العصر العباسي الأول

الوحدة الأولى

( الأدب والعصر )

 

ملامح الحياة في العصر العباسي الأول

=====================
س1 : كيف قامت الدولة العباسية ؟ وماذا كان موقف الشيعة ؟
جـ : قاد أبو مسلم الخرساني الثورة على الأمويين ، وأعلن قيام الخلافة عام 132هـ (750 م) .. ولكن العلويين (نسبة لسيدنا علي - رضي الله عنه -) رفضوا الاعتراف بخلافة العباسيين ، أشاعوا أن بني العباس اغتصبوا حقهم في الخلافة و أشعلت فرقهم من (الزيدية بالبصرة ، والإمامية الاثنا عشرية بالكوفة ، والإسماعيلية بشمال إفريقيا) الثورات ضدهم .

س2 : أدى نقل حاضرة الخلافة من الشام للعراق إلى تأثر الدولة الجديدة بالحضارة الساسانية الفارسية وبما كان يميزها . وضح مظاهر هذا التأثر  .
- أو في التطورِ الاجتماعي تأثر العباسيون بالفرسِ ، فما مظاهر هذا التأثرِ ؟ وما آثاره ؟

جـ : انتقلت عاصمة الخلافة من الشام إلى العراق ونتيجة ذلك :

1 - تأثر العباسيون بالحضارة الفارسية وبذخها ؛ فظهر بناء القصور الفخمة ، والتأنق في أنواع الطعام والشراب والملابس والأثاث والحدائق والبرك .
2 - التفت جماعات من التجار الأثرياء والأدباء والظرفاء والعلماء والمغنين والأطباء حول الخلفاء والوزراء ، فازدهرت مجالاتهم .
3 - انتشر اللهو والمجون لاستكثار الأغنياء من الجواري .
4 - انتشرت الشعوبية والزندقة والديانات الفارسية ، كالزرادشتية والمانوية والمزدكية .
5 - شاعت ظاهرة الزهد والتنسّك والوعظ والتصوف في مواجهة التيار العابث الماجن والديانات الفارسية .

س3 : ظهرت دعوة مضادة لأثر تأثر العباسيين بحضارة الفرس ، ما مظاهر هذه الدعوة ؟
جـ  : ظهرت دعوة مضادة لذلك هي دعوة الزهد ؛ فامتلأت مساجد بغداد بالزُّهَّاد والوعَّاظ ، ونشطت الدعوة إلى التقشُّف وترْك المتع والشهوات الدنيوية وظهرت الجماعات الصوفية .

س4 : العصر العباسي الأول هو عصر الازدهار العلمي . وضح مظاهر هذا الازدهار .
جـ : مظاهر ازدهار الحركة العلمية:
    1 - أصبحت المساجد ساحات علمية ، ومجالس للدرس والمناظرة والتثقيف.
    2 - امتزاج الثقافة العربية بثقافات الأمم السابقة .
    3 - ترجمة كتب العلوم المختلفة إلى العربية ، والإضافة إليها .
    4 - ظهور علم الكلام للرد على الملاحدة والزنادقة .
    5 - ازدهار الثقافة الدينية (تفسير القرآن ، جمع الأحاديث ، نشأة الفقه) .
    6 - ازدهار العلوم اللغوية بظهور مذهب الكوفيين والبصريين في الدراسات النحوية .
    7 - الاهتمام بالتأليف البلاغي والنقدي ورواية الشعر والنوادر والأخبار .
    8 - ظهور مذهب المحدثين في الشعر وتعدد اتجاهات الشعراء وأغراضهم .
    9 - تجدد أساليب النثر ، وتنوع فنونه (الخطابة ، الكتابة ، التأليف) .

 

الحضارة والثراء والترف:

==============

لا ريب في أن الثراء والبذخ والترف الذي كان يتمتع به الخلفاء والوزراء والقواد وكبار رجال الدولة

ومن اتصل بهم من فنانين وشعراء وعلماء ، هو الذي كتب على الشعب أن يكدح ليملأ حياة هؤلاء جميعاً

بأسباب النعيم ، وكانت خزائن الدولة هي المعين المغدق الذي هيأ لهذا الترف .

ومن أسباب اللهو التي فتن بها الخلفاء (الصيد) وهو عادة قديمة عند العرب ،ومن الخلفاء

 الذين أولعوا به المهدي حيث يقول في ذلك أبو دلامة:

- قد رمى المهدي ظبياً                      شكّ بالسهم فؤاده

- وعــــليّ بـــن سليمـا                     ن رمى كلباً فصاده

ومن الملاهي ألعاب كثيرة مثل سباق الخيل والحمام الزاجل والصولجان والشطرنج .
وكان للعامة ملاهيهم وفي مقدمتها الفرجة على القرادين ، وكانوا يجتمعون حول قصّاص يطرفونهم

 بحكايات خيالية . 
كما أولع العامة والخاصة بفن الغناء الذي بلغ ذروته في ذلك العصر حيث اعتبروه مصدر

 ابتهاجهم وسعادتهم.

 

 

المجون:

=======

ورث المجتمع العباسي كل ما كان في المجتمع الساساني الفارسي من أدوات لهو ومجون وساعد

على ذلك ما دفعت إليه الثورة العباسية من حرية مسرفة ،حتى أن الإدمان على شرب الخمرة أصبح

 ظاهرة عامة على الرغم  من أن القرآن نهى عنها ، وكان من أسباب انتشارها اجتهاد بعض

فقهاء العراق إلى تحليل بعض الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب المطبوخ فشربها الخلفاء والناس .

ومن المعروف أن المهدي أول خليفة عباسي أغري بالخمر ولحقه الرشيد ومن بعده .

وقد تفنن الشعراء في وصف نشوتها وآثارها في الجسد والعقل ووصف دنانها وكؤوسها ومجالسها

وندمانها وسقاتها وكانوا عادة من النصارى والمجوس واليهود ...، وفي ذلك يقول أبو نواس ( خمريته ) :

- ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا           بها  أثر منهم جديد  ودارس

- تُدار علينا الرّاح في عسجدية          حبتها بألوان التصاوير فارس

- فللخمر ما زرّت عليه جيوبها          وللماء ما دارت عليه القلانس

ومنذ أول العصر نجد الخمر تقترن بالغناء والرقص ، إذ تحول المُقينون في كرخ بغداد

والبصرة والكوفة بدورهم إلى حانات كبيرة للشرب ، وكان الشعراء يؤمونها للشراب على غناء

القيان وضرب الطبول والدفوف ، وكانت البساتين في ضواحي بغداد تمتلئ بالحانات ، وكذلك الأديرة

 كانت تقدم لروادها الخمر المعتقة وقد استحالت قاعات شرابها إلى مجتمعات لطلب الخمر والمجون

وكانت متناثرة في ضواحي بغداد ، ونرى الشعراء الماجنين يذكرون سكرها ونشوتها ورهبانها

من مثل قول أبي نواس :

- يا دير حنّة من ذات الأُكيراح                     من يصحُ عنك فإني لست بالصاحي

- رأيتُ فيك ظباء لا قرون لها                     يلعــــبن منـــــا بألــــبـــاب وأرواح

وكثير من دور الشعراء أنفسهم في بغداد تحولت إلى مقاصف للهو والعبث على نحو دار بشار وأبي نواس.

وكان هناك أيام على مدار السنة يخرجون فيها للهو والمجون وهي أيام الأعياد للفرس والنصارى والإسلام ،
وقد قال والبة بن الحباب في عيد هرمزد إله الخير الفارسي:

- قد قابلتنا الكؤوس             ودابرتنا النحوس

- واليوم هرمزد روزٍ           قد عظمته المجوس

وكذلك عيد النيروز وهو عيد الربيع وفيه يقول أبو نواس:

- أما ترى الشمس حلّت الحملا                           وقام وزن الزمان فاعــــــتدلا

- وغنّت الطير بعد عجمتهـــــا                           واستوفت الخمر حولها كملا

- فاشرب على جدّ الزمان فقد                            أصبح وجه الزمان مقـــــتبلا

تيار اللهو والمجون

ظل كثيرون من الشعراء ينغمسون في اللهو والمجون كما انغمس أسلافهم في العصر الماضي 
وكان بعض هذا الانغماس يرجع إلى تحلل في الأخلاق يرجع إلى الهروب من الحياة والتخفيف من

أعبائها الثقيلة وساعد على ذلك اختلال في الموازين وفساد في القيم شاعا في حياة الدولة

وحياة الناس وكان الشك يتسلط على نفوس الكثيرين وكان الكرخ مليئا بالحانات وبدور

النخاسين والشعراء المجان  يغدون ويروحون ليل نهار فكانت البساتين حول سامراء

وبغداد تمتلئ بحانات الخمر والسماع وبدأ الشعراء والناس يختلفون إليها وقد يختلون بأنفسهم إلى

زاوية بستان ويتخذون منها لأنفسهم حانة يشربون فيها على أزهار الرياض وأبصارهم تمتلئ بجمال

الجواري وأذانهم تتمتع بالسماع كما هو الحال عند شاعرنا البحتري حيث قال:

اشرب على زهر الرياض يشوبه              زهر الخدود وزهرة الصهباء

من قهوة تغشي الهموم وتبعث ال             شوق الذي قد ضل في الأحشاء

 

كما نظر الشعراء إلى الدنيا نظرة عابثة فلم يرى فيها إلا جانب اللذة والمتعة ومن هؤلاء الشعراء

بشار بن برد الذي كان شديد الولوع بمتع الحب يسعى إليها بإلحاف ويتلف ماله في سبيله 
فيتناول  وصف مجلس من مجالس الغناء التي شاعت عصره 
فلا يرى من المجالس إلا جمال المغنية وسحر صوتها فهي كالبدر صورة و كالشمس سطوعا فيقول :

وذات دل كأن البدر صورتها                باتت تغني عميد القلب نشوانا

 

وبهذا يوضح لنا الشاعر جمال المغنية التي كالبدر في جمالها وحسن صوتها وقد اختار الشاعر إطاراً

ناجحاً لقصيدته إذ يبنيها على قصيدة لجرير يضمنها أبياته ويقيم حواراً بينه وبين المغنية
 فتندمج القصيدتان معاً في تركيب غريب لا يخلو من تجديد وطرافة حتى ليصعب على القارئ أن

يميز بين المقتبس والمبتدع , فيقول جرير :

إن العيون التي في طرفها حور                قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به            وهن أضعف خلق الله إنسانا

يا حبذا جبل الريان من جبل                   وحبذا ساكن الريان من كانا

 

وهنا يصف لنا جرير جمال عيون المحبوبة السوداوين اللتين قتلتاه بجمالها الأخاذ 
ويصف مكان سكنها الذي هو أحب إليه من أي مكان آخر

وأيضاً من الشعراء من وقفوا على الأطلال المهجورة  
وكان أبو نواس من الذين اتخذوا من الأطلال مجلس لهو له فيقف عليها ويذكر مجالس لهوه فيها بقوله:

ودار ندامى عطّلوها و أدلجوا             بها أثر منهم :جــديد ودارس

فللخمر ما زرت عليه جيوبهــا             وللماء ما دارت عليه القلانس

وفي بعض البلاد قد حوّلوا الأديرة إلى دور للخمر واللهو والمجون 
وأكثروا من التغني بها ووصفوا متاعهم بخمورها ونشوتها وسقاتها من الرهبان والراهبات 
وبذلك يذكر ابن المعتز لياليه بالمطيرة إحدى خمّارات سامراء بالكرخ وحاناته وبدير السوسى

وراهباته فيقول:

يا ليالـــي بالــمــطــيرة والـــكر       خ ودير السوسى بالله عودي

كنت عندي أنموذجات من الجن     ة لــكـنـها بــغـيـر خـلـــــــــود

وبهذه الأبيات يصف لنا تلك الليالي التي كان يقضيها بدير السوسى 
ويرجو الله أن تعود ثانية فإنها كانت عنده كالجنة لكنها بغير باقية ولا خالدة .

