المدخل

 

لعلم القراءات

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أهداف المقرر :  

-     تعريف الطلاب بالقراءات وأن اختلافها اختلاف تنوع , وشرح الحكمة من وراء تعدد القراءات , والتي تتمثل في التيسير على الأمة .

-     الرد على المستشرقين وأتباعهم الذين يتخذون القراءات وصحة نسبتها إلى رسول الله e مدخلاً للطعن في القرآن والاختلاف فيه .

-     توضيح القراءة الصحيحة التي استوفت الأركان فتقبل , والتي لم تستوفها فترد .

-     تعريف الطالب بتراجم القراء العشرة ورواتهم وطرقهم وأسانيدهم ومن نقلوا عنهم .

مفردات المقرر :

- تعريف القراءات و تأريخها .

- نشأة القراءات وتطورها .

- أركان القراءة الصحيحة .

- القراءات الشاذة .

- نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف .

- أوجه اختلاف القراءات .

- الحكم والفوائد في اختلاف القراءات .

- معالجة بعض الشبهات حول القراءات .

- تعريف الرسم وأقسامه وقواعده وفوائده .

- حكم الالتزام بالرسم العثماني .

- مفهوم كلمة (( الترتيل )) لغة واصطلاحاً .

- شرح الركن الأول : التجويد .

- شرح الركن الثاني : الوقف .

- التعريف بعلم الاحتجاج وتأريخه .

- صور الاحتجاج للقراءات .

- تراجم قراء القراءات المتواترة .

- تراجم قراء القراءات الشاذة .

- تراجم لبعض أعلام القراء .

 

تعريف القراءات

القراءات لغة : جمع قراءة , وهي مصدر قرأ قراءة وقرآنا , بمعنى : تلا تلاوة , وهي في الأصل بمعنى : الجمع والضم , تقول : قرأت الماء في الحوض , أي جمعته فيه , ومنه قولهم : ما قرأت هذه الناقة جنيناً قط , أي : لم يضم رحمها على الجنين , وسمي القرآن قرآناً لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض .

واصطلاحاً : علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة .

أو : علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية , وطريق أدائها اتفاقاً واختلافاً مع عزو كل وجه لناقله .

وما دام أن القراءة سنة متبعة - كما أثر ذلك عن أكثر من صحابي - فيعني ذلك أن القراءات هي ما نقل من ألفاظ القرآن الكريم من الرسول صلى الله عليه وسلم تلاوة أو تقريراً .

موضوع علم القراءات 

دراسة ما نقل من الخلاف الأصولي والفرشي من أئمة القراءات بأسانيد متصلة ومتواترة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الكلمات القرآنية , من حيث أحوال النطق بها وكيفية أدائها .

 

توضيح بعض المصطلحات القرائية :

من الكلمات التي يكثر دورانها في كتب القراءات , كلمة : القراءة , الرواية , الطريق , الوجه , الأصول , الفرش , وهي كلمات اصطلاحية في علم القراءات , وفيما يلي نعرف كل واحدة منها ليتضح مدلولها ويتبين الفرق بينها :

1- القراءة : كل خلاف نسب إلى إمام من أئمة القراءات مما أجمع عليه الرواة عنه, نحو قوله تعالى {ملك يوم الدين} فكلمة {ملك} تقرأ بحذف الألف , وهي قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة , وتقرأ بإثبات الألف {مالك} وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر , ورواة هؤلاء الأئمة المذكورين لم يختلفوا مع بعضهم في نقل قراءة هذه الكلمة , فمن ثم نسبت القراءة إلى شيخ كل واحد منهم , وعبر عن الخلاف المذكور بـ (قراءة) فقيل : قراءة نافع , وقراءة عاصم ... وهكذا .

2- الرواية : كل خلاف نسب إلى الآخذ عن إمام من أئمة القراءة ولو بواسطة , نحو : رواية الدوري عن أبي عمرو , بواسطة يحيى اليزيدي , لأن الدوري تلميذ يحيى ولم يأخذ القراءة عن أبي عمرو مباشرة , ويحيى تلميذ أبي عمرو , ولكن الدوري اشتهر برواية أبي عمرو .

ونحو : رواية قالون وورش عن نافع , ورواية شعبة وحفص عن عاصم (بدون واسطة) لأن كل واحد منهم تتلمذ على شيخه وأخذ القراءة عنه مباشرة .

فالخلاف إذا نسب إلى الآخذ عن إمام - ولو بواسطة - يقال له : رواية , نحو كلمة {الصراط} حيثما وردت , فهي تقرأ بالسين الخالصة في رواية قنبل عن ابن كثير , وبالإشمام في رواية خلف عن حمزة , وكذا الموضع الأول من الفاتحة في رواية خلاد عن حمزة , وبالصاد الخالصة للباقين حيثما وردت .

3- الطريق : كل خلاف نسب إلى الآخذ عن الراوي وإن سفل , نحو : طريق الأصبهاني لرواية ورش , وطريق عبيد بن الصباح لرواية حفص، فمثلاً : الخلاف الواقع في إثبات البسملة بين سورتين أو حذفها وصلاً , من القراء من يثبتها , ومنهم من لا يثبتها , ومن الذين أثبتوها : نافع وابن كثير , ولما أن راويي ابن كثير لم يختلفا في إثباتها بين سورتين عن إمامهما فلذلك يقال : قراءة ابن كثير , أما نافع : فقد اختلف راوياه في إثباتها عنه , ولكن الراوي الأول وهو : قالون , لم يتردد في إثباتها عنه أشهر من نقل روايته عنه , ولذلك يقال : رواية قالون , أما الراوي الثاني : وهو ورش , فاختلف في إثباتها عنه , وقد أثبتها الأصبهاني عنه , ولذلك يقال : طريق الأصبهاني عن ورش .

فإثبات البسملة بين سورتين - وصلاً - قراءة ابن كثير , ورواية قالون عن نافع , وطريق الأصبهاني عن ورش .

والخلاف الواقع في كلمة ما من حيث القراءة أو الراوية أو الطريق , يسمى بالخلاف الواجب وهو عين القراءات والروايات والطرق , بمعنى أن القارئ ملزم بالإتيان بجميعها , فلو أخل بشيء منها كان ذلك نقصاً في روايته .

ولكل إمام راويان , سواء أخذا القراءة عن الإمام مباشرة أو بواسطة , ولكل راو طريقان , سواء أخذا القراءة عن الراوي بواسطة واحدة أو بواسطتين أو أكثر , فإن نسب الخلاف إلى الإمام : يقال : قراءة , وإن نسب إلى أحد رواييه , يقال: رواية , وإن نسب إلى تلميذ الراوي أو إلى من اشتهر بنقل روايته عنه , يقال : طريق  .

4- الوجه : هو ما يكون من قبيل الخلاف الجائز والمباح , كأوجه قراءة البسملة بين السورتين بالوصل أو الفصل , فمن قرأ بإثبات البسملة بين السورتين , فله أن يقرأ بأحد الأوجه الآتية : وهي :

1-  وصل الجميع .

2-  قطع الجميع .

3-  قطع الأول، ووصل الثاني بالثالث , وهذه الأوجه الثلاثة جائزة .

4-  وصل الأول بالثاني , وقطع الثالث، وهو ممنوع .

والأوجه الاختيارية لا يقال لها : قراءات , ولا روايات , ولا طرق , بل يقال لها : أوجه دراية فقط , والقارئ مخير في الإتيان بأي وجه منها , وغير ملزم بالإتيان بجميعها , فلو أتى بوجه واحد منها أجزأه .

5- الأصول : جمع أصل , وهو لغة : ما ينبني عليه غيره .

واصطلاحاً : كل حكم كلي جار في كل ما تحقق فيه شرطه .

والمراد بها : الأحكام الكلية والخلافات المطردة التي تندرج تحتها الجزئيات المتماثلة , كصلة ميم الجمع أو إسكانها , والمد والقصر , والفتح والإمالة، ونحو ذلك .

والأصول الدائرة على اختلاف القراءات سبعة وثلاثون أصلاً .

 

6- الفرش : مصدر فرش , بمعنى : نشر وبسط .

واصطلاحاً : الخلاف غير المطرد في حروف القراءات المعزو إلى من قرأ به , كالخلاف في كلمة {ملك} من قوله تعالى {ملك يوم الدين} حيث تقرأ {ملك} بحذف الألف وتقرأ {مالك} بإثباتها , أو في قراءة كلمة {يخدعون} من قوله تعالى {وما يخدعون إلا أنفسهم} حيث تقرأ {يَخْدَعُون} بفتح الياء وإسكان الخاء وفتح الدال على وزن : يَفْعَلُون , وتقرأ {يُخَادِعون} بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال على وزن : يُجَادِلون .

وسمي فرشاً : لانتشار تلك الحروف والكلمات المختلف فيها في سور القرآن الكريم , فكأنها انفرشت في السور أي انتشرت .

وقد يقال لها : الفروع مقابل الأصول .

فالكلمات الفرشية هي الجزئيات التي يقع الخلاف في قراءتها , ولا يقاس عليها , كالخلاف في {مالك يوم الدين} فتقرأ {مالك} و{ملك} ولكن لا يقاس عليها ما جاء من لفظ {مالك} في غير سورة الفاتحة، كقوله تعالى {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ..} فلا خلاف فيه، وكقوله {ملك الناس} فلا خلاف فيه أيضاً .

وكالخلاف في {وما يخدعون} في سورة البقرة , فتقرأ {يخدعون} و{يخادعون} ولا يقاس عليها قوله تعالى {إن المنافقين يخدعون الله} في سورة النساء، لأن الخلاف وقع خاص بموضع البقرة فقط , مع أن رسمهما واحد .

 

علاقة القراءات بالقرآن الكريم : اختلف العلماء في ذلك على قولين :

القول الأول : أنهما حقيقتان متغايرتان , ودليلهم : أن القرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات : اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما .

ولا بد فيها من التلقي والمشافهة , لأن فيها أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة .

وممن قال بهذا القول : الزركشي (ت794هـ) في كتابه (( البرهان في علوم القرآن )) والقسطلاني (ت923هـ) في كتابه (( لطائف الإشارات لفنون القراءات )) والبنا الدمياطي (ت1117هـ) في كتابه (( إتحاف فضلاء البشر )) .

القول الثاني : أنهما حقيقتان بمعنى واحد , لأن القرآن : مصدر مرادف للقراءة , والقراءات : جمع قراءة , إذاً فهما حقيقتان بمعنى واحد , كما أن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تدل دلالة واضحة على أنه لا فرق بينهما , إذ كل منهما وحي منزل .

لكن الإمام الزركشي يقول : (( ولست في هذا أنكر تداخل القرآن بالقراءات , إذ لا بد أن يكون الارتباط بينهما وثيقا , غير أن الاختلاف على الرغم من هذا يظل موجودا بينهما , بمعنى أن كلا منهما شيء يختلف عن الآخر لا يقوى التداخل بينهما على أن يجعلهما شيئا واحدا , فما القرآن إلا : التركيب واللفظ .

وما القراءات إلا : اللفظ ونطقه , والفرق بين هذا وذاك واضح بين )) .

وبالنظر لأنواع القراءات يكون في المسألة تفصيل تبعاً لاختلاف القراءات :

فالقراءات قسمان :

القسم الأول : المقبولة : وهي التي تتوفر فيها ثلاثة شروط، وهي :

1- أن تكون متواترة .

2- أن توافق اللغة العربية ولو بوجه .

3- أن توافق رسم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .

وهذا القسم هو الذي قال فيه العلماء :

1- يجب على كل مسلم أن يعتقد قرآنيته .

2- يُقرأ به تعبداً في الصلوات وخارجها .

3- يكفر جاحد حرف منه .

وهذا ما يقال في القرآن كذلك , وهل يقرأ القرآن إلا برواية من روايات القراءات المتواترة ؟.

وعلى هذا فالقرآن : هو عين القراءات المتواترة وبالعكس , فهما حقيقتان بمعنى واحد , كما يقول أصحاب القول الأول .

القسم الثاني : المردودة : وهي التي اختل فيها شرط من شروط القبول الثلاثة , ويطلق عليها : الشاذة .

وقد قال العلماء فيها :

1-   لا يجوز اعتقاد قرآنيتها .

2-                  لا تجوز القراءة بها تعبداً .

3-                  يجب تعزير من أصر على قراءتها تعبداً وإقراءً .

وعلى هذا , فالقراءات : هي غير القرآن , وبينهما تغاير كلي , فهما حقيقتان متغايرتان , لأن الشاذة حتى لو ثبتت قراءة حرف منها بسند صحيح لا يعتقد قرآنيتها , بل تعتبر من الأخبار الآحاد , والخبر الواحد من أقسام الحديث , والحديث غير القرآن , وهذا موافق لقول أصحاب القول الثاني .

 

- علاقة القراءات العشر بالأحرف السبعة :

هل القراءات العشر المتواترة حرف من الأحرف السبعة أم لا ؟.

للعلماء في ذلك قولان :

الأول : أن القراءات العشر تعتبر حرفاً واحداً من الأحرف السبعة المنزلة .

وإليه ذهب : ابن جرير الطبري (ت310هـ) ومن تبعه .

ودليلهم : أن عثمان رضي الله عنه حمل الأمة على مصاحفه , وقد كتبت على حرف قريش, وأمر بإحراق بقية المصاحف فتركت القراءة ببقية الأحرف , لعدم وجوب القراءة بجميعها , حيث إنها نزلت تخييراً وتيسيراً .

الثاني : أن القراءات العشر تعتبر بعض الأحرف السبعة .

وإليه ذهب جمهور القراء .

ودليلهم : أن الأحرف السبعة تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : ما لا تجوز القراءة به , كالقراءات الشاذة , ومن أمثلتها : زيادة كلمة نحو : {فصيام ثلاثة أيام -متتابعات-} بزيادة (متتابعات) أو عدة كلمات نحو : {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم -في مواسم الحج- } بزيادة (في مواسم الحج) .

أو تقديم كلمة على أخرى , نحو : {إذا جاء فتح الله والنصر} .

أو إبدال كلمة بأخرى , نحو : {وتكون الجبال -كالصوف- المنفوش} .

وهذا القسم وما أشبهه متروك لا تجوز القراءة به إجماعاً , لعدم تواتره , وعدم موافقته لرسم المصاحف العثمانية .

القسم الثاني : ما يقرأ به القرآن الكريم مما تتوفر فيه الشروط الثلاثة لقبوله , وهو ما اختلف فيه القراء من الكلمات الفرشية أو الخلافات الأصولية من : إظهار وإدغام , وروم وإشمام , وقصر ومد , وفتح وإمالة , ونحو ذلك من الاختلافات المتقاربة .

وهذا القسم هو المقروء به في زماننا هذا , وهو الموافق للمصاحف العثمانية .

فالقراءات التي نقرؤها اليوم هي بعض الأحرف السبعة , وهو الذي وافق خط المصاحف , وأما ما خالفه ترك لقوله تعالى {فاقرءوا ما تيسر منه} .

 

مكانة علم القراءات :

علم القراءات من أجل العلوم قدراً , وأعلاها منزلة , لتعلقه بأشرف الكتب السماوية على العموم , وأفضلها على الإطلاق , وهو القرآن الكريم والكتاب المبين الذي أنزله الله عز وجل هداية للخلق , وتشريعاً واضحاً ومنهجاً متكاملاً للحياة البشرية جمعاء , وقد فضله الله عز وجل على غيره من الكتب , وجعله مهيمناً عليها .

قال تعالى {وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليه ...} .

وقد جعل الله عز وجل قراءته و تلاوته عبادة مفضلة , وأمراً مرغوباً فيه , فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أفضل العبادة قراءة القرآن )) كما روى أبو نعيم في فضائل القرآن .

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن )) رواه البيهقي في شعب الإيمان , وأبو نعيم في فضائل القرآن والسيوطي في الجامع الصغير وغيره .

وكانت تلاوة القرآن أحب إلى سفيان الثوري من الغزو في سبيل الله لقومه صلى الله عليه وسلم : (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) رواه البخاري .

وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال : (( رأيت رب العزة في النوم , فقلت : يا رب , ما أفضل ما يتقرب المتقربون به إليك ؟ فقال : بكلامي يا أحمد , فقلت : يا رب بفهم أو بغير فهم ؟ فقال : بفهم وبغير فهم )) .

ولشرف القرآن الكريم أصبح حملته أشراف هذه الأمة , وقراؤه ومقرئوه أفضل هذه الملة .

(1)   ومن ثم حرص السلف من الصحابة والتابعين على قراءة القرآن الكريم وإقرائه , وكانوا لا يعدلون بإقرائه شيئا , وقد روي أنه قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إنك تُقِلُّ الصوم , قال : إني إذا صمت ضعفت عن القرآن , و تلاوة القرآن أحب إلي .

وكان أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل يقول – لما يروي حديث (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) - : هذا الذي أقعدني مقعدي هذا , يشير إلى كونه جالساً في المسجد الجامع بالكوفة يعلم القرآن ويقرئه مع جلالة قدره وعلو كعبه في العلم وحاجة الناس إلى علمه , وبقي يقرئ الناس بجامع الكوفة أكثر من  أربعين سنة .

وقد خص الله تعالى هذه الأمة في كتابهم هذا المنزل على نبيهم صلى الله عليه وسلم بما لم يكن لأمة من الأمم في كتبها المنزلة , فإنه تعالى تكفل بحفظه دون سائر الكتب , ولم يكل حفظه إلينا , قال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .

يقول الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى :

(( وذلك إعظام لأعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم , لأن الله تعالى تحدى بسورة منه أفصح العرب لساناً وأعظمهم عناداً وعتواً وإنكاراً فلم يقدروا على أن يأتوا بآية مثله .

ويصف القرآن الكريم فيقول : بل هو البحر العظيم الذي لا قرار له ينتهى إليه , ولا غاية لآخره يوقف عليه . اهـ .

فعلم القراءات أشرف العلوم منزلة , وأرفعها مكانة , وهو مصدر جميع علوم العربية عموماً , وعلوم الشريعة خصوصاً , يحتاج إليه المقرئ , والمفسر , والحديث , والفقيه , واللغوي على حد سواء .

وبهذا العلم المبارك تتعلق علوم أخرى مباشرة كعلم : تراجم القراء , وعلم توجيه القراءات , وعلم رسم المصحف , وعلم الضبط , وعلم الفواصل , وعلم التجويد , وغيرها من العلوم , ومن هنا تأتي أهميته وتنكشف جلياً مكانته .

يقول الإمام شهاب الدين القسطلاني (ت 923هـ):

(( ... وبعد : فإن القرآن ينبوع العلوم ومنشؤها , ومعدن المعارف ومبدؤها , ومبنى قواعد الشرع وأساسه , وأصل كل علم ورأسه , والاستشراف على معانيه لا يتحقق إلا بفهم رصفه ومبانيه , ولا يطمع في حقائقها التي لا منتهى لغرائبها ودقائقها إلا بعد العلم بوجوه قراءاته , واختلاف رواياته , ومن ثم صار علم القراءات من أجل العلوم النافعات ,  وإذا كان كل علم يشرف بشرف متعلقة , فلا جرم خص أهله , الذين هم أهل الله وخاصته بأنهم المصطفون من بريته , والمجتبون من خليقته , وناهيك بهذا الشرف الباذخ , والمجد الراسخ , مع ما لهم من الفضائل اللاحقة , والمنازل السابقة , فمناقبهم أبدا تتلى , ومحاسنهم على طول الأمد تجلى ... )) .

ومكانة علم القراءات تتجلى من خلال قراءتنا لخصائص هذا العلم وفوائده .

فبالقراءات ترجح بعض الأوجه التفسيرية , وبعض الأحكام الفقهية , ومنها تتجلى وجوه إعجاز القرآن الكريم , ويبرز سمو بلاغته , واشتمال القرآن الكريم على القراءات المتعددة ميزة لا نظر لها في الكتب السماوية السابقة .

 

نشأة القراءات وتطورها

إن الأحاديث الصحيحة الكثيرة تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم نزل على الأحرف السبعة , وتلك الأحرف تتمثل في القراءات القرآنية التي نقلت إلينا نقلاً صحيحاً متواتراً .

فكما أن القرآن الكريم وحي منزل من الله عز وجل , فالقراءات كذلك وحي منزل منه تبارك وتعالى .

ولكن أين ومتى كان نزولها ؟ هل كان بمكة قبل الهجرة ؟ أم كان بالمدينة بعد الهجرة ؟

للعلماء في ذلك قولان :

القول الأول : أن القراءات نزلت بمكة قبل الهجرة النبوية .

ويستدلون على ذلك بأن الأحاديث الواردة في نشأة القراءات تفيد ذلك .

منها قوله صلى الله عليه وسلم : (( أقرأني جبريل على حرف فراجعته , فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف )) متفق عليه .

كما أن سور القرآن الكريم تنقسم إلى : مكية ومدنية , ومعظمها مكية , وفيها من القراءات ما في السور المدنية , ولا دليل على نزولها بالمدينة مرة ثانية , فهذا يدل على أنها نزلت بمكة .

كما يدل على ذلك حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم لأنهما اختلفا في قراءة سور الفرقان وهي مكية .

القول الثاني : أنها نزلت بالمدينة بعد الهجرة النبوية :

لأنها نزلت للتيسير على الأمة , ولم تكن الحاجة إليها إلا بعد الهجرة لدخول القبائل العربية في الإسلام , وكانت لهجاتها مختلفة , كما أن ظهور اختلاف الصحابة في القراءات لأول مرة كان بالمدينة ولم يكن في مكة , يدل على ذلك حديث اختلاف أبيِّ بن كعب مع أحد الصحابة , وحديث اختلاف عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم .

كما أن ذكر (( أضاة بني غفار )) - وهو ماء بالقرب من المدينة - في حديث أبي بن كعب المتعلق بنزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة يدل على نزول القراءات بالمدينة , وذهب إليه كثير من الأعلام , أمثال : ابن عبد البر , وأبي شامة المقدسي , وغيرهما .

وجمع بعضهم بين القولين بأن بداية نزول القراءات كان مع بداية نزول القرآن الكريم بمكة , حيث توجد القراءات في السور المكية , ولا دليل على نزولها مرة ثانية بعد الهجرة , ولكن الحاجة لم تدع إلى استخدامها لوحدة اللغة واللهجة بمكة وما جاورها , خلافا لما حدث بعد الهجرة حيث دخلت في الإسلام قبائل مختلفة اللهجات واللغات , فكان ورود حديث أبيِّ بن كعب إشعاراً للإذن فقط .

هكذا نشأت القراءات , وسواء كان نزولها ونشأتها بمكة أم بالمدينة إلا أنها مرت بمراحل عديدة , يتداخل بعضها في بعض , حتى استقرت علماً من العلوم القرآنية , ومجالاً من مجالات الدراسات النحوية واللغوية بشكل عام .

تتمثل تلك الأدوار والمراحل التاريخية في نشوئها تعليماً للتلاوة ثم للحفظ كله أو بعضه عن ظهر قلب , ثم إلى رواية تسند القراءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إلى مجال تخصص تجود له أساتذة وتلامذة ومنه إلى علم ذي قواعد وأصول ومؤلفات وأبحاث .

 

المراحل التي مرت بها القراءات :

1- مرحلة تعلم الرسول صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام :

نشأت القراءة بتعليم جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى {علمه شديد القرى} .

وفي حديث عائشة رضي الله عنهما في بداية نزول الوحي : (( فقال : اقرأ , فقلت : ما أنا بقارئ , فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ... )) الحديث، رواه البخاري .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما : (( أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف )) متفق عليه .

هكذا علمه جبريل القرآن الكريم بأحرفه المختلفة وقراءاته المتعددة .

2- مرحلة تعلم الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم :

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتعليمه وإقرائه للمسلمين {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} {وقرآناً فرقنه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنه تنزيلا} فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرئ صحابته بما أقرأه جبريل عليه السلام .

وقد ورد عن عثمان وابن مسعود وأبيٍّ رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر الآيات , فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل , فيعلمهم القرآن والعلم والعمل جميعاً , فربما أقرأ صحابياً بحرف وأقرأ صحابياً آخر بحرف آخر , فكان كل واحد منهم يقرأ كما تعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم .

3- مرحلة تعليم الصحابة بعضهم لبعض :

أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يقرئ بعضهم بعضاً , ومن الأمثلة لذلك قصة إسلام عمر رضي الله عنه , فكان الخباب بن الأرت يتردد على فاطمة بنت الخطاب وزوجها يعلمهما القرآن .

بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل بعثات تعليمية إلى خارج مكة , فقد ورد في صحيح البخاري أن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم هما أول من نزل بالمدينة فجعلا يقرئان الناس القرآن الكريم , ثم جاء عمار وبلال .

ولما فتحت مكة ترك الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل فيها للتعليم .

وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن .

وهكذا تكونت جماعة من الصحابة عرفت (( بالقراء )) وشهرتهم بهذا اللقب تعطينا صورة جلية عن مدى انتشار القراءة في هذه المرحلة , وقد قتل في غزوة بئر معونة سبعون رجلاً من شبان الأنصار يسمون بالقراء , وكانت غزوة بئر معونة على رأس 36 أو 38 شهراً من الهجرة .

وقد تصدى كثير من الصحابة لحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أشهرهم :

الخلفاء الأربعة , وأبي بن كعب , وابن مسعود , وأبو الدرداء , وزيد بن ثابت , وأبو موسى الأشعري , وغيرهم رضي الله عنهم .

وهؤلاء هم الذين دارت عليهم أسانيد قراءات الأئمة العشرة .

وكانت قراءة الصحابة تختلف , فمنهم من أخذ بحرف , ومنهم من أخذ بحرفين أو أكثر , ومن هنا بدأت وجوه القراءة المختلفة تأخذ طريقها في الرواية ومسارها في النقل , وكان شيوع ظاهرة اختلاف القراءات منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة , كما يدل على ذلك اختلاف عمر وهشام بن حكيم , واختلاف أبيِّ بن كعب مع بعض الصحابة , كذلك ابن مسعود مع غيره من الصحابة .

4- مرحلة تعلم التابعين من الصحابة :

انتشر الصحابة في الأمصار , وتفرقوا فيها , وبدءوا يقرئون الناس القرآن حسبما تلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم , ومن ثم اختلف النقل في التابعين وفي تلاميذهم , فكثرت القراءات وظهر الشذوذ فيها , وكثر النزاع بين المسلمين فيها , حتى بلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فأمر بجمع المصاحف وكتابتها برسم يحتمل أكثر وأغلب الأوجه الصحيحة المتواترة , وأرسلها إلى المدن المشهورة مع إرسال مقرئ مع كل مصحف توافق قراءته أهل ذلك المصر في الأغلب والأكثر , وحمل الناس على تلك المصاحف وأمر بإلغاء بقية الأوجه التي لا يحتملها رسم مصحف ذلك القطر .

وقد أقبل الناس على تلك المصاحف وتلقوها من مقرئيها , فكان في كل مصر قراء من التابعين , ومن أشهرهم :

في المدينة : سعيد بن المسيب , وعروة بن الزبير , وعمر بن عبد العزيز , وعطاء بن يسار , وعبد الرحمن الأعرج , وابن شهاب الزهري , وزيد بن أسلم , وغيرهم .

وفي مكة : مجاهد بن جبر , وطاووس بن كيسان , وعطاء بن أبي رباح , وعكرمة مولى ابن عباس , وغيرهم .

وفي الكوفة : علقمة بن قيس , ومسروق بن الأجدع , وأبو عبد الرحمن السلمي , وزر بن حبيش , وإبراهيم النخعي , وغيرهم .

وفي البصرة : الحسن البصري , ومحمد بن سيرين , وقتادة بن دعامة السدوسي , ونصر بن عاصم , ويحيى بن يعمر , وغيرهم .

وفي الشام : المغيرة بن أبي شهاب المخزومي , وخليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء, وغيرهم.

وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الأول , والنصف الأول من القرن الثاني .

5- مرحلة التخصص في القراءات :

بعد ما كثر أهل البدع والأهواء وبدؤوا يقرؤون بقراءات لا أصل لها - كما نقل عن بعض المعتزلة و الروافض - فتجرد قوم للقراءة والأخذ , واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية حتى صاروا أئمة يقتدى بهم في ذلك ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم , وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم بالقبول , ولم يختلف عليهم فيها اثنان , ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم .

قال ابن الجزري : ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به وملازمة له وميلاً إليه لا غير ذلك , وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها : أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به فآثره على غيره وداوم عليه ولزمه , حتى اشتهر، وعُرف به , وقُصد فيه , وأُخذ عنه , فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء , وهذه الإضافة : إضافة اختيار ودوام ولزوم , لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد .

فكان بالمدينة : أبو جعفر يزيد بن القعقاع , وشيبة بن نصاح , ونافع بن أبي نعيم , وغيرهم.

وبمكة : عبدالله بن كثير , وحميد بن قيس الأعرج , ومحمد بن محيصن , وغيرهم .

وبالكوفة : يحيى بن وثاب , وعاصم بن أبي النجود , وسليمان بن مهران الأعمش , وحمزة ابن حبيب الزيات , وعلي بن حمزة الكسائي , وغيرهم .

وبالبصرة : عبد الله بن أبي إسحاق , وأبو عمرو بن العلاء , وعاصم الجحدري , ويعقوب الحضرمي , وغيرهم .

وبالشام : عبد الله بن عامر اليحصبي , وعطية بن قيس الكلابي , ويحيى بن الحارث الذماري , وغيرهم .

فاشتغال أمثال هؤلاء القراء بالقراءات والإقراء وفر المادة لوضع علم القراءات وتدوينه والتأليف فيه .

6- مرحلة التدوين في القراءات :

بدأ التأليف في علم القراءات منذ عصر مبكر , حيث كان القرآن الكريم وتلاوته شغلهم الشاغل عن كل شيء , حتى كان بعضهم يفضل تعلم القرآن وتعليمه على الجهاد في سبيل الله , إلا أن المؤرخين مختلفون في تعيين أول من ألف في القراءات .

فذهب الأكثر إلى أنه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) .

و ذكر الإمام ابن الجزري في غاية النهاية أنه الإمام أبو حاتم السجستاني (ت255هـ) .

ولعل الراجح : أن الإمام يحيى بن يعمر (ت90 أو 89هـ) هو أول من ألف في القراءات .

وعلى هذا فإن حركة التدوين في القراءات بدأت منذ أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجري , ولو بصورة غير دقيقة أو غير فنية حسب المفهوم المعاصر، ثم أخذت تتطور في القرن الثالث .

