مقرر علم اجتماع التربية

إعداد: د. محمد عبد الرءوف عطية السيد

 

مقدمة عن نشأة علم الاجتماع التربوي:

ظلت الفلسفة وعاء لكل المعرفة الإنسانية وتتميز بنظرتها الكلية للكون منذ نشأتها في القرن الخامس ق.م وحتى العصور الوسطى الإسلامية، ومن هنا كان علماء المسلمين يتميزون بسعة الأفق والتكوين الموسوعي في بنائهم الفكري فكان الواحد منهم فقيهاً في الدين متقناً لفنون الجدل والكلام أديباً طبيباً كيميائيا رحالة (جغرافيا)... إلخ وهكذا كانت نظرتهم إلى الكون والحياة والوجود والإنسان نظرة استدلالية كلية.

وفي التفكير الاستدلالي أو الاستنباطي Deduction Thinking، يرى الإنسان أن ما يصدق على الكل يصدق أيضاً على الجزء، ولذا فهو يحاول أن يبرهن على أن ذلك الجزء يقع منطقياً في إطار الكل. وليس بلازم أن يكون الاستنباط انتقالاً من العام إلى الخاص أو من الكلي إلى الجزئي فقد يكون انتقال من الشيء إلى مساوية، وبهذا يعني الاستنباط انتقال الذهن من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات إلى قضية أخرى هي النتيجة وفق قواعد المنطق. ويستخدم لهذا الغرض وسيلة تعرف بالقياس.

والقياس عبارة عن استدلال Reasoning يشتمل على ثلاث قضايا يطلق على القضيتين الأوليتين المقدمتان، حيث إنهما تمهدان للوصول إلى النتيجة وهي القضية الأخيرة. مثال ذلك:

كل البشر فانون          (مقدمة كبرى)

الحاكم بشر               (مقدمة صغرى)

إذن الحاكم فان           (نتيجة)

ويحدث هذا القياس على مستويات مختلفة، فيمتد من حل المشكلات البسيطة في الحياة اليومية على أساليب التحقق والتصنيف في العلم والبحث عن القوانين العلمية عن طريق صياغة الفروض واختبار صدقها وبهذا يفيد الاستنباط في استكشاف وتحديد الاحتمالات التي قد تفتح آفاقاً جديدة للبحث، كما أنه يساعد الباحث على التأكد من صحة تفكيره ومن ثم في حل المشكلات التي تواجهه. ومع ذلك تكمن في التفكير الاستنباطي نقطة ضعف أساسية وهي احتمال أن تكون إحدى المقدمتين غير صادقة في الواقع أو أن كلاهما غير مرتبط بالآخر، وبالتالي كانت النتيجة المشتقة منهما قليلة الفائدة رغم احتمال صدقها ومثال ذلك:

كل طلاب كلية التربية مؤهلون لمهنة التعليم     (مقدمة كبرى)

هذا الطالب في كلية التربية                      (مقدمة صغرى)

إذن، هذا الطالب مؤهل لمهنة التعليم             (نتيجة)

ولذا لا يمكن الاعتماد على الاستنباط وحده في البحث عن الحقيقة لأنه ليس وسيلة كافية لتحصيل معرفة يمكن الاعتماد عليها.

وظل الأمر كذلك حتى أواخر العصر العباسي الأول وبدايات العصر العباسي الثاني، عندما أعلن الحسن بن الهيثم البصري – في القرن العاشر الميلادي - أن الطريقة الاستدلالية لا تصلح لمعرفة العالم المادي الحسي، وأن خير وسيلة لتحقيق فهم أفضل للواقع المحسوس هي المشاهدة والملاحظة والتحليل والترتيب والتجريب وهو ما سماه بالطريقة الاستقرائية.

والاستقراء Induction  هو حكم على الكل أو العام من خلال الحكم على مجموع الأجزاء المتضمنة فيه، وذلك باعتبار هذا الحكم قائماً في كل جزء من الأجزاء وهذا يسمى الاستقراء التام أو الصوري، أو باعتبار الحكم منسحباً على معظم الأجزاء ويسمى الاستقراء المشهور أو الناقص.

والاستقراء أسلوب للبحث العلمي في الوصول إلى الحقيقة إذ يبدأ باستقصاء الجزئيات مستدلاً منها على الحكم الكلي الذي نستخلصه بطريقة علمية ومنهجية خاصة. فعلى سبيل المثال لو أننا فحصنا ألف حالة مريض بالأنفلونزا، فوجدنا أن كلاً منهم قد ارتفعت درجة حرارته عن المعتاد، فإن استقراء نتائج هذه الفحوص يصل بنا إلى استنتاج Inference منطقي هو أن الأنفلونزا ترفع درجة الحرارة عند المصاب بها. وهكذا، فإن الاستقراء بصفة عامة هو عملية منطقية تمكننا من استخراج مبادئ عامة أو أحكام عامة من خلال فحص أو قراءة (استقصاء) حالات جزئية.

وقد أدى انتقال الطريقة الاستقرائية إلى أوربا في العصر الحديث وعصر التنوير أن قفزت العلوم الطبيعية طفرات هائلة سريعة نحو التقدم والدقة في المعرفة عن مجال المادة وخواصها وتصنيفها وتحولها.. إلخ وهكذا أثبتت الطريقة الاستقرائية تفوقها في هذه المجالات الطبيعية وأدى ذلك بدوره إلى استقلال الفيزياء ثم الكيمياء وعلوم الحياة في القرن السابع عشر كعلوم قائمة بذاتها منفصلة بذلك عن جسم الفلسفة وكانت الرياضيات قد سبقت مع ديكارت تلك الموجة الاستقلالية، ثم استتبع ذلك ظهور علم الاجتماع الحديث في القرن التاسع عشر وكذلك علم الإنسان وعلم النفس وعلم التربية ثم السياسة والاقتصاد وكلها كانت موضوعات من مجال الفلسفة القديمة، وهنا يحق لنا أن نقول أن الفلسفة هي أم العلوم الحديثة.


علاقة علم الاجتماع بالبناء التربوي

  لعل علم الاجتماع من أحدث العلوم فى الظهور فى ثوبه الجديد ذلك لأن المؤسس الأول لدراسة المجتمع البشرى كان عبد الرحمن بن خلدون قد أرسى قواعدها منذ القرن السابع والثامن الهجرين والرابع عشر الميلادى، وجاء أوجست كونت واميل دوركيم ليضعا الأسس العلمية الحديثة لعلم الاجتماع الحديث فى القرن التاسع عشر الميلادى. ومن ثم فقد يكون علم الاجتماع من أكثر العلوم تعقيداً لأنه عبارة عن ذلك العلم الذى أرسى قواعده على ما انتهت إليه العلوم الأخرى السابقة عليه، وقد أدى هذا التعقيد الذى يشهده ذلك العلم إلى أن ينحل هذا العلم نفسه إلى عديد من الفروع والتخصصات، ومن ثم فقد ظهرت الفروع التالية من داخل علم الاجتماع.

1-         علم الاجتماع العام.

2-         علم الاجتماع المعرفى.

3-         علم الاجتماع الصناعى.

4-         علم الاجتماع الحضرى.

5-         علم الاجتماع الريفى.

6-         علم الاجتماع السياسى.

7-         علم الاجتماع التربوى.

  غير أنه بالرغم من أن علم الاجتماع ينحل إلى هذه الفروع السابقة إلا أنه يجب الإشارة إلى أن كل هذه الفروع السابقة تشترك جميعاً فى دراسة الظاهرة الاجتماعية.

  فعلم الاجتماع العام يتناول دراسة الظاهرة الاجتماعية من حيث خصائصها ومكوناتها والعوامل المؤثرة فيها ونشأتها فى المجتمع.

  وأما علم الاجتماع المعرفى فهو ذلك الفرع من علم الاجتماع الذى يتناول ما يسمى بسسيولوجية المعرفة، ويهدف ذلك الفرع إلى دراسة نظرية المعرفة والتى تعتبر إحدى مباحث الفلسفة، وذلك فى علاقتها بالنظرية الاجتماعية.

    وبالنسبة لعلم الاجتماع الصناعى فإنه يتناول خصائص الظاهرة الاجتماعية فى المجتمع ذى الطبيعة الصناعية فيحاول أن يدرس التأثير المتبادل بين خصائص الظاهرة الاجتماعية والخاصية الصناعية للمجتمع الذى تخرج منه الظاهرة الاجتماعية.

  وفى علم الاجتماع الحضرى يتم تناول ودراسة الخصائص الاجتماعية للمجتمع الحضرى وأهم السمات السسيولوجية لهذا النمط من المجتمعات وكذلك أهم خصائص الظاهرة الاجتماعية فى هذا المجتمع، وكذلك علم الاجتماع الريفى يحاول دراسة خاصية الظاهرة الاجتماعية فى المجتمعات الريفية، وأهم العوامل المكونة لها فى هذا النمط من المجتمعات، وكذلك الفارق بينها وبين قرينتها فى المجتمع الحضرى.

  أما علم الاجتماع السياسى فإنه يتناول دراسة الظاهرة الاجتماعية فى علاقتها بالنظرية السياسية شارحاً أهم أبعاد الظاهرة الاجتماعية فى ظل نظرية سياسية معينة وكذلك فى ظل وضع سياسى معين، وكذلك علاقة الظاهرة الاجتماعية فى مجتمع معين بالأوضاع القانونية والدستورية فى هذا المجتمع.

  وإذا نظرنا إلى علم الاجتماع التربوى، وهو الذى يعنينا فى هذا المبحث بصفة خاصة، فإنه يمثل قمة ما انتهت إليه النظرية الاجتماعية كنتاج بشرى، يمكن صياغته فى مبادئ تربوية تفيد الكائن البشرى بصفة مباشرة.

  وبمعنى آخر إذا كانت النظرية الاجتماعية تهدف إلى إيجاد صيغة اجتماعية ملائمة لتفسير الظاهرة الاجتماعية، فإنما هى تسعى إلى ذلك بهدف تطويع هذا الفهم والتفسير للاستخدام البشرى فيما يمكن تسميته بالمبادئ التربوية التى يمكن تطبيقها فى الواقع لصالح البشر.

  ومن ثم فإن العلاقة جد وثيقة بين النظرية الاجتماعية والنظرية التربوية، فلا ريب فى أن بناء النظرية الأولى هو القاعدة فى صياغة النظرية الثانية. ولا يمكن بحال من الأحوال أن تقوم النظرية التربوية من فراغ. بل تنبع من الفلسفة الاجتماعية  السائدة فى المجتمع، لذا فإن الأمر يتطلب قيام ذلك الفرع المختص من علم الاجتماع كما يتولى الجانب التربوى فى الحياة الاجتماعية وسمى هذا العلم بعلم الاجتماع التربوى.

فروع أو مجالات أخرى ترتبط بعلم الاجتماع:

علم النفس الاجتماعى:

وهو يتناول دراسة الخصائص النفسية للشخصية من الزاوية الاجتماعية، كما يتناول التأثير المتبادل بين الخصائص الاجتماعية والخصائص النفسية بالنسبة للفرد، وكذلك بالنسبة للجماعة وذلك فيما يسمى بديناميات الجماعة فى ذلك الفرع الأخير الذى يهتم بتناول أهم العوامل النفسية والاجتماعية التى تحكم علاقة الفرد بالجماعة وكذلك علاقة الجامعة بالفرد... الخ.

الأنثربولوجيا:

  وهو أحد العلوم الاجتماعية الذى يعنى بدراسة السمات الحياتية والاجتماعية والثقافية للإنسان وفى هذا الصدد ينقسم علم الانثربولوجى إلى:

‌أ-  الانثربولوجيا الحضارية.

‌ب-       الانثربولوجيا الاجتماعية.

‌ج- الانثربولوجيا الثقافية.

  وفى الانثربولوجيا الحضارية يتم دراسة السمات الحضارية للبشر فى مختلف بلدان العالم ومختلف الأماكن بغرض الوقوف على أهم الخصائص الحضارية للبيئات المختلفة وأهم العوامل التى تسهم فى نمو الحضارة فى إقليم معين دون أقليم آخر وأهم الفوارق الحضارية بين الأقاليم وبعضها البعض.

  أما الانثربولوجيا الاجتماعية فهى تعنى بدراسة الخصائص الاجتماعية لإقليم معين أو مكان خاص من حيث نظم الزواج وتكوين الأسرة وتأبين الأسرات والأوضاع الاقتصادية المنظمة للحياة الاجتماعية فى المجتمع من زراعة، أو صناعة أو تجارة... الخ مما يمكن أن يلقى ضوءا على الحياة الاجتماعية وخصائصها فى المجتمع.

  وتعنى الأنثربولوجيا الثقافية بدراسة الخصائص الثقافية التى تميز مجتمعاً ما عن آخر، وذلك مثل الأوضاع التعليمية والأوضاع التربوية والعامة والتقاليد والقيم والاتجاهات والأعراف التى تحكم سير الحياة الاجتماعية فى المجتمع ومن ثم فإن علم الانثربولوجيا يعتبر من العلوم وثيقة الصلة بالتربية من حيث أنه يتناول الأوضاع الحضارية والاجتماعية والثقافية الخاصة ببيئة الإنسان، بل إن التربية تبنى قواعدها من حيث النتائج التى انتهى إليها مع العلم، ولذا فإن التربية بمختلف فروعها وتخصصاتها تستفيد إفادة كبيرة بما انتهى إليه التطور فى البحوث العلمية الانثربولوجية.

التربية ومشكلات المجتمع:

وفي هذا المجال يتم تناول أهم الأوضاع الاجتماعية فى المجتمع وما تعانى منه تلك الأوضاع من مشكلات وأهم خصائص تلك المشكلات وصفاتها ثم موقف التربية من هذه المشكلات والدور الإيجابى الذى يمكن أن تلعبه التربية فى سبيل علاج المشكلات الاجتماعية فى المجتمع.

  وفى هذا الصدد تستعين التربية بكل من علمى الاجتماع والانثربولوجيا، وتستفيد إفادة كبيرة بما انتهى إليه التطور العلمى فى هذين المجالين من مجالات العلوم الاجتماعية.

  فإذا كان كل من علمى الاجتماع والانثربولوجيا على اختلاف التخصصات العلمية المتضمنة فى هذين العلمين يهدفان إلى وصف وتشخيص الأوضاع الاجتماعية بمختلف مناحيها، فإن على التربية أن تستفيد من هذا الوصف وذلك التشخيص لتلك الأوضاع بهدف بناء الأساليب العلاجية لما يقع من مشكلات تعوق تقدم هذه الأوضاع وذلك عن طريق ذلك الفرع من العلوم التربوية الذى يقع تحت اسم التربية ومشكلات المجتمع.


من علم الاجتماع التربوي إلى علم اجتماع التربية:

تمثل فترة ما بين أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 قمة تفاؤل كل من رجال التربية وعلماء الاجتماع وذلك بتركيزهم أن الفكر الإنساني يستطيع قيادة التطور الاجتماعي. ومنذ ذلك الحين عمل كل من علماء الاجتماع ورجال التربية بجوار الآخر فيما كان يعرف بمجال علم الاجتماع التربوي Educational Sociology أو اجتماعيات التربية ويجمعهم في ذلك هدف أساسي هم تهذيب الإنسانية وإصلاح المجتمع.

وبالفعل تركزت أغلب أعمال رجال اجتماعيات التربية على ما بحث العلاقة بين التربية والمجتمع. ورغم ذلك، لم يدم التعاون والتنسيق بين علماء الاجتماع والتربية طويلاً؛ حيث نمى اتجاه متزايد بين علماء الاجتماع مؤداه: أن اجتماعيات التربية مجال تطبيقي أساسه النظري غير متماسك ويعوزه طرق ووسائل البحث المناسبة. ولقد تحرر رجال التربية أيضاً من وهم اجتماعيات التربية؛ فثبت عدم إمكان تحقيق المجتمع المثالي، وثبت أيضاً أن علماء الاجتماع غير قادرين على تقديم الحلول الحاسمة للمشكلات التربوية. ولقد بدا علماء الاجتماع حين ذاك في نظر المربين على أنهم مجموعة من العلماء المتعالين في برج عاج فرحين بما أوتوا من وسائل البحث العلمي. ومن ناحية أخرى، فهم أصحاب مجموعة من النظريات الاجتماعية فارغة المضمون وغير قابلة للتطبيق.

وجاء وقت فقدت فيه اجتماعيات التربية سمعتها، واتجه كل فريق إلى مجاله الخاص، وحاول كل منهم تطوير نظرياته وطرق بحثه الخاصة بمعزل عن الآخر. وأصبحت اجتماعيات التربية منذ ذلك الحين مجرد حدث أو ظاهرة تاريخية. ولقد كان منتصف القرن العشرين علامة هامة في مسيرة وتطوير علم الاجتماع التربوي وذلك حين تغير مسماه إلى علم اجتماع التربية Sociology of Education  على يد ولبر بروكوفر W. Brookover، وذلك عندما نشر مقالة بعنوان التعريف بعلم اجتماع التربية في المجلة الاجتماعية الأمريكية عام 1949، ثم كتابا عام 1955 بنفس المسمى أيضاً. ومنذ ذلك الحين تجددت الاهتمامات بدراسة التربية كظاهرة وكنسق اجتماعي يؤثر ويتأثر بالأنساق الاجتماعية الأخرى.

