قائمة الروابط

 

أنغام لم تسمع من قبل

                          بين يدي القارئ باقة عطرة، من شعر ذي أريج نفاذ، غير معهود في زمننا هذا، استوقفني عنوانها: نشيد الأنشاد بقوة،وردني إلى أيام صباي طالبا في دار العلوم، ومن بين ما ندرسه فيها اللغة العبرية، ومن بين ما نقرؤه في هذه نشيد الإنشاد في التوراة، بلغته الأصيلة أو مترجماً إلى العربية، وشدني في كلتا حالتيه: عبريا وعربيا، فأنت معه في التوراة، وفي هذه الباقة من الشعر الحديث أمام صورة جميلة رقيقة، بسيطة في تكوينها وفي لغتها، غير أنك كلما أمعنت في تأملها، وجدتها أبعد غوراً، وأعمق بعداً، وأشدّ إشعاعاً، مما تظن. قرأتها للمرة الأولى مستطلعاً، كعادتي مع كل شيء جميل، ثم عاودت قراءتها على مهل، أحاول أن أجد لإعجابي تفسيراً.

ثمة قواعد عديدة للقراءة والتقييم، ومذاهب مختلفة في النقد والتفسير، وحتى متباينة، أقربها إلى فكري ووجداني، تجربة وممارسة، مذهبا اتخذته لي مرشدا وهادياً منذ بدأت أقرأ الأدب وأعايشه وأتذوقه، شعرا أو نثرا ، وهو: العمل الجيد يمسك بك قارئاً منذ أن تقع عيناك على أول سطر فيه، فلا تفارقه إلا بعد أن تفرغ من قراءته كله.

وهكذا كان حالي مع نشيد الإنشاد.

أنا معجب إذن بما بين يدي من شعر وجد طريقه إلى مشاعري أولاً، وإلى فكري أخيراً، ثم بدأت أحاول أن أجد لهذا الإعجاب تفسيراً، وأحسب أنك سوف تشاركني هذا الإعجاب، وأنك سوف ترتضى هذا التفسير، وقد يكون عندك المزيد منه، لأنك لديك وقتاً أوسع،  ورغبة في أن تتناوله من  جوانب أخر، قد لا تتسع لها هذه المقدمة التي أنا محكوم بعدد صفحاتها.

ساءلت نفسي نفسي أولاً: أيّ لون من الأدب ما أقرؤه؟ ليس نثرا عادياً، ولا شعراً مألوفاً على التأكيد، فهو يختلف بعمق عما يكتبه دعاة التجديد، أو التحديث أو التنوير، مما يطلقون عليه اسم الشعر الحر أو الحديث أو الشعر السايب، والذين يتبنونه، ويملأون الأفق صراخاً به، أغلبهم أدعياء مجد، أصواتهم مرتفعة، وزهوهم فاقع، ونتاجهم شديد التواضع، إن لم يكن ثقيل الدم، مجرد قراءته لون من العذاب، يعاقب بها المرء نفسه، أو يفرضه عليه الآخرون.

يحرص الشاعر في هذا الديوان على أشياء يراها، ونراها معه، بالغة الأهمية، وهي روح الفن الشعري، وتتمثل في الرشاقة والظرف والتوتر النفسي المباغت والعفوية، وهذه لا تعني الارتجال بحال، لأنهما جد مختلفان، فالارتجال مجرد تمكن دقيق من تقنية الشعر، تسمح للشاعر أن يرتجل شعرا منظوماً على الفور، في زمن أقصر بكثير جدا مما يستطيعه الشاعر العادي الذي يحتاج إلى زمن أطول، على حين أن العفوية شيء فطري، لحظي حقاً، حددت البلاغة العربية الأصلية محتواه في مصطلح مطبوع، وهذا ما يتجلى في ديوان نشيد الإنشاد واضحاً جلياً.

اللغة -مثلاً- شاعرية بسيطة، لا تعقيد ولا قلق ولا معاظلة، كل كلمة استقرت في مكانها من الجملة، تؤدي دورها وشوشة، وتتسرب إلى أعماق السامع همساً في خفة وطلاوة، فتستقر الفكرة في وجدانه من وراء عقله، وتمارس تأثيرها، وتلك هي رسالة الفن.

ولنأخذ النشيد الثالث لذلك مثلاً:

يا واحدتي

سأقول لربي حين أخش الجنة

يا ربي

يا رب الأرباب

إن امرأة كانت بزمان القهر

تطارحني نزق التفاح

… وتقوى العناب

أتمم نُعماك عليّ

وهبني إياها

كل لفظة في مكانها، تؤدي دورها تعبيراً، والعفوية وحدها هي التي جاءت بكلمة أخش بدل أدخل، والكلمتان عربيتان فصيحتان، ولو أن الأول أكثر شيوعاً من الثانية، فبدت كأنها عامية، وليس ذلك بصحيح.