وبلغت ذروة ازدهارها في القرنين الرابع و الخامس ثم أخذت تنحسر ابتداء من القرن السادس حتى القرن الثامن , وفي القرن التاسع لا نجد سوى بضع مصنفات تكاد تعد على الأصابع , وبعد القرن التاسع قل التصنيف في هذه المادة العلمية , وكانت جهود العلماء تكاد تكون مقصورة على شرح منظومة الإمام الشاطبي (ت590هـ) ولعل السبب في ذلك يرجع إلى قلة المشتغلين بهذه المادة العلمية نظراً إلى عزوف الناس عن تلقيها لاستصعابهم إياها .

وممن ألف في القراءات من أئمتها المشهورين من القراء العشرة أو تلامذتهم ورواتهم :

1- أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ) .

2- حمزة بن حبيب الزيات (ت156هـ) .

3- علي بن حمزة الكسائي (ت189هـ) .

4- إسحاق بن يوسف الأزرق (ت195هـ) .

5- يحيى بن المبارك اليزيدي (ت202هـ) .

6- يحيى بن آدم (ت 203هـ) .

7- يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 205هـ) .

8- خلف بن هشام البزار (ت 229هـ) .

9- عبد الله بن أحمد الدمشقي , المعروف بابن ذكوان (ت242هـ) .

10-            أبو عمر حفص الدوري (ت246هـ) .

11-            أحمد بن محمد البزي المكي (ت250هـ) .

وقد تتابع التأليف في هذا العلم المبارك حتى وصل إلى عصر ابن مجاهد إلى أكثر من أربعين كتاباً .

7- ظهور فكرة تحديد القراءات :

ظهرت فكرة تحديد القراءات منذ القرن الثالث الهجري حيث ألف الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) كتاباً جمع فيه قراءات (25) قارئاً , منهم السبعة المعروفون , وألف الإمام أحمد بن جبير (ت258هـ) كتاباً في القراءات وسماه (( الخمسة )) وكتب أبو بكر الداجوني (ت324هـ) كتاباً سماه (( الثمانية )) جمع فيه قراءات السبعة ويعقوب الحضرمي , كما ألف كل من القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت282هـ) وابن جرير الطبري (ت310هـ) في القراءات المشهورة , منها قراءات السبعة .

ولما كثر القراء وكثرت الروايات عنهم , وأوشك أن يدخل الاضطراب في القراءات فكر الإمام ابن مجاهد (ت324هـ) أن يستخلص قراءات القراء المشهورين بها من أشهر الأمصار الإسلامية .

 

8- مرحلة تسبيع السبع :

أي الاقتصار على القراءات السبع المشهورة , والمروية عن الأئمة الثقات في مؤلف خاص , بعد تنقيحها والتثبت من تواترها وقبولها لدى الخواص والعوام .

وكان ذلك في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري باختيار إمام القراءات في عصره الإمام أبي بكر بن مجاهد البغدادي حيث جمع قراءات القراء السبعة في مؤلف وسماه ((السبعة)) .

ولم يكن ذلك بدعاً منه , فقد سُبق هو بفكرة تحديد القراءات , وسُبق بمن ألف في القراءات المشهورة ومن ضمنها قراءات هؤلاء السبعة الذين وقع عليهم اختيار ابن مجاهد , وقد أراد أن يستخلص القراءات المشهورة لئلا يتسرب الاضطراب إلى القراءات الصحيحة ويدخل الشك فيها.

والذي دعاه إلى ذلك هو : الحفاظ على منهج القراءات لئلا تخرج عن طريق النقل الموثوق به إلى النقل المشكوك فيه , أو عن طريق الرواية والنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طريق الاجتهادات الشخصية , ولذلك نراه يقسم القراء في كتابه (( السبعة )) إلى أربعة أقسام , وملخص كلامه :

1- من حملة القرآن : من هو عالم باللغات ومعاني الكلمات وبوجوه القراءات وعيوبها وبالإعراب والآثار , فهو الإمام الذي يُفزع إليه .

2- ومنهم من يعرب ولا يلحن , يقرأ بلغته ولهجته ولا يقدر على تحويل لسانه , فهو مطبوع على كلامه , كالأعراب .

3- ومنهم من ليس عنده إلا الأداء بعد السماع , لا يعرب الإعراب ولا اللغة , فهو الحافظ, وقد ينسى فيقرأ بلحن , وقد يكون مُصدقاً عند الناس فيحملون ذلك عنه .

4- ومنهم من يعرف الإعراب والمعاني واللغات ولا يعرف القراءات , فقد يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد قبل , فهو مبتدع .

وكان اختيار ابن مجاهد لهؤلاء السبعة وتأليفه (( السبعة )) في قراءاتهم قد اشتهر في عالم القراء أكثر من غيره , لأنه التزم جمع القراءات المتواترة فقط دون الشواذ حتى ولو رويت عن أحد السبعة كما اشتهر اختياره لشهرة ابن مجاهد نفسه حيث كان حجة في القراءات , ثقة ثبتاً , فاق في عصره سائر نظرائه في العلم والفهم والورع وصدق اللهجة , وكان أكثر القراء تلامذةً في عصره , وكان قد أفرد شواذ القراءات بمؤلف خاص .

والقراء الذين وقع اختيار ابن مجاهد على قراءاتهم , هم :

1- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم (ت 169هـ) من المدينة .

2- عبد الله بن كثير (ت 120هـ) من مكة .

3- أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ) من البصرة .

4- عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118هـ) من الشام .

5- عاصم بن أبي النجود (ت 127هـ) من الكوفة .

6- حمزة بن حبيب الزيات (ت 156هـ) من الكوفة .

7- علي بن حمزة الكسائي (ت 189هـ) من الكوفة .

وكلهم ممن اشتهرت إمامته , وطال عمره في الإقراء , وارتحل الناس إليه من البلدان .

وقيل إن سبب اجتماع الناس على قراءتهم :

1- أنهم تجردوا للقراءة والإقراء واشتدت عنايتهم بذلك مع تبحرهم العلمي .

2- أن قراءاتهم وجدت مسندة لفظاً وسماعاً حرفاً حرفاً من أول القرآن إلى آخره .

وكان اختيار ابن مجاهد مبنياً على القاعدة المعروفة في قبول القراءات بأن تكون القراءة : صحيحة السند، وموافقة للغة العربية ولرسم المصاحف العثمانية .

* تقييم عمل ابن مجاهد :

أخذت القراءات تتكاثر وتزداد، حتى وصل بها بعضهم إلى خمسين قراءة، وأوشك ذلك أن يكون باباً لدخول شيء من الاضطراب والتحريف على ألسنة القراء، وكان منهم المتقن - كما يقول ابن مجاهد - وغير المتقن، وزادت الطامة بما كان بعض القراء - مثل ابن شنبوذ - يرويه عن مصحفي أبي بن كعب وابن مسعود رضي الله عنهما، وبما كان آخرون - مثل ابن مقسم العطار - يستنبطونه بعقولهم من احتمالات القراء لخط المصحف العثماني، مما جعل الحاجة تشتد إلى شيخ من شيوخ القراء النابهين يضع الأصول والأركان لقبول القراءات من جهة، وليختار طائفة نابهة من القراء يكتفي بهم عمن سواهم حتى تستطيع عقول أوساط القراء أن تستوعبهم .

فجاء ابن مجاهد - من اجتهد للأمة والدين، والقرآن العظيم - وبالغ في اجتهاده حتى استصفي سبعة من أئمة القراء في أمصار خمسة، هي أهم الأمصار التي حملت عنها القراءات إلى العالم الإسلامي : ( المدينة، مكة، الكوفة، البصرة، الشام ) .

وبذلك أصبح القراء المختارون عنده سبعة، وفي قراءاتهم ألف كتابه (( السبعة )) وهو عمل أجمع معاصروه ومن جاء بعده على إجلاله .

غير أن البعض توهم أن ابن مجاهد أراد بذلك إهدار القراءات الأخرى الصحيحة غير السبع !

وتوهم آخرون أنه يزعم أن كل قراءة من القراءات السبع تمثل حرفاً من الأحرف السبعة .

فجاء من ألف في القراءات بالإفراد (كمفردة يعقوب لعبد البارئ الصعيدي , المتوفى بعد 650هـ) .

ومنهم من كتب في القراءات الست، كالكفاية لهبة الله بن أحمد الحريري (ت 531هـ) .

ومنهم من كتب في القراءات الثمان، كالتذكرة لابن غلبون الحلبي (ت 399هـ) .

ومنهم من كتب في القراءات العشر، كالجامع لنصر بن عبد العزيز الفارسي (ت461هـ) .

ومنهم من كتب في القراءات الإحدى عشرة، كالروضة للحسن بن محمد البغدادي (ت438هـ) .

ومنهم من كتب في القراءات الثلاثة عشر، كالبستان لابن الجندي (ت 769هـ) .

وهكذا من ألف في القراءات الخمسة عشر , ومنهم من حذف أحد العشرة ووضع مكانه واحداً من رواة الشواذ , وتوالت المؤلفات تترا , دفعاً لهذه الأوهام التي تولدت في عقول بعض الجهلة من العوام أو في عقول بعض ضعفاء العلم والمعرفة .

والحق أن الإمام ابن مجاهد لم يقصد إهدار بقية القراءات ولكن جعلها وراء السبع في علم السند والرواية , وجمعها في كتابه (( الكبير )) الذي كان الأساس الأول للإمام ابن جني (ت392هـ) وعليه مدار كتابه (( المحتسب )) في شواذ القراءات وتوجيهها .

 

ومما يدل على عدم إهداره لبقية القراءات : استشهاده في كتابه (( السبعة )) بقراءات غير القراء السبعة , كقراءة الإمام أبي جعفر , وقراءة الإمام شيبة بن نصاح , وغيرهما .

وقد اختار ابن مجاهد ما اختاره من القراءات لأنه أراد البلاد الإسلامية الشهيرة بالمقرئين , فاختار منها أضبط القراء - في رأيه - فصادف العدد (( السبعة )) ولم يقصد العدد (( السبعة )) لذاته , فكان اقتصاره على السبعة محض اتفاق دون قصد منه - كما ظن البعض - .

أما أن بعض العامة سبق إلى ذهنه أن ابن مجاهد اعتقد أن القراءات السبع هي الحروف السبعة فهو ليس مسئولاً عن خطأ غيره أو وهمه , ولو ظن ذلك لأبطل بقية القراءات , والواقع عكس ذلك , حيث إنه لم يحكم على بقية القراءات بعدم التواتر أو بالشذوذ , وإنما رآها وراء السبع في المرتبة .

ولم يستطع أحد أن يراجع الإمام ابن مجاهد فيمن رأى تقديمه من القراء السبعة على غيرهم , فقد ارتضاهم علماء الأمة جميعاً , وارتضوا اجتهاده في تقديمهم .

وإذا أنعما النظر في السبعة التالين لسبعته وجدنا أولهم الإمام أبا جعفر المدني أستاذ الإمام نافع المدني , وكأن ابن مجاهد اكتفي بالتلميذ عن الأستاذ لأن قراءته وإن كانت مأخوذة من قراءة شيخه لكنها أكثر شيوعاً على ألسنة الناس من القراء وغيرهم في المدينة وما حولها .

وكذلك اكتفي بقراءة الإمام أبي عمرو البصري عن قراءة تلميذيه يعقوب الحضرمي ويحيى اليزيدي لعلو مكانة شيخهما في القراءات واللغة وقبوله لدى الناس .

ولعله ترك قراءة الإمام خلف البزار الكوفي لأن قراءته لا تخرج عن قراءات الكوفيين في حرف ما .

وأيضاً لعله ترك قراءة الأعمش - شيخ الإمام حمزة - للسبب نفسه , ولما في قراءته من شذوذ.

وقد ذكر ابن مجاهد نفسه في حديثه عن ابن كثير المكي أن أهل مكة لم يجمعوا على قراءة ابن محيصن - وهو مكي كذلك - كما أجمعوا على قراءة ابن كثير , بل إن أصحاب ابن محيصن لم يتبعوه في اختياره .

ويقول ابن الجزري في قراءته : (( ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة)) .

فابن مجاهد لم يختر السبعة ولم يقتصر عليهم إلا بعد اجتهاد طويل ومراجعة متأنية في السندات الطوال غير مدخر جهداً ولا قوة , وكان موفقاً في استخلاصه لتلك القراءات المتواترة , ثم تبعه في ذلك جمهور العلماء والقراء وحملوا عنه القراءات السبع , وصار كتابه هو المعول عليه والمرجع الأساسي لكل من أتى بعده , فألفوا مصنفاتهم على ضوئه على ما هو معروف عن أبي عمرو الداني مؤلف كتاب ((التيسير)) في القراءات السبع، وأبي محمد القاسم بن فيرة الشاطبي ناظم ((حرز الأماني)) وغيرهما من العلماء , فقد أجمعوا على تواترها , وألحق بها الإمام ابن الجزري قراءات الثلاثة .

فابن مجاهد بعمله - تسبيع السبع - قدم للأمة عملاً باهراً , لأن كثرة الروايات في القراءات كان قد أدى إلى ضرب من الاضطراب عند طائفة من القراء غير المتقنين , وأخذ كثيرون يحاولون أن يختاروا من القراءات لأنفسهم خاصة لينفردوا بها , كما عرف عن ابن شنبوذ وابن مقسم العطار .

وباختياره السبعة درأ عن القراءات مزلات توشك أن تقع فيها , ودرأ عن القراء اضطرابهم وخلطهم .

ومما يدل على إخلاص الإمام ابن مجاهد في عمله في القراءات : ما يروى أن بعض تلامذته - ممن بهرته سعة روايته للقراءات وعلمه بوجوهها وضبطه لحروفها رغم كثرتها - قال له : لم لا تختار لنفسك قراءة تحمل عنك ؟ فأجابه الإمام بقوله : (( نحن إلى أن نُعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا )) .

وبهذا نرى أن ابن مجاهد وهب نفسه للوقوف على القراءات واستيعابها , ولم يفكر في أن يفرد لنفسه قراءة يشتهر بها وتعرف به وتحمل عنه , ولو فكر في ذلك لاستطاع في يسر وسهولة , ولكن لم تكن هذه وجهته , وإنما كانت وجهته أن يستخلص للأمة أهم القراءات الموثوقة التي شاعت وذاعت في الأمصار الإسلامية .

 

أركان القراءة الصحيحة (شروط قبول القراءات)

 (أ) يشترط المتقدمون الشروط التالية لقبول القراءات :

1-  أن يكون لها وجه قوي في العربية .

2-  أن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني .

3-  أن تجتمع العامة عليها .

والمقصود من العامة عندهم : أهل الحرمين , أو أهل المدينة والكوفة .

وربما جعلوا الاختيار لما اتفق عليه : نافع و عاصم , لأن قراءتهم أوثق القراءات وأصحها سنداً , وأفصحها في العربية , وتتلوهما في الفصاحة قراءة أبي عمرو والكسائي .

(ب) ثم تطور هذا المقياس الضابط للتفرقة بين القراءة الصحيحة وغيرها إلى ما يلي :

1-  صحة السند .

2-  موافقة العربية .

3-  موافقة رسم المصحف العثماني .

وعلى ضوء هذا المقياس قسموا القراءات إلى :

1- صحيحة : وهي ما توافرت فيها الشروط المذكورة .

2- غير صحيحة : وهي ما اختل فيها ركن من الأركان الثلاثة المذكورة .

(ج) ثم تطور هذا المقياس إلى شيء من التوسع في الشرطين : الثاني والثالث فجاءت الشروط - كما ذكرها ابن الجزري - هكذا :

1-  أن تكون القراءة صحيحة السند .

2-  أن توافق العربية ولو بوجه .

3-  أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .

قال الإمام ابن الجزري في (( الطيبة )) :

     فكلما وافق وجـه نحو         وكان للرسم احتمالا يحوي

     وصح إسنادا هو القرآن         فهـذه الثـلاثة الأركـان

     وحيثما يختل ركن أثبت         شذوذه لو أنه في السـبعة

واختلفوا في مستوى صحة السند : فذهب الجمهور إلى اشتراط التواتر , لأنها قرآن وهو لا يثبت إلا بالتواتر , واكتفي البعض بالشهرة والاستفاضة , لأن الاستفاضة تفيد القطع المطلوب في إثبات قرآنية القراءة , منهم أبو شامة - شارح الشاطبية - والإمام ابن الجزري .

 (د) وأخيرا أجمعت الأمة على الأركان التالية لقبول القراءات :

1-  أن تكون القراءة متواترة .

2-  أن تكون موافقة للعربية ولو بوجه .

3-  أن تكون موافقة لأحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً .

شرح الأركان الثلاثة :

1- التواتر :

هو نقل جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب , من أول السند إلى منتهاه , من غير تعيين في العدد .

والتواتر شرط أساسي عند الجمهور لقبول القراءة , ولا يرون الاكتفاء بصحة السند , ولذلك عرفوا القرآن بأنه : ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلا متواترا جيلا بعد جيل .

فثبت بذلك أن ما ليس بمتواتر لا يسمى قرآناً , ولا يقرأ به تعبداً .

قول مكي ابن أبي طالب وابن الجزري في شروط قبول القراءات :

وقيل : إن مكي ابن أبي طالب لا يشترط التواتر , حيث قال : (( القراءة الصحيحة ما صح سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وساغ وجهها في العربية , ووافقت خط المصحف )) .

والحق أنه يشترط التواتر , كما تدل عليه عبارته في كتابه (( الإبانة )) حيث قسم القراءات إلى ثلاثة أقسام , وقال في القسم الأول : (( قسم يقرأ به اليوم , وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال , وهي : أن ينقل عن الثقات إلى النبي  صلى الله عليه وسلم ... )) .

وقال في القسم الثاني : (( ما صح نقله عن الآحاد ... )) .

فكلمة (( الثقات )) بالجمع تدل دلالة واضحة على اشتراطه التواتر، كما أن تعريفه للقسم الثاني يدل على أن مقصوده من القسم الأول هو المتواتر .

ثم عدم جواز أخذ القرآن بأخبار الآحاد لديه يدل على أنه يرى التواتر شرطاً لقبول القراءات .

(1)   أما الإمام ابن الجزري فقد صرح بعدم اشتراطه التواتر , حيث قال : (( ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده ... )) يشير إلى ما ذكره في كتابه (( منجد المقرئين )) من اشتراط التواتر , ورجح فيه تواتر القراءات الثلاث المتممة للعشر , بل بالغ في الرد على الإمام ابن الحاجب الذي قال بتواتر الفرش دون الأصول ، ثم رجع عن هذا القول إلى ما أثبته في كتابه ((النشر في القراءات العشر)) ، ومما قال فيه : (( وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن , ولم يكتف فيه بصحة السند , وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر , وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن , وهذا مما لا يخفي ما فيه , فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره )) .

وبهذا رجع الإمام ابن الجزري عن قوله السابق إلى عدم اشتراط التواتر لقبول القراءات , وهذا الذي عبر عنه في طيبة النشر بقوله : وصح إسنادا هو القرآن

ولا يضر عدم اشتراط ابن الجزري للتواتر , فغيره قد اشترط التواتر , بل أجمعت الأمة على اشتراطه .

يقول الإمام أبو القاسم النويري في شرحه على طيبة النشر:

وقوله : ((وصح إسنادا)) ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته – مع الشرطين المتقدمين – بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر , وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم ... ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرأون أحرفا لا يصح لها سند أصلا , ويقولون التواتر ليس بشرط...)) .

والقرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة - منهم الغزالي , وصدر الشريعة , وموفق الدين المقدسي وغيرهم - هو : (( ما نقل بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً )) .

فالتواتر جزء من الحد , فلا يتصور ماهية القرآن إلا به , وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة, ولم يخالف منهم أحد , وصرح به جماعات لا يحصون كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والنووي والزركشي وابن الحاجب وغيرهم .

وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك , وكذلك في آخره ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي وتبعه بعض المتأخرين .

قال الإمام الجعبري في شرح الشاطبية : (( ضابط كل قراءة : تواتر نقلها , ووافقت العربية مطلقا , ورسم المصحف ولو تقديرا , فهي من الأحرف السبعة , وما لا تجمتع فيه فشاذ )) .

وممن قال باشتراط التواتر من القراء : الإمام أبو القاسم الصفراوي (ت636هـ) والإمام الداني (ت 444هـ) وأبو القاسم الهذلي (ت465هـ) وأبو الحسن السخاوي (ت 902هـ) وغيرهم من كبار القراء .

وباشتراط التواتر قال كل من الغزالي في المستصفي , والسيوطي في الإتقان .

2- موافقتها لوجه من وجوه اللغة العربية :

يكتفي في ذلك بمجرد موافقتها لوجه من وجوه اللغة العربية , أي سواء كان هذا الوجه أفصح أم فصيحاً , مجمعاً عليه أو مختلفاً فيه , ما دامت القراءة صحيحة الإسناد , وموافقة لأحد المصاحف العثمانية , فلا يضرها كون الوجه ضعيفاً من حيث اللغة , كقراءة الإمام حمزة بجر كلمة {والأرحامِ} من قوله تعالى {واتقوا الله الذي تساء لون به والأرحام} حيث قرأ الباقون بالنصب عطفاً على لفظ الجلالة .

يقول الإمام أبو عمرو الداني : (( وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة , والأقيس في العربية , بل على الأثبت في الأثر , والأصح في النقل والرواية )) .

 

3- موافقتها لأحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً :

المراد من موافقتها لأحد المصاحف : ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض , كقراءة ابن عامر : {وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه} في سورة البقرة بغير واو قبل {قالوا} لعدم وجودها في المصحف الشامي، وكقراءته بزيادة الباء في الاسمين {الزبر} و{الكتاب} من قوله تعالى {والزبر والكتب المنير} في سورة آل عمران، وذلك لثبوت الباء في ذلك المصحف .

وكقراءة ابن كثير بزيادة {من} بعد {تجري} في الموضع الأخير من سورة التوبة في قوله تعالى {جنات تجرى تحتها الأنهار} في سورة التوبة، وذلك لثبوتها في المصحف المكي , إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة في القرآن الكريم التي اختلفت المصاحف فيها , فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم , فلو لم يكن لها وجود في مصحف من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بها شاذة لمخالفتها للرسم المجمع عليه .

والمراد من جملة (( ولو احتمالاً )) : ما يوافق الرسم ولو تقديراً , لأن موافقة القراءات للرسم قد تكون تحقيقاً وصريحاً , وقد تكون تقديراً واحتمالاً , مثل قوله تعالى {ملك يوم الدين} .

فقد كتبت كلمة {ملك} في الفاتحة بدون ألف في جميع المصاحف , وقرئت بإثبات الألف بعد الميم على وزن (( فاعل )) وبدونها على وزن ((فَعِل )) والقراءتان متواترتان .

فقراءتها بحذف الألف موافقة للرسم تحقيقا وصريحاً , كما كتب وقرئ {ملك الناس} بدون ألف بعد الميم، وقراءتها بالألف محتملة تقديراً , كما كتب {قل اللهم ملك الملك} بدون ألف , وقرئ بالألف فقط , والألف تحذف في الكتابة اختصاراً .

وموافقة اختلافات القراءات للرسم تحقيقاً كثيرة , نحو {من أنصار}و{فنادته الملائكة} حيث قرئت كلمتا : {أنصار} و{فنادته} بالفتح والإمالة , والقراءتان موافقتان للرسم تحقيقاً .

ونحو قوله تعالى {نغفر لكم} حيث تقرأ بالياء , وبالنون , وبالتاء , وكلمة {تعملون} من قوله تعالى {وما الله بغافل عما تعملون} حيث تقرأ بالياء وبالتاء، وكل ذلك يحتمله الرسم تحقيقاً لخلو المصاحف العثمانية من النقط و الشكل .

والمخالف لصريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة به , ومن ثم لم يعدُّوا إثبات ياءات الزوائد أو حذفها من مخالفة الرسم المردودة , لأن الخلاف في ذلك يغتفر , إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد , وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول , وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها , أو تقديمها وتأخيرها , حتى ولو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني , فإن حكمه في حكم الكلمة , لا يجوز مخالفة الرسم فيه , وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتّباع الرسم ومخالفته .

القراءات التي تتوفر فيها الشروط المتقدمة :

القراءات التي تتوفر فيها الشروط المتقدمة المتفق عليها عند الجمهور هي القراءات السبع التي تنسب إلى تنسب إلى الأئمة السبعة المشهورين الذين اختارهم الإمام ابن مجاهد , وألف في قراءاتهم كتابه (( السبعة )) وهذا القسم من القراءات يجب على المسلم اعتقاد قرآنيته وأنه منزل من الله تعالى ويقرأ به للتعبد في الصلاة وخارجها , وجحود حرف منه يستلزم الكفر، والعياذ بالله .

وهذا القسم من القراءات هو ما كتب فيه كثير من الأئمة القراء , ومن أشهرهم الإمام أبو عمرو الداني (ت 444هـ) الذي ألف فيه كتابه ((التيسير)) الذي نظمه الإمام الشاطبي في قصيدته اللامية المعروفة بـ ((الشاطبية)) وقد رويت فيهما القراءات السبع بالطرق التالية :

م

قراءة

رواية

طريق

1

نافع المدني

قالون

ورش

أبي نشيط : محمد بن هارون

الأزرق : أبي يعقوب يوسف

2

ابن كثير المكي

البزي

قنبل

أبي ربيعة : محمد بن إسحاق

ابن مجاهد : أحمد بن مجاهد

3

أبي عمرو البصري

الدوري

السوسي

أبي الزعراء : عبدالرحمن بن عبدوس

أبي عمران : موسى بن جرير

4

ابن عامر الدمشقي

هشام

ابن ذكوان

الحلواني : أبي الحسن أحمد بن يزيد

الأخفش : هارون بن موسى

5

عاصم الكوفي

شعبة

حفص

الصلحي : أبي زكريا يحيى بن آدم

النهشلي : عبيد بن الصباح

6

حمزة الكوفي

خلف

 

خلاد

أبي الحسن بن بويان عن إدريس بن عبدالكريم الحداد

أبي بكر محمد بن شاذان الجوهري

7

علي الكسائي الكوفي

أبي الحارث

 

الدوري

محمد بن يحيى البغدادي (الكسائي الصغير)

أبي الفضل جعفر بن محمد النصيبي

 

وتلحق بهذا القسم القراءات الثلاث التي أثبت الإمام ابن الجزري تواترها , ورد على من أنكر تواترها أو قدح فيها , واستفتى فيها علماء عصره فوافقوه في حكم التواتر عليها , وهي القراءات التي تنسب إلى :

1- الإمام أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت 128هـ) .

2- الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 205هـ) .

3- الإمام خلف بن هشام البزار البغدادي (ت 229هـ) .

 

وقد عقد الإمام ابن الجزري فصلا مستقلا في كتابه ((منجد المقرئين)) لبيان تواتر القراءات العشر واتفق الجمهور على أن ما وراء العشر فكلها شاذ .

يقول الإمام ابن الجزري : (( والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول ... أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا ... فقراءة أحدهم كقراءة الباقين في كونها مقطوعا بها ... أما قول من قال : إن القراءات المتواترة لا حد لها , فإن أراد القراءات المعروفة في زماننا , فغير صحيح , لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء القراءات العشر , وإن أراد ما يشمل قراءات الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله )) .

وقال ابن السبكي في جمع الجوامع: (( والصحيح أن ما وراء العشر فهو شاذ )) .

أشهر الكتب المؤلفة في القراءات المتواترة :

لقد ألفت كتب كثيرة في القراءات المتواترة , ولكن معظمها مخطوط ولم تعط حقها من الرعاية والتحقيق , وفيما يلي ذكر لبعض أشهر الكتب المؤلفة في القراءات السبع و الثلاث أو العشر من حيث المجموع , فمنها :

1-  (( السبعة )) لأبي بكر ابن مجاهد (ت 324هـ) طبع بتحقيق الدكتور شوقي ضيف .

2-  (( التيسير )) في القراءات السبع لأبي عمرو الداني (ت 444هـ) طبع بتصحيح المستشرق : أوتوبرتزل .

3-  (( جامع البيان )) في القراءات السبع لأبي عمرو الداني أيضاً، مطبوع .

4-  (( تحبير التيسير )) لابن الجزري (ت 8333هـ) مطبوع .

5-  (( حرز الأماني ووجه التهاني )) المعروف بـ(الشاطبية) للإمام القاسم بن فيرة الشاطبي (ت 590هـ) مطبوع ومتداول .

6-  (( فتح الوصيد )) للإمام السخاوي (ت 643هـ) وهو أول شرح للشاطبية , مطبوع .

7-  (( النشر في القراءات العشر )) لابن الجزري (ت 833هـ) طبع في مجلدين بتصحيح الشيخ علي محمد الضباع .

8- (( تقريب النشر في القراءات العشر )) لابن الجزري أيضاً , مطبوع في مجلد واحد .

9- (( طيبة النشر في القراءات العشر )) لابن الجزري أيضاً، منظومة في القراءات العشر, مطبوع.

10-  (( الدرة المضيئة )) في القراءات الثلاث لابن الجزري أيضاً , منظومة شهيرة مطبوعة ومتداولة .

11-   (( غيث النفع )) في القراءات السبع للصفاقسي , طبع بتحقيق د. سالم بن غرم الله الزهراني .

12-   (( الوافي )) في شرح الشاطبية للشيخ عبد الفتاح القاضي , مطبوع .

13-   (( البدور الزاهرة في القراءات العشر )) للشيخ عبدالفتاح القاضي , مطبوع .

وهناك كتب كثيرة جداً، منها المطبوع ومنها ما لم يطبع بعد .

 

أمثلة لبعض القراءات المتواترة :

تجري القراءات المتواترة - وهي العشر التي مر ذكرها سابقا - في القرآن كله , ولكن نمثل لها من خلال سورة الفاتحة فقط :

1- قوله تعالى {ملك يوم الدين} قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف {مالك} بإثبات الألف، على وزن (( فاعل )) وقرأ الباقون {ملك} بدون ألف، على صيغة صفة مشبهة .

2- كلمة {الصراط} و{صراط} قرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين الخالصة حيث وقعتا في القرآن الكريم، وقرأ خلف عن حمزة بالإشمام، وهو خلط صوت الصاد بالزاي في اللفظتين حيث وقعتا في القرآن , وقرأ خلاد مثل خلف في الموضع الأول من القرآن فقط وهو : {اهدنا الصراط المستقيم} وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في جميع القرآن، ومعهم خلاد في ما عدا الموضع الأول .

