جليا، فالشعر في جوهره إدراك عاطفي للحقيقة وليس تعبيرا حرفيا عنها.

 

  •  الغرابة، وهى أكبر رافد للجمال في النصوص الشعرية بشكل عام، فهي التي تشد المتلقي إلى النص، وتجعله يحتضن كلماته بقوة، كأنما يسمعها أول مرة، وقد تنبه ابن قتيبة إلى ذلك حينما قال: إن الشعر يُختار لغرابة معناه، والغرابة لا تعني عنده الغموض إنما المعنى المتفرد (النادر) المتصف بالوضوح  ([46])وما استحسان المتقدمين للاستعارة وما يشاكلها من فنون البلاغة إلا لهذه الغرابة التي يحدثها بناء الكلمات الجديد.

  • الإيحاء، وهو ما توحي به الألفاظ ويشير إليه النص دون أن يصرح به، إنه مجموع الأفكار والمعاني والدلالات التي نعانقها خلف أسوار الألفاظ ، وهو ليس نوعا رفيعا من الرمز وإنما يتأتى من الرمز، وقد  يتأتى من الموسيقى أو الصورة ... ، وقد ينبجس من هذه العناصر مجتمعة،  وتتجلى قيمته الرئيسة في  باب التأويل الذي يفتحه أمام المتلقي، وبذلك يتجاوز القارئ مرحلة القراءة السلبية إلى المشاركة في إنتاج دلالة النص، كما يؤكد أصحاب  نظرية التلقي.

وماهية الإيحاء أنه يجعل الشعر أبلغ تأثيراً في النفس وأكثر علوقاً في القلب، لأنّ نفس المتلقي تسهم إسهاماً فعالاً في إدراكه، فكأنها بذلك قد أسهمت في صنع الإيحاء وظلال الكلمات، يضاف إلى ذلك أن الإيحاء والظلال يحققان للمبدع متعة ويسعفانه بالتعبير عن انفعاله، وهذا يتم بتضمين الكلمات القليلة معاني كثيرة  ولا يتحقق الإيحاء إلا إذا كان الشاعر واسع الخيال، ليأتينا بالمُبتدَع والجديد من الصور، وهذا يحلق بالمتلقى فى أجواء ربما لم يدركها الشاعر نفسه([47])

لقد رسم طرفة مشاعره بريشة مشاعره لا بريشة مشاعر الآخرين، وخط خريطة قلبه بكلماته لا بكلمات الآخرين فجاء النص  متميزا ، ولهذا دل على وجوده، وظهر غريبا، لذلك شدّ قلوب المتلقين، وبدا طريفا تهفو إليه النفوس .

وعلى الرغم من عمق دلالة الألفاظ وقوة معانيها إلا أنها تتميز بالبساطة والصدق وعدم التكلف وعدم الإغراق في الخيال، بل يكاد يكون عنصر الخيال محدودا بحدود الواقع، لأن الشاعر اعتمد على الصور التي تقوم على التشبيه المستمد من الواقع المادي الحسي، فهو إذاً : صاحب لغة قوية جزلة تتطلب من الباحثين التنقيب فى معاجم اللغة للوقوف على فهم وإدراك مقاصده منها، هذه اللغة القوية "حملت بعض النقاد على اعتبار أن هذه الأوصاف من عمل علماء اللغة لأنها لا تتآلف فى الشعر الذى وردت فيه مع بقية الشعر الذى حملته إلينا المعلقة"([48])

فالدكتور طه حسين- رحمه الله - يستبعد أن تكون الأبيات الكثيرة التي تضمنتها المعلقة في وصف الناقة من شعر طرفة إذ يقول: وليست هذه الناقة التي تقوم بينك وبين المعاني الرائعة والصور الجميلة ناقة طرفة هي أكبر الظن، وإنما هي ناقة قد دست عليه دساً، وزجت في حظيرته زجاً ليست منه وليس منها في شيء، ألست ترى في وصف الناقة إغراباً وتكلفاً للألفاظ التي يقل استعمالها، ويندر أن تنطق الألسنة بها إلا عند الأخصائيين؟ ثم ألست ترى أن هذه الألفاظ الغريبة النادرة تقل وتكاد لا توجد في سائر القصيدة؟ فهذا الجزء من أجزاء القصيدة مصنوع، قد تقصد به إلى تعليم الشباب طائفة من أوصاف الإبل. ([49])

وواضح أن الشك بسبب قوة اللغة وصعوبة مفرداتها، وهو أمر يبدو واهيا؛ إذ لو تأملنا قوله تعالى: )أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(  ([50]) لوجدنا أن النص الشريف يشير إلى العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان أن يأتوا بعشر سور مفتريات مثل القرآن فى نظمه وفصاحته.

ولو أنا سلمنا لهذا الرأى فماذا نقول فى تفسير قوله تعالى: )مُفْتَرَيَاتٍ ( وأين إذاً تأليف العرب؟ وفى أى مجال؟ وقد اعترف القرآن الكريم بفصاحة وبراعة الشعر العربى فى الجاهلية خاصة حين تحداهم قائلا: )فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم( أىْ من أىِّ باب تشاءونه من تلك الأبواب التى برعتم في الحديث بها، وفتحتم أبواب المعانى فيها، كشعر النسيب، وشعر الطلل، وشعر الرحلة، وشعر الوصف، وشعر المدح والفخر والرثاء .... الخ، فعجزوا ... مما يؤكد أن دراستنا للشعر العربى إنما لأغراض كثيرة، أهمها: الوقوف على فهم الإعجاز القرآنى.

ويمكن القول: إن كل من يقرأ شعر طرفة عامة ووصفه لناقته خاصة يلاحظ اهتماماً بالغاً بالمفردات وعناية واضحة باختيارها لتكون إحدى أدوات الرسم الفنّي لتجاربه .

ويرى العلامة ضياء الدين بن الأثير أن أداة الحكم الجمالي على ألفاظ اللغة بـالذوق، وما استحسنه الذوق السليم هو الحسن يقول: واعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذاً، وإذا سألت عما يُنتفع به في فنه قيل لك هذا فإن الدُّربة والإدمان أجدى عليك نفعاً، وأهدى بصراً وسمعاً([51])

  • الأسلوب أما الأسلوب عند طرفة فواضح؛ لأنه أحسن اختيار الكلمات والجمل والأفكار بلا تكلف أو غموض، كما أنه أسلوب قوى بفصاحة كلماته، وجزالة تركيباته، وترابط عباراته، وتماسك جمله، وصحة قواعده النحوية والصرفية، كما تميز بالجمال ولذلك رأيناه نسيجا متلاحما متماسكا متآلفا انسجمت فيه كل عناصر النص الأدبى.

يرجع هذا إلى ما يملكه طرفة من حدّة فى الذهن، ونباهة فى الفكر، وخصوبة فى الموهبة، ورعلفة فى الحسن وقوة فى الشاعرية، وكان كما يقول د محمد الهاشمى: من الشعراء الأُول الذين عبّدوا الطريق لمن جاءوا بعدهم، ورفعوا لهم الأعلام، وأقاموا الصُّوى، وابتكروا المثال ووضعوا الأصول ونسجوا بديع النظم، وسبقوا فى كثير مما قالوه إلى الأبكار الخرّد الحسان كمن المعانى التى لم يفترعها قبلهم شاعر ([52])

وقد وصف ابن سلام الجمحي شعر طرفة بالجودة، وعده على رأس الطبقة الرابعة الذين يقول فيهم: وهم أربعة رهط فحول شعراء، وضعهم مع الأوائل، وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة: طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد، فأما طرفة فأشعر الناس واحدة يعني بها معلقته، ويقول: فأما طرفة فأشعر الناس واحدة([53])، فابن سلام قد حكم على شعر طرفة بالجودة، وإن أخذ عليه قلته، لأن الكم في ذلك الوقت كان من أهم المقاييس التي يقاس بها الشعراء.

ويقول ابن قتيبة: وله بعدها أي المعلقة شعر حسن، وليس عند الرواة من شعره إلا القليل  ويقول: هو أجودهم طويلة، ويقول أبو عبيدة فيما ذكر ابن قتيبة: أجودهم واحدة([54]) ، وقال أبو عمرو بن العلاء فيما نقله ابن عبد ربه: طرفة أشعرهم واحدة ([55])، وقال ابن رشيق: وطرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء، يقصد المعلقة([56])، وروى السيوطى فى شرح شواهد المغنى: وسئل حسان من أشعر الناس؟ فقال: قبيلة؟ أم قصيدة؟ قيل: كلاهما، قال: أما أشعرهم قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة([57])، ويكشف هذا عن مدى تقدير النقاد القدماء لموهبة طرفة الشعرية ومكانته الفنية بين شعراء العربية.

ومع هذا فقد أُخذ على طرفة وصف ذنب ناقته بكثافة الشعر، بل بالغ فى ذلك حين شبهه بجناحى نسر، يقول القلقشندى تحت عنوان: الصنف الخامس ما كان غلطا وهو أن تريد الكلام بشيء فيسبق لسانك إلى خلافه، ومنها وصف الشيء على خلاف المعهود والعادة المعروفة، ومثله قول طرفة يصف ذنب البعير:

 

 

   كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَحيِّ تَكَنَّفَا    

 

حِفا فيهِ شُكّا في العَسِيبِ بِمسْرَد

فجعل ذنبه كثيفا طويلا عريضا وإنما توصف النجائب بخفة الذنب ورقة الشعر([58])، ويقول المرزبانى فى الموشح:  وإنما توصف النجائب برقة الذنب وخفته([59]) وهذا ما رآه أبو هلال إذ يقول : وإنما توصف النجائب بخفة الذنب([60]) ويبدو أن المرزبانى وأبا هلال قد تأثرا بابن طباطبا فى مأخذه على طرفة([61])

كما أُخذ على طرفة تكرار ضربه لناقته وهذا يوحى بأنها لا تنطلق إلا بالضرب، فقد وصفها بالاندفاق فى السير والجنوح فيه من الشدة والنشاط:

أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ نَصَأتُها   

 

على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْـــــــــــــــــــــــــــــــــــرُبُرْجُــــــــــــــــــد

فقد زجرها بمنسأته، ثم يقول:

   وَإِنْ شئتُ لم تُرْقِلْ وَإِنْ شئتُ أَرْقَلَتْ  

 

مَخَافَةَ مَلْوِيِّ مِنَ الْقَدِّ مُحْصَدِ

 

 فهى لا تستجيب لرغبته فى السرعة، أو تلبى نداءه بالبطء إلا خوفا من سوطه الجلدى الشديد الفتل القوى، وهو بهذا يناقض نفسه حين يقول:  

وَإِنْ شئتُ سامى وَاسطَ الكورِ رَأسهَا  

 

وَعامَتْ بضَبْعَيها نجاءَا الخَفَيْدَدِ

فهى تسبح فى الفضاء سبح السفينة على صفحة الماء، وتنطلق على الأديم انطلاق الظليم، فكيف نجمع بين الوصفين، وقد أخذ الباحث الدكتور عبد العالي بشير على طرفة: التقصير في تحقيق التوازن بين أجزاء القصيدة، والإكثار من الصور الحسية وتناثرها في القصيدة تناثراً ضعيفاً، والمبالغة في وصف الناقة وتعداد أعضائها. ([62])

وبتأمل النص نلاحظ أنه جمع بين الأساليب الخبرية والإنشائية بحسب ما يقتضيه المقام، غير أن الأسلوب الخبري كان هو الغالب على النص، وقد قصد منه تفخيم وتعظيم ناقته ولعل الميل إلى الأسلوب الخبري راجع إلى أنه أنسب لمثل هذا الموقف الذي يصف فيه الناقة عن طريق عرض المشاهد وسرد الصفات، كما أن الشاعر أعطى كل معنى ما يلائمه ولذلك نرى أنه عمد إلى التقديم الذي يدل على الاهتمام فى كثير من الأساليب

وواضح شيوع الجملة الفعلية فى النص؛ لأن الأفعال تناسب السرد أكثر من الأسماء، بالإضافة إلى كون الفعل يدل على الحدوث شيئا فشيئا، وحالا بعد حال، وكأن السامع محاضر تلك الحال.

وقد شاع فى النص أيضا: حذف الموصوف والاكتفاء بدلالة الصفة عليه فى ما يقرب من خمسة وثلاثين موضعا، "وهو جائز حسن في العربية يعد من جملة الفصاحة والبلاغة" ‏([63])  

ومعلوم أن الصفة والموصوف كالشئ الواحد ولذلك يأبى السياق حذف أحدهما لأن حذفه نقض للغرض، ولكنهم أجازوا حذف أحدهما إذا قويت دلالته وأمن اللبس، وأن هذه الصفة لا تكون إلا لهذا الموصوف، وفى هذا كبير مبالغة من طرفة فى إلحاق الصفات العديدة بالناقة، ومعلوم أن الحذف "باب دقيق المسلك لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"([64]).

ومن جماليات الأسلوب عند طرفة: شيوع حذف المسند إليه: (خمسة عشر موضعا) وحذف المسند:(خمسة مواضع) ويرجع هذا إلى أنه يرغب فى بعث الفكر وتنشيط الخيال وإثارة الانتباه، وأجود الكلام ما يثير المتلقى ويدفعه إلى التفكير "وفى طبع اللغة أن تسقط من الألفاظ ما يدل عليه غيره، أو ما يرشد إليه سياق الكلام أو دلالة الحال، وأصل بلاغتها فى هذه الوجازة التى تعتمد على ذكاء القارئ والسامع، وتعول على إثارة حسه، وبعث خياله وتنشيط نفسه، حتى يفهم بالقرينة ويدرك باللمحة ويفطن إلى معانى الألفاظ التى طواها التعبير([65])

وقد وقف الأسلوبيون عند جمالية هذا النوع البلاغي الذي يقوم على المغايرة وتفعيل دور القارئ، إذ: "تعود شعرية الحذف إلى طبيعة الألفة التي يستسيغها المتلقي من شدة ما تلقيه في نفسه من لذة ومتعة، وقد كان من أكبر مساعي أدبية النص الشعري إدماج عنصر اللذة بوصفه عامل انسجام وألفة يلتقي فيه القارئ والنص" ([66])

ومعلوم أن محاولة البلاغيين إيجاد تبرير بلاغي لحالة الحذف وتقدُّمها على الذكر من منطلق أن الذكر هو الأصل وأصليتُه تُضعف من ردود فعل التلقي إزاءه بخلاف الحذف الذي لمخالفته للأصل يكون مخالفا للتوقع، وهذه المخالفة تصحبها حالات نفسية لا تتوفر في الحالة الأولى([67])

          كما كان للتوكيد دور فى إبراز جماليات وصف طرفة لناقته حين استهل الوصف بالتوكيد فى قوله: وإنى لأمضى الهم ... إذ الغرض دفعه للهم والحزن بركوب هذه الناقة النشيطة فى سيرها، ومعلوم عند البلاغيين أن هناك ضروبا من التوكيد لا يُقصد بها المخاطب كما هو الأصل فى التوكيد، إنما يُنظر فيها إلى حال المتكلم نفسه، ومدى انفعاله بالحدث، وحرصه على إشاعة هذا فصاغ الكلام مؤكدا كما أحسه هو، وليس بدوافع خارجية لاحظها عند المخاطب.

