بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة أم القرى  بمكة  المكرمة

كلية  التربية

قسم التربية الإسلامية والمقارنة

  فلسفة التربية

 إعــداد

 د. محمد عبد الرءوف عطية السيد

 محتويات الكتاب

الفصل

الموضوع

رقم الصفحة

الفصل الأول

الفلسفة والتربية، وفلسفة التربية

4

الفصل الثاني

الفلسفة المثالية

19

الفصل الثالث

الفلسفة الواقعية

28

الفصل الرابع

الفلسفة البراجماتية

43

الفصل الخامس

الفلسفة الوجودية

56

الفصل السادس

الفلسفة الإسلامية

64

الفصل السابع

الأهداف التربوية

109

 

P 

تقديم:

مارس  الإنسان التفكير منذ الأزل، حيث إنه تميز عن الكائنات الأخرى بكونه مفكراً، يفكر في ذاته ويبحث عنها وفي الوجود من حوله وما يتضمنه من ظواهر وأشياء بغية أن يجد تفسيراً لكل ما يحيط به. رابطاً بين النتائج وأسبابها تارة، وباحثاً عن العلل والتفسيرات العقلية لبعض الظواهر تارة أخرى.

          وخلال رحلته هذه مارس أنماطاً متعددة من التفكير حتى توصل إلى نمطين هما: التفكير العلمي والتفكير الفلسفي يتسقان معاً ولا يتناقضان، ويتكاملان فيما بينهما لصالح الإنسان.

          ولما كانت عملية التربية تهدف فيما تهدف إلى الإعداد المتكامل للإنسان في جوانبه المادية والعقلية، بما في ذلك إعداده وتدريبه لممارسة التفكير بنمطيه الفلسفي والعلمي، كان لزاماً أن يقف الطلاب والمعلمون على بعض مما يتصل بالتفكير الفلسفي، ولهذا جاء مقرر فلسفة التربية ليتناول حركة الفكر الإنساني شارحاً نماذج من الفلسفات القديمة كالمثالية والواقعية، وأخرى معاصرة كالبراجماتية والوجودية، وثالثة ترتبط بثقافتنا وهويتنا الإسلامية بالإضافة إلى تناول بعض القضايا ذات الارتباط الفلسفي كالبحث في طبيعة المجال ذاته، فضلاً عن دراسة الأهداف التربوية لها.

          ونأمل أن يفيد هذا المقرر وبإذن الله طلابنا الأعزاء، وذلك من خلال ما يترك من أثر في ممارساتهم كطلاب ومعلمين، والله من وراء القصد.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الفلسفة والتربية، وفلسفة التربية

مقدمة:

إن المتصفح لأدبيات البحث التربوي – خاصة في مجال أصول التربية- يجد الحقيقة المذهلة أن الباحثين قد أداروا ظهرهم، إلى حد كبير، للبحث في فلسفة التربية أو البحوث النظرية في مقابل البحوث الميدانية وبالذات بحوث الاستبيانات !!! وربما يرجع ذلك إلى صعوبة البحوث النظرية الفلسفية في تصميمها وأدواتها والمهارات اللازمة للقيام بها، وفي نفس الوقت سهولة الدراسات الميدانية، أو هكذا يتصور الكثير من الباحثين.

ولذلك قل أن نجد اهتماماً بالتحليلات الفلسفية للمفاهيم أو الأهداف أو السياسات التربوية، حتى مقررات فلسفة التربية، التي تدرس في كليات التربية والكتب التي تتناولها لا تزيد عن كونها عرض لآراء الفلاسفة ونظرياتهم، مهملة تماماً كيف توصل كل منهم إلى ما وصل إليه، أي كيفية صناعة الفكر أو طريقة التفكير، وكيف يمكن الحكم عليها.

وربما كانت مشكلة الباحثين في ذلك قلة المادة العلمية المتوفرة في هذا الصدد وربما كانت للاعتقاد بأن الفلسفة شئ غير ضروري وغير مفيد، وربما يسهم في تلك المشكلة التعلق بما يفهم خطأ على أن البحث العلمي يجب بالضرورة أن يكون ميدانياً، ولكن دراسة الواقع الميداني لا يمكن أن يكون علمياً إلا إذا اعتمد على تصور عقلي سابق.

ومن هنا فإن البحث الفلسفي ضرورة لكل محاولة علمية لفهم الظواهر التربوية، ولهذا كانت رغبة الباحث في تقديم سلسلة من الدراسات تقدم البحث الفلسفي للباحثين، وبديهي أن نبدأ هذه السلسلة بتوضيح المجال الواسع لهذه الدراسة والآمال المعقودة عليه في عمليات الإصلاح التعليمي أو تطوير التعليم في مجتمعنا.

نشأة الفلسفة:

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان كائناً مفكراً، وزوده بالطاقات والقوى والأعضاء المساعدة التي تمكنه من تحصيل المعرفة فخلق له السمع والبصر والفؤاد وخلق له القلب واللسان واليدين وجهازه العصبي والحسي وما إلى ذلك بل وفضله على سائر المخلوقات، بما فيهم الملائكة – بالعلم، حيث أنعم على آدم بتعليمه الأسماء كلها قال تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال  أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون". وهذا هو الذي يدعم ما ذهب إليه علماء النفس المحدثون عندما يقولون إن حب الاستطلاع دافع فطري عند الإنسان.

وقد استخدم الإنسان تفكيره منذ ظهوره على سطح الأرض، فكان مشغولاً في أول الأمر بالتفكير في وسائل حفظ بقائه واستمرار حياته بالبحث عن الطعام والمأوى والكساء – أي كان مشغولاً بإشباع حاجاته البيولوجية الأساسية، وزاد من عنائه أن بيئته لم تكن كريمة معه ولا سخية عليه ولا رحيمة به.

وما أن استطاع أن يؤمن قوت نفسه ويوفر الحماية والبقاء؛ أخذ ينعم بقسط من الراحة وتبقى من يومه وقتاً يخلد فيه إلى نفسه... بدأ يفكر فيما حوله من ظواهر وما يحيط به من أشياء وكان أول من شغل تفكيره هو استفساره عن نفسه ... من أنا؟ وكيف وجدت؟ وما هذه الحياة التي أحياها؟ وهل هناك حياة بعد الموت؟ ومن الذي أوجدني؟ وأين هو؟ وما صفاته؟ وغير ذلك من التساؤلات المحيرة والاستفسارات المؤرقة.

وكان من الطبيعي في مطلع تاريخ البشرية أن تكون خبرات الإنسان محدودة وقدرته على التفكير المجرد قاصرة... ولذا راح يفترض الإجابات على شكل أشياء حسية أولاً ثم على شكل قوى خفية وراء هذه الماديات يعجز عن معرفتها وليس أمامه إلا أن يرمز لها بأشياء حسية، ومهما يكن من أمر الإجابات التي توصل إليها.. فقد كانت أولية بسيطة من نسيج خياله الساذج صاغها ليريح بها نفسه.

وفي مرحلة تالية نجح الإنسان في صياغة هذه الخيالات وحرص على تعليمها لأبنائه، وكان أول صياغة لها على هيئة ما نسميه "الأساطير" Myth وكانت هذه الأساطير هي أدب الإنسان الأول وفكره وعقيدته.. في كل متوائم مع حياته البسيطة وخبرته المتواضعة، وعن طريق التربية وأساليبه في تنشئة أبنائه ودعم الطقوس والممارسات والرقصات المقدسة المرتبطة بخياله الأسطوري فتحولت بذلك إلى معتقدات يؤمن بها ويتحمس للدفاع عنها ويحرص على نقلها إلى أبنائه وأحفاده من بعده... وهكذا اكتسبت هذه المعتقدات قوة الدين وراح الشعراء ينشدون الأهازيج ويرددون الترانيم التي صارت فيما بعد جزءاً من العبادة الوثنية للديانات القديمة.

وقد اكتسبت العقائد الدينية مكانة خاصة في حضارات الشرق القديم في مصر وفارس وبابل والهند والصين، حيث ارتبطت الديانات بشخصية الحكام والأباطرة الذين أصبحوا جزءاً من العقيدة، ولذلك لم يكن في الإمكان مناقشة تلك المعتقدات بل طاعتها بدون أدنى مناقشة.. وإلا تعرض الواحد منهم للهلاك والقتل، ولذا كان الدين من أهم مقومات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الشرقية القديمة.

أما في أوروبا فقد كانت أهم التجمعات البشرية في بلاد الإغريق (اليونان القديمة)، وهي بلاد ذات طبيعة جبلية وبيئة فقيرة، لم تسمح سوى بتجمعات قليلة من البشر في أماكن محددة من الوديان، والسهول الضيقة. وقد أنتجت هذه البيئة الجغرافية مجتمعاً بشرياً يتميز بعلاقاته المباشرة بين أفراد المجتمع الواحد، وبينهم وبين حكامهم، وقد أفرز كذلك نظاماً سياسياً قوامه الدولة/ المدينة City State حيث كانت كل مدينة (مهما صغرت) دولة خاصة لها قوانينها وآلهتها ومعتقداتها. وكان من الطبيعي في ظل العلاقات الاجتماعية المباشرة أن تسود روح الحوار والمناقشة في معالجة القضايا اليومية والمصيرية على السواء، وتمتع كل فرد بحق إبداء الرأي والمشاركة بحرية تامة في عمليات اتخاذ القرارات المجتمعية العامة، وصار ذلك سمة واضحة تميز الإنسان الإغريقي، مما سمح بظهور نهضة فكرية راقية في بلاد الإغريق وخاصة في شمالها الشرقي قرب آسيا الصغرى جنوباً حتى أثينا منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وكانت الزعامة الفكرية في أول الأمر في أيدي الشعراء من أمثال هوميروس Homerus صاحب الإلياذة والأوديسا الشهيرتين، وهزيود Hesiod الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد. ومن أهم أعماله قصيدة الأعمال والأيام وقصيدة درع هرقليس. وقد ظلت هذه الأشعار قروناً طويلة أساساً للتربية والتعليم في بلاد اليونان بل سميت قصائد هرمر. بإنجيل اليونان، وكان للدين عندهم مثل كل مجتمعات العالم القديم شأن كبير باعتبار أن الآلهة هم حماة المدن.

وكان من نتيجة التحول السياسي الذي شهدته اليونان القديمة نحو تعميق الديمقراطية وظهور شخصية الفرد، الجرأه في مناقشة المعتقدات الدينية والعادات والتقاليد القديمة، والثورة عليها وتبع ذلك محاولات عديدة لاستبدالها بنظم وأفكار جديدة تنبع من العقل البشري وترضى حاجاته وتتفق مع رغبته في الاقتناع، الأمر الذي أدى إلى نوع من الاضطراب السياسي والاجتماعي صاحبهما خوف شديد من غضب الإلهة مما دفع إلى ظهور جماعة من رجال الدين يدافعون عن الآلهة والاعتقاد في سطوتهم ويحذرون الناس من ويلات الثورة على سلطانهم.

وقد شهدت الفترة ما بين القرن السابع والسادس قبل الميلاد ظهور ديانات جديدة مثل دين الإله ديونيسوس Dionisus وهو إله الخير الذي يمثله روح الإنسان الخيرة والذي يصارع مجموعة من آلهة الشر يسمون بالطبطان ويقابلها جسد الإنسان وهذا بدوره أدى إلى زيادة موجة الشك حجة وقوة وعنفاً ضد الآلهة لم يسلم من الألهة واحد من النقد والتجريح والتشكيك من "تزوس" القديم إلى أبولو إلى فينوس إلى مارس إلى ديونيسوس نفسه.

ولم يقتنع الإغريق بعبادة الظواهر الكونية أو التماس آلهة يجب تقديسها، بل ذهبوا يبحثون عن الأسباب والعلل الكامنة وراء هذا الوجود الفسيح، وهكذا بدأ الفكر اليوناني ينتقل من التفكير في الماديات والتماس أسباب محسوسة للظواهر الكونية وأخذ يفترض وجود قوى وراء هذه الماديات وأرواح عليا وأفكار مجردة تفسر نظام الكون يتطرق إلى طبيعة الإنسان والكون وإلى خالقه وإلى العدالة والفضيلة وما إلى ذلك من المفاهيم بفكر جديد يخضع لدواعي العقل.. وهكذا تزايدت موجه الشك في الدين والأخلاق والدولة والمجتمع كله، وكان ظهور هذه الموجة الحادة أولاً في إقليم أيونيا Lonan (قرب آسيا الصغرى) ثم في أثينا حوالي القرن السادس قبل الميلاد. وقد ساعد على ذلك ازدياد الثروة في هذه المنطقة بسبب رواج النشاط التجاري والملاحي بها.

ومن أهم المفكرين الذين ظهروا في تلك الفترة طاليس Thales (631 – 550 ق.م) وأهتم بالبحث عن المادة الأصلية التي يتكون منها الكون ورأى أن الماء هو أصل الأشياء وأصل الحياة وأصل الكون، وبذلك كان أول إنسان فسر الكون لا بالأساطير ولا بقوة الآلهة المتعددة كما فعل السابقون، بل على أساس من الملاحظات التي أدت إلى نتائج يقبلها العقل البشري، ولذا خلع البعض على طاليس لقب "أبو الفلسفة" لأن محاولته هذه كانت أول محاولة لفهم الكون وأصله بمنطق جديد ووجه أنظار من جاءوا من بعده إلى اتخاذ أصل الكون محوراً لتفكيرهم.

ومهما يكن من أمر رأي طاليس أو انسكمندر الذي ذهب إلى أن الهواء هو أصل الكون والحياة أو ديمقريطس بأن الكون يتكون من ذرات، فالجميع هنا كان يتبع نفس الاهتمام الفكري حول المشكلة الأساسية وهي أصل الكون ومادته، وهذا أمر طبيعي يتفق مع مرحلة (الطفولة) في الفكر اليوناني الذي مهد لظهور الفلسفة فيما بعد.

وفي القرنين السادس والخامس ظهر تحول كبير في الفكر اليوناني مع الفيثاغوريين (أتباع مدرسة فيثاغورس) الذيي عابوا التفسير المادي للكون متجهين إلى تفسير مجرد يتمثل في الأعداد. ثم جاء أناكسجوراس Anaxagoras في القرن الخامس معترضاً أنه لا يمكن للمادة أن تنتهي وحدها إلى هذا التناغم والتناسق والجمال الموجودين في الكون، بل لابد من وجود عقل حكيم مدبر يأخذ بها (أي المادة) إلى تلك الغايات في دقة وبصيرة.

وهكذا ظهرت التفرقة بين العقل والجسد وبين الطبيعة والإنسان مما مهد السبيل لبلوغ مرحلة الرشد فيما قبل ظهور الفلسفة مباشرة مع السوفسطائيين الذين  نقلوا مركز الاهتمام إلى الإنسان وجعلوه محور تفكيرهم وتعاليمهم.

والسوفسطائيون جماعة من المعلمين الذين اتجهوا إلى الاشتغال بمهنة التدريس نظير أجر معين على غير عادة الإغريق، ومن أشهرهم بروتاجوراس Protagoras وهيبياس Hippias، وقد استغلوا موجة الشك السائدة آنذاك لتزكية الروح الفردية والأنانية والترويج لمذهب اللذة والمتعة والخروج على المعتقدات الدينية وتحطيم قيود التقاليد والعرف والأخلاق والقوانين، واتخذوا الشباب هدفاً لهم مستخدمين براعتهم في اللغة والتلاعب بالألفاظ في خداع الناس وقلب الحقائق واتخذوا مبدأ جديداً مؤداه أن الإنسان مقياس كل شئ، فقلبوا الأوضاع القديمة رأساً على عقب وسادت الفوضى وانتشرت الرذيلة وعم الفساد.

 ومن الطبيعي أن يكون رد الفعل للسوفسطائيين وآرائهم الانحلالية ظهور طائفة من الناس يدعون إلى التمسك بالتقاليد والعودة إلى المحافظة على المعتقدات الدينية ويحذرون من غضب الآلهة ويسارعون إلى التكفير عن ذنوبهم وذنوب غيرهم بالتقشف والزهد في مباهج الحياة ومتعتها، والتفرغ للعبادة وخدمة الآلهة، وأطلقوا على أنفسهم اسم الحكماء تشبها بالحكماء السبع الذي ظهورا في القرن السابع ق.م ولكن في ثوب ديني جديد.

ووسط هذا الانحدار نحو الهاوية التي كادت أن تعصف بالمجتمع اليوناني في أثينا ظهر سقراط Socrates الذي ولد في أثينا حوالي 470 ق.م فأخذ على عاتقة تفنيد آراء الفريقين المتطرفين المتناقضين، السوفسطائيين والحكماء مستخدماً طريقته في الحوار الذي يبدأ بسؤال ثم التهكم لجهل المسئول ثم التوليد أي توليد معرفة جديدة إلى أن يبين جهل خصومه وأباطيلهم واتخذ لنفسه شعاراً قرأه على معبد دلفي "أعرف نفسك بنفسك". وبعد أن أوضح بطلان مزاعم السوفسطائيين وكسر شوكتهم اتجه إلى الحكماء وعاب عليهم تطرفهم وتزمتهم الشديد الذي بعث الكسل والدعة بين إتباعهم ونشر الخوف والذعر في صفوفهم  وباستمرار الحوار معهم كشف أيضاً أباطيلهم وفساد زعمهم وأنهم يتلقون الحكمة من الآلهة، وأوضح لهم أنهم لا يمكن أن يكونوا حكماء لأن الحكمة من صفات الآلهة وإن كانت الحكمة ممكنة لهم لأصبح هو أحكم الناس كما أخبر بذلك كهنة أبولو في معبد دلفي، وقد كشف الحوار معهم عن جهلهم وعقم تفكيرهم، ومن أقواله الشهيرة "إننا لسنا حكماء ولكننا محبون للحكمة"، ولما كانت كلمة محب في الإغريقية تعني Philo وكلمة حكمة تعني صوفيا Sophia فإن الكلمة تصبح Philosophia التي أصبحت Philosophy في اللغة الإنجليزية ويقابلها بالعربية كلمة "فلسفة" ومعناها محبة الحكمة Love of Wisdom  والحكمة هي المعرفة العميقة المتأنية اليقينية، وهكذا تصبح الفلسفة محبة المعرفة.

فالفلسفة إذن كلمة إغريقية الأصل ومجال للدراسة من صنع الإغريق ووليد جهودهم بعد تطورات فكرية متعاقبة، وهي مدينة بحق إلى سقراط فهو مؤسسها الحقيقي؛ وهو أول مفكر إغريقي قدم لنا بناء فلسفياً متكاملاً في محاوراته التي نقلها إلينا تلميذه أفلاطون، وتبلور موضوع الفلسفة حينئذ ليشمل الكون كله في نظرة كلية تشمل الطبيعة وما وراء الطبيعة، كما تشمل الإنسان الفرد والمجتمع بما فيه من خير وشر وفضيلة ورذيلة وعدل وظلم وجمال وقبح، وكلها مجالات ناقشتها الديانات من قبل وظهرت فلسفة سقراط لتوضح كثيراً من المغالطات القديمة حول آراء السابقين حيالها... وهكذا نشأت الفلسفة في أحضان الدين (الوثني) وتناقش قضاياه... ومن هنا كانت الفلسفة بنت الدين.

وكانت الفلسفة منذ نشأتها الأولى وعاء لكل أنواع المعرفة الإنسانية مهما كان موضوعها ومجالها، ولكن بشرط أن تتميز بالشمول والكلية أي تناقش موضوعات الكون كلها مادية وروحية، محسوسة ومجردة، كما تتميز بالاتساق بحيث لا يوجد تعارض في الرأي تجاه جانب من الكون مع النظرة إلى جانب آخر، كما تتميز الفلسفة أيضاً بالتعمق في البحث عن الأسباب والعلل البعيدة لظواهر الكون وكذا غاياتها العليا، للوصول إلى الحقيقة المطلقة، ومن أهم ما تتميز به الفلسفة كذلك أنها تتخذ التأمل والاستدلال العقلي وسيلة للوصول إلى المعرفة.

معنى الفلسفة:

إن المعنى الحرفي للفلسفة هو محبة الحكمة ولكن الوصول إلى المعنى الفني الاصطلاحي صعب وعسير، يقول الأستاذ أحمد أمين أن الوصول إلى تحديد واضح لمعنى الفلسفة لهو بالأمر العسير، فتعريف الفلسفة اليونانية في مهد نشأتها تختلف عن معنى الفلسفة الحديثة، بل إن تعريفها يختلف من مذهب فلسفي إلى آخر.

وينظر البعض إلى الفلسفة على أنها محاولة التعرف على "الوجود المطلق" وهذا التعريف يرفضه الماديون والطبيعيون الذين يقولون أن معرفة المطلق سواء كان موجوداً أو غير موجود شئ فوق قدرة البشر ولا يجني الإنسان نفعاً من أن يقضي عمره يبحث عن هذا المطلق.

ويعرفها ج.ف نيللر Geurge F. Kneller بأنها "محاولة التفكير بأكثر الطرق عمومية ونظاماً في كل شئ في الكون، أي التفكير في كل الحقيقة.

ومن الناس من ينظر إلى الفلسفة على أنها دراسة المبادئ العامة والعلل البعيدة والغايات العظمى للكون للحصول على تفسير كلي شامل للوجود.

ومنهم من ينظر إلى الفلسفة على أنها البحث عن الجوهر واللا متغير. ويتضح أن هذه التعريفات جميعاً تصدق على الفلسفة القديمة لدى فلاسفة الإغريق وحدهم وأشياعهم في العصور الوسطى إلى حد كبير، أما فلسفة العصر الحديث فلابد أن تكون ذات معنى مختلف تماماً عن المعاني السابقة لقد قطع العلم شوطاً كبيراً في مناقشة كثير من القضايا وانسلخت مجالات ضخمة بكاملها من جسم الفلسفة، وأصبح الناس ينظرون إلى الفلسفة الآن على أنها جهد عقلي منظم مستمر ليجعل من الحياة شيئاً له معنى ويقوم الذكاء بتوجيهه فالفلسفة الحديثة تحاول فهم الواقع بصورة أعمق وتقوم بتحليل الأفكار والمعتقدات والمبادئ التي يقوم عليها نشاط الإنسان في حياته ونقد محاولاته الفكرية وتوجيهها بما يعود على الإنسان بالمنفعة والخير العميم.

أما جون ديوي فيختصر اهتمام الفلسفة الحديثة على مجرد البحث في ماهية القيم واشتقاقها ومصادرها وطبيعتها وكيفية تبريرها وأثرها في تنظيم الخبرة لتصبح ذات نمط واضح مقبول وهكذا تكتسب الفلسفة قيمة في حياتنا العملية ووظيفة في حل الصراعات القيمية والأخلاقية داخل النظام القيمي للمجتمع.

وقد أدى هذا الاختلاف في تحديد معنى الفلسفة إلى تعقد الأمر وتخوف الناس من استعمالها وظن الكثيرون أنها عمل من اختصاص فئة قليلة من الناس تعيش بمعزل عن الآخرين ويستخدمون لغة فنية خاصة بهم يمنعون في اختيار ألفاظ غير مألوفة وعبارات غريبة، كل هذا يمكن أن يتبدد لو حاول الفلاسفة تبسيط لغتهم وتيسير التعامل العادي معهم، وفي حقيقة الأمر فإن الفلسفة لا تزيد عن أن تكون وجهة نظر معينة للفرد نفسه، ولكنها وجهة نظر متعقلة متأنية تبني على درجة من الذكاء والابتكار الفكري تزيد أو تقل، ولكنها في النهاية يجب أن تكون متسقة بعضها مع بعض، وفي النهاية تظل وجهة نظر، فهي معرفة من نوع خاص، معرفة ذكية عميقة تدرك الأسباب وتحدد الغايات من ورائها، فلو أخذنا بتلك النظرة كان أمر الفلسفة سهلاً ميسوراً وأمكننا بعد ذلك النمو في مسارها واكتسبنا القدرة على استخدامها والانتفاع بها، فما أهم وظائف الفلسفة التي يمكننا الاستفادة منها ؟؟

 

وظائف الفلسفة:

أول وظائف الفلسفة أنها تأملية Speculative أي تعمد على التأمل في الوصول إلى الحقيقة، والتأمل عملية عقلية واعية تستخدم الذكاء الإنساني بحثاً عن الأسباب والعلل البعيدة التي لا نصل إليها إلا من خلال هذا الجهد العقلي المركز، والتأمل يختلف عن الخيال الساذج، والتفكير السطحي، بل هو حدس ذكي على درجة عالية من الذكاء يمكن صاحبه من إدراك الكل رغم تعدد جزئياته ويساعدنا على رسم خريطة لما نتصوره عن العالم المحيط بنا ومكان الإنسان فيه، ويرى جورج نيللر أننا مفطورون على إدراك الكليات وتنظيم إدراكنا لهذه الكليات بصورة تجعلها ذات معنى، فيقول إن العقل الإنساني تحركه رغبة في الاستطلاع ورغبة في النظام، ويضرب لنا على ذلك مثالاً بأننا عندما نقرأ كتاباً نوجه اهتماماً خاصا بطريق مباشر بالطريقة التي نظم بها المؤلف فصول كتابه ونحاول إدراك قضيته ككل قبل أن نتعرف على جزئيات المعلومات في كل صفحة منه. وهكذا يقرر نيللر أن الفلسفة تصدر عن حاجة الإنسان إلى تنظيم أفكاره لكي يجد معنى في كل مملكة الفكر والعقل، وإن هناك خطأ شائع صاحب الرغبة في التخصص الدقيق هو أن الفرد منا يتوهم أنه يمكنه معالجة موضوع معين يتعلق بجزئية ما معالجة شافية عندما يدرسها بمفردها ويعزلها عما سواها، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى معرفة كل جوانبها دون أن يربطها بغيرها من الجزئيات أو دون أن يكون لديه المعرفة اللازمة بما يعنيه الوجود والمعرفة والتقويم والبحث في الأشياء بوجه عام. فالفلسفة إذن تنمي القدرة العقلية على التأمل والإدراك الكلي للأشياء.

والوظيفة الثانية للفلسفة أنها تحليلية وناقدة بمعنى أن من أهم وظائف الفلسفة نقد وتحليل المفاهيم الأساسية للمعرفة الإنسانية مثل الذات أو العلة أو الدافعية أو الميل أو التوافق أو المجتمع أو التربية.. إلخ فكل منها مفهوم له دلالات معينة ومعان خاصة حتى يمكن إزالة التناقضات من تفكيرنا وإيجاد قدر مشترك للتفاهم وتيسير لغة التخاطب بين المستخدمين لهذه المفاهيم. وبالإضافة إلى ذلك تقوم بنقد وتحليل المسلمات والافتراضات التي تقوم عليها المعرفة وخاصة المعرفة العلمية.

وتسيطر هذه الطريقة على الفلسفة الحديثة بصورة ملحوظة جعلتها أهم وظيفة للفلسفة في كل علم من العلوم.

وثمة وظيفة ثالثة تتصل بنتاج الوظيفتين السابقتين وهي أن الفلسفة تقوم بالتوجيه والإرشاد وذلك عندما تصدر حكماً على شئ بأنه حسن وعلى آخر بأنه قبيح، خير أم شر، أخلاقي أو لا أخلاقي، فهي توجه السلوك الإنساني إلى مجموعة من القيم والمثل العليا، والواقع أن حياتنا تصبح عسيرة لو ارتبطت بالواقع وانتظرت هجوم المستقبل عليها دون أن يكون لدينا تصور معين عن "ما ينبغي أن يكون" وكيف يختلف عما هو كائن بالفعل... ومن الضروري كذلك أن نحدد لأنفسنا تلك المعايير التي على أساسها أصبح ما ينبغي أن يكون بالصورة التي هو عليها في عقولنا وهكذا تقدم الفلسفة معياراً أو معايير Norms تجعل للحياة قيمة ومعنى كما تجعل الأمل في حياة أفضل مشرقاً ودافعاً لاستمرار الحياة.

وهكذا من خلال هذه الوظائف الثلاث يتضح معنى الفلسفة في عملها الدائم وسعيها الحثيث نحو المعرفة اليقينية بالتأمل الواعي الذكي المتسق والعميق ونقد وتحليل الواقع والمفاهيم المجردة من أجل توجيه الحياة الإنسانية والانتقال تدريجياً مما هو قائم إلى ما ينبغي أن يكون وفقاً لمعايير وأحكام قيمية معينة.

العلاقة بين الفلسفة والعلم:

ظلت الفلسفة وعاء لكل المعرفة الإنسانية وتتميز بنظرتها الكلية للكون منذ نشأتها في القرن الخامس ق.م وحتى العصور الوسطى الإسلامية، بل إن علماء المسلمين قد تأثروا في عصر الازدهار والترجمة بالفلسفة الإغريقية تأثراً واضحاً وأصبحت الفلسفة الإغريقية تمثل مصدراً من مصادر الثقافة الإسلامية في عصرها الذهبي، ومن هنا كان علماء المسلمين يتميزون بسعة الأفق والتكوين الموسوعي في بنائهم الفكري فكان الواحد منهم فقيهاً في الدين متقناً لفنون الجدل والكلام أديباً طبيباً كيميائيا رحالة (جغرافيا)... إلخ وهكذا كانت نظرتهم إلى الكون والحياة والوجود والإنسان نظرة كلية متسقة مع فارق واضح يميزهم عن الإغريق هو استنباطهم لفلسفتهم من آيات الكتاب والحكمة التي نزلت عن طريق الوحي الإلهي على النبي (صلى الله عليه وسلم)، أما الإغريق فقد افتقدوا هذا المنبع الآمن ولعلنا ندرك بذلك أن لفظي العلم والعالم في القرآن الكريم قرينا الشبه في المدلول بكلمتي الفلسفة والفيلسوف في الإغريقية، إلا أن كلمة علم وعالم كلمات عربية أصيلة لذا جاء استعمالها كثيراً في آيات متفرقة من القرآن الكريم واستبعدت كلمة فلسفة لأنها ليست عربية كما رأينا من قبل والواضح أن كثيراً من علماء المسلمين استخدموا لفظ الفلسفة في كتاباتهم كما استخدموا الطريقة الاستدلالية والقياس في معالجة الكثير من القضايا الدينية.

وظل الأمر كذلك حتى أواخر العصر العباسي الأول وبدايات العصر العباسي الثاني، عندما أعلن الحسن بن الهيثم البصري أن الطريقة الاستدلالية لا تصلح لمعرفة العالم المادي الحسي، وأن خير وسيلة لتحقيق فهم أفضل للواقع المحسوس هي المشاهدة والملاحظة والتحليل والترتيب والتجريب وهو ما سماه بالطريقة الاستقرائية.

وقد أدى انتقال الطريقة الاستقرائية إلى أوربا في العصر الحديث وعصر التنوير أن قفزت العلوم الطبيعية طفرات هائلة سريعة نحو التقدم والدقة في المعرفة عن مجال المادة وخواصها وتصنيفها وتحولها.. إلخ وهكذا أثبتت الطريقة الاستقرائية تفوقها في هذه المجالات الطبيعية وأدى ذلك بدوره إلى استقلال الفيزياء ثم الكيمياء وعلوم الحياة في القرن السابع عشر كعلوم قائمة بذاتها منفصلة بذلك عن جسم الفلسفة وكانت الرياضيات قد سبقت مع ديكارت تلك الموجة الاستقلالية، ثم استتبع ذلك ظهور علم الاجتماع الحديث في القرن التاسع عشر وكذلك علم الإنسان وعلم النفس وعلم التربية ثم السياسة والاقتصاد وكلها كانت موضوعات من مجال الفلسفة القديمة، وهكذا تدلت فروع الشجرة العجوز (الفلسفة) إلى الأرض والتصقت بها لتنمو أشجاراً جديدة متنوعة (علوم حديثة)، وهنا يحق لنا أن نقول "أن الفلسفة التي هي بنت الدين هي أيضاً أم العلوم الحديثة.

وبعد أن انفرطت معظم حبات العقد القديم فماذا تبقى فيه بعد تلك الحركة الاستقلالية؟ وبمعنى آخر: ما المجالات التي تبقت موضوعاً للفلسفة الآن؟ يمكن أن نقول ببساطة إن الفلسفة اليوم تضم أربع مجالات هامة هي:

1-  مجال الوجود: Ontology ويشمل البحث في الطبيعة الإنسانية وطبيعة الحياة وطبيعة الكون وما وراء الطبيعة كما يضم البحث في خالق الوجود وصفاته، وغايات الوجود العليا، وما شابه ذلك من الموضوعات التي لا يمكن التعرف عليها بالتجريب العلمي بل بالتأمل والاستدلال.

2-  طبيعة المعرفة: Epistemology وهو ما يعرف بنظرية المعرفة The Theory of Knowledge وتشمل قدرة العقل الإنساني على تحصيل المعرفة وهل العقل هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الكون أم أن هناك مصادر أخرى للمعرفة وما مدى قدرتها؟ وهل المعرفة ممكنة أصلاً؟ وهل لها حدود تقف عندها؟ ثم لماذا نحصل على المعرفة وما وظيفتها؟

3-  مجال القيم: Axiology وبنفس الطريقة يحاول أن يثير مجموعة من الأسئلة والإجابة عليها مثل: ما طبيعة القيم؟ وما مصدرها؟ الفرد أم المجتمع أم قوة عليا خارجة عنهما؟ هل القيم أزلية؟ أبدية ثابتة؟ أم هي وقتية متغيرة ونسبية؟ وينقسم هذا المجال إلى فرعين: علم الجمال ويتعلق بقيم الجمال ويبحث في معايير القبح والجمال في الأشياء، وعلم الأخلاق ويتعلق بالقيم الخلقية ويبحث في قيم الخير والشر والفضيلة والرذيلة.

4-  المنطق Logic ويضع القواعد العقلية المناسبة للحكم على قضايا التفكير الإنساني بالصدق والكذب، بالصحة والبطلان وفق معايير الاتساق العقلي والقبول "المنطقي" أي تسلسل الأفكار واتساقها وخلوها من التناقض ودقة تنظيمها في كل معرفي مقبول عقلاً.

وهكذا نصل إلى المحور الأول في علاقة الفلسفة بالعلم ويرتبط بكون العلوم أبناء للفلسفة تفرعوا عنها، ومن هنا يمكن القول بأنه إذا كانت الفلسفة كلية في مضمونها وهدفها فإن العلم يتميز بالخصوصية في فهم ظاهرة معينة أو جزئيات معلومة في الواقع، وبينما نجد الفلسفة تأملية استدلالية نجد العلم تجريبي استقرائي والعلم يسلم بوجود الواقع لكن الفلسفة تتساءل عن هذا الوجود وعن ماهيته وعن طبيعته وعن حقيقته وتحاول التعرف على أسبابه وعلله البعيدة وتسأل عن الغايات القصوى أو العليا الموجودة، فهي تبدأ حيث ينتهي العلم.

والعلم من ناحية أخرى يبدأ بملاحظة الجزئيات وصولاً إلى القانون العام الذي يربطها ويفسرها بطريقة استقرائية Inductive  بينما الفلسفة تبحث أولاً عن القانون العام الذي يفسر وجود الكون كله كوحدة متكاملة ثم تنزل استدلالياً نحو الجزئيات ليحدد موقعها من هذا الوجود الكلي Dedication وقد وجد العلم الحديث فائدة كبرى في الاستفادة من الطريقة الاستدلالية في اختبار صحة قوانينه، فتحولت الطريقة العلمية الحديثة في السنوات الأخيرة لتكون استقرائية/ استدلالية معا Both, Inductive and Deductive وليست هذه هي الفائدة الوحيدة التي يجنيها العلم من الفلسفة بل أن الفلسفة تسعى دائماً لتحليل المسلمات التي تقوم عليها النظريات العلمية فالعلم يسلم بصحتها مسبقاً أما الفلسفة فتلجأ إلى تحليلها ونقدها لبيان مدى اتساقها مع بعضها البعض ومدى اتفاقها مع قواعد المنطق، فإذا مرت المسلمات بهذا الاختبار الناقد التحليلي كان ذلك تدعيماً للنظرية العلمية وإلا هدمت النظرية ويبدأ البحث من جديد وهكذا.

ومن ناحية ثالثة تقوم الفلسفة بتوضيح وتحليل معاني الألفاظ والمصطلحات العلمية والمفاهيم المستخدمة في صياغة النظرية، وبذلك تصنع أرضاً مشتركة للتفاهم الإيجابي والحوار بين أبناء التخصص الواحد، وهو تفاهم ضروري للتواصل بينهم من أجل تقدم المعرفة العلمية، وأخيراً يمكن القول بأن الفلسفة تقوم بدور الرقيب على العلم لتحديد مصداقية مسلماته وتحديد مفاهيمه، ولذلك ظهر لكل علم فلسفة خاصة به، فهناك فلسفة العلوم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الفن، وفلسفة التربية... إلخ.

وهناك وجه آخر للعلاقة بين الفلسفة والعلم، حيث يرى البعض أن الفلسفة في سعيها للوصول إلى المعرفة الكلية للوجود وحقيقته وأسبابه البعيدة وغاياته العليا إنما تسعى لتحصيل معرفة مجردة تخلق في الخيال بعيدة عن مشكلات الحياة وروجوا تبعاً لذلك فكرة واهية عن قلة فائدة الفلسفة للحياة المعاصرة بل وعدم جدواها وبالتالي عدم الثقة فيها. وكان من رواد هذه الفكرة الفيلسوف الأمريكي جون ديوي ومن المؤسف أن يذهب مذهبه بعض رجال التربية في مجتمعنا.

أما العلم فيتناول الواقع بالدراسة ويتعقب المشكلات الواقعية بالبحث حتى يصل إلى حلول ناجحة تسهم في إسعاد البشرية، ويسجل أوكونور أسفه لوجود مثل هذا الاتجاه بين الفلاسفة المحدثين فيقول: أن كثيراً من الكتابات تتضمن نقداً هداماً لآراء الفلاسفة العظام من سقراط إلى راسل.. ووصف ذلك بأنه مزعج للغاية، لما يبدو فيه من طبيعة سلبية غير تقدمية للاستقصاء الفلسفي.

وليس لنا اعتراض على أهمية العلم في ترقية حياة الإنسان المعاصر ولكن المقارنة بينه وبين الفلسفة على النحو الذي قدمه ديوي ينطوي على شئ من المغالطة، ذلك أن الفلسفة القديمة نشأت – كما أوضحنا من قبل – استجابة لحاجات المجتمع الأثيني الإغريقي ورغبة في إصلاح مفاسده وحل مشكلاته وخاصة في جوانب السلوك والأخلاق، ولذلك كانت محاورات سقراط محورها الفضيلة ومحاورات أفلاطون محورها مفهوم العدل وكيف يتحقق وسرعان ما تزول الدهشة عندما نتذكر أن ديوي وهو الأمريكي الذي أسهم في بناء الفلسفة البراجماتية يعكس فكر مجتمعه، فالمجتمع الأمريكي يتكون من مجموعة من المهاجرين من شتى بقاع الأرض انفصلت قلوبهم عن أوطانهم الأولى إما بسبب اضطهادهم فيها أو لسوء أوضاعهم الاقتصادية بها، الأمر الذي دفعهم إلى الهجرة منها وهذا في حد ذاته جعل المواطن الأمريكي منفصلاً عن تاريخه القديم، بل لم يكن له مثل هذا التاريخ الذي يعتز به وكان تركيزه على الحاضر والمستقبل ومن هنا كان هجومهم على كل ما هو قديم. ويكفي أن نعيد ما قاله برتراند راسل، يكفي الفلسفة قيمة في العصر الحاضر أنها تساعدنا على الفحص الناقد لمعتقداتنا وانحيازاتنا والأسس التي تقوم عليها أعمالنا.

علاقة الفلسفة بالتربية:

لعله من الواضح لنا الآن أن المناقشات السابقة كان الهدف منها إظهار العلاقة بين الفلسفة والتربية، كعلم من العلوم الحديثة، فالفلسفة منذ نشأتها الأولى ظهرت نتيجة لاحتياجات تربوية، حيث حرص سقراط ومن بعده أفلاطون وارسطو على معالجة مشكلات الواقع المؤلم في أثينا خاصة وبلاد اليونان عامة، عن طريق إعادة بناء "أي تربية" المواطن اليوناني وإصلاح المجتمع الأثيني بعد أن مزقته الأنانية والفردية والحرية الغير منضبطة والتي انقلبت إلى فوضى وإباحية وجرى وراء الملذات والشهوات. والمتصفح لفلسفة أفلاطون يجدها تدور حول مفهوم العدل ومنه إلى الفضيلة وينتهي صرح فلسفة أفلاطون بوضع نظام تربوي لتطبيق تلك الرؤية عن المجتمع الفاضل، وهنا ننتقل إلى جانب آخر من جوانب العلاقة بين الفلسفة والتربية وهو أن الفلسفة "أي فلسفة" تحتاج إلى تربية لنشر تعاليمها وتوضيحها وكسب أنصار لها لتبريرها وتعميق الإيمان بها وقبولها بين أكثر عدد من الناس.

فالفلسفة دون التربية فكر بلا وظيفة.. وبالمثل فإن التربية بلا فلسفة تتحول إلى عمل عشوائي غير منظم وغير هادف وبالطبيعي يكون مصيره إلى الفشل ولذلك قال ديوي إن الفلسفة هي النظرية العامة للتربية وأن التربية هي التطبيق العملي للفلسفة والأدلة على ذلك كثيرة قديماً وحديثاً فمحاورات أفلاطون في مدرسته الأكاديمية Academy وأرسطو عندما أنشأ مدرسته الخاصة المعروفة باسم ليسيم Lycuim  وهتلر في ألمانيا النازية والماركسية في الاتحاد السوفيتي السابق، كلها علامات تدل على أن أية فلسفة لا يقدر لها أن تنتشر إلا بالتربية.

وهناك جانب ثالث من جوانب تلك العلاقة وهو أن قضايا الفلسفة تهم التربية وقضايا التربية غالباً ما تكون قضايا فلسفية، فالفلسفة والتربية كلاهما يسعى لمعرفة طبيعة الإنسان ويتخذ موقفاً من طبيعة الحياة والكون والمعرفة والقيم فهذه محاولات تهم الفلسفة كما تهم التربية أيضاً، وإذا كان البحث في طبيعة المعرفة يعتبر من أهم محاولات الفلسفة فإن المعرفة ذاتها تمثل أحد الأركان الرئيسية في عملية التربية فالفكر التربوي نفسه معرفة تستخدم الفلسفة طريقة والتربية مجالاً كما أن المنهج الدراسي في جزء منه يعتمد على ما وصل إليه المفكرون من معرفة وكذلك الحال فيما يتعلق بالقيم الجمالية، والأخلاقية ومما لا شك فيه أن كلا من التربية والفلسفة يعطي موضوع القيم هذا اهتماماً كبيراً في دراساته.

ويضيف محمد الهادي عفيفي جانباً آخر لتلك العلاقة يتعلق بالمنطق باعتباره علم قواعد التفكير السليم وأن تنمية التفكير السليم هو أحد أهداف التربية.

وإذا انتقلنا من التشابه في الموضوع والمجال والاهتمامات نجد تشابهاً آخر بين الفلسفة والتربية من حيث الأهداف والوظائف فكلاً من الفلسفة والتربية يسعى إلى الارتقاء بالإنسان الفرد وتنمية قدراته وتحقيق التقدم للمجتمع ومساعدته في حل مشكلاته.

وتتمثل العلاقة بين الفلسفة والتربية أيضاً فيما تقدمه الفلسفة لنا من مساعدات كبيرة تزيد من قدرتنا على فهم التربية، فالفلسفة تقوم بتوضيح المفاهيم التربوية الأساسية وتحديد المصطلحات الرئيسية في علم التربية، كالذكاء والدافعية ومفهوم التربية نفسه والميل والاتجاه وغيرها، كما تقوم بدراسة وتحليل المسلمات التي تقوم عليها النظريات التربوية، كل ذلك بقصد توجيه العمل التربوي وحل مشكلاته في الواقع الميداني، ومن خلال التطبيق يظهر ما قد يكون في الفكر الفلسفي الموجه من ثغرات فتغذي الفلسفة بمادة لتطوير أفكارها وهكذا فإن هذه العلاقة تؤدي إلى مزيد من الفائدة والنمو المستمر لكل من التربية والفلسفة، تلك العلاقة هي التي دفعت فيلسوفاً مثل فخته Fichte  إلى أن يقول إن التربية لن تصل إلى حالة الوضوح التام بدون مساعدة الفلسفة، وأن كلاً منهما ناقص بدون الآخر.

وهكذا فإن تلك العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتربية قدمت لنا مجالاً من الفكر يجمع بينهما في إطار واحد وهو مجال فلسفة التربية فماذا نقصد بفلسفة التربية؟

 

 

فلسفة التربية:

ونعني بفلسفة التربية ذلك النشاط الفكري المنظم التي يتخذ من الأسلوب الفلسفي وسيلة للنظرة الكلية إلى العملية التربوية بقصد تنظيمها وتوضيحها والتنسيق بين عناصرها وتوجيهها، إنها تطبيق الطريقة الفلسفية في النظر إلى  قضايا التربية، ويرى البعض أن فلسفة التربية جهد منظم لإعادة بناء النظام التعليمي وفقاً لحاجات ومتغيرات المجتمع المعاصر.

ويعرف فينكس فلسفة التربية بأنها "البحث عن مفاهيم عامة توجد الاتساق بين المظاهر المختلفة للعملية التربوية في خطة متكاملة شاملة تتضمن توضيحاً للمعاني التي تقوم عليها التعبيرات التربوية وشرحاً للقواعد الأساسية التي تقوم عليها الأفكار أو النظريات التربوية.

ويعرفها أوكونور أنها الدراسة التحليلية الناقدة لمجموعة القيم والمثل العليا التي تتضمنها الأهداف التربوية

ويبدو من هذه التعريفات السابقة لفلسفة التربية اهتمام المفكرين بإبراز الأساس الفلسفي وأهمية ارتباط فلسفة التربية بالفلسفة العامة، وهذا أمر لا نشكك في قبوله، ذلك لأنه كما أوضحنا سلفاً فإن قضايا التربية في جملتها هي قضايا فلسفية فنحن لا نستطيع أن ننتقد فلسفة تربوية أو نقترح فلسفة تربوية جديدة دون أن نأخذ في اعتبارنـا تلك المشكلات ذات الطبيعة الفلسفية العامة مثل طبيعة الحياة المرغوبة أو الصالحة للمجتمع والتي سنطلب من التربية العمل على تحقيقها وطبيعة الإنسان الذي نربيه نفسه، وطبيعة المجتمع الذي تحدث فيه عملية التربية، وطبيعة المعرفة أو الحقائق المراد تقديمها، وطبيعة الخبرات ونوع القيم وما إلى ذلك.. ولذلك ينتهي نيللر إلى أن فلسفة التربية هي تطبيق الفلسفة النظرية العامة على مجال التربية ويترتب على ذلك أن هذه الفلسفة التربوية تقوم بوظائف الفلسفة العامة، فهي تأملية تحليلية ناقدة وهي أيضاً إرشادية توجيهية.

فهي تأملية عندما تسعى لتكوين رؤية أو نظرة عن طبيعة كل من الإنسان والمجتمع والكون والحياة والمعرفة والقيم والمعرفة عن هذه المجالات لا تأتي إلا عن طريق التأمل والاجتهاد الفكري، وهي أيضاً إبداعية ابتكارية حيث يؤدي هذا التأمل الذكي الواعي إلى أفكار جديدة لبناء مجتمع أفضل وحياة أرقى للإنسان.

وهي ناقدة وتحليلية حيث تقوم بتحليل المفاهيم ودراسة المسلمات وتوضيح معاني المصطلحات التربوية، كما تقوم بتحليل الأهداف التربوية ونقدها وفق قواعد المنطق وتبعاً للقدرة على التطبيق والتحقق وتقوم بتحليل السياسات التربوية والممارسات.

وهي إرشادية توجيهية عندما تقترح غايات وأهدافاً جديدة وعندما تشير باستخدام آليات وأفكار من شأنها أن تساعد في مواجهة المشكلات التربوية بصورة أفضل وتوجيه الواقع التربوي لتحقيق أهدافه.

وإذا كانت الفلسفة التربوية وثيقة الصلة بالفلسفة العامة فإن ذلك لا يعدو أن يكون رافداً واحداً من مجموعة الروافد التي تغذي فلسفة التربية، فهي كما تعتمد على الأسلوب الفلسفي والنظريات الفلسفية في معالجتها لبعض القضايا الأساسية فإنها أيضاً أي الفلسفة التربوية، تستمد من معتقدات المجتمع الدينية والسياسية ولابد من وجود اتساق بينها وبين مجموعة المعتقدات الدينية والسياسية السائدة في المجتمع وهي كذلك ينبع من ثقافة المجتمع بمعنى عاداته وتقاليده وقيمه وتقنياته وأجهزته المادية وأحواله الاقتصادية ومؤسساته.. فهي تعبير عن ثقافة المجتمع وتصحيح لها في آن واحد، كما أنها تعكس طموحاته وآماله وأهدافه في حياة أفضل ومجتمع أرقى.

وثمة رافد رابع لفلسفة التربية وهو مستمد من نتائج البحوث العلمية في شتى نواحي العلم لأنها تفتح آفاق جديدة للمفكر التربوي وتختصر أمامه الطريق لتحديد مساره... وهكذا فإن فلسفة التربية في أي مجتمع مطالبة بالإجابة على معنى التساؤلات الرئيسية من نربي؟ وكيف نربي، ثم كيف نحدد أو ليس ما تحقق من هذا كله؟

وبناء على ما تقدم تصبح فلسفة التربية على درجة كبيرة من الأهمية لكل من له صلة بالعملية التربوية والتعليمية، فهي تزيد من فهمنا للتربية في نظرة كلية شاملة، وهي تبصرنا بجوانب الصراع بين النماذج الفكرية وأوجه الاختلاف بينها وهي تبصرنا كذلك بمدى عمق الهوة بين الفكر الموجه للتربية وبين التطبيق التربوي وهي المرجع الذي يحدد لنا غايات التربية وأهدافها، ولا شك أنه بدون وضوح الفلسفة التربوية السائدة أمام المعلم يتحول عمله إلى جهد طائش غير مأمون العواقب.

وإذا كانت القيادة السياسية في بلادنا قد جعلت من التعليم قضية قومية، وتعالت الأصوات تنادي بإصلاح التعليم فإن نقطة البداية في نظرنا تبدأ بصياغة فلسفة تربوية متكاملة جديدة تنبع من المتغيرات المحلية والعالمية المعاصرة وتستفيد من الفكر الفلسفي والطريقة الفلسفية في تحديد الأولويات والسياسات التربوية التي تمكننا من تحقيق هذا التطوير.

 

 

المراجع

1-           القرآن الكريم: سورة البقرة، آيات 31-33.

2-           أحمد أمين، زكي نجيب محمود، قصة الفلسفة اليونانية، ط7، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935.

3-           دي جي. أوكونور: مقدمة في فلسفة التربية، ترجمة محمد سيف الدين فهمي، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1982.

4-           ج.ف. نيللر: في فلسفة التربية، ترجمة محمد منير مرسي وآخرون، القاهرة: عالم الكتب، 1972.

5-           محمد الهادي عفيفي: في أصول التربية، الأصول الفلسفية للتربية، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1974.

6-           محمد سيف الدين فهمي: النظرية التربوية، أصولها الفلسفية والنفسية، ط1، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1980.

7-    محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، الفلسفة اليونانية من طاليس إلى أفلاطون، ج1، ط4، الإسكندرية، دار الجامعات المصرية، 1972.

8-           محمد لبيب النجيجي: مقدمة في فلسفة التربية، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1967.

9-           محمد وجيه الصاوي: في فلسفة التربية قضايا وآراء، ط1، القاهرة: مطبعة السلام، 1993.

10-      يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966.

11-         Brameld, Theodore, Ends and Means in Education A Mid-Century Appraisal, New York: Harper & Comp, 1950, pp.9-11.

12-         Brehier, Emile (Translated by Josef Thomas, The History of Philosophy, The Hellenic Age. Chicago: Phoenix Books the Univ. Of Chicago Press. 1965, P.36.

13-         Brubacher, John. Modern Philosophies of Education. 3rd edition. New York: McGrwa-Hill, Book Company, 1962, p.20.

14-         Russull, Bertrand.  , London: Oxford University, Press, 1975, pp. 153-154.

15-           

ن الحكمة

http://www.a13ez-net/vb/showthread.13/09/2006

 

 

 

الفصل الثاني

الفلسفة المثالية

مقدمة: 

تعد الفلسفة المثالية من أقدم الفلسفات وأكثرها انتشاراً وقبولاً حيث إن هذه الفلسفة تغلب جانب الروح وجانب العقل على الجانب الحسي، والإنسان بصفة عامة دائماً يشعر بالحاجة إلى الرجوع إلى جانبي العقل والروح، كما أن الفلسفة المثالية هي أقرب الفلسفات إلى الأديان. 