3- {عليهم} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون بخلف عنه - أي في أحد وجهيه - بضم ميم الجمع حالة الوصل مع وصلها بواو لفظاً {عليهمو} وهو ما يسمى في عرف القراء بـ (( الصلة )) وقرأ الباقون {عليهمْ} بإسكان الميم وصلاً ووقفاً .

وقرأ حمزة ويعقوب {عليهُم} بضم الهاء وصلاً ووقفاً , والباقون {عليهِم} بكسرها مطلقاً .

 

القراءات الشاذة

تعريف القراءات الشاذة :

لغة : من شذ يشذ شذوذاً , بمعنى : الانفراد , يقال : شذ الرجل : إذا انفرد عن أصحابه واعتزل منهم , وكل شيء منفرد فهو شاذ .

واصطلاحاً : (( كل قراءة فقدت أحد الأركان الثلاثة لقبولها )) بحيث إنها لم تكن متواترة، أو خالفت رسم المصاحف العثمانية كلها، أو لم يكن لها أصل في اللغة العربية , فهي شاذة .

وقيل : الشاذ : ما ليس بمتواتر، فكأن القراءة التي لم تصل إلى درجة التواتر - عند الجمهور - أو إلى الشهرة أو الاستفاضة – عند ابن الجزري ومن معه – فهي شاذة , لأن الأصل في قبول أي قراءة هو وصولها إلى درجة التواتر , أما الشرطان الأخيران فللاستئناس بهما , لأنه لا توجد قراءة متواترة مخالفة للشرطين الأخيرين أو أحدهما , أما القراءة غير المتواترة فقد تكون مخالفة للشرط الثاني أو الثالث , وهذا هو حال جميع القراءات الشاذة .

ولا توجد قراءة متواترة لم يقرأ بها أحد القراء العشرة المشهورين , فعلى هذا فالقراءات الشاذة : هي ما وراء القراءات العشر المتواترة .

قال ابن الجزري : (( والذي جمع في زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول )) .

وعلى هذا , فالقراءات المروية بطريق الآحاد أو المدرجة - وهي التي زيدت في القراءات على وجه التفسير - تندرج تحت الشاذة , أما التي لا سند لها مطلقاً أو ما روي بالمعنى فلا تدخل في تعريفها .

حكم القراءات الشاذة :

يختلف حكم القراءات الشاذة من حيث القراءة بها، عن حكم الاحتجاج بها والعمل بها، وبيان ذلك كما يلي :

(أ) حكم القراءة بالقراءات الشاذة :

1- أجاز بعض العلماء القراءة بالشاذ , لأن الصحابة كانوا يقرأون بها في الصلاة و خارجها , فلو لم تجز القراءة بها لكان أولئك لم يصلوا قط , بل ارتكبوا محرماً , ومرتكب الحرام يسقط الاحتجاج بخبره , وهم نقلة الشريعة , فيسقط بذلك أساس الإسلام، والعياذ بالله .

وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة , وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد .

2- الجمهور على عدم جواز القراءة بالشاذ للتعبد بها مطلقاً , لا في الصلاة ولا خارجها , بل نقل البعض إجماع المسلمين على ذلك - كابن عبدالبر وغيره - بحجة أن الشواذ لم تثبت بالتواتر , فلا يحكم بقرآنيتها , لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر , وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني .

وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ , وقصة كل واحد من ابن شنبوذ وابن مقسم العطار معروفة في ذلك .

قال ابن الجزري : (( والذي نص عليه أبو عمرو ابن الصلاح وغيره : أن ما وراء العشر ممنوع من القراءة به منع تحريم، لا منع كرامة، وقال ابن السبكي : لا تجوز القراءة بالشاذ )) .

3- وقد توسط بعض العلماء فقال : إن قرأ بها في القراءة الواجبة في الصلاة - وهي الفاتحة - عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته , لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة , لعدم ثبوت القرآن بذلك , وإن قرأ بها فيما لا يجب , لم تبطل , لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل , لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن .

 (ب) حكم العمل أو الاستشهاد بالقراءات الشاذة :

1- الجمهور على جواز العمل بها واستنباط الأحكام الشرعية منها , تنزيلاً لها منزلة أخبار الآحاد التي هي مقبولة عند الجميع , وعليه فقد احتج العلماء بها في كثير من الأحكام الفقهية , كما في قطع يمين السارق - على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه - {والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما} بدل {أيديهما} .

واحتجت الحنفية على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه :

{فصيام ثلاثة أيام متتابعات} بزيادة كلمة (متتابعات) .

2- خالف في ذلك جمهور الشافعية , بحجة أن القراءات الشاذة لم تثبت قرآنيتها , فلا يجوز العمل بها .

وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه لا يلزم من انتفاء قرآنيتها انتفاء عموم كونها أخباراً , أي أنها في حكم العمل بخبر الواحد , وخبر الواحد يعمل به .

أما الاستشهاد بالقراءات الشاذة في القواعد النحوية و الصرفية : فجائز باتفاق العلماء .

ويجوز كذلك تعلمها وتعليمها نظرياً لا عملياً , ويجوز تدوينها في الكتب وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب .

أشهر رواة القراءات الشاذة :

القراءات الشاذة كثيرة لا حصر لها , وكذلك رواتها , ورواة القراءات الشاذة قسمان :

(أ) الرواة الأربعة بعد العشرة , وهم :

1-  الحسن البصري (ت 110هـ) .

2-  محمد بن عبدالرحمن بن محيصن (ت 123هـ) .

3-  يحيى بن المبارك اليزيدي (ت 202هـ) .

4- سليمان بن مهران الأعمش (ت 148هـ) .

وقد أجمع العلماء على الحكم بالشذوذ على القراءات التي انفرد بنقلها أحد هؤلاء الأئمة الأربعة أو راو من رواتهم , وذلك لعدم تواترها , بل لعدم وصولها إلى درجة الشهرة والاستفاضة لاضطراب النقلة في ضبط بعض ألفاظها , ولأن بعضها مخالف لرسم المصاحف العثمانية , وبعضها مخالف للغة العرب . 

(ب) رواة الشواذ عموماً، وهم كثيرون جداً , منهم بعض كبار الصحابة والتابعين :

1- ابن مسعود رضي الله عنه (ت 32هـ) .

2- أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (ت 52هـ) .

3- مجاهد بن جبر المكي (ت 103هـ) .

4- الضحاك بن مزاحم (ت 105هـ) .

5- محمد بن سيرين البصري (ت 110هـ) .

وغيرهم كثير .

أمثلة لبعض القراءات الشاذة :

1- {إما يأتينكم رسل منكم} قرأ أبي بن كعب ((تأتينكم)) بتاء التأنيث لأن الفاعل ((رسل)) جمع تكسير يجوز في فعله التذكير و التأنيث, وهي غير متواترة.

2- {فاسعوا إلى ذكر الله} قرأ مسروق بن الأجدع عن ابن مسعود : ((فامضوا)) .

وهي مخالفة للرسم العثماني , وتعتبر مدرجة وتفسيراً للقراءة المتواترة .

3- {وما خلق الذكر والأنثى} روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ : ((والذكر والأنثى)) وهي غير متواترة وغير موافقة للرسم العثماني .

ومن القراءات الشاذة ما روي عن ابن شنبوذ (ت 328هـ) وكتبه ابن مجاهد عليه بيده في المحضر، وسألوه عنها فاعترف بها , وكان ذلك في يوم السبت 6/4/323هـ، ومنها :

1-  (( فامضوا إلى ذكر الله )) بدل {فاسعوا إلى ذكر الله} .

2-  (( وتجعلون شكركم أنكم تكذبون )) بدل {وتجعلون رزقكم ...} .

3-  (( كل سفينة صالحة غصبا )) بزيادة كلمة ((صالحة)) .

4-  ((كالصوف المنفوش)) بدل {كالعهن المنفوش} .

5-  (( فاليوم ننحيك ببدمك )) بدل {فاليوم ننجيك ببدنك} .

6-  (( تبت يدا أبي لهب وقد تب )) بدل {تبت يدا أبى لهب وتب} .

7-  (( فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين ))  بزيادة كلمة (( حولاً )) وغيرها كثير .

 

نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف

حديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة حديث عظيم من أشهر الأحاديث المتواترة , وقد نص على تواتره غير واحد من الأعلام , منهم :

1- الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) .

2- الإمام أبو عمرو الداني (ت444هـ) .

3- الإمام ابن القاصح (ت801هـ) .

ويؤكد تواتره اشتمال القرآن الكريم على القراءات المتواترة التي ترجع في أصلها إلى الأحرف السبعة .

وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة , وابن أبي شيبة في مصنفه , وأحمد في مسنده , والحاكم في مستدركه , وغيرهم , ولا يكاد يخلو منه مصنف في الحديث أو في علوم القرآن والقراءات والتفسير .

وقد شغل هذا الحديث بال العلماء قديما وحديثاً .

قال ابن الحزري : (( ما زلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة , حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صواباً إن شاء الله )) .

وأفرده علماء كثيرون بالتأليف , من القدماء والمعاصرين .

بعض روايات حديث الأحرف السبعة :

روى هذا الحديث أكثر من عشرين صحابياً , وروى عنهم جمع كبير من التابعين بطرق وأسانيد كثيرة , ولسنا في حاجة إلى سردها كلها وإنما نذكر نموذجا من رواياتها , فمنها :

1- حديث المخاصمة بين عمر وهشام بن حكيم رضي الله عنهما وفي آخر الحديث :

(( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف , فاقرؤا ما تيسر منه )) أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .

2- روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صعد يوما على المنبر للخطبة فقال :

(أذكر الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف لما قام , فقاموا حتى لم يُحصوا , فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف , فقال عثمان : وأنا أشهد معهم )) مجمع الزوائد للهيثمي .

3- حديث أبيِّ بن كعب رضي الله عنه وكان قد سمع رجلين يقرأ كل واحد منهما على غير قراءته , وقد حسن النبي صلى الله عليه وسلم قراءتهما , فوقع في نفس أبيٍّ ما وقع ثم شرح الله صدره , وفيه : (( يا أبيّ ! أرسل إلي اقرأ على حرف , فرددت إليه أن هون على أمتي , فرد إلي الثانية : اقرأه على حرفين , فرددت إليه أن هون على متي , فرد إلي الثالثة : اقرأه على سبعة أحرف ... )) رواه مسلم .

4- حديث آخر عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار -وهي الغدير - فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك - وفي رواية : أن تقرئ أمتك - القرآن على حرف , فقال صلى الله عليه وسلم : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين , فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك , ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف , فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك , ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف , فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا )) رواه مسلم .

5- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أنزل القرآن على سبعة أحرف , والمراء في القرآن كفر – ثلاثا – ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم فردوه إلى عالمه )) أخرجه ابن حبان في صحيحه , وابن جرير في تفسيره , وأحمد في مسنده .

واختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافاً كبيراً حتى بلغت الأقوال أكثر من أربعين قولاً، ولكن أكثرها متداخلة .

ويمكن تقسم تلك الأقوال إلى قسمين :

1-  قسم : لا يعتد به ولا دليل عليه .

2-  قسم آخر : يعتد به , وله دليل في الجملة أو شبهة دليل .

ومن أمثلة القسم الأول قول بعض أهل الفقه في معناها : أنها سبعة أشياء , وهي : المطلق والمقيد , والخاص والعام , والنص والمؤول , والناسخ والمنسوخ , والمجمل والمفسر , والاستثناء وأقسامه .

وقول بعض أهل اللغة و البلاغة : هي :  الحذف والصلة , والتقديم والتأخير , والقلب والاستعارة , والتكرار والكناية , والحقيقة والمجاز , والمجمل والمفسر , والظاهر والغريب .

وقول بعض أهل التصوف : هي سبعة أنواع من المعاملات والمبادلات , وهي : الزهد والقناعة مع اليقين , الحزم والخدمة مع الحياء , الكرم والفتوة مع الفقر , المجاهدة والمراقبة مع الخوف , الرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا , الشكر والصبر مع المحاسبة , المحبة والشوق مع المشاهدة .

ويرد على جميع الأقوال من هذا القسم بما يلي :

1-  أنها لا تستند إلى دليل شرعي أو حجة واضحة تدل على ما ذهبوا إليه , وإنما نزَّل كل طائفة منهم ((الأحرف)) على ما يوافق اتجاهه العلمي أو الفكري والعملي .

2-  أنها لا تتفق مع دلالات الأحاديث الواردة في (( الأحرف السبعة )) التي تبين بالوضوح أن المراد بها كيفية النطق بالألفاظ واختلاف القراءات .

3-  تحديد المفهوم بما ذكروا لا يؤدي إلى اليسر والتوسعة على الأمة والتخفيف عنها , ورفع المشقة عن الأمة في أمر القراءة هو المقصود الأساسي من نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة

ومن أمثلة القسم الثاني : قولان :

القول الأول : أن المراد بالأحرف السبعة : سبع لغات من لغات العرب المشهورة , وقد ذهب إليه جمهور أهل الفقه و الحديث , ولكنهم اختلفوا في كون تلك اللغات متفرقة في القرآن الكريم أو مجتمعة في كلمة واحدة وفي حرف واحد .

فذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنها مفرقة في القرآن الكريم .

وذهب ابن جرير والطحاوي وابن عبدالبر وغيرهم إلى أنها توجد في الكلمة الواحدة وفي الحرف الواحد , باختلاف الألفاظ و اتفاق المعاني , نحو : هلم , وأقبل , وتعال , وإليَّ , وقصدي , ونحوي , وقربي , ونحو ذلك .

واختلفوا أيضاً هل تلك اللغات كلها باقية في القرآن الكريم، أم نسخت ولم يبق منها إلا لغة قريش، فذهب إلى الأول : أبو عبيد ومن تابعه، و ذهب إلى الثاني : ابن جرير ومن تابعه .

ثم اختلف القائلون ببقاء تلك اللغات كلها في القرآن الكريم في تحديدها، فمنهم من قال : هي لغة : قريش , و هذيل , و تميم , و الأزد , و ربيعة , و هوازن , وسعد بن بكر .

ومنهم من قال : هي : هذيل , وكنانة , و قيس , و ضبة , و تيم الرباب , و أسد بن خزيمة , و قريش .

وذهب أبو علي الأهوازي إلى أن اللغات كلها في بطون قريش .

وذهب آخرون إلى أنها كلها في بطون مضر .

والقول الثاني من أمثلة القسم الثاني : ما ذهب إليه كثير من العلماء والقراء , و من أبرزهم : ابن قتيبة (ت : 276هـ), والرازي (ت : 606هـ), وابن الجزري (ت : 833هـ), وغيرهم, وملخص أقوالهم:

أن المراد بالأحرف : الأوجه القرائية التي يقع بها التغاير والاختلاف في الكلمات القرآنية .

وقد اتفقوا على أنها : سبعة , ولكنهم اختلفوا في تعيينها وحصرها :

(أ) فهي عند ابن قتيبة :

1- الاختلاف في الإعراب أو في حركة البناء دون تغيير في المعنى أو الصورة , نحو {هن أطهر لكم} بالرفع والنصب، ونحو {بالبخل} بضم الباء أو فتحها .

2- اختلاف الإعراب أو الحركة بتغيير في المعنى دون الصورة , نحو {ربنا بعد بين أسفارنا} بصيغة الطلب أو الماضي .

3- اختلاف الحروف بتغيير في المعنى دون الصورة , نحو {كيف ننشزها} بالزاي أو بالراء .

4-  اختلاف الحروف بتغيير في الصورة دون المعنى , نحو {إن كانت إلا صيحة وحدة} و{زقية واحدة} .

5-  اختلاف الحروف بتغيير في الصورة و المعنى معا , نحو {وطلح منضود} بالحاء أو بالعين .

6-  الاختلاف بالتقديم والتأخير , نحو {وجاءت سكرة الموت بالحق} أو {سكرة الحق بالموت} .

7- الاختلاف بالزيادة والنقصان , نحو {وما عملته أيديهم} أو {وما عملت أيديهم} .

(ب) وعند أبي الفضل الرازي :

1-  اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية و جمع , و تذكير وتأنيث .

2-  اختلاف تصريف الأفعال وما تستند إليه , من الماضي والمستقبل والأمر والمتكلم والمخاطب والفاعل والمفعول به .

3-  وجوه الإعراب .

4-  الزيادة والنقصان .

5-  التقديم والتأخير .

6-  القلب والإبدال في كلمة بأخرى أو حرف بآخر .

7-  اختلاف اللغات من فتح وإمالة وترقيق وتفخيم ...

 

(ج) وعند ابن الجزري :

1-  اختلاف الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة , نحو {يحسَب} و{يحسِب} .

2-  اختلاف الحركات بتغير في المعنى فقط , نحو {فتلقى ءادمُ من ربه كلماتٍ} و{فتلقى ءادمَ من ربه كلماتٌ} .

3-  اختلاف الحروف بتغير في المعنى فقط , نحو {تبلو} و{تتلو} .

 اختلاف الحروف بتغير الصورة فقط , نحو {بصطة} و{بسطة} .

4- اختلاف الحروف بتغير الصورة والمعنى معاً , نحو {فاسعوا إلى ذكر الله } و((فامضوا)) .

5- التقديم والتأخير , نحو {فيَقْتُلون ويُقْتَلون} و{فيُقْتَلون ويَقتُلون} .

6- الزيادة والنقصان , نحو : {وأوصى} و{ووصى} .

مناقشة هذه الأقوال :

أولاً : القول بأن المراد بالأحرف السبعة : سبع لغات , وإن ذهب إليه جماهير من الجهابذة قديماً و حديثاً , وهو قول قوى , ولكن يضعفه أمور، منها :

1- اختلاف القائلين به في كون تلك اللغات متناثرة في القرآن أو مجتمعة في حرف واحد .

2- اختلافهم في تعيين وتحديد تلك اللغات , والأحرف محدودة .

3- القراءات تشتمل على أكثر من سبع لغات , واللغويون أنفسهم يذكرون الشيء الكثير منها في القرآن , والإمام أبو عبيد نفسه ألف كتاباً جمع فيه عدداً كبيراً من مفردات القرآن نسبها إلى مختلف لغات العرب .

4- اختلاف عمر مع هشام بن حكيم كان في أمر القراءة , رغم كونهما من أهل لغة واحدة .

5- ما ذهب إليه ابن جرير وغيره يرده اشتمال القراءات على أنواع متعددة من التغاير والاختلاف , والترادف - الذي ذكروه - نوع واحد منها .

كما أن قولهم يتنافي مع حكمة نزول الأحرف السبعة من التيسير في القراءة , فاختلاف العرب يقع في اللهجات أكثر مما يقع في استعمال (( هلم )) مكان (( أقبل )) أو (( تعال )) .

أما دعواهم أن عثمان رضي الله عنه جمع المسلمين على حرف واحد , وطرح بقبة الأحرف الستة , فهو قول في غاية الضعف , لأنه دعوى نسخ بعض القرآن بإجماع الصحابة , إذ كيف يحق لعثمان أو لغيره من الصحابة أن يلغي شيئاً من القرآن بغير نص صريح من الشارع .

وكيف يجوز للصحابة إلغاء رخصة القراءة بالأحرف السبعة والحكمة منها لا تزال قائمة , بل هي أشد بعد دخول الناس من مختلف الألسن و الأجناس في الإسلام .

كما أن وجود الأوجه المتعددة من القراءات في مصاحف عثمان برسم واحد أو برسمين مختلفين يدل دلالة واضحة على بطلان قول ابن جرير .

والحق أن عثمان لم يهمل شيئاً من الأحرف المنزلة الثابتة في العرضة الأخيرة ولم يطرحه , وهي باقية ضمن مصاحف عثمان والرخصة بها قائمة إلى يوم القيامة .

ثانياً : قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري بأن المراد بالأحرف وجوه التغاير والاختلاف , وهي سبعة , وهو من أحسن الأقوال و أقربها إلى الصواب , ولكن يرد عليهم بأمور :

1- أنهم اختلفوا في حصر تلك الوجوه و تعيينها .

2- أن الحكمة من تعدد الأحرف هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة التي لم تكن تحسن الكتابة ولا القراءة , والأنواع التي ذكرها أصحاب هذا القول معظمها يتعلق بالخط والكتابة , ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء , فكيف يكون اليسر فيها للأمة الأمية , بل زادت عليها المشقة .

3- أن ابن قتيبة وابن الجزري لم يذكرا اختلاف اللهجات ضمن تلك الوجوه السبعة , مع أن معظم أوجه الاختلاف في أحرف القرآن هو من هذا النوع، والرازي وحده هو الذي انفرد بذكر هذا النوع من الاختلاف .

4- أنهم تكلفوا كثيراً في محاولتهم لحصر وجوه التغاير والاختلاف في سبعة , بحيث يمكننا أن نقول : إن الأحرف في نفسها شيء , ووجوه الاختلاف التي ذكروها شيء آخر مغاير لها .

5- من الممكن أن نرجع تلك الوجوه إلى ثلاثة كما فعل ابن الجزري، حيث عدها كما يلي :

(أ‌)   ما اختلف لفظه واتفق معناه , نحو : هلم , وأقبل , وتعال , ونحو{كالعهن المنفوش} و(كالصوف المنفوش) .

(ب‌)  ما اختلف لفظه و معناه , لكنه اختلاف تنوع لا تضاد , نحو {مالك} و{ملك} و{قل} و{قال} .

(ج) الاختلاف في اللهجات مع اتفاق اللفظ والمعنى , كالإمامة والفتح , والمد والقصر , والإدغام والفك , والتحقيق والتسهيل .

 

بيان القول الراجح في المراد بـ (( الأحرف السبعة )) :

بعد النظر إلى أقوال العلماء قديماً وحديثاً يتبين أن ما توصل إليه الدكتور عبد العزيز القارئ في بحثه عن الأحرف السبعة أن هو أعدل الأقوال وأصحها، وهو :

أن المراد بـ(( الأحرف السبعة )) : الوجوه السبعة لقراءة القرآن الكريم المتغايرة المنزلة قرآناً , ويمكن القراءة بأي وجه منها .

والعدد ((السبعة)) على حقيقته , بمعنى : أن أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية هو سبعة أوجه , وذلك في الكلمة الواحدة , ضمن نوع واحد من أنواع الاختلاف والتغاير , كالأوجه في كلمة {أرجه} وفي كلمة {ويتقه} ولا يلزم أن تبلغ الأوجه هذا الحد في كل موضع من الكلمات القرآنية .

هل المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة أم لا ؟

للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب :

المذهب الأول : أنها لا تشتمل إلا على حرف قريش فقط، وهو مذهب الطبري والطحاوي وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم .

واستدلوا على ذلك بقول عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين : (( إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم )) رواه البخاري .

قالوا : إن الأحرف نزلت في صدر الإسلام للتيسير على الأمة ورفع الحرج والمشقة عنها في القراءة , ولما ذللت الألسنة ومرنت على لغة قريش , أمرت جميع القبائل بالقراءة بلغة قريش .

كما أن القراءة باللغات الكثيرة كانت مثار نزاع وخلاف بين المسلمين , لذلك اقتصر عثمان رضي الله عنه على لغة واحدة , وهي لغة قريش . أما القراءات الموجودة على كثرتها وتعددها فهي كلها تمثل حرفاً واحداً فقط .

الرد على هذا القول :

1-  لا يستقيم الاستدلال بقول عثمان رضي الله عنه على ما ذهبوا إليه , لأن المقصود من ((إذا اختلفتم)) اختلافهم في الرسم والكتابة , لا الاختلاف في جوهر الألفاظ وبنية الكلمات , بدليل قوله : ((فاكتبوه)) .

2-  معنى قول عثمان رضي الله عنه : ((نزل بلسانهم)) أي في بادئ الأمر , أو أن معظمه نزل بلسان قريش , لأنها كانت اللغة النموذجية بالنسبة لسائر اللهجات العربية , ويكون ذلك من قبيل إطلاق الكل وإرادة البعض , مثل قوله تعالى {يجعلون أصابعهم في إذا نهم } أي الأنامل .

3-  لا يوجد دليل على أن عثمان أمر بكتابة المصاحف على حرف واحد وترك بقية الأحرف الستة , بل وجود القراءات المتعددة المختلفة في القرآن الكريم دليل على بقاء تلك الأحرف المنزلة .

المذهب الثاني : أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وهو مذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين، واحتجوا له بأمرين :

1-  أنه لا يجوز للأمة إهمال شيء من الأحرف لكونها منزلة قرآناً .

2-  نقلت المصاحف العثمانية من الصحف التي جمعها أبو بكر وعمر , وقد كانت مشتملة على الأحرف السبعة .

أما عثمان رضي الله عنه فأراد استنقاذ القرآن من فشو اللحن فيه فجمعهم على القراءات الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرهم بترك ما سواها .

وقد وضح العلامة الزرقاني المراد من هذا القول بقوله : ((إن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها , ولكن على معنى أن كل واحد من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلاً أو بعضاً , حيث لم تخل المصاحف في مجموعها عن حرف منها رأساً )) .

ويرد على هذا القول بما يلي :

1-  أن القراءة بكل حرف من الأحرف السبعة ليست واجبة على الأمة , و نزول القرآن على الأحرف السبعة رخصة للتيسير على الأمة في أمر القراءة .

2-  من المعلوم أن الشيء الكثير من أفراد الأحرف السبعة نسخ في العرضة الأخيرة وما قبلها , فما بقي منها أثبت في المصاحف العثمانية وما نسخ منها تركت القراءة به .

المذهب الثالث : أن المصاحف العثمانية في مجموعها تشتمل على ما ثبت في العرضة الأخيرة من الأحرف السبعة , فليس كل مصحف بمفرده يشتمل على جميع الأحرف السبعة , بل الثابت من الأحرف السبعة منتشر في المصاحف العثمانية كلها، وهو مذهب جمهور السلف والخلف .

أدلة هذا القول :

1- أن المصاحف العثمانية تم نسخها من الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر رضي الله عنه , وقد أجمع الصحابة على ما فيها من الأحرف السبعة .

2- لم يرد خبر صحيح ولا ضعيف عن عثمان أنه أمر بإلغاء بقية الأحرف .

3- الخلافات الموجودة في المصاحف العثمانية دليل قاطع على وجود الأحرف السبعة فيها , فلو كانت المصاحف مكتوبة بلغة واحدة وبحرف واحد فقط لما كان فيها وجود هذا الاختلاف .

4- وجود الكلمات القرآنية على لغات ولهجات أخرى كثيرة - غير لغة قريش - في المصاحف العثمانية دليل على أن المصاحف لم يقتصر في كتابتها على لغة قريش فقط .

قال ابن الجزري : (( وهذا القول هو الذي يظهر صوابه ولأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له )) .

أوجه اختلاف القراءات :

لا خلاف بين العلماء في وجود وثبوت اختلاف الأوجه القرائية , وإنما الخلاف في حصرها وتعيينها , والعلماء الذين رجحوا في معنى الأحرف السبعة أنها الوجوه السبعة حاولوا حصر الأوجه في سبعة , وهم : الإمام أبو حاتم السجستاني (ت 255هـ) والإمام ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) والإمام القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني (ت 403هـ) والإمام أبو الفضل الرازي (ت 454هـ) والإمام ابن الجزري (ت 833هـ) .

وهم مشتركون في أكثر تلك الأوجه , إلا أن البعض انفرد بذكر بعض الأوجه , وقد سبق ذكر قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري عند بيان معنى الأحرف السبعة , وأما عند الإمام أبي حاتم السجستاني فالوجوه هي :

1-  إبدال لفظ بلفظ آخر بمنزلته، نحو {فاسعوا إلى ذكر الله} و((فامضوا إلى ذكر الله)) ونحو {كالعهن المنفوش} و((كالصوف المنفوش)) .

2-  إبدال حرف بحرف بمنزلته، مثل {التابوت} و((التابوه)) .

3-  التقديم والتأخير، إما في الكلمة، نحو {فيَقْتُلون ويُقْتَلون} و{فيُقْتَلون ويَقتُلون} وإما في الحروف، نحو {أفلم ييأس الذين} و{أفلم يايس} .

4-  زيادة حرف أو نقصانه، نحو {ما أغنى عنى ماليه * هلك عنى سلطانيه} .

5-  اختلاف حركات البناء، نحو {بالبُخْل} و{بالبَخَل} و{ميسَرة} و{ميسُرة} .

6-  اختلاف الإعراب، نحو {إنْ هذان لساحران} و{إنَّ هذان لساحران} و{إن هذين لساحران} .

7-  إشباع الصوت - بالتفخيم والإظهار - أو الاقتصاد به - بالإضجاع والإدغام - والفتح والإمالة ...

وأما عند القاضي أبي بكر الباقلاني فالوجوه هي :

1-  ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته , نحو {هن أطهرُ لكم } و((أطهرْ)) - أي بإسكان الراء وضمها - .

2-  ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب , مثل {ربنا باعِدْ بين أسفارنا} و{بَاعَدَ} أي بصيغة الطلب والماضي .

3-  ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف , مثل {كيف ننشزها} و{ننشرها} أي بالراء و بالزاي .

4-  ما تتغير صورته ويبقى معناه , مثل {كالعهن المنفوش} و (( كالصوف المنفوش )) .

5-  ما تتغير صورته ومعناه , مثل {وطلح منضود} و (( وطلع منضود )) بالحاء والعين .

6-  التقديم والتأخير , مثل {وجاءت سكرة الموت بالحق} و (( سكرة الحق بالموت )) .

7-  الزيادة والنقصان , نحو {له تسع و تسعون نعجة} و(( له تسع و تسعون نعجة أنثى )) .

مآخذ على الأقوال في الأوجه :

1- أن الذين ذكروا هذه الأوجه السبعة رغم اتفاقهم على أنها تنحصر في سبعة إلا أنهم اختلفوا في تعيينها .

2- انفرد الرازي بذكر اختلاف اللهجات ضمن الأوجه , وأهملها ابن وتبعه الباقلاني , ولم يذكر السجستاني إلا بعض الخلافات الأصولية في الوجه السابع , أما ابن الجزري فلا يراها من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ و المعنى , ويقول : ولئن فرض فيكون من الأول .

رغم أن الخلافات الأصولية في أخرف القرآن شيء كثير .

3- استشهدوا للتمثيل على بعض هذه الأوجه بالقراءات الشاذة أو الضعيفة أو المنكرة .