مدى إمكانية تأسيس علم لاجتماع التربية:

  أهم ما يقال عن العلوم الإنسانية والاجتماعية ككل أنها علوم معيارية، أى أنها تعتمد على فكرة " القيمة".

  والطابع الوضعى للعلوم الإنسانية والاجتماعية أنها علوم موضوعها الإنسان، فى حين أن الطابع الوضعى للعلوم الطبيعية أنها علوم تدرس موضوعا غير الإنسان.

والسؤال الآن:

  هل فى الإمكان تأسيس علوم إنسانية واجتماعية؟ أى علوم يكون موضوعها الإنسان والمجتمع فى الوقت الذى يصير فيه الإنسان صانعا للعلم ؟

  معنى هذا السؤال أن هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية مهددة فى موضوعيتها، أى أن الطابع الذاتى يمكن أن يكون متغلباً.

  فقد يقال أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تعتمد على فكرة " القيمة Value  " ومعنى " القيمة " فى هذا الصدد أن أحكام هذه العلوم هى أحكام تقديرية وليست أحكام تقريرية. ومن أمثلة ذلك أن علم الباثولوجيا يميز بين السليم والعليل علم النفس يميز بين السوى والمريض أو بين الإدراك الحسى الصحيح والباطل أو الذاكرة القوية والضعيفة وتميز التربية بين التربية التقدمية والتربية المختلفة، والأساليب التربوية الصحيحة والباطلة وكذلك يميز علم الاجتماع بين القوى التقدمية والقوى الرجعية.

  ويؤخذ على الأحكام القيمية أو التقديرية أن الطابع الذات فى هذه الأحكام يمكن أن يكون متغلباً، ومن ثم فإنها أحكام لا تتصف بالدقة التى تتصف بها الأحكام التقديرية.

  وردنا على هذا القول أنه لا يوجد ثمة فاصل بين الأحكام التقديرية والأحكام التقريرية، فإن أى حكم تقريرى ينطوى على حكم تقديرى فى نفس الوقت.

  فمثلا إذا قلنا أن الإنسان اذكى من الحيوان وأسسنا هذا الحكم على اختبارات معينة فإن هذا الحكم فى نفس الوقت يشير إلى ثمة مفاضلة بين الإنسان والحيوان بمعنى أن أى كائن يود أن يكون إنساناً.

  ومعنى ذلك أيضا أن القيم يمكن أن تخضع لأساليب البحث العلمى أيضا لأنها ظواهر يمكن تحديدها تحديداً موضوعياً.

  وقد يقال أن بعض القيم فى العلوم الاجتماعية تكون تعبيراً عن وجهة نظر العالم ذاته أكثر من أن تكون تعبيراً عن حقائق موضوعية.

  ويمكن الرد على هذا القول بأن العالم حتى فى العلوم الطبيعية والرياضية إنما يسهم فى صياغة القانون بحيث يمكن القول فى هذه الحالة أن القانون العلمى قانون إنسانى بشرط أن تكون ذاتية العالم معبرة عن ذاتية موضوعية.

  وقد يقال أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تهدف إلى تحقيق غايات... والحق أن الحياة ذاتها تتجه فى المجال البيولوجى إلى تحقيق فرد سليم قادر على البقاء والتكيف مع العلم وتأكيد سيطرته عليه، كذلك يتجه الإنسان من الناحية النفسية إلى اختراع الوسائل التى تضمن له سلوكاً يزداد تكيفاً ونجاحا، وهو السلوك الذى تبدو بعض ضروب التقهقر حالات مرضية بالنسبة له.

  بل إن الظاهرة المرضية ذاتها تعد صوراً مشوهة لهذا الجهد، وكذلك تتجه الجماعة الاجتماعية إلى الاستمرار فى البقاء وحفظ توازنها لا عن طريق التنظيم الذاتى كما هو الحال فى الكائن العضوى بل عن طريق وسائل تزداد دقة على الدوام مثل التربية والإدارة فى نظام العمل وهى الوسائل التى تدعو الفرد إلى الاندماج فى المجتمع والعمل على حفظ توازنه.

     وهكذا يمكن التحدث عن العديد من الغايات البيولوجية والطبيعية والاجتماعية والنفسية.

  وقد يرد بأن موضوع العلوم الطبيعية ليس هو الإنسان وإنما موضوعها الأشياء الخارجة عن الإنسان أى أن موضوعها هو العالم الخارجى، وإينما كان هذا العالم فإن الإنسان يستطيع أن يحكم على الموضوعات الخارجية المتعلقة بهذا العالم، ومن ثم فإنه يمكن أن يتحقق لهذه العلوم قدر أكبر من الموضوعية لأن موضوعها ليس هو الإنسان القائم بالدراسة.

  ويمكن الرد على ما سبق، بما سبق ذكره فى الفقرات السابقة من أن صياغة القانون العلمى هى صياغة إنسانية فى النهاية، والإنسان هو الذى يصوغ القانون العلمى فى العلوم الطبيعية، ومن ثم فإن القانون العلمى فى العلوم الطبيعية قد يصيبه التغير والتطور، ولذا فقد لا يكون مثل هذا القانون ثابتا أبداً وعلى الدوام، والدليل على ذلك أن القانون العلمى كان قد انتهى فى وقت إلى أن الذرة تعتبر أصغر وحدة بنائية فى الكون، غير أنه ما لبث الأمر أن ظهرت وحدات بنائية أصغر من الذرة بكثير وأصبح الحديث عن هذه الوحدات المتناهية فى الصغر هو حديث اليوم. ولا ندرى ماذا سوف يكشف العلم بعد ذلك من حقائق يصوغها الإنسان فى صياغات معينة.

  وقد يقال أن العلوم الاجتماعية تتميز بالتعقيد لأنها تدرس ظواهر معقدة ومن ثم فإنه لا يمكن استخدام منهج العلوم الطبيعية فى دراسة الظواهر  الاجتماعية.

  وإذا سلمنا أن " التعقيد" ينطبق أيضا على أى موقف فيزيقى فإن خطأ القول بأن المواقف الاجتماعية أكثر تعقيداً من المواقف الفيزيقية ناشئ من مصدرين:-

الأول: أننا نميل إلى مقارنة الأشياء التى لا يجوز المقارنة بينها، فهناك فارق كبير بين المواقف الاجتماعية العينية والمواقف الفيزيقية المعزولة عزلا صناعيا والأجدر أن يقارن هذا الأخير بالمواقف الاجتماعية المعزولة عزلا صناعيا كالسجن أو الجماعة المؤلفة لأغراض تجريبية.

الثانى: الاعتقاد القديم بأن وصف الموقف الاجتماعى يتطلب وصف الأحوال النفسية بل الأحوال الفيزيقية التى لها صلة بالموقف ولكن هذا القول ايضا يمكن أن ينطبق على العلوم الطبيعية، فوصف التفاعل الكيميائى مثلا يتطلب وصف الأحوال الذرية وما تحت الذرية لكل الدقائق العنصرية الداخلة فيه.

  أى أن الظاهرة فى العلوم الطبيعية أيضا معقدة لأنها تتصل بعلوم أخرى كثيرة متشابكة مثل الرياضيات والفيزيقيا، كما أن العلوم الاجتماعية أيضا معقدة لأنها تتأثر بالأحوال النفسية والفيزيقية التى لها صلة بالموقف.

وإجمالاً، يمكن القول أن مرد الإشكاليات يرجع إلى ما يلي:

1- أن الباحث في العلوم الطبيعية يتعامل مع متغيرات قليلة، وحتى لو كثرت المتغيرات التي يتعامل معها الباحث إلا أنها تخضع للقياسات الموضوعية التي تتم ضمن نطاق المادة والطاقة. أما في العلوم الإنسانية والاجتماعية فإن الباحث يتعامل مع متغيرات متداخلة ومتشابكة فيما بينهما مثل: الذكاء والمزاج، والعلاقات الاجتماعية داخل الفصل والمدرسة وأنماط التفاعل الاجتماعي السائد. ومن هنا فإن الباحث في مجال العلوم الاجتماعية يتعامل مع مواقف أكثر تعقيداً عن تلك التي يتعامل معها الباحث في مجال العلوم الطبيعية.

2- الباحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يستطيع أن يلاحظ كل المواقف الإنسانية التي يمر بها الإنسان. فمثلاً هو لا يستطيع أن يلاحظ التاريخ السابق للطفل بطريق مباشرة. فهو إما يعتمد على السجلات أو سؤال الأهل والأقارب. كما أنه لا يستطيع أيضاً ملاحظة ومعرفة دوافع الطفل وأحلامه إلا إذا قام الطفل بتفسيرها له، وهنا يتدخل العامل الشخصي والذاتي في توجهات الباحث في العلوم الإنسانية.

3- أن الباحث في العلوم الاجتماعية يجد نفسه أمام مواقف لبشر يصعب تكرار تلك المواقف ويصعب عليه أيضاً معرفة الدوافع الحقيقية لتلك المواقف حيث يتصرف البشر من دوافع خلفيات وأطر معرفية متباينة. ومن هنا فإن تكرار نفس الموقف تماماً مستحيل وذلك عكس الأمر في العلوم الطبيعية التي تتكرر فيها المواقف تماماً إذا وجدت في نفس الظروف.

4- تؤثر خلفية الباحث الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية، وتتدخل اهتماماته وتجهيزاته وقيمه فيما يبحثه ويلاحظه ويؤثر فيه، كما تؤثر في الأحكام والنتائج التي يتوصل إليها من خلال الملاحظات. ومن هنا، فإن عنصر الذاتية والتميز وارد لدى الباحث في العلوم الإنسانية. أما في العلوم الطبيعية فإن الباحث يكون أقل تأثراً بذاتيته وحتى عندما يقوم بتفسير النتائج التي توصل إليها، فإن أي تعميم لاحق لن يتسبب في تغيير خصائص الظاهرة وذلك عكس الحال في العلوم الاجتماعية، يتبين مما سبق، أن الفروق بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية تكمن في:

-        تعقد مادة الدراسة (الظاهرة الفيزيقية – السلوك الإنساني).

-        صعوبة ملاحظة مادة الدراسة (ملاحظة مباشرة – غير مباشرة).

-        عدم تكرار مادة الدراسة ( قابلة للتكرار – غير قابلة للتكرار).

-        علاقة الباحث بمادة الدراسة (لا يتأثر بها – يتأثر بها).

 

نظريات علم اجتماع التربية (مفهومها، روادها، أركانها، تطبيقها، نقدها):

-        نظرية الاتفاق أو الإجماع (النظرية الوظيفية Functionalism Theory):

-        نظرية الصراع Conflict Theory:

-        نظرية التفاعل الرمزي Symbolic Interactions Theory:

-        نظرية النظم Systems Theory:

 

 

التربية والتفاعل الاجتماعي

مقدمة:

إن التربية عملية عرفتها كل المجتمعات عبر التاريخ الإنساني، وذلك على اختلاف درجات تلك المجتمعات من النمو والتعقيد، وما هذا إلا لكون التربية ضرورة إنسانية واجتماعية، ارتبط وجودها بوجود الإنسان ذاته على الأرض واستقراره فيها. وقد ارتبطت التربية بوتيرة وطبيعة المجتمعات خلال العصور المختلفة، فنمت بنمو المجتمع، وتعقدت وتشابكت عناصرها ومؤسساتها وأهدافها ومحتواها... وغير ذلك بتعقد المجتمع وتشابكه.

ومنذ أن وجد الإنسان البدائي على ظهر البسيطة وهو يرى أبناءه بالفطرة، فيقدم لهم يد العون والمساعدة، ليحفظ لهم بقاءهم، ويعمل على استمرار حياتهم وسط مخاطر الطبيعة ومهددات العيش، إلا أن هذا الإنسان البدائي وجد نفسه عاجزاً عن القيام وبمفرده بتوفير متطلبات أبنائه، خاصة وأن الطبيعة لم تكن سخية وكريمة معه على الدوام، كما أن مخاطرها زادت حدة وقسوة، لهذا أخذ الإنسان يتجمع مع بني جنسه، ليزداد قدرة على مواجهة المخاطر، لزيادة قوته لما نتج عن تجمعه من تعاون، وهكذا تكونت الجماعات الإنسانية الأولى فيما عرف بالقبيلة، والتي ما لبست أن تعاونت مع غيرها من القبائل لتكون المدن فالأقاليم فالدول، وبهذا سارت المجتمعات في طريق النمو والتشابك والتفاعل القائم على التعاون حيناً وعلى الصراع حيناً آخر، مما وصل بالمجتمعات إلى شيء من التعقيد والتراكب، بل دفع بهذه المجتمعات إلى ضرورة توزيع المهام بين أفراد المجتمع، وفي إطار من التخصص والالتزام.

ولم تستطع التربية أن تعزل نفسها عن المجتمع الموجودة فيه، كما لم تستطع أن تنأى بنفسها عن جملة التغيرات الحادثة به، فوجدت نفسها تسير في نفس الطريق الذي يسير فيه المجتمع، إن لم يكن برضاها فقهراً وغصباً، وذلك حتى لا تتخلف عن مجتمعها في الوقت الذي يناط بها قيادة التغيير في المجتمع، هذا بالإضافة إلى أن الإنسان نفسه وهو موضوع التربية من ناحية، والقائم على المجتمع من ناحية أخرى كان أحد جوانب التغيير في المجتمع، كما كانت وسيلة ذلك التغيير في نفس الوقت.

ولقد تضمنت التربية نظراً لارتباطها بكل من الفرد والمجتمع العديد من الجوانب التي تتعلق بهما – بالفرد والمجتمع -، فكان لها جوانبها الفلسفية والاجتماعية والثقافية والنفسية والاقتصادية والتاريخية والسياسية... وغيرها، وكل من هذه الجوانب يؤثر ويتأثر في الوقت ذاته بسائر الجوانب الأخرى، مما يعني وجود علاقة دينامية تبادلية بين الجوانب المتعددة للتربية، سواء كان ذلك على مستوى الفكر أو التطبيق.، فالتطرق لأي من تلك الجوانب أو الأسس يجب أن يتم في إطار شامل ومتكامل لسائر الأصول أو الأسس الأخرى، حيث تجمعها وحدة واحدة هي التربية ذاتها وفي كليتها، بل إن حالة التأثير والتأثر القائمة بين جوانب أو مدخلات العملية التربوية كعملية من جانب، وبين الأصول أو الأسس التي يعتمد علها الفكر التربوي من جانب آخر، يحتم ضرورة تلك النظرة الشمولية لهذه الأصول أو الأسس.

وتعد الأصول الاجتماعية للتربية ركيزة هامة من ركائز الفكر التربوي، فالمؤسسات التربوية بما فيها المؤسسات التعليمية تشكل جزءاً لا يتجزأ من النظام العام للمجتمع، ولكي تحقق تلك المؤسسات التربوية وظائفها، لا بد وأن تتعامل وتتفاعل مع غيرها من مؤسسات ومنظمات اجتماعية، وذلك في إطار من الاتساق والانسجام الذي ييسر هذا التفاعل، وبما يحقق الأهداف المجتمعية في كليتها، كما عليها أن تمد سائر المؤسسات المجتمعية الأخرى بما تحتاجه من قوى بشرية.

وتجدر الإشارة إلى أنه هناك علاقة قوية بين التربية وبين المجتمع من خلال النظرية الاجتماعية، حيث أن التربية ذاتها عملية اجتماعية، فهي تحفظ للمجتمع هويته وكينونته، هذا عن طريق نقل ثقافته من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، كما أن للمجتمع وظيفة تربوية، إذ يمد مؤسسات التربية بمقومات بقاءها، هذا بالإضافة إلى أن ما يؤمن به المجتمع باعتباره حق فيما يتصل بالعلاقات الإنسانية الفردية أو الجمعية أو المؤسساتية، وكذا النظريات الاقتصادية وتضميناتها الحياتية.... إلى آخر ذلك من المفاهيم الاجتماعية، له بلا شك تأثيره العملي، أو على الأقل يجب أن يكون له ذلك التأثير على ما يحدث بالمؤسسات التعليمية وما تتضمن من ممارسات عملية.

ويؤكد العلاقة بين التربية من ناحية والمجتمع الذي تمارس فيه التربية من ناحية أخرى، ذلك التباين الذي يحدث بين المؤسسات التربوية جراء تباين المجتمعات التي توجد بها هذه المؤسسات، لذا فإن واقع المؤسسات التربوية في أي مجتمع يمكن أن يعطي مؤشراً قوياً على طبيعة المجتمع في كليته، فعندما تتسم الممارسات التربوية بمؤسسات التربية، سواء كانت مؤسسات تعليم أو وسائل اتصال جماهيري كالصحافة والإذاعة وغيرها أو كانت دور عبادة بشيء من الحرية، فإن ذلك يشير على أن طبيعة المجتمع تتسم بالديمقراطية، والعكس بالعكس.

