P 

المقدمة:-

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . ونشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين ونحن على ذلك من الشاهدين . وبعد .

  فالثقافة والحضارة من المصطلحات كثيرة الاستخدام في الحقل العلمي ، ودار حولها – ولازال – جدل واسع بين العلماء والمفكرين ، في مدلولها ، وتعريفها والفرق بينها وبين العلم والمدنية . ولما كانت المؤسسات العلمية هي الجهة المخول لها البت والبحث في مثل هذه المصطلحات فقد حوت مناهج جامعة أم درمان الإسلامية ممثلة في معهد بحوث ودراسات العالم الإسلامي مادة : ( الثقافة والحضارة الإسلامية ) .

  وتمشياً مع سياسة الجامعة القائمة على إعداد كتب علمية في كل مادة على حدة . فقد عقدت العزم على إعداد هذا البحث الذي أحسب أنه جاء متضمناً لجميع مفردات تلك المادة وقد أوردتها مرتبة كما جاءت في دليل المعهد .

أولاً : أهمية البحث :

  تتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه سيناقش مصطلحين هامين يرتبطان بالحضارة   والثقافة من منظور إسلامي . هذا إلى جانب تناول موقف الحضارة الإسلامية من الحضارات الأخرى . وكذلك الثقافة الإسلامية وموقفها من الثقافات الأخرى . ولا يخفى ما في ذلك من أهمية تظهر في تفرد الحضارة والثقافة الإسلامية عن سواها .

  وتتأكد أهمية هذا البحث في كونه سيناقش قضايا حساسة وبالغة الأهمية مثل الأصولية والحداثة والمعاصرة والصحوة الإسلامية ، والوحدة الإسلامية وغيرها . ومن كل ذلك تظهر أهمية هذا البحث .

 

 

أهداف الدراسة :-

  إذا رجعنا إلى دليل المعهد نجد أن أهداف هذه المادة تنحصر في :-

1- ربط الدارس بعقيدته وحضارته وثقافته الإسلامية ، وتنمية اعتزازه وولائه للإسلام   لتقديمه على ما سواه .

2- تزويد الدارس بحصيلة من المعارف الإسلامية وتبصيره بالمخاطر المحدقة بالمسلمين .

3- العمل على تنزيل التعاليم الإسلامية والتخلق بها لربط القول بالعمل .

4- تنمية المنهجية العلمية في البحث والحوار لدى الدارس لمعالجة المشكلات المعاصرة التي تواجه أمة الإسلام .

محاور الدراسة :

المحور الأول : المفهوم والمصادر والخصائص .

المحور الثاني : قضايا ثقافية معاصرة .

المحور الثالث : المنهجية العلمية في الإسلام .

وسوف نتناول كل محور من هذه المحاور على حدةٍ بعون الله وتوفيقه .  

منهج الدراسة :

  اتبعت في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي المقارن . فقمت باستيفاء المعلومات من مصادرها ومراجعها ، ثم أخضعتها للتحليل ، كي أستنبط منها ما يناسب الحالة ، أو المشكلة التي أنا بصدد الحديث عنها . وفيما يتعلق بالحادثة  أو الواقعة التاريخية أقوم بإثباتها من مصدرها إن تيسر ، أو من مرجعها ، ثم أقوم بتحليلها مبيناً موضع الشاهد منها . محاولاً ربط ذلك بالواقع المعاش ما أمكن ذلك .

  وثمة ملاحظة هامة في العزو تتمثل في أن بعض النصوص والأقوال مأخوذة من المكتبة الشاملة بمختلف إصداراتها . فالتوثيق في عدة مواطن في هذا البحث . وفق توثيق المكتبة الشاملة . لذا لزم التنويه . وهناك معلومات مستقاة من الشبكة العنكبوتية       ( النت ) فهذه يوضع اسم الموقع بعدها مباشرة .

  هناك بعض المفردات التي تم تناولها . في مفردات مواد أخرى . أهملتها خشية التكرار وهي قليلة جداً أبرزها مصطلح العولمة . والتي تم تناولها في حاضر العالم الإسلامي السياسي . والمنهجية العلمية في الإسلام تم تناول معظم مادتها في مادة منهجية القرآن والسنة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

المفهوم : المصادر : والخصائص

المبحث الأول : التعريف بالحضارة والثقافة والمدنية لغة واصطلاحاً :

المطلب الأول : الحضارة لغة :

  إذا رجعنا معاجم اللغة العربية نجد أن الحضارة في اللغة مأخوذة من ( حضر ) .

وفى القاموس المحيط ( حَضَرَ، كنَصَرَ وعلِمَ، حُضُوراً وحضارَةً ضِدُّ غابَ، كاحْتَضَرَ وتَحَضَّرَ، ويُعَدَّى، يُقالُ حَضَرَهُ، وتَحَضَّرَهُ، وأحْضَرَ الشيءَ، وأحْضَرَهُ إيَّاهُ، وكان بِحَضْرَتِهِ، مُثَلَّثَةً، وحَضَرِهِ، وحَضَرَتِهِ، محركتينِ، ومَحْضَرِهِ بِمَعْنًى، وهو حاضِرٌ، من حُضَّرٍ وحُضُورٍ. وحَسَنُ الحِضْرَةِ، بالكسر إذا حَضَرَ بِخَيْرٍ. والحَضَرُ، محركةً، والحَضْرَةُ والحاضِرَةُ والحِضارَةُ، ويفتح خِلاَفُ البادِيَةِ. والحَضارَةُ الإقامَةُ في الحَضَرِ. والحَضْرُ     بِإِزاءِ مَسْكِنٍ بَناهُ الساطِرُونُ المَلِكُ، ورَكَبُ الرجلِ والمرأةِ، والتَّطفِيلُ، وشَحْمةٌ في المأْنَةِ وفَوْقَها، وبالضم ارتِفاعُ الفَرَسِ في عَدْوِهِ، كالإِحْضارِ، والفَرَسُ مِحْضِيرٌ لا مِحْضارٌ       أو لُغَيَّةٌ. وككَتِفٍ ونَدُسٍ الذي يَتَحَيَّنُ طَعامَ الناسِ حتى يَحْضُرَهُ. وكنَدُسٍ الرجلُ ذُو البَيانِ والفِقْهِ. وككتِفٍ لا يُريد السَّفَرَ، أو حَضَريّ ) ٌ[1].

  ففي  تهذيب اللغة قال الليث: الحضر: خلاف البدو، والحاضرة: خلاف البدو وأهل الحضر، وأهل البدو، والحاضرة : الذين حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار .

  المحضر عند العرب : المرجع إلى إعداد المياه، والمنتجع: المذهب في طلب الكلأ  وكل منتجع مبدى، وجمع المبدى مباد، وهو البدو أيضا، فالبادية: الذين يتباعدون عن إعداد المياه ذاهبين في النجع إلى مساقط الغيث ومنابت الكلأ والحاضرة : الذين يرجعون إلى المحاضر في القيظ وينزلون على ماء العد، ولا يفارقونها إلى أن يقع ربيع الأرض يملأ الغدران فينتجعونه وقوم ناجعة ونواجع، وبادية بواد بمعنى واحد . وكل من نزل على ماء عد، ولم يتحول عنه شتاء ولا صيفا فهو حاضر  سواء نزلوا في القرى والأرياف والدور المدرية أو بنوا الأخبية على المياه فقروا بها ورعوا ما حواليها من الكلأ، فأما الأعراب الذين هم بادية فإنما يحضرون ماء العد شهور القيظ لحاجة النعم إلى الورد غبا ورفها وربعا في هذا الفصل، فإذا انقضت أيام القيظ بدوا فتوزعتهم النجع وأفلتوا الفلوات المكلئة، فإن وقع لهم ربيع بالأرض شربوا منه  في مبدأهم الذي انتووه  وان استأخر القطر ارتووا على ظهور الإبل لشفاههم وخيلهم من ماء عد يليهم، ورفعوا إظماءهم إلى السبع والثمن والعشر، فإن كثرت الأمطار والتف العشب وأخصبت الرياض وأمرعت البلاد جزأ النعم بالرطب، واستغنى عن الماء، وإذا عطش المال في هذه الحال وردت الغدران والتناهي فشربت كرعا، وربما سقوها من الدحلان .  

  وقال الليث : الحضور جمع الحاضر، قلت: والعرب تقول : حي حاضر بغير هاء إذا كانوا نازلين على ماء عد، يقال: : تحتضر بنو فلان على ماء كذا وكذا، ويقال للمقيم على الماء حاضر وجمعه حضور وهو ضد المسافر .[2]

  إذا تأملنا النصوص آنفة الذكر نجد كلمة الحضارة مشتقة من ( حضر ) حضوراً وحضارة  والحضر خلاف البدو ، والحاضرة خلاف البادية .

المطلب الثاني : الثقافة لغة :

  إن المتتبع لمعاجم اللغة يجد أن الثقافة مشتقة من الفعل ( ثقف ) وقد تناول أهل المعاجم معنى ذلك الفعل .

  قال صاحب القاموس المحيط : ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً، فهو ثِقْفٌ، كحِبْرٍ وكَتِفٍ وأميرٍ ونَدُسٍ وسِكِّيتٍ . وكأميرٍ أبو قَبيلَةٍ من هوازِنَ واسمُهُ قَسِيُّ ابنُ مُنَبِّهِ بنِ بَكْرِ بنِ هَوازِنَ، وهو ثَقَفِيُّ، مُحرَّكةً. وخَلٌّ ثَقيفٌ  كأمير وسكّين حامضٌ جدّاً. وثَقفهُ، كسَمعَه صادَفَه، أو أخَذَه، أو ظَفرَ به، أو أدْرَكَهُ . وامرأةٌ ثَقافٌ، كسحابٍ فَطِنَةٌ. وككِتابٍ الخِصامُ والجِلادُ، وما تُسَوَّى به الرِّماحُ، وابنُ عَمْرِو بنِ شُمَيْطٍ الأسَدِيُّ صَحابِيٌّ، أو هو ثَقْفٌ، بالفتح، ومن أشْكالِ الرَّمْلِ، و وثَقْفُ بنُ عَمْرٍو العَدْوانِيُّ بدرِيٌّ، وابنُ فَرْوَةَ الساعِدِيُّ اسْتُشْهِدَ بأُحُدٍ أو بِخَيْبَرَ، أو هو ثَقْبٌ بالباءِ وأُثْقِفْتُهُ، أي قُيِّضَ لي. وثَقَّفَه تَثْقيفاً سَوَّاهُ. وثاقَفَهُ فَثَقَفَه، كَنَصَرَه غالَبَهُ فَغَلَبَهُ          في الحِذْقِ.[3]

وجاء في الصحاح في اللغة :  

  ثَقُفَ الرجل ثَقْفاً وثَقافَةً، أي صار حاذقاً خفيفاً فهو ثَقْفٌ. ومنه المُثاقَفَةُ. والثِّقافُ: ما تُسَوَّى به الرماحُ. وتَثْقيفُها: تسويتها. وَثَقِفْتُهُ ثَقْفاً، أي صادفتُهُ. قال الشاعر :

فإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني       فإنْ أُثْقَفْ فسوف تَرَوْنَ بالي

  وَثَقِفَ أيضاً ثَقَفاً، مثال تَعِبَ تَعَباً: لغةٌ في ثَقُفَ، أي صار حاذقاً فطناً، فهو ثَقفٌ وثَقُفٌ. ابن الأعرابي: خَلٌّ ثِقِّيفٌ بالتشديد أي حامضٌ جداً، مثال: قولك بصلٌ  حِرِّيف [4].

  وخلاصة القول فإن معنى ( ثقف ) في اللغة تأتى في عدة معان أشهرها : الحذق   الفطن والملاعبة بالسلاح والتسوية ، الفهم ، الذكاء ، التقويم .

المطلب الثالث : المدنية لغة :

  إذا دققنا في معاجم اللغة نجد أن المدنية مشتقة من ( مدن ) والتي قال عنها صاحب لسان العرب  : مدن : مَدَنَ بالمكان أَقام به فِعْلٌ مُمات ومنه المَدِينة وهي فَعِيلة وتجمع على مَدَائن بالهمز ومُدْنٍ ومُدُن بالتخفيف والتثقيل وفيه قول آخر أَنه مَفْعِلة من دِنْتُ أَي مُلِكْتُ قال ابن بري لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مُدْنٍ وفلان مَدَّنَ المَدائنَ كما يقال مَصَّرَ الأَمصارَ قال وسئل أَبو عليّ الفَسَوِيُّ عن همزة مدائن فقال فيه قولان من جعله فَعِيلة من قولك مَدَنَ بالمكان أَي أَقام به همزه ومن جعله مَفْعِلة من قولك دِينَ أَي مُلِكَ لم يهمزه كما لا يهمز معايش والمَدِينة الحِصْنُ يبنى في أُصطُمَّةِ الأَرض مشتق من ذلك وكلُّ أَرض يبنى بها حِصْنٌ في أُصطُمَّتِها فهي مدينة والنسبة إِليها مَدِينّي والجمع مَدائنُ ومُدُنٌ قال ابن سيده ومن هنا حكم أَبو الحسن فيما حكاه الفارسي أَن مَدِينة فعيلة الفراء وغيره المدينة فعيلة تهمز في الفعائل لأَن الياء زائدة ولا تهمز ياء المعايش لأَن الياء أَصلية والمدينة اسم مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة غلبت عليها تفخيماً لها شرَّفها الله وصانها وإِذا نسبت إِلى المدينة فالرجل والثوب مَدَنيٌّ والطير ونحوه مَدِينّي لا يقال غير ذلك قال سيبويه فأَما قولهم مَدَائِني فإِنهم جعلوا هذا البناء اسماً للبلد وحمامةٌ مَدِينيَّة وجارية مَدِينيَّة ويقال للرجل العالم بالأَمر الفَطِنِ هو ابن بَجْدَتِها وابنُ مَدِينتها وابن بَلْدَتها وابن بُعْثُطها وابن سُرْسُورها قال الأَخطل رَبَتْ ورَبا في كَرْمِها ابنُ مَدِينةٍ يَظَلُّ على مِسْحاته يتَرَكَّلُ ابنُ مَدِينةٍ أَي العالم بأَمرها ويقال للأَمة مَدِينة أَي مملوكة والميم ميم مَفْعُول وذكر الأَحولُ أَنه يقال للأَمة ابنُ مَدِينة وأَنشد بيت الأَخطل قال وكذلك قال ابن الأَعرابي ابنُ مَدِينة ابنُ أَمة قال ابن خالويه يقال للعبد مَدِينٌ وللأَمة مَدِينة وقد فسر قوله تعالى إِنا لمَدِينُون أَي مملوكون بعد الموت والذي قاله أَهل التفسير لمَجْزِيُّون ومَدَنَ الرجلُ إِذا أَتى المدينة قال أَبو منصور هذا يدل على أَن الميم أَصلية قال : وقال بعض من لا يوثق بعلمه مَدَن بالمكان أَي أَقام به قال ولا أَدري ما صحته وإِذا نسبت إِلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام قلت مَدَنيٌّ   وإِلى مدينة المنصور مَدِينيّ وإِلى مدائن كِسْرَى مَدائِنيٌّ للفرق بين النسب لئلا يختلط ومَدْيَنُ اسم أَعجمي وإِن اشتققته من العربية فالياء زائدة وقد يكون مَفْعَلاً وهو أَظهر ومَدْيَنُ اسم قرية شعيب على نبينا وعليه أَفضل الصلاة والسلام والنسب إِليها مَدْيَنِيٌّ والمَدَانُ صنم وبَنُو المَدَانِ بطْنٌ على أَن الميم في المَدَان قد تكون زائدة وفي الحديث ذِكْرُ مَدَان بفتح الميم له ذكر في غزوة زيد بن حارثة بني جُذَام ويقال له فَيْفاءُ مَدَانَ قال وهو وادٍ في بلاد قُضاعَة .[5] 

 

وجاء في جمهرة اللغة :  

  والمَدْن ذكر بعض أهل اللغة أنه فعل مُمات وأنه من قولهم: مَدَنَ بالمكان، إذا أقام به، وبه سُمّيت المَدينة في لغة هؤلاء. وأنكر ذلك قوم فقالوا: مَدينة مَفْعِلَة من قولهم: دِينَتْ، أي مُلِكَتْ؛ والأمَة يقال لها مَدينة لأنها مملوكة. قال الشاعر :

ثَوَتْ وثَوى في كَرْمها ابنُ مدينةٍ       مقيماً على مِسْحاته يتركَّلُ

  يعني عبداً، ويُروى: يظلُّ على. ومَدْيَن : اسم أعجمي، فإن اشتققته من العربية فبالياء زائدة وهو من مَدَنَ بالمكان، إذا أقام به. فأمّا المَيّدان فأعجميّ معرَّب .[6]  

وجاء في الصحاح في اللغة : 

  مَدَنَ بالمكان : أقام به. ومنه سمِّيت المَدينَةُ، وهي فَعيلَةٌ، وتجمع على مَدائِنَ بالهمز، وتجمع أيضاً على مُدْنٍ ومُدُنٍ. وفلان مَدَّنَ المَدائِنَ، كما يقال: مَصَّرَ الأمْصارَ .   وإذا نسبت إلى مَدينَةِ الرسول صلى الله عليه وسلم قلت مَدَنيٌّ، وإلى مدينة المنصور مَدينيٌّ، وإلى مَدائِنِ كسرى مَدائِنِيٌّ، للفرق بين النَسب، لئِّلا يختلط مده .[7]

المطلب الرابع : تعريف الحضارة اصطلاحاً :

  بعد أن تطرقنا في المطلب الأول من هذا المبحث إلى معنى الحضارة في اللغة . وأن كلمة حضارة يكثر استخدامها عبر الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية . فنجد عبارات            ( فلان متحضر ، وهذه أمة متحضرة . وقديماً كانت العرب تطلق الحضارة وتريد بها ما يقابل البداوة . وهو معنى مستمد من اللغة – كما مر معنا - . ولكن لم تعد كلمة حضارة في العرف المعاصر تدل فقط على الإقامة في الحضر . بل تعدت ذلك إلى مفهوم أشمل وأعم يمثل ارتقاء المجتمع مادياً . فبات المجتمع المتحضر هو الذي يمتلك القيم الروحية الرفيعة والأساليب المادية المتطورة ، والمتقدمة في مواجهة الحياة بجوانبها المختلفة .

  ونسبة لتطور وتوسع مصطلح الحضارة لم يتفق الباحثون والمفكرون في التاريخ والاجتماع على تعريف واحد . بل هناك ثلاثة اتجاهات رئيسة يمكن أن تعطينا الصورة الواضحة لاختلاف العلماء في تعريف الحضارة إصطلاحاً .

الاتجاه الأول : وهو الاتجاه العام لدى عدد كبير من العلماء والمفكرين . فيعرف أصحاب هذا الاتجاه الحضارة بأنها الجهد البشري في شتى ميادين الحياة المادية والمعنوية .

الاتجاه الثاني : وهو الاتجاه الإنساني الذي يربط الحضارة بشخص الإنسان          ( سلوكاً ) وعقيدة ، وأخلاقاً .

الاتجاه الثالث : ويركز على الجانب المترف من النشاط البشرى ، وهو يمثله ابن خلدون الذي قال : ( الحضارة هي التفنن في الترفه واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه ، وسائر فنونه من الصنائع المهيأة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الأواني ، ولسائر أحوال المنزل ، ويلزم لهذا التأنق في صناعات كثيرة ) .[8]

ومن تعاريف الحضارة إلى جانب ما سبق :

1/ الرقي المادي الذي بلغه الفرد والأمة .

2/ ما توصل إليه مجتمع ما من تقدم مادي في الصناعات والابتكارات والمخترعات والبناء والزراعة وغير ذلك .[9]

  بعد الإطلاع على التعريفات السابقة والتدقيق فيها نقول إن هناك تقارباً ربما يصل  إلى درجة التطابق وإذا استصحبنا معنا المعنى اللغوي للحضارة نقول أنه يمكن تعريف الحضارة بأنها هي :-

( جميع ما توصل إليه مجتمع ما من تقدم مادي في مختلف جوانب الحياة وفق موجهاته العقدية ) .

  تلاحظ أن هذا التعريف قد تضمن ما ورد في التعريفات السابقة فجمع بين الجانب المادي والعقدي ( المعنوي ) بينما نجد التعريفات السابقة بعضها اقتصر على الجانب المادي فقط . وآخر على الجانب المعنوي فقط .

المطلب الخامس :- تعريفات الثقافة في الاصطلاح :

  إن استخدام مصطلح الثقافة لم يظهر عند المسلمين المعاصرين إلا في بداية القرن العشرين ودخل هذا المصطلح بعد التأثر بالأفكار الواردة من العلم الغربي من دراسات تربوية ، واجتماعية ونفسية حتى باتت هناك وزارات للثقافة في عدد من الدول العربية وغير العربية . وهذا بدوره أدى إلى ظهور مصطلحات مثل الثقافة الغربية ، والثقافة الإسلامية ، والثقافة الفرنسية ، وهذا بدوره يقودنا إلى تعريف الثقافة بمفهومها العام .

  إن تعريف الثقافة في الاصطلاح ليس بالشئ السهل ولم يتم التوصل حتى الآن      في حدود إطلاعي – على تعريف واحد متفق عليه على الرغم من كثرة المؤتمرات والمؤلفات والمحاضرات التي بُحثت وتبحث في الثقافة وميادينها ، وخير شاهد على ذلك المؤتمر العالمي الثاني الذي دعت إليه اليونسكو للبحث في السياسات الثقافية  الذي عقد في دولة المكسيك في الفترة من 26يوليو – 6 أغسطس 1982م وحضره ممثلون عن ( 129) مائة تسع وعشرين دولة . ناقشت تعريف الثقافة ، وقد أجمع أعضاء اللجنة على أن هذه الكلمة لا تزال غامضة وغير محددة .[10]

  وبالتتبع لتعريفات الثقافة بمفهومها العام نجد أنها بلغت أكثر من مائتي تعريف  ولما كان هذا العدد كبيراً سوف نورد أبرز وأهم هذه التعريفات :-

1- الدلالة على العلوم الإنسانية من دين ولغة وآداب . وهذا التعريف يرجع إلى العهد الروماني .

2- هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لأمة          ما ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ بها عقلية خاصة لتلك الأمة تمتاز بها عن سواها .

3- هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقوانين ، والعادات والتقاليد ، وجميع العناصر التي يكتسبها الإنسان باعتبارها عضواً في المجتمع .[11]

4- هي المجموع الكلي للعادات والتقاليد والمعتقدات وطريقة العيش التي تسير عليها وتتمسك بها جماعة إنسانية .[12]

5- جملة من العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق بها . ( هذا تعريف المجمع    اللغوي ) .

6- هي المعرفة المتصلة بالعلوم الإنسانية التي ترقى بالإنسان وتوسع دائرة معارفه   وتميزه بالنظرة الشاملة بحيث ينعكس هذا كله على شخصيته وسلوكه مما يجعل منه إنسانا واسع الأفق مهذباً يحسن التأتي للأمور ويجيد التصرف في شؤون حياته .[13]       

7- هي مجموعة الأفكار والمثل والتقاليد والعادات والمهارات وطرق التفكير وأساليب الحياة والنظام الأسري ، وتراث الماضي بقصصه ورواياته وأساطيره ، وإبطاله ووسائل الانتقال وطبيعة المؤسسات الاجتماعية في المجتمع الواحد .[14]

8- هي كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من مظاهر البيئة الاجتماعية .[15]

  في اعتقادي أن التعريف الرابع ( تعريف ندوة الثقافة الإسلامية هو التعريف الراجح لأنه حوى جلّ ما أشارت إليه التعريفات الأخرى وتميّز عنها بإيراد المعتقدات . وهو ما خلت منه التعريفات الأخرى ) .

 

المبحث الثاني : الفرق بين الثقافة والعلم والحضارة والمدنية :

المطلب الأول :- الفرق بين الثقافة والعلم :

  قبل الخوض في الفرق بينهما لابد من تعريف العلم في اللغة والاصطلاح : قال صاحب تاج العروس قال الراغب العلم إدراك الشئ بحقيقته وذلك ضربان إدراك ذات الشئ والثاني الحكم على الشئ بوجود شئ هو موجود له أو نفي شئ هو منفي عنه فالأول هو المتعدي إلى مفعول واحد نحو قوله تعالى : ( لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ )[16] والثاني إلى مفعولين نحو قوله تعالى : ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ )[17] قال والعلم من وجه ضربان نظري وعملي فالنظري ما إذا علم فقد كمل نحو العلم بموجودات العالم والعملي ما لا يتم إلا بأن يعلم كالعلم بالعبادات ومن وجه آخر ضربان عقلي وسمعي انتهى وقال المناوي في التوقيف العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع أو هو صفة توجب تمييز ألا يحتمل النقيض أو هو حصول صورة الشئ في العقل والأول أخص   وفي البصائر المعرفة إدراك الشئ بتفكر وتدبر لأثره وهى أخص من العلم والفرق بينها وبين العلم من وجوه لفظا ومعنى أما اللفظ ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد وفعل العلم يقتضى مفعولين وإذا وقع على مفعول كان بمعنى المعرفة وأما من جهة المعنى فمن وجوه أحدها إن المعرفة تتعلق بذات الشئ والعلم يتعلق بأحواله والثاني أن المعرفة   في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه فإذا أدركه قيل عرفه بخلاف العلم فالمعرفة نسبة الذكر النفسي وهو حضور ما كان غائباً عن الذاكر ولهذا كان ضدها الإنكار وضد العلم الجهل والثالث أن المعرفة علم لعين الشئ مفصلا عما سواه بخلاف العلم فانه قد يتعلق بالشئ مجملاً ولهم فروق أخر غير ما ذكرنا وقوله ( وعلم هو     في نفسه ) هكذا في سائر النسخ وصريحه أنه كسمع لأنه لم يضبطه فهو كالأول وعليه مشى شيخنا في حاشيته فانه قال وانه يتعدى بنفسه في المعنيين الأولين والصواب أنه من حد كرم كما هو في المحكم و نصه وعلم هو نفسه وسيأتي ما يدل عليه من كلام ابن جني قريباً ( ورجل عالم وعليم جمعه علماء ) فيهما جميعا قال سيبويه يقول علماء من لا يقول إلا عالماً قال ابن جني لما أن العلم قد يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنه غريزة ولم يكن على أول دخوله فيه ولو كان كذلك لكان متعلما لا عالما فلما خرج بالغريزة إلى باب فعل صار عالم في المعنى كعليم فكسر تكسيره ثم حملوا عليه ضده فقالوا جهلاء كعلماء وصار علماء كحلماء لان العلم محلمة لصاحبه وعلى ذلك جاء عنهم فاحش وفحشاء لما كان الفحش من ضروب الجهل ونقيضاً للحلم فتأمل ذلك قال ابن برى ويقال في جمع عالم ( علام ) أيضا ( كجهال ) في جاهل قال يزيد بن الحكم ومسترق القصائد والمضاهي ، سواء عند علام الرجال ( وعلمه العلم تعليماً وعلاماً ككذاب ) فتعلم وليس التشديد هنا للتكثير كما قاله الجوهري ( وأعلمه إياه فتعلمه ) وهو صريح في أن التعليم والإعلام شئ واحد وفرق سيبويه بينهما فقال علمت كأذنت وأعلمت كآذنت وقال الراغب إلا أن الإعلام اختص بما كان .[18]  

وفى الإصطلاح : يطلق العلم ويراد به واحد من اثنين :

- التصديق الجازم ، المطابق للواقع الناشئ عن دليل ، وذلك كالعلوم التطبيقية مثل الفيزياء والكيمياء وعلوم الطب والهندسة والصيدلة لأن نتائجها قطعية .

- صيغة ينكشف بها المطلوب إنكشافاً تاماً ( إدراك الشئ على حقيقته ) .

أ/ إذا تأملنا تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح – كما مر معنا – وتعريف العلم نستطيع القول : أن هناك فرقاً كبيراً بين الثقافة والعلم . فالأخير ليس هو الثقافة فقد نجد عالماً وصل أعلى درجات العلم في العلوم الكونية ( كيمياء ، فيزياء ....... الخ ) وفى ذات الوقت فهو جاهل بكل العلوم الإنسانية الأخرى من لغة وتاريخ وأدب وسياسة . فهذا لا نسميه مثقفاً بل عالماً .

ب/ الثقافة لا تندرج تحت العلم لأن النتائج فيها غير قطعية وتختلف من مكان      إلى آخر ومن شعب إلى شعب ومن دين إلى دين .

ج/ إن العلم عالمي بطبيعته يتلقى مع كل أمة وكل مجتمع بينما الثقافة خاصة بكل أمة بعينها .

د/ تعتمد الثقافة على التنوع والشمول وعدم الانحصار في مجال معين من مجالات الفكر والمعرفة في الوقت الذي يتجه فيه العلم إلى التخصص ، بل أحياناً يمكن أن يحصر العالم مجال بحثه في جزئية صغيرة من جزئيات العلم لا يكاد يغادرها إلى سواها .

المطلب الثاني : العلاقة بين الثقافة والحضارة :

  سبق التعريف بالثقافة والحضارة في اللغة والاصطلاح وانطلاقاً من التعريفات السابقة نستطيع القول أن العلاقة بين الثقافة والحضارة تكون على النحو التالي :-

أ/ هناك من يرى أن الحضارة والثقافة شئ واحد وأن العلاقة بينهما علاقة تطابق وتلازم .

ب/ إن الثقافة والحضارة مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً . لأن ثقافة كل أمة هي أساس حضارتها .

ج/ الحضارة شاملة لكل ما أنتجه عقل الإنسان من أمور مادية أو معنوية وعلى ذلك فالحضارة كل والثقافة جزء .

د/ هناك من يرى أن الحضارة قاصرة على النواحي والجوانب المادية من صناعات وابتكارات ومخترعات وغير ذلك . بينما الثقافة قاصرة على النواحي المعنوية   والعقدية .

 

 

 

 

المطلب الثالث :العلاقة بين الثقافة والمدنية والحضارة :

  قبل الحديث عن تلك العلاقة لابد من تعريف المدنية اصطلاحاً . وقد سبق أن عرفناها لغة .

المدنية اصطلاحاً :

  لقد عرفها بعض العلماء بأنها : التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال سيطرته على الطبيعة .

  وعرفها آخرون بأنها : مظاهر العمران والتقدم المادي والعلمي وهي الأشكال المادية التي تنتج عن الحضارات أو العلم .

  وإذا قارنا بين التعريفين نجد أن هناك تقارباً كبيراً بينهما وأرى أن التعريف الأول هو الأقرب إلى التعريف الراجح ولكن لفظ سيطرته على الطبيعة لفظ فيه شئ من الغموض والدلالة غير الواضحة .

  ويمكن أن يستقيم إذا غيرنا تلك الكلمة ( سيطرته ) إلى استعماره للطبيعة فيصبح التعريف الاصطلاحي للمدنية هو :-

  التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال استعماره للطبيعة .

  بعد أن وقفنا على المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المدنية . وسبق أن عرفنا الثقافة والحضارة . فيمكننا الآن تناول العلاقة بين الثقافة والمدنية والحضارة .

  إن المتأمل للتعريفات آنفة الذكر يجد أن هناك ارتبطاً وثيقاً بين المصطلحات الثلاثة  فالمدنية تستخدم في عملية التعبير عن التطور المادي والتقني وكل ما يتصل برفاه الإنسان . أما الثقافة قد تستعمل للتعبير عن التطور المعنوي في السلوك ونمط الحياة وأما الحضارة . فهي تستعمل في الجانبين المادي والمعنوي وبالتالي لا يمكن أن تستغني المدنية عن الثقافة والحضارة ولا العكس .

  وفى هذا الصدد يقول محمد حسين : ( الحضارة أعم من الثقافة التي تطلق على الجانب الروحي أو الفكري فقط في حين تشمل الحضارة الجانبين الروحي والمادي والفكري والصناعي ) .[19]

وفرّق بعضهم بين المدنية والحضارة بما يلي :

  تتحقق المدنية بالرقي المادي فقط أما الحضارة فتحتاج إلى الرقي المعنوي أيضاً .  تقاس درجة المدنية بموضوعات محددة ومحسوسة أما الحضارة فيتعذر قياسها بسهولة لاشتمالها على قضايا معنوية .

  قد تكون المدنية مقدمة للدخول في ( حضارة جديدة إذا صاحبها تطور معنوي وفى ذات الوقت تكون هي مقدمة لسقوط الحضارة إذا فقدت التطور المعنوي ) .  

ويمكن أن نفرق بين المدنية والثقافة من عدة جوانب أبرزها :-

أ. إن الثقافة تشمل الجانب المعنوي فقط بينما المدنية تشمل الجانب المادي فقط . وشتان ما بين ما هو مادي صرف ومعنوي خالص .

ب. يمكن قياس المدنية لاعتمادها على الجانب المادي الذي يسهل ويتيسر قياسه بينما يتعذر ويصعب قياس الثقافة لاعتمادها على الجانب المعنوي الذي يصعب ويتعذر قياسه .

ج. تتحقق المدنية بالرقي المادي والتقني . بينما تتحقق الثقافة بالجانب  المعنوي .

 

 

 

 

 

المبحث الثالث : التعريف بالثقافة والحضارة الإسلامية وأهمية دراستهما :

المطلب الأول : التعريف بالثقافة الإسلامية :

  لا يوجد تعريف واحد متفق عليه بل هناك عدة تعريفات نذكر منها :

1/ طريقة الحياة التي يحياها المسلمون في جميع مجالات حياتهم وفقاً للإسلام وتصوراته .

2/ الصورة الحية للأمة الإسلامية .

3/ مجموعة الصفات والخصائص النفسية والعقلية والفكرية والخلقية والسلوكية التي تتميز بها الشخصية الإسلامية ، المكتسبة من معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة  ومقومات الدين الإسلامي ، والمستفادة من القرآن الكريم ، والسنة النبوية الصحيحة واجتهادات العلماء والمفكرين ، والمتفاعلة مع واقعنا المعاصر تأثيراً وتأثراً ) .

4/ هي مجموعة العقائد والأفكار التي تصدر عن الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والقيم والآداب ، والأخلاق المنبثقة منهما والتي يجب أن تهيمن على حياة المسلم هيمنة كاملة وتصبغ حياته بصبغة الله تعالى .[20]

5/ معرفة التحديات المعاصرة المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين .[21]         

  ولما كان من الصعب استقصاء كل التعريفات الخاصة بالثقافة الإسلامية نكتفي بالتعريفات آنفة الذكر . ولسنا في مقام الانتصار لتعريف على آخر ولكن نكتفي بالإشارة إلى أن التعريف الرابع الصادر عن ندوة الثقافة الإسلامية في كوالمبور هو التعريف الراجح – في تقديري  – لأنه أشار إلى جميع جوانب الثقافة الإسلامية هذا إلى جانب كونه صادر عن جهة علمية منبثقة عن ندوة عالمية خاصة بالثقافة الإسلامية .

 

 

المطلب الثاني :- التعريف بالحضارة الإسلامية :

  مثلما أختلف العلماء في تعريف الثقافة الإسلامية اختلفوا كذلك في تعريف الحضارة الإسلامية نذكر منها :

1- ما قدمه الإسلام للمجتمع البشري من قيم ومبادئ وقواعد ترفع من شأنه وتمكنه من التقدم في الجانب المادي والمعنوي وتيسير الحياة للإنسان .

2- ما قدمه المجتمع الإسلامي للمجتمع البشرى من قيم ومبادئ في الجوانب الروحية والأخلاقية فضلاً عما قدمه من منجزات واكتشافات واختراعات في الجوانب التطبيقية والتنظيمية .

3- كل ما تم إنجازه على يد المسلمين إبان القرون الأولى التي ساد فيها الإسلام      في جميع المجالات الحيوية سياسياً واقتصادياً وعلمياً وتقنياً .[22]

4- مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة التي جاء بها الإسلام ، وصاغ بها ما عرف    في التاريخ بالمجتمع الإسلامي .[23]

5- ما وصل إليه المسلمون من تقدم في مجالات العمران والطب والرياضة ونظائرها من العلوم التجريبية .[24]  

  إذا دققنا النظر في التعريفات السابقة نجد أن بينها شيئاً من التقارب وبعضها يصل      إلى درجة التطابق . فالتعريف الثاني والثالث والخامس تسند الحضارة الإسلامية          إلى المجتمع الإسلامي وهذا في اعتقادي يجانب الصواب فالحضارة الإسلامية لا تنسب    إلى المسلمين أو المجتمع المسلم وإنما يجب نسبتها إلى الإسلام . وهو الصواب               – في اعتقادي – عليه فالتعريف الأول هو التعريف الراجح لأنه أشمل وأعم من التعريف الرابع . وتفرد عن باقي التعريفات في نسبة الحضارة الإسلامية إلى الإسلام وهذا ما خلت منه التعريفات ( الثاني والثالث والخامس ) . فقط تنقصه الإشارة إلى الموروثات من الأمم الأخرى فيمكن أن تضاف إليه كلمة واقره فقط . فيصبح التعريف الراجح هو : ما قدمه وأقره الإسلام للمجتمع البشري من قيم ومبادئ وقواعد ترفع من شأنه وتمكنه من التقدم في الجانب المادي والمعنوي وتيسير الحياة للإنسان . 

المطلب الثالث :- أهمية دراسة الثقافة الإسلامية :-

  مما لاشك فيه أن دراسة أي علم من العلوم يؤدي إلى تزود الفرد بالمعرفة التي تقود إلى تنمية مداركه وسعة علمه وصقل مواهبه وزيادة حصيلته العلمية ، بالحصول على معارف وحقائق علمية لم تكن معروفة لديه من قبل . وما الثقافة الإسلامية إلا علم من تلك العلوم التي يحتاجها المسلم لتحقيق جملة أمور من أبرزها :-

1- إن دراسة الثقافة الإسلامية ترفع قدر ومنزلة من يتمسكوا بها ويلتزموا بمبادئها المنطلقة والمنبثقة من القرآن الكريم والسنة المطهرة . لذا لما كانت الأمة الإسلامية متمسكة بثقافتها ومحافظة عليها أعزها الله ، وجعلها أمة قائدة ورائدة .

2- إن دراسة الثقافة الإسلامية تنمي ذخيرة الفرد المسلم المعرفية ، وتجعله يقف على عظم ما عنده من موروث أصيل صافي المصدر . فيحس حينها بالتميز والتفرد الذي     لا يشاركه فيه أصحاب الثقافات الأخرى .

3- إن دراسة الثقافة الإسلامية تجدد للمسلم نظام الحياة داخل مجتمعه الإسلامي . وتحثه على الالتزام بعادات وتقاليد وتراث الأمة .

4- إن دراسة الثقافة الإسلامية تربط المسلم بماضيه التليد وحاضره المعاش وتضع     له معالم مستقبله الزاهي .

5- الثقافة الإسلامية توجه العقل الوجهة السليمة وترشده إلى التدبر والتأمل في ملكوت الله عز وجل ليدرك أسرار الكون ، وحقائق الحياة ، ويستقل ذلك في عمارة الأرض بما يعود بالخير على مجتمعه خاصة والبشرية عامة .

6- في الثقافة الإسلامية تلبية لمطالب الروح والجسد ، والفرد والمجتمع . فهي       لا تغلب جانب على آخر فينال دارسها التوازن الذي يقوده  إلى صلاح الروح وسلامة الجسد  وفلاح الفرد وإصلاح المجتمع .

7- إن دراسة الثقافة الإسلامية تحدث تأثيراً بالغاً في سلوك وأخلاق ومعاملات الفرد المسلم فيصبح حسن السير والسلوك ، سامي الأخلاق .

8- إن في دراسة الثقافة الإسلامية الراحة النفسية والفكرية ، التي تعصم دارسها من القلق والاضطراب الفكري لارتباطها بذكر الله الذي يجعل القلوب مطمئنة .

المبحث الرابع :- موقف الثقافة والحضارة الإسلامية من الآخر :

المطلب الأول :- موقف الثقافة و الحضارة الإسلامية من الآخر :

  إن موقف الحضارة الإسلامية من الحضارات الأخرى هو منهج التوسط دون إفراط     أو تفريط فهي تعطي وتأخذ ، وتؤثر وتتأثر . فقد أفادت واستفادت من الحضارات الأخرى . يقول بروفيسور عون الشريف قاسم : ( كل تاريخ الإسلام حافل بالتفاعل مع غيره من الحضارات، سواء في ذلك تلك الخارجة عن دائرته بما في ذلك حضارة الغرب إن في صورتها الإغريقية القديمة أو في صورتها الأوربية والأمريكية الحديثة ، أم تلك الدائرة في فلكه كما هو الحال في كل بلاد المسلمين التي تختلف ثقافتها المحلية  باختلاف بيئتها . ولكن المأزق الذي يواجهه الإسلام في الحاضر ، كما  تواجهه كل حضارات العالم القديم ، هو هذه الهجمة الغربية الكاسحة ، التي تسعى إلى نسخ غيرها من الحضارات ، وصب كل الناس في القالب الغربي . فلا بد من مواجهة التحدي بأساليب المعركة الدائرة علمياً وإعلامياً ، وإلا أصبحنا من مخلفات الماضي التي أهملها التاريخ ونسيتها الإنسانية. وبما أن العالمية هي سمة الإسلام الكبرى ، فإن انفتاحه على العالم اقتضى أمرين في تعامله مع البشر في بيئاتهم المتباينة :

-       أولهما الانفتاح على كل الحضارات والثقافات .

-        وثانيهما المرونة والتسامح في التعامل معها .

  أما انفتاحه على كل الحضارات فبارز في استيعابه لكل ما كان معروفا من كتب الأقدمين وعلومهم وفلسفاتهم في المائة سنة الأولى من تاريخه ، إذ انتقلت إليه علوم اليونان والرومان والفرس والهنود إلى جانب ما حفظ من تراث الساميين والمصريين ومن إليهم . وقد تم نقل كل هذه العلوم وإن خالف بعضها أسس الإسلام وتعاليمه.

  وكان هذا الانفتاح على أوسع مداه حين انتقل الإسلام من جزيرة العرب إلى غيرها من الأمصار أولا وإلى كل بلاد المسلمين فيما بعد ، ولم يشترط في التعامل مع موروثات الأمم إلا أمرين ، عدم مصادمتها لوحدانية الله في المقام الأول ، والتزامها بكرامة الإنسان وعدم الإضرار بحياته أو صحته في المقام الثاني . فنفى كل مظاهر الوثنية والشرك ، وألغى كل الممارسات والطقوس المهلكة للحياة أو الضارة بالصحة ، مثل القرابين البشرية ، وعروس النيل ، وتشويه الأجساد وما إلى ذلك مما كان مألوفاً      في بعض الأمم . وما عدا ذلك فقد كان انفتاحه على تراث الأمم غامرا وفاعلا ، إذ استوعب في إطاره العام كل القيم الحية الباقية من الحضارات القديمة ، وفعل ذلك   في يسر وتؤدة ومرونة وتسامح . فكان يتسرب في حياة الأمم يعدّل ويبدّل ويأخذ خير  ما عند الناس ويضيفه إلى حصيلته ويرتقي به من نطاق المحلية الضيق إلى رحابة الإسلام وعالميته ، ويصبح كلٌّ جزءاً من الإسلام .

  وبذلك يأخذ المسلم في إطار إسلامه كل قيم تاريخه الفاعلة ، نافياً كل ما يصادم  قيم الإسلام في وحدانية الله وكرامة الإنسان . فيصبح المصري المسلم مثلا قد أخذ في إطار إسلامه كل تاريخ أمته الذي اكتسب بفعالية الإسلام حيوية جديدة ، جعل من التاريخ حياة معاشة في إطار عالمية الإسلام . وبذلك لا  يفقد المسلم بإسلامه أصالة أمته ولا تاريخها بل يكتسب كل ذلك حياة جديدة .[25]

  ويقول عماد الدين خليل : لقد كانت الحضارة الإسلامية قادرة على الاستجابة للتحديات ، لا تنكمش دونها ولا تهرب إزاءها ، بل تقابلها عبر مواجهة حوارية : تخبرها جيدا ،تفككها إلى عناصرها الأولية ،تمتحن هذه العناصر ، تحيلها          إلى تكوينها الإسلامي وبنيتها المستمدة من الوحي والوجود معا ، فتأخذ ما يتلاءم مع هذا التكوين وتمنحه القدرة على النمو والامتداد ، وترفض وتبعد ، وتستثني ما يعرقل حركة النمو ويضع في طريقها العوائق والعثرات . إن تاريخ الحضارة الإسلامية        هو تاريخ حوار إيجابي فعال مع الحضارات الأخرى . . تاريخ سلسلة من التحديات والاستجابات . وقد كانت هذه الحضارة قديرة ، في معظم الأحيان ، على تنويع أنماط الاستجابة بأكبر قدر من التكيف والمرونة ، واحتواء العناصر الإيجابية لدى الغير . . هضمها وتمثلها ، وتحويلها إلى مادة بنائية في صيرورة الحضارة الإسلامية تعين على النمو ، والتنوع ، والغنى ، والامتداد ) .[26]

  ومن الأمثلة التي أوردها محمد عمارة على انفتاح الحضارة الإسلامية :

1- انفتح المسلمون على الحضارة الإغريقية والرومانية.. لكنهم أخذوا تدوين الدواوين  ولم يأخذوا شريعة الرومان وقانونهم .. وأخذوا العلوم الطبيعية , دون الإلهيات  والآداب .

2- وانفتح أسلافنا على الحضارة الفارسية.. لكنهم أخذوا ( التراتيب الإدارية ) , دون المذاهب الفارسية.

3- وانفتح أسلافنا على الحضارة الهندية .. لكنهم أخذوا حسابها وفلكها , دون فلسفتها . .

4- عندما انفتحت الحضارة الغربية على حضارتنا الإسلامية, أخذوا عنا ما هو مشترك إنساني عام – من المنهج التجريبي . . إلى العلوم الطبيعية - ولم يأخذوا التوحيد الإسلامي, ولا الوسطية الإسلامية, ولا المثل والمقاصد والأخلاقيات .[27]

 

المطلب الثاني : موقف الحضارة الغربية من الآخر :

  إن موقف الحضارة الغربية من الحضارة الإسلامية مغاير تماماً لموقف الحضارة الإسلامية ونحن لا نقول ذلك جزافاً بل من الواقع وسنضرب أمثلة على ذلك ولعل خير من تناول هذه الجزئية البروفيسور / عون الشريف قاسم حيث قال : ( هذا التاريخ الحافل بالمآثر والمكرمات في مجال تفاعل الإسلام مع غيره من الشعوب والحضارات يقابله تاريخ آخر يعرض نموذجا مختلفا من التعامل مع الشعوب والحضارات والثقافات وهو تاريخ الحضارة الغربية المعاصرة . ومن الملاحظة أنه حيثما حلت هذه الحضارة في مكان لا ترضى بغيرها بديلا ، ولا تكتفي بالتفاعل والحلول محل ما ألغت والسعي لتغيير كل مظاهر الحياة الفردية والجماعية روحيا وثقافيا واجتماعياً لتصبح غربية شكلا وموضوعا إن أمكن ذلك . وتضيف في شكلها الأنجلوسكسوني إلى ذلك إلغاء البشر إن أمكن ذلك والحلول محلهم ، مثل ما حدث في أمريكا الشمالية مع الهنود الحمر  ومع السكان الأصليين في أستراليا الذين أبيدوا ولم يبق منهم سوى بعض العشائر التي حفظت في زرائب ، ولا يظهرون عادة إلا في أفلام رعاة البقر وفتوحات الغرب الأمريكي . وما حدث في أفريقيا فمعلوم ، إذ أن الأفارقة كانوا من الكثرة بحيث استعصوا على الإبادة العرقية ، فكان أن اتجه المستعمرون الإنجليز ورصفاؤهم الهولنديون المعروفون بالبوير إلى العزل العنصري ، بأن أقاموا دويلات بيضاء في جنوب أفريقيا وروديسيا الشمالية والجنوبية وحصروا عليهم الاختلاط بالسادة البيض حتى قريب من زماننا هذا . ورغم الاختلاف في السياسات المتبعة نحو الأمم المستعمرة ، ما بين تطرف في حمل الأمم المغلوبة على الفرنسة والتغريب عند الفرنسيين ، وأناة وتدرج في ذلك عند الإنجليز مثلا ، فإن الاتجاه العام لدى الجميع هو حمل الناس على التغريب وإلغاء الثقافات الوطنية وإهمالها ومحاربتها في معظم الأحوال .

  وأبرز نموذج في السودان بعد الاحتلال الثنائي ، فقد كان من الممكن الاستفادة من التعليم الإسلامي الراسخ الجذور وتطويره بقيم تراثهم ، موصول الأسباب بمستجدات الحاضر . ولكن عداء الغرب للإسلام وضع حدا لهذا التطور الطبيعي الذي بدأ بالفعل في مصر والشام والدولة العثمانية حيث بدأت النهضة العربية في القرن الثامن عشر  وبدأ المصلحون من المسلمين في المزاوجة العضوية بين الموروث الإسلامي وعلوم الغرب  بحيث كانت العلوم بما فيها الطب على عهد محمد علي ، تدرس باللغة العربية حتى عام 1883م حين أوقف الإنجليز هذا التطور ، وغيروا لغة التدريس إلى الإنجليزية .

  ولم يكتفوا بتغيير السياسة التعليمية وإنشاء تعليم أوروبي مواز للتعليم الإسلامي الذي أهملوه وحاربوه ، وناصبوا خريجيه العداء ، بل أضافوا إلى ذلك ضرب القاعدة التي أنشأها محمد علي ، فأغلقوا كثيراً من المصانع المنتجة لصبغة النيلة والأقمشة وما إليها فعطلوا بذلك نهضة مصر الصناعية ، التي بدأت قبل نهضة الغرب بما يقرب من الأربعين عاما ، إذ بدأ محمد علي في عشرينيات 1820هجرية بينما بدأت النهضة اليابانية في عهد الميجي حوالي 1860م . ونقل الإنجليز نفس سياسة دنلوب في التعليم من مصر إلى السودان فأهملوا قاعدة التعليم الإسلامي وهي الخلوة ، وأقاموا نظاما جديدا لا يهتم بعلوم الإسلام إلاّ في أضيق الحدود ، ونجم عن ذلك الثنائية المعروفة بين تعليم ديني بقى على حاله لا يتصل بحياة العصر إلا في الحدود وبين تعليم حديث علماني متصل بالخدمات وأجهزة الدولة غير متأثر بتوجهات الإسلام إلا من حيث أن متلقيه من المسلمين ، ولا بد أن يعبروا عن إسلامهم الموروث في شكل من الأشكال .

  وقد كان هذا أقصى ما في استطاعة الاستعمار الإنجليزي في شمال السودان ، حيث الغالبية العظمى مسلمون .

  أما في المناطق الأخرى من السودان ، حيث يقل المسلمون ويكثر غيرهم ، فقد كانت سياستهم هي الفرض والإملاء ، وقمع كل ثقافة أو حضارة منافسة ، مما عرف بسياسة المناطق المقفولة ، حيث منعوا دخول جبال النوبة ومناطق الانقسنا ، وفرضوا منذ أواخر العشرينيات ما عرف بالسياسة الجنوبية في جنوب السودان . وهدفها اجتثاث الإسلام والعربية في الجنوب ، إذ تم ترحيل المجموعات المسلمة في مناطق التماس مع كردفان إلى مناطق أخرى وخاصة منطقة القضارف وكسلا ( ومعظم هؤلاء من الفلانيين )   وعدلوا الحدود في منطقة كاجو كاجي ليبعدوا الأثر العربي والإسلامي من الجنوب .

  وحرموا صلاة الجماعة على من بقي من المسلمين ، وساعدوا على إدخال التجار المسيحيين من الشوام والإغريق المنافسة الجلابة المسلمين . أما فيما يتعلق بالجنوبيين  فقد حرموا عليهم لبس الزي العربي ، وفرضوا عليهم الزي الأوروبي ، وحرموا عليهم اتخاذ الأسماء العربية ، ومن كان يحمل اسماً عربياً فعليه تبديله باسم أوروبي        أو جنوبي ، ومن رفض ذلك أعطوه رقما بديل اسمه حتى ينصاع ولا تستخدم اللغة العربية في المخاطبة وفي الكتابة الرسمية ، وأطلقوا للإرساليات المسيحية الإشراف على التعليم بإعانات من الدولة . واستمرت هذه السياسة حتى الحرب العالمية الثانية حين تبين لهم خطأ خطتهم وعدم جدواها ، فبدأوا منذ عام 1946م إلغاءها ورفع الحظر عن اللغة العربية والإسلام في الجنوب ، بعد أن زرعوا بذور الشقاق والعداء بين أبناء الوطن الواحد .

  وهذا العداء للإسلام من قبل الحضارة الغربية قديم قدم الإسلام ، إذ لم ينس الغرب أن الإسلام اقتطع معظم أراضي الدولة الرومانية البيزنطية في الشام وتركيا ومصر والمغرب ، وغزاهم في عقر دراهم حين استولى على الأندلس وصقلية ومالطة .

  ولذلك سرعان ما انتهز الغربيون فرصة التمزق التي ألمت بالمسلمين في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ، وشنوا حروبهم الصليبية ، التي انتهت باحتلال الشام وفلسطين وإقامة عدد من الدويلات اللاتينية ، التي استمرت لما يقارب من مائتي عام ولم تنته سطوتهم إلا على يد صلاح الدين الذي حرر القدس من تسلطهم . وبعد أن تمكنوا من طرد المسلمين من الأندلس عام 1492م ، واستوعبوا كل معارفهم ، وبنوا عليها نهضتهم الجديدة ، ظلوا يعملون في دأب لأكثر من ثلاثة قرون لمحاصرة المسلمين برا وبحرا بالسيطرة على طرق التجارة العالمية التي كانت في أيدي المسلمين أولا ، ثم الانقضاض على بلاد المسلمين من قبل المستعمرين البرتغاليين والفرنسيين والهولنديين والبلجيك والإنجليز والروس وغيرهم من الأوربيين ، حتى سقط معظم العالم الإسلامي في أيديهم . وشرعوا في رسم مخططاتهم لعزل المسلمين عن دينهم ، بإحلال قوانينهم محل الشريعة ، وفرض لغاتهم في التدريس والعمل الرسمي بدل العربية ، وغيروا     ما يقرب من مائة لغة إسلامية  من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني . ومكنوا لزيهم الأوروبي بدل أزياء المسلمين القومية ، ونقلوا إلى المسلمين أفكارهم عن فصل الدين عن الدولة والمجتمع ، النابعة من تاريخ المسيحية ، والتي لا علاقة لها بالإسلام الذي يتصل فيه الدين بالدنيا إتصالاً عضوياً قد يتميز فيه الدين عن الممارسة السياسية  ولكنه لا ينفصل عنها . مهما زعم الغربيون بأنهم لا يكنون للإسلام عداء ، فإن واقع الحال يوحي بغير ذلك . فقد كان الإسلام وما يزال هو الحضارة الحية التي تصدت للغزو الغربي لما يقرب من الألف عام ، في حين أن معظم حضارات العالم القديم قد فقدت حيويتها أو تحنطت ، ولم تعد تشكل خطرا على الحضارة الغربية . والغرب المنفصم بين الدين والدنيا ، يدرك أن الإسلام المتصل دينا ودنيا يضع أمام الإنسانية نموذجا في تكافل الشخصية الإنسانية القائم على الانسجام والتوازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح ، مما لا تستطيع الحضارة الغربية الآحادية النظرية أن تقدمه  في زمان تحتاج فيه الروح الإنسانية إلى تكامل كل قواها الروحية والمعنوية والمادية لمواجهة مخاطر التطور في هذه المراحل المتقدمة من جهد الإنسان المركز على        العلم والتقنية العالية ، وقد أدرك ذلك كثير من مفكريهم الذين اتخذوا الإسلام        دنيا ) .[28]

 

 

 

 

المبحث الخامس : مصادر وخصائص الثقافة الإسلامية :

  يمكن حصر مصادر الحضارة والثقافة الإسلامية في مصدرين تدرج تحت كل واحد منها عدة مصادر فرعية كما يبينها الشكل الآتي :-

 

مصادر الثقافة الإسلامية

 

المصادر الإنسانية والمعرفية

 

المصادر الشرعية

القياس

القرآن

الكريم

السنة

المطهرة

الإجماع

السيرة

الخبرات الإنسانية

اللغة 

العربية

التاريخ الإسلامي

رسم توضيحي رقم (1)

وسوف نتناول كل مصدر من هذه المصادر كل على حدةٍ .

المطلب الأول : المصادر الشرعية :

أولاً : القرآن الكريم :

  هو : ( هو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه والمنقول إلينا بالتواتر ) وزاد بعضهم ( المعجز أو المتحدى بأقصر سورة منه أو المتعبد بتلاوته أو المكتوب بين دفتي المصحف أو المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة   الناس ) .[29]

  يعد القرآن الكريم المصدر الأساسي والرئيس للثقافة الإسلامية ولقد تعهد الله بحفظه إلى قيام الساعة قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .[30]

  وهذا الحفظ بمثابة بقاء ودوام الثقافة الإسلامية فهي باقية ومستمرة ، ما بقي القرآن وهذا ما سنتناوله في خصائص الثقافة الإسلامية في المطلب الثاني – بعون الله – أضف إلى ذلك أن القرآن حوى التشريعات والعبادات والمعاملات والأخلاق والتي بدورها تصبغ الثقافة الإسلامية بصبغة الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من  خلفه . وهذه الخاصية تعد سمة وعلامة تميز الثقافة الإسلامية عن سواها .

ثانياً : السنة المطهرة :

  ( هي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خُلقي أو خلقي ) .[31]

  تعد السنة هي المصدر الثاني من مصادر الثقافة الإسلامية ومن تعريف السنة آنف الذكر نستطيع القول أن هذا المصدر يضيف للثقافة الإسلامية بعداً آخر من الاستمرارية والتفرد لأن صاحب السنة صلى الله عليه وسلم قال فيه ربه : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) .[32]

  فالسنة شارحة وموضحة للقرآن الكريم ومبينة لمجمله ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعامه ومن هنا تزداد خصوصية هذه الثقافة عن سواها من الثقافات الأخرى . لأن جميع الأنبياء والرسل السابقين من اليهود والنصارى قد ضاعت سنتهم ولم يبق منها إلاّ النذر اليسير وحتى هذا النذر لا يمكن نسبته إليهم يقيناً . بخلاف سنة سيد الأولين والآخرين الذي حُفظت سنته ودونت بطريقة علمية دقيقة ومضبوطة – فهي محفوظة في السطور والصدور .

ثالثاً : السيرة النبوية العطرة :

  تعد السيرة المصدر الثالث من مصادر الثقافة الإسلامية وعددناها من مصادر الشريعة لارتباطها الوثيق واللصيق بالقرآن الكريم والسنة . فالسيرة هي قصة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته هي التطبيق العملي لما جاء به القرآن والسنة . فأخلاقه وشمائله وتعامله مع من حوله من أصحابه ، وأهل بيته وجيرانه ، وتعامله حتى مع أعدائه كلها أمور في غاية الأهمية والخصوصية التي بدورها تكسب الثقافة الإسلامية بُعداً آخر يزيد من تميزها وتفردها عن الثقافات الأخرى . التي ضاعت واندثرت سيرة رسلها وأنبيائها .

رابعاً : الإجماع :

  عرّفه الغزالي بأنه : ( اتفاق أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية ) .[33]

  يُعد الإجماع مصدراً من مصادر التشريع كما أنه مصدر من مصادر الثقافة الإسلامية . وقد وردت الكثير من الحوادث التي لم ترد فيها أحكاماً صريحةً في القرآن والسنة فكان للصحابة ومن تبعهم موقف منها . وما اتفقوا عليه من أحكام أصبح جزءً من الشريعة الإسلامية ومكوناً من مكونات الثقافة الإسلامية .

خامساً : القياس :

  قال القاضي أبو بكر ( القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما ) .[34]

  يعد القياس من مصادر التشريع وبالتالي فهو مصدر من مصادر الثقافة الإسلامية وفيه إشارة إلى خاصية المرونة التي سنشير إليها في المطلب الثاني من هذا البحث . والقياس بهذا التعريف يعد مكوناً من مكونات الثقافة الإسلامية ، لما فيه من إعمال الفكر وهذا بدوره يضيف ميزة أخرى للثقافة الإسلامية تتفرد بها عن باقي الثقافات التي لا يوجد فيها مثل هذا المصدر .

 

المطلب الثاني : المصادر الإنسانية والمعرفية :

  بعد أن تناولنا في المطلب الأول المصادر الشرعية سنتطرق في هذا المطلب إلى المصادر الإنسانية والمعرفية والتي تتمثل في التاريخ الإسلامي واللغة العربية ، والخبرات الإنسانية . وسوف نتناول كل واحدة على حدة .

أولاً : التاريخ الإسلامي :

  لا ريب أن التاريخ الإسلامي من المصادر الإنسانية الأساسية للثقافة الإسلامية ، فهو ميدان واسع ورحب ملئ بالأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمثل معيناً لا ينضب للثقافة الإسلامية . لأنه بمثابة السجل لمسار الأمة الإسلامية استقامة وانحرافاً ، صواباً وخطأً ، ايجابيات وسلبيات .

  إن حاضر الثقافة الإسلامية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بماضيها ، ولا يمكن سبر غور الثقافة الإسلامية إلاّ بدراسة تاريخها وماضيها . وذلك لمعالجة خلل الحاضر وأخذ الدروس والعبر من الماضي حتى لا يتكرر الخطأ وبالتالي يمكن أن نضع الخطط للمستقبل على ضوء دراسة الحاضر مقروناً بالماضي . ومن هنا تظهر أهمية التاريخ الإسلامي كمصدر من مصادر الثقافة الإسلامية .

ثانياً : اللغة العربية :

  إن اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .[35]      وهي لغة التشريع الإسلامي والتي بدونها يستحيل فهم النصوص ومعرفة المراد سواء كانت النصوص من القرآن أو السنة . فبدونها لا اجتهاد ولا قياس كما أن اللغة العربية هي لغة العلم عند الأمة العربية فكل ميراثنا العلمي والثقافي مصاغ بهذه اللغة فالأدب والشعر والنثر كتبت بالعربية .

  فاللغة العربية للمصادر الإنسانية والمعرفية بمثابة القلب من الجسد ، فبصلاحها تصلح الثقافة وبفسادها تفسد وتذبل وتضمحل . وبناءً على ذلك يمكننا القول إن اللغة العربية تعد مصدراً  هاماً من مصادر الثقافة الإسلامية .

ثالثاً : الخبرات والقيم الإنسانية :

  لم يأت الإسلام ليلغي الآخر بل جاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق ، فعن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت لأتمم حسن الأخلاق : وفي رواية صالح الأخلاق وفي رواية مكارم الأخلاق ) .[36]

  فالإسلام أقر الأخلاق الحسنة والصالحة والكريمة مما كان قبله . فالإسلام استفاد من قيم وأخلاق الأمم الماضية فأقر الصالح منها ونبذ الطالح .

  عليه فيمكن أن تكون الخبرات والقيم الإنسانية سابقاً وحالياً مصدراً من مصادر الثقافة الإسلامية التي حوت قيم وخبرات علمية من أمم آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا . وهي ثقافة منفتحة تأخذ وتعطي وتؤثر وتتأثر بما عند الآخرين ولكن ذلك بشرط ألا يتعارض الأخذ مع مبادئ وقيم وتوجيهات الإسلام .

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثالث : خصائص الثقافة والحضارة الإسلامية  :

 

 

خصائص الثقافة الإسلامية

الشمول

الواقعية

الربانية

الاستمرارية

الدراية بعالم الغيب

التوازن

اتساع آفاقها

الإيجابية

رسم توضيحي رقم (2)

  اختلف العلماء والمفكرون حول خصائص الثقافة الإسلامية فمنهم من توسع         في الخصائص فأوصلها إلى ثلاثة عشر خصيصة .[37]

  ومنهم من حصرها في خمس خصائص فقط ( موسوعة الإخوان المسلمين ) وسوف نحاول في هذا المطلب التوسط بين حامد العلي وموسوعة الإخوان المسلمين وسوف نحاول إثبات أهم وأبرز خصائص الثقافة الإسلامية في الآتي :-

أولاً : الربانية :

  وهي أم الخصائص فالوحي مصدرها الأول وبناء على ذلك فهي ثقافة دائمة قائمة على الحق والصدق فتصور الثقافة الإسلامية للوجود وتقييمها له مستمد من الله الذي أوجد الوجود . وهي بالتالي تحقق حاجات الإنسان . وإن هذه الخاصية تجعل الثقافة الإسلامية سامية المبادئ عظيمة القيمة صحيحة وصائبة . فتجدها منسجمة مع الفطرة موافقة للعلم الصحيح ومنسجمة مع العقل السليم ، خالية من التناقض والتعارض والاضطراب . أضف إلى ذلك يسرها ووضوحها وسهولة استيعابها والتفاعل معها .

ثانياً : الشمول :

  ونعني به استيعاب الثقافة الإسلامية لجميع جوانب الحياة المادي منها والمعنوي . سواء كان ذلك في العبادات أو المعاملات أو الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة .... ألخ . كما أنها شاملة لجميع مراحل عمر الإنسان الطفولة ، والشباب ، والكهولة والشيخوخة . ملبية في ذات الوقت جميع احتياجاته الروحية والجسدية في انسجام تام دون إفراط أو تفريط وهي بالتالي تتفرد عن باقي الثقافات الأخرى التي عادة ما تلبي رغبات الروح متجاهلة الجسد كما هو الحال في بعض ثقافات القارة الآسيوية    أو تلبي رغبات الجسد على حساب الروح كما هو الحال في الثقافة الغربية .

ثالثاً : الإيجابية :

  ونعني بالإيجابية الجد والاجتهاد والكد والعمل . فالثقافة الإسلامية تلزم المسلم بالعمل وتحذره بشدة من التواكل والتخاذل والكسل فعن المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أكل أحد طعاماً قط خير من عمل يده ) .[38]        وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه ) .[39]  وعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه   وسلم : عمال أنفسهم ..................... ) .[40]

  إن الثقافة الإسلامية تشعر الفرد المسلم بأنه مكلف وعليه بذل الجهد والاجتهاد    في طلب الرزق وألاّ يكون عالة على الآخرين ، وتحسه في الوقت ذاته بمسئوليته تجاه نفسه ومن يعول . وبالتالي يعلو ويسمو شأن المسلم في نظره ونظر الآخرين . فيكون عضواً فاعلاً ومتفاعلاً مؤثراً ومتأثراً في المجتمع .

رابعاً : الواقعية :

  ونعني بها إمكانية التطبيق العملي على أرض الواقع ، بخلاف الخيالية فالثقافة الإسلامية بمبادئها وقيمها المستمدة من الوحي قابلة للتطبيق على أرض الواقع لأن التكاليف والأوامر والنواهي جميعها ممكنة التطبيق قال تعالى ( ..... لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ  إِلاَّ وُسْعَهَا ) .[41] وقال تعالى : ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ........ ) .[42]

  عليه فالثقافة الإسلامية ثقافة واقعية يتفاعل فيها المسلم مع التكاليف الشرعية بكل سهولة ويسر لأنها راعت قدراته ووسعه واستطاعته كما أنها راعت الضعف البشري للإنسان فتستوعب ما يصدر عنه من أخطاء وتدله على كيفية معالجتها وعدم العودة إليها ورتب على ذلك عقوبات معنوية ومادية تتناسب مع الخطأ كبيراً وصغيراً .

  أضف إلى ذلك أن الواقعية في الثقافة الإسلامية تحمل المسلم للارتقاء بهمته إلى آفاق عالية سامقة فتجده يجاهد نفسه في حالات ضعفها فيحملها على الأخذ بالعزيمة كما أن الثقافة الإسلامية مليئة بالنماذج العملية الناجحة عبر القرون سواء كانت تلك النماذج لأفراد أو مجموعات وبالتالي فهي حقل طيب يمكن للإنسان أن يقتدي بالنماذج الناصعة في صدر الإسلام وبخاصة سيد الأولين والآخرين وصحبه الأتقياء الأنقياء الذين ضربوا المثل الأعلى في التمسك بالإسلام وتطبيقه واقعاً معاشاً . فأنعم به وبهم من قدوة وأسوة حسنة .

خامساً :- الاستمرارية :

ونعني بها الدوام والخلود وعدم الزوال إلى أن يرث الله الحياة ومن عليها . فهي باقية ما بقي القرآن والسنة – لأن مصادرها محفوظة وتعهد الله بحفظها عن التحريف والتبديل والتغيير . وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند حديثنا عن مصادر الثقافة الإسلامية .

سادساً :- الدراية بعالم الغيب ( ما وراء الطبيعة ) :

  إن من  ابرز خصائص الثقافة الإسلامية درايتها بعالم الغيب – العالم غير المنظور   أو ما وراء الطبيعة – فهي لديها تصورها الكافي عن ذلك العالم بجنه ، وملائكته  وجنته وناره وقبل ذلك الإيمان بالله والقضاء والقدر . وقد بُسط ذلك العالم في صورة يستوعبها العقل ، وتجيب عن كل التساؤلات التي تاه فيها العالم الغربي ، وحار   في أمرها وقصة الرجل الذي انتحر في إحدى دول الغرب ليعرف عالم ما بعد الموت لهى خير دليل وشاهد على ذلك التوهان والحيرة التي يعاني منها أصحاب الثقافات الأخرى . 

سابعاً : التوازن :

  ونعني به الانسجام والتناسق بحيث يأخذ كل جانب حظه ونصيبه دون زيادة      أو نقصان ولا إفراط ولا تفريط قال تعالى (Æ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ      لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) .[43] فالثقافة الإسلامية وازنت بين الدنيا والآخرة كما أن      الثقافة الإسلامية وازنت بين رغبات الروح والجسد فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالّوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له . لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .[44]

  كما أن الثقافة الإسلامية وازنت بين الحقوق والواجبات فعن عون أبى جحيفة عن أبيه قال : ( آخى النبي صلي الله عليه وسلم بين سلمان وأبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها : ما شانك . قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال كل . قال : فإني صائم قال : ما أنا بآكل حتى  تأكل . قال فأكل . فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال . نم فنام . ثم ذهب يقوم فقال . نم فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال له سلمان : إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حقٍ حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق سلمان .[45]

  فالثقافة الإسلامية متوازنة فيما هو مرتبط بالدنيا والآخرة ، وما هو غيب وما هو مشاهد. ومتوازنة بين العمل والعبادة فللعبادة وقتها وللعمل وقته إنها حقاً ثقافة متوازنة ولا تشاركها في ذلك أي ثقافة أخرى .

ثامناً : اتساع آفاقها ( العالمية ) :

  إن ختم الإسلام للأديان ورسالته للرسل تستوجب اتساع آفاق الثقافة الإسلامية  وأنها ثقافة ليست محصورة في جنس معين ، ولا قاصرة على مكان معين فهي تسع جميع الأجناس وتعم جميع الأرض . وقد جسد هذا الاتساع ما قاله ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم : ( الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ) .[46]

  وإذا تأملنا الثقافات الأخرى نجدها محصورة إما في جنس معين فقط دون سواه    كما هو الحال في الثقافة اليهودية . أو قائمة على العنصرية كما هو الحال في الثقافة الأوربية التي يقول عنها رينان الفرنسي : ( جنس واحد يلد السادة والأبطال هو الجنس الأوربي . فإذا ما نزلت بهذا الجنس إلى مستوى الحظائر التي يعمل بها الزنوج والصينيون فإنه يثور ، فكل ثائر عندنا هو بطل لم يتح له ما خلق له ، هو إنسان ينشد حياة البطولة ، فإذا هو مكلف بأعمال لا تتفق وخصائص جنسه .              إن الحياة التي يتمرد عليها عالمنا يسعد بها صيني ، أو فلاح أو كانت لم يخلق لحياتنا ) .[47]  

  كما صنّف هتلر البشر فجعل أمته في المرتبة الأولى وجعل العرب في المرتبة الرابعة عشر ولم يبق وراءهم إلاّ اليهود . وكان شعاره ألمانيا فوق الجميع .

  أما الثقافة الإسلامية ليست ثقافة العرب دون الأفارقة والأوربيين ولا العكس وليست ثقافة الأبيض دون الأسود بل هي ثقافة البشر كل البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .[48]                 

  فالإسلام يقرر أن اختلاف الألوان والأجناس والألسن هو للتعارف والتآلف لا التناحر والتقاتل فالمقياس الوحيد للتفاضل هو التقوى كما أشارت إلى ذلك الآية آنفة الذكر .  فجمعت الثقافة الإسلامية في صدر الإسلام بين سيدنا أبي بكر العربي القرشي وسيدنا بلال الحبشي الأفريقي ، وسيدنا سلمان الفارسي ، وسيدنا صهيب الرومي ، فأصبحوا جميعاً إخوة ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .[49]     

  إنها ثقافة جميع بني البشر قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) .[50] وقال جل شأنه ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .[51]                وقال صلى الله عليه وسلم ( ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) .[52]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

قضايا ثقافية معاصرة

  سنتناول في هذا الفصل عدداً من القضايا الثقافية المعاصرة والتي تتمثل في : المرأة    في التصور الإسلامي ، والهوية الإسلامية ، وتطبيق الشريعة ، والصحوة الإسلامية وعقباتها ، والعولمة ومفاهيم حول الأصولية والتطرف والإرهاب ، والحداثة والمعاصرة   والحريات وحقوق الإنسان والوحدة الإسلامية والمخدرات والإيدز . وسنفرد لكل قضية مطلباً على حدة .

