قائمة الروابط

رواج التفكيكية في التجربة النقدية المعاصرة "عرض ونقد"

د.بشير تاوريريت- باحث من الجزائر

ملخص:‏

يقف القارئ في هذه الدراسة النقدية عند جل الكتابات النظرية والإجرائية التي اتّخذت من استراتيجية التفكيك دعامة منهجية في التأسيس لمقولات نقدية، تستهدف تقويض النص الأدبي من الداخل وخلخلة بنائه الهرمي لاستكشاف دلالاته الهاربة والمختفية تحت ستائر إشارته الغامضة والعائمة، حيث تحوّلت هذه الدراسة إلى مسح شامل مسّ بأصابعه الناعمة جل الإسهامات الغربية والعربية.‏

وقد جرى التركيز في هذه الصفحات على كتابات: جاك دريدا ورولان بارث وبول ديمان وهارولد بلوم وهيلر وهارثمان. أما على صعيد النقد العربي المعاصر فقد احتفت هذه الدراسة بتجربة الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي والناقد الجزائري عبد الملك مرتاض ومن دون إغفال تجارب نقدية تفكيكية أخرى حظيت بأهمية أقل كتجربة بسام قطوس وعبد الله إبراهيم وآخرين. ولم تكن هذه الدراسة مجرّد عرض أو سرد ممل لتلك المحاولات، وإنما كانت محفوفة ومتوّجة بروح نقدية استهدفنا فيها تصريحات واعترافات أولئك النقاد بأزمة أو قصور المقاربة التفكيكية مشيرين في الوقت نفسه إلى بعض الاقتراحات الجديدة التي بإمكانها تخطي أزمة النقد التفكيكي والحلم بمستقبل نقدي واعد.‏

1 ـ في كتابات النقاد الغربيين‏

تمثل فرنسا المهد الأول للتفكيك، والذي انتقل إلى أمريكا عبر رحلة قادها دريدا الذي ألقى محاضراته في جامعة بيل وجونز هوبكنز، هذه الأخيرة التي شهدت ميلاد المؤتمر الأول للتفكيك عام 1966 لتسود بذلك التفكيكية الساحة النقدية الأمريكية في السبعينات، ويتأثّر بها العديد من المؤلفين والنقاد "لتهيمن بذلك أفكار دريدا على الساحة الأدبية وخاصة على النقاد الرومنسيين والناقمين على موجة النقد الجديد"(1) لاسيما أن الدراسات التفكيكية قد أعادت الشك في العملية النقدية لتعود إلى الذات الكانطية عودة نسبية وهذا لا يمنع وجود معارضين مثل التفكيك صدمة لهم.‏

ويأتي الناقد الفرنسي (R.Barthes) رولان بارث في طليعة النقاد التفكيكيين وإن عرفت آراؤه تقلباً واضحاً على ضفاف مناهج عدة، وأفضل ما يمثل مرحلة بارث التفكيكية مقاله عن ـ موت المؤلف ـ عام 1968. وقد توجه في كتابه (الكتابة في الدرجة الصفر) سنة 1953 نحو فك أغلال الكلمة لتنطلق حرّة حتى تصل إلى درجة اللامعنى، وتناول في كتابه (S/Z) الذي صدر عام 1970 وهو عبارة عن دراسة لرواية قصيرة غير مشهورة وقد "قسمها إلى (561) وحدة قرائية وضمنها كتابه الذي بلغ 200 صفحة ونيف، وكان هذا الكتاب هو العمل الذي اشتهر به "بارث خارج فرنسا"(2).‏