إن القول بأن التربية عملية اجتماعية يحمل ضمنا أنها تختلف من مجتمع لآخر، وذلك حسب طبيعة المجتمع الذي توجد فيه والقوى الثقافية المؤثرة على ذلك المجتمع، إضافة إلى القيم الروحية والفلسفية التي يعيش على أساسها أفراد ذلك المجتمع، ويعني ذلك أن التربية بمجتمع ما تحدد أهدافها وغاياتها ووسائلها حسب أهداف المجتمع التي تتحدد في إطار فلسفته.

والتربية كعملية اجتماعية ضرورة من ضرورات البقاء الإنساني، فإذا كان الاجتماع الإنساني ضرورياً، الأمر الذي عبر عنه البعض بقولهم الإنساني مدني بالطبع، أي لابد من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمري، ولقد دلل صاحب المقدمة على تلك الضرورة بتقصير وعجز الإنسان من أن يحصل كل المعارف والمهارات اللازمة لإشباع حاجاته الإنسانية، ولقد ذكر في ذلك: " أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجاته من ذلك الغذاء، غير موفيه له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وموقوت يوم، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجز والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال يحتاج إلى آلات ومواعين، لا تتم إلا بصناعات متعددة... ويفرض ذلك ضرورة اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ".

إن الإنسان كائن فردي اجتماعي في آن واحد، فهو فردي يحاول أن يحمي بقاءه وبقاء أولئك المتصلين به، وأن يشبع رغابته، وينمي قدراته. وهو اجتماعي إذ يسعى إلى نيل تقدير الآخرين، ويسعى إلى مشاركتهم مشاعرهم وحياتهـم، مدركاً لاعتماده عليهـم، بل وارتباط بقائه الإنساني بذلك الاعتماد.

ومن الواضح أن اعتماد الفرد على المجتمع من الحقائق الطبيعية التي يمكن انكارها، شأنه في ذلك شأن كثير من الكائنات الحية التي تعيش في تجمعات كالنمل والنحل وبعض أنواع الطيور، غير أن حياة تلك الكائنات تحدد أدق وقائعها غرائز ثابتة وفطرة موروثة، في حين أن التكوين الاجتماعي وتشابك العلاقات بين أفراد المجتمع تتخذ صوراً مختلفة، وتتطور بطرق متعددة وتعتمد وتتأثر بالفكر والذكاء التعقل الإنساني كما تتأثر بالخبرة والذاكرة الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى تطور حياة الإنسان وارتقائها رغم بقاء حياة الكائنات الأخرى التي تعتمد على الفطرة وفقط في حالة سكون وثبات شبه دائمين.

ومعنى هذا – التربية عملية اجتماعية – أن التربية تعمل بالضرورة في ظل نظام اجتماعي معين، يختاره أفراد ذلك المجتمع من بين نظم اجتماعية متعددة كنمط لحياتهم وتحقيق أهدافهم، وانتساب الأفراد لمجتمع معين لا يتأتى لمجرد ولادتهم البيولوجية لهذا المجتمع، بل إن حقيقة انتسابهم ترجع إلى إدراكهم للحياة والمعاني من خلال دلالات مشتركة وثقافة واحدة. ولا يتأتى ذلك بطريقة عشوائية، وإنمـا من خلال جملة من الوظائف التي تؤديها التربية بعامة، وفي الصدد الاجتماعي بخاصة، ولعل أهم هذه الوظائف التي تتصل بالجانب الاجتماعي ما يلي:

 

أ- الضبط الاجتماعي:

لا يخلو أي مجتمع إنساني من وجود عمليات تفاعل بين أفراد ذلك المجتمع أو جماعاته، إلا أن بعضاً من أنماط هذا التفاعل قد تكون مرغوباً فيها، وبعضاً آخر قد يكون غير مرغوب فيها، وذلك من خلال بعض المحكات والمعايير التي يلجأ إليها كالقانون والعرف والعادات والنسق القيمي السائد... وغيرها للحكم على ما هو مقبول أو غير مقبول.

وكلما كان أفراد المجتمع وجماعاته يقفون على أرضية واحدة، وتحكم عملية تفاعلهم فيما بينهم أسس ومعايير واحدة أو على الأقل متقاربة، كلما قل احتمال حدوث نوع من صدام المصالح والذي قد يؤدي بالأفراد أو الجماعات إلى نوع من الصراع الذي يهدد بقاء المجتمع واستمراريته، ولهذا فإن عملية التقريب بين الأفراد والجماعات، وكذا تجنيبهم عوامل الفرقة والصدام، قد يكون صمام أمام لمنع حدوث الصراع الذي يهدد المجتمع، وغالباً ما يشار إلى عملية التقريب هذه بالضبط الاجتماعي، ويرتبط ذلك بسلوكيات الأفراد وأنماط تفكيرهم وما يغشاهم من قيم تعمل كموجهات سلوكية على المستوى الفردي والجمعي، وبهذا ترتبط عملية الضبط الاجتماعي بالمؤسسات التربوية والتعليمية بالمجتمع.

وتقوم المؤسسات التعليمية بدور بارز وواضح في تحقيق الضبط الاجتماعي أكثر من غيرها من المؤسسات التربوية الأخرى، وقد يرجع ذلك فيما يرجع على طبيعة العمل بهذه المؤسسات، فهي على سبيل المثال تتعامل مع مجموعة من الأفراد – المتعلمين – في سن عمري وعقلي متقارب، يتلقون جملة من المعارف والمهارات المتشابهة، كما يتم التعامل معهم بقواعد ومعايير واحدة، الأمر الذي يصل بمعظمهم إلى مستوى متقارب من الخصائص والسمات بما يقارب بين سلوكياتهم وخلفيتهم المعرفية والقيمية التي تسهم بقدر كبير في عملية تجنبهم ما قد يحدث من صدام بينهم، هذا فضلاً عن طول المدة التي يقضيها المتعلمون بمؤسسات التعليم، والتي تفوق أي فترة يمكن أن يقضوها في حالة يقظة ووعي بمؤسسة أخرى من المؤسسات التربوية، حيث يقضي المتعلمون ما بين خمسة أو ستة أيام أسبوعياً، وبمتوسط من ست إلى ثمان ساعات، وبمعدل عشر شهور سنوياً، وذلك على مدار فترة تعليمهم التي قد تصل على ستة عشر عاماً على مدار العمر.

وتتأتى أهمية المؤسسات التعليمية في عملية الضبط الاجتماعي من منطلق اعتماد عملية الضبط الاجتماعي ذاتها على الإقناع الذاتي والداخلي بالقواعد المنظمة لسلوك الأفراد والجماعات، حيث تكون هذه القواعد آمرة ومؤثرة إلا أنها غير ملزمة أو ضاغطة من خلال مجموعة من العقوبات التي تفرض على الخارجين عليها، لذا لا بد من تنشئة الأفراد وتوعيتهم من خلال الإقناع بعملية التمسك بهذه القواعد، ويتم ذلك وبصورة قصدية بالمؤسسات التعليمية، خاصة في المرحلة الإلزامية من التعليم، تلك المرحلة التي يناط بها إعداد الأفراد للمواطنة، ولهذا فهي تحوي جميع أطفال المجتمع لتعليمهم حقوقهم وواجباتهم، وبما يتحول بهم من كونهم أفراداً بيولوجيين إلى ذوات اجتماعية، تربطهم ثقافة واحدة، مما يجعلهم يتقلبون مجتمعهم، كما يتقلبهم الآخرون بالمجتمع أو المجتمع في كلية كمواطنين به.

ويرجع البعض نشأة التعليم الإلزامي بمعظم دول العالم إلى رغبة القائمين على المجتمع وجيل الكبار به في المحافظة على المجتمع، وتجنيبه عوامل التفكك والانهيار، لذلك عملوا على توفير قدر من التعليم المتاح والمشترك لجميع أطفال المجتمع، وذلك مهما تباينت هذه الجماعات التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال، سواء كان هذا التباين دينياً أو عرقياً أو أيديولوجياً أو اقتصادياً، بهدف تحقيق ضمانات توحد هؤلاء الأطفال كأفراد في المستقبل واندماجهم في بوتقة المجتمع.

إن وظيفة المؤسسات التعليمية في جانب الضبط الاجتماعي لا يعني سعي هذه المؤسسات إلى صب جميع أفراد المجتمع في قالب واحد، مما يجعلهم جميعاً مسخاً واحداً ونسخاً متشابهة، بما يفقد المجتمع من ميزة الاستفادة من التنوع والتعدد الذي منحه الله للبشر، إنما تسعى هذه المؤسسات إلى تدعيم هذا التنوع وتعزيزه بما يعين على التكامل بين الطاقات والقدرات المتباينة والراجعة إلى الفروق الفردية بين الأفراد، إلا أن هذا يتم في إطار من الثوابت السائدة بين الجميع والتي توحد مشاعرهم وإحساسهم، وترتبط في كل واحد متعاون ومترابط الأجزاء، وبما يعود بالنفع للجميع.

المفهوم: الضبط في اللغة هو حفظ الشئ حفظاً بليغاً وقهره وحكمه. وفي الاصطلاح يشير الضبط الاجتماعي إلى مجموعة من القيم والمعايير التي من خلالها يمكن تصفية التوترات والصراعات التي تنشأ بين الأفراد، حتى يمكن تحقيق التماسك بين الجماعات وتسهيل إجراءات التواصل بينها.

أهمية الضبط الاجتماعي:

  اتفق العلماء على أهمية الضبط الاجتماعي وضرورته الاجتماعية بالنسبة للمجتمع، ذلك لأن كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية له مجموعة من القواعد والضوابط تعمل على تحديد نطاق السلوك المقبول فيه، لتدعيم النظم الاجتماعية واستقرارها بالمجتمع.

  ولقد أكد الكثير من المفكرين على أهمية وضرورة الضبط الاجتماعي بالنسبة للمجتمع، وفي مقدمة هؤلاء المفكرين، عالم الاجتماع العربي المسلم ابن خلدون، فلقد أشار إلى أن المجتمع لا يكون صالحاً إلا إذا كان هناك وازع – أي ضبط اجتماعي – يحافظ عل كيانه، ويعتبر ابن خلدون أن الدين والسياسة هما من أهم الضوابط في المجتمع،ويركز على الناحية التشريعية كقواعد ضابطة مستمدة من الدين، ويرى "إن قوانين تلك الشريعة مجتمعة من أحكام شرعية وآداب خلقية وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية، والاقتداء فيها بالشرع أولاً ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم"، وقد أكد ابن خلدون على أهمية الضبط في حفظ النظام الاجتماعي، إذ أنه عن طريقه يمكن التحكم في نوازع الصراع، والظلم بين أفراد وفئات المجتمع، كما يمكن علاج الانحرافات وإعادة الاستقرار والتوازن إلى مكونات البناء الاجتماعي، لضمان سلامة الأداء الوظيفي في مؤسساته ومنظماته وهيئاته.

  وعلى ذلك فالضبط الاجتماعي حتمية اجتماعية وقيم أخلاقية وقواعد ومثل اجتماعية تؤدي دوراً هاماً فعالاً في إحداث الرقابة على المجتمعات. ولذلك فإن للضبط الاجتماعي ضرورة اجتماعية هامة فيما يلي:

أولاً: الناحية البنائية:

  يعمل الضبط الاجتماعي على تأمين المجتمع من كل ما قد يهدد تكامل الجماعة وتماسكها أو مما قد يضعف من توافق الأفراد مع ما يسود الجماعة من قيم وأنماط مقررة، كما أنه يسهم في صيانة النظام الاجتماعي بالمجتمع ليحقق خير وصالح المجتمع والفرد، حيث يوجد بعض الأفراد ليست لديهم القدرة على ضبط أنفسهم، فتوجد قواعد وتنظيمات لحماية الإنسان من رذائله ونقائصه، ويمكننا أن نتصور أهمية تماسك وحدات البناء الاجتماعي، الذي لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق التنظيم الذي يحكمه الضبط الاجتماعي، بما يصنعه من حدود وإطارات ووشائج ارتباط واتصال وما يرسمه من قواعد تنظيمه لا يمكن أن يتعداها النشاط الإنساني داخل الوحدات البنائية حتى لا يقع بينها تداخلات تفقد التنظيم الاجتماعي توازنه البنائي واستقراره التكويني.

ثانياً: من الناحية الوظيفية:

1-يعد الضبط الاجتماعي ضرورة لأنه يعمل على تقويم الانحرافات الاجتماعية عن طريق الجبر والإلزام التي تتميز بها الظواهر الاجتماعية، والدليل على ذلك أن الظاهرات والنظم الاجتماعية ملزمة لأفراد الجماعات الإنسانية باعتبارها ضابطة لسلوك هؤلاء الأفراد والفئات والجماعات الذين لابد لهم وأن تكون أعمالهم وأفكارهم وفقاً لمقتضياتها وفي نطاق أبعداها وحدودها.

2-الحفاظ على النظام الاجتماعي، وهو يعتبر من أهم العوامل التي تعمل على تماسك المجتمع واستقراره، ويعد الإلزام والإكراه جزءاً من عملية بناء شخصية الفرد، الذي يعرف عن طريق التأنيب مثلاً، الموقف الذي ينبغي عليه اتخاذه إزاء القواعد الاجتماعية وما ينبغي عليه عمله أو فعله، فهناك صور أخرى من السيطرة لا تتم ممارستها بطريقة رسمية، ولا تنص عليها قوانين الدولة وأنظمتها وتشريعاتها الرسمية الشكلية، وإنما تتم مراعاتها وممارستها بطريقة رسمية، ولا تنص عليها قوانين الدولة وأنظمتها وتشريعاتها الرسمية الشكلية، وإنما تتم مراعاتها وممارساتها بشكل غير منصوص عليه، وعلى نحو تقليدي من قبل تجمعات أو أشكال مجتمعية أنشئت لتحقيق أغراض ونشاطات اجتماعية متخصصة.

أهم وسائل الضبط الاجتماعي:

تتعدد وتتنوع وسائل الضبط الاجتماعي حسب مرجعية الدراسات العربية والغربية، إلا أنه يمكن القول بأن أكثرها اتفاقاً بين مختلف الكتابات يتمثل في:

1- الرأي العام.   

2- القانون.  

3- المعتقدات والشعائر.

5- التربية.  

6- العادات والتقاليد.

10- الفن.  

11- الشخصية.

12- التراث.    

13- القيم الاجتماعية.

الإسلام والضبط الاجتماعي:

     يعد الضبط الاجتماعي في نظر ابن خلدون ضرورة اجتماعية لحفظ النظام وصيانة للملك ولمنع الأفراد والجماعات من اعتداء بعضهم على بعض، كما أن للضبط الاجتماعي تحقيقاً للصالح العام، وحدد وسائل الضبط الاجتماعي في الدين بأحكامه الشرعية والقانون والآداب الخلقية والعادات والعرف التي تراعي العصبية.

  الإسلام هو دين ودولة، اهتم بأمر السياسة والاقتصاد والاجتماع، وكما اهتم بالآخرة، فقد اهتم بالدنيا في نفس الوقت، وجعل الأمر شورى بين الناس وجعل الأمانة العظمى بيعة واختيار، والمسلمون متساوون، ولم يترك عنصراً فيه خير وصلاح للإنسان، إلا دل عليه، ولم يترك عنصراً فيه شر إلا حذر ونهى عنه.

  ومن محاسن الإسلام، اعترافه الأديان السماوية السابقة، ويوجب على المسلمين التصديق بما جاء به الرسل جميعاً وبالرسالات التي حملوها لقومهم، والإيمان بما جاء به خاتم المرسلين سيدنا محمد (e) وأن الإسلام يجب ما قبل، ويقول سبحانه وتعالى {¨bÎ) ?úïÏe$!$# y?YÏã «!$# ÞO»n=ó?M}$# } (آل عمران: 19) ويقول عز وجل {`tBur Æ÷tGö;t? u?ö?xî ÄN»n=ó?M}$# $YY?Ï? `n=sù ?@t6ø)ã? çm÷YÏB } (آل عمران: 85) وجميع الشرائع السماوية جاءت لصون المجتمع ولسعادته، ورسمت الرسالة الخاتمة للناس العلاقة بينهم بين بعضهم البعض على اختلاف مستوياتهم، فالدين الإسلامي منهج لتهذيب النفوس البشرية ويوجه الحياة الوجهة السليمة، وأن التفاضل بين الناس إنما بأعمالهم وليس بأنسابهم وأحسابهم، فهم متساوون أمام خالقهم، ويجب أن يكون ذلك هو مبدأ تعاملهم مع بعضهم البعض. وإجمالاً، فلقد وضعت التربية الإسلامية العديد من الضوابط الاجتماعية التي تحكم العلاقات بين الفرد والفرد، وبينه وبين المجتمع، في إطار علاقات وحقوق وواجبات محددة ومحببة. ومن أهم التعاليم والضوابط التي جاء بها التشريع الإسلامي الحنيف:

1-                     الدعوة إلى التوسط والاعتدال في كل الأمور؛ أبسطها وأجلها، في الأكل والشرب والملبس والعبادة.

2-                     رعاية الضعفاء وحفظ أموالهم.

3-                     الدعوة إلى العدل في المعاملات المادية بين الناس.

4-                     الالتزام بآداب زيارة البيوت.