 

 



=============================

الوحدة الثانية

(  الشعر  )

أبرز شعراء العصر العباسي الأول :

(( بشار بن برد ،أبو نواس ،أبو العتاهية ، أبو تمام ، البحتري ))

1ـ بشار بن برد :

حياته :هو بشار بن برد بن يرجوخ ، فارسي الأصل ، ينتهي نسبه إلى يستاسب بن لهراسف الملك ، وكان يرجوخ من طخارستان فسباه المهلب بن أبي صفرة ، وجاء به إلى البصرة ، وجعله من قن امرأته خيرة القشيرية فولد عندها بردا ، فلما كبر برد زوجته خيرة ، ووهبته لامرأة من عقيل من قيس عيلان ، كانت متصلة بها ، فولدت له امرأته بشارا ، فأعتقته العقيلية ، فانتسب إلى بني عقيل بالولاء .


وكان يكنى أبا معاذ ويلقب بالمرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث شأن بعض غلمان زمانه وهي الحلى التي تعلق بالآذان ، وهي عادة قديمة عندهم .


بشار في صباه :نشأ بشار في بني عقيل نشأة عربية خالصة ، فاستوى لسانه على الكلام الفصيح لا تشوبه لكنة ، ولما أيفع أبدى فسلم من الخطأ .
وكان برد والده طيانا ، وولد بشار مكفوفا ، فكان برد يقول : ((ما رأيت مولودا أعظم بركة منه ، ولقد ولد لي وما عندي درهم ، فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم )) .
وقال بشار الشعر وهو ابن عشر سنين ، ونزعت نفسه إلى الهجاء ، فلقي الناس منه شرا ، ولم يحجم عن التعريض لجرير ، فاستصغره جرير ولم يرد عليه .
وكان إذا هجا قوما ، جاؤوا أبيه فشكوه ، فيضربه ضربا شديدا ، فكانت أمه تقول : ((كم تضرب هذا الصبي الضرير ، أما ترحمه!)) ، فيقول : ((بلى والله إني لأرحمه ، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي)) ، فسمعه بشار فطمع فيه فقال له : ((يا أبتِ إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر ، وإني إن ألممت عليه ، أغنيتك وسائر أهلي ، فإن شكوني إليك ، فقل لهم : أليس الله يقول : ليس على الأعمى حرج)) ، فلما عاودوه شكواه قال لهم ما قاله بشار ، فانصرفوا وهم يقولون : (( فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار. ))
فيتبين لنا من ذلك أن بشارا طبع على الشعر منذ حداثته ، وطبع معه على الهجاء والشر وحب التكسب والسخر بالدين والناس ، فقد عرف بذكائه الفطري أن والده ساذج جاهل ، فعبث به لينجو من عقابه ، ولم يتحوب من العبث بآية القرآن ، فأولها إلى غير معناها ، وجعل الأعمى بريئا من الإثم إذا اقترفه ، والآية لا تقصد إلا إعفاءه من التكاليف التي لا قبل له بها كالجهاد  .


بشار في العصر الأموي :أدرك بشار بني أمية وبني العباس ، فهو من مخضرمي شعراء الدولتين ، ويقول صاحب الأغاني : ((إنه شهر في العصرين ، ومدح وهجا ، وأخذ سني الجوائز)) ، ولكن لم يصل إلينا من شعره ما يدلنا على اتصاله بالخلفاء الأمويين ، ولو اتصل بهم ومدحهم لذكر ذلك أبو الفرج ، وغيره من مؤرخي الأدب الأقدمين ، ولا نخالهم يغفلون هذا الأمر ، وقد عنوا بتدوين أتفه الأخبار عنه .
وروي أن الوليد بن يزيد كان يطرب لشعر قاله بشار متغزلا ، ويرويه ويبكي ، وهو الذي أوله : ((أيها الساقيان صبا شرابي)) ، ولكن بشارا لم يتصل بالوليد بل لبث في البصرة لا يبرحها .
ولعل أول رحلة تجشمها كانت إلى حران ، فوفد إلى سليمان بن هشام بن عبد الملك ، فمدحه بقصيدة بائية ، وكان سليمان بخيلا ، فلم يعطه شيئا ، وقيل بل أعطاه خمسة آلاف درهم ، فاستقلها وردها عليه ، وخرج من عنده ساخطا وهجاه ، وربما كانت له وفادة على مروان بن محمد ، فلم يعطه .
أو أن مروان وعده بشيء ، وأخلف وعده ، فهجاه بأبيات لم يصلنا منها غير بيت واحد يقول فيه :
لمروان مواعد كاذبات كما **** برق الحياء وما استهلا

وجملة القول أن بشارا لم يحظ عند خلفاء بني أمية ، وإنما لبث في البصرة يمدح الولاة والقواد ، ويشبب بالنساء ، وله فيهم صواحب أشهرهن عبدة أو عبيدة .
وكان إلى ذلك شديد الاتصال برجال العلم والدين ، وكانت البصرة حافلة بهم في ذلك العهد ، فصاحب واصل بن عطاء شيخ المعتزلة ، ووصال بن عبد القدوس ، وعمرو بن عبيد وغيرهم من أصحاب الكلام ، ولكن واصلا لم يلبث أن جافاه وهتف به لما بلغه من إلحاده ، وحرض الناس على قتله .

وجافاه أيضا عمرو بن عبيد ، فناصر واصلا على الهتف به والتشنيع عليه ، وشد أزرهما جلة من علماء الدين كالحسن البصري قاضي البصرة كبير فقهائها ، ومالك بن دينار العالم الزاهد ، فما زالوا حتى نفوه من البصرة حوالي 127 هـ ، فقصد إلى مدينة حران وافدا على سليمان بن هشام بن عبد الملك ، ولكنه انصرف عنه مغاضبا كما مر بنا ، فاستدعاه أمير العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري ، فأقام الكوفة يمدحه ، ويمدح قيس عيلان حتى سقطت الدولة الأموية ، وقتل يزيد بواسط سنة 132 هـ ، فرجع إلى البصرة ، وقد مات واصل بن عطاء ، على أن عمرو بن عبيد لم يتركه يطمئن في أرضه بل سعى في نفيه ثانية ، فظل يتنقل من بلد إلى بلد حتى توفي عمرو بن عبيد سنة 145 هـ ، فأفرخ روعه وأنست به البصرة زمنا ، فأقام يمدح ولاتها حتى ارتحل إلى بغداد واتصل بالعباسيين .

بشار في العصر العباسي :كان بشار مبعدا عن البصرة لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس ، ومات السفاح ولم يتصل به شاعرنا ، ولا تمكن من العودة إلى البصرة ، وما كاد يستخلف أبو جعفر المنصور حتى هب الحزب العلوي من رقدته يطالب بالإمامة بعد أن رضي بالصمت على عهد السفاح لأنه قرب الطالبيين ، وأما أبو جعفر فكان بخيلا لا يدر دره ، وعاتيا ظلاما يضطهدهم ويسيء معاملتهم ، فخرج عليه الأخوان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي ، فثار محمد في المدينة فبايع أهلها ، وأفتى بصحة البيعة الإمام مالك بن أنس ، وثار إبراهيم بالبصرة وكان بشار منفيا عنها ، فأرسل إليه من الكوفة بقصيدته الميمية الشهيرة ، يحرضه بها على المنصور ، ويمدحه ويشير عليه ، ولكن الأخوين لم يوفقا في ثورتهما ، وظفر بهما المنصور وقتلهما .

وأبى الله تعالى أن تصل قصيدة الشاعر الضرير إلى إبراهيم ، أو أنها وصلت إليه وضاعت ، فلم يروها رواية ، لأن المنصور لم يطلع عليها إلا بعد أن قلبها بشار وجعل التحريض فيها على أبي مسلم الخراساني ، والمدح والنصر للمنصور .

ولو رويت لأبي جعفر على حالها الأول لما سلمت عنق بشار ، ولعل هذه القصيدة بعد تغييرها ، كانت السبب في اتصال الشاعر بالمنصور والحظوة عنده ، على أننا لا نعتقد أنه عاش منعما في كنفه ، أو أنه أكثر من مدحه ، وقد عرف هذا الخليفة ببخله وجفاف يده حتى لقب بالدوانيقي لإلحافه في محاسبة العمال والصناع على الحبة والدانق .

بشار والمهدي :ولما ولي المهدي الخلافة اتصل به بشار اتصالا وثيقا ، وأخذ يفد إليه ويأخذ جوائزه ، وكان شعره قد طار وتناقله الناس ، وكان المهدي شديد الحب للنساء ، غيورا عليهن ، فبلغته أبيات لبشار فيها مجون وتعهر ، فلما قدم عليه استنشده الشعر فأنشده إياه ، فغضب الخليفة وقال : ((ويلك أتحض الناس على الفجور ، وتقذف المحصنات المخبآت ، والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في نسيب لآتين على روحك )).


فلما ألح على بشار في ترك الغزل ، شرع يمدحه ويقول أنه قد ترك الغزل ، وودع الغواني ، ثم يأخذ في قص حوادثه الماضية ، فيتأسف عليها ويصف النساء اللواتي صاحبهن فلا يخلو كلامه من الغزل ، ولم يكن خبثه في هذا الأسلوب ليخفي على المهدي ، فأظهر له جفوة وحبس عنه عطاياه ، فكان يمدحه فلا يحظى منه بشيء ، ولو جعل مدحه بغير تشبيب .

وحاول أن يتقرب من وزيره يعقوب بن داود فلم يحفل به ولا أذن له ولا أعطاه ، فرحل إلى البصرة غاضبا ، وأخذ يهجو المهدي ووزيره ، فكان طول لسانه سببا في هلاكه ، لأن الخليفة سخط عليه وأراد أذيته ، فاتفق أن رآه مرة في البصرة يؤذن وهو سكران في غير وقت صلاة ، فنسبه إلى الزندقة ، وأمر بضربه فضرب سبعين سوطا حتى مات ، ولما نعي إلى أهل البصرة ، تباشروا وتصدقوا لما كانوا منوا به من لسانه .