وتحدث في كتابه لذة النص (1973) "عن النص باعتباره تفكيكاً للأسماء وفيه فرق بين المتعة واللذة"(3). ومثل دريدا طالب الفلسفة "ذو الأصل الجزائري"(4) الجسر المتوهج بين المدرستين الفرنسية والأمريكية من خلال ذخيرة متميزة أخذت منها معظم الدراسات الحديثة التي تلت الاستراتيجية. وتليها مقالات نشرها عام 1967 رسمت ثلاثيته المشهورة "في الكتابة"، "تناول فيها الطريقة التي يعطي فيها من يكتبون عن اللغة ميزة للكلام على الكتابة، ويخص عمله بالعالمين دي سوسير وجون جاك روسو"(5) وكتابه ـ الكتابة والإختلاف ـ قسمه إلى قسمين، أدرج في جزئه الأول رسالة حول مفردة ومفهوم التفكيك ومقالة في اللغة أما قسمه الثاني احتوى خمس دراسات فكرية منها مسرح القسوة والقوة والدلالة ونهاية الكتاب وبداية الكتابة"(6) وفي عام 1972 نشر ثلاثة كتب أخرى وهي: حواشي الفلسفة ضمن عشر مقالات "أهمها الاختلاف Qusia et gramnier, La différance " وتتناول بحث هايدغر عن ميتافيزيقيا الحضور.. وأخرى عن نظرية هيغل في الرمز وعن مكانة الإنسانية في كتابات هيدجر وغيرها"(7) ثم كتابه "الانتشار"، ضمّ بدوره ثلاث مقالات "طول كل منها 100 صفحة تناول التأثيرات اللغوية التي لا تخضع للتحديد الفكري ولا يمكن اختزالها إلى مفهوم واضح"(8) ثالث هذه الكتب هو كتاب "مواقف" يضم النصوص المكتوبة لثلاث مقابلات: المقابلة الأولى تعليق على أعمال دريدا عام (1967)، أما الثانية فقد تضمنت حديثاً موجزاً عن نظرية الرمز، ونقد دريدا لها في حين المقابلة الثالثة تضم شرحاً للتفكيكية حول مواضيع عديدة أخرى عن التاريخ والماركسية وجاك لاكارن". كما كتب كتاباً آخر عنوانه "Clas" وله كتب عديدة.‏

لقد خلفت كتابات دريدا تأثيراً واسعاً في الجامعات الأمريكية خاصة مجموعة نقاد بيل "Yale"، فمثلت كتابات بول دي مان ـ مناصر التفكيك الأول ـ الأرضية الصلبة التي انطلقت منها انتقادات النقاد الجدد خاصة من خلال كتابه "العمى والبصيرة" الذي صدر عام 1971 ويرى فيه دي مان "أن النقاد يصلون إلى البصيرة النقدية من خلال العمى النقدي(9).‏

لقد مثلت الاختلافات بين النقاد الحاجز الذي يحيل بينهم وبين الوصول إلى الهدف وهو ما اصطلح عليه دي مان "بالتقابل الجدلي بين النص والمفسر"(10) ثم يفرق في كتابه هذا بين الفلسفة والأدب، حيث "تنظر الفلسفة للأدب على أنه خيال محض"(11). ويذهب في كتابه "أمثولات القراءة" 1979، إلى نمط بلاغي من التفكيك كان بدأه في كتابه الأول فالقراءة دائماً إساءة للقراءة بالضرورة؛ لأن المجاز Topes يتداخل حتماً بين النصوص النقدية والأدبية، والكتابة النقدية تتطابق أساساً مع المجاز الأدبي الذي نطلق عليه الأمثولة Allegory"(12).‏

وكان هارولد بلوم مرافقاً للرومانسية مما جعل تأثره سريعاً بالتفكيك وكان كتابه الأول يخص أعمال شيللي (1959) بعنوان "صناعة الأسطورة عند شيللي"(13) وله كتاب "قلق التأثير" 1973 وقد تحدث فيه عن عقدة التوتر الناتجة عن السلف، أوضح أن الشاعر الغربي يمتلك الشجاعة بالاعتراف بتأخره إزاء التقاليد التي ورثها"(14).‏