5-                     الالتزام بآداب المجالس.

6-                     دعوة الإسلام إلى عدم السخرية بين الرجال والنساء.

7-                     دعوة الإسلام إلى الحق.

8-                     دعوة الإسلام إلى الأمانة والوفاء بالعهد.

9-                     المسئولية نحو تكوين الأسرة وتربية الأطفال.

10-                 استئذان الطفل.

11-                 تحري الدقة في الأنباء.

12-                 الحرية والمسئولية.

13-                 إقامة الحدود وحماية الضرورات الخمسة (الدين – النفس – العقل – النسل والعرض – المال).

 

ب- الضغط الاجتماعي:

قد لا تنجح عملية الضبط الاجتماعي في تحقيق التماسك والترابط الاجتماعي، فليس من الضرورة بمكان أن جميع أفراد المجتمع وجماعاته يقتنعون بما تهدف له عملية الضبط الاجتماعي، فقد تخرج جماعة ما عن إطار ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وقيمه، الأمر الذي يهدد بنية المجتمع ونظامه، وقد تعجز عملية الضبط الاجتماعي في إعادة هذه الجماعة إلى محيطها الاجتماعي، مما يدفع المجتمع إلى مجموعة من الإجراءات الخارجية التي قد تكون في صورة مجموعة من العقوبات المقننة لمنع هذه الجماعة من الاستمرار في ممارستها وسلوكياتها للمحافظة على هوية المجتمع، وهذا الإجراء الأخير الذي يتخذه المجتمع من خلال أعمال القوة الخارجية لتنميط سلوك الأفراد والجماعات وفق رؤى المجتمع وتوجهاته هو ذاته عملية الضغط الاجتماعي.

وليس معنى لجوء المجتمع إلى الضغط الاجتماعي أنه وبالضرورة أن المجتمع – خاصة عندما يتمثل في سلطة ما أو حكومة معينة – على حق، وأن الجماعة التي يمارس معها هذا الضغط الاجتماعي على الباطل، لأن لو كان ذلك حقيقة مطلقة لكان كفار مكة الأكثرية على حق، وأن فئة المؤمنين وهي قلة ضعيفة عدداً وعدة على باطل معاذ الله، لذا فإن الضغط الاجتماعي عندما يمارس لمنع فئة باغية، ولمقاومة جماعة ضالة عن منهج الله، يصبح أمراً مقبولاً، وإلا تحول إلى وسيلة لخدمة أفراد أو مصالح طوائف بعينها، وهو أمر لا يقبله عقل سليم.

إن ثمة حاجة ماسة لأعمال الضغط الاجتماعي عندما تسود جملة من السلوكيات السلبية في المجتمع، فعندما يحدث بين الفرد وثقافته أو بين الجماعة ومجتمعها، بما يدفع هذا الفرد أو الجماعة إلى التمركز حول ذاته بصورة أنانية غير مكترث أو مهتم بأمور غيره، فيرى أن من حقه الاحتكار في السلع بكافة مستوياتها، وأنه لا يوجد ما يمنع أن يستحوذ على مقدرات الآخرين وجهدهم دون وجه حق، وأن يخدع ويداهن فيقول ما لا يفعل، وينادي بالفضائل وقدميه في وحل الرذائل، عندئذ لا بد من ممارسة الضغط الاجتماعي للمحافظة على المجتمع.

إن الظروف المجتمعية الراهنة تستوجب أكثر من أي وقت مضى ضرورة اللجوء إلى الضغط الاجتماعي، وذلك انطلاقاً من استشراء داء السلوكيات السلبية، ولقد أشار (حامد عمار) إلى ذلك الاستشراء بقوله: " إن قائمة القيم والأخلاقيات السلبية التي لا حصر لها تنعكس في كثير من مواقف الحياة ومعاملاتها، وهي في جميعها تدخل في إطار الانفصال بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع وما أصاب القيم الجمعية والإنسانية من وهن. لقد غدت قيم الصدق والحق والأمانة والإيثار والإخلاص وإتقان العمل والتضحية أموراً تنتمي إلى عالم الكتب ومساحات العلم والتعليم، والمهم في سلوك الفرد وفي سبيل الخلاص الذاتي... دون اعتبار لما يترتب على تصرفاته من آثار على غيره وعلى مجتمعه... أن يلجأ إلى وسائل شتى لا تحكمها معايير أخلاقية: من انتهازية، إلى زلفى، إلى خداع، إلى تحايل، إلى تنافس مقيت، إلى نفخ أبواق ورياء، إلى نفاق، إلى منزلة، إلى إدعاء، إلى إرهاب، إلى تهديد ".

وترتبط التربية بالضغط الاجتماعي في جانب ما تستهدفه التربية من تعويد المتعلمين احترام السلطة، وتعود تحمل المسئولية عن الأفعال، وكذا من خلال تعليمهم كيفية ممارسة الحقوق في إطار من احترام حقوق الآخرين ومراعاتها، هذا بالإضافة إلى تعليمهم سلوكيات إيجابية تتعلق بمقاومة السلبيات بطرق مشروعة ووسائل شرعية.

ويتضح من العرض السابق أن كلاً من الضبط الاجتماعي والضغط الاجتماعي وجهان لعملة واحدة، وأنهما كالثواب والعقاب، لا يمكن الاستغناء عن أي منهما في العملية التربوية وما تتضمن من تنشئة اجتماعية، كما لا يمكن الفصل بينهما، فحتى عند تعليم الأفراد من خلال المؤسسات التعليمية، فلا بد من عقاب المسيء بإساءته دون إفراط أو تفريط، سواء كان هذا العقاب مادياً أو معنوياً، وبهذا تأخذ العملية التعليمية بأحد طرفي القضية – قضية الضبط/ الضغط الاجتماعي – وهو طرف الضغط الاجتماعي، كما ينبغي إثابة المحسن منهم لتدعيم وتعزيز سلوكه، وكذا لحض الآخرين على أن يأتوا بمثل عمله، وهذا أقرب ما يكون للضبط الاجتماعي.

ويمكن أن يمارس الضغط الاجتماعي من جانب سلطة أو هيئة رسمية بالمجتمع على جماعة ما أو مجموعة من الأفراد، كتلك الضغوط التي تمارسها الحكومة على الخارجين عن القانون، كما يمكن أن يمارس الضغط من جماعة معينة على الحكومة، بشرط أن يتوافر لتلك الجماعة التنظيم المناسب والإمكانات اللازمة، وأن تحوز ولاء أعضائها لأفكارهم ومبادئهم، كتلك الضغوط التي تمارسها نقابة العمال ببولندا وحزب العمال الكردستاني بتركيا... وغيرها وهذه الضغوط قد تأخذ طريقاً سليماً قائماً على التفاوض والتصالح، وقد يأخذ مساراً مادياً وصراعاً دموياً غير مرغوب فيه. ولهذا فإن التربية يمكن أن تقوم بدور بارز في العمل على تدريب الجماعات وتوعيتهم بظروف مجتمعهم ومصالحه، كما تبصرهم بالطرق المشروعة لمناقشة القضايا الخاصة بهم، وتوعيتهم بالأخطار التي يمكن أن تستغل مثل هذه الظروف التي يعيشون فيها لتحقيق مطامع خارجية لآخرين قد يكونوا من أعدائهم.


ج- الحراك الاجتماعي:

من الحقائق المقررة في الفكر الإنساني أنه لا يوجد مجتمع من طبقة واحدة، فمنذ الأزل ومن الناس الطائع والعاص، ومنهم المهتدي والضال، ومنهم الغني والفقير، ومنهم القوي والضعيف... إلى غير ذلك من التقسيمات، ولقد خدمت بعض هذه التقسيمات الناس في معاشهم، حيث أدت بهم إلى نوع من تبادل المصالح لإعمار الأرض وتحقيق التكامل والتعاون فيما بينهم، في حين جلبت تقسيمات أخرى كالتي تصنف البشر إلى طائع وعاص المتاعب والشرور للإنسان، إذ كادت نتيجة معصية فريق أن تعم الجميع بغضب من الله وعذاب.

ولقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات هم الفلاسفة وحراس الجمهورية وعامة الناس، وذلك طبقاً لاختلافهم في خواصهم الفطرية وحسب نوع تلك القوة التي تتحكم في نوع الإنسان، عاقلة كانت أم غضبية أم شهوانية، كما قسم تلاميذه أرسطو المجتمع على طبقات من منظورات عدة، فمنهم الطبقة الغنية والطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة، ومن اقتناعه بأفضلية الوسطية، فقد أولى الطبقة الوسطى جل اهتمامه، كما قسم المجتمع إلى مواطنين لهم حق الانتخاب والتمثيل في السلطة، وغير مواطنين ليس لهم هذه الحقوق، كما قسم ماركس المجتمع إلى طبقة حاكمة مسيطرة، لها مصالحها في استمرار الوضع الراهن، وأخرى لحكومة عاملة، وهي طبقة مضطهدة مستغلة (بفتح الغين).

إن التوزيع الطبقي بالمجتمعات أدى في كثير من المجتمعات إلى نوع من الصراع الاجتماعي بين الطبقات، هذا الصراع الذي لم يكن بالإمكان تجاهله، سواء من جانب الطبقة الغنية المسيطرة، خاصة في ظل قلة عددها مقارنة بالطبقات الأخرى، أو من جانب الطبقات الأخرى المتوسطة والدنيا، خاصة في ظل ما قد يعيشونه من ظروف حياتية قاسية، قد تدفعهم إلى الثورة على الطبقة الغنية، فاقتناعهم بأن نجاح الثورة سيضمن لهم حياة كريمة، ويحقق لهم بعض المصالح، وأن فشل ثورتهم وإن أدى بهم إلى الموت فلن يجلب عليهم ضرر لاستواء حياتهم القاسية مع الموت الذي قد يكون من وجهة نظرهم بداية حياة آخرة أفضل من حياتهم الدنيا التي يعيشونها.

إن الطبقة الغنية قد تحاول أن تستخدم مجموعة من الوسائل والأساليب التي تحافظ على الوضع الكائن بالمجتمع، لما فيه مصلحة لها ونفع، ولعل من هذه الوسائل والأساليب إقناع الناس بجملة من الأفكار التي تخدر عقولهم وتتملك مشاعرهم وفكرهم، كأن يقنعوهم أن الفقراء أسعد حالاً من الأغنياء، حيث يخفف عنهم الحساب في الآخرة، وأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء... وما إلى ذلك من أمور يؤيدها الدين، ذلك التأييد القائم على حقيقة المواقف عندما تكون الإرادة إلهية، إلا أنها عندما تكون من تدبير بشري قائم على الجور والظلم فإن الوضع يختلف تمام الاختلاف، ولعل الفهم القويم والوعي السليم كتلك الحالة التي سيطرت على الصحابي الجليل أبي ذر، يجعل النظر للقضية يختلف تمام الاختلاف عن رؤية الطبقة الغنية التي تسوق الحجج وتطلق الحقائق لتبرير الواقع الكائن.

ويعد الحراك الاجتماعي أحد الوسائل الهامة التي قد تتخذها الطبقة المسيطرة للحفاظ على الأوضاع الراهنة، حيث إن السماح لمجموعة من الأفراد الذين غالباً ما يقودون حركات التمرد والثورة على الأوضاع الراهنة، قد يضمن ولاء هؤلاء الأفراد للأوضاع الراهنة، نتيجة ما حققوه من مصالح فردية، إلا أنه وفي ذات الوقت يفقد طبقتهم الأصلية عطاءهم وكفاحهم، وهذا النوع من الحراك يسمى الحراك الصاعد – الانتقال من طبقة دنياً إلى أخرى أعلى – تستخدمه الطبقة الغنية كصمام آمان لمصالحها وتجنبها للمشاكل والمتاعب الطبقية.

ويستخدم التعليم في كثير من الأحيان كأداة لإحداث الحراك الاجتماعي من جانب، وللحفاظ على تلك المكاسب التي حققها الأفراد الذين تحركوا حراكاً اجتماعياً صاعداً، إذ غالباً ما يسعى هؤلاء الأفراد إلى إلحاق أبنائهم بمدارس خاصة تضمن لهم البقاء في طبقتهم الجديدة، بل وتحقق لهم المزيد من المكاسب والفوائد الاجتماعية، وقد ظهر هذا جلياً – على سبيل المثال - بعد تلك النقلة المجتمعية للنظام المصري فيما عرف بالتحول إلى نظام السوق الحرة والانفتاح الاقتصادي الذي أدى بدوره إلى ظهور طبقة رأسمالية طفيلية، ألحقت أبناءها بالمدارس الخاصة التي يعرف عنها قبولها لأبناء الطبقة الغنية بالمجتمع، والتي تفوق إمكاناتها وقدراتها مدارس الحكومة، الأمر الذي ينعكس بالضرورة على خريجيها، وبذا أصبح النظام التعليمي معززاً ومدعماً للطبقة، بدلاً من أن يصبح وسيلة للحراك الاجتماعي والتقارب الطبقي.

ولا يرتبط الحراك الاجتماعي بالتعليم وفقط، بل قد يرتبط بجملة من المؤسسات التربوية الأخرى، فالأسرة والمجتمع المحلي الموجودة فيه قد تقوم بدور لا يمكن تغافله في عملية الحراك الاجتماعي، فعلى سبيل المثال قد لا يدعم الأباء المطامح المهنية التي يعبر عنها أبناؤهم، كما أن الخبرات الشخصية للأباء تقوم بدور كبير في تعزيز تلك  المطامح، خاصة عندما يكون هؤلاء الأباء قد تعرضوا لخبرات سيئة واحباطات حاله محاولتهم المرور قد ما قبل أبنائهم نحو تلك المطامح، كما أن النسق القيمي للطبقة التي تنتهي لها الأسرة قد يشكل عاملاً سلبياً يحول دون تحقيق الأبناء لحراك صاعد، وذلك لأن الطموح لا ينمو في ظل معتقدات شائعة تؤكد خطورة تبني أهداف كبرى.

أشكال الحراك:

1-الحراك المهني: ويقصد به تغير الفرد لمهنة أسرته، وتبديل الأبناء لمهن آبائهم، نتيجة لزيادة التخصص المهني، وتوفر مجالات العمل أمام الفرد، حسب ميوله الفردية واستعداده للإنتاج.

2-الحراك المكاني: ويقصد به انتقال الفرد من إقليم إلى إقليم، أو من حي لآخر.

3-الحراك الاقتصادي: ويقصد به تغير مراكز الأبناء الاقتصادية عن مراكز الآباء والأجداد.

4-الحراك الفكري: ويقصد به مقدار ودرجة وقوة ارتباط الفرد بالقيم والأفكار المستحدثة المختلفة.

5-الحراك الاجتماعي: وهو انتقال الفرد من طبقة إلى أخرى، وله – كغيره - نمطان:

  • الحراك الاجتماعي الصاعد، وهو انتقال الفرد من مستوى طبقي أدنى إلى مستوى طبقي أعلى.
  • الحراك الاجتماعي الهابط، وهو هبوط الفرد من مستوى طبقي أعلى إلى مستوى طبقي أدنى.

عوامل تحقيق الحراك الاجتماعي:

1- الأيدلوجية السياسية: وهي الفكرة الثقافية التي يدور في إطارها النظام السياسي في المجتمع، فثمة فرق بين النظم السياسية القائمة على العدالة الاجتماعية والحكم الشورى أو الديمقراطي، وبين النظم المركزية أو المستبدة، وكذلك مدى ما يسود المجتمع من تطبيق لمبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، وما يتبع ذلك من إتاحة الفرص أمام الجميع في الحصول على الوضع الذي يناسب خبرتهم واستعداداتهم، دون تحيز لفئة أو طبقة اجتماعية فالحراك يكون سهلاً ومرناً في المجتمع الذي تسوده العدالة واحترام العلم والعلماء وتقدير ذوي الخبرة، وإتاحة الفرص بالتساوي أمام الجميع، أما حين يسود الاستبداد والمحسوبية والطبقية، وتقديم المكانة المالية أو الاجتماعية على المكانة العلمية وما يحمله الفرد من مؤهلات وخبرات تقنية وعلمية، فإن الحراك يصبح حينئذ محصوراً في فئة أو طبقة دون أخرى، ومن ثم يسود الظلم وتتسع دائرة المحرومين داخل المجتمع وما يتبع ذلك من خلل في استقرار وأمن المجتمع.

2- التقدم التكنولوجي: وهذا عامل إيجابي لإحداث الحراك الاجتماعي من خلال ما يتوفر في المجتمع، من وظائف ومستويات وفرص عمل، تحتاج إلى مستوى معرفي وتقني معين، وبالتالي فإن أمام الفرد الذي يمتلك الخبرة والتقنية أن يشغل تلك الوظائف أو أن يؤهل نفسه لشغلها، وبالتالي يتحرك ويتطور مستوى الفرد بحسب ما توفره التكنولوجيا من وظائف جديدة وبحسب امتلاك الأفراد للخبرة التقنية المناسبة لتلك التقنيات.

3-الهجرة: وهى تؤثر بشكل بالغ على هوية الفرد والمجتمع، إلا أن نوع هذا التأثير يتوقف على عدة عوامل منها: العامل الاقتصادى، العامل الاجتماعى، والعامل التعليمى، وبمعنى أوجز مدى إشباع الدولة لحاجات الفرد الأساسية.

وعلى هذا، فإذا كانت هجرة العقول العربية للغرب ودوله، للإسهام فى تقدم العالم- كما كانوا دائماً- ففى هذا انتشار للشخصية العربية على الصعيد الدولى، وإذا كانت الهجرة بغرض صقل قدرات أبناء الوطن للإفادة منها عند عودتهم، فهذا لا بأس منه. أما إن كانت الهجرة ناتجة عن حرمان الأفراد من إشباع حاجاتهم، أو نتيجة ما يعايشه البناء الاجتماعى من أنماط سلوك سلبية – كسوء المعاملة مثلا، أو البيروقراطية المعوقة للتقدم، أو إهدار الجهود..- مما يجعل أبناء المجتمع وخاصة ذوى المستويات التعليمية والتأهيلية العليا يلجأون إلى الهجرة خارج الوطن، خاصة فى ظل إغراءات الوظائف المرموقة والمرتبات العالية وحسن التقدير من الآخرين، فإن ذلك قد يؤثر على هوية المهاجرين، حيث يفضل بعضهم البقاء بالخارج، والبعض الآخر يرغب فى الانتماء إلى جنسية الدولة التى يعيش فيها.

       وعلى أية حال، فإنه ينبغى أن تتخذ الدول العربية والإسلامية الوسائل التى تمكنها من الحد من اجتذاب الهجرة لأبنائها – أو على الأقل – اتباع الأساليب التى تنظمها، بحيث تحرص على الإفادة من عقول أبنائها، إلى جانب حسن التعامل مع الدول المتقدمة من قبيل التفاعل الحضارى بين الدول، فيتحقق بذلك أفضل استثمار لقدرات وخبرات أفراد الشعب، خاصة وإذا كان بهذا المجتمع من الإمكانيات والموارد ما يؤهله ذلك.         

4-        التعليم.

      إن انتقال الفرد إلى أعلى في البناء الطبقي للمجتمع، والحصول على مكانة وظيفية واجتماعية راقية فيه، مطلب مهم للفرد وللمجتمع، فالفرد يحقق طموحه نتيجة لقدراته وتطوير مهاراته،والمجتمع يحتاج إلى هذه الحركة لإحداث التغير المطلوب للتنمية والتقدم، وبالتالي ما دور التعليم في صنع هذه العملية؟

     إن من شروط تحسين الوضع الاجتماعي للفرد هو حصوله على خبرات جديدة تؤهله للمنافسة على مكانة أفضل، والمدرسة هي البيئة الأفضل لإعطاء تلك المهارات والمتمثلة اليوم في الثورة التكنولوجية العارمة وثورة الاتصالات التعامل مع المعلومة، وسرعة أو مهارة التكيف السريع لدى المتعلم تجاه متطلبات السوق، فالمدرسة من أجل أن تحدث التغير المرغوب فيه في المجتمع عليها أن تهيئ الطالب بالمهارة المناسبة، هذا من جهة،ومن جهة أخرى تعد المجتمع لقبول قيم وشروط الحراك الاجتماعي وفي مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية واحترام مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث يصبح من حق كل من يحصل عل خبرة أو شهادة عليا أن يكون في المكان الذي يتناسب مع خبرته وقدرته.

  إن تحقيق الحراك الاجتماعي في المجتمع وإيمان الجميع بقيمة وشروطه، يعني أن هناك جهوداً علمية كبيرة تبذل من الجميع،ولأن كل مجتهد لن يبخس حقه، فإن حركة الإنتاج الفكري والعلمي ستكون في أوجها، وهذا بالضبط ما يسمى بالتقدم العلمي والتكنولوجي، الذي هو أساس التغير في المجتمع المعاصر.

  ولكن هل كل تعليم قادر على القيام بمهمة تحقيق الحراك الاجتماعي؟

  نعم فليس كل تعليم يمكن أن يكون صالحاً لإحداث الحراك في المجتمع، وإنما هناك مقدمات لابد أن تتحقق في النظام التعليمي ليصبح قادراً على هذه المهمة.

  ومن تلك المقدمات ما يلي:

1-  أن ينفتح التعليم على بقية المؤسسات الأخرى في المجتمع، فلا خير في نظام يعيش في معزل عن الوسط الإنتاجي للمجتمع. (الشراكة)

2-  أن يعكس التعليم روح العصر بحيث يرى كل جديد من حوله رؤية عصرية تساعد على التطور وعدم الجمود.

3-  أن يركز المنهج التعليمي على الأفكار الحياتية التي يحتاجها المتعلم، ومن ثم يصبح الأمر بالنسبة له أسلوب معيشة ومنهج حياة.

4-  أن تتمتع العملية التعليمية بالاستقلالية أو لا مركزية القرار، وأن تمنح قدراً واسعاً من الحرية للمدرس والمتعلم، وأن يكون لديها آلية علمية منظمة للمتابعة والتقويم والتطوير.

أن تنطلق العملية التعليمية لا من كونها مجرد خدمة استهلاكية، بل باعتبار التعليم استثمار له آثاره المباشرة وغير المباشرة في عملية التنمية بمختلف جوانبها، الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية.


د- التكيف الاجتماعي:

يعد مفهوما التوافق الاجتماعي والتكيف الاجتماعي من المفاهيم المتقاربة، إلا أنهما ليسا بمترادفين كما يتوهم البعض، فلقد كانت النشأة الأولى لمفهوم التكيف في العلوم الطبيعية البيولوجية، في حين كانت النشأة الأولى لمفهوم التوافق اجتماعياً، وإن كانا يستهدف مساعدة الفرد البشري على الحياة في ظروف غير مواتية، وذلك عن طريق السعي إلى تغيير الظروف ذاتها، وبما يجعلها متمشية مع ظروف الفرد وحاجاته، أو بتحوير حاجات الفرد وظروفه لتتمشى مع الظروف المحيطة إن استحال تغيير هذه الظروف، أو من خلال التقريب والوفاق والانسجام بين الطرفين – الظروف المحيطة وظروف الفرد وحاجاته – على السواء، بما يضمن الوصول إلى أفضل الشروط الحاكمة لحياة الفرد، وذلك فيما يتصل بمحيطة البيئي الفيزيقي وظروف الفرد البيولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية... وغيرها.

وتشير التعريفات السابقة أن ثمة علاقة بين التكيف وسمات الفرد العضوية من جانب، وبينه وبين البيئة الفيزيقية التي يعيش فيها الفرد، وبينه وبين سلوك الفرد، وكذا بينه وبين جماعة البشر التي يعيش فيها الفرد، وما يرتبط بتلك العناصر من عوامل، سواء كانت تلك العوامل موقفية تتضمنها المواقف الاجتماعية التي يمر بها الفرد في حياته، سواء في الأسرة أو المدرسة أو الشارع أو مع جماعة رفاقه أو في دور العبادة... الخ، وتستوجب تلك العوامل أو تستحث الفرد على التفاعل معها والتأثير فيها أو التأثير بها بكيفية معينة وبما يترك أثر في  شخصيته، وبالتالي يتضح أن ثمة علاقة من جانب آخر بين عملية التكيف وشخصية الفرد.

وتجدر الإشارة إلى أن التكيف تتحدد أبعاده في عدة خصائص من أهمها: خاصتي الديناميكية والمعيارية، والديناميكية كخاصية للتكيف تتأتى من كون التكيف عملية مستمرة لكل من الفرد والمجتمع، وذلك من جراء تلك الظروف المتغيرة والدائمة في حياة كل من الفرد والمجتمع، والتي تفرض على الفرد أن يعيش في عملية تعلم مستمر، ويمر خلال فترات حياته بخبرات جديدة ومتجددة تستلزم استمرار عملية التكيف، خاصة وأن الفرد لا يستطيع أن ينقطع عن وتيرة التغير في المجتمع، إذ أن انقطاع الفرد عن مجتمعه وما يحدث فيه من تغير يدفع الفرد إلى التخلف والشعور بالاغتراب عن ذلك المجتمع.

أما فيما يتعلق بخاصية المعيارية فإنها تتضمن معاني قيميه مثل وصف التكيف أو سوء التكيف بالسواء أو الشذوذ، أو وصفها بالصحة والمرض أو بالتوازن أو الانحراف... الخ. وهذه المعايير ذات طبيعة ثقافية، فهي تختلف من مجتمع لآخر، أو بين جماعة وأخرى في ضوء الخصوصيات والبديليات الثقافية، وإن وجد إطار عام مشترك بين الثقافات.

ويتضح من العرض السابق أن ارتباط التكيف بالتربية ارتباط قوي، إذ تعد التربية من أهم الركائز التي يعتمد عليها التكيف كما أن التكيف من أهم الأهداف الغائبة للتربية.

إن قدرة الفرد على التوافق والتكيف الاجتماعي يرتبط فيما يرتبط بما لدى الفرد من قدرات وإمكانات واستعدادات، الموروث منها والمكتسب، الأمر الذي يربط بين التوافق والتكيف الاجتماعي والتربية، فنمط التربية القائم على المرونة والإيجابية وبث الثقة في نفس المتربي قد يجعل منه فرداً أكثر قدرة على التوافق والتكيف الاجتماعي، وبما يجعلهم أكثر قدرة على التفاعل الاجتماعي مع محيطهم الذي يعيشون فيه، في حين ينتج نمط التربية الجامد والمنغلق على نفسه أفراداً مغتربين عن مجتمعهم، منسحبين من وسطهم الاجتماعي الذي يعيشون فيه، لهذا ينبغي أن تراعي التربية فيما تراعي المرونة والإيجابية في الممارسة الأدائية بمؤسساتها.

ولم يقتصر مفهوم التوافق والتكيف على الفرد وفقط بالمجتمع، بل تعدي ذلك إلى الجوانب المجتمعية المختلفة، فعلى سبيل المثال ظهر مفهوم التكيف الهيكلي ليشير إلى جملة الإصلاحات المادية والتشريعية لرفع الأداء المجتمعي في قطاع معين، ولعل من أمثلة هذه الإصلاحات الخصخصة وتصحيح الاختلالات التمويلية والتسويقية وتكنولوجية واختلالات هيكل العمالة... وغيرها.


هـ - التنشئة الاجتماعية:

تعرف التنشئة الاجتماعية بأنها تلك العملية التي يتحول فيها الكائن الإنساني من كائن بيولوجي بحت إلى اجتماعي، وذلك من خلال قيامه بجملة من الوظائف الاجتماعية المنوطة به إلى جانب خصائصه البيولوجية، وهي بذلك تشير إلى العملية التي يتم بها إعداد ورعاية النشئ إعداداً سليماً في الجوانب الفكرية والأخلاقية والاجتماعية.

وتهدف التنشئة الاجتماعية إلى إفساح الفرص المناسبة لتنمية طاقات الفرد وإمكاناته وبما يسمح له بالاشتراك في هذه الفرص اشتراكاً إيجابياً يحقق له الفاعلية في مواقف الحياة المختلفة ومع الجماعة التي يعيش فيها، ولهذا فإن التنشئة الاجتماعية عملية تعليم وتعلم تقوم على التفاعل الاجتماعي الكائن بين الأفراد – صغار وكباراً – بالمجتمع، مستهدفة تحقيق سلوك ومعايير واتجاهات معينة ومناسبة للأدوار الاجتماعية التي تمكن الأفراد من مسايرة جماعتهم والتوافق الاجتماعي معها، كما تكسبهم الطابع الاجتماعي، وتيسر لهم الاندماج في الحياة المجتمعية.

وتتم عملية التنشئة الاجتماعية مـن خلال علاقة دينامية بين أفراد المجتمع، يؤثر ويتأثر كل عنصر من عناصر تلك العلاقة بغيره من العناصر الأخرى، وهذه العلاقة الدينامية يمكن أن يطلق عليها التفاعل الاجتماعي، ومن خلال هذا التفاعل يكتسب الفرد ثقافة مجتمعه، وقد يصبح ذلك التفاعل الاجتماعي جزءاً من التربية، وذلك عندما يسعى إلى إكساب أفراد المجتمع سلوكاً قويماً مرغوباً فيه، أو يسعى إلى تعديل سلوك غير مرغوب، ليتحول إلى سلوك مرغوب. ولا يعني أن ذلك التفاعل يصبح جزءاً من التربية أن يصبح متضمناً في النظم المدرسية بالمجتمع وفقط، بل قد يتم تضمين ذلك خلال جملة الممارسات التربوية غير المدرسية بالمجتمع، بل قد يصبح أثر ذلك التضمين أقوى وأعمق أثر من ذلك الأثر الذي تتركه المؤسسات المدرسية في المواقف المشابهة.

ويمر الفرد الإنساني بمواقف اجتماعية كثيرة قبل أن ينخرط بالمؤسسات التعليمية، ولعل أكثرها يتم بالأسرة، وبتقدم الفرد على سلم نموه يزداد اتصاله وتفاعله بدوائر اجتماعية أخرى غير أسرته النووية أو الممتدة، إذ ينتمي إلى مجموعة من أقرانه يشاركونه اللهو واللعب، ثم يتفاعل مع بعض من وسائل الاتصال الجماهيري كالإذاعة والتليفزيون والمجلات، ثم يدخل إلى مرحلة الانخراط بالتعليم والاحتكاك بمجموعات أخرى من الأقران بالمدرسة أو النادي أو دور العبادة، وكل يؤثر ويتأثر بذلك الفرد، مساهماً بقدر في عملية التنشئة الاجتماعية.

وتقوم التنشئة الاجتماعية بدور كبير في تحقيق التماسك  الاجتماعي، وذلك من خلال ما تؤديه من ارتباط كل فرد من المجتمع بروابط اجتماعية وحضارية بغيره من الأفراد بالمجتمع، إذ تشعر الفرد باحتياجه بالآخرين وضرورتهم بالنسبة له، وأن ثمة مصالح مشتركة تربطهم بهم، الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة انصياعه إلى معايير وقيم تلك الجماعة المكونة من هؤلاء الآخرين، والعمل في ظل ما تضع من ضوابط ومعايير.

خصائص التنشئة الاجتماعية:

- أنها عملية نمو يتحول خلالها الفرد من طفل يعتمد على غيره إلى فرد ناضج يدرك معنى المسئولية الاجتماعية وكيف يتحملها, قادر على ضبط انفعالاته والتحكم في إشباع حاجاته بما يتفق والمعايير الاجتماعية. 

- أنها عملية تعلم اجتماعي(Social Learning) يتعلم فيها الفرد أدواره الاجتماعية والمعايير الاجتماعية التي تحدد هذه الأدوار، ويكتسب الاتجاهات النفسية والأنماط السلوكية التي توافق عليها الجماعة ويرتضيها المجتمع. 

-         أنها عملية مستمرة لا تقتصر فقط على الطفولة، ولكنها تستمر في المراهقة والرشد وحتى الشيخوخة. 

- أنها عملية دينامية تتضمن التفاعل والتغير ,فالفرد في تفاعله مع أفراد الجماعة يأخذ ويعطي فيما يختص بالمعايير والأدوار الاجتماعية والاتجاهات النفسية. 

-         أنها عملية معقدة متشعبة تستهدف مهام كبيرة، وتستخدم أساليب ووسائل متعددة لتحقيق ما تهدف إليه.  

   وفي النهاية فإن التنشئة الاجتماعية هي عملية تعليم وتعلم فإذا كان السلوك الإنساني مكتسبا بكليته، فلا بد أن ندرك موقع التربية وأهميتها في هذه العملية، لأنها العملية التي يتم بها ومن خلالها هذا الكسب والاكتساب، وهنا يأتي دور المدرسة في تنفيذ ذلك. 

أهداف التنشئة الاجتماعية

    تهدف التنشئة الاجتماعية بصفة رئيسية إلى إكساب الفرد أنماط السلوك السائدة في مجتمعه, بحيث يتمثل القيم والمعايير التي يتبناها المجتمع, وتصبح قيما ومعايير خاصة به, ويسلك بأساليب تتسق معها, بما يحقق له مزيدا من التوافق النفسي والتكيف الاجتماعي وتتحقق هذه الأهداف بما يلي:

  • · مساعدة الفرد على أن ينمو نموا طبيعيا في حدود ما تؤهله قدراته من الناحية الجسمية والعقلية والعاطفية والروحية والاجتماعية.  
  • مساعد الأبناء في أن يتمثلوا معايير ثقافتهم ومعايير توافقهم ,كما تحدد وسائل إشباع الأبناء لحاجاتهم المختلفة وكيفية التعبير عنها اجتماعيا إنها باختصار تشكل المعالم الرئيسية لشخصياتهم. 
  • إكساب الناشئة قيم تحمل المسئولية واتخاذ القرار, وإكسابهم بعض المهارات الاجتماعية كمهارة تنظيم الوقت واستثماره. 
  • · تعويد الفرد احترام النظام والتعود على الالتزام والجدية في العمل واتقانه واحترام العلم,وحب الوطن وتثبيت مبادىء الانتماء له. 
  • تنمية الاتجاهات العلمية لدى النشء وغرس الاهتمام بالعلوم الحديثة وتشجيع الميول وتكوين المدركات العلمية المناسبة.
  • نقل الثقافة من جيل إلى جيل وتشكيل الأفراد منذ طفولتهم حتى يمكنهم المعيشة في مجتمع ذي ثقافة معينة.
  • · تنمية شخصية الفرد وتعريفه بمظاهر التغير الثقافي والاجتماعي الحادث في المجتمع والمشكلات الثقافية والاقتصادية التي تواجهه,من خلال تقبله لثقافة معينه ومشاركته

   فيها.