  • المحسنات البديعية:

لم تكن المحسنات البديعية عند طرفة فى وصف الناقة شائعة بل كانت نادرة شأنه فى ذلك شأن الشعراء الجاهليين، يرجع ذلك إلى أنه يخاطب العقل والفكر ويرغب فى تركيز المخاطب بعيدا عن الانفعالات والعواطف وبعيدا عن التكلف إلا ما جاء عفو الخاطر كالطباق بين: تروح وتغتدي، فقد استخدمه الشاعر ليدل على قوة تحمل الناقة ومواصلتها الليل بالنهار في السير ولتقريب الفكرة وتوضيحها في ذهن السامع، ويكتسب التضاد أهمية كبيرة فى النص؛ لأنه يشكل المخالفة، ويعرّف ريفاتير الأسلوب على أنه: سياق يكسره عنصر غير متوقع، كذلك تحمل فاعلية أسلوب التضاد معها صراعات نفسية ووجدانية لا تعمل في ذهن المبدع فقط، وإنما تثير وعي القارئ وتحرك إدراكه، وانعدام التآلف والترابط يُحدث استفزازا في وعي القارئ ([68])، وكذلك قوله: أمون بعد قوله: لأمضي الهم، فبينهما تضاد في المعنى يبرز حلم الشاعر بالأمن حيث يرمز لهذا الحلم الذي طالما تمنى تحقيقه على أرض الواقع بهذه الناقة التي تحمل صفات المجتمع المترابط القوي القادر على حماية أفراده وإسعادهم، وكذلك الطباق بين حالتين: تريع إلى صوت المهيب، وبين: وتتقى بذى خصل، ففى الوقت الذى تستجيب فيه الناقة لراعيها تتقى فيه الفحل، والتضاد هنا يبرز تميز الناقة بالاستجابة تارة وبالرفض أخرى .[69]

وجاء السجع بين: مرفقان وأفتلان، ليؤدي إلى التلاؤم الصوتي في الكلمتين، كما يظهر النغمة المؤثرة فى النص، ويجلب الموسيقى القوية التى تطرب لها الآذان، وتهش لها الأنفس، فتقبل على تأمل النص دون ملل أو فتور.

وفى قوله: صهابية ... مزاوجة فى التركيب أُعجب بها أبو هلال فقال: لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا.

وكان طرفة مولعا باستعمال صيغ المبالغة كفعيل: فأنف الناقة عتيق، ووخد رجلها بعيد، وفعال: فناقته موارة اليد، وعنقها أتلع نهاض، وقلبها أبيض نباض، وقائد السفينة ملاح، وفعول: كأمون، وجنوح وطحوران، وهطول، ومفعال: فناقته مرقال، والمبالغة من الفنون التى تبين عن قدرة الشاعر، وتكشف عن صدق موهبته الفنية، لأنه جمع في طياتها بين جمال التصوير ودقة الوصف، وعمق المعنى، وإثارة الخيال، ولما فيها من صدى انفعالي أحسه طرفه في نفسه، وتحركت به عواطفه، فأثارها في نفوس المتلقين، ليستشعروا حاله ويشاركوه همومه التى أزاحتها الناقة، كما أسهمت المبالغة في إيجاد شكل لناقته، لأنها مزجت بين حدود الحقيقة وآفاق الخيال فكانت انعكاسا لواقع حاله وأحوالها.

وتتميز المبالغة عند طرفة بكونها نابعة من نفسه وبمواقفه وبأحواله، وأنها من إملاء  قريحته ولذلك ابتعد عن الغلو وعن خيال الشطط.

ومن المبالغة: لجوء طرفة إلى التضعيف وهذا ينبئ عن أسلوب قوى ودقة متناهية: فطريقه معبد، وضرع ناقته ذاو مجدد، والقصر الذى شبه فخذيها ببابه منيف ممرد، وفقار عنقها منضدة، وضلوعها مؤيدة، وعضداها كالصفيح المسند، وظهرها عال مصعد، وقلبها فى شدة الصفيح المصمد، إلى غير ذلك من الكلمات المضعفة التى منحت أسلوبه قوة إلى قوة.

  • المعجم الشعرى:

من المعلوم أن لكل شاعر معجمه الشعري المحبب الذى يميزه عن الآخرين، كما يميزه صوته المعجمي الذى يعد بمثابة البصمة أو الحمض النووي الذى يخص الشاعر وحده، ويستطيع الناقد الخبير التعرف على بصمة الشاعر بسهولة ويسر لدرجة أنه لو اطلع على أبيات ما دون أن يدون عليها اسم الشاعر يستطيع أن يعرف صاحبها.

"إن معجم الشاعر مستمد من منجم اللغة، وكل كلمة فيه تجر وراءها تاريخا مديدا يعي الشاعر بعضه، ويخفى عنه البعض الآخر، ولكن هذا المختفي لا يتلاشى إطلاقا، بل يظل كالنار الكامنة خلف الرماد لا تلبث أن تتوهج إذا وجدت من يحركها وينفض الرماد عنها، كذلك الكلمة الشعرية تظل حبلى بكل شحناتها الدلالية، ويستقبلها المتلقي حسب معجمه الذي يختلف عن معجم الشاعر، فيسقط على الألفاظ دلالات ربما لم تخطر إطلاقا ببال الشاعر أثناء إبداعه للنص، وبهذا تتنوع الدلالات وتتضاعف، ويكتسب الشعر قيما جديدة على يد المتلقي، وتختلف هذه القيم من متلق لآخر، بل تختلف لدى المتلقي نفسه من لحظة لأخرى، وبهذا تصير الكلمة الشعرية إشارة حرة ذات أبعاد وإيحاءات وتداعيات لا صلة لها بالحياد والموضوعية كما هو الشأن بالنسبة للغة العلم([70]) فالكلمة الشعرية إذن كما وصفها أحد الدارسين: بذرة لزرع جديد ينبت في خيال القارئ  ([71])

ومما لا شك فيه فإن ما أُثر عن العلامة خلف يدل على شغف القدماء واهتمامهم بالمعجم الشعري منذ القرن الثاني الهجري فقد نقل عنه أنه قال: قال لي شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال: (أنبت قيصوما وحثجاثا) فاحتمل له، وقلت أنا: (أنبت إجاصا وتفاحا) فلم يحتمل لي؟([72]) وواضح من كلام شيخ الكوفة وجود نمطين معجميين الشعر: أحدهما بدوي يقبله النقاد، والآخر حضري يرفضه المحافظون منهم، فهم لم يستسيغوه بعد، لقرب العهد ببداية الانفصام بين البداوة والحضارة.

ويقول ابن رشيق: وللشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها ولا أن يستعمل غيرها([73]) معنى هذا أن اللغة ليست ملكا مشاعا بين الفنون الأدبية جميعها من شعر وخطابة وأمثال وكتابة، وهذا ما يراه ابن سنان الخفاجي إذ يقول: من وضع الألفاظ موضعها ألا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور من الرسائل والخطب ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم والألفاظ التي تختص بها أهل المهن والعلوم([74])

ويقول الجاحظ: ولكل قوم ألفاظ حظيت عندهم وكذلك كل بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور، وكل شاعر في الأرض وصاحب كلام موزون فلابد من أن يكون قد لهج وألّف ألفاظا بعينها ليديرها في كلامه وإن كان واسع العلم، غزير المعاني، كثير اللفظ ([75])

وطرفة مثله مثل معظم الشعراء الجاهليين فى اختيار ألفاظ قاموس شعره استجابة لطبعه وفطرته دون انتقاء وفحص، ومع ذلك تأتي ملائمة للمعنى الذي تؤديه، والتراكيب التي تنتظم فيها الألفاظ تراكيب محكمة البناء متينة النسج متراصة الألفاظ، أما الأسلوب فقوي متين، وهو يسير مع طبيعة الشاعر وسجيته إذ ليس فيه تكلف أو صنعة.

وحين وصف طرفة الناقة وظّف عناصر دالة على الحركة، وأخرى على الصوت، سواء على مستوى المعجم الشعري، أو التراكيب، أو التصوير، فدلالات مفردات المعجم تشي بالحركة والصوت؛ كـ(عَوْجَاءَ، مِرْقَالٍ، نَصَأتُها، وَجْنَاءَ، تُبارِي، الْقُفّيْنِ، تَرِيعُ، النَّحْضُ، يُكْنِفانِها، صُهابِيّةُ الْعُثْنُونِ، دِفَاقٌ، عَنْدَلٌ، عُلوبَ، النَّسْعِ، أَتْلع، الَماوِيَتَيْنِ، اسْتَكَنّتا، طَحورانِ، عُوّارَ، مؤَلّلتانِ، أرْوَعُ، نَبَّاضٌ، أَعْلَمُ، مَخْرُوتٌ، مُلَمْلمٌ، مارِنٌ، تُرْقِل، لاحِبٍ، ظَهْرُ بُرْجُد، ِسَفَنجَةٌ، تَبْري، أَزْعَرَ، أَرْبَدِ، مَوْرٍ، أَغْيَدِ، مُلْبِد، الشَّنّ، مُنيفٍ، مُمَرَّدِ، أجْرِنَةٌ، مُنَضَّد، مُؤَبَّدِ، داِلجٍ، قَرْمَدِ، مَوّارَةُ، قَرْدَدِ، مُقَدَّدِ، مُنَدِّد، الخَفَيْدَدِ) فكل هذه المفردات منتزعة من حقول دلالية تدل على الحركة والصوت، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حدب الشاعر وإصرراه على إثبات حيوية ناقته ونشاطها، هذا المعجم الشعرى ولّد أسلوبا قويا جزلا رصينا، تميز بالمتانة، والفخامة وقوة القافية مع سهولتها.

  • الصنعة اللفظية :

من الأخطاء الشائعة فى النقد مطابقة الباحثين بين مصطلحى التكلف والصنعة، وإن كان مدلول أحدهما قريبًا من مدلول الآخر، وليس كلام العلامة المرزوقى: إن الكلام الذي تلوح على صفحاته آثار التكّلف هو المصنوع ([76]) يعنى التطابق بينهما فمثلا: صنعة زهير أصبحت طبعا، حتى قيل: إن زهيرا مصنوع مطبوع فى صنعته، وعلى هذا يمكن القول: إن المراد بالصنعة: معرفة الشاعر بالأصول والقواعد التى تجعل الشعر جميلا، فللشعر"صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات" ([77])

يقول د. إحسان عباس عن مفهوم المرزوقي عن المطبوع والمصنوع من الشعر أما المطبوع: فهو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا نُقل ذلك بصورة تعبير، خُلّي الطبع المهذب بالرواية، المدرّب بالدراسة، كي يضع ذلك الجيشان وتلك الحركة في ما يختاره من قوالب وألفاظ، وأما المصنوع: فهو ما كان وليد جيشان في النفس وحركة في القريحة، فإذا شاء الشاعر نقل ذلك بصورة تعبير نُحِّيَ الطبع المهذب بالرّواية والدربة عن العمل، وحلّ محلّه الفكر فأخذ ذهنيا يقبل ما يقبل ويردّ ما يردّ، فتجاوز المألوف إلى البدعة، وتلذّذ بالإغراب، فخرج الكلام مصنوعاً . ([78])

ويقول العلامة قدامة بن جعفر: ولما كانت للشعر صناعة، وكان الغرض فى كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال، إذ كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات والمهن فله طرفان: أحدهما: غاية الجودة، والآخر: غاية الرداءة، وحدوده بينهما تسمى: الوسائط، وكان كل قاصد لشئ من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود، فإن كان معه من القوة فى الصناعة ما يبلغه إياه سمى حاذقا تام الحذق، فإن قصر عن ذلك نزل له اسم بحسب الموضع الذى يبلغه فى القرب من تلك الغاية والبعد عنها، إذ كان الشعر أيضا جاريا على سبيل سائر الصناعات، مقصودا فيه وفى ما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد.. ([79])

وعلى هذا فمصدر الإبداع فى الشعر: الطبع والصنعة، والطبع يعني: الاستعداد  الفطري أي: الملكة والموهبة، والصنعة تعني: المكابدة والمعاناة والإرادة والتمحيص، وهذا يفسر لنا أن الموهبة وحدها لا تكفي  لخلق الإبداع المؤثر إذ لابد من عوامل تساعد هذا الطبع وتثيره كلما خبا وخمدت ناره.

وقد أسهمت البنيات التركيبية في إبراز هذه الصنعة عند طرفة، إذ لم يقل ـ مثلا ـ : وإنى لأمضي الهم بناقة مرقال: أي سريعة، بل قال: (بعوجاء مرقال) والعوجاء التي لا تسير في خط مستقيم؛ لفرط نشاطها، فهو لم يرد أن يثبت لناقته صفة السرعة فقط، بل هي سريعة ونشيطة في آن واحد، ومن سمات الإبل أنها إذا أسرعت لا تستقيم فى سيرها، وسرعتها ليست اضطرارية أجبرها عليها صاحبها، وليست سرعة عادية، بل شديدة السرعة؛ لأنه قال: (مرقال) بوزن: (مفعال) على المبالغة ولم يقل: (مُرقِل) من أرقل لكن عن حيوية ونشاط، وهذا أقوى في الوصف، وواضح المسحة الجمالية التى تعلو الناقة وقد تبدت من وراء هذا التعبير (بعوجاء مرقال)

ومما يؤكد نشاطها وحيوتها: التضاد الواقع في نهاية البيت (تروح وتغتدي) أي تصل سير الليل بسير النهار وسير النهار بسير الليل، لا تكل ولا تمل، ولا تتعب، ودلل على ذلك بأنها (أمون) أي لا تتعثر فمن يركبها آمن، ويشف هذا الوصف عن بنية قوية تتمتع بها هذه الناقة؛ إذ الناقة الهزيلة الضعيفة لا يؤمن تعثرها والإضرار بمن يركبها وسقوطه عنها.

 

 

  • التعبير الإيقاعى:

اهتم تراثنا النقدي بالإيقاع الشعري اهتماماً بالغاً يكشف عن طبيعة دور الإيقاع وأهميته ومنزلته من القصيدة الشعرية، ولم لا ! وهو أوضح ما يميز لغة الشعر عن سواها، ومعه الانفعال القائم على التصوير والتخييل، "والإيقاع يعتمد على توازن العناصر وهو توازن يقوم على مبدأ التعارض الثنائى بين العناصر: الحركة فى مقابل السكون والتوتر فى مقابل الاسترخاء، والارتداد فى مقابل التعاقب وهذا يحدث فضاء داخل النص فيما بين عنصر وآخر([80]).

وللإيقاع دور مهم فى النص ولذلك نهضت عليه العديد من الفنون البلاغية بحكم مغايرة الصوت للمألوف، لأنه يؤدي وظيفةً جماليةً تشبه الألحان التي ترافق الغناء من خلال ترددات صوتية متشابهة بين عدد من المفردات أو التراكيب على نحو تعاقبي تعمل على تنشيط حس القارئ واستمالته، ويمكن القول: إنه أثر فني "يحدثه النص في النفس من خلال نشوء حركة انحرافية تتحول بها العناصر من رسائل دلالية معنوية إلى إشارات  فنية، تقيم أمامها وبين يديها ما نسميه: الإيقاع الإشاري، وهو فعالية فنية تُحدثها بعض النصوص، ينتقل فيها المتلقي مع النص من حالة الوعي إلى حالة الهيام ([81])

 وتصدر الإيقاع عندهم: الوزن والقافية إذ أدركوا أن تصوير الداخلية الشاعرة يقتضي صوغاً خاصاً وترتيباً متميزاً لألفاظ منتقاة مختارة لتؤدّي مكنونات الضمائر والقلوب، يجلّى هذا ابن طباطبا فى قوله: الشعر - أسعدك الله  - كلام منظومُ بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خُصّ به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجّته الأسماع وفسد على الذوق([82]) وكذلك ابن خلدون حين قال: وأمّا العرب فكان لهم أولا فنّ الشعر، يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة، ويفصلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا، ويكون كلّ جزء منها مستقلاً بالإفادة، لا ينعطف على الآخر ويسمّونه البيت([83]) واضح أن ابن خلدون يشير إلى البنية الإيقاعية للشعر فأبيات الشعر عنده  أجزاء متساوية متشابهة ومتناسبة فيما بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة.

وقد عدّ النقاد العرب القافية جزءاً من الوزن، ونسبوا إليها كبير أهمية في العملية الشعرية، وقد جلّى العلامة الجاحظ هذا حين قال: حدّثني صالح بن خاقان قال: شبيب بن شيبة: الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع، وبمدح صاحبه، وحظّ جودة القافية، وإن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت([84]) وقد يكون الاهتمام بالقافية مقصورا على العرب، وهذا ما أشار إليه العلامة الفارابي: إن العرب من العناية بنهايات الأبيات التي في الشعر أكثر مما لكثير من الأمم التي عرفنا أشعارهم.