وجاء في معاهد التنصيص أنه دفن مع حماد عجرد الشاعر الخليع ، فكأن الأقدار شاءت أن تجمع بين هذين الشاعرين في قبر واحد ، بعد أن تنافرا شطرا من حياتهما وتقارضا أقذع الهجاء .

صفاته وأخلاقه :قال الأصمعي : ((كان بشار ضخما عظيم الخلق والوجه مجدورا ، طويلا جاحظ المقلتين ، قد تغشاهما لحم أحمر ، فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا ، وكان إذا أراد أن ينشد يصفق بيديه ، وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ، وكان أشد الناس تبرما بالناس ، وكان يقول : ((الحمد لله الذي ذهب ببصري لئلا أرى من أبغض))


وكان فاسقا شديد التعهر محبا للهو ، مدمنا للخمرة ، يلتمس اللذة ويجد في طلبها ويهوى النساء لأجلها ، لا شغفا بالجمال وهو لا يراه ، ولم يخلص في حبه لامرأة لأن عاطفته الحيوانية كانت تحمله على الإسراف في الاستمتاع وطلب الجديد منه ، فيستخدم شعره في إفساد النساء ، وحضهن على الفحش ليتاح له التنقل من صاحبة إلى صاحبة .


وكان متكبرا كثير الاعتداد بنفسه ، لا يرى فوقه شاعرا ولا عالما ، وتكبره جعله شديد الافتخار بنسبه ، حتى لا يجد له معادلا غير قريش وكسرى ، وجعله يشبب بجمال صورته على ما فيها من دمامة وقبح فيقول :

وإني لأغني مقام الفتى **** وأصبي الفتاة فما تعتصم

ويرد على أبي دلامة عندما عيره القبح ، فيقول في وصف نفسه : ((إني لطويل القامة ، عظيم الهامة ، تام الألواح ، أسجع الخدين((

 
وهذا الكبر ولد فيه احتقارا للناس ، كما ولد فيه العمى كرها لهم ، فكان شديد النقمة عليهم لتمتعهم بالنظر دونه وهو يرى أنه خيرهم ، وكل ذي عاهة جبار ، وبغضه للناس جعله كثير التهكم بهم ، قليل الأدب في مجالستهم ،والسخرية صفة لازمة لبشار ، فإنه يستهزئ بكل شيء .

وهو على بغضه للناس يحب أبناءه ويرأف بهم ، وقد مات له ولد فجزع عليه جزعا شديدا ، ويحب أخوته ويعطف عليهم ، وكان له أخوان قصابان ، أحدهما يقال له بشر والآخر بشير ، فكانا يستعيران ثيابه فيوسخانها ، فأراد منعهما فلم يمتنعا ، فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على وسخها فيقال له : ((ما هذا يا أبا معاذ ؟)) ، فيقول : ((هذه ثمرة صلة الرحم)) .


ويحب أصدقاءه ويبرهم ، ويحفظ لهم الوداد بعد موتهم فيرثيهم ، وكان إلى ذلك حاد الذهن ، شديد الذكاء ، نير البصيرة ، سريع التنبه ، دقيق الحس ، ذرب اللسان ، حاضر البديهة .

منزلته :أجمع الرواة أو كادوا على أن بشار زعيم الشعراء المحدثين ، وكان الأصمعي شديد الإعجاب به ، فإذا سئل عنه قال : ((بشار خاتمة الشعراء ، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم)) ، وقد فهم بشار عقلية النقاد في عصره فقال : (( أزرى بشعري الأذان )).

وقال ابن شرف القيرواني : ((شعره ينفق عند ربات الحجال ، وعند فحول الرجال ، فهو يلين حتى يستعطف ، ويقوى حتى يستنكف)) ، وسئل بشار : ((بم فقت أهل دهرك ، وسبقت رجال عصرك؟)) ، فقال : ((لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي ، ويناجيني به طبعي . ((

ولكنه على عنايته بتنخل شعره لم يخرج به عن طبعه ، وإنما أضاف إليه براعة الفن فصقله وهذبه ، وتصرف فيه تصرف المالك في ملكه ، وكان لأصله الفارسي أثر في شاعريته فعنت له أغراض لم تخطر لشعراء العرب الخلص .

تلونه في نسبه  :كان بشار شعوبيا متعصبا للفرس ، ينكر الولاء ويتبرأ منه ، ويحض الموالي على رفضه ، ولكنه كان مع ذلك يفتخر ببني عقيل وقيس عيلان ويدافع عنهم ويهجو أعداءهم ، فإذا انتسب إلى الفرس جعل أسرته في مستوى أسرة كسرى  :

ورُب ذي تاج كريم الجد **** كآل كسرى أو كآل برد

وإذا انتسب إلى عقيل جعل أصله في الرأس منهم :

إنني من بني عقيل بن كعب **** موضع السيف من طلى الأعناق

وسأله المهدي يوما : ((فيمن تعتد يا بشار؟)) ، فقال : ((أما اللسان والزي فعربيان ، وأما الأصل فأعجمي )) وأنشد :

ألا أيها السائلي جاهدا **** ليعرفني أنا أنف الكرم
نمت في الكرام بني عامر **** فروعي وأصلي قريش العجم

علومه :كان بشار عالما فقيها متكلما ، ولولا زندقته لعد من كبار أئمة الدين ، وعرف بطول باعه في معرفة الغريب ، والوقوف على أساليب العرب الصرحاء ، وبنقد الشعر ، وتمييز صحيحه من منحوله ، وصدق ظنه في تقدير الجوائز ، فقد كان يزنه بمعيار تأثيره في نفس الممدوح ، وموقعه من سياسته وهواه .

آثاره :قيل : إن أكثر الناس شعرا في الجاهلية والإسلام ثلاثة : بشار وأبو العتاهية والسيد الحميري ، وتحدث بشار عن نفسه فقال : ((إن لي اثني عشر ألف قصيدة)) ، ولكن لم يبق لنا من هذا القدر الكبير إلا نزر يسير .

وظل شعر بشار متداولا إلى عهد ابن خلكان ، فقد جاء في كتابه وفيات الأعيان في الكلام على بشار : ((وشعر بشار كثير سائر فنقتصر منه على هذا القدر)) ، وأورد بعض مقطعات منه .

على أن هذا الشعر قد ضاع أكثره ، ولم يخلص إلينا إلا أقله ، ولولا صاحب الأغاني ، وما دون من أشعار بشار ، وأخباره لما وصل إلينا منها ما يستحق الذكر.

================

2ـ أبو نواس :

أعظم شعراء العصر العباسي وهو أول من طور الشعر وأدخل على الشعر التشبيهات من القرآن الكريم إذ كان يحفظ القران الكريم كأنه منسوخ نسخاُ , وتشتهر أشعاره بالفكاهة . 

= أبو نواس الشاعر :
نبذه مختصره عن تسلسل نسب أبو نواس ، واسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح بن عبد الله ال عبدالجد الحكمي .

 

كنيات أبي نواس :
أشهر كنية له أبو نواس , و أبي نواس , ويكنى أيضا بالنواسي , وأبو علي  .

وقد اجتمع طائفة من الشعراء عند المأمون فقال لهم : أيكم القائل
فلمــا تحســاها وقفنــا كأننــا ~~ نـرى قمـرا فـي الأرض يبلغ كوكبا

قالوا أبو نواس قال : فأيكم القائل:
إذا نــزلت دون اللهـاة مـن الفتـى ~~ دعــا همـه عـن صـدره برحـيل

قالوا أبو نواس قال : فأيكم القائل:
فتمشـــت فـــي مفـــاصلهم ~~ كتمشــي الــبرء فــي الســقم

قالوا أبو نواس قال : فهو أشعركم

ــــــــــــــــــــــــــ

(( من طرائف أبو نواس  ))


شاهد الرشيد أبا نواس , وفي يده زجاجة من الخمر , فسأله : ماذا في يدك يا أبا نواس فأجاب : زجاجة لبن يا أمير المؤمنين .
فقال الخليفة: هل اللبن أحمر اللون
فقال : أحمرت خجلا منك يا أمير المؤمنين .
فأعجب الخليفة من بداهته , وعفا عنه 

ــــــــــــــــــــــــــ

زعموا أنه بينما كان أمير المؤمنين هارون الرشيد في مجلسه وعن يمينه ويساره الوزراء والعظماء من أهل مملكته وأصحاب الرأي عنده.

دخل عليه حاجبه معلنا قدوم أبي نواس , فقال الخليفة : دعه ينتظر قليلا.

ثم نظر إلى جلسائه وقال : هذه فرصة سانحة نضحك فيها على أبي نواس ويجب أن أستحضر لكل منكم بيضة تخبوئنها في طيات ثيابكم ،حتى أذا دخل أبو نواس , يتكلم كل واحد منكم بكلام فيتكلم أحدكم كلمة أغضب عليكم عند سماعها , وأقول : يا لكم من ضعاف مثل الفراخ.

تالله أذا لم تفعلوا مثل الدجاج ويبيض كل منكم بيضة لاقطعن رقابكم .

فقالوا : سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين.

وعندئذ طلب الخليفة الحاجب وقال له : اذهب فاستحضر ست بيضات , ولا تدع أحدا يراك , خصوصا أبو نواس , فخرج الحاجب .

وعاد منفذا أمر الخليفة وأعطى لكل من الجالسين بيضة, خبأها بين طيات ثيابه , وجلسوا ينتظرون  .

ودخل أبو نواس فسلم على أمير المؤمنين سلام الخلافة , وأظهر الرشيد انتباهه إلى حديث جلسائه , ونطق أحدهم بكلمة .

فغضب منها الرشيد غضبا شديدا فصاح بهم : ويحكم أيها الجبناء أنكم مثل الدجاج , ولا أجد فرقا بينكم وبينهم والله إن لم يبض كل منكم بيضة لأقطعن رقابكم.

فأظهروا الاضطراب والخوف , وأخذوا يفعلون كما تفعل الفراخ . وبعد قليل مد الأول منهم يده إلى مؤخرته, فأخرج بيضة وقال: هاهي بيضتي يا أمير المؤمنين

وأعقبه الثاني والثالث إلى السادس , وكان الخليفة يقول لكل من يقدم بيضه : قد نجوت.

ولما جاء دور أبو نواس وقف على قدميه ومشى حتى توسط الجميع , وصار أمام الخليفة وجها لوجه , ثم صار يقول: كاك , كاك, كاك . كما يفعل  الديك بين زوجاته الدجاج , ثم ضرب إبطيه على بعضهما , وصاح بأعلى صوته كما يفعل الديك تماما , وقال كوكو , كو.

فقال الخليفة: ما هذا يا أبو نواس .

فقال أبو نواس : عجبا يا أمير المؤمنين , هل رأيت دجاجا تبيض من غير ديك

هؤلاء فراخك وأنا ديكهم. فضحك الخليفة حتى كاد يسقط عن كرسيه , وقال له : يا لك من خبيث ماكر, تالله لولم تكن فعلت ذلك لعاقبتك ثم أمر له بهدية ومال معجبا بذكائه .



