ثلاث خطب حول المخدرات

المخدرات أحكام وحقائق وأرقام (1)

الخطبة الأولى

أما بعد: أيها المسلمون، فإن من المحسوس والمشاهد للناس جميعًا أن المواد المعروفة الآن بالمخدرات على اختلاف أنواعها ومسمياتها لها من المضار الصحية والعقلية والروحية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية فوق ما للخمر، فاقتضى الدليل الشرعي ثبوت حرمتها، وأنها داخلة فيما حرم الله تعالى ورسوله  من الخمر المسكر لفظًا ومعنى.

وقد صدر بهذا الشأن فتوى هيئة كبار العلماء بهذا البلد ـ حرسه الله وسائر بلاد المسلمين ـ متضمنة عقوبة مروجيها، وأنهم من صنف المفسدين في الأرض، قال الله تعالى في حقهم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

 قال الإمام ابن القيم رحمه لله تعالى: "ويدخل في الخمر كل مسكر مائعًا كان أو جامدًا، عصيرًا أو مطبوخًا، واللقمة الملعونة لقمة الفسق والفجور التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن".

والمسلم ـ عباد الله ـ ليس ملك نفسه، وحياتهُ وصحته وماله وسائرُ نعم الله عليه إنما هي وديعة عنده، لا يحل له التفريط فيها، قال الحق جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

هذا وإن من مضار المخدرات من حيث العموم ما يلي:

1- فساد المزاج والعقل وفتح باب الشهوات.

2- تورث صاحبها الدياثة على عرضه؛ فكم من متعاطيها أرخصوا أعراضهم وباعوها بثمن بخس مقابل الحصول على شيء من المخدرات.

3- ثبت بالتجارب أن تناول بعض أنواعها ينشِّق الدماغ، ويحدث لصاحبه الخبل أحيانًا، وأنه يتولد عن أكلها إفرازات غير طبيعية تسبب الغثيان والدوار وتضاعف ضربات القلب.

4- أن إدمان تعاطي أنواع منها يسبب تقرّح الطحال بنقط سوداء وصفراء، تفرز مادة خبيثة تكون في مجموعها قروحًا منتنة تزداد سوءًا، إلى أن تتعطل عنده وظيفة الطحال، فتأخذ طريقها إلى التضخم والتعفن والسيلان، مع ما يصاحبه من إفرازات غريبة، هي المرض الذي يوهن قوى المصاب، فلا يزال في هبوط وانحراف في صحته حتى يلقى الله تعالى قاتلاً نفسه، فما هو عذره عند ربه وقد حرم عليه الخبائث وأنذره منها؟!

5- سريان أمراضه وتعديها لتشمل ذرية متعاطيها ونسله وتفكك أسرته.

6- يتوهم مروجوها أنها باب واسع للثراء، ولعل ذلك الوهم يأتي نتيجة المغامرات التي يؤدّونها فيكسبون في الظاهر، لكنهم نسوا أنهم موعودون بمحق البركة؛ ذلك أن عملهم إفساد، والله تعالى توعد المفسدين بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ  

معاشر الأحبة :لقد فُجعنا وفرحنا في آنٍ واحد مما أعلنته وزارة الداخلية ـ وفقها الله لكل خير على لسان المتحدث الرسمي يوم الأحد بأن يقظة رجال مكافحة المخدرات ومتابعتهم لكافة الآثار الدالة على بؤر الفساد ونشاطاتها الإجرامية للاتجار بالمخدرات وغسل الأموال قد أسفرت بتوفيق الله عن التالي :-

أولاً : الكشف عن شبكة محلية على ارتباط بجهات خارجية امتهنت تهريب المخدرات من أقراص الكبتاجون المخدرة إلى المملكة وترويجها فيها حيث تم القبض على المتورطين في نشاطاتها الإجرامية في عدة مناطق من المملكة وعددهم ( 19 ) شخصاً منهم ( 7 ) سعوديون و ( 12 ) من جنسيات عربية وضبط في حوزتهم مليوني قرص من أقراص الكبتاجون المخدرة كانت مجهزة للترويج في أوساط صغار السن والشباب من أبناء المجتمع بالإضافة إلى مبالغ مالية نقدية بلغت ( 000ر880ر5 ) خمسة ملايين وثمانمائة وثمانون ألف ريال وعدد ( 13 ) ثلاثة عشر سيارة .

وقد كشفت التحقيقات الأولية عن قيام المذكورين بإيداع وتحويل مبالغ مالية كبيرة بلغ إجماليها ( 000ر000ر406 ) أربعمائة وستة ملايين ريال سعودي في حسابات بنكية داخلية وخارجية بالإضافة إلى تصدير عدد كبير من السيارات ضبط منها ( 23 ) ثلاثة وعشرون سيارة كانت معدة

ومجهزة للتصدير إلى خارج المملكة .أهـ ما جاء في المصدر المذكور .