4- من حكم تعدد الأحرف السبعة : رفع الحرج والمشقة عن الأمة الأمية , والأنواع التي ذكروها معظمها يتعلق بالخط والكتابة ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء , فكيف يكون اليسر فيها للأمة التي لا تعرف الكتابة ولا القراءة .

5- تكلفوا كثيراً في محاولتهم لحصر الأوجه في سبعة بحيث يمكننا أن نقول : إن الأوجه في نفسها شيء , والأنواع التي ذكروها شيء آخر مغاير لها .

 

الحكم والفوائد من اختلاف القراءات

ذكر العلماء عدة حكم وفوائد لاختلاف القراءات , و من أبرزها :

1- أنها دليل قاطع على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى {آلم * تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العلمين * أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك} وأكبر برهان وأعظم حجة في ذلك هو عدم وجود أي تناقض أو تضاد في الوجوه المختلفة {أفلا يتدبرون القراءن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا} .

2-  أنها برهان قاطع على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فرغم تعددها وتنوع الأداء فيها أداها كما أنزلت عليه  صلى الله عليه وسلم وقد ثبت نزولها في روايات كثيرة بقوله  صلى الله عليه وسلم : (هكذا أنزلت) .

3-  أن فيها دلالة على عظمة هذه الأمة , حيث تلقت القرآن الكريم بالحروف المختلفة , ووعتها , وأحكمت ضبطها , وهي منقبة عظمية , وميزة لها كبرى , تنفرد بها عن سائر الأمم .

4-  أن فيها دلالة على صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه مشتملاً على الحروف والأوجه الكثيرة {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون} .

5-  وأجل حكمة وأعظمها هي التيسير على الأمة في أمر القراءة والتخفيف عنها , فروعي في ذلك اختلاف اللغات واللهجات , كما روعي في ذلك جميع الفئات من شيخ كبير وطفل صغير وامرأة عجوز ومن لم يقرأ كتابا قط .

6-  ومن حكمها سهولة الحفظ وتيسير النقل , فحفظ كلمة ذات وجوه مختلفة أيسر من حفظ جمل من الكلام على وجه واحد .

7-  ويظهر فيها إعجاز القرآن ويتجلى بإيجاز الكلام , فتقرأ كلمة واحدة بأكثر من وجه وهي برسم واحد , فتدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرار اللفظ وإعادة الخط , نحو {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} فقراءة النصب في {وأرجلكم} تدل على فرضية الغسل , وقراءة الجر تدل على جواز المسح على الخفين، كما قيده الشارع عليه السلام .

8-  فيها بيان المجمل وتوضيح المبهم نحو (( فامضوا إلى ذكر الله )) فهي وإن كانت قراءة شاذة إلا أنها تبين معنى القراءة المتواترة {فاسعوا إلى ذكر الله} فليس المراد من (( السعي )) المشي السريع .

9-  لها تأثير في الأحكام الفقهية، وذلك من الوجوه التالية : 

1- قد تبين حكماً مجمعاً عليه , كما في قراءة شاذة (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم)} فكون الإخوة من أم أمر مجمع عليه .

2- قد ترجح حكماً مختلفاً فيه، كالقراءة الشاذة (أو تحرير رقبة مؤمنة) بزيادة وصف (مؤمنة) وذلك في كفارة اليمين , وهو شرط عند الإمام الشافعي رحمه الله .

3- قد تجمع بين حكمين مختلفين , كقراءة {ولا تقربوهن حتى يطهرن} بالتخفيف أو بالتشديد , فقراءة التخفيف تدل على أصل الطهارة , و ذلك بانقطاع الحيض , و قراءة التشديد تشير إلى التأكد من الطهارة , وذلك بالاغتسال , فينبغي الجمع بينهما .

10- فيها سند لقواعد نحوية و صرفية كما في قراءة {واتقوا الله الذي تساء لون والأرحام} بالنصب في {والأرحام} وبالخفض , فقراءة النصب حجة للكوفيين , وقراءة الخفض حجة للبصريين .

11- فيها حجة لأهل الحق , ودفع لأهل الأهواء والزيغ , كما في قراءة {وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً} فعلى قراءة شاذة : ((مَلِكاً)) - بفتح الميم وكسر اللام - أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الآخرة .

12- فيها تمثيل للغات واللهجات العربية المختلفة , وبذلك حفظت القراءات اللغة العربية من الضياع والاندثار , فللقرآن والقراءات منة على أهل العربية .

 

معالجة بعض الشبهات حول القراءات 

الشبهة الأولى : حول مصدر القراءات :

ذهب بعض المستشرقين إلى أن مصدر القراءات هو اللهجات واللغات , وتبعهم في ذلك المتتلمذ عليهم د. طه حسين , حيث يقول :

(( والحق أن ليست هذه القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير , وليس منكرها كافراً , ولا فاسقاً , ولا مغتمزاً في دينه , وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها ... وليست هذه القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن , وإنما هي شيء وهذه الأحرف شيء آخر)) .

الرد على هذه الشبهة :

(أ‌)   يكفي في الرد على مثل هذه الشبهة : إلقاء نظرة خاطفة على مفردات القراءات , حيث يتضح جلياً بمشاهدة فرش الحروف أنه ليس كل القراءات لهجات ولغات , وإن كان أكثر الأصول من قبيل اللهجات , كالفتح والإمالة , والهمز , والإبدال , والتسهيل , والصلة والإسكان وما إلى ذلك .

أما فرش الحروف فأكثرها لا يتعلق باللهجات , ونمثل لذلك ببعض القراءات الآتية من سورة البقرة :

1-  {وما يخدعون إلا أنفسهم} تقرأ {يخدعون} و{يخادعون} .

2-  { ولا يقبل منها شفعة} تقرأ {يقبل} بالتذكير و{تقبل} بالتأنيث .

3-  {وأحاطت به خطيئته} تقرأ {خطيئته} بالإفراد و{خطيئاته} بالجمع .

4-  {نغفر لكم خطيكم} تقرأ {نَغفر} بالنون، و{يُغْفَر} بالياء، و{تُغْفَر} بالتاء .

5-  {ليس البر أن تولوا وجوهكم} تقرأ {البرَّ} بنصب الراء، و{البرُّ} برفعها .

وما إلى ذلك من القراءات الفرشية الأخرى الكثيرة , وليس فيها شيء من اللهجات، ولا يستقيم قوله السقيم بأن مصدرها اللهجات .

 (ب) أما الخلافات الأصولية فهي وإن كانت من قبيل اختلاف اللهجات ولكنها من النوع الذي أمضاه الرسول صلى الله عليه وسلم تيسيراً وتوسعة على الأمة , ومع ذلك فمصدره هو الرواية والنقل , وليس الاجتهاد أو القياس , فقد روي عدم الإمالة في ذوات الياء من القراء الذين اختاروا الإمالة فيها , و ذلك لعدم ثبوت الإمالة فيها لديهم من حيث الرواية .

فمثلا : مذهب الإمام حمزة إمالة الكلمات التي رسمت في المصاحف العثمانية بالياء , سواء كانت ألفها منقلبة عن الياء أو لا، ما عدا بعض الكلمات , منها كلمة {سَجَى} فلا يميلها – مع كونها مرسومة بالياء - لعدم ورودها وثبوتها رواية .

وكثيراً ما ترد الرواية عن إمام من أئمة القراء في بعض حروف القرآن على وجه واحد , حتى يصير أصلاً من أصوله , ثم تجده يخالف أصله هذا في موضع واحد , أو في مواضع معدودة قليلة , فلا تجد مسوغاً لذلك إلا اتباع الرواية , فمثلا : نجد الإمام أبا جعفر المدني يقرأ كلمة (يَحْزُن) بفتح الياء وضم الزاي في سائر القرآن , ثم تجده يقرأ (يُحْزِن) في الأنبياء بضم الياء وكسر الزاي , في موضع واحد فقط .

وتجد نافع بن أبي نعيم تلميذ أبي جعفر يعكس , فيقرؤها في سائر القرآن بضم الياء وكسر الزاي , ويقرأ موضع الأنبياء بفتح الياء وضم الزاي .

ونجد حفص بن سليمان يقرأ سائر الألفات في القرآن بالفتح ولا يميل منها شيئاً , إلا قوله تعالى {مجراها} بهود فيميل الألف فيها فقط دون غيرها من ألفاظ القرآن الكريم .

وكذلك نجده لا يسهل شيئاً من الهمزات في القرآن , سواء اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أو في كلمتين , إلا في {أأعجمى} بفصلت , فيسهل الثانية قولاً واحداً , وكذا في {ءالأن} بيونس و{ء الله} بيونس والنمل، و{ء الذكرين}, بالأنعام، فيسهل الثانية فيها بخلف عنه .

وهكذا لا تجد أصلاً من أصول القراء يطرد في سائر المواضع إلا وتجد مواضع مستثناة يخالفها , وهذا يدل بوضوح على أن الشأن للرواية , وليس للقياس أو الاجتهاد اعتبار .

الأدلة على أن مصدر القراءات : الوحي الرباني : 

من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن وحي رباني , أوحاه الله عز وجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين عليه السلام , قال تعالى {وإنه لتنزيل رب العلمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين} .

 ومهمة جبريل عليه السلام تعليمه للرسول صلى الله عليه وسلم وإنزاله عليه , ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغه للناس بأمر من الله عز وجل {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}

{ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} .

وليس للرسول صلى الله عليه وسلم أن يغير حرفاً مكان حرف أو كلمة مكان كلمة أخرى , وهذا أمر لا خلاف فيه .

(أ) الأدلة من القرآن الكريم :

هناك العديد من الآيات القرآنية تدل دلالة واضحة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له تبديل الكلمات أو الحروف القرآنية.

قال تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقائ نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} .

وقال تعالى {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين} .

وقال تعالى {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى * علمه شديد القوى} .

ولأن القراءات جزء من القرآن الكريم , فهي كذلك من عند الله عز وجل , ومنزلة وحياً منه تبارك وتعالى .

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يغير كلمة أو حرفاً , فغيره من باب أولى .

(ب) الأدلة من السنة :

أحاديث نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف تدل دلالة واضحة على أن القراءات منزلة من الله عز وجل , وليس للرسول صلى الله عليه وسلم فيها سوى التبليغ , وتدل تلك الأحاديث على أن الصحابة رضي الله عنهم تلقوها من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تلقاها عنهم التابعون , ومن بعدهم حتى وصلت إلينا متواترة جيلاً بعد جيل .

وفي الأثر عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر وعمر بن عبدالعزيز وعامر الشعبي (( القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول , فاقرؤا كما علمتموه )) خرجه ابن مجاهد في كتابه السبعة، وذكر أيضاً أحاديث تحظر الابتداع في القراءة , منها :

1-  عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : (( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم )) .

2-  عن علي رضي الله عنه قال : (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما علمتم )).

 

(ج) أقوال العلماء :

قال ابن الجزري : (( وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقد وجب قبوله ... وأنه كله منزل من عند الله , إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية , يجب الإيمان بها كلها ...)) .

وقال أيضاً : (( وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء , فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله , وهو كلام لا شك فيه , واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي , والحق في نفس الأمر فيه واحد , فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ , وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى : حق وصواب في نفس الأمر نقطع بذلك ونؤمن به ... )) .

وأقوال العلماء في اشتراط التواتر لقبول القراءات برهان قاطع على أن القراءات من الله عز وجل.

يقول الإمام أبو عمرو الداني : (( وأئمة القراءة لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة , والأقيس في العربية , بل على الأثبت في الأثر , والأصح في النقل , والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية , ولا فشو لغة , لأن القرآن سنة متبعة يلزم قبولها و المصير إليها)) .

وعلى ضوء تلك الآيات والأحاديث والآثار وأقوال العلماء منع العلماء القراءة بالقياس المطلق - وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه , ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه - .

ولذا قال غير واحد من أئمة القراء : لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرئ به , لقرأت حرف كذا كذا , وحرف كذا كذا .

ولا يجوز الاجتهاد في القراءات، ومن فهم أحاديث نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف إذناً من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن الكريم لكلٍ على لغته ولهجته كيفما شاء , ولو لم تكن القراءة مأثورة فقد أخطأ خطأً عظيماً .

ولا تجوز القراءة بالقياس المقبول وهو حمل ما لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما روي عنه , في جواز القراءة به لعلة مشتركة بين الحرفين تسوغ ذلك , كالترادف والاشتراك في المعنى , وذلك نحو قراءة ((وحللنا)) بدل ((ووضعنا)) في قوله تعالى : {ووضعنا عنك وزرك} .

أو حمل ما له وجه ضعيف على ما له وجه قوي , كإظهار الميم المقلوبة من النون الساكنة أو التنوين , في حالة الإقلاب قياساً على جواز إظهار الميم الساكنة عند الباء في حالة الإخفاء الشفوي, وترقيق الراء الساكنة قبل الكسرة والياء قياساً على ترقيقها بعد الكسرة أو الياء الساكنة.

لأن القرآن لا يؤخذ بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظه , قال ابن مجاهد : (( ولم أر أحداً ممن أدركت من القراء وأهل العلم باللغة وأئمة العربية يرخصون لأحد في أن يقرأ بحرف لم يقرأ به أحد من الأئمة الماضين , وإن كان جائزاً في العربية , بل رأيتهم يشددون في ذلك , وينهون عنه , ويروون الكراهة له عمن تقدم من مشايخهم , لئلا يجسر على القول في القرآن بالرأي أهل الزيغ , وينسبون من فعله إلى البدعة والخروج عن الجماعة , ومفارقة أهل القبلة , ومخالفة الأمة )) .

ويقول الباقلاني : (( ولو قرأ قارئ مكان قوله تعالى {وجاء ربك} ((ووافي ربك)) وما أشبه ذلك لكان ممنوعاً بإجماع المسلمين )) .

ويقول الزركشي : (( إن القراءات توقيفية وليست اختيارية ... وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة , وأنها سنة متبعة , ولا مجال للاجتهاد فيها ... وإنما كان كذلك لأن القراءة سنة مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا تكون القراءة بغير ما روي عنه )) .

ومن المعلوم أن القياس حجة شرعية - عند عدم وجود نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع - ولكنها ظنية في ثبوتها , ولا يجوز الرجوع إليه باعتباره أصلاً مستقلاً بنفسه , أو مصدراً أساسياً إلا بدليل خاص من القرآن أو السنة أو العقل السليم , وليس في القرآن أو السنة ما يسوغ الرجوع إليه في القراءات .

والعقل هنا يمنع من القياس في القراءات لأن قرآنية القرآن لا تثبت إلا بما ينهي ويوصل إلى اليقين , والقياس هنا لا يوصل إلى يقين .

ولو كان للقياس اللغوي دور وتأثير في القراءة لما قرأ ابن عامر {وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولدَهم شركائهم} بالفصل بالمفعول {أولادَهم} بين المضاف والمضاف إليه (( قتلُ شركائِهم )) .

ولما قرأ أبو جعفر {ليُجزى قوماً بما كانوا يكسبون} ببناء {يُجزى} للمفعول ونصب {قوماً}.

ولما قرأ حمزة {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ} بخفض {الأرحامِ} .

وذلك لأن كل هذه الأوجه يصعب على أهل اللغة أن يجدوا لأنفسهم فيها مخرجاً أو تأويلاً , ولكن لم يسغ للقراء النحويين أمثال : أبي عمرء البصري والكسائي أن ينكروها لثبوتها سنداً ورواية .

فالقراءات منزلة من عند الله عز وجل , ومصدرها وحي رباني , لا يجوز أخذها بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظ القرآن الكريم , وهي وإن كانت تشتمل على اللغات واللهجات ولكن لا يجوز الأخذ ولا القراءة بلهجة أو بلغة إلا بأثر ورواية مسندة .

الشبهة الثانية : أسباب اختلاف القراءات وتعددها :

ذهب المستشرق (جولد تسيهر) إلى أن من أسباب اختلاف القراءات : عدم النقط والشكل واجتهاد القراء في هيكل الكلمات القرآنية، وتأثر به بعض المعاصرين من المنتسبين إلى الإسلام .

ويرد على ذلك بما يلي :

1-     أن وجود القراءات المختلفة كان قبل نقط المصاحف وشكلها , بل قبل نسخ المصاحف العثمانية ووجودها ,حيث كان الاعتماد في نقل القرآن على حفظ المصاحف والسطور , وتدل عليه أحاديث المخاصمة بين بعض الصحابة في بعض القراءات .

2-     اعتماد القراءات على النقل والرواية , ولذلك لم تقبل القراءات الموضوعة أو المستنبطة من الرسم وهيكل الكلمات القرآنية , وأكبر دليل على ذلك أن القراء كلهم اتفقوا على نقل بعض الكلمات رغم مخالفتها لصريح الرسم , منها كلمة {إيلافهم} في سورة (قريش) حيث أجمعت المصاحف على إثبات الياء في الموضع الأول {لإيلف قريش} رسماً , فأثبتها القراء العشرة - ما عدا ابن عامر - قراءة , وأجمعت المصاحف على حذفها في الموضع الثاني {إلفهم} رسماً , ولكن أثبتها القراء العشرة - ما عدا أبي جعفر - قراءة لثبوتها نقلا ورواية . يقول الشيخ محمد بن الحاج - فيما نقل عنه الصفاقسي - : (( لا يلزم موافقة التلاوة للرسم, لأن الرسم سنة متبعة , قد توافقة التلاوة وقد لا توافقه , انظر كيف كتبوا {وجائ} بالألف قبل الياء , و{لأاذبحنه} و{ولأاوضعوا} بألف بعد ((لا)) ومثل هذا كثير , والقراءة بخلاف ما رسم )) .

3-     تناقض (جولد تسيهر) فيما ادعاه أولاً , وفيما انتهى إليه آخراً , فقد ختم حديثه عن القراءات بما هدم به من نتائج , وما تمسك به من نظريات , حيث قال : (( لا اعتراف بصحة قراءة , ولا تدخل قراءة في دائرة التعبير القرآني المعجز المتحدي لكل محاولات التقليد إلا إذا أمكن أن تستند إلى حجج من الرواية موثوق بها )) وبأقواله الأخرى التي تنص على أنه لا رأي للمسلمين في القراءة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمل إلا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ولا قبول إلا لما قرأ به . فثبت بذلك كله أن الاختلاف في القراءات لم يكن بسبب الرسم أو عدم نقط المصاحف وشكلها , بل يرجع ذلك إلى النقل والرواية .

4-     أن الاختلافات بين المصاحف العثمانية من حيث الرسم قليلة، فالاختلاف بين مصحفي الكوفة والبصرة كان في خمسة أحرف، وبين مصحفي المدينة والعراق في (12) حرفاً، وبين مصحفي الشام و العراق في نحو أربعين حرفاً، أما القراءات فكثيرة لا حصر لها .

5-     أن اختلاف مرسوم المصاحف قام على أساس اختلاف القراءات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى هذا : أن القراءات واختلافها لم يتولد على أساس اختلاف مرسوم المصاحف .

6-     ليس معنى تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لقراءة الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرر قراءة كل صحابي يقرأها حسب لغته و لهجته باجتهاد منه دون التلقي , و ذلك لأن القرآن كله - بأحرفه المختلفة - وحي منزل من الله عز وجل , لا قياس فيه ولا اجتهاد .

 

 

 

 

رسم المصحف العثماني 

تعريف الرسم :

هو مخالفة الخط للفظ ببدل أو زيادة أو حذف أو فصل أو وصل أو نحو ذلك .

المراد بالمصاحف العثمانية :

هي التي أمر عثمان رضي الله عنه في عهد خلافته بكتابتها لإجماع الأمة عليها , وإحراق ما سواها , وكان ذلك بعد ما شاور المهاجرين و الأنصار في ذلك , واتفق الجميع على ما رآه رضي الله عنه , ووكل مهمة الكتابة إلى زيد بن ثابت الأنصاري وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم , وأمرهم أن ينسخوها من صحف أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن يعرضوا ما فيها على حملة القرآن الكريم من الصحابة , ويتأكدوا من صحة ذلك بطلب نسخة خطية مما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم , فكتبوها , وكان عددها - على أصح الأقوال - ستة مصاحف , فلما أنجزوا المهمة , أرسل بنسخة إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية الكبرى , وأبقى مصحفاً في المدينة , ويسمى (( المدني العام )) وأمسك لنفسه مصحفاً ويسمى (( المدني الخاص )) أو (( المصحف الإمام )) وأرسل مع كل مصحف مقرئاً من أهل القرآن ليقرئهم .

وقد أثبت كُتَّاب المصاحف العثمانية القراءات المختلفة برسم واحد كلما أمكن ذلك , وما لم يمكنهم إثباته برسم واحد فرقوه في المصاحف برسمين مختلفين , كزيادة بعض الحروف أو الكلمات أو نقصانها في بعض المواضع .

ومما ساعدهم على إثبات القراءات المختلفة برسم واحد في معظم المواضع , تجريد الخط من النقط والشكل , وكتابة الآيات بطريقة إملائية خاصة تجعل الخط محتملاً لوجهين فأكثر .

قواعد الرسم المصحفي :

تنحصر قواعد رسم المصحف في ست قواعد , وهي :

1- الحذف .

2- الزيادة .

3- الهمز .

4- البدل .

5- الفصل والوصل .

6- ما فيه قراءتان فيكتب على إحداهما .

توضيح القواعد باختصار :

1- قاعدة الحذف :

الحروف التي تحذف كتابة في المصحف هي : الألف , الواو , الياء , اللام .

ومن أمثلة حذف الألف : {يأيها الناس} {هأنتم} {الله} .

ومن أمثلة حذف الواو : {لا يستون} {الغاون} {داود} .

ومن أمثلة حذف الياء : {غير باغ} {وأطيعون} {يا عباد فاتقون} .

ومن أمثلة حذف اللام : {اليل} {الذى} .

2- قاعدة الزيادة :

الحروف التي تزاد أحيانا هي : حروف المد الثلاثة (الألف والواو والياء) .

ومن أمثلة زيادة الألف : {ملاقوا} { بنوا إسرءيل} {تفتؤا} .

ومن أمثلة زيادة الواو : {أولوا} {أولئك} {أولاء} .

ومن أمثلة زيادة الياء : {نبإى} {بأييكم} {بأييد}.

3- قاعدة الهمز:

الهمزة تصور أحياناً على الألف , نحو : {البأساء} {لتنوأ} {أنزل} .

وتصور أحياناً على الواو , نحو : {اؤتمن} {نقرؤه} {لؤلؤا} {يبدؤا} .

وتصور أحياناً على الياء , نحو : {ائذن} {سئل} {شاطئ} .

وتصور أحياناً على السطر , نحو : {ملء} {الخبء} {دفء} .

4- قاعدة البدل :

في بعض الكلمات ترسم الألف واواً , نحو : {الصلوة} {الزكوة} {الحيوة} .

وفي بعض الكلمات ترسم الألف ياءً , نحو : {يا حسرتى} {يا أسفى} {حتى} .

وفي بعض الكلمات ترسم هاء التأنيث تاءً مفتوحة , نحو : {شجرت} {ابنت} {قرت عين}.

5- قاعدة الوصل والفصل :

كوصل ((أن)) بـ((لا)) نحو : {ألا تزر وازرة} .

أو وصل ((أم)) بـ((ما)) نحو : {أما اشتملت} .

أو وصل ((إن)) بـ((ما)) نحو : {وإما نرينك} في غير سورة الرعد .

أو وصل ((عن)) بـ((ما)) نحو : {عما يشركون} .

أو فصل ((عن)) عن ((ما)) نحو: {عن ما نهوا عنه} في الأعراف فقط .

أو فصل ((إن)) عن ((ما)) نحو : {وإن ما نرينك} .

أو فصل ((ما)) عن ((حيث)) نحو : {وحيث ما كنتم فولوا} .

6- قاعدة ما فيه قراءتان :

الكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة وخلوها من النقط والشكل يجعلها محتملة لكل قراءة كتبوها برسم واحد في جميع المصاحف , نحو : {ملك يوم الدين} {الصراط المستقيم} فيكون أحد الوجهين موافقاً للرسم تحقيقاً و الثاني تقديراً .

وإن لم تحمتل إلا وجهاً واحداً برسم واحد , كتبوها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة, وفي بعضها برسم آخر يدل على قراءة أخرى , نحو : قراءة {ووصى بها إبراهيم} وقراءة {وأوصى بها إبراهيم} ونحو قراءة {وقالوا اتخذ الله ولداً} وقراءة {قالوا اتخذ الله ولداً} .

 

فوائد الرسم العثماني :

هناك فوائد كثيرة للرسم العثماني , وفي كتابة الكلمات القرآنية بالوضع الخاص كما فعل الصحابة رضي الله عنهم حين نسخهم للمصاحف , منها :

1- الدلالة على القراءات المختلفة المتنوعة في الكلمة الواحدة برسم واحد بقدر الإمكان , فإن كان الرسم لا يحتمل أكثر من وجه كتب بالوجه المخالف للأصل , نحو قوله تعالى {إن هذان لسحرن} حيث كتبت كلمة ((هذن)) دون الألف والياء في جميع المصاحف .

وفي قراءتها ثلاثة أوجه :

     (أ) {هذانِ} بالألف بعد الذال وتخفيف النون .

     (ب) {هذانِّ} بالألف بعد الذال مع تشديد النون .

  (ج) {هذينِ} بالياء بعد الذال مع تخفيف النون .

وكلمة {إن} قرئت : {إِنْْ} بالتخفيف، و{إِنَّ}بالتشديد .

وبجمع الكلمتين ينتج أربع قراءات كما يلي : {إِنْ هذانِ} {إِنْ هذانِّ} {إِنَّ هذانِ} {إِنَّ هذينِ} .

2- إفادة المعاني المختلفة : و ذلك نحو قطع كلمة ((أم)) عن ((من)) في : ((أم من يكون)) للدلالة على أنها ((أم)) المنقطعة بمعنى ((بل)) وليس بمعنى ((أو)) .

3- الدلالة على أصل الحركة , في نحو : {إيتاءي} بالياء بعد الهمزة للدلالة على أن ما قبلها مكسور , ونحو {سأوريكم} بالواو بعد الهمزة , للدلالة على أن ما قبلها مضموم .

أو الدلالة على أصل الحرف , في نحو : {الصلوة} و {الزكوة} .

4- إفادة بعض اللغات الفصيحة , فكتابة هاء التأنيث بتاء مفتوحة دلالة على لغة طيء , حيث كان الوقف عندهم بالتاء , لا بإبدالها هاءً .

5- حمل الناس على تلقي القرآن الكريم مشافهة من أفواه الرجال , و صدور الحفاظ الثقات , فلا يمكن أخذ القرآن من المصاحف وحدها , لأن الأحكام التجويدية وطريقة أداء القرآن لا يمكن معرفتها إلا بالمشافهة , فلا يمكن النطق الصحيح بفواتح السور من المصحف فقط دون التلقي ؟ أياً كان رسم ذلك المصحف .

وفي التلقي مشافهة مزية أخرى , وهي : اتصال السند بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي ميزة لهذه الأمة تختص بها دون سائر الأمم .

حكم الالتزام برسم المصحف العثماني :

رسم معظم الكلمات القرآنية موافق للفظه - بمعنى أنه قياسي - فهل يصح كتابة الكلمات التي رسمت على خلاف التلفظ بها في المصاحف بالرسم الإملائي الحديث , أم يجب في كتابتها اتباع الرسم العثماني ؟ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال :

المذهب الأول : وجوب اتباع الرسم العثماني في كتابة المصاحف، وهو قول الجمهور .

واستدلوا على ذلك بأدلة متعددة , منها :

1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له كتاب للوحي , وقد كتبوا الوحي المنزل عليه بين يديه بهذا الرسم , وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ما كتبوه .

وهذا يدل على أن الرسم توقيفي , وليس للصحابة فيه اجتهاد , فيجب على الأمة اتباعه وعدم مخالفته .

2- جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن وكانت كتابته بنفس الرسم الذي كتب به أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يخالف في ذلك أحد الصحابة على كثرتهم .

3- جمع عثمان رضي الله عنه القرآن - على يدي أربعة من الصحابة من كتاب الوحي - ووضع لهم قانوناً لجمع القرآن الكريم كله بجميع ما ثبت لديهم من الأوجه والأحرف , فكتبوا المصاحف التي أطلق عليها ((المصاحف العثمانية)) وتقلدت الأمة رسمها , واشتهرت كتابتها بالرسم العثماني , وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك الرسم ولم ينكر أحد منهم شيئاً منه , وإجماع الصحابة واجب الاتباع .

4- استمر الأمر على ذلك , والعمل عليه في عصور التابعين والأئمة المجتهدين , ولم ير أحد منهم مخالفته , وفي ذلك نصوص كثيرة لعلماء الأمة منها :

- حين سئل الإمام مالك عن مخالفة رسم المصحف , فقال : (( لا أرى ذلك , ولكن يكتب على الكتبة الأولى )) .

قال السخاوي : (( والذي ذهب إليه مالك هو الحق )) .

وقال الداني : (( لا مخالف له - أي لمالك - في ذلك من علماء الأمة )) .

وقال الإمام أحمد : (( تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك )) .

ونقل الإمام الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني .

وأقوال العلماء في تأييد ذلك كثيرة , ومن ثم جعل العلماء موافقة الرسم أحد الأركان الثلاثة التي عليها مدار قبول القراءات .

المذهب الثاني : جواز كتابة المصاحف بالرسم الإملائي حسب ما تقتضيه قواعد أهل صناعة الخط . وممن قال به ابن خلدون والباقلاني واحتجوا على ذلك بما يلي :

1-  أن الصحابة رضي الله عنهم كتبوا المصاحف حسب ما كان لديهم من صناعة الخط , وكانوا غير مجيدين لها , فوقع منهم ما وقع من الأخطاء في رسم الكلمات القرآنية , فلا يجب علينا أن نتبعهم في ذلك الرسم , بل علينا أن نخالفهم فيه , لأن رسمهم قد يوقع الناس في الخلط  والالتباس والحيرة , ولا يمكّنهم من القراءة الصحيحة .

2-  أنه لم يرد دليل شرعي يوجب كتابة المصحف برسم معين .

المذهب الثالث : وجوب كتابة المصاحف للعامة بالقواعد الإملائية , مع وجوب المحافظة - عندهم - على الرسم العثماني القديم كأثر من الآثار الإسلامية النفيسة الموروثة عن السلف الصالح

وذهب إليه بعض المتأخرين كالزركشي والعز بن عبد السلام وبعض المعاصرين كالزرقاني .