(( قلعت عيناه فأبصر ))
تذكر الرواية أن أحد الشعراء ويقال أنه أبو نواس دخل على الخليفة ويقال أنه هارون الرشيد فوجده جالساً وإلى جانبه جارية سوداء تدعى خالصة عليها من الحلي وأنواع الجواهر مالا يوصف فصار الشاعر يمتدح الخليفة ، والخليفة  منشغل عنه بجاريته خالصة فلم ينتبه إلى قصيدته ويبدو أنه لم يكافئه عليها فلما خرج الشاعر من مجلس الخليفة قال أو كتب على باب الخليفة

لقد ضاع شعري على بابكم 
كما ضاع در على خالصة 


وخالصة كما ذكر جارية سوداء مطوقة بالحلي عاطلة من الجمال وضاعت روعة الجواهر أمام جمال خالصة المتواضع لكن الخليفة كان يحبها .سمع أو قرأ البيت السابق بعض رجال الخليفة ونقله للخليفة فغضب من لذلك وأمر بإحضار الشاعر وعاتبه على بيته وهم بالفتك به فقال الشاعر : يا أمير المؤمنين كذبوا وإنما قلت 

لقد ضاء شعري على بابكم 
كما ضاء در على خالصة .

====================

 

3ـ أبو العتاهية :

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء :

أَبُو العَتَاهِيَةِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ قَاسمِ بنِ سُوَيْدٍ العَنَزِيُّ :

رَأْسُ الشُّعرَاءِ، الأَدِيْبُ، الصَّالِحُ الأَوْحَدُ، أَبُو إِسْحَاقَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ قَاسمِ بنِ سُوَيْدِ بنِ كَيْسَانَ العَنَزِيُّ مَوْلاَهُمُ، الكُوْفِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ.
لُقِّبَ: بِأَبِي العتَاهيَةِ؛ لاضْطِرَابٍ فِيْهِ. 
وَقِيْلَ: كَانَ يُحِبُّ الخَلاعَةَ، فَيَكُوْنُ مَأْخُوْذاً مِنَ العُتُوِّ.
سَارَ شِعْرُهُ لِجُوْدَتِهِ، وَحُسْنِهِ، وَعَدَمِ تَقَعُّرِهِ.
وَقَدْ جَمَعَ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ شِعْرَهُ وَأَخْبَارَهُ، تَنَسَّكَ بِأَخَرَةٍ.

وَقَالَ فِي المَوَاعِظِ وَالزُّهْدِ، فَأَجَادَ.
وَكَانَ أَبُو نُوَاسٍ يُعَظِّمُهُ، وَيَتَأَدَّبُ مَعَهُ لِدِيْنِهِ، وَيَقُوْلُ:مَا رَأَيْتُهُ إِلاَّ تَوَهَّمْتُ أَنَّهُ سَمَاوِيٌّ، وَأَنِّي أَرْضِيٌّ. 
مَدَحَ أَبُو العَتَاهِيَةِ المَهْدِيَّ، وَالخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَالوُزَرَاءَ، وَمَا أَصْدَقَ قَوْلَهُ:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِدَه *** مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَه 
حَسْبُكَ مِمَّا تَبْتَغِيهِ القُوْتُ *** مَا أَكْثَرَ القُوْتَ لِمَنْ يَمُوْتُ
هِيَ المَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ *** إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخْطَا القَدَرْ


وَهُوَ القَائِلُ:

حَسْنَاءُ لاَ تَبْتَغِي حَلْياً إِذَا بَرَزَتْ *** لأَنَّ خَالِقَهَا بِالحُسْنِ حَلاَّهَا 
قَامَتْ تَمَشَّى، فَلَيْتَ اللهُ صَيَّرنِي *** ذَاكَ التُّرَابَ الَّذِي مَسَّتْهُ رِجْلاَهَا


وَقَالَ:

النَّاسُ فِي غَفَلاَتِهِم *** وَرَحَى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ


وَقَالَ:

إِذَا مَا بَدَتْ وَالبَدْرُ لَيْلَةَ تِمِّهِ *** رَأَيْتَ لَهَا وَجْهاً يَدُلُّ عَلَى عُذْرِي 
وَتَهْتَزُّ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ كَأَنَّهَا *** قَضِيْبٌ مِنَ الرَّيْحَانِ فِي وَرَقٍ خُضْرِ
أَبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ أَمُوْتَ صَبَابَةً *** بِسَاحِرَةِ العَيْنَينِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ



تُوُفِّيَ أَبُو العَتَاهِيَةِ: فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمائَتَيْنِ. 
وَقِيْلَ: سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَمائَتَيْنِ، وَلَهُ ثَلاَثٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، أَوْ نَحْوَهَا، بِبَغْدَادَ.

وَاشْتُهِرَ بِمَحَبَّةِ عُتْبَةَ؛ فَتَاةِ المَهْدِيِّ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ هَذَينِ البَيْتَيْنِ:

نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ *** اللهُ وَالقَائِمُ المَهْدِيُّ يَكفِيْهَا
إِنِّيْ لأَيْأَسُ مِنْهَا ثُمَّ يُطْمِعُنِي *** فِيْهَا احتِقَارُكَ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا


فَهَمَّ بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ، فَجَزِعَتْ، وَاسْتَعْفَتْ، وَقَالَتْ:أَتَدْفَعُنِي إِلَى سُوْقَةٍ، قَبِيْحِ المَنْظَرِ؟

فَعَوَّضَهُ بِذَهَبٍ. 

وَلهُ فِي عُمَرَ بنِ العَلاَءِ:

إِنِّيْ أَمِنْتُ مِنَ الزَّمَانِ وَصَرْفِهِ *** لَمَّا عَلِقْتُ مِنَ الأَمِيْرِ حِبَالاَ 
لَوْ يَسْتَطيعُ النَّاسُ مِنْ إِجْلاَلِهِ *** تَخِذُوا لَهُ حُرَّ الخُدُوْدِ نِعَالاَ
إِنَّ المطَايَا تَشْتَكِيكَ لأَنَّهَا *** قَطَعَتْ إِلَيْكَ سَبَاسِباً وَرِمَالاَ
فَإِذَا وَرَدْنَ بِنَا، وَرَدْنَ خَفَائِفاً *** وَإِذَا صَدَرْنَ بِنَا، صَدَرْنَ ثِقَالاَ


فَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ سَبْعِيْنَ أَلْفاً. 
وَتَحْتَمِلُ سِيْرَةُ أَبِي العتَاهيَةِ أَنْ تُعْمَلَ فِي كَرَارِيْسَ .

 

====================

4ـ أبو تمام :

أبو تمام الطائي الشاعر

 

صاحب الحماسة التي جمعها في فضل النساء بهمدان في دار وزيرها.

فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى، أبو تمام الطائي، الشاعر الأديب.

ونقل الخطيب عن محمد بن يحيى الصولي أنه حكى عن بعض الناس أنهم قالوا: أبو تمام حبيب بن تدرس النصراني، فسماه أبوه: حبيب أوس بدل تدرس.

قال ابن خلكان: وأصله من قرية جاسم من عمل الجيدور بالقرب من طبرية، وكان بدمشق يعمل عند حائك، ثم سار به إلى مصر في شبيبته.

وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ ابن عساكر، وقد ترجم له أبو تمام ترجمة حسنة.

قال الخطيب: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس بعض الأدباء فأخذ عنهم وكان فطنا فهما، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد.

وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه قصائد فأجازه وقدمه على شعراء وقته، قدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق.

وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر أخبارا بسنده.

قال ابن خلكان: كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك.

وكان يقال: في طيء ثلاثة: حاتم في كرمه، وداود الطائي في زهده، وأبو تمام في شعره.

وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم: أبو الشيص، ودعبل، وابن أبي قيس، وكان أبو تمام من خيارهم دينا وأدبا وأخلاقا.

ومن رقيق شعره قوله:

يا حليف الندى ويا معدن الجود * ويا خير من حويت القريضا

ليت حماك بي وكان لك الأجـ * ـر فلا تشتكي وكنت المريضا

وقد ذكر الخطيب، عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: أن أبا تمام توفي في سنة 231هـ وكذا قال ابن جرير.

وحكي عن بعضهم أنه توفي في سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة ثنتين وثلاثين فالله أعلم.

وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة، وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فقال:

نبأٌ أتى من أعظم الأنباء * لما ألمَّ مقلقل الأحشاء

قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم * ناشدتكم لا تجعلوه الطائي

وقال غيره:

فجع القريض بخاتم الشعراء *وغدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معا فتجاورا في حفرة * وكذاك كنا قبل في الأحياء

وقد جمع الصولي شعر أبي تمام على حروف المعجم.

قال ابن خلكان: وقد امتدح أحمد بن المعتصم ويقال ابن المأمون بقصيدته التي يقول فيها:

إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقال له بعض الحاضرين: أتقول هذا لأمير المؤمنين وهو أكبر قدرا من هؤلاء؟ فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلاف من العرب البوادي.

فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه فقال:

لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره * مثلا من المشكاة والنبراس

قال: فلما أخذوا القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنما قالهما ارتجالا.

قال: ولم يعش بعد هذا إلا قليلا حتى مات.

وقيل: إن الخليفة أعطاه الموصل لما مدحه بهذه القصيدة، فأقام بها أربعين يوما ثم مات.

وليس هذا بصحيح، ولا أصل له، وإن كان قد لهج به بعض الناس كالزمخشري وغيره.