وبناء على الإعلان المذكور فقد هرعت إلى بعض المواقع الإخبارية للبحث عن بعض آثار تلك السموم على مجتمعنا ، فوجدت أن الأمر ينتهي ببعض مدمني المخدرات إلى حال مروعة، والاقدام على ارتكاب أفعال يصعب تصديقها. ووجدت أن إدارة مكافحة المخدرات في السعودية كشفت في فترة سابقة عن قصص تعكس حجم المأساة التي تعيشها أسر بكاملها نتاج إدمان فرد منها. أبرز هذه القصص المؤلمة، ما ارتكبه مدمن بحق ابنته في نهار رمضان، حيث لم يكترث لدموعها وتوسلاتها وفعل بها الفاحشة وهو تحت تأثير المخدر.

وبحسب ما نقلته صحيفة "الوطن" عن مدير قسم الدعم الذاتي بإدارة مكافحة المخدرات في المدينة المنورة ، فإن مدمن آخر قتل ابنه الصغير ثم وضعه في السيارة وانطلق بها ليرمي به في الطريق. واضطر ثالث إلى تقديم كريمته لأحد مروجي المخدرات بهدف الحصول على جرعة من المخدر الذي يستعمله.

وورط آخر زوجته معه في استعمال "الهيروين" لتنحدر حالتهما معا إلى مستوى مأسوي، قبل أن يدخل أفراد مكافحة المخدرات إلى منزلهما ليجدوهما يفترشان البلاط، ومنزلهما مجردا من كل الأجهزة والأثاث، بعد أن اضطرا إلى بيع المنزل قطعة قطعة، في سبيل الحصول على المال اللازم لشراء الهيروين، حيث انتهت حياة الزوجة لاحقا إثر تشبع جسدها بالسموم.

وكان بحث علمي صادر هذا العام كشف عن ارتفاع أعداد قضايا المخدرات التي تم ضبطها في السعودية خلال العام الماضي إلى 16.3ألف قضية وهو ما يمثل نسبة ارتفاع 33.7% عما كانت عليه في العام الذي سبقه. وأوضح بعنوان "وباء المخدرات وخطره على صحة المجتمع" أن أعداد المتهمين في قضايا جلب المخدرات والاتجار فيها والترويج والتعاطي ازدادت إلى 22349 متهما تمثل نسبة 30% خلال الفترة نفسها.

وتم ضبط أنواع مختلفة من المخدرات في السعودية خلال السنوات الماضية منها الحشيش، والأفيون، والهيروين، والقات،و الكوكايين، والكبتاجون. وتتراوح أعمار مستخدميها من الـ20 إلى 51 سنة. وفي تعليق لـ"الوطن" على نتائج البحث قال الباحث إنه لمس من خلال الغوص في المشكلة موضوع البحث أنها مشكلة اجتماعية مستشرية ولا تقتصر على فئة دون أخرى فهي تشمل المتعلمين كما تشمل متوسطي التعليم ، وكبار السن كما الشباب والإناث كما الذكور .

ونشر في صحيفة أخرى أن شاباً سلم والده لإدارة مكافحة المخدرات في المنطقة الشرقية نتيجة تعاطيه المخدرات مخففا بذلك معاناة أسرته مع والده والتي تمثلت في الضرب والإهانة ووضع الأسرة في حالة من الرعب والهلع بصفة يومية بسبب إدمانه على المخدرات.

وأكد الشاب أن والده بدأ التعاطي منذ سنين، وقد لاحظت أسرته تغيرا في سلوكه وطباعه في الآونة الأخيرة خاصة داخل المنزل مع أسرته مما حدا بالشاب للاستعانة بإدارة مكافحة المخدرات التي حضر رجالها إلى المنزل وقاموا باعتقاله.

وعزا الشاب انحراف والده وإدمانه تعاطي المخدرات بسبب الأزمة النفسية التي يعيشها بعد خروجه على المعاش وتقاعده من العمل.

معاشر الأحبة : هذه بعض القصص المأسوية من الآثار السيئة لهذه السموم ، فهل يستيقظ المجتمع لحجم الخطر الذي يحدق بفئاته ؟ اللهم رُد من خُدِعوا بذلك الى رُشدِهم وأصلح شأنهم وفساد قلوبهم يا قريب يا مجيب ..اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ..آمين يا رب العالمين ، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم

 الخطبة الثاني:

الحمد لله ، وبعد : المخدرات .. كلمة قليلة الحروف ، قاتلة المعاني ، لا تصحب معها إلا الدمار ، تسحق في فلكها أحلاماً وآمالاً ، وقلوباً وعقولاً ، ومبادئ وقيماً ، وأفراداً ومجتمعات .