هذا وقد ألف كتاباً بعنوان "القبلانية والنقد" (والنصوص العبرانية التي تكشف المعاني الباطنة في العهد القديم) هي معنى القبلانية "يعتقد بلوم أن الصيغة التي وضعها إسحاق لوريا في القرن السادس عشر للصوفية القبلانية، هي نموذج مثالي للطريقة التي كان يراجع بها شعراء اللاهوت الشعراء السابقين في شعر ما بعد النهضة"(15).‏

وكان كتابه الشعر والكبح عام 1976 يعني بشعر ما بعد الرومنسية، والكبح بالنسبة له بمثابة معاني التكرار أو البراءة الطبيعية المعتادة، وهنا يشير بلوم إلى ضرورة وجوب التعامل مع النص من خلال علاقته بالنصوص السابقة. وتحدث جيفري هارتمان "عن الفرق بين الكتابة النقدية الإبداعية ومجرد الكتابة النقدية في مقاله المفسر للتحليل الذاتي"(16) ويذهب إلى ما ينتهي إليه دريدا إلى أن "النصوص مختلفة دائماً بسبب التقاليد التي تحكمها والتخلص من هذه العقدة لا يكون إلا بدخول الناقد في قلب لب المعاني"(17) كانت هذه آراء هارتمان من خلال كتابه المتميز "قدر القراءة" 1975، وإن كان له كتاب سابق نشره عام 1970 عنونه بـ"ما وراء الشكلية" وكتابه الأخير نشره سنة 1980 تحت عنوان "النقد في البرية".‏

أما هيللر "ناقد مدرسة جنيف جعل من اللعب باللغة طريقة في التعامل مع التفكيك"(18) وركز على تفكيك القص خصوصاً من خلال كتابه "القص والتكرار" عام 1972" الذي يضم سبع روايات بدأ بالبحث عن تشارلز ديكنز عام 1970 تحدث فيه عن نظرية جاكسون عن الاستعارة والكناية"(19). هذا هو المسار العام لشطحات النقاد التفكيكيين في الساحة النقدية الغربية صرحاً عظيماً، فكيف استقبل نقادنا العرب هذه الاستراتيجية؟.‏

2 ـ في كتابات النقاد العرب:‏

توجهت الحركة النقدية العربية في معظمها إلى استقبال المناهج الألسنية باختلافها فكان لهذه الأخيرة الصدى الواسع في نفوس المتتبعين للحركة الثقافية العربية على العموم. فتناولوها في كتاباتهم ولمعت أسماء عدّة في أوساطهم، ولعل رواج التفكيكية في التجربة النقدية العربية كان بسبب انتشار الترجمات العديدة لمؤلفات الرواد أمثال رولان بارث وجاك دريدا، وقد ساعد ذلك على انتشار التفكيك في الساحة النقدية العربية.‏

ويجمع معظم الدارسين أن "أول دراسة تفكيكية تعود إلى سنة 1985"(20)، وهي محاولة عبد الله محمد الغذامي في كتابه "الخطيئة والتكفير" إذ تناول في قسمه الأول المناهج النقدية الألسنية وشاعرية النص ومصطلح تداخل النصوص وما إلى ذلك من المفاهيم في حين خصص قسمه الثاني لمقاربة قصيدة حمزة شحاتة والموال الحجازي(21).‏

ويطالعنا عبد الله محمد الغذامي بكتاب ثان هو "تشريح النص" 1987 فقد جاء في أربعة فصول توزعت عليها المقاربة التشريحية التي قام بها الغذامي على بعض النصوص الشعرية لشعراء معاصرين، حيث خصص الفصل الأول لمطاردة الإشارات والرموز في نص شعري لأبي القاسم الشابي، إذ قام بقراءة سيميولوجية لقصيدة "إرادة الحياة"، وعنون الفصل الثاني "بالخطاب الشعري الجديد مقاربة تشريحية" أما الفصل الثالث فقد جعله سبب نصوصية النص، فكان هذا الفصل بعنوان "ماذا النقد الألسني"سؤال عن نصوصية النص، وكان الفصل الرابع من هذا الكتاب تحت عنوان "من الدخول إلى الخروج"، قراءة في قصيدة "الخروج" لصلاح عبد الصبور، وذلك لما فيها من الأساليب الفنية الراقية والأصيلة التي جعلتها حيّة وباقية لكل الأزمان(22).‏