وينظر إلى الفلسفة المثالية على أنها فلسفة الأفكار المثالية والأفكار الميتافيزيقية أو أفكار ما وراء الطبيعة أو الأفكار الغيبية، فهي فلسفة تتناول ما يمكن أن يدركه العقل في عالم آخر لا يمكن إدراكه حسياً وإنما يدرك فقط عن طريق إعمال العقل والفكر بعيداً عن عالم الواقع المحسوس، فهذا العالم الآخر هو عالم المثاليات التي يوجد لها صور غير مكتملة المعاني، فهي مجرد أشباه لا ترقى لمستوى ما يوجد في العالم المثالي من حقائق ثابتة مطلقة.

والجدير بالذكر أن كلمة (المثالية) تعني حقيقة ما يمثله هذا اللفظ فهي تتحدث عن قيم وأفكار وأشياء مثالية لا توجد إلا في عالم مثالي أما ما يوجد في العالم المحسوس الواقعي الذي يعيش فيه الناس فهي مجرد صور أو حالات أشباه لهذه المثاليات وبناء عليه فكلمة المثالية هنا تعني المثل والحقائق المطلقة الثابتة التي لا تتغير والتي تمثل حقيقة وجوهر الأشياء فعلي سبيل المثال يرى (أفلاطون) مؤسس هذه الفلسفة أن الأشياء أو الموجودات المحسوسة ليست إلا مجرد أشباح وظلال للمثل. فالقيم الحقيقية المطلقة الثابتة لا توجد إلا في عالم المثل ولذلك فهي تقع في إطار الغيبيات، أما القيم الموجودة في العالم المحسوس الذي يعيش فيه الإنسان فهي قيم نسبية متغيرة من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن ثم فهي لا تقع في إطار المثاليات.

الأبعاد النظرية للفلسفة المثالية:

تتضح الأبعاد النظرية للفلسفة المثالية من خلال المثال التصويري الذي ورد في كتاب الجمهورية للفيلسوف اليوناني أفلاطون، حيث يذكر أن هناك عالمين في هذا الكون: هما العالم العلوي والعالم السفلي ويمثل أفلاطون العالم السفلي مجازاً على أنه كهف يحيا فيه الناس في ظلام شبه كامل وذلك حسب رؤيته، يمثل واقع حياة هؤلاء الناس، إلا أن هذا الكهف به فتحة تدخل النور والضوء الذي ينتج من العالم الخارجي الذي هو مجازاً يمثل العالم العلوي الحقيقي والمثالي، حيث توجد نيران مشتعلة تتسبب في تواجد هذا الضوء.

والناس في هذا الكهف والذي يمثل العالم السفلي أو عالم الواقع يعتقدون أن الأشياء التي توجد في هذا الكهف هي الحقيقة ولا يدركون أنها أشباه الحقيقة، ويذكر أفلاطون أن الناس حينما يخرجون من هذا الكهف الذي يدركونه بحواسهم هو بالنسبة لهم واقع مقبول إلى حد كبير، فإن هذا الخروج معناه الانتقال إلى خارج الكهف حيث النور والحقيقة وهو ما يمثل العالم العلوي.

ويمكن إيضاح هذا المثال كما يراه أفلاطون لبيان حقيقة الفكر المثالي حيث يتبين مما سبق أن العالم الذي يعيش فيه الناس هو العالم الواقعي أو كما يطلق عليه أفلاطون العالم السفلي وهو عالم ليس به أشياء حقيقية أو مطلقة أو ثابتة، إنما هي مجرد أشباه للحقيقة، أما الأشياء الحقيقية والمطلقة والثابتة فتوجد في العالم العلوي أو عالم الحقائق والمثل، والإنسان لا يستطيع أن يدرك هذه الأمور إلا حينما ينتقل من عالم الواقع إلى عالم المثل أي بعد وفاته حيث يرى الحقيقة كاملة، ويذكر أفلاطون أن هذا الانتقال الذي يحدث نتيجة الموت يكون بانتقال الإنسان بروحه إلى عالم المثل ومن ثم يترك جسمه في عالم الواقع، ومن هنا يحدث السمو الروحي والذي عن طريقة يمكن للإنسان أن يدرك حقائق هذا العالم. والجدير بالذكر أن هذا الفكر هو الذي جعل الفلسفة المثالية هي أقرب الفلسفات إلى الأديان.

وبعيداً عن هذا الانتقال من عالم الواقع إلى عالم المثل، فإن الإنسان يمكنه أن يدرك هذا العالم العلوي بواسطة عقله؛ فالعقل كما يرى أفلاطون هو مصدر المعرفة فلابد للإنسان أن يفكر ويتأمل في حقيقة العالم الذي يعيشه وإدراك أبعاده، كما أنه لابد أن يعمل على إدراك عالم الحقائق المطلقة والثابتة والتي لا يمكن التعرف عليها أو إدراكها إلا بواسطة العقل، لهذا فإن العقل والروح لهما منزلة كبيرة في الفكر المثالي.

ونستعرض فيما يلي بعض الأبعاد النظرية للفلسفة المثالية:

(1) المعرفة في الفكر المثالي:

        تعد المعرفة أحد أهم المضامين في الفلسفات والنظريات المختلفة، حيث يدور البحث حول طبيعة المعرفة وكيفية الوصول إليها، فالمعرفة الموجودة بهذا الكون تقع خارج إرادة الإنسان وتفكيره، ولكن عقله بحكم طبيعته يستطيع دائماً أن يصل إلى الحقيقة في عمومها وكليتها.

        ولكن كيف يتوصل الإنسان إلى الحقيقة؟ إن العقل بطبيعته قادر على أن يتنبه إلى الحقيقة ويلتقطها، فالإنسان يدرك الأشياء الظاهرة أمامه بحواسه حيث يرى ويسمع ويتذوق ومن ثم يدرك العالم إدراكاً حسياً غير منظم، ولذلك فإن العقل يمكنه أن ينظم هذه المعارف وأن يستخرج منها المعنى الحقيقي لها، وأن يكوّن من الجزئيات الحسية المتناثرة كياناً واحداً، ذلك أن الحقيقة تتعلق وترتبط بالمفاهيم والكليات والعموميات وليس بالجزئيات.

        ولذلك فإن العقل هو الذي يستطيع أن يصل إلى المعرفة في صورة كلية، ويرى أصحاب الفلسفة المثالية أن الحقائق الجزئية لا يمكن أن تمثل الحقيقة وإنما الحقيقة دائما كلية تتضح في قيام نظام عام يتم التوحيد بين جزئياته الكثيرة والمتعددة، ولذلك فإنه من العبث أن نحاول أن نفهم شئ بمفرده أو فكرة  قائمة بذاتها، لأن الشئ أو الفكرة لا تتضح إلا في ضوء العلاقات التي تربطها بغيرها وتكَّون منها جميعاً كلاً منتظماً متكاملاً أو ما يعرف باسم النظام، وبذلك لا يمكن للإنسان أن يعالج قضية أو مشكلة بمعزل عن بقية الموقف وعمومه وكليته.

        إن كل مشكلة هي جزء من نظام لا يتضح ولا يمكن فهمه إلا في إطار متكامل، ولذلك فإن أصحاب الفكر المثالي يؤكدون على أن انتماء الجزئيات إلى الكل، ووضوح المعنى الكلي في ضوء العلاقات التي تربط بين الجزئيات، يبين حقيقة العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالفرد لا تبدو أهميته أو قيمته إلا في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، فالنظام الاجتماعي هو الذي يحدد قيمة الفرد وأهميته، فالعلاقة بين الفرد والمجتمع هي علاقة الجزء بالكل وهي تشبه تماماً علاقة الإنسان بالكون.

        وبناء عليه فالإنسان لا يستطيع أن يفكر بمفرده أو أن يتوصل إلى الحقيقة، وإنما يتم ذلك عن طريق احتكاك العقول بعضها ببعض ذلك أن الحقيقة تتضح عندما يعرض مجموعة من الناس لأفكارهم ولتفسيراتهم وتتم المقارنة بينها ومناقشاتها، ذلك إننا نعرف أنفسنا عن طريق معرفتنا بغيرنا، ولهذا فالمثاليون يعتمدون في التوصل إلى المعرفة على المقارنة والمناظرة بين المعاني والآراء ومن ثم التمييز بين الصحيح والزائف منها، وهم يعممون انطلاقاً من منهج المنطق الذي يتخذ من القياس مبرراً لهذا التعميم والوصول إلى المعرفة الحقيقية.

        وبناء عليه فإن المثاليون يذهبون إلى أن هناك دائما حقائق وقضايا صحيحة واضحة الصحة يسلم بها كل إنسان وعن طريق هذه القضايا نستطيع أن يتبين الصحيح وأن نولد قضايا صحيحة أخرى (كل الرجال يموتون) هذه قضية ظاهرة الصحة، (سقراط مات) أي أن سقراط رجل.

        ومن هذا وجب أن يقف الإنسان دائماً على ما صح من الحقائق حتى يستطيع أن يميز بواسطتها بين الخطأ والصواب، وأن يستنبط منها حقائق جديدة وفي كل الحالات يسعى أن توضع الأفكار الجزئية في نظام عام حتى تتضح وحتى يمكن تطبيقها في مواقف الحياة.

        ومن وجهة نظر الفلسفة المثالية فإن نمو المعرفة سواء كانت في عقل الفرد وفي جيرانه الحياتية ما هو إلا عبارة عن امتداد النظرة وشمولها بحيث ترى الحريات والأنواع في تركيباتها وفي علاقاتها الكبرى، أي أن وجود نظام فكري هو الوسيلة إلى تصحيح الأفكار والانتفاع بها فالفرق عندهم بين العقول الناضجة وغير الناضجة هو أن الأخيرة  تقف عند الحقائق الجزئية وتأخذها على حقائق كلية أو قوانين عامة في حين أن العقول الناضجة تدرك العلاقات بين الجزئيات وتضع هذه الجزئيات في علاقات جديدة وتجمع بينها في كليات أي نظم فكري.

        ولذلك يرى أفلاطون أن العقل هو مصدر المعرفة وليست الحواس لكونها مصادر غير صالحة لمعرفة الحقائق وإدراكها، فكثيراً ما تقدم لنا الحواس صوراً مركبة بصدق عن الأشياء المحسوسة، كما أن الحواس لا تدرك سوى الأمور التي هي موضع التغير المستمر، وهي أمور افترض أفلاطون مسبقاً أنها ليست حقائق ثابتة.

        ومن ثم فإن ما يبدو لنا حقيقة من قبل الحواس ليست بالفعل حقيقة إنما الحقيقة هي ما يكتشفها العقل. إذن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة لهذا يرى أفلاطون أن المعرفة المثالية توجد بوضوح في علوم الرياضيات والفلسفة ففي العلوم لا تكون الحواس مصادر للمعرفة وإنما يمكن الوصول إليها فقط عن طريق العقل، فهي أفكار صادقة لكونها لم تحط بعالم الواقع المحسوس.

(2) القيم عند المثاليين:

        يرتكز الفكر القيمي في الفلسفة المثالية على ما يلي:

أ- أن القيم ذات وجود حقيقي في نفسها، فهي أولية وخالدة وليست متغيرة  ولا قابلة للزوال، ونحن نتذوق القيم لكونها تتصل بالأشياء التي نسوقها فهي جزء من حقيقة هذه الأشياء فالقيم ذات جذور كونية.

ب- أن الإنسان يدرك القيم نتيجة خبرات عاطفية تجعله يضع القيم في الأشياء ويتذوقها.

ج- أن حقيقة كل شئ تقع في إطار علاقاته داخل الكل المشتمل عليها، فالقيم توجد في العلاقات المنسجمة بين أجزاء الكل الوحيد فالقيمة الجمالية لقطعة فنية هي إدراك الفرد لعلاقات الانسجام بين التحركات المكونة للقطعة كلها، والقيمة الاجتماعية تتحقق عندما يرى الإنسان نفسه جزءً من كل اجتماعي أكبر منه يتفاعل معه ويسهم في تحقيق أهدافه المشتركة.

القيمة الخلقية عند المثاليين:

    تتضح القيمة الخلقية في الفكر المثالي فيما يلي:

-   أن الفرد يعتبر كياناً وروحاً وعقلاً ومن ثم فله أهميته في نفسه وله احترامه في نفسه أيضاً، ولا ينبغي أن يستخدمه كوسيلة لتحقيق أهداف غيرهـا فلا يمكن في إطار القيمة الخلقية أن نستخدم فرداً أو أفراداً كوسيلة لتحقيق الغنى والثروة لأشخاص آخرين.

-   أن داخل كل إنسان خاصية طبيعية تدله على الخير وتدفعه لعمله، فهناك دائماً الشعور بالواجب كحافز طبيعي في الإنسان، ومن ثم فإن مراعاة الضمير الخلقي هو من القيم الخلقية الأساسية.

          بالإضافة إلى ما سبق فإنه لابد من مراعاة بعض القوانين الأخلاقية مثل تقديم الصالح العام والمصالح المشتركة وتحقيق المجتمع المثالي على المصالح الفردية وذلك بالتزام السلوك الأخلاقي والاعتقاد في بقاء الجماعة والحفاظ عليها. ويرى المثاليون أن يعامل الفرد الآخرين كما لو كان يعامل نفسه (تعامل مع الآخرين كما لو كنت تتعامل مع نفسك أو مع الإنسانية كلها وسل نفسك دائماً هل تريد أن يكون سلوكك هذا قانوناً عاماً للجماعة).

القيمة الجمالية عند المثاليين:

        تتضح القيمة الجمالية في أن للشئ الجميل قدرة على نقل جوهر الأشياء إلينا فنسمو على أنفسنا وفرديتنا وأهوائنا ونزواتنا ونلمس السر الكامن وراء العالم المادي. ففي العمل الفني يجب أن يتوفر شيئان من جانب الفنان، إدراكه للفكرة الكلية وقدرته على التعبير عنها، ومن جانب المتذوق للقيمة الجمالية القدرة على أن يلتقط الفكرة ويلتقط السر وراء هذه الأشياء.

القيمة الاجتماعية عند المثاليين:

        يؤخذ على أصحاب الفكر المثالي أنهم ابتعدوا عن الفكر الاجتماعي، لأنهم أغرقوا أنفسهم في المطلق والنهائي وأغمضوا أعينهم قليلاً عن عالم الواقع، ومع ذلك فإن القيمة الاجتماعية تكمن في أن يرى الإنسان نفسه جزء في نظام اجتماعي عام ليس له كيان في حد ذاته إلا بالانتماء إلى هذا الكل الاجتماعي. وهذا ما جعل كثير من الفلاسفة المثاليين وخاصة الألمان منهم يقولون: إن المجتمع هو مركز القيم وأن الفرد يجب أن يذوب في هذا المجتمع.

(3) المجتمع المثالي:

        يرى أفلاطون أن المجتمع البشري يمكن تقسيمه إلى ثلاث طبقات أساسية هي:

(أ) طبقة العمال وأصحاب المهن والحرف، وهذه الطبقية تشبه المعادن قليلة الجودة مثل النحاس، كما أنها تتميز بالقدرات والقوى الجسمية وتتحكم فيها الشهوات، حيث يكون الإنسان قوي الجسم، وضعيف الشهامة، ومحدود القدرة على التفكير.

(ب)  طبقة الجند، وهي تشبه المعادن القوية مثل الحديد، كما أنه يميزها القوة الغضبية وقوة الشهامة والمروءة ويتحكم فيها القلب والشجاعة، والإقدام وهو ما يميز طبقة الجند.

(ج) طبقة الفلاسفة والحكام، وهي تشبه المعادن الثمينة كالذهب والفضة، وتميزها القدرة على التفكير ويتحكم فيها العقل والحكمة، وأصحاب هذه الطبقة يمثلون القوة العاقلة القادرة على التفكير والتأمل والتحليل ولذلك فهم أصحاب الحكمة والحكم.

التطبيقات التربوية للفلسفة المثالية:

        اهتم أصحاب الفلسفة المثالية بتربية الطفل تربية متكاملة، وذلك من خلال برنامج لتنمية العقل والجسم معاً لإعداده للحياة في مجتمع مثالي، كما يهتم البرنامج أيضاً بتقوية النوازع الأخلاقية وتهذيب الوجدان إلى جانب تقوية  الأجسام وتنميتها، كما يهتم أصحاب الفكر المثالي بالتربية الأسرية التي تحدث في المنزل، فالأسرة هي البيئة القادرة على تنمية الطفل في النواحي الجسمية والعقلية والوجدانية والاجتماعية وغيرها.

        كما اهتمت التربية المثالية بقدرات واستعدادات الفرد وعملت على استثمارها من أجل الحراك الاجتماعي هذا بالإضافة إلى الاهتمام بمواهب وميول الفرد. واهتمت أيضاً التربية المثالية بأن يبذل الفرد الجهد من أجل تعليم نفسه وذلك من خلال المناقشة والحوار مع الآخرين للوصول إلى الحقيقة والحصول على المزيد من العلم.

        وتجدر الإشارة إلى أن الفلسفة المثالية تهدف من تربية الطفل إلى تنمية العقل وتدريبه على إدراك الحقائق العليا فالتربية المثالية تساعد الفرد على تنمية التأمل والتحليل والتفكير في الحقائق العليا، المجردة كما أن التربية المثالية لا تهدف إلى تربية كل الناس، وإنما تهدف بالدرجة الأولى إلى تعليم القلة أو الصفوة التي يتوقع منها في المستقبل إدارة الحكم وتصريف شئون المجتمع بصورة جيدة، ولهذا فالتربية التي تليق بالصفوة هي تلك التي تعمل على تنمية عقولهم، والعمل الذي يليق بالصفوة هو التفكير في الخير لأنه هو طريق للسعادة الحقيقة التي تأتي عن طريق التفكير والتأمل لا عن طريق العمل اليدوي أو التدريب العملي.

        ولأن التعليم جزء مهم وحيوي من عملية التربية، ولأن المدرسة كان لها دور بالغ الأهمية في تربية وتعليم الفرد. فسوف نعرض فيما يلي لبعض جوانب الفكر التعليمي في إطار ما طرحته الفلسفة المثالية في هذا الشأن.

(1) الدراسات والخبرات التعليمية في المدرسة:

        احتلت الدراسات النظرية والكتاب المدرسي أهمية قصوى في الفكر المثالي لتربية الطفل، لأن هذه الدراسات تساعد على تنمية التفكير. كما أن الكتاب المدرسي هو مصدر المعلومات والمعارف والأفكار فالكتاب يحتوي على خلاصة الفكر الإنساني، والكلمة المكتوبة هي أرقى وسيلة لمخاطبة العقل والفكر، ومن ثم فلابد من تعليم الأطفال من واقع ما يدون في الكتاب المدرسي مهما كانت صعوبة هذا التعليم، ومهما كانت اهتمامات الطفل واحتياجاته.

        ولهذا فإن مكتبة المدرسة في رأي الفكر المثالي تعد مركز النشاط التعليمي وتحصيل المعرفة، أما الفصل الدراسي فهو يساعد المكتبة على أن العمل، وهو في نفس الوقت المكان الذي يتم فيه تلقي العلم وجعله وثيق الصلة بحياة المتعلم، ولهذا فإن أصحاب الفكر المثالي يؤكدون على أهمية الخبرات التي يمر بها الطلاب في حجرة الدراسة والمكتبة، أما خبرات التعلم خارج المدرسة مثل الزيارات الميدانية، أو المشروعات البيتية فإنهم يرون أنها قليلة الأهمية؛ لأنها ترتبط بالعالم الواقعي الحسي، وهم يرون أنه ينبغي العمل على تنمية العقل والتفكير من خلال الدراسات النظرية سواء في الفصل الدراسي أو المكتبة المدرسية.

 

 

(2) المعلم:

        ينظر أصحاب الفكر المثالي إلى المعلم باعتباره النموذج أو المثال الذي يحتذى به التلاميذ، فالمعلم هو القدوة التي ينبغي للتلاميذ تقليدها وبمعني آخر فالمعلم هو النموذج القيمي للتلاميذ ولهذا فالمعلم يجب أن يكون ذلك الإنسان الذي يمثل الاحترام ويشجع على التعلم، كما يرون أنه لا يمكن أن يقوم تعليم بدون معلم يفترض فيه أنه يعرف الحقيقة (الأفكار والقيم)، كما أنه بمثابة المهندس الذي يبني ويهندس المواقف التعليمية بحيث تبرز الحقائق والقيم والمثل وغير ذلك، ولذلك فإن الحقيقة لا تنطلق أمام التلاميذ بدون معلم يوضحها ويجليها لهم، ولهذا يرى المثاليون ضرورة وجوب الاهتمام بالمعلم وإعداده خاصة من الناحية العلمية والناحية الأخلاقية حتى يستطيع أن يعد المواقف التعليمية ويصبح كذلك قدوة أخلاقية، وهم يؤكدون بدرجة كبيرة أهمية التقليد كعامل مهم من عوامل التعلم والتعليم، ويرون أنه من خلال التقليد يكشف التلميذ قدراته وما يصلح به.

        وبالإضافة إلى كون المعلم قدوة ونموذجاً ومثلاً لتلاميذه، فهم يرون أيضاً أنه يجب إلمام المعلم بالموضوع الذي يقوم بتدريسه ويجب عليه أيضاً ألا يقف عند ذلك ولكن لابد أن يقدر هذه المعرفة حيث ينبغي أن يكون معنى الموضوع وأهميته ومكانته في حياة التلاميذ واضحاً للمعلم، كما يجب على المعلم أن يكون على إحاطة كافية بالجوانب النفسية لتلاميذه كي يستطيع أن يتفاعل ويتعامل معهم.

        كما ينظر المثاليون إلى التعليم على أنه عملية ذاتيه، فيقال إن التلاميذ يتعلمون ولا يقال إن المدرس يعلم، ذلك أن المعلم عليه أن يوفر البيئة المناسبة للتعلم، أما النشاط الذاتي للتلاميذ فهو الذي يؤدي إلى التعلم، كما ينبغي على المعلم أن يرتفع بمستويات تلاميذه وأن يعلو على ما هو متوقع من الآخرين.

(3) المنهج والكتاب المدرسي:

        يهتم أصحاب الفكر المثالي بالمنهج الدراسي والكتاب المدرسي، وهم يؤكدون على ضرورة الاهتمام بالفن والموسيقى والأدب والرياضيات والعلوم، إلا أنهم يرون أن محتوى المنهج أو الكتاب المدرسي ليس على نفس الدرجة من الأهمية التي يمثلها الهدف من تدريسه، فالقيمة الحقيقية للمنهج تتضح في درجة فهم الإنسان للعالم والعمل على جعله قريباً من الكمال والمثل.

        ويؤكد المثاليون على أهمية الرياضيات في التعليم وتنمية القدرات العقلية للتلاميذ حتى يستطيعوا أن يكونوا أكثر قرباً من فهم وإدراك حقيقة المثل والعالم العلوي.

(4) أساليب وطرق التعليم:

        تعد أساليب وطرق التعليم انعكاساً واضحاً للفكر المثالي الذي يركز على تنمية العقل، ومن ثم الاهتمام بالدراسات النظرية والنشاط المكتبي، ولذلك فهم يهتمون بأسلوب المحاضرة والمناقشة والحفظ والتذكر والاسترجاع، فالتعليم المثالي يقوم على التدريب بأسلوب الإلقاء، حيث يلقي المعلم الدرس على مسامع تلاميذه. وعليهم الإصغاء له وفهم ما يلقيه عليهم ثم حفظه ثم استرجاعه عند الامتحان.

        وهذا يعني أن أصحاب الفكر المثالي لا يميلون كثيراً لطريقة النشاط، ومع ذلك فهم يؤكدون في طريقة التدريس على نوع خاص من نشاط التلميذ وهو النشاط الفكري والعقلي، إنه النشاط الذي يتمثل في المناقشة والحوار والجدل واحتكاك عقل التلميذ بعقول غيره وخاصة عقول المعلمين. ولهذا فهم يرون أن الأسئلة في الدرس لها أهميتها إنها تقود التلاميذ إلى التوصل إلى المعرفة وفهمها. كما أنهم يؤكدون على أهمية إثارة دافعية التلاميذ للتعلم وذلك بأن يجعلهم يفكرون في إيجاد حلول وتفسيرات لبعض المعارف.

(5) علاقة التلميذ بالمعلم:

        ذكرنا من قبل أن المثاليين يرون أن المعلم هو المصدر الوحيد للمعلومات، وأنه القدوة والمثال لتلاميذه، ومن ثم فكلما اقترب التلميذ من معلمه كلما كانت الإفادة أكثر وكلما كان تأثره به أكبر. كما يرى أصحاب الفكر المثالي أن هناك ضوابط تحكم العلاقة بين التلميذ والمعلم، فعلى كلٍ منهما التقيد بالنظام المدرسي، وأيضاً فالمعلم عليه مراقبة سلوك التلميذ وتوجيهه للالتزام بهذا النظام، أما التلميذ فعليه اتباع تعليمات وإرشادات المعلم ويطيعه دون مناقشة حتى لو أدى ذلك إلى سلبية التلميذ الإيجابية وسيطرة المعلم، وهذا شئ طبيعي في إطار هذا الفكر الذي – كما ذكرنا- يضع المعلم في مكانة متميزة سواء من حيث إنه القدوة والمثال أو مصدر العلم والمعرفة.

تقييم الفكر المثالي:

        لا شك أن هناك بوناً شاسعاً بين الفكر السماوي والفكر الوضعي، فالفكر السماوي هو منهج إلهي لخالق هذا الكون، ومن ثم فهو فكر أو منهج متكامل إلى درجة الكمال الذي يرتكز على القدرة الإلهية التي خلقت هذا الكون وقدرت ونظمت كل صغيرة وكبيرة فيه.

        أما الفكر الوضعي أو الفلسفات الوضعية التي هي نتاج فكر الإنسان – ومن بينها الفكر المثالي، فلا يمكن أن ترقى إلى مستوى الكمال والدقة التي لا يمكن المساس بها،ـ ولهذا فالفكر الوضعي مع قبوله وتحقيقه للأهداف الحياتية في العديد من المجتمعات المتقدمة، إلا أنه فكر به نقائص وثغرات تتسبب في العديد من الإشكاليات في هذه المجتمعات سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

        ولهذا فعلى الرغم من أن الفكر المثالي يُعد من أكثر أنواع الفلسفات قبولاً لكونه يغلب جانب الروح والعقل والمثل والقيم، كما أنه أقرب إلى الأديان عن غيره من أنواع الفكر الوضعي، إلا أن هناك جوانب يمكن تصنيفها كأوجه قصور في هذا الفكر ومن بينها الاهتمام الكبير بالدراسات النظرية على حساب الدراسات العملية ومن ثم الاهتمام بدرجة كبيرة بالكتاب المدرسي والمكتبة المدرسية، كما أن هذا الفكر أعطى أهمية مبالغ فيها بالمعلم لكونه القدوة والمثال أو مصدر العلم والمعرفة حيث أدى ذلك إلى سلبية التلميذ وإيجابية وسيطرة المعلم. كما أن هذا الفكر اهتم بأسلوب المحاضرة والمناقشة والحفظ والتذكر والاسترجاع فالتعليم المثالي يقوم على التدريس بأسلوب الإلقاء الذي يجعل التلميذ سلبياً لدرجة كبيرة كما ذكر كما قبل.

        ولا شك أن ذلك كله يوضح مدى قصور الفكر الوضعي الذي هو نتاج الفكر الإنساني الذي لا يمكن أن يصل إلى درجة الكمال فالكمال للخالق (عز وجل) وهذا ما يميز المنهج الإسلامي الذي هو من صنع الله (سبحانه وتعالى) كما اتضح من قبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

1-    أحمد فؤاد الأهواني: أفلاطون، نوابغ الفكر الغربي، القاهرة، دار المعارف، 1971م.

2-    عبد الرحمن بدوي: أفلاطون، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1954م.

3-    فتحية سليمان: التربية عند اليونان والرومان، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، بدون تاريخ.

4-    فيليب فينكس: فلسفة التربية، ترجمة محمد لبيب النجيحي، دار النهضة العربية، 1965م.

5-    محمد سيف السيد فهمي: النظرية التربوية وأصولها الفلسفية والنفسية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 1980م.

 

 

الفصل الثالث

الفلسفة الواقعية

مقدمة:

الواقعية من المفاهيم التي حملها الناس الكثير من المعاني المتغايرة، بل إن كل معنى أريد له أن يخدم فكرة من قال به، فعندما يقال أن شخصاً واقعياً في تفكيره، فإنه يعني بذلك أنه يبتعد عن الخيال الجامح، وينطلق من واقعه المعاش ومرتبطاً به، وقد تعني أنه يتسم بالوسطية والاعتدال في تفكيره، وقد تعني عند آخرين الرضا بالواقع مهما كان، والتسليم به سواء كان مقبولاً أو مرذولاً، خيراً كان أم شراً، أو الرضا بأنصاف الحلول والتنازل عن المبادئ والتفاوض لتوفيق توجهات فكرية متباينة أو حتى متناقضة حول هذه المبادئ ولعل هذه المعاني لمفهوم الواقعية نجحت في فرض تلك الاستعمالات على المجالات العلمية بما فيها المجالات الفلسفية والطبيعية، فيطلق مفهوم الفلسفة الواقعية على تلك النظريات التي تجد في العالم المادي أو عالم الأشياء المادية المحسوسة وفي تصوراتنا وخبراتنا عن تلك الأشياء لفهمها أمراً حقيقياً وواقعياً، وتفسير ما يتعلق به من قضايا، وهي بذلك لا ترى حاجة لافتراض عالم آخر ميتافيزيقي غير محسوس ومستقل أو منقطع عن الواقع المعاش، وذلك للبحث فيه عن الحقيقة، وهو ما افترضته الفلسفة المثالية فيما أسمته عالم المثل، ولقد كانت من جراء النظرة الواقعية أن تحول الفكر الإنساني في البحث فيما هو علوي سماوي ميتافيزيقي مجرد إلى البحث في العالم الأرضي الواقعي المحسوس، الأمر الذي دفع البعض إلى القول بأن الفلسفة الواقعية نقلت الفلسفة من السماء إلى الأرض، والمقصود بذلك أنها نقلت الفكر من السماء إلى الأرض، وليس المقصود أنها انتقضت أو حضت من قيمة الفلسفة.

 ويعد أرسطو المؤسس للفلسفة الواقعية، وهو من تلاميذ أفلاطون ومعاصريه، وقد ولد أرسطو سنة (384 ق.م) بإحدى المدن اليونانية القديمة المجاورة لمقدونيا على بحر إيجا، وقد مات أرسطو بعد أن جاوز الستين بما يقرب من سنتين، حيث وافته المنية عام (322 ق.م) وقد شايع الفلسفة الواقعية كثير من الفلاسفة البارزين في العصر الحديث من أمثال استيورات ميل Mill وجون لوك Look وهوبهاوس Hobnouse ومورجان Morgan وكومنيوس Comenius وبستالوزي Pestalza وهوايتهيد Whiethead  

ولقد ساعدت نشأة أرسطو في نبوغه، واتساع أفقه، ومرونة تفكيره واتسامه بالإبداع وإعمال العقل، أكثر من الإتباع الأعمي لفكر الآخرين وحبس النفس في موروثات فكرية إنسانية قابلة للصواب والخطأ، الأمر الذي يعوق العقل عن أداء وظائفه، فلقد نشأ أرسطو في البلاط الملكي المقدوني، وذلك بحكم عمل والده كطبيب للملك امنتاس الثاني، كما كان، لنشأته في عصر عاش فيه أفلاطون كواحد من الفلاسفة اليونانيين القدماء والبارزين، بل أكثر من ذلك انتقال أرسطو إلى أثينا والتعلم على يد أفلاطون مدة تقارب العشرين سنة، وهي السنوات المحصورة بين (367 ق.م) وهي السنة التي بلغ فيها أرسطو السابعة عشر من عمره والتي انتقل فيها إلى أثينا للالتحاق بأكاديمية أفلاطون إلى سنة (347 ق.م) وهي السنة التي مات فيها أفلاطون.

وكانت المدة التي تتلمذ فيها أرسطو على يد أفلاطون (العشرون سنة المشار إليها سابقاً) من أهم الفترات في حياة أرسطو، إذ شهدت هذه الفترة الكثير من المناقشات والمحاورات التي تمت بين أفلاطون وتلاميذه عامة وأرسطو منهم خاصة، الأمر الذي قام بدور كبير في تشكيل فكر أرسطو، وقد كان أرسطو متأثراً بوضوح بأساسيات الفكر عند أفلاطون، إلا أنه وفي كثير من الأحيان كان دائم الاختلاف معه حول بعض القضايا الجدلية، إلا أن هذا الاختلاف لم يفسد للود قضية بين الأستاذ وتلميذه، ولم ينتقص من احترام أحدهما لفكر الآخر، خاصة وأن كليهما ينشد الحقيقة ويبحث عنها بطريقته الخاصة، فهدفهما واحد وإن اختلفت الوسيلة للوصول لهذا الهدف.

وترك أرسطو فكراً رصيناً في كثير من المجالات المعرفية المتعلقة بالطبيعة وما وراء الطبيعة، كما كتب في السياسة والأخلاق وما يرتبط بهما من قضايا السعادة والواجب والمسئولية والخير، كما كتب في الأدب والفلك والمنطق والبيولوجيا وغيرها، ولقد أثرت هذه الكتابات في الكثيرين من الفلاسفة والمشتغلين بالفكر رغم اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، ولقد كان كل من الكندي والفارابي وابن سينا وابن مسكويه من أولئك الفلاسفة المسلمين الذين عرضوا بالشرح والتحليل والنقد لأفكار أرسطو، الأمر الذي أسهم في تكوينهم الفكري، وانعكس على معالجاتهم لكثير من قضاياهم الفكرية، خاصة فيما يتعلق منها بالقانون والأخلاق، كما تأثر به (توما الأكويني) كرجل دين مسيحي، بل إنه قد تأثر به كثيرون ينتمون إلى تيارات فلسفية أخرى، فلقد تأثر به تشارلز بيرس وجون ديوي كمؤسسين للفلسفة البرجماتية، كما تأثر أصحاب التيار التجريبي والطبيعي، فلقد تأثروا بفكر أرسطو تأثراً كبيراً، مما دفع البعض إلى تصنيفهم كمدارس تحتية للفلسفة الواقعية.

ولتحقيق المزيد من الفهم للفلسفة الواقعية فإنه سيتم العرض لكل من الميتافيزيقا والمعرفة والقيم كأهم المباحث الفلسفية، ثم العروج لأهم التضمينات التربوية من خلال ما يتصل بتلك المباحث من مسلمات، ذلك مع التركيز على آراء أرسطو كمؤسس لتلك الفلسفة.

الميتافيزيقا الواقعية:

إن المبدأ الرئيسي للفلسفة الواقعية يتمثل في أن المادة المكونة للأشياء هي الواقع الأقصى لتلك الأشياء، وأن لهذه المادة وجودها الحقيقي، ذلك الوجود القائم بذاته والمستقل عن العقل الذي يدركها، فهي موجودة في ذاتها وبذاتها، وأن هذا الوجود للأشياء غير مقترن بإدراك العقل لها، فكل ما يدرك العقل من كائنات وكواكب ونجوم وغيرها لا يحدد وجود هذه الأشياء لأن هذا الوجود أمر حقيقي وكائن قبل اكتشاف الإنسان لها، فهي لم توجد بمجرد الإدراك العقلي والحسي لها.

وتوصل أرسطو لهذا المبدأ بأن سأل نفسه سؤالاً بسيطاً هو: ماذا أرى؟ وكانت الإجابة أن هناك الأرض وما عليها من جبال وأشجار وطيور وبشر ونحو ذلك من ألاف الأشياء الأخرى، وإذا ارتقى الإنسان ببصره إلى السماء وجد الشمس والقمر والكواكب والنجوم ولقد تساءل أرسطو عن الخاصية التي تجمع بين هذه الأشياء عامة، وذلك في إجابته عن ذلك بأنها جميعاً تشترك في أنها صنعت من مادة خام ، بمعنى أن لكل منها جانب مادي، وعلى الرغم من أنها جميعاً تشترك في جانبها المادي أو ما أسماه أرسطو بالهيولة، إلا أن كل شئ من هذه الأشياء مختلف في طبيعته عن الأشياء الأخرى.

وقد أرجع أرسطو الاختلاف بين الأشياء إلى الطرق المتعددة والمختلفة التي تنتظم بها المادة حالة تكوين هذه الأشياء، فإذا كانت المادة هي أصل كل شئ وهي مبدأ الإمكان Principle of potentiality فإنها يمكن أن تشكل وتنظم بصور معينة لتكون نوعاً من الموجودات، وبدون المادة لا يوجد شئ فهي ضرورية لوجود الأشياء، غير أنها بمفردها وفقط لا تشكل شيئاً، ولكن لابد من الانتظام في صورة معينة ومحددة The stamp of from لكي توجد الأشياء وتتميز فيما بينها، ومن ذلك يقول أرسطو بافتراض المادة/ الصورة Matter/ Hypothesis ويقضي هذا الافتراض أن الأشياء كما تتباين في الطرق التي تنتظم بها المادة حالة تكوينها، مما يؤدي إلى تمايز الأشياء وتباينها، فإن ثمة اختلافاً آخر يقع بين الأشياء في قدر كل من المادة والصورة من الشئ المحسوس، فالأشياء السفلي تغلب عليها المادة أكثر مما تغلب الصورة، فالأرض أقرب الأشياء إلى المادة النقية أو المادة الأولى الخالصة، وكلما ارتفعنا إلى أعلى سادت الصورة وغلبت على المادة، وهكذا كلما تحركنا من أسفل إلى أعلى فإن الأشياء تتحرك نحو صورة أكثر ومادة أقل، حتى يصل الأمر في النهاية إلى صورة خالصة بلا مادة وهي التي أسماها بالمحرك الأول أو الله.

وينظر أرسطو إلى الإنسان كأحد الموجودات بأن له مادة هي الجسد كما له صورة وهي العقل، وأنه من خلال ذلك العقل يستطيع الإنسان المعرفة ويقدر على تنظيمها إلى فئات ومجموعات، وبه يستطيع الإدراك لما حوله من موجودات، وحيث أن الصورة في الإنسان أو العقل على درجة أرقى مما هي عليه في الموجودات الأخرى، لذا فإن الإنسان يقع في أعلى درجات سلم الترقي بين الموجودات.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة النشؤ والارتقاء بين الكائنات عند أرسطو، وذلك طبقاً لما هو كائن من اختلاف في علاقة الصورة بالمادة فيما بينها تختلف عن نفس الفكرة عند عالم البيولوجيا دارون، حيث تنفي تماماً فكرة أرسطو الارتقاء من نوع إلى أخر من الموجودات، حيث يقول أرسطو بأزلية وأبدية الموجودات فالإنسان هو الإنسان منذ خليقته، ولم ينجم عن حيوان آخر أدنى منه من جراء الارتقاء الحادث في العلاقة بين الصورة والمادة، وإنما الارتقاء في نظر أرسطو هو الاتجاه في نفس الشئ من مادة أكثر وصورة أقل إلى مادة أقل وصور ة أكثر، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من التحديد والتمايز بين الأنواع دون التحول من نوع إلى نوع آخر، في حين قال دارون بفكرة الارتقاء فيما بين الأنواع.

وإذا كان أرسطو قد تحدث عن مفهوم المادة والصورة كمفهومين منفصلين، فإنه يعني بهذا الانفصال البحث والدراسة، إذ أن المادة والصورة منفصلان فقط بطريقة عقلية، أما من الناحية الواقعية فلا يوجدان منفصلين، بل بالضرورة متحدين في كل الموجودات، وبالتالي فإن الصورة والمادة كما يشير لهما الروح والجسد في الإنسان يكونان طبيعة واحدة هي الطبيعة الإنسانية.

ولقد تأثر أرسطو بأفلاطون في ذلك فتم تقسيم الأخير إلى القوى التي تسيطر على النفس الإنسانية إلى ثلاث قوى – عاقلة، وغضبية وشهوانية، في حين قسم أرسطو الموجودات إلى ثلاثة أقسام أو أنفس، فمن الموجودات ما يقف عند النفس النامية، وفيه تسير هذه الكائنات إلى تحقيق ذاتها والمحافظة عليها عن طريق الغذاء والتناسل، وتتمثل هذه الكائنات في النباتات، وهي أدنى الموجودات في سلم الترقي، ثم يأتي نوع أخر أرقى، وهو جملة الكائنات الحاسة، وهذه الكائنات تستشعر ما يهددها من خطر وتندفع إلى تجنب المخاطر، لذا فهي تحوي إلى جانب الغذاء والتناسل خاصية أخرى زائدة، وهي خاصة الإحساس، وتتمثل هذه الكائنات في الحيوان، فالحيوان يتغذى وينمو ويتكاثر كالنبات، ويتميز بالإحساس والشعور باللذة والألم وما يتبع ذلك من حركة ونشاط، بحثاً عن اللذة وتجنباً للألم، وأخيراً هناك أعلى الموجودات في سلم الترقي وهو الإنسان وهو ذو نفس عاقلة، إذ يتمتع بالقدرة على التفكير والعمل على توظيف هذا التفكير بما يعود عليه بالنفع، والإنسان يحوي إلى جانب التفكير سائر الخصائص الأخرى المميزة للموجودات، إذ يتغذى الإنسان وينمو ويتكاثر ويحس بما حوله، إضافة إلى أعمال عقله من خلال الفكر.

ولما كان التفكير أخص خصائص الإنسان، فقد عرف الكثيرون الإنسان بأنه الكائن الحي العاقل أو المفكر، كما يرى أرسطو أن خصائص الإنسان من نمو وحس تفني بفناء جسده، إلا أن قوة العقل لا تفني فهي أزلية أبدية، جاءت للإنسان كفيض من خارجه ومن عقل أكبر هو العقل الخالص النقي وهو الله، ثم تعود مرة أخرى من حيث جاءت وذلك بعد الموت، وأن ثمة تماثل يين العقل الإنساني والعقل الخالص النقي كتماثل الذرة في تركيبها بالمجموعة الشمسية رغم اختلاف الحجم بينما.

وعندما تطرق أرسطو إلى العقل الإنساني ربطة بفكرتي (القوة) و(الفعل) إذ أن للعقل الإنساني وجود بالقوة لدى جميع البشر، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، إلا أن هذا العقل لكي يقوم بدوره في الفكر والإدراك، لابد من أن يخرج من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل أو بتغيير آخر من حيز الإمكان أو الاستعداد لتحصيل المعرفة والعلم إلى حيز الفعل أي حالة التحصيل والعلم بالفعل، وبالتالي فإن ثمة وجود بالقوة وآخر بالفعل، فالطفل الصغير يحوي سائر أعضاء الجسد كالرجل الكبير، إلا أن بعضاً من هذه الأعضاء كالجهاز التناسلي لا تؤدي غدده وظائفها إلا عند البلوغ، فهي لها وجود بالقوة قبل البلوغ كأعضاء موجودة، ولها وجودها بالفعل بعد البلوغ كأعضاء تؤدي وظيفة وعمل، إذ تؤدي وظائفها عند هذه الفترة، ويمكن إعادة صياغة القول بوجود العقل بالقوة والعقل بالفعل بصورة أخرى وهي أن ثمة عقل قابل، ويقصد به العقل القادر على التفكير قبل أن يفكر الإنسان، والعقل الفاعل وهو ذلك العقل الذي يستخدم القدرة على التفكير والقيام الفعالي بعملية التفكير.

ويقسم أرسطو العقل الفاعل – العقل حالة ممارسته التفكير – إلى قسمين: أحدهما: يعمل على مستوى النفس النامية والحاسة، إذ يتعامل مع المستوى النباتي وما يتصل به من تغذية ونمو وتكاثر، ومع المستوى الحيواني وما يتصل به من حسي وحركة وشعور، وهو يعمل على توجيه الإنسان توجيهاً يتفق والقانون الأخلاقي المعمول به في الجماعة، ويسمى هنا العقل بالعقل العلمي، وأما الآخر فيسمى بالعقل النظري وهو يعمل على مستوى التأمل في طبيعة الأفكار.

ولم يقتصر ربط العقل الإنساني وفقط بفكرتي (القوة) و(الفعل)، بل إنه ربط كل ما في الوجود من ثبات وحركة وحدوث وعدم بهاتين الفكرتين، فقال أن الحركة والثبات والوجود والعدم الذي يحدث على الأشياء، لتدل على أنه لابد من وجود علة أولى أو محرك أولى يحدثها ويقف خلفها، وأن هذه العلة أو القوة تحدث ما يطرأ على هذه الأشياء من تغييرات دون أن تتغير هي، ولما كانت الموجودات بالكون ممكنة الوجود – حيث وقعت بالفعل – فهي في حاجة دائمة إلى من يخرجها من حيز (الإمكان) إلى حيز (الوجود)، أو ما يخرجها من حالة الوجود (بالقوة) إلى حالة الوجود (بالفعل)، وهذا معناه أن الممكنات في حاجة إلى واجد وجود، وهذا الواجد للوجود غير واجد بغيره، وإنما هو واجب بذاته، لأنه لو كان لهذا الواجد موجد أوجده، لكان الأخير واجد بذاته لا بغيره، لأنه لو كان للواجد الثاني موجد ثالث أوجده، لوجب أن يكون الواجد الثالث واجد بذاته لا بغيره، وحيث أن التسلسل باطل، فلابد أن تنتهي إلى واجد لهذه الممكنات يكون واجداً بذاته، وهو الواجد الأول والأوحد وهو (الله).

ويبني الواقعيون نظرتهم فيما وراء الطبيعة على مفهوم العلة، والعلة في نظرهم لا تعني السبب، إذ أن السبب يعني التفسير المادي لحدوث الأشياء، في حين تعني العلة التفسير العقلي لهذا الحدوث، فعندما يترك جسم حر الحركة ليسقط لأسفل إلى الأرض، فإن السبب هنا هو تحرير الجسم من القوة التي كانت تمسكه، إلا أننا عندما نقول أنه سقط لأسفل ولم يصعد لأعلى اليد لوجود الجاذبية الأرضية، وهنا تفسير أن أحدهما ملموس محسوس يمكن ملاحظته كانفراج أصابع اليد عن هذا الشئ، وهذا هو السبب، إلا أننا ندماً نقول أنه سقط لأسفل ولم يصعد لأعلى لوجود الجاذبية الأرضية، والجاذبية مفهوم عقلي مجرد، فإن هذا هو العلة.

  ويقسم الواقعون العلة إلى أربعة أقسام: علة مادية، وأخرى صورية وثالثة فاعلة، ورابعة غائبة، وقد تأثر بعض من فلاسفة المسلمين بهذا التقسيم كالكندي والذي يقول بأن العلة إما عنصرية نسبة إلى العنصر الذي وجدت منه المادة، وهي تقابل العلة المادية عند أرسطو، وإما صورية وإما فاعلة وإما تمامية، والعلة التمامية تقابل تلك الغائية عند أرسطو، وضرب مثالاً يوضح ذلك بالدينار، بالعلة العنصرية (المادية) فيه هي الذهب الذي صنع منه الدينار، وهذه العلة وفقط لا تكفي لوجود الدينار، إذ أن عنصر الذهب الذي صنع منه الدينار كان من الممكن أن يكون قطعة من حلي (قرط أو أساور أو خاتم ... وغيرها)، لذا فلكي يقال عن هذه القطعة من الذهب أنها دينار فلابد وأن تنتظم في هيئة محددة ومتمايزة عن غيرها وهي هيئة الدينار، وهي الشكل الذي آلت إليه قطعة الذهب واتحدت به لتصبح ديناراً وهذه هي العلة الصورية، ويستحيل لأن يتحول الذهب كمادة خام (هيولة خالية من التعيين) إلى صورة معينة إن لم توجد قوة معينة تعبر عن العلة الفاعلة، وهي صانع الدينار الذي وحد بين المادة والصورة، ثم تأتي بعد ذلك العلة التمامية أو الغائية، وهي ماله ومن أجله صنع الدينار، أو أوجد الصانع هذا الدينار، وهي المنفعة والمبادلة من بيع وشراء ودنيا المطالب وتحقيق المكاسب والاتجار.

وتجدر الإشارة إلى أن ثمة ارتباطاً بين العلتين الفاعلة والغائية، فالذي يصنع شيئاً ما، فإنما يصنعه لغاية، فالعلة الغائية موجودة مع تلك الفاعلة وليست منفصلة عنها، بل إن العلة الغائية كثيراً ما تكون هي الباعث والمحرك لكي تقوم العلة الفاعلة بعملها، كما أن العلة الفاعلة شرط وجود للعلة الغائية، إذ أنه بإنعدام العلة الفاعلة فلن يوجد الفعل ولن تتحقق الغاية، لأن هذا التحقق وهذه الغاية لن تقوم إلا عن طريق الفاعل.

أما عن العلتين الأخريين: المادية والصورية فإن هناك ترابطاً وثيقاً بينهما، وذلك لأن المادة لا تنفصل البتة عن الصورة، فلا توجد صورة محسوسة إلا ولها مادة، ولن توجد مادة إلا وهي مصورة، فالمادة لابد أن يكون لها شكل ما تنتظم فيه، لذا فإن المادة والصورة متلازمتان، فلا توجد واحدة إلا إذا وجدت الأخرى، فالعلة المادية مرتبطة بالعلة الصورية، فالعلة المادية هي عنصر الشئ، أما العلة الصورية فهي الشكل الخاص بهذا العنصر.

ولقد اتخذ أرسطو من الحركة المشاهدة للكون وربطها بالعلة الغائية دليلاً على وجود المحرك الأول للكون، فحيث لا يوجد شئ ولا يقع حدث اتفاقاً أو عبثاً، ولما كان العالم يجري على نظام دقيق، فلابد من وجود مدبر حكيم هو الذي خلق هذا النظام ووضع له قواعد حركته، فحركة الكون كدوران الأجرام في أفلاكها تعني وجود أجسام متحركة، ولما كانت الحركة حادثة، فإن المتحرك (الأجسام) حادثة أيضاً، وعلى ذلك يجب حدوث الحركة والمتحرك واحتياجهما إلى محدث أول غير محدث، حيث أن الضرورة العقلية المنطقية تقول أن لكل معلول علة، ولكل مسبب سبب، ولا يجب أن يكون الشئ علة ذاته أو علة نفسه، لأن هذا معناه أن يسبق الشئ (العالم) كعلة نفسه (كمعلول)، وبالتالي يصبح العالم موجوداً (كعلة) وغير موجود (كمعلول) من جهة واحدة وفي نفس الوقت والحالتان متناقضتان، فالعالم إما موجود أو غير موجود، إذ لا يجوز الجمع بين متناقضين، فالعالم إذا كان علة نفسه لكان موجوداً قبل أن يكون موجوداً ومن ثم فليس في حاجة إلى من يوجده، ومعنى هذا إذا كان العالم محدثاً – وهو كذلك – فإنه محدث عن طريق غيره، أي عن طريق فاعل آخر أو علة مباينة له، وهذه العلة أو هذا الفاعل لا ينبغي في نهاية الأمر أن يكون محدثاً.

 

المعرفة الواقعية:

إذا كان المثاليون يعلقون وجود الشئ على وجود العقل الذي يدركه فإن الواقعيين بصفة عامة يرون أن للأشياء الخارجية وجوداً عينياً مستقلاً عن العقل الذي يدركها فتلك الأشياء موجودة في ذاتها بصرف النظر عن وجود الذات العارفة أو المدركة.

وقد ذهبت الواقعية الساذجة Naive Realism إلى أن العالم الخارجي كما هو مدرك في عقولنا ما هو إلا صورة لهذا العالم كما هو موجود في الواقع الخارجي، ومن ثم تكون المعرفة إدراك مطابق للعيان، أو هي انعكاس العالم الخارجي على العقل.

والحق أن تلك النظرة تغفل التفرقة بين الشئ في ذاته، والشئ كما يبدو لنا، أو بين حقيقة الشئ وظاهره، ومن ثم فقد هوجمت باعتراض مؤاده أن الثقة التامة في الإدراك الحسي والتي تقرها تلك النظرة أمر تكذبه التجربة والواقع، فهناك فرق بين الشئ في ذاته، والشئ كما يبدو لنا، فالسفينة تبدو من بعيد متحركة، وتبدو العصا منكسرة في الماء مستقيمة خارجه، بل أن الحواس تتعارض بإزاء الشئ الواحد، فالبصر يدركها مسطحة ...إلخ ومن ثم فإنه لا يمكن التيقن من خصائص وصفات الشئ المدرك إلا حال إدراكه، لأن الشئ قد يختلف باختلاف المسافة الفاصلة بينه وبين قوة الإدراك، أو باختلاف الزاوية التي يرى منها...الخ ومن ثم فقد ظهرت الواقعية النقدية Critical Realism ويمثلها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك Locke وهي التي ترفض التسليم بالوجود الحقيقي للمدرك الحسي بغير اختبار نقدي، كما أنها ترى أن المعرفة ليست صورة للواقع، فأنت عندما يعرض عليك برتقالة مثلاً فأنك تعلم أنها برتقالة على أساس الصورة العقلية التي تحملها في عقلك عن البرتقالة، غير أنك قد تكون قد رأيت في خبرتك الحسية برتقالات كثيرة ليست كلها سواء من حيث اللون وشكل الاستدارة والطعم...إلخ غير أنها على الرغم من تلك الاختلافات فهي كلها تشترك في صفات عامة أو في صورة البرتقالة العامة لأنك عندما ركبت صورة البرتقالة العامة هذه، جنبت جانباً بعض التفصيلات الجزئية التي تختلف فيها برتقالات الواقع التي عرضت لك في الخبرة الحسية، ومن ثم فإن الصورة العامة التي لديك والتي هي في الحقيقة معرفتك بالبرتقالة ليست صورة مطابقة تماماً لأفراد البرتقال في الواقع، وهكذا فإن معرفتنا ليست كما ذهبت الواقعية الساذجة صورة مطابقة للشئ المعروف.