إنها السلاح الخطير .. بيد فاقدي الضمير .. تفتك بالعقول فتعطلها .. وتفتك بالأجساد فتهدّها ..وتفتك بالأموال فتبددها .. وتفتك بالأسر فتشتتها .. وتفتك بالمجتمعات فتحطمها .

إنها التيار الجارف ، والبلاء الماحق ، والطريق الذي ليس لـه إلا ثلاث نهايات : الجنون ، أو السجن ، أو الموت . وفي بلادنا المباركة .. تبذل الدولة وفقها الله بكافة أجهزتها جهوداً كبيرة – على شتى الأصعدة – في التصدي لهذه الآفة و الحيلولة دون انتشارها بين أفراد المجتمع .

معاشر الأحبة : إن ظاهرة تعاطي المخدرات -كغيرها من الظواهر الاجتماعية – لا يمكن الجزم بوجود سبب واحد أدى إلى حدوثها ، بل هي عدة أسباب متداخلة ، ينبغي العناية بها ومراعاتها عند دراسة هذه الظاهرة ، منها :

1- ضعف الإيمان وأساس ذلك يأتي في الجهل بالعلم الشرعي ، فمتى وجد الجهل وجد ضعف الإيمان ، لأن الإيمان أساس العلم الشرعي الذي يهدي الفرد لأرشد طريق .  

2- ثم يأتي عامل آخر يتلو هذا العامل وهو عامل التربية والتوجيه الذي يفتقد في بعض الأسر ، فينشأ الطفل في المنزل دون أن يجد من يوجهه وينصحه ويعلمه ويذكره . وبالتالي يقع فريسة هذا البلاء لجهله بعواقبه 0

3- ثم يأتي عامل ثالث أيضا وهو رفقه السوء والتي تكون داعية شر وبلاء ونشر للفساد بين أفراد المجتمع فكم من فتى كانت بدايته جيدة ، ثم تعرف على رفقه سيئة كانت سببا في انحرافه ووقوعه في كثير من الشرور وفي مقدمتها المخدرات 0

4- المشاكل الأسرية: تعتبر المشاكل الأسرية بوابة عريضة لخروج الأبناء من نطاق سيطرة والديهم ودخولهم في محيط أصدقاء السوء ومخاطره .العديد من الأباء والأمهات هداهم الله يتسببون في انحراف أبنائهم من خلال المشاكل المستمرة التي يحدثونها في المنزل 0 هذه المشاكل أياً كانت ، إذا لم يتم احتوائها سريعاً من الوالدين ومناقشتها وحلها على انفراد مع بعضهما ستتفاقم ، ويصبح لها إفرازات سلبية 0 منها عدم ارتياح الأبناء من التواجد في المنزل بسبب هذه المشاكل وما يصاحبها من ضغوط نفسية وقلق ، وبالتالي يلجأ الأبناء إلى الأصدقاء ليشكون لهم ما يعانون من المشاكل ، وهنا يقترب الخطر وقد يكون الابن ضل الطريق وذهب إلى صديق منحرف ومن ثم تكون النتيجة انحراف شاب بريء بسبب مشاكل أسرية يمكن السيطرة عليها .

أيها الإخوة المؤمنون :

إن الكلام عن المخدرات وأضرارها ، والحديث عن هلكاها وضحاياها ، وسبيل الخلاص منها حديث طويل ، وهذا ما سنتناوله في الخطب القادمة بإذن الله تعالى .

أسأل الله تعالى أن يحفظ أبناءنا وبناتنا من هذه الشرور ، وأن يهدي ضال المسلمين ، وأن يرزقنا الهدى والتقى ، والعفاف والغنى إنه جواد كريم ، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المخدرات أحكام وحقائق وأرقام (2)

الخطبة الأولى

أما بعد: شمس خطبتنا اليوم تشرق على خُطة صهيونية محكمة، ونور شعاعها يتوجه إلى لُغمٍ خطير جدُّ خطير، يفجر حضارات الشعوب ويهدد قيمها بالزوال وأخلاقها بالدمار.

أحابيل الشر تُغزل في الجهر والخفاء لهذه الخطة لتستهدف الأمة في أعز ما تملك، تستهدف الأمة في شبابها، في مستقبلها، في أملها وفخرها وقوتها، حربٌ طاحنة تطحن في طاحونتها آلاف النساء والرجال، وتمزق عشرات الأجيال. وحوشٌ كاسرة أنشبت مخالب الموت في عنق مجتمعاتنا الإسلامية، في حرب شرسة قذرة وُجهت إلى مكرمة الإنسان السليم وميزه عن الحيوان البهيم ألا وهو العقل. نعم، وجهت إلى العقول لتعطلها، وإلى الطاقات لتضعفها، إنها حرب المخدرات والإدمان، إنها دوامة الضياع والحرمان، ضياع للإيمان، وإغضابٌ للرحمن، وجرائم ومآسي وأهوال، رؤوس الصغار لها تشيب، ومصائب ونكبات أذهلت البعيد والقريب، وما الاغتصاب والسرقة وقتل الوالدين أو أحدهما والنصب والاحتيال إلا ثمرات مُرّة في الغالب نتجت من تلك الشجرة الخبيثة، شجرة المخدرات والإدمان.