وقد أورد له ابن عساكر أشياء من شعره مثل قوله:

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا * هلكن إذا من جهلهن البهائم

ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد * ولا المجد في كف امرئ والدراهم

ومنه قوله:

وما أنا بالغيران من دون غرسه * إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم

طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجةً * ومذهب همي والمفرج للغم

 

=====================

5 ـ البحتري:

الوليد بن عبيد الله المعروف بالبحتري شاعر عربي ينتمي الى قبيلة طيئ، وهو أحد كبار شعراء العصر العباسي,, ولد بمدينة منبج سنة 206ه في منطقة تقع بين حلب والفرات تتميز بجمال طبيعتها وفصاحة أهلها فكان لذلك أثره العميق في شحذ موهبته الشعرية وفي ميل نفسه إلى التعلق بالجمال عرف الحب في صباه فقد عشق علوة بنت زرعة الحلبية تلك التي ظل يذكرها في شعره حتى وهو في غمرة انشغاله بهموم الحياة وتدبير شؤون العيش من مدح للحكام وتقرب من الوزراء.
يقول البحتري في علوة الحلبية:

خيال يعتريني في المنام
لسكرَى اللحظِ فاتنةِ القوامِ
لعلوةَ إنها شجن لنفسي
وبَلبَال لقلبي المستهام
سلام الله كلَّ صباح يومٍ
عليك ومن يبلغ لي سلامي
لقد غادرت في قلبي سقاما
بما في مقلتيك من السهامِ
أأتخذ العراقَ هوى ودارا
ومن أهواه في أرضِ الشآم


نشأ البحتري في بيئة طبيعية تغذي موهبته الشعرية,, وكان الشاعر أبو تمام يملأ الدنيا من حوله بشعره الذي تميز بالجدة والخيال الجامح وتوليد الصور الفنية.
وكان الشعراء في ذلك العصر قد وجدوا في المديح سبيلا إلى الرزق والثراء وما أن أحس البحتري بقدرته الشعرية حتى رحل إلى الشاعر أبي تمام الذي كان يزور حمص بعد أن تجول في الممالك الإسلامية شرقا وغرباً طلبا للعطاء, وكان الشعراء يقصدون أبا تمام طلبا لاعترافه بهم ونصحه لهم كما كان خبيرا بالصنعة الفنية فلما وفد عليه البحتري مع جمع من الشعراء قال أبو تمام للبحتري: أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك، ويبدو أن إعجابه به قد دفعه إلى الاطمئنان على أمور معاشه فشكا البحتري بؤسه وفقره فوجهه أبو تمام برسالة توصية إلى أهل معرة النعمان مؤكداً على شاعريته الجيدة وكأنه يدفع به إلى مسيرته الطويلة في عالم المديح وجمع المال الذي أثبت البحتري أنه ظل خبيرا به طوال حياته, لقد خلف البحتري ديوانا كبيراً من الشعر يقع في خمسة أجزاء تنوعت فنونه الشعرية بين المدح والغزل والوصف والرثاء والحكمة أما الهجاء فقد كان فيه مقلا وقد نصح ابنه أن يحذف فيه ما قال من هجاء وما أن نضجت موهبة البحتري في الشام وذاع صيته حتى شد الرحال إلى حاضرة الخلافة في بغداد تقربا إلى الأمراء ثم إلى الخلفاء فبدأ رحلة المديح بالفتح بن خاقان قائد جيوش الخليفة,, الذي امتحن صبره طويلا حتى أذن له بالمثول بين يديه بعد شهر من الانتظار ببابه وقد اهتز الفتح بن خاقان لقول البحتري:

وقد قلت للمعلى إلى المجد طرفه
دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله


ولكن البحتري كان أشد طموحا وكان يتطلع إلى الوصول إلى الخليفة نفسه ومازال يتودد إلى الفتح بن خاقان حتى أوصله إلى الخليفة المتوكل الذي كان يتفكه بطريقة إنشاده للشعر وهي طريقة مثيرة فقد كان البحتري يأتي بحركات عصبية خلال الإنشاد، مما دفع بحساده إلى السخرية منه واصطناع المواقف المحرجة له، وكان البحتري يحاول إرضاء الخليفة بكل ما يستطيع من وسائل حتى لقد كتب بعض الشعر يعبر عن حال الخليفة تجاه بعض جواريه توددا وحبا حتى اصبح الشعر واسطة للرضى بين الخليفة وجاريته ومن ذلك قول البحتري:

تعاللت عن وصل المُعنّى بك الصبِّ
وآثرت دار البعد منك على القرب
وحملتني ذنب المشيب وإنه
لذنبك إن أنصفت في الحكم لا ذنبي
و والله ما اخترت السلوَّ على الهوى
ولا حُلت عما تعهدين من الحب
ولا ازداد إلا جدة وتمكنا 
محلك من نفسي وحظك من قلبي
فلا تجمعي هجراً وعتباً فلم أعد
جليداً على هجر الأحبة والعتب


وهذه الأبيات التي تعبر عن عاطفة المتوكل تجاه جارية من جواريه تظهر أن البحتري كان يرى في الشعر وسيلة لأشياء كثيرة,,فلم يكن الشعر تعبيرا عن مواجده بقدر ما كان وسيلة لتحقيق طموحه,, ولكن قلب البحتري لم يكن من الصخر فقد كانت له خفقاته وقراءة غزله تطلعنا على قدرته على التفنن مما يصرفنا عن التأثر بهذا العشق إلى الإعجاب بقدرته الشعرية يقول البحتري:

إني لأسألك القليل
واتقي من سوء ردك
أما وصالك بعد هجرك
أو اقترابك بعد بعدك
لا لمتُ نفسي في هواك
وانحرفت لطول صدك
ولو أسأت كما تسيء
لما وددتك حق ودك


وتمرس البحتري الطويل على قول الشعر وجعل فنونه كثيرة فهو قد أدمن المديح طلبا للثروة وفرارا من الفقر الذي كان كابده في أول حياته وقد ترك البحتري عند وفاته ثروة جمعها من المديح جعلت من ذريته سادة أغنياء في قومهم, ومن الأغراض الشعرية التي برع فيها البحتري فن الوصف ولعل قصيدته في ديوان كسرى أن تكون إحدى روائع الشعر العربي فقد تجلت في هذه القصيدة قدرته على رسم الصورة الخارجية والالتفات إلى التاريخ والآثار التي تجسد عبرة الأيام يقول البحتري في قصيدته في وصف إيوان كسرى :

لو تراه علمت أن الليالي 
جعلت فيه مأتما بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم
لا يشاب البيان فيهم بلبس
فإذا ما رأيت صورة إنطاكية
ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر 
وان يزجى الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أصفر
يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه
في خفوت منهم وإغماض جرس
تصف العين إنهم جد أحياء
لهم بينهم إشارة خرس
يختلي فيهم ارتيابي حتى
تتقراهم يداي بلمس


ثم يقول عن الإيوان بعد الخراب الذي لحق به:

عكست حظه الليالي وبات 
المشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدا وعليه
كلكل من كلاكل الدهر مرسى
ليس يدري أصنع أنس لجن
سكنوه أم صنع جن لأنس


هكذا نرى البحتري قد جمع إلى قدرته الفذة على التصوير الخارجي لمشهد الإيوان الذي غادره المجد نهبا للظنون والعبر قدرته على الغوص في التاريخ ورؤية الزمن وهو ينتقل بالملوك والسوقة والقصور والأكواخ من حال إلى حال.


تقلبت الأيام بالبحتري ولكنه ظل قابضا على جمرها حتى نجا منها فبعد أن غدر المنتصر بأبيه المتوكل ظل البحتري صاعدا ، رغم إدانته للغدر بشجاعة لا ندري كيف واتته إلا إذا تصورنا إعزازه وتقديره للمتوكل , وقد عاصر البحتري بعد المتوكل خمسة خلفاء هم المنتصر والمستعين والمعتز بن المتوكل ثم المهتدي بن الواثق ثم المعتمد بن المتوكل وقد استطاع البحتري من خلال حرصه على جمع المال أن ينقب في شخصية كل خليفة من هؤلاء ، عن مواطن القوة والضعف ومداخل الشخصية الإنسانية ، وهو هم يشغل ذوي الطموح فلا تحقيق لطموح إلا بدراسة شخصية من بيده مفاتيح الأمور حينئذ ، وكان يبدأ مديحه للخليفة بهجاء من يكرهه هذا الخليفة ، فيشفي نفسه من كراهية سلفه قبل أن يستريح إلى صورته في شعر الشاعر, ومن مديحه للمتوكل قوله :

خلق الله جعفرا قيم الدنيا سدادا وقيم الدين رشدا
إمام الناس شيمة وأتم الناس خلقا وأكثر الناس رغدا
أظهر العدل فاستنارت به الأرض وعم البلاد غورا ونجدا


ويقول في بعض غزلياته:

شغلان من عذلٍ ومن تفنيد
ورسيس حب طارف وتليد
وأما وآرام الظباء لقد نأت
بهواك آرام الظباء الغيد


حفظ البحتري لأبي تمام حق الأستاذية ونصيحة الأيام الأولى وهو يخطو على درب الشعر أولى خطواته فلما قال بعضهم للبحتري : إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام قال : والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام والله ما أكلت الخبز إلا به ولوددت أن الأمر كما قالوا ، ولكني والله تابع له آخذ منه لا يؤذيه نسيمي يركد عن هوائه  وأرضى تنخفض عند سمائه, كانت فنونه الشعرية متأثرة بهذه الكلمات الأولى لأبي تمام فجاء شعر البحتري سهلا رشيق العبارة وضئ الصورة قوي النسيج فصيحا مطربا عذبا فكان فريدا بين شعراء عصره.

 

=====================

(أبرز مظاهر التطور في موضوعات الشعر في العصر العباسي الأول):


1. ازدهار شعر المديح الذي امتزج بالشعر السياسي،وكان مديح الشعراء للخلفاء مرتبطاً بإثبات حقهم في الخلافة وإنكارهم على خصومهم .
ومن ناحية أخرى ازدهر شعر الهجاء الذي انتشر مناهضاً لشعر المديح.
شاع إلى جانب الهجاء السياسي هجاء آخر يقول على السخرية والتهكم الإيذاء والتشنيع.
2. ظهرت الحركة الشعوبية نتيجة هيمنة الطابع الفارسي في السياسة والثقافة ونشأ عن ذلك هجوم من الشعراء الموالي من ذوي الأصول الفارسية على تقاليد الشعر الموروثة عن العرب، مثل : استفتاح القصيدة بوصف الأطلال والبكاء عليها ، وعلى الثقافة البدوية ، وخرجت على آداب الإسلام.
فشاع في شعر أصحاب هذه الحقبة مثل بشار وأبي نواس وغيرهما الغزل الفاحش والمجون ووصف الخمر.
3. ازدهار شعر الزهد والتذكير بالآخرة كرده فعل للتهالك على الترف والملذات والخروج عن آداب الدين .
وكان من أعلام هذا اللون الشاعر أبو العتاهية.
4. ظهر شعراء للصفوة والنخبة وآخرون للطبقات الفقيرة من الظرفاء ،
 حيث وصفوا أحوالهم وصفا ساخرا متخذين من هذا الشعر الخفيف الظل وسيله للتكسب واستدرار عطف الناس ومن هؤلاء أبو دلامه وأبو الشمقمق، وهذا ما يطلق عليه بشعراء الطبقات.
5. ظهور الاتجاهات المنحرفة في الغزل وكان من هؤلاء بشار وأبو نواس، وظهر الغزل العفيف مناهضاً له وكان من فرسانه العباس بن الأحنف.

(أبرز ملامح الشعر في العصر العباسي الأول)
بمعنى آخر الخصائص الفنية والسمات لهذا الشعر.
1. ظهور كثير من المفردات الفارسية في الشعر بسبب تمازج الحضارتين كثيرا في هذا العصر.
2. البعد عن الألفاظ الوعرة الجاهلية والغريبة واللهجة المهجورة ، والميل إلى الألفاظ البسيطة والمألوفة والشائعة.
3. اتجه الشعراء إلى الأوزان الشعرية القصيرة لأنه يلائم فن الغناء
الذي أرتبط بالجواري والقيان في قصور الطبقة المتميزة ذات الشهرة والنفوذ.
4. التعبير عن المعاني العقلية الدقيقة وهذا كان بسبب الانفتاح على الثقافات الأخرى مثل الثقافة الهندية واليونانية والفارسية.
5. وفي هذا العصر خرجت لنا مدرستان فنيتان هما:
أـ مدرسه تحافظ على تقاليد الشعر المتوارثة،ومن أعلامها البحتري وهذه المدرسة خرجت ترد على المدرسة الأخرى.
بـ مدرسه تميل إلى الفلسفة واستخدام الصور الفنية المركبة وغير المألوفة، ومن أعلامها أبو تمام ومسلم بن الوليد.