وقد بدا اتجاه للواقعية يظهر في نهاية العقد الأول من القرن العشرين هو الواقعية الجديدة New Realism والذي اهتم بتحديد  العلاقة بين الذات العارفة وموضوعها. وقد رفض أصحاب هذا الاتجاه التسليم بما ذهب إليه أنصار الواقعية النقدية من وجود وسيطين للإدراك هما: الذات المدركة والشئ المدرك وهو الصورة الذهنية، وعندهم أن الإدراك يتم مباشرة وبلا وسيط غير أن الثنائية التي تميز بين المدرك والشئ المدرك ما لبثت أن عادات إلى الظهور مرة أخرى في آخر المذاهب الواقعية ظهوراً وهو مذهب الواقعية النقدية المعاصرة Contemporary Critical Realism .

وقد رد الواقعيون مصدر المعرفة إلى التجربة، ورفضوا المعارف الأولية السابقة على التجربة أو الفطرة كمصدر للمعرفة. وعندهم أن كل الأفكار مكتسبة ومصدرها التجربة، أي أنها A Posteriori وقد ذهب جون لوك Locke إلى أن العقل الإنساني قبل التجربة يشبه صحيفة بيضاء فارغة، وأن التجربة هي التي تخط على هذه الصحيفة كل معرفة يعرفها العقل. وليس من المعارف الموجودة في العقل ما يمكن اعتباره فطرياً موروثاً يولد الإنسان وهو مزود به. إذ ليس في العقل شئ إلا وقد سبق وجوده في الحس أولاً.

وينتقد لوك العقليين القائلين بالأفكار الفطرية قائلاً "إن الأفكار العقلية لا ترقى دليلاً على الوجود.. وجود أي شئ بل هي عبارة عن مجرد صور للوجود "ويدلل لوك على مذهبه بعدم عمومية المعاني الفطرية لدى جميع الناس وعنده أنه لو صح وجود تلك المعاني لكان قد تساوى في العلم بها الناس في كل زمان ومكان، غير أن مبدأ الذاتية لا يعرفه إلا قلة من الناس وجهلة الأطفال مثلاً لا يعرفونه فعقل الطفل في أطواره الأولى يكون خالياً تماماً من أية معارف عقلية. والملاحظ أن المبادئ العقلية تتكون في عقله بالتدرج كلما زاد نشاطه مع البيئة والتجارب المكتسبة منها. وأما المبادئ القانونية والخلقية فإن اختلافها باختلاف الزمان والمكان ليرقى دليلاً على عدم عموميتها.

قيم الواقعية:

لخص وإيلد Wild مبادئ أو تعاليم المذهب الواقعي في أن الإحساس المشترك يخبرنا بأننا نوجد في عالم يتكون من عديد من الأشياء التي لها وجود واقعي، وتلك الأشياء لا تدين بوجودها للإنسان. وفي إمكان العقل الإنساني إدراك هذا العالم الواقعي. ويرى وايلد أن المعرفة هي الطريق الوحيد الذي يعول عليه في الفهم الإنساني على المستويين الفردي والجماعي. نحن إذن موجهين نحو العالم المادي الذي هو واقعي وموجود وهو بالتالي أساس القيم.

وعندما ينظر الواقعيون إلى القانون الطبيعي كنظرية في الأخلاق يسمونه القانون الخلقي Moral Law وهذا القانون الخلقي يكون ملزماً للإنسان باعتباره كائناً عاقلاً ويشترك الناس جميعهم في الاتجاه الأساسي الذي يتطلب التسليم بوجود مبادئ خلقية معينة يجب أن يسير على هداها الناس، كما يجب أن يسيروا وفق تلك المبادئ حتى يعيشوا حياة خلقية.

ويعتقد الواقعيون أن الإنسان حر، فإن أفعاله تتم كما يختار هو في ضوء فهمه لأمور حياته، ولكن لحرية الإنسان حدود تقف عندها.

الواقعية العلمية:

تحتل فكرة المادة الآن اهتماماً كبيراً من العلماء فهؤلاء العلماء يحاولون باستمرار ملاحظة التغيرات العديدة في مواقف تجريبية وذلك بهدف الوصول إلى تعميمات مؤكدة مستخدمين طريقة أو منهج البحث العلمي وعند الوصول إلى تلك المجموعة من التعميمات يمكن إطلاق اسم القانون Law عليها. وبمرور الوقت واستمرارية صحة وصدق القانون يتحول التعميم الأصلي إلى قانون من قوانين الطبيعة Law of Nature كقانون اسحق نيوتن Newton الخاصة بالجاذبية. وقد كانت أيضاً الحقوق الطبيعية للإنسان التي تكلم عنها جون لوك هي من الحقوق التي أظهرها القادة، كما كان القانون الاقتصادي عند آدم سميث Adam Smith من القوانين التي اكتشفت أنها تعمل من خلال الطبيعة الإنسانية.

الواقعية والتربية:

لما كان الواقعيون يؤسسون نظريتهم في المعرفة على التصور أو الإدراك الحسي، لذا فإن خبرات التلاميذ المدرسية يجب أن تنظم بقدر المستطاع حول الأنشطة التعليمية التي يمكن التعامل معها بطريقة حسية ومن ثم فإن الواقعيين يصرون على ضرورة احتكاك المتعلم بقدر قليل من القراءة ويفضلون احتكاكه بالخبرات المباشرة.

وإذا كانت الخبرات المباشرة تمثل أهمية خاصة في نظر الواقعيين، فإن التوضيحات العملية التي تتم في الفصل أو في حجرة الدراسة بواسطة المدرس أو التلاميذ أنفسهم هي بالضرورة وسيلة تعليمية حيوية.

وقد أثار كومنيوس Comenius دهشة الدوائر التربوية باقتراحه استخدام الوسائل التعليمية والصور في تعليم الأطفال في المدارس ثم ما لبث أن جاء بستالوزي Pestalozzi بعد قرن من الزمان داعياً إلى عدم الاقتصار على الصور كوسيلة تعليمية بل دعى إلى الاهتمام باستخدام الأشياء الحقيقية Real things الدرس أو الخبرة التعليمية إذن يجب أن يدور حول موضوع مادي، سواء كان داخل حجرة الدراسة، أو تتم ملاحظته خارج الفصل بواسطة التلاميذ، ومن ثم يمكن القول أن كومنيوس ويستالوزي يقفون على رأس خط الواقعين التربويين الذي كان اتجاهم نحو وضع المتعلم في عملية اتصال حسي محسوس مباشر مع العالم.

والواقعيون أيضاً يتجهون إلى تفضيل الزيارات الميدانية Field Trips والموضحات العملية كما أنهم يستخدمون نظرية الاتصال بطريقة شبه مباشرة عن طريق استخدام الوسائل التعليمية Audio Visual Aids مثل الصور والأفلام وشرائط الكاسيت والتليفزيون والتي تعد وسائل لاستثارة العالم الحقيقي بطريقة واقعية غير رمزية، ومن هنا فإن هذه القنوات من الاتصال مع العالم الواقعي تمثل عند الواقعين توافق جهد بين الانتقال بالتلاميذ من البيئة المدرسية إلى رحلة خارجها ومن ثم نرى أن الوسائل التعليمية تحتل مكانة هامة في التعليم في نظر الواقعيين.

المذهب الواقعي والرموز:

يؤكد الواقعيون على أهمية المواقف الحقيقية الواقعية التي تعبر عنها الرموز. فعندما يقوم مدرس التاريخ مثلاً بعرض حقائق معينة يجب إلا يسمح للرموز بأن تأخذ أكثر من أهميتها لأنها نادراً ما تكون هي الطرق التي عن طريقها تعلم حقائق التاريخ. وعندما يدرج التاريخ في البرنامج فسوف ينظر إليه على أنه دراسة منظمة للحقائق الواقعية لأن ما حدث هو ما حدث لأن التاريخ هو الماضي كما نعلمه.

المدرس:

يرى الواقعيون أن المدرس يجب أن يكون حريصاً على الدقة وعدم الوقوع في الخطأ وأن مهمته الأساسية هي مساعدة الطلاب على معرفة الحقيقة والواقع، وخلق نوع من التكيف بينهم وبين الطبيعة ومتطلباتها والمدرس هو عبارة عن وسيط بين التلميذ والطبيعة، لابد أن يعلم الطبيعة في وجوهها المختلفة، ثم مساعدة الطلاب على معرفتها أو نقلها وتقديمها إليهم بطريقة فعالة نظامية. ومن الضروري أن يكون المدرس حيادياً Neutral  بقدر الإمكان ليساعد حقائق المعرفة عن الكون والعالم أن تنتقل كما هي للتلاميذ.

القيم والتربية:

يشترك الواقعيون مع المثاليين في أهمية المعتقدات والتقاليد المتراكمة من جيل إلى جيل في ميراث الإنسانية باعتبارهما تقريب لما هو حق ومفيد بصفة نهائية ومطلقة، ومن ثم يجب أن يكون لذلك مكان في الخبرات المقدمة للتلاميذ.

والواقعيون على اتفاق بأن ثمة قيما مطلقة لا تتغير، وأن النظام التربوي عليه مسئولية غرس القيم الخلقية في ذاتها بدون أن تتأثر باتجاهات المدرس نفسه. وعلى المدرس أن يشرح لتلاميذه القوانين الخلقية المتضمنة في أنواع معينة من السلوك حتى ينمو التلاميذ في جو من الفهم العقلي لتلك القوانين بطريقة ذاتية.

وإذا كان الواقعيون يعتقدون في أهمية الشعور الجمعي للمجتمع فإنهم يطلبون من المدرس أن يقوم بغرس القيم الثابتة التي لا تصلح في فترة ما أو مكان ما بل القيم التي تصلح لكل زمان ومكان، وكما يقول هاري برودي Marry Broudy نحن نرغب في أن نعلم أطفالنا اتجاهات يعول عليها لقول الصدق واحترام الحق، ويكونوا بها قادرون على الوقوف في وجه العقبات، وعلى التضحية بالسعادات الحالية في سبيل سعادات مستقبلية وأن يكون لديهم بها شعور بالعدالة والعدل.

 

فلسفة أرسطو التربوية:

مر بنا أن اليونانيين كانوا أول من فكر بطريقة فلسفية في التربية وحقاً لقد كان محور الاهتمام بين الفلسفة في أثينا في عصرها الزاهر ترتكز على التربية، وكان هدف التربية كما رآه اليونان يتخلص في تربية الأطفال على الفضيلة، ويعتبر أرسطو مؤسس المذهب المادي Materialism في الفلسفة وقد عرض لنظريته في التربية من خلال نظريته في السياسة Politics وقد جاءت نظريته التربوية كجزء أخير من نظريته السياسية، وكان يرى أن الهدف الرئيس من فن الحكم هو تربية الناس أو تعليمهم الفضيلة.

ويشترك أرسطو مع أفلاطون في وجود المثل غير أنه مختلف مع أستاذه في المكان الذي توجد فيه. فأرسطو يعترض على قول أفلاطون بأن المثل مفارقة للمحسوس ولها وجود ذاتي، فرأي أرسطو أن المثال، وهو ماهية الشئ غير مفارقة له ولا يمكن أن توجد مستقلة وحدها بل هي توجد في الأفراد، فلا توجد إنسانية إلا في الإنسان وهكذا.

هدف التربية:

التربية تعتمد على الطبيعة، ومن ثم فإن التربية يجب أن تهدف إلى سد الفجوات التي تحدث في الطبيعة، والتربية كأي نشاط إنساني آخر تهدف إلى الوصول إلى السعادة Happiness ولما كان من غير الممكن الوصول إلى السعادة بدون ممارسة الفضيلة، وكان لا يمكن ممارسة الفضيلة بدون استخدام العقل Logos فإن التربية تعتمد أساساً على القرارات العقلية والخلقية التي يقوم بها الجنس الإنساني، كما يجب أن تهدف التربية إلى فهم العالم الطبيعي Natural universe وبصفة كلية وليس في جزئياتها من أجل فهم القوانين العامة والنظم التي تحكمها.

ومهمة التربية أن تساعد على تكوين الاتجاهات المساعدة على تكوين الفضيلة والعمل بها، كالاتجاهات نحو العدالة والشجاعة والحرية وقول الصدق...إلخ وهذه الاتجاهات ضرورية ومطلوبة لأداء الأنشطة التي هي وسائل لتحقيق السعادة للفرد وللمجتمع، ولما كانت تلك الاتجاهات ليست فطرية بل متعلمة وكان إسهام الطبيعة فيها قليل، فإن التربية هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحققها.

الدولة والتربية:

لا يمكن تصور أي برنامج تربوي ناجح يتم بواسطة الفرد أو الآباء دون إشراف الدولة. فالنظام التربوي يتطلب أحكاماً وقوانين تطبق على الكبار كما تطبق على الصغار، وهو يخضع في كل ذلك إلى جزاءات محددة ومناسبة. ومن ثم فإن تدخل الدولة مطلوب لنجاح أي برنامج تربوي.

والتربية الأسرية، والتربية الخاصة Private Education   مطلوبة في حالة عدم اهتمام الدولة بالتعليم. فإن الوالد أو الأسرة في تلك الحالة عليها أن تعلم طفلها بطريقة خاصة، والتربية الخاصة لها ميزة عن التعليم العام من حيث هي أكثر تكيفاً مع حاجات التلميذ الفرد. وفي دولة كهذه لا تهتم بشئون التربية، على الوالد نفسه أن يتعلم أولاً علم السياسة بالمعنى العام، والأخلاق، وفلسفة التربية قبل أن يخوض في مسألة تعليم ابنه عن طريق إشراف الدولة على التربية والمدارس، يمكن نقل العاملين بين مجالات الزراعة والتجارة والصناعة. وعلى المواطنين أن يتعلموا ضرورة إطاعة القوانين وأن يكونوا وحدة اجتماعية Social Unity  ولم يتم ذلك بدون إشراف الدولة على التعليم.

طرق التدريس:

رأينا كيف أن أرسطو يعتقد في أن التربية ضرورة، وما الاتجاهات التي يجب أن تؤكد عليها. وقد ميز أرسطو بين طريقتين هما: طريقة الممارسة Practice وطريقة التعليم اللفظي Verbal Instruction وهو يرى أن اكتساب بعض الفضائل يعود ولو في قدر ضئيل منه على تكرار وممارسة الفعل أي ما يسمى التعليم بالعمل  Learning by doing كما نرى عند ديوي Dewey  وعنده أن الفضائل العقلية يتم تكوينها وتنمو بواسطة التعلم، ومن ثم فهي تتطلب خبرة ووقتاً، بينما الفضائل الخلقية وهي نتاج الممارسة والتكرار والتعود ويسهم التدريس فيها بقدر ضئيل.

التربية الخلقية:

التربية الخلقية Moral Education لها مظهران: الأول وهو تحصيل أو اكتساب الفضائل العقلية Intellectual Excellence وما يتضمنه من القدرة على رؤية ما يجب فعله، والثاني هو اكتساب الفضائل الخلقية Mortal Excellence وما يتضمنه من اتجاهات نحو اختيار الوسيلة أو الصواب كما تم تحديدها بالحكمة العملية Practical Wisdom والحكمة العملية تتعلم وتكتسب بواسطة التعليم Instruction أو الطريقة المباشرة كما تسمى، أما الفضائل الخلقية Moral Virtue فتكتسب بواسطة التعود والممارسة والتكرار Practice – Habituation أو الطريقة غير المباشرة.

ويفرق أرسطو بين نوعين من العقل: العقل العملي Practical Mind وهو الذي يتعامل مع السلوك والأخلاق والعقل النظري Theoretical mind الذي يتعامل مع الأفكار والمفاهيم.

والممارسة كما يرى أرسطو يجب أن تسبق التعلم اللفظي فيما يتعلق بالتدريب الخلقي. فإننا نفترض أن أنماطاً معينة من السلوك موجودة في الآباء والمدرسين وأن القوانين التشريعية تتضمن قواعد محددة في العقل تعمل على تحقيقها باستخدام أساليب المدح والذم والثواب والعقاب. ويرى أرسطو أن برنامجاً للتربية الخلقية يجب أن يتدرج بالطفل ليعلمه تشكيل وفعل ما هو صواب، وتجنب فعل ما هو خطأ، يغرس فيه حب الأولى، وعدم الرغبة في فعل الثانية، وتلك مقدمات لا غنى عنها في رأي أرسطو للنمو الخلقي.

النظام التربوي عند أرسطو:

بدأ أرسطو بذكر بعض القواعد التي يجب أن تتبع قبل إتمام الزواج قائلاً أن التشريعات يجب أن تضع في اعتبارها خلق أفضل العناصر، وينقسم النظام التربوي عنده إلى خمسة أقسام أو مراحل هي:

أ- مرحلة الطفولة:

وهدفها الأساسي موجه نحو النمو الجسمي والصحي وعلى المشرفين على الأطفال تدريبهم على الحركات البدنية البسيطة وألا يدخروا وسعاً في استخدام الطرق التي تفيد في حفظ البدن بطريقة مناسبة.

ب- المرحلة الثانية:

مكملة للأولى وتستمر حتى سن الخامسة، وفي تلك المرحلة لا يزال الاهتمام بالنمو الحركي والجسمي والمناشط التي تفيد في ذلك بعيداً عن الدروس أو أي متطلبات أخرى من الطفل، وتلعب تلك المرحلة دوراً تمهيدياً للمرحلة التي تليها.

ج- المرحلة الثالثة:

وتستمر من الخامسة إلى السابقة، وهي تهتم بالمناشط التي كانت موجودة بالمراحل السابقة من حيث النمو الجسمي بالإضافة إلى تعريض الأطفال لملاحظة الآخرين في الدروس التي يتلقونها والتي سوف يقومون هم أنفسهم بتعليمها في مرحلة قادمة. وهم يتعلمون ذلك بطريقة الملاحظة Watching.

د- المرحلتين الرابعة والخامسة:

وتستمر من سن السابعة حتى سن الواحدة والعشرين، وأثناء تلك المرحلتين فإن الأطفال يتعرضون لتربية عامة مع ضرورة وجود نوع من التدريب وفي السنوات الثلاث الأولى تركز الدراسة على دراسات أكاديمية، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة جادة من التربية البدنية والتدريب العسكري حتى سن الواحدة والعشرين.

وأغلب الظن أن ثمة مرحلة سادسة، هي مرحلة عليا من التربية تتم فيها دراسة العلوم الطبيعية، والرياضيات، والمنطق، الميتافيزيقا، والأخلاق، والسياسة.

المنهج:

حدد أرسطو أربعة مواد أساسية يتشكل منها المنهج الخاص بتربية المواطنين، وتلك الموضوعات هي القراءة والكتابة، التربية البدنية للرقي بصحة الطفل العامة، والموسيقى لتنبيه شخصيته وروحه، والرسم الذي يساعد الطفل على تشكيل أو تكوين أحكام صحيحة على الموضوعات الفنية المختلفة، والرياضيات مهمة ولكنها موجودة خارج المنهج وبالنسبة لغير المواطنين فإن الاهتمام موجه للتربية الخلقية، والتربية المهنية التي تساعدهم على القيام بمهامهم كأرباب حرف، أو ربات بيوت أو عبيد.

بعض المبادئ العامة للتربية:

يرى أرسطو أنه في الإمكان صياغة عدد من المبادئ تستخدم كمرشد للمربين والمشرفين وهي:

1-   نوع التربية يجب أن يختلف بالنسبة للمواطنين وغير المواطنين من حيث أن قدراتهم ووظائفهم مختلفة، وبقدر المستطاع فإن التربية المقدمة للمواطنين يجب أن تكون تربية عامة بينهما وأن تربية غير المواطنين يجب أن تكون مهنية، وبمعنى آخر فإن الأولى تهدف إلى تكوين فضائل الرجل الخيرـ، والثانية تهدف إلى إعداد غير المواطنين لمهنهم وأعمالهم.

2-   يجب على النظام التربوي تدريب المواطنين على الطاعة وإعدادهم للحكم، كما يجب إعدادهم لقضاء وقت الفراغ الذي لا ينظر إليه على أنه وقت شائع مملوء بالتسلية والترويح، بل هو الوقت المملوء بالنشاط العقلي المتسم بالفضيلة ومن هنا فإنه يجب تزويدهم بالمعلومات والقدرات والمهارات المطلوبة للعمل بأنواعه من خلقي وعسكري وسياسي.

3-   يجب أن يتسلح المواطنون بالاتجاهات والمهارات المطلوبة للحرب، ولما كانت الحرب ليست لغرض العدوان بل بالعكس لغرض السلام فلابد من تسليحهم للسلام. وقد أعتقد أرسطو أن أسبرطة Asparta قد أخطأت عندما أعدت أبناءها فقط للحرب وللإمبراطورية، فإن عدم الاستعداد للسلام يكون مناسباً فقط في حالة الحرب، أما عندما يتحقق لها ما تريد فإن أفرادها سوف لا يجدون ما يفعلونه. فمن الخطأ النظر إلى "الفضيلة الخاصة بالشجاعة العسكرية" على اعتبار أنها الوحيدة من بين الفضائل الجديرة بالاهتمام.

4-   يجب أن تراعي التربية حقيقة أن الأقل يخدم الأعلى بمعنى الاهتمام بالجسم لغرض الروح، والجزء غير العقلي من الإنسان في سبيل الجزء الروحي منه، والذكاء العملي في سبيل النظري وهكذا.

5-       أن تربية الجسم تسبق تربية الروح.

6-       العقل والجسم يجب أن يوضعا للعمل في وقت واحد حيث أن نتائجها متعارضة.

7-       طريقة التدريس الممارسة، والتعلم اللفظي يجب أن يستخدما، وأن يتكاملا مع ضرورة الاهتمام بأن تسبق الأولى الثانية.

 

المراجع

1-         Morris, V.C & Pai, Y. (1976). Philosophy and the American school: An introduction to the Philosophy of education. Boston. Houghton Mifflin Company. P.50.

2-         Reisner, E. H. (1942). “Philosophy and science in the Western World: A historical overview”. In: Philosophies of education forty- first year book of the national society for the study of education., ed. N.B Hennery, Part 1 Chicago: the society. P.12.

3-         Jones, W.T. (1975): A history of western philosophy: the twentieth century to Wittgenstein and Santer. New York: Harcourt Brace Jovanovich, Inc. P. 104.

4-         Jones, W.T. (1969). A history of western philosophy: hobbles to home. New York: Harcourt Brace Jovanovich, Inc. P. 104.

5-         Wild, J. (1984). Introduction to realistic philosophy. New York: Harper. As quoted in Morris & Pai. Op. Cit, P.273.

6-         Morri, V.C Pai, Y (1976), Op. Cit, PP.53-54. 

7-         Broudy, H. (1954). Building a philosophy of education. Englewood Cliffs, N.J. Prentice- Hall, P.405. as quoted in Morris ris & Pai, Op. Cit. PP. 275-75.

8-         Frankena, W.K. Three historical philosophies of education. Chicago: soot, Foreman and company. P.17.

9-         Uich, R. (1986). History of educational thought. New York: American Blood Company, P. 25.

10-    Ulich, R. (1968), Op, Citm P.32.

11-    Frankena, W.K. (1965), Op. Citm P.58.

12-  عبد الحي محمد قابيل: المذاهب الأخلاقية في الإسلام، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984م.

13-  فيصل بدير عون: الفلسفة الإسلامية في المشرق، القاهرة، مكتبة الحرية الحديثة، 1982م. 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الفلسفة البراجماتية

مقدمة:

نشأت الفلسفة البراجماتية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد كان للظروف المجتمعية التي سادت المجتمع الأمريكي في بدايات الهجرات الخارجية إلى أمريكا عقب اكتشافها أثر كبير في تكوين المبادئ الرئيسة للفلسفة البراجماتية؛ لذا فإن هذه الفلسفة أصبحت تعبيراً صادقاً عن المجتمع الأمريكي للاتصال الوثيق بظروف المجتمع من ناحية، ولانبثاق المبادئ المشار إليها من تلك الظروف المجتمعية التي سادت المجتمع في أعقاب الهجرات الأولى بعد اكتشافه من ناحية أخرى.

  ولقد كان أغلب المهاجرين الأوائل إلى أمريكا باعتبارها عالماً جديداً من هؤلاء الذين كانوا يبحثون عن مجتمع ينقلهم من ظروفهم الحياتية ببلادهم الأصلية، والتي كانوا يعانون فيها من نير الرأسمالية والإقطاع، وما تمخض عنهما من طبقية مغلقة إلى ظروف أفضل، خاصة وأن هؤلاء كانوا من الطبقة الوسطى التي تحمل طموحات للحراك الاجتماعي، إلا أن ظروفهم المجتمعية لم تيسر لهم سبل ذلك الحراك، كما كان البعض منهم يبحث عن العيش في ظل حرية كاملة خاصة في مجال العبادة، بديلاً عن الاضطهاد الديني الذي كانوا يعيشون فيه ببلادهم الأصلية، وثمة فريق ثالث تشكل من هؤلاء الرأسماليين الذين يسعون إلى استثمار أكبر لرؤوس أموالهم عبر هذا العالم الجديد، ولقد ساهم كل من هذه الفئات في صياغة الفكر والواقع الأمريكي.

ولقد ورثت الأجيال المتعاقبة من المهاجرين عن الرواد الأوائل ممن سبقوهم الجرأة والإقدام، والاعتماد على النفس، والرغبة في الكشف والمغامرة، واستخدام العقل البشري في تسخير الطبيعة، واحترام العمل اليدوي في كسب المعاش، والاعتماد على النجاح المادي الملموس كمعيار للحكم على صحة السبل المتبعة، وهذه الصفة الأخيرة تعد جوهر الفلسفة البراجماتية.

والبراجماتية Pragmatism مصطلح فلسفي يعني لغوياً ما هو عملي، كما يستخدم المفهوم – البراجماتية- ليصف كل النظريات أو الممارسات التي تؤكد على النتائج والغايات وما يعود منها من نفع، وذلك من خلال تجريبها وإعمالها في الواقع الحياتي، ولقد صيغت مترادفات عدة للمفهوم، كان من أهمها النفعية أو الذرائعية، وذلك من جراء تأكيد هذه الفلسفة على أن صدق الأفكار رهن بما تجلبه من نفع جراء استخدامها، أو ما تؤدي له من ذرائع (فوائد)، كما أطلق البعض عليها الوسيلة أو الأداتية، وذلك باعتبار أن الوسيلة أو الأداة تكون ظروفاً منطقية للمدركات العقلية والأحكام والاستنباطات المرتبطة بها، بحيث يساعد ذلك في الوصول إلى الغايات والأهداف المنشودة.

وتجدر الإشارة إلى أن البراجماتية رغم نشأتها بالمجتمع الأمريكي لم تكن هي الفلسفة الحاكمة فقط لهذا المجتمع عبر تاريخه، بل إن هناك فلسفات أخرى حاولت ونجحت ولو نجاحاً نسبياً في الذيوع والانتشار والتأثير الفكري بالمجتمع، ففي القرن التاسع عشر ذاع وانتشر الفكر الفلسفي المثالي على الساحة بالمجتمع الأمريكي، ولقد انتقل هذا الفكر مع بعض المهاجرين الأوربيين، وعلى وجه التحديد أولئك النازحين من ألمانيا، إذ أعجب بعض الشعراء والكتاب الأمريكيين بالفلسفة المثالية الألمانية، وكما قدم لها (كانط) و(هيجل)، الأمر الذي دفعهم إلى تبني فكرها من خلال ما يكتبون شعراً ونثراً، وذلك من خلال شروحهم وتعليقاتهم وتلخيصاتهم، بل إنه في أواخر القرن التاسع عشر انضم بعض من المتخصصين في الدراسات الفلسفية لهؤلاء الشعراء والكتاب، وكان بعض منهم أساتذة بالجامعات مثل (جوزيارويس وغيره) مما عزز من هذا الاتجاه المثالي وقواه.

ولقد كان من العسير على الفكر الفلسفي المثالي أن يظل على قوته وتأثيره في ظل ظروف مجتمعية تقوم على دوافع وطموحات تمقت الطبقية، وتنشد التحرر من سيادة طبقة ما على أخرى بحكم مزاعم أنه تغلب عليهم قوى معينة – عاقلة أو غضبية أو شهوانية كما قالت المثالية -، وتنمطهم تبعاً لها في فئة معينة لا يستطيعون منها فكاكاً، كما أن الثورة الصناعية وما واكبها من مكتشفات علمية كقوة البخار فالكهرباء وغيرها مما مهد إلى حتمية التغيير في كثير من جوانب الحياة وظروفها، بل إن ذلك قد عزز الفلسفة البراجماتية التي هي أقرب إلى روح العصر وما يتسم به من منهج علمي، في حين أضعف من التيار الفلسفي المثالي، خاصة وأن الاعتماد على العلم في حل المشكلات الفردية – كالمشكلات الصحية التي تصيب بعض الأفراد- أو الجماعة كالتغلب على المجاعات والبطالة وغيرها قد أصبح ضرورة لازمة، بل إن الكثيرين أقبلوا على تلك الدراسات العلمية المعملية، وذلك لمحاولة إيجاد صيغ أكثر نفعاً لأعمالهم الحياتية، هذا فضلاً عن الاطمئنان لنتائجها تجريبياً، بحكم إخضاعها للدراسة والتجريب.

وعلى الرغم من سيادة الفلسفة البراجماتية وتراجع الفكر الفلسفي المثالي، إلا أن تأثير الفكر المثالي ظل مؤثراً بعض الشئ على نظيره البراجماتي، فعلى سبيل المثال فلقد عرف بيرس باعتباره واحداً من الرواد الأوائل للفكر البراجماتي كلمة Pragmatism والتي تعني براجماتية في إطار ما درس من فكر مثالي للفيلسوف المثالي (كانط).

وتعد الفلسفة البراجماتية من أكثر الفلسفات التي اقتربت – كفلسفة – من العلم، فبعد أن كانت الفلسفة وما تتطلبه من تفكير يعتمد على التأمل والتجريد ومعالجة القضايا الكبرى، ظهرت الفلسفة البراجماتية برؤيتها إلى ضرورة التوجه نحو الفعل أو العمل، والتفكير في القضايا الفلسفية في إطار علمي وبمنهج تجريبي، وأنه على الفلسفة كي تخرج مما وضعت نفسها فيه من الدوران في حلقة مفرغة، أن تأخذ بمقومات التفكير العلمي ومبادئه، وما يقوم عليه من ملاحظة وتجريب وخبرة، وخاصة أنه لا تعارض بين الفلسفة والعلم، حيث يبدأ كل منهم من حيث انتهى الآخر، بل أصبحت الفلسفة علوماً أكاديمية بالجامعات والمعاهد العلمية. كما أصبح لكل علم فلسفته وغاياته البعيدة التي يعمل على تحقيقها، أو بتعبير آخر أصبح لكل علم فلسفته الخاصة.

وقد عزز من عملية محاولة اقتراب البراجماتية بالفلسفة من العلم، أن كثيراً من رواد الفلسفة البراجماتية – وبحكم اهتماماتهم العلمية – قد حاولوا مزاوجة ما هو عملي انطلاقاً من تشبع عقليتهم بما هو تجريبي معملي وما هو فلسفي نظري، وذلك امتداداً لدراساتهم المنطقية، واهتماماتهم بالتفكير وطرائقه وما يعصمه من الشطط أو الخطأ، وما يضمن له السير في طريق الصواب، كما أن الكثير منهم رأى أن المعنى المجرد أو المدلول العقلي للمفاهيم لا قيمة له إن لم يكن له تأثيره المقصود في واقع الحياة، وبذلك ارتبطت تلك المفاهيم المجردة بالتجربة، خاصة وأن المفهوم من هذا المنطلق إن لم يكن ناجماً عن تجربة أو مفسراً لها، فلا يمكن أن يكون له تأثيره المباشر في واقع الحياة.

إن البراجماتية باقترابها من العلم ومنهجه تأثرت بالمنهج العلمي كما أثرت فيه، فعلى سبيل المثال لم تقف البراجماتية من مبدأ الحتمية كأحد مبادئ التفكير المنهجي العلمي وقفة الكثيرين حتى من رجال العلم، حيث يربط هذا المبدأ بين العلة ومعلولها، بحيث إذا ما وجدت العلة وجد معلولها، أو بتعبير آخر إذا ما وجدت الأسباب فإنها تفضي إلى نفس النتائج، إلا أن البراجماتية أقرت بأنه لا توجد حتمية مطلقة، فعلى سبيل المثال لا يؤدي وجود السحب فقط إلى هطول المطر، وإنما لابد من توفر جملة من الشروط والعوامل الأخرى كي تؤدي الأسباب إلى النتائج، وإذا ما أمكن التحكم في هذه العوامل أمكن توجيه النتائج وجهة معينة، وبالتالي فقد حلت نظرية الاحتمالات محل الحتمية، كما سعى الإنسان إلى زيادة مقدرته على التحكم في هذه العوامل بما يمكنه السيطرة على النتائج بحيث تكون في صالحه، مؤدية إلى نفع له، أو دافعة عنه الشر، وبالتالي ظل الإنسان في تفاعل مستمر مع ما يواجه من ظواهر أو يصادف من مشكلات.

وفيما يلي عرض لأهم المسلمات التي تقوم عليها الفلسفة البراجماتية يليه وجهة نظر تلك الفلسفة في المباحث الرئيسة للفلسفة، وأخيراً أهم التضمينات التربوية لتلك الفلسفة.

أولاً: أهم المسلمات الأساسية للفلسفة البراجماتية:

     يمكن تلخيص أهم المسلمات الأساسية للبراجماتية فيما يلي:

أ- محك الفكرة الصحيحة أو معيار الحكم الصادق عليها هو المنفعة الناجمة عن إعمالها:

    إن الحكم على صدق الفكرة أو صحتها، سواء كانت هذه الفكرة تتعلق بمفهوم معين أو مبدأ محدد أو نظرية ما من النظريات، يرتبط بقدر النفع أو القيمة الفورية الناجمة عن هذه الفكرة، ويظل هذا الصدق قائماً ما لم يعترضه معترض مما يدخل في حيز التعامل مع هذه الفكرة من مفاهيم أو مبادئ أو نظريات، وما دامت الفكرة قائمة على هذه المفاهيم والمبادئ والنظريات التي لم يعترض عليها أحد، فينبغي أن نسلك على أساسها لنحقق من جرائها ما ننشد من نتائج.

        ويرتبط صدق الفكرة في جانب منه بما تحقق من رضا أو قبول شأن ارتباطها بالمنفعة، فإذا ما حققت فكرة ما نوعاً من الرضا أو القبول، فإنها تكون صادقة، وذلك دون اعتبار للواقع الذي ترتبط به ومطابقته له، مادامت هذه الفكرة تحقق نفعاً مادياً، وتحوز قبولاً ورضا من خلال ما تسفر عنه من نتائج حال تجريبها في المواقف المختلفة.

        إن ربط الصدق بالنفع المادي من ناحية وربطه بالتجربة من ناحية أخرى، يؤدي إلى أنه لا يوجد صدق مطلق للأفكار، فهل التعامل النقدي من خلال الفوائد يحقق للفرد منفعة سواء كان قارضاً أو مقترضاً في جميع الأحوال؟ وهل المقامرة والتي يكون فيها طرف ما كاسبا وآخر خاسراً في ذات الوقت تعد فكرة صادقة للطرفين؟

        وصدق الفكرة ليس صفة عينية موجودة في الفكرة، وبذا تكون صادقة على الدوام، بل هو كامن في قابلية الفكرة نفسها لتكون أداة سلوك عملي نافع وملموس، أو على الأقل بمدى ما تفضي إليه هذه الفكرة من أفكار أخرى تحقق شرط المنفعة وقابلية التجريب.

ب- من الضروري تطبيق منهج البحث العلمي على كافة مجالات التفكير وما ترتبط به من جوانب حياتية:

        تنادي البراجماتية بضرورة تطبيق المنهج العلمي وما يلزمه من تفكير في كافة مجالات الحياة، وأن هذا التطبيق للمنهج العلمي لا ينبغي قصره على مجموعة من الأفراد بالمجتمع يتعاملون مع جملة من الظواهر المحكومة بحدود معاملهم وأجهزتهم والمتضمنة فيما يمارسون من بحوث أساسية، وقد يختلف الوضع كثيراً عندما تخرج هذه الظواهر من نطاق الحيز المكاني المعملي إلى واقع الحياة المعيشة، بل يجب أن يكون التفكير العلمي فلسفة حياة لجميع أفراد المجتمع حال معالجة ما يواجههم من مشكلات، أو ما يعن لهم من قضايا.

        ويرى البراجماتيون أن إخضاع كافة القضايا الحياتية للبحث العلمي من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الارتقاء بهذه الجوانب، إذ يؤدي ذلك إلى جملة من الابتكارات والاكتشافات التي يمكن توظيفها لتحسين الظروف الراهنة والمتعلقة بها، خاصة وأن الأفكار الإنسانية غالباً ما تكون قاصرة أو يعوزها بعض من الدقة، وبالتالي فهي تحتاج إلى التمحيص والتدقيق من خلال البحث، بهدف معالجة ما بها من قصور واستكمال ما ينقضها ويعوزها.

        وتؤمن البراجماتية بأن إخضاع كافة مجالات الحياة للمنهج العلمي أمر مستمر، خاصة في ظل التغير السريع الذي ينتاب المجتمع، والذي ينعكس بالضرورة على كافة جوانب المجتمع من قضايا ومشكلات، وبالتالي قد يؤدي إلى ظهور بعض المشكلات الجديدة، والتي تنجم من أن كثيراً من الأمور لا تسير وفق ما هو متوقع لها من جراء تغير الظروف البيئية المحيطية، وبالتالي يصبح الواقع مخالفاً لما هو متوقع، الأمر الذي يؤدي بالفرد إلى حالة من الشك فيما كان يعتقد، إذ أن الواقع العملي الحياتي باعد بين هذا المتوقع وما وقع بالفعل، ولما كانت حالة الشك هذه قد تستمر ويطول مداها، الأمر الذي يشعر الفرد بعدم الارتياح، والشعور بشئ من القلق والتوتر؛ لذا كان على الإنسان ضرورة العمل على إزالة هذا التوتر أو التخفيف من حدته إلى الدرجة المقبولة، وذلك من خلال التفكير العلمي وما يستلزمه من ملاحظة أو تجريب، خاصة وأنه قد يقدم للفرد تفسيراً مقبولاً أو حلولاً تنقله من نطاق الشك إلى اليقين في صدد موضوع الشك.

        وتعتقد البراجماتية في أن الاتفاق الذي يحدث بين العلماء، وذلك في جانب ما يعالجون من قضايا،ـ مرده أن هؤلاء العلماء يتعاملون مع أفكارهم ومفاهيمهم ونظرياتهم ومن خلال حواسهم بالملاحظة والتجريب، الأمر الذي يدفعهم إلى الاتفاق حول ما يلاحظون، وكذا إعادة تلك المواقف مرة أخرى إذا ما دعت الضرورة لذلك، خاصة إذا ما حدث ثمة خلاف حول القضايا المتعلقة بهذه المواقف، وأنه على الفلاسفة أن يتحرروا قدر استطاعتهم من القوالب المجردة في التفكير والصور العقلية لها، والاستدلال الماضي علي هذه القوالب، وذلك بهدف تحقيق المزيد من الاتفاق فيما بينهم، وتوفير الجهد المبذول فيما قد يوجد من مداولات وسفسطة في جانب بعض القضايا الفكرية.

        ويحاول البعض التشكيك في هذه المسلمة لكونها قد تجعل من الإنسان فأر تجارب، وأن هناك كثيراً من الاعتبارات الأخلاقية تجعل من التجريب في بعض القضايا أمراً مرفوضاً، إلا أن هذا التشكيك غير صحيح بالكلية أو في مجملة، خاصة وأن العلم والتفكير العلمي هما وسيلتا الإنسان في النظر إلى نفسه وتحقيق الإيمان بمظاهر الكون، وقدرته على الإفادة من عناصره في تحقيق الخير والأمن لنفسه ولغيره، فلا يوجد تناقض بين ذلك والأخلاق، أو بين القانون الأخلاقي والمنهج العلمي، أو بين الدين والعلم، وعملاً بالمقولة التي تقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله فإن القبول بالبحث والمنهج العلمي في إطار أخلاقي يعد أمراً لازماً.

ج- النظرية ما هي إلا فرض تثبت مواقف الحياة صحته:

        إن النظريات من وجهة نظر البراجماتية إنما هي فروض للعمل، ويختبر مدى صحتها بما ينتج عنها في المواقف الفعلية في الحياة، وبالتالي يصبح العمل وسيلة أو معياراً لتقويم هذه النظريات، وقد قدمت فلسفة العلم اتجاهين فيما يتعلق بالفرض والنظرية وما يربط بينهما من إجراءات مادية، وكان الاتجاه الأول وهو السابق في النشأة أن تبدأ النظرية بالملاحظة، أي بالاستقراء التقليدي الذي يكتنف الجزئيات ليصل إلى ما بينها من قواسم مشتركة من ناحية، ومن مفارقات من ناحية أخرى، ثم محاولة تقديم تعميمات خاصة بها، وتفسيرات وتأويلات في شأنها، وثانيهما أن تبدأ النظريات بالفروض باعتبارها حلولاً مقترحة لتفسير الظواهر وحل المشكلات، أو كتخمين ذكي لتفسير موقف مشكل، ثم الانتقال إلى اختبار صحة هذه الفروض من خلال تجريبها في واقعها العملي، فإذا ما صدقت في كل المواقف المتطابقة أو المتشابهة، أصبحت مقبولة، وإلا أصبحت غير مقبولة، مما يدفع إلى محاولة وضع بدائل لها، وعند التثبت من بعض الفروض المتعلقة بظاهرة معينة، يتم صياغتها في بناء منطقي هو النظرية التي تتعلق بهذه الظاهرة.

        والسعي إلى الوصول لنظريات شغل بال الكثيرين من رواد الفلسفة البراجماتية، فلقد قدم بيرس نظرية في المنهج العلمي تعد من أهم نظريات القرن العشرين، الأمر الذي يدل على أن النظرية كانت هدفاً من أهدافه، وعملاً مرغوباً يطمح في تحقيقه، كما سعى وليم جيمس إلى تقديم مدخل قوي للتجريبية، كبديل عن التفسير المجرد العقلي للظواهر، حيث إن الأخير –التفكير المجرد العقلي- فقط لا يكفي للوصول إلى نظرية، وأنه لابد من الانتباه إلى أهمية التفاعل والتواصل بين ما هو عقلي وبين ما هو واقعي من خلال التجريب لذلك العقلي في الواقع الحياتي بهدف الوصول إلى مصداقيته.

د- القيم نسبية وليس ثمة قيم مطلقة:

        تحتل القيم مكانة بارزة في الفلسفة؛ إذ تعد واحداً من أهم مباحثها، كما تحتل مكانة هامة في الفلسفات التربوية، وذلك لكونها موجهات سلوكية، وتختلف النظرة إلى ماهية القيم من فلسفة لأخرى، وترى البراجماتية أن الأشياء والأعمال تستمد قيمها من النتائج المترتبة عليها والمتولدة عنها، فكل ما يؤدي إلى أو ينجم عنه نتائج مرغوبة فهو خير، وأن ما يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة فهو شر، وبالتالي تعد نتائج الأشياء معياراً لقيمتها من ناحية، كما أن الشعور والارتياح لشئ ما يعد معياراً آخر يدل على أن هذا الشئ ذو قيمة من ناحية أخرى.

        وإذا كان الشعور بالرضا والارتياح لشئ ما يدل على أنه ذو قيمة، إلا أن هذا ليس بمطلق، فليس كل شعور مصحوب بالارتياح والرضا لإشباع رغبة ما يكون في ذاته قيمة، وبالتالي فلا يجب أن تخضع كل النزعات والميول أيا كانت للحكم بقيمتها والعمل على تبنيها، كما يجب أن لا تساير التربية كل ميل عارض يظهره المتعلم، بل إن الميول والنزعات ذاتها يجب أن تخضع للمعيار التجريبي، وذلك للحكم عليها على أساس النشاط والأثر الذي تقضي إليه في خبرة كل من الأفراد والجماعات، فالنزعات التي لا تنتج إلا نشاطاً يجلب ارتياحاً وقتياً عارضاً لفرد ما، مع أنه يفضي إلى متاعب للآخرين في ذات الوقت غير جدير’ بالتبني والعمل على تحقيقها، وكذلك الرغبات التي يعوق تحقيقها رغبات أثبت منها وأبعد أثراً في حياة الفرد أو الجماعات.

 

ثانياً: البراجماتية وأهم المباحث الفلسفية:

        كان للفلسفة البرجماتية رأي في المباحث الفلسفية العامة كالميتافيزيقيا والمعرفة والقيم والجمال، وفيما يلي عرض لأهم هذه المباحث:

1- الميتافيزيقا والبراجماتية:

        تعتقد البراجماتية في أنه لا يمكن معرفة شئ ما إلا من خلال مدركات حواسنا وخبرتنا الحسية بهذا الشئ، ويقول البراجماتيون بأن العالم ليس متوقفاً على فكرة الإنسان عنه، كما أنه غير مستقل عن ذلك الإنسان باعتباره الذات المدركة لهذا العالم، فالواقع ينتهي إلى التفاعل بين الكائن الحي وبيئته، فهو حصيلة ما يخبره الإنسان عن ذلك العالم، وعملية تفاعل الكائن الحي مع بيئته رغم أنها تتضمن قدراً من المعاناة، إلا أنها تعد أمراً مرغوباً خاصة عندما ينجم عنها تأثير للكائن الحي في بيئته وبما يؤدي إلى تغيير هذه البيئة، الأمر الذي يقود ويدفع الإنسان على جملة من الاستجابات والتفاعلات مع بيئته الجديدة –البيئة بعد أن أصابها شئ من التغير- وذلك بهدف محاولة التكيف مع النتائج التي أدت لها التغييرات الجديدة، هذا بالإضافة إلى تسخير هذه البيئة الجديدة لخدمة الإنسان والعمل على جلب مزيد من الفوائد والميسرات الحياتية، وعملية التكيف هذه تستلزم من الكائن الحي ذكاء وتفكيراً ونشاطاً بصورة مستمرة، وهذه العملية تؤدي بدورها إلى مزيد من الخبرة والتراكم الخبراتي من جانب، كما تؤدي إلى مزيد من النجاح جراء الإحساس بالنتائج الإيجابية التي تعود على الفرد نتيجة نشاطه من جانب آخر.

        وتؤمن البراجماتية بأن التغير سمة أصيلة في الواقع المعاش، وعلى الإنسان أن يكون – ومن خلال مرونته- مستعداً بصورة دائمة ومتأهلاً لتغيير طرقه وأساليبه التي يتبعها حاضراً، بل ينبغي عليه من حين لآخر أن يراجع هذه الطرق والوسائل، وذلك بهدف العمل على تغييرها لتحقيق المزيد من الإنجازات في مجال عمله؛ لذا فإن البراجماتية ترى أن الطبيعة الإنسانية مرنة في أساها، قابلة للتغير وباستمرار، كما أن الإنسان مشغول دوماً بإعادة بناء خبراته الخاصة وتعديلها، وإذا لم يسع الإنسان لذلك، تخلف عن بيئته ومجتمعه، بل وأصابته أزمة المصير، أو ما يعرف بالتدهور في منتصف العمر.

2- الأبستمولوجيا البراجماتية:

        ظلت المعرفة من وجهة نظر الكثيرين ممن اعتقدوا في الفلسفات السابقة على البراجماتية مقرونة بالفكر الخالص الذي يجب أن يقدمها، والفكر الخالص يعني البعيد عن التجارب المادية والخبرة العملية؛ إذ أن التجارب المادية والخبرة العملية تستوجب إعمال الحواس وتدخلها، وهذا الأمر من وجهة نظرهم يعيب المعرفة، إذ يلحق بها بعضاً من جوانب القصور التي ترجع إلى قصور الحواس ذاتها، وهم يبرهنون على ذلك القصور من خلال أن الحواس قد تنقل شيئاً ما على أنه موجود رغم عدم وجوده، كحالة العين عندما تنقل السراب على أنه ماء وليس بماء، كما قد تعجز الحواس عن أن تنقل شيئاً ما رغم وجوده كالتيار الكهربي حال انسيابه في سلك، أو أن تنقل شيئاً على هيئة معينة مخالفاً لحقيقته، كأن تنقل ملعقة موضوعة في كوب ماء على أنها مكسورة عند سطع الماء (ظاهرة الانكسار الضوئي)، وذلك على الرغم من أنها سليمة، وبالتالي فأنهم يقررون أن المعرفة فطرية عقلية خالصة.

        ويختلف البراجماتيون عن سابقيهم في صدد المعرفة وصلاحية الحواس في اكتسابها، فيقررون أن الفكر بذاته فقط لا يمكن أن يقدم معرفة؛ لذا لا غنى عن الملاحظة أو التجريب أو الاثنين معاً، حيث إن المعرفة تتوقف على الذات المدركة، والشئ المدرك، والإدراك ذاته وهو حالة التفاعل والعملية الوسيطة بين الذات المدركة والشئ المدرك، وبالتالي فإن المعرفة عندهم مكتسبة ونابعة من التجربة ومن الخبرة.

        ويرى البراجماتيون أن استخدام التفكير العلمي في حل المشكلات التي تواجه الفرد، ونجاح التفكير في حلها يؤدي إلى إكساب المزيد من المعرفة وتفهم البيئة فهماً أفضل، أما نقل الحلول الجاهزة والصيغ المسبقة لقوالب معرفية معينة، دون توظيفها أو إعمالها في الواقع الحياتي، فهو أمر غير مرغوب وبذلك يجب على النظم أن تشجع على الاكتشاف والتجريب.

غرض التربية:

        تهدف التربية عند البراجماتيين إلى تدريب قدرات المتعلم بما يحقق فعاليتها في مواجهة المتطلبات التي تمليها مواقف الحياة العملية المتغيرة، ولما كان العالم الذي نعيش فيه يتطلب ذكاء متمرساً، كما يتطلب وضع الفكر باستمرار في موقف عمل، فإن مسئولية التربية أن تنمي في التلميذ المعرفة ليس لذاتها بل المعرفة المرتبطة بالخبرة Experience والمعرفة التي تساعد على حل المشكلات الواقعية التي تواجهه، ومن ثم فإن النظام التربوي يجب أن يهدف إلى تخريج شخص نشيط ومنتج وقادر على الإبداع والتكيف مع المواقف المتغيرة شخص قابل وقادر على التعلم لا شخص متعلم.

        وعن طريق تنظيم بيئة المدرسة التي يجب أن توصف بالخبرة، يعطي التلميذ الحرية في تجريب تطبيق الفكرة، حيث يحدث نوع من التفاعل بينه وبين تلك البيئة، فالإنسان لا يوجد ولا يعيش بمعزل عن غيره، بل هو محاط بالآخرين من نفس جنسه وبعالم من الأشياء والأحداث التي لا تعتبر جزءاً من ذاته فقط، بل –أيضاً- جزءاً من بيئته، فإن للبيئة المدرسية على الطفل تأثيراً حيوياً ومباشراً على البرنامج التعليمي الذي يتلقاه، ومن ثم كان لابد من تنوع البرامج من منطقة إلى أخرى.

        وبالطبع فإن صياغة أغراض التربية يلزمه أن نضع في اعتبارنا المسلمات الأساسية تجاه الطبيعة الإنسانية: كيف يسلك الإنسان؟ كيف يتعلم؟ كيف وتحت أي شروط يمكن أن يستفيد من تعلمه ... إلخ.

التلميذ والمدرس:

        تؤمن البراجماتية بالتعلم المتمركز حول المتعلم Iearning – Learner Centered  فالعملية التعليمية تبدأ بالكشف عن اهتمامات المتعلم وميوله، ومن الضروري في رأي البراجماتية تشجيع ومساعدة التلميذ على تحديد تلك الاهتمامات بدقة، ويتطلب هذا بالضرورة مهارة في تنظيم وعرض المعلومات، كما يتطلب درجة من الذكاء، ومن ثم تظهر الحاجة إلى تعلم مهارات القراءة والكتابة والسماع، ومهارات الاتصال، ومهارات تحليل المواقف.