قال الزرقاني : (( وهذا الرأي يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن من ناحيتين، ناحية كتابته في كل عصر بالرسم المعروف فيه , إبعاداً للناس عن اللبس والخلط في القرآن، وناحية إبقاء رسمه الأول المأثور , يقرؤه العارفون به ومن لا يخشى عليهم الالتباس )) .

القول الراجح :

هو قول الجمهور , وذلك لما يلي :

1- أن هذا الرسم الذي كتب به الصحابة القرآن الكريم حظي بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجب على الأمة .

2- أجمع عليه الصحابة ولم يخالفه أحد منهم , وكان هذا الإنجاز الكبير في عصر الخلفاء الراشدين , واتباعهم واجب على الأمة لقوله صلى الله عليه وسلم : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ...)) روه أبو داود وابن ماجه وأحمد .

3- أجمعت عليه الأمة منذ عصور التابعين , وإجماع الأمة حجة شرعية , وهو واجب الاتباع لأنه سبيل المؤمنين , قال تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} .

4- للرسم العثماني فوائد مهمة , ومزايا كثيرة , خاصة أنه يحتوي على القراءات المختلفة , والأحرف المنزلة , ففي مخالفته تضييع لتلك الفوائد وإهمال لها .

أما ما ذهب إليه أصحاب المذهبين الآخرين فيرد عليهم بما يلي :

1- فيهما مخالفة لإجماع الصحابة والتابعين وأهل القرون المفضلة .

2- القواعد الإملائية العصرية عرضة للتغيير والتبديل في كل عصر , وفي كل جيل , فلو أخضعنا رسم القرآن الكريم لتلك القواعد لأصبح القرآن عرضة للتحريف فيه .

3- الرسم العثماني لا يوقع الناس في الحيرة والالتباس , لأن المصاحف أصبحت منقوطة مشكلة بحيث وضعت علامات تدل على الحروف الزائدة, أو الملحقة بدل المحذوفة , فلا مخافة على وقوع الناس في الحيرة والالتباس .

حكم كتابة آيات معينة - وليس مصحفاً كاملاً - بالرسم الإملائي :

هناك فرق بين كتابة المصاحف الأمهات وبين كتابة الآيات القرآنية في غير المصاحف .

فأما المصاحف الأمهات : فيجب على المسلم اتباع الرسم العثماني فيها , ولا يجوز لأحد العدول عنه , لما تقدم في مذهب الجمهور .

وأما كتابة الآيات القرآنية في غير المصاحف : ككتابتها في المؤلفات , وكتب التفسير , والرسائل العلمية , والأجزاء المفرقة من القرآن الكريم التي تعد للتعليم سواء كانت للناشئة أو الكبار , فإن كتابتها بالرسم العثماني هو الأحوط خروجاً عن الخلاف , ولكن لا يجب الالتزام فيها بالرسم العثماني، بل يجوز أن تكتب بالرسم الإملائي العصري ولا يحرم ذلك .

 

 

 

الترتيل وبيان ركنيه 

بين (القراءات) و (الترتيل) صلة قوية , لأن القراءات هي : أوجه مختلفة لقراءة كلمات القرآن الكريم , والقرآن نزل بالترتيل , قال تعالى {ورتلنه ترتيلا} ولا يقرأ إلا بالترتيل لقوله تعالى {ورتل القرآن ترتيلا} .

مفهوم الترتيل : هو قراءة القرآن الكريم بتمهل واطمئنان , مع تدبر المعاني , ومراعاة أحكام التجويد والوقف .

وقد تعددت أقوال السلف في تفسير قوله تعالى {ورتل القرءان ترتيلاً} :

- فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بينه .

- وقال مجاهد : تأن فيه .

وقال الضحاك : انبذه حرفا حرفاً , أي : تلبث في قراءته وتمهل فيها , وافصل الحرف من الحرف الذي بعده .

وقال الحسن وقتادة : اقرأه قراءة بينة , زاد قتادة : وترسل به .

وقال علي رضي الله عنه : الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف .

أهمية الترتيل : 

تتجلى أهمية الترتيل من قوله تعالى {ورتلنه ترتيلا} حيث أضافه الله تعالى إلى نفسه تبارك اسمه . كما تتأكد أهميته من قوله تعالى {ورتل القرءان ترتيلا} حيث أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعمل به .

وتزداد أهميته , حيث إن الله تعالى لم يقتصر على الأمر بالفعل , بل أكده بالمصدر (ترتيلا) وذلك للاهتمام به وتعظيمه , ليكون ذلك عوناً على تدبر القرآن وتفهمه .

وقد وضح مفهوم هذه الآية في قوله تعالى {وقرءانا فرقنه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنه تنزيلا} ومعنى كلمة {مكث} : الترسل , والتمهل في التلاوة والترتيل , وتبيين الحروف , وتحسين التلاوة بالصوت الحسن ما أمكن .

ويشير إلى ذلك قوله تعالى : {الذين ءاتينهم الكتب يتلونه حق تلاوته} فحق التلاوة : ترتيل الكلمات وتجويد الحروف، وفهم المعاني والعمل بمقتضاها .

ويؤيد ذلك قوله تعالى : {ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه} ففيه نهي عن العجلة والسرعة في القراءة , مخافة أن يؤدي ذلك إلى اللحن في التلاوة , وعدم إعطاء الحروف حقوقها ومستحقاتها , فيكون فيه مخالفة الأمر بالترتيل .

كما وضح ذلك بتوضيح أكثر في قوله تعالى {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه * فإذا قرأنه فاتبع قرءانه} .

ففيه تنبيه على عدم العجلة في القراءة , وإشارة إلى كيفية تعلم القرآن من جبريل وتلقيه منه .

وهذا ما أكد عليه جمهور العلماء من أن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي والمشافهة .

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على تلاوة القرآن بالكيفية المنزلة بقوله : (( إن الله يحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل )) رواه ابن خزيمة في صحيحة .

وبقوله صلى الله عليه وسلم : (( من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد )) رواه أحمد وابن ماجه الترمذي والنسائي وصححه الدارقطني , والطيالسي في مسنده، وصحيح ابن خزيمة .

ومعلوم - باليقين - أن تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مرتلة , وهذا وإن كان لا يحتاج في إثباته إلى نص ما دام ثبت أمر الله تعالى لنبيه بـ((الترتيل)) حيث لا يتصور من رسول الله أن لا يمتثل أمر الله ومع ذلك فهناك آثار صحيحة تثبت ذلك , منها :

1- ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم مفسرة حرفاً حرفاً . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم في المستدرك، وقال : صحيح على شرط مسلم , وأقره الذهبي .

2- وروي عنها أيضاً رضي الله عنها قالت : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته , يقول : {الحمد لله رب العالمين} ثم يقف , {الرحمن الرحيم} ثم يقف ... )) رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وصححه الدارقطني، وقال ابن الجزري : وهو حديث حسن , وسنده صحيح .

3- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها )) رواه البيهقي في السنن الكبرى .

4- وعن أنس رضي الله عنه وقد سئل عن قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : (( كانت مداً , ثم قرأ : ((بسم الله الرحمن الرحيم )) يمد ببسم الله , ويمد بالرحمن , ويمد بالرحيم )) رواه البخاري .

 

فهذه الآثار وأمثالها تثبت ترتيل الرسول صلى الله عليه وسلم لكتاب الله على الكيفية المتلقاة من جبريل عليه السلام الذي تلقاها من الله تبارك وتعالى .

ولذلك نرى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يسمي الإسراع بالتلاوة (هذاً كهذ الشعر) و{نثراً كنثر الدقل} رواه مسلم . 

ومن فضائل الترتيل أنه يقال لصاحب القرآن : اقرأ , وارتق , ورتل كما كنت ترتل في الدنيا , فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها )) . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد .

حكم الترتيل :

ذهب جمهور العلماء والقراء خصوصاً إلى وجوب ترتيل القرآن الكريم مستدلين بما ورد من الآيات والأحاديث والآثار .

يقول الإمام ابن الباذش (ت540هـ) : (( اعلم أن القراء مجمعون على إلزام التجويد , وهو إقامة مخارج الحروف وصفاتها )) الإقناع 1/552 .

وقد ذكر ابن الجزري عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله : (( جودوا القرآن , وزينوه بأحسن الأصوات )) .

ويؤيده ما روي عن البراء بن عازب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( زينوا القرآن بأصواتكم )) وهو صحيح الإسناد , رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والحاكم والطيالسي في مسنده .

وقال ابن الجزري : (( ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده , متعبدون بتصحيح ألفاظه , وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها , ولا العدول عنها إلى غيرها )) .

ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته , صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا .

نقل السخاوي عن ابن ذكوان - أحد راويي ابن عامر الدمشقي - أنه قال : (( يجب على قارئ القرآن أن يقرأ بترتيل و ترسل وتدبر ... وأن يزين قراءته بلسانه ويحسنها بصوته , ويعرف مخارج الحروف في مواضعها )) .

 

مراتب الترتيل : للترتيل ثلاث مراتب :

1- التحقيق : وهو القراءة بتؤدة وطمأنينة , وتمهل - بقصد التعليم - مع تدبر المعاني ومراعاة الأحكام .

2- الحدر : وهو القراءة بسرعة , مع مراعاة الأحكام .

3- التدوير : وهو القراءة بحالة متوسطة - بين التحقيق والحدر - مع مراعاة الأحكام .

أما القراءة السرية - سواء في الصلاة أو خارجها - فترتل، وتسمى : الزمزمة وهي ضرب من الحدر .

فكلمة ((الترتيل)) تشمل هذه الأساليب القرائية الأربعة كلها , ولا يخرج عنها أي نوع منها , وقد درج كثير من المؤلفين في التجويد على جعل (الترتيل) مرتبة مستقلة للتلاوة تغاير المراتب المذكورة , والتحقيق أنها شاملة لهذه المراتب وليست قسماً آخر , وهو الذي عليه المحققون .

ركنا الترتيل :

للترتيل ركنان , وهما المفهومان من قول علي رضي الله عنه في بيان معنى الترتيل : (( الترتيل : تجويد الحروف ومعرفة الوقوف )) :

وكل ركن منهما أصبح علماً مستقلاً بنفسه من حيث الدراسة والبحث والتأليف .

شرح الركنين :

التجويد : علم بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم من حيث إخراج كل حرف من مخرجه , وإعطاؤه حقه ومستحقه .

حكمه : العلم بأحكامه وجزئياته فرض كفاية - بالنسبة لعامة المسلمين - .

وفرض عين بالنسبة إلى العلماء والحفاظ .

والعمل به ومحاولة تطبيقه في التلاوة فرض عين على كل من قرأ شيئاً من القرآن الكريم للتعبد به سواء في الصلاة أو خارجها .

واضعه : من الناحية العملية : الرسول صلى الله عليه وسلم .

و من الناحية العلمية : قيل أبو الأسود الدؤلي (ت99هـ) و قيل : أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) وقيل : الخليل بن أحمد (ت170هـ) .

 

تدوين علم التجويد :

لا يعرف بالتحديد أول من دون في علم التجويد , وإن كانت جهود العلماء قديمة في هذا العلم ويعتبر كتابا : (العين) للخليل , و(كتاب سيبويه) من أقدم الكتب التي تناولت مباحث التجويد .

كما أن القراء كانوا يتداولون مباحثه ضمن مباحث علم القراءات , وتعتبر المنظومة ((الرائية)) لأبي مزاحم الخاقاني (ت325هـ) أولى محاولات التدوين المستقلة في هذا الفن .

ومما ألف في علم التجويد :

- الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة : لمكي بن أبي طالب القيسي (ت437هـ) .

- التحديد في الإتقان والتجويد : لأبي عمرو الداني (ت444هـ) .

- الموضح في التجويد : لعبد الوهاب بن محمد القرطبي (ت461هـ) .

- التجويد لبغية المريد : لابن الفحام الإسكندري (ت516هـ) .

- التمهيد في معرفة التجويد : لأبي العلاء الهمذاني العطار (ت569هـ) .

- عمدة المفيد وعدة المجيد المعروفة بـ((النونية)) للسخاوي (ت 643هـ) .

- التمهيد في علم التجويد : لابن الجزري (ت833هـ) .

- نهاية القول المفيد في علم التجويد : لمحمد مكي نصر .

- هداية القاري إلى تجويد كلام الباري للشيخ عبد الفتاح المرصفي (ت1408هـ) .

ومن أشهر المنظومات في التجويد :

- المقدمة الجزرية : لابن الجزري .

- تحفة الأطفال : لسليمان الجمزوري .

اللحن :

سبق أن القرآن الكريم نزل بـ ((الترتيل)) .

وأول ركني الترتيل : هو التجويد , والقراءة بغير التجويد تسمى - في عرف القراء - لحناً , ولا بد من معرفة اللحن للتجنب عنه .

اللحن لغة : هو الميل عن الصواب إلى الخطأ,ومنه قوله تعالى {ولتعرفنهم في لحن القول} .

 

 

وينقسم اللحن إلى قسمين :

1- الجلي : وهو ما كان بسبب مخالفة القواعد العربية , كاستبدال حرف بحرف أو حركة بحركة , سواء أثر في المعنى بتغييره أو لم يؤثر .

وبتعبير آخر : هو ما كان بسبب الخطأ في مخارج الحروف أو صفاتها اللازمة .

سمي جلياً : لظهورة , ولاشتراك علماء التجويد وغيرهم من المثقفين في إدراكه .

حكمه : التحريم بالإجماع .

2- الخفي : وهو ما كان بسبب مخالفة قواعد التجويد .

وبتعبير آخر : ما كان بسبب الخطأ في تطبيق الصفات العارضة , وهو نوعان :

(أ) ما كان بسبب مخالفة أحكام التجويد المتفق عليها , كإظهار المدغم أو العكس , أو إخفاء المظهر أو العكس , أو قصر الممدود أو العكس ... وما إلى ذلك من الأحكام المعروفة .

(ب) ما كان بسبب الخطأ في أمور القراءة الفنية الدقيقة التي لا يعرفها إلا مهرة القراء , كتكرير الراءات , وتطنين النونات , وترعيد الصوت بالمدود , أو عدم ضبط مقاديرها , وكذلك عدم ضبط الإمالة الكبرى أو الصغرى , وعدم ضبط تسهيل الهمزات وقفاً أو وصلاً ... وما إلى ذلك من الأمور التي تخص القراء المتقنين .

وسمي هذا القسم - بنوعيه - خفياً : لخفائه على كثير من الناس حتى القراء - غير المهرة - .

حكمه :

أما النوع الأول فهو : حرام , لما عرف من وجوب تجويد القرآن ولما قيل : ((كل ما اجتمعت عليه القراء حرمت مخالفته )) .

وأما النوع الثاني فهو : مكروه , يعاب فيه على الخواص دون العوام لأن تعلمه أمر صناعي .

مباحث التجويد :

لقد علمنا - مما مر - أن التجويد : هو إخراج كل حرف من مخرجه , وإعطاؤه حقه ومستحقه .

وإذا تأملت في هذا التعريف وجدت أنه يشتمل على شطرين :

الشطر الأول : إخراج كل حرف من مخرجه .

والشطر الثاني: إعطاء الحرف حقه ومستحقه .

وهذا يعني أن للتجويد ركنين , وهما :

1- معرفة المخارج .

2- معرفة الصفات .

وهذا هو ملخص ما يوجد من الأحكام في علم التجويد , ولا يخرج حكم من أحكامه من هذين الركنين , أما الكلام في كتب التجويد حول معرفة همزة القطع والوصل , أو معرفة المقطوع والموصول من الكلمات القرآنية , فليس من صميم مباحث علم التجويد , وإنما هي فوائد لا بد لقارئ القرآن أن يتعلمها لمعرفة الوقف والبدء .

- مخارج الحروف :

المخارج : جمع مخرج , وهو لغة : محل الخروج مطلقاً .

واصطلاحاً : محل خروج الحرف وتمييزه عن غيره .

والحروف , جمع : حرف , وهو لغة : بمعنى الطرف .

واصطلاحاً : صوت يعتمد على مقطع محقق أو مقدر .

والحروف الهجائية قسمان :

(أ‌)   الأصلية : وهي تسعة وعشرون حرفاً – على المشهور - وهي المعروفة بحروف : أبا جاد .

(ب‌) الفرعية : وهي التي تخرج من مخرجين , وتتردد بين حرفين , منها :

1- الهمزة المسهلة بين بين , وهي على ثلاثة أقسام :

1- بين الهمزة والألف , نحو : ءأنذرتهم.

2- بين الهمزة والياء , نحو : أئنك.

3- بين الهمزة والواو , نحو : أؤنزل.

2- الألف الممالة , وتنقسم إلى قسمين : الكبرى والصغرى, نحو: (موسى) و (عيسى) .

* الصاد المشمة صوات الزاي . نحو: ((الصراط)) على قراءة حمزة .

* الياء المشمة صوت الواو , نحو: ((قيل)) و((غيض)), على قراءة الكشائي وهشام .

وتنقسم المخارج إلى قسمين :

(أ) المخارج الكلية .

(ب) المخارج التفصيلية .

وفيما يلي بيانها :

(أ) المخارج الكلية : وقد تشتمل على عدة مخارج تفصيلية، وهي خمسة مخارج :

1- الجوف .

2- الحلق .

3- اللسان .

4- الشفتان .

5- الخيشوم .

(ب) المخارج التفصيلية : وهي التي تنطوي تحت المخارج الكلية، وكل مخرج منها موضع لخروج حرف واحد أو أكثر .

وهي عند الجمهور سبعة عشر مخرجاً على الراجح، وتتوزع على المخارج الكلية هكذا :

1- الجوف : وفيه مخرج واحد , لثلاثة أحرف .

2- الحلق : وفيه ثلاثة مخارج , لستة أحرف .

3- اللسان : وفيه عشرة مخارج , لثمانية عشر حرفاً .

4- الشفتان : وفيهما مخرجان , لأربعة أحرف .

5- الخيشوم : وفيه مخرج واحد , لصوت الغنة .

 

صفات الحروف :

الصفات لغة : جمع (صفة) وهي لغة : ما قامت بالغير .

واصطلاحاً : كيفية عارضة للحرف عند خصوله في المخرج .

وتنقسم إلى قسمين :

1-  اللازمة : وهي التي تلازم الحروف , ولا تفارقها في حال من الأحوال , وتسمى أيضاً (الذاتية) .

2- العارضة : وهي التي يتصف بها بعض الحروف في بعض الحالات لسبب من الأسباب , وتفارقها في بعض الحالات لسبب من الأسباب .

أولاً : الصفات اللازمة :

تنقسم إلى قسمين :

1- المتضادة , وهي عشر :

الهمس وضده الجهر .

الشدة وضدها الرخاوة (وبينهما : التوسط) .

الاستعلاء وضدها الاستفال .

الإطباق ضدها الانفتاح .

الإذلاق وضدها الإصمات .

 

2- غير المتضادة : وهي - عند الجمهور - سبع صفات :

1- الصفير .

2- القلقلة .

3- الانحراف .

4- التكرير .

5- اللين .

6- التفشي .

7- الاستطالة .

وأضاف إليها آخرون صفتين هما :

1- الغنة  .

2- الخفاء .

ثانيا : الصفات العارضة :

وهي التي تلحق الحرف أحياناً , وتفارقه أحياناً , وتنقسم إلى قسمين :

1- المتضادة : وهي أربع : المد والقصر , والتفخيم والترقيق.

2- وغير المتضادة: وهي أربع كذلك : الإظهار , والإدغام , والقلب, والإخفاء.

 


علم الوقف 

تعريف الوقف :

لغة : الكف والحبس , يقال : أوقفت الدابة , أي : حبستها .

واصطلاحاً : عبارة عن قطع الصوت عند آخر كلمة زمنا - بقدر بحركتين - يتنفس فيه عادة, بنية استئناف القراءة , لا بنية الإعراض عنها .

ويكون الوقف في رؤوس الآيات , أو في أوساطها , ولا يجوز في أوساط الكلمات , ولا فيما اتصل رسماً , نحو {أينما} {إنما} {ألا} .

نشأة علم الوقف وأهميته :

الأصل في الوقف ما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية , يقول : ژ پ  پ  پ  پ ژ  ثم يقف ثم يقول : ژ ?  ? ژ , ثم يقف ثم يقول : ژ ?  ?    ?    ژ  ثم يقف .

فالوقف والاهتمام به ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم , وكان الصحابة y يهتمون به عند القراءة ويتناقلونه مشافهة , ويتعلمونه كما يتعلمون القراءة .

وقد ذكر ابن الجزري أثراً عن ابن عمر t حيث قال : لقد عشنا برهة من دهرنا , وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن , وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها , وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها , كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم , ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان , فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته , ما يدري ما أمره ولا زجره وما ينبغي أن يوقف عنده )) وهذا الأثر دليل على اهتمام الصحابة بالوقف , بل هو دليل على إجماعهم عليه.

وذكر ابن الجزري أثراً عن علي t في تفسير قوله تعالى : {ورتل القرءان ترتيلاً} قال : (( هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف )) .

قال ابن الجزري : (( وصح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح ... وكلامهم في ذلك معروف , ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب )) .

وقد حض الأئمة على تعلمه ومعرفته والاعتناء به , واشترط كثير من العلماء على المجيز أن لا يجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء , لأن به تعرف معاني القرآن , ولا يمكن استنباط الأدلة الشرعية إلا بمعرفة الفواصل .

 

المؤلفات في الوقف والابتداء :

كثرت مؤلفات العلماء عبر القرون في علم الوقف والابتداء، ومن أشهر المؤلفات فيه :

1-  الإيضاح في الوقف والابتداء : لابن الأنباري (ت328هـ) .

2-  القطع والائتناف : لابن النحاس (ت338هـ) .

3-  المكتفي في الوقف والابتداء : لأبي عمرو الداني (ت444هـ) .

4-  المقصد لتلخيص ما في المرشد : لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت 926هـ) .

5-  منار الهدى في الوقف والابتداء : للأشموني (من علماء القرن الحادي عشر الهجري) .

أقسام الوقف :

ينقسم الوقف إلى أربعة أقسام :

1- اضطراري : وهو ما يعرض للقارئ بسبب ضيق نفس ونحوه كعجز ونسيان , فله أن يقف على أي كلمة شاء , لكن يجب الابتداء بالكلمة الموقوف عليها إن صح الابتداء بها .

2- انتظاري : وهو أن يقف على مقطعة معينة من الجملة التامة , ليعطف عليها وجها آخر لقارئ نفسه , أو لراو آخر من راويي قارئ واحد , فيكمل بقية الآية , وذلك عند جمع القراءات والروايات .

3- اختباري : وهو ما يتعلق بالرسم لبيان المقطوع والموصول , والثابت والمحذوف ونحوه , ولا يوقف عليه إلا لحاجة : كسؤال ممتحن , أو تعليم مبتدئ لكيفية الوقف , كالوقف على التاء المجرورة أو المربوطة، نحو {سنت الله} {سنة الله} فيوقف على المجرورة بإثباتها , وعلى المربوطة بإبدالها هاء .

4- اختياري : وهو ما يقصده القارئ لذاته من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة , وهو على أربعة أقسام : التام , الكافي , الحسن , القبيح , والأخير يذكر كتتمة للأقسام ليعرفه القارئ فيحترز منه .

 1- التام : هو الوقف على ما تم معناه ولم يتعلق بما بعده , لا لفظاً ولا معنى , وأكثر ما يوجد هذا النوع في رؤوس الآي , وعند انقضاء القصص واختتام السور .

وقد يكون قبل انقضاء الآية , وقد يكون في وسط الآية .

حكمه : يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده .

2- الكافي : هو الوقف على ما تم معناه وتعلق بما بعده معنى لا لفظاً ، وقد يتفاضل هذا النوع من الوقف في الكفاية .

حكمه : يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده .

3- الحسن : هو الوقف على ما تم معناه وتعلق بما بعده لفظا ومعنى .

حكمه : إن كان رأس آية فإنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده , بل هو سنة , كما ذكر في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية .

وإن لم يكن رأس آية , فإنه يجوز الوقف عليه , ولا يجوز البدء بما بعده , بل عليه أن يعيد من بداية الجملة ويصلها بما بعدها .

وكذلك لا يحسن الابتداء بكل تابع دون متبوعه .

4- القبيح : هو الوقف على ما لم يتم معناه , وتعلق بما بعده لفظاً ومعنى .

كالوقف على المضاف دون المضاف إليه , والمبتدأ دون الخبر , أو الفعل دون فاعله ، وهكذا كل ما لم يفهم منه معنى .

حكمه : لا يجوز تعمده إلا لضرورة كانقطاع نفس أو عطاس أو نحو ذلك , وكذلك لا يجوز الابتداء ما بعده بل بما قبله حتماً .

* وأقبح القبيح : الوقف والابتداء الموهمان خلاف المعنى المراد .

والوقف في ذاته لا يوصف بوجوب ولا حرمة , ولا يوجد في القرآن وقف واجب يأثم القارئ بتركه , ولا حرام يأثم بفعله , وإنما يتصف بالوجوب أو الحرمة حسب ما يعرض له من قصد إيهام خلاف المراد .

وقف التكلف :

قد يتكلف البعض من القراء والمعربين في الوقف فيخترع أنواعاً من الوقف يأباها سياق كتاب الله العزيز .. كالوقف على كلمة {أنت} من قوله تعالى {واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} في آخر البقرة .

أو على كلمة : {لا} من قوله تعالى {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} .

أو على كلمة {يحلفون} من قوله تعالى {ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً} وذلك ليبتدئ من {بالله} .

أو الوقف على كلمة {جناح} من قوله تعالى {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}  و ذلك ليبتدئ من {عليه أن يطوف} .

كيفية الوقف :

للقارئ أن يقف بإحدى ثلاث طرق، وهي :

1-  الوقف بالسكون المحض : ويجوز الوقف به على المرفوع , والمنصوب , والمجرور , نحو {رب العالمينَ} و{الرحمن الرحيمِ} و{وإياك نستعينُ} .

2-  الوقف بالإشمام : وهو ضم الشفتين بعيد الوقف بالسكون , ولا يجوز إلا على المرفوع نحو {وإياك نستعين} .

3-  الوقف بالروم : وهو الإتيان ببعض الحركة , وقدر بثلثيها , بحيث يسمعه القريب المصغي ولا يسمعه البعيد , ولا يجوز إلا في المرفوع والمجرور , نحو {يوم الدينِ} و{نستعينُ} .

والوقف بالإشمام وبالروم يتعلق بالسماع، لا يكن ضبطه إلا بتلقيه من أفواه المشايخ المتقنين .

إذا كان الموقوف عليه منوناً بالنصب , نحو : {عليماً} أو {هدىً} وقف عليه بإبدال التنوين ألفاً , ويسمى مد عوض .

إذا كان الموقوف عليه تاءً مربوطة وقف عليها بإبدالها هاءً , نحو {القرية} .

 

السكت والقطع :

أولاً : تعريف السكت : لغة : المنع، واصطلاحاً : قطع الصوت زمنا - دون زمن الوقف - من غير تنفس , بنية العود إلى القراءة في الحال .

وله حالتان :

1-  أن يكون في وسط الكلمة , نحو : ژ ?  ژ .

2- أن يكون في آخر الكلمة - وصلاً - , نحو :  ژ پ  پ  ژ , ژ چچ  چ  ژ .

وأكثره وقوعاً : على الساكن قبل الهمز , سواء كان الساكن صحيحا , نحو : ژ پ  پ  ژ, و ژ ?  ژ .

أو شبه صحيح – وهو حرف لين -, نحو : ژ ?  ?  ژ , ژ ڈ     ژ  ژ .

أو حرف مد , نحو : ژ ?  ?  ژ , ژ ڈ  ڈ  ژ  ژ .

وقد ورد السكت – عموماً – عن الإمام حفص عن عاصم , وابن ذكوان عن ابن عامر , وإدريس عن خلف العاشر على الساكن قبل الهمز – ما لم يكن حرف مد – في أحد الوجهين عنهم , من طريق طيبة النشر.

أما السكت من – طريق الشاطبية – فقد ورد عن الإمام حمزة بخلف عن خلاد في بعض الصور , وعن حفص عن عاصم في بعض المواضع.

مواضع السكت - لحفص عن عاصم - من طريق الشاطبية :

ورد السكت عن الإمام حفص وصلاً في أربعة مواضع بالاتفاق , وفي موضعين بالخلاف :

(أ‌)   المواضع المتفق عليها :

1-  السكت على الألف المبدلة من التنوين في كلمة {عوجاً} في قوله تعالى {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً * قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه} في سورة الكهف .

2-  السكت على الألف من كلمة {مرقدنا} في قوله تعالى {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} في سورة يس .

3-  السكت على النون من كلمة {مَنْ} في قوله تعالى {وقيل من راق} .

4- السكت على اللام من كلمة {بل} في قوله تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} في سورة المطففين .

والسكت في الموضعين الأولين يكون في حالة الوصل فقط , ولا يكون في حالة الوقف , فالقارئ مخير بين أحد الأمرين :

1-  إما أن يقف على الكلمة الأولى ويتنفس , فلا يكون فيها سكت , ويبدأ بالكلمة التي بعدها .

2-  أو يصل الكلمة الأولى بما بعدها , ولا يقف , فيتحتم عليه حينئذ السكت .

أما الموضع الثالث والرابع : فيتعين السكت فيهما , لعدم جواز الوقف عليهما .

(ب) الموضعان المختلف فيهما :

1-  السكت بين سورتي الأنفال والتوبة , على حرف الميم من {عليم} في قوله تعالى {إن الله بكل شيء عليم} في آخر سورة الأنفال .

2-  السكت على الهاء مـن {ماليه} في قـوله تعالى {ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه} في سورة الحاقة .

والسكت في هذين الموضعين لا يكون إلا في حالة الوصل فقط .

 

ثانيا : تعريف القطع : لغة : الإبانة والإزالة , تقول : قطعت الشجرة : إذا أبنتها وأزلتها .

واصطلاحاً : قطع القراءة رأسا , أي : الانتهاء منها .

ولا يكون إلا في أواخر السور , أو أواخر الآيات , هو ما يسمى بـ ((رؤوس الآي)) .

فإذا عاد القارئ إلى التلاوة مرة ثانية يستحب له الإتيان بالاستعاذة .