ما زالت المجتمعات والأسر والبيوتات تتجرع في كثيرٍ منها مرارة تلك الحرب الشعواء والجريمة الشنعاء. أسرٌ يوم أن وقع بعض أفرادها أو فرد منها في شباك تلك المخدرات أصبحت لا تعرف سوى الرعب والألم والبُكاء والسقم؛ تفكك أسري، تشريد للأطفال، طردٌ من الوظيفة، فشلٌ دراسي وضياع للمستقبل، اختلالٌ في العقل، ضعف للذاكرة، نوبات الصداع، وتلف في خلايا المخ، اكتئاب وهم، وقلق وغم، ومزاج نكد، صورٌ محزنة، ونهايات منتنة، وخاتمات سيئة، وفضيحة في الدنيا وعذابٌ في الآخرة لمن مات وهو على ذلك.

ومن ثمار هذه الجريمة المنكرة ونتاجها المُرَّة الشذوذ الجنسي وجنون الشهوة الذي ربما وصل إلى نكاح المحارم والعياذ بالله. وهذا أحد الأساتذة يقول: كُلفت بالعمل بإحدى الدور التي تُدعى بدور الأيتام، وبدأت العمل فأحببت هؤلاء الأيتام وأحبوني، أطفالٌ كأعمار الزهور، أؤانسهم وأُفرح قلوبهم، لكنه استوقفني طفل يتيم أراه دائمًا مهمومًا مغمومًا كثير التفكير، وأجده أحيانًا يبكي، بعد أن استوقفت أحد الباحثين النفسيين في الدار وسألته عن ذاك الطفل، وقلت: بالله عليك، أخبرني عن حال هذا الطفل، سكت قليلاً وقال: أرجوك لا تُحرجني، كررت عليه الطلب فقال: إن والد هذا الطفل كان يتعاطى المخدرات ووقع على ابنته ثم حملت، وحالتها النفسية سيئة جدًا وأنجبت هذا الولد وهو كما ترى.

دمعـي أمام جدار الليل ينسكبُ        وجَمرة في حنايا القلب تلتهبُ

وصـورة لضيـاع العمر قـاتِمة        تسعـى إليَّ ومن عينِي تقتربُ

ووحشة في فؤادي أستريـح لهـا       كأننِّي بيْن أهـل الدار مغتربُ

قاتل الله المخدرات، قاتل الله المخدرات، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعافنا اللهم مما ابتلي به الناس، رحماك ربي.

إخوة الإسلام، هل رأيتم صور المدمنين وهم ميتون أثناء أخذهم للجرعات، ولم يتم اكتشافهم إلا بعد أن تعفنت أجسادهم. شابٌ في الثلاثين من عمره زاد من جرعة المخدر فانفجر مخّه، ووجد بعد ثلاث أيام متعفنًا في غرفته، أتدرون على أي حال؟! وجد ساجدًا على قطع من المخدرات، وقد تحجرت الدماء في وجهه فأصبح وجهه أسود كالفحم.

سبحانك ما أعظمك! سبحانك ما أحكمك! أعظم بشرع الله وأكبر بملة الإسلام يوم أن حرمت أم الخبائث والآثام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90، 91]، وقال أنس : لعن رسول الله  في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له. ومثله روي عن ابن عمر عند أبي داود وغيره وهو حديث حسن. وفي مسند الإمام أحمد قال : (( مدمن الخمر إن مات بعثه الله كعابد وثن )) ورجاله رجال الصحيح، وفي صحيح مسلم قال : ((إن على الله عز وجل عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال))، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار أو عصارة أهل النار)).

شاربها في دين الله يجلد ثمانين جلدة، فإذا تكررت منه وهو يعاقب ولا يرتدع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "يقتل في الرابعة عند الحاجة إليه إذا لم ينته الناس بدون القتل". وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم أن شاربها يُحد وإن لم يسكر ولو شرب قليل. وأجمع أهل العلم على أن شرب الخمر من الكبائر العظام المتوعد عليها بالنار.