وفي عام 1994 صدر للغذامي كتاب بعنوان "القصيدة والنص المضاد" أعرب فيه عن أسباب تبنيه للتفكيك أو التشريح، والقراءة التشريحية تساعدنا عل سد أغوار النص الأدبي، إنها آلية لتوضيح حقيقة الكتابة لإبراز جمالية مدى صحتها، كما تبيّن أصالتها والإبداع فيها، من الانتحال والتقليد، تخرج النصوص الوافدة إلى نص معيّن لتبرز بذلك ثقافة القارئ وسعة اطلاعه على الكتابات الأخرى وفي هذا السياق يقول الغذامي: "وبما أننا نمارس القراءة والنقد من الداخل فهذا معناه أننا نتعمّق في أغوار هذا الداخل ونغوص فيه أكثر كي نزداد وعياً به وبأنفسنا فيه، وسنكون حينئذ طرفاً في محاورة مفتوحة تقوم على المعارضة والمناقضة، وتتخذ الحل والنقض والتشريح وسائل لفتح حلقات الدائرة والنفاذ من خلالها"(23).‏

ولقد تخلل الكتاب مجموعة قيّمة من الأشعار الجاهلية والحداثية، وقف عليها الغذامي قراءة وتحليلاً مبيّناً طرائق خروجها عن دلالاتها المعجمية إلى آفاق أخرى من الدلالة حسب السياقات الواردة فيها، وحسب القراءات المختلفة لها وهذه من سمات القراءة التشريحية. كما تحدث أيضاً في غضون تحليلاته لهذه الأشعار عن بعض المعاني التي تبنتها استراتيجية التفكيك، مثل المختلف المضاد، الكامل الناقص، والحضور والغياب وهي في الحقيقة أسس لنظرية معتمدة في القراءة التشريحية والتي من خلالها يستطيع القارئ مطاردة المعاني والدلالات اللانهائية للنصوص المكتوبة، كونها تمثل صخور صماء كامنة على بنية تحتية من الدوال التي تحتمل ما لا نهاية من المدلولات والتأويلات. تلكم هي بعض الأعمال النقدية التي اعتنقت شيئاً من الملامح النظرية لاستراتيجية التفكيك في الساحة النقدية العربية.‏

وإذا كان عبد الله محمد الغذامي هو أول من اقتفى خطوات التشريح في الساحة النقدية العربية، فإنه قد أدرك خطورة النهج التشريحي الدريدي، وهذا ما نستشفه من قوله: "... كل تشريح هو محاولة استكشاف وجود (..) ما لا حصر له من الدلالات المنفتحة أبداً، وهذه تشريحة تختلف عن تشريحة دريدا"(24). ويعلق الباحث يوسف وغليسي على منهج الغذاي فيقول: "وما يمكن أن نلاحظه على منهج الغذامي هو أنه منهج تركيبي (بنيوي، سيميائي، تفكيكي) يفيد من تفكيكية دريدا حيناً وبارث أحياناً، ولكنه يطعمها بروح نقدية خاصة..."(25). وهذا ما يعترف به الغذامي نفسه إذ يقول: "وأنا شخصياً في كتابي "الخطيئة والتكفير" أعتمد على التشريحية وهي مدرسة جديدة جاءت وأعقبت البنيوية، لكنني في عملي أقوم بمزج ما بين البنيوية والسيمولوجية والتشريحية مستعيناً في ذلك بالمفهومات العربية الموجودة عند ابن جني والجرجاني والقرطاجنّي"(26).‏