 

  • الوزن الشعرى:

اختلف الباحثون اختلافا بيّنا فى ربط الغرض الشعرى بالوزن فرأى بعضهم أن لكل بحر إيقاعاً يصلح لغرض من الأغراض، يقول حازم القرطاجني: ولمّا كانت أغراض الشعر شتى وكان منها ما يقصد به الجد والرصانة، وما يقصد به الهزل والرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء والتفخيم، وما يقصد به الصغار والتحقير وجب أن تحاكي تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان([85])

ولم يتقبل الدكتور شكري عيّاد هذا الرأي، ورمى أصحابه بادعاء فكرة لا تستند إلى مسوغات معقولة أو أدلة مقبولة، فقال: إن صاحب المرشد([86]) لا يستند في تمييزه بين الخصائص المعنوية للأوزان العربية إلى أي أساس موضوعي.

ومما لا غرو فيه فإن الشعر - كما يقول ابن سينا - هو كلام مخيّل، مؤلّف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة، ومعنى كونها موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي، ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كلّ قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية، فإن عدد زمانه مساو لعدد زمان الآخر، ومعنى كونها مقفاة هو أن يكون الحرف الذي يُختم به كل قول منها واحدا ([87])إذ من المعلوم أن موسيقى الشعر في النقد الأدبي الحديث تعني رؤوس المثلث المتساوي الأبعاد: الإيقاع - الوزن - القافية

ويقول ابن عبد ربه: وزعمت الفلاسفة أن للنغم فضلا بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحنّ إليه الروح ([88])؛ ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي أن نمنع النّفس من معاشقة بعضها بعضا إلا ترى أن أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور ترنموا بالألحان، ويقول الفارابي: إن جل الشعراء في الأمم الماضية والحاضرة الذين بلغنا أخبارهم خلطوا أوزان أشعارهم بأحوالها، ولم يرتبوا لكل نوع من أنواع المعاني الشعرية وزنا معلوما إلا اليونان فقط فإنهم جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعا من أنواع الوزن.

وقد نسب الدكتور عز الدين إسماعيل إلى الخليل أنه لاحظ أن بعض الأوزان الشعرية أخص من بعض ببعض الأغراض؛ حيث ذكر أن بعض الأوزان يتفق وحالة الحزن، وبعضها يتفق وحالة البهجة، وما إلى ذلك من أحوال نفسية([89]) وعلى هذا فالشاعر حين يعبر عن نفسه من خلال الوزن المعين إنما يختار لنفسه أكثر الأشكال الطبيعية تناسبا مع حالته الشعرية، وعندئذ يمكن أن يقال: إن الوزن رغم أنه صورة مجردة يحمل دلالة شعورية عامة مبهمة ويترك للكلمات بعد ذلك تحديد هذه الدلالة.

وقد استخدم طرفة بحر الطويل لما يوفره من كثرة التفعيلات، وما يضمنه من طول النفَس الشعري الذي يتلاءم مع الجو النفسى لوصف الناقة، وبخاصة أنه فى حاجة إلى الاسترسال في الكلام، وعادة ما تكون هذه الأوزان هادئة رزينة تتلاءم مع جو الشاعر النفسى، ولما لموسيقى هذا البحر من نغم طويل وكثرة فى المقاطع ودقة فى الجرس كما هو واضح من تفعيلاته:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

 

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

ومعلوم أن بحر الطويل أخذ "حلاوة الوافر ورقة الرمل، وترسل المتقارب، وتخلص من جلبة الكامل، فهو بحر فيه كثير من صفات البحور الأخرى"([90])  ولما لا! وهو بحر خضم يستوعب مالا يستوعبه غيره من المعاني، ويتسع للفخر والحماسة، وسرد الحوادث، وتدوين الأخبار، لهذا جاءت عليه معلقات: امرئ القيس، وزهير، وطرفة، ولامية الشنفرى، وقصيدة عبد يغوث الحارثي وغيرهم .

ولا يفوت التنبيه إلى أن الموسيقى - مما لا شك فيه - تؤثر تأثيرا فعَّالا في بلورة التشكيل الجمالي للنصِّ الشعري، إذ تتلاحم الأصوات اللغوية في النص بتضام الصوت إلى الصوت ومرورا بتعانق الكلمة بالكلمة، وانتهاء بتشابك الجملة بالجملة ليحدث هذا إيقاعا يعبر عن مختزنات الحالة الشعورية، مما يبعث في النفس مشاعر منشطة أو مهدئة حسب طبيعة التجاوب النغمي شدة ولين، والإيقاع الموسيقي بهذا المعنى، يضفي إلى عناصر النص قوة جمالية وهذا ما يجذب النفوس إلى النص ويحببها فى قائله، وهذا ما حدث مع طرفة فى شعره عامة ومعلقته خاصة إذ تميز وصف الناقة بوحدة الوزن والقافية انطلاقا من طبيعة الحياة البدويّة.

 

الفصل الثالث:  جماليات التصوير

اهتم البلاغيون اهتماماً كبيرا بالصورة الشعرية لما تحمل من جماليات في النص وتحليق في عالم الخيال لتقديم المعنى بثوب جديد، ولم لا ! وهى السمة المميزة للنص وبؤرة جمالية عند الشعراء المبدعين الذين عملوا على ابتكار صورا جديدة فريدة دلت على قدرتهم وسيطرتهم الكبيرة على مفردات اللغة، وأصبحوا نساجين مهرة نسجوا لنا وشائج حميمة بين الصور، وفتحوا لنا نوافذ لنطل من خلالها على أسرار تلك الصور ومكوناتها الباذخة الروعة والجمال؛ لأنها ذات دلالات إيحائية عميقة، ومنطقة جذب لإحساس القارئ، فكانت بمثابة البصمة للشاعر، والحمض النووى له.

ولا ريب فإنَّ تحديد ماهية التصوير تحديدا دقيقا من الصعوبة بمكان؛ لأن الفنون بطبيعتها ضد القيود، ولعل هذا هو السر في تعدد مفاهيم الصورة وتباينها بين النقاد بتعدد اتجاهاتهم ومنطلقاتهم الفكرية والفلسفية، ومعلوم أن الصور والأخيلة من أقوى الوسائل في التعبير عن الفكر والشعور فهما أشبه بثوب العروس الذي تتجمل به  ([91])

ومن الملاحظ أن طرفة لم يلجأ كثيرا إلى الأساليب المباشرة فى التعبير؛ إنما إلى وسائل متنوعة تهيج المشاعر، وتوقظ النفوس، وتنبه العقول، وتلهب الأحاسيس، وتؤجج العواطف كى يشاركه المتلقى أحواله فيكون بذلك قد نجح أيما نجاح، ولم تكن تتأثر بها مشاعرنا إلا بعد أن جنح بها إلى الخيال الخصب لأن عاطفته عاطفة حماسية.

كما أنه رسّام بارع فى الرسم والتصوير بل تفوق على الرسام صاحب الريشة والمحبرة، فمَنْ منَ الرسامين يستطيع رسم الناقة على شكل سباح ماهر تمد عضديها فى الهواء كما يمد السباح يديه فى الماء، وفى الصورة نفسها - عن بعد - يرسم الرسام صورة ظليم مطرود وكأن الناقة تباريه فى السرعة لتكتمل الصورة الكلية البارعة فى قوله: وعامت بضبعيها ... البيت، وسوف يظهر جليا ذلك التصوير فى المباحث التالية:

المبحث الأول: التصوير بالتشبيه

من المعلوم أن التشبيه هو المكوِّن الأساس للمعرفة عند الشعراء الجاهليين في إدراكهم ماهيات العالم المحيط بهم، وكلما ازداد وعي الجاهلي للأشياء المحيطة به ولماهيتها أبدعَ فى تشبيهاته، ولهذا كان تركيز النقاد القدامى على أهمية الوصف في تشكيل الوعي الفني، يقول ابن رشيق: وأحسن الوصف ما نُعت به الشيء حتى يكاد يمثله عيانًا للسامع([92])

وقد حدد أبو هلال القيمة الجمالية للتشبيه بأربعة أوجه :إخراج ما لا تقع عليه الحاسة على ما تقع عليه([93])  وإخراج ما لم تجِر به العادة إلى ما جرت عليه ([94]) وإخراج ما لا يعرف بالبديهة العقلية إلى ما يعرف بها عن طريق التمثيل،  وإخراج ما لا قوة له في الصفة على ما له قوة فيها([95])      

وجمالُ التشبيه يأتي غالبا من خلق الائتلاف بين الأطراف المختلفة، ولهذا ربط شيخ البلاغيين صنعة التشبيه بجودة القريحة وبوعي الشاعر الجمالي عندما قال عن صنعة التشبيه أنها تستدعي جودة القريحة والحذق الذي يلطف ويدق في أن يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب([96])

واشترط السكاكى في التشبيه أن يكون نادر الحضور في الذهن، فإن كان كذلك اندهش منه المتلقي واستطرفه استطراف النوادر عند مشاهدتها واستلذ بها لجدتها فلكل جديد لذة ([97]) ومن هنا قيل: إن التشبيه أشرف كلام العرب.

وقد جمع طرفة بين حدة الذهن وحرارة العاطفة، وكان خياله قويا واقعيا ينزع نزعة مادية حسية، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق، وتجلى خياله في تشبيهاته، فاعتمد عليها في التعبير عن أفكاره، وقد انتزع تشبيهه من بيئته، ومما رآه في تجواله، واتخذ من التشبيه منطلقاً لتجسيد الصورة الشعرية، من خلال تمكنه في جعل هذه العناصر الموصوفة تتآزر؛ لتكشف عن صورة ذات وحدة شعورية مترابطة على الرغم من تنوع أغراضها الموصوفة، وهذا يدل دلالة واضحة على علم جم، ومعرفة غزيرة، وإطلاع واسع على مختلف أنواع التشبيه.

إنه عاشق لقاموس الصحراء وقاموس البحر يستمد منهم صوره ومعانيه وأخيلته، حتى أطلق عليه الدكتور حسن باجودة قوله: إن طرفة كان شاعرا برمائيا([98])

وقد لفت انتباهي غزارة التشبيهات ووفرتها، وبراعة طرفة في تركيب عدة صور استطاع بفضل خياله أن يؤلف بينها تأليفا فذا .

  ولا غرو فإن طرفة قد أبدع فى تشبيهاته حتى بز السابقين وهز اللاحقين، يقول الأعلم الشنتمرى: وكان الأصمعى يقول: لم يأت أحد بهذا التشبيه غير طرفة، يقصد:

       وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ الْعَلاةِ كأنّما

 

  وَعى الملتقى منها إِلى حرْفِ مِبْرَد

يقول الشاعر فضل الله العمرى: هذا التشبيه من التشبيهات العُقْم الشافيات للبدائه المعتلة من السُّقْم([99]) وليس هذا فحسب بل وصف حركة الناقة وسرعتها، ومكان رعيها، وذكاءها وقوة بنيانها وتناسقه، وسيرها، ورأسها، وخدها، وعينيها، وأذنيها، ومشفرها، وتوجسها، وهو بذلك يمتدحها ويعظمها ويرفع من شأنها، فهي قوية تغلب النوق الكريمة في مشيها وعدوها، ولذلك عاملها معاملة الإنسان العاقل لقربها من نفسه وقلبه ولأنها الصديق الحميم الذي يخلّص الشاعر من أحزانه.

ومن هنا جاءت الصور والتشبيهات التي استعان بها الشاعر في وصف ناقته في أغلبها متباعدة ومتفرقة فكل منها صورة منفصلة ومنظر مستقل جمع بينها الشاعر بقدرة لغوية ونظم شعري لتخرج لنا مشاعر وأحاسيس وخيالات على أرض الواقع في صورة الناقة الأم رمزاً للحنان والعطف والاهتمام والرعاية.

ومما تميّز به طرفة: براعته فى إيجاد العلاقات بين أطراف التشبيه  مما أعطى التشبيه لديه عمًقا معرفيا مميزا ، كما أحسن فى اختيار عناصر الصورة الوصفية التى استقاها من مصادر حياته الغريبة، إذ استمد صورته التشبيهية من:

 

أولاعالم الحياة الإنسانية المرتبط بحياته اليومية: فقد شبه خد الناقة بالصحيفة، ومشفرها بالنعل المدبوغ باليمن:

           وَخَد كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَر

 

        كسِبْتِ الْيَماني قَدُّهُ لم يُجَرَّد([100])

فخد الناقة كقرطاس الرجل الشامى فى بياضه وجودته ونعومته، مما يدل على أنه خدّ عتيق لا شعر فيه، وقد امتاز العرب في بلاد الشام بصناعة الورق وأسهموا في حفظ الحضارة البشرية.

ثم يشبه مشفرها بنعل الرجل اليمانى المميز باللين واستقامة القطع، ولا ريب فإن جمعه بين الخد من البادية والقرطاس من الحاضرة يدل على سعة اطلاعه ووعيه بالبيئة المحيطة به، وفى هذا التشبيه دلالة على البعد الحضاري للمنطقة التى يعيش فيها طرفة، فالمجتمع البحريني يملك ثقافة القرطاس ولو كان شاميا، وبالتالي ثقافة الكتابة.

وخص اليمانى لأنهم ملوك، ونعالهم أحسن النعال ، وقد اشتهرت اليمن بجودة الجلود والدباغ، "ووصفه بأنه لم يجرد من الشعر لأن ذلك ألين له وأحسن"([101]) وباختياره المشبه به يبين عن جمالية ناقته وحسنها، ولم لا ! وقد التقط لها مشبه به من الشام وآخر من اليمن، يقول الإمام عبد القاهر: ... وهل تشكُّ في أنه (أى: التشبيه) يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بُعْدَ ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المُشئِمِ والمُعْرِق([102]) أضيف إلى ذلك: جمالية الانسجام والتناسب بين الطرفين وكأنه قد عقد بينهما عقد نسب ومصاهرة حتى التحما كل الالتحام، واندمجا كل الاندماج.

ولا شك فإن جمال التشبيه هنا يكمن في استثارة الفكر والتأمل من أجل إدراك وجه الشبه الخفي، إذ كيف استطاع طرفة التقاط مشبه به مناسب بهذا الشكل الجمالى البعيد؟ إن هذا هو عين اللذة الجمالية، التى رآها عبد القاهر، إذ يرى أن حسن التشبيه وجماله لا يكون إلا بعد التأنق في استحضار الصور وتذكرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها ([103]) كما يرجع جمال التشبيه إلى عقد النسب والمصاهرة الذى عقده طرفة بين الطرفين المتباعدين كل الابتعاد، وهذا إن دل فإنما يدل على جودة قريحة الشاعر ووعيه بكل ماهو محيط به، وما جمالية التشبيه عند البلاغيين سوى ضم صورتين متغايرتين إلى جانب بعضها، وخلق التجانس بين المتغايرات عبر التماس علة سياقية تجمعهما.

وشبه جمجمتها بصخرة تشبه المبرد:

وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ الْعَلاةِ كأنّما

 

وَعى الملتقى منها إِلى حرْفِ مِبْرَد([104])

شبه جمجمة ناقته في الصلابة بالسَّندان الذى يتخذه الحداد الصلابة والحدة، وخص العلاة - السندان - لأنه يكون من الحجارة والحديد فهو أقوى، وفى هذا إشارة إلى مجتمع طرفة الذى كان متطورا من النواحي الصناعية والحرفية البسيطة، وإيثار العلاة على السندان - وهو اللفظ المشهور بين الناس – يشير إلى جمالية هذا اللفظ؛ إذ فيه معنى العلو والشرف والرفعة، وقد أراد لناقته هذه الأوصاف.