 

توجيه القراءات

تعريف علم التوجيه :

التوجيه لغة : مصدر : وجه يوجه، وفي الذكر الحكيم {أينما يوجهه لا يأت بخير} .

واصطلاحاً : علم يبحث فيه عن لُمِّـيَّة القراءات , ببيان عللها وتوجيهها من حيث اللغة والإعراب .

أو : علم يبحث فيه عن معاني القراءات والكشف عن وجوهها في العربية .

أو : علم يقصد منه تبيين وجوه وعلل القراءات والإيضاح عنها والانتصار لها .

مصطلحات التوجيه :

من خلال تتبع مصنفات العلماء في هذا العلم وأسمائها يتضح أن لفظ التوجيه بهذا المعنى في القراءات خاصة لم يكن مستعملاً عند المتقدمين، ولم يكونوا يطلقونه على مؤلفاتهم حتى أوائل القرن السادس، حيث صنف أبو الحسن شريح بن محمد الرعيني المتوفى سنة 539هـ، كتابه المسمى (الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمى) .

ثم جاء من بعده كثير من العلماء الذي استعملوا مسمى (التوجيه) في تأليفهم .

ثم استعملت بعد ذلك مصطلحات أخرى غير (التوجيه) ومنها :

- تعليل القراءات .

- معانى القراءات .

- الاحتجاج للقراءات .

- تخريج القراءات .

- إعراب القراءات .

نشأة التوجيه :

نشأ علم التوجيه مبكراً، غير أنه كان في بادئ الأمر - كغيره من الفنون - ضمن فنون أخرى، وقد عرف توجيه القراءات ضمن علم تفسير القرآن الكريم، وضمن علم اللغة والنحو .

ومر علم التوجيه بمرحلتين :

المرحلة  الأولى : مرحلة التوجيه الفردي لبعض القراءات دون تدوين : وهى على ثلاثة أصناف : 

الأول : أن تعرض للقارئ أو السامع فيها قراءة، فيشكل عليه معناها لغموضها عنده، أو تعارضها مع نص آخر في الظاهر، فيدعوه ذلك إلى الاجتهاد في تفقه معناها وإجلاء الغموض عنها، والجمع بينها وبين ما ظهر له في أول الأمر أنه من باب التعارض . 

الثانى : أن يحتج لمعنى قراءة بآية أخرى توجه معناها، وتبين مقصودها ويمكن أن يمثل لذلك بما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ (نُنْشِرُها) بالراء، من قوله تعالى {وانظر إلى العظام كيف ننشرها}في البقرة واحتج على معناها بقوله تعالى {ثم إذا شاء أنشره} في عبس، واحتجاجه بآية عبس يبين أن المراد من آية البقرة الإنشار، الذي هو الإحياء . 

الثالث : أن يختار قارئ ما قراءة في كلمة قرئت بأكثر من وجه، فيوجه قوة قراءته بالاحتجاج على  قراءة من قرأ بالوجه الآخر فيها . 

المرحلة الثانية : مرحلة التدوين، وتنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : آراء لبعض المصنفين في التفسير ومعاني القرآن والنحو، يذكرونها عند بيان قراءة من القراءات، ومن أوائل الكتب التي برز فيها هذا القسم جلياً :

- كتاب سيبويه (ت180هـ) .

- وكتب معاني القرآن وإعرابه وتفسيره، ككتاب، ومنها :

- " معاني القرآن" للفراء (ت207هـ) .

- و "معانى القرآن" للأخفش الأوسط (ت215هـ) .

- و "جامع البيان عن تأويل آى القرآن" لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) .

- و"معاني القرآن وإعرابه " لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (ت311هـ) .

- " ومعاني القرآن " لأبي جعفر النحاس المتوفى سنة (388هـ) وغيرها .

وقد قصد في هذه الكتب إلى التفسير اللغوي للمتن القرآني الذي اختلف القراء فيه وبيان وجه معناه وإعرابه .

القسم الثانى : ويمثل مرحلة التدوين في هذا العلم، وينفصل عن الأول في تمخضه عن كتب مفردة في هذا الباب، وهو ذكر القراءات وتوجيهها، وهم متفاوتون، منهم المكثرون، ومنهم دون ذلك .

ومن أشهر الكتب المؤلفة في توجيه القراءات - على سبيل التمثيل لا الحصر - ما يلي :

1- إعراب القرءات السبع وعللها : لابن خالويه (ت370هـ) .

2- الحجة في القراءات السبع : له أيضاً .

3- الحجة للقراء السبعة : لأبي علي الفارسي (ت377هـ) .

4- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها : لابن جني (ت392هـ) .

5- حجة القراءات : لابن زنجلة (ت403هـ) .

6- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها : لمكي بن أبي طالب القيسي (ت437هـ).

7- شرح الهداية في القراءات السبع : لأحمد بن عمار المهدوي (ت430هـ) .

8- المختار في معاني قراءات أهل الأمصار : لأحمد بن عبد الله بن إدريس .

أسباب التأليف في التوجيه :

لا ريب أن الأسباب والبواعث للتأليف في علم التوجيه كثيرة ومتنوعة، وقد يكون لكل مؤلف فيه بواعثه التي تختلف عن الآخرين، وفيما يلي ذكر أهم أسباب التأليف في التوجيه :

1- الرد على ما يثيره الملحدون ممن قصد التشكيك في القراءات ليصل بذلك إلى الطعن في القرآن، ثم المنزل عليه، ثم الطعن في دين الله، والدفاع عن القراءات بالكشف عن وجهها، وبيان صحتها وسلامتها.

2- الرد على من تأول من أهل القبلة، فطعن في القراءة لمخالفتها القياس والنظر عنده، ومقابلتهم بآلتهم وسلاحهم الذى طعنوا به فى القراءة .

3- توضيح الأركان الثلاثة التي وضعها العلماء لصحة القراءة عن النبي e .

4- بيان معنى الآية التي قرئت بأكثر من وجه وتفسيرها، فيكون مقصد من يوجه القراءة مقصد المفسر وعمله كعمله، وهو التوضيح والإفهام، ومقصد من يوجه القراءة مقصد المفسر وعمله كعمله .

5- لما كان للقراءات علاقة قوية باللغة العربية لا سيما النحو أراد كثير من علمائها - على اختلافهم - أن يتأيد بقراءة ما، ويحتج لها وبها، كما فعل كثير من نحاة البصرة، أو يقف منها موقفاً آخر مبيناً أن احتجاج خصمه بتلك القراءة غير مستقيم .

6- ومن الدوافع المهمة هو أن النحاة لا يجدون نصاً يعملون فيه أقلامهم كنص القرآن لعظمته وقدسيته واحتفال الناس به فى عباداتهم وشرائعهم، ثم إن الشعراء والخطباء بعد الاسلام لجأوا إليه يأخذون من ألفاظه ومعانيه .

صور من توجيه القراءات :

أولاً : التوجيه النحوي واللغوي : ويشمل توجيه خلافات القراءات الأصولية , والخلافات الفرشية:

( أ ) توجيه الخلافات الأصولية : من نماذج توجيهها :

1- توجيه الإظهار والإدغام : فيقولون : (( الإظهار والإدغام : لغتان واردتان عن العرب، وجه الإظهار : أنه الأصل, لعدم احتياجه إلى سبب, ولأنه هو الأكثر في الحروف, ولأن فيه إعطاء كل حرف حقه من إعرابه وحركة بنيته التي استحقها .

ووجه الإدغام : إرادة التخفيف, لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى للمخرج بعينه ليلفظ بحرف آخر مثله صعب عليه، وشبهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين, وذلك ثقيل على السامع وقد ورد الإدغام عن أبي عمرو بن العلاء كثيرا, وقال : الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره, ومن شواهد الإدغام في كلام العرب قول الشاعر:

             عَشِيَّة تَّمَنَّى أن تكون حمامة               بـمكة يغشاها الشتا والمحرم

ولا ينتظم البيت إلا بإدغام التائين من (عشية تمنى) )) .

2- توجيه المد والقصر، فيقولون : (( القصر هو الأصل لعدم احتياجه إلى سبب , والمد فرع عنه لاحتياجه إلى سبب .

وجه المد : الاستعانة على النطق بالهمز محققاً , وبياناً لحرف المد خوفاً من سقوطه عند الإسراع لخفائه وصعوبة الهمز بعده - لأنه من حروف الشدة - فزيد في حرف المد ليظهر , ولئلا يزداد خفاءً بملاصقته للهمز الذي هو حرف قوي شديد .

ووجه القصر : بقاء الحرف على أصله من غير زيادة عليه , لأن الهمز الواقع بعده لما كان بصدد الزوال في حالة الوقف – كما في المد المنفصل – لم يعط في حالة الوصل حكماً )) .

3- توجيه الفتح والإمالة : فيقولون : (( الفتح : عبارة عن فتح الفم بلفظ الحرف, وليس المراد منه : فتح الحرف, لأن الألف لا تقبل الحركة، والإمالة : أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة, وبالألف نحو الياء .

وتنقسم إلى قسمين : إمالة كبرى، ويقال لها (الإضجاع) أو (الإمالة المحضة) وهي المراد عند الإطلاق. وإمالة صغرى : ويقال لها (التقليل) أو (بين بين) أو (بين اللفظين) أي : بين لفظ الفتح ولفظ الإمالة .

توجيه الفتح والإمالة : أنهما لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن الكريم, الفتح لغة أهل الحجاز, والإمالة (بنوعيها) لغة عامة أهل نجد من تميم وقيس وأسد )) .

(ب) توجيه الخلافات الفرشية : أي الكلمات القرآنية المنتشرة في السور، التي ورد فيها خلاف بين القراء، وهي المقصودة بالتوجيه, والمعنية به عند إطلاقه, وقد انصرفت جهود القراد والنحويين إلى هذا القسم بالتوجيه .

ومن نماذج توجيهها :

1- قوله تعالى {وما يخدعون إلا أنفسهم} :

في كلمة {يخدعون} قراءتان : {يَخْدَعُون} بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الدال، و{يُخَادِعُون} بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال .

توجيه قراءة {يَخْدَعُون} : أنه مضارع (خَدَعَ) الثلاثي، على أن المفاعلة من جانب واحد (من المنافقين) .

توجيه قراءة {يُخَادعون} : أنه مضارع (خَادَعَ) الرباعي، والمفاعلة : إما على بابها, فتكون من جانبين, إذ هم يُخادعون أنفسهم بما يمنونها من الأباطيل, وتمنيهم أنفسهم كذلك .

وإما أن تكون من جانب واحد - كما في القراءة الأولى - والمفاعلة لا تكون على بابها, كقول القاضي : عاقبت اللص, والمعاقبة من القاضي وحده .

2- قوله تعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} .

اختلف في كلمة (الأرحام) فقرئت {والأرحامِ} بخفض الميم, وقرئت {والأرحامَ} بنصب الميم .

توجيه القراءة الأولى : بالخفض عطف على الضمير المجرور في {به} على مذهب الكوفيين, أو أعيد الجار وحذف للعلم به, وجر على القسم تعظيماً للأرحام وحثاً على صلتها .

وتوجيه القراءة الثانية : بالنصب عطفاً على لفظ الجلالة, أو على محل {به} كقولك : مررت به وزيداً , وهو من عطف الخاص على العام , إذ المعنى : اتقوا مخالفته , وقطع الأرحامَ , فنبه سبحانه وتعالى بذلك وقرنها باسمه تعالى على أن صلتها بمكان منه .

 

تراجم قراء القراءات المتواترة 

سبق القول بأن الإمام ابن مجاهد اختار سبعة من القراء، وهم :

1- نافع المدني (70-169هـ).

2- ابن كثير المكي (45-120هـ).

3- أبو عمرو البصري (68-154هـ).

4- ابن عامر الدمشقي (8-118هـ).

5- عاصم الكوفي (ت 127هـ).

2- حمزة الزيات الكوفي (80-156هـ).

3- علي الكسائي الكوفي (119-189هـ).

وقد رتبهم المؤلفون على هذا الترتيب، ثم جاء الإمام ابن الجزري الذي حقق القراءات ونقحها وأثبت تواتر قراءات القراء الثلاثة أيضاً, وهم :

1- أبو جعفر المدني (ت 130هـ).

2- يعقوب الحضرمي البصري (117-205هـ).

3- خلف بن هشام البزار الكوفي (150-229هـ).

وهؤلاء العشرة هم رواة القراءات العشر المتواترة, وفيما يلي تراجم موجزة لهم :

 

1- الإمام نافع المدني (70-169هـ)

اسمه ونسبه وشهرته : هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني .

يكنى أبا رويم وأبا نعيم، مولى جعونة بن شعوب الليثي الشجعي, وأصله من أصبهان من مدن إيران, وكان أسود حالكاً, صبيح الوجه, حسن الخلق, فيه دعابة .

من الطبقة الثالثة بعد الصحابة .

ولادته ووفاته : ولد سنة 70هـ، وتوفي بالمدينة سنة 169, وقيل سنة 170هـ, وقيل غير ذلك .

شيوخه : أخذ الإمام نافع القراءة عن سبعين من التابعين, ومن أشهرهم :

1- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني (ت117هـ) .

2- أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني (ت130هـ) .

3- شيبة بن نصاح - مولى أم سلمة رضي الله عنها – مقرئ المدينة وقاضيها (ت130هـ) .

4- مسلم بن جندب الهذلي التابعي المشهور (ت110هـ) وقيل (130هـ) .

5- يزيد بن رومان, أبو روح المدني, القارئ الفقيه المحدث (ت120هـ) وقيل (130هـ) .

وهؤلاء هم الذين ذكر الإمام نافع أنه أدركهم بالمدينة من الأئمة في القراءة, قال نافع : قرأت على هؤلاء, فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته, وما شذ فيه واحد تركته, حتى ألفت هذه القراءة.

وتلقى هؤلاء الخمسة القراءات عن ثلاثة من الصحابة, وهم :

1- أبو هريرة رضي الله عنه (ت59هـ) .

2- عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت68هـ) .

3- عبد الله بن عياش المخزومي رضي الله عنه (ت78هـ) .

وقرأ هؤلاء الثلاثة على أبيّ بن كعب الذي قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تلاميذه : استفاد منه خلق كثير, حيث أقرأ الناس دهراً طويلاً نيفاً عن سبعين سنة, ومن أشهر من روى القراءة عنه عرضاً وسماعاً :

1-  إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني , (ت180هـ) وقيل (177هـ) .

2-  إسحاق بن محمد بن عبد الله المسيبي المدني (ت206هـ) .

3-  سليمان بن مسلم بن جماز الزهري (ت بعد 170هـ) .

4-  مالك بن أنس المدني , إمام دار الهجرة , (ت179هـ) .

5-  أبو عمرو بن العلاء , أحد القراءة السبعة (ت154هـ) .

6-  الليث بن سعد الفهمي المصري (ت175هـ) .

7-  عيسى بن مينا قالون (ت220هـ) .

8-  أبو سعيد عثمان المصري (ورش) (ت197هـ) .

مناقبه ومآثره :

هو إمام أهل المدينة, الذي صاروا إلى قراءته, وتمسكوا باختياره, كان عالماً بوجوه القراءات, متبعاً لآثار الأئمة المتقدمين, زاهداً جواداً, صلى في المسجد النبوي ستين سنة .

قال مالك : قراءة أهل المدينة سنة, قيل له : قراءة نافع ؟ قال : نعم .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي , أي : القراءة أحب إليك ؟ قال قراءة أهل المدينة, قلت : فإن لم يكن ؟ قال : قراءة عاصم .

كان رحمه الله إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك, فقيل له : أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال: ما أمس طيباً ولا أقرب طيباً , ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في فيَّ , فمن ذلك الوقت أشم من فيَّ هذه الرائحة .

قال قالون : كان نافع من أطهر الناس خلقاً , ومن أحسن الناس قراءة .

وكان رحمه الله يسهل القراءة لمن قرأ عليه، إلا أن يقول له إنسان : أريد قراءتك, فيقرئه اختياره .

لما حضرته الوفاة قال له أبناؤه : أوصنا, قال : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم, وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة نافع من روايتي : قالون وورش, وهما من تلاميذه .

1- قالون (120-220هـ) :

هو أبو موسى عيسى بن مينا بن وردان الزرقي, مولى بني زهرة, الملقب بـ(قالون) قارئ المدينة ونحويها , يقال إنه ربيب نافع , وقد اختص به كثيراً, وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته, فإن (قالون) باللغة الرومية : جيد .

قال قالون : كان نافع إذا قرأت عليه يعقد لي ثلاثين , ويقول لي : قالون , يعني جيداً جيداً بالرومية, وأصل قالون من الروم, حيث كان جد جده عبد الله سبي من الروم أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قيل لقالون : كم قرأت على نافع ؟ قال : ما لا أحصيه كثرة، إلا أني جالسته بعد الفراغ عشرين سنة!

أخذ عن نافع قراءته وقراءة شيخه أبي جعفر عرضاً عليه, وعرض أيضاً على عيسى بن وردان - أحد راويي أبي جعفر - .

وروى القراءة عنه ابناه (إبراهيم وأحمد) وإبراهيم بن الحسين الكسائي - المعروف بسفينة – وغيرهم.

كان إماماً في الإقراء, من المهرة النابهين .

ولد قالون سنة 120هـ, وتوفي على أصح الأقوال سنة 220هـ .

2- ورش (110-197هـ) :

هو عثمان بن سعيد المصري، المعروف بـ(ورش) كان أشقر أزرق أبيض اللون قصيراً, ذا كذنة, أقرب إلى السمن منه إلى النحافة .

لقب بـ(ورش) لأنه كان قصيراً أشقر أبيض اللون، يلبس ثياباً قصاراً, وكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه, فكان نافع يقول له : هات يا ورشان، واقرأ يا ورشان، وأين الورشان, فشبهه نافع بالطائر (الورشان) ثم خفف فقيل : ورش .

وقيل : لقب بذلك لشدة بياضه , لأن (الورش) شيء يصنع من اللبن, فصار لا يعرف إلا بلقبه, ولا يحب إلا أن ينادى به, وكان يفتخر بذلك لأن أستاذه لقبه به .

كان شيخ القراء المحققين, إماماً في أدائه وترتيله, حسن الصوت, انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه .

كانت ولادته بمصر, ثم رحل إلى المدينة فعرض القرآن على نافع عدة ختمات في سنة 155هـ, وكان زملاؤه يهبون له أسباقهم، حتى كان يقرأ على شيخه سبعاً في كل يوم, وله اختيار خالف فيه نافعاً, إذا قرأ يهمز ويمد ويشدد ويبين الإعراب, لا يمله سامعه, وكان حجة في القراءة .

عرض عليه القرآن أبو الربيع سليمان بن داود المهري المعروف بابن أخي الرشديني, وعامر بن سعيد أبو الأشعت الجرشي, ومحمد بن عبدالله بن يزيد المكي, ويونس بن عبد الأعلى وأبو يعقوب الأزرق وغيرهم كثيرون .

ولد في مصر سنة 110هـ, وتوفي بها سنة 197هـ .

 

2- الإمام ابن كثير المكي (45-120هـ)

اسمه ونسبه وشهرته : هو عبد الله بن كثير بن عمرو المكي الداري, أبو معبد, مولى عمر بن علقمة الكناني, فارسي الأصل, من الطبقة الثانية من التابعين .

يقال له : الداري , لأنه كان عطاراً , والعرب تسمي العطار : دارياً, نسبة إلى ((دارين)) موضع بالبحرين يجلب إليه الطيب من الهند .

وقيل : لأنه كان من بني الدار , والدار : بطن من لخم, منهم الصحابي الجليل تميم الداري رضي الله عنه.

وقيل : ((الداري)) الذي لا يبرح في داره ولا يطلب معاشاً .

كان أبيض اللحية, طويلاً, جسيماً, أسمر, أشهل العينين, يخضب بالحناء .

ولادته ووفاته :

ولد رحمه الله بمكة سنة 45هـ في أيام معاوية رضي الله عنه، وتوفي بها سنة 120هـ في أيام هشام بن عبد الملك .

شيوخه : لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير , وأبا أيوب الأنصاري , وأنس بن مالك رضي الله عنهم, وروى عنهم, ومن أشهر من أخذ القراءة عنهم : 

1-  عبدالله بن السائب المخزومي (ت 68هـ) .

2-  مجاهد بن جبر المكي (ت 104هـ) .

3-  درباس مولى ابن عباس المكي .

تلاميذه :

أخذ القراءة عنه كثيرون , ومن أشهرهم :

1- ابنه صدقة بن عبد الله .

2- حماد بن زيد (ت179هـ) .

3- حماد بن سلمة (ت167هـ) .

4- الخليل بن أحمد (ت170هـ) .

5- أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ) .

6- سفيان بن عيينة (ت198هـ) .

مناقبه ومآثره :

كان رحمه الله فصيحاً بليغاً , مفوهاً , عليه سكينة ووقار .

قال أبو عمرو : ختمت القرآن على ابن كثير بعدها ختمت على مجاهد, وكان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد .

وقال ابن مجاهد : لم يزل ابن كثير الإمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى مات .

وقال ابن الجزري : كان ابن كثير إمام الناس في القراءة بمكة المكرمة لم ينازعه فيها منازع .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة ابن كثير من روايتي : البزي وقنبل، وهما ليسا من تلاميذه .

1- البزي (170-250هـ) :

هو : أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة , فارسي الأصل من أهل همذان .

والبزي : نسبة إلى جده الأعلى أبي بزة , واسمه بشار، الذي أسلم على يد السائب بن أبي السائب المخزومي .

مقرئ مكة, ومؤذن المسجد الحرام, كان أستاذاً محققاً ضابطاً, متقناً للقراءة .

قرأ على أبيه, وعلى عبد الله بن زياد, وعكرمة بن سليمان, ووهب بن الحباب, وأبي ربيعة محمد بن إسحاق , وروى عنه القراءة : قنبل , وحدث عنه كثيرون .

وهو الذي روى حديث التكبير مرفوعاً من آخر الضحى, وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه.

قال ابن الجزري : انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة .

2- قنبل (195-291هـ) :

هو : محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن محمد بن سعيد, أبو عمر المخزومي مولاهم المكي, المقلب بـ(قنبل) وقيل : إنه اسمه , وقيل : لأنه من بيت بمكة يقال لهم (القنابلة) وقيل : لاستعماله دواءً يقال له : قنبيل - معروف عند الصيادلة - لداء كان به, فلما أكثر منه عرف به, وحذفت الياء تخفيفاً .

انتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز, ورحل الناس إليه من الأقطار, وكان على الشرطة بمكة لأنه كان لا يليها إلا رجل من أهل الفضل والخير والصلاح ليكون لما يأتيه من الحدود والأحكام على صواب، وكان ذلك في وسط عمره, فحمدت سيرته .

أخذ القراءة عرضاً عن أحمد بن محمد النبال, وهو الذي خلفه في القيام بها بمكة, وروى القراءة عن البزي .

وروى القراءة عنه كثيرون , منهم : أبو ربيعة محمد بن إسحاق, وهو أجل أصحابه, وابن مجاهد, وابن شنبوذ, وجعفر بن محمد السرنديبي, وعبد الله بن جبير وهو من أقرانه .

ولد رحمه الله سنة 195هـ، وكان قد طعن في السن وشاخ وقطع الإقراء قبل موته بسبع سنين, وقيل بعشر سنين, وتوفي بمكة سنة 291هـ .

 

3- الإمام أبو عمرو البصري (68-154هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار بن العريان المازني التميمي البصري, اختلف في أصله : هل هو من بني العنبر أو من بني حنيفة, أو أنه فارسي الأصل من مدينة كارزون, والصحيح أنه : تميمي .

كما اختلف في اسمه على أكثر من عشرين قولاً, بعضها تصحيف من بعض, وأكثر الحفاظ على أنه : زبان بالزاي والباء .

ولادته ووفاته :

اختلف في تاريخ ولادته ووفاته على أقوال, وأصحها أنه : ولد في سنة 68هـ بمكة, وتوفي بالكوفة سنة 154هـ .

شيوخه : قرأ على خلق كثير في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، وهو أكثر القراء شيوخاً, ومن أشهرهم: 

1-  أبو جعفر يزيد بن القعقاع - أحد القراء العشرة - (ت128هـ) .

2-  شيبة بن نصاح (ت130هـ) .

3-  نافع بن أبي نعيم - أحد القراء السبعة - (ت169هـ) .

4-  عبد الله بن كثير - أحد القراء السبعة - (ت120هـ) .

5-  الحسن البصري - أحد قراء الشواذ - (ت110هـ) .

6-  عاصم بن أبي النجود - أحد القراء السبعة - (ت127هـ) .

7-  محمد بن عبد الرحمن بن محيصن - أحد قراء الشواذ - (ت123هـ) .

تلاميذه : تلقّى القراءة عليه خلق لا يحصون كثرة, ومن أشهرهم :

1-  يونس بن حبيب البصري (ت 185هـ).

2-  أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ).

3-  هارون بن موسى الأعور (ت قبل200هـ) .

4-  يحيى بن المبارك اليزيدي - أحد قراء الشواذ - (ت202هـ) .

5-  سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر (ت180هـ) .

مناقبه ومآثره :

كان أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة والزهد .

قال الأصمعي : قال لي أبو عمرو : لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري في صدرك لفعلت, لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها .

وقال أبو عبيدة : كانت دفاتر أبي عمرو ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها, وتفرد للعبادة وجعل على نفسه أن يختم في كل ثلاث .

روي عن الأخنس أنه قال : مر الحسن (البصري) بأبي عمرو وحلقته متوافرة, والناس عكوف, فقال: من هذا ؟ فقالوا : أبو عمرو, فقال : لا إله إلا الله, كادت العلماء أن تكون أرباباً, كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول .

قال ابن مجاهد : وحدثونا عن وهب بن جرير, قال : قال لي شعبة : تمسك بقراءة أبي عمرو فإنها ستصير للناس إسناداً . قال ابن الجزري : وقد صح ما قاله شعبة رحمه الله, فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو, فلا تكاد تجد أحداً يلقن القرآن إلا على حرفه خاصة في الفرش .

ولما توفي أبو عمرو جاء يونس بن حبيب إلى أولاده يعزيهم, فقال : نعزيكم وأنفسنا بمن لا نرى شبهاً له آخر الزمان, والله لو قسم علم أبي عمرو وزهده على مائة إنسان لكانوا كلهم علماء زهاداً , والله لو رآه رسول اله صلى الله عليه وسلم لسره ما هو عليه .

أشهر رواته : اشتهرت قراءته بروايتي الدوري والسوسي, وهما ليسا من تلاميذه :

1- الدوري (ت 246هـ) :

هو : أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري النحوي الضرير, نزيل سامراء, و(الدور) محلة بالجانب الشرقي ببغداد, كان إمام القراءة وشيخ الناس في زمانه, ثقة ثبتاً ضابطاً, وهو أول من جمع القراءات, وقرأ بسائر الحروف السبعة وبالشواذ .

قرأ على إسماعيل بن جعفر عن نافع, وقرأ أيضاً عليه وعلى أخيه يعقوب بن جعفر عن ابن جماز عن أبي جعفر, وقرأ على سليم و محمد بن سعدان عن حمزة, وعلى الكسائي نفسه, ولأبي بكر عن عاصم, وعلى يحيى بن المبارك اليزيدي, وشجاع بن أبي نصر البلخي وغيرهم .

وقرأ عليه كثيرون, منهم : علي بن سليم الدوري, وعلي بن الحسين الفارسي, وعمر بن أحمد الكاغذي, والقاسم بن زكريا المطرز, وابنه محمد بن حفص الدوري وغيرهم .

قال أبو داود : رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدوري .

وقال أحمد بن فرح المفسر : سألت الدوري : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله غير مخلوق .

قال الزركلي : له كتاب ((ما اتفقت ألفاظه ومعانيه من القرآن)) و((قراءات النبي صلى الله عليه وسلم)) و((أجزاء القرآن)) .

توفي برنبوية من قرى ((الري)) في شوال سنة 246هـ .

2- السوسي (173-261هـ) :

هو : أبو شعيب صالح بن زياد بن عبدالله بن إسماعيل السوسي, نسبة إلى ((السوس)) كورة بالأهواز .

كان رحمه الله ضابطاً محرراً ثقة .

أخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن أبي محمد يحيى اليزيدي - وهو من أجل أصحابه – وقرأ على حفص عن عاصم، وأخذ القراءة عنه جماعة , منهم : ابنه أبو المعصوم محمد, وموسى بن جرير النحوي, وإسماعيل بن يعقوب, وأحمد بن شعيب النسائي الحافظ, وغيرهم .

ولد في سنة 173هـ, وتوفي بالرقة أول سنة 261هـ, وقد قارب السبعين .

 

4- الإمام ابن عامر الدمشقي (8-118هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة بن عامر اليحصبي .

والأشهر في كنيته : أبو عمران, وقيل : أبو نعيم . وهو من العرب, ويرجع في نسبه إلى حمير, وحمير من قحطان, كان رجلاً طوالاً , طويل اللحية , خفيف العارضين يخمع بإحدى رجليه - أي يعرج لشيء أصابه في رجله - .

ولادته ووفاته :

ولد قبل فتح دمشق في ((البلقاء)) في قرية ((رحاب)) سنة (8 من الهجرة) وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وله سنتان، وتوفي بدمشق يوم عاشوراء سنة 118هـ .

شيوخه : ثبت سماعه من جماعة من الصحابة, منهم عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان والنعمان بن بشير وغيرهم, رضي الله عنهم أجمعين .

ومن أشهر شيوخه :

1-  أبو الدرداء - عويمر بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه (ت32هـ) .

2-  المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان بن عفان رضي الله عنه (ت91هـ) .

3- فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه (ت58هـ) .

4- واثلة بن الأسقع الليثي - من أهل الصفة - رضي الله عنه (ت85هـ) .

تلاميذه : تلقى القراءة منه كثيرون, ومن أشهرهم :

1-  يحيى بن الحارث الذماري (ت145هـ) .

2-  شقيقه : عبد الرحمن بن عامر .

3-  محمد بن الوليد الزبيدي .

4-  عبد الرحمن بن يزيد بن جابر .

5-  إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر .

مناقبه ومآثره :

هو إمام أهل الشام في القراءة, وإليه انتهت مشيخة الإقراء بها, ولا زال أهل الشام قاطبة على قراءته تلاوة وصلاة وتلقيناً إلى قريب الخمسمائة .