ومهما يكن من أمر هذا المزج أو التركيب والتطعيم بروح نقدية خاصة، فإننا نأخذ على الغذامي هذا الخلط المنهجي، والتقوقع داخل الزمر المنهجية في تعددها، إذ نعتبر هذا التركيب بين مختلف الحقول المنهجية ـ في مقاربة نقدية واحدة ـ مظهراً من مظاهر قصور أحادية الحقل المنهجي الواحد، فلو كانت الأطر النظرية للمنهج الواحد كالتشريحية مثلاً تستند إلى تصور جمالي ومعرفي وقل إن شئت: إنساني ما كان هذا التقوقع والاضطراب والتداخل بين معالم هذه الموضات النقدية.‏

لذلك نجد عبد الله الغذامي كتب ما يشبه الاعتراف بقصور آليات النقد الجديد وفي مقدمة ذلك البنيوية، حيث يقول "في الواقع أني لست بنيوياً، أنا أستخدم البنيوية ولكني من حيث التصنيف العلمي أنا ناقد ألسني (...) الشيء الوحيد الذي أنا ملتزم به هو مبدأ النقد الألسني (...) أنا أستخدم البنيوية في أوقات معينة، واستخدامي لها هو استخدام انتقائي، أنا استخدم بعض أدواتها وأرفض أدوات أخرى منها، مثلما أني أستخدم بعض أدوات السيميولوجيا وبعض أدوات التشريحية، وبعض أدوات الأسلوبية"(27).‏

إن مسالة الوعي بخطورة أحادية المنهج في العمليات الإجرائية، لا يعدو أن يكون اعترافاً ضمنياً بإجهاض أدوات هذه الموضات النقدية بنيوية كانت أو سيميائية أو أسلوبية أو تفكيكية (تشريحية)، والانتقاد الذي يدّعيه عبد الله الغذامي لا يجدي نفعاً أمام إجهاض المدار "المفهوم الذي تشغله هذه الموضات" وما مسارعة الناقد وتصريحاته بالانتماء إلى مظلة النقد الألسني إلا دلائل عن قصور مدارات هذه الاتجاهات النقدية الاحترافية.‏

ويطلق عبد الملك مرتاض مصطلحاً آخر يراه رديفاً للتفكيك، هذا المصطلح هو التقويض "وهو يتناسب مع الاستعارة التي يستخدمها دريدا في وصفه للفكر الماورائي الغربي إذ يصفه باستمرار بأنه (صرح) أو معمار يجب تقويضه"(28)، إلا أنه لم يتخذ مصطلحه هذا عنواناً واكتفى بتقليد جل الدراسات العربية في جمعه بين الدراسات التفكيكية والسيميائية مثلما هي الحال في كتابه "دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة أين ليلاي" لمحمد العيد آل خليفة و"تحليل الخطاب السردي معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية زقاق المدق "دراسة سيميائية تفكيكية لحكاية حمال بغداد"، الصادر عام 1989 الوارد في قصص ألف ليلة وليلة.‏

وقد ركز دراسته الأولى على الخطاب الشعري مقسماً كتابه إلى: ستة فصول درس في الفصل الأول بنية القصيدة لدى محمد العيد آل خليفة وفي الفصل الثاني تعرض إلى طبيعة البنية أما فصله الثالث سماه في "مخاض النص" في حين تناول في الفصل الرابع الحيّز الشعري وفي الفصل الخامس: الرمز الشعري وأخيراً التركيب الإيقاعي"(29). هذا وقد ألف عبد الملك مرتاض كتاباً بعنوان "بنية الخطاب الشعري دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمانية" 1986 استهلّ هذا الكتاب: "بتمهيد حول نظرية الشعر عند الجاحظ ثم تطرق في فصله الثاني لدراسة الصورة الشعرية وعالج في الفصل الثالث الحيّز الأدبي وفي الرابع الزمن، أما فصله الخامس فكان مخصصاً لدراسة الصوت والإيقاع في قصيدة المقالح، مقفياً هذا الكتاب بدراسة المعجم الفني للقصيدة"(30).‏

وقد زاوج عبد الملك مرتاض بين السيميائية والتفكيك، في مقاربته لنص "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، حيث تساءل في هذه الدراسة عن "التحليل الروائي (...) بأي منهج"(31)، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على حيرة الناقد من هذه الفوضى النقد منهجية في حلها وترحالها، وتسابقها بهدف الوصول إلى السواحل الجمالية لعالم النص الأدبي، عالم معقد ومتشابك، متغيّر ومتشعب اجتمعت فيه مؤثرات نفسية واجتماعية وفكرية ولغوية، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل هناك منهج واحد قادر على استيعاب عالم النص؟ أم أنه يجب أن تتضافر وتتحد عدّة مناهج حتى يتمكن الدارس من الدخول إلى هذا العالم السحري وكشف طلاسمه؟.‏

ولعلّ هذه التساؤلات الحائرة هي التي جعلت عبد الملك مرتاض يسارع إلى تخطي مثل هذه الإشكالات محاولاً استحداث منهج مركب يمكّنه من مقاربة مثل هذه النصوص، وقد تمحورت معالجته الإجرائية لرواية "زقاق المدق" في قسمين بارزين، تناول في القسم الأول، البنى السردية في زقاق المدق على ثلاثة فصول، درس في الفصل الأول البنية الطبقية القهرية، وفي الفصل الثاني درس البنية المعتقداتية فيما تعرض إلى البنية الشبقية في الفصل الثالث، هذا وقد خصص القسم الثاني للتقنيات السردية التي تمّت بها الرواية، وتفرعت على هذا القسم أربعة فصول، درس في الفصل الأول بناء الشخصيات الروائية ووظائفها في الرواية، ودرس في الفصل الثاني تقنيات السرد في زقاق المدق، وخصص الفصل الثالث لدراسة الزمان في الرواية، وقد تعرض في الفصل الرابع إلى خصائص الخطاب السردي لهذا النص الروائي(32).‏

وتوالت الدراسات التطبيقية فيما بعد لدى نقاد آخرين أمثال بسام قطوس في حين خصّ الكثير من النقاد كتاباتهم للناحية النظرية، فكان عملهم مجرّد تعريف للتفكيكية لأنه كان ينقصهم الجانب الإجرائي الذي يدعم الأعمال النقدية ومن هؤلاء: عبد العزيز حمودة الذي تحامل في كتابه "المرايا المحدّبة من البنيوية إلى التفكيك، والمرايا المقعّرة نحو نظرية نقدية عربية" على كل النقاد العرب الذي أسهموا في المناهج النصانية حسب رأيه ـ أنهم استعاروا هذه المناهج من النقد الغربي الذي يختلف في كل شيء عن الحياة العربية بل ويعاكسها ـ وحاولوا تطبيقها كما هي على النصوص العربية الناشئة في بيئة عربية، فأدى بهم ذلك إلى الفشل الذريع ـ حسب رأيه ـ وقد أعطى نوعاً من البديل في كتابه الثاني "المرايا المقعرة"، بالرجوع إلى- تنظيرات العرب القدامى وآرائهم اللغوية والأدبية.‏

أيضاً نجد عبد الله إبراهيم وآخرين كتبوا كتاباً بعنوان "في معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة" حيث حاول هؤلاء تقديم المناهج وما جاءت به في شكل مبسط، وقد أماطوا اللثام في واحد من مباحثهم عن التفكيك، هذا ناهيك عن الكتابات الأخرى التي اختفت تحت مظلة ما بعد الحداثة، كلها تدخل في باب التفكيك. وما التظافر بين السيمياء والتفكيك سوى مبرر من مبررات أزمة جدل هذين الاتجاهين في عجزهما عن مقاربة البقاع الجمالية لعالم النص المعاصر والحداثي على حد سواء. والواقع أن هذه الدراسات التفكيكية لا تزال في مهدها الأول، لأنها اكتفت برصد تلك الملامح النظرية في أطرها الغربية، ولم تنفذ إلى الجانب الجمالي للنص الأدبي.‏