ثم يشبه طرف الجمجمة فى حدتها وصلابتها بالمبرد، وتشبيه الجمجمة بالسندان ثم الصخرة بالمبرد يوحى بجمالية صلابة الناقة على الرغم من وجود الأعاصير وما يعترى الصحراء من تغيرات جوية، فالسندان مصنوع من الحديد ليتحمل الصدمات والضربات القوية الموجعة، وناقة طرفة كذلك،

ثم إن توليد تشبيه من تشبيه يوحى بقوة هذا الشاعر ووعيه وابتكاره لكل ما هو جديد فى عالم الجمال البيانى؛ إذ لم تجر العادة بمثل هذا، وفيه دلالة على اندماج طرفة مع العالم الخارجى، وقدرته فى التأثير على المتلقى، وهذا من مظاهر الجمالية الشعرية، وقد سبقت الإشارة إلى حديث الشنتمرى نقلا عن الأصمعى وإعجابه الشديد بهذا التشبيه، يقول: لم يأت أحد بهذا التشبيه غير طرفة، ويقول الشاعر فضل الله العمرى: هذا التشبيه من التشبيهات العُقْم الشافيات للبدائه المعتلة من السُّقْم ([105]).

والجمجمة الصلبة التي تستوعب هذه الناقة القوية الذكية ذات الأوصاف البهية لا يمكن أن تكون إلا وعاء للقيادة الذكية الواعية لأمور الحضارة والتقدم الإنساني الذي يتميز بأنواع الجمال الروماني والشامي واليماني الذي طمح إليه الشاعر إذا حضره الهم واعتصرته النوائب، لهذا آثر قوله: وعى الملتقى، فهو مصدر القيادة والتحكم والحفظ والتدبر والفهم، وهو بهذا يخلع صفات الإنسان على ناقته.

ويشبه عنق ناقته بسكان السفينة:

وَأَتلَع نَهَّاضٌ صَعَّدَتْ بِهِ 

 

كسُكّانِ بُوِصيِّ بِدْجِلَةَ مُصْعِدِ([106])

 

شبه أولا جمال عنقها في طوله وارتفاعه وسرعة نهوضه وانتصابه بذنب السفينة في حال جريها في الماء، ويأتى بصيغة مبالغة ليتمكن الوصف منها، فناقة طرفة طويلة العنق وإذا رفعت هذا العنق أصبح شبيها بذنب السفينة التى تمخر في نهر دجلة، وياله من جمال حين يجمع اليابسة مع الماء فى تشبيه واحد.

ولا شك فإن طول عنق الناقة يساهم فى تناول قُوتها من الأشجار المرتفعة، كما يساعدها على تشوف أرجاء الصحراء التى تسير فيها، ولا يقهر الصحراء إلا ناقة نشيطة قوية كهذه، من أجل هذا جاء تشبيهها بالسفينة التى لا تنجو من الغرق إلا إذا تحرك ربانها وارتفع ليعالج الموج الذى قد يأتيه من كل مكان، وناقة طرفة سفينة، وعنقها ربان، والرمال موج! وهذا تشبيه عجيب غريب، إذ جعل الناقة تشق الرمال كما تشق السفن الماء، تناسبا وتناسقا وجمالا وحلاوة وصياغة واندماجا.

ثم يشبه طول العنق فى ارتفاعه بسكان السفينة حال جريها فى الماء، إنه خيال خصب طموح؛ لأنه من‌ المناظر الحضارية‌ التي‌ لفتت‌ انتباه‌ الشعراء الجاهليين‌، وانتباهنا معهم فشاهدنا منظر السفينة‌ السابحة‌ في‌ لُجّة‌ البحر، ومنظر الناقة السابحة‌ علي‌ صفحة‌ الرمال‌، وكدنا‌ أن تخيل الإبل‌ سُفناً حقيقية‌، فيا لروعة جمالية التزاوج بين الماء والرمل كرمزين للبداوة والمدنية، والحياة والموت، ويا لجمالية التزاوج بين لغة الصحراء الخشنة القوية الصلبة وبين لغة البحر العذبة اللينة الخيرة التى تفتح باب الأمل أمامه، وتزيل التوتر النفسي بتغيّر مده وجزره.

وقد اعتنى شيخ البلاغيين بمثل هذا النوع من التشبيهات التى تسيطر عليه نظرية التفصيل في التصوير لأهميتها في إبراز فلسفة الخيال وقدرته على التوفيق بين الأشياء المتعددة، وكذلك العلامة جار الله لأنها من وجهة نظره "تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي   ([107])، ولا غرو فإن الأصل في جمال التشبيه هو قدرته على جمع أشياء عديدة يحفظ لها الظهور لتبقى متمايزة، إذ إن من غير المعقول أن تجمع الأشياء حتى تتراكم، ولكن من الجميل أن تسلك في نسق جمالي، كما يمنحها المبالغة التي تهب للتشبيه قيمته حين توقعه في القلب موقع القبول، بل اللذة والإمتاع، لأن المبالغة تعني تثبيت المعنى وتأكيده.

ويشبه مرفقيها بسقاء، وانتفاخ جوفها بقنطرة الرومى:

لها مِرْفَقَانِ أَفْتَلانِ كأنّها
كقَنْطَرَةِ
 الرُّوِميّ أَقْسَمَ ربّها

 

تَمُرُّ بِسَلْمَيْ داِلجٍ مُتَشَدِّدِ([108])
لَتُكْتَنَفَنْ
 حتى تُشادَ بِقَرْمَدِ([109])

وهو كسابقه لكنه أكثر تفصيلا إذ شبه مرفقيها المفتولين بسقاء حمل دلوين إحداهما بيمناه والأخرى بيسراه فبانت يداه عن جنبيه، فبعد مرفقيها عن جنبيها وقوتهما وشدتهما كبعد الدلوين عن جنبي حاملهما القوي الشديد، وهذه جمالية رائعة فى الوصف فكلما بعد الدلوان عن جانب السقاء كان ذلك مدعاة للسيطرة والتمكن منهما، كما يزيده قوة، والناقة كذلك إذ بعد مرفقيها عن جنبيها وعدم احتكاكهما يعطيها قوة وجمالا، وهذا سر وصف المرفقين بــ: أفتلان.

ثم يشبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة تبنى لرجل رومي قد حلف صاحبها ليحاطن بها حتى ترفع أو تجصص بالآجر، والقسم يظهر جمال القنطرة إذ سيكون فيها منعة وإحاطة، وفى إيثاره الرومى لمسة جمالية لخصوصيتهم واهتمامهم الأكبر فى بإتقان البناء، وهذا ما أراده طرفة لناقته فهى محكمة الخلق، متينة البنيان، متناسقة الأعضاء.

وهو تشبيه جميل بإيثاره المشبه به؛ لأنه نادر الحضور فى ذهن المتلقى، وإذا كان كذلك فإنه يستطرفه، وتلك لمسة جمالية تحسب لطرفة؛ لأنها تدل على جودة قريحته، وحضور دائم لمفردات الحضارة، وقدرة فائقة فى التأثير على المتلقى، ولم لا ! ومعلوم أن جمالية التشبيه فى نظم ألفاظه، ودقة معانيه، وهذا واضح فى اختيار طرفة لألفاظه، كأفتلان، فهو لفظ سهل وفى الوقت نفسه دقيق فى المبنى والمعنى، ووقع من النفس موقع اللفظ الرشيق من القلب، وهو بهذا يلح على إبراز ما تتمتع به ناقته من قوة البنيان وتناسق الأعضاء كما كشف التشبيه عن ناقة مؤهلة للأسفار.

ويشبه فخذيها بمصراع باب قصر عال أملس:

لها فَخِذَانِ أُكمِلَ النَّحْضُ فيهما

 

كأنّهما بابا مُنيفٍ مُمَرَّد([110])

          شبه فخذيها الكبيرين بمصراعى باب قصر عال مملس، قصدا إلى بيان جمال الناقة، فالناقة كلما اكتنزت باللحم علتها مسحة الجمال؛ ولم لا! وفى التشبيه علو وضخامة، ونعومة وملمس، وجمْع بين البادية والحاضرة، ولذا كان الحيوان في رواحه أجمل منه في غدوه؛ لأنه في رواحه أكثر شبعًا من غدوه([111]) وهذا التشبيه من روائع طرفة لبراعته فى حسن الجمع بين الطرفين وهذا إبداع من نسيجه، ودليل على حضور ذهنه، وسرعة بديهته، وسعة خياله، وهذه هى جمالية التشبيه وبراعته أضيف إلى هذا مجئ المشبه به محسوسا وهذا أقرب إلى التناول وأرسخ في النفوس، ويعانق الفعل المبنى للمجهول: أُكمل، جمال التشبيه ليحدث هزة جمالية تدل على عوامل امتلاء الناقة، وتعدد مراعيها ، ويبدع فى تصوير ذيلها فيقول:

تَرِيعُ إِلىَ صَوْتِ الُمهِيبِ وَتَتَّقي
كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَحيِّ
 تَكَنَّفَا
فَطَوْراً
 بهِ خَلْفَ الزّميلِ وَتَارَةً

 

بذي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكلَفَ مُلْبِدِ([112])
حِفا فيهِ شُكّا في العَسِيبِ
 بِمسْرَد([113])
على
 حَشَفٍ كالشَّنّ ذاوٍ مُجَدَّدِ([114])

يكشف الوصف عن ناقة مطيعة مدربة على الاستجابة لمن يناديها وهي تحافظ على نفسها من أن يلقحها فحل، لذلك فهي تستخدم ذيلها للذود عن نفسها ضد طمع الفحول.

فيصف ذكاء ناقته بصورة واقعية جمالية ممتعة مبرزًا بعض ما تتمتع به من جمال، فكانت ركيزته: ذنبها؛ حيث شبه الشعر المحيط به بجناحي النسر الأبيض العظيم، وفيه ضخامة الذنب لوفرة الشعر الذى يكتنف جوانبه، وهو مغروز غرزا قويا فى عظم الذنب وهى تحاول إبعاد الفحول عنها فهي دائمة الضرب به يمينا ويسارا حتى إنه ليصيب من يردف خلف طرفة عليها، وهو مشهد تمثيلي للناقة وحركة ذيلها القوي الذي يشبه جناحي نسر أبيض عظيم.

ولا غرو فإن الدفاع عن الناقة يستلزم قوة عظيمة كقوة النسر الأبيض مما يساهم فى المحافظة على عفتها، وتجعل ذنبها حاجزا بينها وبين فحل تضرب حمرته إلى السواد متلبد الوبر، يريد أنها لاتمكنه من ضرابها فلا تلقح، وإذا لم تلقح كانت مجتمعة القوى وافرة اللحم قوية على السير والعدو.

وثنى بوصف حركة هذا الذنب؛ فتارة تضرب به خلف رديف راكبها (أي مؤخرته): (فطورا به خلف الزميل) وتارة تضرب على أخلاف متشنجة خلقة كقربة بالية وقد انقطع لبنها.

وما زال الشاعر يصف هذا المجتمع الذي يتمنى العيش فيه فهو مجتمع ربيعي الجوهر ناعم المظهر كريم العطاء سخي كريم  كبطون الأودية وهي أكرم بقاع الرعي([115])

وهذا التشبيه يضفي لونًا من الجمال على الناقة، ويكشف عن شاعر مبدع فى صوره، إذ إنى أشك فى قدرة رسام يستطيع أن يرسم بريشته تلك الصورة، شرط استعمال المخرز ليشك الجناحين فى ذنب عظم الناقة، ويتقن رسم جناحى هذا النسر؟  .

إن اندماج طرفة مع العالم من حوله أرضا وبحرا وجوا منحنا اندماجا معه حتى استحضرنا النسر الجامح من الجو وأنزلناه فى خيالنا على مؤخرة ناقته، فهل هناك جمالية أروع من هذا التمثيل المبدع، يقول شيخ البلاغيين عن جمالية مثل هذا النوع من التشبيهات: وهل تشكُّ في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بُعْدَ ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المُشئِمِ والمُعْرِق، وهو يُرِيكَ للمعاني الممثَّلة بالأوهام شَبَهاً في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، ويُنطق لك الأخرس، ويُعطيك البيان من الأعجم، ويُريك الحياةَ في الجماد، ويريك التئامَ عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماءِ والنارِ مجتمعين([116]) ويقول أبو هلال:.. إخراج ما لا يعرف بالبديهة العقلية إلى ما يعرف بها عن طريق التمثيل ([117])

وحقاً: إن جمال التشبيه ليس في الجمع بين المتناقضات وتشخيصها وإنما في استثارة الفكر والتأمل من أجل إدراك وجه الشبه الخفي، لأن التأمل والإدراك هو عين اللذة الجمالية، وقد ذهب الشيخ إلى أن "حسن التشبيه وجماله لا يكون إلا بعد التأنق في استحضار الصور وتذكرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها ([118])  وكأنه كان ينظر إلى التشبيه على أنه لوحة فنية تبرز فيها الأشياء، وتحدد معالمها ومقاييسها بتوازن وتوفيق دقيق وبخاصة بين المتضادات المتباعدات أو المتنافرات ([119])، وشبه فقراتها بالقسى:

وَطَيِّ مُحالٍ كالَحنيّ خُلُوفُهُ
كأنّ كِناسَيْ ضَالَةٍ
 يُكْنِفانِها         

 

وَأجْرِنَةٌ لُزَّتْ بدَأْيٍ مُنَضَّدِ([120])
وَأَطْرَ قِسِيِّ تَحْتَ
 صُلْبٍ مُؤَبَّدِ([121])

ففى الوصف شبه أضلاع ناقته المطوية المتراصفة المتداخلة المحكمة القوية بالقسى، وآثر من مرادفه: الحنى، ليكون أقرب إلى روعة السبك وأدق فى وصف انحناء الفقرات وقوة التحامها، وهذا تشبيه غريب عجيب؛ إذ قدم فيه المشبه به على المشبه، وبنيت الصورة بناء منطقيا أشبه ما يكون بـ"قياس الغائب على الشاهد" بسبب تقديم المشبه به على المشبه، على غير ما هو معتاد ومتداول بين الناس، فالقياس يقتضي تقديم الأصل، وهذا يدل على روعة السبك فى تخير طرفة للألفاظ حتى صارت كعقد اللؤلؤ والدر المنثور.

وشبه باطن عنقها بالعقد الذي ضم خرزه وقرن ووضع بعضه إلى جوار بعض بتناسق وفنية، وواضح أنه أراد إبراز ما تتمتع به الناقة من تناسق أعضائها، وما تتميز به من جمال.

ثم يشبه إبطي هذه الناقة في السعة ببيتين من بيوت الوحش في أصل شجرة (كأن كناسي...) ، وسعة الإبط يدفع الناقة إلى السير بقوة، فلا تكاد تتعثر فى سيرها، وشبه أضلاعها بقسي معطوفة (وأطر قسي تحت صلب...)، مصرًّا على إبراز ما تتمتع به أعضاؤها من تناسق وإحكام، وهذا من شأنه أن يؤكد ما يلح الشاعر على إثباته لناقته من القوة والمتانة وجمال الخلق، ويشبهها بالصخرة الملساء:

كأَنَّ عُلوبَ النَّسْعِ في دَأَيَاتِها
تَلاقَى وَأَحْياناً تَبينُ
 كأنّها

 

مَوَارِدُ من خَلْقاءَ في ظهرِ قَرْدَدِ([122])
بَنائِقُ غَرِّ في قَميصٍ
 مُقَدَّدِ([123])

فهذه الناقة تتحمل السفر وكثيرا ما تشد عليها الحبال بقوة مما جعلها تؤثر في جسدها فترسم حفراً كأنها قنوات ماء أو كأنها شرائط زينة في جنف القميص فالتشبيه بين أثار الحبال على جسم الناقة وقنوات الماء على الأرض الملساء فيه جمال وخيال رغم قسوة آثار الحبال على جسم الناقة، ثم يشبه هذه الآثار بالشرائط التي تزين جوانب القميص حيث تكون بلون آخر كما هي آثار الحبال، فهى مندوحة للناقة وليست عيبا، وكأن طرفة أراد: إن النسوع لا تؤثر فى هذه الناقة إلا كما تؤثر الموارد المائية فى الصخرة الملساء.