وهلمَّ ـ يا رعاكم الله ـ إلى بيان أسباب هذا البلاء وعلل استفحال هذا الداء، فقد يكون البعض قد أخذ بهذه الأسباب أو بعضها تهاونًا في نفسه أو مع أبنائه، وما علم أن النهاية الجحيم الدنيوي والأخروي.

ألا وإن أعظم أسباب انتشار وباء المخدرات والمسكرات بلا منازع وأكبرها بابًا في دخول الواقعين فيها أصدقاء السوء. نعم، عشرات التائبين والنادمين يصدرون قصصهم: وتعرفت على قرناء السوء، وأغراني أصدقاء السوء، وقال لي أصدقاء السوء: جرب... وهلم جرا.

ويا عجبًا من الشباب اليوم، كثيرٌ منهم لا يفرق بين بائع المسك ونافخ الكير، هذا شابٌ يروي قصته وهو حزين وعيناه مملوءتان بالدموع فيقول: كنت وأخي وأختان صغيرتان نعيش مع أبي وأمي، كنا في سعادة وهناء، وأبي كان موظفًا، كانت حياتنا هنيَّة، أبي ذو خلق وأدب، وكذا أمي، كنا أنا وأخي من أوائل الطلاب في المدرسة، كان جو البيت سعيدًا، لكن جاء كابوس مخيف حلَّ ببيتنا وقلبها رأسًا على عقب، شيء لا يصدقه العقل، أبي انقلب من صاحب الابتسامة الرحيم إلى وحش كاسر، لا يعرف إلا الضرب والصراخ، وأمي كانت أول ضحاياه يسبها ويضربها، وهي صابرة ترجو أن يرجع إلى صوابه، نظرنا في حال أبي: لماذا تغير هكذا؟! فإذا هي رفقة السوء جلس معهم قادوا والدي إلى الهاوية بعد أن بادؤوه بحبة واحدة، فأخرى ثم ثالثة، وهكذا حتى ضيع أبي حياته وفصل من وظيفته، وتراكمت الديون علينا، باعت أمي المسكينة كل مجوهراتها، ولكن السم القاتل تمكن من أبي، دخل علينا مرة وهو في حال سكر شديد وهياج منقطع النظير، وهو يصرخ: أعطوني مالاً، فقالت أمي: لا يوجد عندنا مال والبيت كما ترى، إنك ستهلك بدنك بالحرام، اتق الله في دينك، اتق الله في أولادك، فقال لها والدي: أنا لا أعرف بيتًا ولا أولادًا أُريد مالاً، واشتدّ النقاش والصراخ، فاستل أبي سكينًا وطعن بها أمي المسكينة، فسقطت أمي ميتة تتخبّط في دمائها، أي جريمة اقترفتها أمي؟! أي ذنب جنته؟! وأُحيل والدي إلى السجن، وأحيلت أختاي الصغيرتان إلى دار أيتام في مدينة بعيدة عن مدينتنا، وأنا وأخي في دار أيتام أخرى، إنها صحبة السوء دمرت أبي ودمرت حياتنا كلها.

السبب الثاني: إهمال الوالدين وسوء التربية، ومن أراد الدليل على إهمال بعض الآباء فلينظر إلى الشباب وهم في الشوارع وعلى الأرصفة إلى ساعات متأخرة من الليل، بل ـ والله ـ لقد رأيت أطفالاً دون الثامنة وهم في الشوارع يذهبون ويجيئون إلى الساعة الواحدة ليلاً، لا حسيب ولا رقيب، يتعلم هذا الصغير والمراهق التدخين حبًا للتقليد والاستطلاع، ثم سيجارة الحشيش، وهكذا تبدأ البداية بل قل: النهاية، فأين الآباء والأمهات؟! أين الحب والحنان؟! هذا طالبٌ في الصف الثاني المتوسط يقول: إن بعض زملائه يبيع عليه سيجارة الحشيش التي تكلف ما بين 200 إلى 300 ريال يحصل عليها من والده ووالدته وأخواته الكبار، ولم يعلم الأب بتعاطي ابنه لهذا البلاء إلا بعد دخوله دار الملاحظة.

وها نحن هذه الأيام نعيش أيام الامتحانات، فهناك من الطلبة من يعمد إلى تعاطي المنبهات أو المخدرات، وذلك لدفع النوم كما يظنون، أو النشاط كما يزعمون، ولكنها البداية النكدة لو كانوا يعلمون، فأين الآباء والأمهات عنهم؟!

وانظر إلى شُلل الفساد والخراب التي تنتظر أبناءك بعد الخروج من الامتحانات، لتصطاده فبداية الأمر دوران في الشوارع وأنس وضحك، ونهايته إدمان وفحش ورذيلة.

إن الدلال والترف الزائد وتلبية كل ما يريد الأبناء طريق من طرق هذا البلاء، كما أن الضرب والقسوة الزائدة والحط دائمًا من قدر الأبناء طريق من طرق هذا البلاء، إذًا ما الحل؟ الحل لا تكن يابسًا فتكسر ولا لينًا فتعصر، وإنما القصد والتوسط ولين الرقيب المشفق.

السبب الثالث: وسائل الإعلام لا سيما الغربية منها، ويكون أثرها بنشر المستوى الفكري والأخلاقي الهابط، وذلك بإبعاد الشاب عن الدين وبالإثارة الجنسية، وجعل من يسمون بالفنانين نجومًا وكواكب يقتدى بهم ليقلدهم الشباب، وبعضهم مصابون بداء شرب الخمور وإدمان المخدرات.

السبب الرابع: السفر للخارج. لقد أثبتت الدراسات أن نسبة كثيرة من الشباب بدؤوا تعاطي المخدرات أول مرة خارج البلاد باسم السياحة الموهومة، وهي درب في الصياعة المرسومة، حيث الحانات والخمور والمراقص والفجور.

هذا شاب يقول: تزوجت في سنّ مبكرة وأكرمني الله بزوجة صالحة وأبناء منها، ولكن لم أشكر النعمة، جلست أنا وبعض أصحابي نتحدث عن السفر ولذته، فعقدنا العزم على السفر للخارج، وكذبت على زوجتي، وفعلاً سافرنا، وفي إحدى الليالي ذهبنا إلى إحدى النوادي الليلية على سبيل المشاهدة فقط، وهناك بدأت تجربة الخمور، ثم رويدًا رويدًا إلى المخدرات ثم السجن.

السبب الخامس: بعض العمالة الأجنبية وخاصة الكافرة منها، فقد جاءت بعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها من إباحة للجنس والمسكرات والانحرافات، والمصيبة اندماج العمالة الأجنبية العزاب في الأحياء السكنية ودخولهم مع الشباب والأحداث، بل ودخول بعضهم للبيوت كالسائقين والخدم والخادمات. وهذه خادمة جاءت من بلادها مدمنة على المخدرات لتعمل لدى أسرة مكونة من أب وأم وفتاة تبلغ من العمر 18عامًا، وتعرفت الخادمة على شاب مدمن من شباب الحي، وذات يومٍ اشترط هذا الشاب المدمن على الخادمة أن تمكنه من بنت هذه الأسرة وإلاَّ سيمنع عنها المخدرات، فوافقت واستغلت يومًا كان والد الفتاة قد سافر فيه ووالدتها خارج المنزل، فوضعت الخادمة مخدرًا للفتاة في الشاي وخدَّرها، فأدخلت الوحش المدمن لاغتصاب الفتاة المسكينة، وعندما أفاقت المسكينة من مفعول المخدر لم تتحمّل فأصيبت بالجنون. فانتبهوا فقد يؤخذ أهل البيت ممن يسكن فيه.

أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية

أما بعد: السبب السادس من أسباب انتشار المسكر والمخدرات: المشاكل ومصائب الدنيا وهموم الحياة؛ وذلك مثل المشاكل الأسرية التي قد تنتهي بالطلاق ثم ينقسم البيت والأولاد ليكونوا في صراع نفسي، تؤدي إلى تفكك الأسرة لتفر إلى المخدرات ظانة أنها مهربها ومفرّها، وكذا مشاكل الحياة ومصائب الدنيا، الفشل في العمل أو الزواج أو الدراسة وانتشار البطالة والفقر، والشبح المظلم ألا وهو الفراغ ذاك السم القاتل.

السبب السابع ورأسها وأساسها: ضعف الإيمان وانعدام الخوف من الله سبحانه، فما وقع من وقع في دوامة الضياع هذه إلا يوم أن تُجوزت حدود الله، واعتدي على محارم الله، وإلا رب العالمين قد قالها يوم أنزل كتابه وهو أعلم: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

السبب الثامن والأخير: الوقوع في التدخين، تلك السيجارة الخبيثة سواك الشيطان، ولا شك في حرمتها، أوَتظنّ عندما يبدأ المرء بها بإغراءٍ من الشيطان أن شيطانه يقنع بهذه الخطوة؟! لا، بل يجره إلى ما هو أشد، إلى الحبوب والحشيش، وسجائر المخدر دائمًا في مخيلة شاربها حلم المتعة ونشوة اللذة، وحقًا رب العالمين قال: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [الأنعام:142].

أخيرًا أيها الإخوة، لا شك أن العلاج هو عكس الأسباب، وأهم العلاج وأعظمه تقوية الإيمان، يقول المؤرخ العالمي تويني في كتابه محاكمة الحضارة: "إن الروح الإسلامية تستطيع أن تحرر الإنسان من ربقة الكحول (الخمر) عن طريق الاعتقاد الديني العميق، والتي استطاعت بواسطتها أن تحقق ما لم يمكن للبشرية أن تحقق في تاريخها الطويل".

والحق ما شهدت به الأعداء. نعم، المواظبة على الصلوات وحضور حلقات الذكر وتنشئة الأبناء على الأخلاق الحميدة أعظم سياج يقي من الشرور، كذلك الحرص على الصحبة الصالحة سواءً للكبار أو الصغار، وكذلك متابعة الأبناء ومعرفة أصدقائهم، وعدم السماح لهم بالسهر لأوقات متأخرة من الليل، وتجنيب الأبناء المشاكل الأسرية.

والحذر الحذر من خبثاء النفوس الذين يروجون مثل هذه المخدرات بوعد المتعة واللذة والنشاط والحيوية، ألا كذبوا لعمرو الله. والبدار البدار لمعالجة من ابتلي بهذه الآفات قبل استفحال الداء عن طريق مستشفيات الأمل واستشارة من يوثق فيه في ذلك، والتعاون يدًا واحدة مع رجال مكافحة المخدرات ورجال الهيئات والشُرط في التبليغ عن المروجين ومحاربتهم لاستئصال الشر من جذوره، عسى الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التفكك الأسري من أهم أسباب الإدمان (3)

الخطبة الثانية :

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الملك ملكه، والخلق خلقه، والناس عباده، له الحمد حتى يرضى.. وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم، على عبدك ورسولك، سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، وصحابته المجاهدين، ومن تبعهم بأحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

أيها الإخوة المسلمون:

لقد مضى معنا عبر خطبتين سابقتين الحديث عن داء فتاك ينخر في مجتمعنا ، ويفسد أولادنا ، ويعكر صفو حياتنا ، ألا وهو داء المخدرات والإدمان عليها ، وذكر بعض القصص المبكي لنوضح مقدار شناعة تعاطيه ، وفداحة الغفلة عن الحذر والتحذير منه ، وعرجنا على بعض الأسباب التي تساهم في ارتكاس عدد من فئات المجتمع فيه ، ومما ذكرناه هناك :

إهمال الوالدين لأولادهم ، أو سوء التربية، بل قد يكون الوالدان أو أحدهما على انحراف وسوء مسلك فيدفع بأولاده دفعاً إلى طريق الانحراف ، ولذا كان لزاماً علينا أن نقف مع الأسرة وقفة نتحدث فيها عن أهمية اختيار كل طرف للآخر قبل الارتباط به ، وقبل ذلك أسوق لكم هذه القصة المؤلمة التي توضح بجلاء خطورة انحراف الوالدين أو أحدهما وأثره السئ على الأولاد .

نُشر في بعض الصحف ما يلي : اكتشفت إدارة إحدى المدارس بمحافظة خميس مشيط أن طالبة في المرحلة الثانوية كانت تقوم بترويج الحبوب المخدرة والحبوب المهلوسة بين صفوف الطالبات وبعد أن تم كشف أمر الطالبة بناء على متابعة دقيقة من قبل إدارة المدرسة تم فتح تحقيق في الموضوع تبين أن الطالبة التي تحتفظ "الجريدة " بإسمها تقوم بذلك تحت ضغط من والدها الذي اتضح أنه مدمن ومروج للمخدرات واتخذت الاجراءات الرسمية فى مثل هذه الحالات . أهـ

معاشر الأحبة :

إن الأسرة المسلمة تقوم على الزوج والزوجة والأولاد، وهذه الأسرة الإسلامية هي النواة الأولى للمجتمع، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع.. ولم تهتم ملة من الملل، ولا دين من الأديان بنظام الأسرة، ووضع ما يحقق لها السعادة والعافية كما اهتم بها الإسلام .

فقد وضع الأساس القوي لاختيار الزوج والزوجة، يقول الرسول (صلي الله عليه وسلم): "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (رواه الشيخان) ويقول: "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض فساد كبير" (رواه الترمذي) كما جعل لكل من الزوجين حقوقاً وواجبات، إذا التزما بها التزاماً تاماً نجت سفينة الأسرة من الغرق ومن جميع الأهوال والنكبات.. فقد فرض الإسلام على الرجل أن يتوخى الخير لزوجته في كل تصرفاته قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] والمعاشرة بالمعروف تكون بالكلمة الطيبة، والمعاملة اللينة، والخطاب الرقيق، والبعد عن صغائر الأمور.. كما تكون بالاحترام المتبادل، ومراعاة الشعور، والتغاضي عن كل ما يعكر الصفو، ويغير النفوس. يقول الرسول (صلي الله عليه وسلم): "استوصوا بالنساء خيراً" (متفق عليه). وذلك لضعفها، وحاجتها إلى الرعاية والإكرام، فما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم. ولقد نهى الرسول (صلي الله عليه وسلم): عن إهانتها بأي نوع من أنواع الإهانة، فقال عليه الصلاة والسلام: "ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (حديث حسن رواه أبو داود).. كما فرض عليها طاعته في غير معصية، والمحافظة على عرضه وماله، والقيام بتربية أولاده، وتهيئة كل الظروف لراحته وسعادته.