هذه العفوية يعرفها الشعر العربي على امتداد عصوره كلها، وتميز بها عدد من الشعراء تستطيع أن تضعهم إلى جانب شاعرنا أيمن صادق، أو تضعه هو إلى جوارهم، فديوان البهاء زهير يكاد يكون كله مع اختلاف في المحتوى، في مستوى لغة نشيد الإنشاد، يجيب على من سأله عن حاله:

                                                                يا سائلي عن زهير              وكيف حالُ زهيرِ

                                                                 والله إني بخيرٍ                  ما دمت أنت بخيرِ

ونجد الواقع اللفظي نفسه، سهولة ورشاقة، عند الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي:

                                                                  إذا لم يرزق الإنسان بختاً        فما حسناته إلا ذنوب

فالشاعر هنا يستخدم بختاً دون حظاً، وهي أقل شيوعاً بين العامة، ويمكن أن تؤدي المعنى دون أن يضطرب الوزن، ومع ذلك اختار الشاعر بختاً لأنها نبت العفوية، لحظة التعبير.

غير أن هذه البساطة في اللفظ والعفوية في التعبير، لا تعني بحال السطحية أو الفجاجة، لأن التشكيل بالصورة يجيء في غاية الإتقان، ويسود الكثير من أناشيده، ويكفي أن أدعوك إلى تأمل أي نشيد فيه، التاسع، أو الحادي عشر مثلاً، وما أود أن أعيد كتابتها، والديوان بين يديك، ولا أن أقدم لها تحليلاً فأفسد طزاجتها عليك.

وقد اختار الشاعر لقصائده، أو أناشيده، معادلاً موضوعياً يحاوره، فأعانه ذلك على أن يجيء كل نشيد بناء محكماً مستقلاً مترابطاً، لا تحتمل أبياته تقديماً ولا تأخيراً، كأنما انفصل النشيد كله عن وجدان الشاعر دفعة واحدة، ولا عليك بعدها، ما دام المعادل أدى دوره أن يكون واقعياً أو متخيلاً زوجاً أو حبيبة، فإن كانت هذه فقد فتح لنا بابا جديداً في التعبير عن الحب، وأضاف إلى تراثنا العربي في الغزل نموذجاً، أو نماذج غير معهودة، جديرة بأن يلتفت إليها الدارسون.

وماذا عن المحتوى؟

بداهة أي شاعر حين يبدع يغني لنفسه أولاً، غير أن من يقف عند هذا الجانب وحده سوف يظل وحيداً، بمعزل عن الجماهير، سوف تدير له ظهرها، ولن يجد منها إقبالاً. إن اعتزال الشاعر بهمومه وحدها، كان وراء سقوط حركة الشعر الحر فيما أحسب،و فشلها في أن تجد لها مكاناً بين مشاعر المتلقين وإحساسهم، وتَرَفُّعها ،أو عجزها، إذا شئت، عن مشاركة الآخرين مشكلاتهم، واستعاضت عن المشاركة الحقة بتحدي مشاعرهم الدينية، أو قيمهم الأخلاقية، مما أتى على الحركة نهائياً. وانتهى دورها.

والساحة الآن خالية الآن للإبداع الأصيل أو الجديد، يشد إليه عقول المثقفين ووجدانهم، إن صاحب نشيد الإنشاد، غنى لنفسه وتغنى بها، هذا حق، وكل مبدع لا بد أن ينطلق من داخله أولاً، وأن يبثنا متاعبه وهمومه فرداً، ولكن شاعرنا إلى جانب هذا حمل في تكثيف شعري، وبساطة غنائية جوانب عريضة وواسعة من هموم أمتنا في أيامنا هذه.

أتمنى عليك أيها القارئ أن تقرأ النشيد الخامس عشر، وأنا على ثقة أنك لن تكتفي بهذه المرة، وإنما سوف تعاود قراءته مرات لترى كيف يتمنى الشاعر الحرية لوطنه، حرية التعبير والتنقل، لا يلاحقه العسكر أو الاعتقال، وكل ذلك في لفظ رشيق رهيف نافذ، وكيف يجسِّم لك في النشيد الثالث والعشرين غالبية شعبنا، حيث:

الجوع تمطَّى في وطني

وتخثرت الأحلام على مليون رصيف

والناس تعض حواصلها

يتسرب منها العمر خريفاً

بعد خريف

تتراشق كل مساء كبوتها

والليل تليل أنياباً

ونزيف

وأخافُ… أخافُ على وطني

أن تهجره الأطيار

لأجل رغيف

هذا كلام يُشبع ويُروي كل من يبحث عن الصدق في التعبير، وعمن يخلص لرسالة الفن، وأصدق قارئي القول: إنّي أحسست بهذا الشبع وهذا الري، وغمرتني دهشة إعجاب لم أعهدها منذ زمن طويل!

***

أخاف دائماً من الإسراف في الثناء على المبدعين من الشادين في عالم الشعر، حتى لا يقعد بهم الغرور عن مواصلة التجويد، أو يصرفهم الزهو عن المثابرة في الأخذ بالأسباب، تجربة وتثقيفاً، عبر رحلة حافلة بالمشقة والمعاناة والتوتر، وهي عماد الفن، وبدونها يجيء كل شيء شاحباً باهتاً، بلا لون ولا طعم.

من قلبي، ولم أقلها لأحد من قبل، أقول لشاعرنا أيمن صادق، إنك قدمت لنا شيئاً جميلاً جديداً، وَاصِلْهُ، وأضف ‘إليه دائماً الجديد من تجاربك، حتى لا تكرر نفسك، فقد تكون إرهاصاً بالشاعر الحق الذي ننتظره من زمن طويل.

 

 

                                      أ.د/الطاهر أحمد