        وبالإضافة إلى ما سبق، فإن التلميذ يمكن له أن يتعلم من خلال استخدامه لأفكاره أو كما يعبر عنه ديوي Learning Through-Use المتعلم –إذن- ليس سلبياً كما ينظر إليه من وجهة نظر فلسفات أخرى، بل هو يشارك بفعالية في عملية التعلم، فهو يبحث ويقرأ ويفكر ويجرب.

        والمدرس هو منظم عملية التعلم التي تتم في وسط الجماعة ومع كل فرد على حدة، وعندما يقوم المدرس بدوره هذا، فإنه يجب أن يفهم دوافع المتعلم، وطبيعة سلوكه، ومبادئ السلوك الإنساني، ونظرية التوازن العاطفي، وذلك قبل أن يقوم بتدريس الموضوع المراد مشاركة تلاميذه فيه، ويعبر ديوي عن ذلك بأنه عند إدارة فن التدريس، فإن المدرس يحتاج أن يضع اهتمامه الأساسي على اتجاهات واستجابات تلاميذه، بينما يحتل الموضوع الذي يقوم بتدريسه درجة أقل من الاهتمام.

        المدرس –إذن- يهتم بالتلاميذ كشخصيات فردية في تفاعلها مع عالمهم ولما كان هذا العالم هو عالم الخبرة World of experience فإن المدرس يشترك في منشط التعلم مع التلميذ، فيتعلم منه، وبذا يتعلم المدرس ويتعلم الطالب أثناء عملية تنفيذ المشروع، مما يشكل في رأي البراجماتيين نموذجاً مثالياً لمادة التدريس، المدرسون –إذن- جزء متكامل للعملية التعليمية، فهم لا يقفون كمؤسسة خارجية بين ذات التلميذ والذات المطلقة، أو بين الطبيعة والعقل، أو يقومون بتدريب العقل ذاته، بل هم شركاء في تنفيذ المشروعات الهادفة.

طبيعة المنهج وموضوعات الدراسة:

البراجماتية والمنهج الدراسي:

        لا تعني البراجماتية بالمنهج الدراسي محتوى كتاب يدرس يهتم بالمعارف النظرية، وإنما باعتباره مجموعة من الخبرات التي يمر بها المتعلم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها، ولقد دعت البراجماتية إلى الثورة على النظرة القديمة للمنهج الدارسي باعتباره موضوعات أكاديمية منظمة بطريقة منطقية معينة يراها المتخصصون (من البسيط على المركب ومن المحسوس إلى المجرد ومن الجزء إلى الكل ومن السهل إلى الصعب... وما إلى ذلك) وكان مبررهم في ذلك أن المتعلمين يواجهون بمواقف جديدة ومستمرة، وهذه المواقف تستوجب أهدافاً جديدة، وبالتالي محتوى وطرائق تدريس جديدة، حيث إن المعارف المألوفة القديمة لم تعد تكفي لمواجهة تلك المواقف الجديدة.

        ويرى البراجماتيون أنه ينبغي أن يتقدم المتعلم المنهج الدراسي، لا أن يتقدم المنهج المتعلم، لذا فإن التربية من وجهة نظرهم متمركزة حول المتعلم وما يحتاج من خبرات ليعيش في مجتمعه بفاعلية، والطريقة الوحيدة لذلك أن نهتم بحياة المتعلم الحاضرة، وذلك لتكون حياة نشطة، وحتى تتهيأ للمتعلمين الفرصة لمواجهة حياتهم وبما يتلاءم مع أعمارهم وإمكاناتهم.

        وينبغي على المنهج من وجهة نظر البراجماتية أن يساعد المتعلم على الابتكار، لا أن يعتمد على الحفظ والاستظهار من خلال التكرار والتلقين لجملة من المعارف قد لا يستخدمها في حياته، بل يجب أن يكون المنهج الحياة ذاتها وما تحوي من مشكلات تواجه المتعلمين ويعينهم على اكتساب مهارات حلها.

        المنهج Curriculum عند البراجماتيين يركز أساساً على ما هو عقلي Intellectual وعملي Practical ويعطيه معظم الاهتمام في مقابل ما هو أكاديمي Academic وهذا نتيجة طبيعة لاهتمامه باستخدام المعلومات وتطبيقها. ويؤكد المنهج بصفة عامة أهمية تعليم التلاميذ أساليب حل المشكلات بطريقة عملية، والإجراءات التي يمكن لهم استخدامها في ذلك مع ضرورة اختيار أنسب تلك الإجراءات التي تتفق مع ميول التلميذ وسنه وطبيعة المادة إلى آخر ذلك من مظاهر.

        أما فيما يتعلق بموضوعات المنهج، فيعطي الاهتمام بصفة عامة للقضايا المعاصرة والتي ترى لكل من التلميذ والمدرس أهميته من وجهة نظرها، ويتم مناقشة تلك القضايا بأسلوب حل المشكلات الفردي والجماعي ، ويستلزم ذلك بالضرورة تدريب التلاميذ على الفنون الثلاثة القراءة والكتابة والحساب، هذا بالإضافة إلى المنطق العملي، والطريقة العلمية، والعلوم الاجتماعية والسلوكية، والتاريخ، ومعظم العلوم الطبيعية والِإنسانيات.

طريقة التدريس وأسلوب التقويم:

        يقلل البراجماتيون من أهمية المحاضرات والتلقين، بحيث لا تستخدم إلا في أضيق نطاق، وذلك عندما يريد المدرس إكساب تلاميذه مهارة معينة تستلزم استخدام هذا الأسلوب، ويفضل البراجماتيون إلى أقصى درجة ممكنة نوع التعلم المتمركز حول التلميذ نفسه، مع ضرورة وضع التخطيط التربوي التعاوني بين المدرس والتلاميذ من خلال المشروعات Projects التي يقوم بها التلاميذ تحت إشراف المدرس، كما يؤكدون على ضرورة أن تكون البيئة المدرسية وإجراءات حجرات الدراسة مرنة وأكثر انفتاحاً وبعيداً عن الإجراءات التقليدية.

        أما فيما يتعلق بإجراءات التقويم Evaluation فهم يفضلون نوع التقويم الذي يعتمد على المظاهر الحقيقية للحياة، ويقللون من أهمية تقويم التلاميذ بالطرق التقليدية المتبعة لا سيما في النظم التربوية التقليدية، والتي تتخذ من الامتحانات التحريرية وسيلة لها، رغم قياسها لأدنى مستويات القدرات العقلية، وهي قدرة المعرفة وما تتضمن من حفظ واسترجاع.

 

بعض آراء جون ديوي التربوية:

        يعتبر ديوي من أكثر الفلاسفة التربويين عطاء، فقد كتب في الفلسفة وفي التربية مؤلفات متعددة منها على سبيل المثال كتاب "عقيدتي التربوية" My Pedagogic Greed  والمدرسة والمجتمع School and Society والطفل والمنهج The Child and the curriculum والخبرة والتربية Experience and Education والديمقراطية والتربية Democracy and Education والتربية اليوم Education Today.

        ولقد كان لديوي تأثير على التربية الحديثة في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان أكثر من أي مفكر أمريكي محدث.

        ولم تقوم بعض آراء ديوي في التربية لأن ذلك ليس مجاله هنا الآن، ولكن سنلقي الضوء على بعض آرائه والتي تفيدنا في فهم نظريته كأحد ممثلي المذهب البرجماتي.

ماهية التربية:

        يرى ديوي أن التربية تعتمد على مشاركة الفرد في الشعور الجماعي Social Consciousness للجنس البشري، وعنده أن التربية تبدأ حال الولادة، وأنها هي المسئولة عن تشكيل قوى الفرد، تغذي شعوره، وتشكل عاداته، وتستثير عواطفه وإحساساته، وتشكل وترتقى بأفكاره، وعن طريق التربية يرتقي الطفل شيئاً فشيئاً للمشاركة في الحياة الاجتماعية.

        وللعملية التربوية جانبان: الأول نفسي Psychological والآخر اجتماعي Sociological ولكل منهما نفس الأهمية، بحيث لا يعلو أحدهما على الآخر، غير أن الجانب النفسي بما يحويه من ميول التلميذ وقدراته واستعداداته يعد بمثابة مقدمة للتربية، ثم يأتني الجانب الاجتماعي الذي ينظر على تلك الخصائص من ناحية اجتماعية.

المدرسة كمؤسسة اجتماعية:

        لما كانت التربية عملية اجتماعية Social Process لا يمكن أن تنفصل عن الشخصية العامة للمجتمع، فإن المدرسة كمؤسسة اجتماعية يجب أن تركز على الأنشطة التي من شأنها تعليم الأطفال المشاركة في عملية تشكيل الغايات الاجتماعية وفي ميراث الجنس البشري، ومن ثم يقول ديوي: إن التربية هي عملية حياة Process of living  وليست إعداداً لحياة مستقبلية، وكلما شعر الطفل بأن المدرسة هي مؤسسة يمكن من خلالها أن يحقق نموه ومتطلبات تفاعله مع بيئته، كلما كان أكثر ارتباطاً بها وعطاء وإنتاجاً، والمدرسة –أيضاً- عملية حياة كما يقول ديوي لأننا عندما ننظر إلى الأخلاق، نجد أنها في النهاية جزء من ناتج الحياة المدرسية وليس شيئاً يقوم به المدرس فقط، فعندما تصبح المدرسة صورة المجتمع، فإن الطفل يجد نفسه في مواقف اجتماعية تدفعه وتشجعه بطريقة أكثر فعالية أكثر مما تدفعه الألفاظ المجردة.

        ويعزو ديوي فشل التربية في تحقيق أغراضها في وقته لإهمالها النظر إلى المدرسة على أنها صورة للحياة الاجتماعية، فتلك النظرة ترى أن المدرسة مجرد مكان تحشر فيه المعلومات في عقل الطفل، ويكتسب الطفل من خلال المدرسة دروساً وعادات على أنها مفيدة له في المستقبل، ومن هنا فإن الغرض مما تقوم به المدرسة بمعناها التقليدي هو إعداد الطفل لمرحلة أو لحياة أخرى، ومن ثم فهي لا تصبح جزءاً من تجربة الطفل وواقعه.

المدرس والتلميذ:

        يصدر ديوي في رأيه عن المدرس والتلميذ من الاعتقاد بمفهوم التربية المتمركز حول الطفل، فدور المدرس في المدرسة يتمثل في النصح والإرشاد وليس لفرض آراء معينة على الطفل أو تكوين عادات معينة قد تكون عادات المدرس نفسه، ولكن المدرس كعنصر في الجماعة يجب أن يعرف طبيعة الأطفال ويعمل على اكتشاف ميولهم، والفروق الفردية بينهم حتى يدرك المؤثرات التي قد تكون موضع تأثير على الطفل ويعاونه على التفاعل مع الاستجابة لتلك المثيرات، عمل المدرس باختصار وببساطة أن يقرر في ضوء ما له من خبرات طويلة ومتعددة كيف يتفاعل الطفل مع الحياة، ويجب أن نقيس على ذلك كل الأمور التي يرتبط فيها المدرس بالتلميذ كموضوع التقويم والتقديرات فيجب أن يكون ترفيع الأطفال ونقلهم من صف إلى آخر يعتمد على المبدأ المشار إليه نفسه فالامتحانات –على سبيل المثال- يجب أن تختبر صلاحية الطفل للحياة الاجتماعية.

مادة التربية:

        يرى ديوي ضرورة أن يكون كل ما يدرسه الطفل وما يقوم به من تدريب مرتبط بحياته الاجتماعية، فمادة التربية –إذن- يجب أن تتحدد بالنشاط الاجتماعي الخاص بالطفل وليس العكس فالدراسات والمواد التي لا ترتبط بالطفل ودوافعه لا يكون لها تأثير إيجابي على نموه.

        ولما كانت التربية هي عملية الحياة نفسها، فيجب أـن يتغير هدف ومحتوى المادة من الطريقة التقليدية إلى النظر إليها مرتبطة بحياة الطفل الاجتماعية فالتاريخ History -مثلا- إذا نظر إليه على أنه تاريخ لأحداث الماضي وكفى لا يكون له القيمة التربوية المطلوبة، فلابد أن يعرض لصور الحياة الاجتماعية وتطورها، في محاولة للوصول إلى جملة من المؤشرات التي يمكن أن تساعد في توجيه أحداث الحياة الحاضرة بما يحقق نفع الإنسان.

        ويرى ديوي أن كثيراً من الدراسات الأدبية ودراسات اللغة تفقد قوتها وأهميتها عندما تغفل الاهتمام بالعنصر الاجتماعي، ومن ثم يجب ألا ينظر إلى اللغة–مثلاً- على أنها مجرد تعبير عن الأفكار، بل يجب النظر إليها على أنها أداة اجتماعية... وهكذا.

 

 

طبيعة الطريقة:

        أكد ديوي على ضرورة دراسة نمو القوى المختلفة للطفل، واهتماماته، وإمكاناته، فيجب أن يكون واضحاً للمربي الاهتمام بجوانب النمو العضلي قبل جوانب النمو الحسي، وتعليم الطفل الحركات قبل تعليمه إحساسات الشعور، والاهتمام بالجوانب الحسية الجسمية قبل تغذية العقل وتنميته.

        ويرى ديوي أن النظم التقليدية تخطئ حين تفاجئ الطفل بمواد دراسية عقلية أكاديمية قبل أن تهيئ إحساساته وتهيئ لتلك الدراسة العقلية وتمهد لها.

خلاصة الفصل:

        البراجماتية من الفلسفات التقدمية المعاصرة، ولقد انبثق عنها الكثير من التيارات التربوية التقدمية، وينسب الكثير لها فضل تقدم كثير من المجتمعات الغربية، إذ نادت الفلسفة البرجماتية بضرورة تطبيق المنهج العلمي في كل وسائل الحياة وإخضاع جميع قضايا المجتمع للبحث العلمي.

        ولقد كان من أهم أعلام الفلسفة البراجماتية (جون ديوي)، والذي كانت لآرائه التربوية في الولايات المتحدة الأمريكية عظيم الأثر، وقد ألف ديوي كثيراً من الأعمال والمراجع العلمية كالمدرسة والمجتمع وعقيدتي التربوية، والتربية والديمقراطية، والخبرة والتربية، والتربية اليوم.

        وعلى الرغم مما تحاط به البراجماتية من أضواء باهرة، إلا أن ثمة قصوراً قد يؤدي إلى نتائج سلبية بالمجتمع بدلاً من تحقيق النفع التربوي، فالمغالاة في النتائج المادية كمحكات للحكم على قيم الأشياء، ودعوتها بنسبية القيم بطريقة مطلقة، وتحييدها لنسق الدين بالمجتمع وغيرها، مثالب لا تحمد للفلسفة البراجماتية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الفلسفة الوجودية

نشأتها:

تولدت الأفكار الرئيسة التي دارت حولها الفلسفة الوجودية (Existentialism) من خلال ما تعرض له الإنسان من أزمات وضغوط؛نتيجة لوجوده في عالم مهموم، عالم منغلق، فجاءت تلك الأفكار ثورة على هذا الانغلاق، ومن التأكيد على قدرة الإنسان التي لا تقهر على مقاومة العدم، وإعطائه معنى وتجاوزه.

        وقد عبر "سارتر" عن تلك الفكرة الجوهرية في هذا الشأن بقوله: "كان لابد أن يشعر جيلان بوجود أزمة في الإيمان، وأزمة في ميدان العلم؛ لكي يضع الإنسان يده على تلك الحرية الخلاقة التي كان "ديكارت" قد أودعها بين يدي الله وحده، ومن أجل أن يطمئن الناس أخيراً إلى تلك الحقيقة التي تعد الأساس الرئيس في كل نزعة إنسانية، وهي أنَّ الإنسان هو الوجود الذي يتوقف وجود العالم على ظهوره".

        ولقد جاءت الفلسفة الوجودية عاملة في اتجاه مضاد لأية حركات جماعية أو فلسفات تدعو إلى صب الناس في قوالب معينة من ناحية الاعتقاد والتفكير وأسلوب الحياة ونوع السلوك. وتعتبر أهم خاصية تميز هذا النمط من التفلسف، هي: أنه يبدأ من الإنسان ولا يبدأ من الطبيعة، إنه فلسفة للذات Subject أكثر منه فلسفة للموضوع Object، فالذات هي التي توجد أولاً، والذات التي يهتم بها الوجوديون ليست هي الذات المفكرة، بل هي الذات الفاعلة، الذات التي تكون مركز الشعور، الذات التي تدرك مباشرة في فعل الوجود المشخص.

        وبدأت الفلسفة الوجودية تأخذ مكانها في الفكر الأوربي بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وبخاصة في المجتمع الألماني والفرنسي، ومن أعلامها "مارتن هدجر" (1876- 1889)، و"جابرل مارسل" (1889-1973) و "بول سارتر" (1905-1980)، وأخذ تأثير هذه الفلسفة يتحرك نحو ميدان التربية في المجتمعات الغربية، حتى أصبحت من الفلسفات التي تشارك في توجيه النظام التربوي من حيث أهدافه ومضمونه وخبراته وطرائقه وسياساته، ولكن أثر هذه الفلسفة لم يصل بعد إلى التربية في المجتمعات العربية، إلا أنه من المفيد أن نعرض بإيجاز لأهم الأفكار التي تميز الفلسفة الوجودية بصورة عامة، ثم يتم استعراض أهم المفاهيم التربوية لهذه الفلسفة، بهدف التعرف على أفكارها من أجل الإفادة منها، ونقدها.

        ومن الأهمية بمكان قبل استعراض أهم مبادئ الفلسفة الوجودية، أن نعرض ما يميز الأسلوب الوجودي في التفلسف:

الأسلوب الوجودي في التفلسف:

        إن أول ما تهتم به الوجودية هو العودة إلى الواقع الحقيقي، ويؤمن الوجوديون سواء الملحدون منهم أو غير الملحدين، أن الوجود سابق على الماهية أو أن الذاتية تبدأ أولاً، ويقول "سارتر": ( لو تناولنا أيا من الأشياء المصنوعة، مثلاً هذا الكتاب أو سكينة من السكاكين، نجد أن السكينة قد صنعها حرفي، وأن هذا الحرفي قد صاغها طبقاً لفكرة لديه عن السكاكين، وطبقاً لتجربة سابقة في صنع السكاكين، وأن هذه التجربة أكسبته معرفة، هي جزء لا يتجزأ من الفكرة المسبقة التي لديه عن السكاكين، والتي لديه عن السكينة التي يصنعها، وأن الصانع كان يعرف لأي شئ ستستخدم السكينة، وأنه صنعها طبقاً للغاية المرجوة منها).

        و "سارتر" قصد هنا أن يوضح ما يلي:

1- الفكرة لدى الإنسان والتجربة السابقة، هي التي تكسب الإنسان المعرفة، وهي جزء لا ينفصل عن فكرته المسبقة للأشياء التي يتعامل معها.

2- أنه يجب معرفة الهدف والغاية من الشئ الذي يصنعه الإنسان، طبقاً لهذه الغاية، وإلا لا وجود لهذا الشئ.

3- ما هية الشئ، وصفاته وشكله وتركيبه والصفات الداخلة في تركيبه، وهي كلها سبقت وجود هذا الشئ، وبذلك يكون للشئ وجود معين خاص به، وبالتالي وفقاً لرؤية "سارتر" أن السكين بالنسبة له هي مجموعة من التركيبات والفوائد، وأن نظرته لكل الأشياء بهذه الطريقة تكون نظرة تكنيكية يسبق فيها الإنتاج على وجود الشئ وجوداً محققاً، أي أنه قبل أن يوجد شئ، لابد من أن يمر على مراحل عدة في الإنتاج.

ويضيف "سارتر" عندما نفكر نحن في الله كخالق، نفكر فيه طوال الوقت على أنه صانع أعظم، ومهماً كان اعتقادنا، فإننا لابد من أن نؤمن بأن إرادة الله تولد أساساً أو على الأقل تسير جنباً إلى جنب مع عملية الخلق، بمعنى أنه عندما يخلق فهو يعرف تمام المعرفة ما يخلقه، فإذا فكر في خلق الإنسان، فإن فكرة الإنسان تترسب لدى الله، كما تترسب فكرة الشئ في عقل المفكر الذي يولد هذه الفكرة، أي مثل فكرة السكين في عقل الصانع الذي يصنعها، بحيث تأتي طبقاً لمواصفات خاصة وشكل معين، وهكذا فإن الله يخلق كل فرد طبقاً لفكرة مسبقة عن هذا الفرد.

والمتتبع للنظريات الإلحادية في القرن الثامن عشر، يجد أنها قضت على فكرة الله فلسفياً، ولم تقض على فكرة أن الماهية تسبق الوجود، فنجدها مثلاً مسيطرة عند "فولتير" وحتى عند "كانت"، فالإنسان له طبيعة بشرية، وهذه الطبيعة البشرية هي ما يصاغ عليها الإنسان، وهي ما يتسم به كل إنسان، أو يشترك في صفاتها مع غيره من البشر، وبذلك تكون الإنسانية كلها أو أفرادها، قد خلقوا طبقاً لفكرة عامة، أو مفهوم عام أو نموذج عام يجب أن يكون عليه البشر.

والفليسوف "كانت" قد وصف هذه الطبيعة العامة للبشرية، بحيث يساوي بين الإنسان الذي يعيش في الغابة والإنسان الذي يحيا في المدينة (أي الإنسان المدني)، وكذلك بين الإنسان البرجوازي، وهو بذلك يجعل الثلاثة يشتركون في صفات عامة. وهكذا نجد فكرة الإنسان في التاريخ أسبق على حقيقته ... أي أن الماهية تسبق الوجود. لكن الوجودية الملحدة، التي أنا أمثلها – أي كانت – تعلن في وضوح، أنه إذا لم يكن الله موجوداً، فإنه يوجد مخلوق واحد على الأقل قد تواجد قبل أن تتحدد معالمه، وهذا المخلوق هو الإنسان أو أنه كما يسميه "هيدجر" الإنساني، بمعنى أن وجوده كان سابقاً على ماهيته.

ويعتقد الوجوديون أن الهرب من الطريق الوجودي في البحث يعزلنا عن فهم ذواتنا فهماً صحيحاً، ويجعلنا لا نواجه المشكلات الحقيقية التي تعتمد وجودنا الفردي المشخص؛ لأن الوجودية ترى أن الموقف الإنساني ممتلئ بالتناقضات والتوترات التي لا يمكن حلها بواسطة الفكر المضبوط والنفي. وهذه التناقضات لا ترجع ببساطة إلى الحدود الحاضرة لمعرفتنا، أو إلى ما نحصل عليه من تقدم علمي، أو إلى تفسيرات فلسفية ... إنها ترجع إلى الاعتقاد بأن الإنسان حر، وهو مسئول عن حريته، كما أنه يشعر بالندم والذنب إزاء ما يقترفه من أفعال.

وربما حكمت الأجيال المتعاقبة بأن أعظم إسهامات الفلسفة الوجودية تألقاً وأكثرها دواماً، إنما يوجد في دراستها لموضوع آخر لا يزال يتكرر وجوده في كتابات أصحابها وهو: الحياة العاطفية للإنسان، وهو موضوع أهمله الفلاسفة، وأسلموه إلى علم النفس، فكلما سيطرت على الفلسفة الأنماط الضيقة من العقلانية ... اعتبرت العواطف المتقلبة، والأمزجة والمشاعر التي تظهر في الذهن البشري شيئاً لا يناسب مهام الفيلسوف، بل حتى بدت عقبة في طريق المثل الأعلى للمعرفة الموضوعية، غير أن الوجوديين يذهبون إلى أن هذه هي بعينها الموضوعات التي تجعلنا نندمج بكياننا كله في العالم، وتتيح لنا أن نتعلم عنه أشياء يتعذر علينا تعلمها عن طريق الملاحظة الموضوعية وحدها، ولقد زودنا الوجوديون أمثال: "كيرجارد" ، و"هيدجر"، و "سارتر" بتحليلات مشوقة لحالات وجدانية: كالقلق، والملل، والغثيان، وحاولوا أن يوضحوا: أن مثل هذه الحالات ليست ذات  مغزى فلسفي.

إن الوجودية فلسفة تتصدى لمعالجة تلك المشاكل الوجودية، وهي مشاكل إنسانية تتناول مدلولات الحياة والموت والمعاناة والألم، إلى جانب قضايا أخرى، بيد أن الوجودية ليست هي التي ابتدعت هذه المشاكل، فهي مشاكل تقليدية عرفها الفكر الفلسفي وبحثها في جميع العصور، فلقد تناولها من قبل كثير من المفكرين أمثال: "أوجستين"، و"باسكال" والناقد الأسباني "ميجوويل دي أونامونو"، والروائي الروسي "دوستويفسكي"، والشاعر الألماني "ريزماريا ريلكه"، ث أن جميع اء الكتاب والشعراء قد عالجوا في مؤلفاتهم مختلف القضايا الإنسانية، وعرضوها في قالب بليغ، ومع ذلك فإننا قد نخطئ حين نضمهم إلى فلاسفة الوجود.

أ- مبادئ الفلسفة الوجودية:

        تقوم الفلسفة الوجودية على مبادئ عديدة تميزها عن باقي الفلسفات النقدية الأخرى ومن أهم المبادئ التي تنادي بها الفلسفة الوجودية ما يلي:

(1) تعتقد الفلسفة الوجودية، أن الإنسان الفرد هو أهم قضية في الحياة، وأن وجود هذا الإنسان يسبق ماهيته، بل إن ماهيته يشكلها هو نفسه، بقدر ما يعي ذاته ويحقق وجوده في الحياة.

(2) وترى الوجودية أن الحرية تمثل المسألة الأساسية في وجود الإنسان ضمن إطار من الحياة الكريمة، بل تعتقد أن الحرية هي أعظم صديق للإنسانية وأن الجبرية أعظم عدو لها.

(3) وأن حرية الإنسان التي احتلت مكان الصدارة في الفلسفة الوجودية هي التي بررت لهم إسقاط جميع القيم من حسابهم، بمعنى تحرير الإنسان من الزواجر أو الضوابط الي يفرضها العرف الاجتماعي أو تمليها العقيدة الدينية أو توجبها أية سلطة تقيد حرية الإنسان.

(4) وأن حرية الاختيار لا تقترن برؤية ولا تكون مسبقة بتبرير عقلي أو تحديد لغاية أو معرفة ببواعث وهذه هي الحرية الإنسانية المسئولة التي هي مقيدة بمواقف تتحكم فيها، ولكن في مقدور الإنسان أن يتخلص منها وأن يزاول حريته، ومن ثم كان الإنسان صانع مصيره وخالق أفعاله، ولهذا فإنهم يرفضون إخضاع الفرد للحتمية الاجتماعية أو للموضوعية العلمية.

(5) ويرى الوجوديون أن حياة الإنسان منتهية لا محالة إلى الموت، وبالموت يتوقف الإنسان عن تحقيق إمكاناته، ويدركه القلق ويتلولاه اليأس؛ ولهذا فإنهم يهتمون بدراسة موضوعات اليأس والضيق والقلق والعدم.

(6) والإنسان عند الوجودية، يتكون من جسم وعقل ووعي، وهذا الإنسان يتفاعل مع كل معطيات الحياة من حوله في سبيل تحقيق ماهيته وشخصيته الإنسانية.

(7) وأن المعرفة عند الوجوديين هي حركة في الشك، ورغبة في التعرف إلى الإمكان، لتحصيل الحقيقة، التي هي تجربة حية يعيشها الإنسان ويعاني بها الواقع في حياته ومراد هذه التجربة الحية عند البعض من الوجوديين هو العقل والعواطف معاً.

(8) ومن الضروري أن تكون القيم الأخلاقية متنوعة لأنها مسألة فردية أو شخصية، وأن الشخص حر في اختيار المعيار للمنظومة الأخلاقية عنده، لأن المعايير الأخلاقية عندهم مرتبطة بالحياة الشخصية وليس بالحياة الاجتماعية.

ب- أهم التطبيقات التربوية للفلسفة الوجودية:

    أخذت الفلسفة الوجودية تؤثر في الفكر التربوي بأبعاده المختلفة وفيما يلي أهم التطبيقات التربوية للفلسفة الوجودية:

(1)   تنظر الفلسفة الوجودية إلى الطالب على أنه وجود عقلاني يتمتع بحرية الاختيار القائمة على المسؤولية المرتبطة مع تحقيق الأهداف الشخصية.

(2)   وأن الحرية هي مسؤولية ولها قواعد، ولذا فإنه من واجب التربية أن تعلم الطالب تقدير الحرية الشخصية واحترام حرية الآخرين.

(3)   أن يكون للطالب دور أساسي في التعليم، من حيث اختيار الخبرات التعليمية ومكان التعلم وزمانه وطريقته وأن يتحمل الطالب حرية الاختيار وما يترتب على ذلك من مسؤولية، ويمكن تعريف مستوى التعلم الذي يحصل عليه الطالب من دراستنا لأنماط سلوكه ومدى مشاركته للجماعة ومناقشتهم وكذلك بتطبيق الاختبارات الشخصية عليهم، هذا ويعد استعمال استراتيجيات الدافعية على درجة كبيرة من الأهمية في تشكيل التعلم الذاتي أو الشخصي عند المتعلمين.

(4)   الأهداف والمنهاج: أن يبني المنهاج التربوي على أساس أن الفرد هو الأصل في العملية التربوية بصفته الشخصية وليس على أساس أن الفرد عضو في جماعته بل من أجل إظهار خصائص الأنا التي تحقق ماهية الفرد، على اعتبار أن تحقيق ماهية الفرد هو أسمى الأهداف التربوية وأجلها. 

(5)   وأن يركز المنهاج التربوي في مضمونه وقدراته المعارف والمعلومات التي تهم المتعلم شخصياً وليس على المعلومات التي تمكن الفرد من أن يكون قادراً على معالجة المشكلات التي تتصل بالبيئة والمجتمع.

(6)   وأن يتيح المنهاج التربوي الفرص التعليمية أمام المتعلمين من أجل أن يعرفوا ويفهموا ويدركوا ويعوا ويفسروا وينقدوا ويكتسبوا الكفايات والمهارات والقرارات والإجراءات والقدرة على حل المشكلات ومواجهة المواقف الحياتية، وأن ذلك كله لا من أجل نقل التراث الثقافي بل من أجل الكشف عن الذات وإنماء شخصيات الطلاب عن طريق المعرفة الذاتية والتجربة الشخصية والإبداع الشخصي.

(7)   وترى الوجودية أن يتضمن المنهاج خبرات شاملة، تنطوي على مفاهيم وإرشادات لأبعاد الحياة المختلفة، وأن يُبنى على أساس الدراسات الحرة، لأن القيم الحرة هي غالباً ما تضع قواعد الحرية الإنسانية.

(8)   أسلوب التعليم: يرون أن أساليب التعليم ينبغي أن تتصف بالحرية وأن تركز على الخبرات الذاتية، والمناقشات والاستماع إلى وجهات النظر الشخصية وتبادل الآراء والحوار، واحترام الاختلاف في المواقف، وأن يتاح لكل فرد أن يختار خبراته وأن يختبرها بصورة شخصية.

(9)   ولا تؤمن الوجودية أن التعليم عملية تتطلب إعداداً مهنياً، لأن كل فرد له اهتماماته وشخصيته وحريته في اختيار ما يحقق له ذاته، ومهما اختلفت طرق التعليم فإن عليها أن تسعى لتحقيق سعادة الطالب. وتشكيل أنماط السلوك الطيبة.

(10)  وتعطي الفلسفة الوجودية اهتماماً للتجربة الشخصية وتضع لها مكانة عالية في عملية التعلم والتعليم، وفي اختيار المعرفة والخبرات والمهارات والممارسات التي تقوم على الإرادة الشخصية والمسؤولية الشخصية والنفع الشخصي.

(11)  المعلم: أن من وظيفة المعلم الأساسية، أن يحافظ على الحرية الأكاديمية وأن يستمر في تعلمه مستقبلاً حتى لا ينقطع عن خبرات الحياة المتجددة، وأن يكون في المستوى الذي يمكنه من مساعدة الأفراد على تحقيق ذواتهم وإنمائها وإنماء شخصياتهم.

(12)  وأن يتعاون المتعلم مع الطلاب داخل غرفة الصف في سبيل اختيار الخبرات التي يحس المتعلم أنه في حاجة إليها ويرغب في أن يتعلمها، وينبغي على المعلم أن يقوم بتعميم هذه الخبرات بصورة تجذب عناية المتعلم وتثير اهتمامه وتدفعه للتعلم.

(13)  وأن يراعي المعلم مسألة الفروق الفردية في شخصيات الطلاب وكذلك في خبراتهم واهتماماتهم وأن يعمل على توجيه الطلاب ويساعدهم في إنماء تفكيرهم وكفاياتهم ومهاراتهم وتكوين الدافعية عندهم، لضمان الاستمرار في عملية التعلم، كما على المعلم أن يقوم بوظيفة الإرشاد للطلاب وتقويمهم وتحليل أنماط السلوك عندهم.

(14)  والتقويم: عند الوجودية ينصب على الطلاب لا بصفتهم الجماعية ولكن ينبغي أن يكون وفقاً لشخصياتهم الفردية وأن يركز على أساليب التحقق من تشكيل الذات وإنماء الشخصية وفقاً لإمكانية الفرد نفسه، وضرورة الاهتمام بأساليب التقويم الذاتي، وأساليب تحقيق الذات.

   وعندما نتبصر في مبادئ الفلسفة الوجودية، وما ترمي إليه من مفاهيم، فإننا نستطيع أن نقول بأن الوجودية فلسفة ملحدة لا تنطوي على أية قيمة إيمانية سواء أكانت دينية أم اجتماعية، أم أخلاقية، لأنها تعتقد أن وجود الإنسان سابق على ماهيته أي أن وجوده متزامن مع وجود المادة، ولكنه يصنع ماهيته بنفسه بما تنطوي عليه من خصائص وصفات وإمكانات، وأنه يضع هذه الماهية بمحض اختياره وإراداته وحريته، دون أن يكون له أي موجه في الحياة ... وبهذا فإن الوجودية تنفي الدعوات الدينية في توجيه الإنسان، وتشكيل شخصيته، لهذا فإنها تعمل على تحرير الإنسان من الاحترام والتقدير لأية قيمة أو دعوة سواء أكانت قادمة من سلطة دينية أو إرادة إلهية أو سلطة اجتماعية أو تراثية، وهي بهذا تضع الإنسان في أول الحياة وآخرها وكأنه الأصل في هذا الوجود كله، دون أن يكون له أية ارتباطات مع خالق هذا الكون والوجود معاً، فالإنسان في نظر الوجودية حر في تشكيل شخصيته ومفاهيمه وأنماط سلوكه إلى درجة التسيب، بحيث يصبح كل فرد من الإنسانية عند الوجودية يشكل عالماً قائماً بذاته، منفلتاً من أي صوت ديني أو تكليف إلهي أو سلطة اجتماعية ... وبذلك فإن الوجودية تشكل شخصيات بعدد أفراد أصحابها، الأمر الذي يكون صعوبة في توجيه الحياة والتخطيط لها والعمل على تنظيمها من أي منظور اجتماعي، لأن مثل هذا العمل هو اعتداء على حرية الإنسان من وجهة نظر الوجودية، وعليه فإنه يصعب الدعوة لأي إصلاح اجتماعي لا يتخذ الفردية محوراً لها. فالوجودية دعوة متطرفة وغارقة في تقدير الفرد إلى درجة أنها تناسب وجوده الاجتماعي العام، ومع هذا فإن مبادئها براقة خادعة إلى درجة مغرية، إلى هؤلاء الأفراد الذي يضعون شهواتهم وغرائزهم واهتماماتهم الفردية فروق أي اعتبار، وإلى هؤلاء الذين نضبت عقولهم وخلى وجدانهم من أي مفهوم ديني يوجه الإنسان إلى الله في تحديد وجوده وتحديد سلوكه، وتشكيل شخصيته القيمية. كما أنها فلسفة لا تناسب المجتمعات الإنسانية عامة، لأنها مخالفة لمنطق وجودها، وأن تبنيها من أي مجتمع يشكل فوضى قيمية واجتماعية وأخلاقية، ويدل على عجز إنساني لفهم الحقيقة.

         

 

 

 

 

 

المراجــع

1-      حسن أحمد الحياري: التربية في ضوء المدارس الفكرية، دار الأمل، أربد، الأردن، 1993م.

2-      زكي نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، القاهرة: الأنجلو المصرية، 1980م.

3-      محمد الهادي عفيفي: الأصول الفلسفية للتربية، القاهرة: الأنجلو المصرية، 1978م.

4-      محمد جلون فرحان: دراسات في فلسفة التربية، جامعة الموصل، الموصل، العراق، 1989م.

5-        Van Gleve Morris, Existentialism in Education, What it means, Harper and Raw, New York, 1966.

 

 

الفصل السادس

الفلسفة الإسلامية

مقدمة:

تعتبر فلسفة التربية عصب العملية التربوية منها تنبثق أهدافها، ومناهجها، ومؤسساتها، وطرقها، ووسائلها، ومن ثم تقويمها، وبقدر صواب وفاعلية فلسفة التربية يكون صواب وفاعلية نظام التربية؛ ذلك لأنها تحدد المنطلقات الفكرية للعمل التربوي. هذا وقد ظهرت فلسفات عدة على الساحة التربوية منها: المثالية، والواقعية، والبراجماتية تشعبت وانقسمت وتصارعت.

وقد أدى هذا الصراع التربوي إلى ميلاد عدد آخر من مدارس الفلسفة التربوية. فقد أنجبت الفلسفة البرجماتية وليدين هما الفلسفة التقدمية والفلسفة التجديدية بينما أنجبت المثالية وليدا جديدا تلك هي فلسفة الديمومة أو الدوام. كما أنجبت الواقعية وليداً أخر هو فلسفة الأسس الجوهرية. ويركز وليدا الفلسفة البرجماتية على التقدم والتجديد والتغير والتطور. بينما يركز وليدا المثالية والواقعية على الدوام والتواتر.

وإلى جانب الفلسفات التربوية السبع ظهرت فلسفة ثامنة تلك هي الفلسفة الوجودية وهي فلسفة فردية تتعامل مع المعلم والطالب كأفراد، ولا تقوم على نظم تربوية أو مدارس، وتجعل محور القيم ومعيارها هو الحرية الفردية.

ومما سبق يتضح أننا أمام حركتين: تقدمية: تركز على التغير وتنادي بأن تحل تربية جديدة قائمة على التغيير الاجتماعي ونتائج العلوم السلوكية وأخرى محافظة: تندد بتطرف التقدميين وترى أن الدوام أكثر واقعية ومرغوب فيه أكثر من كونه مرغوبا عنه فلا شىء في عالم متزايد الاضطرابات والقلاقل يمكن أن يكون أكثر واقعية وأجدى من الثبات والاستقرار.

ويبرز هذا الصراع الانتقادات التي وجهت إلى تلك الفلسفات قديمها وحديثها على حد سواء حالة عدم الاتفاق على فلسفة ما واحدة والتطلع إلى فلسفة تربوية جديدة تزيل الفوارق بين بني البشر، وتنقلهم إلى حياة جديدة عمادها التعاون والمحبة، تربية تساعد الإنسان على اكتشاف نفسه وفهم عناصر شخصيته، وطبيعة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.

وحتى يتحقق لنا ذلك لابد من تحديد فلسفة تربوية لنظامنا التعليمي تجعل لهذا النظام طابعه الخاص وشخصيته المتميزة. تنطلق من مبادئ وقيم ومعتقدات ديننا تلك هي فلسفة التربية الإسلامية أو الفلسفة الإسلامية للتربية بعيداً عن الصراع والانتقادات المتبادلة بين الفلسفات الوضعية التي تظهر على الساحة فكراً وتطبيقاً، وقدرة على تقديم بديل إسلامي، وعملاً على إصلاح مناهج الفكر لدى المسلم المعاصر، وانسلاخاً من حالة التخلف والغياب الثقافية للأمة، وعلاجًا لاعتلال مناهجها الفكرية. ومواجهة للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي، وتلبية لحاجاته وتطلعاته المستقبلية، ودخولاً إلى معترك الفكر التربوي العالمي الذي يبحث عن نظرية تربوية جديدة تخرجه من أزمته الراهنة.

وثمة مقومات وشروط ينبغي أن تتوافر في الفلسفة الإسلامية للتربية التي ننشدها نذكر منها:

1-    أن تكون في جميع مقوماتها ومكوناتها متمشية مع روح الإسلام، والفهم السليم لعقائده وتشريعاته.

2-  أن تكون مرتبطة بواقع المجتمع وثقافته ونظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، انطلاقا من أن التربية لا تتم في فراغ ولا تنعزل عن الواقع الثقافي والاجتماعي وإنما ترتبط به ارتباطا عضويا.

3-    أن تكون منفتحة على جميع التجارب الإنسانية الصالحة وخبرات المجتمعات الأخرى.

4-    أن تكون شاملة تأخذ في حسابها العديد من العوامل المؤثرة في العملية التربوية.

5-  أن تكون شاملة ومتوازنة عند النظر إلى الطبيعة الإنسانية نموا وتنمية لها جسميا، وعقليا، واجتماعيا، ووجدانيا، ونفسيا، وأخلاقيا. ذلك لأن ذلك جانب يتأثر ويؤثر في الآخر.

6-    أن تتسم بالواقعية وعدم الغلو في مثاليتها ولفظيتها وتجريدها، وإنما تنطلق من الواقع وإمكاناته المادية والبشرية، وتسعى إلى تغييره من خلال خطط عملية لتغيير الواقع وإصلاحه.

7-  أن تخضع للتقويم المستمر بمعنى أن تكون ديناميكية مرنة قابلة للتعديل والتطوير في ضوء مستجدات الدراسات والأبحاث في المجال التربوي.

وإذا كانت تلك هي مقومات الفلسفة الإسلامية للتربية فإن ثمة أصولاً مرجعية لصياغة تلك الفلسفة ذلك لأن التربية الإسلامية لا تعتمد في توجهاتها على الأهواء والآراء في معزل عن الشرع الحكيم وإنما لها مصادر تحكمها وتقوم عليها حتى تكون في حدود ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، وتحقق مقاصد الشريعة، ويسعد من اتبعها في الدنيا والآخرة.

وفي مقدمة هذه الأصول القرآن الكريم الذي يعد في مفهومه، وأسمائه، وأوصافه، ونزوله، ومحتوياته منهجا تربويا فريدا متكاملا يتضمن جوانب الحياة كلها ويعالج أمور الدين والدنيا، منهجاً يتفق مع طبيعة النفس البشرية. والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أمتن الله به على عباده حتى اتسع على أهل الأفكار طريق الاعتبار بما فيه من القصص والأخبار، فيه خبر ما قبلنا، ونبأ ما بعدنا، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى، هو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا تنقضي عجائبه، ولا تتناهى غرائبه، ولا يحيط بفوائده عند أهل العلم تحديد، هو صراط الله المستقيم، والعروة الوثقى، والنور المبين، من خالفه من الجبابرة والطغاة قصمه الله، ومن ابتغى العلم بغيره أضله الله.

والسنة النبوية: فالرسول خير قدوة للبشرية في جميع الأمور. فقد جاء هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. فقدم للبشرية نموذجاً من الصفات الحميدة والأخلاق الحسنة التي جاء وصفها بالخلق الحسن، والخلق العظيم، ومكارم الأخلاق، وخلق القرآن، ومن كانت تلك سجاياه فحرى بأمته أن تقتدي وتتأسى به وتقتفي أثره وأن تتربى على سنته، متبعين أسلوبه ومنهجه في تربيته لأهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم.

وعلاقة السنة بالقرآن علاقة تفسيرية لما أجمله القرآن، تأكيدية له، وقد تكون تأسيسية لأحكام لم ترد، ولمكانة السنة ومركزها التشريعي فقد عني بها المسلمون وظهرت في سبيل توثيقها حركة علمية نشطة توخت المحافظة عليها رواية ودراية وفق منهج نقدي تحليلي يستهدف التحقق من القيمة العلمية لدرجة الحديث.

وفيما يلي نتناول القضايا التالية التي تبرز جوانب الفلسفة الإسلامية للتربية وهي:

أولاً: الإنسان في التصور الإسلامي.

ثانيا: الكون في التصور الإسلامي.

ثالثا: الحياة في التصور الإسلامي.

رابعا: المعرفة في التصور الإسلامي.

خامسا: القيم الإسلامية.

أولاً: الإنسان في التصور الإسلامي:

يعد الإنسان محور اهتمام التربية وذلك من حيث إعداده وتنمية مختلف جوانب شخصيته جسمياً وعقليا وأخلاقيا ووجدانيا ونفسيا تنمية شاملة ومتكاملة. كما تسعى التربية جاهدة إلى ترقية الإنسان وتطويره عن طريق إكسابه المعلومات والخبرات والمهارات اللازمة وأنماط السلوك المرغوب فيه وأطر التفاعل مع البيئة المحيطة وإذا كان الأمر  كذلك لزم أن نعرض لحقيقة الإنسان في التصور الإسلامي.

فقد كان الإنسان وما يزال منذ أن وجد على ظهر الأرض مأخوذا بسوء الفهم لنفسه فتارة يرى نفسه أكبر وأعظم الكائنات وقد امتلأ كبرا وأنانية وينادي، كما نادى فرعون ما علمت لكم من إله غيري، أنا ربكم الأعلى وقوم عاد الذين استكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة، وتحول إلى متأله يستهدف القهر والبطش والظلم والطغيان، وتارة يميل إلى جانب التفريط فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم فيطأطئ رأسه أمام الشجر والحجر والحيوان ويرى السلامة في أن يسجد للشمس والقمر والنجوم والنار.

والإنسان في الإسلام مخلوق مكرم، متميز بكثير من الخصائص عن باقي المخلوقات قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {* ô?s)s9ur $oYøB§?x. ûÓÍ_t/ tPy?#uä öNßg»oYù=uHxqur ?Îû Îh?y9ø9$# Ì?óst7ø9$#ur Nßg»oYø%y?u?ur ?ÆÏiB ÏM»t7Íh?©Ü9$# óOßg»uZù=?Òsùur 4?n?tã 9??ÏV?2 ô`£JÏiB $oYø)n=yz Wx?ÅÒøÿs? } (الإسراء: 70) وأوجه هذا التكريم متعددة، وكلها تشير إلى مكانة الإنسان التي وهبه الله إياها، واختصه بها عن سائر مخلوقاته.

وقد خلق الله الإنسان بخلق منفرد عن باقي مخلوقاته سبحانه وتعالى واختصه بمكانة عظيمة، فكان الكائن المسيطر على باقي الكائنات التي تعيش معه على سطح الأرض وقد أشارت إلى ذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم توضح أهمية الإنسان، وتكرين الله له بأنواع مختلفة من التكريم منذ خلق الله الإنسان الأول آدم، وخلق هذا الكون موافقا لطبيعته البشرية، وقدراته، وسخر له جميع ما في الكون. ويصف العقاد تلك المكانة بقوله: "مكان الإنسان في القرآن الكريم هو أشرف مكان له في ميزان العقيدة، وفي ميزان الفكر، وفي ميزان الخليقة الذي توزن به طبائع الكائن بين عامة الكائنات فهو الكائن المكلف".

ويمكن أن نتعرض لأوجه هذا التكريم من خلال:

1-    مكانة الإنسان عند الله (عز وجل).

2-    مكانة الإنسان في الكون.

ويجدر بنا أن نقول أن هذه الجوانب السابقة قد نالها الإنسان المسلم والكافر.. ولكن المسلم نالها بكونه إنساناً محققاً إنسانيته فكان مكرماً في الدنيا والآخرة بتحقيق منهج الله في حياته قال تعالى {öNçGZä. u?ö?yz >p¨Bé& ôMy_Ì?÷zé& Ĩ$¨Y=Ï9 tbrâ?ßDù's? Å$rã?÷èyJø9$$Î/ ?cöqyg÷Ys?ur Ç`tã Ì?x6ZßJø9$# tbqãZÏB÷sè?ur «!$$Î/ 3 öqs9ur ?ÆtB#uä ã@÷dr& É=»tGÅ6ø9$# tb%s3s9 #Z?ö?yz Nßg©9 4 ãNßg÷ZÏiB ?cqãYÏB÷sßJø9$# ãNèdç?sYò2r&ur tbqà)Å¡»xÿø9$#} (آل عمران: 110). أما الكافر فنال منها بكونه إنسانا ولكنه لم يقم بدوره في الحياة، ولم يحقق إنسانيته بتحقيق الهدف من وجوده، ذلك لأن الله جعل للإنسان إرادة واختيارا ضمن إرادة الله وقدرة تجعله ينجو بنفسه ويشرفها بالعبادة لله وحدة أو يهلكها بالعصيان والخضوع لغيره فكانت بذلك مكانة خاصة بالمؤمنين الذين ساروا على هدف الله، ومكانة عامة لجميع بني الإنسان.

مكانة الإنسان عند الله:

للإنسان مكانة عظيمة عند الله وذلك حين خلقه بيده، وكرمه بالنفخ فيه من روح الله، وخلقه في أحسن صورة، وأخبر الملائكة أنه خليفته في الأرض، واختصه بعلم أسماء الملائكة، وعلم الأشياء، وأمر الملائكة أن يسجدوا له، ثم اختصه بالعلم والخلافة والإرادة ففي الآيات الأولى التي نزلت على النبي أوضحت علاقة الإنسان بربه، فهناك علاقة الخلق والتكريم، وعلاقة الهداية والتربية والتعليم قال تعالى {ù&t?ø%$# ÉOó?$$Î/ y7În/u? ?Ï%©!$# t,n=y{ ÇÊÈ t,n=y{ z`»|¡SM}$# ô`ÏB @,n=tã ÇËÈ ù&t?ø%$# y7?/u?ur ãPt?ø.F{$# ÇÌÈ ?Ï%©!$# zO¯=tæ ÉOn=s)ø9$$Î/ ÇÍÈ zO¯=tæ z`»|¡SM}$# $tB óOs9 ÷Ls>÷èt? } (العلق: 1-5).

مكانة الإنسان في الكون:

تبرز هذه المكانة العلاقة بين الإنسان والكون والصلة بينهما والتي يمكن إيجازها في:

1-    صلة الاستثمار والانتفاع والتسخير ذلك لأن الكون كله مسخر للإنسان للانتفاع به.

2-    صلة الاعتبار والتأمل والتفكير.

وقد جاء التصور الإسلامي للإنسان شاملاً يبين حقيقته وأصل خلقه، والهدف منه على النحو التالي:

(1) أصل الإنسان وحقيقة خلقه:

ترجع حقيقة خلق الإنسان إلى أصلين. الأول: خلقه من طين حين سواه الله ونفخ فيه من روحه، قال تعالى {ô?s)s9ur $oYø)n=yz z`»|¡SM}$# `ÏB 7's#»n=ß? `ÏiB &ûüÏÛ ÇÊËÈ } (المؤمنون: 12)، وقال تعالى {ø?Î)ur tA$s% y7?/u? Ïps3Í´¯»n=yJù=Ï9 ?ÎoTÎ) 7,Î=»yz #\?t±o0 `ÏiB 9@»|Áù=|¹ ô`ÏiB :*yJym 5bqãZó¡¨B ÇËÑÈ #s?Î*sù ¼çmçF÷?§qy? àM÷?xÿtRur Ïm?Ïù `ÏB ÓÇrr?? (#qãès)sù ¼çms9 tûïÏ?Éf»y? } (الحجر: 28-29).

والأصل الثاني: خلقه من "نطفه"، "ماء مهين"، "ماء دافق" قال تعالى {óOs9urr& t?t? ß`»|¡RM}$# $¯Rr& çm»oYø)n=yz `ÏB 7pxÿõÜ?R #s?Î*sù uqèd ÒO?ÅÁyz ×ûüÎ7?B} (يس: 77)، وقال تعالى {t,Î=äz `ÏB &ä!$¨B 9,Ïù#y? ÇÏÈ ßlã?ø?s? .`ÏB Èû÷üt/ É=ù=?Á9$# É=ͬ!#u?©I9$#ur ÇÐÈ } (الطارق: 6-7)، قال تعالى {ü?Ï%©!$# z`|¡ômr& ¨@ä. >äóÓx« ¼çms)n=yz ( r&y?t/ur t,ù=yz Ç`»|¡SM}$# `ÏB &ûüÏÛ ÇÐÈ ¢OèO ?@yèy_ ¼ã&s#ó¡nS `ÏB 7's#»n=ß? `ÏiB &ä!$¨B &ûüÎg¨B ÇÑÈ ¢OèO çm1§qy? y?xÿtRur Ïm?Ïù `ÏB ¾ÏmÏmr?? ( ?@yèy_ur ãNä3s9 yìôJ¡¡9$# t?»|Áö/F{$#ur noy?Ï«øùF{$#ur 4 Wx?Î=s% $¨B ?crã?à6ô±n@ } (السجدة: 7-9)

وحين يبين القرآن الكريم ذلك ليندد بغطرسة الإنسان ويهذب كبرياءه ويدعوه إلى التواضع والواقعية في حياته.