  • تحصين الأفراد ضد مخاطر الغزو الفكري والثقافي, وتوعيتهم بما يدور حولهم من متغيرات.
  • · إفهام الطلاب طبيعة العلم والبيئة التي يعيشون فيها والإسهام في حل مشكلاتها وإكسابهم بعض الاتجاهات الموجبة نحو العلم وتطبيقاته.
  • إكساب الفرد سلوكيات الديمقراطية من الحوار والتفاوض والمناقشة وتنمية روح المشاركة والتعاون.
  • · تشكيل معايير الفرد ومهاراته ودوافعه واتجاهاته وسلوكه بما يتوافق والمعايير التي يعتبرها المجتمع مرغوبة ومستحسنة لدوره الراهن أو المستقبل في المجتمع.
  • تكييف الفرد مع بيئته الاجتماعية وتشكيله لبعض معايير مجتمعه,بنقل التراث الثقافي والاجتماعي.
  • إعداد الفرد القادر على التكيف مع المتغيرات العصرية ,وإمداده بالمعارف والمهارات والسلوكيات اللازمة لمواجهة هذه المتغيرات.
  • · الإبقاء على ثقافة المجتمع وتراثه الاجتماعي, بالإضافة إلى تكوين الفرد الصالح المتفاعل مع الجماعة والمتحكم في سلوكه ,بحيث يتوافق مع مجتمعه ويكون عضوا مقبولا فيه.
  • بلورة الذات المبدعة التي تحفظ الهوية وتتجدد حضاريا وفكريا.
  • · تشرب الفرد للقيم الاجتماعية الايجابية مثل التعاون, والحرية, والاستقلال, والاعتزاز بالنفس, والانتماء للجماعة، واحترام الكبير ,بالإضافة إلى إكساب الفرد مبادىء واتجاهات المجتمع الذي يعيش فيه حتى يسهل اندماجه وتهيئته لمواجهة المشكلات والتحديات التي ستقابله في المستقبل.
  • · تدعيم روح الانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن، واكتساب القدرة على المبادأة والتعاون والعمل كفريق، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار ت السليمة في الوقت المناسب.
  • إكساب الفرد المفاهيم الأساسية عن نفسه وعن البيئة المحيطة به.

-         أساليب التنشئة الاجتماعية

   أولا: القدوة الحسنة

   ثانيا: الترغيب والترهيب

   ثالثا:التنشئة بالعمل

   رابعاً: التنشئة باللعب والرياضة

-         العوامل المؤثرة في التنشئة الاجتماعية

أولاً: المؤسسات التعليمية، من خلال:

  1.  دور المعلم في التنشئة الاجتماعية
  2. دور المقررات الدراسية في التنشئة الاجتماعية
  3. دور الأنشطة التربوية في التنشئة الاجتماعية
  4. دور طرق التدريس في التنشئة الاجتماعية
  5. دور الإدارة في التنشئة الاجتماعية
  6. دور التقويم في التنشئة الاجتماعية

ثانيا: الأسرة، من خلال:

1- دور الأم في التنشئة الاجتماعية

2- دور الأب في التنشئة الاجتماعية

3- دور الإخوة في التنشئة الاجتماعية

ثالثا: جماعة الرفاق

رابعاً: المسجد

خامسا: وسائل الإعلام


و- الثبات والتغير الاجتماعي:

يعد التغير السريع من أهم سمات العصر، لهذا تسعى كافة المجتمعات إلى الارتباط بوتيرة ذلك التغير، حتى لا تنقطع عن ركب الحضارة وتتخلف عن المجتمع العالمي، خاصة في ظل هذا النظام العالمي الجديد، والذي تمخض عنه كثير من المفاهيم التي تفرض على سائر الدول والمجتمعات ضرورة الارتباط بهذا النظام، كالعولمة وتحرير التجارة العالمية.... وغيرها، وقد جعلت هذه المفاهيم العالم كقرية صغيرة، مما حتم وجود نوع من التفاعل بين سائر أقطاره.

وتؤدي التربية دوراً هاماً في مساعدة المجتمعات على التعايش الفعال في عالم يتسم بسرعة التغير، وبما يضمن لهذه المجتمعات مكاناً بارزاً على خريطة التواجد العالمي، إلا أن هذا الدور ليس هو الوحيد للتربية، بل هناك مجموعة من الأدوار الأخرى لا تقل أهمية عن هذا الدور، ولعل من أهمها الحفاظ على أصالة المجتمع وهويته، خاصة عندما تكون هذه الأصالة من ذلك النوع الذي يخدم البشرية ويحسن من حياتها، ويعد دور الحفاظ على أصالة المجتمع وهويته أسبق الأدوار للتربية تواجداً، وأكثرها عمقاً، فالمؤسسات التربوية بصفة عامة مؤسسات محافظة، ويرجع ذلك فيما يرجع إلى أن نقل ثقافة الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، كان على قائمة أولويات الوظائف الأساسية لنظم التربوية.

ويتضح مما سبق أنه أصبح ومن المحتم أن تقوم المؤسسات التربوية بدورين مختلفين كل الاختلاف، يتمثل أحدهما في المحافظة على أصالة المجتمع من خلال عملية النقل الثقافي، وهو ما يمكن القول عنه بالثبات الاجتماعي، والآخر يتمثل في المواكبة للمستجدات والمستحدثات بالمجتمع، وبما يحيطه من تغيرات إن لم يكن قيادة هذا التغير والمبادأة في إحداثه، أو ما يمكن القول عنه بالتغير الاجتماعي، ولقد أدى هذا إلى تعقد المهام التربوية، وزيادة التحديات التي تواجه مؤسسات التربية.

وفيما يتصل بالعلاقة بين التربية والثبات والتغير الاجتماعي، فإن هذه العلاقة تتحدد في ضوء وظيفة التربية بالمجتمع، تلك الوظيفة التي كانت موضوعاً للجدل بين المفكرين التربويين والاجتماعيين وكل المهتمين بأمور التربية، ولقد وجدت ثلاث رؤى في صدد وظيفة التربية تجاه المجتمع، وأول هذه الرؤى يعبر عنها بالاتجاه المحافظ، ويرى أصحابها في التربية وسيلة يستعان بها في المحافظة على ما هو قائم بالفعل، كما أن مهمتها الأساسية تنحصر في تثبيت دعائم الأوضاع السائدة وحمايتها، بل وإيجاد المبررات والتفسيرات التي من شأنها أن تدعم وتثبت تلك الأوضاع.

إن الرؤية المحافظة للتربية قد تتوافق وتتمشى مع تلك المجتمعات التي لم تدخل بعد مرحلة التصنيع وما بعد التصنيع، حيث يكون عمر التغير التكنولوجي والعلمي أطول بكثير من عمر الجيل البشري بهذه المجتمعات، لذا يمكن للفرد ومن خلال اكتساب ثقافة مجتمعة أن يعيش متوائماً مع ظروف مجتمعه هذا، بل قد لا تكون ثمة حاجة إلى مؤسسات تربوية متخصصة لإعداد الأفراد – تعليمياً وتدريبياً -، فمجرد انخراط الفرد في مناشط الحياة، وعن طريق المحاكاة والتقليد يمكنه اكتساب المهارات الحياتية اللازمة له، ولهذا فلا حاجة إلى مؤسسات متخصصة، فالمجتمع في كليته مؤسسة تربوية تعليمية، معلموها جملة الكبار في المجتمع، ومحتواها الخبرات الحياتية، ووسائلها وطرقها المحاكاة والتقليد وأدوات العمل بالمجتمع، وتلاميذها الصغار في المجتمع، وأهدافها تعلم ما يلزم للحياة، فكل ما يتم تعلمه في مثل هذه الظروف ضروري ولازم للفرد والمجتمع.

أما فيما يتعلق بالرؤية الثانية لوظيفة التربية بالمجتمع والتي يعبر عنها بالاتجاه التجديدي، فلقد فرضتها الظروف المجتمعية الناجمة عن ولوج المجتمعات عصر التصنيع والتكنولوجيا، أو ما يطلق عليه عصر الحداثة، حيث أصبح التكوين الثقافي للمجتمع أكثر تعقيداً وتمايزاً وتخصصاً، مما جعل عمر الفرد البشري أطول بكثير من عمر التغير الاجتماعي والثقافي، بحيث يمكن للفرد أن يعيش أكثر من مرحلة تحول في المجتمع الواحد، هذا بالإضافة إلى إمكانية انتقاله من مجتمع إلى آخر بينهما تباين في الخصائص، وذلك نتيجة سهولة الانتقال وسرعة المواصلات، وكذا إمكانية التواصل الثقافي مع مجتمعات أخرى دون انتقال لهذه المجتمعات، وذلك عن طريق وسائل الاتصال، وفي عصر الانفتاح الإعلامي.

ويرى أنصار الاتجاه التجديدي أن الوظيفة الأساسية للتربية تنحصر في إحداث التجديد والتطوير بالمجتمع، ويبررون وجهة نظرهم تلك بدحض الوظيفة المحافظة للتربية، وإثبات عدم جدواها، وذلك من خلال القول بأنه لو اقتصرت وظيفة التربية على تثبيت الأوضاع والمحافظة عليها وفقط، بحيث تصبح تلك الوظيفة المحافظة للتربية المسئولية الرئيسة والوظيفة الأساسية للتربية، فإن التربية تعد بذلك عملاً متكرراً، ووظيفة روتينية تفقد مغزاها بمرور الوقت، كما تصبح بذلك معوقاً من معوقات التطور والتقدم بالمجتمعات، حيث تجعل عالم اليوم صورة متطابقة من المجتمعات البدائية لاقتصار التربية على مجرد المحافظة على الأوضاع القائمة وفقط، مما يؤدي في النهاية بالتربية إلى حالة من الركود والعقم وفقد المغزى، خاصة في ظل التحديات التي يمكن أن تواجه الإنسان من جراء طبيعة العصر الذي يعيش فيه، وهم بذلك يدعمون وينحازون إلى الوظيفة التجديدية للتربية.

وأخيراً فيما يتعلق بالرؤية الثالثة لوظيفة التربية في المجتمع، والتي يعبر عنها بالاتجاه التوفيقي، فإن أنصاره يقفون موقفاً وسطاً بين الرؤيتين السابقتين، حيث يرون أن وظيفة التربية لا تنحصر وفقط في عملية النقل الثقافي، كما لا ينبغي أن تنحصر في التجديد والتطوير والتحديث وفقط، مهملة للموروث الثقافي والاجتماعي، مضحية برصيد المجتمع من التراث والخبرات الماضية، وإنما يجب أن تجمع التربية بين الوظيفتين معاً، فهي تعمل على الحفاظ الثقافي عن طريق النقل، حيث لا انقطاع بين ماضي المجتمع وحاضره ومستقبله، كما تعمل على إحداث التجديد والتطوير في أمور الدنيا، بما يخدم حياة الإنسان، ويحقق عمارة الأرض والاستخلاف فيها.


 

التربية والتفاعل الثقافي

مقدمة:

إن ثقافة المجتمعات لا تكتسب وراثياً بيولوجياً، فلا يحمل أفراد المجتمع في خريطتهم الجنينية ثقافة مجتمعهم، لهذا كان من اللازم وجود مؤسسات تقوم على نقل ثقافة المجتمع من الأجيال السابقة إلى تلك اللاحقة، وكان في مقدمة تلك المؤسسات التربوية بعامة والتعليمية منها بخاصة، الأمر الذي أدى إلى وجود رابطة من نوع ما بين التربية في مجتمع معين، والثقافة السائدة بهذا المجتمع، مما فرض ضرورة توفر جملة من الأصول والأسس ذات الصبغة الثقافية للتربية.

وتهتم الأصول الثقافية للتربية بذلك التأثير المتبادل بين الأوضاع الثقافية بالمجتمع وتلك التربوية، ونظراً للأهمية النسبية للثقافة في المجتمع والفكر التربوي منه بصفة خاصة، كان من الضروري العرض بالتفصيل لمفهوم الثقافة وما يرتبط به من قضايا كالتغير الثقافي والغزو الثقافي، والإخلال الثقافي، والتحلل الثقافي، وذلك في إطار من الربط بين هذه القضايا والأصول الثقافية للتربية، وفيما يلي تفصيل ذلك:

(أ) مفهوم الثقافة:

إن مفهوم الثقافة يعد من أكثر المفاهيم تداولاً، إلا أنه لم يوجد إجماع حول المفهوم، حيث عرض له البعض من خلال الوصف لبعض المكونات التي تشكل ما يعرف بثقافة المجتمع، في حين عرض له فريق ثانٍ من خلال التراث التاريخي للحياة الإنسانية، وما تقف عليه وتنبثق منه هذه الحياة فيما يعرف بثقافة العصر، وثمة فريق ثالث يتناول المفهوم من خلال كونه يشير إلى جملة من القواعد والضوابط التي تحكم حياة الفرد، وتحدد طرق التفكير والعمل بمجتمع معين، ويشير فريق رابع إلى الثقافة باعتبارها وسيلة للتكيف والتعلم في حياة الأفراد والجماعات، كما تناول البعض المفهوم من خلال التنظيم والبني المجتمعية، وأخيراً هناك من تناوله في إطار عملية الإبداع في حياة الناس بالمجتمع، ويمثل كل فريق اتجاهاً معيناً لمفهوم الثقافة، وهي على التوالي: الاتجاه الوصفي، التاريخي، المعياري، النفسي، البنيوي، الإبداعي.

وهناك العديد من التعريفات التي تناولت الثقافة، اهتم بعضها بالجانب الاجتماعي، في حين اهتم بعض آخر بالجانب التاريخي، كما اهتم البعض بالجانب النفسي، واهتم البعض بالجانب الوظيفي للثقافة، وفيما يلي عرض هذه التعريفات:

- عرفت الثقافة على أنها جملة الإنجازات البشرية، ويركز هذا التعريف على الجانب المادي من الثقافة، مهملاً إلى حد ما الجانب المعنوي الفكري من الثقافة، كما يهمل جملة من المكونات الثقافية التي لا ترجع إلى الإنجاز البشري، والتي من أمثلتها تلك المعارف الموصي بها من الله لرسله (صلوات الله عليهم وسلم)، وتكون هذه المعارف على درجة من التأثير في السلوك الإنساني لقدسيتها لا يمكن إغفال أثره على حياة الإنسان، ولهذا فإن قصر مفهوم الثقافة على الإنجازات البشرية وفقط أمر ينتابه القصور والعوز.

- ثمه تعريف ينظر إلى الثقافة على أنها حقيقة علوية توجد خارج نطاق حامليها من الأفراد، إلا أنها تؤثر فيهم طواعية مما يخضهم لأثرها، وذلك رغم أنها قد تكون في كثير منها من صنعهم، فالقانون الوضعي رغم أنه من صنع البشر، إلا أنه وبالاتفاق عليه يصبح ملزماً لهم ومحتماً عليهم الخضوع لقواعده وعقوباته.

ولعل من أشهر تلك التعريفات لمفهوم الثقافة ذلك المفهوم الذي صاغه تيلور Tylor، والذي يرى فيه أن الثقافة كل مركب من المعرفة والمعتقدات والفنون والقانون والقيم والمعايير والأخلاق والعادات والتقاليد... وغيرها مما يكتسبه الإنسان من خلال حياته كعضو في المجتمع وينمط سلوك ذلك الإنسان.

وتشير التعريفات السابقة إلى جملة من الاستنتاجات أهمها:

1-         أن الثقافة تحتاج إلى الإنسان الفرد كوعاء حامل للثقافة المجتمع.

2-         أن الثقافة عملية مكتسبة يلزم توفر جملة من المؤسسات تقوم على ذلك.

3-         أن الثقافة منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي.

4-         أن للثقافة أثرها على السلوك الإنساني، كما أنها تتأثر في ذات الوقت بالإنسان.

5-         أن الثقافة طابع إلزامي على البشر بالمجتمع.

وترتبط الثقافة بالتربية لارتباط كل منهما بالإنسان، كما أن التربية وما تتضمنه من مؤسسات تشتمل على المكونات الثقافية – اللغة والقيم والمعارف والأخلاق والقانون... وغيرها – في سائر مدخلاتها، سواء في محتوى العملية التربوية أو طرائقها وأساليبها أو إدارتها وما إلى ذلك، ولقد فرضت هذه العلاقة مجموعة من الأدوار المناطة بالتربية في صدد بعض القضايا الثقافية، كالتخلف الثقافي والغزو الثقافي، والانحلال الثقافي.... وغيرها، وفيما يلي تفصل ذلك.