سمات الأدب في العصر العباسي الأول :

س1 : ما العوامــــل التي أدت إلى نهضة الأدب وازدهاره في العصر العباسي الأول ؟
جـ : عوامل نهضة الأدب وازدهاره في العصر العباسي الأول :
    1 - تحول الإنسان العربي من حياة بدوية ساذجة إلى حياة حضرية جديدة.
    2 - امتزاج الثقافة العربية بالثقافات الأجنبية كالفارسية والهندية واليونانية.
    3 - امتزاج الدماء بين العرب وغيرهم أدى إلى نشأة جيل جديد له صفات عصرية.

س2 : اذكر مظاهر تطور الأدب في العصر العباسي الأول.
جـ : مظاهر تطور الأدب في العصر العباسي الأول :
    1 - استخدام اللغة سهلة النطق ، خفيفة الوقع على السمع .
    2 - الميل إلى التفنن الفكري في الصور والمعاني .
    3 - رجحان جانب الصنعة على العاطفة .
    4 - تميز الخيال بالتعقيد ، وخضع لما قدمته الحياة .
    5 - التطرق إلى موضوعات جديدة أملاها العصر عليهم .
    6 - التزاوج بين الأفكار ، وتوليد المعاني ، وشيوع ترف الحياة في الأدب .

س3 : كان للبيئة الجديدة أثرها في خيال الشعراء - وضح ذلك بمثال من العصر العباسي مقارنا بمثال من العصر الجاهلي .

جـ : (المثال) الاعتذار : فالشاعر الجاهلي (النابغة) تأثر بالبيئة في العصر الجاهلي التي يكثر فيها (حيوان الجمل) وما يصيبه من مرض يعالج منه (بالقار) ، ويعزل عن بقية الجمال ، فشبه نفسه بهذا الجمل عندما اعتذر للنعمان بعد غضبه عليه فقال :
    فلا تتركنَّي بالوعيدِ كأنني         إلى الناسِ مطليٌّ به القارُ أجربُ  
- أما (أبو نواس) الشاعر الذي عاش في العصر العباسي الذي تطورت الحياة فيه تطوراً واضحاً فيقول معتذراً للخليفة ( هارون الرشيد) .
            بكَ أستجيرُ من الردَى     وأعوذُ من سطواتِ باسِكَ
            وحياةِ راسِكَ لا أعـو     دُ لمثلِها وحياةِ راســِكَ
            فإذا قتلتَ  أبا نواسِكَ     مَن يكونُ أبا نواســِكَ ؟

س4 : تطورت صياغة الشعر وأساليبه وموضوعاته . وضح مظاهر هذا التطور من حيث الأسلوب ، والمعاني ، والأشكال ، والخيال ، والموضوعات .
جـ : أهم أغراض الشعر:
- من ناحية الأسلوب ، تميز بـ:
التوسط في اللغة بالابتعاد عن اللفظ البدوي . * هجر الألفاظ الغريبة ، والتماس أقرب الألفاظ إلى الحياة.
- من جهة المعاني والأفكار ، تميزت بـ :
الاهتمام بالأفكار وتوليد المعاني .
- من جهة الخيال ، تميز بـ:
الاهتمام بالجوانب الجمالية من تشبيه وكناية واستعارة ، واستخدام المجازات والمحسنات البديعية .
- من جهة الموضوعات ، تميز بظهور اتجاهين:
تطور الأغراض القديمة .  * إبداع موضوعات جديدة .

س5 : كان المدح على رأس الموضوعات التي تطورت في العصر العباسي الأول . ما ملامح قصيدة المديح القديمة ؟ وما ملامحها في هذا العصر ؟

المدح :

عرف الشاعر الجاهلي المديح واتخذه وسيلة للتكسُّب، وكان للغساسنة في الشام

و المناذرة في الحيرة دور كبير في حفز الشعراء على مديح أمرائهم.
 ومن أشهر المداحين من شعراء الجاهلية النابغة الذبياني الذي اشتهر بمدح النعمان بن المنذر.
وكما يقول أبو عمرو بن العلاء: ¸وكان النابغة يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب من عطايا النعمان وأبيه وجدّه·.
وقد مدح الشاعر الجاهلي بفضائل ثابتة كالشجاعة والكرم والحلم ورجاحة العقل ورفعة النسب، وكلها ترسم الصورة الخلقية المثلى للإنسان في رؤياه،
 كما كان يتخذ من المدح المبالغ فيه ـ باستثناء زهير بن أبي سُلمى مثلا ـ حافزًا للممدوح على المزيد من العطاء.
وكان يقدّم لقصائده في المديح بوصف الرحلة و مشاق الطريق وما أصاب ناقته من الجهد ليضمن مزيدًا من بذل ممدوحه.

وفي عصر صدر الإسلام، ظهر تيار جديد في المديح، هو مدح النبي ³. ومن أوضح نماذجه لامية كعب بن زهير بانت سعاد التي أنشدها عند عفو النبي الكريم عنه،
وصارت إلى عصور متأخرة نموذجًا يُحتذى. كما زخرت قصائد حسّان بمديحه للنبي أيضًا.
 وبذلك تحوّل المدح من التكسّب إلى التدين، واكتسب، فيما عبر به من الأوصاف، التجرد والصدق، بعيدًا عن التكسّب فضلاً عن رسم الصورة الإسلامية للفضائل والقيم الخلقية.

وفي العصر الأموي، امتزج المديح بالتيارات السياسية، بعضها يمالئ الأمويين، وبعضها الآخر يشايع فرقًا مختلفة،
 وكان مداحو الأمويين يتكسبون بمدائحهم، بينما تجرد شعراء الفرق المختلفة عن التكسب، بل اتخذوا من مدائحهم وسيلة للانتصار للمذهب ومحاربة خصومه،
كما نجد في مديح عبيد الله بن قيس الرقيات لمصعب بن الزُّبير الذي يجسّد بشكل واضحٍ نظرية الزبيريين في الحكم.

 

جـ : من ملامح قصيدة المديح القديمة البدء بوصف الأطلال وتصوير الرحلة الشاقة إلى الممدوح .
- ومن ملامحها في العصر العباسي البدء بنفس البداية القديمة أحياناً وأحيانا أخرى البدء بوصف الرياض والبساتين أو بوصف الخمر وقد كثرت الحكم والأمثال في مديحهم ، وأعلوا من القيم الإسلامية في ممدوحيهم سواء وجدت أم لم توجد فيهم .

س6 : من الموضوعات القديمة التي تطورت في العصر العباسي الأول : قصيدة المدح ، قصيدة الهجاء ، قصيدة الرثاء . وضح مظاهر تطور كل منها مع الاستشهاد  .
جـ : التطوير في الموضوعات القديمة يتمثل في :
* قصيدة المدح :
لم يلتزم الشعراء بالبدء التقليدي لها كوصف الأطلال وتصوير الرحلة إلى الممدوح ، بل نراها تبدأ بـ:
 وصف الخمر :

يقول مسلم بن الوليد " صريع الغواني " (؟ - 823 م) في بداية خمرية لقصيدة مدحية :
            أَديري عَلى الراحِ  سـاقِيَةَ الخَمرِ لا تَسأَليني وَاِسأَلي الكَأسَ عَن أَمري
            كَأَنَّكِ بي قَد أَظهَرَت مُضمَرَ الحَشا  لَكِ الكَأسُ حَتّى أَطلَعَتكِ عَلى سـِرّي

 وصف الطبيعة :

يقول أبو تمام في بداية وصفية لقصيدة مدحية :
            رقت حواشي الدهر فهي تَمَرْمَرُ     وغدا الثرى في حليه يتكسر

 مدح القيم الإسلامية قال منصور النمري  ( ؟ - 190هـ / ؟ - 805 م) :
            بُورِكَ هـارونُ مِن إِمامِ   بِطاعَةِ اللَهِ ذي اِعتِصامِ
            لَهُ إِلى ذي الجَلالِ قُرَبى   لَيسَــت لِعَدلٍ وَلا إِمامِ

- قصيدة الهجاء :

أصبح الهجاء نفيًا للقيم الاجتماعية عن المهجو ، ولم يعد قبليًّا كما كان في العصر الأموي ، كما ظهرت فيه السخرية المقذعة الشديدة والإيذاء المؤلم كما في قصيدة حماد عجرد التي يهجو فيها بشار:

وأعمى يشبه القرد إذا ما عمى القرد
          دنيُّ لم يرح  يوما   إلى مجد ولم يغد

- قصيدة الرثاء :

أصبحنا نرى العاطفة الملتهبة في الرثاء الذاتي حيث يكون الدافع شخصياً وعاطفيًّا دون رهبة أو رغبة كقول عبد الملك ابن الزيات في رثاء أم ولده :
            ألا من رأى الطفل المفارق أمـه  بعيد الكرى عـيناه تبتدران
            رأى كل أمٍ وابنها غـــير أمه  يبيتان  تحـت الليل ينتجيان
            و بات وحيداً في الفراش تحـثه  بلابل قلبٍ دائم الخـــفقان
            فلا تلحـــياني إن بكيت فإنما  أداوي بهذا الدمـع ما تريان
            وهبني عزمت الصبر عنها لأنني  جليدٌ فمن بالصبر لابن ثمان

 

الغزل في الشعر العباسي

 

الحب العربي في الشعر والحكايات معجزة تدعو إلى التأمل والإعجاب معاً،
وتدعو إلى الرثاء في غيابها كظاهرة حضارية باهرة، وفلسفة حية،
لم تعد ماثلة في حياتنا المحاصرة، من الداخل والخارج اليوم.

كان البدو الطالعون من سراب الصحراء والأودية السحيقة يزرعون في دروبهم شعراً وأساطير حب خالدة،
منفردين بخصال حميدة نادرة، لا نجدها مجتمعة ـ وقلما نجدها منفردة ـ لدى الشعوب الأرضية القديمة

والجديدة ، فالحب العربي ولد وعاش في ظل الحرية الطبيعية والشجاعة والكرم الحاتمي والحكمة والوفاء

والتضحية والتسامح والفراسة والفروسية ، وهو في كل حالاته كان الطاقة الأولى المحركة لنبض

الحياة والإحساس بالجمال:


تمتع من شميم عرار نجد       فما بعد العشية من عرار

وارتبط شعر الحب بالغناء العربي الصافي والموسيقى العربية التي تصقل الذائقة

والحس الجمالي ،لكن قمع النزعة الحسية العالية وحرية القول والفعل في الشعر والحياة

العربية كان سبباً ونتيجة معا لمرحلة طويلة  من انهيار  الشعر والحياة العربية، بدأت منذ نهايات

العصر العباسي، ونهاية العصر الأندلسي، وترافق القمع بموجات من التزمت والتعصب الأعمى  المستورد ،

كان من أحد مظاهره التشرذم الطائفي والمذهبي ومصادرة حرية التفكير وحرية المرأة،

والخنوع والخوف في ظل الحروب الأهلية والطائفية الخاسرة، وسحق مظاهر

الحياة الاجتماعية والتقاليد العربية العريقة، واستبدال حكايات  الحب وشعر الحب بنزعة الانتقام والكراهية،

وانفتحت الأبواب  على مصاريعها لأشكال من الغزو الخارجي للحياة العربية من  الشرق والغرب،

لا تزال ذيولها ماثلة حتى اليوم .