وطرفة بهذا يركز على عناصر الجمال لذا شبه الناقة في جمالها وتأنقها بثوب أبيض مزين دقيق الصنعة مقدد، أي أنه قَدْ قُدَّ على قدر لابسه، ففى النص ثلاث صور: (1)كأن آثار النسع في ظهر هذه الناقة وجنبيها نقر فيها ماء من صخرة ملساء في أرض غليظة متعادية فيها وهاد ونجاد (2) جعل جنبها صلبا كالصخرة الملساء (3) جعل خلقها في الشدة والصلابة كالأرض الغليظة.

وواضح أن جمالية هذا التشبيه برزت جلية من خلال التفصيل في صورة المشبه به وبعد الطرفين، إذ جمع طرفة بين طرفين بعيدين، والتشبيهات - كما قرر الشيخ - بقدر ما تتباعد بين الشيئين تكون إلى النفوس أعجب، والنفوس لها أطرب([124])، ويشبه مرعى الناقة بالحدائق الغنية:

تَرَبَّعَتِ الْقُفّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي

 

حَدَائِقَ مَوْليَّ الاسِرَّةِ أَغْيَدِ([125])

 يشتمل البيت على عدة صور انتزعها الشاعر من الواقع: صورة ناقته وهي ترعى القفين، وصورتها وهي ترعي في الشول (بين نوق جفت ضروعها)، وصورتها وهي ترعى الحدائق، إذ شبه مرعى الناقة بالمرعى النضر المليء بالخضرة والكلأ الناعم من شدة كثافته وطراوته وقد توالت الأمطار على تلك الحدائق فحسن نبتها وطابت تربتها، وقد تضامت هذه الصور لتكشف عن كيفية رعي الناقة وطبيعة المرعى الذي ترعاه وترعى فيه فجاءت الصورة الكلية كثيفة عميقة الجمال إلى حد كبير.

ومما لا شك فيه فإن الإيجاز فى النص بحذف الوجه والأداة دلالة على كل كلام جميل، وقد ذهب قدامة بن جعفر إلى أن من مظاهر الحسن في التشبيه أن يكون فيه إيجاز كأن يجمع الشاعر تشبيهات كثيرة في بيت واحد بألفاظ يسيرة  ([126])أو يشبه شيئاً بأشياء في بيت شعري واحد أو لفظ قصير ([127]) أو بحذف أداة التشبيه لتقريب الشبه بين الطرفين، بل لجعل أحد الطرفين هو الآخر، فالعرب قالت: هند مهرة، وزيد الأسد ([128]) أي أنهم كانوا يحذفون أداة التشبيه في الشعر وسائر الكلام  ([129])للإيجاز والمبالغة ([130]) وحذف الأداة والوجه يحقق التجانس بين اللفظتين.

وذهب السكاكي إلى أن ذكر وجه الشبه ليس أمراً ملزماً للمتكلم، لأنه إذا ذكر كان مما وقع فيه التسامح؛ لأن من يدقق النظر في التشبيه يجد أن وجه الشبه يكون دومًا عقليًا إما حقيقة وإما مجازاً، وذلك لأن وجه الشبه يكون غير ما حدده المتكلم باللفظ، حتى ولو كانت الصفة المشتركة بين الطرفين حسية، وذلك لامتناع وجود الصفة المشتركة في المشبه به مثلما هي عليه في المشبه، إذ لا يمكن أن يكون المثلان في أمرين مختلفين شيئاً واحداً بحكم ضرورة العقل ([131])

فما جمال التشبيه إذا حذف منه الوجه والأداة؟ إنه يزيده مبالغة وقوة تأثير ([132]) سواء أكان الحذف في الأداة، أو في وجه الشبه أو في كليهما، لكن إدراك قوة التشبيه أو المبالغة فيه تعتمد بالدرجة الأولى على ثقافة المتلقي، وبهذا يظهر جمال الصورة "في الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول، حتى تجري مجرى الأمثال، وتنشد على اختلاف العصور والبيئات، فلا يمل إنشادها، ولا تحس النفس نبواً عنها، أو نفوراً منها، وإنما تحس كأن هذا الشعر مرآة صافية صادقة لكل نفس كريمة، ولكل قلب زكي، وخلق نقي .. ([133]) ولاشك فإن حذف أداة التشبيه يصل  بالمتلقى إلى المشبه به بسرعة، فيحقق سرعة فنية في الجمع بين طرفي التشبيه، ويشبه عظام ناقته بألواح التابوت العظيم:

وَإِني لاُمْضِي الَهمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ
أَمونٍ كأَلْوَاحِ الإِرانِ
 نَصَأتُها    

 

بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِى([134])
على لاحِبٍ كأَنّهُ ظَهْرُ
 بُرْجُد([135])

ولأن طرفة قد اعتمد كثيرًا في بناء صوره على التشبيه، نراه هنا يشبه سير ناقته بالعوجاء لأنها لا تستقيم في السير من شدة همتها وإسراعها في المشي، وهى صورة كلية رسمها طرفة فى لوحة فنية رائعة مغلفة بالجمال؛ إذ وصف الناقة في مشيها وهى تمثل يميناً ويساراً بلا كلل ولا ملل، فشبهها وهي على هذه الحال بالشخص الذي في رجله عوج أو عرج فهو يمشي مائلاً يمينا ويساراً ويظهر هذا بوضوح إذا أسرع في المشي، وقد سبقه امرؤ القيس فى المعنى نفسه إذ يقول:

      فدع  ذا  وسل  الهم  عنك  بجسرة 

 

 

ذمول   إذا   صام   النهار   وهجرا 

يقول: دع ذكر الأحبة وأزل همك بالسفر على ناقة سريعة قوية وقت الهجيرة، وكل ذلك من أجل شدّ أزر هذه النفس وتسليتها التي أوشكت أن تستسلم للحزن الذي ألم بها، واضح قوة التصوير عند طرفة لما ذكر.

ثم يشبه طرفة عظام ناقته بألواح التابوت العظيم (أمون كألواح الإران) وفيه دلالة على ضخامة الناقة وقوة بنائها، ووجه الشبه: الضخامة أي أن الناقة في ضخامتها كالتابوت والغرض منه بيان مقدار حال المشبه في الضخامة والصلابة

ويشبه اللاحب - الطريق الواضحة - بظهر البرجد وهو طريق جميل واضح كأنه كساء مخطط في عرضه، وقد استغنى بالصفة عن الموصوف لدلالة الصفة عليه ووجه الشبه حسي وهو الانعراجات التي تعتري هذه الطريق والغرض منه: بيان حال الطريق، وفى الصورتين: إبراز للعزم والمغامرة فى الترحال فى أمن وقوة، وهل ثمة أمان أعظم من هذا؟

ثانياعالم الطبيعة: فقد شبه قلب ناقته بالصخرة:

وَأرْوَعُ نَبَّاضٌ أَحدُّ مُلَمْلمٌ

 

كمِرْداةِ صَخْرٍ في صَفِيحٍ مُصَمَّد([136])

وطرفة لا تفوته العواطف ولهذا انتقل إلى القلب الذى يرتاع لأدنى شيء لفرط ذكائه، وهو سريع الحركة خفيف صلب، يشبه صخرة في الصلابة، إذ شبه قلبها بين الأضلاع بحجر صلب بين حجارة عراض فقلبها حساس كثير النبض.

ويرى أحد النقاد أن طرفة جانبه الصواب حين شبه قلب ناقته بالحجر إذ يقول: ... وأظن أنه هنا جانبه التوفيق؛ إذ تشبيه القلب بالحجر مما تنفر منه الطباع؛ ولذا مما عابه الله تعالى على بني إسرائيل: قسوة قلوبهم التي شبهها بالحجارة:  )ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً( ([137])

وأرى أن طرفة كان بارعا فى وصف جمالية قلب الناقة بالحجر الصلب التى تحيطه حجارة عراض؛ لأن الناقة فى حاجة إلى قلب قوى يواجه صعوبة الصحراء وصعوبة شظف العيش التى يواجه النياق عامة.

     ثالثاحياة الحيوان فقد شبه عينى الناقة بعينى بقرة وحشية بعد تشبيههما بالمرآتين:

وَعَيْنَانِ كالَماوِيَتَيْنِ اسْتَكَنّتا

 

بكهفَي حجَاجَي صَخْرَةٍ قلْتِ مَوْرِدِ([138])

    طَحورانِ عُوّارَ الْقَذَى فَتَراهُما

 

كمِكْحَلَتَيْ مذعورَةٍ أُمِّ فَرْقَد([139])

فقد شبه عينيها في صفائهما ونقاء بريقهما بمرآتين، ولم يُعلم عن أحد من الشعراء الجاهليين أنه قد استخدم هذا التشبيه، لأن البدوية في العادة لا يكون عندها الوقت للنظر في المرآة، إلا ما علمته من قول امرئ القيس: 

      مهفهفٌة بيضاءُ غيرُ مفاضةٍ     

 

ترائبها مصقولة كالسجنجل([140])

والسجنجل: المرآة، فتماسُك جسدها كتماسك المرآة وبياضها كبياضها، وبريقها كبريقها.

لقد أصبحت المرآة - بهذا - عنصرا مهما في تشكيل جماليات الصورة عند طرفة بما تحمله من ردة فعل يضخم من خلالها حقيقته الداخلية، إذ إن جمالية التشبيه آتية من ناحيتين: الأولى: تأليف ألفاظه، الثانية: ابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان لا يجول إلا في نفس أديب وهبه الله تعالى استعداداً سليماً في تعرف وجوه الشبه الدقيقة بين الأشياء، وأودعه قدرةً على ربط المعاني وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيدٍ لا يكاد ينتهي.

وتكمن جمالية هذا التشبيه فى استقطاب المتغايرات، كما يعيد للذهن فكرة النسيج والأصباغ والوشي التي تداولها النقاد على سبيل التشبيه، حيث تستخدم المتغايرات المختلفة ليُصنع منها قطعة متجانسة، وكلما زاد الاختلاف بين مكوناتها زادت الإثارة، وكلما حُقّق لها المسوغ السياقي الذي يضبط تواليها كلما دقت صناعتها، وزادت في تأثيرها على المتلقي الذي يطرب للمفاجأة التي يحدثها التغاير الاستقطابي، وفي هذه العملية تنبيه مستمر للمتلقي يجرّه إلى عالم النص بكل متعة ويجعله يتوصل إلى الدلالة المقصودة عبر طرق غير مألوفة، لأن الإشارة إلى المعنى أوقع في النفس من التصريح ففيها إشراك للمتلقي في العملية الأدبية([141]).

والمتأمل في هذه الصورة يلاحظ أن مكمنَ جمالها في استعمال طرفة للمرآة؛ لأنها تشكل أقصى ما يمكن أن يرى ويشتهي من الجمال،أضيف إلى ذلك أن الطرفين يشتركان في التماسك والبريق والبياض والتلألؤ، كما شبههما بالماء الصافي المستقر في حفرتين بالجبل، وشبه حجاجيها (منبت شعر الحاجب) بالصخرة في الصلابة، ثم شبههما بعيني بقرة وحشية لها ولد وقد أفزعها صائد فهى تتفحص مكانه دائما، وعين البقرة الوحشية في هذه الحالة أحسن ما تكون؛ لأنها تصل إلى أقصى درجات الاتساع، وهذا يوحى برؤيتها الثاقبة للصحراء ولهذا تأمن العثار، والعينان - بهذا الوصف - نظيفتان تطرحان القذى دومًا فهما سليمتان من أىّ قذى، كأنهما مكحولتان، وأجمل ما تكون العين حين يغطيها الكحل.

وشبه أذنيها بأذنى ثور وحشى:

وَصَادِفَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرى
مُوَلّلتانِ
 تَعْرِف الْعِتْقَ فيهِما

 

لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ لِصَوْتٍ مُنَدِّدِ([142])
كسامِعَتَيْ
 شاةٍ بحَوْمَلَ مُفْرَدِ([143])

واضح أنه يصف أذنيها بأنهما قويتا السمع، إلى درجة التسمع للهمس، وهما تشبهان في قوة تسمعهما وحدّة انتباههما - والدقة والحدة تحمدان في آذان الإبل- أذني ثور وحشي منفرد في موضع معين، وخص المفرد؛ لأنه أشد فزعًا وتيقظًا واحترازًا، وحقا لم يترك طرفة شيئا فى الناقة إلا وصفها ليبين عن جمالية مهمة فى حياة البداوة وهى الشكل الجميل للأذنين وهما حادتا السمع لا تختلط عليها الأصوات ولا تغيب عنها الأصوات مهما رفعت، وتشبيه أذنى الناقة بإذنى ثور وحشى يوحى بصدق الاستماع فى السير ليلا وبالتالى لا يخفى عليها الهمس الخفى ولا الصوت البين، وكون الثور الوحشى وحيدا منفردا ليس معه وحش يلهبه ويرعبه يوحى بشدة حذره وترقبه وإصغاء سمعه لكل ما حوله، والناقة كذلك!  

ويجمع بينها وبين الجمل والنعامة:  

جَمَاِليَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدي كَأنَّها
تُبارِي عِتَاقاً ناجِياتٍ
 وَأَتْبَعَتْ

 

سَفَنجَةٌ تَبْري لأَزْعَرَ أَرْبَدِ([144])
وَظيفاً وَظيفاً فَوْقَ
 مَوْرٍ مُعَبَّد([145])

فقد شبهها بالجمل فى الضخامة والقوة ووثاقة الخلق، وحذف المشبه ليكون أسرع فى الوصف والوصول إلى المطلوب بالإضافة إلى كونها معلومة للقارئ فلا حاجة للذكر، مما يؤهلها للرحلة ويسهم فى نجاتها من الصحراء القاتلة، ومعلوم أن الذَكَر في كل ما خلق الله أقوى بنية وأكثر حركة ونشاطًا من الأنثى، وإذن فحيوتها ونشاطها وسرعتها لم تأت من فراغ، وإنما هي نتيجة بنية قوية.

 ثم يشبهها فى عدوها بعدو نعامة تعرض لظليم قليل الشعر يضرب لونه إلى الرماد، وهذا يزيد المعنى وضوحًا وتأكيدًا؛ إذ لم يشبهها بنعامة في ظروفها العادية، وتعد النعامة في الشعر العربي رمزا للسرعة، لكن طرفة شبهها بنعامة عرضت لظليم فطاردها فاشتدت تبغي الإفلات منه، فهي أشد سرعة من حالتها العادية، وهو بذلك يريد أن يثبت لناقته شدة السرعة.

وكأني بطرفة يحلم بمجتمع آمن منظم لا يحتاج إلى الكر والفر والهروب والروغان، إذ سيصبح مجتمعا آمنا يحقق أعلى معدلات الأمن لأفراده، وتصبح الحياة في هذا المجتمع معبدة الطرق والكل يعرف طريقه ويأمن على نفسه.

وواضح أن طرفة حذف الأداة ووجه الشبه، ليسوّى بين ناقته والجمل في قوة البنيان والحيوية، والنشاط والسرعة، كما سوّي بينها وبين النعامة في السرعة؛ إذ يرغب فى إبراز ما تمتع به ناقته من قوة ونشاط وسرعة وقد انتزع صورتين واقعيتين من وحي البيئة البدوية التي يعيشها:

الأولى: صورة ناقته وهي تبارى نوقا كراما سريعات، وهى صورة شائعة في البيئة الجاهلية، ولم يزل هذا السباق متوارثًا في جزيرة العرب إلى عصرنا الحاضر.

الثانية: أن ناقة طرفة في حركتها تبادل بين يديها ورجليها في تتابع فوق طريق ممهد (وأتبعت وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد) هذا التتابع مع مهادة الطريق دليل على سرعة الناقة وسلاسة سيرها في آن، وتلك مزية كبرى لهذه الناقة.