(أ) التربية والتخلف الثقافي:

تحوي الثقافة بعدين أساسيين، أولهما: معنوي ويتضمن كل ما هو قيمي أو فكري أو عقائدي في المجتمع، أي كل ما لا يمكن لمسه أو حسه أو إدراكه إدراكاً مباشراً بالحواس، وإن تجسد في سلوكيات معينة تدل عليه كالصدق والأمانة والإيمان، وهي أشياء لا يمكن للإنسان تحديدها زمنياً ومكانياً، وثانيهما: البعد المادي، وهو الأشياء المادية التي يمكن لمسها وحسها وإدراكها بالحواس، وهي من صنع الإنسان من أجل استخداماته اليومية كالمسكن والملبس ووسائل المواصلات... وغيرها من أشياء تحدد بالمكان والزمان.

وبالرغم من التفرقة بين بعدي الثقافة المادي والمعنوي، إلا أن هذه التفرقة تفرقة نظرية، حيث لا يمكن الفصل بين هذين البعدين عملياً، فكلاهما يتداخل ويتفاعل مع الآخر، وذلك في علاقة قوامها التأثير والتأثر، مما يؤدي إلى نتائج وسلوكيات محددة، كالجانب المعنوي متمثلاً في العقائد الدينية مثلاً، يؤثر على مأكل وملبس من يعتقدون في هذه العقائد، حيث قد تحرم العقائد بعض المشرب والمطعم، كما قد تفرض نمطاً محدداً من الملبس وجميعها أمور مادية، ويمكن التدليل على ذلك بما يحدده الدين الإسلامي وما يفرضه من طبيعة وسمات اللباس بالنسبة للرجل والمرأة، وكل ما من شأنه ستر العورة، وكذا تحريم شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير وما يندرج تحت الخبائث.

وإذا كانت الثقافة تتكون من بعدين – مادي ومعنوي – إلا أن هذين البعدين يختلفان من حيث سرعة التغير الذي تنتاب كلا منهما، ففي حين يكون التغير سريعاً ومتلاحقاً في الجانب المادي، يكون التغير في الجانب المعنوي أبطأ وعلى فترات متباعدة، وإن اتسما كل من الجانبين بالتغير، وعندما تزداد الهوة بين الجانبي المادي والمعنوي من جراء التباين في سرعتيهما، فإنه تحدث ظاهرة يسميها البعض التخلف الثقافي أو الفراغ الثقافي، والتي يمكن التعبير عنها بعملية إعاقة قدرة الفرد أو الجماعة على إحداث نوع من التكيف أو التواؤم بين الجوانب المادية والمعنوية من الثقافة، نظراً لتغير أحدهما – الجانب المادي- بصورة أسرع من الجانب المعنوي، مما يؤدي إلى خلل نسبي في نسق الثقافة بالمجتمع، ويحدث عدم انسجام بين الجانبين.

وترتبط التربية بظاهرة التخلف الثقافي من عدة وجوه، فقد تؤدي هذه الأصول بالمجتمع إلى نمط من التربية قد يكون سبباً في حدوث هذا التخلف، وذلك عندما تتخلى التربية عن دورها فيما يتصل بالتمهيد للتغير مع التأكيد على الجوانب المعنوية التي تتمثل في السلوك والقيم والعادات والتقاليد والمعارف التي تتفق وطبيعة هذا التغير، فإذا انسلخت التربية عن دورها هذا، فإنه يترتب على ذلك حدوث التخلف الثقافي، أو على الأقل توفر البيئة التي تساعد على حدوثه.

دور التربية في مواجهة التخلف الثقافي:

يناط بالتربية جملة من المهام لمواجهة التخلف الثقافي، ولعل من أهم هذه الأدوار ما يلي:

- اضطلاع التربية بالدور القيادي لإحداث التغير الاجتماعي، وذلك من خلال تحديد جوانب التغير وضرورياته وأهم القيم والمفاهيم والسلوكيات التي تناسب هذا التغير.

- توضيح أسباب وأهداف ومتطلبات وإيجابيات وسلبيات ما قد يطرأ من تغير فجائي بالمجتمع، وذلك لزيادة الوعي الجماهيري حيال هذه التغيرات، وبما يساعدهم على التوافق والتكيف النفسي والاجتماعي في جانب هذه التغيرات.

-          العمل على إحداث نوع من التوازن في سرعة التغير بين جانبي الثقافة المادي والمعنوي.

- العمل على محو الأمية بجانبيها الأبجدي والوظيفي، بما يمكن الأفراد من التفاعل الرشيد مع جملة التغيرات المجتمعية في الجوانب الحياتية المختلفة.

وانطلاقاً من الأدوار سابق الإشارة إليها، فإنه يتحتم على التربية أن تتبنى جملة من الأهداف والمبادئ التي تحقق هذه الأدوار، وبما يجنب المجتمع كثير من المخاطر التي يمكن أن تؤدي لها ظاهرة التخلف الثقافي.

(ب) التربية والغزو الثقافي:

اختلفت استراتيجيات الاستعمار الآن عما كانت عليه منذ قبل، فالغزو العسكري الذي اتخذه الاستعمار قديماً كأداة لسلب مقدرات الشعوب واحتلالها لتصبح توابع في فلكه، لم يصبح الأداة المثلى في الوقت الحاضر، خاصة في ظل تنامي الوعي الوطني لدى الشعوب، هذا بالإضافة إلى احتمال حدوث صدام فيما بين القوى الاستعمارية ذاتها نتيجة صراعاتها على استعمار الدول المستهدفة، وكذا للخسائر التي يمني بها كل من الدول المستعمرة (بكسر الميم) وتلك المستعمرة (بفتح الميم).

ولهذا فقد سعت دول الاستعمار إلى استراتيجيات ووسائل جديدة للاستعمار، تضمن لها نهب مقدرات الشعوب وخضوعها، دون حدوث أدنى مقاومة معادية، لهذا سعت دول الاستعمار إلى الغزو الثقافي، ذلك الغزو الذي يسعى إلى اختراق الدول المستهدفة من خلال اختراق ثقافتها، حيث يضمن هذا الاختراق للدول الاستعمارية دوران الدول المستعمرة في فلك الاستعمار، والعمل وفق سياسة الاستعمار وأفكاره، وفي إطار من الهيمنة من جانب الاستعمار، والتبعية والاستكانة من جانب الدول المستعمرة.

ويعمل الاستعمار على إيهام الدول المستهدفة بالاستعمار أن سبب تقدم الدول المستعمرة، وهي غالباً ما تكون دولاً غربية صهيونية يرجع فيما يرجع إلى ثقافة هذه الدول، وأن سبب تخلف الدول المستهدفة إنما يرجع إلى ثقافتها وجمودها، وذلك بغية دفعها إلى المشي حسب الثقافة الغربية.

وتتخذ الدول الساعية إلى الغزو الثقافي جملة من التدابير لتحقيق أهدافها، ولعل من هذه التدابير ما يتعلق بالبرامج الإعلامية الموجهة عبر وسائل الاتصال الجماهيري، خاصة في ظل التقدم الهائل في وسائل الإعلام عبر السموات المفتوحة، كما يمكن أن تلجأ إلى التعليم من خلال ما يرسل لها من بعثات، أو من خلال ما تقيمه من مؤسسات تعليمية بالدول المستهدفة، كي تعمل هذه المؤسسات للتمكين لثقافة الدول الغازية، وتوضح لأفراد الدول المغزوة ما يقنعهم بقيمة وأهمية ثقافة الدولة الغازية.

والتربية لا يمكنها أن تتخلى عن دورها في مواجهة الغزو الثقافي، حيث ينبغي عليها تعزيز ثقافة المجتمع وتدعيمها، بما يمكنها من الصمود في مواجهة الثقافة الوافدة، كما عليها أن تعزز قيم الأفراد المرتبطة بالولاء والتمسك بأخلاق المجتمع، وبما يحصنهم ضد ما قد يبعدهم أو يشككهم في أخلاقهم وقيمهم.

(ج) التربية والإحلال الثقافي:

تنجم ظاهرة الإحلال الثقافي عن وجود إحدى الجماعات الفرعية من المجتمع وقد ملأت شرايينها بثقافة مغايرة لثقافة مجتمعهم بصورة كلية، بحيث تختلف هذه الثقافة في مضمونها عن الثقافة الأم بالمجتمع اختلافاً كلياً، مما يجعل تلك الجماعة التي تتبنى الثقافة المغايرة لا تلبث أن تشارك باقي فئات المجتمع الأصلي في وجودها مشاركة جغرافية، وجواراً مكانياً وفقط، وأما أن تشاركهم وجودهم الزماني، أي ذلك الوجود الذي يمتد ليصل الأمس باليوم واليوم بالغد، فذلك يستحيل عليهم.

وإذا كانت ظاهرة الإحلال الثقافي تعني أن ثقافة ما تقع في كليتها مكان ثقافة أخرى، ولا على مستوى جماعة من جماعات المجتمع، فإنه قد ينجم أو يتواكب معها ظاهرة أخرى وهي ظاهرة الانحراف الثقافي، وتشير ظاهرة الانحراف الثقافي إلى كل تعامل ثقافي يبتعد إلى حد ما عن ثقافة المجتمع السائدة، بحيث لا يقف هذا الابتعاد عن حد الاعتقاد، أو عند الجانب المعنوي، بل يتعداه إلى الجوانب المادية بالمجتمع، وقد ينجم ذلك عن وجود ثقافة أخرى إلى جوار ثقافة المجتمع الأصلية.

وعندما تحدث ظاهرة الانحراف الثقافي وبما يؤدي إلى وجود ثقافة أخرى إلى جوار ثقافة المجتمع الأصلية، فإنه يحدث أمر ما من عدة أمور هي:

- أول هذه الأمور أن تستطيع الثقافة الأصلية أن تستوعب الثقافة الجديدة، وذلك في إطار من التعديل والتقويم، ويتم ذلك بطرق سلمية كطريقة الضبط الاجتماعي، وقد يؤدي ذلك إلى إثراء الثقافة الأصلية وتطويرها، بما يعود بالنفع على المجتمع بأثره.

- ثاني هذه الأمور أن تستطيع الثقافة الجديدة المتولدة عن الإحلال الثقافي أن تمكن لنفسها بالمجتمع، وأن تثبت وجودها فيه، بل قد يصل الأمر بها على أن تستطيع أن تحل محل الثقافة الأصلية بالمجتمع، ويؤدي ذلك إلى تحول مجتمعي – فكري وسياسي واجتماعي واقتصادي... إلخ – منبثقاً عن هذه الثقافة الجديدة، وهو ما حدث في بعض الدول كإيران وأفغانستان وغيرها من الدول التي حدثت بها الثورات.

- ثالث هذه الأمور أن تفشل إحدى الثقافتين في استيعاب الأخرى أو أن تحل محلها، الأمر الذي يؤدي إلى وجود الثقافتين معاً في حيز واحد، مما قد يدفع كلاً منهما إلى العمل على جذب أنصار لها، حتى تصل إلى تلك النقطة التي يشعر فيها أصحاب هذه الثقافة أنهم من القوة بمكان لأن تصبح ثقافتهم هي الثقافة الأصلية بالمجتمع، مما يدفعهم إلى محاولة فرضها على المجتمع بشتى الطرق، أو تظل كل من الثقافتين منحصرة ومنغلقة على ذاتها، محافظة على هويتها وطابعها المميز، فيؤدي ذلك إلى تفكك مجتمعي، قد يأخذ صوراً جغرافية وسياسية، وهذا ما حدث بالاتحاد السوفيتي، أو أن يصبح ثمة صراع بين الثقافتين، يأخذ عدة صور مادية ومعنوية، وهو ما يتمثل في ظهور بعض التيارات المناهضة للحكومات، والحركات الانفصالية في كثير من الدول.

(د) التربية والتغير الثقافي:

يشير التغير الثقافي إلى تلك الحالة من الانتقال الثقافي للمجتمع من جيل ثقافي إلى جيل آخر، وما يتبع ذلك من الانتقال بالإنسان من عصر ذات سمات تنظيمية وإنتاجية وقيمية معينة، إلى عصر آخر يختلف اختلافاً شبه كلي عن سابقه، وبهذا تكون عملية التغير الثقافي عملية تطورية وتراكمية، تهيئ للإنسان قدرة أكبر على الاستفادة من الإمكانيات المتاحة، كما تعينه على توفير الوقت والجهد، هذا بالإضافة إلى تجنيبه الكثير من المخاطر، ولا يتم ذلك إلا من خلال استثمار المعارف والمهارات الموجودة لدى الإنسان، وذلك عن طريق وسائل التربية والتعليم.

وأما فيما يتصل بدور التربية في عملية التغير الثقافي، فإن الرؤى المتعلقة بذلك تتطابق مع تلك الرؤى المتعلقة بنفس الدور إزاء التغير الاجتماعي، والمتمثلة في ثلاثة رؤى هي الرؤية المحافظة، والتجديدية، والتوفيقية.

وإذا كنا قد عرضنا فيما مضى إلى العلاقة الكائنة بين التربية من جانب وبعض القضايا الثقافية من جانب آخر، فإنه لا ينبغي أن ينفك الحديث عن الأصول الثقافية للتربية دون العرض لعلاقة تلك التربية بالثقافة ذاتها، وذلك في جانب خصائصها وعناصرها، فالتربية ينبغي أن تصطبغ بخصائص الثقافة، وأن تتضمن عناصرها، ويعرض الفصل فيما يلي خصائص الثقافة من جانب ولعناصرها من جانب آخر.

خصائص الثقافة: تتميز الثقافة بجملة من الخصائص أهمها:

1- الثقافة عملية إنسانية:

تميز الثقافة الإنسان عن سائر الكائنات الحية التي تتخذ من غرائزها محدداً منمطاً لسلوكها، الأمر الذي يؤدي بهذا الكائنات إلى الاحتفاظ بأسلوب حياتها دون تحوير أو تطوير واضح منذ زمن سحيق، بينما استطاع الإنسان أن يطور ويحسن حياته من خلال ثقافته.

وتعتبر خاصية "الثقافة عملية إنسانية" أساساً قوياً للفكرة القائلة بالولادة الثانية للإنسان، وتلك الفكرة مؤداها أن الإنسان يولد مرتين، أولاهما الولادة العضوية البيولوجية، وتتحدد تلك الولادة بخروج الإنسان من بطن أمه، وثانيهما الولادة الثقافية، حيث يتحول في هذه الولادة إلى كائن ثقافي، ويتم ذلك عن طريق إكسابه ثقافة مجتمعه، وبما يجعله مقبولاً من سائر أفراد المجتمع، ومترابطاً مع بني قومه برباط ثقافي، وبذا تهدف التربية فيما تهدف ومن خلال أصولها الثقافية عبر حياة الفرد إلى العمل في اتجاهين، أحدهما بيولوجي يتعلق بإشباع حاجات الفرد الأولية من طعام وشراب ومسكن ومحافظة على بنيانه العضوي الجسدي، وثانيهما اجتماعي، يرمي إلى إعداد الفرد في بيئته والتعايش مع مجتمعه، ويكون ذلك من خلال التعليم وعن طريق نقل ثقافة المجتمع، على أن تراعي تلك الأصول هذين الاتجاهين بطريقة متوازنة ومتكاملة.

2- الثقافة عملية اجتماعية:

لا يمكن لأي فرد واحد أن يتمثل ثقافة مجتمع واحد في كل عناصرها – العموميات والخصوصيات والبديلات -، كما يستحيل على فرد واحد أن ينتج بمفرده ثقافة مجتمع، لهذا يقال على الثقافة أنها فوق فردية، أي تتجاوز قدرات وإمكانات الفرد الواحد، بل إنها من صنع أفراد المجتمع بأثرهم، كما أنها من صنع الأجيال المتعاقبة بالمجتمع.

وعلى التربية ومن خلال أصولها الثقافية أن توظف كل الإمكانات البشرية المتاحة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وسواء في الوقت الراهن أو العصور الماضية كي تثري قدرات وإمكانات المجتمع، بما يخدم حياة الناس، كما ينبغي أن تراعي هذه الخاصية – الثقافة عملية اجتماعية – حالة سعيها إلى الاقتباس من الخبرات التربوية لمجتمعات أخرى، إذ ينبغي عليها أن توفر الضمانات التي تكيف هذه الخبرات وظروف المجتمع الذي يرغب في الاقتباس.

3- الثقافة تراكمية:

وتنبثق هذه الخاصية عن سابقتها، فحيث أن الثقافة ليست من صنع فرد واحد، أو جيل واحد بالمجتمع، بل هي من صنع كل أجيال المجتمع عبر العصور، لذا فإن لكل جيل عطاؤه الثقافي الذي يورثه للأجيال اللاحقة، على أن يكون على الجيل اللاحق واجب الإضافة إلى هذا الميراث الثقافي شيئاً جديداً آخر، حيث يبدأ من حيث انتهى الجيل السابق.

ويرجع التباين بين مجتمعات العصر الواحد إلى التباين في الميراث الثقافي الذي خلفه الجيل السابق في هذه المجتمعات، أو إلى التباين في التزايد الكمي والنوعي الثقافي الذي يضيفه الجيل اللاحق إلى ما ورثوه من الجيل السابق، وعلى الأصول الثقافية للتربية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التباين الثقافي الكائن، وذلك للاستفادة من خبرات الآخرين سواء كانوا من الأجيال السابقة عبر تاريخ المجتمع الواحد، أو كان الآخرون من الجيل الحاضر عن طريق الاقتداء والنمذجة.