لم يكن ابن حزم وحيداً في الكتابة عن الحب، وهو الذي عاش في العصر الأندلسي عصر التنوير

والفن والعمارة والموشحات والغناء ،عصر ابن رشد وابن زيدون وزرياب وولادة بنت

المستكفي الشاعرة:

أمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها


وحاول ابن حزم دراسة حالات الحب العربي وخصوصيته في ثلاثين باباً، ودعم أفكاره بحكايات

سمعها أو عاشها ،  واختار لها نماذج مناسبة من شعره، وكان جريئاً في آرائه واختياره للحكايات،

متحررا من مرض التزمت والخوف، ولهذا ثار عليه الغوغائيون وأحرقوا ومزقوا بعض كتبه.


ربما وصل إلينا طوق الحمامة ناقصاً، بينما غابت واختفت مخطوطات وكتب كثيرة عن الحب العربي،

وامتدت الأيدي الظلامية  لتحذف من ألف ليلة وليلة في بعض طبعاتها، بحجة أنها تخدش الحياء العربي

الذي لم تخدشه الهزائم المتواصلة حتى اليوم، بسبب الظلامين الذين لا يعرفون من الحب إلا تعدد الزوجات.


ولا تزال أعداد كبيرة من المخطوطات العربية النفيسة حبيسة في المستودعات المعتمة، لم تجد طريقها إلى

النشر حتى اليوم، لأنها تنتمي  إلى أدب الحب العربي، وهي تحمل قيماً تاريخية وثقافية وعلمية خاصة، ربما

لأن المسؤولين  عن نشرها لا يميزون بين الثقافة أو الفن والسفاهة، أو ربما لأنهم يخافون من الغوغائيين

الذين أحرقوا كتب ابن رشد وابن حزم مع أن كتب الحب العربي كلها ليس فيها ما هو سفيه أو فضائحي

كما هو الحال  في الكتب والمجلات الغربية، أو حتى فيما يسمى  «كتب الوسادة» المنتشرة في الصين واليابان،

وهي تزيد على مئتين وعشرين كتاباً «على ذمة الروائية إيزابيل اليندي» كما إنها لا تشبه  كتاب فن

الحب الهندي  الشهير  «كاما سوترا» الذي وجد طريقه إلى كل اللغات في العالم، ونشرت ترجمته العربية

منقوصة ومشوهة  في دمشق قبل سنوات قليلة.


فالحديث عن الحب بالقول والكتابة في كل تفاصيله لم يكن عيبا أو سفاهة، بل كان زينة المجالس،

وزينة الشعر والكتابة لدى الخلفاء والأمراء والشعراء والفقهاء والجواري والرعاة والعوام، رجالاً ونساء،

فالحب عند العرب هو السلاح الوحيد الذي  يقهر الحرمان والموت:


ألا أيها الركب النيام ألا هبوا أسائلكم هل يقتل الرجل الحب


وإذا كان الحب الغربي في أشهر حكاياته وأساطيره ينتهي بالقتل أو الانتحار فإن الحب العربي يميل

إلى الذوبان البطيء من الداخل ،ذوبان الجسد تحت وطأة الوجد في نهاياته القصوى، يستوي في ذلك العشاق

والصوفيون المسحورون بتحولاتهم ومداراتهم الجوانية الغريبة:


أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني


وفي الحب العربي تضحية وإيثار للطرف الآخر دائماً، واستسلام غير مشروط، في شرعة

الذوبان البطيء في  طيف المحبوب:


مولاي وروحي في يده قد ضيعها سلمت يده


وكان حكايات الحب وشعر الغزل مقياسا للحضارة العربية في صعودها وهبوطها وكان الغزل تاج

الشعر العربي وذروته ومعجزته  النبيلة، وكان كل العرب شعراء وعشاقاً، الرجل والمرأة، الكبير والصغير،

الأمير والفقير، وهم الذين اخترعوا الحب العذري، وجنون الحب والحب من نظرة واحدة ، والحب عن بعد، والحب

في النوم، والحب من الصوت، والحب بلمسة خاطفة، ثم الحب من طرف واحد.


وأعطى العرب للحب أكثر من ستين اسماً وربطوه بالشوق والحنين والغناء والطرب، وإذا لم يكن الحب محاصراً

أو محروماً ، فإنه سيكون  مصحوباً بليالي الأنس، ونشوة الوصل، في الليالي الملاح، والسمر في ضوء

القمر، والإمتاع والمؤانسة

والنشوة بالحلم الواقعي ، كما هو في الموشحات الأندلسية :

جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندل
 لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس
وتأخذ ذاكرة المكان أهمية خاصة في شعر الحب العربي، كما هي عند مجنون ليلى:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
ويمكننا أن نتذكر إن أهم القصائد العربية المطولة، ومنها المعلقات السبع، تبدأ بمقدمة طللية، غزلية، تمجيداً

للمكان الذي شهد حكاية الحب ، أو استأنس بمشية المحبوب، ويتجاوز، الشعراء العشاق المكان الأرضي،

ويرصدون الكواكب، حتى قيل عنهم إنهم رعاة الكواكب ، آملين أن تلتقي نظراتهم بنظرات أحبابهم

عند هذا الكوكب أو ذاك.

أقلب طرفي في السماء لعله يوافق طرفي طرفها حين تنظر


أما عزة حبيبة الشاعر كثيّر فإنها ألقت السلام على جمله، حينما رأته في المرعى وعرفته، فلما سمع هو

بذلك أكرم جمله الذي حظي بسلام حبيبته ، وقد يكون مثل جمل المنخل اليشكري الذي يقول:

وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري


ويحلق الخيال بالشاعر العباس بن الأحنف الذي يتمنى أن يطير إلى حبيبته البعيدة:

أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير
وقال الجاحظ: تأملنا شأن الدنيا فوجدنا اكبر نعيمها وأكمل لذاتها ظفر المحب بحبيبه،
ويروي الأصمعي إن عمر ابن الخطاب قال: «لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما» وقصة حب عفراء

وعروة من أشهر  القصص العربية ، وهي تتشابه كثيراً مع القصة الغربية تريستان وايزولده.


إن أشهر ما قاله الشعراء العرب في عصورهم المختلفة هو ما قالوه عن الحب أو العشق، وبعضهم

اكتسب شهرته من قصيدة واحدة أو بيت واحد من شعر الحب وربما لا يحفظ القراء من ديوان

جرير إلا قوله:

إن العيون التي في طرفها حور           قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا

وربما لا يحفظ القراء المحترفون من شعر النابغة الذبياني إلا قصيدته الدالية والأبيات الضائعة

منها، في التغزل بالمتجردة:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد


وهذا هو حال عنترة وعمر بن أبي ربيعة وعروة بن خزام وقيس بن الملوح وديك الجن الحمصي

وابن زيدون ونزار قباني .

وإذا كان الفن الإغريقي بما فيه الشعر، ينصب على تمجيد جسد الرجل ، كرمز للقوة ، فإن الشعر

العربي كان سباقاً وبارعاً

في تمجيد جماليات جسد المرأة بالتفاصيل الدقيقة والتحركات والرموز التي تعطيها حضوراً فاعلاً في

الحياة، ولم تكن المرأة العربية بعيدة عن  التأثير في الشعر والغناء وحركة الإبداع.


وإذا كان العرب قد صنعوا حكايات وأساطير حب وشعر خالدة فإن ابتعادهم عن هذا التراث الحضاري بفعل

التزمت المستورد ، وضعهم في زوايا ضيقة لا يستطيعون من خلالها الدفاع عن حقوقهم المسلوبة،

أو دفع الاتهامات الموجهة إليهم بأنهم يصنعون  الإرهاب والكراهية.

============

 

س7 : ما الموضوعات الجديدة التي استُحدثت في العصر العباسي؟
جـ : الموضوعات الجديدة:
- وصف الدور والقصـــور يقول علي بن الجهم  ( 188 - 249هـ / 803 - 863 م) :
            صُحونٌ تُسافِرُ فيها العُيونُ  وَتَحسِرُ عَن بُعدِ أَقطارِها
            وَفَوّارَةٍ ثَأرُها في السَـماءِ  فَلَيسَت تُقَصِّرُ عَن ثارِها
            لَها شُــرُفاتٌ كَأَنَّ الرَبيعَ  كَساها الرِياضَ بِأَنوارِها

- وصف الطبيعة الغناء من خلال ربطها بالنفس يقول أبو تمام  ( 188 - 231هـ / 803 - 845 م) :
            أَبكي وَقَد تَلَتِ البُروقِ مُضــيئَةً مِن كُلِّ أَقطارِ السَماءِ رُعودُ
            وَاِهتَزَّ رَيعانُ الشـَـبابِ فَأَشرَقَت لِتَهَلُّلِ الشَـجَرِ القَرى وَالبيدُ
            وَمَضَت طَواويسُ العِراقِ فَأَشرَقَت أَذنابُ مُشرِقَةٍ وَ هُنَّ حُـفودُ
            يَرفُلنَ أَمثالَ  العَـــذارى طُوَّفاً  حَولَ الدَوارِ وَقَد تَدانى العيدُ

وصف الطبيعة في الغزل  يقول بشار بن بُرد  ( 95 - 167هـ / 713 - 783 م) :
            حوراء إن نظرت إليـــــــــــــك سقتك بالعينين خمرا
            فكأن رجع حـــديثها                    قطع الرياض كسين زهرا

 

 

==================

الوحدة الثالثة

(  النثر  )

النثر في العصر العباسي
تطوره وفنونه 

الخطـابة :
======
كان للخطابة شأن كبير في أوائل العصر العباسي؛ فقد كانت الدولة الجديدة في حاجة إلى ترسيخ الملك وإثبات حق العباسيين في الخلافة، وكان الخلفاء العباسيون الأوائل كالسفاح والمنصور والمهدي خطباء مصاقع، فازدهرت الخطابة في ذلك العصر. 

وكانت الخطبة تلقى على مسامع الناس لأغراض مختلفة، فهناك الخطب السياسية التي يلقيها الخلفاء والقادة في استقبال الوفود أو تحميس الجنود، وهناك الخطب الدينية التي تلقي في الأعياد والجمع، والخطب الاجتماعية في المدح أو الذم أو الاستعطاف أو العتاب. 
وقد امتازت الخطابة في أول العصر العباسي بجزالة الألفاظ، وعدم الالتزام بالسجع، وكثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وغلبة الإِيجاز إلا ما تدعو الضرورة فيه إلى الإِطناب. 

وأشهر خطباء هذه الفترة السفاح، والمنصور، وداود بن على، وعيسى بن علي، وخالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة. 

ولما استقرت الدولة العباسية، وفشت العجمة، وسيطر الأعاجم من بويهيين وسلاجقة على الخلافة، ضعفت الخطابة، وقويت الكتابة، فلم يعد الخلفاء قادرين عليها كأسلافهم، فأصبحت الخطابة مقصورة على بعض المناسبات الدينية كالعيدين والجمعة، وقد أناب الخلفاء والحكام غيرهم فيها. 

ثم ازداد الأمر سوءاً في آخر العصر العباسي، وضعفت الخطابة الدينية أيضاً، وأصبح خطباء المساجد يرددون خطب السابقين ويقرؤونها من كتبهم على المنابر، وأغلبها خطب مسجوعة متكلفة. 

الكتابة الفنيـة :
=========
عندما قامت الدولة العباسية كانت الكتابة الفنية قد أصبحت ذات قواعد وأصول على يد عبد الحميد الكاتب. 
والعصر العباسي هو العصر الذهبي للكتابة الفنية؛ فقد نبغ فيه كبار الكتاب الذين جددوا في أساليب النثر ومعانيه، وفتحوا آفاقاً جديدة للكتابة. 

وقد ارتفع شأن الكتَّاب في العصر العباسي، فأصبح لكل خليفة أو وزير كاتب أو أكثر، وأنشئت لذلك الدواوين المتعددة، بل إن بعض الكتاب قد وصل إلى الوزارة بسبب قدرته على الكتابة الفنية، كما أن الكتابة قد حلت محل الخطابة في آخر العصر، وأزالت دولة الشعر من الصدارة الأدبية. 

وقد تعددت أنواع الكتابة في هذا العصر؛ فهناك الكتابة الديوانية مثل كتب البيعات وعهود الولاء وكل ما يصدر عن ديوان الرسائل معبراً عن رأى الخليفة أو الوزير في شؤون الدولة العامة، وسميت بالديوانية نسبة إلى صدورها من "ديوان الرسائل". 

وهناك الكتابات والرسائل الإِخوانية المتبادلة بين الكتاب في أمورهم الخاصة من مدح أواعتذار أو تهنئة أو تعزية. 

وهناك الرسائل الأدبية التي يكتبها الأدباء والبلغاء لإِبراز قدرتهم وإبداعهم كرسائل الجاحظ وابن العميد. 

ويقسم مؤرخو الأدب الكُتَّاب في العصر العباسي إلى أربع طبقات، لكل طبقة رجالها وميزاتها الفنية: 
- الطبقة الأولى: وإمامها ابن المقفع، ومن أشهر رجالها: الحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة، وسهل بن هارون، والحسن بن وهب. 

وتمتاز هذه الطبقة بتنويع العبارة، وتقطيع الجملة، وتَوَخِّي السهولة، والعناية بالمعنى، الزهد في السجع. 

ـ الطبقة الثانية: وإمامها الجاحظ، ومن أشهر رجالها: الصولي، وابن قتيبة، وأبو حيان التوحيدي. 

وقد تابعت الطبقة الأولى في كثير من أساليبها، لكنها تمتاز بالاستطراد، ومزج الجد بالهزل، والإكثار من الجمل الاعتراضية، وشيء من الإطناب لتحليل المعنى واستقصائه. 

- الطبقة الثالثة: وإمامها ابن العميد، ومن أشهر رجالها: الصاحب بن عباد، وبديع الزمان الهمداني، والخوارزمي، والثعالبي. 

ومن خصائصها السجع بجمل قصيرة، والتوسع في الخيال والتشبيهات، والإكثار من الاستشهاد وتضمين المعلومات التاريخية والطرائف الملح، والعناية بالمحسنات البديعية. 

-  الطبقة الرابعة: وإمامها القاضي الفضل، ومن أشهر رجالها: ابن الأثير، والعماد الأصبهاني الكاتب. 

وهذه الطبقة سارت على نهج الطبقة الثالثة في السجع والإكثار من المحسنات البديعية، إلا أنها غلبت في ذلك وأغرقت في التورية والجناس حتى أصبحت الكتابة عبارة عن ألفاظ منمقة مسجوعة، لكن ذلك كان على حساب المعنى. 



________________________________________

من فنون النثر في العصر العباسي :

1ـ التوقيعـات 

التوقيعات جمع توقيع، والمراد: كلام بليغ موجز، يكتبه الخليفة أو الوالي في أسفل الكتب الواردة إليه المتضمنة لشكوى أو رجاء أو طلب إبداء رأي. 
والتوقيع الأدبي ليس التوقيع المعروف عندنا الآن (الإمضاء)، وإنما هو أقرب ما يكون إلى ما نسميه الشرح على المعاملات الواردة. 
والتوقيعات تمتاز بالإيجاز أولاً، وبالبلاغة ثانياً، وإصابة الغرض بحيث تغنى عن الكلام الكثير، وتتضمن رأياً واضحاً وإن كان موجزاً في الأمر المعروض. 
وقد عُنى العباسيون بفن التوقيعات وأبدعوا فيه، ولهم توقيعات مشهورة محفوظة، وقد يوقعون بآية كريمة أو حديث شريف أو بيت من الشعر متى ما كان ذلك مناسبا للغرض. 
ويقال: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أول من وقع في الكتب المعروضة ومنها كتاب ورد من سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه يستشيره في بناء دار له، فوقع على الكتاب بقوله: ابن ما يكنك من الهواجر وأذى المطر.
=========


2ـ المقامـات 

التعريف اللغـوي: 
الأصل في المقامة أنها اسم مكان من أقام، ثم أطلقت على المجلس، فقيل: مقامات الناس، أي مجالسهم التي يتحدثون فيها ويتسامرون. 
قال زهير: 
وأندية ينتابها القول والفعل وفيهم مقامات حسان وجوهها 

ثم أصبحت تطلق على الحديث الذي يدور في مجالس السمر من باب المجاز المرسل. 

التعريف الاصطلاحي: 
أما المقامات في اصطلاح الأدباء فهي حكايات قصيرة، تشتمل كل واحدة منها على حادثة لبطل المقامات، يرويها عنه راوٍ معين، ويغلب على أسلوبها السجع والبديع، وتنتهي بمواعظ أو طرف وملح. 
أي إنها حكاية قصيرة، تقوم على الحوار بين بطل المقامات وراويها. 
والمقامات تعتبر من البذور الأولى للقصة عند العرب، وإن لم تتحقق فيها كل الشروط الفنية للقصة. 


خصائص المقامـات 

1ـ أسلوب المقامات مملوء بالصناعة اللفظية من جناس وطباق والتزام تام بالسجع. 
2ـ تغلب على ألفاظها الغرابة. 
3ـ مليئة بالقصص والحكم والمواعظ. 
4ـ يختار كاتب المقامات لمقاماته بطلاً تدور حوادث المقامات حوله، وراوية يروي تلك الأحداث.

فبطل مقامات بديع الزمان الهمداني أبو الفتح الإسكندري، وراويها عيسى بن هشام. وبطل مقامات الحريري أبو زيد السروجي، وراويها الحارث بن همام وهكذا.

5ـ للمقامات فائدة تعليمية، فعندما يحفظها شداة الأدب فإنها تزودهم بذخيرة لغوية مفيدة. 
6ـ يدور أغلبها على الاحتيال والطواف بالبلدان لجلب الرزق. 

تاريخهـا 


يقال: إن أول من أنشأ المقامات في الأدب العربي هو العالم اللغوي أبو بكر بن دريد (المتوفى عام 321 هـ)، فقد كتب أربعين مقامة كانت هي الأصل لفن المقامات، ولكن مقاماته غير معروفة لنا. 
ثم جاء بعده العالم اللغوي أحمد بن فارس (المتوفى عام 395 هـ)، فكتب عدداً من المقامات أيضاً. 
ثم جاء بعده بديع الزمان الهمذاني، وكتب مقاماته المشهورة، وقد تأثر فيها بابن فارس حيث درس عليه. ويعتبر البديع هو الرائد الحقيقي للمقامات في الأدب العربي. 
ثم جاء بعده كتاب كثيرون، أشهرهم أبو محمد القاسم بن على الحريرى صاحب المقامات المشهورة بمقامات الحريري. 
ثم كثر كتاب المقامات كالزمخشري العالم اللغوي المفسر، وقد سمى مقاماته (أطواق الذهب)، وابن الاشتركوني السرقسطي الأندلسي (توفي عام 538 هـ)، صاحب المقامات السرقسطية، وبطلها المنذر بن حمام، وراويها السائب بن تمام، ومقامات الإِمام السيوطي. 
وفي العصر الحديث أنشأ محمد المويلحي حديث عيسى بن هشام، وناصيف اليازجى "مجمع البحرين"… 
وقد قال بعض الباحثين: إن المقامات قد انتقلت إلى الأدب العربي من الأدب الفارسي. وهذا الرأي غير سليم، فإن المقامات فن عربي النشأة، وقد انتقلت بعد ذلك إلى الأدب الفارسي بفضل بديع الزمان الهمذاني؛ فالأدب الفارسي متأثر في مقاماته بالأدب العربي لا العكس.

=====================

س1: كثرت فنون النثر في العصر العباسي الأول. اذكرها ، ثم وضح السمة الأساسية لأسلوب النثر عامة في هذا العصر.
جـ : الفنون هي : النثر العلمي ، والنثر الفلسفي ، والنثر التاريخي ، وتشعب النثر الفني إلى خطب ومواعظ وقصص ورسائل ديوانية وإخوانية وأدبية.
- والسمة الأساسية لأسلوب النثر عامة في هذا العصر :

1 - تيسير القوالب اللغوية العربية .

2 - إخضاعها للمعاني العلمية والفلسفية الدقيقة.

*  وكان من نتيجة ذلك أن نشأ أسلوب عربي جديد أطلق عليه الأسلوب المولد
س2 : ماسمات الأسلوب المولد؟
جـ : سمات الأسلوب المولد :
    1 - الاحتفاظ بكل سمات اللغة الأصلية .
    2 - الابتعاد عن الألفاظ الغامضة والمعاني غير الواضحة .
    3 - الحرص على الأداء السليم بحيث لا ينحط إلى العامية ، ولا يصل للتعقيد .
    4 - تيسير القوالب اللغوية العربية ، وإخضاعها للمعاني العلمية والفلسفية .

* نموذج نثري في الوعظ :

قول  ابن السماك  لأحد الخلفاء :  " يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له ، واعلم أنك واقف غدا بين يدي الله ربك ، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما : جنة أو نار " .
س3 : ما التوقيعات ؟ اذكر مثالاً لها.
جـ : التوقيعات :
عبارات موجزة اللفظ ، موفورة المعنى يكتبها الخلفاء والوزراء عندما يوقعون على الرسائل ، وهى تحمل الحكمة والإيجاز... ومنها:
كفى بالله للمظلوم ناصرا - من صبر في الشدة شارك في النعمة - أسرفت في مديحك فقصرنا في حبائك .

============

تم والحمد لله