واضح من خلال هذه الصور الجميلة أن التلاؤم وهبها رفعة وإيقاعاً وجمالاً، لما أحدثه من تميز خاص، وهذا ما يثير إعجاب المتلقي، لأن النفس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، وتعشق ما تآلف واتفق، وتنفر مما تناقض واختلف([146])، ويرى شيخ البلاغيين أن الجمال لا يكون إلا فيما كان وجه الشبه فيه غريباً غامضاً، أو بمعنى آخر؛ لم ير الجمال إلا في التشبيهات التي تتجلى فيها الصنعة والعبقرية بحسن الجمع بين المتباعدات لأن مثل هذه التشبيهات تحتاج إلى مزيد من الصنعة والتعديل بين الطرفين ليحدث فيها التلاؤم "وتآلف متميز تماماً من الأوضاع الخارجية السابقة التي يفاضل بواسطتها المجتمع في معاملاته ([147])

كما تنمّ هذه التشبيهات على ذكاء وعبقرية مبدع وحسن تصرفه  أو عن امتلاك ناصية الفن والجمال، وقد ذكر الفارابي أن "كثيراً من الناس يجعلون محاكاة الشيء بالأمر الأبعد أتم وأفضل من محاكاته بالأمر الأقرب، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة، وأدخل في الصناعة وأجرى على مذهبها. ([148])

وهكذا نلاحظ أن التشبيه كان له الأثر الأكبر في تشكيل صورة الناقة وإظهار جماليّتها، كما أسهم في تقريب المعاني الجماليّة المُرادة وإبرازها حتى ظهرت كما رأيناها آنفا.

وقد استطاع  طرفة أنْ ينقل لنا حالات نفسية استطاع أن يشكلها لنا واقعًا من خلال لغته وقدرته الفائقة على التقاط الصورة وتوضيحها، كما رأينا، ولهذا ظهرت جماليات التشبيه أكثر سطوعًا عنده، وإذا كان قد ضاع منه كل شئ حتى قتل فقد امتلك إمارة اللغة وتحكم بمقاصد التشبيه لمن جاءوا بعده فكان ملكا من ملوك اللغة.

المبحث الثانى: التصوير بالمجاز

التصوير بالمجاز إبداع بياني تدفع إليه فطرة الإنسان المزودة بالقدرة على البيان، فقد خلق الله تعالى الإنسان وعلمه البيان: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)  ([149])

وقد أبدع العرب في مجازاتهم حتى بلغوا باللغة العربية مبلغا مثيرا للإعجاب لأنهم استعملوا التصوير به بهدف الوصول إلى المعاني العالية وعقد روابط وعلاقات ومصاهرة بينها، ولم لا ! والتصوير المجازى يحمل في العبارة من المعاني الممتدة الواسعة، ومن الإِبداع الفني المكسو بالجمال ما لا يحمله البيان الكلامي إذا استعمل على حقيقته في كثير من الأحيان، أضيف إلى ذلك: ما في التصوير المجازى من إيجاز، وإمتاعٍ، وإرضاءٍ للنفوس الذوّاقة التي تتحسَّن مواطن الجمال البياني فتتأثر به تأثر إعجاب واستحسان.

ومزية التصوير بالمجاز عامة والاستعارة بخاصة أننا نجد أنفسنا أمام قطوف دانية وموحية "تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، إذ تصور المنظر للعين وتنقل الصورة للأذن، وتجعل الأمر  المعنوى ملموساً محسا"([150]) وليس هذا فحسب، بل تجعل "الجماد حيا والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة والمعانى الخفية بادية جالية والمعانى اللطيفة قد جسمت حتى رأتها العيون([151]) كما تتحول المشاعر فى هذا التصوير الجمالى إلى شخوص متحركة متغلغلة في أعماق النفس تحمل الإقناع الذهنى والنفسى على جناح من الخيال الجميل المؤثر . 

ولا يشك في أن لها أثرا كبيرا في نقل المشهد إلى السامع والوصول إلى الغرض لما لها من قدرة فائقة على التصوير الخيالى، ونقله في صورة محسوسة يشاهدها المتلقى فتتحرك نفسه وتنفعل معها، وهذا مما دعى ابن الأثير إلى القول بأن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هى الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك، لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابى هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه  عيانا([152])

ويعضد هذا الكلام ابن رشيق حين يقول: والمجاز في كثير من الكلام يأتى أبلغ من الحقيقة وأحسن موقعا في القلوب والأسماع ([153])

ويقول الشريف المرتضى: متى خلا الكلام من الاستعارة وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة بريّا من البلاغة ([154]) ولا شك فإن الاستعارة "من أدق أساليب البيان تعبيرا، وأرقها تأثيرا، وأجملها تأثيرا، وأكملها تأدية للمعنى ([155]) لأنها تبرز البيان فى صورة مستجدة - كما يقول شيخ البلاغيين - تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضلِ فضلاً، وإنَّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبتَ بها فوائد حتى تراها مكرّرة في مواضعَ، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأنٌ مفردٌ، وشرفٌ منفردٌ، وفضيلةٌ مرموقة، وخِلاَبةٌ موموقة"([156])

ثم يفصح عن سبب هذا وعلته فيقول: وذلك أنَّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تُخرج من الصدفة الواحدة عِدّةً من الدُّرَر، وتجنِي من الغصن الواحد أنواعا من الثَّمر ... كما أنك ترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخُرس مُبينة، والمعاني الخفيّة بادية جليّة، وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزُّ منها، ولا رونق لها ما لم تزنْها، وتجد التشبيهات على الجملة غير مُعجِبة ما لم تكُنْها، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطَّفتِ الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلاّ الظنون([157])

ولأن الاستعارة أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول فى التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر كما يقول صاحب الوساطة ([158]) كما تكمن جمالية الاستعارة في مغايرة المألوف ومدى الفائدة التي تتحقق من هذه المغايرة، ولهذا وجد طرفة طريقها ممهدا فسلكه وسلك ينابيعه فظهرت إبداعاته فى تصوير جمالى مميز، فقد شبه الناقة في سيرها برجل فى سباق فى قوله:

تُبارِي عِتَاقاً ناجِياتٍ وَأَتْبَعَتْ   

 

وَظيفـــــاً وَظيفــــاً فَـوْقَ مَــــــــــــــــوْرٍ مُعَبَّد

فهى تشبه رجلا يسابق غيره ويفعل مثل فعله ليغلبه وحذف المشبه به وأتى بشيء من لوازمه: (تبارى)، وجمالية التصوير أنه جعلها في سباق مع نظائر لها مسرعات لنتخيل السباق والسرعة والفائز والخاسر، ومع السرعة للفوز بالسباق تتابع السير والاتزان في الإسراع على الطريق المعبد المستقيم، كما كان لاختياره لفظ: عتاقا دون مرادفه ليبين عن سرعة ناقته ومقدار تلك السرعة لأنها تسابق عتاقا من أفضل النياق من كرائم الإبل البيض، ولم يكتف بهذا بل وصفها بـ ناجيات، وهى السريعة، وكل هذا يبين عن جمالية سرعتها وسط هذه النياق، ثم يوضح كيفية سرعتها بإيثاره: وظيفا وظيفا، ومن المستحب فى الناقة أن تجعل رجلها فى موضع يدها، وتأتى الاستعارة المكنية لتصف ذيل ناقته فيقول:

   فَطَوْراً بهِ خَلْفَ الزّميلِ وَتَارَةً   

 

على حَشَفٍ كالشَّنّ ذاوٍ مُجَدَّد

حيث شبه ضرعها بعد جفاف لبنه بالتمر الجاف وحذف المشبه وأتى بالمشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية، ثم شبه ضرعها بالشن (القربة الخلق البالية) واصفًا هذا الضرع بأنه ذابل مقطوع اللبن؛ إمعانًا منه في التأكيد على جفاف الضرع من اللبن، وهذا من شأنه أن يدل على أنها لا ترضع، ومن ثم فهي تتمتع بحيويتها وقوتها، كما أنها مكتنزة باللحم؛ إذ الرضاع لأي حيوان مدعاة لإضعافه وإجهاده، وتلك براعة من طرفة؛ إذ استطاع انتقاء الصورة المناسبة وهى بعيدة عن الحضور فى البال، وتحسب براعة الشاعر بتصيده الصورة المناسبة، وبُعد مرماها وامتداد خيالها

أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار وروعة الخيال وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها، فمجال فسيح للإبداع، وميدان لتسابقالمجيدين من فرسان الكلام، فجمال الاستعارة ليس في الجمع بين المتناقضات، أو في تجسيم المعاني وتشخيصها حتى تظهر مرئية للمتلقي فحسب، وإنما في استثارة الفكر والتأمل من أجل إدراك وجه الشبه الخفي ([159]) لأن التأمل والإدراك هو عين اللذة الجمالية، وكذلك فى قوله:

أُمِرَّتْ يَدَاها فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَتْ

 

لها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّد([160])

فيدي هذه الناقة مفتولان فتلا قويًا، وقد أميلت عضداها تحت جنبين كأنهما سقف أسند بعض حجارته إلى بعض على سبيل الاستعارة التصريحية، وشبه إحكام يدها بالحبل المفتول وحذف المشبه به وأتى بشيء من لوازمه وهي كلمة فتل على سبيل الاستعارة المكنية ، ويجعل منها سباحة ماهرة:

وَإِنْ شئتُ سلمى وَاسطَ الكورِ رَأسهَا

 

وَعامَتْ بضَبْعَيها نجاءَا الخَفَيْدَدِ([161])

فرأسها موازن لواسط رحلها في العلو من فرط نشاطها ومن جذب الزمام وتسرع في سيرها حتى كأنها تسبح بعضديها إسراعا مثل إسراع الظليم، وهو بهذا الوصف جعل الظليم معادلا للناقة فى انطلاقها وسرعتها، بسبب جذب طرفة لزمامها، فالسرعة جاءت من عامل خارجى هو جذب الزمام، والظليم كذلك تأتيه السرعة من عامل خارجى هو التهديد المستمر.

التصوير بالمجاز المرسل:  ويأتى فيه التعبير بالكل عن الجزء فى قوله:

تَرَبَّعَتِ الْقُفّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي

 

حَدَائِقَ مَوْليَّ الاسِرَّةِ أَغْيَدِ

ليبرز عظمة هذه الناقة، ومن ثم عظمة وشجاعة وقوة وإقدام من يمتطي ظهرها، فكان المجاز المرسل بعلاقته المكانية متنفسا له ليعبر عن نفسه من خلاله ومن خلال ناقته، فالناقة مهما كانت ضخامتها فلن تتربع على كلأ القفين ولن ترعى حدائقه، بل هى مكان للرعى.

المبحث الثالث: التصوير بالكناية

تعد الكناية كغيرها من الأساليب البلاغية ذات التأثير الحسى البارز لما لها من دور في نقل المشاعر والأفكار إلى السامعين، إذ تتمتع بمزايا عدم التصريح بما تعافه النفس، وهى وسيلة لتأكيد الفكرة وتجديدها، وتثبيتها في النفوس بل والمبالغة في ذلك، وفيها إثارة للعواطف وتحريك للأذهان لأنها تمثل المعانى وتصبها في قوالب حسية لها فعاليتها وأثرها العميق، ففى قوله:

تَرَبَّعَتِ الْقُفّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي

 

حَدَائِقَ مَوْليَّ الاسِرَّةِ أَغْيَدِ

كناية عن وفرة اللحم فيها وشدة السمن لرعيها العشب الناضج أيام الربيع المليئة بالأشجار والحشائش الخضراء، وجمالية الكناية لا تقف عند حدود ما هو حاضر وظاهر في هذا البناء، بل تتجاوزه إلى ما هو خفي وضمني، ولهذا يجوز أن نصفها: بالاقتصاد اللغوي، لتغييب جزء من الدلالة يمكن استعادته من خلال السياق، ولهذا فهى قادرة على إثارة ذهن القارئ واستنفار وعيه، ويكنى عن طاعة الناقة وتلبيتها لمناديها وتوقيها للفحل من الإبل كيلا يقع بها أتي بقوله:

تَرِيعُ إِلىَ صَوْتِ الُمهِيبِ وَتَتَّقي

 

بذي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكلَفَ مُلْبِدِ

كناية عن عدم رغبتها في أن يضاربها هذا الفحل، وهذا يدل على أنها لم تلقح، وإذا لم تلقح كانت مجتمعة القوى وافرة اللحم قوية على السير، وفيه أيضا كناية عن موصوف ليظهر قوة زيلها، وقدرته الفائقة فى الدفاع عنها

ويكنى عن ثبات هذه الأجنحة على الناقة بقوله:

كَأنَّ جنَاحَيْ مَضْرَحيِّ تَكَنَّفَا

 

حِفا فيهِ شُكّا في العَسِيبِ بِمسْرَد

وهى كناية عن صفة التمنع والإباء.

خاتمة

بعد هذه الجولة السياحية بحرا وجوا وشرقا وغربا وشمالا وجنوبا مع طرفة وناقته يصل البحث إلى ختام الدراسة بعد حمد الله وتوفيقه، والصلاة والسلام على سيد خلقه وآله وصحبه وسلم، وبعد:

فقد تأكد لى أن طرفة كان شاعرا كبيرا ذا قدرة فائقة على حسن الصياغة والإبداع مما أثار إعجاب البلاغيّين واللغويّين على حدٍّ سواء، وكلٌّ وجد فيه ضالته، لأنه مثّل الفصاحة في أبهى حللها، والبلاغة فى أجمل صورها، والجودة فى قمة إبداعها، والصورة الصادقة فى أزهى زينتها، ولم يكن الوصف عنده مجرد زخارف أو ألوان زاهية ترصدها العيون، وتتطلع إليها الأفئدة، أو مجرد صور تلقائية، لكنها كانت العمود الفقرى الرابط بين جزئيات الوصف. 

ولاحظت أن البيئة الصحراوية لعبت دورا كبيرا في تشكيل جسمه وعقله، فجسمه قوي صلب من دوام عمله ورحيله وسعيه وراء رزقه، وأما عقله فيمتاز بالقوة والصلابة نتيجة الظروف التي عاشها، وكأن الصحراء الصعبة القاسية جعلت جسمه وعقله صلبين قاسيين.

وتميز الوصف عند طرفة بعشق الصحراء، ولهذا انتقى أغلب صوره منها، فكان مولعا بالتصوير وكثرة التشبيه، كما تميز بجنوحه إلى الواقعية والوضوح وعدم التعقيد، وتضمينه لوصفه من الثقافات والمعلومات ما جعلنا نعيش العصر واللحظة معه، وهذا يدل على نبوغ فكرى وفطرة نقية ونباهة فريدة، وقد اتضح هذا – مثلا – فى ذكره للبحر والسفن، ومعرفته لأسراره، وأخباره، وأحوال أهله.

وقد ركزت الدراسة على الجمالية ومفهومها عند نقادنا القدامى وعند الأوربيين، لنخرج منها إلى جماليات التفكير فى وصف الناقة، وقد قسمت حسب مقتضى طبيعة النص إلى خمسة أفكار، فاتضح تسلسلها ووثاقتها وتناميها بشكل رائع، وكل فكرة كانت تمهد لأختها، ثم تناول البحث امتزاج أفكار طرفه بأحاسيسه وامتزاج أفكاره بوجدانه فى اختياره للألفاظ المعبرة، فتناول الفصل: الألفاظ والتراكيب ـ الألفاظ والمعجم الشعرى ـ الصنعة اللفظية ـ المحسنات البديعية ـ الأساليب الخبرية والإنشائية ـ التعبير الإيقاعى ـ الوزن الشعرى، ثمّ كان الحديث عن جماليات تصوير الناقة، فتناول: جماليات التصوير بالتشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية.

ووجدت فى وصفه دقة التصوير وروعة المعني وقدرة فائقة على عبور المسافات من أقرب طرقها، فوصل إلي قلوبنا وأحكم السيطرة على عقولنا .