4- الثقافة دينامية:

ترجع دينامية الثقافة فيما ترجع إلى جملة التغيرات الحادثة عن التراكمات الثقافية أو من خلال المستحدثات الثقافية في الجيل الواحد، ويمكن التدليل على دينامية الثقافية عبر الأجيال من خلال التطور الثقافي الذي قد يحدث بالمجتمع، متمثلاً في التوصل إلى أساليب حديثة في وسائل الإنتاج أو الاتصال أو غيرها من جوانب التطور التكنولوجي والتقدم العلمي بالمجتمع.

إن القول بدينامية الثقافة يحتم على التربية ومؤسساتها بسائر مدخلاتها، وبما فيها من أصول ثقافية أن تكون هي الأخرى ذات طابع دينامي، فلا يجب مثلاً أن تكون مؤسسات التعليم كمؤسسات تربوية مثل قبور الأحياء، التي يعد الجمود أساسها، والتحجر سمتها، وإنما ينبغي أن تتسم بالحركة والمرونة، وذلك إذا أرادت أن تكون عنصراً فاعلاً في الثقافة.

5- الثقافة مكتسبة:

يكتسب الإنسان الثقافة من خلال تفاعله مع بيئته بمكوناتها المختلفة – البشرية والمادية – وكذا من خلال اتصاله بالرموز والمفاهيم والمضامين الموجودة بهذه البيئة ولعل إنشاء المجتمع لكثير من المؤسسات ذات الصبغة الثقافية – سواء في أهدافها أو بنيتها – دليل على أن الثقافة مكتسبة وليست فطرية.

ولا يحمل القول بأن الثقافة مكتسبة أنها تعتمد على الإملاء والتلقين وفقط، وإنما يعني أن الإنسان له دور إيجابي في عملية الاكتساب هذه، كما يقع عليه جزء من المسئولية في تلك العملية، فليس الاكتساب بعمل اضطراري جبري، يقف فيه الفرد موقفاً سلبياً مفعولاً به وفقط، ولهذا قال تعالى { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } (المدثر، آية 38). لهذا فإن الفرد يقع عليه جزء كبير من المسئولية في اكتساب ثقافته، لهذا يمكن القول أن اكتساب الثقافة يتم من خلال التعليم والتعلم.

6- الثقافة مفهوم مجرد:

تدل هذه الخاصية على أن الثقافة مفهوم عقلي، يستدل عليه بما هو في عقول البشر ووجدانهم وأفكارهم ومعتقداتهم من خلال تجسيدات معينة في عالمهم المعاش، ولعل هذا يشير بوضوح لتلك العلاقة الكائنة بين كل من الأصول الفلسفية والأصول الثقافية للتربية، حيث يكمل كل منهما الآخر في تحديد نمط التربية بمجتمع ما.

وثمة خصائص أخرى للثقافة منها أنها نسبية، وأنها مرئية ومستترة أو مادية ومعنوية في ذات الوقت.

عناصر الثقافة:

إن محتوى الثقافة في أي مجتمع متجانس يكاد ينقسم إلي ثلاثة أقسام رئيسة هي:

1-العموميات:                                               

وهي تلك العناصر التي يشترك فيها أفراد المجتمع جميعا وهي أساس الثقافة وتمثل الملامح العامة التي تتميز بها الشخصية القومية لكل مجتمع مثل اللغة والملبس والعادات والتقاليد والدين والقيم. وهي الأفكار والعادات والتقاليد والاستجابات العاطفية المختلفة وأنماط السلوك وطرق التفكير التي يشترك فيها جميع أفراد المجتمع الواحد وتمييزهم كمجتمع وثقافة عن غيرهم من المجتمعات ومثال ذلك ( السكن وطريقة الملبس وطريقة الزواج ). العموميات هي مركز اهتمام التربية واليها تتجه الجهود لنقلها وتبسيطها وتجديدها إن لزم الأمر. وتتمثل فائدتها في:                                       

أ- توحد النمط الثقافي في المجتمع

ب- تقارب طرق تفكير أفراد المجتمع واتجاهاتهم في الحياة

جـ- تكون اهتمامات مشتركة وروابط بينهم

د- تكسبهم روح الجماعة فتؤدي إلي التماسك الاجتماعي

2- الخصوصيات:

وهي عناصر الثقافة التي يشترك فيها مجموعة معينة من أفراد المجتمع بمعنى أنها العناصر التي تحكم سلوك أفراد معينين دون غيرهم في المجتمع فهي العادات والتقاليد والأدوار المختلفة المختصة بمناشط اجتماعية حددها المجتمع في تقسيمه للعمل بين الأفراد وقد تكون هذه المجموعة مهنية متخصصة أو طبية مثال الخصوصيات الثقافية الخاصة بالمعلمين أو المهندسين أو الأطباء أو غيرهم وهم يتصرفون فيما بينهم بأنماط سلوكية معينة وقد تشمل هذه الخصوصيات عناصر تتعلق بالمهارات الأساسية للمهنة والمعرفة اللازمة لإتقانها كما تشمل أيضا طرق أداء المهنة ونوع العلاقات التي تربط أبناء المهنة الواحدة وتميزهم عن غيرهم من الناس.

وقد تكون الخصوصيات مرتبطة بالطبقة الاجتماعية فالطبقة الأرستقراطية لها سلوكيات وعاداتها التي تميزها عن الطبقة المتوسطة أن كذا وكذا من السلوك لا ينتمي إلي عادات الأرستقراطية ويجب ألا ننسى أن الخصوصيات لا تنفى اشتراك أفراد الطبقة أو المهنة عن كل أفراد المجتمع في العموميات التي ناقشناها من قبل.

3- البدائل والمتغيرات:

وهي من العناصر الثقافية التي تنتمي إلي العموميات فلا تكون مشتركة بين جميع الأفراد ولا تنتمي إلي الخصوصيات فلا تكون مشتركة بين أفراد مهنة واحدة أو طبقة اجتماعية واحدة ولكنها عناصر تظهر حديثة وتجرب لأول مرة في ثقافة المجتمع وبذلك يمكن الاختيار من بينها وتشمل الأفكار والعادات وأساليب العمل وطرق التفكير وأنواع الاستجابات غير المألوفة بالنسبة لمواقف متشابهة مثال ذلك ظهور موضة جديدة في الملبس لم تكن معروفة من قبل أو ظهور طريقة لإعداد الطعام ولم يعرفه الناس من قبل. وهذه المتغيرات قليلة في المجتمعات البدائية وكثيرة في المجتمعات المتقدمة وتكون هذه المتغيرات أنماط سلوكية قلقة مضطربة إلي أن تتلاشى أو تصبح خصوصيات تتسم هذه البدائل بالقلق والاضطراب إلي أن تستقر علي وضع وتتحول فيه إلي الخصوصيات أو العموميات الثقافية فهي تمثل العنصر النامي من الثقافة.

أهمية الـثـقـافـة:

العلاقة بين الفرد والثقافة علاقة عضوية دينامية والثقافة من صنع الأفراد أنفسهم فهي توجد في عقول الأفراد وتظهر صريحة في سلوكهم خلال قيامهم بنشاطهم في المجالات المختلفة وقد تتفاوت في درجة وضوحها كما أن الثقافة ليست قوة في حد ذاتها تعمل مستقلة عن وجود الأفراد فهي من صنع أفراد المجتمع وهي لا تدفع الإنسان إلي أن يكون سويا أو غير سوى بل يعتمد في ذلك علي درجة وعى كل فرد بالمؤثرات الثقافية ونوع استجابته لها وجمود الثقافة وحيويتها يتحددان بمدى فاعلية أفرادها ونوع الوعي المتوافر لهم.

وبصفة عامة فإن ثمة وظائف أساسية تقوم بها الثقافة بالنسبة للفرد، وأهمها:

  • § الثقافة توفر للفرد وسائل إشباع حاجاته النفسية والاجتماعية.
  • § تؤثر الثقافة في قيم وعادات الفرد فقد ينشأ الفرد في ثقافات تشجع مبادئ الاحترام والتوقير وقد ينشأ في ثقافة تقوم علي الزهو والخيلاء وقد ينشأ في ثقافة تحيط العلاقات بين الجنسين بالتحريم والقيوم أو أخرى تعطيها الحرية وكل ثقافة من هذه الثقافات تؤثر في عادات وقيم الفرد.
  • § الثقافة توفر للأفراد تفسيرات جاهزة لطبيعة الكون وأصل الإنسان ودوره في الكون هذه التفسيرات غيبية أو علمية.
  • § الثقافة توفر للأفراد المعاني والمعايير التي يميزون في ضوءها بين الأشياء والأحداث داخل بيئتهم أو مجتمعهم الذي يعيشون فيه.
  • § الثقافة تنمي الضمير عند الأفراد أو ما يسمى بلغة علم النفس بالأنا فمن المسلم به أن الأنا غير فطرية وهي تنشأ لد الأفراد بفعل الثقافة.
  • § الثقافة تنمي في الفرد الشعور بالانتماء والولاء للجماعة التي ينتمي إليها وكذلك للإقليم الذي ينتمي إليه والوطن الذي ينتمي إليه وقد يشتد هذا الشعور بالانتماء عند الأفراد إذا اشتدت عزلتهم.
  • § تعرف الإنسان علي المواقف التي يمكن أن تواجه وتقدم له طرقا لمعالجتها
  • § إن الثقافة تعلم الإنسان كيف يدرك الأشياء حيث تحدد له النافذة التي يطل منها علي العالم كما أنها تقرر له كيف سيكون تطوره في مقام معين وفي حالة معينة.
  • § هى تحفز الإنسان وتفتح له أهدافا معينة تخبره بها بطريق غير مباشر.
  • § إنها مركب من مركبات شخصية الإنسان.
  • § تكون الثقافة للفرد ضابطا اجتماعيا يسير سلوكه بطرق معينة.
  • § الثقافة تكسب الفرد اتجاهات السلوك العام باعتباره عضوا في مجتمع قومي يتميز بسمة دينية أو خلقية معينة.
  • § الثقافة تكسب الفرد القدرة علي التفكير عن طريق نشاطه وجهده وتفاعله مع الثقافة التي يعيش فيها عن طريق اكتسابه معانيها.

وهذا يعني أن الثقافة تحقق أهدافا ووظائف أساسية في حياة الفرد والمجتمع علي السواء، ومنها:

أ-تمد الأفراد بمجموعة من الأنماط السلوكية حيث يستطيع أفرادها تحقيق حاجاتهم البيولوجية من مأكل ومشرب.......الخ وبذلك تستطيع الجماعة أن تحفظ بقاءها واسمترارها.

ب-تمد أفراد الجماعة بمجموعة من القوانين والنظم تتيح التعاون بينهم وتستطيع الجماعة أن تستجيب لمواقف معينة استجابة واحدة.

جـ-تقدم الثقافة لأعضائها الوسائل التي تهيئ لهم التفاعل داخل الجماعة مما يهيئ قدرا من الوحدة يمنعها من السقوط في أنواع الصراع المختلفة.

د- تخلق حاجات يكتسبها الفرد وتمده بوسائل إشباعها فالاهتمامات الجمالية والدينية تخلفها الثقافة ثم تهيئ للفرد وسائل إشباعها وبذلك تقدم نمطا معينا لنمو شخصية الفرد.

هـ- تمد الفرد بسلوك مجهز من الخبرات الماضية وبذلك توفر عليه الجهد والوقت اللذين كانا عليه أن يبذلهم إذا أراد البحث عن حل لمشكلاته.

و-تقدم للفرد مثيرات ثقافية عليه أن يستجيب لها بالطرق العادية الموجودة في الثقافة فمجموعة المواقف الحياتية قد حللتها الثقافة وعن طريق الثواب والعقاب يستجيب الفرد إليها.

ح- تقدم تفسيرات تقليدية ومألوفة للعديد من المواقف وعلي أساسها يحدد الفرد شكل سلوكه وهذه التفسيرات تختلف من ثقافة لأخرى.

س-تمدنا بالوسيلة للتنبؤ بجزء كبير من سلوك الفرد والجماعة في مواقف معينة فإذا عرفنا الأنماط الثقافية التي تسود الجماعة التي ينتمي إليها فرد ما أمكننا التنبؤ بسلوكه في معظم المواقف التي يواجهها فالثقافة تقوم بخدمة إنسان معين في زمان ومكان معينين إذ تقدم لكل من الفرد والمجتمع وسائل حياته وسبل تعامله في الزمان والمكان المعينين ولذا ليس من السهل التعرف علي الفرد أو المجتمع إلا من خلال الثقافة لكل منهما. فالثقافة بمثابة الشخصية التي تميز الفرد عن غيره من الأفراد وتميز المجتمع عن غيره من المجتمعات

ش-تكسب الأفراد أساليب التفكير والمعرفة وأساليب التعبير عن العواطف والأحاسيس وأساليب إشباع الحاجات الفسيولوجية ( التنشئة الاجتماعية ).

أهمية دراسة الثقافة للمعلم:

يقوم المعلمون سواء المتخصصون منهم في مادة بعينها أو أولئك الذين يقومون بتدريس عديد من المواد في الواقع بتدريس عنصر من الثقافة وعلي ذلك فإن دراسة الثقافة يعتبر بمثابة الوقوف علي الإطار العام لعملهم كمدرسين.

والمدرس عادة ما يبدأ عمله مع تلاميذ تشكل سلوكهم بفعل مؤثرات الثقافة المختلفة التي يمرون بها ويعيشونها خارج المدرسة ومن ثم كان علي المدرس أن يدرس هذه الثقافة التي شكلت سلوكهم حتى يستطيع أن يهيئ لهم تفاعلات ثقافية يقارنون علي أساسها بين ما يشكل سلوكهم وما تحتويه هذه التفاعلات الثقافية المدرسية.

ومن هنا جاءت أهمية دراسة الثقافة للمعلم ويتضح هذا في الجوانب التالية:

1-التربية ليست مغلقة قائمة بذاتها بل إنها في جوهرها عملية ثقافية فهي تشتق مادتها وتنسخ أهدافها من واقع حياة المجتمع وثقافته كما أن الثقافة لا تستمر إلا بإكساب الأفراد لمعانيها وأهدافها بواسطة عمليات اجتماعية هي عمليات تربوية بالدرجة الأولى. ومن جهة ثانية إذا كانت التربية عملية ثقافية فإن الثقافة ذات طبيعة تربوية ولقد وجدت المدرسة في المجتمع من أجل إدماج الناشئين في ثقافة مجتمعهم حيث إن تربيتهم تعتبر عملا جوهريا للمحافظة علي الثقافة واستمرارها.

2-ينبغي أن يكون المدرس دارسا وملما بالثقافة العامة التي تحيط به فالمدرس ليس مدرسا لمادة علمية فحسب وإنما لابد أن يكون دارسا للثقافة فهي الوعاء الحي الذي يرتفع بمستواه عن طريق تربية الناشئين وإعداد المدرس للناشئين يعني أولا وأخيرا التأثير علي الثقافة التي يعيشون فيها بما يزودهم من معارف وما يغير من اتجاهاتهم وعلي هذا فبقدر ما يتوافر للمدرس من مفاهيم سليمة عن ثقافة المجتمع ومكوناتها وسمات تماسكها أو عوامل التناقض التي توجد بداخلها وأهداف المجتمع واتجاهاته بهذا القدر يتحدد دور المعلم وفاعليته في توجيه مادة التعليم وأساليب اختيار الخبرات التربوية.

3-إن فهم المدرس لثقافة ينبغي أن يتضمن التغير الثقافي وطبيعة هذا التغير ودرجته ومساره وما يفرضه هذا كله من مطالب تربوية حيث أننا نعيش في عصر متغير يتميز بالانفجار المعرفي وتزداد أهمية هذا الفهم في المجتمعات التي تزداد فيها التغير من حيث السرعة والعمق.

4-إن دراسة الثقافة وتكوين تصور واضح عن مكانة التربية يساعد المدرس علي فهم تأثيرها علي تكوين الشخصية وبالتالي فهم وظيفتها علي أنها تنصب عمليا علي الفرد والثقافة في آن واحد ومن ثم فإن أولى مسئوليات المدرس وكل من يتصدى لعملية التربية أن يستوضح بعض الأمور التي تتعلق بطبيعة الفرد الذي هو نقطة البداية في أي عملية تربوية.

وأخيراً، فإن الثقافة عنصر أساسي في تكوين المجتمع ويتضح ذلك من التعريف العام للمجتمع كما يتفق عليه معظم علماء الاجتماع بأنه يتكون من أفراد يعيشون في مكان واحد ويشتركون في نمط معين للمعيشة ولديهم شعور مشترك بالانتماء والولاء لهذا التجمع ونمط المعيشة المشترك. وعلي ذلك فإنه يلزم وجود عناصر أربعة لكي يكتمل قيام المجتمع هي:

1-الناس

2-الأرض المشتركة

3-الثقافة المشتركة

4-الشعور بالانتماء والولاء.