قال الأهوازي : كان عبدالله بن عامر إماماً عالماً ثقة فيما أتاه, حافظاً لما رواه, متقناً لما وعاه, عارفاً فهماً, قيماً فيما جاء به, صادقاً فيما نقله, من أفاضل المسلمين, وخيار التابعين, وأجلة الراوين, لا يتهم في دينه, ولا يشك في يقينه, ولا يرتاب في أمانته, ولا يطعن عليه في روايته, صحيح نقله, فصيح قوله, عالياً في قدره, مصيباً في أمره, مشهوراً في علمه, مرجوعاً إلى فهمه, لم يتعد فيما ذهب إليه الأثر, ولم يقل قولاً يخالف فيه الخبر, ولي القضاء بدمشق بعد أبي إدريس الخولاني, وكان إمام الجامع بدمشق, وهو الذي كان ناظراً على عمارته حتى فرغ، قال يحيى بن الحارث : وكان رئيس الجامع, لا يرى فيه بدعة إلا غيرها، وقد ائتم به الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله .

أشهر رواته : اشتهرت قراءت ابن عامر من روايتي : هشام وابن ذكوان, وهما ليسا من تلاميذه :

1-   هشام (153-245هـ) :

هو : هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي الدمشقي, أبو الوليد, إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم, وكان ثقة عدلاً ضابطاً فصيحاً عالماً عارفاً بالرواية والدراية .

ولد سنة 153هـ, وأخذ القراءة عرضاً عن أيوب بن تميم وعراك بن خالد وسويد بن عبدالعزيز, وروى عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة, والدراوردي, ومسلم بن خالد الزنجي, وخلق آخرين .

وروى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام قبل وفاته بنحو أربعين سنة, وأحمد بن يزيد الحلواني, ومحمد بن محمد اليامي, وأبو زرعة الدمشقي, وهارون بن موسى الأخفش, وروى عنه الوليد بن مسلم, و محمد بن شعيب - وهما من شيوخه - وروى عنه البخاري في صحيحه, وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم, وحدث الترمذي رجل عنه, وغيرهم كثيرون .

كان فصيحاً علامة واسع الرواية والدراية, قال الأهوازي : سمعته يقول : ما أعددت خطبة منذ عشرين سنة, وقال الأصبهاني : رزق كبر السن وصحة العقل و الرأي, فارتحل الناس إليه في القراءات والحديث .

توفي رحمه الله في سنة 245هـ, وقيل 244هـ .

2-   ابن ذكوان (173-242هـ) :

هو : عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي, ولد يوم عاشوراء سنة 173هـ, وتوفي بدمشق سنة 242هـ .

قال ابن الجزري : الإمام الأستاذ الشهير الراوي الثقة شيخ الإقراء بالشام, وإمام جامع دمشق, أخذ القراءة عرضاً عن أيوب بن تميم - وهو الذي خلفه في القيام بالقراءة بدمشق - وقرأ على الكسائي حين قدم الشام, وروى الحروف سماعاً عن إسحاق بن المسيبي عن نافع, وروى القراءة عنه : ابنه أحمد, وأبو زرعة الدمشقي وعبدالله بن عيسى الأصفهاني, ومحمد بن إسماعيل الترمذي, وهارون بن موسى الأخفش ... وألف كتاب : ((أقسام القرآن وجوابها)) و((ما يجب على قارئ القرآن عند حركة لسانه)) .

قال أبو زرعة : لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان أقرأ عندي منه .

5- الإمام عاصم الكوفي (ت 127هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : عاصم بن بهدلة - أبي النجود - الكوفي الحناط الأسدي بالولاء .

وكنيته : أبو بكر, ويقال : أبو النجود اسم أبيه, وبهدلة اسم أمه .

وقيل : اسم أبي النجود : عبدالله .

ولادته ووفاته :

لم تتعرض كتب التراجم لتاريخ ولادته، أما وفاته : فقيل توفي بالكوفة, وقيل بطريق الشام في آخر سنة 127هـ, وقيل سنة 128هـ, وقيل 129هـ, وقيل غير ذلك, والأول أصح .

شيوخه : قرأ على كثيرين, منهم :

1-  أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي (ت 74هـ) .

2-  أبو مريم زر بن حبيش الأسدي (ت82هـ) .

3-  أبو عمرو سعد بن إلياس الشيباني (ت96هـ) أو نحوها .

  كما روى عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي التميمي والحارث بن حسان البكري - وكانت لهما صحبة - وقرأ كذلك على أنس بن مالك وغيره .

تلاميذه : روى القراءة عنه خلق لا يحصون, منهم :

1-  أبان بن تغاب (ت 141هـ) .

2-  حماد بن سلمة (ت 167هـ) .

3-  سليمان بن مهران الأعمش (ت 147هـ) .

4-  أبو بكر شعبة بن عياش (193هـ).

5-  أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة (ت 180هـ) .

  كما روى حروف القرآن عنه : أبو عمرو بن العلاء, وحمزة بن حبيب الزيات, و هارون بن موسى الأعور، وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

كان رحمه الله شيخ الإقراء بالكوفة, وقد انتهت إليه رئاسة الإقراء بها, بعد موت أبي عبد الرحمن السلمي في موضعه, جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد, وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن .

قال أبو إسحاق السبيعي : ما رأيت أحداً أقرأ للقرآن من عاصم .

وكان رحمه الله فصيحاً, إذا تكلم كاد يدخله خيلاء .

قال ابن عياش : قال لي عاصم : مرضت سنتين, فلما قمت قرأت القرآن فما أخطأت حرفاً .

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن عاصم بن بهدلة ؟ فقال : رجل صالح خير ثقة . فسألته : أي القراءة أحب إليك ؟ قال : قراءة أهل المدينة , فإن لم تكن فقراءة عاصم .

قال أبو بكر بن عياش : كان الأعمش و عاصم وأبو حسين سواء كلهم لا يبصرون , وجاء رجل يقود عاصماً فوقع وقعة شديدة, فما كرهه ولا قال له شيئاً .

قال أبو بكر : دخلت على عاصم - وقد احتضر - فجعلت أسمعه يردد هذه الآية يحققها حتى كأنه يصلي {ثم ردوا إلى الله مولهم الحق} فعلمت أن القراءة منه شجية .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة عاصم من روايتي : شعبة وحفص، وهما من تلاميذه .

1- شعبة (94-193هـ) :

هو : أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم الحناط الكوفي الأسدي الكاهلي النهشلي, اختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولاً, أصحها : شعبة, وكان مولى .

ولد سنة 94هـ, وتوفي بالكوفة في جمادى الأول سنة 193هـ, وفي هذا الشهر مات هارون الرشيد بطوس, عاش نحو تسع وتسعين سنة، وقطع عن الإقراء قبل موته بسنوات, روى عن عاصم, وعرض عليه القرآن ثلاث مرات، وعلى عطاء بن السائب، وأسلم المنقري, وعرض عليه أبو يوسف الأعشى, ويحيى بن محمد العليمي وغيرهم .

وروى عنه الحروف سماعاً كثيرون, منهم : علي الكسائي, ويحيى بن آدم وخلاد الصيرفي وغيرهم، كما روى عنه : ابن المبارك مع تقدمه, وأبو داود الطيالسي, وأحمد بن حنبل وغيرهم .

كان رحمه الله إماماً كبيراً عالماً عاملاً, من أئمة السنة، ثقة .

قال رحمه الله : من زعم أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو الله, لا نجالسه ولا نكلمه .

قال ابن معين والنخعي : لم يفرش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة, قال الذهبي : كان سيداً إماماً حجة, كثير العلم والعمل, منقطع القرين .

قال أبو هاشم الرفاعي : سمعت أبا بكر يقول : الخلق أربعة : معذور ومخبور ومجبور ومثبور, فالمعذور : البهائم, والمخبور : ابن آدم, والمجبور : الملائكة, والمثبور : الجن .

قال ابن الجزري : ولما حضرته الوفاة بكت أخته, فقال لها : ما يبكيك ؟ انظري إلى تلك الزاوية, فقد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة, قال أبو بكر : تعلمت من عاصم القرآن كما يتعلم الصبي من المعلم, وقال : تعلمت من عاصم خمساً خمساً, وقال : الدخول في العلم سهل, والخروج منه إلى الله شديد .

2- حفص (90-180هـ) :

هو : أبو عمر حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي البزاز الغاضري، ويعرف بحفيص .

كان أعلم أصحاب عاصم بقراءته, أخذ القراءة عنه عرضاً وسماعاً وتلقيناً, وكان ربيبه - ابن زوجته - وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش, وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة, نزل بغداد فأقرأ بها, وجاور مكة فأقرأ بها أيضاً .

قال ابن معين : الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية حفص بن سليمان .

كان ثقة في الإقراء ثبتاً ضابطاً لها, أقرأ الناس دهراً .

قال حفص : قلت لعاصم : أبو بكر يخالفني, فقال : أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه .

قال ابن مجاهد : بيته (يعني حفص) وبين أبي بكر من الخلف في الحروف خمسمائة وعشرين حرفاً في المشهور عنهما .

وذكر حفص أنه لم يخالف عاصماً في شيء من قراءته إلا في حرف .

روى الحديث عن علقمة بن مرثد, وثابت البناني, وأبي إسحاق السبيعي وليث بن أبي سليم وغيرهم, وروى القراءة عنه عرضاً وسماعاً كثيرون, منهم : حسين بن محمد المروزي, وسليمان بن داود الزهراني, وعمرو بن الصباح, وعبيد بن الصباح وغيرهم كثيرون .

ولد سنة 90هـ, وتوفي سنة 180هـ على الصحيح .

6- الإمام حمزة الزيات الكوفي (80-156هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات الكوفي, التميمي ولاءً, وقيل : من صميمهم, ولقب بـ((الزيات)) لأنه كان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان, كما كان يجلب الجبن والجوز من العراق إلى الكرفة .

ولادته ووفاته :

ولد سنة 80هـ وأدرك الصحابة بالسن فيحتمل أن يكون رأى بعضهم .

وتوفي بحلوان العراق بموضع يقال له (باغ يوسف) في خلافة أبي جعفر المنصور سنة 156هـ, وله ست وسبعون سنة .

شيوخه : أخذ القراءة عرضاً عن كثيرين، ومنهم :

1-  أبو حمزة حمران بن أعين (ت 129هـ) .

2-  أبو إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعي (ت 132هـ) .

3-  محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى (ت 148هـ) .

4-  أبو محمد طلحة بن مصرف اليامي (ت 112هـ) .

5-  أبو عبدالله جعفر الصادق .

6-  سليمان بن مهران الأعمش (ت 148هـ) .

تلاميذه : روى القراءة عنه أعلام مشهورون, منهم :

1-  إبراهيم بن أدهم .

2-  سليم بن عيسى بن سليم (ت 188هـ) .

3-  سفيان الثوري (ت 161هـ) .

4-  علي الكسائي (ت 189هـ) .

5-  يحيى بن زياد الفراء (ت 217هـ) .

6-  يحيى بن المبارك بن المغيرة (ت 202هـ) .

مناقبه ومآثره :

كان رحمه الله إمام الناس في القراءة بعد عاصم والأعمش, وكان حجة ثقة ثبتاً قيماً بكتاب الله, بصيراً بالفرائض, عارفاً بالعربية, حافظاً للحديث, عابداً خاشعاً, زاهداً ورعاً, قانتاً لله, عديم النظير, أتقن القراءة وله خمس عشرة سنة, وأم الناس سنة مائة .

قال أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم : غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض .

وقال الثوري : ما قرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر .

وقال عبيد الله بن موسى : كان حمزة يقرئ القرآن حتى يتفرق الناس ثم ينهض فيصلي أربع ركعات, ثم يصلي ما بين الظهر إلى العصر, وما بين المغرب والعشاء, وكان شيخه الأعمش إذا رآه قد أقبل يقول : هذا حبر القرآن .

أشهر رواته :

استهرت قراءة حمزة من روايتي : خلف وخلاد, وهما ليسا من تلاميذه .

1- خلف البزار (150-229هـ) :

هو : أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف البزار الأسدي البغدادي المقرئ الصلحي، من أهل فم الصلح .

ولد في رجب سنة 150هـ, وتوفي ببغداد وهو مختف من الجهمية يوم السبت لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 229هـ في خلافة الواثق بالله .

كان إماماً في القراءة, علماً بارزاً, ثبتاً عند أهل الحديث, حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين, وابتدأ في طلب العلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة, كان زاهداً عابداً عالماً .

قال ابن الجزري : روينا عنه أنه قال : أشكل علي باب من النحو فأنفقت ثمانين ألف درهم حتى حفظته أو قال : عرفته .

أخذ القراءة عرضاً عن سليم عن حمزة, وعن عبد الرحمن بن أبي حماد عن حمزة, وأبي زيد الأنصاري عن المفضل الضبي, وروى حرف نافع عن إسحاق المسيبي, وقراءة أبي بكر عن يحيى بن آدم والكسائي, وقرأ على أبي يوسف الأعشى لعاصم, وسمع مالكاً وأبا عوانة وحماد بن زيد وغيرهم .

وروى القراءة عنه عرضاً وسماعًا : أحمد بن إبراهيم وراقه, وأخوه إسحاق بن إبرهيم, وأحمد بن يزيد الحلواني, وإدريس بن عبد الكريم الحداد, وروى الحديث عنه أحمد حنبل وغيره من الأئمة .

وله اختيار في القراءة خالف فيه حمزة في مائة وعشرين حرفاً, ومن ثم عد من القراء العشرة .

2- خلاد الصيرفي (ت 220هـ) : 

هو : أبو عيسى خلاد بن خالد الشيباني بالولاء الصيرفي الكوفي .

وهو غير خلاد بن عيسى الكوفي من كبار أصحاب حمزة ومن المكثرين عنه .

لم يعرض على حمزة ولم يأخذ عنه, وإنما اشتهر بالرواية عنه حيث أخذ القراءة عرضاً عن سليم - وهو من أضبط أصحابه وأجلهم - وروى القراءة عن حسين بن علي الجعفي عن أبي بكر, وعن أبي بكر نفسه عن عاصم, وروى القراءة عنه عرضاً : أحمد بن يزيد الحلواني وإبراهيم بن علي القصار, وسليمان بن عبد الرحمن الطلحي, والقاسم بن يزيد الوزان - وهو من أنبل أصحابه - ومحمد بن شاذان الجوهري - وهو من أضبطهم - ومحمد بن عيسى الأصبهاني .

كان رحمه الله إماماً في القراءة ثقة عارفاً محققاً أستاذاً .

توفي بالكوفة سنة 220هـ .

7- الإمام الكسائي (119-189هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الأسدي ولاءً الكوفي النحوي, فارسي الأصل, من سواد العراق, الملقب بالكسائي .

وفي شهرته بـ((الكسائي)) ثلاثة أقوال :

1-  لأنه أحرم في كساء، فقد سأله عنه عبد الرحيم بن موسى, فقال : لأني أحرمت في كسائي .

2-  لأنه كان يتشح بكساء ويجلس في حلقة حمزة, فيقول حمزة : اعرضوا على صاحب الكساء, فسمي الكسائي بذلك .

3-  لأنه كان من ((باكسايا)) قرية من السواد بين بغداد وواسط .

قال ابن الجزري : والأول أصحها, والآخر أضعفها .

ولادته ووفاته :

قال الذهبي : ولد في حدود سنة 120هـ .

وتوفي بـ((رنبويه)) - قرية من قرى الري - في رحلته مع هارون الرشيد إلى خراسان سنة 189هـ, وتوفي معه في تلك القرية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة, فدفنا بها, فقال الرشيد : اليوم دفنت الفقه والنحو برنبويه .

شيوخه : تلقى القراءات عن كثيرين, منهم :

1-  حمزة بن حبيب الزيات الكوفي (ت 156هـ) .

2-  محمد بن أبي ليلى (ت 148هـ) .

3-  عيسى بن عمر الهمداني .

وروى الحروف عن أبي بكر بن عياش, وإسماعيل ويعقوب ابني جعفر, ورجل إلى البصرة فأخذ اللغة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي .

تلاميذه : تلقى القرآن والقراءات عنه كثيرون, منهم :

1-  أبو الحارث الليث بن خالد البغدادي (ت 240هـ) .

2-  حفص بن عمر الدوري (ت 246هـ) .

3-  أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) .

4-  قتيبة بن مهران الأصبهاني (ت 202هـ) .

5-  ابن ذكوان (ت 242هـ) .

6-  يحيى بن آدم (ت 203هـ) .

7-  خلف بن هشام البزار (ت 229هـ) .

8-  يحيى بن زياد الفراء (ت 207هـ) .

وروى الحروف عنه : يعقوب الحضرمي - أحد القراء العشرة – وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات, وكان رحمه الله صادق اللهجة, واسع العلم بالقرآن والعربية والغريب, ومؤسس المدرسة النحوية بالكوفة, وعمدة نحويها ومرجعهم .

قال الشافعي : من أراد أن يتجر في النحو فهو عيال على الكسائي .

وقال أبو بكر ابن الأنباري : اجتمعت في الكسائي أمور, كان أعلم الناس بالنحو, وأوحدهم في الغريب, وكان أوحد الناس في القرآن .

وقال أبو عبيدة : كان الكسائي يتخير القراءات, فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضاً, وكان من أهل القراءة, وهي كانت علمه وصناعته, ولم يجالس أحداً كان أضبط ولا أقوم بها منه, قال ابن مجاهد : فاختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة, وكان إمام الناس في القراءة في عصره, وكان يأخذ الناس عنه ألفاظه بقراءته عليهم .

وكان الناس يكثرون عليه حتى لا يضبط الأخذ عليهم فيجمعهم ويجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره, وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ, وكان يختم ختمتين في شعبان من قراءته على الناس .

وقد ألف كتباً كثيرة في اللغة والنحو والقراءة, منها :

معاني القرآن, وكتاب الهاءات, والمتشابه في القرآن, وكان رحمه الله مؤدب الرشيد وولده محمد الأمين, وكان بذلك نال ما لم ينله أحد من الجاه والمال والإكرام, وحصل له رياسة العلم والدنيا .

وكان فيه دعابة, فقد قيل له : لم لا تهمز (الذيب) قال : أخاف أن يأكلني .

وقد رثاه يحيى اليزيدي بأبيات رائعة, منها :

تصرمت الدنيا فليس خلود      لكل امرئ كأس من الموت مترع ألم تر شيباً شاملاً ينذر البلى   سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت

 

وما قد ترى من بهجة فيبيد       وما إن لنا إلا عليه ورود          وإن الشباب الغض ليس يعود    فكن مستعداً فالفناء عتيد             .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة الكسائي من روايتي : أبي الحارث والدوري , وهما من تلاميذه .

1-  أبو الحارث (ت 240هـ) :

هو : الليث بن خالد البغدادي، ثقة حاذق ضابط، أخذ القراءة عرضاً عن الكسائي - وهو من جلة أصحابه - وروى الحروف عن حمزة بن القاسم الأحول, وعن يحيى اليزيدي, وروى القراءة عنه عرضاً وسماعاً : سلمة بن عاصم - صاحب الفراء - ومحمد بن يحيى (الكسائي الصغير) والفضل بن شاذان, ويعقوب بن أحمد التركماني، توفي سنة 240هـ .

2-  الدوري (ت 246هـ) :

هو : أبو عمر حفص بن عمر الأزدي الدوري، وقد سبقت ترجمته ضمن راويي أبي عمرو البصري, فهو يروي قراءة أبي عمرو بن العلاء وقراءة الكسائي، ويروي أيضاًَ قراءة الحسن البصري - أحد قراء الشواذ - .

8- الإمام أبو جعفر المدني (ت 130هـ)

اسمه وشهرته :

هو أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني القارئ، يقال اسمه : جندب بن فيروز, وقيل فيروز .

شيوخه : عرض القرآن الكريم على كثيرين، ومنهم :

1-  عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة, وهو مولاه (ت 78هـ) .

2-  عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68هـ) .

3-  أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي (ت 57هـ) .

تلاميذه : عرض عليه القرآن كثيرون, منهم :

1-  نافع المدني - أحد القراء السبعة - (ت 169هـ) .

2-  سليمان بن مسلم بن جماز (ت بعد 170هـ) .

3-  عيسى بن وردان (ت 160هـ) .

4-  أبو عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة - (ت 154هـ) .

مناقبه ومآثره :

هو أحد القراء العشرة, تابعي مشهور, كبير القدر, أُتي به إلى أم سلمة رضي الله عنها وهو صغير فمسحت على رأسه, ودعت له بالبركة, وصلى بابن عمر رضي الله عنهما, وأقرأ الناس بمسجد الرسول  صلى الله عليه وسلمبالمدينة قبل الحرة التي وقعت سنة 63هـ .

قال ابن معين : كان إمام أهل المدينة في القراءة, فسمي القارئ بذلك، وكان ثقة .

وقال ابن مجاهد : لم يكن أحد أقرأ للسنة من أبي جعفر, وكان يقدم في زمانه على عبد الرحمن بن هرمز الأعرج .

وقال الإمام مالك : كان أبو جعفر رجلاً صالحاً يقرئ الناس بالمدينة .

وروي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً - صوم داود عليه السلام - واستمر على ذلك مدة من الزمان, وكان يصلي في جوف الليل أربع تسليمات, يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة من الطوال المفصل, ويدعو عقيبها لنفسه وللمسلمين ولكل من قرأ عليه, ومن قرأ بقراءته بعده وقبله .

قال نافع : لما غسل أبو جعفر بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف, قال : فما شك أحد ممن حضر أنه : نور القرآن .

وفاته : اختلف في تاريخ وفاته, وأصح الأقوال فيه : أنه توفي بالمدينة سنة 130هـ .

أشهر رواته :

اشتهرت قراءة أبي جعفر من روايتي : ابن وردان وابن جماز, وهما من تلاميذه .

1- ابن وردان :

هو : عيسى بن وردان الحذاء المدني, وكنيته أبو الحارث.

قال ابن الجزري : إمام مقرئ حاذق, وراو محقق ضابط, عرض القرآن الكريم على أبي جعفر المدني, وشيبة بن نصاح المدني, ثم عرض على نافع المدني، وهو من قدماء أصحابه, وقد شاركه في الإسناد.

وعرض عليه إسماعيل بن جعفر وقالون - راوي نافع - ومحمد بن عمر الواقدي وغيرهم .

توفي قبل الإمام نافع في حدود 160هـ .

2- ابن جماز :

هو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز الزهري ولاءً، المدني .

روى القراءة عرضاً على أبي جعفر المدني, وشيبة بن نصار المدني ثم عرض على نافع المدني, وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع المدنيين, وعرض عليه إسماعيل بن جعفر وقتيبة بن مهران وغيرهم, وهو مقرئ جليل ضابط نبيل, توفي بعد سنة 170هـ .

9- الإمام يعقوب الحضرمي البصري (117-205هـ)

اسمه وشهرته :

هو : أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ولاء البصري .

تاريخ ولادته : ولد في سنة 117هـ . 

شيوخه: من شيوخه :                                 

1-  أبو المنذر سلام بن سليمان المزني (ت 171هـ) .

2-  شهاب بن شرنفة المجاشعي (ت 162هـ) .

3-  أبو يحيى مهدي بن ميمون (ت 171هـ) .

4-  أبو الأشهب جعفر بن حبان العطاردي (ت 165هـ) .

وسمع الحروف من الكسائي ومحمد بن رزيق عن عاصم, وسمع من حمزة حروفاً, وقيل : إنه قرأ على أبي عمرو .

تلامذته : روى القراءة عنه عرضاً كثيرون, منهم :

1-  روح بن عبد المؤمن (ت 234هـ) .

2- محمد بن المتوكل (رويس) (ت 238هـ) .

3- أبو حاتم السجستاني (ت 255هـ) .

4- أبو عمر حفص الدوري (ت 246هـ) .

5- أبو أيوب سليمان الذهبي .

مناقبه ومآثره :

هو : أحد القراء العشرة , وإمام أهل البصرة ومقرئها .

قال أبو حاتم : هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه ومذاهب النحو, وأروى الناس لحروف القرآن, ولحديث الفقهاء .

قال الداني : وائتم بيعقوب - في اختياره - عامة البصريين بعد أبي عمرو, فهم أو أكثرهم على مذهبه قال : وقد سمعت طاهر بن غلبون, يقول : إمام الجامع بالبصرة لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب .

قال ابن المنادي : كان يعقوب أقرأ أهل زمانه, وكان لا يلحن في كلامه, وكان السجستاني من أحد غلمانه .

قال ابن الجزري : وكان يعقوب من أعلم أهل زمانه بالقرآن والنحو وغيره, وأبوه وجده.

قال فيه اللالكائي :

أبوه من القراء كان وجده    تفرده محض الصواب ووجهه       .

 

ويعقوب في القراءة كالكوكب الدري  فمن مثله في وقته وإلى الحشر           .

وقال الهذلي : لم ير في زمن يعقوب مثله, كان عالماً بالعربية ووجوهها, والقرآن واختلافه, فاضلاً تقياً ورعاً زاهداً, بلغ من زهده أنه : سُرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر, ورد إليه ولم يشعر لشغله بالصلاة .

وفاته :

توفي في ذي الحجة, سنة 205هـ, وله ثمان وثمانون سنة, ومات أبوه وجده وجد أبيه كل منهم عن ثمان وثمانين سنة .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة يعقوب من روايتي : رويس وروح, وهما من تلاميذه .

1- رويس :

هو : محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري, يكنى : أبا عبد الله , المعروف برويس .

مقرئ حاذق, ضابط مشهور, أخذ القراءة عن يعقوب الحضرمي, وختم عليه مرات, وهو أكثر أصحابه فطنة وأفضلهم وأحذقهم , وهو من زملاء أبي حاتم السجستاني على يعقوب، وكان يعقوب يقول له - وقت أخذه عليه - : هات يا لاك  وأحسنت يا لاك، وروى القراءة عنه عرضاً : محمد بن هارون التمار, والإمام أبو عبد الله الزبيري الشافعي .

وكان ماهراً في الإقراء بحيث يفرق بين المبتدئين في القراءة ومن مهروا فيها (ت238هـ) .

2- روح :

هو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن الهذلي مولاهم البصري النحوي، مقرئ جليل ثقة ضابط مشهور، عرض القراءة على يعقوب الحضرمي - وهو من جلة أصحابه - وروى الحروف عن أحمد بن موسى, ومعاذ بن معاذ وابنه عبيد الله بن معاذ ومحبوب كلهم عن أبي عمرو، وعرض عليه : الطيب بن الحسن القاضي وأبو بكر الثقفي ومحمد بن الحسن بن زياد وأحمد بن يزيد الحلواني, وروى عنه البخاري في صحيحه، توفي سنة 234 أو 235هـ .

10- الإمام خلف البزار (150-229هـ)

اسمه ونسبه :

هو : أبو محمد خلف بن هشام البزار البغدادي, ويقال له : خلف العاشر لكونه عاشراً في ترتيب قراء القراءات العشر المتواترة .

وقد سبقت ترجمته كأحد راويي حمزة - القارئ السادس من السبعة - وسبق أنه خالف حمزة في اختياره في مائة وعشرين حرفاً، ولكنه لم يخرج في اختياره عن قراءات الكوفيين في حرفاً ما, فقراءته تعتبر كوفية في مجموعها .

أشهر رواته : اشتهرت قراءة خلف من روايتي : إسحاق وإدريس, وهما من تلاميذه .

1- إسحاق :

هو : أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي البغدادي الوراق، أخذ عن خلف اختياره, وقرأ عليه, وقام به بعده, كما قرأ على الوليد بن مسلم، وقرأ عليه ابنه محمد بن إسحاق, ومحمد بن عبد الله بن أبي عمر النقاش والحسن بن عثمان البرصاطي, وعلي بن موسى الثقفي, وابن شنبوذ وغيرهم، كان قيماً بالقراءة, ثقة فيها, ضابطاً لها, وكان لا يعرف من القراءات إلا اختيار خلف. توفي سنة 286هـ .

2- إدريس :

هو أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم البغدادي, الحداد، قرأ على خلف اختياره, وعلى محمد بن حبيب الشموني, وروى عن أحمد بن حنبل وابن معين وطائفة .

وروى عنه القراءة سماعاً : ابن مجاهد, وعرضاً : محمد بن أحمد بن شنبوذ, وابن بويان وابن مقسم العطار, وأبو بكر النقاش والمطوعي, وجماعة .

وهو إمام ضابط متقن ثقة، أقرأ الناس ورحلوا إليه من البلاد لإتقانه وعلو إسناده .

قال الدارقطني : هو ثقة وفوق الثقة بدرجة .

توفي يوم الأضحى سنة 292هـ عن ثلاث وتسعين سنة .


تراجم قراء القراءات الشاذة

1- ابن محيصن (ت 123هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم، المكي, وقيل : اسمه عمر , وقيل : عبدالرحمن بن محمد , وقيل : محمد بن عبد الله .

شيوخه :

عرض على مجاهد بن جبر, ودرباس مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم .

تلاميذه :

عرض عليه شبل بن عباد, وأبو عمرو بن العلاء, وسمع منه حروفاً إسماعيل بن مسلم المكي , وعيسى بن عمر البصري وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

هو مقرئ أهل مكة, معاصر ابن كثير وحميد الأعرج, وكان ثقة, وأعلم قراء مكة - في عصره - بالعربية وأقراهم عليها .

قال ابن مجاهد : كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية, فخرج به عن إجماع أهل بلده, فرغب الناس عن قراءته, وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتِّباعه .

ويروى عن مجاهد أنه كان يقول : ابن محيصن يـبني ويرصص في العربية, يمدحه بذلك .

وقال ابن الجزري : وقراءته - أي ابن محيصن - في كتاب المبهج والروضة, وقد قرأت بها القرآن, ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة .

وفاته :

توفي بمكة سنة 123هـ, وقيل 122هـ .

أشهر رواته :

اشتهرت قراءة ابن محيصن من روايتي : البزي وابن شنبوذ, وهما ليسا من تلاميذه .

1- البزي :

هو: أبو الحسن أحمد بن محمد البزي, الفارسي - أحد راويي ابن كثير - وقد سبقت ترجمته .

2- ابن شنبوذ :

هو : أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ البغدادي .

أخذ القراءة عرضاً عن : إبراهيم الحربي, وأحمد بن بشار الأنباري, وأحمد بن فرح, وإدريس الحداد, والحسن بن الحباب، وغيرهم .