المبحث الأول : المرأة في التصور الإسلامي :-

المطلب الأول : المرأة قبل الإسلام :

  قبل الخوض في الحديث عن المرأة في الإسلام لابد من أن نلقي الضوء على وضع  المرأة قبل الإسلام حتى يتبين لنا كيف كرم وعز الإسلام المرأة فإذا تتبعنا وضع     المرأة  في الأمم غير المتمدنة نجد أن المرأة يجب عليها طاعة الرجل أباً أو كان أخاً    أو زوجاً طاعة مطلقة طوعاً أو كرهاً . وعليها القيام بالأعمال الشاقة . والمرأة في بعض      القبائل إذا وضعت حملها قامت فور ذلك إلى حوائج البيت ، وقام الرجل على فراشها     أياماً .[53] أما في الهند لا يحل لهن الزواج بعد توفي أزواجهن أبداً . وعند الكلدانيين فالمرأة محكوم عليها بتبعيتها لزوجها حتى إنه ليحق له إخراجها من البيت . وكان له أن يغرقها في الماء بتأييد من المحاكم لو أخطأت في تدبير شؤون البيت             أو لجأت إلى التبذير .[54] والمرأة عند الروم فكل أمرها بيد زوجها يفعل بها ما يشاء فربما باعها أو وهبها أو أقرضها للتمتع – وربما دفعها مقابل دين عليه . وعند الإغريق تعاقب بكل جرائمها و لا تثاب إن أحسنت . وفي مصر إذا قلّت مياه النيل اختاروا فتاة من أجمل الفتيات وزينوها وألقوا بها في النيل . وفي أفريقيا تعرض للبيع مثلها مثل الماشية . وفي أستراليا كانت قطعان الماشية أفضل من النساء . وكان قتل المرأة عندهم ليس بذنب كبير  في حين لحد ضرب البقرة الحلوب ذنباً لا يغتفر . وفي إيران كان بعض الناس يتزوجون من المحارم كالأخت  والعمة والخالة . فبهرام الذي عاش في القرن الميلادي السادس تزوج بأخته والسلطان الساساني يزدجر الثاني قد زنى بأخته وقتلها .[55]

  أما المرأة في الجاهلية فحدث ولا حرج فكانت المرأة عندهم لا قيمة لها وكانوا يتشاءمون من البنات وما أورده القرآن خير دليل على ذلك قال تعالى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم ٌ) .[56] وكانت الطفلة تؤد وهي حية ويوارى عليها التراب وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم قال تعالى ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ{8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) .[57]

  هذا باختصار شديد وإيجاز ، وضع المرأة قبل الإسلام . وتبين لنا أنها مهانة ومضطهدة ومهضومة الحقوق . ولا مكانة لها ولا قدر . بل كانت مثل المتاع فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي كرم المرأة وأعطاها المنزلة اللائقة بها وكرمها كإنسان له حقوقه وعليه واجباته وهذا ما سنشير إليه في المطلب الثاني .

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني : حقوق المرأة في الإسلام :-

 

 

حقوق المرأة في الإسلام

الحقوق الإجتماعية

حق التملك

والعمل

حق العبادة

والذكر والأجر

الحقوق السياسية

رسم توضيحي رقم (3)

  لقد أنصف الإسلام المرأة كيف لا وهو من عند الله الذي خلق المرأة ويعلم ما يصلحها وأمر به ويعلم وما يضرها فنهى عنه ، وقرر عليها من الواجبات والحقوق ما يناسب طاقتها وقدرتها وتكوينها وإذا تأملنا نصوص القرآن والسنة ومصادر التشريع الأخرى نجد أن الإسلام قد أعطى المرأة من الحقوق ما لم يعطها أي قانون أو حضارة          أو  مؤسسة . وسوف نوجز هذه الحقوق في الآتي :-

أولاً : حق العبادة والذكر والأجر :-

  لقد أعطى المرأة حق العبادة والذكر تماماً كما أعطى ذلك الرجل قال تعالى ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) .[58]  والآية واضحة الدلالة ولا تحتاج إلى تعليق فعمل الصالحات من حق النساء كما هو  من حق الرجال .

  وقال جل شأنه ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) .[59] تشير الآية إلى أن العمل الصالح الذي تقوم به المرأة مأجورة عليه سواء كان ذلك العمل هجرة أو تعذيب أو أذى في سبيل الله أو جهاداً فمثلها مثل الرجل في الأجر والثواب وكفارة الذنوب ودخول  الجنة .

  وأبرز دليل على إثبات حق العبادة والذكر ما جاء في قوله تعالى ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً )  .[60]

  انظر إلى دقة العبارة وعمقها في الدلالة على إثبات الحق للمرأة : ( المسلمات  المؤمنات  القانتات ، الصادقات ، الصابرات ، الخاشعات ، المتصدقات ، الصائمات   الحافظات  الذاكرات ) ، فالجميع موعودون بالمغفرة والأجر العظيم .

  وثمة نقطة هامة راعاها الإسلام واستثنى فيها المرأة في جانب العبادة رأفة ورحمة بها ومراعاة لطبيعتها مثل الحيض إعفاء من الصلاة طول أيام الحيض ، دون قضاء وإعفاء من الصوم حالة الحمل والوضوع ولكن عليها القضاء .

ثانياً : حق التملك والعمل :-

  وهب الإسلام المرأة حق التملك ، وحق العمل والكسب ، فالمرأة المسلمة البالغة يحق لها إدارة حقوقها والتصرف فيها في حدود الشرع بيعاً وشراءً وهبة وصدقة بغض النظر عن كونها متزوجة أو غير متزوجة .

  كما أجاز الإسلام عمل المرأة طالما كان ذلك العمل مشروعاً مأذوناً به في الشريعة الإسلامية ملتزمة في ذات الوقت بزيها الإسلامي ، ويحرم على المرأة من الأعمال ما يحرم على الرجل ويحرم على المرأة الأعمال التي تعرض فيها جسدها وجمالها كعرض الأزياء ونحوها . وتلك الأعمال التي تؤدي إلى الخلوة بينها وبين الرجل .

  فيمكن للمرأة المسلمة أن تكون أستاذة و طبيبة وممرضة ، وحائكة ، ويمكن أن تعمل في المصانع التي تناسب طبيعتها وتكوينها الجسماني والإشراف على تجارتها وإدارة أعمالها في حدود الضوابط والقيم الإسلامية .

  وهناك نقطة هامة فالمرأة ليس عليها التزام مالي حتى على نفسها فجميع الالتزامات المالية على عاتق الرجال فهم مسؤلون مالياً عن النساء سواء كانوا أزواجاً أو آباءاً       أو إخوة . فسكنها و إعاشتها وكساؤها على الرجل .

وهناك حقوق مالية أوجبها الشرع للمرأة منها :-

- المهر :

  قال تعالى ( وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ) .[61]  فالمهر حق مالي كفله الشرع للمرأة المقبلة على الزواج وهو حق ثابت لها ولا يجوز لأي شخص التصرف فيه إلاّ برضاها وموافقتها .

- حق الميراث :

  إن الإسلام حدد للمرأة حقاً في الميراث سواء كانت أماً أو زوجة أو بنتاً أو أختاً . وأن هذا الميراث حدده الشرع وورد ذكر ذلك في عدد من سور القرآن الكريم منها سورة البقرة ، وسورة النساء ، وسورة المائدة نذكر من هذه الآيات قال تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً ) .[62] وقال تعالى : ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ) .[63]

ثالثاً : الحقوق الإجتماعية للمرأة المسلمة :

  إذا تأملنا واقع المرأة في المجتمع فهي لا تخرج عن أربع حالات : إما أن تكون أماً أو زوجة أو بنتاً أو أختاً فهذه الحالات الأربع أوجب الإسلام فيها الحقوق على الرجل تجاه المرأة وسوف نقف بشكل موجز على كل حالة على حدة :

أ. حقوق الأم :

  إن الإسلام جعل حقوق الأم في قائمة الحقوق الواجب الوفاء بها كما نصت على ذلك نصوص القرآن قال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي  صَغِيراً ) .[64]

  وجاء الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال  أمك . ثم من قال : أمك ثم من قال : أمك . قال ثم من : قال   أبوك ) .[65] والحديث واضح ولا يحتاج إلى شرح .

  بل ذهب الإسلام إلى ربط أعظم الذنوب وأكبرها ( الشرك بالله ) وبين عقوق الوالدين وذلك ليدلل على عظم حقوق الوالدين وفي ذات الوقت جرم من عق والديه ولم        يقم بحقوقهما قال تعالى ( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .[66] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر قال : الإشراك بالله قال ثم ماذا ؟ قال ثم عقوق الوالدين ... ) .[67]

ب. حق الزوجة :

  أوجب الإسلام للمرأة حقوقاً على الزوج بأن يعاملها بالحسنى ، جاء في الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) .[68] ومن حقوقها كما مر معنا حق الكسوة ، والإعاشة والسكن . وحقها في المبيت وحقها في المهر .

ج. حق البنت :

  أوجب الإسلام على الأب رزقها وكسوتها . والعدل والمساواة بين الأبناء بنين وبنات ومن حقها على أبيها عدم إرغامها على الزواج من رجل تكرهه أو لا ترى فيه الشخص المناسب لها لأسباب معقولة ومقبولة شرعاً .

د. حقوق الأخت :

  في حالة وفاة أو عجز الأب تتحول حقوق البيت من والدها إلى أخيها .

 

رابعاً : الحقوق السياسية للمرأة المسلمة :

  إن الإسلام قد أوجب للمرأة المسلمة حق إبداء الرأي والمشاركة في شؤون الحكم والدولة . ولم يجعل الأمر حكراً على الرجال فقط وهناك عدة نصوص في القرآن والسنة تشير إلى ذلك :-

  فالمرأة لها حق إبداء النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أشار إلى ذلك قوله        تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .[69] فالآية واضحة الدلالة على حق المرأة في القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو حق كفله الشرع وليس من حق أي حاكم أن يلغي ذلك الحق . ولقد شاركت المرأة المسلمة في أول بيعة – سياسية – في العقبة وهو ما يعرف ببيعة العقبة الثانية فقد شاركت فيها امرأتان هما : أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو وأسماء بنت عمرو بن عدي .[70]

  بل اعترضت المرأة المسلمة على أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أورد القرطبي ( وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية . فقامت امرأة فقالت : يا عمر يعطينا الله وتحرمنا ، أليس الله سبحانه وتعالى يقول ( . . . وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) .[71] فقال          عمر  أصابت امرأة وأخطأ عمر .[72]

  إنه رأي واضح ونصيحة بينة قدمتها امرأة لسيدنا عمر رضي الله عنه وما أدارك     ما عمر . ومع ذلك قبل رأيها ورجع إليه وقال قولته المشهورة : أصابت امرأة وأخطأ  عمر . وهي امرأة عادية من عامة النساء ولو كانت معروفة مشهورة لذكر اسمها       إنه الإسلام !!! .

  كما أن الإسلام سمح للمرأة بالجهاد وقد شاركت المرأة المسلمة في الجهاد في صدر الإسلام . بالقتال الفعلي كما صدر عن نسيبة بنت كعب أو بالمداواة وسقي الجرحى كما صدر عن أمنا عائشة رضي الله عنها في أحد وعن رفيدة رضي الله عنها .[73]

المبحث الثاني : الهوية الإسلامية :

المطلب الأول : تعريف الهوية لغة واصطلاحاً :

أولاً : تعريف الهوية في اللغة :-

  يرجع أصل الهوية في اللغة إلى الضمير ( الهُو : هُو ) بضم الهاء في كل ، وهو     لفظ مركب  من هو هو ، جعل اسماً معرفاً باللام ومعناه الاتحاد بالذات .[74] وجاء      في حديث أمنا صفية رضي الله عنها ( ... وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي ( أهو هو ؟ ) قال : نعم والله قال : عمت أتعرفته وتثبتّه ؟ قال نعم ) .[75] وقول أبي ياسر  أهو : هو ؟ فيه إشارة إلى السؤال عن هوية النبي صلي الله عليه وسلم التي وردت    في التوراة من صفات وسمات . ويؤيد هذا قوله : أتعرفته وتثبتّه ؟ أي تأكدت من تطابق الصفات والسمات التي نعرفها عنه من خلال التوراة .

 

 

 

ثانياً : الهوية في الاصطلاح :

أ/ عرفها الجرجاني بأنها : ( الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق ) أي بمعنى الأمر المتعلق من حيث امتيازه عن الأغيار ) .[76]

ب/ محمد شركي ( حقيقة الشئ المطلقة المتضمنة لصفاته الجوهرية ) .[77]                     ج/ وعرفها آخر : ( مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره ) .[78]

             

  إذا تأملنا التعريفات السابقة ودققنا فيها النظر نجد أن تعريف الجرجاني فيه شئ من الغموض الذي يحتاج إلى شرح بعبارة : ( اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق ) تحتاج  إلى توضيح وشرح وبيان . ويجب في التعريف أن يكون واضحاً       في الدلالة على المعرف . وما قيل عن تعريف الجرجاني يمكن قوله عن تعريف الموسوعة الفلسفية العربية . وهناك تقارب بين التعريف الثالث والرابع . ولكن تعريف محمد شركي هو التعريف الراجح في تقديري لأنه الأقرب إلى المعنى اللغوي . والأشمل في تعريف الهوية التي تعتمد على الصفات والخصائص الجوهرية للشئ .

ثالثاً :- تعريف الهوية الإسلامية في الاصطلاح :

  لم أقف في حدود إطلاعي – على تعريف الهوية الإسلامية في الاصطلاح . وبالرجوع إلى تعريف الهوية ( مطلقاً ) آنف الذكر . خرجت بهذا التعريف :

وهو : مجموعة الصفات والسلوكيات والقيم المستمدة من الإسلام التي تميز المسلم عن غيره .

 

 

المطلب الثاني :- خصائص الهوية الإسلامية :

 

 

خصائص الهوية الإسلامية

التميز والاستقلالية

مصدر للعزة

العالمية

الشمول والإستيعاب

  

رسم توضيحي رقم (4)

  ثمة خصائص تميز الهوية الإسلامية عن سواها من الهويات الأخرى . فهي هوية متفردة تفرد الإسلام ، وقد اختلف العلماء والمفكرون في تحديد خصائص الهوية الإسلامية وسنحاول – بقدر الإمكان – الجمع بين الأقوال . والخروج بخصائص تشمل جل ما قاله العلماء .

أولاً :- العالمية :-

  إن من أبرز وأهم خصائص الهوية الإسلامية أنها هوية عالمية تستمد ذلك من عالمية الإسلام قال تعالى : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .[79] وقوله تعالى : ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ) .[80] . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ..... وكان النبي يبعث إلى قومه  خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة ) .[81]

  فهي ليست هوية قبيلة دون قبيلة ، ولا جنس دون جنس ، ولا لون دون لون ، ولا لسان دون لسان ، بل هي هوية لكافة البشر وهذا ما لم تشاركها فيه هوية .           

ثانياً :- الشمول والاستيعاب :-

  إن ما يميز الهوية الإسلامية أنها شاملة لجميع جوانب الحياة . المادي منها والمعنوي قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَشَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) .[82]                          إنه التجرد الكامل لله بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة ، بالصلاة  والاعتكاف ، بالمحيا والممات ، بالشعائر التعبدية ، وبالحياة الواقعية ، وبالممات وما وراءه .[83]

  فالمسلم يتحلى بصفات وسمات تشمل وتستغرق وتستوعب جميع جوانب الحياة من عبادة وعمل وصلة بالله وارتباط بالدنيا ، وإيمان ويقين بالآخرة .

ثالثاً : مصدر للعزة :-

  إن اعتناق الفرد للإسلام يجعله يشعر بالعزة والفخار كيف لا وهو ملتزم نهج الوحي متمسك بتعاليم السماء فحق له أن يشعر بالعزة التي أشار إليها المولى عز وجل في قوله تعالى : ( ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) .[84]             وفي تفسير هذه الآية يقول سيد قطب : ( ويضم الله سبحانه رسوله والمؤمنين إلى جانبه ويفيض عليهم من عزته ، وهو تكريم هائل لا يكرمه إلا الله . وأي تكريم بعد أن يوقف الله سبحانه رسوله والمؤمنين معه إلى جواره ويقول ها نحن أولاء ! هذا لواء الأعزاء وهذا هو الصف العزيز . وصدق الله فجعل العزة صنو الإيمان في القلب المؤمن العزة المستمدة من عونه تعالى . العزة التي لا تهون ولا تهن ، ولا تنحني ولا تلين ، ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان . فإذا استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة ) .[85] 

  إن العزة ليست من باب التعالي والتفاخر العنصري البغيض بل هي مما يشعر به من تحليه وتمسكه بالقيم والأخلاق والصفات التي لا يشاركه فيها سواه من أصحاب الهويات الأخرى . ونختم بقول سيدنا عمر رضي الله عنه ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله ) .[86]  

رابعاً  :التميز والاستقلالية عما سواها :-

  إن الهوية الإسلامية متميزة على ما سواها ومستقلة ومتفردة عن غيرها . قال تعالى :        ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) .[87] إنه التميز الكامل عن الغير فهذه الهوية قائمة على التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه وعقيدته وشريعته ، كلها من الله دون شريك    في كل جوانب الحياة والسلوك وهي بالتالي متميزة ومستقلة عن غيرها .[88]

  إن أبرز معاني وصور هذا التميز والاستقلالية يظهر في دعوتنا لله عز وجل في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة في صلاتنا المكتوبة علينا – سوى النوافل والرواتب – أن يهدينا طريق الحق والاستقامة : ( اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) .[89]  ويؤكد ذلك التميز والاستقلالية أول بند في وثيقة المدينة : ( هذا كتاب من محمد النبي ( رسول الله ) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس .[90]

  وعبارة  ( إنهم أمة واحدة من دون الناس ) فيها دلالة واضحة على أن الهوية الإسلامية لا شرقية ولا غربية بل هي هوية ربانية مصدراً ومنشأً .

  وكثيرة هي النصوص الدالة منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنه ليس منا من عمل بسنة غيرنا ) .[91] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) .[92]     وقوله تعالى : ( ... أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) .[93] وقوله تعالى :    ( ... وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) .[94]            

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثالث : عوامل ضعف الهوية الإسلامية :

 

 

عوامل ضعف

الهوية الإسلامية

 

الغزو الفكري

 

ضعف التكافل الإجتماعي

 

التعصب

 

غياب الوحدة

 

رسم توضيحي رقم (5)

  ثمة عوامل عديدة تؤدى إلى ضعف الهوية الإسلامية اختلف فيها وحولها العلماء وسنحاول حصرها في أبرزها وأهمها :-

أولاً : التعصب بأنواعه :-

  يعد التعصب من أبرز وأخطر عوامل ضعف الهوية الإسلامية ، وذلك لما يترتب عليه من تشرزم وتشتت واختلافٍ وحمية وعصبية . تقوّض عرى الهوية الإسلامية القائمة على العقيدة الإسلامية . وقد جاء في الحديث : ( من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتله جاهلية ) .[95] وقال صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات إلى عصبية ) .[96] فالأحاديث آنفة الذكر فيها دلالة واضحة بينة على نبذ العصبية والتعصب .

  ومن أنواع التعصب التي تضعف الهوية الإسلامية التعصب المذهبي الفقهي          أو الفكري . فالتعصب للمذهب الفقهي ( مالكياً ، أو شافعياً ، أو حنفياً ، أو حنبلياً ) يضعف الهوية الإسلامية بشكل أو بآخر . والتعصب إلى الفكر المتمثل في المدارس الدعوية المعاصرة ( الصوفية ، أنصار السنة ، الإخوان المسلمين ، جماعة التبليغ )  فهو الآخر يمثل عاملاً من عوامل ضعف الهوية الإسلامية . فالفتن التي تعج بها مؤسساتنا الدعوية ومساجدنا ومنابر خطبنا ، وساحاتنا الفكرية والعامة ما هي إلا نتاج التعصب المذهبي . فكل طائفة تحاول فرض أفكارها ومذهبها على الآخرين ومن هنا تنشأ التكتلات والتشرزم والتقوقع في رحاب المدرسة الفكرية الضيقة على حساب الهوية الإسلامية الرحبة .

ثانياً : غياب الوحدة :

  يعد غياب الوحدة من أبرز عوامل ضعف الوحدة الإسلامية فكلما كانت الأمة موحدة ومتحدة تحت ظل قيادة سياسية وفكرية واحدة كلما كان تماسك الهوية واضحاً   وبارزاً ، والعكس فكلما غابت الوحدة ضعفت وضمرت الهوية الإسلامية والناظر إلى حال وواقع الأمة الإسلامية يجد أنها متفرقة متناحرة مبعثرة ، مشتتة هناك وهناك   لا يجمع بينها رابط . فباتت أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون .

  ولم يقم الإسلام نظام المجتمع على أساس السلالة ، أو الإقليم ، أو القبيلة         أو الجنس ، أو اللون . أنما استحدث أساساً على أساس العقيدة الإسلامية وجعل كل من اعتنقها عضواً في المجتمع المسلم بغض النظر عن إقليمه ،أو سلالته ، أو قبيلته   أو جنسه .

  وإذا تأملنا بنود وثيقة المدينة نجد أنها حثت على الوحدة والتوحد وأرجعت المسلمين كل المسلمين وقتها إلى رابطة العقيدة ولا رابط يعلو عليها فكثير من نصوص الوثيقة تشير إلى رابطة الإيمان والعقيدة منها : وأن سلم المؤمنين واحد لا يسالم مؤمن دون مؤمن ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وأن المؤمنين يبيئ بعضهم دون بعض بما نال دماءهم  في سبيل الله ، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه   وأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وأنهم يد على من سواهم .[97]

  إن غياب الوحدة الإسلامية أدى إلى ضعف الهوية الإسلامية فطغت في المجتمع الإسلامي نزعة الانتماء إلى غير العقيدة فتجد في بقعة طغت نزعة القومية ، وفي أخرى القبلية وفي ثالثة العرقية ، ولا بارقة أمل تلوح في الأفق تبشر بوحدة الأمة ، الأمر الذي يحتم على قادة وعلماء ومصلحي ومفكري الأمة العمل الجاد والتوجه الصادق للإصلاح هذا الواقع المرير مستلهمين العبرة من سيرة خير الورى صلى الله عليه وسلم حين أقام مجتمع المدينة على أساس العقيدة فقط . فكان كل فرد فيه يحمل الهوية الإسلامية قولاً وعملاً وسلوكاً .

ثالثاً : ضعف التكافل الاجتماعي :-

  إن التكافل الاجتماعي سمة وخصيصة بارزة في المجتمع المسلم ، وبه يشعر الفرد المسلم بمدى تعاطف وتكافل المجتمع معه وبخاصة إذا كان من أصحاب الحاجات . ولقد ضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الحي في مجتمع المدينة المنورة حيث احتضن الأنصار إخوانهم المهاجرين وشاركوهم في الأموال والديار . بل كانوا يؤثرون المهاجرين على أنفسهم مع وجود الخصاصة كما أشار إلى ذلك قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [98].

  فالإنسان مدني بطبعه فلا يستطيع العيش بمفرده ، بل لابد له من التعاون مع غيره في الحصول على غذائه وكسائه ، ولما كان الإسلام دين الفطرة جعل أحد أركانه الأساسية معيناً لا ينضب في مجال التكافل الاجتماعي . ويتمثل هذا الركن في الزكاة التي تعد معلماً بارزاً من معالم التكافل في الإسلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده رسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ) .[99] ، ولم يكتف الإسلام بالزكاة فقط بل جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في المال لحقاً سوى الزكاة ) .[100]    وقال تعالى : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) .[101]

  والناظر إلى واقع الأمة الإسلامية يجد أن هناك ضعفاً واضحاً في التكافل الاجتماعي على النطاق الرسمي المتمثل في الحكومات والشعبي المتمثل في المؤسسات والمنظمات الخيرية . لذا لابد من إحياء شعيرة التكافل الاجتماعي على وجهها الأكمل و الأشمل حتى نحافظ على الهوية الإسلامية للمجتمع المسلم .

رابعاً : الغزو الفكري :-

  قاد الغرب حرباً عسكرية وأخرى فكرية لإخضاع العالم الإسلامي عسكرياً وفكرياً  وإن كان قد فشلت الحملة العسكرية وتحررت الشعوب الإسلامية بعد قتال ونزال . ولكن بقي أثر الغزو الفكري ماثلاً فهناك مجموعة من الممارسات والسلوكيات التي تناقض الهوية الإسلامية . وما نلاحظه من زي مخالف للشرع . وسلوكيات لا تمت للإسلام بصلة ، وأقوال وأفعال تتنافى مع الأخلاق والقيم الإسلامية ما ذلك إلا ثمرة خبيثة من ثمار الغزو الفكري .

  إن التحلل والتفسخ الاجتماعي في العالم الإسلامي لم يعد يخفى على أحد . فباتت الهوية الإسلامية غريبة وسط المجتمع المسلم الأمر الذي يتطلب بذل قصارى الجهد من الدعاة والعلماء والمصلحين لمناهضة ذلك الغزو بشتى الوسائل وكل الطرق حتى يتسنى لنا الحفاظ على هويتنا الإسلامية من الضمور والاضمحلال .

  ومن أخطر وسائل الغزو الفكري في عصرنا هذا ما عرف بالبث الفضائي والنت والتي باتت من أخطر الوسائل التي يستغلها أعداء الإسلام في الكيد له والعمل على طمس هويته الإسلامية . فالقنوات التي ملأت الفضاء وتحمل في طياتها من العادات والتقاليد المنحرفة والسلوكيات المعوجة . ما يجعل الهوية الإسلامية على خطر عظيم فكثير من الأسر والأفراد يتابعون تلك القنوات وهي تحمل في برامجها كل ما يهدم القيم والأخلاق ويدعو إلى الرذيلة والتجرد عن الفضيلة . الأمر الذي يؤثر سلباً على هويتنا الإسلامية .

المبحث الثالث :- الصحوة الإسلامية وعقباتها :

  الصحوة الإسلامية من المصطلحات التي شاع استخدامها حديثاً وأضحت تستخدم كثيراً عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية . ونظر الناس إليها نظرات متباينة ما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ وسوف نتناولها في هذا المبحث معرفين بها ، ذاكرين عقباتها  ونظرة العلماء والمفكرين لها .

المطلب الأول :- تعريف الصحوة لغة واصطلاحاً وبيان نشأتها :

أولاً : لغة :

يقول ابن منظور : ( صحا الصَّحْوُ ذهابُ الغَيْم يومٌ صحوٌ وسَماءٌ صحوٌ واليومُ صاحٍ وقد أَصْحَيا وأَصْحَيْنا أَي أَصْحتْ لنا السماء وأَصحَت السماءُ فهي مُصْحِيةٌ انْقَشَع عنها الغَيْم وقال الكسائي فهي صَحْوٌ قال ولا تَقُلْ مُصْحِيةٌ قال ابن بري يقال أَصْحَت السماء فهي مُصحِيَةٌ ويقال يومٌ مُصْحٍ وصحا السَّكْرانُ لا غَيْرُ قال وأَما العاذِلة فيقال فيها أَصحَت وصحَتْ فيُشبَّه ذهابُ العَقْل عنْها تارةً بذهاب الغَيم وتارة بذهاب السُّكْر وأَما الإِفاقة عن الحُبِّ فلم يُسمَع فيه إِلاَّ صحَا مثل السُّكْر قال جرير أَتَصحُو أَم فؤَادُكَ غيرُ صاحِ ؟ ويقال صَحْوان مثلُ سكْران قال الرحَّال وهو عمرو بن النعمان بنِ البراء بأن الخَليطُ ولم أَكُنْ صَحْوانا دَنفاً بزَيْنَبَ لو تُريدُ هَوانا والصَّحْوُ ارْتِفاعُ النهارِ قال سُوَيْد تَمْنَحُ المِرْآةَ وَجْهاً واضِحاً مثلَ قَرْنِ الشمس في الصَّحْوِ ارْتَفَعْ والصَّحْوُ ذَهابُ السُّكْرِ وتَرْكُ الصِّبا والباطلِ يقال صَحَا قلبهُ وصَحا السكرانُ من سُكْرِه يَصْحُو صَحْواً وصُحُوّاً فهو صاحٍ وأَصْحَى ذَهَب سُكْرُه وكذلك المُشْتاقُ قال صُحُوَّ ناشِي الشَّوْقِ مُسْتَبِلِّ والعرب تقول ذَهَبَ بين الصَّحْوِ والسَّكْرَةِ أَي بين أَنْ يَعْقِلَ ولا يَعْقِلَ ابن بُزُرْج من أَمثالهم يريدُ أَن يأْخذَها بين السَّكْرَةِ والصَّحْوَةِ مَثلٌ لطالبِ الأَمْرِ يَتجاهَلُ وهو يعلم والمِصْحاة جامٌ يُشْرَبُ فيه وقال أَبو عبيدة المِصْحاة إناءٌ قال ولا أَدرِي من أَيِّ شيءٍ هو قال الأَعشى بكَأْسٍ وإبْرِيقٍ كأَنّ شَرابَهُ إذا صُبَّ في المِصْحاةِ خالَطَ بَقَّمَا وقيل هو الطاسُ ابن الأَعرابي المِصْحاةُ الكَأْسُ وقيل هو القَدَح من الفِضةِ واحْتَجَّ بقول أَوْسٍ إذا سُلّ مِن جَفْنٍ تَأَكَّلَ أَثْرُه على مِثل مِصْحاةِ اللُّجَين تأَكُّلا قال شَبَّهَ نَقاءَ حَديدة السيفِ بنَقاءِ الفِضةِ قال ابن بري المِصْحاةُ إناءٌ مِن فِضةٍ قد صَحَا من الأَدْناسِ والأَكْدارِ لِنقاءِ الفِضةِ وقي النهاية في تَرْجَمَة مَصَحَ دَخَلَتْ عليه أُم حَبيبةَ وهو مَحْضُورٌ كأَنَّ وجهَه مِصحاة .[102]

  وخلاصة المعنى اللغوي أن مادة صحا التي استقت منها الصحوة تأتي بمعنى الانقشاع  والإفاقة ، والتنبه ، واليقظة .

ثانياً : اصطلاحاً :

  لم يتفق العلماء والمفكرون على تعريف اصطلاحي للصحوة الإسلامية . ولقد اجتهد بعضهم ووضع لها تعريفاً ينطلق فيه من مفهومه للصحوة . ومن هذه التعريفات :

- تلك الظاهرة الاجتماعية الجديدة التي تشير إلى تنبه الأمة الإسلامية وإفاقتها    وإحرازها  تقدماً مطرداً في إحساسها بذاتها ، واعتزازها بدينها ، وفى تحررها من التبعية الفكرية والحياتية وفى سعيها للخروج من تخلفها ، وانحدارها ولقيامها بدورها الحضاري الخيري المتميز باعتبارها خير أمة أخرجت للناس .

- نزوع الأمة إلى النهضة الإسلامية بعد عصر التراجع الحضاري .[103]

- إفاقة عدد كبير من الناس بمختلف أجناسهم من أهل الإسلام ، وعودتهم إلى الحق  في اتباع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والسعي إلى تطبيق السنة والخروج من حالة الغيبوبة التي مرت على المسلمين وأدت إلى انحراف الكثير عن المنهج .[104]

  إذا تأملنا التعريفات السابقة وحاولنا تطبيق شروط التعريف الاصطلاحي عليها من حيث كونه جامعاً مانعاً وموجزاً .

  نجد أن التعريف الأول فيه إطالة واضحة بينة لا تخطئها عين الباحث . فهو بهذا الطول يصلح أن يكون شرحاً لمفهوم الصحوة لا تعريفاً لها . ويشاركه في ذلك التعريف الثالث  . أما التعريف الثاني فهو أقرب إلى التعريف الصحيح . ولكن يؤخذ عليه الإيجاز الشديد . ثم إرجاع الصحوة لجميع أفراد الأمة ( نوع الأمة ) . وفى اعتقادي لو أن الأمة بكاملها نزعت إلى النهضة لكان حالنا غير الحال . ولكن واقع الحال يشير إلى أن هناك طائفة من الأمة متمثلة في بعض العلماء والمفكرين والدعاة والمصلحين  والغيورين من عامة المسلمين هم الذين نزعوا إلى العمل على النهوض بالأمة الإسلامية من غفوتها وتراجعها وتفوقها . عليه أحسب أن التعريف الراجح للصحوة      الإسلامية هو :-

إفاقة طائفة من علماء ومفكرين ومصلحين ودعاة والغيورين منها لواقع أمتهم المتردي والعمل على النهوض بها إلى موقعها القيادي والريادي . والله أعلم .

ثالثاً : نشأة الصحوة الإسلامية :-

  اختلف العلماء حول نشأة الصحوة الإسلامية . فبعضهم يرجعها إلى عصر محمد عبده والأفغاني . وآخرون يرجعونها إلى عصر محمد بن عبد الوهاب . وهناك من يرجعها  إلى عصر حسن البنا ومنهم من ذهب إلى عصر الدولة العثمانية . ولم يستطع –       في تقديري – أحد أن يحدد على وجه الدقة نشأة الصحوة ولكن يمكن أن يكون ذلك بالتقريب . وأحسب أن نشأة الصحوة الإسلامية ترجع إلى فترة ظهور الجماعات الإسلامية المتمثلة في أنصار السنة ، والإخوان المسلمين ، والجماعة الإسلامية وجماعة التبليغ .

المطلب الثاني : عقبات في طريق الصحوة الإسلامية :

 

 

عقبات في طريق الصحوة

عقبات خارجية

عقبات داخلية

الغلو                     في التكفير

غياب المرجعية

الراشدة

الإختلاف

العداء العالمي للصحوة

الصهيونية

الإعلام الغربي

الاختراق من الأعداء

 

رسم توضيحي رقم (6)

  مما لاشك فيه أن ثمة عقبات تعترض طريق الصحوة الإسلامية . وقد اختلف العلماء والباحثون في تحديد تلك العقبات وتباينت وجهات نظر تظهر حولها . وسوف نحاول في هذا المطلب تناول تلك العقبات مركزين على العقبات التي أجمع عليها السواد الأعظم من العلماء والباحثين . وسوف أقوم بتقسيم هذه العقبات إلى داخلية وخارجية .

أولاً : العقبات الداخلية :-

  هناك عدة عقبات داخلية تعترض طريق الصحوة الإسلامية منبثقة من داخل المجتمع المسلم نوجزها في غياب المرجعية الفكرية ، والاختلاف والغلو في التكفير . وسوف نقف على هذه العقبات كل على حدة .

أ/ غياب المرجعية الراشدة والمرشدة :

  إن من أبرز عقبات الصحوة الإسلامية الداخلية عدم وجود مرجعية فكرية راشدة . تمثل البوصلة التي تدل على الاتجاه الصحيح كلما تاه المجتمع أو الجماعات أو الأفراد وهذا الغياب أدى إلى ظهور مرجعيات غير مؤهلة لقيادة دفة مركب الصحوة الإسلامية فإما أن تكون هذه المرجعات تمثل جماعة بعينها ، أو طائفة محدودة . وبالتالي يكون أثرها وتأثيرها قاصراً على هذه الجماعة وتلك الطائفة . وإما أن تكون هذه المرجعيات جاهلة بأمر الدين أو متاجرة به ، أو معادية له ، أو مغالية فيه . وهذا كله يعيق الصحوة الإسلامية . وأحياناً نجد بعض المرجعيات التي تفرض على الناس بموجب قرار حكومي وهي تمثل نسبة عالية في الدول والمجتمعات الإسلامية . ولا يخفى ضرر ذلك على الصحوة الإسلامية .

  إن غياب المرجعية الراشدة يؤدي إلى انزواء فقه الاعتدال والوسطية ، وغياب فقه الحكمة التي تضع الأمور في نصابها . ويقود إلى ضعف وضمور فقه الدعوة والنصح والجرح والتعديل   وقلة وندرة فقه السياسة ، والتربية وفقه الخلاف . وكل ذلك يمثل عقبة كؤوداً في طريق الصحوة الإسلامية .

 

ب/ الاختلاف :-

  يُعد الاختلاف من العقبات البارزة في طريق الصحوة الإسلامية . فالاختلاف الذي نراه واقعاً ملموساً ، في حياة المسلمين أدى إلى تعدد المدارس الدعوية ، والتيارات السياسية الإسلامية وهذا بدوره أدى إلى نشوء مشكلات عديدة انعكست سلباً على مسيرة الصحوة الإسلامية سواء كان ذلك على النطاق الداخلي أو النطاق الخارجي .

  ففي النطاق الداخلي أدى الاختلاف إلى الخصومة والقطيعة بين تلك الجماعات والتيارات بل بعضها أدى إلى درجة حمل السلاح والاقتتال كما هو الحال في الصومال فالمعركة الجارية الآن هي بين طائفتين من الإسلاميين . ثم انظر إلى المساجلات والمحاضرات والندوات التي تقام بين تلك الجماعات في قضايا خلافية على أشرطة الكاسيت والفيديو .      

  تجد الغالب الأعظم منها حول مناظرات ، ومهاترات وردود ، وأحياناً يؤدي الخلاف إلى أن يكفّر بعض الجماعات البعض الآخر .

  أما على النطاق الخارجي فإن الاختلاف أدى إلى تشرزم وتفرق الجماعات والتيارات الإسلامية الأمر الذي جعلها لقمة سائغة لأعدائها . هذا إلى جانب أن ما يحدث بين الجماعات المختلفة بات مادة إعلامية لوسائل الإعلام المعادية للإسلام تروج لها وتذكي نارها . وتظهر الإسلام والمسلمين بأنهم مختلفون حتى فيما بينهم فكيف يتسنى لهم إصلاح غيرهم . وهذا بدوره يمثل عقبة حقيقية في طريق الصحوة الإسلامية .

لقد وصلت حدة الاختلاف إلى مرحلة أصبح المشرك معها يأمن على نفسه عند بعض الفرق الإسلامية التي ترى أنها على الحق المحض أكثر من المسلم المخالف لها بوجهة النظر والاجتهاد، حيث أصبح لا سبيل معها للخلاص من التصفية الجسدية إلاّ بإظهار صفة الشرك .

  إنه الاختلاف الذي يتطور ويتطور وتتعمق أخاديده فيسيطر على الشخص ويتملك عليه حواسه إلى درجة ينسى معها المعاني الجامعة والصعيد المشترك الذي يلتقي عليه المسلمون، ويعدم صاحبه الإبصار إلاّ للمواطن التي تختلف فيها وجهات النظر، وتغيب عنه أبجديات الخُلق الإسلامي، فتضطرب الموازين، وينقلب عنده الظني إلى قطعي والمتشابه إلى محكم، وخفيُّ الدلالة إلى واضح الدلالة، والعام إلى خاص، وتستهوي النفوس العليلة مواطن الخلاف ، فتسقط في هاوية تكفير المسلمين ، وتفضيل غيرهم من المشركين عليهم … وقد تنقلب الآراء الاجتهادية والمدارس الفقهية التي محلها أهل النظر والاجتهاد ، على أيدي المقلدين والأتباع إلى ضرب من التحزُّبِ الفكري والتعصب السياسي، والتخريب الاجتماعي تُؤَوّلُ على ضوئه آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فتصبح كل آية أو حديث لا توافق هذا اللون من التحزب الفكري إمَّا مؤوّلة أو منسوخة، وقد يشتد التعصب ويشتد فتعود إلينا مقولة الجاهلية: ( كذّاب ربيعة أفضل من صادق مضر ... )[105]

 

ج/ الغلو في التكفير :

  نقصد به مجاوزة الحد في التعبد والعمل والثناء والقدح . ويكون الغلو في العقيدة   والعبادات والمعاملات وفي العادات . وكلها مذمومة في الإسلام وعرفه ابن تيمية بأنه : مجاوزة الحد بأن يزاد في الشئ في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك .[106]  وعرفه ابن حجر بأنه : المبالغة في الشئ والتشدد فيه بتجاوز الحد .[107]

ضوابط التكفير:

  من الضروري أن نبين ضوابط التكفير كي يلتزم بها أهل الصحوة .ولقد وقفت على ما أورده الدكتور مصطفى كرامة عن ضوابط التكفير وفي اعتقادي قد أجاد وأفاد  وأوجز   في هذا الجانب لذا سأورد ما قاله كاملاً :

 

 

1- الاعتماد على القرآن والسنة الصحيحـة

  يجب علينا في قضايا التكفير، وبيان الأعمال التي يكفر بها الشخص ، أن نرجع إلى نصوص القرآن والسنة الصحيحة، فالتكفير لا يثبت بالعقل ولا بالذوق ولا العادة لأنه حكم شرعي ، والحكم الشرعي لا بدّ له من دليل .

  قال بعض العلماء : ( التكفير حق لله تعالى فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله ) .[108] وبناء على ذلك لا يصح التكفير بدون حجة واضحة ، ويطالب المكفر بالدليل كما فعل ابن أبي زيد القيرواني مع الشخص الذي رمى الأشعري بالكفر .

  وكذلك لا يصح التكفير تقليدا للآخرين دون دليل كما ذكره الحافظ ابن عساكر في رده على الأهوازي الذي كفر الأشعري تقليداً للمعتزلة .

  لقد حاول الخوارج أن يكفروا سيدنا عثمان رضي الله عنه بأشياء لا يكفر بها شرعا . فالواجب على المسلم التأكد من كون الفعل المعين كفرا في الأدلة الشرعية ، فكثير من العوام قد يكفرون بأشياء غير مكفرة كسب بعض الصحابة أو القول بجواز الصغائر والخطأ الاجتهادي على الأنبياء .

  قال ابن تيمية ( فمن كفر القائلين بتجويز الصغائر عليهم كان مضاهيا لهؤلاء الإسماعيلية و النصيرية والرافضة ، فالمكفر بمثل ذلك يستتاب فإن تاب وإلا عوقب على ذلك عقوبة تردعه و أمثاله ... ) .[109]

  فلا يصح التكفير في المسائل الاجتهادية ولا المسائل المختلف فيها اختلافا معتبرا وإن خالف السنة .

  قال ابن تيمية : ( وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع ) .[110] واعتبر التكفير في مسائل الاجتهاد من الغلو المنهي عنه شرعاً .

  وكذلك لا يصح التكفير باللوازم فإن لازم المذهب ليس بمذهب لأن الإنسان قد يقول القول ويغفل عن لوازمه بسبب محدودية علمه وعقله ، ولو عرف لوازم القول لرجع عنه .

  قال ابن دقيق العيد : ( وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفرداً والذي يقع النظر في هذا أن مآل المذهب هل هو مذهب أو لا ؟ ... والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها فإنه حينئذ يكون مكذبا للشرع ، وليس مخالفة القواطع مأخذاً للتكفير وإنما مأخذه مخالفة السمعية القطعية طريقا ودلالة .... ) .[111]

 

 

وأسباب التكفير نوعـان :

الأول : أسباب مكفرة باتفاق العلماء كسب الله والرسول والاستهزاء بالدين .

الثاني : أسباب مختلف في التكفير بها كترك الصلاة تهاونا وكسلا مع التصديق بوجوبها .

  فالأصل في المسلم عند الاختلاف في كفره بقاؤه على الإسلام حتى تقوم الحجة القاطعة على كفره .

  يقول العلماء : ( لابد للتكفير من موجب )[112] وهذا الموجب لا يجوز أن يكون محتملا إذ لا تكفير بالظنون والمحتملات مع وجود الأصل المتيقن وهو إسلامه ، ومن دخل   في الإسلام بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين ، كما يؤكده قول الفقهاء : ( لا يكفر جاحد بظني ) .

2- الاعتماد على الظاهر في الحكم على الناس :

  إن الأحكام الدنيوية مبنية على ظواهر المقالات والسلوكيات، لأن البواطن لا يمكن الاطلاع عليها، فالحكم على الناس بالإسلام أو الكفر مبني على هذا الأصل، فإذا أظهر لنا الإسلام حكمنا بإسلامه وإن كان في باطنه كافراً، وإذا أظهر لنا الكفر حكمنا بكفره وإن كان باطنه مؤمناً .

  ويدل على هذا الأصل قوله تعالى : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ       مُؤْمِناً ) .[113] فنهى الله تعالى عن وصف الشخص بعدم الإيمان مع إظهاره إياه بإلقاء السلام الذي هو من شعار المسلمين .

  وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتله الرجل الذي قال : ( لا إله إلا الله ) وقال له : ( أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ) .[114]

  وكان صلى الله عليه وسلم يقبل من الناس إسلامهم بمجرد إظهاره بقول أو عمل حتى ولو كانوا في الباطن على خلاف ذلك، كما في تعامله مع المنافقين فإنه أجرى عليهم أحكام الإسلام وهو عالم بحقيقتهم وأعيانهم .

  وكان يقول معبراً هذا المنهج : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله   فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه ، وحسابه على الله) .[115]  فعلّق أحكام الإسلام على قول هذه الكلمة ( لا إله إلا الله ) وجاء في صحيح البخاري : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ..... ) .[116]

  بل إن العقوبات مرتبطة بالظهور أيضاً كما في الحديث ( أنهلك وفينا الصالحون   قال : نعم إذا ظهر الخبث ) .[117] ، وقال عبد الله بن مسعود : ( إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به ) .[118]

3- المعاصي – ما عدا الكفر – تنقص الإيمـان ولا تهدمـه :

  من قواعد أهل السنة والجماعة وأصولهم أن المعاصي والذنوب تنقص الإيمان لكنها لا تنقضه من أساسه ، وقد شبه الإمام ابن تيمية ذلك بالشجرة حيث لا يلزم من زوال بعض فروعها زوال اسمها ، وبالإنسان إذا قطعت بعض أطرافه لا يزول عنه اسم الإنسان .

 

 

 

والأدلة على هذا المعنى :

أ- قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .[119]

  وجه الدلالة : أن الله تعالى نصّ على أخوة القاتل لأولياء المقتول، ولو كان كافراً بمعصيته لم يكن أخاً لهم .

ب- قوله تعالى: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .[120]

  وجه الدلالة: أن الله تعالى أثبت لهم الإيمان والأخوة الدينية مع وجود القتال بينهم قال الإمام البخاري مستدلاً بالآية ( فسماهم المؤمنين ) .[121]

ج- قوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن            يَشَاءُ ... ) .[122]

قال الإمام البخاري في صحيحه : ( باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفرّ صاحبها بارتكابه إلا الشرك ) .[123]

د- ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة في قصة شارب الخمر ، الذي جلده الصحابة، فلما انصرف قال بعضهم : أخزاك الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان )[124] وفي رواية ( لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم )[125] وفي رواية : ( ولكن قولوا : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه )[126] .

  وفي قصة مشابهة لرجل كان يُضحك رسولَ صلى الله عليه وسلم وجُلد يوماً في شرب الخمر، فقال رجل: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تلعنوه ، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) .[127]

هـ- ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول    في النار ) وجه الدلالة : أنه سماهما مسلمين مع التوعد بالنار .[128]

4- انقسام الكفر الوارد في النصوص إلى أكبر وأصغر :

  يرد لفظ الكفر -كما يدل عليه الاستقراء- في النصوص بمعنى الكفر الأكبر وهو الكفر الذي يخرج صاحبه من الملة ، ويقابله الإيمان كما في قوله تعالى : ( فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ  )[129] ، وقد يرد بمعنى الكفر الأصغر وهو الذي لا يخرج صاحبه من الملة ولكن يدمغه بالفسوق، ويقابله الشكر كما في قوله : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورا )[130] .

ومن الأول قوله تعالى : ( ... وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )[131] وقوله تعالى : ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ... )[132] وهو الأكثر وروداً  في القرآن والسنة .

  ومن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) .[133] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بغير الله فقد كفر ) .[134] وقوله صلى الله عليه وسلم عن النساء (  يكفرن العشير وتكفرن الإحسان ) .[135] قال ابن القيم :  ( والقصد أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر فإنها ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة، فالسعي إما شكر وإما كفر، وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا )[136]  وقال ابن عباس في قوله تعالى:         ( ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )[137] : ( كفر دون كفر ) .

  وبوّب البخاري في الصحيح فقال : ( باب ظلم دون ظلم ) ثم روى قول عبد الله بن مسعود : لما نزلت ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ          وَهُم  مُّهْتَدُونَ )[138] قال أصحاب رسول الله عليه وسلم : أيّنا لم يظلم ؟ فأنزل الله         (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[139] .[140]

 

 

5- جواز اجتماع بعض شعب الإيمان وبعض شعب النفاق في الشخص الواحد :

  من القواعد المقررة لدى أهل السنة والجماعة أن الشخص الواحد قد تجتمع فيه بعض شعب الإيمان وبعض شعب النفاق والكفر، فهو مؤمن بإيمانه وفاسق بمعصيته، فيه مظاهر الإيمان، وفيه مظاهر الكفر .

  ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه : قال : ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) .[141]

  وقال عند حديثه عن شعب النفاق : ( ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ) .[142]

  قال الإمام ابن تيمية: ( وهذا كثير في كلام السلف ، يبينون أن الشخص قد يكون فيه إيمان ونفاق ... ) .[143]

  وقال أيضاً : ( وطوائف أهل الأهواء من الخوارج والمعتزلة و الجهمية والمرجئة  يقولون : إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك   ومن هنا غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول، بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا : لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب ، ومعصية يستحق بها العقاب  ولا يكون الشخص الواحد محموداً من وجه، مذموماً من وجه ... إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصيته وطاعته باتفاق ... وعلى هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية كثير من الذنوب كفراً مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار ) .[144]  وكثير ممن وقع في الغلو ظنوا أن الشخص إما أن يكون مؤمناً خالصاً أو كافراً خالصاً ولا واسطة بينهما فحكموا بالكفر على بعض الأشخاص والمجتمعات التي سادت فيها خصال الجاهلية مع وجود الإسلام .[145]

6- وجوب التفريق بين تكفير النوع وتكفير الشخص المعيّن :

  من قواعد أهل السنة والجماعة ضرورة التفريق بين التكفير المطلق المعلّق بالأعمال  وبين تكفير الشخص أو الطائفة المعينة، فيقولون: العمل الفلاني كفر، ومن قال كذا فهو كافر، ولكن عندما يتعلق الحكم بشخص معيّن ينظرون إلى توفر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع، وبالتالي فقد يكون عمله كفراً ولكن لا يحكم على الشخص بالكفر بناءً على عذر شرعي مثل كونه حديث عهد بإسلام أو نشأ بأرض بعيدة عن العلم وأهله   أو عرضت له شبهة تأويل .

  قال ابن تيمية: ( إن القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال : من قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعيّن الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )[146] فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم.. وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة المحرم .. وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع  وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة        الحق ... وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها وقد تكون عرضت    له شبهات يعذره الله بها ... ومذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع  والمعيّن ) .[147]  

  ويشهد لما سبق قوله صلى الله عليه وسلم :( كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذروني في البحر في يوم صائف ففعلوا به فجمعه الله ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني عليه إلا مخافتك فغفر له ) .[148] وفي رواية أنه قال : ( لو قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين ... ) .[149]

  قال ابن تيمية : ( فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذرّي بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين لكنه كان جاهلاً لا يعلم ذلك ، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك ... ) .[150]

  ويشهد لهذا الأصل أيضاً قصة قدامة بن مظعون – وهو من أهل بدر – الذي اجتهد واستحل شرب الخمر متأولاً قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .[151] فردّ عليه عمر وقال : ( أخطأت التأويل فإنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك ) ثم أمر بإقامة الحد عليه .[152]

  فهذا الصحابي استحلّ محرماً بسبب الشبهة والتأويل ولم يكفره عمر والصحابة رضي الله عنهم لذلك .

  وهكذا جرى عمل الإمام أحمد وغير من علماء الأمة حيث إنه كفر الجهمية، ولكنه لم يكفر أعيانهم ولا من وافقهم من الخلفاء وغيرهم، بل اعتقد إمامة الخليفة وصلى خلفه .[153]

  قال ابن قدامـة : ( وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم ، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا )[154]   ثم قال : ( وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ) .[155]  والله أعلم .

ثانياً : العقبات الخارجية :

  لا ريب أن ثمة عقبات خارجية تعترض طريق الصحوة وهي كثيرة ولكن سنركز على أهمها وأبرزها . والتي تتمثل في : العداء العالمي للصحوة الإسلامية بقيادة أمريكا  واختراقات الأعداء والإعلام الغربي الموجه ضد الصحوة ، والصهيونية . وسوف نتناول كل عقبة على حدة :

أ/ العداء العالمي للصحوة بقيادة أمريكا :

  إن العداء الذي يكنه الغرب المسيحي للإسلام لا يخفى على أحد . وهم يعملون ليل نهار ويخططون لهدم الإسلام والنيل منه ، وقهر شعوبه واستعبادها . والقضاء على بادرة للعودة بالأمة الإسلامية إلى سابق عهدها ، وقرونها الأولى . فإن ذلك عند الغرب بمثابة الكارثة التي تهدد وجودهم ، وتزلزل أركان حكمهم . وذلك بشهادتهم هم جاء ففي مجلة جوش كروكنل - وهي من الصحف اليهودية الواسعة الانتشار- في مقال لها ذكرت الخطر، وأنه يعم كل العالم حتى المعسكر الشرقي الروسي في ذلك الوقت، إنه لا العالم الغربي ولا الاتحاد السوفيتي يستطيعان أن يرقبا بهدوء هذه اليقظة الإسلامية التي لو أسيئ استعمالها من قبل الجماعات المتعصبة لنتج عن ذلك ليس هلاك إسرائيل وإنما زعزعة استقرار جزء كبير من العالم، ولن تسلم من ذلك لا الحضارة الغربية     ولا الحضارة الشيوعية. ويقول السفير اليهودي في الأمم المتحدة : إننا نشهد اليوم ظاهرةً غريبة ومثيرة للاهتمام، وتحمل في ثناياها الشر للمجتمع الغربي بأسره، وهذه الظاهرة هي عودة الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها عدوةً طبيعية لكل ما هو          غربي وتعتبر التعصب ضد اليهود بشكل خاص وضد الأفكار الأخرى بشكل عام  فريضة مقدسة .[156]

  ومن صور العداء الأمريكي للإسلام طرح الإسلام من وجهة نظر أمريكا ( الإسلام الأمريكي ) يقول الخالدى في كتابه ( أن الإسلام الرباني هو الإسلام المتمثل في رسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم التي تقوم على القرآن العظيم، وما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نظام الحياة الشامل، الذي ينظم كل أمور الحياة، ويقدم حقائقه ومقرراته وتوجيهاته في كل الجوانب والمجالات ، الفردية والجماعية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والأخلاقية ، والاقتصادية ، والداخلية والخارجية . والإسلام الرباني هو إسلام العقيدة والعبادة وإسلام الأخلاق والتزكية  وإسلام الفرد والجماعة ، وإسلام المدنية والحضارة ، وإسلام المعرفة والثقافة ، وإسلام التجارة والصناعة، وفهم سلف الأمة، وبيان العلماء الربانيين .


  أما الإسلام الأمريكاني فهو الفهم المحرف والمشوه للإسلام، الذي يريد الأمريكان تسويقه في بلاد المسلمين، ونشره بينهم، وهو نتاج العقلية الأمريكية المحاربة للإسلام الرباني، المتآمرة عليه، والطامعة في بلاد وثروات المسلمين، الذي ليس له من الإسلام الصحيح إلا اسمه، بينما يخالفه في روحه وحقيقته.

  أمريكا تحارب الإسلام الرباني، لأنه عدوها الأول، الذي يفتح عيون المسلمين وبصائرهم، ويعرفهم على مطامع ومكائد ومؤامرات الأمريكان واليهود ضد المسلمين ويقود المسلمين في مواجهتهم ضد الأعداء، ويأمرهم بجهادهم وإفشال مخططاتهم والوقوف أمامهم .

  وحتى لا تظهر أمريكا أمام المسلمين بأنها عدوة إسلامهم، فإنها لا تعلن هدفها الصريح في حرب الإسلام علانية، وإنما تعلن غيرتها على الإسلام العظيم، وألمها من تدنيسه وتلويثه بتصرفات المسلمين المتطرفين، وحرصها على تطهيره من ممارساتهم السيئة ، التي لا يقرها هذا الإسلام،إسلام السلام والمحبة،والتسامح والتعاون .
إنهم يريدون تفريغ الإسلام من مضمونه الفاعل ، وروحه الحية المؤثرة ، وحيويته المتحركة، وتأثيره البليغ، وإبقاءه مجرد تمثال جامد ميت ، جميل الشكل ، حسن الديكور، لكنه أصم أبكم أعمى!!

  وتجلى هذا الهدف الأمريكاني الخطير ضد الإسلام الرباني في الخطة الأمريكية لتطوير الخطاب الديني للمسلمين كما سماها الأمريكان ، أو خطة أمركة الخطاب الإسلامي للمسلمين ) .[157]

ب/ الاختراق من الأعداء :

  نعنى به دخول بعض أعداء الإسلام أو الموالين لهم من المسلمين في الإسلام ومن ثمة التغلغل داخل الجماعات والمنظمات في الإسلامية لهدم الإسلام من الداخل ، والقضاء على الصحوة الإسلامية . وما قصة اليهودي الذي دخل في الإسلام وكاد له من الداخل وقاد الخروج على الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان منا ببعيد ( عبد الله بن سبأ ) وقد حدثنا التاريخ كيف أظهر ذلك اليهودي الإسلام ودخل فيه وكيف كاد كيده وفعل فعلته التي أحدثت حدثاً كبيراً لا يمكن تجاوزه في التاريخ الإسلامي .

  وتكرر الاختراق في الجزائر في عصرنا هذا يهودي يصلّي بالناس في أحد مساجد الجزائر . إذا كانت وقائع هذه الحادثة الفريدة تعود لمطلع التسعينيات، حيث كانت جبهة الإنقاذ المحلة في أوج انطلاقتها وكانت أبواب الانخراط فيها مفتوحة على مصراعيها فإن خطر تزويج الجزائريات من الأجانب دون القيام بالتحقيقات اللازمة حول هوياتهم يطرح نفسه بقوة اليوم في ظل ( الانفتاح ) الاقتصادي .

  وفي واحدة من أغرب قصص ( اختراق ) التيار الإسلامي والمجتمع الجزائري عموماً  أمكن الوقوف على حقيقة مأساة تعرضت لها مواطنة جزائرية ذنبها أنها رغبت      في ( الستر ) فلم ترفض العرض الذي تقدّم به شخص يبدو عادياً وملتزماً ، وأكثـر من ذلك ( تطوّع ) ليصلي بالناس في المسجد .

  الحكاية توجد في أرشيف المحامية بن براهم التي رافعت في القضية عام 1993 وتمكّنت من الحصول على ورقة الطلاق لهذه السيدة عن طريق الخلع .
وفي مقابلة مع ( الخبر ) شددت المحامية بن براهم على أن الكشف عن هذه الحادثة الخطيرة يدخل في إطار واحد، وهو واجب إثارة انتباه الجهات المعنية إلى خطر الزواج المختلط ، في ظل ( التسهيلات ) التي جاء بها تعديل قانون الأسرة الأخيرة في المادة 31 منه ، عندما جعل ( زواج المسلمة من غير المسلم مانعا مؤقتا بعدما كان مانعاً    دائماً ) .                                               
  لغز ( الإزار الأزرق ) كل يوم سبت تفاصيل القصة، حسب رواية المحامية بن براهم بعدما اعتذرت إحدى قريبات الضحية أول أمس عن الحديث لـ ( الخبر ) في الأمر   تعود إلى سنوات التسعينيات كانت خلالها الضحية ما تزال تستمتع بحياتها الزوجية، وكانت تقوم بدور المرأة الصالحة كما يجب، ومن ذلك تنفيذ طلبات غريبة لزوجها الذي كان يطلب منها كل يوم سبت تحضير طبق كسكس باللبن أو ( الرايب ) فقط دون الحاجة إلى ( المرقة ) ، وكان يطلب منها أيضا غسل إزار أزرق ونشره تحت أشعة الشمس، والأكثـر من ذلك كان يحذرها من الظهور أمام ضيوفه أو حتى الاقتراب من الغرفة حيث يوجدون .. وفهمت المسكينة مع مرور الوقت أن زوجها ينشط سريا  في الحزب المحل، خصوصا وأنه كان ملتحيا، والأمور بدأت تفلت من الناحية السياسية، فعملت كزوجة وفية على ستر زوجها وعدم التدخل في شؤونه .
  لكن الأوضاع انقلبت رأساً على عقب ذات يوم سبت عندما تعرضت بنتها الصغرى لحالة إسهال شديدة، وكان لزاماً عليها نقلها إلى مرحاض البيت الذي يقع بالقرب من غرفة الضيوف، وهنا تفاجأت الزوجة لدى مرورها من سماع كلام غير مفهوم ينبعث من غرفة الضيوف .

  ولهول الوضع اتصلت الزوجة بأخيها لتبلغه بما سمعت وبأنها غير مرتاحة لما يجري في بيتها، وتم الاتصال بمصالح الأمن لمعاينة الأمر، فكلفت الزوجة بوضع مسجل صوتي داخل مزهرية في غرفة الضيوف، وكانت المفاجأة الكبيرة بعد تحليل الشريط السمعي أن الزوج ( الإمام ) لم يكن سوى يهودي، وكان يؤدي رفقة ضيوفه صلاة اليهود كل يوم سبت، وأصبح مفهوما لماذا كان زوجها يأمرها بوضع إزار أزرق، فقد كان علامة لضيوفه بأن المكان آمن، أما مسألة طبق الكسكسي بدون ( مرقة ) ، فهو راجع لأن اليهود يوم السبت لا يشعلون النار ولا يأكلون اللحم .. لكن اللغز المحير هو كيف تمكن من الهرب رفقة جماعته عندما حاولت مصالح الأمن القبض عليه ؟ وعندما سئلت المحامية بن براهم عن هذا الأمر قالت ( إنه نفس السؤال الذي لم أحصل على إجابة له، فقد أخبرتني عائلة موكلتي بأنها لم تر الزوج الهارب منذ اكتشاف أمره )  وأضافت بن براهم أن ( الدعوى القضائية رفعت بعنوان الإهمال العائلي، وبعد مراسلة الزوج على عنوان بيت الزوجية عدة مرات بدون رد حصلت الضحية على ورقة  الطلاق ) . [158]

  وما ورد على لسان وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد : حينما دعا      في أكتوبر 2003م، إلى تشكيل وكالة جديدة تساعد على مواجهة ما أسماه حرب الأفكار الخاصة بالإرهاب الدولي ويقصد بهذه الحرب معركة الفكر مع أولئك الذين تجندهم الشبكات الإرهابية في كافة أنحاء العالم. ويعلل ذلك بأن في مقابل كل إرهابي يعتقله التحالف حسب قوله أو يقتله أو يردعه أو يثنيه، هناك آخرون يتدربون. لذلك لا بد من خوض حرب الأفكار لمنع الجيل الجديد من الإرهابيين في تنظيم صفوفه .    لذا يجب على المسلمين عامة والجماعات الإسلامية خاصة التنبه إلى تلك الاختراقات ويكونا على حذر شديد حتى لا يلدغوا من ذات الجحر مرات ومرات .

 

ج/ الإعلام الغربي :-

  إن من أكبر العقبات التي تواجه الصحوة الإسلامية ما يعرف بالغزو الإعلامي الغربي وأن الصراع بين الإعلام الغربي والصحوة الإسلامية يزداد حدة وفي هذا الصدد يقول إبراهيم راشد : ( أن هجمة وسائل الإعلام الغربية القوية أصبحت مركبة ومضاعفة على المسلمين : فهم كما يبدو غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم والأسوأ هو أنهم غير قادرين على فهم طبيعة أهداف الهجمة ، فالتهديدات الفارغة للقادة وضيق الأفق للدارسين تجعلهم يبدون في حالة يرثى لها ، كأقزام يتجادلون فيما بينهم بينما عملاق الأعداء القوي على الأبواب ... والمسلم العادي يتحسس هذه الخطورة ، ويزداد توتره لعدم ثقته في قيادته فهو يواجه هذا العدو منفردا ) .[159]

  إن الصراع بين أهل الصحوة والإعلام الغربي في ضراوة . ولكن مع فارق الإمكانات الذي هو في صالح الغرب وهذا ما أشار إليه محمد توهيل : على أن هذا الصراع يزداد حدة لما يستخدم فيه من إمكانات إعلامية هائلة يمتلكها الأقوياء وتأثيرها شمل من يمشي في ركابها أو ذاك الذي يحاول الهروب منها ( لأن سلطان الإعلام قد عم العالم فلم يسلم منه شعب من الشعوب .... وبالرغم من اعتراض الحكومات على الصور والمعلومات وكل ما يبث إلا أنها لم تعد تستطيع أن تنشر سيادتها على فضائها الجوي أو تتحكم فيه ، فالمراقبة أصبحت مستحيلة ) .[160]

د/ الصهيونية :-

  وهي حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى ، واشتقت كلمة صهيونية من اسم جبل صهيون في القدس المحتلة . ويعد هرتزل اليهودي النمساوي الداعية الأول للفكر الصهيوني الذي تقوم على مبادئه الحركة الصهيونية المعاصرة . ومن خلال أقوالهم آلاتية يتبين لنا مدى خطورة تلك الحركة على الصحوة الإسلامية . فهم :

- يقولون : سنكثر من إشاعة المتناقضات ونلهب الشهوات ونؤجج العواطف.

- يقولون : سننشئ ( إدراة الحكومة العليا ) ذات الأيدي الكثيرة الممتدة إلى كل أقطار الأرض والتي يخضع لها كل الحكام .

- يقولون : يجب أن نسيطر على الصناعة والتجارة ونعود الناس على البذخ الترف والانحلال ونعمل على رفع الأجور وتيسير القروض ومضاعفة فوائدها  عند ذلك سيخر الأمميون ساجدين بين أيدينا .

- يقولون : في الرسميات يجب علينا أن نتظاهر بنقيض ما نضمر فنستنكر الظلم وننادي بالحريات ونندد بالطغيان .

- يقولون : إن الصحافة جميعها بأيدينا إلا صحفاً قليلة غير محتفل بها  وسنستعملها لبث الشائعات حتى تصبح حقائق وسنشغل بها الأمميين عما ينفعهم ونجعلهم ينجرون وراء الشهوة والمتعة .

- يقولون : الحكام أعجز من أن يعصوا أوامرنا لأنهم يدركون أن السجن أو الاختفاء من الوجود مصير المتمرد منهم فيكونوا أعظم طاعة لنا وأشد حرصاً ورعاية لمصالحنا .

- يقولون : سنعمل على ألا يكشف مخططنا قبل وقته ولا نهدم قوة الأمميين قبل الأوان .

- يقولون : نحن الذين وضعنا طريقة التصويت ونظام الأغلبية المطلقة ليصل إلى الحكم كل من نريد بعد أن نكون قد هيأنا الرأي العام للتصويت عليهم .

- يقولون : سنفكك الأسرة وننفخ روح الذاتية في كل فرد ليتمرد ونحول دون وصول ذوي الامتياز إلى الرتب العالية .

- يقولون : لا يصل إلى الحكم إلا أصحاب الصحائف السود غير المكشوفة وهؤلاء سيكونون أمناء على تنفيذ أوامرنا خشية الفضيحة والتشهير. كما نقوم بصنع الزعامات وإضفاء العظمة والبطولة عليها .

- يقولون : سنستعين بالانقلابات والثورات كلما رأينا فائدة لذلك .


- يقولون : لقد أنشأنا قوانا الخفية لتحقيق أهدافنا ولكن البهائم من الأمميين يجهلون أسرارها فوثقوا بها وانتسبوا إلى محافلها فسيطرنا عليهم وسخرناهم لخدمتنا .

- يقولون : إن تشتيت شعب الله المختار نعمة وليست ضعفاً وهو الذي أفضى بنا     إلى السيادة العالمية .

- يقولون : ستكون كل دور النشر بأيدينا وستكون سجلات التعبير عن الفكر الإِنساني بيد حكومتنا وكل دار تخالف فكرنا سنعمل على إغلاقها باسم القانون .

- يقولون : ستكون لنا مجلات وصحف كثيرة مختلفة النزعات والمبادئ وكلها تخدم أهدافنا .

- يقولون : لابد أن نشغل غيرنا بألوان خلابة من الملاهي والألعاب والمنتديات العامة والفنون والجنس والمخدرات لنلهيهم عن مخالفتنا أو التعرض لمخططاتنا .

- يقولون : سنمحو كل ما هو جماعي وسنبدأ المرحلة بتغيير الجامعات وسنعيد تأسيسها حسب خططنا الخاصة .

- يقولون : سنتصرف مع كل من يقف في طريقنا بكل عنف وقسوة .


- يقولون : سنكثر من المحافل الماسونية وننشرها في كل وسط لتوسيع نطاق سيطرتنا .

- يقولون : عندما تصبح السلطة في أيدينا لن نسمح بوجود دين غير ديننا على  الأرض .

إنها أقول لا نحتاج إلى تعليق فهي واضحة وبينة . وما يحدث في العالم الإسلامي الآن وسابقاً وما يمكن أن يحدث يؤكد صدق تلك الأقوال , فالمصائب والكوارث الاجتماعية والأخلاقية إلا وليد تلك الحركة الصهيونية .

المبحث الرابع : مفاهيم ومصطلحات :

الأصولية ، التطرف ، والإرهاب ، والحداثة :

المطلب الأول : الأصولية :

أولاً : الأصولية : لغة :

  يقول ابن منظور :

( أصل ) الأَصْلُ أَسفل كل شيء وجمعه أُصول لا يُكَسَّر على غير ذلك وهو اليأْصُول يقال أَصل مُؤَصَّل واستعمل ابن جني الأَصلية موضع التأَصُّل فقال الأَلف وإِن كانت   في أَكثر أَحوالها بدلاً أَو زائدة فإِنها إِذا كانت بدلاً من أَصل جرت في الأَصلية مجراه وهذا لم تنطق به العرب إِنما هو شيء استعملته الأَوائل في بعض كلامها وأَصُل الشيءُ صار ذا أَصل قال أُمية الهذلي وما الشُّغْلُ إِلا أَنَّني مُتَهَيِّبٌ لعِرْضِكَ ما لم تجْعَلِ الشيءَ يَأْصُلُ وكذلك تَأَصَّل ويقال اسْتَأْصَلَتْ هذه الشجرةُ أَي ثبت أَصلها واستأْصل افيفي ُ بني فلان إِذا لم يَدَعْ لهم أَصْلاً واستأْصله أَي قَلَعه من أَصله وفي حديث الأُضحية أَنه نهى عن المُسْتَأْصَلة هي التي أُخِذ قَرْنُها من أَصله وقيل هو من الأَصِيلة بمعنى الهلاك واسْتَأْصَلَ القومَ قَطَعَ أَصلَهم واستأْصل افيفي شَأْفَتَه وهي قَرْحة تخرج بالقَدَم فتُكْوى فتذهب فدَعا افيفي أَن يذهب ذلك عنه .

ثانياً : نشأة الأصولية وتعريفها :

  هي فكرة بروتستانتية ظهرت في القرن السابع عشر تدعو إلى التمسك الحرفي بالتعليمات المسيحية ( المنحرفة ) في مقابل التقليل من شأن تعاليم الكنيسة .

   إذاً فالأصولية غربية النشأة مأخوذة عن الكلمة الإنجليزية ( Radicalism ) وأصلها ( Radical ) والتي تعني بالعربية الأصل والجذر .

 

 

 

أما تعريفها عند الغربيين :

أ. تعرّف الراديكالية ( الأصولية ) بأنها : ( موقف أولئك الذين يرفضون تكييف عقيدة مع الظروف الجديدة ) .[161] وجاء في ذات القاموس شرح كلمة أولئك الذين        يرفضون ... قال : ( إن أولئك هم الكاثوليكيون الذين يكرهون التكييف مع ظروف الحياة الجديدة ) .[162]

ب. تعرّف الراديكالية ( الأصولية ) بأنها : ( موقف جمود وتصلب معارض لكل نمو ولكل تطور ) .[163]

ج. عرّفها لاروس الفرنسي 1987م بأنها : ( موقف بعض الكاثوليكيين الذين يرفضون كل تطور عندما يعلنون أنسابهم إلى التراث ) .

  عليه فالأصولية وليدة الغرب وظهرت هناك منذ القرن السابع عشر الميلادي . ولم تكون معروفة لدى المسلمين ولم تستخدم عندهم كمصطلح إلاّ في الآونة الأخيرة . ولم يطلقها المسلمون على الجماعات الإسلامية ولم أطلقها الغرب . ومن الذين أطلقوها المستشرق الروسي ( فيتالي ناودمكين ) وديلي كلاس الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الأسبق يصرح في مقاله مع المجلة الألمانية ( سود ويتشه تسايتونغ ) قائلاً : ( إن الأصولية الإسلامية تشكل تهديداً للغرب بالقدر الذي كانت تشكله الشيوعية .... ) .[164]   

  وجاء في النيويورك تايمز : أن الأصولية الإسلامية أصبحت سريعاً التهديد الأساسي للسلام الشامل والأمن ) .[165]

  ونشرت الإنتر ناشيونال ميرالد تريبون مقالاً جاء فيه ( إن التهديد الإسلامي     يشبه تهديد النازية ، والفاشية في أعوام الثلاثينيات وتهديد الشيوعية في أعوام الخمسينيات ) .[166]

ثالثاً : مصطلح الأصولية في العالم الإسلامي :

  إن العالم الإسلامي لم يكن يعرف هذا المصطلح إلاّ مؤخراً وفي هذا الصدد يقول      الدكتور / عبد الصبور شاهين : ( إن كلمة الأصولية مأخوذة عن الثقافة المسيحية    ولم يعرفها الإسلام أبدا في تاريخه الثقافي، والإسلام عرف مصطلحات كثيرة في إطار انقسام المذهبية والطائفية ولكنه لم يعرف هذا المصطلح في تاريخه، إلا إن هذا المصطلح يمكن أن يطلق على الدارسين لعلم أصول الفقه، أي أن يقال فلان أصولي، أي عالم   في أصول الفقه ولكن أن يحرف هذا المصطلح ويقال إن المسلمين أصوليون، أي جماعات تنضوي تحت لواء التعصب إنما هو اتهام استعماري يحاول المستعمرون من خلاله أن يلصقوا بالإسلام ما يشوه تاريخه كله بما يسمى بالأصولية البغيضة التي تعني الإرهاب والعنف واضطهاد الأديان ومصادرة الآراء المخالفة وكبت حرية المرأة ومعاداة الحضارة الغربية ) .

  وأضاف الدكتور شاهين إن هناك حرصاً على إظهار الأصولية الإسلامية، كما يدعون أنها ليست عملية محددة ولذلك يربطونها بالنصوص القرآنية التي تحث على الجهاد الدائم ونظرية دار الإسلام ودار الحرب ورفض الأديان الأخرى، بعد أن يعطوا لهذه النصوص التفسيرات التي تلائم هذا الغرض وتؤكده، يربطون ذلك بالوضع الحاضر .

  ويوضح الدكتور شاهين أن « الأصولية » مصطلح مشبوه له معناه السيئ في تاريخ المسيحيين ، مشيراً إلى أن محاكم التفتيش التي أقيمت إبان تصفية الوجود الإسلامي   في الأندلس أقامها الأصوليون المسيحيون وهي تعد نموذجاً واضحاً للأصولية العدوانية .

  وبتابع الدكتور شاهين، كان المسلم الذي يمثل أمام هذه المحاكم يخير بين القتل    أو الارتداد عن الإسلام ، وهذه هي الظروف التاريخية التي ظهر فيها مصطلح الأصولية فهو في الحقيقة وصف لائق يطلق على الدوافع السياسية التي تقود الغرب الآن لمحاربة الإسلام، فالذين يحاربون الإسلام الآن في أوروبا وأميركا هم الأصوليون المسيحيون وهؤلاء هم أعداء حقيقيون للمسلمين فقد عانى العالم الإسلامي من استعمارهم واستغلالهم لخيراته ولم يكد يفيق من هذه الموجة الاستعمارية البشعة حتى بدأوا يطوقون رؤى المسلمين ويصدعونها بهذه الدعاوى الكاذبة، لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن استغلال واستعمار العالم الإسلامي .

  ويضيف الدكتور شاهين : عرف الغرب دائما نوعين من الإسلام ، الإسلام الذي وقف شامخا في مواجهة الاستعمار الغربي واستغلاله لخيرات المسلمين، والإسلام الذي يقتصر الانتماء إليه على شهادة الميلاد فقط، في حين يعمل أصحابه على محاربته وهذا الوضع يرضي الغرب عنه كل الرضاء لأن الغرب مستعد أن يعمل المستحيل لإبقاء الأوضاع كما هي واستبعاد الإسلام الصحيح ، الذي يقف عقبة كؤودا في وجهه ويمنعه من التوسع والتغلغل في ديار المسلمين، وبالتالي فإن الغرب يستخدم مصطلح الأصولية الإسلامية لتشويه صورة الإسلام ، فكما إن الغرب يستخدم تعبير الأصولية الإسلامية تعبيراً عن الإسلام الصحيح الذي يقصده ويتجنبه فإنه يحاول أن يصم هذا الإسلام الصحيح بكل نقيصة ويجعله مرادفا للإرهاب والتشدد والعنف .[167]

  ومن جانبه يرفض الدكتور عبد العظيم المطعني أستاذ الدراسات العليا في جامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة الربط بين « الأصولية » وما يدل عليه هذا المصطلح حين يطلقه الغرب على الإسلام ، فالأصولية الإسلامية لدى الغرب معناها الإرهاب والعنف، فالغرب يريد أن يصور للناس إن التدين يساوي إرهاباً وبالتالي فإنهم يبررون اعتداءاتهم على الإسلام ، وهم يعلمون أن ما يقولونه مجرد وهم وافتراء على الإسلام ، فمثلا قامت الولايات المتحدة الأميركية، بسبب وجود بعض الجماعات المتطرفة التي لم تعبر عن الإسلام، بل إن الإسلام ينكر أفعالها، بتدمير دولة إسلامية هي أفغانستان واتهمت المؤسسات الخيرية بأنها تدعم الإرهاب وتغذيه وطالبت الإدارة الأميركية النظم العربية والإسلامية بوقف نشاطها .

  ويوضح الدكتور المطعني أن لكل مجتمع نظامه الخاص ، والدول الغربية لها نظمها وعاداتها وتقاليدها التي تحافظ عليها وفي نفس الوقت تستبيح لنفسها الدخول في شؤون العالمين العربي والإسلامي، وكل هذه حجج ومبررات وسببها ضعف المسلمين، لأن العالم الإسلامي لو كان يملك قوة رادعة لعمل له الغرب ألف حساب .[168]

  عليه فإن مصطلح الأصولية لا يمت للإسلام بصلة ولا يمكن بحال أن نطلقه على الجماعات الإسلامية بذات مفهوم الغرب له . فالأصولية الإسلامية روّج لها الغرب عبر وسائل إعلامه المقروءة ، والمسموعة ، والمرئية . ليصف الإسلام والمسلمين بالتعصب والتزمت والانغلاق والعنف . لينفر المواطن الغربي من الإسلام وفي ذات الوقت يخلق هُوة وجفوة بين الجماعات الإسلامية وبين عامة الناس من المجتمع المسلم . ويكون بذلك قد ضرب عصفورين بحجر واحد .

المطلب الثاني : التطرف :

  التطرف رديف لكلمة الغلو . وهو الوقوف على الطرف . والتطرف من المصطلحات التي ظهرت مؤخراً ولم تكن معروفة في الساحة الإسلامية . وهي من المصطلحات الوافدة إلينا من الغرب شأنها شأن الأصولية فمصطلحات ( Radical Fundamental Fanatic ) مصطلحات نشأت في الغرب في العصور الوسطى لأوربا ومعاني تلك المصطلحات أصولي ، متعصب ، متطرف .

  ولكن وفد إلينا هذا المصطلح من الغرب وبات يطلق على طائفة من المسلمين . وشاع تداوله بين العلماء والمفكرين والإعلاميين داخل المجتمع المسلم . وقد اجتهد بعضهم  في وضع تعريف له منهم د. يوسف القرضاوي حيث عرّفه ( بالتعصب للرأي وعدم الإعتراف بالرأي الآخر ) .[169] وجاء في المعجم الوسيط : ( تطرف : جاوز حد الإعتدال ولم يتوسط ) .[170]

مظاهر التطرف :

 

 

مظاهر التطرف

 

ضعف الفهم لحقيقة الدين

 

سوء الظن بالآخرين

 

التعصب للرأي

رسم توضيحي رقم (7)

أ. التعصب للرأي :

  إن من أبرز مظاهر التطرف التعصب للرأي تعصباً يلغي الآخرين تماماً . وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق ولا مقاصد الشرع ولا ظروف عصره وزمانه . ولا يفتح باب الحوار مع الآخرين .

  وهناك نماذج عديدة لهذا النوع من التطرف فهناك من يزعم أنه وحده على الحق ومن عداه على الضلال ومن خالفه يسمه بالفسوق والعصيان وهناك من يجيز لنفسه الاجتهاد في أعوص المسائل الفقهية وأغمض القضايا ويفتي فيها دون الرجوع إلى العلماء وأهل الاختصاص في الفتوى ولا يقبل الاجتهاد من غيره ولو كان من أهل العلم  والفضل .

  إن هذا النوع من التطرف لسان حال أهله يقول : من حقنا أن نتكلم ومن واجبكم أن تسمعوا . ومن حقنا أن نقود ومن واجبكم أن تتبعوا . ورأينا صواب لا يحتمل الخطأ ورأيكم خطأ لا يحتمل الصواب . وبالتالي لا سبيل للالتقاء مع الآخرين بأي حالٍ من الأحوال .

  وقد يتطور أمر التعصب إلى الرأي إلى فرضه على الآخرين . وإذا رفضوا وصفوا بالكفر والإبتداع والمروق من الدين . وأحياناً ربما يصل إلى مرحلة القتل لمن خالف الرأي .

ب. سوء الظن بالآخرين :

  يُعد سوء الظن بالآخرين من مظاهر التطرف المعروفة والمألوفة في عصرنا هذا . فتجد بعض المتطرفين ينظرون إلى الآخرين بعين البغض التي تبدئ المساوئ ولا تلحظ الحسنات فالأصل عند بعضهم الاتهام فإذا خالفتهم في الرأي اتهموك باحتقار السنة فإذا خالفتهم في سنية الأكل جالساً على الأرض أو تقصير الثوب اتهموك بعدم احترام السنة ، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أفتى عالم بفتوى فيها تيسير على المسلمين اتهموه بالتهاون في أمر الدين وإذا عرض داعية الإسلام بأسلوب يلائم العصر اتهموه بالهزيمة النفسية أمام الغرب .

ج. ضعف الفهم لحقيقة الدين :

  يعد ضعف الفهم لحقيقة الدين من مظاهر التطرف فعدم فهم الإسلام والتعمق فيه والوقوف على مقاصده يقود صاحبه إلى التطرف . وقد نبه إلى ذلك الإمام الشاطبي الذي جعل أول أسباب الابتداع والاختلاف المذموم المؤدي إلى تفرق الأمة شيعاً وجعل بأسها بينها شديداً أن يعتقد الإنسان في نفسه من أهل الاجتهاد في الدين وهو لم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً .[171]

  وخلاصة القول أن التطرف مصطلح نشأ في الغرب ولكنه فرض نفسه حتى على معظم علماء الأمة ومفكريها وباتوا يستخدمونه في وصف أولئك الذين تجاوزا حد الاعتدال والتوسط فتعصبوا لرأيهم ورفضوا رأي غيرهم وتبين لنا أن مظاهر التطرف عديدة أوردنا منها التعصب للرأي ، وسوء الظن بالآخرين ، والتكفير ، وضعف الفهم لحقيقة   الدين .

المطلب الثالث : الإرهاب :

أولاً الإرهاب لغة : 

  قال صاحب المحيط في اللغة : ( رَهِبْتُ الشَّيْءَ رُهْباً ورَهَباً ورَهْباً ورَهْبَةً: أي خِفْتَه  وأَرْهَبْتُ فلاناً. والرَّهْبَاءُ : اسْمٌ من الرَّهَب. والإرْهَابُ: الرَّدُّ، أرْهِبْ عنكَ الإبلَ: أي رُدَّها . والرُّهْبَانُ: الرَّهْبَةُ، والرَّهَبُوْتُ مِثْلُه، ويقولون: رُهْبَاكَ خَيْرٌ من رُغْبَاك  .

  ورَهَبُوتي خَيْرٌ من رَحَمُوتي . والرَّهَبَةُ: الرُّهْبَانُ . والتَّرَهُّبُ : التَّعَبُّدُ ، والجميع الرُّهْبَانُ . والرَّهْبَانِيَّةُ: مَصْدَرُ الرّاهِبِ . والرَّهَابَةُ : عَظْمٌ مُشْرِفٌ على البَطْن .    والرًّهْبُ : الجَمَلُ الذي قد اسْتُعْمِل في السَّفَر وكَلَّ، والأنْثى رَهْبَةٌ ، وهي المَهْزُوْلُة   أيضاً . ورَهَّبَ الرَّجُلُ: أعْيا . وناقَةٌٌ رَهْبى: مُعْييَةٌ. وبَعِيرٌ رَهْبٌ: عَظِيم عَرِيضُ البِطانِ مُشْبُوحُ الخَلْق . ورَهْبى : مَوْضِعٌ . والرِّهَابُ : الرِّقَاقُ من النِّصال . وقد رُهِّبَ : أي ذُلِّلَ ) .[172]  

  وجاء في لسان العرب : ( رَهِبَ بالكسر يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً بالضم ورَهَباً بالتحريك أَي خافَ ورَهِبَ الشيءَ رَهْباً ورَهَباً ورَهْبةً خافَه والاسم الرُّهْبُ والرُّهْبى والرَّهَبوتُ والرَّهَبُوتى ورَجلٌ رَهَبُوتٌ يقال رَهَبُوتٌ خَيرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ أَي لأَن تُرْهَبَ خَيرٌ من أَنْ تُرْحَمَ وتَرَهَّبَ غيرَه إِذا تَوَعَّدَه وأَنشد الأَزهري للعجاج يَصِفُ عَيراً وأُتُنَه تُعْطِيهِ رَهْباها إِذا تَرَهَّبَا على اضْطِمَارِ الكَشْحِ بَوْلاً زَغْرَبا ) .[173]

 

 

ثانياً : الإرهاب : اصطلاحاً :

معنى الإرهاب الاصطلاحي في الدراسات الغربية والعربية :

أولاً: تعريف الإرهاب في الدراسات الأجنبية :


* تعريف قاموس أكسفورد: ( سياسة، أو أسلوب يعد لإرهاب، وإفزاع المناوئين       أو المعارضين لحكومة ما، كما أن كلمة (إرهابي) تشير بوجه عام إلى أي شخص يحاول أن يدعم آراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع) .[174]


* تعريف اللجنة القانونية لمجموعة الدول الأمريكية والمشكلة للإعداد لمشروع اتفاقية لمقاومة الإرهاب والاختطاف: ( أفعال هي بذاتها يمكن أن تكون من الصور التقليدية للجريمة مثل القتل، والحريق العمد، واستخدام المفرقعات، ولكنها تختلف عن الجرائم التقليدية بأنها تقع بنية مبيتة بقصد إحداث الذعر والفوضى والخوف داخل مجتمع منظم وذلك من أجل إحداث نتيجة تتمثل في تدمير النظام الاجتماعي ومثل قوى رد الفعل في المجتمع، وزيادة البؤس، والمعاناة في الجماعة ) .[175]

 
* وتعرفه لغة قرار الأمم المتحدة في ( 1999م ) بأنه: ( كل عمل إجرامي دون سبب وجيه، حيثما تم فعله ومهما كان الفاعل فهو يستحق الشجب ) .[176]

ثانيًا: تعريف الإرهاب في الدراسات العربية:


* تعريف شريف بسيوني الذي أخذت به لجنة الخبراء الإقليميين التي نظمت اجتماعاتها الأمم المتحدة في مركز فيينا 14 ـ 18 مارس 1988م قال : ( إستراتيجية عنف محرم دوليًا؛ تحفزها بواعث عقائدية، وتتوخى إحداث عنف مرعب داخل شريحة خاصة من مجتمع معين لتحقيق الوصول إلى السلطة، أو القيام بدعاية لمطلب  أو لمظلمة بغض النظر عما إذا كان مقترفو العنف يعملون من أجل أنفسهم ونيابة عنها أو نيابة عن دولة من الدول ) .[177]

 
* تعريف اللجنة المكلفة من مجلس جامعة الدول العربية لوضع تصور عربي مشترك لمفهوم الإرهاب عام 1989م : ( هو كل فعل منظم من أفعال العنف، أو التهديد به يسبب رعبًا، أو فزعًا من خلال أعمال القتل ، أو الاغتيال ، أو حجز الرهائن          أو اختطاف الطائرات ، أو السفن، أو تفجير المفرقعات أو غيرها من الأفعال ما يخلق حالة من الرعب والفوضى ، والاضطراب الذي يستهدف أهدافاً سياسية) .[178]              

يقول د عبد الرحمن بن معلا اللويحق : ويلحظ من خلال هذا الحشد لتعريفات        ( الإرهاب ) الملحوظات الآتية:


* إن المفهوم غامض غير محدد: وأكبر أسباب غموض هذا المصطلح، وتباين التعريفات وكثرة الآراء والأقوال عائد إلى ( تباين العقائد أو الأيديولوجيات وتضاربها ) التي اعتنقتها الدول، وارتضتها مناهج حياتية لها ولشعوبها .


إن الاختلاف بين الناس ليس في مصطلح ( الإرهاب ) فحسب، بل الاختلاف بينهم في أصل الدين ، وما المواقف من الحياة والأحياء والأشياء إلا نتاج ذلك، ولا يمكن للخلق أن يجتمعوا على فهم مثل هذا المصطلح إلا أن يكون فهمهم للحياة واحدًا .
إن بني آدم إذا فقدوا الصلة بالوحي وأرادوا تحكيم عقولهم ضاعوا .


( لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتابٌ منزل من السماء، وإذا ردّوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل ) .[179]

 
* التباين في تحديد المصطلح والاضطراب فيه: وهذا ما ذكره بعض الباحثين الغربيين . ففي أبحاث القسم الفيدرالي بمكتبة الكونغرس جاء ما نصه: ( تتنوع تعاريف الإرهاب على نحو واسع، وعادة تكون غير ملائمة، حتى باحثي الإرهاب غالبًا يهملون تحديد الاصطلاح . وبالرغم من ذلك ربّ عمل عنف ينظر إليه في الولايات المتحدة بحسبانه عملاً إرهابيًا لا يرى كذلك في بلد آخر ) .[180]

ثالثاً : ظهور المصطلح :

  يرجع الباحثون أول إطلاق هذه اللفظة إلى أيام الثورة الفرنسية فقد استخدمت كلمة   ( إرهاب ) في فرنسا لوصف نظام حكومي جديد امتد منذ عام 1793م إلى 1794م بحسب موسوعة المورد، إذ حكمت فرنسا خلاله حكمًا إرهابيًا أصبح مضرب المثل    في التأريخ كله، وقد اعتقل خلال هذا العهد ثلاث مئة ألف مشبوه على الأقل، وأُعدم على المقصلة رسميًا نحو سبعة عشر ألف في حين مات كثير في السجون، أو من غير محاكمة.[181]
  وكان المقصود من هذا النظام أن تنشأ ديمقراطية، وحكومة شعبية بتخليص الثورة من أعدائها، وهذه الأعمال العنيفة والاضطهادات من حكم الإرهاب صارت آلة مخوفة   في يد تلك الحكومة، وأصبحت كلمة الإرهاب تتضمن معاني سلبية راسخة في العقلية الغربية .


ومع ذلك فإن الكلمة لم تكن مشتهرة جدًا حتى أوائل القرن التاسع عشر عندما اتخذها فريق ثوريين روس لوصف صراعهم مع الحكومة، ومن ثم صار الإرهاب علمًا على المعنى المشتهر من كونه ضد الحكومات .[182]

  ولا يزال هذا المصطلح ينشر بحسب وجود الأحداث وطبيعتها، فليس ثم مصطلح اختلف فيه قدر الاختلاف في تحديد معنى هذا المصطلح، ومع أن القضية في العالم لها وجه قانوني، ومن طبيعة القضايا القانونية أنها محددة إلا أنها تحولت إلى كونها إعلامية، وأضحى استخدام مصطلح الإرهاب نوعًا من الإرهاب الفكري . وشاع استخدامه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م .

المطلب الرابع : الحداثة :

  الحداثة في اللغة مشتقة من ( حدث ) والتي يقول ابن منظور في معناها :                

( حدث ) الحَدِيثُ نقيضُ القديم والحُدُوث نقيضُ القُدْمةِ حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً وأَحْدَثه هو فهو مُحْدَثٌ وحَديث وكذلك اسْتَحدثه وأَخذني من ذلك ما قَدُمَ وحَدُث ولا يقال حَدُث بالضم إِلاَّ مع قَدُم كأَنه إِتباع ومثله كثير وقال الجوهري لا يُضَمُّ حَدُثَ في شيء من الكلام إِلا في هذا الموضع وذلك لمكان قَدُمَ على الازْدواج وفي حديث ابن مسعود أَنه سَلَّمَ عليه وهو يصلي فلم يَرُدَّ عليه السلامَ قال فأَخذني ما قَدُمَ وما حَدُث يعْني همومه وأَفكارَه القديمةَ والحديثةَ يقال حَدَثَ الشيءُ فإِذا قُرِن بقَدُم ضُمَّ للازْدواج والحُدُوثُ كونُ شيء لم يكن وأَحْدَثَه اللهُ فَحَدَثَ وحَدَثَ أَمرٌ أَي وَقَع ومُحْدَثاتُ الأُمور ما ابتدَعه أَهلُ الأَهْواء من الأَشياء التي كان السَّلَف الصالحُ على غيرها وفي الحديث إِياكم ومُحْدَثاتِ الأُمور جمعُ مُحْدَثَةٍ بالفتح وهي ما لم يكن مَعْرُوفاً      في كتاب ولا سُنَّة ولا إِجماع وفي حديث بني قُرَيظَة لم يَقْتُلْ من نسائهم إِلا امْرأَةً واحدةً كانتْ أَحْدَثَتْ حَدَثاً قيل حَدَثُها أَنها سَمَّتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلُّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ وفي حديث المدينة من أَحْدَثَ فيها حَدَثاً أَو آوَى مُحْدِثاً الحَدَثُ الأَمْرُ الحادِثُ المُنْكَرُ الذي ليس بمعتادٍ ولا معروف   في السُّنَّة والمُحْدِثُ يُروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول فمعنى الكسر مَن نَصَرَ جانياً وآواه وأَجاره من خَصْمه وحال بينه وبين أَن يَقْتَضَّ منه وبالفتح هو الأَمْرُ المُبْتَدَعُ نَفْسُه ويكون معنى الإِيواء فيه الرضا به والصبر عليه فإِنه إِذا رَضِيَ بالبِدْعة وأَقرّ فاعلَها ولم ينكرها عليه فقد آواه واسْتَحْدَثْتُ خَبَراً أَي وَجَدْتُ خَبَراً جديداً قال ذو الرمة أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عن أَشْياعهم خَبَراً أَم راجَعَ القَلْبَ من أَطْرابه طَرَبُ ؟ وكان ذلك في حِدْثانِ أَمْرِ كذا أَي في حُدُوثه وأَخذَ الأَمْر بحِدْثانِه وحَدَاثَته أَي بأَوّله وابتدائه وفي حديث عائشة رضي الله عنها ( لولا حِدْثانُ قَوْمِك بالكُفْر لَهَدَمْتُ الكعبةَ وبَنَيْتُها )[183] حِدْثانُ الشيء بالكسر أَوّلهُ وهو مصدر حَدَثَ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحِدْثاناً والمراد به قُرْبُ عهدهم بالكفر والخروج منه والدُّخولِ في الإِسلام وأَنه لم يتمكن الدينُ من قلوبهم فلو هَدَمْتُ الكعبة وغَيَّرْتُها ربما نَفَرُوا من ذلك وفي حديث حُنَين إِني لأُعْطِي رجالاً حَديثِي عَهْدٍ بكفر أَتَأَلَّفُهم وهو جمعُ صحةٍ لحديثٍ وهو فعيل بمعنى فاعل ومنه الحديث أُناسٌ حَديثةٌ أَسنانُهم حَداثةُ السِّنِّ كناية عن الشَّباب وأَوّلِ العمر ومنه حديثُ أُم الفَضْل زَعَمَت امرأَتي الأُولى أَنها أَرْضَعَت امرأَتي الحُدْثى هي تأْنيثُ الأَحْدَث يريد المرأَة التي تَزَوَّجَها بعد الأُولى وحَدَثانُ الدَّهْر .[184]

والحداثة في الاصطلاح :

  مذهب فكري أدبي علماني مبني على أفكار وعقائد غريبة يهدف إلى إلغاء مصادر الدين وما صدر عنها من عقيدة وشريعة .[185]

  بدأ هذا المذهب في الظهور في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي على وجه التقريب  على يد كثير من الأدباء والسرياليين ، والرمزيين ، والماركسيين ، وبعد ذلك انتقل   إلى بلاد المسلمين فنبت وسط الأدباء الماديين والعلمانيين من أبناء المسلمين .

أبرز رموزه :

  وكان من أبرز رموز مذهب الحداثة - شارل بودلير 1821 – 1867م وهو أديب فرنسي أيضاً نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية، ووصفها بالسادية أي مذهب التلذذ بتعذيب الآخرين . له ديوان شعر باسم أزهار الشر مترجم للعربية من قبل الشاعر إبراهيم ناجي، ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي .
- الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821 – 1880م .


- مالا راميه 1842 – 1898م وهو شاعر فرنسي ويعد أيضاً من رموز المذهب الرمزي .
- الأديب الروسي مايكوفسكي ، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل .
رموز مذهب الحداثة في العالم العربي :

 ومن رموز مذهب الحداثة في البلاد العربية :


- يوسف الخال – الشاعر النصراني وهو سوري الأصل رئيس تحرير مجلة شعر الحداثية. وقد مات منتحراً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.


- أدونيس ( علي أحمد سعيد ) نصيري سوري، ويعد المُروِّج الأول لمذهب الحداثة     في البلاد العربية، وقد هاجم التاريخ الإسلامي، والدين والأخلاق في رسالته الجامعية التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ( القديس يوسف ) في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول، ودعا بصراحة إلى محاربة الله عز وجل . وسبب شهرته فساد الإعلام بتسليط الأضواء على كل غريب .


- د. عبد العزيز المقالح – وهو كاتب وشاعر يماني، وهو الآن مدير لجامعة صنعاء وذو فكر يساري .


- عبد الله العروي – ماركسي مغربي .


- محمد عابد الجابري مغربي .


- الشاعر العراقي الماركسي عبد الوهاب البياتي .


- الشاعر الفلسطيني محمود درويش – عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي أثناء إقامته بفلسطين المحتلة، وهو الآن يعيش خارج فلسطين .


- كاتب ياسين ماركسي جزائري .


- محمد أركون جزائري يعيش في فرنسا .


- الشاعر المصري صلاح عبد الصبور – مؤلف مسرحية الحلاج .



الأفكار والمعتقدات :

  نجمل أفكار ومعتقدات مذهب الحداثة كما هي عند روادها ورموزها وذلك من خلال كتاباتهم وشعرهم فيما يلي:


- رفض مصادر الدين، الكتاب والسنة والإجماع، وما صدر عنها من عقيدة إما صراحة أو ضمناً .


- رفض الشريعة وأحكامها كموجه للحياة البشرية .


- الدعوة إلى نقد النصوص الشرعية، والمناداة بتأويل جديد لها يتناسب والأفكار الحداثية .


- الدعوة إلى إنشاء فلسفات حديثة على أنقاض الدين .


- الثورة على الأنظمة السياسية الحاكمة لأنها في منظورها رجعية متخلفة أي غير حداثية، وربما استثنوا الحكم البعثي .


- تبني أفكار ماركس المادية الملحدة، ونظريات فرويد في النفس الإنسانية وأوهامه  ونظريات دارون في أصل الأنواع وأفكار نيتشة، وهلوسته، والتي سموها فلسفة        في الإنسان الأعلى ( السوبر مان ) .


- تحطيم الأطر التقليدية والشخصية الفردية، وتبني رغبات الإنسان الفوضوية والغريزية.
- الثورة على جميع القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية الإنسانية، وحتى الاقتصادية والسياسية .


- رفض كل ما يمت إلى المنطق والعقل .


- اللغة – في رأيهم – قوة ضخمة من قوى الفكر المتخلف التراكمي السلطوي، لذا يجب أن تموت، ولغة الحداثة هي اللغة النقيض لهذه اللغة الموروثة بعد أن أضحت اللغة والكلمات بضاعة عهد قديم يجب التخلص منها :


- الغموض والإبهام والرمز – معالم بارزة في الأدب والشعر الحداثي .


- ولا يقف الهجوم على اللغة وحدها ولكنه يمتد إلى الأرحام والوشائج حتى تتحلل الأسرة، وتزول روابطها، وتنتهي سلطة الأدب وتنتصر إرادة الإنسان وجهده على الطبيعة والكون .


? ومن الغريب أن كل حركة جديدة للحداثة تعارض سابقتها في بعض نواحي شذوذها وتتابع في الوقت نفسه مسيرتها في الخصائص الرئيسة للحداثة .


? إن الحداثة هي خلاصة سموم الفكر البشري كله، من الفكر الماركسي إلى العلمانية الرافضة للدين ، إلى الشعوبية ، إلى هدم عمود الشعر، إلى شجب تاريخ أهل السنة كاملاً ، إلى إحياء الوثنيات والأساطير .


? ويتخفى الحداثيون وراء مظاهر تقتصر على الشعر والتفعيلة والتحليل، بينما هي تقصد رأساً هدم اللغة العربية وما يتصل بها من مستوى بلاغي وبياني عربي مستمد من القرآن الكريم، وهذا هو السر في الحملة على القديم وعلى التراث وعلى السلفية .      ( إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي ) .[186]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس : الحريات وحقوق الإنسان :

  تعد قضية الإنسان من القضايا القديمة قدم الإنسان نفسه واختلف الناس في معالجتها قديماً وحديثاً . وخضعت لحركتي المد والجزر، عبر العصور المختلفة ، ويرجع ذلك إلى اختلاف الناس حول تحديد تلك الحقوق ، وأبعادها ، ومن يجب عليه أداؤها ، ومن يستحقها ، ومن الذي يقوم بتنفيذها . وما هي آليات تنفيذها . وإذا تتبعنا تاريخ ظهور مصطلح ( حقوق الإنسان ) نجد أنها مرت بعدة مراحل ، سنشير إليها في المطلب الأول من هذا المبحث .

المطلب الأول :- نبذة تاريخية عن نشأة مصطلح حقوق الإنسان :

أ/ المرحلة الأولي :-

  تعد الوثيقة التي أقر بها الملك ( جون ) في انجلترا عام 1215م تحت ضغط الأمراء والنبلاء الإنجليز بمثابة المرحلة الأولى لما يعرف بحقوق الإنسان . وكان فحوى ومضمون الوثيقة عبارة عن اتفاق بين الملك والأمراء . لذا جاءت في الجزء الأعظم منه في صالح الأمراء والنبلاء . حيث جاءت متضمنة لحقوقهم ومصالحهم دون التطرق إلى حقوق عامة الناس ومع كونها كانت قاصرة على حقوق طائفة تمثل شريحة قليلة جداً من الناس . إلا أنها كانت بمثابة اللبنة الأولى لنشأة ما يعرف بحقوق الإنسان .[187]

المرحلة الثانية : -

  بعد وثيقة الملك جون جاءت المرحلة الثانية التي يجسدها كتيب التوماس بائين الموسوم ( الحقوق الإنسانية ) ( RIGHTS of MAN ) وكان لهذا الكتاب الأثر الجلي في إحداث انقلاب جوهري في أفكار المجتمع الغربي . ويرجع الفضل لمؤلف هذا الكتيب في تعميم نظرية حقوق الإنسان في الدول الغربية . في عام 1791م . مع كون المؤلف لم يكن يؤمن بدين سماوي بل العصر الذي ولد فيه ( 1737- 1809م ) كان عصر التمرد على الدين ، ولعل ذلك حمل عامة الناس على ظنهم أن الأديان السماوية تخلو من حقوق الإنسان .[188]

المرحلة الثالثة :-

  تلي ذلك ما يعرف بميثاق حقوق الإنسان ( Declaration of The Rights of Man ) والذي يعد أهم صفحة في تاريخ الثورة الفرنسية . وظهر هذا الميثاق في عام 1791م ذات السنة التي أشرنا إليها في المرحلة الثانية . وكان هذا الميثاق ثمرة لما أحدثه ذلك الكتيب ، وثمرة للفلسفة الاجتماعية التي سادت في القرن الثامن عشر ونظرية العقد الاجتماعي .[189]

المرحلة الرابعة :-

  يجسدها مبدأ الحريات الأربع = ( حرية التعبير ، والحرية الدينية ، والتحرر من الفقر والعوز ، والتحرر من الخوف ) ، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي فرانكين روزفلت ( 1882-1942م ) وعلى المستوى الإقليمي أصبح مبدأ حقوق الشعوب        في الاستقلال الوطني تعبيراً ذا مدلول محدد وجديد ضمن مفاهيم الحرية جاء به ميثاق الأطلسي الذي أعلنه الرئيسان : الأمريكي ( روزفلت والبريطاني تشرشل عام    1941م ) .[190]   

المرحلة الخامسة والأخيرة :-

  وأخيراً ظهر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان على مسرح العالم وتجسد ما يعرف بوثيقة حقوق الإنسان العالمية التي أقرت في 10/12/1948م والتي حوت حقوق الإنسان الأساسية وقد جاءت في عدة مواد . تقوم على احترام حقوق الإنسان وتوفير الحريات الأساسية لجميع الناس بقطع النظر على الجنس واللون واللغة والدين . وقد جاء الميثاق من مقدمة وثلاثين مادة .[191]

المطلب الثاني : نصوص مواد الميثاق العام العالمي لحقوق الإنسان :-

المادة الأولى : يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء.

 المادة الثانية : لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين  أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر ، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون تفرقة بين الرجال والنساء، وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي     أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود .

المادة الثالثة : لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.

المادة الرابعة: لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، و يحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها  .

المادة الخامسة : لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية     أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة .

المادة السادسة : لكل إنسان أينما وجد أن يعترف بشخصيته القانونية .

المادة السابعة : كل الناس سواسية أمام القانون ، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان، وضد أي تحريض على تمييز كهذا .

المادة الثامنة : لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه القانون .

المادة التاسعة : لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً .

المادة العاشرة : لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن ينظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه.

المادة الحادية عشرة : كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا حتى تثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمَن له فيها .

المادة الثانية عشرة : لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته       أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات .

المادة الثالثة عشرة :

(أ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.

(ب) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه .

المادة الرابعة عشرة :  

(أ) لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من  الاضطهاد  .

(ب) لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية، أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها .

المادة الخامسة عشرة :

(أ) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.

(ب) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكارا لحقه في تغييرها.

 

المادة السادسة عشرة :

أ- للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة ، دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج، وأثناء قيامه، وعند انحلاله.

ب- لا يبرم عقد الزواج إلا برضا الطرفين الراغبين في الزواج، رضا كاملا لا إكراه فيه.

ج- الأسرة هي الوحدة الطبيعية للمجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع وحماية الدولة .

المادة الثامنة عشرة : لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سرا أو مع الجماعة.

المادة التاسعة عشرة : لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل ذلك حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل ؟ واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية .

المادة العشرون :

 (أ) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية

(ب) لا يجوز إرغام أحد على جماعة ما.

المادة الحادية والعشرون :

(أ) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده. إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.

(ب) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

(ج) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري، وعلى قدم المساواة بين الجميع      أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت .

 

المادة الثانية والعشرون :

  لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية، وفي أن تحقق بواسطة المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته، وللنمو الحر لشخصيته .

المادة الثالثة والعشرون :

(أ) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية، كما أن له حق الحماية من البطالة .

(ب) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.

(ج) لكل فرد الحق في أجر عادل مرض مقابل عمله، يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان ، تضاف إليه عند اللزوم وسائل أخرى للحماية الاجتماعية .

(د) لكل فرد الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات، حماية لمصلحته .

المادة الرابعة والعشرون :

  لكل شخص الحق في الراحة، وفي أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل، وفي عطلات دورية بأجر.

المادة الخامسة والعشرون :

(أ) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة، وغير ذلك من وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

(ب) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعَم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية ، سواء كانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أم بطريقة غير  شرعية .

 

المادة السادسة والعشرون :

(أ) لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان ، وأن يكون التعليم الأولي إلزاميا، وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني ، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع، وعلى أساس الكفاءة  .

(ب) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية، وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهودات الأمم المتحدة لحفظ السلام ....

(ج) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أَولادهم.

المادة السابعة والعشرون :

(أ) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكا حرا في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي، والاستفادة من نتائجه.

(ب) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي     أَو الأدبي أو الفني.

المادة الثامنة والعشرون :

لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققاً تاماً.

المادة التاسعة والعشرون :

(أ) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أَن تنمو نمواً حراً كاملاً.

(ب) يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط  لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي .

(ج) لا يصح بأي حال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة الثلاثون :

  ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه .

  إذا تأملنا نصوص المواد أعلاه نجد أنها خلت تماماً من فرض أي التزام على أي طرف بمعنى أنه لم يكن ميثاقاً تلتزم به الأطراف الموقعة عليه ، ولعل هذا يفسر تجاوز الدول – وبخاصة الكبرى منها – لنصوص ذلك الميثاق منذ توقيعه 10/12/1948م وحتى عامنا هذا 2009م فقد شهدت هذه الفترة الكثير من أنواع الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي . والتميز العنصري وغيرها .

المطلب الثالث : بعض الأمثلة على التجاوز :

أ/ وجود المعتقلين السياسيين في معظم دول العالم وإعداد وإحصائيات كثيرة من تقارير لهو خير دليل على تلك الانتهاكات .

ب/ انتشار التعذيب فيما يعرف بالحبس الاحتياطي ففي إحصائية أوردها الأستاذ لويز راى في العام 1976م قال :-  

1/ إن الذين يخضعون للتعذيب في اليوم في دول العالم يقدر بمائة وثمانين           ألفا (180.000) شخص يقوم بتعذيبهم خمسمائة وأربعون ألف (540.000 ) مسئول رسمي .

2/ العدد اليومي لمن يعانى من أساليب المعاملة غير الإنسانية في السجون العادية مليون (1000.000 ) شخص[192] . إذا كان ذلك في العام 1976م فيا ترى كم تكون الأعداد  اليوم !!!

ب/ ما قام به الاتحاد السوفيتي في حربه على المسلمين من كبت وقتل ونفي إلى سيبريا   ومحاربة للدين الإسلامي وحمل المسلمين على تركه ، واعتناق المذهب الاشتراكي اللادينى .

ج/ ما قامت به بريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا والبرتقال مع استعمار للشعوب واستغلال لخيراتها وقتل وحبس للثوار في تلك البلاد . حتى بلغ عدد الشهداء       في الجزائر فقط مليون شهيد فهذه فرنسا التي تزعم أنها صاحبة الثورة الفرنسية التي تحدثنا عنها في المرحلة الثالثة .

د/ ما قامت – وتقوم – به أمريكا وبريطانيا في العراق من قتل وتعذيب ( أبو غريب ) ونهب للثروات وكتم للحريات .

هـ/ ما قامت به أمريكا وحلف الناتو في أفغانستان من قتل وتشريد وحبس وتعذيب وحمل الناس على تغيير معتقداتهم وتوزيع الإنجيل من قبل الجنود ) وما قامت به أمريكا في سجن العصر ( غوانتنامو ) . الذي ملأت أخباره وفظائعه شاشات الفضائيات ومحطات  الإذاعات .

و/ ما قامت – وتقوم – به إسرائيل بل وعلى مرأى ومشهد من العالم أجمع عبر شاشات الفضائيات من قتل وإبادة واستخدام أسلحة محرمة دولياً في غزة وقتل   الأطفال والنساء والمدنيين الآلاف مع صمت تام من مؤسسات حقوق الإنسان .

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الرابع :الحريات وحقوق الإنسان في الإسلام :

  إن الإسلام سبق جميع مراحل حقوق الإنسان التي أشرنا إليها سابقاً فمنذ بزوغ شمس الإسلام بوصفه الدين الخاتم فقد جاء متضمناً على جميع ما يمكن أن نسمه بحقوق الإنسان .  

  إن حقوق الإنسان في الإسلام هي من صميم الدين شرعها المولى عز وجل ، وبينها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم . فلم يكن إقرارها نتيجة لمطالبات ومظاهرات بل كفلها الله من فوق سبع سموات فكانت حماية تلك الحقوق هي مقصد الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد . في معاشهم ومعادهم والتي تتحقق بحماية الكليات الخمس ( الضرورات الخمس ) والتي تمثل المرتكزات الأساسية لحقوق الإنسان كحق الحياة ، وحرية التدين والاختيار  وحق التملّك والتصرف ، وحق بناء الحياة الاجتماعية والنسل ، وحق التفكير والتعبير .

  إن الإسلام لم يكتف بتقرير تلك الحقوق فقط . بل اعتبر انتهاكها والتعدي عليها جريمة تستوجب العقوبة النصية التي لم يترك تقديرها للاجتهاد وتقدير القضاة . فجاءت الحدود لحماية وصون تلك الحقوق فحد السرقة لحماية حق التملّك . وحد شرب الخمر لحماية حق الفكر والإرادة . وحد القذف لحماية الإنسان بسلامة السمعة والعرض . وحد الزنى لحماية حق النسل والقصاص لحماية حق الحياة . وحد الحرابة لحماية الأمن الاجتماعي .

  إذاً الحقوق في الإسلام دين وشرع وأي اعتداء عليها يعد جريمة تستوجب العقوبة الحدية التي لا مجال فيها للاجتهاد .[193]

نماذج مما سبق به الإسلام الأمم المتحدة في بيان حقوق الإنسان :

  لقد سبق الإسلام الأمم المتحدة في إقراره لحقوق الإنسان فلم يترك حق من تلك الحقوق إلا وأشار إليه وألزم به ووضع آلية تنفيذه ولم تكن قوانينه مجرد نصوص فقط كما هو الحال في ميثاق الأمم المتحدة , الذي يطبق على الضعفاء ويفلت منه الظلمة بحق الفيتو . فلا فيتو في الإسلام فالكل أمام القانون سواء . وسنورد في هذه العجالة نماذج  فقط :

أولاً : الحق في الحياة :-


  جاء في المادة الثالثة من الإعلان ما يلي: ( لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه ) .


  لقد جعل الإسلام حق الإنسان في الحياة حقاً مقدساً حيث قال الله تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) .[194]

  وحفاظاً على هذا الحق المقدس فقد شرع الإسلام عقوبات لكل من يعتدي على حق الإنسان في الحياة ، وقد أوجب الله تعالى تطبيق تلك العقوبات بشأن كل من اعتدى على حياة الناس حفظاً لحياتهم ، حيث قال جل وعلا : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .[195]  


ومن الأحاديث النبوية التي تدعو للحفاظ على حق الإنسان في الحياة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ) .[196]


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل  مسلم ) .[197]


  ونحن نجد في عصرنا هذا من يغتال حق الإنسان في الحياة فمثلاً : ماذا تعني القنابل الذرية والهيدروجينية التي تهدد حياة الإنسان ؟ وماذا تعني المجازر الدموية        في البلدان التي يتصارع أهلها على السلطة ؟ وماذا تعني مجازر الخصوم السياسيين والمعارضين في كثير من البلدان ؟ وماذا يعني بناء القصور الضخمة على جماجم بني البشر ؟ وماذا يعني انتقال الحروب من مكان إلى آخر على ظهر الأرض ؟ ألا يعني هذا أن حياة الإنسان في هذا العصر لا قيمة لها ؟


  ولكن حيث يكون الإسلام موجوداً لا تقتل نفس إلا بحق ، كيف لا وقد وصى الله تعالى عباده المؤمنين بقوله : ( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .[198]


  ولقد كرم الله الإنسان وحفظ حياته براً وبحراً ورزقه من الطيبات رزقاً حسناً حيث قال تبارك وتعالى: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) .[199]

 
وينبثق عن حق الإنسان في الحياة الحق في الغذاء والحق في الملبس والحق في الدواء كسبل لاستمرار حياة الإنسان .


  لقد يسر الله الرزق والغذاء للإنسان حفاظاً على حياته وطمأنه على هذا الرزق حيث قال تبارك وتعالى: ( وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) .[200]


  وقد أمر الله الإنسان بأن يأخذ حقه في الغذاء الكامل بدون إسراف حيث قال :      ( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) .[201]


  وقد قرر الله حق الإنسان في الملبس وقال جل وعلا : ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ   يَذَّكَّرُونَ ) .[202]


  أما عن حق الإنسان في الدواء فقد حث الإسلام على التداوى والعلاج حفاظاً على حق الإنسان في الحياة فقد رُوى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواءً ) .[203]


  وهكذا جعل الإسلام حق الإنسان في الحياة حقاً مقدساً ودعا إلى كل ما يحافظ على حياة الإنسان من حق في الغذاء والملبس والدواء .


ثانياً : الحق في الحرية :


  جاء في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: ( يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء ) .


  لقد قرر الإسلام أن الإنسان حرّ ما لم يتعارض ذلك مع تعاليم خالقه وحريات الآخرين وفى التاريخ الإسلامي يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اقتص من ابن والى مصر لقبطي من أهل مصر عندما ضرب ابن ذلك الوالي القبطي لأنه تفوق عليه   في سباق الخيول ، وقد وجه عمر بن الخطاب تأنيباً شديداً لذلك الوالي قائلاً له:     ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) .[204]


والحق في الحرية يعنى حرية الاختيار والفعل والقرار دون ضغط أو إكراه في حدود القانون . وينبثق عن هذا الحق : حرية الرأي والحرية الدينية .


أ- حرية الرأي :


  لقد حث الإسلام الناس على الإيجابية في الدعوة إلى الحق وأمرهم بقول الحق دون أن تأخذهم لومة لائم حيث قال تبارك وتعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .[205]


وقد بين الإسلام أن النقد البناء من أفضل الجهاد في سبيل الله حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .[206] وقال صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .[207]


  ويروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أراد أن يحدد مهور النساء فاعترضت عليه امرأة قائلةً: ( كيف تحدد المهور يا عمر وقد قال الله تعالى : ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) .[208]   
  فقال عمر ( أخطأ عمر وأصابت امرأة ) وقال أيضاً ( لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها ) .


ب- الحرية الدينية:

 
  إن الإسلام لا يقبل من إنسان إيماناً إلا بعد اقتناع ، والإسلام لا يجبر أحداً على الدخول فيه بدليل قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .[209]
  و قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) .[210] وقال تبارك وتعالى: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً ) .[211]


وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب استكتب وثيقةً لتحديد علاقة المسلمين باليهود من أهل المدينة وجاء في تلك الوثيقة ما يلي :


1- لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .


2- إن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم .


  ويروى لنا التاريخ الإسلامي أن المسلمين إذا ما غزو بلداً خيروا أهلها بين الإسلام   أو البقاء على دينهم مع دفع الجزية ، وعندما فتح المسلمون بيت المقدس كتب الفاروق عمر بن الخطاب لأهلها عهداً ضمن فيه لهم الحرية الدينية وأمنهم على كنائسهم وصلبانهم .[212]




 

 

 

 

 

 

المبحث السادس : الوحدة الإسلامية :

  الوحدة من أعظم ما يميز هذه الأمة المسلمة عن سواها وقد جاءت نصوص عديدة    في القرآن الكريم والسنة النبوية ، آمرة بالوحدة وواصفة أن هذه الأمة أمة واحدة ويجب أن تظل كذلك ومن هذه النصوص : قوله تعالى ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) .[213] وقوله : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .[214] ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم ( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) .[215]

  وقوله : ( عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .[216]

  وقوله : ( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ) .[217]

 

 

 

 

 

أسس الوحدة الإسلامية :

 

 

أسس الوحدة الإسلامية

 

وحدة التشريع

 

وحدة القيادة

 

وحدة الغاية

 

وحدة العقيدة

 

  تملك الأمة الإسلامية من الأسس ما يجعل أمر الوحدة ميسوراً وسهلاً . وعندما كان المسلمون متمسكين بتلك الأسس ضربوا أروع الأمثلة العملية الواقعية للوحدة الإسلامية وما مجتمع المدينة منا ببعيد . ومن أبرز أسس الوحدة الإسلامية : وحدة الغاية ووحدة العقيدة ووحدة القيادة ووحدة التشريع ، وسوف نتناول كل واحد منها على حدة :

أولاً : وحدة الغاية :

  نعني بها الغاية التي من أجلها خلق الله تعالى بني البشر : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) .[218] وما من مسلم إلاّ ويدرك هذه الغاية ويعيها تماماً ، فمتى ما تيقن المسلمون ذلك واعتقدوه قولاً وعملاً حينها يمكن تحقيق أهم أسس الوحدة الإسلامية . فوحدة الغاية تجعل الجميع يتعاون ويتوحد ويتحد ، ويعملوا كفريق متجانس تجمعه غاية واحدة متمثلة في عبادة الله وحده . ولا تتفرق بها الغايات ما بين غاية اقتصادية ، وسياسية ، وشهوانية .... ألخ فإن تفرق الغايات يدعو إلى الفرقة والشتات ، وتتعدد جراء ذلك الطرق وتتشعب قال جل شأنه : ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ       تَتَّقُونَ ) .[219]

ثانياً : وحدة العقيدة :

  لم يقم الإسلام نظام وحدة المجتمع المسلم على أساس السلالة ، أو الإقليم          أو القبيلة  أو الجنس أو اللون وهي الأسس التي تقوم عليها الوحدة لدى غير المسلمين وحتى يكون الإسلام متفرداً عن غيره أقام وحدته على أساس العقيدة الإسلامية  وجعل كل من اعتنقها عضواً في المجتمع المسلم بغض النظر عن قبيلته ، أو إقليمه            أو سلالته أو لونه .

  ووحدة العقيدة أساس صالح لوحدة المجتمع في كل زمان ومكان . فهو أساس منطقي معقول ومقبول وعادل ، مفتوح أمام الجميع . ولعل خير مثال على ذلك مجتمع المدينة المنورة في العهد النبوي الذي حوى المهاجرين والأنصار والعبيد والأشراف . فالعقيدة أذابت العنصرية والحمية .

  فباتت العقيدة الإسلامية هي الرابط الذي يربط أفراد المجتمع فلا يعرف الولاء والموالاة  إلا لله ورسوله . وهذه أعلى درجات الوحدة درجات الوحدة والتوحد . فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم .

ثالثاً : وحدة القيادة :

  نعني بها القيادة القائمة على الطاعة لولي الأمر والالتزام بأمره ونهيه وطاعته ما لم يأمر بمعصية . وحضّت نصوص القرآن على ضرورة التقييد والالتزام بما يصدر عن القيادة المسلمة وطاعتها قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) .[220]

  إن التأكيد على طاعة القيادة ( أولي الأمر ) من أهم وأبرز أسس الوحدة الإسلامية . لأن بوحدة القيادة تتحد الكلمة ، ويلم الشمل وتجمع الصفوف . الأمر الذي يقوي الوحدة الإسلامية ، وفي الوقت ذاته يحافظ عليها .

رابعاً : وحدة التشريع :

  نعني به وحدة المصدر المشرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ( الوحي ) . وتعد وحدة التشريع من الأسس الأساسية في الوحدة الإسلامية . فكلما كان مصدر التشريع واحداً أدى ذلك إلى توحد الكلمة وعمق أواصر الصلة والتواصل بين أفراد الأمة فالتشريع الواحد يقضي على التنازع ويحسم التصارع في حالة رد الأمر إلى المشرع قال تعالى : ( ... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) .[221]

  وما تفرقت الأمة إلاّ بعد أن تعددت دساتيرها وقوانينها المستمدة من غير القرآن    والسنة .     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث السابع : المخدّرات والإيدز :

المطلب الأول:المخدّرات

التعريف في اللغة :

المُخَدِّر :  بضم الميم و فتح الخاء و تشديد الدال المكسورة من الخدر – بكسر الخاء    و سكون الدال – مشتقة من الخِدْر وهو الستر , يقال : المرأة خدَّرها أهلها بمعنى : ستروها , و صانوها عن الامتهان .[222] و من هنا أطلق اسم المخدر على كل ما يستر العقل و يغيبه .

التعريف العلمي :

  المخدر مادة كيميائية تسبب النعاس و النوم أو غياب الوعي المصحوب بتسكين الألم وكلمة مخدر ترجمة لكلمة ( Narcotic )  المشتقة من الإغريقية (Narcosis) التي تعني يخدر أو يجعل مخدراً . و لذلك لا تعتبر المنشطات و لا عقاقير الهلوسة مخدرة وفق التعريف , بينما يمكن اعتبار الخمر من المخدرات .

التعريف القانوني :

  المخدرات مجموعة من المواد التي تسبب الإدمان و تسمم الجهاز العصبي و يحظر تداولها أو زراعتها أو تصنيعها إلا لأغراض يحددها القانون و لا تستعمل إلا بواسطة من يرخص له بذلك . و تشمل الأفيون و مشتقاته و الحشيش و عقاقير الهلوسة        و الكوكايين و المنشطات , و لكن لا تصنف الخمر و المهدئات والمنومات ضمن المخدرات على الرغم من أضرارها و قابليتها لإحداث الإدمان .[223]

 

 

 

 

 أنواع المخدّرات :

 

 

أنواع المخدرات

المورفين

الأفيون

الكحوليات

الحشيش ( القنب )

الهيروين

الكوكايين

الأمفيتامينات ( المنشطات )

القات

 

رسم توضيحي رقم (9)

1- الكحوليات :


  تعتبر الكحوليات من أقدم المواد المخدرة التي تعاطاها الإنسان، وكانت الصين أسبق المجتمعات إلى معرفة عمليات التخمير الطبيعية لأنواع مختلفة من الأطعمة، فقد صنع الصينيون الخمور من الأرز والبطاطا والقمح والشعير، وتعاطوا أنواعاً من المشروبات كانوا يطلقون عليها ( جيو ) أي النبيذ، ثم انتقل إليهم نبيذ العنب من العالم الغربي سنة 200 قبل الميلاد تقريباً بعد الاتصالات التي جرت بين الإمبراطوريتين الصينية والرومانية. واقترن تقديم المشروبات الكحولية في الصين القديمة بعدد من المناسبات الاجتماعية مثل تقديم الأضاحي للآلهة أو الاحتفال بنصر عسكري. وهذا نموذج ليس متفرداً في قدم وتلقائية معرفة الإنسان للكحوليات، كما لهذا النموذج شبيه            في الحضارات المصرية والهندية والرومانية واليونانية، كما عرفت الكحوليات المجتمعات والقبائل البدائية في أفريقيا وآسيا.


2  - الحشيش ( القنب ) :


  القنب كلمة لاتينية معناها ضوضاء، وقد سمي الحشيش بهذا الاسم لأن متعاطيه يحدث ضوضاء بعد وصول المادة المخدرة إلى ذروة مفعولها. ومن المادة الفعالة في نبات القنب هذا يصنع الحشيش، ومعناه في اللغة العربية ( العشب ) أو النبات البري  ويرى بعض الباحثين أن كلمة حشيش مشتقة من الكلمة العبرية ( شيش ) التي تعني الفرح  انطلاقاً مما يشعر به المتعاطي من نشوة وفرح عند تعاطيه الحشيش.


  وقد عرفت الشعوب القديمة نبات القنب واستخدمته في أغراض متعددة، فصنعت من أليافه الحبال وأنواعا من الأقمشة، واستعمل كذلك في أغراض دينية وترويحية.
ومن أوائل الشعوب التي عرفته واستخدمته الشعب الصيني، فقد عرفه الإمبراطور شن ننج عام 2737 ق.م ، وأطلق عليه حينها واهب السعادة، أما الهندوس فقد سموه مخفف الأحزان.


  وفي القرن السابع قبل الميلاد استعمله الآشوريون في حفلاتهم الدينية وسموه نبتة     ( كونوبو ) ، واشتق العالم النباتي ليناوس سنة 1753م من هذه التسمية كلمة         ( كنابيس ) " Cannabis" .


  وكان الكهنة الهنود يعتبرون الكنابيس ( القنب – الحشيش ) من أصل إلهي لما له من تأثير كبير واستخدموه في طقوسهم وحفلاتهم الدينية، وورد ذكره في أساطيرهم القديمة ووصفوه بأنه أحب شراب إلى الإله ( أندرا ) ، ولايزال يستخدم هذا النبات  في معابد الهندوس والسيخ في الهند ونيبال ومعابد أتباع شيتا في الأعياد المقدسة حتى الآن.
  وقد عرف العالم الإسلامي الحشيش في القرن الحادي عشر الميلادي، حيث استعمله قائد القرامطة في آسيا الوسطى حسن بن صباح، وكان يقدمه مكافأة لأفراد مجموعته البارزين، وقد عرف منذ ذلك الوقت باسم الحشيش، وعرفت هذه الفرقة بالحشاشين.
أما أوروبا فعرفت الحشيش في القرن السابع عشر عن طريق حركة الاستشراق التي ركزت في كتاباتها على الهند وفارس والعالم العربي، ونقل نابليون بونابرت وجنوده بعد فشل حملتهم على مصر في القرن التاسع عشر هذا المخدر إلى أوروبا  .


  وكانت معرفة الولايات المتحدة الأميركية به في بدايات القرن العشرين، حيث نقله إليها العمال المكسيكيون الذين وفدوا إلى العمل داخل الولايات المتحدة.



 -3 الأفيون :


  أول من اكتشف الخشاش ( الأفيون ) هم سكان وسط آسيا في الألف السابعة قبل الميلاد ومنها انتشر إلى مناطق العالم المختلفة، وقد عرفه المصريون القدماء في الألف الرابعة قبل الميلاد، وكانوا يستخدمونه علاجاً للأوجاع، وعرفه كذلك السومريون وأطلقوا عليه اسم نبات السعادة، وتحدثت لوحات سومرية يعود تاريخها            إلى 3300 ق.م ، عن موسم حصاد الأفيون، وعرفه البابليون والفرس، كما استخدمه الصينيون والهنود، ثم انتقل إلى اليونان والرومان ولكنهم أساؤوا استعماله فأدمنوه  وأوصى حكماؤهم بمنع استعماله، وقد أكدت ذلك المخطوطات القديمة بين هوميروس وأبو قراط  ومن أرسطو  إلى فيرجيل.


  وعرف العرب الأفيون منذ القرن الثامن الميلادي، وقد وصفه ابن سينا لعلاج التهاب غشاء الرئة الذي كان يسمى وقتذاك ( داء ذات الجُنب ) وبعض أنواع المغص .[224]  


  في عام 1906م وصل عدد مدمني الأفيون في الصين 15 مليوناً وفي عام 1920م كانت نسبة المدمنين 25% من عدد الذكور في المدن الصينية وفي الهند عرف نبات الخشاش والأفيون منذ القرن السادس الميلادي، وظلت الهند تستخدمه في تبادلاتها التجارية المحدودة مع الصين إلى أن احتكرت شركة الهند الشرقية التي تسيطر عليها إنجلترا في أوائل القرن التاسع عشر تجارته في أسواق  الصين .  


  وقد قاومت الصين إغراق أسواقها بهذا المخدر، فاندلعت بينها وبين إنجلترا حرب عرفت باسم حرب الأفيون (1839 - 1842) انتهت بهزيمة الصين وتوقيع معاهدة نانكين عام 1843م التي استولت فيها بريطانيا على هونغ كونغ، وفتحت الموانئ الصينية أمام البضائع الغربية بضرائب بلغ حدها الأقصى 5%. واستطاعت الولايات المتحدة الأميركية الدخول إلى الأسواق الصينية ومنافسة شركة الهند الشرقية في تلك الحرب، فوقعت اتفاقية مماثلة عام 1844م ، وكان من نتائج تلك المعاهدات الانتشار الواسع للأفيون في الصين، فوصل عدد المدمنين بها عام 1906م على سبيل المثال خمسة عشر مليوناً، وفي عام 1920م قدر عدد المدمنين بـ 25% من مجموع الذكور      في المدن الصينية.


  واستمرت معاناة الصين من ذلك النبات المخدر حتى عام 1950 عندما أعلنت حكومة ماوتسي تونغ بدء برنامج فعال للقضاء على تعاطيه وتنظيم تداوله.


4- المورفين:


  وهو أحد مشتقات الأفيون، حيث استطاع العالم الألماني سير تبرز عام 1806م من فصلها عن الأفيون، وأطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى الإله مورفيوس إله الأحلام عند الإغريق. وقد ساعد الاستخدام الطبي للمورفين في العمليات الجراحية خاصة إبان الحرب الأهلية التي اندلعت في الولايات المتحدة الأميركية (1861 - 1861) ومنذ اختراع الإبرة الطبية أصبح استخدام المورفين بطريقة الحقن في متناول اليد.

5- الهيروين :  


  وهو أيضاً أحد مشتقات المورفين الأشد خطورة، اكتشف عام 1898م وأنتجته شركة باير للأدوية، ثم أسيء استخدامه وأدرج ضمن المواد المخدرة فائقة الخطورة.


6- الأمفيتامينات ( المنشطات ) :

 
تم تحضيرها لأول مرة عام 1887م لكنها لم تستخدم طبياً إلا عام 1930م، وقد سوقت تجارياً تحت اسم البنزورين، وكثر بعد ذلك تصنيع العديد منها مثل الكيكيدرين والمستيدرين والريتالين .


وكان الجنود والطيارون في الحرب العالمية الثانية يستخدمونها ليواصلوا العمل دون شعور بالتعب، لكن استخدامها لم يتوقف بعد انتهاء الحرب، وكانت اليابان من أوائل البلاد التي انتشر تعاطي هذه العقاقير بين شبابها حيث قدر عدد اليابانيين الذين يتعاطونها بمليون ونصف المليون عام 1954م، وقد حشدت الحكومة اليابانية كل إمكاناتها للقضاء على هذه المشكلة ونجحت بالفعل في ذلك إلى حدٍ كبيرٍ         عام 1960م .


7 – الكوكايين :


  عرف نبات الكوكا الذي يستخرج منه الكوكايين في أميركا الجنوبية منذ أكثر من ألفي عام، وينتشر استعماله لدى هنود الأنكا، وفي عام 1860م تمكن العالم ألفرد نيمان من عزل المادة الفعالة في نبات الكوكا، ومنذ ذلك الحين زاد انتشاره على نطاق عالمي وبدأ استعماله في صناعة الأدوية نظراً لتأثيره المنشط على الجهاز العصبي المركزي، ولذا استخدم بكثرة في المشروبات الترويحية وبخاصة الكوكاكولا، لكنه استبعد من تركيبتها عام 1903، وروجت له بقوة شركات صناعة الأدوية وكثرت الدعايات التي كانت تؤكد على أن تأثيره لا يزيد على القهوة والشاي، ومن أشهر الأطباء الذين روجوا لهذا النبات الطبيب الصيدلي الفرنسي أنجلو ماريان، واستخدمته تلك الشركات في أكثر  من 15 منتجاً من منتجاتها.


  وانعكس التاريخ الطويل لزراعة الكوكا في أميركا اللاتينية على طرق مكافحته فأصبحت هناك إمبراطوريات ضخمة - تنتشر في البيرو وكولومبيا والبرازيل- لتهريبه إلى دول العالم، وتمثل السوق الأميركية أكبر مستهلك لهذا المخدر في العالم.



8  - القات :


  شجرة معمرة يراوح ارتفاعها ما بين متر إلى مترين، تزرع في اليمن والقرن الأفريقي وأفغانستان وأواسط آسيا.


  اختلف الباحثون في تحديد أول منطقة ظهرت بها هذه الشجرة، فبينما يرى البعض أن أول ظهور لها كان في تركستان وأفغانستان يرى البعض الآخر أن الموطن الأصلي لها يرجع إلى الحبشة.


  عرفته اليمن والحبشة في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث أشار المقريزي      (1364 - 1442) إلى وجود ( ... شجرة لا تثمر فواكه في أرض الحبشة تسمى بالقات حيث يقوم السكان بمضغ أوراقها الخضراء الصغيرة التي تنشط الذاكرة وتذكر الإنسان بما هو منسي، كما تضعف الشهية والنوم ... ) .[225]


  وقد انتشرت عادة مضغ القات في اليمن والصومال، وتعمقت في المجتمع وارتبطت بعادات اجتماعية خاصة في الأفراح والمآتم وتمضية أوقات الفراغ، مما يجعل من مكافحتها مهمة صعبة. وكان أول وصف علمي للقات جاء على يد العالم السويدي   بير فورسكال عام 1763م .[226]

حكم المخدرات في الاسلام :

  لقدْ خلقَ اللهُ تعالَى الإنسانَ وكرَّمَه وفضَّلَهُ علَى كثيرٍ مِنْ خلقِهِ, ورزقَهُ مِنَ الطيباتِ  يقولُ تعالَى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) .[227] وجاءَ الإسلامُ بتشريعٍ يُوافقُ هذَا التَّكريمَ ويُحافظُ عليهِ فأوصَى بالمحافظةِ علَى الدِّينِ والنَّفسِ والعقلِ والنَّسلِ والمالِ فالحفاظُ علَى هذِهِ الضروراتِ الخمسِ مطلبٌ أساسيٌّ مِنْ مطالبِ هذَا الدِّينِ الحنيفِ  وحرصاً مِنَ الإسلامِ علَى الإنسانِ وحفاظاً علَى كرامتِهِ فقدْ حرَّمَ المُسكراتِ والمخدِّراتِ قالَ اللهُ  تعالَى : ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) .[228]  وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) .[229]

  وتقولُ السيدةُ أُمُّ سَلَمَةَ أمُّ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنهَا : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ ) .[230]

  والمفتر: هو المخدّر الذي يورث الفتور والخدر في أعضاء الجسم، وإن لم ينته إلى حد الإسكار .[231]

حكم المخدّرات :

  ولما كانت المخدرات تحدث نفس الأثر الذي تحدثه المسكرات فإنها تدخل تحت هذا التعريف وتأخذ حكمها، وما جاء في الوعيد على الخمر يأتي في المخدرات كذلك لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشرع حفظه وسلامته . ولذلك يدخل تحت التعريف السابق للمسكرات كل أنواع المخدرات إلا ما استعمل منه في التطبيب والعلاج التشريع الجنائي .[232]

  وعليه فإن كل مادة يثبت إسكارها أو تخديرها أو تفتر الجسم أو العقل ينطبق عليها الحكم بالتحريم آيا كانت مادتها أو اسمها، طالما أن جوهرها مسكر أو مفتر بناءً على ما ثبت من نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل مسكرٍ ومفتر .

  فالنهي عن تناول شيء يدل على تحريمه، وقد نهى عن المسكر ثم عطف عليه المفتر وصيغة العطف تقتضي اشتراك المعطوف على المعطوف عليه في الحكم لأن القاعدة عند المحدثين والأصوليين أن النهي إذا ورد عن شيئين مقترنين ثم جاء النص على النهي عن أحدهما حرمة أو غيرها أعطى الآخر ذلك الحكم، وقد ذكر المفتر مقرونا بالمسكر  في الحديث، وبما أنه قد تقرر حرمة المسكر استنادا إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين فيجب أن يعطى المفتر حكمه .

  قال العلقمي في شرح الجامع حكى أن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب دليلا على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء العصر، فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكرٍ ومفتر ) فأعجب الحاضرين قال: ونبه السيوطي على صحته، واحتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شراباً ولا مسكراً .[233]

  قال ابن رجب : ( واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان ، أحدهما ما كان فيه لذة وطرب فهذا هو الخمر المحرم شربه،... ثم قال: وادخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره، ثم ساق حديث أم سلمة السابق . الثاني: ما يزيل العقل ويسكره لا للذة فيه ولا طرب كالبنج ونحوه، فقال أصحابنا إن تناوله لحاجة التداوي به وكان الغالب منه السلامة جاز .. وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي فقال أكثر أصحابنا كالقاضي وابن عقيل وصاحب المغني إنه محرم لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة فحرم شرب المسكر، وروى حبيش الرحبي _ وفيه ضعف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً ( من شرب شرابا يذهب بعقله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ) .[234]

وقال ابن تيمية في فتاويه: ( من العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس إما في الاسم وإما في الحكم، وهذه الطريقة التي سلكها طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، يظنون أن تحريم كل مسكر إنما كان بالقياس في الأسماء أو القياس في الحكم، والصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن الخمر المذكورة في القرآن تناولت كل مسكر، فصار تحريم كل مسكر بالنص العام والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلا آخر يوافق النص، وثبتت أيضا نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم كل مسكر، وبعد أن ساق ابن تيمية بعضا من الأحاديث التي سبق أن ذكرناها قال : وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص وكان هذا النص متناولاً لشرب الأنواع المسكرة من أي مادة كانت من الحبوب أو الثمار ، أو من لبن الخيل أو من غير ذلك ) .[235]

  ويقول في مكان آخر : ( كل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل نشوة ولا طرب فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين ) .[236]

المطلب الثاني: الإيدز

اكتشاف مرض الإيدز :

  في شهر يونيو 1981 أرسل تقرير إلى مركز السيطرة على الأمراض وهو المسؤول عن تسجيل انتشــار أي نوع مــن الأمراض في الولايات المتحدة والتصدي لهـا. وقـد ورد فـي هــذا التقرير أنه من خلال الثمانية شهور الســابقة أصيب خمســة أشــخاص بحالة نادرة من الالتهاب الرئوي الحوصلي الكاريني، يســببها نوع مـن الطفيليات البدائية والتي تســمى ( نيوموسيس كاريني Pneunocystits Carinii ) والذي يصيب الأشخاص الذين يعانون من خلل في أجهزتهم المناعية، إما نتيجة لإصابتهم بالسرطان أو نتيجة تعاطيهم أدوية مثبطة للجهاز المناعي وكان هذا التقرير لافتاً للنظر لأن هذه الحالات وقتها نادرة الحدوث في الأشخاص العاديين لدرجة أن العلاج المستخدم لمقاومة هذا الطفيل كان وقتها عقاراً تجريبياً نادر الوجود والاستعمال ويسمى ( بنتاميدين ) .


  وعندما عادوا لدراسة الحالات الخمس بصورة تفصيلية أكثر تبين أنهم يشتركون    في بعض الأشياء المشتركة، فهم جميعاً شباب من الذكور الشواذ جنسياً، وانتشار نوع غريب من السرطان الذي يصيب الجلد والأغشية المخاطية ويسمى ( سرطان كابوسي  Caposi Sarcoma  ) ولوحظ تضخم الغدد اللمفاوية في شتى الجسم بدون سبب واضح ولم يمر شهر حتى تدفق دفعة واحدة 26 حادثة جميعهم شباب وهم شواذ جنسياً وهكذا بدأ بالانتشار حتى جاء الدليل على أن الإيدز يمكن أن ينتقل بوسائل أخرى وبين فئات أخرى غير الشواذ جنسياً عن طريق نقل الدم أو إبر حقن المخدرات وهذا ما سارع في انتشاره بصورة أكبر .

التعريف بالايدز:

الايدز مرض خطير يسببه فيروس نقص المناعة البشري (HIV) حيث يعمل هذا الفيروس على تدمير جهاز المناعة في جسم الإنسان ، الذي يصبح عُرضة للإصابة بالالتهابات الانتهازية ، وبعض الأورام الخبيثة التي تودي بحياة الإنسان .

أعراض مرض الإيدز :

  • ارتفاع في درجه الحرارة مع العرق الليلي الغزير الذي يستمر عدة أسابيع دون سبب معروف .
  • تضخم العقد اللمفيه وخاصة الموجودة في العنق والإبط وثنية الفخذ دون سبب معروف .
  • سعال جاف يستمر عدة أسابيع دون سبب معروف .
  • إسهال ليس له سبب واضح يستمر عدة أسابيع .
  • يصحب الأعراض السابقة في بعض الأحيان اعتلال عام في الصحة والشعور بالإنهاك وهبوط في الوزن .

طرق و أسباب الإصابة بالإيدز :

1- عن طريق الاتصال الجنسي إذا كان أحد الطرفين مصاباً .   

2- استخدام الإبر أو أدوات ثقب الجلد الملوثة بالفيروس .

3- من ألام المصابة إلى جنينها أثناء فترة الحمل أو الولادة أو الرضاعة  الطبيعية .

4- نقل الدم أو منتجاته الملوثة بالفيروس ( نادر جداً بعد سنة 1986م ) .  

 

منهج الإسلام في مواجهة الإيدز :

  جاء الإسلام من عند المولى عز وجل الذي خلق الإنسان وهو يعلم ما يصلحه ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .[237] ومن ناحية أخرى منع الإسلام كل الممارسات الجنسية التي قد تؤدي إلى حدوث مرض الإيدز وشيوعه مثل:

1. تحريم الزواج المثلي .

2. تحريم إتيان الرجل لزوجته من دبرها : ( عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في دبرها ) .[238]

3. تحريمه السحاق بين النساء ، واللواط : ( عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول به و من وجدتموه يأتي بهيمة فاقتلوه و اقتلوا البهيمة معه ) .[239]

4. تحريمه البغاء ؛ تجارة الجنس : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ   رَّحِيمٌ ) .[240]              

5. تحريم إشاعة الفاحشة، وحرصه على شيوع خلق الطهارة والعفة : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) .[241]

  وضع الإسلام الإجراءات التي تمنع المقدمات التي قد تؤدي إلى الوقوع في الفاحشة  ومن هذه الإجراءات :

1. أمر النساء بعدم الخضوع بالقول كي لا يطمع فيهن الفسّاق : ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) .[242]

2. تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ   قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ . قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْوُ يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ كَأَنَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا ) .[243]

3. فرض على المرأة ستر جسدها بلباس لا يشف ولا يصف ما عدا الوجه والكفين : قال تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .[244]

4. نهي المرأة عن التبرج والتكسر ومشية السوء والسير في الطرقات متعطرة :        قال تعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ     وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .[245]      

5. أمر بغض البصر لكل من الرجل والمرأة عن الآخر : ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) .[246]

6. أمر بالاستئناس والاستئذان عند دخول بيوت الآخرين : ( فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .[247]

7. أمر الأطفال الذين لم يبلغوا سن التكليف بالاستئذان على أبويهم في أوقات النوم والراحة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .[248]

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المنهجية العلمية في الإسلام

 

  لقد قدّم الإسلام للبشرية منهجاً علمياً رصيناً . كيف لا والقرآن والسنة يحثان على الاستقراء والاستنباط ، ويدعوان إلى تنمية الحس النقدي ، والنظرة الاستقصائية لدى الفرد المسلم . فنبغ علماء استخدموا المنهج العلمي ، استخداماً يجمع بين عالم الغيب والمشاهدة . فتفوقوا على نظرائهم من الأمم الأخرى . وجاء هذا التفوق انطلاقاً من الوحي الصحيح الذي لا يشاركهم فيه غيرهم . فجاء الفطاحلة من علماء الإسلام   أمثال : ابن خلدون ، وابن النفيس ، والحسن ابن الهيثم ، والرازي ، وابن يونس   والبوزجاني ، والبيروني ، وجابر بن حيان ، وابن رشد ، وابن حزم ، وغيرهم .

  إن الإسلام في حد ذاته منهج متكامل ، ولم يفرط الله فيه من شئ ( مَّا فَرَّطْنَا      فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) .[249] وجاء الإسلام حاضاً وحاثاً على العلم والتعلم . ووضع المناهج والأساليب والوسائل التي تمكّن المسلم من التزود بالعلم   والمعرفة . وهذا ما يظهر لنا من خلال هذا الفصل .

  وبعد التتبع والإطلاع على ما كتب حول المنهجية العلمية في الإسلام وقفت على بحث قيم للأستاذ الدكتور / أحمد فؤاد باشا أحسب أنه من أميز وأعمق ما كتب عن هذا الموضوع . وهو من أهل السبق في هذا المجال . وله مؤلفات عديدة فيه . ونظراً لأهميته ، وحرصاً على إفادة  طلاب العلم سأورد هذا البحث مع تعديلٍ طفيفٍ جداً .

 

 

 

 

 

المبحث الأول : المنهج العلمي الإسلامي :

  إن الأخذ بالمنهج الإسلامي في مجالات البحث العلمي يجب ـ في اعتقادنا ـ أن يُقبل على أنه حقيقة منطقية وضرورة حضارية، أما القول بأن إسلامية المنهج العلمي حقيقة منطقية فيكفي شاهداً على صحته أن علوم الكون والحياة إسلامية بطبيعتها، لأن موضوعات البحث فيها هي كل ما خلق الله في كتابه المنظور . كما أن قراءة التراث الإسلامي تدلنا على أن المسلك الذي اتبعه علماء الأصول وعلماء الحديث في الوصول إلى الصحيح من الوقائع والأخبار والأقوال قد انسحب على أسلوب التفكير والتجريب    في البحث العلمي، فنرى على سبيل المثال أن الحسن بن الهيثم قد استخدم الاستقراء وقياس الشبه في شرحه لتفسير عملية الإبصار وإدراك المرئيات حيث يقول : ( لا يتم الإدراك إلا بتشبيه صورة المُبْصَر بصورة قد أدركها المُبْصِر من قبل، ثم إدراك التشابه بين الصورتين، ولا يدرك التشابه بين الصورتين إلا بقياس ) كما نجد ابن الهيثم يستعمل لفظ الاعتبار ( وهو قرآني ) ليدل على الاستقراء التجريبي أو الاستنباط   العقلي .

  وهذا أبو بكر الرازي يصف منهجه في تعامله مع المجهول مستخدماً الأصول الثلاثة   ( الإجماع ) والاستقراء، والقياس، فيقول: ( إنا لما رأينا لهذه الجواهر أفاعيل عجيبة لا تبلغ عقولنا معرفة سببها الكامل، لم نر أن نطرح كل شيء لا تدركه ولا تبلغه عقولنا، لأن في ذلك سقوط جل المنافع عنا، بل نضيف إلى ذلك ما أدركناه بالتجارب وشهد لنا الناس به، ولا نحل شيئاً من ذلك محل الثقة إلا بعد الامتحان والتجربة   له ... ما اجتمع عليه الأطباء وشهد عليه القياس وعضدته التجربة فليكن أمامك .[250]        

  وأما قولنا بأن إسلامية المنهج العلمي ضرورة حضارية فذلك لأن إسلامية المنهج       أو أسلمته، من شأنها أن تخلع عليه من خصائص الإسلام ما يجعله عالمياً وصالحاً للتطبيق في كل زمان .

  فالتصور الإسلامي يوحي بأن الحركة الدائبة والتحول المستمر هو الناموس الثابت المطرد لهذا الوجود الحادث الفاني، وهو بصفة خاصة قانون الحياة وقاعدتها ... ومن ثم يوجه النظر إلى هذه الحركة الدائبة، وهذا التحول المستمر في الكون والحياة، وما يطرأ عليهما دائماً من تقلبات وأطوار، ولكنه ينسب كل شيء إلى مشيئة الله وقدره  فيخرج بذلك من كل المتناقضات التي تعانيها الفلسفات الوضعية والتي لم تجد لها حلاً شاملاً .[251]

  ونعتقد أن إدراك المسلمين الأوائل لهذه الحقيقة بكل أبعادها الإيمانية كان السبب الأول لتقدمهم ورقيهم، بعد أن وجدوا في مبادىء الإسلام كل مقومات الازدهار العلمي والحضاري، وهدتهم تعاليم الدين الحنيف إلى أصول المنهج العلمي السليم .[252]

  وعندما انتقلت العلوم الإسلامية إلى أوربا، فطن علماؤها إلى سر تقدم المسلمين، وسعوا إلى إتباع منهجهم بعد أن وجدوه سمة العلوم في الحضارة الإسلامية، وقال ( روجير بيكون ) في ذلك: إنه بإتباع المنهج التجريبي الذي كان له الفضل في تقدم ( العرب )  فإنه يصبح بالإمكان اختراع آلات جديدة تيسر التفوق عليهم ... ففي الإمكان إيجاد آلات تمخر عباب البحر دون مجداف يحركها، وصنع عربات تتحرك بدون دواب الجر، وإيجاد آلات طائرة يستطيع المرء أن يجلس فيها ويدير شيئاً تخفق به أجنحة صناعية في الهواء مثل أجنحة الطير .[253]

  لكن النهضة الأوروبية لم تأخذ من العلوم الإسلامية سوى الجانب المادي من منهجها التجريبي وتتنياتها، وتركت جانباً الإيمان الذي يوجهها نحو الله تعالى، ويسخرها لخدمة البشر ؟ ولذا فإن العلم في الحضارة المادية الحديثة والمعاصرة، بتخلّيه عن الإيمان والسمو الروحي، قد اعتبر قيمة حقيقة مطلقة في حد ذاته، وبالغ الناس      في تقديسه وتمجيده على أساس أنه هو القوة القادرة على تحقيق الجنة الموعودة للإنسان على الأرض . فأنصار هذه النزعة العلمية المتطرفة ( Scientism ) يردون كل شيء إلى العلم، ولا يسلمون إلا بالمنهج العلمي والحقيقة العلمية .

  كذلك أصبح التطور الكمي للعلم والتقنية غاية في حد ذاته، ونشأت ( النزعة التقنية المتطرفة Technocracy) التي يرمي أنصارها من التقنيين والخبراء الفنيين       إلى فرض سيطرتهم باعتبارهم الأحق في هذا العصر بإدارة المجتمع واتخذا القرارات الكبرى بشأنه . وأمام هذا التطرف العلمي ، وفي مقابله ظهرت حركات عقلية جديدة تدعو إلى ( اللاعلمية Antiscience ) وتحارب الانغماس الأعمى في ماديات الحضارة الصناعية، وترفع صيحات التحذير من أن اطراد التقدم العلمي والتقني بدون النظر إلى صلته بمعنى الحياة الإنسانية سوف ينتهي بالإنسان إلى القضاء على حضارته، بل إن بعض هذه الحركات المناهضة لتقديس العلم والتقنية أخذت تدعو   إلى الهروب من الحضارة المعاصرة بكل ما فيها من مظاهر مادية خادعة، ورفعت شعارات العودة إلى الفطرة .[254]

  من هنا كانت إسلامية المنهج العلمي، أو أسلمته، ضرورة حضارية ملحة لضمان مواصلة التقدم العلمي والتقني مع الحفاظ على إنسانية الإنسان .

  ذلك لأن الإيمان الخالص والسمو الروحي يأتيان في مقدمة الخصائص التي يتميز بها المنهج العلمي الإسلامي، وإليهما تعزى كل القوى الدافعة لملكات الباحث العلمي على طريق الإبداع والابتكار . فالإيمان الخالص هو الذي يجعل العقل أقدر على كشف الحقيقة العلمية، وأكثر تهيؤاً لاستقبالها وقبولها. وهل الكشف العلمي إلا حل لمشكلة يظفر به الباحث بعد عناء تحليل منهجي شاق ودقيق، أو يناله في فكرة طارئة        أو  في رؤية تتراءى له، أو يخطر له في حلم أو إلهام .

  وإذا كان ما حدث في الغرب من انزواء لعلوم الدين في أركان الكنيسة يتعلق بالصراع بين الكنيسة والعلماء، فإنه من الخطأ أن يسود الاعتقاد بأن الانفصال بين العلم والدين شرط من شروط قيام الحضارة، أو أن العلم بفروعه المختلفة لا يمكن غلا أن يكون      ( علمانياً ) . لقد أدى هذا الاعتقاد الخاطىء في بلاد المسلمين إلى حالة من الركود العلمي شُلّت في ظلها كل مقومات الإبداع والابتكار في مختلف مجالات النشاط الإنساني .[255]

  ولم يعد أمامنا الآن سوى الأخذ بالمنهج العلمي الإسلامي الذي سبق لأسلافنا أن صنعوا به حضارة تزهو على كل الحضارات . فهو الأقدر على إذكاء روح الصحوة الإسلامية الحضارية، وعندئذٍ سيكون له أجل الأثر في تصحيح وجهة العلوم لدى عقلاء الغرب ومفكريه إذا ما درسوا الإسلام في حقائقه، واستفادوا من منهجه في إصلاح شؤون حضارتهم .

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : الثوابت والمتغيرات في المنهج العلمي الإسلامي :

  سبق أن ذكرنا أن تصورنا العام لبيئة المنهج العلمي الإسلامي سوف نستلهمه مباشرة من خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، وذلك انطلاقاً من الإيمان التام بأن الثوابت والمتغيرات الإسلامية يجب أن تكون هي الإطار الذي يحكم كل مناهج النظر في قضايا الوجود والفكر، والمعيار الذي يحدد ضوابط التطبيق الإنساني لتلك المناهج بما يحقق إرادة الله سبحانه وتعالى في إعمار الحياة على الأرض . فالإسلام يتميز عن كل ما عداه من الشرائع السماوية ـ أو الفلسفات والمذاهب الوضعية ـ بخاصية التوازن بين الثبات والتطور والجمع بينهما في تناسق مبدع، واضعاً كلاً منهما في موضعه الصحيح ... الثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى من أهداف وغايات وأصول وكليات، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور من وسائل وأساليب وفروع وجزئيات . ذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد شرع المنهج الإسلامي للكينونة البشرية كلها، في جميع أزمانها وأطوارها  ليكون أصلاً ثابتاً تتطور هي في حدوده، وترتقي وتنمو وتتقدم دون أن تحتك بجدران هذا الإطار . وما ينطبق على المنهج الإلهي الذي أخبر الله به عباده ينسحب كذلك على الصنعة الإلهية في الكون كله، فحركة الحياة والفكر تستمر وتتسارع داخل إطار ثابت وحول محور ثابت . ومادة الكون في مجموعها ثابتة، وإن اتخذت أشكالاً مختلفةً دائمة التغير والتطور . وجوهر الإنسان واحد، وإن تقدمت معارفه وتضاعفت إمكاناته، فهو يمر بأطوارٍ شتّى يرتقي فيها وينحط حسب اقترابه أو ابتعاده من جوهر إنسانيته .

  إن الثوابت الإسلامية هي التي تضبط الحركة البشرية والتطورات الحيوية فلا ينفلت زمامها كما وقع لأوروبا عندما أفلتت من عروة العقيدة ، كما أن الثوابت الإسلامية هي التي تصون الحياة البشرية، وتضمن مزية تناسقها مع النظام الكوني العام، وتحكم قوانين التطور فلا تتركها على إطلاقها .[256]

  وعندما نعرض الآن لبناء منهج علمي في ضوء هذا التصور الإسلامي، فإنه يتعين علينا قبل كل شيء أن نحدد الثوابت والمتغيرات الفكرية والعملية لهذا المنهج، ويكون من السهل بعد ذلك توصيف المناهج الفرعية للعلوم المختلفة في إطار النسق الإسلامي لبنية المنهج العلمي العام بأصوله وكلياته.

( أ ) ثوابت فكرية إيمانية :

  ونعني بها مجموعة المسلمات والقضايا الأساسية التي يتعين على الباحث أن يسلم بصحتها منذ البداية، وأن ينطلق منها في كل عمليات التفكير العلمي قبل شروعه    في ممارسة البحث والتنقيب عن سر ظاهرة ما من الظواهر التي يعمد إلى دراستها. ومثل هذه المسلمات تعتبر ـ في رأينا ـ مقدمة ضرورية في بنية النسق الإسلامي لمناهج البحث العلمي، وذلك لفائدتها العظمى في تهيئة الباحث الجيد، وتزويده بمبادىء بسيطة    أو مركبة، تساعده على تكوين النظرة الكلية الشاملة، ولا تؤدي أبداً إلى تناقض مهما بلغت مسيرة العلم وإنجازات التقنية ويمكن إجمال هذه الثوابت فيما يلي :

1ـ التوحيد الإسلامي :

  التوحيد هو أول الثوابت الإسلامية ومصدر باقي المسلمات الفكرية والإيمانية، طالبنا الحق سبحانه وتعالى به في أول ما نزل من آيات القرآن الكريم، ليكون بمثابة نقطة الانطلاق وحجر الزاوية في بناء أي نسق علمي سليم يوجه رؤية الإنسان الصائبة لحقائق الحياة والفكر والوجود، ويساعده على فهم وقراءة كلمات الله القرآنية في كتابه المسطور ، وكلماته الكونية في كتابه المنظور .[257]

  قال تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )[258] وقال سبحانه: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .[259]

  وعقيدة التوحيد الإسلامي هي التي تحفظ كرامة الإنسان وتكريمه بإخضاعه للخالق الواحد جلّ وعلا، وتحرره من سلطان العقائد الوثنية أو المذاهب الوضعية .

  فالله سبحانه وتعالى هو الحق المطلق، وهو مصدر كل الحقائق المعرفية الجزئية التي أمرنا بالبحث عنها واستقرائها في وحدة النظام بين الظواهر الطبيعية والإنسانية  باعتبارها مصدراً للثقة،وليست ظلالاً أو أشباحاً أو مصدراً للمعرفة الظنية كما نظرت إليها الثقافة اليونانية .

  وفي ظل عقيدة التوحيد الإسلامي تتحقق أسلمة العلوم ومناهجها وتقنياتها بمعناها الصحيح، ويصبح المفهوم الإسلامي للعلم أوسع وأشمل من المفهوم الشائع لدى فلاسفة العلم على اختلاف مذاهبهم . فهناك العلم الظاهر في عالم الشهادة، والعلم الغيبي الذي أخبرنا الله به في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه الأمين عليه الصلاة والسلام . ويكون العلم الظاهر دنيوياً بعلاقاته مع الأشياء، وتعبدياً في نفس الوقت لصلته بالله الواحد .

  ومن كانت عقيدته الدينية هي ( التوحيد ) يجد في نفسه دافعاً أقوى مما يجد سواء نحو أن يبحث دائماً عن الوحدة التي تؤلف بين الكثرة أيّاً كان الموضوع، فيبحث عن محور الوحدانية في الشخصية الإنسانية برغم اختلاف الجوانب الكثيرة في حياة الفرد الواحد، واختلاف العلوم الباحثة في تلك الجوانب . وكذلك يبحث عن محور الوحدانية في الكون بأجمعه مجتمعاً في وجود واحد .

  ومن لطائف العلم التي نشير هنا إليها ما نلاحظه من تشابه بين نواميس القوى الطبيعية الناتجة عن خصائص المادة الجوهرية، على نحو ما يبدو من قوانين الجذب الكهربي والجذب التثاقلي على سبيل المثال . وقد شرع العلماء حديثاً في البحث عن الصيغة العلمية ( الرياضية ) التي توحد بين مختلف أنواع القوى الموجودة في الطبيعة  وأحرزت جهودهم نجاحاً كبيراً على هذا الطريق ( نجح العلماء الثلاثة  عبد السلام ـ وينبرج ـ جلاشو  نجاحاً جزئياً في التوحيد بين نوعي القوة الجاذبة الكهربية والقوة النووية الضعيفة . وكانت هذه النتيجة الهامة واحدة من الكشوف العلمية المميزة التي أهلت العلماء الثلاثة للحصول على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979م ) .

  ومن الصفات الجديدة للمعرفة العلمية المعاصرة أن الحواجز الظاهرية بين فروع العلم المختلفة أخذت تذوب تدريجياً لكي تحل العلوم المتداخلة والمتكاملة محل العلوم المتعددة والمنفصلة، ويتوقع فلاسفة العلم والمؤرخون له أن العلوم كلها يمكن أن تندرج في بناء نسقي واحد بحيث يكون ترتيبها في ذلك النسق المتكامل ترتيباً قائماً على وضع ما هو خاص من قوانين ومبادئ وفروض تحت ماهو أعم منه. ولقد توقع هيزنبرج هذه النتيجة للعلوم المعاصرة عندما ذكر في محاضرة ألقاها بجامعة لايبزج عام 1941م     أن : ( الفروع المختلفة للعلم قد بدأت في الانصهار في وحدة كبيرة ) .[260]  وحول     فكرة ( العلم الموحد ) هذه يقول رودلف كارناب : ( لا وجود لمصادر             متعددة للمعرفة، بل هناك علم واحد فقط. فجميع المعارف تجد لها مكاناً في هذا   العلم . والمعرفة في حقيقتها ذات نوع واحد فقط، وما المظهر الخارجي للخلافات الأساسية بين العلوم إلا نتيجة مضللة لاستخدامنا لغات فرعية للتعبير عن هذه    العلوم .[261]  

  والباحث المؤمن هو الذي يفهم شهادة التوحيد في إطاره الشامل الذي يجمع بين وحدة النظام في بناء الذرة وبناء المجموعة الشمسية، وبين وحدة الطاقة بردها إلى أصل واحد وإن تعددت صورها، وبين وحدة الحركة في طواف بردها إلى أصل واحد وإن تعددت صورها، وبين وحدة الحركة في طواف الإلكترونات حول النواة ، وطواف الكواكب حول الشمس، وطواف المسلمين حول الكعبة المشرفة .

  إن تأكيد كل هذه المعاني في فكر الباحث العلمي ووجدانه يعتبر من أهم مقومات الشخصية العلمية التي يبدع العلماء على أساسها في اطمئنان وهدوء ونقاء . وهنا يتحقق الانسجام الكامل بين الفكر والعمل، بعيداً عن غيوم المذاهب الفلسفية الرديئة التي تشوه الوجه الناصع لكل حقيقة .

2ـ النظام الكوني :

  إن الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى يستلزم بالضرورة العقلية أن يرد الإنسان  كل شيء في هذا الكون إلى الخالق الحكيم الذي أوجد هذا العالم بإرادته المباشرة المطلقة، وخلقه على أعلى درجة من الترتيب والنظام والجمال، وأخضعه لقوانين معينة ثابتة لا يحيد عنها، وحفظ تناسقه وتوازنه في ترابط محكم بين عوالم الكائنات  وتنسيق معجز بين آحادها ومجموعاتها، وجعل بناءه آية في الروعة والكمال، ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل .

  قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ{2} الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ{3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ) .[262]

  وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع مختلفة، ونبه العباد إلى الحكمة السامية وراء التناسق والإبداع في خلق هذا الكون. وذلك في مثل قوله تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) .[263] وقوله: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) .[264]

  وقد شاءت إرادته تعالى أن تبين لنا من خلال نظام الكون ووحدته استمرارية المواد كأشياء ، وتكرر الحوادث والظاهرات كعلاقات سببية لنراقبها وندركها وننتفع بها    في حياتنا الواقعية، بعد أن نقف على حقيقة سلوكها ونستدل بها على قدرته ووحدانيته. قال تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) .[265] وقال سبحانه: ( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) .[266]              

  وفي إطار المفهوم الإيماني لمسلمة النظام الكوني واطراد الظاهرات الطبيعية كعلاقات علمية يتمتع الباحث المسلم بالاطمئنان والثقة اللازمين لمواصلة البحث العلمي، إيماناً منه في ضمان بلوغ تعميقات أو قوانين علمية من مجموعة محددة من الوقائع، وهذا    لا يتوفر مثلاً لباحث آخر ينطلق في تفكيره من مبدأ ( الحتمية ) الذي يفترض أن صدق أحداث الكون مستقل عن الزمان والمكان . وعندما ينتقل العلم إلى مرحلة جديدة تتميز باللاحتمية أو عدم اليقين، يتعين على هذا الباحث أن يتخلى عن إيمانه بمبدأ الحتمية المطلقة ويبحث عن مبدأ جديد  لكن التصور الإسلامي للنظام الكوني ينقذ العلماء من التخبط في التيه بلا دليل  كالإحالة على الطبيعة أو العقل أو المصادفة أو ما إلى ذلك . كما أن هذا التصور الإيماني يجعل الطريق مفتوحاً دائماً أمام تجدد المنهج العلمي وتطوره بما يتناسب مع حالة العلم في المرحلة التي يبلغها من تطوره .

  وهنا أيضاً تظل العلاقة بين إرادة الله واطراد القانون الطبيعي واضحة جلية، لما تفسحه من مكان لتفسير حدوث الخوارق والمعجزات التي يظهرها الله بين الحين والحين  تذكيراً للإنسان بأن الله سبحانه وتعالى هو مصدر الوجود، وأن كل          ما في الكون من قوانين مستمد فمن إرادته ومتوقف عليها .[267] 

  وإذا اختل نظام السنن الكونية الثابتة، فإن هذا في كتاب الإسلام يعني اقتراب قيام الساعة، ويؤذن بانتهاء الحياة على الأرض ، مثال ذلك قوله تعالى:  ( فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ{7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ{8} وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) .[268]

3ـ فريضة البحث العلمي :

  كثيرة هي النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على طلب العلم والبحث العلمي بأسلوب منهجي سليم، ويصعب في هذا الحيز استقصاء الآيات التي دعت إلى البحث في مخلوقات الله تعالى الكونية والطبيعية، لكن الباحث المسلم يجب أن يكون على دراسة كاملة بكل التعاليم الإسلامية التي تجعل من مهمته فرضاً كفائياً . وعندما يطلب المسلم علماً على النهج الإسلامي يكون فهمه للحياة والكون طريقاً للوصول     إلى الله سبحانه وتعالى: ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) .[269]             وتكون وجهته دائماً لعمل الخير انطلاقاً من القاعدة العامة في ضرورة الربط بين النظرية والتطبيق: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) .[270] ويكون تصوره لقيمة العلم النافع أعم وأشمل، فهي تتعدى حدود العمر والفضل  والمصدر . وكل علم يحتاجه المسلمون فرض كفاية، فإن لم يوجد بينهم من يحسنه فالكل آثمون  وليست الكفاية أن يوجد من يعرفه، بل في وجود المجموعة التي تغطي احتياجات الأمة. والتخصصات العلمية المختلفة ضرورية لكل مجتمع، والإخلال بأحدها يؤدي إلى الإخلال بالواجب الأعظم، وهو عبادة الله حق عبادته، وإعلاء كلمته في الأرض .

  وقد أدت الأخطاء البشرية في تناول مناهج المعرفة إلى تدنيس الفطرة الحنيفة المؤمنة بالله، وظهرت العلمانية في العالم الغربي لتضع حداً فاصلاً بين العلم والدين، وكان من نتائج هذا الفصل أن فقدت العلوم أساسها الأخلاقي، وظهرت المذاهب الوضعية لتكون بمثابة دين اجتماعي للمجتمعات التي تعتنقها، ولهذا: فإن البحث العلمي السليم    لا يمكن أن يحقق غايته الإيمانية إلا إذا استعاد علاقته الأولى بمبادىء الإسلام   وعندئذٍ سكون التفكير العلمي لدى البشر قد استعاد طبيعته الحقة، بوصفه بحثاً موضوعياً عن الحقيقة أينما وجدت .[271]

  من ناحية أخرى : عندما يمارس الباحث المؤمن عمله العلمي باعتباره فريضة إسلامية  فإنه يكون على دراية تامة بما تدعو إليه تعاليم الإسلام من محاربة التنجيم والتنبؤ العشوائي والتعصب للعرف والعرق، وبتحذيرها من الاطمئنان إلى كل ما هو شائع أو موروث من آراء ونظريات ، وهنا لن يجد الباحث المسلم أي عناء في إدراك  أن هذه التعاليم الإسلامية التي تحارب كل معوقات البحث العلمي تعتبر أوسع  وأشمل مما يعرف بأوهام الكهف والسوق والمسرح لبيكون، والتي كثيراً ما يباهي بها ويروج لها فلاسفة العلم وشُراح المنهج العلمي .[272]

4ـ نسبية المعرفة العلمية :

  تتميز المعرفة العلمية بأن تحصيلها يتم نتيجة نشاط إنساني مقصود، يهدف الباحث من ورائه إلى دراسة ظواهر معينة يعكف عليها ويتناولها بالملاحظة الدقيقة وبالتحليل  مستخدماً في ذلك منهجاً يتفق وطبيعة موضوع البحث ، بغرض التوصل إلى قوانين عامة تفسر اطراد الظواهر المعنية تمهيداً للاستفادة منها . والمعرفة العلمية بهذا المعنى تمثل الشق المادي لمفهوم العلم الشامل في الإسلام .

  ومن هنا فإن الحقائق المعبرة عن السلوك الفعلي لظواهر الكون والحياة تظل مستورة     في الشق غير المكتشف من العلم حتى يأذن الله بكشفها تدريجياً على أيدي من يشاء  من عباده ، وإنها لمجلية حتماً في يوم معلوم مهما تعرضت من خلال البحث عنها لمختلف ضروب التشعيب والتحيز المقصود وغير المقصود وذلك مصداقاً للوعد الإلهي  في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  ) .[273]              

  ولما كانت طبيعة المعرفة العلمية تتطلب إجراء البحث والدراسات المكثفة على أجزاء محدودة جداً من الكون وظواهره، وبمعزل عن بعضها البعض، دون إلمام بكافة الجوانب المتصلة بموضوع البحث والمؤثرة عليه، فإن إدراك الحقيقة الكاملة المطلقة يظل دائماً هدفاً أسمى يسعى إليه العلماء من خلال عملية تصحيح مستمرة لمسيرة العلم تتم بتكافل جهودهم وتنافسهم في السبق إلى كشوف علمية جديدة وإلقاء الضوء على حقائق جزئية في الواقع الكوني الثابت .

  وقد أثبتت حركة التاريخ العلمي أن الكون يزداد مع التطور المعرفي اتساعاً وعمقاً   وأن العلم الذي نحصله ما هو إلا تصورنا عن حقائق الكون، وليس هو الكون ذاته، ومن ثم فهو ليس مستقلاً عن ذاتية الإنسان، وليس نهائياً في أية مرحلة من مراحل تطوره .  وما أبلغ تشبيهات العلماء لجوانب من طبيعة العلاقة المتبادلة بين الباحث وموضوع بحثه . فقد كتب كلود برنار يقول: إن ابتعاد المعرفة عن الباحث في اللحظة التي يظن أنه قد قبض على زمامها، هو في الوقت نفسه سر عذابه وسعادته . وكتب ماكس بلانك يقول : إن الباحث يستمد الرضا والسعادة من النجاح الذي يصاحب البحث عن الحقيقة، لا في امتلاك ناصيتها . ويقول العالم الفيزيائي ألبرت أينشتين : الفيزياء  هي محاولة للقبض على ناصية الحقيقة كما هي في الفكر دون نظر إلى كونها موضوع مراقبة .[274]  

  على أننا ننطلق في مفهومنا لنسبية المعرف العلمية ومستويات موضوعيتها أو حقائقها الجزئية مما تشير إليه بعض معاني الآيات القرآنية الكريمة في مثل قوله تعالى          ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) .[275] وقوله: ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) .[276]             وقوله : ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) .[277]

  ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الناس يبالغون كثيراً في تصورهم لمعنى الحقيقة العلمية أو الموضوعية العلمية، إلى درجة أنهم يخطئون أحياناً فيما يظنون أنه قوانين فيزيائية معبرة عن السلوك الفعلي للمادة، وهي حقيقة الأمر قوانين لا سيطرة لنا عليها، لأنها أوامر الله المنظمة لحركة الكون فالصيغ والنتائج التي يتوصل إليها العلماء وفق مناهج تقوم على خبرتهم الذاتية، ويعتقدون أنها قوانين فيزيائية موضوعية، لا تكون بالطبع تعبيراً كاملاً عن حقيقة السنن الكونية، وربما لا تمت إليها في بعض الأحيان بأية صلة، حتى وإن كانت تبدو لهم خاضعة للعالم الخارجي ومستمدة من وقائعه ولا علاقة لها بأمور ذاتية .

  فعلى سبيل المثال: اعتقد أرسطو أنه قد اكتشف أحد قوانين الطبيعة عندما قال: بأن الأجسام الثقيلة تسقط إلى الأرض أسرع من الأجسام الخفيفة، وكان ذلك بناء على منهج فلسفي يخصه ويستند إلى القياس النظري المجرد، مع أن مثل هذا القانون      لا وجود له في عالم الواقع على الإطلاق، ولا يمثل حقيقة ما من حقائق الوجود . وكل ما في الأمر : أنه استنتاج مضلل من موضوعية زائفة في جوهرها، لأنها انخدعت بما يدركه الحس القاصر، واستندت إلى تأملات العقل الخالص، وارتبطت في الاستدلال عليها بمنهج سلبي عقيم .

  أما القانون الطبيعي الذي ينطبق على هذا الموقف فقد سعى إليه علماء الحضارة الإسلامية بعد أن دعتهم تعاليم الإسلام إلى المنهج العلمي السليم، ورفضوا قبول البراهين الفلسفية للآراء التي يمكن اختبارها تجريبياً، واهتدوا إلى تحديد الكثير     من المفاهيم العلمية المتعلقة بوصف حركة الأجسام وأنواعها حسب حالة العلم        في عصرهم .[278]  

  وفي عصر النهضة الأوروبية استطاع جاليليو أن يستخدم ما توفر لديه من أجهزة لقياس الزمن في أن يثبت بالتجربة أن جميع الأجسام الساقطة ذاتياً تتسارع بعجلة ثابتة قيمتها 9.8 متراً لكل ثانية مربعة، وهي من الثوابت الفيزيائية التي لا تنطوي على علاقات علمية .

  إلا أن هذا بدوره لم يكن قانوناً عاماً وكاملاً، فقياسات جاليليو لم تكن بالغة الدقة بحيث تكشف أن نفس الجسم يتسارع بدرجات مختلفة تحت تأثير الجاذبية في أماكن مختلفة على الأرض . كما أن هناك أنواعاً كثير للحركة يعتبر السقوط الحر للأجسام جزءاً منها .

  والأجسام التي نراها الآن في سفن الفضاء جاليليو يملك الوسيلة لمعرفة ذلك، أو لنقل  إن المنهج العلمي الذي اتبعه كان عاجزاً عن تحقيق المعرفة الكاملة. فجاءت الحقيقة العلمية على يديه جزئية ومحدودة بحدود العجز والقصور في العناصر والوسائل التي اعتمد عليها منهجه التجريبي، وهي في جوهرها من متغيرات المنهج العلمي المتجددة والمتطورة مع تقدم العلم وتطور التقنية، كما سنذكر فيما بعد، وهكذا يجد الإنسان دائماً أن ما يصل إليه من علم في أي عصر ليس هو القانون النهائي، ولكنه مرحلة معرفية أرقى من سابقتها وأدنى من لاحقتها في سلم الترقي المعرفي اللانهائي .

  ولعل إدراج التصور الإسلامي لنسبية المعرفة العلمية وموضوعيتها وحقيقتها ضمن مسلمات المنهج العلمي الإسلامي الذي يساعد على تصحيح الاستخدام الإنساني الخاطىء للعلم ونظريته من الناحيتين الفلسفية والتقنية، خصوصاً بعد أن بالغ أصحاب النزعة العلمية والتقنية المتطرفة في تقديسه وتأليهه بأكثر مما بالغ أنصار ( الحتمية ) وأصحاب الفلسفات العلمية الحديثة .

( ب ) متغيرات معرفية منهجية :

  ونعني بها مجموعة العناصر والخطوات البنائية في نسق المنهج العلمي الإسلامي والتي تتميز بارتباطها الوثيق بثوابت المنهج ومسلماته من جهة وبإمكانية تغيرها      أو تطورها أو تحورها كما وكيفاً وترتيباً، لتفي بمتطلبات اطراد التقدم العلمي والتقني من جهة أخرى. ويمكن إجمال هذه المتغيرات فيما يلي:-

1- وسائل البحث العلمي :

  لقد رفع الإسلام من شأن العلم باعتباره أساساً لفهم العلاقة السليمة بين الله والكون والإنسان . والقرآن الكريم لا يكاد يدع موطناً في الكون دون أن يطوف بالإنسان خلاله  ويستثير فيه النظرة المتأملة المتقصية، ويلفت أصحاب العقول الراجحة، وذوي القلوب المؤمنة إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون واستقراء لغته وإشاراته، باعتباره كتاب معرفة للإنسان المؤمن الموصول بالله وبما تبدعه يد الله، وقراءة الآيات المنبثة         في جنبات الكون وظواهره تتم بالاستخدام الأمثل لملكات الإدراك والعلم التي وهبها الله للإنسان لتلمس الحقائق الكونية بالاختبار والرصد والتجريب والقياس والاستدلال  مستعيناً في ذلك بحواسه، والعقل من الحواس، أو ما يعززها ويعمقها من أجهزة وأدوات، تبدأ منها وتعود إليها .

  وقد أشار القرآن إلى حواس الإنسان وملكاته المعرفية في أماكن متفرقة ، فذكر          ( الذوق ) في قوله تعالى: ( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ) .[279] وأشار         إلى ( اللمس ) في قوله تعالى: ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) .[280] وأشار إلى حاسة ( الشم ) في قوله        تعالى: ( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ) .[281]

  وذكر ( السمع والبصر والفؤاد ) ( أي: القلب ) في مثل قوله تعالى: ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ     تَشْكُرُونَ ) .[282] وقوله تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا     أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) .[283]     وقوله: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) .[284] وقوله: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) .[285]    

  وقد فطن علماء المسلمين الأوائل إلى حقيقة الدعوة القرآنية إلى القراءة والعلم وإمعان النظر والفكر في ملكوت السماوات والأرض سعياً إلى الهداية واليقين .

  فهذا أبو عبد الله القزويني يوصي في كتابه ( عجائب المخلوقات وغرائب     الموجودات ) : بإعادة النظر في ظواهر الكون، والبحث عن حكمتها وتصاريفها، لتظهر لنا حقائقها وتنفتح لنا عين البصيرة، ونزداد من الله هداية ويقيناً، فليس المراد بالنظر تقليب الحدقة نحو السماء فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم ير من السماء    إلا زرقتها، ومن الأرض إلا غبرتها، فهو مشارك للبهائم في ذلك، وأدنى حالاً منها وأشد غفلة، كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .[286]

  بهذه الروح الإيمانية الخلاقة أحسن المسلمون الأوائل استخدام وسائل المعرفة والبحث العلمي، واندفعوا في مطلع عصر الرسالة الإسلامية إلى الأخذ بمنهج النظر والبحث العميقين في مختلف مجالات العلوم، وقدموا للحضارة الحديثة رصيداً هائلاً من كتب وأبحاث واكتشافات وتقنيات، لولاها لتأخر سير المدنية عدة قرون .

  ومن التقدم العلمي والتقني لم تتغير وسائل البحث العلمي في ذاتها، ولكن تطورت الأجهزة التي تعزز أداءها . فعندما اقتحم العلم عالم الذرة والنواة والخلية الحية   وعندما غزا أعماق الفضاء الخارجي لاكتشاف المزيد من الكواكب والنجوم والمجرات  وانتقل من عالم المقاييس البشرية العادية إلى عالم المتناهيات في الصغر والكبر، لم تعد العين المجردة وبقية الحواس قادرة على مواصلة القراءة والبحث في المخلوقات الدقيقة       أو البعيدة، وكان اختراع المقاريب والمجاهر البصرية والالكترونية تعزيزاً لحاسة الإبصار، مثلما كانت سماعة الطبيب تعزيزاً لحاسة السمع، وكانت الترمومترات الحرارية تعميقاً لحاسة اللمس، وكان الحاسب الآلي مساعداً للعقل في إجراء العمليات الحسابية والتخطيطية المعقدة . ويستمر تطور الأجهزة العلمية مواكباً لتطور العلم ومرتبطاً في نفس الوقت بأصولها الثابتة كما خلقها الله في الإنسان .