كما أنه رسّام بارع فى الرسم والتصوير بل تفوق على الرسام صاحب الريشة والمحبرة، فمَنْ منَ الرسامين يستطيع رسم الناقة على شكل

وقد جمع طرفة بين حدة الذهن وحرارة العاطفة، وكان خياله قويا واقعيا ينزع نزعة مادية حسية، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق، وتجلى خياله أكثر في تشبيهاته، فاعتمد عليها في التعبير عن أفكاره، وقد انتزع تشبيهه من بيئته، ومما رآه في تجواله، واتخذ من التصوير منطلقاً لتجسيد الصورة الشعرية، من خلال تمكنه في جعل هذه العناصر الموصوفة متآزرة؛ لتكشف عن صورة ذات وحدة شعورية مترابطة على الرغم من تنوع أغراضها الموصوفة، وهذا يدل دلالة واضحة على علم جم، ومعرفة غزيرة، وإطلاع واسع على مفردات اللغة.

وكان طرفة عميق المعانى جيد الألفاظ، فكان له دوره الكبير فى إثراء اللغة بألفاظ دفعت بعض الباحثين إلى الشك فى المعلقة بسبب فحولة اللغة.

ولاحظت أن الوصف قد استمد قوته وجماله من كونه يعبّر عن موقف، فالمحن هى التى تفجّر الطاقات الانفعالية، وتجود قرائح الشعراء حينئذ بالنفيس المكنون فى النفس ولا سيما أن طرفة نفسه هو صاحب الملمة وأجود الشعر ما كان نتاج معاناة وتجربة إنسانية.

و أخيرًا ... فالله تعالى أسأل التوفيق والسداد، وأن يُلهمنا الرشاد في العمل على خدمة لغتنا الجميلة،  ولا شك فإنه ما من عملٍ بشري إلا ويعتوره النقص أو الخطأ، فالكمال للعليِّ القدير I، والحمد لله أولًا وآخرا أن أعان ويسّر طريق العلم والبحث، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

المصادر والمراجع

  1. أسرار البلاغة للجرجانى تح ريتر مكتبة المتنبي، القاهرة  ط 2 ــ 1979 وتح د خفاجى ط2 مكتبة القاهرة 1976

  2. الأنوار ومحاسن الأشعار لأبى الحسن الشمشاطى ط الكويت 1377هـ 1977م

  3. البلاغة فنونها وأفنانها للدكتور فضل حسن عباس ط 1 دار الفرقان الأردن 1987

  4. البلاغة قراءة أخرى، محمد عبد المطلب مكتبة لبنان

  5. البيان والتبيين للجاحظ تح عبد السلام هارون ط دار الجيل بيروت

  6. تاريخ الشعر العربى محمد نجيب البهبيتى  ط3 مكتبة الخانجى القاهرة 1967م

  7. التصوير البيانى للدكتور محمد أبى موسى ط مكتبة وهبة

  8. التصوير الفنى في القرآن للأستاذ سيد قطب الشروق 1966، 1989

  9. التعبير الفنى في القرآن للدكتور بكرى شيخ أمين ط2 دار الشروق - بيروت 1976

  10. جماليات الأسلوب والتلقي موسى ربابعة ط1 مؤسسة حمادة للدراسات، اربد ، 2000

  11.      جماليات الشعر العربى هلال جهاد منشورات مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت 2007

  12. جوامع الشعر تح محمد سليم سالم، ضمن كتاب أرسطو طاليس في الشعر لابن رشد، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1971م

  13. حديث الأربعاء د طه حسين ط دار المعارف بمصر، القاهرة1959

  14. الحيوان للجاحظ تح عبد السلام هارون، القاهرة ، 1945

  15.      خزانة الأدب للبغدادى تح عبد السلام هارون 1967 م القاهرة

  16. خصائص التراكيب للدكتور محمد أبى موسى ط2 مكتبة وهبة 1980

  17.      الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية د عبد الله محمد الغذامى ط4 الهيئة المصرية العالمة للكتاب 1988 م

  18. دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجانى تح محمود شاكر  ط 3 دار المدنى جدة 1413هـ

  19. ديوان طرفة بن العبد تح عبد الرحمن المصطاوي دار المعرفة، بيروت، ط1/ 1424هـ - 2003م 

  20.      رفات عقل لحمزة شحاتة جمعه عبد الحميد مشخص ط1 جدة: تهامة 1400 هـ / 1980 م.

  21. سر الفصاحة لابن سنان الخفاجى ط صبيح 1969

  22.       شرح ديوان الحماسة تح أحمد أمين  وعبد السلام هارون

  23.       شعرية الانزياح، خيرية حمر العين، ط1 مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية، إربد الأردن 2001

  24.      الشعر الجاهلى للدكتور يحيى جبورى ط دار التربية ببغداد

  25. الشعر والشعراء لابن قتيبة تح أحمد محمد شاكر ط دار المعارف مصر 1967 م

  26. شرح المعلقات السبع الزوزني دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م 

  27. شرح المعلقات العشر د مفيد قميحة ط دار الهلال بيروت 1997م

  28. صبح الأعشى القلقشندي دار الفكر - دمشق ط1 عام 1987 تحقيق: د.يوسف علي طويل

  29. صحيح البخارى للإمام البخارى ط دار إحياء التراث العربى

  30. صحيح مسلم للإمام مسلم تح محمد فؤاد عبد الباقى ط1 إحياء الكتب العربية

  31. الصورة الأدبية د. مصطفى ناصف، دار الأندلس، بيروت

  32.       الصورة الأدبية طبيعتها وجماليتها د.كريم الوائلي مجلة الثقافة العربية بنغازي نوفمبر/ ديسمبر 1990

  33. الصناعتين لأبى الهلال العسكرى ط القاهرة 1952

  34.       صورة الناقة في النص الجاهلي عبد العالى بشير مقال منشور فى مجلة الآداب والعلوم الإنسانية

  35.      طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحى تحقيق محمود محمد شاكر

  36.      طرفة بن العبد حياته وشعره د. محمد على الهاشمى ط بيروت 1400هـ 1980

  37. العقد الفريد لابن عبد ربه ، تح محمد فؤاد عبد الباقى ط دار الكتاب العربى بيروت 1983م

  38. العلة البلاغية كتاب الصناعتين إنموذجا  د. فايز مد الله الذنيبات

  39. علم الجمال، دني هويسمان ترجمة: ظافر الحسن، بيروت: منشورات عويدات ط4، 1983 م

  40. العمدة لابن رشيق تح محى الدين عبد الحميد ط دار الجيل بيروت 1981

  41. 41.          عيار الشعر لابن طباطبا تح د عبد العزيز المانع ط دار العلوم الرياض 1405 ه – 1985م

  42. فكرة الجمال فريديرك ترجمة جورج طرابيشى ط دار الطليعة بيروت 1978

  43. الفلسفة الجَمَاليّة عند حمزة شحاتة أد. صالح الزهراني

  44.      القاموس المحيط للفيروزابادى ط الهيئة المصرية العامة للكتاب

  45. قضية الشعر الجاهلى فى كتاب ابن سلام  للعلامة محمود شاكر ط المدنى

  46. 46.               قواعد الشعر لثعلب شرح وتعليق عبد المنعم خفاجي، القاهرة 1948

  47. مبادئ فى نظرية الشعر والجمال أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهرى، النادى الأدبى بحائل المملكة العربية السعودية،    ط1، 1418هـ

  48. 48.                المتنبى والتجربة الجمالية عند العرب د حسين الواد  طالمؤسسة العربية بيروت1991 

  49. المثل السائر ابن الأثير تح د أحمد الحوفي، د بدوى طبانة ط2 دار الرفاعى الرياض السعودية

  50.      مجلة طنجة الأدبية عدد 2006

  51. المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها للدكتور عبد الله الطيب

  52. 52.               مسائل فلسفة الفن المعاصرة ترجمة د. سامى الدروبى

  53.      المعاني المتجددة في الشعر الجاهلي د. محمد صادق مكتبة النهضة المصرية،???? / ???

  54. مفتاح العلوم للسكاكى المكتبة العلمية الجديدة، لبنان

  55. مقدمة ابن خلدون

  56.      مقدمة للشعر العربي لأدونيس دار العودة بيروت 1971    

  57. منهاج البلغاء لحازم القرطاجنى تح محمد بن الخوجة ط1 المطبعة الرسمية تونس 1966

  58.      منهج الفن الإسلامي محمد قطب ط5  دار الشروق بيروت 1401 هـ / 1981 م

  59. من الوجهة النفسية في دراسة الأدب محمد خلف الله أحمد، دار العلوم،ط3 الرياض،  1984م

  60.      موسيقى الشعر د إبراهيم أنيس  ط3 مكتبة الإنجلو المصرية 1975م

  61.      الموشح للمرزبانى  تح على البجاوى ط السلفية بمصر1343هـ، ودار نهضة مصر 1965م

  62. 62.           نضرة الإغريض في نصرة القريض للمضفر العلوي ت نهى عارف،مجمع اللغة العربية، دمشق 1976

  63. 63.                النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، سيد قطب، دار الفكر 1959م

  64. 64.           النقد التحليلي عند عبد القاهر د. أحمد عبد السيد الصاوي

  65. 65.           نقد الشعر لقدامة بن جعفر تح د محمد عبد المنعم خفاجى ط دار الكتب العلمية بيروت

  66. الوساطة للقاضى الجرجانى تح محمد أبى الفضل إبراهيم  وعلى محمد البجاوى ط2 الحلبى القاهرة

 


([1]) أخرجه البخاري في صحيحه في الأدب المفرد ط دار إحياء التراث العربى

([2]) دلائل الإعجاز 15،  16 بتحقيق محمود شاكر  ط 3 دار المدنى جدة 1413هـ

([3])  رواه البخاري من حديث أبي هريرة

([4]) تاريخ الشعر العربى نجيب محمد البهبيتى  71  ط3 مكتبة الخانجى القاهرة 1967م

 

([5])  انظر ما ترجمه صلاح صلاح في ما يلي: Blunt، Lady Anne (Translated from the original Arabic) & Blunt، Wilfred Scawen (done into English Verse). The seven golden Odes of Pagan Arabia، known also as the Mo-Allakat. London: The Chiswick press، 1903، PP.9-10. Clouston، W A (edited with introduction and notes). Arabian Poetry and English Readers. London: Darf Publishers Limited 1986

([6])  مبادئ فى نظرية الشعر والجمال أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهرى، النادى الأدبى بحائل المملكة العربية السعودية/ 53، ط1، 1418هـ

([7])  علم الجمال، دني هويسمان  (Danny honieman) /196 ترجمة: ظافر الحسن، بيروت: منشورات عويدات ط4، 1983 م نقلا عن: الفلسفة الجَمَاليّة عند حمزة شحاتة للأستاذ الدكتور صالح الزهراني

([8])  القاموس المحيط : الجمل ،  ط الهيئة المصرية العامة للكتاب

([9]) ففي الأرض قال I:ٍٍ]إِنَّا جعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف 7، وفى لوحة فنية بارعة يقول تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[ الأنعام 141 وفي السماء قال عز من قائل: ]إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ[ الصافات 6 ، وقال عنهما: ]بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[ الأنعام 101، ويقدم القرآن الكريم للإنسان لوحة فنية بارعة بديعة عن جمال الكون، وفى الوقت نفسه برهانا على البعث: ]أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ[ ق 6 : 11 واضح فى النص الكريم مظاهر الجمال التي أبرزتها الآيات كما فى قوله تعالى: ]وَزَيَّنَّاهَا[ والزينة من أبرز عناصر الجمال، وكذلك الاتساق والتكامل في قوله تعالى: ]وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ[ من أهم مظاهر الجمال الكونية، ثم يذكر عبارات: ]مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[ ، ]وَحَبَّ الْحَصِيدِ[ ، ]وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[ ليصوّر من خلالها أنماطاً من الجمال لها مغزى كبير فى عالم الجمال الكونى البديع.

ونهانا عن تحريم الحلال والامتناع عما سماه زينة الحياة، وإن حثنا على طلب الباقيات الصالحات: ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[ الأعراف 32، وذكر جمال الثياب التى تستر الإنسان إذ إن ستره زينة وجمال: ]يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[ الأعراف 26 وجعل لنا في الخيل جمالا:] وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ[ النحل 6 ،  ]وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم[ النحل 7،  ]وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[ النحل 8 وهى صورة جمالية حسية تملأ جوانب النفس سعادة لأنّ الإحساس بالجمال والمتعة بالأنعام عندما تعود من مرعاها ممتلئة أكثر من الإحساس بها وهي ذاهبة جائعة، وبعد أن خلق وسخر أمرنا I بالنظر والتأمل: ]قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[  العنكبوت 20، كما أن خلق الله تعالى للإنسان ووصف مراحل نموه العجيبة لجمال وحسن ما بعدهما جمال ولا حسن؛ لأنه الجمال الكامل والحسن التام:  ]ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[ المؤمنون 14 ولا غرو فإن مخلوقا بيد الله تعالى وهو أحسن الخالقين يكون على أرفع مستوى من الجمال، وهناك آيات عديدة تتحدث ظواهر الجمال فى الإنسان، كتسويته، وتعديله: ]يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ[ الانفطار 6 :8 وتقويمه: ]لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين 4 ، هذا بالإضافة إلى ما ذكره النص الحكيم عن الجمال المعنوى الذى يزيّن الإنسان كسلوكه وأخلاقه وصبره وصفحه وعلاقته بأهله وبغير أهله

 

([10]) المستدرك على الصحيحين3/373 لأبى عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ط 4 دار الكتب العلمية بيروت

([11]) وهذا ما ذهب إليه الدكتور عز الدين إسماعيل فى كتابه الأسس الجمالية فى النقد العربى 54 إذ يقول: لا يمكن الوصول إلى تعريف نهائى للجمال

([12]) فكرة الجمال فريديرك (Frederick)  8 ، 33  ترجمة جورج طرابيشى ط دار الطليعة بيروت 1978

([13]) جماليات الشعر العربى هلال جهاد 60  منشورات مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت 2007

([14]) الفلسفة الجَمَاليّة عند حمزة شحاتة للأستاذ الدكتور صالح الزهراني /4

([15]) نضرة الإغريض / 10

([16])   قواعد الشعر 71‏ شرح وتعليق عبد المنعم خفاجي، القاهرة 1948

([17])  عيار الشعر 5 تحقيق د عبد العزيز المانع ط دار العلوم الرياض 1405 ه – 1985م

([18])  نقد الشعر 5 تحقيق كمال مصطفى الخانجى القاهرة 1963م

([19])  نقد النثر 80

([20]) الوساطة بين المتنبي وخصومه  305

([21])  الأسس الجمالية في النقد العربي 166

([22]) الوساطة بين المتنبي وخصومه 19 : 21

([23]) الصناعتين 145  دار الكتب العلمية بيروت 1984 م

([24]) انظر ص 38 من البحث

([25]) سر الفصاحة 216، 217  ط1 دار الكتب العلمية بيروت 1982 م

([26]) أسرار البلاغة،  122-129.‏ تحقيق ريتر، مكتبة المتنبي، القاهرة  ط 2 ــ 1979م

([27])  دلائل الإعجاز

([28])  أسرار البلاغة /2 

([29])  النقد التحليلي عند عبد القاهر د. أحمد عبد السيد الصاوي 319

([30])  المثل السائر1/   359 تحقيق د/ أحمد الحوفي، د/ بدوى طبانة ط2 دار الرفاعى - الرياض - السعودية

([31]) المتنبى والتجربة الجمالية عند العرب د حسين الواد 298 طالمؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت1991 

([32]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء 17 لأبى الحسن حازم القرطاجنى تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة ط1 المطبعة الرسمية تونس 1966

([33])  مقدمة ابن خلدون /720

([34])  مسائل فلسفة الفن المعاصرة ترجمة د. سامى الدروبى12

([35]) أسرار البلاغة

([36]) ديوان طرفة بن العبد27-31، اعتنى به: عبد الرحمن المصطاوي دار المعرفة، بيروت، ط1/ 1424هـ - 2003م  والزوزني: شرح المعلقات السبع  93-102 دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1423هـ-2002م 

([37]) انظر: المعاني المتجددة في الشعر الجاهلي / ??? بتصرف د. محمد صادق حسن عبد الله، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية،???? هـ/ ????