(2) الهدف من خلق الإنسان:

لم تقتصر مكانة الإنسان عند الله على تميزه عن الكائنات الأخرى بتكريمه عليها وتسخيرها له إنما اختصه بالعبودية وحملة المسئولية والأمانة في تطبيق شرع الله وعبادته ومن ثم فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى وإنما خلق لغاية وهدف. قال تعالى {óOçFö7Å¡yssùr& $yJ¯Rr& öNä3»oYø)n=yz $ZWt7tã öNä3¯Rr&ur $uZø?s9Î) ?w tbqãèy_ö?è?} (المؤمنون: 115)، وقال تعالى {Ü=|¡øts?r& ß`»|¡RM}$# br& x8u?øIã? ?´?ß?} (القيامة: 36).

وقد حدد القرآن الكريم المهمة العليا للإنسان والغاية التي من أجلها خلق في قوله تعالى {$tBur àMø)n=yz £`Ågø:$# }§RM}$#ur ?wÎ) Èbrß?ç7÷èu?Ï9 ÇÎÏÈ } (الذاريات: 56)، وقال تعالى {$pk??r'¯»t? â¨$¨Y9$# (#rß?ç6ôã$# ãNä3­/u? ?Ï%©!$# öNä3s)n=s{ tûïÏ%©!$#ur `ÏB öNä3Î=ö6s% öNä3ª=yès9 tbqà)­Gs? } (البقرة: 21) وبها أرسل الله تعالى جميع الرسل فقال تعالى {ô?s)s9ur $uZ÷Wyèt/ ?Îû Èe@à2 7p¨Bé& »wqß?§? Âcr& (#rß?ç6ôã$# ©!$# (#qç7Ï^tGô_$#ur |Nqäó»©Ü9$# ( Nßg÷YÏJsù ô`¨B ?y?yd ª!$# Nßg÷YÏBur ïƨB ôM¤)ym Ïmø?n=tã ä's#»n=?Ò9$# 4 (#rç??Å¡sù ?Îû ÇÚö?F{$# (#rã?ÝàR$$sù y#ø?x. ?c%x. èpt7É)»tã ?úüÎ/Éj?s3ßJø9$# ÇÌÏÈ } (النحل: 36)، وقال تعالى {!$tBur $uZù=y?ö?r& `ÏB ??Î=ö6s% `ÏB @Aqß?§? ?wÎ) ûÓÇrqçR Ïmø?s9Î) ¼çm¯Rr& Iw tm»s9Î) HwÎ) O$tRr& Èbrß?ç7ôã$$sù ÇËÎÈ} (الأنبياء).

وبها وصف الله تعالى ملائكته وأنبياءه قال تعالى {¨bÎ) tûïÏ%©!$# y?ZÏã ??În/u? ?w tbrç?É9õ3tGó¡o? ô`tã ¾ÏmÏ?y?$t7Ïã ¼çmtRqßsÎm6|¡ç?ur ¼ã&s!ur ?crß?àfó¡o? )} (الأعراف: 206) وبالعبودية نعت الله كل من اصطفى من خلقه فقال عن يوسف {ô?s)s9ur ôM£Jyd ¾ÏmÎ/ ( §Nydur $pkÍ5 Iwöqs9 br& #uä§? z`»ydö?ç/ ¾ÏmÎn/u? 4 y7Ï9ºx??2 t$Î?óÇuZÏ9 çm÷Ztã uäþq?¡9$# uä!$t±ósxÿø9$#ur 4 ¼çm¯RÎ) ô`ÏB $tRÏ?$t6Ïã ?úüÅÁn=øÜßJø9$#} (يوسف: 24)، وقال تعالى {ö?ä.ø?$#ur !$tRy?»t7Ïã tLìÏdºt?ö/Î) t,»ysó?Î)ur z>qà)÷èt?ur ?Í<'ré& ?Ï?÷?F{$# Ì?»|Áö/F{$#ur ÇÍÎÈ !$¯RÎ) Nßg»oYóÁn=÷zr& 7p|ÁÏ9$s?¿2 ?t?ò2Ï? Í?#¤$!$# ÇÍÏÈ öNåk¨XÎ)ur $tRy?ZÏã z`ÏJs9 tû÷üxÿsÜóÁßJø9$# Í?$u?÷zF{$#} (ص: 45-47)، وقال تعالى {$uZö7ydurur y?¼ãr#y?Ï9 z`»yJø?n=ß? 4 zN÷èÏR ß?ö7yèø9$# ( ÿ¼çm¯RÎ) ë>#¨rr& } (ص:30) وقال تعالى {sp­?Íh?è? ô`tB $oYù=yJym yìtB ?yqçR 4 ¼çm¯RÎ) ?c%x. #Y?ö6tã #Y?qä3x©} (الإسراء: 3)، وقال تعالى {`©9 y#Å3YtFó¡o? ßx?Å¡yJø9$# br& ?cqä3t? #Y?ö7tã °! ?wur èps3Í´¯»n=yJø9$# tbqç/§?s)çRùQ$# 4 `tBur ô#Å3ZtGó¡o? ô`tã ¾ÏmÏ?y?$t6Ïã ÷?É9ò6tGó¡t?ur öNèdç?à³ósu?|¡sù Ïmø?s9Î) $Yè?ÏHsd} (النساء: 172)، وقد ذم وتوعد المستكبرين عنها فقال تعالى {tA$s%ur ãNà6?/u? þ?ÎTqãã÷?$# ó=ÉftGó?r& ö/ä3s9 4 ¨bÎ) ?úïÏ%©!$# tbrç?É9õ3tGó¡o? ô`tã ?ÎAy?$t6Ïã tbqè=äzô?u?y? tL©èygy_ ?úïÌ?Åz#y? } (غافر: 60)

وكمال المخلوق وعلو درجته في تحقيق عبوديته لله تعالى وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كمالاً وعلت درجته. والعبادة بمفهومها هذا ليس قاصراً على المعنى القريب وهو تأدية الطقوس التعبدية والشعائر الدينية، وإنما اسم جامع يتعدى ذلك ليشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة أو هي: ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. وبذلك يتسع مفهوم العبادة ليشمل كل مناحي الحياة المختلفة.

وتتميز العبادات في الإسلام بخصائص يمكن إجمالها فيما يلي:

1-       ارتباطها بالعقيدة الإيمانية المستندة إلى الحق والواقع الذي تشهد به الدلائل العلمية والعقلية والفكرية.

2-       كونها استجابة قلبية ونفسية وفطرية وأخلاقية للتصورات الإيمانية بالإضافة إلى عمقها في النفس الإنسانية.

3-       الإخلاص في العبادة لله (عز وجل).

4-       شمولها لأبعاد الطبيعة الإنسانية.

5-       اشتمالها على مصالح للأفراد والأمة.

6-       يسرها وسهولتها.

7-       انحصارها في فعل الخير وترك الشر.

8-       لا وساطة فيها بين العبد وربه.

9-       رغم أن بعض العبادات اقتضت الحكمة تخصيصها بمكان أو زمان إلا أن الأصل فيها إطلاقها من حدود الزمان والمكان.

(3) الإنسان مخلوق مكرم:

الإنسان في الإسلام أكرم الكائنات. كرمه الله (سبحانه وتعالى) على كثير من خلقه قال تعالى {ô?s)s9ur $oYøB§?x. ûÓÍ_t/ tPy?#uä öNßg»oYù=uHxqur ?Îû Îh?y9ø9$# Ì?óst7ø9$#ur Nßg»oYø%y?u?ur ?ÆÏiB ÏM»t7Íh?©Ü9$# óOßg»uZù=?Òsùur 4?n?tã 9??ÏV?2 ô`£JÏiB $oYø)n=yz Wx?ÅÒøÿs? } (الإسراء: 70) ومن مظاهر تكريم الله للإنسان ما يلي:

1-    استخلاف الله للإنسان في الأرض قال تعالى {ø?Î)ur tA$s% ???/u? Ïps3Í´¯»n=yJù=Ï9 ?ÎoTÎ) ×@Ïã%y` ?Îû ÇÚö?F{$# Zpxÿ?Î=yz ( (#þqä9$s% ã@yèøgrBr& $pk?Ïù `tB ß?Å¡øÿã? $pk?Ïù à7Ïÿó¡o?ur uä!$tBÏe$!$# ß`øtwUur ßxÎm7|¡çR x8Ï?ôJpt¿2 â¨Ïd?s)çRur y7s9 ( tA$s% þ?ÎoTÎ) ãNn=ôãr& $tB ?w tbqßJn=÷ès? } (البقرة: 30)

2-    خلق الله الإنسان في أحسن تقويم قال تعالى {ô?s)s9 $uZø)n=y{ z`»|¡SM}$# þ?Îû Ç`|¡ômr& 5O?Èqø)s?} (التين: 4)، وقال تعالى {?Ï%©!$# y7s)n=yz y71§q|¡sù y7s9y?yèsù ÇÐÈ þ?Îû Äd?r& ;ou?qß¹ $¨B uä!$x© ??t7©.u? } (الانفطار: 7-8)

 

 

3-       تعليم آدم عليه السلام.

4-   أمره للملائكة بأن تسجد لآدم قال تعالى {ø?Î)ur $oYù=è% Ïps3Í´¯»n=uKù=Ï9 (#rß?àfó?$# tPy?Ky (#ÿrß?yf|¡sù HwÎ) }§?Î=ö/Î) 4?n1r& u?y9õ3tFó?$#ur tb%x.ur z`ÏB ?úïÍ?Ïÿ»s3ø9$# ÇÌÍÈ } (البقرة: 34)

5-    أن الله ألغى الواسطة الكهنوتية بينه وبين الإنسان قال تعالى {#s?Î)ur y7s9r'y? ?Ï?$t6Ïã ÓÍh_tã ?ÎoTÎ*sù ë=?Ì?s% ( Ü=?Å_é& nouqôãy? Æí#¤$!$# #s?Î) Èb$tãy? ( (#qç6?ÉftGó¡u?ù=sù ?Í< (#qãZÏB÷sã?ø9ur ?Î1 öNßg¯=yès9 ?crß?ä©ö?t? ÇÊÑÏÈ } (البقرة: 186)

6-    تسخير كل ما في الكون لخدمة الإنسان قال تعالى {t?¤?y?ur ãNä3s9 ??ù=àÿø9$# y?Ì?ôftGÏ9 ?Îû Ì?óst7ø9$# ¾ÍnÌ?øBr'Î/ ( t?¤?y?ur ãNä3s9 t?»yg÷RF{$# ÇÌËÈ t?¤?y?ur ãNä3s9 }§ôJ¤±9$# t?yJs)ø9$#ur Èû÷üt7ͬ!#y? ( t?¤?y?ur ãNä3s9 ?@ø?©9$# u?$pk¨]9$#ur ÇÌÌÈ } (إبراهيم 32-33)، وقال تعالى {t?¤?y?ur ãNà6s9 ?@ø?©9$# u?$yg¨Y9$#ur }§ôJ¤±9$#ur t?yJs)ø9$#ur ( ãPqàf?Z9$#ur 7Nºt?¤?|¡ãB ÿ¾ÍnÌ?øBr'Î/ 3 ?cÎ) ?Îû ??Ï9ºs? ;M»t?Uy 5Qöqs)Ïj9 ?cqè=É)÷èt? ÇÊËÈ $tBur r&u?s? öNà6s9 ?Îû ÇÚö?F{$# $¸ÿÎ=tFø?èC ÿ¼çmçRºuqø9r& 3 ?cÎ) ?Îû ??Ï9ºs? Zpt?Uy 5Qöqs)Ïj9 ?crã??2¤?t? ÇÊÌÈ uqèdur ?Ï%©!$# t?¤?y? t?óst7ø9$# (#qè=à2ù'tGÏ9 çm÷ZÏB $VJóss9 $w?Ì?sÛ (#qã_Ì?÷?tGó¡n@ur çm÷YÏB Zpu?ù=Ïm $ygtRqÝ¡t6ù=s? ?t?s?ur ??ù=àÿø9$# t?Åz#uqtB Ïm?Ïù (#qäótFö7tFÏ9ur ÆÏB ¾Ï&Î#ôÒsù öNà6¯=yès9ur ?crã?ä3ô±s? ÇÊÍÈ } (النحل: 12-14)، وجوانب التسخير في ميدان الكون تشمل عناصر الكون الثلاثة الرئيسية الفضاء، واليابس، والماء، والتربية هي الأداة الوحيدة التي تؤهل الإنسان وتضمن حسن استخدام أدوات التسخير من خلال تنمية قدراته واستعداداته العقلية والمهارية.

7-    زود الله (سبحانه وتعالى) الإنسان بأدوات العلم والتعلم قال تعالى {ª!$#ur Nä3y_t?÷zr& .`ÏiB ÈbqäÜç/ öNä3ÏF»yg¨Bé& ?w ?cqßJn=÷ès? $\«ø?x© ?@yèy_ur ãNä3s9 yìôJ¡¡9$# t?»|Áö/F{$#ur noy?Ï«øùF{$#ur   öNä3ª=yès9 ?crã?ä3ô±s? ÇÐÑÈ } {النحل: 78). وندد بالذين لا يستفيدون منها قال تعالى {ô?s)s9ur $tRù&u?s? zO¨YygyfÏ9 #Z??ÏW?2 ?ÆÏiB Çd`Ågø:$# ħRM}$#ur ( öNçlm; Ò>qè=è% ?w ?cqßgs)øÿt? $pkÍ5 öNçlm;ur ×ûãüôãr& ?w tbrç?ÅÇö7ã? $pkÍ5 öNçlm;ur ×b#s?#uä ?w tbqãèuKó¡o? !$pkÍ5 4 y7Í´¯»s9'ré& ÉO»yè÷RF{$%x. ö@t/ öNèd ?@|Êr& 4 y7Í´¯»s9'ré& ãNèd ?cqè=Ïÿ»tóø9$# ÇÊÐÒÈ } (الأعراف: 179)

8-  اختص الله الإنسان بالرعاية والتربية والهداية فأرسل إليه الرسل ليبين له طرق الهداية من الضلال قال تعالى {þ?ÎTrã?ä.ø?$$sù öNä.ö?ä.ø?r& (#rã?à6ô©$#ur ?Í< ?wur Èbrã?àÿõ3s? ÇÊÎËÈ} (البقرة: 152) وزود هؤلاء الرسل بكتب توضح لهم المنهج الذي يسيرون عليه ويحكمون به بين الناس، يعلمونهم العلوم الغيبية التي لا يستطيعون إدراكها بعقولهم إذا لم يرشدهم إليها ربهم قال تعالى {Èe@à6Ï9ur 7p¨Bé& ×Aqß?§? ( #s?Î*sù uä!$y_ óOßgä9qß?u? zÓÅÓè% OßgoY÷?t/ ÅÝó¡É)ø9$$Î/ öNèdur ?w tbqßJn=ôàã? ÇÍÐÈ} (يونس: 47) والرسل هم أول المكلفين بالعلم والعمل وهم قدوة أقوامهم.

9-       جعله كائنا مخيرا بعد ما نفخ فيه من روحه وجعله مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى أمانة التكليف والمسئولية، وجعل مصيره بيده بعد أن بين له طريق الهداية والرشاد فليس له العذر إذا انحرف عنه قال تعالى {È@t/ ß`»|¡RM}$# 4?n?tã ¾ÏmÅ¡øÿtR ×ou??ÅÁt/ ÇÊÍÈ öqs9ur 4?s+ø9r& ¼çnt??Ï?$yètB ÇÊÎÈ} (القيامة: 14-15) فللإنسان إرادة وقدرة على اختيار الخير أو الشر وهذه الإرادة ضمن علم الله بما سيختاره الإنسان لأنه العليم الخبير بما في النفوس، ويتحمل الإنسان بعد ذلك نتيجة عمله ويحاسب عليه قال تعالى {Ïä!$uK¡¡9$#ur $tBur $yg9t^t/ ÇÎÈ ÇÚö?F{$#ur $tBur $yg8yssÛ ÇÏÈ <§øÿtRur $tBur $yg1§qy? ÇÐÈ $ygyJolù;r'sù $ydu?qègéú $yg1uqø)s?ur ÇÑÈ ô?s% yxn=øùr& `tB $yg8©.y? ÇÒÈ ô?s%ur z>%s{ `tB $yg9¢?y? ÇÊÉÈ } (الشمس: 5-10) وقوله {÷bÎ) óOçFY|¡ômr& óOçFY|¡ômr& ö/ä3Å¡àÿRL{ ( ÷bÎ)ur öNè?ù'y?r& $ygn=sù 4 #s?Î*sù uä!%y` ß?ôãur Íot?ÅzFy$# (#qä«ÿ½Ý¡u?Ï9 öNà6ydqã_ãr (#qè=äzô?u?Ï9ur y?Éfó¡yJø9$# $yJ?2 çnqè=yzy? tA¨rr& ;o§?tB (#rç?Éi9tFã?Ï9ur $tB (#öqn=tã #·??Î6÷Ks? ÇÐÈ} (الإسراء).

10-   إن الإنسان في حالة اختبار وابتلاء من الله لكونه مخيراً ومكلفاً فيكون جزاؤه وفق اختياره، وأداؤه للأمانة المكلف بها قال تعالى {$¯RÎ) $oYø)n=yz z`»|¡SM}$# `ÏB >pxÿôÜ?R 8l$t±øBr& Ïm?Î=tGö6¯R çm»oYù=yèyfsù $Jè?ÏJy? #·??ÅÁt/ ÇËÈ} (الإنسان:2)

11-  إن الله لا يكلف الإنسان شططا ولم يرهقه من أمره عسرا وإنما جاء تكليفه ضمن حدود الطاقة الإنسانية كما أنه رفع عنه الحرج في حالات الخطأ، والنسيان، والإكراه.

(4) مسئولية الإنسان:

لم يكتف الإسلام بتكريم الإنسان وتفضيله على غيره من الكائنات بل حمله في مقابل ذلك مسئولية عظيمة تجاه التكاليف ورتب عليها الجزاء، وقد خلق الله الإنسان قادرا على التمييز بين الخير والشر، وألهم النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جنبها الاستعداد للخير والشر، وجعل للإنسان إرادة الاختيار بين الطرق المؤدية إلى الخير والسعادة، أو الطرق الموصلة إلى الشر والشقاء، وكما جعل الله للإنسان حرية وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر قد رتب له الجزاء يوم القيامة على اختياره قال تعالى {$¯RÎ) $oYôÊt?tã sptR$tBF{$# ?n?tã ÏNºuq»uK¡¡9$# ÇÚö?F{$#ur ÉA$t6Éfø9$#ur ?ú÷üt/r'sù br& $pks]ù=ÏJøts? z`ø)xÿô©r&ur $pk÷]ÏB $ygn=uHxqur ß`»|¡RM}$# ( ¼çm¯RÎ) tb%x. $YBqè=sß Zwqßgy_ ÇÐËÈ z>Éj?yèã?Ïj9 ª!$# tûüÉ)Ïÿ»uZßJø9$# ÏM»s)Ïÿ»oYßJø9$#ur ?úüÅ2Î?ô³ßJø9$#ur ÏM»x.Î?ô³ßJø9$#ur z>qçGt?ur ª!$# ?n?tã tûüÏZÏB÷sßJø9$# ÏM»oYÏB÷sßJø9$#ur 3 tb%x.ur ª!$# #Y?qàÿxî $JJ?Ïm§? ÇÐÌÈ} (الأحزاب: 72-73) وقوله {`yJsù ö@yJ÷èt? tA$s)÷WÏB >o§?s? #\?ø?yz ¼çnt?t? ÇÐÈ `tBur ö@yJ÷èt? tA$s)÷WÏB ;o§?s? #v?x© ¼çnt?t? ÇÑÈ } (الزلزلة: 7-8) والإنسان من حيث هو فرد مسئول عن كل ما يقدمه في حياته خيرا كان أو شرا ويجازي عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال تعالى {ö@yd âä!#t?y_ Ç`»|¡ômM}$# ?wÎ) ß`»|¡ômM}$# ÇÏÉÈ } (الرحمن: 60) وقال {(#ätÂt?y_ur 7py¥Íh?y? ×py¥Íh?y? $ygè=÷WÏiB ( ô`yJsù $xÿtã yxn=ô¹r&ur ¼çnã?ô_r'sù ?n?tã «!$# 4 ¼çm¯RÎ) ?w ?=Ïtä? tûüÏJÎ=»©à9$# ÇÍÉÈ } (الشورى: 40) وقال تعالى {$¨Br'sù `tB 4ÓxösÛ ÇÌÐÈ t?rO#uäur no4qu?ptø:$# $u?÷R??9$# ÇÌÑÈ ¨bÎ*sù tLìÅspgø:$# }?Ïd 3?urù'yJø9$# ÇÌÒÈ $¨Br&ur ô`tB t$%s{ tP$s)tB ¾ÏmÎn/u? ?ygtRur }§øÿ¨Z9$# Ç`tã 3?uqolù;$# ÇÍÉÈ ¨bÎ*sù sp¨Ypgø:$# }?Ïd 3?urù'yJø9$# ÇÍÊÈ } (النازعات: 37-44) ولا يسأل الإنسان إلا عما قدمه وارتكبه ولا يؤخذ بكسب غيره. وفي هذا الشأن جاءت النصوص لتؤكد هذه القاعدة قال تعالى {?wur â?Ì?s? ×ou?Î?#ur u?ø?Ír 2?t?÷zé& 4 bÎ)ur äíô?s? î's#s)÷WãB 4?n<Î) $ygÎ=÷H¿q ?w ö@yJøtä? çm÷ZÏB ÖäóÓx« öqs9ur tb%x. #s? #?n1ö?è% 3 $yJ¯RÎ) â?É?Zè? tûïÏ%©!$# ?cöqt±ø?s? Nåk®5u? Í=ø?tóø9$$Î/ (#qãB$s%r&ur no4qn=¢Á9$# 4 `tBur 4?ª1t?s? $yJ¯RÎ*sù 4?ª1u?tIt? ¾ÏmÅ¡øÿuZÏ9 4 ?n<Î)ur «!$# ç??ÅÁyJø9$# ÇÊÑÈ} (فاطر: 18) وقال تعالى {?@ä. ¤§øÿtR $yJÎ/ ôMt6|¡x. îpoY?Ïdu? ÇÌÑÈ } (المدثر: 38)

وإذا كانت تلك القاعدة فردية المسئولية إلا أن الإسلام قد أبقى على المسئولية الجماعية أو مسئولية الإنسان من عمل غيره بقدر ما يكون للفرد نصيب منها وثمة حالات يجازي فيها الإنسان عن عمل غيره بقدر ما يكون للفرد نصيب منها:

1-    أن يكون سببا في عمل الغير بالأمر أو بالإيحاء فالدال على الخير كفاعله.

2-    أن يكون سببا بمجرد القدوة.

3-    أن يكون سبباً في فعل الغير بالسكوت عليه وعدم النهي عنه.

وهكذا يتضح أن الإسلام في نظرته للإنسان قد رد على جاهلية للعصر في نظرتها للإنسان التي أثارت الشكوك حوله في صورة تساؤلات من أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟ وبذلك تتحدد رحلة الإنسان من بدايتها إلى منتهاها خلقاً، وهدفاً، وتكريما، ومسئولية، وجزاءً ومنهجًا.

وقد حدد الإسلام صورة الإنسان المسلم والتي تظهر بوضوح في القرآن الكريم والسنة النبوية في مجموعة من الصفات أمكن للبعض تصنيف هذه الصفات في تسعة مجالات رئيسية على النحو التالي:

1-  سمات تتعلق بالعقيدة وتضم: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والجنة والنار، والقضاء والقدر.

2-  سمات تتعلق بالعبادات وتضم: عبادة الله وأداء الفرائض من صلاة وصوم وزكاء وحج وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وذكر الله واستغفاره والتوكل عليه وقراءة القرآن.

3-  سمات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية وتشمل: معاملة الناس بالحسنى، والكرم والجود، والإحسان، والتعاون، والاتحاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفو، والإيثار، والإعراض عن اللغو، وحب الخير، وإغاثة الملهوف.

4-  سمات تتعلق بالعلاقات الأسرية وتضم: طاعة الوالدين والبر بهما، والإحسان بالوالدين وبذي القربى، وحسن المعاشرة بين الأزواج، ورعاية الأسرة والإنفاق عليها، والتنشئة السليمة للأبناء.

5-     سمات خلقية وتضم: الصبر، والحلم، والصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء بالعهد، والتواضع.

6-  سمات انفعالية وعاطفية وتضم: حب الله والخوف من عذابه، وحب الناس، وكظم الغيظ، وعدم الاعتداء على الغير، والرحمة والشعور بالندم عند ارتكاب ذنب ما.

7-  سمات عقلية معرفية وتشمل: التفكر في الكون وخلق الله، وطلب المعرفة والعلم، وعدم اتباع الظن، وتحري الحقيقة، وحرية الفكر والعقيدة.

8-     سمات تتعلق بالحياة العملية وتشمل: الإخلاص في العمل وإتقانه والسعي بنشاط وجد في سبيل كسب الرزق.

9-     سمات بدنية وتضم: القوة، والصحة، والنظافة، والطهارة.

        ومن الآيات القرآنية الموضحة لهذه السمات والدالة عليها قوله تعالى {tûïÏ%©!$# tbqãZÏB÷sã? Í=ø?tóø9$$Î/ tbqãK?É)ã?ur no4qn=¢Á9$# $®ÿÊEur öNßg»uZø%y?u? tbqà)ÏÿZã? ÇÌÈ tûïÏ%©!$#ur tbqãZÏB÷sã? !$oÿÏ3 tAÌ?Ré& y7ø?s9Î) !$tBur tAÌ?Ré& `ÏB y7Î=ö7s% Íot?ÅzFy$$Î/ur ö/ãf tbqãZÏ%qã? ÇÍÈ y7Í´¯»s9'ré& 4?n?tã ?W?èd `ÏiB öNÎgÎn/§? ( y7Í´¯»s9'ré&ur ãNèd ?cqßsÎ=øÿßJø9$# ÇÎÈ } (البقرة: 3-5)، وانظر أيضاً: (البقرة: 177)، (البقرة: 285)، (المؤمنون:1-9)، (الحجرات: 15)، (آل عمران: 134-135)، (التوبة:71)، (الفرقان: 63-74).

     ومن العناصر الأساسية في تكوين شخصية المسلم ما يلي:

1-    العلم بكل جوانب الإسلام عقيدة وعبادة، وشرعه ومنهاجاً.

2-    الإيمان: وكلما ازداد المسلم معرفة وعلماً بالإسلام ازداد إيماناً.

3-    العمل بتعاليم ومبادئ الإسلام.

وقد جمعت العناصر الثلاث في قوله تعالى {zNn=÷èu?Ï9ur ?úïÏ%©!$# (#qè?ré& zOù=Ïèø9$# çm¯Rr& ?,ysø9$# `ÏB ??Îi/¢? (#qãZÏB÷sã?sù ¾ÏmÎ/ |MÎ6÷?çGsù ¼ã&s! öNßgç/qè=è% 3 ¨bÎ)ur ©!$# Ï?$ygs9 tûïÏ%©!$# (#þqãZtB#uä 4?n<Î) :Þºu?ÅÀ 5O?É)tGó¡?B ÇÎÍÈ } (الحج: 54)

ثانيا: الكون في التصور الإسلامي:

        تعد المعتقدات المرتبطة بالكون ومفهومه، ومكاناته، وطبيعته، والعلاقات بين مكوناته جزءاً هاماً من مكونات الفلسفة الإسلامية للتربية تسترشد بها وتقيم عليها غاياتها وأهدافها، ومناهجها، وخططها، وطرقها، وأساليبها، وممارساتها؛ ذلك لأن تنمية الإيمان لدى المسلم بالوجود أو الكون وما يرتبط بهما من عقائد إيمانية ومساعدته على فهم الضروري من مظاهر الكون الحادث ومحاولة كشف غموضه وأسراره وقوانينه وعلى الانتفاع بما في هذا الكون من قوى والقدرة على التعامل معها وتسخيرها لتقدم البشرية تعد من الغايات والأهداف الرئيسية للتربية الإسلامية.

        وتتلخص نظرة الإسلام إلى الكون في أنه مخلوق لله خلقه لغاية وهدف وما كان اللعب والعبث باعثاً على الخلق، قال تعالى {$tBur $oYø)n=yz ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö?F{$#ur $tBur $yJåks]÷?t/ ?úüÎ6Ïè»s9 ÇÌÑÈ $tB !$yJßg»oYø)n=yz ?wÎ) Èd,ysø9$$Î/ £`Å3»s9ur öNèdu?sYò2r& ?w tbqßJn=ôèt? ÇÌÒÈ } (الدخان: 38-39). كما أن الكون بكل ما فيه من عناصر وأجزاء يسير في حركة حسب سنن ونواميس دقيقة وعلاقات منتظمة خاضع لإرادة الله وأمره ومشيئته مسير ومدبر لا يملك من يقف أمام عناصره إلا التسليم بوحدة المدبر ووحدانيته. قال تعالى {×pt?#uäur ãNßg©9 ã@ø?©9$# ã?n=ó¡nS çm÷ZÏB u?$pk¨]9$# #s?Î*sù Nèd tbqßJÎ=ôà?B ÇÌÐÈ ß§ôJ¤±9$#ur ?Ì?øgrB 9h?s)tGó¡ßJÏ9 $yg©9 4 y7Ï9ºs? ã??Ï?ø)s? Í??Í?yèø9$# ÉO?Î=yèø9$# ÇÌÑÈ t?yJs)ø9$#ur çm»tRö?£?s% tAÎ?$oYtB 4Ó®Lym y?$tã Èbqã_ó?ãèø9$%x. ÉO?Ï?s)ø9$# ÇÌÒÈ ?w ߧôJ¤±9$# ÓÈöt7.^t? !$olm; br& x8Í?ô?è? t?yJs)ø9$# ?wur ã@ø?©9$# ß,Î/$y? Í?$pk¨]9$# 4 @@ä.ur ?Îû ;7n=sù ?cqßst7ó¡o? ÇÍÉÈ } (يس: 37-40)، بالإضافة إلى أن الكون رغم أنه زاخر بالنعم إلا أنه مسخر للإنسان قال تعالى {ª!$# ?Ï%©!$# t,n=y{ ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö?F{$#ur tAt?Rr&ur ?ÆÏB Ïä!$yJ¡¡9$# [ä!$tB ylt?÷zr'sù ¾ÏmÎ/ z`ÏB ÏNºt?yJ¨V9$# $]%ø?Í? öNä3©9 ( t?¤?y?ur ãNä3s9 ??ù=àÿø9$# y?Ì?ôftGÏ9 ?Îû Ì?óst7ø9$# ¾ÍnÌ?øBr'Î/ ( t?¤?y?ur ãNä3s9 t?»yg÷RF{$# ÇÌËÈ t?¤?y?ur ãNä3s9 }§ôJ¤±9$# t?yJs)ø9$#ur Èû÷üt7ͬ!#y? ( t?¤?y?ur ãNä3s9 ?@ø?©9$# u?$pk¨]9$#ur ÇÌÌÈ} (إبراهيم: 32-33).

       ويفهم من هذه العلاقة "التسخير" بأن الطبيعة أو الكون ليسا عدوا للإنسان وليسا عقبة في سبيل تقدمه بل يجب النظر إلى الكون على أنه أداة لتقدمه ونفعه وخدمته ومحل نظره واعتباره وتأمله وتفكيره وتدبره حتى يستطيع أن يكتشف قوانينها وينتفع بخبراتها لأعمار الأرض حتى يستشعر عظمه الخالق الذي خلق الكون وسخره للإنسان، ومنحه أدوات التسخير "السمع، والبصر، والفؤاد" التي تضمن له حسن الانتفاع به وتحقيق غاياته النهائية والتربية هي الأداء التي تمكن الإنسان من التدريب على الاستخدام الصحيح للسمع والبصر والفؤاد وحسن استغلالهم.

     ومن ناحية أخرى تنمي قدرات الإنسان واستعداداته وإمكاناته ويرتبط نمو المجتمع وتقدمه ارتباطا طرديًا بالقدرة على تحقيق علاقة التسخير، فالذين يحسنون تحقيقها يوظفونها في تقدم مجتمعاتهم وبناء حضاراتهم، أما الذين لا يحسنون التخسير واكتشاف قوانينه، فسوف يظلون فريسة التخلف والمرض والجهل وعاجزين عن التقدم وتنمية مجتمعهم.

        وتجدر الإشارة إلى أن التسخير الذي هو مجمل العلاقة بين الإنسان والكون لا يعني تجاوز الحد في أبعاده، وطغيان الإنسان، وتجاوز حد هذه العلاقة: إفسادا وقتلا، وسفكا ودمارا وتدميرا، وإذا كان الأمر كذلك فإن العاقبة ونتائج ذلك سوف تكون وخيمة على الإنسان ومجتمعه في صورة مشكلات تتعرض لها بيئة هذا الإنسان ومجتمعه، قال تعالى {t?ygsß ß?$|¡xÿø9$# ?Îû Îh?y9ø9$# Ì?óst7ø9$#ur $yJÎ/ ôMt6|¡x. ?Ï?÷?r& Ĩ$¨Z9$# Nßgs)?É?ã?Ï9 uÙ÷èt/ ?Ï%©!$# (#qè=ÏHxå öNßg¯=yès9 tbqãèÅ_ö?t? ÇÍÊÈ } (الروم: 41).

ثالثا: الحياة في التصور الإسلامي:

        جاء تصور الإسلام للحياة تصوراً فريداً شاملاً ومتميزاً. فالحياة وفقاً لهذا التصور ليست هي الفترة المحدودة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان وعرضاً في الآفاق، وعمقاً في العوالم، وتنوعاً في الحقيقة، تمتد في الزمان لتشمل الفترة المشهودة –الحياة الدنيا- وفترة الحياة الأخرى، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض داراً أخرى، جنة وناراً، وتمتد في العوالم فتشمل إلى جانب هذا الوجود المشهود وجوداً غيبياً لا يعلم حقيقته إلا الله. أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طريق الدنيا لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا. ومن ثم يجمع المنهج الإسلامي بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق، فلا يفوت الإنسان دنياه لينال آخرته ولا يغفل عن آخرته لينال دنياه، فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الخلافة في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة.

        ومن الآيات الدالة على هذا التعانق واللقاء بين الدنيا والآخرة قوله تعالى {Æ÷tGö/$#ur !$yJ?Ïù ??9t?#uä ª!$# u?#¤$!$# not?ÅzFy$# ( ?wur ?[Ys? y7t7?ÅÁtR ?ÆÏB $u?÷R??9$# ( `Å¡ômr&ur !$yJ?2 z`|¡ômr& ª!$# ??ø?s9Î) ( ?wur Æ÷ö7s? y?$|¡xÿø9$# ?Îû ÇÚö?F{$# ( ¨bÎ) ©!$# ?w ?=Ïtä? tûïÏ?Å¡øÿßJø9$# ÇÐÐÈ } (القصص: 77)، وقوله تعالى {àMù=à)sù (#rã?ÏÿøótFó?$# öNä3­/u? ¼çm¯RÎ) ?c%x. #Y?$¤ÿxî ÇÊÉÈ È@Å?ö?ã? uä!$yJ¡¡9$# /ä3ø?n=tæ #Y?#u?ô?ÏiB ÇÊÊÈ /ä.÷?Ï?ôJã?ur 5AºuqøBr'Î/ tûüÏZt/ur @yèøgs?ur ö/ä3©9 ;M»¨Zy_ @yèøgs?ur ö/ä3©9 #\?»pk÷Xr& ÇÊËÈ } (نوح: 10-12)، وقد جعل الإسلام الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة وقد حدد "النحلاوي" أهم صفات الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها على النحو التالي:

1-    متاع مؤقت ومكان عبور ووسيلة إلى الآخرة ولا يجوز اتخاذها غاية.

2-    الدنيا مملؤة بالزينة والشهوات واللذات وهذا من تمام الابتلاء والاختبار.

3-  للمسلم أن يستمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع وبشرط ألا تلهيه عن طاقة الله فيستمتع بالمال ليؤدي زكاته، وبالبنين بتربيتهم على طاعة الله.

4-    الدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية.

5-    الحياة الدنيا قصيرة الأجل.

6-    الحياة الدنيا دار عمل وسعي ولعب ولهو وتفاخر وتكاثر.

  ومن ثم فعلى المسلم ألا يغتر بالحياة الدنيا، وأن ينظر إليها على أنها دار ابتلاء واختبار، وألا يحرم نفسه من خيراتها بل عليه أن يتمتع بها.

والابتلاء هو المظهر العملي للعلاقة بين الله والإنسان "العبودية" والحياة هي الزمن المقرر لهذا الابتلاء، والكون هو مكان الابتلاء، مواده ما على الأرض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى. وقد يكون الابتلاء بالشر وقد يكون بالخير. قال تعالى { Nä.qè=ö7tRur Îh?¤³9$$Î/ Î?ö?s?ø:$#ur ZpuZ÷FÏù ( $uZø?s9Î)ur tbqãèy_ö?è? ÇÌÎÈ } (الأنبياء: 35)، وقال تعالى { Nßg»tRöqn=t/ur ÏM»oY|¡ysø9$$Î/ ÏN$t«Íh?¡¡9$#ur öNßg¯=yès9 tbqãèÅ_ö?t? ÇÊÏÑÈ } (الأعراف: 168) ويتعاقب في حياة الإنسان الابتلاء بالخير، والابتلاء بالشر، وتحرص التربية الإسلامية أن تربي الإنسان على تناول الخير لدفع الشر كأن يزيل الكفر بالإيمان، والمرض بالتداوي، والعوز بالعمل والإنتاج، والعدوان بالجهاد، والجهل بالعلم، والظلم بالعدل، وكذا سائر الابتلاءات.

وإذا ما انتهى أجل الإنسان، وانتهت الحياة الدنيا المقررة لابتلاء الإنسان واختباره، وحل محلها عالم الآخرة بنظامه ومقوماته ليقدر الله أعمال العباد ويزنها بالقسطاس المستقيم حين يضيع الله الموازين القسط، فإذا انقضى الحساب تجلت رحمة الله على عباده المؤمنين فيدخلهم الجنة، ويتجلى غضبه على الكفار الجاحدين الذين يدعون إلى نار جهنم دعًّا.

والعلاقة التي تربط الإنسان بالآخرة هي علاقة المسئولية والجزاء والمسئولية درجات ومستويات تنتظم في دوائر يندرج الأصغر منها في الأكبر، وهي تبدأ بالفرد وتنتهي بالأمة أو بالإنسانية جمعاء، منها مسئولية الفرد عن نفسه وعن ما منحه الله له من قدراته وإمكانات سمعية وبصرية وعقلية، ومسئولية الفرد تجاه أسرته ومسئولية الفرد عن الأمة.

ويتمثل دور التربية الإسلامية في إعداد الفرد للقيام بمسئولياته نحو نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته ومعايير وضوابط ممارسة هذه المسئوليات.

وفي النهاية يمكن إيجاز نموذج العلاقات في التربية الإسلامية بين الخالق، والكون، والإنسان، والحياة على النحو التالي:

-       العلاقة بين الله والإنسان علاقة عبودية.

-       العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير.

-       العلاقة بين الإنسان والحياة الدنيا علاقة ابتلاء واختبار.

-       العلاقة بين الإنسان والحياة الآخرة علاقة مسئولية وجزاء.

       وعلى نظام التربية أن يعمل على إعداد الإنسان في ضوء هذه العلاقات حتى يتحقق له النمو وكلما نجحت التربية في تحقيق ذلك كلما أدت دورها بنجاح أما إذا فشلت فقد فقدت فاعليتها وأصبحت شكلاً بلا مضمون.

رابعاً: المعرفة في التصور الإسلامي:

        إذا كان الفكر الحديث والمعاصر يفخر بإيمانه بأهمية العلم والمعرفة وإفساح المجال أمامهما واسعا فإن الإسلام بتعاليمه كان له فضل السبق في  تأكيد أهميتهما وبيان فضلهما والدعوة إلى طلبهما وتطبيقهما واستخدامهما في كل ما ينفع ويحقق الخير والتقدم للأمة.

        وإذا كان الإسلام قد جعل الكون كتاباً للمعرفة ووجه الإسماع والأبصار والأفئدة إلى بدائع صنع الله فيه، ودعا إلى التفكير في آياته وكشف أسراره وفهم نظمه وقوانينه، وحرر العقول من أسر الجمود والجهل والتبعية، وحث على البحث والدراسة والتعلم، فإن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم بمفهومه الشامل الذي ينتظم كل ما يتصل بالحياة ولا يقتصر على مجال دون غيره وعلى ذلك لم يعرف في الإسلام الصراع بين العلم والدين، ولا معاداة أحدهما للآخر وإنما يعتبر العلم الحق داعياً إلى الإيمان ودليلاً عليه. قال تعالى {zNn=÷èu?Ï9ur ?úïÏ%©!$# (#qè?ré& zOù=Ïèø9$# çm¯Rr& ?,ysø9$# `ÏB ??Îi/¢? (#qãZÏB÷sã?sù ¾ÏmÎ/ |MÎ6÷?çGsù ¼ã&s! öNßgç/qè=è% 3 ¨bÎ)ur ©!$# Ï?$ygs9 tûïÏ%©!$# (#þqãZtB#uä 4?n<Î) :Þºu?ÅÀ 5O?É)tGó¡?B ÇÎÍÈ} (الحج: 54) معان ثلاثة مترتب بعضها على بعض العلم يتبعه الإيمان تبعية ترتيب بلا تعقيب ليعلموا فيؤمنوا، والإيمان يتبعه حركة القلوب من الإخبات والخشوع والخضوع لله تعالى، وهكذا يثمر العلم الإيمان بالله تعالى، فالإيمان هو نوع من العلم بالله وما الكفر إلا جهل وجهالة.

مصدر المعرفة:

        يكتسب الإنسان العلم والمعرفة من مصدرين أساسيين هما: مصدر إلهي ونعني به ذلك النوع من العلم الذي يأتينا من الله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤية الصادقة. وعلم الله علم شامل لكل غيب غير ملموس أو مشهود أو محسوس، وعلم كامل غير منقوص يحيط بكل ما يتعلق بموضوعات العلم إحاطة مطلقة، وعلم مفصل يتناول دقائق الأشياء والأحداث والتصورات قال تعالى {ö@è% $yJ¯RÎ) ÞOù=Ïèø9$# y?ZÏã «!$# !$yJ¯RÎ)ur O$tRr& Ö??É?tR ×ûüÎ7?B ÇËÏÈ } (الملك: 26)، وقوله تعالى {tA$s% $yJ¯RÎ) ãNù=Ïèø9$# y?ZÏã «!$# /ä3äóÏk=t/é&ur !$¨B àMù=Å?ö?é& ¾ÏmÎ/ ûÓÍo_Å3»s9ur ö/ä31u?r& $YBöqs% ?cqè=ygøgrB ÇËÌÈ} (الأحقاف:23).

        ومصدر بشري: ونعني به ذلك النوع من العلم الذي يتعلمه الإنسان عن طريق التربية والتعليم من خلال مؤسساتها المتعددة أو من خبراته في الحياة واجتهاداته وملاحظاته. وهذا العلم هو في الحقيقة مستمد من الله تعالى فهو جل شأنه الذي أمدنا بأدوات العلم والتعلم، كما أن معرفة الإنسان بجميع صورها وأشكالها مستمدة من المصدر الإلهي لغوية، ودينية، وصناعية، وزراعية، قال تعالى {zO¯=tæ z`»|¡SM}$# $tB óOs9 ÷Ls>÷èt? ÇÎÈ} (العلق: 5)، وقال تعالى {ß`»oH÷q§?9$# ÇÊÈ zN¯=tæ tb#uäö?à)ø9$# ÇËÈ ?Yn=y{ z`»|¡SM}$# ÇÌÈ çmyJ¯=tã tb$u?t6ø9$# ÇÍÈ } (الرحمن:1-4)، وقال تعالى {ø?Î)ur ??çFôJ¯=tæ |=»tFÅ6ø9$# spyJõ3Ïtø:$#ur sp1u?öq­G9$#ur ?@?ÅgUM}$#ur (} (المائدة:110)، وقال تعالى {uqèd ?Ï%©!$# y]yèt/ ?Îû z`¿Íh?ÏiBW{$# Zwqß?u? öNåk÷]ÏiB (#qè=÷Ft? öNÍkö?n=tã ¾ÏmÏG»t?#uä öNÍk?Ïj.t?ã?ur ãNßgßJÏk=yèã?ur |=»tGÅ3ø9$# spyJõ3Ïtø:$#ur} (الجمعة:2)، وقال تعالى {çm»oY÷K¯=tæur spyè÷Y|¹ <¨qç7s9 öNà6©9 Nä3oYÅÁósçGÏ9 .`ÏiB öNä3Å?ù't/ (} (الأنبياء:80)، وقال تعالى {$¨Ys9r&ur çms9 y??Ï?ptø:$# ÇÊÉÈ Èbr& ö@uHùå$# ;M»tóÎ7»y? ö?Ïd?s%ur ?Îû Ï?÷??£9$# (} (سبأ: 10-11)، وقال تعالى {$uZø9t?Rr&ur y??Ï?ptø:$# Ïm?Ïù Ó¨ù't/ Ó??Ï?x© ßìÏÿ»oYtBur Ĩ$¨Z=Ï9 } (الحديد: 25)، وقال تعالى {ô`ÏBur $ygÏù#uqô¹r& $ydÍ?$t/÷rr&ur !$ydÍ?$yèô©r&ur $ZW»rOr& $·è»tGtBur 4?n<Î) &ûüÏm } (النحل: 80)، وقال تعالى {×pt?#uäur ãNçl°; ÞÚö?F{$# èptGø?yJø9$# $yg»uZ÷?u?ômr& $oYô_{?÷zr&ur $pk÷]ÏB ${7ym çm÷YÏJsù tbqè=à2ù't? ÇÌÌÈ } (يس:33)، وقال تعالى {uqèd ?Ï%©!$# ?@yèy_ ãNä3s9 uÚö?F{$# Zwqä9s? (#qà±øB$$sù ?Îû $pkÈ:Ï.$uZtB (#qè=ä.ur `ÏB ¾ÏmÏ%ø?Íh? ( Ïmø?s9Î)ur â?qà±?Y9$# ÇÊÎÈ } (الملك:15)

       ومما يدل على أن المصدر البشري هو أحد مصادر المعرفة الحادثة المرتبطة بتأبيد النخل. عن أنس (رضي الله عنه) أن النبي (r) مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شخصا فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ويؤكد ذلك أيضاً الأمر بالشورى فلقد استشار الرسول أصحابه في الغزوات كما حدث في غزوة بدر، وأحد، والخندق وغيرها، ومما يؤكد الربط بين المصدرين الإلهي والبشري ما حدث في قصة بني آدم، لما قتل قابيل هابيل عجز أن يوارى سوأته فبعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه فاقتدى قابيل بالغراب ودفن أخاه قال تعالى {ôMtã§qsÜsù ¼çms9 ¼çmÝ¡øÿtR ?@÷Fs% Ïm?Åzr& ¼ã&s#tGs)sù yxt6ô¹r'sù z`ÏB ?úïÎ?Å£»s?ø:$# ÇÌÉÈ y]yèt7sù ª!$# $\/#{?äî ß]ysö7t? ?Îû ÇÚö?F{$# ¼çmt?Î?ã?Ï9 y#ø?x. ?Í?ºuqã? nouäöqy? Ïm?Åzr& 4 tA$s% #ÓtLn=÷?uq»t? ßN÷?yftãr& ÷br& tbqä.r& ?@÷WÏB #x?»yd É>#{?äóø9$# y?Í?ºuré'sù nouäöqy? ÓÅ?r& ( yxt7ô¹r'sù z`ÏB tûüÏBÏ?»¨Y9$# ÇÌÊÈ} (المادة: 30-31)

        وقد حدد البعض أنواع المعرفة ومصادر الحصول عليها في الإسلام في: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، المعرفة الحدسية، والمعرفة الإلهامية، والمعرفة الوحيية وحدد لكل مصدر ما يناسبه من مجال المعرفة فأنسب المصادر للمعرفة الحسية هي الحواس والإدراك الحسي، وأنسب المصادر للمعرفة العقلية هو العقل. وأنسب المصادر لاكتساب المعارف الذوقية والعاطفية هو الحدس والإلهام، وأنسب المصادر لاكتساب المعارف الدينية والخلقية والغيبية هو الوحي.

ميادين المعرفة:

        تنقسم ميادين المعرفة إلى مجالين رئيسين هما: الغيب، الشهادة، أما ميدان الغيب فموضوعه الله سبحانه وتعالى، والملائكة، وما قبل الحياة، وما بعدها من الإيمان باليوم الآخر وما فيه من البعث، والحشر، والحساب، وفتنة القبر، والجنة والنار وغير ذلك، وتنقسم ميدان الشهادة إلى قسمين هما: ميدان الآفاق، وميدان الأنفس وإليهما أشار الله (عز وجل) بقوله {óOÎg?Î?ã\y? $uZÏF»t?#uä ?Îû É-$sùFy$# þ?Îûur öNÍkŦàÿRr& 4Ó®Lym tû¨üt7oKt? öNßgs9 çm¯Rr& ?,ptø:$# } (فصلت: 35)

        ويمكن وصف العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة بأنها علاقة متكاملة متبادلة متجددة وتتلخص في أمرين الأول: أن أدلة عالم الغيب وبراهينه موجودة في عالم الشهادة، والثاني: أن المخلوقات تبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة وتنتقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بانتظام واضطراد ومن أمثلة ذلك الولادة، والموت، في عالم الإنسان والحيوان والنبات.

أدوات المعرفة:

        تتعدد أدوات المعرفة في التربية الإسلامية وتتكامل لتحقيق وبلوغ المعرفة المراد الوصول إليها وهي ثلاث: الوحي، والعقل، والحس، فالوحي هو أداة المعرفة في ميدانها الأول وهو ميدان الغيب، أن العقل والحس فيهما أداتها في ميدان الشهادة بقسميها الآفاق والأنفس، وتتكامل أدوات المعرفة الثلاثة لبلوغ الغايات وتحقيق الأهداف، فالوحي للعقل بمثابة الضوء للبصر، فكما أن العين لا تبصر في الظلمة كذلك العقل لا يبصر الحقائق إذا انفرد في البحث عنها، لذا سميت آيات الوحي في القرآن الكريم "بصائر" قال تعالى {ô?s% Nä.uä!%y` ã?ͬ!$|Át/ `ÏB öNä3În/§? ( ô`yJsù u?|Çö/r& ¾ÏmÅ¡øÿuZÎ=sù ( ô`tBur }?ÏJtã $ygø?n=yèsù 4} (الأنعام:104)، وقال تعالى {#x?»yd ã?ͬ!$|Át/ `ÏB öNà6În/§? ?Y?èdur ×puH÷qu?ur 5Qöqs)Ïj9 tbqãZÏB÷sã? ÇËÉÌÈ} (الأعراف:203)، وقال تعالى {#x?»yd ç?ȵ¯»|Át/ Ĩ$¨Y=Ï9 ?Y?èdur ×pyJômu?ur 5Qöqs)Ïj9 ?cqãYÏ%qã? ÇËÉÈ} (الجاثية:20) وهي توجيهات إلهية للعقل البشري تمكنه خلال النظر في ميادين الخلق من استخدام ثمرات العلم استخداماً سليماً عن طريق تحديد مسار هذا العقل وغايات المعرفة وميادينها بالإضافة إلى أنها تحفظ العقل من الانحراف إلى ميادين الوهم والظن والخرافة.

        وتجدر الإشارة: إلى خطورة انفصال الوحي عن العقل، وضرورة التكامل بينهما، فحين انفصل العقل عن الوحي جنح العقل إلى الاستبصار بالسحر، وقراءة الكف والنجوم والطالع وضرب الحصى وتحكم السحرة والعرافين والمشعوذين والدجالين، وحين طرح العقل منفصلاً عن الوحي كانت الحلول والتنبؤات لمشكلات العصر نتائجها خاطئة وآثارها مدمرة، وتداعت سلبيات العلم المجرد من الإيمان، فشقى الإنسان بالعلم وانتهت الحضارة إلى السقوط.

        وتشهد عصور الضعف في الحضارة الإسلامية انشقاق في أدوات المعرفة وميادينها، فقد توقف منهج المعرفة عن الجمع بين الوحي والعقل والحس أي أنهم توقفوا عن النظر في آيات الآفاق والأنفس واكتفوا بدراسة ما أفرزه الآباء، الأمر الذي أدى إلى إهمال تنمية القدرات العقلية وتوقف نموها، فقد اخترع المتكلمون لأنفسهم منهجاً عقلياً كلامياً لا يتكامل مع الوحي ولا يستعين بالحس فافتقروا بذلك إلى إرشاد الوحي، وتنكر الصوفية للعقل ورفضوا دوره واعتمدوا على التحليل والإلهام، ووضع الفلاسفة العقل في مواجهة الوحي وبذلك حرموا العقل من بصائر الوحي، ومازال المسلم يعيش أزمة فكرية نفسية اجتماعية تحول بينه وبين أن يأخذ دوره المنشود في طليعة الأمم وعليه حتى يتجاوز هذه الأزمة أن يتعلم كيف يقرأ، وأن ينمي مهارات القراءة لديه، وأن يجتهد ويبدع ويبتكر ويضع المعرفة موضع التطبيق حتى يسهم في نمو الفكر الإنساني المعاصر وتشييد الحضارة الإنسانية بدلاً من الاستمرارية في اجترار الماضي والتباهي بتراث الآباء والأجداد ثم يعيش بعد ذلك طفيلياً على إسهامات الآخرين ومنتجاتهم.