أيها الإخوة المسلمون:

بهذه التعاليم السمحة، وبهذه الآداب العائلية، ينشأ الأولاد أسوياء النفوس، أصحاء الأبدان، لا يوجد بينهم منحرف ولا معوق، أخلاقهم كريمة، وصدورهم نقية، وألسنتهم عفيفة، أهل بر وخير، كما ينشأون بعيدين عن الهموم والقلق، والخوف والاضطراب، لأنهم تربوا في بيت قائم على العدالة الاجتماعية، والنظام الإسلامي.

والعدالة التي دعا إليها القرآن الكريم، ودعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، هي العدالة النفسية الخلقية، التي تجعل الحقوق والواجبات متساويين متماثلين، فما من حق إلا ويقابله واجب، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وهذه الدرجة ليست درجة حق خلا من واجب، فإذا كان للرجل على زوجته حق الطاعة، فلها عليه حق العدل والمساواة

أما إذا خلا البيت من المعاني النبيلة، والعواطف الرقيقة، والسكينة والمودة والرحمة، التي أنعم الله بها على بيت الزوجية، فإن هذا البيت يتحول إلى ساحة قتال، يتبادل فيها الزوجان السباب والشتائم والتهم، والضرب والصياح والإهانة، ويسمع الناس كل يوم عن معارك جديدة، ونزاعات جديدة.

كل ذلك يحدث، والأولاد ينظرون، تتقطع أكبادهم من الخوف، وتبح أصواتهم من الاستغاثة، ومن وسط الدموع والعبرات ينظرون بهم وحزن إلى مستقبل مظلم، لا يدركون مكانهم منه، وكثيراً ما ينتهي الأمر إلى كلمة الطلاق، التي هي أبغض الحلال إلى الله، ويذهب كل من الزوجين إلى حال سبيله. والأولاد إلى أين يذهبون؟ وإلى من يلجأون؟ ومن يرتب لهم أمور الحياة من تعليم وآداب وسلوك ومعيشة؟.

إنهم بلا شك سيتخطفهم قرناء السوء، وشياطين الإنس، يعلمونهم فن السرقة، وتعاطي المخدرات، وجميع وسائل الشر والانحراف.. للمخدرات تكاليف باهظة تحتاج إلى الحصول على المال بأية طريقة من طرق الحرام، ولو كلفهم ذلك قتل النفس، وعقوق الوالدين، والتضحية بأحب الناس إليهم، فيعم الفساد، وتنقطع الأواصر، ويصبح الأولاد ضحية ما ارتكب الوالدان من حماقة، وما أقدما عليه من مصائب.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضى

أيها المسلمون:

ما هو السبب فيما يحدث من انحراف؟ السبب هو التفكك الأسري، ووضع البيت المسلم في مهب الريح، وعدم تحمل المسئولية التي ألقاها الإسلام على كل من الزوجين، وأين الرعاية التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم في عنق كل من الوالدين بقوله "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته" (متفق عليه).

أيها الإخوة المسلمون:

إن نظرة بسيطة إلى أحوال المدمنين للمخدرات، ودراسة أحوالهم، تبين لنا أن أكبر الأسباب في تفشيها يرجع إلى سوء الأحوال في بيت الزوجية، وإلى التفكك الأسري نتيجة للخلافات المستمرة التي عجز المصلحون عن القضاء عليها في مهداها، مع أن المولى سبحانه وتعالى رسم لنا الطريق فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء: 35].

ولكن بكل أسف يركب كل من الزوجين رأسه، ويعاند نفسه، ويصر على القطيعة، غير مبال بما يرتكب من فظاظة بأولاده الذين جعلهم الله قرة العيون ومهج النفوس، والذين هم أمل صفات عباد الرحمن، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74].

دعوة إسلامية لو عقلها المسلمون لعرفوا سر السعادة في الدنيا والآخرة، وحرصوا على أن يجعلوها ضمن مقاصدهم السامية.

أيها الإخوة المسلمون:

الأولاد أمانة، والله سائلنا عن أداء الأمانة، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] وإنهم رعيتكم التي استرعاكم الله إياها، قال رسول الله (صلي الله عليهوسلم): إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه حتى يسأل الرجل عن أهل بيته .

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يهدي ضال المسلمين ، وأن يجعلني وإياكم هداة مهتدين صلحاء مصلحين