هوامش الدراسة:‏

1 ـ رامان سيلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة سعيد الغانمي، دار فارس للنشر والتوزيع، المغرب، ط1، 1996، ص141.‏

2 ـ ينظر: جون ستروك، البنيوية وما بعدها، من ليفي شتراوس إلى دريدا، ترجمة محمد عصفور، المجلس الوطني للفنون والآداب، الكويت، ط1، 1996، ص103.‏

3 ـ المرجع نفسه، ص100.‏

4 ـ المرجع نفسه، ص236.‏

5 ـ المرجع نفسه، ص211.‏

6 ـ المرجع نفسه، (فهرس الكتاب).‏

7 ـ المرجع نفسه، ص213.‏

8 ـ المرجع نفسه، ص214.‏

9 ـ رامان سيلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ص142.‏

10 ـ كريستوفر نورس: التفكيكية بين النظرية والتطبيق، ترجمة رعد عبد الجليل جواد، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 1992، ص29.‏

11 ـ رامان سيلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ص142.‏

12 ـ المرجع نفسه، ص144.‏

13 ـ كريستوفر نورس: التفكيكية بين النظرية والتطبيق، ص120.‏

14 ـ المرجع نفسه، ص121.‏

15 ـ رامان سيلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ص146.‏

16 ـ كريستوفر نورس: التفكيكية بين النظرية والتطبيق، ص98.‏

17 ـ المرجع نفسه، ص99.‏

18 ـ ينظر: رامان سيلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ص148.‏

19 ـ كريستوفر نورس: التفكيكية بين النظرية والتطبيق، ص110.‏

20 ـ ينظر: يوسف وغليسي: التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، مجلة القوافل السعودية، مج5، ع7، 1997، ص62.‏

21 ـ ينظر: عبد الله محمد الغذامي: الخطيئة والتكفير من البنتوية إلى التشريحية، قراءة للأنموذج إنساني معاصر، مقدمة نظرية ودراسة تطبيقية، النادي الأدبي الثقافي بجدة، السعودية، ط1، 1985، فهرس الكتاب.‏

22 ـ عبد الله محمد الغذامي: تشريح النص: مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1، 1987، فهرس الكتاب.‏

23 ـ عبد الله محمد الغذامي: القصيدة والنص المضاد، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1994، ص81.‏

24 ـ عبد الله محمد الغذامي: الخطيئة والتكفير، ص86.‏

25 ـ يوسف وغليسي: إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة عبد الملك مرتاض النقدية (رسالة ماجستير)، معهد اللغة والأدب العربي، جامعة منتوري، قسنطينة، 1996، ص49.‏

26 ـ من حوار مع عبد الله محمد الغذامي، أجراه جهاد فاضل ضمن كتاب: أسئلة النقد، حوارات مع النقاد، الدار العربية للكتاب، ط1، 1994، ص208.‏

27 ـ عبد الله محمد الغذامي: تشريح النص، ص72.‏

28 ـ ينظر: يوسف وغليسي: التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر، مجلة القوافل، ص62.‏

29 ـ ينظر: عبد الملك مرتاض: دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة أين ليلاي، لمحمد العيد آل خليفة، ديوان المطبوعات الجماعية، الجزائر، ط1، 1992، فهرس الكتاب.‏

30 ـ ينظر: عبد الملك مرتاض: مقدمة بنية الخطاب الشعري، دراسة تشريحية لقصيدة "أشجان يمانية" ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، 1991.‏

31- عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية "زقاق المدق"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط1، 1995، ص3.‏

32 ـ المرجع نفسه، (فهرس الكتاب).‏