خامساً: القيم الإسلامية:

        ورد أن كلمة القيمة   Valueمشتقة من الفعل اللاتيني Valeo  ويعني أقوى أو بصحة جيدة، وهذا يعني أن القيمة تحتوي على معنى المقاومة والصلابة. وعدم الخضوع للمؤثرات، والقيمة واحدة القيم، وأصله الواو لأنه يقوم مقام الشئ، والقيمة ثمن الشئ بالتقويم، وإذا انقاد الشئ واستمرت طريقته فقد استقام، وقيم الأمر مقيمه، وأمر قيم أي مستقيم، وخلقك قيم أي مستقيم حسن، وقوله تعالى: (لله الدين القيم) أي المستقيم، الذي لا زيغ فيه ولا ميل عن الحق، أو المقوم لأمر الناس، وقوله تعالى: "فيها كتب قيمة" مستقيمة تبين الحق من الباطل على استواء وبرهان، وقوله تعالى: ذلك دين القيمة ذلك دين الأمة التي تسلك سبيل العدل والاستقامة، أو دين الأمة القيمة بالحق ويجوز أن يكون دين الملة المستقيمة، وقوام الرجل قامته وحسن طوله، وقوام الأمر نظامه وعماده، وماله قيمة إذا لم يدم على شئ، والقيوم الذي لا ند له، والقيم السيد وسائس الأمر، وقيم القوم الذي يقومهم ويسوس أمرهم.

      والقيمة هي: الحكم الذي يصدره الإنسان على شئ ما مهتدياً بمجموعة من المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يحدد المرغوب فيه، والمرغوب عنه من السلوك، أو هي: اهتمام أو اختيار أو تفضيل يشعر معه صاحبه أن له مميزاته الخلقية أو العقلية أو الجمالية، أو كل هذه مجتمعه بناء على المعايير التي تعلمها من الجماعة ووعاها في خبرات حياته، نتيجة عمليات الثواب والعقاب والتوحد مع الغير، أو هي: أحكام يصدرها الفرد على العالم الإنساني والاجتماعي والمادي الذي يحيط به، أو مجموعة الأحكام المعيارية المتصلة بمضامين واقعية يتشربها الفرد من خلال انفعاله وتفاعله مع المواقف والخبرات المختلفة، ويشترط أن تنال هذه الأحكام قبولاً من جماعة معينة حتى تتجسد في سياقات الفرد السلوكية أو اللفظية، أو اتجاهاته أو اهتماماته.

    ويتضح مما سبق أن مفهوم القيم يتضمن اتخاذ قرار أو حكم ما يتحدد على أساسه سلوك الفرد أو الجماعة حيال موضوع من الموضوعات بناء على نظام معقد من المعايير والمبادئ بمعنى أنها ليست تفضيلاً شخصياً أو ذاتياً ولكنها تفضيل له ما يبرره في ضوء المعايير التي تعلمها الفرد من الجماعة وغالباً ما يتضمن هذا التفضيل توتراً وصراعاً بين ما يرغب فيه الإنسان عادة، وبين ما ينبغي أن يكون عليه، وينتج عن هذا التفضيل وضع الأشياء في مراتب ودرجات بعضها فوق بعضها وهذا يعني أن القيم تترتب فيما بينها ترتيباً هرمياً، حيث تهيمن بعض القيم على بعض وهذا ما يطلق عليه "نسق القيم" Value System والذي يمكن اعتباره إطاراً مرجعياً للسلوك يحكم تصرفات الإنسان ويوضح أولويات القيم التي يتبناها الفرد أو الجماعة، وللقيمة خاصية الانتقاء أو الاختيار بمعنى أنها تكشف عن نفسها من خلال الاختيار بين بدائل، أو توجهات متعددة في الحياة.

       ومن العرض السابق يتضح أن القيم تحتوي على ثلاثة عناصر أساسية فمن حيث كونها مفهوماً تحتوي على عنصر معرفي، ومن حيث كونها شيئاً مرغوباً فيه تحتوي على عنصر انفعالي، أو وجداني، ومن حيث تأثيرها في انتقاء أساليب العمل تحتوي على عنصر نزوعي.

        ومما سبق يمكن القول إن القيم نقطة تلتقي فيها المعرفة مع السلوك، أو العلم مع العمل به انطلاقاً من أن القيم موجهات عامة للسلوك، كما أن العمل بها قائم على رؤية وتفكير وتعقل، فليس هناك علم بلا عمل في مجال القيم أو العمل دون علم، بل هناك حياة متكاملة قوامها المعرفة، والمشاركة في بناء الشخصية، ومن ثم تأخذ القيم طابع الفلسفة العملية أو التطبيق العملي.

مفهوم القيم الإسلامية:

        لاشك أن لكل أمة خصائصها ومميزاتها وهذه الخصائص والمميزات ربيبة تاريخها ووليدة تراثها، وهي متصلة أوثق الصلات بحاجة الأمة وآمالها وأمانيها، كما أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدتها، وتحرص كل أمة من الأمم أن يكون لها إطار عام من القيم تؤمن به على أن يكون هذا الإطار راسخاً قوياً متفقاً عليه من غالبية أفرادها حتى تضمن لنفسها نوعاً من التجانس أو التماسك، وحتى يتحقق هذا لابد وأن تكون هذه القيم نابعة من مصادر أصلية قوية يؤمن بها الأفراد ويلتزمون بها، فأجدر بنا ونحن في مجتمع يؤمن برسالات السماء، ويتخذ من الدين الإسلامي شرعة ومنهاجاً أن نجعل من القيم الدينية التي تنبثق من الدين الإسلامي كياناً قائماً على قمة النسق القيمي للمجتمع.

        والقيم الدينية تعني مجموعة الأخلاق التي تصنع نسيج الشخصية الإسلامية وتجعلها متكاملة وقادرة على التفاعل الحي مع المجتمع وعلى التوافق مع أعضائه وعلى العمل من أجل النفس والعقيدة، أو هي مجموعة الصفات السلوكية العقائدية والأخلاقية والتي توجه السلوك وجهة دينية، ويرى البعض أنها شيم وطبائع لازمة لكل مجتمع صالح يجب أن تبذل دون انتظار مقابل لها أو أجر عليها، وهي حق الله على البشر ومنهج الفطرة الإنسانية المستقيمة.

        وثمة تعريفات تنظر إلى القيم الدينية على أنها عملية تفضيل تقوم على الاستقامة والاعتدال، وتنطلق أساساً من مصادر ومعايير ومبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وتحدد المرغوب فيه حلالاً طيباً وتأمر به، والمرغوب عنه حراماً خبيثاً وتنهى عنه، وتعمل كدوافع أو مثيرات لسلوك الفرد والمجتمع نحو خلق الشخصية السوية المتكاملة وتنميتها وذلك بما يكفل للإنسان السعادة الأبدية، أو هي حكم يصدره الإنسان على شئ ما مهتدياً بمجموعة من المبادئ والمعايير التي ارتضاها الشرع محدداً المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك.

        وقيم الإنسان المسلم تعني المعتقدات والأحكام التي مصدرها القرآن والسنة ويتمثلها ويلتزم بها الإنسان المسلم ومن ثم يتحدد في ضوئها علاقته بربه واتجاهه نحو حياته في الآخرة، كما تحدد موقفه من بيئته الإنسانية والمادية، وبتعبير آخر اتجاهه نحو الحياة الدنيا، فهي معايير يتقبلها ويلتزم بها المجتمع المسلم وأعضائه من الأفراد المسلمين، ومن هنا فهي تشكل وجدانهم وتوجه سلوكهم على مدى حياتهم لتحقيق أهداف لها جاذبيتها وقابليتها للتحقق.

        ومما سبق يتضح أن القيم الدينية هي تلك المبادئ التي وضعها الإسلام، وحث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، وتجلت في السيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين فتمت ممارستها في صدر الدعوة، ومازالت تتجلى في سلوك العاملين والمتمسكين بالكتاب والسنة، وفي ضوء ذلك يمكن تعريف القيم الإسلامية بأنها: مجموعة الصفات أو السمات التي حث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تحدد شخصية المسلم وفق منهج متكامل، وتنظم سلوكه وعلاقته بالله والكون وبمجتمعه وبنفسه، وتعمل كمعايير أو أطر مرجعية موجهة للسلوك وضابطة له.

        وللقيم الإسلامية المكونات التالية:

1-       المعرفة: وتتمثل في إدراك الفرد للمفاهيم والأفكار والمبادئ والمعتقدات الدينية.

2-       الوجدان: ويتمثل في القبول الانفعالي للقيمة.

3-       النزوع: ويتمثل في الرغبة في تحقيق قيمة ما.

4-       السلوك أو العمل: وهو الثمرة الطبيعية للإيمان والحركة الذاتية التي تبدأ في تلك اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان بالقلب. والترجمة الفعلية أو التطبيق والتجسيد لما آمن به الفرد واعتنقه من مبادئ وقيم، فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. ولقد قال قوم تخاذلوا فيما يجب عليهم: نحن نحسن الظن بالله، فقال كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، ولقد أنكر الإسلام ما يحدث من خلل وتناقض بين العلم والعمل قال تعالى {$pk??r'¯»t? tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä zNÏ9 ?cqä9qà)s? $tB ?w tbqè=yèøÿs? ÇËÈ u?ã9?2 $ºFø)tB y?YÏã «!$# br& (#qä9qà)s? $tB ?w ?cqè=yèøÿs? ÇÌÈ } (الصف: 2-3)، وقد روي عن على بن أبي طالب أنه قال في خطبة له: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم كما أن التسليم، هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال: إن المؤمن من أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه، إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر من يعرف كفره بإنكاره.

5-   التواصي أو التناصح، وفي ذلك دلالة على أن الإسلام في جوهره دعوة للتعاون على كل خير والابتعاد عن كل شر وفي ذلك يقول الرسول (r) "الدين النصيحة".

 وقد جمعت عناصر ومكونات القيم الدينية في قوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (العصر)". وفي هذه السورة لا تتمثل عناصر القيم الدينية ومكوناتها فحسب إنما يتمثل فيها منهج كامل للحياة البشرية كما يراها الإسلام تضع الدستور الإسلامي وتصف الأمة المسلمة قيمتها ووظيفتها، الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

ومما سبق يمكن القول إن القيم الدينية ليست فكراً فقط، لأن الفكر تأمل لا تأثير له في الواقع إذا اعتبرناه بمفرده، وليست وجداناً أو دافعاً فقط فهما بمثابة وقود حركة وقوة دافعة، وليست سلوكاً وتواصىلا فقط، وإنما تُعد القيم الدينية النقطة التي يجتمع عندها الفكر تأملاً وتدبراً واستبطاناً، والوجدان والدافع قوة محركة، والسلوك والتناصح عمل صالح وحركة ذاتية. إنها فكر تأملي جاد يؤكد الوجدان والدافع والسلوك وفقاً لها على العمل وقوة الاتجاه نحوه، وإلى تقبل الآثار الناجمة عنه أو مقاومتها، فالقيم مظهرها الواقع والتطبيق العملي في صورة نموذج لمجتمع مثالي يشرح الجانب النظري ويبرز المثال والنموذج، فليس في القيم الدينية مواقف أو مظاهر سلبية، ولا يكتفي فيها بانفعال الباطن في صورة استحسان أو استهجان ولكنها تدفع الإنسان دفعاً إلى إحداث حركة مؤثرة في السلوك.

ويقوم نسق القيم الدينية على العناصر التالية:

1- الإلزام:

        والإلزام أمر ونهي من الله يحفز الناس إلى عمل الخير رغبة في الثواب، ويردعهم عن فعل الشر رهبة من العقاب، وتجدر الإشارة على أن الإلزام لا يُلزم الإنسان بما فوق طاقاته وقدراته، وهذا يعني ملاءمة الإلزام للطبيعة الإنسانية، وتقتضي حقيقة الإلزام وضع القاعدة التي يكلف بها الإنسان، ثم التوجه إليه بهذه القاعدة للالتزام بها عن طريق الأمر والنهي باعتبار نوع التكليف وإرادة المكلف به.

        ومصدر الإلزام هنا هو الله، غير أنه يتوجه بالخطاب إلى العقل فيما يُلزم الإنسان به، ويطلب من العقل فهمها وتدبرها، الوقوف على أصولها وفروعها والتعرف على مقاصدها ودوافعها، حتى يظن العقل أنه هو واضع التشريع لفرط قناعته به.

        قال تعالى {¨br&ur #x?»yd ?ÏÛºu?ÅÀ $VJ?É)tGó¡ãB çnqãèÎ7¨?$$sù ( ?wur (#qãèÎ7­Fs? ?@ç6?¡9$# s-§?xÿtGsù öNä3Î/ `tã ¾Ï&Î#?Î7y?} (الأنعام: 153)، وقال تعالى {$pk??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#þqãZtB#uä (#qãè?ÏÛr& ©!$# ¼ã&s!qß?u?ur ?wur (#öq©9uqs? çm÷Ytã óOçFRr&ur tbqãèyJó¡n@ ÇËÉÈ} (الأنفال:20)، وقال تعالى {!$tBur ãNä39s?#uä ãAqß?§?9$# çnrä?ã?sù $tBur öNä39pktX çm÷Ytã (#qßgtFR$$sù 4 (#qà)¨?$#ur ©!$# ( ¨bÎ) ©!$# ß??Ï?x© É>$s)Ïèø9$# ÇÐÈ} (الحشر:7)

        ويطلق البعض على هذا العنصر "التكليف" وقد ثبت بالقرآن الكريم أن النفس الإنسانية مكلفة ضمن حدود الاستطاعة وأن تكليفها يرتفع متى فقدت الاستطاعة، يقول تعالى {?w ß#¯=s3è? ë§øÿtR ?wÎ) $ygyèó?ãr } (البقرة: 233)، ويقول تعالى {?w ß#Ïk=s3çR $²¡øÿtR ?wÎ) $ygyèó?ãr } (الأنعام: 152)، وقال تعالى {?w ß#Ïk=s3ã? ª!$# $²¡øÿtR ?wÎ) !$tB $yg8s?#uä } (الطلاق:7)

3- المسئولية:

        ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل والإرادة والاختيار مما جعله أهلاً لتحمل التكاليف، ومن ثم نشأت مسئولية الإنسان عن كل ما يقدمه في الحياة من أعمال والمسئولية تعبر عن السائل، والمسئول، والشئ المسئول عنه، والمسئول هو ذلك المكلف الذي  توجه إليه الشارع بالإلزام ولا يكون المكلف مسئولاً إلا إذا كان على وعي بحقيقة ما يكلف به، ولا يسأل الإنسان إلا عما ارتكبه هو ولا يؤاخذ بكسب غيره، وفي هذا الشأن جاءت النصوص لتقيم هذه القاعدة فقد قال تعالى {?wur â?Ì?s? ×ou?Î?#ur u?ø?Ír 2?t?÷zé& } (فاطر:18)، وقال تعالى {?@ä. ¤§øÿtR $yJÎ/ ôMt6|¡x. îpoY?Ïdu? ÇÌÑÈ } (المدثر:38)، وقال تعالى {y7ù=Ï? ×p¨Bé& ô?s% ôMn=yz ( $ygs9 $tB ôMt6|¡x. Nä3s9ur $¨B öNçFö;|¡x. ( ?wur tbqè=t«ó¡è? $£Jtã (#qçR%x. tbqè=uK÷èt? ÇÊÌÍÈ} (البقرة:134)، وقال تعالى {`yJsù ö@yJ÷èt? tA$s)÷WÏB >o§?s? #\?ø?yz ¼çnt?t? ÇÐÈ `tBur ö@yJ÷èt? tA$s)÷WÏB ;o§?s? #v?x© ¼çnt?t? ÇÑÈ} (الزلزلة: 7-8)

        وإذا كان الإسلام قد قرر فردية المسئولية وقضى على المسئولية الجماعية أو مسئولية الإنسان عن عمل غيره، إلا أنه أبقى على بعض مظاهر هذه المسئولية بقدر ما يكون للفرد نصيب فيها، وثمة ثلاث حالات يجازى فيها الإنسان عن عمل غيره وهي:

1- أن يكون سبباً في عمل الغير بالأمر أو الإيحاء فالدال على الخير كفاعله.

2- أن يكون سبباً بمجرد القدوة، وفي الحديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

3- أن يكون سبباً في فعل الغير بالسكوت وعدم النهي عنه.

     ونستنتج  مما سبق أن الإنسان يكون مسئولاً عن عمله باعتبار موقفه ومكانته، فإذا كان من الذين يقتدون ولا يقتدي بهم فإنه لا يسأل إلا عن فعله ولا يعاقب أو يثاب إلا بمقدار إقدامه أو إحجامه، أما إذا كان في دور القيادة والقدوة فإنه سيسأل عن فعله مرتين مرة باعتبار أنه قد أخطأ أو أصاب في مباشرة الفعل ومرة أخرى باعتبار أن غيره سيقتدي به، فهو بإقدامه أو بإحجامه قد أضل غيره أو هداه، أو بمعنى آخر يكون الثواب مرتين، لإحسانهم، ولأنهم رسموا الطريق لأولئك الذين يتبعونهم، ويكون العقاب مرتين لضلالهم وإضلال غيرهم، ويدل على ذلك قوله تعالى {uä!$|¡ÏY»t? ÄcÓÉ<¨Z9$# `tB ÏNù't? £`ä3ZÏB 7pt±Ås»xÿÎ/ 7poYÉi?t6?B ô#yè»?Òã? $ygs9 Ü>#x?yèø9$# Èû÷üxÿ÷èÅÊ 4 ?c%x.ur y7Ï9ºs? ?n?tã «!$# #Z??Å¡o? ÇÌÉÈ * `tBur ôMãZø)t? £`ä3ZÏB ¬! ¾Ï&Î!qß?u?ur ö@yJ÷ès?ur $[sÎ=»|¹ !$ygÏ?÷s?R $ydt?ô_r& Èû÷üs?§?tB $tRô?tGôãr&ur $olm; $]%ø?Í? $VJ?Ì??2 ÇÌÊÈ} (الأحزاب: 30-31) وقوله تعالى { Æè=ÏJósu?s9ur öNçlm;$s)øOr& Zw$s)øOr&ur yì¨B öNÏlÎ;$s)øOr& ( £`è=t«ó¡ã?s9ur tPöqt? ÏpyJ»u?É)ø9$# $£Jtã (#qçR$?2 ?crç?tIøÿt? ÇÊÌÈ } (العنكبوت: 13)

3- الجزاء:

        والجزاء ثواباً وعقاباً يكون من الله (عز وجل)، وقد دل على قانون الجزاء عدة نصوص قرآنية منها قوله تعالى {3?t?ôfçGÏ9 ?@ä. ¤§øÿtR $yJÎ/ 4Ótëó¡n@ ÇÊÎÈ } (طه:15) وقوله تعالى {tPöqu?ø9$# 3?t?øgéB ?@ä. ¤§øÿtR $yJÎ/ ôMt6|¡?2 } (غافر: 17)

        وتمتد ساحة الجزاء لتشمل الدنيا والآخرة ثواباً للطائعين وعقاباً للعاصين، قال تعالى {öqs9ur ¨br& ?@÷dr& #?t?à)ø9$# (#qãZtB#uä (#öqs)¨?$#ur $uZóstGxÿs9 NÍkö?n=tã ;M»x.t?t/ z`ÏiB Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö?F{$#ur} (الأعراف:96)، وقوله تعالى {öqs9ur ¨br& ?@÷dr& É=»tGÅ6ø9$# (#qãYtB#uä (#öqs)¨?$#ur $tRö?¤ÿx6s9 öNåk÷]tã öNÍkÌE$t«Íh?y? óOßg»oYù=s{÷?V{ur ÏM»¨Yy_ ÉO?Ïè¨Z9$# ÇÏÎÈ } (المائدة: 65)، وقوله تعالى {àMù=à)sù (#rã?ÏÿøótFó?$# öNä3­/u? ¼çm¯RÎ) ?c%x. #Y?$¤ÿxî ÇÊÉÈ È@Å?ö?ã? uä!$yJ¡¡9$# /ä3ø?n=tæ #Y?#u?ô?ÏiB ÇÊÊÈ /ä.÷?Ï?ôJã?ur 5AºuqøBr'Î/ tûüÏZt/ur @yèøgs?ur ö/ä3©9 ;M»¨Zy_ @yèøgs?ur ö/ä3©9 #\?»pk÷Xr& ÇÊËÈ} (نوح: 10-12)، وقوله تعالى {`tBur È,­Gt? ©!$# @yèøgs? ¼ã&©! %[`t?ø?xC ÇËÈ çmø%ã?ö?t?ur ô`ÏB ß]ø?ym ?w Ü=Å¡tFøts? 4} (الطلاق: 2-3)، وقوله تعالى {?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qçR%?2ur ?cqà)­Gt? ÇÏÌÈ ÞOßgs9 3?t?ô±ç6ø9$# ?Îû Ío4qu?ysø9$# $u?÷R??9$# ?Îûur Íot?ÅzFy$# 4} (يونس: 63-64)

        ومما سبق تتضح العناصر التي يقوم عليها البناء القيمي في الإسلام وأركانه الثلاثة: الإلزام والمسئولية والجزاء، وجدير بالذكر أن الإلزام بمفرده ليس هو العنصر الذي يقوم عليه البناء القيمي في الإسلام فقد يكون هذا العنصر عديم القيمة ما لم يكن هناك عنصر المسئولية والجزاء، فالإنسان ملزم في حدود مسئولياته من قبل الجهة التي تملك إلزامه، ثم هو مسئول في حدود قواعد معينة وأطر محددة عن مدى التزامه بما أُلزم، وفي حالة تقصيره في أدائه لمسئولياته يجب أن يوقع عليه أو له الجزاء عن مدى تقصيره أو التزامه.

أهمية القيم الإسلامية:

        تستمد القيم الدينية أهميتها من الأديان السماوية التي تختلف عن الشرائع والفلسفات الوضعية التي كانت ولا تزال يعتريها النقص، وتتأثر بالمصالح وتسيطر عليها الأهواء، ومن ثم كانت علاجاتها ناقصة وهذا ما جعل العلماء والمفكرين يفرقون بين القيم الدينية وسائر القيم في المكانة والمرتبة حيث تحتل القيم الدينية المرتبة العليا في المكانة لأهميتها والتي يمكن توضيحها فيما يلي:

1- أنها تقدم للفرد والمجتمع فلسفة للحياة:

        تقدم القيم الإسلامية للفرد والمجتمع مجموعة من الحقائق المتعلقة بالله والكون والحياة والإنسان فهى توضح للفرد أن الله واحد لا شريك له، واجب الوجود، ممتنع العدم، متصف بجميع صفات الكمال، ليس بجوهر ولا عرض، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدل على ذلك قوله تعالى {uqèd ãA¨rF{$# ã?ÅzFy$#ur ã?Îg»©à9$#ur ß`ÏÛ$t7ø9$#ur ( uqèdur Èe@ä3Î/ >äóÓx« îLìÎ=tæ ÇÌÈ} (الحديد:3)، وقوله تعالى {}§ø?s9 ¾ÏmÎ=÷WÏJx. Öäï?x« ( uqèdur ßì?ÏJ¡¡9$# ç??ÅÁt7ø9$# ÇÊÊÈ} (الشورى:11)، وقوله تعالى {ª!$# Iw tm»s9Î) ?wÎ) uqèd ?ÓyÕø9$# ãPq??s)ø9$# 4 ?w ¼çnä?è{ù's? ×puZÅ? ?wur ×PöqtR 4 ¼çm©9 $tB ?Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# $tBur ?Îû ÇÚö?F{$# 3} (البقرة:245)، وقوله تعالى { ö@è% uqèd ª!$# î?ymr& ÇÊÈ ª!$# ß?yJ¢Á9$# ÇËÈ öNs9 ô$Î#t? öNs9ur ô?s9qã? ÇÌÈ öNs9ur `ä3t? ¼ã&©! #·qàÿà2 7?ymr& ÇÍÈ} (الإخلاص)، وقوله تعالى {$tBur (#râ?y?s% ©!$# ¨,ym ¾ÍnÍ?ô?s% ÞÚö?F{$#ur $Yè?ÏJy_ ¼çmçG?Òö6s% tPöqt? ÏpyJ»u?É)ø9$# ÝVºuq»yJ¡¡9$#ur 7M»­?ÈqôÜtB ¾ÏmÏY?ÏJu?Î/ 4 ¼çmoY»ysö7ß? 4?n?»yès?ur $£Jtã ?cqä.Î?ô³ç? ÇÏÐÈ} (الزمر:67 )، وقوله تعالى {!$yJ¯RÎ) ÿ¼çnã?øBr& !#s?Î) y?#u?r& $º«ø?x© br& tAqà)t? ¼çms9 `ä. ãbqä3u?sù ÇÑËÈ} (يس:82)

      كما تبين القيم الإسلامية للإنسان أن الكون المشاهد والغيبي دالة ضمن مخلوقات الله بكل ما فيهما من سماء وأرض، وكواكب ونجوم، ونبات وجمادات لقول الله تعالى { ß?ôJptø:$# ¬! ?Ï%©!$# t,n=y{ ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö?F{$#ur ?@yèy_ur ÏM»uHä>?à9$# u?q?Z9$#ur}(الأنعام:1) بالإضافة إلى أن الكون بما فيه من خلق الله فإنه منقاد ومسلم له، قوله تعالى {óOs9r& t?s? ?cr& ©!$# ß?àfó¡o? ¼çms9 `tB ?Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# `tBur ?Îû ÇÚö?F{$# ߧôJ¤±9$#ur ã?yJs)ø9$#ur ãPqàf?Z9$#ur ãA$t7Ågø:$#ur ã?yf¤±9$#ur ?>!#ur¤$!$#ur} (الحج: 18)، وقوله تعالى {¬!ur ß?àfó¡o? $tB ?Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# $tBur ?Îû ÇÚö?F{$# `ÏB 7p­/!#y? èps3Í´¯»n=yJø9$#ur öNèdur ?w tbrç?É9õ3tGó¡o? ÇÍÒÈ}(النحل:49)، وقوله تعالى {ãNôf¨Z9$#ur ã?yf¤±9$#ur Èb#y?àfó¡o? ÇÏÈ} (الرحمن:6)، وقوله تعالى {ßxÎm6|¡è@ ã&s! ßNºuq»uK¡¡9$# ßìö7¡¡9$# ÞÚö?F{$#ur `tBur £`Ík?Ïù 4 bÎ)ur `ÏiB >äóÓx« ?wÎ) ßxÎm7|¡ç? ¾ÍnÏ?÷Kpt¿2} (الإسراء:44)

    وقد سخر الله سبحانه وتعالى هذا الكون بكل ما فيه لخدمة الإنسان بما وهبهم من أبصار وأسماع وعقول تساعدهم على اكتشاف واستغلال ما في هذه الكون من خيرات وقوى لنفعهم قال تعالى {ª!$# ?Ï%©!$# t,n=y{ ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö?F{$#ur tAt?Rr&ur ?ÆÏB Ïä!$yJ¡¡9$# [ä!$tB ylt?÷zr'sù ¾ÏmÎ/ z`ÏB ÏNºt?yJ¨V9$# $]%ø?Í? öNä3©9 ( t?¤?y?ur ãNä3s9 ??ù=àÿø9$# y?Ì?ôftGÏ9 ?Îû Ì?óst7ø9$# ¾ÍnÌ?øBr'Î/ ( t?¤?y?ur ãNä3s9 t?»yg÷RF{$# ÇÌËÈ } (إبراهيم:32-33)، وقال تعالى {* ª!$# ?Ï%©!$# t?¤?y? â/ä3s9 t?óst7ø9$# y?Ì?ôftGÏ9 à7ù=àÿø9$# Ïm?Ïù ¾ÍnÌ?øBr'Î/ (#qäótGö;tGÏ9ur `ÏB ¾Ï&Î#ôÒsù ö/ä3¯=yès9ur tbrã?ä3ô±s? ÇÊËÈ t?¤?y?ur /ä3s9 $¨B ?Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# $tBur ?Îû ÇÚö?F{$# $Yè?ÏHsd çm÷ZÏiB 4 ¨bÎ) ?Îû ??Ï9ºs? ;M»t?Uy 5Qöqs)Ïj9 ?crã?©3xÿtGt? ÇÊÌÈ } (الجاثية:12-13).

        وجاء تصور القيم الإسلامية للحياة تصوراً فريداً شاملاً ومميزاً، فالحياة وفقاً لهذا التصور ليست تلك الفترة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضاً في الآفاق، وعمقاً في العوالم، وتنوعاً في الحقيقة، تمتد في الزمان لتشمل الفترة المشهودة، الحياة الدنيا وفترة الحياة الآخرة، وتمد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض داراً أخرى، جنة وناراً، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طرق الدنيا لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم يجمع المنهج الإسلامي بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق، فلا يفوت الإنسان دنياه لينال آخرته ولا يغفل آخرته لينال دنياه، فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة ومن الآيات الدالة على هذا التلاقي والترابط واللقاء بين الدنيا والآخرة قوله تعالى {Æ÷tGö/$#ur !$yJ?Ïù ??9t?#uä ª!$# u?#¤$!$# not?ÅzFy$# ( ?wur ?[Ys? y7t7?ÅÁtR ?ÆÏB $u?÷R??9$# (} (القصص: 77)، وقوله تعالى {àMù=à)sù (#rã?ÏÿøótFó?$# öNä3­/u? ¼çm¯RÎ) ?c%x. #Y?$¤ÿxî ÇÊÉÈ È@Å?ö?ã? uä!$yJ¡¡9$# /ä3ø?n=tæ #Y?#u?ô?ÏiB ÇÊÊÈ /ä.÷?Ï?ôJã?ur 5AºuqøBr'Î/ tûüÏZt/ur @yèøgs?ur ö/ä3©9 ;M»¨Zy_ @yèøgs?ur ö/ä3©9 #\?»pk÷Xr& ÇÊËÈ} (نوح: 10-13)

        والإنسان في نظر الإسلام أكرم الكائنات، كرمه الله سبحانه وتعالى {* ô?s)s9ur $oYøB§?x. ûÓÍ_t/ tPy?#uä öNßg»oYù=uHxqur ?Îû Îh?y9ø9$# Ì?óst7ø9$#ur Nßg»oYø%y?u?ur ?ÆÏiB ÏM»t7Íh?©Ü9$#} (الإسراء:70)، وقد تجلت عناية الله سبحانه بالإنسان أن خلقه في أحسن تقويم يقول تعالى {ô?s)s9 $uZø)n=y{ z`»|¡SM}$# þ?Îû Ç`|¡ômr& 5O?Èqø)s? ÇÍÈ} (التين:4) وقوله تعالى {$pk??r'¯»t? ß`»|¡RM}$# $tB x8¡?xî y7În/t?Î/ ÉO?Ì?x6ø9$# ÇÏÈ} (الانفطار:6)، ولقد شاءت إرادة الله أن يجعل هذا الإنسان خليفة في الأرض تكريماً له قال تعالى {?ÎoTÎ) ×@Ïã%y` ?Îû ÇÚö?F{$# Zpxÿ?Î=yz (} (البقرة: 30)، وقوله تعالى {uqèdur ?Ï%©!$# öNà6n=yèy_ y#Í´¯»n=yz ÇÚö?F{$# yìsùu?ur öNä3?Ò÷èt/ s-öqsù <Ù÷èt/ ;M»y_u?y? } (الأنعام:165)

2- القيم الإسلامية والتقدم الحضاري:

        يرى بعض أصحاب الفلسفات المادية أن القيم الدينية تعوق التقدم الحضاري للمجتمع من حيث كونها بناءات فوقية تؤدي بالإنسان إلى الاغتراب وانفصاله عن واقعه، لكن الواقع غير ذلك، فإذا علمنا أن أية حضارة تقوم على جانبين هما:

-            الجانب المعنوي: يتمثل في العقيدة والفكر والمعرفة.

-            الجانب المادي: الذي يقوم على العمل الجاد الموصل إلى التقدم في شتى المجالات.

       والإسلام عقيدة ثابتة راسخة تقوم على العلم اليقيني الثابت، عقيدة سلمت من التحريف والتبديل تدعو إلى النظر والتأمل والتفكير، كما أن الإسلام يدعو على العمل، وليس أدل على قيمة العمل في الإسلام من أن بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإيمان والمؤمنين تقرن الإيمان بالعمل؛ وذلك لأن العمل ثمرة الإيمان وبرهانه فضلاً عن كون العمل تطبيقاً وتجسيداً لما آمن به المرء واعتنقه من مبادئ وتتميز نظرة الإسلام إلى العمل بالشمول والتعدد والتنوع لتتسع لطلاب الحياة. زراعة وتجارة، وصناعة وعملاً يدوياً. ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك قوله تعالى {×pt?#uäur ãNçl°; ÞÚö?F{$# èptGø?yJø9$# $yg»uZ÷?u?ômr& $oYô_{?÷zr&ur $pk÷]ÏB ${7ym çm÷YÏJsù tbqè=à2ù't? ÇÌÌÈ $oYù=yèy_ur $yg?Ïù ;M»¨Zy_ `ÏiB 9@?Ï?¯U 5=»oYôãr&ur $tRö?¤fsùur $pk?Ïù z`ÏB Èbqã?ãèø9$# ÇÌÍÈ (#qè=à2ù'u?Ï9 `ÏB ¾ÍnÌ?yJrO $tBur çm÷Gn=ÏJtã öNÍg?Ï?÷?r& ( ?xsùr& tbrã?à6ô±o? ÇÌÎÈ} (يس:33-35)، وقوله تعالى {uqèd ?Ï%©!$# ?@yèy_ ãNä3s9 uÚö?F{$# Zwqä9s? (#qà±øB$$sù ?Îû $pkÈ:Ï.$uZtB (#qè=ä.ur `ÏB ¾ÏmÏ%ø?Íh? ( Ïmø?s9Î)ur â?qà±?Y9$# ÇÊÎÈ } (الملك:15). وفي مجال آخر من مجالات العمل يقول تعالى {$uZø9t?Rr&ur y??Ï?ptø:$# Ïm?Ïù Ó¨ù't/ Ó??Ï?x© ßìÏÿ»oYtBur Ĩ$¨Z=Ï9 } (الحديد:25)، وقوله تعالى {$¨Ys9r&ur çms9 y??Ï?ptø:$# ÇÊÉÈ Èbr& ö@uHùå$# ;M»tóÎ7»y? ö?Ïd?s%ur ?Îû    Ï?÷??£9$# (} (سبأ: 10-11)، وقوله تعالى {ô`ÏBur $ygÏù#uqô¹r& $ydÍ?$t/÷rr&ur !$ydÍ?$yèô©r&ur $ZW»rOr& $·è»tGtBur 4?n<Î) &ûüÏm ÇÑÉÈ } (النحل:80)، ومن ثم فالإسلام حضارة قائمة، وحياة كاملة للإنسان فليس عقيدة فحسب وإنما هو مع ذلك تفكير صحيح وعمل صالح ولا أدل على ذلك من أن الإسلام قد جعل العلم مدخلاً للإيمان وطريقاً إلى اليقين، ويؤكد ذلك أن أول ما نزل من القرآن الكريم (اقرأ) كان موضوعها العلم وقد حدا هذا بالبعض إلى القول بأن الإسلام يمتاز من بين الديانات الأخرى بأنه دين حضارة، وإذا كان الإسلام يقف من الحضارة الحديثة موقفاً إيجابياً إلا أنه فقط يحذر من خداع الإنسان بمتع هذه الحياة، ويحذره من أن تصبح له فتنة، ويصبح مفتوناً بها يركز نظرته في الحياة إليها وحدها، ويقصر نشاطه وسعيه على تحصيلها تاركاً الهدف الأساسي في الحياة والوجود كله وهو الله والإيمان به.

3- القيم الإسلامية والصحة النفسية:

     يعمل الإسلام على تكوين نظام ثابت من القيم يعد بدوه ركيزة أساسية يقوم عليها تكيف الإنسان، وبقدر ما يستند تفكيره وسلوكه على هذا النظام بقدر ما يكون أقدر على التكيف النفسي والفكري السليم، ومما لاشك فيه أن القيم الدينية إذا ما رسخت في صورة ضمير حي يهدي الإنسان إلى جادة الطريق، ضمنت ألا تتعدد معاييره، ومن ثم تنتفي الصراعات الداخلية التي قد يعاني منها الفرد، كذلك من شأن القيم الدينية أن تقضي على الشعور بالقلق والحيرة والشك والارتياب والاغتراب في الحياة، وتبعث أو تحقق الأمل، فالأمل والإيمان خلقان متلازمان مكمل أحدهما الآخر، فالمؤمن من أكثر الناس أملاً وتفاؤلاً واستبشاراً وأبعدهم عن التبرم والضجر، ويدل ذلك على قوله تعالى {`tBur .`ÏB÷sã? «!$$Î/ Ï?öku? ¼çmt6ù=s% } (التغابن:11). ومن ثم كانت النفس الخاوية من القيم الدينية نفساً ضائعة حائرة لا تطمئن ولا تستريح لقوله تعالى {`tBur õ8Î?ô³ç? «!$$Î/ $yJ¯Rr(s3sù §?yz ?ÆÏB Ïä!$yJ¡¡9$# çmàÿsÜ÷?tFsù ç?ö?©Ü9$# ÷rr& ?Èqôgs? ÏmÎ/ ßw?Ìh?9$# ?Îû 5b%s3tB 9,?Åsy? ÇÌÊÈ } (الحج:31)

        ولقد أظهرت الدراسات الحديثة أن هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين القيم والتوافق النفسي وأن القيم الدينية هي أكثر ارتباطاً بالتوافق النفسي، كما أظهرت دراسة أخرى أن هناك علاقة ارتباطية موجبة ذات دلالة بين القيم الدينية وسمات الشخصية (السيطرة، والمسئولية، والاتزان الانفعالي، والاجتماعية، والحرص، والتفكير، والعلاقات الشخصية والحيوية، وأوضحت دراسة ثالثة وجود علاقة ارتباطية سالبة بين درجات القيم الدينية ودرجات القلق لدى المراهقين، وقد حددت تلك الدراسة أهمية القيم الدينية في حياة المراهقين في عدة نواحي منها:

1-    أنها تحقق للمراهق سبل التكيف السليم مع نفسه ومع المجتمع الخارجي الذي يعيش فيه.

2-    أنه تجنب المراهق الوقوع في الخطأ ومن ثم تخفف من حدة التوتر.

3-    تزود المراهق بضمير حي، "أنا أعلى" يكون بمثابة رقيب عليه في كل تصرفاته وأفعاله.

4-    تجعل المراهق في حذر دائم من مخالفة الله، ومن ثم الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه.

4- القيم الإسلامية والارتقاء بالنفس والتسامي بها:

     وللنفس ثلاث درجات أو منازل على النحو التالي:

1-  النفس الأمارة: التي يتحكم فيها الهوى وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله، قال تعالى {¨bÎ) }§øÿ¨Z9$# 8ou?$¨BV{ Ïäþq?¡9$$Î/ } (يوسف:53)

2-  النفس اللوامة: التي تلوم صاحبها وتحاسبه على ما صدر منه من قبائح وعيوب، قال تعالى {Iwur ãNÅ¡ø%é& ħøÿ¨Z9$$Î/ ÏptB#§q¯=9$# } (القيامه:2)

3-    النفس المطمئنة: التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد به أهل الإيمان في الدنيا من الكرامة في الآخرة فصدقت بذلك قال تعالى {$pkçJ­?r'¯»t? ߧøÿ¨Z9$# èp¨ZÍ´yJôÜßJø9$# ÇËÐÈ ûÓÉëÅ_ö?$# 4?n<Î) Å7În/u? Zpu?ÅÊ#u? Zp¨?ÅÊó?£D} (الفجر:27)

     ويضيف العقاد درجة رابعة للنفس حيث يرى أن للنفس أربع مراتب يقابلها أربع قوى، تمثل جميع قوى النفس وهي:

1-    النفس الأمارة: يقابلها قوة الدوافع الغريزية.

2-    النفس الملهمة: ويقابلها قوة النفس الواعية.

3-    النفس اللوامة: ويقابلها قوة الضمير.

4-    النفس المطمئنة: ويقابلها قوة الإيمان والثقة بالغيب.

        ويعمل المسلم دائماً على إصلاح نفسه وتطهيرها ومن ثم الارتقاء بها إلى أعلى منازلها، وبذلك يتحقق للفرد الارتقاء بالنفس عن طريق ربط الشخصية بالدين وقيمه، قال تعالى {<§øÿtRur $tBur $yg1§qy? ÇÐÈ $ygyJolù;r'sù $ydu?qègéú $yg1uqø)s?ur ÇÑÈ ô?s% yxn=øùr& `tB $yg8©.y? ÇÒÈ ô?s%ur z>%s{ `tB $yg9¢?y?} (الشمس:7-10).

خصائص القيم الإسلامية:

        يوفر الدين الإسلامي نمطاً قيمياً يوصف بالشمول، والتكامل، والديمومة، لأن القيم الدينية يمكن اعتبارها قيماً مطلقة يمكن تحقيقها بدرجة نسبية في إطار الزمان والمكان. والتغيير في الأنماط القيمية يرجع إلى التغيير في مواطن الاهتمام والتركيز، وتتفاوت الأهمية بالنسبة لقيم دون أخرى في أزمنة وأماكن مختلفة وهذا لا يعني تغييراً جذرياً في القيم ذاتها. كما لا يعني أن القيم الدينية نسبية تتغير من فرد إلى فرد ومن زمن إلى آخر بل هي قيم تزداد ثباتاً وضرورة كلما مرت بالإنسانية تجارب في حياتها.

        وتتسع دائرة القيم الدينية فلا تقتصر على علاقة الإنسان بالإنسان، كما لا تقصر على العلاقة بين الإنسان وبين الله، بل يدخل في إطار هذه العلاقة الله، والإنسان، والحياة، والكون، ومن ناحية أخرى تنفرد القيم الدينية بأن الدين منبعها والتقوى محورها، وأنها لمتميزة أيضاً بغاياتها، وما عسى أن تكون الغاية، أنها تحقق الخير والحق والعدل، ومن ثم فخصائص القيم الدينية متعددة متنوعة منها ما يتعلق بالمصدر، ومنها ما يتعلق  بالمنهج أو الطريقة، ومنها ما يتعلق بالغاية، وفيما يلي يمكن أن نوضح بعض خصائص القيم الدينية.

أولاً: الربانية:

        أولى خصائص القيم الإسلامية ومصدرها، وتحدد البانية تلك الجهة التي يتلقى منها الإنسان قيمه، فينتفى من الحياة الهوى والمصلحة، وترفع من شعور المؤمن بقيمة منهجه، وتمده بالاستعلاء على القيم المستمدة من الفلسفات المختلفة الأخرى، قال تعالى {ö@è% ÓÍ_¯RÎ) ÓÍ_1y?yd þ?În1u? 4?n<Î) :Þºu?ÅÀ 5O?É)tGó¡?B} (الأنعام:161)، وقوله تعالى {y7¯RÎ)ur ü?Ï?öktJs9 4?n<Î) :Þºu?ÅÀ 5O?É)tGó¡?B ÇÎËÈ ÅÞºu?ÅÀ «!$# ?Ï%©!$# ¼çms9 $tB ?Îû ÏNºuq»yJ¡¡9$# $tBur ?Îû ÇÚö?F{$# 3 } (الشورى:52-53)

        ويراد بالربانية أمران:

1-    ربانية المصدر والمنهج.               2- ربانية الغاية.

     وإذا كانت ربانية القيم تعني أنها دستور سماوي وضع مواده خالق الإنسان، دستور لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، دستور من وحي السماء وليس من إفك البشر، من الحقائق ليس من الأوهام، منزل وليس بمستعار، فإنها لا تعني تعطيل جهود البشر عن الاجتهاد والمعرفة بأسرار الكون والحياة، إنها تضع أمام البشرية حقائق التشريع وأصول العقائد، وصور العبادات، وأنماط المعاملات، ومكارم الأخلاق وتلك قواعد ثابتة وأمور لا يدخلها التطور. أما مسائل العلم وتطبيقاته، ووسائل النهوض بالمجتمع وطرق المعيشة فهي متروكة للعقل البشري في إطار هذه الأصول. وقد وضع الرسول هذه القاعدة في قوله: "ما كان من أمر دينكم فإلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به".

ثانيا: الإنسانية:

        تتميز القيم الدينية بنزعتها الإنسانية، غير أنه ليس هناك تناقض بين الربانية والإنسانية، ذلك أن تقدير إنسانية الإنسان من الله، ويتجلى ذلك في تكريم الإنسان وخلقه في أحسن تقويم، واستخلافه في الأرض، وإلغاء الواسطة الكينونية بين الله والإنسان، وتسخير الكون لخدمته.

       وبلغ من اهتمام الإسلام بالإنسان حداً جعل البعض يطلق على القرآن دستور الإسلام الخالد "كتاب الإنسان" ذلك لأن القرآن كله إما حديث إلى الإنسان أو عن الإنسان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا كان مصدر الإسلام ربانياً فإن الإنسان هو الذي يفهم هذا المصدر، ويستنبط منه، ويجتهد على ضوئه، ويحوله إلى واقع تطبيقي وعملي ملموس.

ثالثاً: التكامل والشمول والوحدة:

        يقصد بالتكامل أن توجهات القيم الدينية في مجال العقيدة والعبادة والسلوك الفردي والاجتماعي ترتد كلها في وحدة محكمة وفي صورة شاملة للحياة كلها إلى وحدة المصدر وهو الله خالق الكون بمن فيه وما فيه، كما يرجع إلى وحدة الموضوع وهو الإنسان، بينما يقصد بالشمول أن القيم الدينية تشمل الفرد في حياته الخاصة والعامة وهي التي تتصل بغيره من أفراد المجتمع، كما تشمل المجتمع في صلة أفراده بعضهم ببعض وفي صلتهم بالعالم الخارجي.

        ويقودنا الحديث عن التكامل والشمول والوحدة في القيم الدينية إلى النبع الأول "القرآن الكريم" ومنه نقف على التوحيد مدخل الإسلام ومحوره والروح السارية فيه. والتوحيد كامن في كل حقائق الوجود وجميعها تدل عليه وتقود إليه. وحيثما توجهت في الحياة الإسلامية ستجد الوحدة، تراها في آفاق العقيدة توحيداً لله، وفي العبادات نظاماً تسود خطوطه الرئيسة حياة المسلمين، وفي المعاملات ميزاناً أخلاقياً، وفي كل عمل توجهاً إلى الله في بدايته، واستعانة به في أثنائه، وحمداً له عند تمامه، ومما يدل على قيام القيم الإسلامية على أساس من الوحدة والشمول، والتكامل بحيث يحمل أجزاؤها ملامحها الكلية نسوق مثالاً من القيم التعبدية وهو "إقام الصلاة"، وفيها تتمثل قواعد الإسلام الخمس. فيها الشهادتان، وفيها من الصوم نصيب فالمصلي لا يتناول عند أدائها طعاماً ولا شراباً بل إهما من مبطلات الصلاة، وفيها من الزكاة نصيب حيث يقدم المصلي جزءاً من وقته للعبادة، وفيها من الحج نصيب ففيها توجه إلى القبلة عند أدائها، ثم هي نظام وقيادة واتباع للإمام إذا أصاب وتصويب له إذا أخطأ وكأنها بهذا صورة لتعاقد إسلامي في وحدة متناسقة، ويبدو الشمول والتكامل واضحاً بين العقائد والعبادات، فقد شرعت الصلاة لاستقبال جلال الله الأوحد، والزكاة تضامن وتكامل اجتماعي في سبيل الإيمان بالله، والصوم تحملٌ وصبرٌ في سبيل الإيمان بالله، والحج مسيرة ومشقة لتأكيد الإعلان بوحدانية الله تعالى.

        وقد عبر حسن البنا عن أبعاد الشمول في القيم الإسلامية بقوله: "إنها الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت طولاً حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة. إنها رسالة كل الأزمنة فليست موقوتة بعصر أو زمن، رسالة العالم كله فليست خاصة بمكان أو بأمة لقوله تعالى {$tBur uqèd ?wÎ) Ö?ø.Ï? tûüÏHs>»yèù=Ïj9 } (القلم:52)، وقوله تعالى {÷bÎ) uqèd ?wÎ) Ö?ø.Ï? tûüÏHs>»yèù=Ïj9 } (التكوير:27)، وقوله تعالى { x8u?$t6s? ?Ï%©!$# tA¨?tR tb$s%ö?àÿø9$# 4?n?tã ¾ÍnÏ?ö6tã tbqä3u?Ï9 ?úüÏJn=»yèù=Ï9 #·??É?tR } (الفرقان:1)

        وإذا كان لنا أن ندرك أن الإنسان ليس بالكيان الروحي الذي يتجرد من المادة كما أنه ليس بالكيان المادي فقط، وهذا يعني أن للإنسان كيانين: أحدهما أثيري لا يرى ولا يمكن الاتصال به، اصطلح على تسميته بالروح، والثاني فيزيقي يمكن رؤيته والتعامل معه، اصطلح على تسميته بالجسد ومحصلة هذين الكيانين الذات الإنسانية أو الشخصية فإن من مظاهر الشمول في القيم الدينية النظرة إلى الإنسان نظرة شاملة موحدة من حيث كونه إنساناً متكاملاً مكوناً من مادة وروح، ولا تنكر إحداهما في سبيل الأخرى، أو بمعنى آخر لا تبخس للجسد حقاً لتفي حقوق الروح، ولا تبخس للروح حقاً لتفي حقوق الجسد.

        ومن مظاهر الشمول في العبادات أن المسلم لا يعبد الله (عز وجل) بلسانه فقط، ولا بجسده فقط، ولا بقلبه فقط، إنما يعبد الله بلسان ذاكر شاكر، وببدن مصل صائم مجاهد، وبقلب خاشع راج محب خائف، وبعقل مفكر متأمل.

        وفي مجال التشريع يتجلى الشمول في كونه تشريعاً يشمل الفرد في صلته بنفسه وبغيره، وفي سلوكه العام والخاص، ويشمل الأسرة في جميع أحوالها من زواج وطلاق وميراث...إلخ، وفي علاقاتها بنفسها وبغيرها، يشمل المجتمع في علاقاته بنفسه وبغيره من مجتمعات، كما يشمل ما يتعلق بواجب الحكام نحو المحكومين، وواجب المحكومين تجاه الحكام.

رابعاً: الوسطية:

        ويعبر عنها البعض "بالتوازن" وهي ليس وسطاً حسابياً أو معيارياً، إنما هي اعتدال وقسط لإقامة الحق والصدق، ذلك لأن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام فريقين: الأول، تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة، فلا هم لهم إلا الحظوظ الجسدية كاليهود، والآخر تحكم عليه تقاليده بالزهد والرهبانية الشديدة كالنصارى، ووسطية الإسلام حسنة بين سيئتين، وفضيلة بين رذيلتين، ومصالحة بين الفردية والانتماء، وبين المادية والروحانية، أو بمعنى أخر يولي الإسلام كلاً من الجسم والروح ما يستحقه من اهتمام ويقف بذلك موقفاً وسطاً بين تطرف الماديين وتشدد الرهبانيين، كذلك الشأن بالنسبة إلى كل من الفردية والانتماء، فالإنسان كفرد له كيانه الخاص وحاجاته ومع ذلك فللجماعة حياله حقوق ينبغي أن يقوم بها وفي هذا المعنى يقول الله تعالى {y7Ï9ºx?x.ur öNä3»oYù=yèy_ Zp¨Bé& $VÜy?ur (#qçRqà6tGÏj9 uä!#y?pkà­} (البقرة:143)، وقوله تعالى {Æ÷tGö/$#ur !$yJ?Ïù ??9t?#uä ª!$# u?#¤$!$# not?ÅzFy$# ( ?wur ?[Ys? y7t7?ÅÁtR ?ÆÏB $u?÷R??9$# (} (القصص:77). ويلخص الرسول (r)، تلك الوسطية لما بلغه أن عبد الله بن عمرو ابن العاص كان يصوم النهار ويقوم الليل في قوله: يا عبد الله ألم وأخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، قلت بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقا". كما تتمثل الوسطية في رفضه الغلو في الدين وإخراجه عن وسطيته واعتداله إلى التطرف والتطبع بقول: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون"، أي المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، ولما بلغه (r) أن رهطاً من أصحابه جاءوا إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي (r) وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أـحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج، فجاء رسول الله (r) فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.

        ويتضح مما سبق أن العبادات لا تكون بمشقة مجهدة تمنع استمراريتها، بل بجهد معتاد يضمن لها الاستمرار والدوام، وأن تعذيب الجسم في ذاته معصية، وأن مخالفة الفطرة من غير تهذيب روحي معصية، وترك سنة الفطرة في الزواج منهي عنه، والتعذيب في العبادة منهي عنه، بل إن التيسير في العبادة يقرب إلى الله أكثر من قصد المشقة فيها.

        ومن مظاهر الوسطية أيضاً، النهي عن البخل لأنه يفرط في حق النفس والآخرين والنهي عن التبذير لأنه إفراط في الإنفاق، قال تعالى {?wur ö@yèøgrB x8y?t? »'s!qè=øótB 4?n<Î) y7É)ãZãã ?wur $ygôÜÝ¡ö6s? ¨@ä. ÅÝó¡t6ø9$# y?ãèø)tFsù $YBqè=tB #·?qÝ¡øt¤C} (الإسراء:29)، وقوله تعالى {ÓÍ_t6»t? tPy?#uä (#rä?è{ ö/ä3tGt^?Î? y?ZÏã Èe@ä. 7?Éfó¡tB (#qè=à2ur (#qç/u?õ°$#ur ?wur (#þqèùÎ?ô£è@ 4 ¼çm¯RÎ) ?w ?=Ïtä? tûüÏùÎ?ô£ßJø9$# } (الأعراف:3)، وقد جعل الله (عز وجل) من صفات عباد الرحمن، {tûïÏ%©!$#ur !#s?Î) (#qà)xÿRr& öNs9 (#qèùÌ?ó¡ç? öNs9ur (#rç?äIø)t? tb%?2ur ?ú÷üt/ ??Ï9ºs? $YB#uqs%} (الفرقان:67).

        ويمكن تصنيف خاصتي التكامل والشمول والوحدة، والوسطية أو التوازن تحت خاصية واحدة "النظرة الكلية للطبيعة الإنسانية والحياة" تلك النظرة التي تجمع بين المادية والروحية، وبين الجسم والعقل، وبين الفردية والانتماء، وبين الدنيا والآخرة، وهي نظرة تهدي الإنسان في كل جوانب حياته الفردية والاجتماعية وتقدم له ما يصلحه في جسده وعقله، ودينه ودنياه، ويربط بينه وبين أسرته برباط المحبة والتعاون على البر والتقوى.

 

 

 

خامساً: الواقعية:

        تنطلق القيم الدينية من منهج واقعي في النظر إلى الطبيعة الإنسانية من حقيقة تقرير التنوع والتعدد والاختلاف في واقع البشر وفي قوله تعالى {ô`ÏBur ¾ÏmÏG»t?#uä ß,ù=yz ÏNºuq»yJ¡¡9$# ÇÚö?F{$#ur ß#»n=ÏG÷z$#ur öNà6ÏGoYÅ¡ø9r& ö/ä3ÏRºuqø9r&ur 4 ¨bÎ) ?Îû y7Ï9ºs? ;M»t?Uy tûüÏJÎ=»yèù=Ïj9 } (الروم:22).

        ونعني بالواقعية التعامل مع الحقائق الموضوعية، ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي، لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع مثاليات لا مقابل لها أو لا وجود لها في عالم الواقع. فالتعامل مع الحقيقة الإلهية تتمثل في آثارها الإيجابية وفاعليتها والتي يمكن إدراكها في عالم الواقع. قال تعالى {¨bÎ) ©!$# ß,Ï9$sù Éb=ptø:$# 2?uq¨Z9$#ur ( ßlÌ?ø?ä? ¢?ptø:$# z`ÏB ÏMÍh?yJø9$# ßlÌ?ø?èCur ÏMÍh?yJø9$# z`ÏB Çc?yÛø9$# 4 ãNä3Ï9ºs? ª!$# ( 4?¯Tr'sù tbqä3sù÷sè? ÇÒÎÈ ß,Ï9$sù Çy$t6ô¹M}$# ?@yèy_ur ?@ø?©9$# $YZs3y? }§ôJ¤±9$#ur t?yJs)ø9$#ur $ZR$t7ó¡ãm 4 y7Ï9ºs? ã??Ï?ø)s? Í??Í?yèø9$# ÉO?Î=yèø9$# ÇÒÏÈ uqèdur ?Ï%©!$# ?@yèy_ ãNä3s9 tPqàf?Z9$# (#rß?tGöktJÏ9 $pkÍ5 ?Îû ÏM»yJè=àß Îh?y9ø9$# Ì?óst7ø9$#ur 3 ô?s% $uZù=¢Ásù ÏM»t?Fy$# 5Qöqs)Ï9 ?cqßJn=ôèt?} (الأنعام: 95-97)، وهكذا يتم التعامل مع إله موجود تدل مخلوقاته على وجوده، فعال لما يريد تدل حركة الكون وما يجري فيه على إرادته وقدرته.

        وبمثل تلك الواقعية يواجه التصور الإسلامي الكون على أنه واقعي يتمثل في الأجرام أرضا وسماء، نجومًا وكواكب، ليلا ونهارًا، مطرًا ورعدًا وبرقًا، ظلا وحرورًا، لا مع أنه فكرة مجردة عن الشكل والمضمون، كما يواجه هذا التصور الإنسان كما هو بحقيقته روح وجسد، يحيا ويموت، يؤثر ويتأثر، يحب ويكره، يرجو ويخاف، يطمع وييأس، يؤمن ويكفر، يعمر الأرض ويفسد فيها، يهلك الحرث والنسل إلى غير ذلك من السمات الواقعية المميزة له.

        ومن جهة أخرى تعني الواقعية أن الأحكام التي شرعها الله كانت على قدر الحاجة التي دعت إليها الحوادث التي اقتضتها ولم تنزل أحكام لحل مسائل محتملة. بمعنى أنها اقتصرت على ما اقتضته مصالح الناس وحاجاتهم دون استباق للوقائع والأحداث وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى {$pk??r'¯»t? ?úïÏ%©!$# (#qãZtB#uä ?w (#qè=t«ó¡n@ ô`tã uä!$u?ô©r& bÎ) y?ö6è? öNä3s9 öNä.÷sÝ¡n@ } (المائدة:101). كما ورد في الحديث أن رسول الله (r) جعل سؤال الناس لميل عن بعض الأمور جُرماً، كمن سأل عن شئ لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته".

     وتتجلى هذه الواقعية في مظاهر متعددة منها:

1-       التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية.

2-       رفع المسئولية عن الإنسان في أحوال الخطأ والنسيان والإكراه.

3-       مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد، وعدم إهمالها ضمن حدود معينة.

4-       مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم وخصائصهم.

5-       مراعاة واقع حال الضعف البشري، وواقع حال النفس الإنسانية.

       وقد عبر محمد قطب عن أبعاد هذه الواقعية بقوله: إن الإسلام يأخذ الكائن البشري بواقعه الذي هو عليه، يعرف حدوده وطاقاته، ومطالبه وضروراته، ويقرر هذا وتلك، ويعرف ضعفه إزاء المغريات وضعه إزاء التكليف، يعرف كل هذا فيساير فطرته في واقعها ولا يفرض عليه من التكليف ما ينوء به كاهله ويعجز عن أدائه، ويجعل التكاليف الملزمة في حدود الطاقة الممكنة، ولكن مع ذلك لا يتركه لفطرته الضعيفة دون تقويم.

        وتلك هي واقعية الإسلام وقيمه في كل المجالات، لا تكلف الناس شططا ولا ترهقهم من أمرهم عسراً ولا تجعل عليهم حرجاً تحاول أن ترقى بهم ليترفعوا، ولا تهملهم إذا هبطوا حتى ينهضوا، واقعية وصفها البعض بأن واقعية الإسلام مثالية، وإن مثالية الإسلام واقعية.

سادساً: التوازن بين الثبات والمرونة:

        يطلق على هذه الخاصية "الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت" ويجمع الإسلام بين الثبات والتطور في تناسق واضعاً كلاً منهما في إطاره الصحيح، الثابت فيما يجب أن يخلد ويبقى، والمرونة فيما ينبغي أن يتحرك ويتطور، وتمثل الربانية الثبات والخلود، بينما تمثل الإنسانية عادة جانب المرونة.

        ويحدد البعض مجال الثبات ومجال المرونة بقوله: إن الثبات في الأهداف والغايات والمرونة في الوسائل والأساليب، الثبات على الأصول والكليات والمرونة في الفروع والجزئيات، وهذا هو شأن القيم الدينية ثبات وتطور في آن واحد ثبات على الأصول والجوهر، وتطور في الجزئيات والمظهر، وبهذه الخاصية يستطيع المجتمع الإسلامي أن يستمر ويرتقي ثابتاً على أصوله وغاياته، متطوراً في معارفه وأساليبه.

        ويعد وجود الثبات على هذا النحو ضابطاً لحركة البشر، وميزاناً ثابتاً يرجع إليه الإنسان في كل ما يعرض له وما يجد في حياته، ومن ناحية أخرى مقوماً للفكر الإنساني، فضلاً عن كونه يضمن للحياة الإسلامية والفكر الإسلامي خاصية الحركة داخل إطار ثابت، ومن ثم التناسق مع النظام الكوني العام، ويقي المجتمع شر الفساد الذي يصيب الكون لو اتبع البشر أهواءهم ومن ثم فهو ضرورة من ضرورات صيانة النفس والحياة البشرية، قال تعالى {Èqs9ur yìt7©?$# ?,ysø9$# öNèduä!#uq÷dr& ÏNy?|¡xÿs9 ÝVºuq»yJ¡¡9$# ÞÚö?F{$#ur `tBur  ÆÎg?Ïù } (المؤمنون:71)

        ومن أمثلة الثبات ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى {ôMtBÌh?ãm ãNä3ø?n=tæ èptGø?yJø9$# ãP¤$!$#ur ãNøtm:ur Í??Ì?YÏ?ø:$# !$tBur ¨@Ïdé& Î?ö?tóÏ9 «!$# ¾ÏmÎ/ èps)ÏZy?÷ZßJø9$#ur äos?qè%öqyJø9$#ur èpt?Ïj?u?tIßJø9$#ur èpys?ÏܨZ9$#ur !$tBur ?@x.r& ßìç7¡¡9$# ?wÎ) $tB ÷Läêø?©.s? $tBur yxÎ/è? ?n?tã É=ÝÁ?Z9$# } (المائدة:3)، ومن أمثلة المرونة ما جاء في قول الله تعالى {Ç`yJsù §?äÜôÊ$# ?Îû >p|ÁuKø?xC u?ö?xî 7#ÏR$yftGãB 5OøO\b}   ¨bÎ*sù ©!$# Ö?qàÿxî ÒO?Ïm§?} (المائدة:3)، ومن أمثلة الثبات في السنة قوله (r) أنه من أفطر يوماً في رمضان معتمدًا لم يقضه عنه صوم الدهر وإن صامه، وفي مقابل هذا الثبات نجد مرونة تتمثل في تشريع الرخص في الصلاة، والصيام كالمرض والسفر والخطأ والنسيان والإكراه، كما تمثلت مرونته (r) في طريقة دعوته وسياسة الناس، ومخاطبتهم على قدر عقولهم ومعاملتهم على أنهم آدميون خطاءون وليسوا ملائكة. معصومين.

سابعاً: الوضوح:

        ويدل على وضوح القيم الدينية وصف القرآن الكريم وهو مصدرها الأول بأنه "كتاب مبين" و "نورا" و "هدى للناس" و "تبيانا" و "الفرقان والبرهان" و "بينة" وما ذلك إلا لشدة بيانه ووضوحه، قال تعالى {ô?s% Nà2uä!%y` ?ÆÏiB «!$# Ö?qçR Ò=»tGÅ2ur ÑúüÎ7?B} (المائدة:15)، {ô?s% Nä.uä!%y` Ö`»ydö?ç/ `ÏiB öNä3În/§? } (النساء:174)، {$uZø9¨?tRur ??ø?n=tã |=»tGÅ3ø9$# $YZ»u?ö;Ï? Èe@ä3Ïj9 &äóÓx«} (النحل:89)

ثامناً: الصلاحية العامة واليسر العملي:

        وعبر البعض عن هذه الخاصية، "بالإمكان المادي للعمل" فمن سمات القيم الدينية اليسر فليس فيها إرهاق، ولا تكليف بما لا يطاق، دليل ذلك قول الله تعالى {ß??Ì?ã? ª!$# ãNà6Î/ t?ó¡ã?ø9$# ?wur ß??Ì?ã? ãNà6Î/ u?ô£ãèø9$# } (البقرة: 185)، {?w ß#Ïk=s3ã? ª!$# $²¡øÿtR ?wÎ) $ygyèó?ãr 4} (البقرة: 286)، {$tBur ?@yèy_ ö/ä3ø?n=tæ ?Îû ÈûïÏd?9$# ô`ÏB 8lt?ym } (الحج:78)، {ß??Ì?ã? ª!$# br& y#Ïeÿs?ä? öNä3Ytã } (النساء: 28). وفي الحديث عن عائشة (رضي الله عنها) قالت "ما خُير رسول الله (r) بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً".

      وهكذا جاء الإسلام بقيم ربانية ثابتة بثبات مصدرها، إنسانية مرنة باعتبار صلاحيتها للتطبيق في الواقع الحياتي المعاش، وملاءمتها للطبيعة الإنسانية متكاملة الجوانب متسقة العناصر، تجمع بين الدين والدنيا، والمادة والروح، والنظرية والتطبيق، والدنيا والآخرة، بين الغايات والوسائل، كل ذلك في تناغم واتساق. قيم لا تتعارض مع الفطرة وإنما تنسجم معها قيم تعد ضرورة للفرد والمجتمع باعتبارها من أهم أسباب الأمن والطمأنينة، والضبط والتكامل الاجتماعي، قيم تشكل إطاراً فكرياً عاماً للمجتمع أو طابعاً قومياً للأمة، فإذا تربي الإنسان عليها وكونت صورته فإنه سيصل إلى المستوى الذي يصبح فيه مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر في نفسه ومجتمعه أينما كان وحيثما وجد باندفاع ذاتي عن إيمان واقتناع وبصيرة.

مداخل إكساب وتنمية القيم الإسلامية:

        تنتمي القيم عامة إلى أنماط السلوك التي يكتسبها الفرد عن طريق مروره بمؤثرات خارجية، إذ أن سلوك الفرد في موقف ما ليس وليد الصدفة إنما هو محصلة المعاني التي كونها من خبراته السابقة والتي توجه سلوكه وجهة معينة، فالإنسان يعيش في إطار ثقافي يعد بما يتضمنه من عناصر من أهم محددات القيم. كما تتكون القيم نتيجة اتصال الفرد بالبيئة الطبيعية والاجتماعية المحيطة به، وتتسم القيم في بدء نشأتها وتكوينها بمحدوديتها وماديتها ثم ما تلبث أن تتسع دائرتها لتشمل موضوعات أكثر تجريداً.

        ويمكن تلخيص خطوات تكوين القيم فيما يلي:

1- المرور بخبرات فردية تدور حول موضوع القيمة.

2- تكامل هذه الخبرات وتناسقها في وحدة كلية.

3- تمايز هذه المجموعات وتفردها عن غيرها.

4- التعميم والتطبيق على الحالات والمواقف التي تواجه الفرد.

        وتتعدد المؤسسات التربوية التي تقوم بإكساب وتنمية القيم لدى الأفراد، أو تلك التي تتولى عملية التنشئة الاجتماعية. تلك العملية التي يحاول من خلالها الآباء تجسيد آمالهم وطموحاتهم في أبنائهم ويحققون من خلالهم وبهم ما يتمنون أن يكون عليه مجتمعهم عندما يشب هؤلاء الأبناء عن الطوق ويشغلون أدوارهم المرتقبة، ومن ثم تكون التنشئة الاجتماعية بمثابة الوسيط الثقافي الذي يتحول عن طريق ما هو موجود نظرياً من قيم وأخلاق، ومبادئ وأيديولوجيات، وأدوار اجتماعية جديدة وممارسة أفضل لهذه الأدوار إلى وجود فعلي يمكن أن يتحول هذا الوجود الفعلي إلى وجود بالقوة، فهي وسيلة الآباء لأن يتمثل أبناؤهم معايير هذا الوجود الفعلي إلى وجود بالقوة، فهي وسيلة الآباء لأن يتمثل أبناؤهم معايير ثقافتهم ومن ثم معايير التوافق، إنها باختصار تشكل المعالم الرئيسية لشخصياتهم.

        وإذا كانت عملية التنشئة الاجتماعية على هذا النحو هي وسيلة إكساب الشخصية مجموعة من القيم، والمعايير، وأنماط السلوك، والاتجاهات التي تقودها وتسير حركاتها في المجال الاجتماعي، لذا يجب أن يكون مضمون عملية التنشئة الاجتماعية متميزاً بما يلي:

1- بالبعد عن السلبيات والانحرافات.

2- البعد عن التناقضات والعوامل المعوقة.

3- البعد عن الانفتاح الثقافي الهدام.

        ولإلقاء الضوء على إكساب وتنمية القيم، فإنه من الضروري التعرف على المؤسسات التي تتولى عملية التنشئة الاجتماعية ووسائلها في تحقيق ذلك مثل مؤسسات الأسرة، وجماعة الرفاق، والمدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام.

        وفيما يلي تحليل سريع لدور بعض هذه المؤسسات في عملية التنشئة الاجتماعية ثم دورها في إكساب وتنمية القيم عامة وبصفة خاصة القيم الدينية.

دور بعض الوسائط التربوية في اكتساب وتنمية القيم الإسلامية:

        يتحدد مستقبل أي مجتمع إلى حد ما بالظروف والعوامل التي تتعرض لها الأجيال الناشئة وبضرورة دراسة وفهم هذه العوامل المؤثرة في إعداد هذه الأجيال، وتوجيههم بما يحقق أهداف المجتمع، فالطفولة هي البداية ولعل من أبرز صفات الطفولة القابلية للتشكيل والتغيير بفعل الخبرات ومن ثم تكون السنوات الأولى من حياة الفرد هامة وحرجة حيث يكون لها الدور الأكبر في تكوين الشخصية من خلال الخبرات التي يمر بها ويتفاعل معها. خاصة وأن الطفل يولد خالياً من المعرفة كما يقول الله تعالى {ª!$#ur Nä3y_t?÷zr& .`ÏiB ÈbqäÜç/ öNä3ÏF»yg¨Bé& ?w ?cqßJn=÷ès? $\«ø?x© ?@yèy_ur ãNä3s9 yìôJ¡¡9$# t?»|Áö/F{$#ur noy?Ï«øùF{$#ur   öNä3ª=yès9 ?crã?ä3ô±s?} (النحل:78) وقوله (r) وما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، فالفطرة استعداد لقبول ما هو حق وما هو خير وما هو أفضل، والتهويد، والتنصير، والتمجيس أمثلة لما يصيب الفطرة فيميلها عن مسارها المستقيم. والأبوان رمز يشير إلى عوامل التأثير والتربية والتوجيه، وكل ما من شأنه أن يشكل قيمة من القيم، ومن ثم تلعب الأسرة دوراً هاماً في تكوين القيم وتربية أفرادها وتوجيه نموهم من حيث كونها أول الجماعات وأهمها وأقواها أثراً على الفرد، وغالباً ما يستجيب الطفل فيمتص من الأسرة ويتعلم منها عن طريق الرموز الاجتماعية التي تستعملها كالرضا، وعدم الرضا، والاحترام، وعدم الاحترام لكل ما يحتك به في نموه، أو بمعنى آخر تعمل الأسرة في تربيتها للطفل على غرس مجموعة القيم والمعايير السائدة في المجتمع حتى تعده لأن يعيش حياة اجتماعية ناجحة بين أفراد الجماعة، وفشل الطفل في امتصاص معايير وقيم الجماعة قد يعرضه لخطر العقاب، أو لجلب رضا الأسرة عنه وتقبلها له وتعتمد الأسرة في ذلك على خاصتين يتصف بهما الطفل وهما عجزه في طفولته، ومطاوعته شخصيته ومرونتها في استقبال المؤثرات الخارجية والاستجابة لها، وتجدر الإشارة إلى أن عجز الوليد البشري ليس أمراً سلبياً، وإنما قوة إيجابية تعبر بمعنى ما عن اجتماعية الإنسان في أدق خصائصها وفي سياق هذا العجز تعمل مؤسسات التربية كي تحيل هذا العجز إلى قوة عن طريق تكوين شخصيته ورسم معالمها وتحديد أنماطها.

        وإذا كانت المؤثرات التي تحيط بالإنسان تحكم اكتسابه للقيم، فمما لا شك فيه أن الإطار الاجتماعي المتدين يفرز لنا أفراداً في كثير من الأحيان لديهم قيم دينية عالية يقول الله تعالى {à$s#t7ø9$#ur Ü=Íh?©Ü9$# ßlã?ø?s? ¼çmè?$t6tR Èbø?Î*Î/ ¾ÏmÎn/u? ( ?Ï%©!$#ur y]ç7yz ?w ßlã?ø?s? ?wÎ) #Y?Å3tR} (الأعراف:85)، وفي ذلك يقول أحد الحكماء "إذا كان الرجل طاهر الأثواب، كثير الآداب حسن المذهب، تأدب بأدبه وصلح بصلاحه جميع أهله وولده".

رأيت صلاح المرء يصلح أهله    ...       ويفسدهم رب الفساد إذا فسد.

ويتوقف قيام الأسرة بهذا الدور الهام على عدة عوامل منها: الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، وحجمها، وتماسكها أو استقرارها، وجوها العاطفي السائد الذي يتجلى في طريقة معاملة الوالدين للطفل ومعاملة بعضهما لبعض، ويقترح البعض أسلوباً للأسرة في تعاملها وتربيتها للطفل يتمثل في التوسط والاعتدال، وتحاشي القسوة الزائدة، والتدليل المفرط، والتوسط في إشباع حاجات الطفل الجسمية والنفسية بحيث لا يعاني من الحرمان ولا يتعود على الإفراط ومن سمات هذه النمط:

1-       وجود تفاهم بين الأب والأم على أسلوب تربية الطفل.

2-       معرفة قدرات الطفل الطبيعية وعدم تكليفه بما لا طاقة له به، وفي نفس الوقت عدم إهمال مطالب نموه.

3-       الإيمان بما يوجد لدى الأطفال من فروق فردية.

4-       الدعوة للتكامل في التربية بمعنى الاهتمام بجميع جوانب شخصية الطفل جسمية، وعقلية، وروحية، وخلقية، ونفسية.

وإذا كان للأسرة هذا الدور الهام في تكوين القيم لدى الطفل، فلا غرابة أن تجد للأسرة في الإسلام أبوة، وأمومة، وبنوة، شرعة ومنهاجاً، تنظيماً وتربية توجيهاً في تكامل تستقر عليه الحياة، محبة وتعاون وإيثار وتضحية، سكن ومودة، والطفولة هي أولى مدارج الحياة، وأول خطاها نحو التكامل والتسامي وهي مرحلة التكوين والتقويم ليتم إعداد الطفل لاستقبال حياته بإدراك أقوى، وعقلية أنضج، وقيم أصوب، فكثيراً من مشكلات الشباب وانحرافاتهم ترجع رواسبها إلى سوء التربية الأولى، ومن ثم فقد اهتم الإسلام بهذه الفترة، وتعهد الطفولة بضروب من التهذيب، ودعم هذه الحقبة بدعائم قوية لتتلقفه المراحل الأخرى وهو أقوى بناء جسمياً وعقلياً وخلقياً، فأوجب على الآباء رعاية الأبناء، وتربيتهم على أساس من مبادئ النمو الجسمي والعقلي والخلقي والوجداني والنفسي.

        ومع نمو الطفل وانتقاله تدريجياً من بيئة ضيقة نسبياً إلى أخرى أوسع وأرحب تتمثل في مجموعة من الأفراد يقاربونه في العمر يتصل بهم، يطلق عليها جماعة الرفاق أو القرناء Peer Group والتي تعد مجالاً اجتماعياً ينفصل فيه الأطفال تدريجياً عن سلطة الكبار، وبصفة عامة، فإن من وظائف هذه الجماعة ما يلي:

1-       أن يجد الطفل من يسايره ممن يشابهونه في العمر.

2-       تنمية الحساسية نحو القيم والأدوار الاجتماعية المناسبة.

3-       تكوين الاتجاهات والقيم.

4-       أن يصل الطفل إلى مستوى مناسب من الاعتماد على النفس.

5-       تكملة دور وسائط التنشئة الاجتماعية الأخرى.

6-       تساعد أفرادها على تكوين معايير للحكم على الأشياء.

       ونظراً لما تؤديه جماعة الأقران من دور في تكوين وتنمية القيم فقد بين الرسول الأثر الناجم عن اختيار الجليس الصالح والجليس السوء، في قوله: " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك أما أن يحذيك وأما إن تبتاع منه، وأما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير أما أن يحرق ثيابك وأما أن تجد منه ريحاً خبيثة". ولأن الفرد يتأثر بمن حوله من رفقه شبه الرسول الجليس الصالح ببائع المسك، والجليس السوء بنافخ الكير فكلاهما مؤثر فلي صاحبه والإنسان بطبعه مقلد لأصدقائه في سلوكهم ومظهرهم، ومن ثم فإن معاشرة الأبرار تكسب الفرد طباعهم وسلوكهم، بينما تكسب معاشرة المنحرفين الفرد انحرافهم أو تقبل انحرافهم يقول الله تعالى {?wur (#þqãZx.ö?s? ?n<Î) tûïÏ%©!$# (#qßJn=sß ãNä3¡¡yJtGsù â?$¨Y9$# $tBur Nà6s9 `ÏiB Èbrß? «!$# ô`ÏB uä!$u?Ï9÷rr& ¢OèO ?w ?crç?|ÇZè? } (هود:113).

        وكما أن الوقاية خير من العلاج فإن المحافظة على المستوى الأخلاقي والقيم، والضوابط الاجتماعية لازمة قبل أن يكون هناك إصلاح، وكأسلوب من أساليب الوقاية يأتي منع أبنائنا وبناتنا من الاتصال بأصدقاء أو صديقات السوء أو اللعب معهن وخاصة وأن الأبحاث قد أكدت على أن الطفل كثيراً ما يعدل من القيم والمعايير التي اكتسبها من المنزل تبعاً لما تتطلبه جماعة القرناء، وفي دراسة عن الأسباب التي أدت إلى تعاطي المخدرات بين الشباب قرر المتعاطون أن من أهم الأسباب مجاراة الأصحاب ورفقاء السوء، وهذا يؤكد أهمية توجيه الآباء لأبنائهم في اختيار الأصدقاء، لما قد يؤدي إليه سوء الاختيار من الانحراف أو سلوكيات فاسدة كما أن حسن الاختيار يقود إلى الاستقامة والسلوكيات الحسنة..

        وما دام الأمر على هذه الخطورة، فما هو المعيار أو المحك الذي ينبغي أن نحكم به على اختيار وانتقاء الرفقاء والأصدقاء، وما هو الميزان الذي يشير إلى خطورة الانتقاء، لقد حدد الله هذا على لسان سيدنا موسى، قال تعالى {@yèô_$#ur ?Ík< #\??Î?ur ô`ÏiB ?Í?÷dr& ÇËÒÈ tbrã?»yd ÓÅ?r& ÇÌÉÈ ÷?ß?ô©$# ÿ¾ÏmÎ/ ?Í?ø?r& ÇÌÊÈ çmø.Î?õ°r&ur þ?Îû ?Ì?øBr& ÇÌËÈ ö?s1 y7ysÎm7|¡èS #Z??ÏVx. ÇÌÌÈ x8t?ä.õ?tRur #·??ÏWx.} (طه: 29-34) فهو يريد الذي يكون سنداً له أن يشد عضده، ويعينه على نوائب الحياة، ويشاركه الرأي والأمر، ويعينه على ذكر الله وتسبيحه حتى لا يندم ويقول {4ÓtLn=÷?uq»t? ÓÍ_tFø?s9 óOs9 õ?Ï?ªBr& $ºR?xèù Wx?Î=yz ÇËÑÈ ô?s)©9 ÓÍ_¯=|Êr& Ç`tã Ì?ò2Ïe%!$# y?÷èt/ ø?Î) ?ÎTuä!$y_ 3 ?c%?2ur ß`»sÜø?¤±9$# Ç`»|¡SM~Ï9 Zwrä?s{ } (الفرقان:28-29).

      وتلك صفات ثلاثة، وهي: التعاون على الحياة، والشركة في الأمر والإعانة على ذكر الله تحدد المعيار أو المحك الذي ينبغي أن نعرض عليه من مزيد مؤاخاتهم وصحبتهم، وإذا كان الإسلام قد أوضح لنا معيار اختيار الصديق أو الصاحب، فقد بين لنا من نبغضهم ولا نتعامل معهم، وتبين لنا الآيات التالية ذلك قال تعالى { $pk??r'¯»t? tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä ?w (#rä?Ï?­Gs? ?Íirß?tã öNä.¨rß?tãur uä!$u?Ï9÷rr& ?cqà)ù=è? NÍkö?s9Î) Ío¨?uqyJø9$$Î/ } (الممتحنة:1)، {?w ß?ÅgrB $YBöqs% ?cqãZÏB÷sã? «!$$Î/ ÏQöqu?ø9$#ur Ì?ÅzFy$# ?cr??!#uqã? ô`tB ¨?!$ym ©!$# ¼ã&s!qß?u?ur } (المجادلة:22)، {?wur (#þqãZx.ö?s? ?n<Î) tûïÏ%©!$# (#qßJn=sß ãNä3¡¡yJtGsù â?$¨Y9$# } (هود:113)، {#s?Î)ur |M÷?r&u? tûïÏ%©!$# tbqàÊqè?s? þ?Îû $uZÏF»t?#uä óÚÍ?ôãr'sù öNåk÷]tã } (الأنعام:68)

        ومع استمرارية التقدم تتعدد المؤسسات التي تسهم في إكساب وتنمية القيم لدى الأفراد والتي تعد امتداد وظيفياً للأسرة بمعنى أنها تقوم أساساً على ما بدأته الأسرة، ومن تلك المؤسسات النظام التعليمي الذي يعمل على أن يكسب أفراده القيم المرغوبة اجتماعياً من خلال مرورهم بمجموعة من الخبرات المنظمة والهادفة، ويحدد جاروس Jaros  خمسة عوامل لها أهميتها وتأثيرها على إكساب وتنمية التوجهات القيمية للطلاب وهي:

1-       محتوى المناهج والمقررات.

2-       تفاعل الطلاب مع محتوى المناهج حيث إن الطالب يتفاعل مع أسلوب معين من أساليب التدريس.

3-       التعبير الصريح للمدرسين عن قيمهم في حجرات الدراسة.

4-       تعبير المدرسين العارض عن قيمهم خارج نطاق حجرات الدراسة.

5-       توحد الطلاب مع بعض المدرسين ومن ثم تبني الأول لقيم الآخر.

       والواقع أن الطلاب بما يتعرضون له من تيارات علمية وثقافية عن طريق المناهج داخل النظام التعليمي يكون لها تأثير على إكساب وتنمية القيم لدى الطلاب، كما يلعب المعلمون أو أعضاء هيئة التدريس دوراً هاماً في عملية إكساب وتدعيم القيم والاتجاهات المرغوب فيها والتي يتبناها المجتمع، والتصدي في نفس الوقت للقيم والاتجاهات التي قد تضر بهذا المجتمع، ومن الأقوال المأثورة في هذا الشأن قول عمر بن عتبة لمعلم ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك فإن عيونهم معقودة بعينك الحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه، ولا تتركهم فيه فيهجروه، وروهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك". وقد أكدت الكثير من الدراسات السابقة على دور النظام التعليمي في إكساب وتنمية القيم لدى الطلاب.

        وفي ضوء المتغيرات الثقافية والعلمية المتزايدة غدت وسائل الإعلام بصفة عامة مصدراً هاماً من مصادر التنشئة الاجتماعية ومن ثم إكساب القيم في المجتمع، وتأتي هذه الأهمية من قدرتها على تقديم خبرات متنوعة وجذابة للصغار والكبار على حد سواء، ولا يقل دور وسائل الإعلام تأثيراً وفاعلية في تربية النشء عن المؤسسات التعليمية، لذا كان من الضروري إعادة النظر فيما تبثه هذه الوسائل على اختلافها لتلافي كل ما من شأنه أن يؤثر على الشباب، ويؤدي بهم إلى الانحراف، ويمكن للإعلام أن يكون من أهم وسائل إكساب وحماية القيم الدينية في المجتمع وتربية النشء تربية سليمة لقدرته على تشكيل وتجسيد القدوة قولاً وعملاً، ولقدرته أيضاً على أن يحفظ للمجتمع أصالته دون أن يحرمه حقه من المعاصرة.

        وتؤدي دور العبادة وظيفة حيوية في حياة الأفراد والجماعات بتأكيدها على القيم الدينية وهي في قيامها بدورها تتميز بخصائص منها: إحاطتها بهالة من التقديس والثبات وإيجابية المعايير السلوكية التي تعلمها للأفراد، وتتبع دور العبادة في غرس القيم الدينية أساليب منها: الترغيب والترهيب، والدعوة إلى الخير طمعاً في الثواب والابتعاد عن الشر تجنباً للعقاب، وعرض النماذج السلوكية المثالية، والإرشاد العملي.

        وللمسجد في الإسلام دور هام في حياة المسلمين، وعليه يقع العبء الأكبر في الحفاظ على الإسلام وقيمه، والدعوة إليه وما أحوجنا اليوم أن يعود للمسجد دوره كمركز حضاري لخدمة المجتمع في شتى مجالات الحياة، وأن يعود إلى وظيفته الأولى التي كان عليها على عهد الرسول(r).

        وللقادة وأولى الأمر دور هام في إكساب وصياغة القيم السائدة في المجتمع، وإن كان هذا الدور بعيداً عن دائرة الضوء، فإن أبو الأعلى المودودي يرى في ذلك "إن الإنسانية قد لا تستطيع أن تأبى السير على تلك الخطة التي رسمها الذين بيدهم الأمر، وسلطة الذين يملكون أدوات تكوين الأفكار والنظريات وإليهم المرجع في تنشئة الطباع الفردية، وإنشاء النظام الجماعي، وتحديد القيم الخلقية، فإن كان هؤلاء ممن يؤمنون بالله، فلابد لنظام الحياة أن يسير على طريق الخير، وأقل ما يكون أن السيئات لا تربو إن لم تمحق وتنقرض آثارها. أما إذا كانت السلطة بأيدي رجال انحرفوا واتبعوا الشهوات وانغمسوا في الفجور، فلا محالة أن يسير نظام الحياة على البغي والعدوان ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والنظريات والأخلاق والمعاملات" ومن ثم فغالباً ما نجد أخلاق الأمة وقيمها تبعاً لأخلاق وقيم أميرها وقائدها، فمتى اتصف بصفات الإنسانية وتحلى بالدين، تتأسى به وتنهج الأمة منهاجه، ولا أدل على ذلك من قول رسول الله فيما رواه ابن عباس: صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والفقهاء. وفي رواية أخرى السلطان والعلماء، ومن قول عثمان بن عفان إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، وتلك مقولة تعبر عن نظر ثاقب يكشف دور السلطة في تقويم الناس، ومن ذلك قول الإمام علي: "الناس بأمرائهم أشبه منه بآبائهم" في التلقي والتقليد، وما كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وصاياه" أن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا"، ويروي أنه لما حمل الجند إلى عمر بن الخطاب جواهر كسرى وتاجه بعد هزيمته أمام جيش المسلمين قال: إن الذي أدى هذا لأمين، قال له رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت إلى الله فإن رتعت رتعوا، وقال الأصمعي: صنفان إذا صلحا صلح الناس الأمراء والفقهاء، وقد اطلع مروان بن الحكم على ضيعة، فأنكر منها شيئاً فقال لوكيله ويحك إني أظنك تخونني، قال أتظن ذلك ولا تستيقنه قال وتفعل، قال نعم، والله إني لأخونك، وإنك لتخون أمير المؤمنين.. وإن أمير المؤمنين ليخون الله، فلعن الله شر الثلاثة، وكما قيل: المرء أشبه شئ بزمانه، وصبغة زمانه منتخبة من سجايا سلطانه والإسلام والسلطان توأمان لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه. والإسلام أس والسلطان حارس وما لا أس له يهدم ما لا حارس له ضائع.

        وتجدر الإشارة إلى أن السلطة لا تنشئ قيماً ولا نمطاً سلوكياً، ولكنها تتبني قيماً فتتسيد تلك القيم، وهي بموقفها قد تضفي شرعية على بعض القيم والسلوكيات.

        ويتضح مما سبق دور بعض المؤسسات في إكساب وتنمية القيم والتي تبدأ بوسيط واحد ثم تتعدد تلك الوسائط، لذا كان من الضروري التنسيق والتعاون بينها حتى لا تتناقض، الأمر الذي قد يؤدي إلى الصراع القيمي، والشعور بالاغتراب، وضعف الإحساس بالانتماء، وكثرة الانحرافات والجرائم، ذلك لأن تأثير هذه المؤسسات متزامن بمعنى أن الفرد ينتمي إلى أسرة، كما أنه طالب وعضو في جماعة، ويرتاد المساجد، وقد ينتمي إلى حزب أو ناد ويتأثر بما يقرأه ويسمعه ويراه من وسائل الإعلام، ويقتضي هذا التعاون تحقيق شرطين أساسيين هما:

1- ألا يكون هناك ازدواجية وتناقض بين توجيهات تلك المؤسسات.

2- أن يكون التعاون هادفاً لإيجاد التكامل والتوازن في بناء الشخصية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

1-         القرآن الكريم.

2-         صحيح مسلم.

3-         صحيح البخاري.

4-         ماجد عرسان الكيلاني: فلسفة التربية الإسلامية، مكة المكرمة، مكتبة هادي، 1409هـ-1988م.

5-         جورج.ف.نيلر: مقدمة إلى فلسفة التربية، ترجمة نظمي لوقا، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1971م.

6-         زكي نجيب محمود: نافذة على فلسفة العصر، كتاب العربي، الكتاب السابع والعشرون، إبريل، 1990م.

7-         على جريشة: نحو نظرية للتربية الإسلامية، القاهرة، مكتبة وهبة، 1986م.

8-         محمد جميل خياط: النظرية التربوية في الإسلام، مكة المكرمة، مطابع الصفا، 1407هـ.

9-         يوسف القرضاوي: الرسول والعلم، القاهرة، دار الصحوة، 1984م.

10-    عمر محمد التومي الشيباني: فلسفة التربية الإسلامية، ليبيا، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1975م.

11-    محمود السيد سلطان: الأهداف التربوية في إطار النظرية التربوية في الإسلام، القاهرة، دار المعارف، 1983م.

12-    محمد أحمد كريم: بحوث ودراسات في التربية، جدة، عالم المعرفة، 1983م.

13-    دي.جي. أوكونو: مقدمة في فلسفة التربية، ترجمة محمد سيف الدين فهمي، القاهرة، القاهرة الحديثة للطباعة، 1972م.

14-    عبد الفتاح جلال: من الأصول التربوية في الإسلام، المركز الدولي للتعليم الوظيفي للكبار في العالم العربي، 1977م.

15-    عبد الرحمن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية وأساليبها، دمشق، دار الفكر، 1983م.

16-    محمود قمبر، حسن حسين البيلاوي، محمد وجيه الصاوي: دراسات في أصول التربية، الدوحة، دار الثقافة، 1991م.

17-    مصطفى عبد الواحد: شخصية المسلم كما يصورها القرآن، القاهرة، مكتبة المتنبي، 1975م.

18-    عبد الرحمن حنبكة، محمد الغزالي: الثقافة الإسلامية، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، كلية الشريعة.

19-    عثمان جمعة ضميرية: التصور الإسلامي للكون والحياة، القاهرة، دار الكلمة الطيبة، 1985م.

20-    ابن منظور: لسان العرب، المجلد الثالث، بيروت، دار لسان العرب.

21-    الفيروز أبادي: القاموس المحيط، المجلد الرابع، القاهرة، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع.

22-    فوزية دياب: القيم والعادات الاجتماعية، القاهرة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1966م.

23-    ضياء زاهر: القيم في العملية التربوية، سلسلة معالم تربوية، القاهرة، مؤسسة الخليج العربي، 1986م.

24-    حامد زهران: علم النفس الاجتماعي، القاهرة، عالم الكتب، 19672م.

25-    سعد مرسي أحمد: التربية والتقدم، القاهرة، عالم الكتب، 1970م.

26-  جابر قميحة: المدخل إلى القيم الإسلامية في: دراسات في الحضارة الإسلامية، المجلد الثالث، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985م.

27-  محمد عبد الواحد أحمد: القيم الإسلامية في: دراسات في الحضارة الإسلامية، المجلد الثالث، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985م.

28-    أحمد عمر هاشم: منهج الإسلام في العقيدة والعبادة والأخلاق، القاهرة، دار المنار للنشر والتوزيع، 1985م.

29-    طه الدسوقي: البناء النظري للأخلاق في الإسلام، حولية كلية أصول الدين، جامعة الأزهر، العدد الرابع، 1978م.

30-    حسين فوزي النجار: الإسلام وفلسفة الحضارة، منبر الإسلام، العدد1، السنة 45، 1986م.

31-    محمد البهي: الإسلام في حياة المسلم، القاهرة، مكتبة وهبة، 1977م.

32-    عباس العقاد: الإنسان في القرآن، القاهرة، دار نهضة مصر، 1978م.

33-    يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، القاهرة، مكتبة وهبة، 1981م.

34-    محمد البهي: منهج القرآن في تطوير المجتمع، القاهرة، مكتبة وهبة، 1979م.

35-  رفقي زاهر: فلسفة التربية في الإسلام، عرض تحليلي لجوانب المنهج الإسلامي في تربية الشباب، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1981م.

36-    سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، القاهرة، دار الشروق، 1987م.

37-    سعيد إسماعيل علي: فلسفة التربية الإسلامية، القاهرة، عالم الكتب، 1981م.

38-    عبد الله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام، ج2، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر، 1984م.

39-    إبراهيم عصمت مطاوع: أصول التربية، القاهرة، دار المعارف، 1980م.

40-  محمود بن الشريف: الإسلام والأسرة، القاهرة، مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1983م.

41-    أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، الإسكندرية، دار الفكر الجامعي، 1985م.

42-    عباس محجوب: مشكلات الشباب، كتاب الأمة، قطر، مطابع الدوحة الحديثة، 1406هـ.

43-    سعيد إسماعيل علي: التصور النبوي للشخصية السوية، القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1979م.

44-  عبد العزيز كامل: عبد العزيز كامل: الوحدة والتنوع في التربية الإسلامية، المؤتمر العالمي الخامس للتربية الإسلامية، القاهرة، 1978م.، المؤتمر العالمي الخامس للتربية الإسلامية، القاهرة، 1978م.

ن أقوةى

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الأهداف التربوية

يعد مفهوم الأهداف من المفاهيم المحورية التي تدور حولها سائر العلوم التربوية ، ولعل ذلك راجعاً إلى تلك الخاصية الهامة للتربية والتي مؤداها : إن التربية عملية هادفة. وهذه الخاصية تبعد التربية عن العفوية والارتجالية ، كما تنجو بها عن العشوائية والتخبط.

وتستغرق الأهداف العملية التربوية في كليتها ، فهي البداية التي من خلالها يتم التخطيط والتنظيم للعمل التربوي ، كما أنها مؤشرات رئيسية للمحتوى الدراسي ولطرائق التدريس وما تستلزمه من وسائل ووسائط تربوية ، وغيرها ، وهي – أي الأهداف – النهاية إذ في ضوئها يتم تقييم العملية التربوية سواء من خلال مراحلها المختلفة ، أو ما يعرف بالتقويم المرحلي ، أو تقييمها تقييماً نهائياً أو يعرف بالتقويم النهائي ، وذلك بهدف تصويب مسارات العملية التربوية في ضوء ما تسفر عنه عملية التقويم في ضوء الأهداف المرادة.

   ويعرض الفصل الحالي للأهداف في التربية ، وذلك من حيث المقصود بالأهداف، ومصادر اشتقاقها، والمعايير اللازم توافرها فيها، وأنواعها، وأهمية دراسة المعلم لتلك الأهداف.

المقصود بالأهداف التربوية :

" الهدف " في اللغة هو كل ما ارتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل ، كما يقصد به الغرض الذي يوجه عليه السهام ونحوها. ويأتي الفعل هدف بمعنى دخل إلى الشيء وأسرع إليه. والهادف ما يوجه إلى غرض محدود. يقال أدب هادف وفن هادف.(المعجم الوجيز.ص646).

أما المعنى الاصطلاحي للهدف التربوي فيرى البعض أنه يعبر عن وجود عمل مرتب ومنظم ، قائم على استبصار سابق لما يمكن أن تنتهي إليه عملية التربية في ظل ظروف وإمكانات موضوعية مصاحبة. ويرى آخر أن الهدف في التربية يعني تنظيم جملة النشاطات والعوامل الداخلية في العملية التربوية وما يحيط بها من عوامل أخرى ، فهو يتضمن اتجاهاً للعمل ، كما يساعد على اختيار الوسائل وتحديد الخطوات اللازمة للوصول إلى النتائج المنشودة من عملية التربية ، وهو بذلك عمل منظم ، بخطوات متسلسلة ومتتالية قائمة على دراسة واعية للظروف المحيطة ، وعلى بصيرة بالاحتمالات المختلفة أثناء التحرك نحو توقعات وتطلعات معينة تسعى إليها التربية.

وإذا كانت الأهداف عامة تعبيراً عن الغاية والقصد والنية ، وإشارة إلى الغرض والمأرب ، فإن الأهداف التربوية منها تعبير عن تلك العملية المقصودة التي تعمل على مساعدة الفرد في تشكيل شخصيته من خلال أنماط الفكر والتصرف والإحساس التي تشكل ثقافته. وكذا فإن الأهداف التعليمية إنما تشير إلى تلك الحاجات غير المشبعة والتي تحدد وفي صورة جملة من التوقعات التي ينتظر حدوثها في سلوك المتعلم عقب مروره واحتكاكه بخبرات تعليمية معينة. أو بتعبير آخر، فإن الأهداف التعليمية إنما هي عبارات توضح ما سوف يكون عليه المتعلمون عند ما تتم عملية التعليم والتعلم بنجاح.

مصادر اشتقاق الأهداف التربوية :

هناك جدل في قضية المصدر الذي يجب أن تشتق منه الأهداف التربوية فيما يتعلق بالجانبين الاجتماعي والفردي ، وما يرتبط بهذين الجانبين من مفاهيم كالثقافة والحرية والديموقراطية وتكافؤ الفرص... وغيرها. ولقد تميز فريقان في صدد المصدر الذي يحدد الأهداف التربوية ، أول الفريقين يعرف بأصحاب نظرية الأهداف الخارجية ، ويرى هذا الفريق أن الأهداف التربوية تتحدد من خارج الموقف التعليمي نفسه ، وذلك عن طريق قوى وسلطات اعتبارية ميتافيزيقية ، وهذه القوى يقف على رأسها ثقافة المجتمع ، وذلك باعتبار أن الثقافة تتشكل من عوامل اجتماعية وتمثيلات جمعية ، وأنها طرقاً للتفكير والإحساس مستقلة عن الأفراد وخارجة عن نطاقهم. ومن وجهة النظر هذه ، فإن رغبات الأفراد وأهدافهم مستمدة ومحدودة في ضوء ما يتحكم فيهم من ثقافة ، والنتيجة المنطقية لتلك النظرة أن يكون للثقافة متمثلة في الشخصية الاعتبارية للدولة الحق في تشكيل الأفراد على ما ترى هي ووسيلتها هنا التربية ، وبذا تملي أهدافاً معينة ، ومناهج محدودة، وطرقاً ووسائل تحدد تعليم الأفراد ليتخرجوا كما تخطط لهم الدولة كي يكونوا أعضاء منتجين فيها.

وتجدر الإشارة إلى أن تفاعل أصحاب نظرية الأهداف الخارجية مع فكرة الثقافة كحقيقة فوق عضوية ، تعمل أثرها على الأفراد مؤدية بهم إلى فكرة السلوك وفق طرق معينة ، قد أدى هذا إلى القول بالحتمية الثقافية للسلوك الإنساني ، بمعنى أن السلوك الإنساني قد تحدد (تحتم) ثقافياً ، لذا فإن المنهج في معناه الشامل (محتوى دراسي ، طرائق تدريس.... تقويم) ، ينبغي أن يكون منتقاً بعناية وفي ضوء الدراسة الدقيقة لحاجات الثقافة كما تقوم بها السلطات التربوية ، الأمر الذي يقتضي إشرافاً حكومياً مباشراً على التربية ، وذلك لضمان أن المدرسين يغرسون في الناشئة تلك الأفكار والاتجاهات والمهارات والقيم الضرورية للاستمرار الثقافي.

وثمة أوجه نقد لأصحاب نظرية الأهداف الخارجية ، إذ يسلخون الأهداف التربوية عن النظام التربوي نفسه ، وذلك بإرجاعهم الأهداف التربوية لقوى خارجية – من خارج الموقف التعليمي نفسه ، والواقع أن قبول هذه النظرة على علاتها أمر صعب ، إذ تصبح الأهداف عندئذ مفروضة وحتمية ، وهذا بلا شك يتعارض مع المبدأ القائل بضرورة أن يشترك المتعلمون في تحديد أهدافهم ، حيث يؤدي ذلك إلى ضرورة العمل على تحقيقها ، وذلك لكونها نابعة من ذواتهم ، ومعبرة عن رغباتهم وميولهم.

أما فيما يتعلق بالمؤيدين لنظرية الأهداف الداخلية ، فهم يعتقدون في ضرورة أن تشتق الأهداف من الموقف التعليمي ذاته ، وبذلك تتحدد الأهداف تبعاً لخبرة الأفراد أنفسهم ، وبناء عليه يصبح المتعلمون وسائر عناصر الموقف التعليمي مصدراً رئيسياً لتحديد الأهداف.

ويرى أنصار نظرية الأهداف الداخلية أن الفرد لا الدولة أو المجتمع هو الأولى بأن يحتل بؤرة اهتمام التربية ، وهم يرون أن كل مؤسسات المجتمع ما وجدت إلا لتحقق للفرد حياة أفضل ، وما المدرسة إلا مؤسسة من تلك المؤسسات ، وإن كانت المؤسسة التي يتخذها المجتمع وسيلة لتحقيق سعادة الفرد. كما يرون أن أصحاب نظرية الأهداف الخارجية قد أخطئوا عندما تجاوزوا بالأهداف التربوية إلى خارج النظام التربوي ، متجاوزين بذلك المواقف التربوية والقائمين عليه والمنخرطين فيها من مربين ومتربين ، وبذلك تصبح التربية فكرة خالية من كل مضمون ، وليس لها أي جدوى ،  ناهيك عن أن تلك النظرة تؤكد الجمود والركود على حساب التطور والرقي.

وقد يكون من المفيد محاولة التوفيق بين الرأيين السابقين في صدد الأهداف التربوية، ولا سيما أن العلاقة بين الفرد كموضوع لأصحاب نظرية الأهداف الداخلية ، والمجتمع كموضوع ومحور رئيسي لأصحاب نظرية الأهداف الخارجية علاقة وطيدة وقديمة ، إذ أن الفرد ينمو ويحيا وسط جماعة ، كما أن الفرد يجد راحته وسعادته في كنف مجتمع فيه قوانين تحمي أفراده، وتمنحهم الحرية والعدالة ، إضافة إلى أن الذاتية لا تظهر ظهوراً جلياً إلا في وسط اجتماعي ، بل إن الذات الفردية والاجتماعية يولدان معاً.

وبالنظر إلى مصادر اشتقاق الأهداف التربوية يلاحظ تعددها ، وفيما يلي عرض لأهم هذه المصادر :

1- الدين :

يعد الدين الحق أساساً لنهضة الشعوب والقضاء على الفوضى، كما يعتبر ركيزة أساسية لتقدمها وسيادتها ، وتحولها من الوهن إلى القوة ، ومن الذلة والمسكنة إلى القوة والنفوذ ، ولقد قال الإمام محمد عبده مدللاً على ذلك " ... هل نسيت (أيها القارئ) تاريخ الأمة العربية وما كانت عليه قبل بعثه الدين (الإسلامي) من الهمجية والشتات ، وإتيان الدنايا والمنكرات ، حتى إذ جاءها الإسلام فوجدها وقواها وهذبها ونور عقولها وقوم أخلاقها وسدد أحكامها ، فإنها سادت على العالم وساست من تولته بسياسة العدل والإنصاف ، وفي موضع آخر : " هل تعجب أيها القارئ من قولى إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن محدثات البدع ، تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل ويفضل الشرف على لذة الحياة ، وتبعثها على اقتناء الفضائل ، وتوسيع دائرة المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية... ، وكل أمة سادت تحت هذا اللواء إنما قوتها ومدنيتها في التمسك بأصول دينها ".

ولما كانت التربية تعني بالنفس الإنسانية ، ذلك فإن التربية في حاجة إلى علم يعرض لآداب هذه النفس ، ويرى الإمام محمد عبده أن هذا العلم وعلم آداب النفس وكل أدب لها في الدين ، إلا أن المسلمين فقدوا التبحر في آداب الدين والتفقه فيه ، وأنه إذا ما استكملت النفس بآدابها كما جاء بها هذا الدين عرفت مقامها من الوجود ، وأدركت منزلة الحق في صلاح العالم ... وأخذت بالفضيلة الجامعة للفضائل.

إن القول بأن الدين مصدر من مصادر اشتقاق الأهداف التربوية وأهمها ،  لا يقف ذلك بالدين عند الجوانب العقائدية أو العباداتية من الأهداف ، إنما يتعدى ذلك إلى سائر جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية.... وغيرها ، حيث أكد الإسلام على أن مهمة الإنسان الأساسية في هذا الوجود إعمار الأرض بالمعنى الشامل لهذا الإعمار كما جاء في القرآن الكريم : (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيهـا)، (هود : 61). أي طلب منكم عمارة هذه الأرض ، وذلك من خلال العلم – الدنيوي والديني – والذي هو فريضة إسلامية لا تقل عن أية فريضة أخرى.

ويمكن القول أن اتخاذ الأمم الدين كمصدر من مصادر اشتقاق الأهداف أحد الوسائل الناجعة في المحافظة على هوية تلك الأمم ، إذ يعتبر الدن أساس هوية الشعوب ، وكذا وسيلة من وسائل مقاومة محاولات الغزو الثقافي لتلك الأمم ، كتلك المحاولات العلمانية – بفتح العين – والتي سقط من حسابها النظر إلى الآخرة مع التركيز على الدنيا والتي استهدفت الدول الإسلامية ، والأخذ بالدين وبما يدعو إليه من وسطية واعتدال في النظر لكل من الدنيا والآخرة ، يمكن أن يقوض ما تسعى له هذه المحاولات العلمانية.

وتجدر الإشارة إلى أن التنصير والاستشراق والعلمانية هدفت فيما هدفت إلى إبعاد الإسلام كدين لكثير من الدول الإسلامية عن المسلمين ومؤسساتهم بتلك الدول ، أي إبعاد المسلمين عن الإسلام سلوكاً ونظاماً، ولقد سعى سعيهم هذا الاحتلال الغربي لكثير من الدول الإسلامية ، وقد وقعت مؤسسات التعليم شأن سائر المؤسسات الحيوية في مرمى تلك الأهداف الرامية إلى إبعاد المسلمين عن دينهم ، سواء كان ذلك من خلال تغريب المناهج التعليمية أو فتح مؤسسات تعليمية عربية تعمل وفق فلسفة الدول التي تقوم عليها.

إن القول بأن الدين أحد وأهم مصادر اشتقاق الأهداف لا يعني ما يدعيه البعض إلى الانغلاق على النفس ، والانكفاء على الذات ، والاقتصار عليها، ولكن الأمر على خلاف ذلك عندما يكون ذلك الدين الإسلام ، فالإسلام دين متفتح لا يرفض ثقافة معينة لمجرد كونها أجنبية، إنما ينظر فيها ويمحصها ويفندها ، يأخذ منها ما يفيد مسيرة المسلمين الحضارية ، مستقين منها ما قد يصلح أمور دنياهم ، وذلك بهدف خدمة دين الإسلام ، وتبؤ مكانة القوة التي يطلبها الإسلام للمسلمين ، ولقد استفاد المسلمون عندما أرادوا بناء حضارتهم من كل الثقافات التي كانت قائمة آنذاك ، بل يرى " ابن رشد " أن الشرع يوجب الإطلاع على كتب القدماء ، ويدخل في ذلك بطبيعة الحال الإطلاع على كل جديد في مستقبل الأيام ، ويقول في هذا الصدد : " ننظر من الذي قالوه من ذلك ما أثبتوه في كتبهم. فما كان منها موافقا للحق قلبناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم ".   

2- طبيعة العصر وخصائصه :

لقد أحدث عصر التقدم العلمي والتكنولوجي السريع الذي تعيشه المجتمعات اليوم ثورة اتصالات آخذة في الانتشار السريع بكل روع العالم ، كما عمل على إيجاد مجتمع عالمي للمعرفة والمعلومات ، ولقد تغلغلت التكنولوجيا كتوظيف للحقائق العلمية وما تؤدي إليه من نظريات سائر مجالات الحياة ، الأمر الذي يعمل على تغيير طريقة وأسلوب الناس في جميع أنحاء العالم في الحياة خاصة في التعليم والعمل وما يرتبط بهما من مفاهيم ، بل إن ثمة مؤشرات تبين أن هذين المجالين سيشهدان أكثر من غيرهما من المجالات الحياتية الأخرى تطوراً هائلاً وتغييراً جذرياً في الديناميات الحاكمة لهما.

وعلى نحو متزامن ، أدت التغييرات السياسية التي أعقبت الحرب الباردة، وما أفضت إليه من تفكك للاتحاد السوفيتي إلى تجارة متحررة وإلى تنقل غير مقيد للبشر بين البلدان ، وقد أثر هذا الاتجاه في تعزيز وتمكين مفهوم العولمة ، وما صاحبه من تركيبة في التطورات التكنولوجية على مستوى العالم وإن كانت هذه التركيبة غير متكافئة أو متساوية بين بلدان العالم ، الأمر الذي أدى إلى تباين كبير وفجوات عميقة بين بلدان العالم، مما سبب كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لكثير من هذه البلدان.

إن العولمة وما تعمل له ولو ظاهرياً من كونها أداة للنمو الاقتصادي ، تطلب قدرات تنافسية متضاعفة ، حيث أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى نظم إنتاج قائمة على التكنولوجيا الحديثة ، كما تحتاج إلى أيد عاملة ذوي مهارات متقدمة غير متقادمة ، ومتطورة غير متخلفة ، لهذا فإن إعادة النظر في الأهداف التربوية عامة والتعليمية خاصة يقف على رأس الأولويات التي يتطلبها التعامل الفاعل مع العولمة ، ذلك التعليم الذي يسعى إلى التوظيف في ضوء معايير ومحكات موضوعية مرتبطة بالتنمية الشاملة بالمجتمع.

ولقد أدى التطرف الشديد في ربط الأهداف التربوية بالعولمة وما تضمنه من جوانب مادية بحتة مثل القدرة التنافسية في مجال السوق الحر والربحية وكفاءة الأداء... وغيرها إلى تحجيم بعض الرؤى التربوية في مجال الأهداف والمرتبطة بالجوانب الأخلاقية والثقافية والاجتماعية ، إذا أصبحت الأهداف المرتبطة بهذا الصدد ثانوية بالنسبة للأهداف المرتبطة بالجوانب المادية الاقتصادية.

إن التطور الحادث في معظم المجتمعات – المتقدم منها والنامي – يتطلب من أفراد هذه المجتمعات الإلمام بمستوى عال من المعارف والمهارات المتخصصة ، وذلك في سائر جوانب الحياة الاقتصادية والتكنولوجية والتعليمية ... وغيرها ، بحيث يشكل هؤلاء الأفراد القوى العاملة والمؤهلة تأهيلاً عالياً في المجالات الفنية والمهنية. ويعد تأهيل وتدريب هذه القوى وظيفة أساسية للنظم التربوية والتعليمية بالمجتمع ، الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة أن تصبح طبيعة العصر وخصائصه من أهم مصادر اشتقاق الأهداف.

ويقوم التطور المشار إليه على جملة من الخصائص التي تعد مرتكزات أساسية لهذا التطور ، ولعل من أهم هذه الخصائص الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي ، فلقد كان للانفجار المعرفي تأثير كبير على المجتمع برمته عامة ، وعلى نظامه التعليمي بصفة خاصة ، ولقد أسهم في ذلك الانفجار المعرفي جملة من العوامل أهمها : التقدم في وسائل الطباعة والنشر من جانب ، وكذا التقدم الكبير في تكنولوجيا البحوث والاتصال من جانب آخر.

وإذا كانت طبيعة العصر وما ينتابها من تغيير جراء الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي ذات تأثير على حياة الأفراد بالمجتمعات ، فقد أصبح جليا أنه من الضروري إدخال المعرفة الجديدة وما يرتبط بها من تقنيات في النظم التعليمية بجوانبها المختلفة ، سواء ما اتصل بها من أهداف أو محتويات دراسية أو طرائق تدريسية أو عمليات تقويم ، بل إن عملية الإدخال الفوري للمعارف الجديدة الموثوق فيها أصبح مسئولية اجتماعية لما لها من أثر في خدمة الإنسان فلم تعد العملية التعليمية موجهة للماضي وفقط على الرغم من أن أحد أدوارها الهامة المحافظة على التراث الثقافي ، حيث لا بد من وجوب تفاعل بين مؤسسات التعليم من ناحية وطبيعة العصر الـذي تنتمي لـه هـذه المؤسسات وما يرتبط به من تقدم تكنولوجي وانفجار معرفي من جهة أخرى.        

وتجدر الإشارة إلى أن ثمة علاقة قوية بين التعليم عامة وأهدافه خاصة وبين طبيعة العصر ، إذ أن التطبيقات التكنولوجية كأحد خصائص العصر سوف تؤدي على فرص عمل جديدة لفئة من البشر المتخصصين والمؤهلين تأهيلاً عالياً ، الأمر الذي سيعود إيجابياً على دخولهم ، ويعد ذلك مبرراً قوياً لربط التعليم بطبيعة العصر وبالذات بسوق العمل كمتلقى للتطبيقات التكنولوجية المشار إليها ، وإلا تخلف أفراد العمل عن متطلبات سوق العمل مما يؤثر سلباً على دخولهم وعلى قدرتهم ودرايتهم بالوظائف الجديدة بالمجتمع.

3- المجتمع كمصدر من مصادر اشتقاق والأهداف :

لا يقوم النظام التربوي في فراغ، ولكنه يقوم في بيئة مجتمعية واجتماعية وغالباً ما يكون لهذه البيئة تأثيرها الكبير على اختيار الأهداف التربوية ، فالنظام التربوي عند ما يحدد أهدافه تحاول أن تقيم العلاقة المرغوب فيها بينه وبين بيئته الاجتماعية. ويجب أن تكون الأهداف التربوية مقبولة من مجتمعها.

ولقد تطرف البعض في نظرته إلى العلاقة بين التربية والمجتمع ، فجعل التربية هي التي تشكل المجتمع ، وذلك لكون التربية قوة كفيلة بتغيير الواقع المجتمعي ، إلا أنه ظهر اتجاه مضاء على يد باولو فرير مؤداه أن المجتمع هو الذي يشكل التربية وفقاً لمصالح أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة فيه. ويذهب باولو إلى أن السبب في أن التربية لا تشكل المجتمع يرجع على أنها لا تستطيع تشكيله فانحصرت مهمتها في السهر على سيرته وتطوره في الاتجاه المطلوب. وصحيح أن التربية تسهم في صيانة المجتمع ومراقبته ، وأن رجالها لا يحققون نتائج متماثلة في هذا الشأن ، ولكن لا هذا ولا ذاك يبرر الاعتقاد بأن التربية تملك من القوة ما يمكنها من إقامة أي مجتمع كان ، كما أنها ليست أقوى ولا أعلى قدراً منه.

ولا يزال الكثيرون يعتقدون أن النظام التربوي المنهجي كفيل بتغيير شكل أي مجتمع وتطويره ، ولكن الحقيقة هي أن مهمة النظام التربوي في أي مجتمع حماية ذلك المجتمع والارتقاء عليه حتى لو كان ذلك المجتمع دكتاتورياً ، حيث نبع النظام التربوي من المجتمع ثم فرض عليه حماية ذلك المجتمع ص 194.

4- حاجات المتعلمين كمصدر من مصادر اشتقاق الأهداف :

إن المتعلمين في أي نظام تعليمي حجر الأساس لهذا النظام ، فمن أجلهم أقيم النظام، ولولاهم لما كان هناك معلمون أو مناهج بمعناها الشامل أو تقويم أو إدارة... الخ. لهذا كان المتعلمون مركز اهتمام كثير من الباحثين والقائمين على المنظم التعليمية ، الأمر الذي جعل المتعلمين مركزاً ومحوراً رئيساً في العملية التربوية ، دون أن يعني ذلك قلة الاهتمام بالمجتمع وما يتضمن من جماعات ، ولقد أدى ذلك على مجموعة من التوجهات الفلسفية التربوية التي تقوم أساساً على احترام الكرامة الإنسانية للفرد ، في إطار من النظرة الشمولية لكيانه الإنساني، سواء في الجانب الجسدي أو الوجداني أو الاجتماعي. 

وثمة توجهات تربوية حديثة تعرف بالتربية الإنسانية تدعو إلى ضرورة أن تتمحور العملية التربوية بما يتضمن من أهداف حول المتعلمين ، ليس فقط فيما يتصل بالمسئولية عن التعلم ولكن أيضاً من ناحية النمو الشامل لشخصية المتعلمين ، فالمتعلمون ينظر إليهم على أنهم متفردون ، وينبغي أن يسمح لكل منهم وفي سائر جوانب شخصيته بالنمو ، فالانفعالات والاتجاهات والجوانب الفيزيقية فيه مهمة قدر أهمية الجوانب العقلية المعرفية. إذ تعتبر الشخصية الكاملة وفي كافة أبعادها التي تميزها عن الكائنات الحيوانية تعتبر مجالاً هاماً للتنمية في التربية الإنسانية ، كما تعتبر مصدر اشتقاق الأهداف التربوية.

مستويات الأهداف:

        تتباين الأهداف في مداها ومستواها، كما سبق أن أشرنا فقد تكون أهدافاً عامة بعيدة المدى كأهداف المجتمع، ويطلق عليها الأغراض، وقد تكون أقل عمومية ومتوسطة المدى كأهداف التربية والمراحل التعليمية ويطلق عليها الغايات أو المقاصد، وقد تكون أهدافاً ذات مدى قصير وأكثر تحديداً كأهداف المنهج ومواد الدراسة، ويطلق عليها الأهداف المحددة. وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن تحديد مستوى الهدف يتم بدلالة عاملين:

أولهما: الزمن اللازم للوصول إلى الهدف.

ثانيهما: مدى العمومية التي يصاغ بها الهدف.

        وكلما كان الهدف عريضاً وعاماً، ويأخذ زمناً طويلاً في تحقيقه فإنه يقع في المستوى الأول، وهو الأغراض، وكلما أصبح الهدف أقل في درجة العمومية والزمن اللازم لتحقيقه وقع في المستوى الثاني وهو مستوى الغايات أو المقاصد، وكلما كان أكثر وضوحاً ومصاغاً في عبارات سلوكية، ويستغرق تحقيقه وقتاً قليلاً قياساً بالمستويين السابقين، وقع في المستوى الثالث وهو مستوى الأهداف المحددة وسوف توضح هذه المستويات بشئ من التفصيل فيما يلي:

أ- الأغراض Aims:

        يعرف الغرض بأنه عبارة عامة تعطي شكلاً واتجاهاً لمجموعة من المقاصد أو الغايات للمستقبل، وتندرج تحتها أهداف المجتمع، وتشتق الأغراض بصفة عامة من الفلسفة الاجتماعية للمجتمع، ومن الديانة التي يدين بها أفراده، كما أنها تعد نقطة البداية التي تحدد اختيار الغايات أو المقاصد Goals والأهداف الأكثر تحديداً Specific Objectives ورغم أن العمومية جزء من طبيعتها، إلا أنها تتصف بمجموعة من السمات نوضحها فيما يلي:

-       تتصف بالمثالية والطموح.

-       تعبر عن قيمة معينة يراد تحقيقها في كل عبارة من عباراتها.

-       تشير إلى حيث يجب أن يركز الجهد وتحشد الطاقات لتحقيقها.

-       يستغرق تحقيقها فترة زمنية طويلة.

-   تكتسب صفة الجماعية في صياغتها، فلا يقتصر في وضعها أو القيام بتحديدها على المتخصصون في شئون التربية ومسائل التعليم فحسب، بل يشاركهم في إعدادها وصياغتها الأجهزة التشريعية، والتنفيذية، والمسئولون عن توجيه مجالات العمل والإنتاج في المجتمع.

-       تتيح الفرصة لإدخال التعديلات الضرورية، والتي تمليها الظروف المتغيرة.

       وقد ناقش كثير من الفلاسفة والعلماء بدءاً من أفلاطون إلى جون ديوي وآخرين في يومنا هذا، قضية الأغراض، وانتهوا إلى التعبير عن رؤية لقضاء الإنسان وقدره، رؤية ما للحياة، للمجتمع والفرد، والمنفعة الاجتماعية، الفعالية المهنية، الذكاء الاجتماعي، المسئولية المدنية، والنمو الشخصي للفرد. إلخ.

        وتميل صياغة الأهداف على هذا المستوى إلى أن تكون فلسفة تماماً، ومن ثم يصعب بالتالي تحديد ما إذا كان الهدف قد تحقق بنجاح أم لا.

 

ب- الغايات أو المقاصد Goals:

        تعد الغايات أو المقاصد أهدافاً أقل عمومية وأقصر مدى من الأغراض، وتندرج تحتها أهداف التربية والمراحل التعليمية بصفة عامه، وبينما يوضح الغرض الاتجاه الذي نسير فيه، فإن الغاية تصف الطريق الفعلي للوصول إلى تلك النهاية، وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الغرض الواحد يمكن أن يقسم إلى مجموعة من الغايات أو المقاصد، تمثل كل منها نقطة تحول بمعنى أن بعضاً منها يستلزم أن توجه الجهود إلى تحقيقه مبكراً، في حين أن البعض يمكن أن يتزامن في تحقيقه، بينما البعض الآخر يمكن أن يرجأ إلى وقت لاحق، وعلى ذلك يصبح من الضروري أن يكون هناك  نوعاً من الترتيب للغايات أو المقاصد المختلفة لتحديد الأولويات وبصفة عامة تفيد الأهداف عند هذا المستوى في تطوير البرامج التعليمية، وفي تخطيط أنماط من المقررات الدراسية، وميادين المعرفة التي سيتم ارتيادها وتقديمها بالمؤسسات التعليمية المختلفة والموجودة بالمجتمع، هذا فضلاً عن أهميتها القصوى في توصيل أهداف التربية إلى الجمهور العام، والوصول إلى نوع من الفهم المشترك لما تسعى التربية إلى تحقيقه في المجتمع. وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن هناك مجموعة من المعايير للأهداف الجيدة عند هذا المستوى نجملها فيما يلي:

-       أن تؤدي إلى تحقيق الحاجات الإنسانية الأساسية.

-       أن تكون نابعة من المواقف والظروف الاجتماعية، قائمة على دراسة وافيه لما فيها من مشكلات وإمكانات.

-       أن تكون متسقة مع المثاليات الديمقراطية.

-       أن تكون متسقة أو غير متناقضة في علاقتها مع بعضها البعض.

-       أن تكون قابلة للتحويل إلى عبارات سلوكية.

-   ألا تفرض أنشطة معينة لتحققها، بل يكون هناك تحريراً للأنشطة، ومن ثم تتاح الفرصة لاختيار الأنشطة المناسبة لبلوغ الغاية المرجوة.

-   أن تتصف بالمرونة والقابلية للتغيير، وبصفة خاصة عندما يثبت أنها غير مفيدة أو غير ذات جدوى. فالهدف الجيد يشتق قيمته من قدرته على تغيير الظروف إلى الأفضل، وإذا لم ينجح في ذلك يخضع للمراجعة والتعديل لاكتساب معاني جديدة وعمقاً جديداً أو نحو ذلك.

صياغة الغايات أو المقاصد التربوية:

لكي تتوافر المعايير السابقة في الغايات أو المقاصد التربوية، فإنها تخضع لعملية صياغة يراعي فيها أن تقوم على مبادئ أساسية نجملها فيما يلي:

-    أن تكون الأهداف مناسبة للظروف المتغيرة في المجتمع وفي العالم المحيط به، فالأهداف التي لا تنبع من المجتمع الذي تنتمي إليه وفي نفس الوقت تقوم على الثبات والسكون الاجتماعي تعتبر غير ذات جدوى.

-    أن تراعي الأهداف ما يوجد بين الأفراد من فروق في الاهتمامات والاستعدادات والقدرات والميول في إطارهم الاجتماعي، ذلك أنها ينبغي أن تكون في خدمة الجميع، من أجل نموهم جميعاً.

-    أن تكون الأهداف من أجل المراحل التعليمية المختلفة، ومن أجل تهيئة الشباب للعمل في المجالات المتنوعة والمتغيرة ولمواجهة المطالب الاجتماعية المتجددة، فلا تعطي اهتماماً لمجموعة أو فئة معينة من الشباب دون باقي الفئات الأخرى، وإنما يجب أن توجه اهتمامها لجميع الأفراد بغض النظر عن أهدافهم الاجتماعية والمهنية.

-            أن تكون الأهداف من أجل الحياة الديمقراطية، فلسفة وطريقة حياة بمعنى أن المنهج وطرق التدريس والجو المدرسي والعلاقات بين المدرسة والبيئة ينبغي أن توجه بأهداف تستوعب قيم الحياة الديمقراطية ومثلها العليا.

-    أن تصاغ الأهداف بصورة تتفق ونتائج البحث العلمي في ميدان السلوك الإنساني حتى يتمكن الأفراد من التعلم بطرق فعاله تسمح باستيعابهم المهارات والمعارف والمبادئ والإفادة بها من موقف إلى آخر.

-    أن تصاغ الأهداف بصورة تكفل أحداث التغيرات اللازمة في الفرد والمجتمع على حد سواء، بما يحقق النمو الشامل والمتعدد الجوانب ومن الضروري في هذا المجال مساعدة الأفراد على إدراك التغيرات المرغوبة، وفي نفس الوقت مساعدة المدرسة على أحداث هذه التغيرات فيهم.

-    ينبغي أن تكون الأهداف قابلة للتحديد والتخصيص، حتى يمكن صياغتها في سياسات وإجراءات وممارسات وبرامج تعليمية، ويلعب دوراً هاماً في هذا المجال أن تكون الأهداف واضحة ومدروسة بعناية.

ج- الأهداف المحددة Specific Objective:       

        هي صياغات أكثر خصوصية ودقة للغاية أو القصد التربوي في صورة عبارات منهجية تصف الأداء المتوقع أن يصبح المتعلم قادراً على أدائه بعد الانتهاء من دراسة برنامج معين، وتندرج تحتها أهداف المنهج وأهداف المواد الدراسية. وتعتبر الأهداف المحددة أهدافاً تكتيكية في طبيعتها، كما أنها أكثر وضوحاً وتحديداً بحيث يمكن قياسها. أنها تمثل محاولة لوصف ما سوف يفكر فليه التلاميذ بدقه، وما سوف يفعلوه ويشعروا به عند نهاية خبرة  التعلم، فضلاً عن وصف النشاط الذي سوف يكون المتعلمين قادرين على القيام به ليبرهنوا على تمكنهم فيما قدم إليهم، ومن ثم يطلق عليها غالباً الأهداف السلوكية، كما ينظر إليها على أنها وسائل يمكن للغايات أو المقاصد التربوية أن تتحقق بواسطتها.

 وبصفة عامة يجب أن يراعي في الأهداف السلوكية توافر المعايير والعناصر التالية:

-    أن يكون الهدف محدداً بوضوح، فأي غموض أو أبهام في الهدف يعني اختلافاً في تفسيره ومن ثم في اختيار المحتوى وطرق التدريس والخبرات التعليمية التي يمكن من خلالها تحقيقه.

-            أن يكون الهدف مناسباً لمستوى التلميذ، فهو المطالب بالوصول إلى الهدف.

-            أن يتضمن الهدف فعل سلوكي يشير إلى نوعية السلوك المراد أن يحققه التلميذ ومستواه.

-    أن يكون أداء التلميذ الذي يصفه الفعل السلوكي في الهدف قابلاً للقياس، فذلك يساعد على قياس مدى تحقق الهدف أو مدى تعلم التلميذ والتغيير الذي حدث في سلوكه.

-            توضيح من سوف يؤدي السلوك المرغوب فيه (التلميذ، الفصل).

-    تقديم وصف دقيق واقتصادي للسلوك النهائي الذي يؤديه المتعلم على أن يتضمن ذلك الحد الأدنى للأداء وأن يكون كمياً كلما أمكن ذلك، حتى يمكن قياس مدى تعلم التلميذ ومدى تحقيقه للهدف المذكور.

-    تحديد مواصفات الظروف المرتبطة التي يمكن أن يؤدي فيها السلوك. وسوف يوضح ذلك المعطيات والقيود المفروضة على التلميذ – عامل الوقت – والأدوات – والتجهيزات – والمعلومات- والموارد المستخدمة – عندما يظهر السلوك النهائي.

-    الإشارة إلى المعيار الذي يمكن من خلاله تقويم أداء التلميذ، وتحديد ما إذا كان قد نجح في إظهار السلوك المرغوب فيه أم لا.

صياغة الأهداف السلوكية:

        جاء الاهتمام بصياغة الأهداف من منطلق أن الصفات الإنسانية للفرد يمكن التعرف عليها من خلال ملاحظة سلوكه، كما أن هذا السلوك قابل للتحليل إلى مكوناته الأساسية من أعمال وأداءات، وأن هذه بدورها قابله للملاحظة والقياس. وإذا كان الغرض من دراسة المنهج بصفة عامة هو إحداث تغييرات مستهدفة في سلوك المتعلم، عندئذ يصبح من الضروري عند تحديد الأهداف وصياغتها وصف التغير المطلوب حدوثه، كما يتمثل في السلوك النهائي للمتعلم، فالمواقف التعليمية تتباين من حيث الفعل والتأثير بتباين درجة وضوح الأهداف التي توجهها وطريقة صياغتها، بل إن مواقف المعلمين وتأثيرهم تتباين هي الأخرى تبعاً لدرجة وضوح الأهداف. فالأهداف هي العنصر الحاسم في تحديد المحتوى، واختيار الخبرات التعليمية وطرق التدريس المناسبة، وتزويد المتعلم بمحك مساعدة على التقويم الذاتي أثناء دراسته للمنهج، وعادة ما تتم عملية صياغة الأهداف السلوكية بواسطة المدرس، وهذا يؤدي بالمدرس إلى أسلوب لتقييم. وبصفة عامة انتقاء أفضل طريقة تتطلب الصياغة الإجرائية للأهداف ما يلي:

-            تحديد وتعريف السلوك النهائي للمتعلم الذي يدل على أنه قد نجح في الوصول إلى الهدف.

-            تحليل هذا السلوك إلى سلسلة من الأعمال أو الأداءات التي يمكن ملاحظتها وقياسها.

-            وصف كل عمل أو أداء بفعل سلوكي واضح لا يحتمل أكثر من معنى مثل يقيس، يتذكر، يقدر، يفهم...إلخ.

-            صياغة الهدف بحيث يحتوي على الفعل السلوكي، والحد الأدنى لأداء المتعلم.

-            التعبير عن الهدف بأداء التلميذ لا بأداء المعلم.

-            صياغة الهدف باعتباره نتيجة تعليمية.

-            أن يقتصر الهدف على نتيجة تعليمية واحده، لا مجموعة كبيرة من النتائج.

      إن صياغة الأهداف السلوكية على النحو السابق يمكن أن تحقق الفوائد التالية:

1- تفيد في تخطيط عملية التعليم والتعلم، ذلك أن المعلم مطالب منذ البداية بتحديد ما يمكن للتلاميذ أداءه في النهاية والتجديد الدقيق لمستوى الأداء النهائي والمرغوب فيه يساعد المعلم على تخطيط الخطوات التي ينبغي أن يسير فيها التلميذ ليصل إليه.

2-   تفيد في توجيه جهود التلاميذ نحو تحقيق مستوى الأداء المرغوب.

3-   يفيد في تحديد الوقت الذي يمكن أن يستغرقه التلميذ لتحقيق مستوى الأداء المطلوب.

4-   تفيد في تحديد العلاقة بين المعلم والتلميذ في ضوء الوسائل والطرائق المستخدمة في الموقف التعليمي.

5- تفيد في تحديد الإجراءات المناسبة لتقويم أداء التلميذ، حيث أنها توضح المعلومات والمهارات والاتجاهات وأنماط السلوك المتوقع أن يصل إليها المتعلم.

6- تساعد صياغة الهدف على نقل معناه من شخص إلى آخر كأن يفهم التلاميذ ما يقصد إليه المعلم من الموقف التعليمي الذي ينظمه لهم.

7-   تساعد الأشخاص المسئولين عن تقويم المنهج في تقويمه والوقوف من خلال ذلك على أوجه القوة والضعف فيه.

8- تساعد المعلمين الذين يقومون بتدريس الوحدات الدراسية التالية في التعرف على ما وصل إليه التلاميذ في الوحدات الدراسية الحالية.

      إن صياغة الأهداف في صورة سلوكية  تؤثر بصورة مباشرة- كما سبق أن أوضحنا- على موقف كل طرف من أطراف العملية التربوية من تلاميذ ومعلمين وموجهين وآباء وغيرهم. فالطالب لا يقبل على تطبيق ما أكتسبه من مهارات أو معارف في مواقف عملية إلا إذا وجد في حياته العملية ما يعد تطبيقاً لما يقوم به المعلم. ومن ثم يصبح من واجب المعلم أن يعبر عن أنواع السلوك المطلوبة، فضلاً عن تحديد الظروف والمواقف التي يمكن للتلاميذ من خلالها تطبيق ما سبق واكتسبوه من معارف ومهارات. إن وعي التلاميذ بأنواع السلوك المرغوبة من شأنه أن يساعدهم على إدراك معناها وتحديد اتجه نشاطهم، والأمر الذي يؤدي إلى الاقتصاد في الوقت والجهد، فضلاً عن تقليل ما يساورهم من قلق أو غموض، وتحقيق الشعور بالأمن.

        كذلك بالنسبة للمعلم تساعد معرفة الأهداف ووضوحها وترجمتها، بل واشتراك المعلم في تحديدها، في رفع روحه المعنوية ودعم صحته النفسية، لما يوفره ذلك من الشعور بالأمن، وتحقيق الفاعلية مع تلاميذه، والتأثير فيهم، هذا بالإضافة إلى أنها تساعده على تقويم مستوى تقديم تلاميذه، ومراجعة العملية التربوية بأسرها.

        أما بالنسبة للمديرين والموجهين، يؤدي وضوح الأهداف إلى ضمان قدر مناسب من التنسيق والترابط بين الخبرات المختلفة التي يجري تقديمها للتلاميذ، وتجنب التكرار، فضلاً عن ضمان الاستمرار من فرقة إلى أخرى، بالإضافة إلى تبين مشكلات التلاميذ والوقوف من خلال ذلك على أنسب الوسائل لمعالجتها، وأخيراً تطوير وسائل وأساليب التوجيه في ضوء ما يكشف عنه التطبيق.

        كذلك بالنسبة للآباء، يؤدي وضوح الأهداف إلى جانب متابعتهم لمستوى تقدم أبنائهم، إلى إلمامهم بما يجري تقديمه بأبنائهم بالمدرسة، فضلاً عن الوقوف على مدى قدرة المدرسة وفاعليتها بصفة عامة، وبرامجها التعليمية بصفة خاصة في التأثير على أبنائهم، الأمر الذي يؤدي في حالة نجاحها إلى جلب تأييدهم لأهدافها وبرامجها التعليمية على حد سواء، بالإضافة إلى معاونتها في التغلب على كثير من المشكلات التي تواجهها وتعوقها في نفس الوقت عن أداء رسالتها في حالة ما إذا لم تحقق مستوى النجاح المطلوب.

تصنيف الأهداف:

        جاء الاهتمام بتقسيم الأهداف وتصنيفها من منطلق أن التقسيم أساسي لتنظيم الفكر واتخاذ القرار الخاص بتحديد المحتوى وتنظيمه وتقويمه، أذ أنه قائم على تحليل الغايات أو المقاصد التربوية تحليلاً متتابعاً بحيث يعطي هذا التحليل في النهاية رؤية واضحة لتخطيط المنهج، وفي نفس الوقت يكون مرشداً في تنفيذ معطياته من خلال عمليات التدريس، وركيزة هامة للتقويم، حيث أنه كما يرى بلوم- يزخر بالأمثلة، وتلك يمكن أن تخدم كنماذج للمعلمين الذين يرغبون في تصميم عبارات الاختبار أو أسئلة الامتحان. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يساعد المعلمين على فحص وتحليل الامتحانات والاختبارات المعيارية، وهذا من شأنه أن يساعدهم على مقارنة نتائج الاختبارات بالأهداف التي يسعوا إلى تحقيقها، ومن ثم تحديد مدى فائدة الاختبارات التي يستخدمونها هذا بالإضافة إلى أن التصنيف يمكن أن يستخدم كموجه وكمحفز لنظره أكثر دقه وشمولية لما يمكن أن تكون عليه أهداف أي مشروع أو مقرر دراسي أو درس معين.

       ويرى بلوم أن هناك أساسيين يجب مراعاتهما في أي تقسيم للأهداف وهما:

-    أن يكون التقسيم منطقياً، وهذا يعني أن الجهد المبذول يجب أن يتركز حول تعريف المصطلحات تعريفاً دقيقاً مع الاستخدام الثابت والمستمر لهذه التعريفات.

-    أن يكون التقسيم ثابتاً، ويرجع ذلك إلى أن عمليات التقسيم مبنية على المبادئ والنظريات السيكلوجية، وطالما أن هذه النظريات والمبادئ صحيحة وثابتة فيصبح من الضروري أن يكون التقسيم ثابتاً أيضاً.

وبصفة عامة تصنف الأهداف في ثلاثة مجالات هي:

1-   المجال المعرفي Cognitive Domain

2-   المجال النفس حركي Psychomotor Domain

3-   المجال الوجداني Affective Domain

    وسوف نتناول هذه المجالات بشئ من التفصيل فيما يلي:

أ- المجال المعرفي:

        ويتضمن تلك الأهداف التي تؤ كد على النتائج العقلية مثل المعرفة، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والتقويم، ويعتبر هذا المجال مركز بحوث بناء الاختبارات في مجال التربية والتعليم كما يعتبر ميدان تطوير المناهج وتحسينها وبصفة عامة ترتب المستويات الستة للمجال المعرفي ترتيباً هرمياً، يبدأ بالنتائج السلوكية البسيطة، إلى أن ينتهي بالأكثر تعقيداً، كما يعمل بكل مستوى من هذه المستويات قدرات ومهارات عقلية مختلفة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يتم بناء وتصنيف أهداف كل مستوى على أساس أنماط ونوعية السلوك الموجودة في المستويات السابقة لها، ومن ثم يعتبر المستوى السابق متطلب أساس للمستوى اللاحق به، وسوف نتناول فيما يلي المستويات الستة للمجال المعرفي بشئ من التفصيل.

1- المعرفة:

        تعتبر مرادفة للمعلومات، وتمثل المستوى الأسفل أو القاعدة في الترتيب الهرمي لنتائج التعلم في المجال المعرفي، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

-            معرفة المصطلحات العامة.

-            معرفة حقائق محدودة مثل التواريخ، الأسماء، الأحداث.

-            معرفة الوسائل والإجراءات.

-            معرفة المفاهيم الأساسية.

-            معرفة المبادئ.

2- الفهم:

        يعتبر هذا المستوى أدنى مستويات، ويعني القدرة على إدراك معنى المادة التي يدرسها أو المراد تعلمها، ولا تقتصر عملية الفهم على فهم ما يقرأ، بل تتعدى ذلك إلى فهم كل شئ  يستقبل عن طريق الحواس الإدراكية المختلفة، ومن ثم تعتبر عملية الفهم عملية داخلية، تتم داخل الفرد، في عقله، وتكون استجابته المتمثلة في سلوكه شاهداً حقيقاً على إتمام هذه العملية. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

-            فهم الحقائق والمبادئ.

-            تفسير المواد اللفظية.

-            تفسير الخرائط والرسوم البيانية.

-            ترجمة المواد اللفظية أو الرمزية إلى صيغ رياضية.

-            تقدير النتائج المستقبلية لما هو متاح من معلومات وحقائق وذلك عن طريق الاستنتاج.

-            تبرير الوسائل والإجراءات المستخدمة.

 

3- التطبيق:

    يشير إلى القدرة على استخدام المواد التي سبق تعلمها في مواقف محددة وجديدة، وتتطلب نتائج التعلم في هذا المجال مستوى عال من الفهم ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

-            تطبيق المفاهيم والمبادئ في مواقف جديدة.

-            تطبيق القوانين والنظريات في المواقف العملية.

-            حل المسائل الرياضية.

-            تصميم الخرائط والرسوم البيانية.

-            التمكن من الاستخدام الصحيح للوسائل والإجراءات المستخدمة.

4- التحليل:

     ويشير إلى القدرة على تحليل المادة إلى مكوناتها الجزئية أو عناصرها والبحث عن العلاقات التي تربط هذه العناصر أو المكونات وطريقة تنظيمها، وتدل نتائج التعلم هنا على مستوى عقلي مرتفع حيث تتطلب فهمًا لكل من المحتوى والشكل البنائي للمادة. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- التعرف على الاقتراحات غير المعلنة.

- التعرف على المغالطات المنطقية في التفكير.

- التمييز بين الحقائق والاستنتاجات.

- تقويم صلة المعلومات ببعضها.

- تحليل البنية أو الهيكل التنظيمي للعمل.

5- التركيب:

     ويشير إلى القدرة على تجميع الأجزاء مع بعضها البعض لصياغة أو تشكيل كل جديد وتؤكد نتائج التعلم في هذا المجال على السلوك الابتكاري مع التأكيد على صياغة نماذج جديدة ويتضمن هذا المستوى الآتي:

- كتابة موضوعات بطريقة وأسلوب منظم.

- تقديم خطب حسنة التنظيم.

- كتابة قصة مبدعة قصيرة أو قصيدة شعر.

- اقتراح خطة لتجربة معينة.

- دمج المعرفة المستقاة من مجالات مختلفة في خطة لحل مشكلة.

- صياغة خطة جديدة لتصنيف الأشياء أو الأحداث أو الأفكار.

6- التقويم:

ويشير إلى القدرة على الحكم على قيمة المادة أو الشئ الذي تم تعلمه وتقع نتائج التعلم في هذا المجال في المستوى الأعلى، على قمة التنظيم الهرمي للمستويات التي يتضمنها المجال المعرفي ويعتمد الحكم بصفة عامة على معايير محدده كما يتضمنها هذا المستوى ما يلي:

- الحكم على الاتساق المنطقي للمادة المكتوبة.

- الحكم على قيمة العمل باستخدام معايير داخلية.

- الحكم على قيمة العمل باستخدام معايير خارجية.

ب- المجال النفسي حركي:

ويتضمن تلك الأهداف التي تؤكد على المهارات العضلية أو الحركية مثل الكتابة اليدوية والكتابة على الآلة الكاتبة والسباحة وتناول الأشياء والمواد. ويشمل المجال النفس حركي سبعة مستويات نتناولها بشئ من التفصيل فيما يلي:

1- التصور أو الإدراك Perception

ويشير إلى استخدام أدوات الحس The sense organs للحصول على تنبيه Cues يوجه النشاط الحركي. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- التعرف على الأداء المعيب Malfunction من صوت الماكينة.

- ربط مذاق الطعام بحاجته إلى التوابل.

- ربط الموس يقى بخطوة رقص معينة.

2- الاتجاه أو الميل Set

ويهتم بالاستعداد للقيام بنمط معين من العمل أو الفعل ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إظهار الوقفة الجسدية الملائمة لضرب الكرة.

- إظهار الرغبة في التمثيل بفاعلية.

3- الاستجابة الموجهة Guided response

       وتهتم بالمراحل المبكرة في تعليم المهارة المركبة. وتشمل التقليد والاقتفاء Trail والأخطاء. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- أداء حركة أو نشاط (لعبة) الجولف.

- تحديد التتابع الأفضل لإعداد وجبة غذائية.

 

4- الآلية Mechanism

وتهتم بأداء الأفعال حينما تصبح الاستجابات التي تم تعلمها معتادة ويمكن للحركات أن تؤدي بثقة وببراعة، ويتضمن هذا المستوى ما يلي: 

- الكتابة بسلاسة وبوضوح.

- تحضير تجهيزات المعمل.

- التمكن من خطوة رقص بسيطة.

5- الاستجابة الصريحة المركبة Complex Overt Response

وتهتم بالأداء المهاري للأعمال أو الأفعال الحركية التي تستلزم أنماط حركية معقده. وتتحقق البراعة بالسرعة والسلاسة، والأداء الدقيق كما تتطلب حداً أدنى من الطاقة. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- تشغيل المنشار الكهربائي بمهارة.

- إظهار الأسلوب الصحيح في السباحة.

- إظهار المهارة في قيادة العربة.

- إصلاح التجهيزات الإلكترونية بسرعة وبدقة.

6- التكيف Adaptation

ويهتم بالمهارات التي تم تنميتها جيداً، بحيث يمكن للفرد أن يعدل أساليب حركته لملائمة المتطلبات الخاصة أو لمقابلة موقف مشكل، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- يكيف الفرد لعبة في التنس لمقابلة أسلوب الخصم في اللعب.

- تعديل حركات السباحة لمقابلة اضطراب الماء.

7- الإنشاء Origination

ويشير إلى ابتكار أساليب (نماذج) حركية جديدة لملائمة موقف معين أو مشكلة محددة وتؤكد نتائج هذا المستوى على الابتكارية القائمة على مهارة متطورة ذات مستوى عال، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- ابتكار قطعة موسيقية جديدة.

- تصميم نموذج لرداء أو ثوب جديد.

 

ج- المجال الوجداني:

ويتضمن تلك الأهداف التي تصف التغيرات في الاهتمامات والاتجاهات والقيم والتقدير، والتكيف ويشمل المجال الوجداني خمسة مستويات نتناولها بالتفصيل فيما يلي:

1- الاستقبال:

       ويشير إلى استعداد التلميذ لمشاهدة ظاهرة معينة أو مثير معين (أنشطة الفصل المدرسي الكتاب المدرسي، الموسيقى ...إلخ). وتتراوح نتائج التعلم في هذا المجال من الوعي البسيط بوجود الشئ إلى الانتباء والانتقاء من جانب المتعلم. ويمثل الاستقبال المستوى اللا أدنى التعلم في المجال الوجداني، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إظهار الوعي بأهمية التعليم.

- إظهار الحساسية للحاجات الإنسانية والمشاكل الاجتماعية.

- قبول الفروق بين الأجناس والثقافات.

- المشاهدة الدقيقة لأنشطة الفصل.

2- الاستجابة:

        تشير إلى المشاركة الفعالة من جانب التلميذ. وتؤكد نتائج التعلم في هذا المجال على الأذعان في الاستجابة والاستعداد للاستجابة أو الاستمتاع والرضا بالاستجابة، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إكمال الواجب المنزلي المخصص له.

- إطاعة قوانين المدرسة.

- المشاركة في مناقشات الفصل.

- إكمال العمل المعملي.

- التطوع لأعمال خاصة.

- إظهار الاهتمام بالموضوع.

- الاستمتاع بمساعدة الآخرين.

3- الحكم القيمي Valuing

     ويهتم بالقيمة التي يعطيها التلميذ لشئ معين، وظاهرة معينة أو سلوك معين. وتهتم نتائج التعليم في هذا المجال بالسلوك الثابت والمتسق بما يكفي لجعل القيمة واضحة وسهل التعرف عليها. ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إظهار الاعتقاد في عملية الديمقراطية.

- تقدير الأدب الجيد (فن أو موسيقى).

- تقدير دور المعلم في الحياة اليومية.

- إظهار الاهتمام برفاهية الآخرين.

- إظهار التعهد بالتطور الاجتماعي.

4- التنظيم:

        ويهتم بجلب مجموعة من القيم المختلفة معاً وتخليصهم من التناقضات الموجودة بينهم والبدء في بناء نظام قيمي متسق داخلياً، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إدراك الحاجة إلى التوازن بين الحرية والمسئولية في الديمقراطية.

- إدراك دور التخطيط المنظم في حل المشاكل.

- قبول المسئولية عن السلوك الشخصي.

- تفهم وقبول نواحي القصور وأوجه القوة فيه.

- صياغة خطته في الحياة بحيث تكون متجانسة مع قدراته واهتماماته ومعتقداته.

5- التمييز بقيمة أو مجموعة من القيم Characterization by Value or Value Compel

       ويعني أن الفرد يملك نظاماً قيمياً سيطر على سلوكه بمعنى أن سلوكه يتفق مع القيم التي سبق أن اكتسبها ولهذا فالسلوك ثابت ويمكن التنبؤ به، وتغطي نتائج التعلم عند هذا المستوى مدى واسعًا من الأنشطة، ويتضمن هذا المستوى ما يلي:

- إظهار الشعور بالأمان.

- إظهار الاعتماد على النفس في العمل باستقلالية.

- ممارسة التعاون في الأنشطة الجماعية.

- الحفاظ على عادات صحية جيدة.

نالشروط الواجب توافرها في الأهداف التربوية :

تعتبر الجودة من أكثر التوجهات المعاصرة للحكم على الأشياء بما فيها المؤسسات التعليمية ، وترتبط جودة المؤسسات التعليمية بجودة أهدافها ولعل من أهم المعايير التي يمكن التعويل عليها في مجال جودة الأهداف ما يلي :

1-      أن تكون الأهداف واضحة وصريحة ودقيقة نسبياً.

2-      أن تكون مفهومه لجميع الفئات المستهدفة والمتأثرين بها.

3-      أن تكون عملية يمكن الوصول إليها وتحقيقها.

4-      ألا تتعارض مع القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع أو تتنافى مع الأهداف الأعلى منها.

5-      أن تكون قابلة للقياس.

6-      أن تراعي العوامل المؤثرة فيها كالعوامل السكانية ، والاجتماعية ، الاقتصادية ، الإدارية ، الثقافية ، الدينية... الخ.

7-      أن تراعى الاختلافات في تعدد الصياغات والتقسيمات.

8-      أن تراعى الأهداف العامة للمجتمع وسياسته العامة (أيديولوجيته).

9-      دينامية الهدف أي يكون نقطة انطلاق لأهداف أخرى.

10- تكامل الهدف أي تضمينه لمختلف الجوانب (المادية ، غير مادية).

11- قابليتها في إطار من المرونة للتجزئة حسب الإمكانات المتاحة.

12- أن يراعى طبيعة المرحلة التاريخية التي وضعته فيها.

أهمية دراسة المعلم للأهداف التربوية:

    إن دراسة المعلم للأهداف التربوية تعينه على تشخيص حاجات طلابه والعمل على إشباعها، الأمر الذي يزيد من دافعيتهم للتعلم والإقبال عليه، كما أنها تساعد المعلم على تحقيق ما يتطلبه المجتمع من أفراد ذات نوعية معينة، تضمن للمجتمع بقائه واستمراره، كما تحافظ على هويته وسماته. هذا إضافة إلى أنها تساعد المعلم على تصويب مساره في العملية التعليمية، وذلك من خلال التقويم المرحلي في ضوء هذه الأهداف.

       ولما كانت الأهداف التربوية تعبيراً عن فلسفة المجتمع، لذا فإن الإلمام بالأهداف التربوية يساعد المعلم على فهم فلسفة المجتمع وما يرتبط بها من سياسات واستراتيجيات تعليمية، وكذا تفنيد هذه السياسات والاستراتيجيات وفق متطلبات العصر والظروف التي يعيشها المجتمع.

     وأخيراً ... فإن دراسة المعلم للأهداف التربوية وسيلة للارتقاء بهذه الأهداف، وتنقيتها، وإضافة ما يعوزها من أهداف جديدة كما أنها وسيلة هامة لتحقيق تعاقد فعال بين المعلم والمتعلمين على الانخراط في عمل واضح ومحدد.

 

 

المراجع

1-      حلمي أحمد الوكيل، محمد أحمد المفتي: أسس بناء المناهج وتنظيماتها، القاهرة، مطبعة حسان، 1982م.

2-  رالف تايلور: أساسيات المناهج: ترجمة أحمد خير كاظم، جابر
عبد الحميد جابر، القاهرة، دار النهضة العربية، 1971م.

3-      فؤاد أبو حطب، أمال أحمد صادق: علم النفس التربوي، القاهرة، الأنجلو المصرية، ط2، 1980م.

4-      فؤاد سليمان قلاده: الأهداف التربوية والتقويم، القاهرة، دار المعارف، 1982م.

5-      محمد الهادي عفيفي: في أصول التربية، الأصول الفلسفة للتربية، القاهرة، الأنجلو المصرية، 1980م.

6-      محمد لبيب النجيحي: مقدمة في فلسفة التربية، القاهرة، الأنجلو المصرية، ط2، 1967م.

 

و عناصر والبحخث عن

 

ن

 

 

 

 

 

 

المناقشة والتطبيقات

أولاً: الفلسفة والتربية وفلسفة التربية:

س1: حدد في إيجاز المقصود بالمفاهيم التالية:

        الفلسفة – العلم – الميتافيزيقا – التفكر – التربية – فلسفة التربية

س2: "الوجود – المعرفة – القيم" مباحث رئيسية للفلسفة، وضح في إيجاز:

        أ- ماذا يقصد بكل مبحث؟

        ب- الأسئلة التي يثيرها العقل داخل كل مبحث.

س3: لماذا يعد ضرورياً للمعلم أن يصوغ فلسفة تربوية له؟

س4: ما المكونات الأساسية اللازمة لصوغ الفلسفة التربوية للمعلم؟
حاول صياغة فلسفتك التربوية فيما لا يزيد عن 20 سطرا.

س5: وضح المقصود بالمفاهيم التالية:

المثالية – المثل عند أفلاطون – المطلق

س6: في كتاب "الجمهورية" ساق أفلاطون مثاله التخيلي المجازي عن "الكهف". وضح هذا المثال مع التمثيل لفكرة أفلاطون عن المثل.

س7: يرى البعض أن أفلاطون كان طبقياً في تفكيره". ادحض هذا الرأي في وجهة نظرك مبيناً الأدلة عليه.

س8: ما أهم المسلمات التي تقوم عليها المثالية كفلسفة تربوية؟

س9: على الرغم من أن أفلاطون وباركلي وكانط وهيجل هم جميعاً من المثاليين، إلا أن ثمة فروقاً في طبيعة مفهوم المثالية لديهم. وضح ذلك.

س10: قمت بزيارة لإحدى المدارس بهدف تحديد الفلسفة التربوية السائدة فيها، ومن واقع معايشتك داخل المدرسة لكل من الطلاب والمعلمين والمناهج والأنشطة التربوية ونظام التقويم، توصلت إلى أن المثالية هي الفلسفة السائدة. ما المظاهر والأدلة التي جعلتك تصل
إلى هذا الحكم؟

س11: ما أهم أوجه النقد التي يمكن أن توجه إلى المثالية كفلسفة تربوية؟

س12: حدد في إيجاز المقصود بالمفاهيم التالية:

المذهب الواقعي – الهيولي والصورة عند أرسطو – المعرفة القبلية – المعرفة البعدية – الموجود بالقوة – الموجود بالفعل

س13: "يرى أرسطو أن المادة هي مبدأ الإمكان وأنها أصل كل شئ"،
وضح ذلك في ضوء الميتافيزيقا الأرسطية.

س14: وضح مذهب الواقعية النقدية عند كانط مبيناً الأسباب التي أدت إليه.

س15: أعرض للتطبيقات التربوية للواقعية كفلسفة تربوية.

س16: ما العلاقة بين نظرية المعرفة عند الواقعيين وخبرات الطلاب المدرسة؟ مثلَّ

س17: أعرض في إيجاز لأهم مسلمات الفلسفة البراجماتية في التربية.

س18: وضح طبيعة "الفكرة" كما يراها البراجماتيون.

س19: ما معنى قول البراجماتيين أن العقل محتوى مستمد من الخبرة؟.

س20: أعرض نقدياً للفلسفة البراجماتية؟

س21: اشرح بإيجاز لأهم الآراء التربوية لجون ديوي؟

س22: ناقش وجهة نظر البرجماتية في كل من: المنهج الدراسي، طرق التدريس/ التقويم.

س23: اشرح بإيجاز طبيعة المعرفة من وجهة النظر الإسلامية؟

س24: تناول بإيجاز الطبيعة الإنسانية كما تعكسها الفلسفة الإسلامية؟

س25: ما أهم خصائص القيم الإسلامية؟

س26: ترتبط القيم الإسلامية بالصحة النفسية ارتباطاً وثيقاً، ناقش في ضوء ما درست.

س27: ماذا يقصد بالهدف التربوي؟

س28: اعرض لأحد تصنيفات الأهداف التربوية؟

س29: ما أهم مصادر اشتقاق الأهداف التربوية؟

س30: أعرض لشروط الهدف التربوي الجيد؟