([38]) من هذه المؤلفات: الإبل للكلابي، والإبل للنظر بن شميل  وأعشار الجزور لمعمر بن المثنى والإبل للأصمعي، والإبل لابن سيده، وحنين الإبل إلى الأوطان لربيعة البصري، والإبل للسجستاني، وأسنان الجزور للكلبي، والإبل والشاة  لابن أوس الأنصاري، والإبل للرياشي، والإبل لأحمد بن حاتم، والإبل لنصر بن يوسف                

وقد تحدث القرآن الكريم عن الإبل في مواطن عديدة، وذكر أسماء مختلفة لها، ومعظم الآيات الواردة تدل على أنها من آيات الله الدالة على عظمته، كقوله تعالى: )أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت (الغاشية 17 وقوله تعالى: )فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ( الأعراف 77 وقوله تعالى: )وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا( الإسراء 59 وقوله تعالى: )إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ( القمر 27يقول العلامة الفاضل الأستاذ محمد قطب: إن توجيه نظر الإنسان إلى الجمال في الأنعام ذات المنافع المتعددة له دلالته فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في التصور الإسلامي، فهو مخلوق واسع الأفق، متعدّد الجوانب، ومن جوانبه: الحسيّ الذي يرى منافع الأشياء، وأيضا: المعنوي الذي يدرك من هذه الأشياء ما فيها من جمال، وهو مطالب ألا تستغرق حسه المنافع، وألا يقضي حياته بجانب واحد من نفسه، ويهمل بقية الجوانب، فكما أن الحياة فيها منافع وجمال، فكذلك نفسه فيها القدرة على استيعاب المنفعة، والقدرة على التفتح للجمال منهج الفن الإسلامي/29  ط5  دار الشروق بيروت 1401 هـ / 1981 م

 

([39])  ففي الضخامة:جلالة وضخمة، وفي الإقدام:جسرة وعسوف، وفي الحركة:خطّارة، وخبوب، وخنوف،ودفاق، ومرقال، ورجوف، ورسلة، وزفوف، وزيّافة، ومروح، وشملة، وشملال، ومعناق، وفي حدة الطبع: عجرفية، وهوجاء، وذات لوث، وفي اللون: كميت، وأدماء، وفي الامتلاء والضمور: بادن وكناز ولكية ومضبرة وضامر وبغام،  وفي التفاؤل: أمون وناجية

([40])  شرح المعلقات العشر د مفيد قميحة 126 ط دار الهلال بيروت 1997م

([41])  الأنوار ومحاسن الأشعار لأبى الحسن الشمشاطى ت 377هـ، 1/376 ط الكويت 1377هـ 1977م

([42])  الشعر الجاهلى للدكتور يحيى جبورى 250  ط دار التربية ببغداد

([43]) المثل السائر 1/195

([44]) نفسه 1/163

([45]) الشعر والشعراء 1/86 تحقيق أحمد محمد شاكر ط دار المعارف مصر 1967 م

([46])  نفسه

([47])  الصورة الأدبية طبيعتها وجماليتها د. كريم الوائلي  مجلة الثقافة العربية 86  بنغازي ، عدد نوفمبر / ديسمبر 1990 ، وانظر: النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، سيد قطب، دار الفكر 1959م

([48])  شرح المعلقات العشر 127 د. مفيد قميحة

([49])  حديث الأربعاء1/ 58 ط دار المعارف بمصر، القاهرة1959، وانظر: شرح المعلقات العشر د مفيد قميحة 127 ، وفى الأدب الجاهلى د طه حسين 238، ط3 مطبعة فاروق 1352هـ 1933م، وتاريخ آداب العرب للرافعى3/ 228

([50]) هود 13

([51]) مقدمة المثل السائر 1/5

([52]) طرفه بن العبد حياته وشعره   186، 187 ط1    1400 هـ  1980م

([53]) طبقات فحول الشعراء115 ،  138

([54])الشعر والشعراء 1/137  ،   1/142

([55]) العقد الفريد 5/271

([56]) العمدة 1/65

([57]) شرح شواهد المغنى للسيوطى 272

([58]) صبح الأعشى في صناعة الإنشا - القلقشندي 2/220  دار الفكر - دمشق ط1 عام 1987 تحقيق: د.يوسف علي طويل

([59]) الموشح للمرزبانى 136 تحقيق على محمد البجاوى ط المطبعة السلفية بمصر1343هـ، ودار نهضة مصر 1965م

([60])  الصناعتين 93

([61])  عيار الشعر 125

([62])  ينظر: صورة الناقة في النص الجاهلي ، مقال منشور فى مجلة الآداب والعلوم الإنسانية

([63])  إعراب القرآن للسيوطى ،  ما جاء في التنزيل وقد حذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه

([64]) دلائل الإعجاز

([65])  خصائص التراكيب د محمد أبو موسى153 ط6 وهبة 2004م

([66]) شعرية الانزياح 291 خيرية حمر العين، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية، إربد الأردن، ط1. 2001

([67])  البلاغة قراءة أخرى 216، محمد عبد المطلب مكتبة لبنان

([68])  جماليات الأسلوب والتلقي: 129 – 132 موسى ربابعة ط1 مؤسسة حمادة للدراسات، اربد ، 2000

 

([70]) مجلة طنجة الأدبية عبد العزيز الحلوى عدد 2006

([71])  الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية د عبد الله محمد الغذامى 26 ط4 الهيئة المصرية العالمة للكتاب 1988 م

([72])  الشعر والشعراء 83

([73])  العمدة 73

([74])  سر الفصاحة 166

([75])  البيان والتبيين

([76])  شرح ديوان الحماسة تحقيق أحمد أمين  وعبد السلام هارون 1/12

([77])  طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحى تحقيق محمود محمد شاكر 1/5

([78])  تاريخ النقد الأدبي عند العرب لإحسان عباس  410 وانظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي  1/  12 - 13

([79])  نقد الشعر 64 ، 65 تحقيق د محمد عبد المنعم خفاجى ط دار الكتب العلمية بيروت

([80])  الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية 25 عبد الله الغذامي  النادي الأدبي جدة، ط1، 1985

([81])  نفسه 291

([82]) عيار الشعر 1

([83])  مقدمة ابن خلدون

([84]) البيان والتبيين 47

([85])منهاج البلغاء

([86]) يقصد كتاب المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها للدكتور عبد الله الطيب

([87]) كتاب الشفاء

([88]) العقد الفريد 3 /177

([89]) التفسير النفسي للأدب 58

([90]) موسيقى الشعر د إبراهيم أنيس95  ط3 مكتبة الإنجلو المصرية 1975م

([91])  تعمدت عدم سرد أقوال العلماء عن الصورة تجنبا للإطالة وقد أشار إلى هذا كثير من الباحثين ممن سردوا أقوال العلماء ورؤيتهم للصورة.

([92])  العمدة  2/197

([93])  أى: إظهار المعنوى المجرد بالحسى

([94])  أى: جعل الغريب مألوفا

([95])  أى: تأسيس المعنى الجمالى المؤثر فى الأشياء، انظر: كتاب الصناعتين???

([96])  أسرار البلاغة ???

([97])  مفتاح العلوم??? المكتبة العلمية الجديدة، لبنان

([98])   كان هذا خلال لقاء جمعنى بسعادته فى مقر كلية اللغة العربية جامعة أم القرى بمكة المكرمة فى شوال 1431

([99])  شاعر سعودى ، انظر: مسالك الأبصار م 1/ ج 9 ص11

([100]) السبت: جلود البقر المدبوغة بالقرط، التجريد: اضطراب القطع وتفاوته.

([101])  طرفة بن العبد حياته وشعره/ 197 د. محمد على الهاشمى ط بيروت 1400هـ 1980م

([102])  أسرار البلاغة 67                                             

([103])  نفسه     152 -  153

([104]) الوعي: الحفظ والاجتماع والانضمام، وهو في البيت على المعنى الثاني، الحرف: الناحية، والجمع الأحرف والحروف.

([105])  مسالك الأبصار م 1/ ج 9 ص11

([106]) الأتلع: الطويل العنق، النهاض: مبالغة الناهض، البوصي: ضرب من السفن، السكان: ذنب السفينة،

([107])  الكشاف  1/ 54 ط دار الكتاب العربى بيروت 1986م

([108])  الأفتل: القوي الشديد، وتأنيثه فتلاء، السلم: الدلو لها عروة واحدة مثل دلاء السقاءين، الدالج: الذي يأخذ الدلو من البئر فيفرغها في الحوض.

([109])  القرمد: الآجر، الاكتناف: الكون في أكناف الشيء وهي نواحيه.

([110])  النحض: اللحم، والمنيف: العالي، والإناقة: العلو، الممرد: المملس

([111])  ولذلك قال الله تعالى: )وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(  النحل 5، 6 فقدم الرواح على الغدو، وهذا من دقة الأداء القرآني، ولعلنا نلمح هذا المعنى في تشبيه طرفة، أضيف إلى ذلك أن القرآن الكريم ذكر الصرح ووصفه بأنه ممرد وهذ أروع وأتم فى الصرح: )قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ( النمل 44

([112])  الريع: الرجوع، والفعل راع يربع، الإهابة: دعاة الإبل وغيرها، يقال أهاب بناقته إذا دعاها، الاتقاء: الحجز بين شيئين، وقوله: بذي خصل، أراد بذنب، الروع: الإفزاع، الأكلف: الذي يضرب إلى السواد، الملبد: ذو وبر متلبد من البول والثلط وغيره، روعات أكلف أي روعات فحل أكلف

([113])  المضرحي: الأبيض من النسور، وقيل: هو العظيم منها، التكنف: الكون في كنف الشيء وهو ناحيته، الحفاف: الجانب، الشك: الغرز، العسيب: عظم الذن، والمسرد والمسراد: الأشفى

([114])  قوله: فطورا به، يعني فطورا تضرب بالذنب، الزميل: الرديف، الحشف: الإخلاف التي جف لبنها فتشنجت، الشن: القربة الخلق، الذوي: الذبول، المجدد: الذى جد لبنه أي قطع.

([115]) دراسات في الأدب الجاهلي120 د. عبد العزيز نبوي ، مؤسسة المختار، القاهرة، ط3، 1425هـ / 2004م

([116]) أسرار البلاغة 67

([117]) كتاب الصناعتين???

([118])  نفسه

([119])  موسوعة المصطلح النقدي 1/   425–   427 

([120])  الطي: طي البئر، المحال: فقار الظهر، وفقارة، الحني: القسي، الخلوف: الأضلاع، الأجرنة: باطن العنق، اللز: الضم، الدأي: خرز الظهر والعنق.

([121])  الكناس: بيت يتخذه الوحش في أصل شجرة، الضال: ضرب من الشجر وهو السدر البرى، كنفت الشيء: صرت في ناحيته، الأطر: العطف، والائتطرار الانعطاف، المؤيد: المقوى

([122]) العلب: الأثر، النسع: سير كهيئة العنان تشد به الأحمال، المورد وهو الماء الذي يورد، الخلقاء: الملساء،  القردد: الأرض الغليظة الصلبة التي فيها وهاد ونجاد

([123]) والبنائق جميع بنيقة كأنها دخاريص قميص، والغر: البيض، والمقدد: المشقق.

([124])  أسرار البلاغة  109

([125]) التربع: رعي الربيع، القف: ما غلظ من الأرض وارتفع، الشول: النوق التي جفت ضروعها، المولي: الذي أصابه الولي وهو المطر الثاني من أمطار السنة، سر الوادي وسراته: خيره أفضله كلأ، الأغيد: الناعم الخلق

([126])  نقد الشعر 127   

([127])  المصدر نفسه 127  

([128])  الوساطة 442-443، والمثل السائر 2/121

([129])  الصناعتين  261

([130])  الوساطة 442 - 443. وسر الفصاحة 235، 239، والمثل السائر 2/121.

([131])  مفتاح العلوم 335، 338-339  وبهذا يتفق السكاكي في هذا مع شيخ البلاغيين. انظر: دلائل الإعجاز 100.

([132])  منهاج البلغاء وسراج الأدباء 91

([133])  من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده 175محمد خلف الله أحمد، دار العلوم،ط3  الرياض،  1984م

([134])  الاحتضار والحضور واحد، العوجاء: الناقة التي لا تستقيم في سيرها لفرط نشاطها، المرقال: مبالغة مرقل من الإرقال: وهو بين السير والعدو.

([135]) الأمون: التي يؤمن عثارها، الإران: التابوت العظيم، نصأتها، بالصاد، زجرتها . ونسأتها، بالسين، أي ضربتها بالنسأة، وهي العصا، اللاحب: الطريق الواضح، البرجد: كساء مخطط.

([136]) الأروع: الذي يرتاع بكل شيء لفرط كائه، النباض: الكثير الحركة، مبالغة النابض من نبض ينبض نبضانا، الأحذ: الخفيف السريع، الململم: المجتمع الخلق الشديد الصلب، المرداة: الصخرة التي تكسر بها الصخور، الصفيحة: الحجر العريض، المصمد: المحكم الموثق .

([137]) البقرةَ بعض آية 76

([138]) الماوية: المرآة، الاستكنان: طلب الكن، الكهف: للغار، الحجاج: العظم المشرف على العين الذي هو منبت شعر الحاجب، القلت: النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، المورد: الماء.

([139]) طحوران: دفوعان، يقال دحره وطحره أي دفعه، وطحرت العين القذى: إذا ألقته عنها. والعوار والعاير ما أفسد العين من الرمد، فيقول: عينها صحيحة، لا قذى فيها.

([140]) ديوانه 15

([141]) العلة البلاغية كتاب الصناعتين إنموذجا  د. فايز مد الله الذنيبات

([142]) التوجس التسمع، السرى: سير الليل، الهجس: الحركة التنديد ك رفع الصوت

([143]) التأليل: التحديد والتدقيق من الآلة وهي الحربة، والدقة والحدة تحمدان في آذان الإبل، العتق: الكريم والنجابة، السامعتان: الأذنان، حومل: موضع بعينه

([144]) الجمالية: الناقة التي تشبه الجمل في وثاقة الخلق، الوجناء: المكتنزة اللحم، الرديان: عدو الحمار بين متمرغة وأربه، السفنجة: النعامة، تبري: تعرض، الأزعر: القليل الشعر، الأربد  الذي لونه لون الرماد.

([145]) الوظيف: ما بين الرسغ إلى الركبة وهو وظيف كله، المور: الطريق، المعبد: المذلل، والتعبيد: التذليل والتأثير.

([146])  عيار الشعر 102-104  ومنهاج البلغاء 117

([147])  الصورة الأدبية د. مصطفى ناصف، 59، دار الأندلس، بيروت

([148])  جوامع الشعر 175، تحقيق محمد سليم سالم، ضمن كتاب أرسطو طاليس في الشعر لابن رشد، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1971م

([149]) الرحمن 1 :  4

([150]) التعبير الفنى في القرآن د بكرى شيخ أمين / 195 ط2 دار الشروق بيروت 1976

([151]) أسرار البلاغة 1/136

([152]) المثل السائر 2/35

([153]) العمدة 1/184

([154]) الآمالى 1/4

([155]) البلاغة فنونها وأفنانها للدكتور فضل حسن عباس 2/158 ط 1 دار الفرقان - الأردن 1987

([156]) أسرار البلاغة 42

([157]) السابق 43

([158]) الوساطة بين المتنبى وخصومه 248

([159])  أسرار البلاغة  - 152 153 

([160]) الإمرار: إحكام الفتل، الشزر: ما أدير عن الصدر، الإجناح: الإمالة، والجنوح الميل، المسند: الذي أسند بعضه إلى بعض

([161]) المساماة: المباراة في السمو وهو العلو، الكور: الرحل بأداته، العوم: السباحة، الضبع: العضد، النجاء: الإسراع، الخفيدد: الظليم، ذكر النعام