  وتكمن عظمة المنهج العلمي الإسلامي في أنه تجريبي عقلي في آن واحد، ويعتبر الإنسان بكامله، بحواسه وعقله وإرادته وبصيرته وحدسه، هو الوسيلة الأولى والأخيرة لتحصيل المعرفة العلمية، والأجهزة التي يستخدمها ويطورها لتعزيز قدراته وإمكاناته هي في نفس الوقت من صنع ملكاته، وبهذا يبطل أي اقتصار مصطنع على إحدى وسائل المعرفة، مثلما يفعل العقليون والحسيون ( أو التجريبيون ) وأصحاب النزعة النقدية والنزعة الاجتماعية وغيرهم .

2- خطوات البحث العلمي :

  يجمع فلاسفة العلم وعلماء المناهج على أن الخطوات الرئيسة في المنهج العلمي هي الملاحظة والتجربة والفرض العلمي، لكنهم يختلفون حول أهمية كل منها من حيث الفاعلية والترتيب في النسق البنائي المنهجي العام . والتأصيل الإسلامي لهذه الخطوات يؤكد سبق علماء الحضارة الإسلامية إلى إتباع المنهج التجريبي بما يتفق وحالة المعرفة العلمية في المرحلة التي وصلتها في عصرهم .

  فقد كشفت قراءتنا لعلوم التراث الإسلامي عن ممارسات علماء الحضارة الإسلامية لمستويات مختلفة من الملاحظة والتجربة والحدس العقلي، مع إدراكهم لطبيعة العلاقة بينها، والشروط العلمية اللازمة لممارستها، والضوابط المنهجية المؤدية إلى استقراء النتائج العلمية على أساسها .

  أما الفرض العلمي في تراث الحضارة الإسلامية فقد كان أولياً في أغلب الأحيان، ولم يصل إلى مرتبة التعميم أو التجريد في صيغة قانون شامل أو نظرية عامة، ذلك لأن طبيعة علوم التراث الإسلامي يغلب عليها الجانب الوصفي أكثر من التعبير الكمي الذي يميز العلم عادة في مرحلة متقدمة من تطوره، كما في علوم الفيزياء والكيمياء الحديثة والمعاصرة . لكن الاستدلال التحليلي، من ناحية أخرى، يؤكد ثراء الفكر العلمي الإسلامي بأهم مقومات الفرض العلمي، متمثلة في إضفاء مقولات العقل على نتائج الملاحظة والتجربة، واستخدام الخيال العلمي في المماثلة بين الظواهر المختلفة  والكشف عن الوحدة التي تربط بين وقائع متناثرة، وابتكار المفاهيم العلمية المطابقة للواقع والخبرة .[287]    

  وقد ظلت الملاحظة والتجربة والفرض العلمي ـ وسوف تظل ـ أساساً لممارسة البحث العلمي في ذاتها، وقابلة لمواكبة التقدم العلمي والتقني بتطوير أدائها والطرق المستخدمة في إجرائها . وسوف يظل المنهج الإسلامي ـ بشهادة المنصفين من مؤرخي العلم والحضارة ـ هو الينبوع الأول لحضارة العلم الطبيعي .

3ـ العلوم المستحدثة والمتولدة :

  من يتتبع تطور مناهج البحث العلمي عبر العصور، لن يجد صعوبة في الوقوف على نقاط ضعفها، وأوجه العجز فيها . ذلك أنها جميعها مناهج مؤقتة ومحدودة بحدود النظرة الفلسفية الضيقة لأصحابها ومنظريها .

  ولهذا : جاء القياس الصوري عقيماً، والبناء الاستنباطي متداعياً، والنسق البيكوني هزيلاً ومنقوصاً، حتى المنهج الفرضي الاستنباطي المعاصر أصبح هو الآخر معرضاً للتصدع . كل ذلك بسبب التقدم المستمر للعلم، واستحداث علوم جديدة ومتولدة       لا يجدي معها أي من قوائم المناهج التقليدية المطروحة.

  أما المنهج العلمي الإسلامي ـ بثوابته ومتغيراته ـ فيترك المجال مفتوحاً لأي علم جديد يحدد الباحثون فيه منهجهم من واقع ممارستهم الفعلية لعملية البحث العلمي بدقائقها وتفاصيلها . فبعض هذه العلوم على سبيل المثال وهو علم ( السيبرنطيقاً ) يحتاج إلى فريق من علماء ذوي تخصصات مختلفة، لأنه يقوم على علوم كثيرة مثل الرياضيات والمنطق والميكانيكا والفسيولوجيا وغيرها .

  وظهرت كذلك علوم ثنائية وثلاثية ومركبة مثل علوم الفيزياء الفلكية والهندسة الطبية والحاسبات الآلية والمعلوماتية والبيئة وغيرها.

4- تصنيف مناهج البحث الفرعية :

  لقد أصبح واضحاً من واقع البحث العلمي ومشكلاته أن تقسيم مناهج البحث       في العلوم لا ينحصر في أنواعها الرئيسة: الاستنباطي، والاستقرائي، والفرض الاستنباطي والاستردادي، ولكنه يتعداها إلى مناهج خاصة تستخدم مسائل جزئية تختلف من علم إلى علم، بل وتختلف في داخل فروع العلم الواحد. وهذا يتطلب عملية تصنيف مستمرة لأنواع المناهج الفرعية في إطار منهج علمي عام، يشدها إلى ثوابته ومسلماته، ويحتويها بمرونته ومتغيراته .

  وأخيراً لا يمكن الزعم بأن ما قدمناه في هذه الدراسة هو كل خصائص المنهج العلمي الإسلامي، أو أن كل خصيصة قد وفيت حقها، فالموضوع واسع وعميق، وحسبي أنني اجتهدت في وضع نقاط لتبادل الرأي والحوار البناء حول صياغة إسلامية لمنهج علمي شامل، يسهم في الإعداد السليم للباحث المسلم، وينقذه من متاهة الخوض في إشكاليات المناهج الفلسفية والعلمية المطروحة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المصادر والمراجع

أولاً : القرآن الكريم .

(1)              أثر التحديث الغربي في هوية المجتمع الإسلامي ، دائرة الإعلام والثقافة       الشارقة ، طبعة 2001م .

(2)              الأحكام : ابن حزم ، موقع يعسوب ، ترقيم الكتاب موافق للمطبوع .

(3)     اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم : ابن تيمية ، دار عالم       الكتب ، بيروت ، الطبعة السابعة 1999م .

(4)              أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي : أحمد فؤاد باشا ، دار        الهداية ، القاهرة ، 1997م .

(5)              الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ، نصوص ووثائق ، جمعية الدراسات ، الدولية   تونس .

(6)              بين الإسلام الرباني والإسلام الأمريكاني : صلاح عبد الفتاح الخالدي .

(7)              تاج العروس : مرتضى الزبيدي ، موقع الوراق ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(8)              تفسير القرآن العظيم : أبو الفداء إسماعيل بن عمر ، دار طيبة للتوزيع المدينة  المنورة ، الطبعة الثانية ، 1999م .

(9)              الثقافة الإسلامية : عبد الكريم عثمان .

(10)         الجامع الصحيح صحيح مسلم : للإمام مسلم بن الحجاج ، دار الجيل        بيروت ، موافق للمطبوع .

(11)         الجامع لإحكام القرآن الكريم : القرطبي ، موقع يعسوب ، ترقيم الكتاب موافق للمطبوع .

(12)         جمهرة اللغة : ابن دريد ، موقع الوراق ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(13)         الحضارة : أبو زيد شلبي ، مطبعة وهبة ، القاهرة ، بدون تاريخ وطبعة .

(14)   حقيقة العلمانية بين الخرافة والتخريب : يحيى هاشم فرغل ، الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية ، بالأزهر الشريف ، 1989م .

(15)         حقوق الإنسان في الوطن العربي : حسين جميل ، طبعة بيروت  1986م .

(16)         حقوق الإنسان في الإسلام : المرزوقي وإبراهيم عبد الله ، طبعة أبو ظبي  1997م .

(17)   دستور المدينة وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية : إبراهيم علي محمد  أحمد : سلسلة العلم والإيمان رقم (3) المركز العالمي لأبحاث  الإيمان ، الطبعة الأولي ، 1998م .

(18)   دراسة في الحضارة والمدنية : أحمد إبراهيم الشريف ، طبعة دار الفكر         العربي ، بيروت ، بدون تاريخ وطبعة .

(19)         درء تعارض العقل والنقل : ابن تيمية ، طبعة دار الفكر ، بيروت .

(20)         رؤى العقل : رينيه ديبو ، ترجمة فؤاد صروف ، بيروت ، 1962م .

(21)         زاد المعاد : ابن القيم ، موقع الإسلام ، الكتاب ترقيمه موافق للمطبوع .

(22)         سنن أبي داؤود : سليمان بن الأشعث ، دار الفكر ، بيروت                   تحقيق : محمد محي الدين .

(23)         سنن الترمذي : محمد بن عيسى الترمذي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت   تحقيق : أحمد شاكر .

(24)   سنن النسائي : أحمد بن شعيب النسائي ، مكتبة المطبوعات الإسلامية ، حلب   الطبعة الثانية ، 1986م ، تحقيق : عبد الفتاح أبو غدة .

(25)         سنن ابن ماجه : محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني ، دار الفكر ، بيروت  تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي .

(26)         السنن الكبرى : البيهقي ، موقع يعسوب ، موافق للمطبوع .

(27)         الصحاح في اللغة : الجوهري : موقع الوراق ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق   للمطبوع .

(28)         صحيح البخاري : للإمام البخاري : موقع الإسلام ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(29)         صحيفة الشرق الأوسط : السعودية 13/8/2004م .

(30)         ظاهرة الغلو في التكفير : يوسف القرضاوي .

(31)         في ظلال القرآن : سيد قطب ، موقع التفاسير ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(32)         فتح البارئ : ابن حجر ، موقع الإسلام ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(33)         القاموس المحيط : الفيروز آبادي : الكتاب مرقم آلياً غير موافق  للمطبوع .

(34)         الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، موقع الوراق الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(35)         لسان العرب : ابن منظور ، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الأولى .

(36)         مجموع الفتاوى : ابن تيمية .

(37)         مجلة المسلم المعاصر : العدد الافتتاحي ، 1974م .

(38)         مجلة الجامعة الإسلامية المدينة المنورة .

(39)         مختار الصحاح : محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مكتبة لبنان ، بيروت طبعة 1995م .

(40)         مسند الإمام أحمد : الإمام أحمد بن حنبل ، مؤسسة قرطبة ، القاهرة .

(41)         المشاكل الفلسفية للعلوم النووية : فينر هايرنبرج ، ترجمة أحمد مشجير       القاهرة ، 1972م .  

(42)         مقدمة بن خلدون : موقع الوراق ، الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع .

(43)         منهج النقد في علوم الحديث : نور الدين عتر ، دار الفكر ، دمشق .

(44)         المدخل إلى الثقافة الإسلامية : محمد رشاد سالم ، دار القلم ، الكويت .

(45)         المدخل الإسلامي للطب : إبراهيم عبد الحميد ، مجمع البحوث الإسلامية   1987م .

(46)         مكانة المرأة في الإسلام : مصطفى القوجاني .

(47)         محيط المحيط : بطرس البستاني ، مكتبة لبنان ، بيروت ، الطبعة            الأولى ، 1987م .

(48)         مدخل إلى الفلسفة بنظرة اجتماعية : عبد المجيد عبد الرحيم ، القاهرة   1976م .

(49)         المصنّف : عبد الرزاق ، موقع يعسوب ، الترقيم موافق للمطبوع .

(50)         المغني : ابن قدامة ، دار الفكر ، بيروت .

(51)         مقومات التصور الإسلامي : سيد قطب ، دار الشروق ، 1986م .

(52)         مدارج السالكين : ابن القيم .

(53)         مجلة البلاد : شباط ، 1995م .

(54)         مجلة المسلم المعاصر : العدد 49 ، 1987م .

(55)         نشوء الحضارة الإسلامية : أحمد القصص .

(56)         نظرات في الثقافة الإسلامية : محفوظ عزام ، دار اللواء ، الرياض ، بدون تاريخ وطبعة .

(57)         هذه هي العولمة : محمد توهيل عبدا سعيد ، مكتبة الفلاح ، الكويت           طبعة 2002م .

(58)          الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية : محمد عمارة ، نهضة مصر للطباعة .

(59)   واقعنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام : وحيد الدين خان ، ترجمة دكتور سمير عبد الحميد ، دار الصحوة ، القاهرة ، 1984م .

المواقع الإلكترونية

-        http://www.sudansite.net.

-        http://www.al-yemen.org.

-        http://www.oujdacity.net.

-        http://www.islamweb.net.

-        http://www.aldoah.com.

-        http://www.Islamway.com.

-        http://www.audio.islamweb.net.

-        http://www.aljazeeratalk.net.

-        http://www.undcp.org.

-        http://www.loc.gov.

-        http://www.encarta.msn.com.

-        http://www.gulfson.com.

-        http://www.saaid.net.

-        http://www.makatoxicology.tripod.com.

-        http://www.interior.gov.

-        http://www.aoua.com.

                                

فهرس الموضوعات

الرقم

الموضوع

الصفحة

1

المقدمة

1

2

أهمية البحث

1

3

أهداف الدراسة

2

4

محاور الدراسة

2

5

منهج الدراسة

2

6

الفصل الأول : المفهوم والمصادر والخصائص

4

7

المبحث الأول : التعريف بالحضارة والثقافة والمدنية لغة واصطلاحاً

4

8

المطلب الأول : الحضارة لغة

4

9

المطلب الثاني : الثقافة لغة

5

10

المطلب الثالث : المدنية لغة

6

11

المطلب الرابع : الحضارة اصطلاحاً

8

12

المطلب الخامس : الثقافة اصطلاحاً

10

13

المبحث الثاني : الفرق بين الثقافة والعلم والحضارة والمدنية

12

14

المطلب الأول : الفرق بين الثقافة والعلم

12

15

المطلب الثاني : العلاقة بين الثقافة والحضارة

14

16

المطلب الثالث : العلاقة بين الثقافة والمدنية والحضارة

15

17

المبحث الثالث : التعريف بالثقافة والحضارة الإسلامية 

17

18

المطلب الأول : التعريف بالثقافة الإسلامية

17

19

المطلب الثاني : التعريف بالحضارة الإسلامية

18

20

المطلب الثالث : أهمية دراسة الثقافة الإسلامية

19

21

المبحث الرابع : موقف الثقافة والحضارة الإسلامية من الآخر

20

22

المطلب الأول : موقف الثقافة والحضارة الإسلامية من الآخر

20

23

المطلب الثاني : موقف الحضارة الغربية من الآخر

23

24

المبحث الخامس : مصادر وخصائص الثقافة الإسلامية

27

25

رسم توضيحي رقم (1)

27

26

المطلب الأول : المصادر الشرعية

27

27

المطلب الثاني : المصادر الإنسانية والمعرفية

30

28

المطلب الثالث : خصائص الثقافة والحضارة الإسلامية

32

29

رسم توضيحي رقم (2)

32

30

الفصل الثاني : قضايا ثقافية معاصرة 

39

31

المبحث الأول : المرأة في التصور الإسلامي

39

32

المطلب الأول : المرأة قبل الإسلام

39

33

المطلب الثاني : حقوق المرأة في الإسلام

41

34

رسم توضيحي رقم (3)

41

35

المبحث الثاني : الهوية الإسلامية

47

36

المطلب الأول : تعريف الهوية لغة واصطلاحاً

47

37

المطلب الثاني : خصائص الهوية الإسلامية

49

38

رسم توضيحي رقم (4)

49

39

المطلب الثالث : عوامل ضعف الهوية الإسلامية

53

40

رسم توضيحي رقم (5)

53

41

المبحث الثالث : الصحوة الإسلامية وعقباتها

57

42

المطلب الأول : تعريف الصحوة لغة واصطلاحاً وبيان نشأتها

57

43

المطلب الثاني : عقبات في طريق الصحوة الإسلامية

60

44

رسم توضيحي رقم (6)

60

45

المبحث الرابع : مفاهيم ومصطلحات

81

46

المطلب الأول : الأصولية

81

47

المطلب الثاني : التطرف

85

48

رسم توضيحي رقم (7)

86

49

المطلب الثالث : الإرهاب

88

50

المطلب الرابع : الحداثة

92

51

المبحث الخامس : الحريات وحقوق الإنسان

97

52

المطلب الأول : نبذة تاريخية عن نشأة مصطلح حقوق الإنسان

97

53

المطلب الثاني : نصوص مواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان

99

54

المطلب الثالث : بعض الأمثلة على التجاوز

104

55

المطلب الرابع : الحريات وحقوق الإنسان في الإسلام

106

56

المبحث السادس : الوحدة الإسلامية

112

57

رسم توضيحي رقم (8)

113

58

المبحث السابع : المخدرات والإيدز

116

59

المطلب الأول : المخدرات

116

60

رسم توضيحي رقم (9)

117

61

المطلب الثاني : الإيدز

125

62

الفصل الثالث : المنهجية العلمية في الإسلام

130

63

المبحث الأول : المنهج العلمي الإسلامي

131

64

المبحث الثاني : الثوابت والمتغيرات في المنهج العلمي الإسلامي

135

 



[1] القاموس المحيط : 1/386 ، مادة : حَضَر  .

[2] تهذيب اللغة :1 /500 .

 

[3] القاموس المحيط : 2/361 مادة : ثقف .

[4] الصحاح في اللغة :  1 / 72 : مادة : ثقف

[5] لسان العرب : 13 / 402 مادة : مدن  .

[6] جمهرة اللغة : 1 / 369 مادة : مدن  .

[7] الصحاح في اللغة : 2 / 163 مادة : مدن  .

 

[8] مقدمة ابن خلدون 2 موقع الوراق .

 

[9] دراسات في الحضارة والمدنية . أحمد إبراهيم الشريف : ص19 طبعة دار الفكر العربي – بيروت . وكتاب تاريخ الحضارة لأبي زيد شلبي  ص7 . مطبعة وهبه .      

 

[10] مذكرة الثقافة الإسلامية . جامعة السودان . لم تطبع .

[11] الثقافة البدائية : ادوارد تايلور ( 1832-1917م ) .

[12]  ندوة الثقافة الإسلامية في كوالالامبور - ماليزيا .

[13] نظرات في الثقافة الإسلامية محفوظ عزام . دار اللواء : الرياض . ص13 .

[14] انظر : المدخل إلى الثقافة الإسلامية . محمد رشاد سالم .ص5 دار القلم الكويت .

[15] لمحات في الثقافة عمر عودة الخطيب . ص 29 .

[16] سورة الأنفال : الآية : 60 .

[17] سورة الممتحنة : الآية : 10 .

[18] تاج العروس : 1 / 7825  .

 

[19] الإسلام والحضارة الغربية : محمد حسين .          

[20] لجنة ندوة الثقافة الإسلامية المنعقدة في كوالالامبور - ماليزيا .

[21] تعريف الدكتور رجب شهوان .

[22] الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي : منشورات الآيسسكو  .

[23] نشوء الحضارة الإسلامية : أحمد القصص 1/27 .

[24]  المرجع السابق نفسه : 1/34 .

[25] ورقة علمية قدمها بروفيسور عون الشريف عن حوار الحضارات .

 

[26] مدخل إلى الحضارة الإسلامية : عماد الدين خليل ، مقال نشر بتاريخ 10/2/2009م .

[27] الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية : محمد عمارة ،  القاهرة ، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع  2000 م           ص 269 .

[28] http://www.sudansite.net/index.php  .

[29] مناهل العرفان : للإمام الزرقاني ، ص 13 .

[30] سورة الحجر : الآية : 9 .

[31] منهج النقد في علوم الحديث : نور الدين عتر  ، دار الفكر   دمشق : ص 26 .

[32] سورة النجم : الآيتين  3 ، 4 .

[33] الأحكام : للآمدي : 1/195  .

[34] الإحكام في أصول القرآن : ابن حزم : 1/312  .

[35] سورة يوسف : الآية : 2 .

[36] الموطأ والمسند عن أبي هريرة وعند مالك : باب وحدثني عن مالك .....  ) .

[37] http://www.al-yemen.org/vb/showthread.php .

 

[38] صحيح البخاري : باب كسب الرجل وعمله بيده  ، رقم : 2072.

[39] صحيح البخاري : كتاب الكسب . رقم : 2374 .

[40] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 2071 .

[41] سورة البقرة : الآية : 233 .

[42] سورة البقرة : الآية : 286 .

 

[43] سورة القصص : الآية : 77 .

[44] صحيح البخاري : كتاب الترغيب في الزواج ، رقم : 5063 .

[45] صحيح البخاري : باب من أقسم على أخيه ليفطر في تطوع ، رقم: 6139 .

[46] الكامل في التاريخ : ابن الأثير : 1/413 . 

[47] الثقافة الإسلامية : عبد الكريم عثمان : ص 16 .

[48] سورة الحجرات : الآية : 13 .

 

[49] سورة الحجرات : الآية : 10 .

[50] سورة سبأ : الآية : 28 .

[51] سورة الأعراف : الآية : 158 .

[52] صحيح البخاري : قول النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض ، رقم : 335 .

[53] محمد حسين الطبطائي 2/262 .

[54] أنظر المرجع السابق  2/264-266 .

[55] مكانة المرأة في الإسلام : مصطفى القوجاني :  ص 7-10  .

[56] سورة النحل : الآية : 58 .

[57] سورة التكوير : الآيتين : 8-9 .

[58] سورة النساء : الآية : 124 .

[59] سورة آل عمران : الآية : 195 .

[60] سورة الأحزاب : الآية : 35 .

[61] سورة النساء : الآية : 4  .

[62] سورة  النساء : الآية : 11 .

[63] سورة  النساء : الآية : 12 .

[64] سورة الإسراء : الآيتين : 23-24 .

[65] صحيح البخاري : باب من أحق الناس بحسن الصحبة ، رقم : 5971 .

[66] سورة الأنعام : الآية : 151 .

[67] صحيح البخاري : باب عقوق الوالدين من الكبائر ، رقم : 6920 .

 

[68] أخرجه الترمذي : باب فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم : 3895 .

[69] سورة التوبة : الآية : 71 .

[70] زاد المعاد : ابن القيم : 3/38 .

[71] سورة النساء : الآية : 20 .

[72] الجامع لأحكام القرآن الكريم : القرطبي : 5/99  .

[73] راجع كتاب السير والمغازي لابن إسحق ، 1/101 .

 

[74] محيط المحيط : بطرس البستاني : مكتبة لبنان ، ط1/1987م ، ص947 .

[75] السيرة النبوية : ابن هشام : مطبعة الحلبي ، القاهرة ط  12. 1/519 .

[76] التعريفات : على بن حمد الجرجاني ، دار الكتاب العربي ، بيروت .ط، الأول ،1405 هـ :تحقيق إبراهيم             

   الأنبارى ، ص320  .

[78]  http://www.islamweb.net/ver/archive/readArt.php?lang=A&id=

 

[79] سورة الأعراف : الآية : 158 .   

[80] سورة الأنعام : الآية : 19 .

[81] صحيح البخاري : قول النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، رقم: 335 .

[82] سورة الأنعام : الآيتين  162-163  .

[83] في ظلال القرآن :سيد قطب ، 3/182 .

[84] سورة المنافقون : الآية : 8 .

[85] في ظلال القرآن : سيد قطب :  7/219 .

 

[86] تفسير ابن كثير -  4 / 40 .

 

[87] سورة الكافرون : الآية : 6 .

[88] في ظلال القرآن : سيد قطب : 8/117 .

[89] سورة الفاتحة : الآيتين 6-7 .

[90] دستور المدينة وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية : إبراهيم على محمد أحمد : سلسلة العلم والإيمان المركز العالمي   

   لأبحاث الإيمان : الطبعة الأولى 1998م : مطبعة أرو : الخرطوم ، ص 22 .

[91] الألباني : السلسلة الصحيحة : 5/227 .

[92] أخرجه أبو داؤود عن عبد الله بن عمر : باب في لبس الشهرة : 11/48 .

[93] سورة يونس : الآية : 41 .

[94]  سورة البقرة : 139 .

 

[95] أخرجه مسلم : عن جندب بن عبد الله ، باب الأمر بلزوم الجماعة : 6/22 .

[96] أخرجه أبو داؤود : باب في العصبية : 13/325 .

[97] دستور المدينة – وأبعاده الإجتماعية والسياسية والاقتصادية : إبراهيم علي محمد أحمد ، ص 33  .

[98] سورة الحشر : الآية  : 9  .

[99] أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس ، رقم : 16 .

[100] أخرجه الترمذي عن فاطمة بنت قيس : باب ما جاء أن في المال حق سوى الزكاة ، رقم : 660 .

[101] سورة البقرة : الآية : 177.

[102] لسان العرب : ابن منظور  14 / 452 .

 

[103] الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية : محمد عمارة ، نهضة مصر للطباعة ، ص 55 .

 

[104] http://aldoah.com/upload/archive/index.php

 

[105] كتاب الأمة " أدب الاختلاف في الإسلام "  طه جابر العلواني .

[106] اقتضاء الصراط المستقيم : ابن تيمية : 1/289 .

[107] فتح الباري : ابن حجر : 13/278 .

 

[108] أنظر : مجموع الفتاوى شيخ الإسلام بن تيمية في الرد على البكري ، 2/492 .

[109] أنظر : مجموع الفتاوى شيخ الإسلام بن تيمية في الرد على البكري: 4/321 .

[110] المرجع السابق نفسه : 7/680 .

[111] إحكام الأحكام : 4/ 76-77 .

[112] www. Islamway.com

[113] سورة النساء : الآية : 94 .

[114] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 6872 .

[115] رواه  البخاري : صحيح البخاري ، رقم : 2946 .

[116] رواه البخاري عن عمر بن الخطاب : باب : خلق أفعال العباد ، رقم : 2641 .

[117] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 3598

[118] رواه أو داؤود عن عبد الله بن مسعود ، رقم : 4890 .

[119] سورة البقرة : الآية : 178 .

[120] سورة الحجرات : الآيتين : 9-10 .

[121] فتح الباري 1/84 .

[122] سورة النساء : الآية : 116

[123] فتح الباري 1/84 .

[124] رواه البخاري عن أبي هريرة  ، رقم: 6777 .

[125] رواه ابن الملقن : الإعلام ، 4/510 .

[126] رواه ابن الملقن : الإعلام ، 4/510 .

[127] رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ، رقم : 6780 .

[128] فتح الباري 1/85 .

[129] سورة البقرة : الآية : 253 .

[130] سورة الإنسان : الآية : 3 .

[131] سورة المائدة : الآية : 5 .

[132] سورة المائدة : الآية : 73 .

[133]  رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 6044 .

[134] رواه ابن الملقن : البدر المنير ، 9/458 .

[135] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 1052.

[136] مدارج السالكين 1/355 .

[137] سورة المائدة : الآية : 44 .

[138] سورة الأنعام : الآية : 82 .

[139] سورة لقمان : الآية : 13 .

[140] فتح الباري 1/87  .

 

[141] أبو نعيم : حلية الأولياء ،  8/169 .

[142] الجامع الصحيح : البخاري : رقم : 3178 .

[143] www. Islamway.com

[144] انظر : مجموع الفتاوى : ابن تيمية  ( 7/203،303،305،355 ) .

 

[145] انظر : ظاهرة الغلو في التكفير : القرضاوي  58-67  .

 

[146] سورة النساء : الآية : 10 .

[147] المسائل المارديـنية : ابن تيمية  ص65-68  .

[148] رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان : كتاب الرقائق ، رقم : 6480 .

[149] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 3481 .

[150] انظر : مجموع الفتاوى : ابن تيمية ( 7/203،303،305،355 ) .

 

[151] سورة المائدة : الآية : 93 .

[152] انظر : المصنف لعبد الرزاق 9/76-170، سنن البيهقي 8/316 - وذكره ابن حجر في الإصابة وسكت عنه .

[153] انظر : مجموع الفتاوى : 7/507- 23/ 348 - المسائل الماردينـية : 69 .

[154] المغني لابن قدامة 12/ 276- 277 . ( موقع علماء الشريعة ) .

 

[155] المرجع السابق نفس الموضع  .

[156] http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=  

[157] بين الإسلام الرباني والإسلام الأمريكاني : صلاح عبد الفتاح الخالدي .

 

[158] http://www.aljazeeratalk.net/forum/archive/index.php

 

[159] أثر التحديث الغربي في هوية المجتمع إسلامي : إبراهيم راشد الحوسني ، دائرة الإعلام والثقافة ــ الشارقة 2001م      ص 326  .

[160] هذه هي العولمة : محمد توهيل عبدا سعيد ، مكتبة الفلاح ، الكويت ، 2002 ، ص 372  .

[161] قاموس لاروس الصغير 1966م .

[162]  قاموس لاروس الجيب  للعام 1979م .

[163] قاموس لاروس الكبير عام 1984م .

[164] مجلة البلاد : العدد : 222 : شباط : 1995م : ص 32 .

 

[165] المرجع السابق نفسه .

[166] مجلة البلاد : العدد : 222 : شباط : 1995م : ص 32 .

[167] صحيفة الشرق الأوسط :العدد :9390 : بتاريخ :13/8 / 2004م .

 

[168] صحيفة الشرق الأوسط :العدد :9390 : بتاريخ :13/8 / 2004م .

[169] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف : يوسف القرضاوي ، ص 45 .

[170]  المعجم الوسيط : مادة : تطرف .

[171] الإعتصام : الشاطبي : 2/173 .

 

[172] المحيط في اللغة : 1 / 307 : مادة رهب  .

[173] لسان العرب : 1 / 436 : مادة : رهب  .

 

[174] نقلاً عن فايز الجحني : التعاون العربي في مكافحة الإرهاب : 181.

 

[175] نقلاً عن: عبد الرحمن الهواري : التعريف بالإرهاب وأشكاله : 23 .

 

[176] www.undcp.org/terrorism.definitions.html.odccp

[177] نقلاً عن محمد فتحي عيد : واقع الإرهاب في الوطن العربي : 24 .

 

[178] محمد محيي الدين عوض : واقع الإرهاب واتجاهاته: 15 . د.عبد الرحمن بن معلا اللويحق  .

 

[179] درء تعارض العقل والنقل : ابن تيمية : 1/229 .

[180]  www.loc.gov/rrfrd/sociology-psychology                                     

[181] موسوعة المورد : منير البعلبكي 8/135  .

 

[182] http. encarta.msn.com /July

 

[183] رواه البخاري : الجامع الصحيح ، رقم : 3368 .

[184] لسان العرب : ابن منظور : 2 / 131 .

[185] http://www.gulfson.com/vb

 

[186] http://www.saaid.net/feraq/mthahb

 

[187] نظرة عابرة على حقوق الإنسان الأساسية . مجلة المسلم المعاصر ، العدد الافتتاحي ، شوال 1399هـ - نوفمبر 1974م . ص52 .

 

[188] نظرة عابرة على حقوق الإنسان الأساسية . مجلة المسلم المعاصر ، العدد الافتتاحي ، شوال 1399هـ - نوفمبر 1974م .   ص 52 .

[189] حقوق الإنسان في الوطن العربي ، حسين  جميل  بيروت  1986م ، ص :17-21 .

 

[190] حقوق الإنسان في  الإسلام . المرزوقي وإبراهيم عبد الله ، أبو ظبي 1997م . ص 7 .

 

[191] الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ، نصوص ووثائق ، جمعية الدراسات الدولية تونس ص720-81  .

 

[192] نقلاً عن كتاب الأمة : حقوق الإنسان في ضوء الحديث النبوي العدد 114 ،رجب 1427هـ . ص44 .

[193] انظر : كتاب الأمة رقم (25) : 16-17 . الطبعة الأولى  .

 

[194] سورة المائدة : الآية : 32 .

[195] سورة البقرة : الآية : 179 .

[196] الترمذي : سنن الترمذي ، رقم : 1398 .

[197] رواه النسائي : صحيح النسائي ، رقم : 3998 .

[198] سورة الفرقان : الآية : 68 .

[199] سورة الإسراء : الآية : 70 .

[200] سورة الذاريات : الآية : 22 .

[201] سورة الأعراف : الآية : 31  .

[202] سورة الأعراف : الآية : 26  .

[203] الإمام الحاكم : المستدرك على الصحيحين .

[204] المستطرف في كل فن مستظرف : شهاب الدين أحمد الأبشيهي : 1 / 239 .

[205] سورة آل عمران : الآية : 104 .

[206] رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري : 19/180 .

[207] رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري : رقم : 49 .

[208] سورة النساء : الآية : 20 .

 

[209] سورة البقرة : الآية : 256  .

 

[210] سورة يونس : الآية : 99 .

[211] سورة الكهف : الآية : 29  .

[212] حقوق الإنسان بين الإسلام والإعلان العالمي لحقوق الإنسان إعداد : محمد سليم  حسن ، تاريخ النشر : 13/3/2005م

 

[213] سورة الأنبياء : الآية : 92 .

[214] سورة آل عمران : الآية : 103 .

[215] صحيح مسلم : 8 / 20 .

[216] صحيح البخاري : 8 / 309  .

 

[217] صحيح البخاري :  2 / 289 .

 

[218] سورة الذاريات : الآية : 56 .

[219] سورة الأنعام : الآية : 153  .

[220] سورة النساء : الآية : 95 .

 

[221] سورة النساء : الآية : 59  .

[222] انظر لسان العرب : ابن منظور : مادة خدر  .

[224] تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب : داود الأنطاكي ، تحت اسم الخشخاش.

 

[225] www.interior.gov.bh

[226] http://www.aoua.com/vb/showthread.php?

 

[227] سورة الإسراء : الآية : 70  .

[228] سورة الأعراف : الآية : 157.

[229] رواه مسلم عن عبد الله بن عمر  : رقم : 2003 .

[230] رواه أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها : رقم : 3686 .

[231] جامع العلوم والحكم : ابن رجب الحنبلي ، ص 397 .

 

[232] الأستاذ عبد القادر عودة : 1 /582 ، وانظر الفتاوى لابن تيمية : 34/204.

 

[233] تهذيب الفروق والقواعد السنية : الشيخ محمد علي حسين مطبوع على هامش الفروق 1/ 216 .

[234] جامع العلوم والحكم : ابن رجب الحنبلي ، ص 397 .

[235] الفتاوى : ابن تيمية  : 19/282 .

[236] المرجع السابق 34/211 ، وانظر مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة : 25 / 335  .

[237] سورة الملك: الآية : 14 .

[238] صحيح ابن حبان :  9 /  517 .

 

[239] المستدرك على الصحيحين للحاكم : مع تعليقات الذهبي في التلخيص :  4 /  395  .

 

[240] سورة النور : الآية : 33  .

 

[241] سورة النور : الآية : 19 .

[242] سورة الأحزاب : الآية : 32 .

[243] سنن الترمذي :  4 /  404 .

 

[244] سورة النور : الآية :31  .

[245] سورة الأحزاب : الآية : 33 .

 

[246] سورة النور : الآية :30  .

 

[247] سورة النور : الآية : 28 .

[248] سورة النور : الآية : 58 .

[249] سورة الأنعام : الآية : 38 .

[250] فلسفة العلوم الطبيعية في التراث الإسلامي ، دراسة تحليلية مقارنة في المنهج العلمي : د. أحمد فؤاد باشا ، مجلة المسلم المعاصر . ع 49  1987م .

[258] سورة العلق : الآية : 1 .

[259] سورة يس: الآية : 82  .

 

[262] سورة الملك: الآيات : 1 ـ 4  .

[263] سورة السجدة : الآية : 7 .

[264] سورة القمر: الآية : 49  .

 

[265] سورة فصلت : الآية : 53 .

[266] سورة الفتح : الآية : 23 .

 

[268] سورة القيامة : الآيات  :  7-9 .

[269] سورة آل عمران: الآية : 191 .

[270] سورة الصف : الآيتين : 2 ـ 3 .    

[273] سورة فصلت : الآية : 53  .

[274] رؤى العقل : رينيه ديبو :  ترجمة : فؤاد صروف ، ص 182، 216، 217 بيروت 1962م  .

[275] سورة الإسراء : الآية : 85  .

[276] سورة طه : الآية : 114  .

[277] سورة يوسف : الآية : 76  .

[278] راجع : التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة : د. احمد فؤاد ، القاهرة 1984م .             و: أساسيات العلوم المعاصرة في التراث الإسلامي  دراسات تأصيلية : أحمد فؤاد باشا ، دار الهداية، القاهرة 1997م  .

[279] سورة الأعراف : الآية : 22 .

[280] سورة الأنعام : الآية : 7 .

[281] سورة يوسف : الآية : 94  .

 

[282] سورة النحل : الآية : 78  .

[283] سورة الحج: الآية : 46  .

[284] سورة الروم: الآية : 59  .

[285]  سورة محمد : الآية : 24  . 

[286] سورة الأعراف : الآية : 179 .