وقرأ عليه : أحمد بن نصر الشذائي, والحسن بن سعيد المطوعي, ومحمد بن أحمد الشنبوذي، وغيرهم .

إمام كبير, شيخ الإقراء بالعراق, أحد من طاف البلاد لتحصيل علم القراءات مع الصلاح والورع والأمانة .

وكان بينه وبين ابن مجاهد تنافس على عادة الأقران, حتى كان لا يقرئ من يقرأ على ابن مجاهد .

وكان يرى جواز القراءة بما خالف رسم المصحف الإمام, وقد عقد له بسبب ذلك مجلس بحضرة الوزير أبي علي ابن مقلة, حضره ابن مجاهد وجماعة من العلماء والقضاة, فاعترف وتاب وكتب له محضر بذلك .

توفي في صفر سنة 328هـ, وفيها مات ابن مقلة الوزير أيضا .

2- يحيى اليزيدي (128-202هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري, المعروف بـ((اليزيدي)) لصحبته يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، حيث كان يؤدب ولد ه.

شيوخه :          

أخذ القراءة عرضاً عن أبي عمرو بن العلاء - وهو الذي خلفه بالقيام بها - وأخذ أيضاً عن حمزة, وسمع عبد الملك بن جريج, وأخذ عن الخليل بن أحمد وغيرهم .

تلاميذه :     

روى القراءة عنه أولاده : محمد, وعبد الله, وإبراهيم, وإسماعيل, وإسحاق, وحفيده : أحمد بن محمد, وأبو عمر الدوري, وأبو شعيب السوسي (راويا أبي عمرو البصري) وأبو الحارث (أحد راويي الكسائي) وروى عنه الحروف أبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

إمام نحوي مقرئ ثقة كبير علامة، له اختيار خالف فيه أبا عمرو في حروف عشرة فقط .

قال الذهبي : كان ثقة علامة فصيحاً مفوهاً بارعاً في اللغات والآداب .

قال ابن مجاهد : وإنما عولنا على اليزيدي وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجل منه لأنه انتصب للرواية عنه وتجرد لها, ولم يشتغل بغيرها, وهو أضبطهم, له عدة تصانيف, منها : كتاب النوادر, وكتاب المقصور, وكتاب المشكل, وكتاب نوادر اللغة, وكتاب في النحو مختصر, وله نظم حسن .

ولادته ووفاته :

ولد سنة 128هـ، وتوفي سنة 202هـ .

أشهر رواته :

اشتهرت قراءة اليزيدي من روايتي : ابن الحكم , وابن فرح .

الأول يروي عنه, وهو من تلاميذه, والثاني يروي عن الدوري عنه، فهو ليس من تلاميذه .

1- ابن الحكم :

هو : أبو أيوب سليمان بن أيوب بن الحكم الخياط البغدادي المعروف بصاحب البصري، قرأ على اليزيدي, وقيل : على ابنه عبد الله بن يحيى كذلك، وقرأ عليه : أحمد بن حرب المعدل وإسحاق بن مخلد الدقاق وآخرون .

مقرئ جليل ثقة, قال ابن معين : ثقة صدوق, حافظ لما يكتب عنه، توفي سنة 235هـ .

2- ابن فرح :

هو : أبو جعفر أحمد بن فرح بن جبريل الضرير البغدادي، قرأ على الدوري بجميع ما عنده من القراءات, وعلى عبد الرحمن بن واقد, وعلى البزي, وحدث عن علي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة, وأبي الربيع الزهراني, وطائفة .

وقرأ عليه : أحمد بن مسلم الختلي, وأبو بكر بن مقسم العطار, وابن مجاهد, وابن شنبوذ, والحسن المطوعي, وأبو بكر النقاش .

مقرئ مفسر ثقة كبير، تصدر للإفادة زماناً, وبعد صيته, واشتهر اسمه لسعة علمه وعلو مسنده, قال الذهبي : سكن الكوفة مدة, وحمل أهلها عنه علماً جماً, وكان ثقة مأموناً, توفي سنة 303هـ, وقد قارب التسعين من عمره .

3- الحسن البصري (21-110هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري , مولى الأنصار .

شيوخه :

قرأ على حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري, وعلى أبي العالية عن أبي بن كعب, وزيد بن ثابت, وعمر بن الخطاب وغيرهم .

تلاميذه :

روى عنه أبو عمرو بن العلاء, وسلام الطويل, ويونس بن عبيد, وعاصم الجحدري, وسمع منه عيسى بن عمر النحوي وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

قال ابن الجزري : السيد الإمام أبو سعيد البصري, إمام زمانه علماً وعملاً, وهو من خيرة التابعين . وأخبار علمه وزهده معروفة يضرب بها المثل, وإذا أطلق ((الحسن)) عند أهل الحديث, فهو المراد به, مناقبه جليلة, وأخباره طويلة, كان فصيح العبارة, سليم اللغة, حتى قال فيه الإمام الشافعي : لو أشاء أقول : إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت, لفصاحته .

ولادته ووفاته :

ولد سنة 21هـ، لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه . وتوفي سنة 110هـ .

أشهر رواته :

اشتهرت قراءته من روايتي : البلخي والدوري, وهما ليسا من تلاميذه .

1- البلخي :

وهو : أبو نعيم شجاع بن أبي نصر البلخي البغدادي المقرئ الزاهد .

عرض على أبي عمرو بن العلاء - وهو من جلة أصحابه - وسمع من عيسى الثقفي, وحدث عن الأعمش وغيره .

روى القراءة عنه : أبو عبيد القاسم بن سلام, ومحمد بن غالب, والقاسم بن علي, وأبو عمر الدوري وغيرهم .

زاهد ثقة كبير, سئل عنه الإمام أحمد، فقال : بخ بخ, وأين مثله اليوم ؟

ولد ببلخ سنة 120هـ, وتوفي ببغداد سنة 190هـ, وله سبعون سنة .

2- الدوري :

وهو : أبو عمر الدوري - أحد راويي أبي عمرو البصري ثالث القراء السبعة - وقد سبقت ترجمته .

4- سليمان بن مهران الأعمش (61-148هـ)

 

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش الأسدي, الكاهلي ولاءً، الكوفي, مولى بني أسد .

شيوخه :

أخذ القراءة عرضاً عن إبراهيم النخعي, وزر بن حبيش, وعاصم بن أبي النجود, ومجاهد بن جبر ويحيى بن وثاب, وأبي العالية الرياحي وغيرهم .

وروى عن عبدالله بن أبي أوفي, وأبي وائل, وسعيد بن جبير , ومجاهد , وأبي عمرو الشيباني وخلق آخرين.

تلاميذه :

روى القراءة عنه عرضاً وسماعاً : حمزة الزيات - أحد القراء السبعة - وابن أبي ليلى, وزائدة بن قدامة, وعرض عليه : طلحة بن مصرف, وإبراهيم التميمي, ومنصور بن المعتمر, وروى الحروف عنه : محمد بن عبد الله المعروف بزاهر, ومحمد بن ميمون, وغيرهم .

مناقبه ومآثره :

كان رحمه الله حافظاً متثبتاً, واسع العلم بالقرآن, ورعاً ناسكاً, مجانباً للسلاطين, وكان يسمى بـ((المصحف)) لشدة إتقانه وضبطه وتحريه .

قال هشام : ما رأيت بالكوفة أحداً أقرأ لكتاب الله تعالى من الأعمش .

روي عنه أنه قال : إن الله تعالى زين بالقرآن أقواماً, وإنني ممن زينه الله بالقرآن, ولولا ذلك لكان على عنقي ((دن)) أطوف به في سكك الكوفة .

له نوادر وطرف كثيرة, منها : أنه خرج يوماً إلى الطلبة, فقال : لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم .

ولادته ووفاته :

ولد سنة 61هـ, وتوفي في ربيع الأول سنة 148هـ .

أشهر رواته :

اشتهرت قراءة الأعمش من روايتي : الشنبوذي والمطوعي بسندهما إلى ابن قدامة عنه .

1- الشنبوذي :

هو : أبو الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم الشنبوذي البغدادي الشطوي .

والشنبوذي : نسبة إلى ((ابن شنبوذ)) المقرئ المعروف, لكثرة ملازمته له بحيث كان يعتبر غلاماً له .

أخذ القراءة عرضاً عن : ابن مجاهد, وأبي بكر النقاش, وأبي الحسن بن الأخرم, وأبي الحسن بن شنبوذ - وإليه نسب - وأبي بكر بن مقسم العطار, وأبي بكر محمد بن الحسن الأنصاري وغيرهم .

وقرأ عليه الأهوازي, وأبو العلا محمد بن علي الواسطي, وعلي بن القاسم الخياط, وغيرهم .

وهو أستاذ من أئمة القراءات, رحل ولقي الشيوخ, وأكثر وتبحر في القراءات والتفسير, وقد اشتهر اسمه وطال عمره مع علمه بعلل القراءات, وكان يحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن الكريم .

قال الداني : هو إمام نبيل مشهور حافظ ماهر حاذق، ولد سنة 300هـ, وتوفي سنة 388هـ .

المطوعي :

هو : أبو العباس الحسن بن سعيد بن جعفر العباداني, العمري, المطوعي البصري .

قرأ على : إدريس بن عبد الكريم, وأحمد بن الحسين الحريري, ويوسف بن يعقوب الواسطي, وابن شنبوذ, وابن مجاهد, ومحمد بن أحمد الصوري - صاحب ابن ذكوان - وأحمد بن فرح المفسر وغيرهم .

وقرأ عليه : أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي, وأبو زرعة الخطيب, ومحمد بن الحسين الكارزيني - وهو آخر من تلا عليه - وروى عنه الحروف : الحسين بن محمد الكارزيني وغيرهم .

وهو إمام عارف ثقة في القراءة, اعتنى بالفن ورحل فيه إلى الأقطار ولقي الكبار فتبحر فيه, وقد جمع وصنف, وهو مؤلف كتاب : معرفة اللامات وتفسيرها, وعمر دهراً طويلاً, وانتهى إليه علو الإسناد في القراءات في زمانه, وكان أبوه واعظاً محدثاً, وكان هو سبب إعانته على الرحلة, وكان رأساً في القرآن .

ولد في حدود سنة 270هـ, وتوفي سنة 371هـ, وقد جاوز المائة .

 


تراجم لبعض أعلام القراء :

1- الإمام ابن مجاهد البغدادي (245-324هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي, شيخ الصنعة, ومسبع السبعة .

ولادته :

ولد بسوق العطش من بغداد سنة 245هـ .

شيوخه : قرأ على كثير من الأعلام, منهم :

1-  عبد الرحمن بن عبدوس أبو الزعراء البغدادي, توفي في بضع وثمانين ومائتين, قرأ عليه عشرين ختمة لنافع, وعليه اعتماده في العرض .

2- أبو عمر قنبل المكي - أحد راويي ابن كثير المكي - (ت291هـ) .

3- عبد الله بن كثير المؤدب - من أصحاب أبي أيوب الخياط - منه تعلم عامة القرآن, ووصفه بشيخ صدوق .

وروى الحروف سماعاً عن :

4-  محمد بن يحيى الكسائي الصغير (ت288هـ) .

5-  أحمد بن فرح البغدادي - أحد راويي اليزيدي - (ت 303هـ) .

6-  إدريس بن عبد الكريم الحداد - أحد راويي خلف - (ت292هـ) .

تلاميذه : قرأ عليه أعلام كثيرون, منهم :

1-  أحمد بن نصر الشذائي البصري (ت 370هـ) .

2-  الحسن بن سعيد المطوعي العباداني العمري البصري - أحد راويي الأعمش - (ت371هـ) .

3-  الحسين بن حمدون بن خالويه , النحوي , الحلبي , توفي بعد 360هـ .

4-  علي بن إسحاق بن يزيد الحلواني .

5-  علي بن سعيد بن الحسن بن ذؤابة البغدادي القزاز توفي قبل 340هـ .

6-  محمد بن أحمد الشنبوذي - أحد راويي الأعمش - (ت 388هـ) .

7-  محمد بن الحسن النقاش - أخذ عن ابن مجاهد وروى عنه ابن مجاهد - (ت 351هـ) .

8-  أبو عبد الله محمد بن الحسين الفارسي الكارزيني - كان حياً في سنة 440هـ - .

 

مناقبه ومآثره :

أقبل على حفظ القرآن, وطلب العلوم منذ نعومة أظفاره, كما أقبل على أساتذة النحو الكوفيين, وسمع الحديث, وأخذ القراءات من طائفة ذكرهم في صدر كتابه ((السبعة)) وتصدر للإقراء, فازدحم عليه أهل الأداء, ورحل إليه من الأقطار, وقرأ عليه خلق لا يحصون, كان حجة في القراءات والحديث, وثقة علامة كبيراً .

قال الداني : فاق ابن مجاهد في عصره سائر نظرائه من أهل صناعته, مع اتساع علمه, وبراعة فهمه, وصدق لهجته, وظهور نسكه .

وقال ثعلب : ما بقي في عصرنا هذا أعلم بكتاب الله من أبي بكر بن مجاهد .

وقال ابن النديم : آخر من انتهت إليه الرياسة بمدينة السلام ، وكان واحد عصره غير مدافع , وكان مع فضله وعلمه وديانته ومعرفته بالقراءات وعلوم القرآن ، حسن الأدب , رقيق الخلق , كثير المداعبة , ثاقب الفطنة , جواداً .

وقال ابن الجزري : (( وبعد صيته , واشتهر أمره , وفاق نظراءه مع الدين والحفظ والخير , ولا أعلم أحداً من شيوخ القراءات أكثر تلاميذ منه , ولا بلغنا ازدحام الطلبة على أحد كازدحامهم عليه , حكى ابن الأخرم : أنه وصل إلى بغداد فرأى في حلقة ابن مجاهد نحواً من ثلاثمائة مصدر , وقال علي بن عمر المقرئ : كان ابن مجاهد له في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس )) .

من تآليفه :

1-  كتاب ((السبعة)) .

2- كتاب ((القراءات الكبير)) .

3- كتاب ((قراءة علي بن أبي طالب)) رضي الله عنه .

4- ((كتاب الياءات)) .

5- ((كتاب الهاءات)) .

6- كتاب ((قراءة النبيصلى الله عليه وسلم)) .

وفاته:

توفي يوم الأربعاء , وقت الظهر في 20/8/324هـ, ودفن في حرم داره بسوق العطش ثاني يوم وفاته .

2- الإمام مكي بن طالب القيسي (355-437هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار, القيسي المغربي القيرواني, ثم الأندلسي القرطبي . كنيته : أبو محمد, ويرجع في نسبه إلى قبائل قيس عيلان التي جاءت مع الفتح الإسلامي .

ولادته : ولد سنة 355هـ بالقيروان, فهو مغربي المولد وأندلسي المنزل .

شيوخه : أخذ القراءات عن عدد من الشيوخ ، منهم :

1-  أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون .

2-  ابنه طاهر بن عبد المنعم بن غلبون .

3-  أبو عدي عبد العزيز بن علي بن أحمد .

وممن سمع منهم :

1- أبو بكر محمد بن علي الأذفوي .

2- أحمد بن فراس المكي العبقسي .

3- أبو القاسم عبيد الله السقطي المكي .

4- أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني .

تلاميذه : قرأ عليه كثيرون , منهم :

1-  يحيى بن إبراهيم بن البياز .

2-  موسى بن سليمان اللخمي .

3-  أبو بكر محمد بن المفرج البطليوسي .

4-  محمد بن أحمد بن مطرف الكناني .

5-  عبد الله بن سهل الأنصاري الأندلسي .

مناقبه ومآثره :

كان رحمه الله إماما في القراءات, علامة في الفنون , متبحرا في علوم القرآن والعربية , حسن الفهم والخلق , جيد الدين والعقل , كثير التأليف في علوم القرآن , محسنا مجودا , عالما بمعاني القراءات , لقد أمضى نحو ربع قرن ينتقل هنا وهناك لغرض العلم والقاء العلماء.

سافر إلى مصر - للتحصيل - وهو ابن ثلاث عشرة سنة , وتردد إلى المؤدبين , وأكمل القرآن , ورجع إلى القيروان , ثم رحل إلى مصر للقراءات سنة 376هـ , وحج في رحلته هذه , ثم حج مرة ثانية في سنة 387هـ , وجاور ثلاثة أعوام , وأخذ العلم عن علماء مكة , ودخل الأندلس سنة 393هـ , وجلس للإقراء بجامع قرطبة , فاشتهر اسمه , قلده أبو الحزم جهور خطابة قرطبة , وكان خيرا متدينا , مشهورا بالصلاح وإجابة الدعوة , ذا همة عالية.

وتواليفه تزيد عن ثمانين تأليفاً , منها :

1-  التبصرة في القراءات السبع , مطبوع بتحقيق د. محمد غوث الندوي , في مجلد.

2-  الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها , مطبوع في مجلدين.

3-  مشكل إعراب القرآن , مطبوع بتحقيق د. حاتم صالح الضامن , في مجلدين.

4-  الرعاية في التجويد , مطبوع.

5-  الإبانة عن معاني القراءات , مطبوع بتحقيق د. محيي الدين رمضان , وبتحقيق د. عبدالفتاح شلبي .

وغيرها من التآليف الكثيرة المشهورة .

وفاته : توفي في ثاني المحرم سنة 437هـ .

3

- الإمام أبو عمرو الداني (371-444هـ) :

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الداني, الأموي مولاهم القرطبي, المالكي, المعروف في زمانه بـ((ابن الصيرفي)) لأن والده كان يشتغل ببيع العملة, وتحويلها في قرطبة, وعرف بـ((الداني)) لسكناه بـ((دانية)) واستيطانه بها في آخر حياته حتى الوفاة بها .

و((دانية)) : مدينة عظيمة بالأندلس من أعمال بلنسية على ساحل البحر الرومي .

ولادته :

ولد سنة 371هـ بمدينة ((قرطبة)) عاصمة الخلافة الأموية وحاضرتها في الأندلس, ومدينة العلم والعلماء, وبها نشأ .

شيوخه :

بدأ بطلب العلم وهو ابن أربع عشرة سنة, ولازم الشيخ محمد بن عبدالله ابن أبي زمنين الإلبيري, وأخذ القراءة عن كثيرين, منهم :

1-  أبو القاسم خلف بن إبراهيم ابن خاقان المصري الخاقاني ، وعليه اعتمد في قراءة ورش في كتابه ((التيسير)) وغيره من كتبه .

2-  أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر بن خواستى الفارسي البغدادي .

3-  أبو الفتح فارس بن أحمد بن موسى الحمصي .

4-  أبو الحسن طاهر بن غلبون الحلبي .

5-  عبيد الله بن سلمة بن حزم اليحصبي الأندلسي ، وهو الذي علمه عامة القرآن .

تلاميذه :

قرأ عليه أعلام كثيرون , منهم :

1-  أبو داود سليمان بن نجاح الأموي، وهو من أجل أصحابه .

2-  أحمد بن عثمان بن سعيد .

3-  محمد بن يحيى بن مزاحم الأنصاري الخزرجي الطليطلي .

4-  أبو الحسين يحيى بن إبراهيم البياز المرسي .

5-  أبو عبد الله محمد بن عيسى بن فرج التجيبي المغامي الطليطلي .

مناقبه ومآثره :

قال ابن الجزري : الإمام العلامة الحافظ أستاذ الأستاذين وشيخ مشايخ المقرئين، أخذ القراءات, وسمع الحديث من جماعة, وبرز فيه وفي أسماء رجاله, وفي القراءات علماً وعملاً, وفي الفقه والتفسير, وسائر أنواع العلوم .

قال ابن بشكوال : كان أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه, وجمع في ذلك تواليف حساناً يطول تعدادها .

وكان حسن الخط, جيد الضبط, من أهل الحفاظ والذكاء والتفنن, ديِّناً فاضلاً ورعاً سنيَّاً, وكان مجاب الدعوة .

وقال الداني عن نفسه : ابتدأت بطلب العلم في سنة 386هـ, ورحلت إلى المشرق سنة 397هـ, ودخلت مصر في شوال منها, فمكثت بها سنة, وحججت ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة 399هـ, وخرجت إلى الثغر سنة 403هـ, فسكنت سرقسطة سبعة أعوام, ثم رجعت إلى قرطبة, قال : وقدمت ((دانية)) سنة 417هـ. فاستوطنها حتى مات .

وكان يقول رحمه الله : ما رأيت شيئاً إلا كتبته, ولا كتبته إلا حفظته, ولا حفظته فنسيته .

وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار وكلام السلف : فيوردها بجميع ما فيها مسندة من شيوخه إلى قائلها .

قال ابن الجزري : ومن نظر في كتبه علم مقدار الرجل وما وهبه الله تعالى فيه, فسبحان الفتاح العليم.

مؤلفاته : ألف الداني مؤلفات رائعة , تزيد على 120 كتاباً - أكثرها مفقود - ومن أشهر مؤلفاته :

1-  ((جامع البيان)) في القراءات السبع .

2-  ((التيسير)) في القراءات السبع .

3-  ((المقنع)) في رسم المصحف .

4-  ((المحكم)) في النقط .

5-  ((طبقات القراء)) .

6-  ((المكتفى في الوقف والابتداء )) .

7-  ((التحديد في الإتقان والتجويد)) .

8-  ((البيان في عدآي القرآن)) .

وغيرها من المؤلفات النافعة .

وفاته :

توفي بـ((دانية)) يوم الاثنين منتصف شوال سنة 444هـ, ودفن من يومه بعد العصر , ومشى صاحب ((دانية)) أمام نعشه , وشيعه خلق عظيم رحمه الله تعالى .


4- الإمام الشاطبي (538-590هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو القاسم وأبو محمد القاسم بن فِيُرَّه بن خلف بن أحمد الشاطبي الرعيني الأندلسي, الضرير .

ولادته : ولد في آخر سنة 538هـ بشاطبة من قرى الأندلس .

شيوخه : أخذ القراءات, وروى الحديث عن كثير من الأعلام, ومن أبرزهم :

1-  أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العاص النفزي الشاطبي .

2-  أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي .

3-  أبو طاهر السلفي الإسكندري .

4-  أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة الإشبيلي التلمساني .

5-  أبو الحسن علي بن عبد الله بن خلف بن النعمة الأنصاري البلنسي .

تلامذته : قرأ عليه كثيرون بالروايات والقراءات, منهم :

1-  أبو موسى عيسى بن يوسف المقدسي .

2-  أبو القاسم عبد الرحمن بن سعد الشافعي .

3-  أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي، وهو من أجل أصحابه .

4-  أبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي .

5-  الكمال علي بن شجاع الضرير، صهره .

6-  أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب, قرأ عليه بعض القراءات وسمع عليه القصيد والتيسير .

مناقبه ومآثره :

هو الإمام العلامة, أحد الأعلام الكبار والمشهورين في الأقطار، قرأ القراءات بشاطبة, وأتقنها هناك, ثم رحل إلى ((بلنسية)) بالقرب من شاطبة, فأخذ القراءات وسمع الحديث من ابن هذيل, ثم رحل للحج فسمع من السلفي وغيره بالإسكندرية, ولما دخل مصر أكرمه القاضي الفاضل, وعرف مقداره, وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية - داخل القاهرة - وجعله شيخها, وبها نظم قصيدته اللامية (الشاطبية) والرائية (عقيلة) وهناك جلس للإقراء فقصده الخلائق من الأقطار .

ولما فتح صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس توجه إليه فزاره سنة 589هـ, ثم رجع فأقام بالمدرسة الفاضلية يقرئ حتى توفي .

قال ابن الجزري : كان إماماً كبيراً أعجوبة في الذكاء, كثير الفنون, آية من آيات الله تعالى, غاية في القراءات, حافظاً للحديث, بصيراً بالعربية, إماماً في اللغة, رأساً في الأدب, مع الزهد والولاية, والعبادة والانقطاع، مواظباً على السنة .

وكان ضريراً - ولد أعمى - ولكن لا يظهر منه ما يظهر من أعمى من حركات, وكان لا يتكلم إلا بما تدعو إليه الضرورة, وكان يمنع جلساءه من الخوض إلا في العلم والقرآن, وكان يصلي الصبح بغلس بالفاضلية ثم يجلس للإقراء, فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلاً, وكان إذا قعد لا يزيد على قوله : من جاء أولاً فليقرأ, ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق .

قال ابن الجزري : ومن وقف على قصيدتيه (اللامية والرائية) علم مقدار ما آتاه الله في ذلك, خصوصاً ((اللامية)) التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها, فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها, أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها, ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن, بل أكاد أن أقول : ولا في غير هذا الفن, فإنني لا أحسب أن بلداً من بلاد الإسلام يخلو منه, بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به, ولقد تنافس الناس فيها, ورغبوا في اقتناء النسخ الصحاح بها ... )) وقد بارك الله له في تصنيفه وأصحابه فلا نعلم أحداً أخذ عنه إلا قد أنجب .

وقد تسابق العلماء قديماً وحديثاً في شرح قصيدته, خصوصا اللامية, وأول من تصدى لشرحها تلميذه الإمام السخاوي, ثم الإمام أبو شامة المقدسي, ثم الإمام الجعبري وهو أدق الشروح, وأغزرها مادة, وأكثرها فائدة .

وشرحها من المتأخرين والمعاصرين : الشيخ علي محمد الضباع, والشيخ عبدالفتاح القاضي, وغيرهم .

وقد نقل الإمام القرطبي : أن الإمام الشاطبي لما فرغ من تصنيف الشاطبية ونظمها, طاف بها حول الكعبة مراراً عديدة, وكلما جاء في أماكن الدعاء دعا بقوله : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب هذا البيت العظيم انفع بها كل من قرأها .

وفاته :

توفي رحمه الله في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة 590هـ بالقاهرة, ودفن بالقرافة - بين مصر والقاهرة - بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرجيم البيساني .

5- الإمام ابن الجزري (751-833هـ)

اسمه ونسبه وشهرته :

هو : أبو الخير, شمس الدين، محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الدمشقي الشيرازي, المعروف بـ((ابن الجزري)) و((الجزري)) نسبة إلى جزيرة ابن عمران, في نهر دجلة, قرب الموصل .

ولادته :

ولد في دمشق, ليلة السبت, الخامس والعشرين من رمضان سنة 751هـ, داخل خط القصاعين بين السورين بدمشق .

شيوخه :

حفظ القرآن الكريم, وأخذ القراءات, وسمع الحديث من عدد من الشيوخ في دمشق ومصر والحجاز, منهم :

1-  أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن السلار، وهو أول شيخ له انتفع به ولازمه في صغر سنه .

2-  أحمد بن إبراهيم بن الطحان المنبجي .

3-  أحمد بن رجب بن الحسن السلامي البغدادي .

4-  إبراهيم بن عبد الله الحموي المؤدب, تعلم منه التجويد وكان أعلم بدقائقها .

5-  أبو المعالي محمد بن أحمد بن اللبان الدمشقي .

6-  أبو عبد الله محمد بن صالح المدني, الخطيب والإمام بالمسجد النبوي .

7-  أبو بكر عبد الله بن أيدغدى بن عبد الله الشمسي, الشهير بابن الجندي .

8-  أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الصائغ الحنفي .

9-  أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن علي البغدادي, الواسطي المصري .

10-   ضياء الدين سعد الله القزويني .

تلامذته :

قرأ عليه القراءات جماعة في مصر والشام وغيرهم من البلاد التي طاف بها, ومن أبرزهم أبناؤه :

1-  أبو بكر أحمد بن محمد ابن الجزري .

2-  أبو الفتح محمد بن محمد ابن الجزري .

3-  أبو الخير محمد بن محمد ابن الجزري .

4-  محمود بن الحسين بن سليمان الشيرازي .

5-  الخطيب مؤمن بن علي الرومي .

6-  عبد القادر بن طلة الرومي .

7- جمال الدين محمد بن محمد, الشهير بـ((ابن افتخار)) الهروي .

مناقبه ومآثره :

هو الإمام العلامة الحافظ المقرئ الحجة محقق علم القراءات ورائد نهضة علومها في زمانه، تعلم العلوم منذ صغره, وطاف البلاد للتحصيل والتدريس, تنقل بين دمشق والقاهرة والإسكندرية، يطلب العلم والقراءات, ففي دمشق : درس الحديث والفقه, وفي القاهرة : درس البلاغة وأصول الفقه, وفي الإسكندرية : حضر على تلاميذ ابن عبد السلام, وفي تلك الفترة أجيز في الإفتاء من عدد من العلماء : منهم الحافظ ابن كثير صاحب التفسير .

وتصدر للإقراء في دمشق وغيرها مدة من الزمن, وعين قاضياً بها سنة 793هـ, وفي سنة 798هـ صودرت أملاكه في القاهرة , فذهب إلى الروم , وانتفع به أهلها هناك , وبعد الفتنة التيمورية التي وقعت في سنة 805هـ , انتقل ابن الجزري مع تيمورلنك إلى بلاد العجم , فولي القضاء بشيراز مدة طويلة , واستفاد منه أهلها , ثم أوفده تيمور إلى مدينة ((كش)) ثم إلى ((سمرقند)) فألقى دروسا , ولقي الشريف الجرجاني.

وبعد وفاة تيمور في سنة 807هـ تنقل بين عدد من المدن , واستقر أخيرا في ((شيراز)) حيث درس مدة من الزمن , وأكره على قضائها , وفي سنة 823هـ تنقل بين شيراز والبصرة والمدينة , وكانت شيراز خاتمة مطافه , حيث توفي فيها في ربيع الأول سنة 833هـ , ودفن بمدرسته التي بناها بها.

مؤلفاته :

ألف مؤلفات عديدة بلغت نحواً من ثمانين كتاباً أقبل عليها العلماء وتناقلوها بين البلدان, وأكثر كتبه في القراءات نظماً وشرحاً واختصاراً وتحقيقاً، ومنها في التراجم والطبقات والحديث والسيرة والتاريخ والمواعظ ، وأهم مؤلفاته :

1-  النشر في القراءات العشر .

2-  تقريب النشر .

3-  تحبير التيسير في القراءات العشر .

4-  طيبة النشر في القراءات العشر .

5-  الدرة المضيئة في القراءات الثلاث .

6-  منجد المقرئين .

7-  المقدمة فيما على القارئ أن يعلمه .

8-  غاية النهاية في طبقات القراء .

9-  التمهيد في علم التجويد .

 

 

تم بحمد الله ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .