بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة أم القرى  بمكة  المكرمة

كلية  التربية

قسم التربية الإسلامية والمقارنة

  فلسفة التربية

 إعــداد

 د. محمد عبد الرءوف عطية السيد

 

 الفصل الأول:

الفلسفة والتربية

مقدمة:

إن المتصفح لأدبيات البحث التربوي – خاصة في مجال أصول التربية- يجد الحقيقة المذهلة أن الباحثين قد أداروا ظهرهم، إلى حد كبير، للبحث في فلسفة التربية أو البحوث النظرية في مقابل البحوث الميدانية وبالذات بحوث الاستبيانات !!! وربما يرجع ذلك إلى صعوبة البحوث النظرية الفلسفية في تصميمها والمهارات اللازمة للقيام بها، وفي نفس الوقت سهولة الدراسات الميدانية، أو هكذا يتصور الكثير من الباحثين.

ولذلك قل أن نجد اهتماماً بالتحليلات الفلسفية للمفاهيم أو الأهداف أو السياسات التربوية، وربما كانت مشكلة الباحثين في ذلك قلة المادة العلمية المتوفرة في هذا الصدد وربما كانت للاعتقاد بأن الفلسفة شئ غير ضروري وغير مفيد، وربما يسهم في تلك المشكلة التعلق بما يفهم خطأ على أن البحث العلمي يجب بالضرورة أن يكون ميدانياً، ولكن دراسة الواقع الميداني لا يمكن أن يكون علمياً إلا إذا اعتمد على تصور عقلي سابق.

ومن هنا، فإن البحث الفلسفي ضرورة لكل محاولة علمية لفهم الظواهر التربوية، ولهذا كان من البديهي بدأ هذا الجزء بإلقاء بعض الضوء على توضيح هذا المجال الواسع لهذه الدراسات الفلسفية.

نشأة مفهوم الفلسفة:

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان كائناً مفكراً، وزوده بالطاقات والقوى والأعضاء المساعدة التي تمكنه من التفكير وتحصيل المعرفة. وبهذا استخدم الإنسان تفكيره منذ ظهوره على سطح الأرض، إلا أن هذا التفكير مرَّ بمراحل ووسائل عديدة ومتنوعة منها ما هو سوي ومنها ما هو غير ذلك.

فبعض أنماط هذا التفكير كانت أولية بسيطة من نسيج الخيال الساذج، وبعضها كان يُرجع حدوث الظواهر إلى أسباب مادية، في حين راح تفكير آخر يفترض وجود قوى وأفكار مجردة تفسر نظام الكون.

وأتناء تزايد موجات الشك والاضطرابات الفكرية في بعض المناطق، وبصفة خاصة في بلاد الإغريق في القرن الخامس ق.م. تقريباً، ظهر السوفسطائيون الذين جعلوا الإنسان محور تفكيرهم وتعاليمهم. والسوفسطائيون جماعة من المعلمين اتجهوا إلى الاشتغال بمهنة التدريس نظير أجر معين على غير عادة الإغريق، وقد استغلوا موجة الشك السائدة آنذاك لتزكية الروح الفردية والأنانية والترويج لمذهب اللذة والمتعة والخروج على المعتقدات الدينية وتحطيم قيود التقاليد والعرف والأخلاق والقوانين، واتخذوا الشباب هدفاً لهم مستخدمين براعتهم في اللغة والتلاعب بالألفاظ في خداع الناس وقلب الحقائق واتخذوا مبدأ جديداً مؤداه أن الإنسان مقياس كل شئ، فقلبوا الأوضاع القديمة رأساً على عقب وسادت الفوضى وانتشرت الرذيلة وعم الفساد.

ومن الطبيعي أن يكون رد الفعل للسوفسطائيين وآرائهم الانحلالية ظهور طائفة من الناس يدعون إلى التمسك بالتقاليد والعودة إلى المحافظة على المعتقدات الدينية ويحذرون من غضب الآلهة ويسارعون إلى التكفير عن ذنوبهم وذنوب غيرهم بالتقشف والزهد في مباهج الحياة ومتعتها، والتفرغ للعبادة وخدمة الآلهة، وأطلقوا على أنفسهم اسم الحكماء تشبها بالحكماء السبع الذي ظهورا في القرن السابع ق.م ولكن في ثوب ديني جديد.

ووسط هذا الانحدار نحو الهاوية التي كادت أن تعصف بالمجتمع اليوناني في أثينا ظهر سقراط Socrates الذي ولد في أثينا حوالي 470 ق.م فأخذ على عاتقة تفنيد آراء الفريقين المتطرفين المتناقضين، السوفسطائيين والحكماء مستخدماً طريقته في الحوار الذي يبدأ بسؤال ثم التهكم لجهل المسئول ثم التوليد أي توليد معرفة جديدة إلى أن يبين جهل خصومه وأباطيلهم، واتخذ لنفسه شعاراً قرأه على معبد دلفي "اعرف نفسك بنفسك". وبعد أن أوضح بطلان مزاعم السوفسطائيين وكسر شوكتهم اتجه إلى الحكماء وعاب عليهم تطرفهم وتزمتهم الشديد الذي بعث الكسل والدعة بين أتباعهم ونشر الخوف والذعر في صفوفهم، وباستمرار الحوار معهم كشف أيضاً أباطيلهم وفساد زعمهم وأنهم يتلقون الحكمة من الآلهة، وأوضح لهم أنهم لا يمكن أن يكونوا حكماء لأن الحكمة من صفات الآلهة، وإن كانت الحكمة ممكنة لهم لأصبح هو أحكم الناس كما أخبر بذلك كهنة أبولو في معبد دلفي، وقد كشف الحوار معهم عن جهلهم وعقم تفكيرهم، ومن أقواله الشهيرة "إننا لسنا حكماء ولكننا محبون للحكمة"، ولما كانت كلمة محب في الإغريقية تعني Philo وكلمة حكمة تعني صوفيا Sophia فإن الكلمة تصبح Philosophia التي أصبحت Philosophy في اللغة الإنجليزية ويقابلها بالعربية كلمة "فلسفة" ومعناها محبة الحكمة Love of Wisdom  والحكمة هي المعرفة العميقة المتأنية اليقينية، وهكذا تصبح الفلسفة محبة المعرفة.

فالفلسفة إذن – كمصطلح - كلمة إغريقية الأصل ومجال للدراسة من صنع الإغريق ووليد جهودهم بعد تطورات فكرية متعاقبة، وهي مدينة بحق إلى سقراط فهو مؤسسها الحقيقي؛ وهو أول مفكر إغريقي قدم بناء فلسفياً متكاملاً في محاوراته التي نقلها إلينا تلميذه أفلاطون، وتبلور موضوع الفلسفة حينئذ ليشمل الكون كله في نظرة كلية تشمل الطبيعة وما وراء الطبيعة، كما تشمل الإنسان الفرد والمجتمع بما فيه من خير وشر وفضيلة ورذيلة وعدل وظلم وجمال وقبح، وكلها مجالات ناقشتها الديانات من قبل وظهرت فلسفة سقراط لتوضح كثيراً من المغالطات القديمة حول آراء السابقين حيالها.

وإذا كانت محبة الحكمة هي المعنى الحرفي أو المفهوم اللغوي للفلسفة، فإن الوصول إلى تحديد واضح لمعنى الفلسفة اصطلاحاً لهو بالأمر العسير، فتعريف الفلسفة اليونانية في مهد نشأتها تختلف عن معنى الفلسفة الحديثة، بل إن تعريفها يختلف من مذهب فلسفي إلى آخر.

فنظر البعض إلى الفلسفة على أنها: محاولة التعرف على "الوجود المطلق"، ومنهم من ينظر إلى الفلسفة على أنها: "البحث عن الجوهر واللامتغير"، ومنهم من عرفها بأنها: "دراسة المبادئ العامة والعلل البعيدة والغايات العظمى للكون للحصول على تفسير كلي شامل للوجود"، ومنهم من قصر الفلسفة على مجرد البحث في ماهية القيم واشتقاقها ومصادرها وطبيعتها وكيفية تبريرها وأثرها في تنظيم المجتمع، إلى غير ذلك من التعريفات المختلفة وربما المتناقضة أحياناً.

وقد أدى هذا الاختلاف في تحديد معنى الفلسفة إلى تعقد الأمر وتخوف الناس من استعمالها وظن الكثيرون أنها عمل من اختصاص فئة قليلة من الناس تعيش بمعزل عن الآخرين ويستخدمون لغة فنية خاصة بهم تعني باختيار ألفاظ غير مألوفة وعبارات غريبة، كل هذا يمكن أن يتبدد لو حاول الفلاسفة تبسيط لغتهم وتيسير التعامل العادي معهم، وفي حقيقة الأمر فإن الفلسفة لا تزيد عن أن تكون وجهة نظر معينة للفرد نفسه، ولكنها وجهة نظر متعقلة متأنية تبني على درجة من الذكاء والابتكار الفكري تزيد أو تقل، ولكنها في النهاية يجب أن تكون متسقة بعضها مع بعض، وفي النهاية تظل وجهة نظر، فهي معرفة من نوع خاص، معرفة ذكية عميقة تدرك الأسباب وتحدد الغايات من ورائها، فلو أخذنا بتلك النظرة كان أمر الفلسفة سهلاً ميسوراً وأمكننا بعد ذلك السير في مسارها واكتسبنا القدرة على استخدامها والانتفاع بها، فما أهم وظائف الفلسفة التي يمكننا الاستفادة منها؟

وظائف الفلسفة:

أول وظائف الفلسفة أنها تأملية Speculative أي تعتمد على التأمل في الوصول إلى الحقيقة، والتأمل عملية عقلية واعية تستخدم الذكاء الإنساني بحثاً عن الأسباب والعلل البعيدة التي لا نصل إليها إلا من خلال هذا الجهد العقلي المركز، والتأمل يختلف عن الخيال الساذج، والتفكير السطحي، بل هو حدس ذكي على درجة عالية من الذكاء يمكن صاحبه من إدراك الكل رغم تعدد جزئياته ويساعدنا على رسم خريطة لما نتصوره عن العالم المحيط بنا ومكان الإنسان فيه. فمثلاً عندما نقرأ كتاباً نوجه اهتماماً خاصا بطريق مباشر بالطريقة التي نظم بها المؤلف فصول كتابه ونحاول إدراك قضيته ككل قبل أن نتعرف على جزئيات المعلومات في كل صفحة منه. وهكذا الفلسفة تصدر عن حاجة الإنسان إلى تنظيم أفكاره لكي يجد معنى في كل مملكة الفكر والعقل، ومن الخطأ توهم الفرد أنه يمكنه معالجة موضوع معين يتعلق بجزئية ما معالجة شافية عندما يدرسها بمفردها ويعزلها عما سواها، فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى معرفة كل جوانبها دون أن يربطها بغيرها من الجزئيات أو دون أن يكون لديه المعرفة اللازمة بما يعنيه الوجود والمعرفة والتقويم والبحث في الأشياء بوجه عام. فالفلسفة إذن تنمي القدرة العقلية على التأمل والإدراك الكلي للأشياء.

والوظيفة الثانية للفلسفة أنها تحليلية وناقدة بمعنى أن من أهم وظائف الفلسفة نقد وتحليل المفاهيم الأساسية للمعرفة الإنسانية مثل الذات أو العلة أو الدافعية أو الميل أو التوافق أو المجتمع أو التربية.. إلخ فكل منها مفهوم له دلالات معينة ومعان خاصة حتى يمكن إزالة التناقضات من تفكيرنا وإيجاد قدر مشترك للتفاهم وتيسير لغة التخاطب بين المستخدمين لهذه المفاهيم. وبالإضافة إلى ذلك تقوم بنقد وتحليل المسلمات والافتراضات التي تقوم عليها المعرفة وخاصة المعرفة العلمية. وتسيطر هذه الطريقة على الفلسفة الحديثة بصورة ملحوظة جعلتها أهم وظيفة للفلسفة في كل علم من العلوم.

وثمة وظيفة ثالثة تتصل بنتاج الوظيفتين السابقتين وهي أن الفلسفة تقوم بالتوجيه والإرشاد وذلك عندما تصدر حكماً على شئ بأنه حسن وعلى آخر بأنه قبيح، خير أم شر، أخلاقي أو لا أخلاقي، فهي توجه السلوك الإنساني إلى مجموعة من القيم والمثل العليا، والواقع أن حياتنا تصبح عسيرة لو ارتبطت بالواقع وانتظرت هجوم المستقبل عليها دون أن يكون لدينا تصور معين عن "ما ينبغي أن يكون" وكيف يختلف عما هو كائن بالفعل... ومن الضروري كذلك أن نحدد لأنفسنا تلك المعايير التي على أساسها أصبح ما ينبغي أن يكون بالصورة التي هو عليها في عقولنا وهكذا تقدم الفلسفة معياراً أو معايير Norms تجعل للحياة قيمة ومعنى كما تجعل الأمل في حياة أفضل مشرقاً ودافعاً لاستمرار الحياة.

وهكذا من خلال هذه الوظائف الثلاث يتضح معنى الفلسفة في عملها الدائم وسعيها الحثيث نحو المعرفة اليقينية بالتأمل الواعي الذكي المتسق والعميق ونقد وتحليل الواقع والمفاهيم المجردة من أجل توجيه الحياة الإنسانية والانتقال تدريجياً مما هو قائم إلى ما ينبغي أن يكون وفقاً لمعايير وأحكام قيمية معينة.

أنواع الفلسفات:

-                  فلسفات العلوم: فلكل علم فلسفته الخاصة به، كفلسفة التاريخ، فلسفة التربية، ...

-                  الفسلفات النظرية، وهي أنواع:

أ‌-       الفلسفة الشرقية: ولها فرعان رئيسان؛ الصيني والهندي، وأساس كل منهما ديني وأخلاقي، من حيث الأصل والطابع، وليس لهما أي اهتمام بالعلم. وبدأت الفلسفة الصينية في القرن السادس ق.م مع الفيلسوف "كونفوشيوس" وقد ظلت فلسفته التي تسمى الكونفوشية، هي فلسفة الصين الرسمية لعدة قرون، وقد كان هدفها مساعدة الناس على تحسين حياتهم وإصلاح شؤونهم، عن طريق الانضباط والاطلاع على ما يوافق أهداف حياتهم. أما الفلسفة الهندية فلا يُعرف بالضبط متى بدأت، ولكن كان الفكر الفلسفي في الهند أيضاً ذا طابع وهدف ديني، وقد ظهرت التفاسير الفلسفية لهذا الفكر أثناء القرن السادس ق.م.

ب‌-  الفلسفة الغربية: وينقسم تاريخ الفلسفة الغربية عادة إلى ثلاث مراحل: القديمة والوسطى والحديثة. وتمتد مرحلة الفلسفة القديمة من القرن السابع ق.م إلى القرن الخامس الميلادي، وتمتد مرحلة الفلسفة الوسطى من القرن الخامس إلى القرن السابع عشر الميلاديين، أما مرحلة الفلسفة الحديثة فتمتد من القرن السابع عشر الميلادي حتى العصر الحديث.

ت‌-  الفلسفة الإسلامية: وابتدأت من القرن الثاني الهجري مع ظهور اهتمام عدد من المفكرين المسلمين العرب وغير العرب بالفلسفات الشرقية واليونانية.

العلاقة بين الفلسفة والدين:

كان الناس منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام أمة واحدة على الدين الحق، ثم دخلت عليه شوائب عدة وخرافات وبدع فاختلف الناس شيعاً ومذاهب، فبعث الله الأنبياء والرسل يردونهم إلى الحق ويهدونهم سواء السبيل. فالدين في الأصل واحد وهو الإسلام والهدف منه تحقيق العبودية لله عز وجل حتى يسعد العبد في دنياه وأخراه.

ولعل أحد أهم الأهداف الرئيسة للفلسفة هو مساعدة الناس لكي يتحملوا متاعب الحياة الدنيا وهمومها وشقاءها، وفي الواقع لا يستطيع تحقيق هذا الهدف إلا الدين.

ومن هنا كان الفلاسفة الراغبون في تحقيق هذا الهدف يعتمدون على الدين ويتأملون الحقائق الدينية التي يقررها عن الحياة والوجود والمصير.

العلاقة بين الفلسفة والعلم:

ظلت الفلسفة وعاء لكل المعرفة الإنسانية وتتميز بنظرتها الكلية للكون منذ نشأتها في القرن الخامس ق.م وحتى العصور الوسطى الإسلامية، بل إن علماء المسلمين قد تأثروا في عصر الازدهار والترجمة بالفلسفة الإغريقية تأثراً واضحاً وأصبحت الفلسفة الإغريقية تمثل مصدراً من مصادر الثقافة الإسلامية في عصرها الذهبي، ومن هنا كان علماء المسلمين يتميزون بسعة الأفق والتكوين الموسوعي في بنائهم الفكري فكان الواحد منهم فقيهاً في الدين متقناً لفنون الجدل والكلام أديباً طبيباً كيميائيا رحالة (جغرافيا)... إلخ وهكذا كانت نظرتهم إلى الكون والحياة والوجود والإنسان نظرة كلية متسقة مع فارق واضح يميزهم عن الإغريق هو استنباطهم لفلسفتهم من آيات الكتاب والحكمة التي نزلت عن طريق الوحي الإلهي على النبي صلى الله عليه وسلم، أما الإغريق فقد افتقدوا هذا المنبع الآمن ولعلنا ندرك بذلك أن لفظي العلم والعالم في القرآن الكريم قرينا الشبه في المدلول بكلمتي الفلسفة والفيلسوف في الإغريقية، إلا أن كلمة علم وعالم كلمات عربية أصيلة لذا جاء استعمالها كثيراً في آيات متفرقة من القرآن الكريم واستبعدت كلمة فلسفة لأنها ليست عربية كما رأينا من قبل والواضح أن كثيراً من علماء المسلمين استخدموا لفظ الفلسفة في كتاباتهم كما استخدموا الطريقة الاستدلالية والقياس في معالجة الكثير من القضايا الدينية.

وظل الأمر كذلك حتى أواخر العصر العباسي الأول وبدايات العصر العباسي الثاني، عندما أعلن الحسن بن الهيثم البصري أن الطريقة الاستدلالية لا تصلح لمعرفة العالم المادي الحسي، وأن خير وسيلة لتحقيق فهم أفضل للواقع المحسوس هي المشاهدة والملاحظة والتحليل والترتيب والتجريب وهو ما سماه بالطريقة الاستقرائية.

وقد أدى انتقال الطريقة الاستقرائية إلى أوربا في العصر الحديث وعصر التنوير أن قفزت العلوم الطبيعية طفرات هائلة سريعة نحو التقدم والدقة في المعرفة عن مجال المادة وخواصها وتصنيفها وتحولها.. إلخ وهكذا أثبتت الطريقة الاستقرائية تفوقها في هذه المجالات الطبيعية وأدى ذلك بدوره إلى استقلال الفيزياء ثم الكيمياء وعلوم الحياة في القرن السابع عشر كعلوم قائمة بذاتها منفصلة بذلك عن جسم الفلسفة وكانت الرياضيات قد سبقت مع ديكارت تلك الموجة الاستقلالية، ثم استتبع ذلك ظهور علم الاجتماع الحديث في القرن التاسع عشر وكذلك علم الإنسان وعلم النفس وعلم التربية ثم السياسة والاقتصاد وكلها كانت موضوعات من مجال الفلسفة القديمة، وهكذا تدلت فروع الشجرة العجوز (الفلسفة) إلى الأرض والتصقت بها لتنمو أشجاراً جديدة متنوعة (علوم حديثة)، وهنا يحق القول بأن: "الفلسفة هي أم العلوم الحديثة".

وبعد أن انفرطت معظم حبات العقد القديم فماذا تبقى فيه بعد تلك الحركة الاستقلالية؟ وبمعنى آخر: ما المجالات التي تبقت موضوعاً للفلسفة الآن؟ ومن الممكن القول ببساطة أن الفلسفة اليوم تضم أربعة مجالات مهمة هي:

1-    مجال الوجود: Ontology ويشمل البحث في الطبيعة الإنسانية وطبيعة الحياة وطبيعة الكون وما وراء الطبيعة كما يضم البحث في خالق الوجود وصفاته، وغايات الوجود العليا، وما شابه ذلك من الموضوعات التي لا يمكن التعرف عليها بالتجريب العلمي بل بالتأمل والاستدلال.

2-    طبيعة المعرفة: Epistemology وهو ما يعرف بنظرية المعرفة The Theory of Knowledge وتشمل قدرة العقل الإنساني على تحصيل المعرفة وهل العقل هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الكون أم أن هناك مصادر أخرى للمعرفة وما مدى قدرتها؟ وهل المعرفة ممكنة أصلاً؟ وهل لها حدود تقف عندها؟ ثم لماذا نحصل على المعرفة وما وظيفتها؟

3-    مجال القيم: Axiology وبنفس الطريقة يحاول أن يثير مجموعة من الأسئلة والإجابة عليها مثل: ما طبيعة القيم؟ وما مصدرها؟ الفرد أم المجتمع أم قوة عليا خارجة عنهما؟ هل القيم أزلية؟ أبدية ثابتة؟ أم هي وقتية متغيرة ونسبية؟ وينقسم هذا المجال إلى فرعين: علم الجمال ويتعلق بقيم الجمال ويبحث في معايير القبح والجمال في الأشياء، وعلم الأخلاق ويتعلق بالقيم الخلقية ويبحث في قيم الخير والشر والفضيلة والرذيلة.

4-    المنطق Logic ويضع القواعد العقلية المناسبة للحكم على قضايا التفكير الإنساني بالصدق والكذب، بالصحة والبطلان وفق معايير الاتساق العقلي والقبول "المنطقي" أي تسلسل الأفكار واتساقها وخلوها من التناقض ودقة تنظيمها في كل معرفي مقبول عقلاً.

وهكذا نصل إلى المحور الأول في علاقة الفلسفة بالعلم ويرتبط بكون العلوم أبناء للفلسفة تفرعوا عنها، ومن هنا يمكن القول بأنه إذا كانت الفلسفة كلية في مضمونها وهدفها فإن العلم يتميز بالخصوصية في فهم ظاهرة معينة أو جزئيات معلومة في الواقع، وبينما نجد الفلسفة تأملية استدلالية نجد العلم تجريبي استقرائي والعلم يسلم بوجود الواقع لكن الفلسفة تتساءل عن هذا الوجود وعن ماهيته وعن طبيعته وعن حقيقته وتحاول التعرف على أسبابه وعلله البعيدة وتسأل عن الغايات القصوى أو العليا الموجودة، فهي تبدأ حيث ينتهي العلم.

والعلم من ناحية أخرى يبدأ بملاحظة الجزئيات وصولاً إلى القانون العام الذي يربطها ويفسرها بطريقة استقرائية Inductive  بينما الفلسفة تبحث أولاً عن القانون العام الذي يفسر وجود الكون كله كوحدة متكاملة ثم تنزل استدلالياً نحو الجزئيات ليحدد موقعها من هذا الوجود الكلي. وقد وجد العلم الحديث فائدة كبرى في الاستفادة من الطريقة الاستدلالية في اختبار صحة قوانينه، فتحولت الطريقة العلمية الحديثة في السنوات الأخيرة لتكون استقرائية/ استدلالية معا Both, Inductive and Deductive وليست هذه هي الفائدة الوحيدة التي يجنيها العلم من الفلسفة بل أن الفلسفة تسعى دائماً لتحليل المسلمات التي تقوم عليها النظريات العلمية فالعلم يسلم بصحتها مسبقاً أما الفلسفة فتلجأ إلى تحليلها ونقدها لبيان مدى اتساقها مع بعضها البعض ومدى اتفاقها مع قواعد المنطق، فإذا مرت المسلمات بهذا الاختبار الناقد التحليلي كان ذلك تدعيماً للنظرية العلمية وإلا هدمت النظرية ويبدأ البحث من جديد وهكذا.

ومن ناحية ثالثة تقوم الفلسفة بتوضيح وتحليل معاني الألفاظ والمصطلحات العلمية والمفاهيم المستخدمة في صياغة النظرية، وبذلك تصنع أرضاً مشتركة للتفاهم الإيجابي والحوار بين أبناء التخصص الواحد، وهو تفاهم ضروري للتواصل بينهم من أجل تقدم المعرفة العلمية، وأخيراً يمكن القول بأن الفلسفة تقوم بدور الرقيب على العلم لتحديد مصداقية مسلماته وتحديد مفاهيمه، ولذلك ظهر لكل علم فلسفة خاصة به، فهناك فلسفة العلوم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الفن، وفلسفة التربية... إلخ.

وهناك وجه آخر للعلاقة بين الفلسفة والعلم، حيث يرى البعض أن الفلسفة في سعيها للوصول إلى المعرفة الكلية للوجود وحقيقته وأسبابه البعيدة وغاياته العليا إنما تسعى لتحصيل معرفة مجردة تحلق في الخيال بعيدة عن مشكلات الحياة وروجوا تبعاً لذلك فكرة واهية عن قلة فائدة الفلسفة للحياة المعاصرة بل وعدم جدواها وبالتالي عدم الثقة فيها. وكان من رواد هذه الفكرة الفيلسوف الأمريكي جون ديوي ومن المؤسف أن يذهب مذهبه بعض رجال التربية في مجتمعنا.

أما العلم فيتناول الواقع بالدراسة ويتعقب المشكلات الواقعية بالبحث حتى يصل إلى حلول ناجحة تسهم في إسعاد البشرية، إذن ليس هناك اعتراض على أهمية العلم في ترقية حياة الإنسان المعاصر ولكن المقارنة بينه وبين الفلسفة على النحو الذي قدمه ديوي ينطوي على شئ من المغالطة، ذلك أن الفلسفة القديمة نشأت استجابة لحاجات المجتمع الأثيني الإغريقي ورغبة في إصلاح مفاسده وحل مشكلاته وخاصة في جوانب السلوك والأخلاق، ولذلك كانت محاورات سقراط محورها الفضيلة ومحاورات أفلاطون محورها مفهوم العدل وكيف يتحقق وسرعان ما تزول الدهشة عندما نتذكر أن ديوي وهو الأمريكي الذي أسهم في بناء الفلسفة البراجماتية يعكس فكر مجتمعه، فالمجتمع الأمريكي يتكون من مجموعة من المهاجرين من شتى بقاع الأرض انفصلت قلوبهم عن أوطانهم الأولى إما بسبب اضطهادهم فيها أو لسوء أوضاعهم الاقتصادية بها، الأمر الذي دفعهم إلى الهجرة منها وهذا في حد ذاته جعل المواطن الأمريكي منفصلاً عن تاريخه القديم، بل لم يكن له مثل هذا التاريخ الذي يعتز به وكان تركيزه على الحاضر والمستقبل ومن هنا كان هجومهم على كل ما هو قديم. ويكفي الفلسفة قيمة في العصر الحاضر أنها تساعدنا على الفحص الناقد لمعتقداتنا وانحيازاتنا والأسس التي تقوم عليها أعمالنا.

علاقة الفلسفة بالتربية:

لعله من الواضح لنا الآن أن المناقشات السابقة كان الهدف منها إظهار العلاقة بين الفلسفة والتربية، كعلم من العلوم الحديثة، فالفلسفة منذ نشأتها الأولى ظهرت نتيجة لاحتياجات تربوية، حيث حرص سقراط ومن بعده أفلاطون وأرسطو على معالجة مشكلات الواقع المؤلم في أثينا خاصة وبلاد اليونان عامة، عن طريق إعادة بناء "أي تربية" المواطن اليوناني وإصلاح المجتمع الأثيني بعد أن مزقته الأنانية والفردية والحرية الغير منضبطة والتي انقلبت إلى فوضى وإباحية وجريٍ وراء الملذات والشهوات. والمتصفح لفلسفة أفلاطون يجدها تدور حول مفهوم العدل ومنه إلى الفضيلة وينتهي صرح فلسفة أفلاطون بوضع نظام تربوي لتطبيق تلك الرؤية عن المجتمع الفاضل، وهنا ننتقل إلى جانب آخر من جوانب العلاقة بين الفلسفة والتربية وهو أن الفلسفة "أي فلسفة" تحتاج إلى تربية لنشر تعاليمها وتوضيحها وكسب أنصار لها لتبريرها وتعميق الإيمان بها وقبولها بين أكثر عدد من الناس.

فالفلسفة دون التربية فكر بلا وظيفة.. وبالمثل فإن التربية بلا فلسفة تتحول إلى عمل عشوائي غير منظم وغير هادف وبالطبيعي يكون مصيره إلى الفشل ولذلك قال ديوي إن الفلسفة هي النظرية العامة للتربية وأن التربية هي التطبيق العملي للفلسفة والأدلة على ذلك كثيرة قديماً وحديثاً فمحاورات أفلاطون في مدرسته الأكاديمية Academy وأرسطو عندما أنشأ مدرسته الخاصة المعروفة باسم ليسيم Lycuim  وهتلر في ألمانيا النازية والماركسية في الاتحاد السوفيتي السابق، كلها علامات تدل على أن أية فلسفة لا يقدر لها أن تنتشر إلا بالتربية.

وهناك جانب ثالث من جوانب تلك العلاقة وهو أن قضايا الفلسفة تهم التربية وقضايا التربية غالباً ما تكون قضايا فلسفية، فالفلسفة والتربية كلاهما يسعى لمعرفة طبيعة الإنسان ويتخذ موقفاً من طبيعة الحياة والكون والمعرفة والقيم فهذه محاولات تهم الفلسفة كما تهم التربية أيضاً، وإذا كان البحث في طبيعة المعرفة يعتبر من أهم محاولات الفلسفة فإن المعرفة ذاتها تمثل أحد الأركان الرئيسة في عملية التربية، فالفكر التربوي نفسه معرفة تستخدم الفلسفة طريقة والتربية مجالاً كما أن المنهج الدراسي في جزء منه يعتمد على ما وصل إليه المفكرون من معرفة وكذلك الحال فيما يتعلق بالقيم الجمالية والأخلاقية. ومما لا شك فيه أن كلا من التربية والفلسفة يعطي موضوع القيم هذا اهتماماً كبيراً في دراساته.

وثمة جانب آخر لتلك العلاقة يتعلق بالمنطق باعتباره علم قواعد التفكير السليم وأن تنمية التفكير السليم هو أحد أهداف التربية.

وإذا انتقلنا من التشابه في الموضوع والمجال والاهتمامات نجد تشابهاً آخر بين الفلسفة والتربية من حيث الأهداف والوظائف، فكل من الفلسفة والتربية يسعى إلى الارتقاء بالإنسان الفرد وتنمية قدراته وتحقيق التقدم للمجتمع ومساعدته في حل مشكلاته.

وتتمثل العلاقة بين الفلسفة والتربية أيضاً فيما تقدمه الفلسفة لنا من مساعدات كبيرة تزيد من قدرتنا على فهم التربية، فالفلسفة تقوم بتوضيح المفاهيم التربوية الأساسية وتحديد المصطلحات الرئيسية في علم التربية، كالذكاء والدافعية ومفهوم التربية نفسه والميل والاتجاه وغيرها، كما تقوم بدراسة وتحليل المسلمات التي تقوم عليها النظريات التربوية، كل ذلك بقصد توجيه العمل التربوي وحل مشكلاته في الواقع الميداني، ومن خلال التطبيق يظهر ما قد يكون في الفكر الفلسفي الموجه من ثغرات فتغذي الفلسفة بمادة لتطوير أفكارها وهكذا فإن هذه العلاقة تؤدي إلى مزيد من الفائدة والنمو المستمر لكل من التربية والفلسفة، وبهذا لن تصل التربية إلى حالة الوضوح التام بدون مساعدة الفلسفة، فكل منهما ناقص بدون الآخر.

وهكذا فإن تلك العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتربية قدمت لنا مجالاً من الفكر يجمع بينهما في إطار واحد وهو مجال فلسفة التربية فماذا نقصد بفلسفة التربية؟

فلسفة التربية:

يُقصد بفلسفة التربية ذلك النشاط الفكري المنظم التي يتخذ من الأسلوب الفلسفي وسيلة للنظرة الكلية إلى العملية التربوية بقصد تنظيمها وتوضيحها والتنسيق بين عناصرها وتوجيهها، إنها تطبيق الطريقة الفلسفية في النظر إلى  قضايا التربية. وبمعنى آخر، فإن فلسفة التربية هي تطبيق الفلسفة النظرية العامة على مجال التربية. ويترتب على ذلك أن هذه الفلسفة التربوية تقوم بوظائف الفلسفة العامة، فهي تأملية تحليلية ناقدة وهي أيضاً إرشادية توجيهية. كذلك يترتب على هذا الأمر ضرورة وضوح العلاقة بين فلسفة التربية وفلسفة المجتمع.

فالفلسفة التربوية وثيقة الصلة بالفلسفة العامة للمجتمع، ففلسفة التربية كما تعتمد على الأسلوب الفلسفي والنظريات الفلسفية في معالجتها لبعض القضايا الأساسية، فإنها أيضاً أي الفلسفة التربوية تستمد من معتقدات المجتمع الدينية والسياسية ولابد من وجود اتساق بينها وبين مجموعة المعتقدات الدينية والسياسية السائدة في المجتمع، وهي كذلك تنبع من ثقافة المجتمع بمعنى عاداته وتقاليده وقيمه وتقنياته وأجهزته المادية وأحواله الاقتصادية ومؤسساته.. فهي تعبير عن ثقافة المجتمع وتصحيح لها في آن واحد، كما أنها تعكس طموحاته وآماله وأهدافه في حياة أفضل ومجتمع أرقى.

وبناء على ما تقدم تصبح فلسفة التربية على درجة كبيرة من الأهمية لكل من له صلة بالعملية التربوية والتعليمية، فهي تزيد من فهمنا للتربية في نظرة كلية شاملة، وهي تبصرنا بجوانب الصراع بين النماذج الفكرية وأوجه الاختلاف بينها، وهي تبصرنا كذلك بمدى عمق الهوة بين الفكر الموجه للتربية وبين التطبيق التربوي، وهي المرجع الذي يحدد لنا غايات التربية وأهدافها، ولا شك أنه بدون وضوح الفلسفة التربوية السائدة أمام المعلم يتحول عمله إلى جهد طائش غير مأمون العواقب.

السبيل الأفضل لدراسة فلسفة التربية:

تتم دراسة فلسفة التربية – غالباً – من خلال ثلاث طرق، هي:

-         دراسة الأفكار أو "المفاهيم" الأساسية، كتحديد الموقف من الطبيعة الإنسانية – الأهداف التربوية – الحرية – القيم - ...

-         دراسة الشخصيات "الفلاسفة"، مثل ابن رشد – جون ديوي – روسو - ...

-         دراسة المدارس أو الاتجاهات أو المذاهب الفلسفية، كالتقدمية – الطبيعية – المثالية - ...، وفي هذه الدراسات يتناول محلل الفسفات تصوراتها عن مباحث أو ميادين أو مجالات الفلسفة سالفة الذكر؛ فيتحدث عن مبادئها المرتبطة بكل من: (أ) الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة، (ب) الطبيعة أو الكون، (ج) الطبيعة الإنسانية، (د) المعرفة، (هـ) القيم والأخلاق، ثم يتبع ذلك بالتطبيقات التربوية لهذه المبادئ في العملية التعليمية، وهذا ما تتبعه هذه الجزئية من الكتاب.

نشاط (1): ما أهمية دراسة فلسفة التربية للمعلم؟

نشاط (2): ما هي فلسفتك التربوية؟

 

الفصل الثاني:

الفلسفة المثالية والتربية

مقدمة:

تعد الفلسفة المثالية من أقدم الفلسفات، حيث تعود جذورها وبداياتها الأولى إلى أفلاطون الذي صاغ مبادئها في أثينا القديمة خلال القرن الرابع قبل الميلاد. كما أنها تعد أكثر الفلسفات انتشاراً وقبولاً، وأقربها أيضاً إلى الأديان حيث إن هذه الفلسفة تُغلِّب جانب الروح وجانب العقل على الجانب الحسي، والإنسان بصفة عامة دائماً يشعر بالحاجة إلى الرجوع إلى جانبي العقل والروح. 

وينظر إلى الفلسفة المثالية على أنها فلسفة الأفكار المثالية والأفكار الميتافيزيقية أو أفكار ما وراء الطبيعة أو الأفكار الغيبية، فهي فلسفة تتناول ما يمكن أن يدركه العقل في عالم آخر لا يمكن إدراكه حسياً وإنما يدرك فقط عن طريق إعمال العقل والفكر بعيداً عن عالم الواقع المحسوس، فهذا العالم الآخر هو عالم المثاليات، أما العالم الحسي  فهو عالم الصور غير مكتملة المعاني، أو الأشباه التي لا ترقى لمستوى ما يوجد في العالم المثالي من حقائق ثابتة مطلقة.

وبناءً عليه، فكلمة المثالية هنا تعني المثل والحقائق المطلقة الثابتة التي لا تتغير والتي تمثل حقيقة وجوهر الأشياء، فعلي سبيل المثال يرى (أفلاطون) مؤسس هذه الفلسفة أن الأشياء أو الموجودات المحسوسة ليست إلا مجرد أشباح وظلال للمثل. فالقيم الحقيقية المطلقة الثابتة لا توجد إلا في عالم المثل ولذلك فهي تقع في إطار الغيبيات، أما القيم الموجودة في العالم المحسوس الذي يعيش فيه الإنسان فهي قيم نسبية متغيرة من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن ثم فهي لا تقع في إطار المثاليات.

ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار القول بأنه من الأخطاء الشائعة عن المثالية، الاعتقاد بأنها تهتم بالمثل Ideals، وأن لها تضميناً مباشراً كنسق أخلاقي أو معنوي، وأن لها ارتباط بالمثل العليا كأهداف أو غايات قيمية نريد الوصول إليها. غير أن أصل المفهوم يشير إلى غير ذلك، فالكلمة يجب أن تقرأ Ideaism أي مذهب الفكرة، وذلك بدلاً من أن تقرأ Ideslism، التي لم يتم إضافة حرف "L" فيها إلا لغرض عذوبة النطق. وبناء على ذلك، يكون الأساس الأصلي للحقيقة ليس بمادي بل عقلي صرف بالضرورة في تكوينه نظراً لانتفاء إمكانية وجود الفكرة في مادة، ومن ثم كان ارتباط المثالية بالأفكار وبالعقل جعل لها البقاء.

وعلى هذا، فإن المثالية تعني ذلك الاتجاه الذي يُرجع كل وجود إلى الفكر أو العقل. ولقد اتفقت كل الاتجاهات الرئيسة في المثالية على هذا التوجه الفكري العام. وأبرز هذه الاتجاهات:

-         الفلسفة المثالية المفارقة: (أفلاطون: 427 ق.م. – 347 ق.م.).

-         الفلسفة المثالية اللامادية: (باركلي: 1685 – 1753).

-         الفلسفة المثالية النقدية: (كانط: 1734 – 1804).

-         الفلسفة المثالية المطلقة أو الموضوعية: (هيجل: 1770 – 1831).

الأبعاد النظرية للفلسفة المثالية:

(1) الميتافيزيقا (الطبيعة وما وراء الطبيعة) في الفكر المثالي:

تتضح الأبعاد النظرية للوجود في الفلسفة المثالية من خلال المثال التصويري الذي ورد في كتاب الجمهورية للفيلسوف اليوناني أفلاطون، حيث يذكر أن هناك عالمين في هذا الكون: هما العالم العلوي والعالم السفلي. ويمثل أفلاطون العالم السفلي مجازاً على أنه كهف يحيا فيه الناس في ظلام شبه كامل وذلك حسب رؤيته، يمثل واقع حياة هؤلاء الناس، إلا أن هذا الكهف به فتحة تدخل النور والضوء الذي ينتج من العالم الخارجي الذي هو مجازاً يمثل العالم العلوي الحقيقي والمثالي، حيث توجد نيران مشتعلة تتسبب في تواجد هذا الضوء.

والناس في هذا الكهف والذي يمثل العالم السفلي أو عالم الواقع يعتقدون أن الأشياء التي توجد في هذا الكهف هي الحقيقة ولا يدركون أنها أشباه الحقيقة، ويذكر أفلاطون أن الناس حينما يخرجون من هذا الكهف الذي يدركونه بحواسهم هو بالنسبة لهم واقع مقبول إلى حد كبير، فإن هذا الخروج معناه الانتقال إلى خارج الكهف حيث النور والحقيقة وهو ما يمثل العالم العلوي.

ويمكن إيضاح هذا المثال كما يراه أفلاطون لبيان حقيقة الفكر المثالي حيث يتبين مما سبق أن العالم الذي يعيش فيه الناس هو العالم الواقعي أو كما يطلق عليه أفلاطون العالم السفلي وهو عالم ليس به أشياء حقيقية أو مطلقة أو ثابتة، إنما هي مجرد أشباه للحقيقة، أما الأشياء الحقيقية والمطلقة والثابتة فتوجد في العالم العلوي أو عالم الحقائق والمثل، والإنسان لا يستطيع أن يدرك هذه الأمور إلا حينما ينتقل من عالم الواقع إلى عالم المثل أي بعد وفاته حيث يرى الحقيقة كاملة، ويذكر أفلاطون أن هذا الانتقال الذي يحدث نتيجة الموت يكون بانتقال الإنسان بروحه إلى عالم المثل ومن ثم يترك جسمه في عالم الواقع، ومن هنا يحدث السمو الروحي والذي عن طريقه يمكن للإنسان أن يدرك حقائق هذا العالم. والجدير بالذكر أن هذا الفكر هو الذي جعل الفلسفة المثالية هي أقرب الفلسفات إلى الأديان.

وبعيداً عن هذا الانتقال من عالم الواقع إلى عالم المثل، فإن الإنسان يمكنه أن يدرك هذا العالم العلوي بواسطة عقله؛ فالعقل كما يرى أفلاطون هو مصدر المعرفة فلابد للإنسان أن يفكر ويتأمل في حقيقة العالم الذي يعيشه وإدراك أبعاده، كما أنه لابد أن يعمل على إدراك عالم الحقائق المطلقة والثابتة والتي لا يمكن التعرف عليها أو إدراكها إلا بواسطة العقل، لهذا فإن العقل والروح لهما منزلة كبيرة في الفكر المثالي.

وباختصار، فإن المثالثة تناقض فكرة استقلال الطبيعة، فالطبيعة ليست مستقلة بذاتها، ولكنها تعتمد على شئ آخر هو العقل سواء كان في ذلك العقل المطلق (الإلهي) أو العقل الفردي البشري القادر على الاتصال والتفاعل مع ذلك العقل المطلق. وبهذا تتجاهل المثالية الوجود المادي للعالم الخارجي، وتؤكد أنه يوجد في الذهن.

(2) الطبيعة الإنسانية في الفكر المثالي:

على غرار القسمة الكائنة في الوجود إلى العالم السماوي (عالم المثل) والعالم المادي (عالم الأشباه أو الظلال)، قسّم أفلاطون الإنسان إلى قسمين: روح ممثلة في النفس أو العقل ولها وجودها الخالد الأزلي، ومادة ممثلة في البدن او الجسد ولها حدودها الزمانية والمكانية فهي جزء من العالم المادي المتغير. والعقل أو الروح في نظر أفلاطون منبعثة من عالم المثل وهي مسجونة بصفة مؤقتة في الجسم بحيث تعود مرة أخرى بعد الموت إلى موطنها السابق. وبذلك فالإنسان كائن روحاني حر يمارس حرية الإرادة ومسئول عن تصرفاته.

والإنسان عند المثاليين يرتقي حسب إحدى الأنفس الثلاثة التي تتحكم فيه: النفس الشهوانية (الجسد)، والنفس الغاضبة (القلب)، والنفس العاقلة (العقل). وكذلك ، يقسم أفلاطون المجتمع البشري إلى ثلاث طبقات أساسية هي:

(أ) طبقة العمال وأصحاب المهن والحرف، وهذه الطبقية تشبه المعادن قليلة الجودة مثل النحاس، كما أنها تتميز بالقدرات والقوى الجسمية وتتحكم فيها الشهوات، حيث يكون الإنسان قوي الجسم، وضعيف الشهامة، ومحدود القدرة على التفكير.

(ب)  طبقة الجند، وهي تشبه المعادن القوية مثل الحديد، كما أنه يميزها القوة الغضبية وقوة الشهامة والمروءة ويتحكم فيها القلب والشجاعة، والإقدام وهو ما يميز طبقة الجند.

(ج) طبقة الفلاسفة والمعلمين والحكام، وهي تشبه المعادن الثمينة كالذهب والفضة، وتميزها القدرة على التفكير ويتحكم فيها العقل والحكمة، وأصحاب هذه الطبقة يمثلون القوة العاقلة القادرة على التفكير والتأمل والتحليل ولذلك فهم أصحاب الحكمة والحكم.

(3) المعرفة في الفكر المثالي:

تعد المعرفة أحد أهم المضامين في الفلسفات والنظريات المختلفة، حيث يدور البحث فيها حول طبيعة المعرفة وكيفية الوصول إليها، فالمعرفة الموجودة بهذا الكون تقع خارج إرادة الإنسان وتفكيره، ولكن عقله بحكم طبيعته يستطيع دائماً أن يصل إلى الحقيقة في عمومها وكليتها.

ولكن كيف يتوصل الإنسان إلى الحقيقة؟ إذا كانت الحقيقة تتعلق وترتبط بالمفاهيم والكليات والعموميات وليس بالجزئيات، فإن العقل وحده هو الذي يستطيع أن يصل إلى المعرفة في صورة كلية، فالحقائق الجزئية لا يمكن أن تمثل الحقيقة وإنما الحقيقة دائما كلية تتضح في قيام نظام عام يتم التوحيد بين جزئياته الكثيرة والمتعددة، ولذلك فإنه من العبث أن نحاول أن نفهم شيئاً بمفرده أو فكرة  قائمة بذاتها، لأن الشئ أو الفكرة لا تتضح إلا في ضوء العلاقات التي تربطها بغيرها وتكَّون منها جميعاً كلاً منتظماً متكاملاً أو ما يعرف باسم النظام، وبذلك لا يمكن للإنسان أن يعالج قضية أو مشكلة بمعزل عن بقية الموقف وعمومه وكليته.

وعلى سبيل المثال، لا تبدو أهمية الفرد أو قيمته إلا في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، فالنظام الاجتماعي هو الذي يحدد قيمة الفرد وأهميته، فالعلاقة بين الفرد والمجتمع هي علاقة الجزء بالكل وهي تشبه تماماً علاقة الإنسان بالكون. فالإنسان لا يستطيع أن يفكر بمفرده أو أن يتوصل إلى الحقيقة، وإنما يتم ذلك عن طريق احتكاك العقول بعضها ببعض ذلك أن الحقيقة تتضح عندما يعرض مجموعة من الناس لأفكارهم ولتفسيراتهم وتتم المقارنة بينها ومناقشاتها، ذلك إننا نعرف أنفسنا عن طريق معرفتنا بغيرنا، ولهذا فالمثاليون يعتمدون في التوصل إلى المعرفة على المقارنة والمناظرة بين المعاني والآراء ومن ثم التمييز بين الصحيح والزائف منها.

وبهذا، يذهب المثاليون إلى أن هناك دائما حقائق وقضايا صحيحة واضحة الصحة يسلم بها كل إنسان وعن طريق هذه القضايا نستطيع أن يتبين الصحيح وأن نولد قضايا صحيحة أخرى (كل البشر يموتون) هذه قضية ظاهرة الصحة، (سقراط مات) أي أن سقراط بشر.

ومن هذا وجب أن يقف الإنسان دائماً على ما صح من الحقائق حتى يستطيع أن يميز بواسطتها بين الخطأ والصواب، وأن يستنبط منها حقائق جديدة وفي كل الحالات يسعى أن توضع الأفكار الجزئية في نظام عام حتى تتضح وحتى يمكن تطبيقها في مواقف الحياة. فالفرق - عندهم إذن - بين العقول الناضجة وغير الناضجة هو أن الأخيرة  تقف عند الحقائق الجزئية وتأخذها على حقائق كلية أو قوانين عامة في حين أن العقول الناضجة تدرك العلاقات بين الجزئيات وتضع هذه الجزئيات في علاقات جديدة وتجمع بينها في كليات أي نظام فكري.

وعلى هذا الأساس، يرى أفلاطون أن العقل هو مصدر المعرفة وليست الحواس لكونها مصادر غير صالحة لمعرفة الحقائق وإدراكها، فكثيراً ما تقدم لنا الحواس صوراً مركبة بصدق عن الأشياء المحسوسة، كما أن الحواس لا تدرك سوى الأمور التي هي موضع التغير المستمر، وهي أمور افترض أفلاطون مسبقاً أنها ليست حقائق ثابتة.

ومن ثم، فإن ما يبدو لنا حقيقة من قبل الحواس ليست بالفعل حقيقة إنما الحقيقة هي ما يكتشفها العقل. إذن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة لهذا يرى أفلاطون أن المعرفة المثالية توجد بوضوح في علوم الرياضيات والفلسفة حيث لا تكون الحواس مصادر للمعرفة وإنما يمكن الوصول إليها فقط عن طريق العقل، فهي أفكار صادقة لكونها لم تختلط بعالم الواقع المحسوس.

نستخلص مما سبق، أن:

- وجود الشيء يتوقف على القوى التي تدركه، وهذه القوى ذاتها عبارة عن صور عقلية. فالموجودات ليس لها وجود مستقل عن العقل الذي يدركها.

- ماهية الشئ سابقة على وجوده.

- المعرفة عملية عقلية تتمثل في الأفكار العامة والكلية universal.

وبناءً على هذا، فالمعرفة المثالية: فطرية، مطلقة، كلية، يقينية.

(4) القيم عند المثاليين:

يرتكز الفكر القيمي في الفلسفة المثالية على ما يلي:

أ- أن القيم ذات وجود حقيقي في نفسها، فهي أولية وخالدة (فطرية) وليست متغيرة ولا قابلة للزوال (مطلقة ثابتة)، وأهم هذه القيم الحق والخير والجمال.

ب- أن الإنسان يدرك القيم لكونها تتصل بالأشياء التي يسوقها، فهي جزء من حقيقة هذه الأشياء، فالقيم ذات جذور كونية (مستمدة من عالم المثل)، وليست من صنع الإنسان.

ج- أن حقيقة كل شئ تقع في إطار علاقاته داخل الكل المشتمل عليها، فالقيم توجد في العلاقات المنسجمة بين أجزاء الكل الوحيد، فالقيمة الجمالية لقطعة فنية هي إدراك الفرد لعلاقات الانسجام بين التحركات المكونة للقطعة كلها، والقيمة الاجتماعية تتحقق عندما يرى الإنسان نفسه جزءاً من كل اجتماعي أكبر منه يتفاعل معه ويسهم في تحقيق أهدافه المشتركة.

د- أن داخل كل إنسان خاصية طبيعية تدله على الخير وتدفعه لعمله، فهناك دائماً الشعور بالواجب كحافز طبيعي في الإنسان، ومن ثم فإنه لابد من مراعاة الضمير والقوانين الأخلاقية مثل: تقديم الصالح العام والمصالح المشتركة على المصالح الفردية، وأن يعامل الفرد الآخرين كما لو كان يعامل نفسه (تعامل مع الآخرين كما لو كنت تتعامل مع نفسك أو مع الإنسانية كلها وسل نفسك دائماً هل تريد أن يكون سلوكك هذا قانوناً عاماً للجماعة).

التطبيقات التربوية للفلسفة المثالية:

اهتم المثاليون بالتربية الأسرية التي تحدث في المنزل، فالأسرة هي البيئة القادرة على تنمية الطفل في النواحي الجسمية والعقلية والأخلاقية والوجدانية والاجتماعية وغيرها. فالتربية عملية اجتماعية ضرورية للمجتمع الإنساني ليس بسبب ضرورتها الطبيعية للإنسان فحسب، بل بسبب ضرورتها الروحية أيضاً، فهي تمثل ضرورة للإنسان من أجل أن يكون إنساناً.

كما اهتمت التربية المثالية بقدرات واستعدادات الفرد العقلية وعملت على استثمارها من أجل الحراك الاجتماعي، هذا بالإضافة إلى الاهتمام بمواهب وميول الفرد. فالتربية المثالية تساعد الفرد على تنمية التأمل والتحليل والتفكير في الحقائق العليا المجردة مثل: التفكير في الخير لأنه هو طريق السعادة الحقيقة التي تأتي عن طريق التفكير والتأمل لا عن طريق العمل اليدوي أو التدريب العملي.

ولأن التعليم جزء مهم وحيوي من عملية التربية، فسوف نعرض فيما يلي لبعض الجوانب التربوية التعليمية في إطار ما طرحته الفلسفة المثالية في هذا الشأن.

(1) أهداف التربية المثالية:

اهتمت التربية المثالية أساساً بــ:

-         إعداد الفرد عقليا وخلقيا.

-         تنمية الضمير الخلقي وتوجيه الإرادة.

-         المحافظة على التراث الثقافي ونقله من جيل لآخر.

-         ثبات الأهداف ووحدتها مثل طبيعة الإنسان والخير.

-         إعلاء العمل العقلي على التربية المهنية أو العمل اليدوي.

-         الاهتمام بتربية الطبقة الأرستقراطية (الصفوة).

(2) فرص الالتحاق بالتعليم :

لو أنك سألت المثاليين عن من يجب أن يلتحق بالمدرسة، فإنهم سرعان ما يجيبون: كل فرد. فالمدرسة المثالية مفتوحة للجميع، والتعلم متاح للجميع. ويعد هذا أبلغ رد على من أساءوا فهم التقسيم الطبقي لأفلاطون في الجمهورية الذي هو "لاحق" على فرص التعلم المتاحة وليس "موجهاً" لها.

(3) المعلم:

يرى المثاليون أن المعلم هو المصدر الوحيد للمعلومات، وهو النموذج أو المثال الذي يُحتذى به، والقدوة التي ينبغي للتلاميذ تقليدها، وبمعني آخر فالمعلم هو النموذج القيمي Value model للتلاميذ. ولهذا فالمعلم يجب أن يكون ذلك الإنسان الذي يمثل الاحترام ويشجع على التعلم، كما يرون أنه لا يمكن أن يقوم تعليم بدون معلم يفترض فيه أنه يعرف الحقيقة (الأفكار والقيم)، كما أنه بمثابة المهندس الذي يبني ويهندس المواقف التعليمية بحيث تبرز الحقائق والقيم والمثل وغير ذلك، ولذلك فإن الحقيقة لا تنطلق أمام التلاميذ بدون معلم يوضحها ويجليها لهم، ولهذا يرى المثاليون ضرورة وجوب الاهتمام بالمعلم وإعداده خاصة من الناحية العلمية والناحية الأخلاقية حتى يستطيع أن يعد المواقف التعليمية، كما يجب أن يكون المعلم على إحاطة كافية بالجوانب النفسية لتلاميذه كي يستطيع أن يتفاعل ويتعامل معهم.

كما ينظر المثاليون إلى التعليم على أنه عملية ذاتيه، فيقال إن التلاميذ يتعلمون ولا يقال إن المدرس يعلم، ذلك أن المعلم عليه أن يوفر البيئة المناسبة للتعلم، أما النشاط الذاتي للتلاميذ فهو الذي يؤدي إلى التعلم، كما ينبغي على المعلم أن يرتفع بمستويات تلاميذه وأن يعلو على ما هو متوقع من الآخرين.

وبهذا، فالمعلم عند المثاليين هو مفتاح نجاح العملية التربوية، وهو ليس شخصية Personality فقط، بل هو أيضاً فني، لا يهتم بمعرفة الموضوع الذي يقوم بتدريسه فحسب، بل يجب أيضاً أن يُقدره، ومن ثم يجب أن يكون معنى الموضوع وأهميته ومكانه في حياة التلاميذ واضحاً للمعلم.

(4) التلميذ:

يؤكد المثاليون بدرجة كبيرة أهمية التقليد كعامل مهم من عوامل التعلم والتعليم، ويرون أنه من خلال التقليد يكشف التلميذ قدراته وما يصلح به، ومن ثم فكلما اقترب التلميذ من معلمه كلما كانت الإفادة أكثر وكلما كان تأثره به أكبر.

كما يرى أصحاب الفكر المثالي أن هناك ضوابط تحكم العلاقة بين التلميذ والمعلم، فعلى كلٍ منهما التقيد بالنظام المدرسي، وأيضاً فالمعلم عليه مراقبة سلوك التلميذ وتوجيهه للالتزام بهذا النظام، أما التلميذ فعليه اتباع تعليمات وإرشادات المعلم ويطيعه دون مناقشة حتى لو أدى ذلك إلى سلبية التلميذ وسيطرة المعلم، وهذا شئ طبيعي في إطار هذا الفكر الذي يضع المعلم في مكانة متميزة سواء من حيث إنه القدوة والمثال أو مصدر العلم والمعرفة.

(5) المنهج والكتاب المدرسي:

يهتم أصحاب الفكر المثالي بالمنهج الدراسي والكتاب المدرسي، إلا أنهم يرون أن محتوى المنهج أو الكتاب المدرسي ليس على نفس الدرجة من الأهمية التي يمثلها الهدف من تدريسه، فالقيمة الحقيقية للمنهج تتضح في درجة فهم الإنسان للعالم والعمل على جعله قريباً من الكمال والمثل والعالم العلوي.

ويفضل المثاليون المنهج الهرمي hierarchical curriculum، وعلى قمة هذا الهرم تقع الفلسفة Philosophy، واللاهوت Theology، ثم المنطق Logic والرياضيات Mathematics، والأدب Literature، والتاريخ History، والموسيقى Music. يلي ذلك في قاع الهرم العلوم الطبيعية. أما اللغات فهي مهمة كأداة جوهرية لكل مستويات التعلم.

كما يؤكد المثاليون على أهمية معرفة واستخدام الرموز. ولعل الاعتقاد بأن التمكن من الرموز يجعل الإنسان أكثر قرباً من فهم الواقع الروحي المجرد هو الذي دعى المثاليين إلى القول بأهمية الرموز.

ويسير المنهج على مبدأ القديم على قدمه، وعدم قابلية المنهج للتطور إلا في أضيق الحدود. فما توصل إليه الأجداد من تراث هو في الواقع ثابت ومطلق.

(6) أساليب وطرق التعليم:

تعد أساليب وطرق التعليم انعكاساً واضحاً للفكر المثالي الذي يركز على تنمية العقل، ومن ثم الاهتمام بالدراسات النظرية والنشاط المكتبي، ولذلك فهم يهتمون بأسلوب المحاضرة والمناقشة والحفظ والتذكر والاسترجاع، فالتعليم المثالي يقوم على التدريب بأسلوب الإلقاء، حيث يلقي المعلم الدرس على مسامع تلاميذه، وعليهم الإصغاء له وفهم ما يلقيه عليهم ثم حفظه لاسترجاعه عند الامتحان.

وهذا يعني أن أصحاب الفكر المثالي لا يميلون كثيراً لطريقة النشاط، ومع ذلك فهم يؤكدون في طريقة التدريس على نوع خاص من نشاط التلميذ وهو النشاط الفكري والعقلي، إنه النشاط الذي يتمثل في المناقشة والحوار والجدل واحتكاك عقل التلميذ بعقول غيره وخاصة عقول المعلمين. ولهذا فهم يرون أن الأسئلة في الدرس لها أهميتها إنها تقود التلاميذ إلى التوصل إلى المعرفة وفهمها. كما أنهم يؤكدون على أهمية إثارة دافعية التلاميذ للتعلم وذلك بأن يجعلهم يفكرون في إيجاد حلول وتفسيرات لبعض المعارف.

(7) الأنشطة والخبرات التعليمية:

احتلت الدراسات النظرية المدرسية أهمية قصوى في الفكر المثالي لتربية الطفل، لأن هذه الدراسات تساعد على تنمية التفكير. كما أن الكتاب المدرسي هو مصدر المعلومات والمعارف والأفكار فالكتاب يحتوي على خلاصة الفكر الإنساني، والكلمة المكتوبة هي أرقى وسيلة لمخاطبة العقل والفكر، ومن ثم فلابد من تعليم الأطفال من واقع ما يدون في الكتاب المدرسي مهما كانت صعوبة هذا التعليم، ومهما كانت اهتمامات الطفل واحتياجاته.

ولهذا فإن مكتبة المدرسة في الفكر المثالي تعد مركز النشاط التعليمي وتحصيل المعرفة، أما الفصل الدراسي فهو المكان الذي يتم فيه تلقي العلم وجعله وثيق الصلة بحياة المتعلم، ولهذا فإن أصحاب الفكر المثالي يؤكدون على أهمية الخبرات التي يمر بها الطلاب في حجرة الدراسة والمكتبة، أما خبرات التعلم خارج المدرسة مثل الزيارات الميدانية، أو المشروعات البيتية فإنهم يرون أنها قليلة الأهمية؛ لأنها ترتبط بالعالم الواقعي الحسي، وهم يرون أنه ينبغي العمل على تنمية العقل والتفكير من خلال الدراسات النظرية سواء في الفصل الدراسي أو المكتبة المدرسية.

(8) التنظيم والإدارة:

يتسم التنظيم والإدارة في التربية المثالية بــ:

-         الإدارة بالأهداف والنظريات والمبادئ.

-         المركزية المتسلطة والرقابة الصارمة في يد المدير.

-         الروتين والعمل الجامد الرتيب.

-         اليوم المدرسي غاية في الانضباط والصرامة.

-         الشدة والعقاب والحزم وظهور التكتلات.

-         غياب المشاركة الوالدية والمجتمعية (منعزلة عن البيئة المحيطة(.

 

 

نشاط:

فسر صحة أو خطأ العبارات التالية في ضوء دراستك للفلسفة المثالية:

-              المثالية أكثر الفلسفات تعرضا للنقد رغم أنها الأقرب للأديان.

-              المعرفة والقيم موجودان بالقوة وليس بالفعل.

-              التأمل العقلي هو سبيل إدراك المعرفة العملية.

-              يعتمد اكتساب المعرفة على العقل.

-              المعرفة أوضح ما تكون في الرياضيات.

-              ماهية الشئ سابقة على وجوده.

-              تربية الجسم تسبق تربية الروح.

-              وجود العالم متوقف على فكرة الإنسان عنه.

-              التربية هي هي في كل مكان. 

-              المعلم هو مصدر المعرفة الوحيد.

-              هدف التربية هو المحافظة على التراث الثقافي دون التجديد فيه.

-              يحقق التعليم المثالي الحراك الاجتماعي.

-              توجيه الأهداف للتراث وليس لشخصية المتعلم.

-              لم تهتم المناهج بحاجات الطلاب وبيئاتهم.

-              عززت المثالية روح السلبية في الطلاب.

-              أضعفت الكفايات الداخلية للتعليم حيث الهدر وعدم التوازن بين جوانب المتعلم.

-              أضعفت الكفايات الخارجية للتعليم حيث عدم الموائمة بين كفايات الخريجين وحاجات سوق العمل.

 

 

الفصل الثالث:

الفلسفة الواقعية والتربية

مقدمة:

الواقعية من المفاهيم التي حملها الناس الكثير من المعاني المتغايرة، فعندما يقال أن شخصاً واقعياً في تفكيره، فإنه يعني بذلك أنه يبتعد عن الخيال الجامح، وينطلق من واقعه المعاش ومرتبطاً به، وقد تعني أنه يتسم بالوسطية والاعتدال في تفكيره، وقد تعني عند آخرين الرضا بالواقع مهما كان، والتسليم به سواء كان مقبولاً أو مرذولاً، خيراً كان أم شراً، أو الرضا بأنصاف الحلول والتنازل عن المبادئ والتفاوض لتوفيق توجهات فكرية متباينة أو حتى متناقضة حول هذه المبادئ.

ولعل الفلسفة الواقعية مفهوم يطلق على تلك النظريات التي توجد في العالم المادي أو عالم الأشياء المادية المحسوسة، وهي بذلك لا ترى حاجة لافتراض عالم آخر ميتافيزيقي غير محسوس ومستقل أو منقطع عن الواقع المعاش، وذلك للبحث فيه عن الحقيقة، وهو ما افترضته الفلسفة المثالية فيما أسمته عالم المثل، ولقد كان من جراء النظرة الواقعية أن تحول الفكر الإنساني في البحث فيما هو علوي سماوي ميتافيزيقي مجرد إلى البحث في العالم الأرضي الواقعي المحسوس، الأمر الذي دفع البعض إلى القول بأن الفلسفة الواقعية "نقلت الفلسفة من السماء إلى الأرض"!!!

ويعد أرسطو المؤسس للفلسفة الواقعية، وهو من تلاميذ أفلاطون ومعاصريه، وإذا كان أرسطو يشترك مع أستاذه في وجود المثل، غير أنه يختلف معه في المكان الذي توجد فيه. فأرسطو يعترض على قول أفلاطون بأن المثل مفارقة للمحسوس ولها وجود ذاتي، فرأي أرسطو أن المثال، وهو ماهية الشئ غير مفارقة له ولا يمكن أن توجد مستقلة وحدها، بل هي توجد في الأفراد؛ فلا توجد إنسانية إلا في الإنسان، وهكذا.

وقد شايع الفلسفة الواقعية كثير من الفلاسفة البارزين في العصر الحديث من أمثال: جون ستيوارت مل، وفرانسيس بيكون، وجون لوك، وجون أموس كومنيوس، وجان جاك روسو، وبستالوزي، ... كما ظهرت لها مدارس عديدة كالواقعية الإنسانية، والاجتماعية، والحسية، والطبيعية.

ولقد ساعدت نشأة أرسطو في نبوغه، واتساع أفقه، ومرونة تفكيره واتسامه بالإبداع وإعمال العقل، أكثر من الاتباع الأعمي لفكر الآخرين وحبس النفس في موروثات فكرية إنسانية قابلة للصواب والخطأ، الأمر الذي يعوق العقل عن أداء وظائفه. فقد ولد أرسطو سنة (384 ق.م - 322 ق.م) بإحدى المدن اليونانية القديمة المجاورة لمقدونيا على بحر إيجا، ثم نشأ في البلاط الملكي المقدوني، وذلك بحكم عمل والده كطبيب للملك امنتاس الثاني، كما كان لنشأته في عصر عاش فيه أفلاطون كواحد من الفلاسفة اليونانيين القدماء والبارزين، بل أكثر من ذلك انتقال أرسطو إلى أثينا والتعلم على يد أفلاطون مدة تقارب العشرين سنة، وهي السنوات المحصورة بين (367 ق.م) وهي السنة التي بلغ فيها أرسطو السابعة عشر من عمره والتي انتقل فيها إلى أثينا للالتحاق بأكاديمية أفلاطون إلى سنة (347 ق.م) وهي السنة التي مات فيها أفلاطون.

وكانت المدة التي تتلمذ فيها أرسطو على يد أفلاطون (العشرون سنة المشار إليها سابقاً) من أهم الفترات في حياة أرسطو، إذ شهدت هذه الفترة الكثير من المناقشات والمحاورات التي تمت بين أفلاطون وتلاميذه عامة وأرسطو منهم خاصة، الأمر الذي قام بدور كبير في تشكيل فكر أرسطو، وقد كان أرسطو متأثراً بوضوح بأساسيات الفكر عند أفلاطون، إلا أنه وفي كثير من الأحيان كان دائم الاختلاف معه حول بعض القضايا الجدلية، إلا أن هذا الاختلاف لم يفسد للود قضية بين الأستاذ وتلميذه، ولم ينتقص من احترام أحدهما لفكر الآخر، خاصة وأن كليهما ينشد الحقيقة ويبحث عنها بطريقته الخاصة، فهدفهما واحد وإن اختلفت الوسيلة للوصول لهذا الهدف.

وترك أرسطو فكراً رصيناً في كثير من المجالات المعرفية المتعلقة بالطبيعة وما وراء الطبيعة، كما كتب في السياسة والأخلاق وما يرتبط بهما من قضايا السعادة والواجب والمسئولية والخير، كما كتب في الأدب والفلك والمنطق والبيولوجيا وغيرها، ولقد أثرت هذه الكتابات في الكثيرين من الفلاسفة والمشتغلين بالفكر رغم اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، ولقد كان كل من الكندي والفارابي وابن سينا وابن مسكويه من أولئك الفلاسفة المسلمين الذين عرضوا بالشرح والتحليل والنقد لأفكار أرسطو، الأمر الذي أسهم في تكوينهم الفكري، وانعكس على معالجاتهم لكثير من قضاياهم الفكرية، خاصة فيما يتعلق منها بالقانون والأخلاق، كما تأثر به "توما الأكويني" كرجل دين مسيحي، بل إنه قد تأثر به كثيرون ينتمون إلى تيارات فلسفية أخرى، فلقد تأثر به تشارلز بيرس وجون ديوي كمؤسسين للفلسفة البرجماتية، كما تأثر أصحاب التيار التجريبي والطبيعي، فلقد تأثروا بفكر أرسطو تأثراً كبيراً، مما دفع البعض إلى تصنيفهم كمدارس تحتية للفلسفة الواقعية.

ولتحقيق المزيد من الفهم للفلسفة الواقعية فإنه سيتم العرض لأبعادها على النحو التالي:

 

(1) الميتافيزيقا الواقعية:

تنطلق الواقعية من مبدأ رئيسي هو أن مصدر كل الحقائق هو هذا العالم، فلا تستقي الحقائق من الحدس والإلهام، وإنما تأتي من هذا العالم الذي نعيش فيه وهو عالم الواقع أو عالم التجربة والخبرات اليومية.

فالمبدأ الرئيسي للفلسفة الواقعية يتمثل في أن المادة المكونة للأشياء هي الواقع الأقصى لتلك الأشياء، وأن لهذه المادة وجودها الحقيقي، ذلك الوجود القائم بذاته والمستقل عن العقل الذي يدركها، فهي موجودة في ذاتها وبذاتها، وأن هذا الوجود للأشياء غير مقترن بإدراك العقل لها، فكل ما يدرك العقل من كائنات وكواكب ونجوم وغيرها لا يحدد وجود هذه الأشياء لأن هذا الوجود أمر حقيقي وكائن قبل اكتشاف الإنسان لها، فهي لم توجد بمجرد الإدراك العقلي والحسي لها.

وتوصل أرسطو لهذا المبدأ بأن سأل نفسه سؤالاً بسيطاً هو: ماذا أرى؟ وكانت الإجابة أن هناك الأرض وما عليها من جبال وأشجار وطيور وبشر ونحو ذلك من ألاف الأشياء الأخرى، وإذا ارتقى الإنسان ببصره إلى السماء وجد الشمس والقمر والكواكب والنجوم. ولقد تساءل أرسطو عن الخاصية التي تجمع بين هذه الأشياء عامة، فوجدها جميعاً تشترك في أنها صنعت من مادة خام، بمعنى أن لكل منها جانب مادي، وعلى الرغم من أنها جميعاً تشترك في جانبها المادي أو ما أسماه أرسطو بالهيولة، إلا أن كل شئ من هذه الأشياء مختلف في طبيعته عن الأشياء الأخرى.

وقد أرجع أرسطو الاختلاف بين الأشياء إلى الطرق المتعددة والمختلفة التي تنتظم بها المادة حالة تكوين هذه الأشياء، فإذا كانت المادة هي أصل كل شئ وهي مبدأ الإمكان Principle of potentiality فإنها يمكن أن تشكل وتنظم بصور معينة لتكون نوعاً من الموجودات، وبدون المادة لا يوجد شئ فهي ضرورية لوجود الأشياء، غير أنها بمفردها وفقط لا تشكل شيئاً، ولكن لابد من الانتظام في صورة معينة ومحددة The stamp of from لكي توجد الأشياء وتتميز فيما بينها، ومن ذلك يقول أرسطو بافتراض المادة/ الصورة Matter/ From Hypothesis ويقضي هذا الافتراض أن الأشياء كما تتباين في الطرق التي تنتظم بها المادة حالة تكوينها، مما يؤدي إلى تمايز الأشياء وتباينها، فإن ثمة اختلافاً آخر يقع بين الأشياء في قدر كل من المادة والصورة من الشئ المحسوس، فالأشياء السفلي تغلب عليها المادة أكثر مما تغلب الصورة، فالأرض أقرب الأشياء إلى المادة النقية أو المادة الأولى الخالصة، وكلما ارتفعنا إلى أعلى سادت الصورة وغلبت على المادة، وهكذا كلما تحركنا من أسفل إلى أعلى فإن الأشياء تتحرك نحو صورة أكثر ومادة أقل، حتى يصل الأمر في النهاية إلى صورة خالصة بلا مادة وهي التي أسماها بالمحرك الأول أو الإله.

إذن كل موجود يتكون من هيولي (مادة) وصورة (شكل). والهيولي هي مادة الشيء الأولى وتكون خالية من التعيين والتحديد. أما الصورة فهي التي تجعل للشيء صفات يختلف بها عن غيره. وأكد أن هذين المفهومين منفصلان فقط بطريقة عقلية، فهما لا يوجدان منفصلين في خبرتنا، بل متحدين بالضرورة في كل شيء يتكون منه الكون، غير أنه يمكن تصور هيولي بدون صورة وهي الهيولي الأولى للكون، كما أنه قد توجد بعض الصور بدون هيولي، مثل النفس الإنسانية قبل اتصالها بالبدن وبعد انفصالها عنه. وأيضاً عندما نعلو فإننا نجد عقلاً خالصاً أو صورة خالصة Pure Form. وكموجودات إنسانية فإنه لا يتسنى لنا فهم تلك الصورة الخالصة، بل يمكننا فقط فهم الدور الذي يقوم به المحرك الأول المستقل عن العالم، محرك الكل، والمهيمن عليه دون ما حركة منه.

وهكذا يسير العالم في سلسلة من الترقي والدرجات، وهو في حركته تجذبه قوة الغائية؛ فالغاية قمة وحكمة الموجودات، وهي الصورة النقية المجردة وغاية الوجود وعلته الأولى والعليا المحركة له، التي تتحرك بها ونحوها كل الموجودات.

إذن بنى الواقعيون نظرتهم فيما وراء الطبيعة على مفهوم العلة، والعلة عندهم أربعة أقسام: علة مادية، وأخرى صورية، وثالثة فاعلة، ورابعة غائبة. وبين العلتين الفاعلة والغائية ارتباط، فالذي يصنع شيئاً ما فإنما يصنعه لغاية، وبدون العلة الفاعلة لن يوجد الفعل ولن تتحقق الغاية. وكذلك بين العلتين المادية والصورية تلازم، لأن المادة لا تنفصل البتة عن الصورة، فلا توجد صورة محسوسة إلا ولها مادة، ولن توجد مادة إلا وهي مصورة.

ولقد اتخذ أرسطو من الحركة المشاهدة في العالم دليلاً على وجود المحرك الأول؛ فالحركة ظاهرة تريد تفسيراً، وكل شيء متحرك لا بد أن يكون متحركاً بغيره ، ثم أن هذا المحرك هو الآخر متحرك بغيره مثل العصا التي تحرك الكرة ، وهي متحركة باليد ، واليد بالتالي متحركة بواسطة النفس وهكذا إلى مالا نهاية. ولكي يتم تفسير ظاهرة الحركة لا بد من الوقوف عند شيء يحرك الكل دون أن يتحرك هو ، فيكون هو العلة الأولى أو المحرك الأول. ولكن كيف يحرك الإله العالم دون أن يمسه.. إنه ليس بجسم.. ويرى أرسطو أن ذلك يتم عن طريق العلة الغائية فالإله يحرك العالم عن طريق شوق هذا العالم إليه ومحاولة التقرب من كماله.

نعود فنقول إن أرسطو ربط كل ما في الوجود من ثبات وحركة وحدوث وعدم بفكرتي "القوة" و"الفعل"، فقال أن الحركة والثبات والوجود والعدم الذي يحدث على الأشياء، لتدل على أنه لا بد من وجود علة أولى أو محرك أولى يحدثها ويقف خلفها، وأن هذه العلة أو القوة تحدث ما يطرأ على هذه الأشياء من تغييرات دون أن تتغير هي، ولما كانت الموجودات بالكون ممكنة الوجود – حيث وقعت بالفعل – فهي في حاجة دائمة إلى من يخرجها من حيز "الإمكان" إلى حيز "الوجود"، أو ما يخرجها من حالة الوجود "بالقوة" إلى حالة الوجود "بالفعل"، وهذا معناه أن الممكنات في حاجة إلى واجد وجود، وهذا الواجد للوجود غير واجد بغيره، وإنما هو واجب بذاته، فلا بد أن تنتهي الموجودات إلى واجد لهذه الممكنات يكون واجداً بذاته، وهو الواجد الأول والأوحد وهو "الإله".

(2) الطبيعة الإنسانية في الفلسفة الواقعية:

ينظر أرسطو إلى الإنسان كأحد الموجودات بأن له مادة هي الجسد كما له صورة وهي العقل، وأنه من خلال ذلك العقل يستطيع الإنسان المعرفة ويقدر على تنظيمها إلى فئات ومجموعات، وبه يستطيع الإدراك لما حوله من موجودات، وحيث أن الصورة في الإنسان أو العقل على درجة أرقى مما هي عليه في الموجودات الأخرى، لذا فإن الإنسان يقع في أعلى درجات سلم الترقي بين الموجودات.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة النشؤ والارتقاء بين الكائنات عند أرسطو، وذلك طبقاً لما هو كائن من اختلاف في علاقة الصورة بالمادة فيما بينها تختلف عن نفس الفكرة عند عالم البيولوجيا دارون، حيث تنفي تماماً فكرة أرسطو الارتقاء من نوع إلى أخر من الموجودات، حيث يقول أرسطو بأزلية وأبدية الموجودات، فالإنسان هو الإنسان منذ خليقته، ولم ينجم عن حيوان آخر أدنى منه من جراء الارتقاء الحادث في العلاقة بين الصورة والمادة، وإنما الارتقاء في نظر أرسطو هو الاتجاه في نفس الشئ من مادة أكثر وصورة أقل إلى مادة أقل وصورة أكثر، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من التحديد والتمايز بين الأنواع دون التحول من نوع إلى نوع آخر، في حين قال دارون بفكرة الارتقاء فيما بين الأنواع.

وإذا كان أرسطو قد تحدث عن مفهوم المادة والصورة كمفهومين منفصلين، فإنه يعني بهذا الانفصال البحث والدراسة، إذ أن المادة والصورة منفصلان فقط بطريقة عقلية، أما من الناحية الواقعية فلا يوجدان منفصلين، بل بالضرورة متحدين في كل الموجودات، وبالتالي فإن الصورة والمادة كما يشير لهما الروح والجسد في الإنسان يكونان طبيعة واحدة هي الطبيعة الإنسانية.

ولقد تأثر أرسطو بأفلاطون في تقسيمه للقوى التي تسيطر على النفس الإنسانية؛ حيث قسم أرسطو الموجودات إلى ثلاثة أقسام أو أنفس، فمن الموجودات ما يقف عند النفس النامية، وفيه تسير هذه الكائنات إلى تحقيق ذاتها والمحافظة عليها عن طريق الغذاء والتناسل، وتتمثل هذه الكائنات في النباتات، وهي أدنى الموجودات في سلم الترقي، ثم يأتي نوع أخر أرقى، وهو جملة الكائنات الحاسة، وهذه الكائنات تستشعر ما يهددها من خطر وتندفع إلى تجنب المخاطر، لذا فهي تحوي إلى جانب الغذاء والتناسل خاصية أخرى زائدة، وهي خاصة الإحساس، وتتمثل هذه الكائنات في الحيوان، فالحيوان يتغذى وينمو ويتكاثر كالنبات، ويتميز بالإحساس والشعور باللذة والألم وما يتبع ذلك من حركة ونشاط بحثاً عن اللذة وتجنباً للألم، وأخيراً هناك أعلى الموجودات في سلم الترقي وهو الإنسان وهو ذو نفس عاقلة، إذ يتمتع بالقدرة على التفكير والعمل على توظيف هذا التفكير بما يعود عليه بالنفع، والإنسان يحوي إلى جانب التفكير سائر الخصائص الأخرى المميزة للموجودات، إذ يتغذى الإنسان وينمو ويتكاثر ويحس بما حوله، إضافة إلى إعمال عقله من خلال الفكر.

ولما كان التفكير أخص خصائص الإنسان، فقد عرف الكثيرون الإنسان بأنه الكائن الحي العاقل أو المفكر، كما يرى أرسطو أن خصائص الإنسان من نمو وحس تفني بفناء جسده، إلا أن قوة العقل لا تفني فهي أزلية أبدية، جاءت للإنسان كفيض من خارجه ومن عقل أكبر هو العقل الخالص النقي وهو الإله، ثم تعود مرة أخرى من حيث جاءت وذلك بعد الموت، وأن ثمة تماثل يين العقل الإنساني والعقل الخالص النقي كتماثل الذرة في تركيبها بالمجموعة الشمسية رغم اختلاف الحجم بينما.

وعندما تطرق أرسطو إلى العقل الإنساني ربطة بفكرتي "القوة" و"الفعل" إذ أن للعقل الإنساني وجود بالقوة لدى جميع البشر، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، إلا أن هذا العقل لكي يقوم بدوره في الفكر والإدراك، لابد من أن يخرج من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل أو بتغيير آخر من حيز الإمكان أو الاستعداد لتحصيل المعرفة والعلم إلى حيز الفعل أي حالة التحصيل والعلم بالفعل، وبالتالي فإن ثمة وجود بالقوة وآخر بالفعل، فالطفل الصغير يحوي سائر أعضاء الجسد كالرجل الكبير، إلا أن بعضاً من هذه الأعضاء كالجهاز التناسلي لا تؤدي غدده وظائفها إلا عند البلوغ، فهي لها وجود بالقوة قبل البلوغ كأعضاء موجودة، ولها وجودها بالفعل بعد البلوغ كأعضاء تؤدي وظيفة وعمل، إذ تؤدي وظائفها عند هذه الفترة، ويمكن إعادة صياغة القول بوجود العقل بالقوة والعقل بالفعل بصورة أخرى وهي أن ثمة عقل قابل، ويقصد به العقل القادر على التفكير قبل أن يفكر الإنسان، والعقل الفاعل وهو ذلك العقل الذي يستخدم القدرة على التفكير والقيام الفعلي بعملية التفكير.

ويقسم أرسطو العقل الفاعل – العقل حالة ممارسته التفكير – إلى قسمين: أحدهما: يعمل على مستوى النفس النامية والحاسة، إذ يتعامل مع المستوى النباتي وما يتصل به من تغذية ونمو وتكاثر، ومع المستوى الحيواني وما يتصل به من حس وحركة وشعور، وهو يعمل على توجيه الإنسان توجيهاً يتفق والقانون الأخلاقي المعمول به في الجماعة، ويسمى هذا العقل بالعقل العلمي، وأما الآخر فيسمى بالعقل النظري وهو يعمل على مستوى التأمل في طبيعة الأفكار.

كذلك يعتقد الواقعيون أن الإنسان حر، وأن أفعاله تتم كما يختار هو في ضوء فهمه لأمور حياته، ولكن لحرية الإنسان حدود تقف عندها.

(3) المعرفة الواقعية:

إذا كان المثاليون يعلقون وجود الشئ على وجود العقل الذي يدركه، فإن الواقعيين بصفة عامة يرون أن للأشياء الخارجية وجوداً عينياً مستقلاً عن العقل الذي يدركها، فتلك الأشياء موجودة في ذاتها بصرف النظر عن وجود الذات العارفة أو المدركة.

ولا يعني هذا أن المعرفة صورة أو إدراك مطابق للعيان، أو هي انعكاس العالم الخارجي على العقل، أو أنها تفرض التسليم بالوجود الحقيقي للمدرك الحسي بغير اختبار نقدي، ولكن المعارف أو الأفكار كلها مكتسبة ومصدرها التجربة، أي أن الواقعيين رفضوا المعارف الأولية السابقة على التجربة أو الفطرة كمصدر للمعرفة. وقد ذهب جون لوك Locke إلى أن العقل الإنساني قبل التجربة يشبه صحيفة بيضاء فارغة، وأن التجربة هي التي تخط على هذه الصحيفة كل معرفة يعرفها العقل. وليس من المعارف الموجودة في العقل ما يمكن اعتباره فطرياً موروثاً يولد الإنسان وهو مزود به. إذ ليس في العقل شئ إلا وقد سبق وجوده في الحس أولاً.

وينتقد لوك العقليين القائلين بالأفكار الفطرية قائلاً: "إن الأفكار العقلية لا ترقى دليلاً على الوجود.. وجود أي شئ بل هي عبارة عن مجرد صور للوجود"، ويدلل لوك على مذهبه بعدم عمومية المعاني الفطرية لدى جميع الناس، وعنده أنه لو صح وجود تلك المعاني لكان قد تساوى في العلم بها الناس في كل زمان ومكان، غير أن مبدأ الذاتية لا يعرفه إلا قلة من الناس، وجهلة الأطفال مثلاً لا يعرفونه، فعقل الطفل في أطواره الأولى يكون خالياً تماماً من أية معارف عقلية. والملاحظ أن المبادئ العقلية تتكون في عقله بالتدرج كلما زاد نشاطه مع البيئة والتجارب المكتسبة منها. وأما المبادئ القانونية والخلقية فإن اختلافها باختلاف الزمان والمكان ليرقى دليلاً على عدم عموميتها.

(4) القيم الواقعية:

يري الواقعيون أن ثمة قواعد محددة تحكم السلوك الذكي Intelligent behavior. فعلى سبيل المثال، تسلك الموجودات الإنسانية سلوكها طبقاً لطريقة عقلانية منظمة Rational Way، ويكون السلوك عقلانياً مبرراً عندما يؤكد ويعضد الطريقة التي تعمل بها الأشياء في الواقع المادي. وعن طريق دراسة الأفراد للحقيقة الواقعية، والواقع عموماً يمكنهم تطوير نظريات مؤسسة على القوانين الاجتماعية والمادية والطبيعية. ولما كانت القوانين الطبيعية Natural Laws عالمية Universal, أبدية لا نهائية eternal، فإن القيم تكون من نفس طبيعتها لأنها تؤسس عليها.

ويشترك الواقعيون مع المثاليين في أهمية المعتقدات والتقاليد المتراكمة من جيل إلى جيل في ميراث الإنسانية باعتبارها تقريب لما هو حقيقي ومفيد بصفة نهائية ومطلقة، ومن ثم يجب أن يكون لتلك المعتقدات مكاناً في الخبرات المقدمة للتلاميذ.

والواقعيون على اتفاق بأن ثمة قيماً مطلقة لا تتغير، وأن على النظام التربوي غرس القيم الخلقية في ذاتها دون أن تتأثر باتجاهات المعلم نفسه. وعلى المعلم أن يشرح لتلاميذه القوانين الخلقية المتضمنة في أنواع معينة من السلوك حتى ينمو التلاميذ في مناخ من الفهم العقلي لتلك القوانين بطريقة ذاتية.

نحن إذن موجهون نحو العالم المادي الذي هو واقعي وموجود وهو بالتالي أساس القيم.

التطبيقات التربوية للفلسفة الواقعية:

عرض أرسطو - مؤسس المذهب المادي Materialism - لنظريته في التربية من خلال نظريته في السياسة Politics، وقد جاءت نظريته التربوية كجزء أخير من نظريته السياسية، وكان يرى أن الهدف الرئيس من فن الحكم هو تربية الناس أو تعليمهم الفضيلة. وفيما يلي عرض لأهم هذه التطبيقات:

(1) المبادئ العامة للتربية الواقعية:

وضع أرسطو بعض القواعد والتشريعات التي ينبغي أن يضعها المربون والمشرفون في اعتبارهم لخلق أفضل العناصر في المجتمع، ومنها:

-         يجب أن يختلف نوع التربية بالنسبة للمواطنين وغير المواطنين من حيث أن قدراتهم ووظائفهم مختلفة، وبقدر المستطاع فإن التربية المقدمة للمواطنين يجب أن تكون تربية عامة بينهما، وأن تربية غير المواطنين يجب أن تكون مهنية، وبمعنى آخر فإن الأولى تهدف إلى تكوين فضائل الرجل الخي، والثانية تهدف إلى إعداد غير المواطنين لمهنهم وأعمالهم.

-         يجب على النظام التربوي تدريب المواطنين على الطاعة وإعدادهم للحكم، كما يجب إعدادهم لقضاء وقت الفراغ الذي لا ينظر إليه على أنه وقت شائع مملوء بالتسلية والترويح، بل هو الوقت المملوء بالنشاط العقلي المتسم بالفضيلة، ومن هنا فإنه يجب تزويدهم بالمعلومات والقدرات والمهارات المطلوبة للعمل بأنواعه من خلقي وعسكري وسياسي.

-         يجب أن يتسلح المواطنون بالاتجاهات والمهارات المطلوبة للحرب، ولما كانت الحرب ليست لغرض العدوان بل بالعكس لغرض السلام فلابد من تسليحهم للسلام. وقد أعتقد أرسطو أن أسبرطة Sparta قد أخطأت عندما أعدت أبناءها فقط للحرب وللإمبراطورية، فإن عدم الاستعداد للسلام يكون مناسباً فقط في حالة الحرب، أما عندما يتحقق لها ما تريد فإن أفرادها سوف لا يجدون ما يفعلونه. فمن الخطأ النظر إلى "الفضيلة الخاصة بالشجاعة العسكرية" على اعتبار أنها الوحيدة من بين الفضائل الجديرة بالاهتمام.

-         يجب أن تراعي التربية حقيقة أن الأقل يخدم الأعلى بمعنى الاهتمام بالجسم لغرض الروح، والجزء غير العقلي من الإنسان في سبيل الجزء الروحي منه، والذكاء العملي في سبيل النظري وهكذا.

-         أن تربية الجسم تسبق تربية الروح.

-         العقل والجسم يجب أن يوضعا للعمل في وقت واحد حيث أن نتائجهما متعارضة.

-         التأكيد على تكامل طريقة الممارسة، والتعلم اللفظي، مع ضرورة الاهتمام بأن تسبق الأولى الثانية.

(2) الدولة والتربية:

لا يمكن تصور أي برنامج تربوي ناجح يتم بواسطة الفرد أو الآباء دون إشراف الدولة. فالنظام التربوي يتطلب أحكاماً وقوانين تطبق على الكبار كما تطبق على الصغار، وهو يخضع في كل ذلك إلى جزاءات محددة ومناسبة. ومن ثم فإن تدخل الدولة مطلوب لنجاح أي برنامج تربوي.

والتربية الأسرية، والتربية الخاصةPrivate Education   مطلوبة في حالة عدم اهتمام الدولة بالتعليم. فإن الوالد أو الأسرة في تلك الحالة عليها أن تعلم طفلها بطريقة خاصة، والتربية الخاصة لها ميزة عن التعليم العام من حيث هي أكثر تكيفاً مع حاجات التلميذ الفرد.

وعن طريق إشراف الدولة على التعليم والمدارس يمكن نقل العاملين بين مجالات الزراعة والتجارة والصناعة. وعلى المواطنين أن يتعلموا ضرورة إطاعة القوانين وأن يكونوا وحدة اجتماعية Social Unity  ولم يتم ذلك بدون إشراف الدولة على التعليم.

(3) النظام التربوي عند أرسطو:

ينقسم النظام التربوي عند أرسطو إلى خمسة أقسام أو مراحل هي:

أ- المرحلة الأولى (السنوات الثلاثة الأولى): وهدفها الأساسي موجه نحو النمو الجسمي والصحي، وعلى المشرفين على الأطفال تدريبهم على الحركات البدنية البسيطة وألا يدخروا وسعاً في استخدام الطرق التي تفيد في حفظ البدن بطريقة مناسبة.

ب- المرحلة الثانية: مكملة للأولى وتستمر حتى سن الخامسة، وفي تلك المرحلة لا يزال الاهتمام بالنمو الحركي والجسمي والمناشط التي تفيد في ذلك بعيداً عن الدروس أو أي متطلبات أخرى من الطفل، وتلعب تلك المرحلة دوراً تمهيدياً للمرحلة التي تليها.

ج- المرحلة الثالثة: وتستمر من الخامسة إلى السابعة، وهي تهتم بالمناشط التي كانت موجودة بالمراحل السابقة من حيث النمو الجسمي بالإضافة إلى تعريض الأطفال لملاحظة الآخرين في الدروس التي يتلقونها والتي سوف يقومون هم أنفسهم بتعليمها في مرحلة قادمة. وهم يتعلمون ذلك بطريقة الملاحظة Watching.

د- المرحلتين الرابعة والخامسة: وتستمر من سن السابعة حتى سن الواحدة والعشرين، وأثناء تلك المرحلتين فإن الأطفال يتعرضون لتربية عامة مع ضرورة وجود نوع من التدريب. وفي السنوات الثلاث الأولى تركز الدراسة على دراسات أكاديمية، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة جادة من التربية البدنية والتدريب العسكري حتى سن الواحدة والعشرين.

وأغلب الظن أن ثمة مرحلة سادسة، هي مرحلة عليا من التربية تتم فيها دراسة العلوم الطبيعية، والرياضيات، والمنطق، والميتافيزيقا، والأخلاق، والسياسة.

(4) هدف التربية:

التربية تعتمد على الطبيعة، ومن ثم فإن التربية يجب أن تهدف إلى سد الفجوات التي تحدث في الطبيعة، والتربية كأي نشاط إنساني آخر تهدف إلى الوصول إلى السعادة Happiness، ولما كان من غير الممكن الوصول إلى السعادة بدون ممارسة الفضيلة، وكان لا يمكن ممارسة الفضيلة بدون استخدام العقل Logos، فإن التربية تعتمد أساساً على القرارات العقلية والخلقية التي يقوم بها الجنس الإنساني، كما يجب أن تهدف التربية إلى فهم العالم الطبيعي Natural universe (الواقع المادي المحسوس كما هو) وبصفة كلية وليس في جزئياتها من أجل فهم القوانين العامة والنظم التي تحكمها.

ومهمة التربية أن تساعد على تكوين الاتجاهات المساعدة على تكوين الفضيلة والعمل بها، كالاتجاهات نحو العدالة والشجاعة والحرية وقول الصدق...إلخ وهذه الاتجاهات ضرورية ومطلوبة لأداء الأنشطة التي هي وسائل لتحقيق السعادة للفرد وللمجتمع، ولما كانت تلك الاتجاهات ليست فطرية بل متعلمة وكان إسهام الطبيعة فيها قليل، فإن التربية هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحققها.

(5) المعلم والمتعلم:

يرى الواقعيون أن المدرس يجب أن يكون حريصاً على الدقة وعدم الوقوع في الخطأ، وأن مهمته الأساسية هي مساعدة الطلاب على معرفة الحقيقة والواقع، وخلق نوع من التكيف بينهم وبين الطبيعة ومتطلباتها. والمدرس عبارة عن وسيط بين التلميذ والطبيعة، لابد أن يعلم الطبيعة في وجوهها المختلفة، ثم مساعدة الطلاب على معرفتها أو نقلها وتقديمها إليهم بطريقة فعالة نظامية. ومن الضروري أن يكون المدرس حيادياًNeutral  بقدر الإمكان ليساعد حقائق المعرفة عن الكون والعالم أن تنتقل كما هي للتلاميذ.

وللمتعلم كذلك دور نشط إيجابي إذ إنه يستخدم حواسه في تطبيق ما يتعلمه.

(6) المنهج وتنظيم المقررات:

حدد أرسطو أربعة مواد أساسية يتشكل منها المنهج الخاص بتربية المواطنين، وتلك الموضوعات هي القراءة والكتابة، التربية البدنية للرقي بصحة الطفل العامة، والموسيقى لتنبيه شخصيته وروحه، والرسم الذي يساعد الطفل على تشكيل أو تكوين أحكام صحيحة على الموضوعات الفنية المختلفة، والرياضيات مهمة ولكنها موجودة خارج المنهج.

وبالنسبة لغير المواطنين فإن الاهتمام موجه للتربية الخلقية، والتربية المهنية التي تساعدهم على القيام بمهامهم كأرباب حرف، أو ربات بيوت أو عبيد.

كذلك يعتقد الواقعيون ضرورة وجود منهج منظم ذو موضوعات منفصلة لكنها متكاملة، وهذه هي الطريقة المثلى للتعلم عن حقائق الواقع. وتنظيم الموضوعات داخل المنهج يجب أن يتم عن طريق متخصصين. وعلى سبيل المثال، فإن خبرات الإنسانية السابقة يمكن أن يتم تنظيمها في علم التاريخ. والنباتات يمكن دراستها بطريقة نظامية طبقاً لتصنيفها في عائلات. أما وحدات المنظمات السياسية كالأمم والحكومات والمنظمات ونظم العدالة يمكن أن يتم تصنيفها في العلوم السياسية. مع التنبيه أن الواقعيين يرون أن طريقة الحصول على المعرفة فيما يتعلق بالحقيقة يكون من خلال البحث النظامي للموضوعات المطروحة.

(7) طرق التدريس:

ميز أرسطو بين طريقتين في التربية، هما: طريقة الممارسة Practice وطريقة التعليم اللفظي Verbal Instruction، وهو يرى أن اكتساب بعض الفضائل يعود ولو في قدر ضئيل منه على تكرار وممارسة الفعل أي ما يسمى التعلم بالعمل Learning by doing. وعنده أن الفضائل العقلية يتم تكوينها وتنمو بواسطة التعلم، ومن ثم فهي تتطلب خبرة ووقتاً، بينما الفضائل الخلقية نتاج الممارسة والتكرار والتعود ويسهم التدريس فيها بقدر ضئيل.

والممارسة كما يرى أرسطو يجب أن تسبق التعلم اللفظي فيما يتعلق بالتربية الخلقية Moral Education. فإننا نفترض أن أنماطاً معينة من السلوك موجودة في الآباء والمدرسين وأن القوانين التشريعية تتضمن قواعد محددة في العقل تعمل على تحقيقها باستخدام أساليب المدح والذم والثواب والعقاب. ويرى أرسطو أن برنامجاً للتربية الخلقية يجب أن يتدرج بالطفل ليعلمه تشكيل وفعل ما هو صواب، وتجنب فعل ما هو خطأ، يغرس فيه حب الأولى، وعدم الرغبة في فعل الثانية، وتلك مقدمات لا غنى عنها في رأي أرسطو للنمو الخلقي.

(8) الوسائل التعليمية:

أثار كومنيوس Comenius دهشة الدوائر التربوية باقتراحه استخدام الوسائل التعليمية والصور في تعليم الأطفال في المدارس، ثم ما لبث أن جاء بستالوزي Pestalozzi داعياً إلى عدم الاقتصار على الصور كوسيلة تعليمية، بل دعى إلى الاهتمام باستخدام الأشياء الحقيقية Real things، إذن يجب أن يدور الدرس أو الخبرة التعليمية حول موضوع مادي، سواء كان داخل حجرة الدراسة، أو تتم ملاحظته خارج الفصل بواسطة التلاميذ، ومن ثم يمكن القول أن كومنيوس ويستالوزي يقفون على رأس خط الواقعين التربويين الذي كان اتجاهم نحو وضع المتعلم في عملية اتصال حسي محسوس مباشر مع العالم.

والواقعيون أيضاً يتجهون إلى تفضيل الزيارات الميدانية Field Trips والموضحات العملية، كما أنهم يستخدمون نظرية الاتصال بطريقة شبه مباشرة عن طريق استخدام الوسائل التعليمية Audio Visual Aids مثل الصور والأفلام وشرائط الكاسيت والتليفزيون والتي تعد وسائل لاستثارة العالم الحقيقي بطريقة واقعية غير رمزية، ومن هنا فإن هذه القنوات من الاتصال مع العالم الواقعي تمثل عند الواقعين توافق جهد بين الانتقال بالتلاميذ من البيئة المدرسية إلى رحلة خارجها، ومن ثم نرى أن الوسائل التعليمية تحتل مكانة مهمة في التعليم في نظر الواقعيين.

(9) الأنشطة والخبرات التعليمية:

لما كان الواقعيون يؤسسون نظريتهم في المعرفة على التصور أو الإدراك الحسي، لذا فإن خبرات التلاميذ المدرسية يجب أن تنظم بقدر المستطاع حول الأنشطة التعليمية التي يمكن التعامل معها بطريقة حسية، ومن ثم فإن الواقعيين يصرون على ضرورة احتكاك المتعلم بقدر قليل من القراءة ويفضلون احتكاكه بالخبرات المباشرة.

وإذا كانت الخبرات المباشرة تمثل أهمية خاصة في نظر الواقعيين، فإن التوضيحات العملية التي تتم في الفصل أو في حجرة الدراسة بواسطة المدرس أو التلاميذ أنفسهم هي بالضرورة وسيلة تعليمية حيوية.

 

 

نشاط:

فسر صحة أو خطأ العبارات التالية في ضوء دراستك للفلسفة الواقعية:

-              المادة المكونة للأشياء هي الواقع الأقصى لتلك الأشياء.

-              المعلم وسيط بين الطالب وبيئته.

-              تربية الجسم تسبق تربية الروح.

-              لكل الأشياء هيولى واحدة وصور متعددة.

-              المعرفة الحقيقية هي التي تناظر العالم كما هو.

-              للعالم وجود مستقل عن فكر الإنسان عنه.

-              تهدف التربية الواقعية إلى تكوين الاتجاهات المساعدة على العمل بالفضيلة.

-              تهتم الواقعية بدراسة الرموز.

-              التأمل العقلي هو سبيل إدراك المعرفة العملية.

-              الإنسان نتاج للارتقاء أو التطور البيولوجي من نوع لآخر.

 

 

الفصل الرابع:

الفلسفة البراجماتية والتربية

مقدمة:

البراجماتية من الفلسفات التقدمية المعاصرة التي ينسب الكثير لها فضل تقدم كثير من المجتمعات الغربية، إذ نادت بضرورة تطبيق المنهج العلمي في كل وسائل الحياة وإخضاع جميع قضايا المجتمع للبحث العلمي.

وتعد البراجماتية تعبير صادق عن المجتمع الأمريكي وثقافته، ولقد نشأت تلك الفلسفة في أمريكا على يد بعض من الفلاسفة الأمريكيين أهمهم: تشارلزبيرس Perice (1839-1914)، ووليام جيمس James (1842-1910)، وجون ديوي Dewey (1859-1952). ويعتبر جون ديوي من أهم أعلام الفلسفة البراجماتية، وقد كان لآرائه التربوية في الولايات المتحدة الأمريكية عظيم الأثر، وقد ألف ديوي كثيراً من الأعمال والمراجع العلمية مثل: عقيدتي التربوية My Pedagogic Greed ، والمدرسة والمجتمع School and Society، والطفل والمنهج The Child and the curriculum، والخبرة والتربية Experience and Education، والديمقراطية والتربية Democracy and Education، والتربية اليوم Education Today.

ولقد كان للظروف المجتمعية التي سادت المجتمع الأمريكي في بدايات الهجرات الخارجية إلى أمريكا عقب اكتشافها أثر كبير في تكوين المبادئ الرئيسة للفلسفة البراجماتية. ولقد كان أغلب المهاجرين الأوائل إلى أمريكا - باعتبارها عالماً جديداً من هؤلاء - يبحثون عن مجتمع ينقلهم من ظروفهم الحياتية العصيبة ببلادهم الأصلية (حيث الرأسمالية والإقطاع والطبقية المغلقة والاضطهاد الديني) إلى ظروف أفضل (حيث البحث عن العيش في ظل حرية كاملة خاصة في مجال العبادة).

ولقد ورثت الأجيال المتعاقبة من المهاجرين عن الرواد الأوائل ممن سبقوهم الجرأة والإقدام، والاعتماد على النفس، والرغبة في الكشف والمغامرة، واستخدام العقل البشري في تسخير الطبيعة، واحترام العمل اليدوي في كسب المعاش، والاعتماد على النجاح المادي الملموس كمعيار للحكم على صحة السبل المتبعة، وهذه الصفة الأخيرة تعد جوهر الفلسفة البراجماتية.

والبراجماتية Pragmatism مصطلح فلسفي يعني لغوياً ما هو عملي، كما أنها تستخدم لوصف كل النظريات أو الممارسات التي تؤكد على النتائج والغايات وما يعود منها من نفع (ربط الحقيقة بما يترتب عليها من نفع)، وذلك من خلال تجريبها وإعمالها في الواقع الحياتي، ولقد صيغت مترادفات عدة للمفهوم، كان من أهمها النفعية أو الذرائعية، وذلك من جراء تأكيد هذه الفلسفة على أن صدق الأفكار رهن بما تجلبه من نفع جراء استخدامها، أو ما تؤدي له من ذرائع (فوائد)، كما أطلق البعض عليها الوسيلية أو الأداتية، وذلك باعتبار أن الوسيلة أو الأداة تكون ظروفاً منطقية للأحكام والاستنباطات العقلية التي تساعد في الوصول إلى الغايات والأهداف المنشودة، كذلك كان من مترادفاتها التجريبية Experimentalism، والفلسفة العملية او الوظيفية.

ولما كانت البراجماتية ذات علاقة بالتغير، فإن البعض يرجع أصل هذه الفلسفة إلى زمن هيرقليطس الفيلسوف اليوناني القديم (535-475 ق.م) الذي آمن بفكرة التغير المستمر ودافع عنها، وأكد في آرائه أن الحقيقة الثابتة المطلقة لا وجود لها.

وتجدر الإشارة إلى أن البراجماتية رغم نشأتها بالمجتمع الأمريكي لم تكن هي الفلسفة الحاكمة فقط لهذا المجتمع عبر تاريخه، بل إن هناك فلسفات أخرى حاولت ونجحت ولو نجاحاً نسبياً في الذيوع والانتشار والتأثير الفكري بالمجتمع، ففي القرن التاسع عشر ذاع وانتشر الفكر الفلسفي المثالي على الساحة بالمجتمع الأمريكي، ولقد انتقل هذا الفكر مع بعض المهاجرين الأوربيين، وعلى وجه التحديد أولئك النازحين من ألمانيا، إذ أعجب بعض الكتاب الأمريكيين بالفلسفة المثالية الألمانية التي قدم لها (كانط) و(هيجل)، الأمر الذي دفعهم إلى تبني فكرها وتعزيزه.

ولقد كان من العسير على الفكر الفلسفي المثالي أن يظل على قوته وتأثيره في ظل ظروف مجتمعية تقوم على دوافع وطموحات تمقت الطبقية، وتنشد التحرر من سيادة طبقة ما على أخرى بحكم مزاعم أنه تغلب عليهم قوى معينة – عاقلة أو غضبية أو شهوانية كما قالت المثالية -، وتنمطهم تبعاً لها في فئة معينة لا يستطيعون منها فكاكاً، كما أن الثورة الصناعية وما واكبها من مكتشفات علمية كقوة البخار فالكهرباء وغيرها مما مهد إلى حتمية التغيير في كثير من جوانب الحياة وظروفها، بل إن ذلك قد عزز الفلسفة البراجماتية التي هي أقرب إلى روح العصر وما يتسم به من منهج علمي، في حين أضعف من التيار الفلسفي المثالي، خاصة وأن الاعتماد على العلم في حل المشكلات الفردية – كالمشكلات الصحية التي تصيب بعض الأفراد- أو الجماعة كالتغلب على المجاعات والبطالة وغيرها قد أصبح ضرورة لازمة، بل إن الكثيرين أقبلوا على تلك الدراسات العلمية المعملية، وذلك لمحاولة إيجاد صيغ أكثر نفعاً لأعمالهم الحياتية، هذا فضلاً عن الاطمئنان لنتائجها تجريبياً، بحكم إخضاعها للدراسة والتجريب.

وعلى الرغم من سيادة الفلسفة البراجماتية وتراجع الفكر الفلسفي المثالي، إلا أن تأثير الفكر المثالي ظل مؤثراً بعض الشئ على نظيره البراجماتي، فعلى سبيل المثال عَرَّف بيرس - باعتباره واحداً من الرواد الأوائل للفكر البراجماتي - كلمة البراجماتية في إطار ما درس من فكر مثالي للفيلسوف المثالي (كانط).

وتعد الفلسفة البراجماتية من أكثر الفلسفات التي اقتربت – كفلسفة – من العلم، فبعد أن كانت الفلسفة وما تتطلبه من تفكير يعتمد على التأمل والتجريد ومعالجة القضايا الكبرى، ظهرت الفلسفة البراجماتية برؤيتها إلى ضرورة التوجه نحو الفعل أو العمل، والتفكير في القضايا الفلسفية في إطار علمي وبمنهج تجريبي، وأنه على الفلسفة كي تخرج مما وضعت نفسها فيه من الدوران في حلقة مفرغة، أن تأخذ بمقومات التفكير العلمي ومبادئه، وما يقوم عليه من ملاحظة وتجريب وخبرة، وخاصة أنه لا تعارض بين الفلسفة والعلم، حيث يبدأ كل منهم من حيث انتهى الآخر، بل أصبحت الفلسفة علوماً أكاديمية بالجامعات والمعاهد العلمية. كما أصبح لكل علم فلسفته وغاياته البعيدة التي يعمل على تحقيقها، أو بتعبير آخر أصبح لكل علم فلسفته الخاصة.

وقد عزز من عملية محاولة اقتراب البراجماتية بالفلسفة من العلم، أن كثيراً من رواد الفلسفة البراجماتية – وبحكم اهتماماتهم العلمية – قد حاولوا مزاوجة ما هو عملي انطلاقاً من تشبع عقليتهم بما هو تجريبي معملي وما هو فلسفي نظري، وذلك امتداداً لدراساتهم المنطقية، واهتماماتهم بالتفكير وطرائقه وما يعصمه من الشطط أو الخطأ، وما يضمن له السير في طريق الصواب، كما أن الكثير منهم رأى أن المعنى المجرد أو المدلول العقلي للمفاهيم لا قيمة له إن لم يكن له تأثيره المقصود في واقع الحياة، وبذلك ارتبطت تلك المفاهيم المجردة بالتجربة، خاصة وأن المفهوم من هذا المنطلق إن لم يكن ناجماً عن تجربة أو مفسراً لها، فلا يمكن أن يكون له تأثيره المباشر في واقع الحياة.

إن البراجماتية باقترابها من العلم ومنهجه تأثرت بالمنهج العلمي كما أثرت فيه، فعلى سبيل المثال لم تقف البراجماتية من مبدأ الحتمية كأحد مبادئ التفكير المنهجي العلمي وقفة الكثيرين حتى من رجال العلم، حيث يربط هذا المبدأ بين العلة ومعلولها، بحيث إذا ما وجدت العلة وجد معلولها، أو بتعبير آخر إذا ما وجدت الأسباب فإنها تفضي إلى نفس النتائج، إلا أن البراجماتية أقرت بأنه لا توجد حتمية مطلقة، فعلى سبيل المثال لا يؤدي وجود السحب فقط إلى هطول المطر، وإنما لابد من توفر جملة من الشروط والعوامل الأخرى كي تؤدي الأسباب إلى النتائج، وإذا ما أمكن التحكم في هذه العوامل أمكن توجيه النتائج وجهة معينة، وبالتالي فقد حلت نظرية الاحتمالات محل الحتمية، كما سعى الإنسان إلى زيادة مقدرته على التحكم في هذه العوامل بما يمكنه السيطرة على النتائج بحيث تكون في صالحه، مؤدية إلى نفع له، أو دافعة عنه الشر، وبالتالي ظل الإنسان في تفاعل مستمر مع ما يواجه من ظواهر أو يصادف من مشكلات.

وفيما يلي عرض للمباحث الرئيسة للفلسفة، وأهم التضمينات التربوية لها.

 

 

1- الميتافيزيقا والبراجماتية:

يقل اهتمام البراجماتيين بالجانب الأنطولوجي (علم الوجود)، بل ترفض اعتبار ما وراء الطبيعة من المباحث التي تدخل ميدان الفلسفة، لأنها المسائل المتعلقة بها لا يمكن حلها أو الإجابة عنها ببساطة، لأنها تسمو فوق خبرة الفرد ولا يستطيع الإنسان أن يعرف شيئاً خارج نطاق خبراته. ومن ثم تؤمن البراجماتية بالوجود المادي وحده، لأنهم يعتقدون البحث في المسائل المتعلقة بالقضايا الكبرى مثل الوجود والكون مضيعة للوقت، لأن أي نتائج يتوصل إليها أي باحث فيها ليست لها معنى، لأنها لا تعدو أن تكون مجرد تخمينات أو تكهنات.

وتعتقد البراجماتية في أنه لا يمكن معرفة شئ ما إلا من خلال مدركات حواسنا وخبرتنا الحسية بهذا الشئ، ويقول البراجماتيون بأن العالم ليس متوقفاً على فكرة الإنسان عنه (خلافاً للمثاليين)، كما أنه غير مستقل عن ذلك الإنسان باعتباره الذات المدركة لهذا العالم (خلافاً للواقعيين).

وحيث إن التغير هو جوهر الحقيقة، فإن الحقيقة ذاتها ليست خارجة عن الإنسان، بل هي مخلوقة بتفاعل الكائن الحي الإنساني مع بيئته، فالواقع إذن هو حصيلة ما يخبره الإنسان عن ذلك العالم. ورغم أن عملية تفاعل الكائن الحي مع بيئته تتضمن قدراً من المعاناة، إلا أنها تعد أمراً مرغوباً خاصة عندما ينجم عنها تأثير للكائن الحي في بيئته وبما يؤدي إلى تغيير هذه البيئة، الأمر الذي يقود ويدفع الإنسان على جملة من الاستجابات والتفاعلات مع بيئته الجديدة –البيئة بعد أن أصابها شئ من التغير- وذلك بهدف محاولة التكيف مع النتائج التي أدت لها التغييرات الجديدة، هذا بالإضافة إلى تسخير هذه البيئة الجديدة لخدمة الإنسان والعمل على جلب مزيد من الفوائد والميسرات الحياتية، وعملية التكيف هذه تستلزم من الكائن الحي ذكاء وتفكيراً ونشاطاً بصورة مستمرة، وهذه العملية تؤدي بدورها إلى مزيد من الخبرة والتراكم الخبراتي من جانب، كما تؤدي إلى مزيد من النجاح جراء الإحساس بالنتائج الإيجابية التي تعود على الفرد نتيجة نشاطه من جانب آخر.

2- الطبيعة الإنسانية عند البراجماتية:

تؤمن البراجماتية – كما سبق - بأن التغير سمة أصيلة في الواقع المعاش، وعلى الإنسان أن يكون – ومن خلال مرونته- مستعداً بصورة دائمة ومتأهلاً لتغيير طرقه وأساليبه التي يتبعها حاضراً، بل ينبغي عليه من حين لآخر أن يراجع هذه الطرق والوسائل، وذلك بهدف العمل على تغييرها لتحقيق المزيد من الإنجازات في مجال عمله؛ لذا فإن البراجماتية ترى أن الطبيعة الإنسانية مرنة وطيعة في أساسها، قابلة للتغير وباستمرار، كما أن الإنسان مشغول دوماً بإعادة بناء خبراته الخاصة وتعديلها، وإذا لم يسعَ الإنسان لذلك، تخلف عن بيئته ومجتمعه، بل وأصابته أزمة المصير، أو ما يعرف بالتدهور في منتصف العمر.

وبذلك يرفض معظم البراجماتيين النظرة القائلة بأن الإنسان روحاني، بل يؤكدون أنه كائن معقد جداً؛ فالكائنات الإنسانية Human beings، هي كائنات بيولوجية لكنها في ذات الوقت كائنات اجتماعية Sociological، تنمو وتتطور من خلال الخبرة واحتكاكها بالبيئة وهذا هو الذي يُحدث التعلم أو ما يعرف بالتعلم من خلال الخبرة Learning through experience. وعى هذا، فالإنسان حر الإرادة يمكن له تغيير أنماط حياته بالعمل معتمداً على العقل.

1-    الأبستمولوجيا البراجماتية:

يقرر كثير من الفلاسفة أن المعرفة فطرية عقلية خالصة، أي بعيدة عن التجارب المادية والخبرة العملية التي تستوجب إعمال الحواس وتدخلها، وهذا الأمر من وجهة نظر البراجماتيين يعيب المعرفة، إذ يلحق بها بعضاً من جوانب القصور التي ترجع إلى قصور الحواس ذاتها، وهم يبرهنون على ذلك القصور من خلال أن الحواس قد تنقل شيئاً ما على أنه موجود رغم عدم وجوده، كحالة العين عندما تنقل السراب على أنه ماء وليس بماء، كما قد تعجز الحواس عن أن تنقل شيئاً ما رغم وجوده كالتيار الكهربي حال انسيابه في سلك، أو أن تنقل شيئاً على هيئة معينة مخالفاً لحقيقته، كأن تنقل ملعقة موضوعة في كوب ماء على أنها مكسورة عند سطح الماء (ظاهرة الانكسار الضوئي)، وذلك على الرغم من أنها سليمة.

لكن البراجماتيين يختلفون عن سابقيهم في صدد المعرفة وصلاحية الحواس في اكتسابها، فيقررون أن الفكر بذاته فقط لا يمكن أن يقدم معرفة؛ لذا لا غنى عن الملاحظة أو التجريب أو الاثنين معاً، حيث إن المعرفة تتوقف على الذات المدركة، والشئ المدرك، والإدراك ذاته وهو حالة التفاعل والعملية الوسيطة بين الذات المدركة والشئ المدرك، وبالتالي فإن المعرفة أو الحقيقة reality عندهم متغيرة باستمرار، وهي مكتسبة ونابعة من التجربة ومن الخبرة. ومن ثم، فليس ثمة معارف مطلقة absolute، أو دائمة permanent، بل إن ما يلاحظ وما يتم الاحتكاك به خلال الخبرات هو الواقعي Real. ويوجه البراجماتيون النظر أنه لكي نتمكن من التعامل مع هذا العالم المتغير ، فإننا بحاجة لأن نطور وسائل للتعامل مع المشكلات التي تظهر بسبب التغير.

ويرى البراجماتيون أن استخدام التفكير العلمي في حل المشكلات التي تواجه الفرد، ونجاح التفكير في حلها يؤدي إلى إكساب المزيد من المعرفة وتفهم البيئة فهماً أفضل، أما نقل الحلول الجاهزة والصيغ المسبقة لقوالب معرفية معينة، دون توظيفها أو إعمالها في الواقع الحياتي، فهو أمر غير مرغوب وبذلك يجب على النظم أن تشجع على الاكتشاف والتجريب.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول أن المعرفة البراجماتية تقوم على المسلمات الآتية:

-                ليست المعرفة قبلية أو سابقة على التجربة، بل إنها نابعة من الخبرة وثمرة لها.

-                المعرفة مؤقتة وليست نهائية، وعرضة للتغير، ومن ثم فإن الاهتمام يكون بعملية استخدام المعلومات أكثر من الاهتمام بها كحقائق أو معارف تتسم بالدوام والثبات.

-                ليست المعرفة تراكمية، وإنما قيمتها تكمن فيما تتضمنه من فروض توضع موضع التجريب.

-                النظرية هي مجرد فرض تثبت مواقف الحياة إثباته.

-                من المهم والضروري تطبيق منهج البحث العلمي على كافة مجالات التفكير. ويؤدي التنفيذ الإجرائي لذلك أن تكون المعارف والأخلاق ملائمة لظروف الحياة المتغيرة.

-                محك الفكرة الصحيحة أو الحكم الصادق هو المنفعة وليس حكم العقل. الحق إذن ليس مجرد صفة عينية توجد في الفكرة بل هو في قابلية الفكرة نفسها لأن تكون أداة سلوك عملي ملموس ونافع.

-                المعرفة أداتية أو وسيلية، وتُكتسب من خلال أدوات ووسائل عديدة، منها:

أ‌-     الخبرة: وتعني تفاعل الفرد مع مواقف حياتية معينة (بما تشمله هذه المواقف من زمان ومكان وأفراد وعلاقات وأشياء معينة) وما ينشأ عن هذا الموقف من استجابات وردود أفعال نتيجة ما يحدث من مثيرات خلال عملية التفاعل.

ب‌- الطريقة التجريبية: فالتربية عند البراجماتيين لا تخرج عن كونها عملية تجريبية Exprimental Process، بما يؤكد استخدام طريقة حل المشكلات التي تفرض تحدياتها كلما تفاعل الناس مع عالمهم. وأكثر الطرق ذكاء في حل المشكلات استخدام الطريقة العلمية.  

ت‌-التفكير والبحث: وقد وضع له جون ديوي خطوات معروفة ومحددة تهتم كلها باستخدام الذكاء البشري في تغلب الفرد على المشكلات الناتجة عن نشاطه وتفاعله مع بيئته.

2-    الأكسيولوجيا البراجماتية:

تقوم البراجماتية على مسلمة بأنه ليس ثمة قيم مطلقة أو مبادئ ثابتة، فكل ذلك يتغير لارتباطه بالحياة. وترى البراجماتية أن الأشياء والأعمال تستمد قيمها من النتائج المترتبة عليها والمتولدة عنها، فكل ما يؤدي إلى أو ينجم عنه نتائج مرغوبة فهو خير، وأن ما يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة فهو شر، وبالتالي تعد نتائج الأشياء معياراً لقيمتها من ناحية، كما أن الشعور والارتياح لشئ ما يعد معياراً آخر يدل على أن هذا الشئ ذو قيمة من ناحية أخرى.

وإذا كان الشعور بالرضا والارتياح لشئ ما يدل على أنه ذو قيمة، إلا أن هذا ليس بمطلق، فليس كل شعور مصحوبا بالارتياح والرضا لإشباع رغبة ما يكون في ذاته قيمة، وبالتالي فلا يجب أن تخضع كل النزعات والميول أيا كانت للحكم بقيمتها والعمل على تبنيها، كما يجب أن لا تساير التربية كل ميل عارض يظهره المتعلم، بل إن الميول والنزعات ذاتها يجب أن تخضع للمعيار التجريبي، وذلك للحكم عليها على أساس النشاط والأثر الذي تقضي إليه في خبرة كل من الأفراد والجماعات، فالنزعات التي لا تنتج إلا نشاطاً يجلب ارتياحاً وقتياً عارضاً لفرد ما، مع أنه يفضي إلى متاعب للآخرين في ذات الوقت غير جدير بالتبني والعمل على تحقيقها، وكذلك الرغبات التي يعوق تحقيقها رغبات أثبت منها وأبعد أثراً في حياة الفرد أو الجماعات.

فنسبية القيم إذن تعني أن جميع القواعد الخلقية والجمالية عرضة للتغير عبر التطور الثقافي، ولكن لا يعني هذا تذبذب الاتجاه الخلقي من يوم لآخر؛ فما يؤكد عليه البراجماتيون هو أنه لا توجد قاعدة سلوكية ملزمة بطريقة شاملة بغض النظرعن الظروف التي تمارس في نطاقها. فالقتل حرام ولكن قد يكون مشروعا في بعض الأحوال. ومن ثم ينبغي أن يتعلم الطفل كيف يتخذ قرارات خلقية، لا بالرجوع إلى مبادئ مقررة، بل بالأحرى بالعمل الذكي الذي يحتمل أن ينتج أفضل النتائج.

التطبيقات التربوية للفلسفة البراجماتية:

(1) ماهية التربية:

يرى جون ديوي أن التربية تعتمد على مشاركة الفرد في الشعور الجماعي Social Consciousness للجنس البشري، وعنده أن التربية تبدأ حال الولادة، وأنها هي المسئولة عن تشكيل قوى الفرد، تغذي شعوره، وتشكل عاداته، وتستثير عواطفه وإحساساته، وتشكل وترتقى بأفكاره، وعن طريق التربية يرتقي الطفل شيئاً فشيئاً للمشاركة في الحياة الاجتماعية.

وللعملية التربوية جانبان: الأول نفسي Psychological والآخر اجتماعي Sociological ولكل منهما نفس الأهمية، بحيث لا يعلو أحدهما على الآخر، غير أن الجانب النفسي بما يحويه من ميول التلميذ وقدراته واستعداداته يعد بمثابة مقدمة للتربية، ثم يأتني الجانب الاجتماعي الذي ينظر على تلك الخصائص من ناحية اجتماعية.

(2) المدرسة كمؤسسة اجتماعية:

لما كانت التربية عملية اجتماعية Social Process لا يمكن أن تنفصل عن الشخصية العامة للمجتمع، فإن المدرسة كمؤسسة اجتماعية يجب أن تركز على الأنشطة التي من شأنها تعليم الأطفال المشاركة في عملية تشكيل الغايات الاجتماعية وفي ميراث الجنس البشري، ومن ثم يقول ديوي: إن التربية هي عملية حياة Process of living  وليست إعداداً لحياة مستقبلية، وكلما شعر الطفل بأن المدرسة هي مؤسسة يمكن من خلالها أن يحقق نموه ومتطلبات تفاعله مع بيئته، كلما كان أكثر ارتباطاً بها وعطاء وإنتاجاً، والمدرسة –أيضاً- عملية حياة كما يقول ديوي لأننا عندما ننظر إلى الأخلاق، نجد أنها في النهاية جزء من ناتج الحياة المدرسية وليس شيئاً يقوم به المدرس فقط، فعندما تصبح المدرسة صورة المجتمع، فإن الطفل يجد نفسه في مواقف اجتماعية تدفعه وتشجعه بطريقة أكثر فعالية أكثر مما تدفعه الألفاظ المجردة.

ويعزو ديوي فشل التربية في تحقيق أغراضها في وقته لإهمالها النظر إلى المدرسة على أنها صورة للحياة الاجتماعية، فتلك النظرة ترى أن المدرسة مجرد مكان تحشر فيه المعلومات في عقل الطفل، ويكتسب الطفل من خلال المدرسة دروساً وعادات على أنها مفيدة له في المستقبل، ومن هنا فإن الغرض مما تقوم به المدرسة بمعناها التقليدي هو إعداد الطفل لمرحلة أو لحياة أخرى، ومن ثم فهي لا تصبح جزءاً من تجربة الطفل وواقعه.

(3) أهداف التربية:

تهدف التربية عند البراجماتيين إلى تدريب قدرات المتعلم بما يحقق فعاليتها في مواجهة المتطلبات التي تمليها مواقف الحياة العملية المتغيرة، ولما كان العالم الذي نعيش فيه يتطلب ذكاء متمرساً، كما يتطلب وضع الفكر باستمرار في موقف عمل، فإن مسئولية التربية أن تنمي في التلميذ المعرفة ليس لذاتها بل المعرفة المرتبطة بالخبرة Experience والمعرفة التي تساعد على حل المشكلات الواقعية التي تواجهه، ومن ثم فإن النظام التربوي يجب أن يهدف إلى تخريج شخص نشيط ومنتج وقادر على الإبداع والتكيف مع المواقف المتغيرة؛ شخص قابل وقادر على التعلم educable لا شخص متعلم educated.

وعن طريق تنظيم بيئة المدرسة التي يجب أن توصف بالخبرة، يعطي التلميذ الحرية في تجريب تطبيق الفكرة، حيث يحدث نوع من التفاعل بينه وبين تلك البيئة، فالإنسان لا يوجد ولا يعيش بمعزل عن غيره، بل هو محاط بالآخرين من نفس جنسه وبعالم من الأشياء والأحداث التي لا تعتبر جزءاً من ذاته فقط، بل –أيضاً- جزءاً من بيئته، فإن للبيئة المدرسية على الطفل تأثيراً حيوياً ومباشراً على البرنامج التعليمي الذي يتلقاه، ومن ثم كان لابد من تنوع البرامج من منطقة إلى أخرى.

 

(4) المتعلم والمعلم:

تؤمن البراجماتية بالتعلم المتمركز حول المتعلم Iearning – Learner Centered ، فالعملية التعليمية تبدأ بالكشف عن اهتمامات المتعلم وميوله، ومن الضروري في رأي البراجماتية تشجيع ومساعدة التلميذ على تحديد تلك الاهتمامات بدقة، ويتطلب هذا بالضرورة مهارة في تنظيم وعرض المعلومات، كما يتطلب درجة من الذكاء، ومن ثم تظهر الحاجة إلى تعلم مهارات القراءة والكتابة والسماع، ومهارات الاتصال، ومهارات تحليل المواقف.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن التلميذ يمكن له أن يتعلم من خلال استخدامه لأفكاره أو كما يعبر عنه ديوي Learning Through-Use. المتعلم –إذن- ليس سلبياً كما ينظر إليه من وجهة نظر فلسفات أخرى، بل هو يشارك بفعالية في عملية التعلم، فهو يبحث ويقرأ ويفكر ويجرب.

والمدرس هو مُيسِّر وموجه ومنظم عملية التعلم التي تتم في وسط الجماعة ومع كل فرد على حدة، وعندما يقوم المدرس بدوره هذا، فإنه يجب أن يفهم دوافع المتعلم، وطبيعة سلوكه، ومبادئ السلوك الإنساني، ونظرية التوازن العاطفي، وذلك قبل أن يقوم بتدريس الموضوع المراد مشاركة تلاميذه فيه، ويعبر ديوي عن ذلك بأنه عند إدارة فن التدريس، فإن المدرس يحتاج أن يضع اهتمامه الأساسي على اتجاهات واستجابات تلاميذه، بينما يحتل الموضوع الذي يقوم بتدريسه درجة أقل من الاهتمام.

المدرس –إذن- يهتم بالتلاميذ كشخصيات فردية في تفاعلها مع عالمهم، ولما كان هذا العالم هو عالم الخبرة World of experience فإن المدرس يشترك في منشط التعلم مع التلميذ، فيتعلم منه، وبذا يتعلم المدرس ويتعلم الطالب أثناء عملية تنفيذ المشروع، مما يشكل في رأي البراجماتيين نموذجاً مثالياً لمادة التدريس، المدرسون –إذن- جزء متكامل للعملية التعليمية، فهم لا يقفون كمؤسسة خارجية بين ذات التلميذ والذات المطلقة، أو بين الطبيعة والعقل، أو يقومون بتدريب العقل ذاته، بل هم شركاء في تنفيذ المشروعات الهادفة.

(5) طبيعة المنهج وموضوعات الدراسة:

يرى ديوي ضرورة أن يكون كل ما يدرسه الطفل وما يقوم به من تدريب مرتبط بحياته الاجتماعية، فمادة التربية –إذن- يجب أن تتحدد بالنشاط الاجتماعي الخاص بالطفل وليس العكس، فالدراسات والمواد التي لا ترتبط بالطفل ودوافعه لا يكون لها تأثير إيجابي على نموه.

ولما كانت التربية هي عملية الحياة نفسها، فيجب أن يتغير هدف ومحتوى المادة من الطريقة التقليدية إلى النظر إليها مرتبطة بحياة الطفل الاجتماعية، فالتاريخ History -مثلا- إذا نظر إليه على أنه تاريخ لأحداث الماضي وكفى لا يكون له القيمة التربوية المطلوبة، فلابد أن يعرض لصور الحياة الاجتماعية وتطورها، في محاولة للوصول إلى جملة من المؤشرات التي يمكن أن تساعد في توجيه أحداث الحياة الحاضرة بما يحقق نفع الإنسان.

ويرى ديوي أن كثيراً من الدراسات الأدبية ودراسات اللغة تفقد قوتها وأهميتها عندما تغفل الاهتمام بالعنصر الاجتماعي، ومن ثم يجب ألا ينظر إلى اللغة–مثلاً- على أنها مجرد تعبير عن الأفكار، بل يجب النظر إليها على أنها أداة اجتماعية... وهكذا.

وعلى هذا، لا تعني البراجماتية بالمنهج الدراسي محتوى كتاب يدرس يهتم بالمعارف النظرية، وإنما باعتباره مجموعة من الخبرات التي يمر بها المتعلم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها، ولقد دعت البراجماتية إلى الثورة على النظرة القديمة للمنهج الدارسي باعتباره موضوعات أكاديمية منظمة بطريقة منطقية معينة يراها المتخصصون (من البسيط إلى المركب ومن المحسوس إلى المجرد ومن الجزء إلى الكل ومن السهل إلى الصعب... وما إلى ذلك) وكان مبررهم في ذلك أن المتعلمين يواجهون بمواقف جديدة ومستمرة، وهذه المواقف تستوجب أهدافاً جديدة، وبالتالي محتوى وطرائق تدريس جديدة، حيث إن المعارف المألوفة القديمة لم تعد تكفي لمواجهة تلك المواقف الجديدة.

ويرى البراجماتيون أنه ينبغي أن يتقدم المتعلم المنهج الدراسي، لا أن يتقدم المنهج المتعلم، لذا فإن التربية من وجهة نظرهم متمركزة حول المتعلم وما يحتاج من خبرات ليعيش في مجتمعه بفاعلية، والطريقة الوحيدة لذلك أن نهتم بحياة المتعلم الحاضرة، وذلك لتكون حياة نشطة، وحتى تتهيأ للمتعلمين الفرصة لمواجهة حياتهم وبما يتلاءم مع أعمارهم وإمكاناتهم.

وينبغي على المنهج من وجهة نظر البراجماتية أن يساعد المتعلم على الابتكار، لا أن يعتمد على الحفظ والاستظهار من خلال التكرار والتلقين لجملة من المعارف قد لا يستخدمها في حياته، بل يجب أن يكون المنهج الحياة ذاتها وما تحوي من مشكلات تواجه المتعلمين ويعينهم على اكتساب مهارات حلها.

المنهج Curriculum – إذن - عند البراجماتيين يركز أساساً على ما هو عقلي Intellectual وعملي Practical ويعطيه معظم الاهتمام في مقابل ما هو نظري أو أكاديمي Academic، وهذه نتيجة طبيعية لاهتمامه باستخدام المعلومات وتطبيقها. ويؤكد المنهج بصفة عامة أهمية تعليم التلاميذ أساليب حل المشكلات بطريقة عملية، والإجراءات التي يمكن لهم استخدامها في ذلك مع ضرورة اختيار أنسب تلك الإجراءات التي تتفق مع ميول التلميذ وسنه وطبيعة المادة إلى آخر ذلك من مظاهر؛ فمن الخطأ مفاجأة الطفل بمواد دراسية عقلية أكاديمية قبل تهيئة إحساساته وشعوره وعقله لها.

أما فيما يتعلق بموضوعات المنهج، فيعطي الاهتمام بصفة عامة للقضايا المعاصرة والتي ترى لكل من التلميذ والمدرس أهميته من وجهة نظرها، ويتم مناقشة تلك القضايا بأسلوب حل المشكلات الفردي والجماعي، ويستلزم ذلك بالضرورة تدريب التلاميذ على الفنون الثلاثة القراءة والكتابة والحساب، هذا بالإضافة إلى المنطق العملي، والطريقة العلمية، والعلوم الاجتماعية والسلوكية، والتاريخ، ومعظم العلوم الطبيعية والِإنسانيات.

(6) طرق التدريس وأساليب التقويم:

يقلل البراجماتيون من أهمية المحاضرات والتلقين، بحيث لا تستخدم إلا في أضيق نطاق، وذلك عندما يريد المدرس إكساب تلاميذه مهارة معينة تستلزم استخدام هذا الأسلوب، ويفضل البراجماتيون إلى أقصى درجة ممكنة نوع التعلم المتمركز حول التلميذ نفسه، مع ضرورة وضع التخطيط التربوي التعاوني بين المدرس والتلاميذ من خلال المشروعات Projects التي يقوم بها التلاميذ تحت إشراف المدرس، كما يؤكدون على ضرورة أن تكون البيئة المدرسية وإجراءات حجرات الدراسة مرنة وأكثر انفتاحاً وبعيداً عن الإجراءات التقليدية.

أما فيما يتعلق بإجراءات التقويم Evaluation فهم يفضلون نوع التقويم الذي يعتمد على المظاهر الحقيقية للحياة، ويقللون من أهمية تقويم التلاميذ بالطرق التقليدية المتبعة لا سيما في النظم التربوية التقليدية، والتي تتخذ من الامتحانات التحريرية وسيلة لها، رغم قياسها لأدنى مستويات القدرات العقلية، وهي قدرة المعرفة وما تتضمن من حفظ واسترجاع.

وأخيراً، وتوضيحاً لما سبق، يعرض الجدول التالي لمقارنة بين التدريس والتقييم التقليدي والمتمركز حول المتعلم:

نموذج التدريس التقليدي

نموذج التدريس المتمركز حول المتعلم

يتم نقل المعلومات من المعلم إلى الطالب.

الطالب نفسه يبني المعلومات من خلال مهارات البحث العامة والتواصل والتفكير الناقد وحل المشكلات وغير ذلك.

الطلاب مستقبلون سلبيون.

الطلاب مشتركون بطريقة نشطة وفعالة.

التركيز ينصب بصفة أساسية على اكتساب المعرفة خارج السياق الذي ستستخدم فيه.

التركيز ينصب على استخدام المعرفة وتواصلها بفعالية لطرح قضايا ومشكلات عاجلة في محيط الحياة الواقعية.

دور المعلم يكمن في أنه مصدر أولى للتقييم.

دور المعلم مدرب ومسهل، والمعلم والطلاب معاً يقومون بتقييم التعلم.

التدريس والتقييم منفصلان.

التدريس والتقييم متلازمان ومتكاملان.

التقييم يستخدم لضبط وتنظيم التعلم.

التقييم يستخدم لتشخيص التعلم وتسهيله.

التركيز على الإجابات الصحيحة.

التركيز على تجميع أسئلة جيدة والتعلم من الأخطاء.

التعلم المرغوب فيه يتم تقييمه بطريقة غير مباشرة من خلال الاختبارات التقليدية

التعلم المرغوب فيه يتم تقييمه مباشرة من خلال إعداد الأوراق والمشروعات والأداءات وملف الإنجاز.

الثقافة تنافسية وفردية.

الثقافة تشاركية وتعاونية داعمة.

الطلاب وحدهم يتعلمون.

المعلمون والطلاب يتعلمون سوياً.

 


 

 

نشاط:

فسر صحة أو خطأ العبارات التالية في ضوء دراستك للفلسفة البراجماتية:

-              التربية عملية نمو مستمر يؤدي إلى مزيد من النمو.

-              الطالب هو محور العملية التعليمية.

-              المعرفة عملية لاحقة.

-              التقويم للأهداف وليس للتلميذ.

-              التغير هو جوهر الحقيقة.

-              الغاية تبرر الوسيلة.

-              تعد البراجماتية أكثر الفلسفات قرباً من العلم.

-              تهدف البراجماتية إلى تجديد التراث الثقافي والإبداع فيه.

-              الإنسان نتاج للارتقاء أو التطور البيولوجي من نوع لآخر.

نشاطات عامة على الفلسفات:

تعاون مع زملائك وأستاذك في تحديد ما يلي:

أ‌-     الانعكاسات التربوية لتلك الفلسفات الوضعية (قديمها وحديثها) على الأنظمة التربوية ببلادنا العربية الإسلامية. 

ب‌- تقويم تلك الفلسفات (الإيجابيات والسلبيات) من منظور تربوي إسلامي.


 

خاتمة: أي فلسفة ينبغي أن نتبناها؟

تعتبر فلسفة التربية عصب العملية التربوية منها تنبثق أهدافها، ومناهجها، ومؤسساتها، وطرقها، ووسائلها، ومن ثم تقويمها، وبقدر صواب وفاعلية فلسفة التربية يكون صواب وفاعلية نظام التربية؛ ذلك لأنها تحدد المنطلقات الفكرية للعمل التربوي. هذا وقد ظهرت فلسفات عدة على الساحة التربوية منها: المثالية، والواقعية، والبراجماتية تشعبت وانقسمت وتصارعت.

وقد أدى هذا الصراع التربوي إلى ميلاد عدد آخر من مدارس الفلسفة التربوية. فقد أنجبت الفلسفة البرجماتية وليدين هما الفلسفة التقدمية والفلسفة التجديدية، بينما أنجبت المثالية وليدا جديدا تلك هي فلسفة الديمومة أو الدوام. كما أنجبت الواقعية وليداً أخر هو فلسفة الأسس الجوهرية. ويركز وليدا الفلسفة البرجماتية على التقدم والتجديد والتغير والتطور. بينما يركز وليدا المثالية والواقعية على الدوام والتواتر.

وإلى جانب الفلسفات التربوية السبع ظهرت فلسفة ثامنة تلك هي الفلسفة الوجودية وهي فلسفة فردية تتعامل مع المعلم والطالب كأفراد، ولا تقوم على نظم تربوية أو مدارس، وتجعل محور القيم ومعيارها هو الحرية الفردية. ومن ثم، فهي فلسفة ملحدة لا تنطوي على أية قيمة سواء أكانت دينية، أم اجتماعية، أم أخلاقية، لأنها تعتقد أن وجود الإنسان سابق على ماهيته أي أن وجوده متزامن مع وجود المادة، ولكنه يصنع ماهيته بنفسه بما تنطوي عليه من خصائص وصفات وإمكانات، وأنه يضع هذه الماهية بمحض اختياره وإراداته وحريته، دون أن يكون له أي موجه في الحياة... وبهذا، فإن الوجودية فلسفة لا تناسب المجتمعات الإنسانية عامة، والإسلامية خاصة، لأنها مخالفة لمنطق وجودها، وأن تبنيها من قبل أي مجتمع يشكل فوضى قيمية واجتماعية وأخلاقية.

ومما سبق يتضح أننا أمام حركتين: تقدمية: تركز على التغير وتنادي بأن تحل تربية جديدة قائمة على التغيير الاجتماعي ونتائج العلوم السلوكية، وأخرى محافظة: تندد بتطرف التقدميين وترى أن الدوام أكثر واقعية ومرغوب فيه أكثر من كونه مرغوبا عنه فلا شىء في عالم متزايد الاضطرابات والقلاقل يمكن أن يكون أكثر واقعية وأجدى من الثبات والاستقرار.

ويبرز هذا الصراع الانتقادات التي وجهت إلى تلك الفلسفات قديمها وحديثها على حد سواء حالة عدم الاتفاق على فلسفة ما واحدة والتطلع إلى فلسفة تربوية جديدة تزيل الفوارق بين بني البشر، وتنقلهم إلى حياة جديدة عمادها التعاون والمحبة، تربية تساعد الإنسان على اكتشاف نفسه وفهم عناصر شخصيته، وطبيعة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.

وحتى يتحقق لنا ذلك لابد من تحديد فلسفة تربوية لنظامنا التعليمي تجعل لهذا النظام طابعه الخاص وشخصيته المتميزة. تنطلق من مبادئ وقيم ومعتقدات ديننا تلك هي فلسفة التربية الإسلامية أو الفلسفة الإسلامية للتربية بعيداً عن الصراعات والانتقادات المتبادلة بين الفلسفات الوضعية التي تظهر على الساحة فكراً وتطبيقاً، وقدرة على تقديم بديل إسلامي، وعملاً على إصلاح مناهج الفكر لدى المسلم المعاصر، وانسلاخاً من حالة التخلف والغياب الثقافية للأمة، وعلاجًا لاعتلال مناهجها الفكرية. ومواجهة للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي، وتلبية لحاجاته وتطلعاته المستقبلية، ودخولاً إلى معترك الفكر التربوي العالمي الذي يبحث عن نظرية تربوية جديدة تخرجه من أزمته الراهنة.

وثمة مقومات وشروط ينبغي أن تتوافر في الفلسفة الإسلامية للتربية التي ننشدها نذكر منها:

1-             أن تكون في جميع مقوماتها ومكوناتها متمشية مع روح الإسلام، والفهم السليم لعقائده وتشريعاته.

2-             أن تكون مرتبطة بواقع المجتمع وثقافته ونظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، انطلاقا من أن التربية لا تتم في فراغ ولا تنعزل عن الواقع الثقافي والاجتماعي وإنما ترتبط به ارتباطا عضويا.

3-             أن تكون منفتحة على جميع التجارب الإنسانية الصالحة وخبرات المجتمعات الأخرى.

4-             أن تكون شاملة تأخذ في حسابها العديد من العوامل المؤثرة في العملية التربوية.

5-             أن تكون شاملة ومتوازنة عند النظر إلى الطبيعة الإنسانية نموا وتنمية لها جسميا، وعقليا، واجتماعيا، ووجدانيا، ونفسيا، وأخلاقيا، فكل جانب من ذلك يتأثر ويؤثر في الآخر.

6-             أن تتسم بالواقعية وعدم الغلو في مثاليتها ولفظيتها وتجريدها، وإنما تنطلق من الواقع وإمكاناته المادية والبشرية، وتسعى إلى تغييره من خلال خطط عملية لتغيير الواقع وإصلاحه.

7-             أن تخضع للتقويم المستمر بمعنى أن تكون قابلة للتعديل والتطوير في ضوء مستجدات الدراسات والأبحاث في المجال التربوي.

وإذا كانت تلك هي مقومات الفلسفة الإسلامية للتربية، فإن ثمة أصولاً مرجعية لصياغة تلك الفلسفة ذلك لأن التربية الإسلامية لا تعتمد في توجهاتها على الأهواء والآراء في معزل عن الشرع الحكيم وإنما لها مصادر تحكمها وتقوم عليها حتى تكون في حدود ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، وتحقق مقاصد الشريعة، ويسعد من اتبعها في الدنيا والآخرة.

نشاط (1):

في ضوء مصادر التربية الإسلامية وأصولها الفكرية، تناول مجالات الفلسفة الإسلامية للتربية بالتحليل.

 

تتمثل أهم الأصول الفكرية من منظور التربية الإسلامية في نظرة الإسلام لكل من الإنسان والقيم والمعرفة والكون والحياة. وفيما يلي إبراز تلك القضايا:

أولاً: الطبيعة الإنسانية:

يعد الإنسان محور اهتمام التربية وذلك من حيث إعداده وتنمية مختلف جوانب شخصيته جسمياً وعقليا وأخلاقيا ووجدانيا ونفسيا تنمية شاملة ومتكاملة. كما تسعى التربية جاهدة إلى ترقية الإنسان وتطويره عن طريق إكسابه المعلومات والخبرات والمهارات اللازمة وأنماط السلوك المرغوب فيه وأطر التفاعل مع البيئة المحيطة. وإذا كان الأمر كذلك لزم أن نعرض لحقيقة الإنسان في التصور الإسلامي.

فقد كان الإنسان وما يزال منذ أن وجد على ظهر الأرض مأخوذا بسوء الفهم لنفسه؛ فتارة يرى نفسه أكبر وأعظم الكائنات وقد امتلأ كبرا وأنانية وينادي كما نادى فرعون ما علمت لكم من إله غيري، أنا ربكم الأعلى وقوم عاد الذين استكبروا في الأرض وقالوا من أشد منا قوة، وتحول إلى متأله يستهدف القهر والبطش والظلم والطغيان، وتارة يميل إلى جانب التفريط فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم فيطأطئ رأسه أمام الشجر والحجر والحيوان ويرى السلامة في أن يسجد للشمس والقمر والنار.

أما التصور الإسلامي للإنسان فقد جاء شاملاً لكل جوانب إنسانيته، ومنها:

(1) الفطرة الإنسانية في الإسلام:

الفطرة هي الخلقة السليمة التي يكون عليها المخلوق أول خلقه، وهي الطبيعة الأولى للإنسان قبل التعرض للمؤثرات البيئية الخارجية فتصيبه بالعيوب أو الانحراف، قال تعالى: }فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {(الروم:30). فالفطرة الإنسانية مؤمنة، والإيمان حاجة فطرية مركوزة في كينونة الإنسان، أشار الله تعالى إليها في قوله: }وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين{ (الأعراف: 172)، ورسوله الكريم في حديثه الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة (وفي رواية على هذه الملة)، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة (وفي رواية الجمعاء أي مكتملة الأعضاء)، هل ترى فيها جدعاء (أي مقطوعة أحد الأطراف)" (صحيح البخاري: 1385).

وفي هذا دليل على أن الإيمان فطري في الطبيعة الإنسانية، مما يقتضي الحاجة إلى معرفة الخالق والالتجاء إليه وعبادته حق العبودية تلبية لحاجة الفطرة البشرية. أما الكفر فأمر عارض ناتج عن دور التربية في تشكيل مكونات الإنسان وتنمية إدراكاته وطاقاته لأداء وظيفته.

(2) مكونات الإنسان (أصل الإنسان وحقيقة خلقه):

ترجع حقيقة خلق الإنسان إلى أصلين؛ الأول: خلقه من طين حين سواه الله ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِين} (المؤمنون: 12)، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر: 28-29).

والأصل الثاني: خلقه من "نطفه"، "ماء مهين"، "ماء دافق". قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ } (يس: 77)، وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِق} (الطارق:5-6)، وقال تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة: 7-9).

فحين يبين القرآن الكريم أن عنصرا الإنسان هما التراب والروح، فإن ذلك ليندد بغطرسة الإنسان ويهذب كبرياءه ويدعوه إلى التواضع والواقعية في حياته. أما عندما يصير الحديث عن أحوال الإنسان ووظائفه فنجد العناصر التالية:

- الجسم أو الجسد: بيَّن القرآن الكريم في آية أن الجسم من شروط الملك والسيادة، }وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم {(البقرة: 247). وفي آية أخرى، بيَّن القرآن عدم الاعتداد بالأجسام حسنة المظهر ولكنها خالية الإيمان كما قال تعالى: }وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ {(المنافقون: 4)، الأمر الذي يدل على أن الجسم وحده ليس كافيا للإنسان بل لا بد من تكامله مع غيره من مكونات الإنسان. وفي ذات الوقت لا يعني هذا احتقار الجسم ولا إيثاره على غيره من عناصر الإنسان، وقد جاءت السنة الشريفة مع الآيات القرآنية لتحث على العناية به والحرص عليه دونما إفراط أو تفريط.

- القلب: وتدور أكثر معانيه في القرآن الكريم حول المعنى العقلى والوجداني في الإنسان؛ فهو أساس الفطرة السليمة ومحل الهداية ومستقر الإيمان وأحد أهم وسائل المعرفة، كذلك عبر عنه القرآن بالفؤاد والصدر، ومما يدل على ما سبق قوله تعالى: }أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور{ (الحج: 46)، }وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك {(هود: 120)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (صحيح البخاري:52).

- العقل: وقد ورد في القرآن بالصيغ الفعلية للتنويه عن وظائفه العملية؛ فهو مناط التكليف والمدرك للمسئولية والموصل للعلم والإيمان، لذا عبر عنه كلام الله بالنظر والبصر واللُب والنُهى والتفكر والتدبر والاعتبار والذكر والفهم والوعي والتمييز والحكمة و.....، أما من عطل عقله عن وظيفته الفطرية فهو أضل من الأنعام، ومن ذلك قوله عز وجل: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض {(آل عمران: 190، 191)، }إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون {(الأنفال: 22).

- الروح: عبر القرآن عن الروح – كأحد مكونات الإنسان – بأنها السر الإلهي الذي أودعه الله في جسم الإنسان فيحيا به، فهي من أمور الغيب التي لا يعلم حقيقتها إلا خالقها سبحانه وتعالى. ويؤكد الإسلام على أهمية التوازن بين مكونات الإنسان فلا يطغى عنصر على آخر، فلكل مكون حق ولا ينبغي أن يطغي حق على حق، كما في حديث الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بيَّن لهم ضرورة الاعتدال والتوازن بين احتياجات الجسم والروح.

- النفس: أطلق القرآن لفظة النفس على الذات الإنسانية بعنصريها المادي والمعنوي {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق} (الأنعام:151)، ولعلها أقرب إلى الضمير أو الطبع أو القوة الحيوية التي تشمل الإرادة والغريزة والوعي، ومن ثم كان لها مراتب وأحوال: نفس مطمئنة، لوامة، أمارة،.... وهذا هو ما يراه "عباس العقاد" بأن النفس في القرآن غير مترادفة مع الذات الإنسانية، بل هي جزء من هذه الذات كالعقل والروح والقلب والجسد.

(3) الهدف من خلق الإنسان:

لم تقتصر مكانة الإنسان عند الله على تميزه عن الكائنات الأخرى بتكريمه عليها وتسخيرها له إنما اختصه بالعبودية وحمله المسئولية والأمانة في تطبيق شرع الله وعبادته، ومن ثم فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى وإنما خلق لغاية وهدف. قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون:115)، وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة:36).

وقد حدد القرآن الكريم المهمة العليا للإنسان والغاية التي من أجلها خلق في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21)، وبها أرسل الله تعالى جميع الرسل فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25).

وبالعبودية وصف الله تعالى ملائكته وأنبياءه وكل من اصطفى من خلقه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} (الأعراف: 206)، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار} (ص: 45)، وقد توعَّد عز وجل المستكبرين عنها فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين } (غافر: 60).

وكمال المخلوق وعلو درجته في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كمالاً وعلت درجته. والعبادة بمفهومها هذا ليس قاصراً على المعنى القريب وهو تأدية الطقوس التعبدية والشعائر الدينية، وإنما اسم جامع يتعدى ذلك ليشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة أو هي: ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. وبذلك يتسع مفهوم العبادة ليشمل كل مناحي الحياة المختلفة.

(4) الإنسان مخلوق مكرم:

ويمكن أن نتعرض لأوجه هذا التكريم من خلال:

أ‌-         مكانة الإنسان عند الله عز وجل:

الإنسان في الإسلام أكرم الكائنات. كرمه الله سبحانه وتعالى على كثير ممن خلقه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70) ومن مظاهر تكريم الله للإنسان ما يلي:

-         استخلاف الله للإنسان في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 30). فاستخلاف الإنسان في الأرض للتشريف والتكريم والابتلاء.

-         خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4).

-         تعليم آدم عليه السلام، قال تعالى: { وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31).

-         أمره للملائكة بأن تسجد لآدم، قال تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين} (البقرة: 34).

-         أن الله ألغى الواسطة الكهنوتية بينه وبين الإنسان، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون} (البقرة: 186)

-         تسخير كل ما في الكون لخدمة الإنسان، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار} (إبراهيم 32-33)، وجوانب التسخير في ميدان الكون تشمل عناصر الكون الثلاثة الرئيسية الفضاء، واليابس، والماء، والتربية هي الأداة الوحيدة التي تؤهل الإنسان وتضمن حسن استخدام أدوات التسخير من خلال تنمية قدراته واستعداداته العقلية والمهارية.

-         زود الله سبحانه وتعالى الإنسان بأدوات العلم والتعلم، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} {النحل: 78). وندد بالذين لا يستفيدون منها فقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179).

-         اختص الله الإنسان بالرعاية والتربية والهداية فأرسل إليه الرسل ليبين له طرق الهداية من الضلال، وزود هؤلاء الرسل بكتب توضح لهم المنهج الذي يسيرون عليه ويحكمون به بين الناس، يعلمونهم العلوم الغيبية التي لا يستطيعون إدراكها بعقولهم إذا لم يرشدهم إليها ربهم قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2).

ب‌-     مكانة الإنسان في الكون:

تبرز هذه المكانة العلاقة بين الإنسان والكون والصلة بينهما والتي يمكن إيجازها في:

-         صلة الاستثمار والانتفاع والتسخير، ذلك لأن الكون كله مسخر للإنسان للانتفاع به.

-         صلة الاعتبار والتأمل والتفكير.

(5) الإرادة الإنسانية (بين الخير والشر، والجبر والاختيار):

يقول تعالى: }وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا{ (الشمس: 7-10)، أي بيِّن لها طريقي الخير والشر، فالله خلق النفس سوية مستقيمة على الفطرة القويمة ثم أرشدها وهداها النجدين فهيَّأه للاختيار، فهو بينهما أي قابل لكل منهما حسب تزكية نفسه وسعيه في الدنيا. وعلى ذلك، فالإنسان مخير في أفعاله وفيما اكتسبه، فمن عمل مثقال ذرة خيراً يره ومن أساء فعليها، وليس الإنسان مسيراً إلا من ناحية العوامل الخارجية التي ليس له دخل فيها كلون بشرته واختيار أبويه و...... وإلا لانتفت الحكمة من إرسال الرسل وانعدمت ضرورة التربية وما كان هناك خطاب للعقل بالتكليف وتحمل المسئولية و..... وبذلك يمكن القول:

-         جعل الله الإنسان كائنا مخيرا بعد ما نفخ فيه من روحه وجعله مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى أمانة التكليف والمسئولية، وجعل مصيره بيده بعد أن بيِّن له طريق الهداية والرشاد فليس له العذر إذا انحرف عنه قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة: 14-15) فللإنسان إرادة وقدرة على اختيار الخير أو الشر، وهذه الإرادة ضمن علم الله بما سيختاره الإنسان لأنه العليم الخبير بما في النفوس، ويتحمل الإنسان بعد ذلك نتيجة عمله ويحاسب عليه، قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (الإسراء: 7).

-         إن الإنسان في حالة اختبار وابتلاء من الله لكونه مخيراً ومكلفاً فيكون جزاؤه وفق اختياره، وأداؤه للأمانة المكلف بها قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان:2-3).

-         إن الله لا يكلف الإنسان شططا ولم يرهقه من أمره عسرا وإنما جاء تكليفه ضمن حدود الطاقة الإنسانية كما أنه رفع عنه الحرج في حالات الخطأ، والنسيان، والإكراه.

(6) المسئولية الإنسانية (بين الفردية والجماعية):

لم يكتف الإسلام بتكريم الإنسان وتفضيله على غيره من الكائنات بل حمَّله في مقابل ذلك مسئولية عظيمة تجاه التكاليف ورتب عليها الجزاء، وقد خلق الله الإنسان قادرا على التمييز بين الخير والشر، وألهم النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جنبها الاستعداد للخير والشر، وجعل للإنسان إرادة الاختيار بين الطرق المؤدية إلى الخير والسعادة، أو الطرق الموصلة إلى الشر والشقاء، وكما جعل الله للإنسان حرية وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر قد رتب له الجزاء يوم القيامة على اختياره، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب:72-73)، وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة:7-8). والإنسان من حيث هو فرد مسئول عن كل ما يقدمه في حياته خيرا كان أو شرا ويجازي عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 37-41). ولا يسأل الإنسان إلا عما قدمه وارتكبه ولا يؤخذ بكسب غيره، وفي هذا الشأن جاءت النصوص لتؤكد هذه القاعدة قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الإسراء:15)، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38).

وإذا كانت تلك القاعدة فردية المسئولية، إلا أن الإسلام قد أبقى على المسئولية الجماعية أو مسئولية الإنسان عن عمل غيره بقدر ما يكون للفرد نصيب منها. وثمة حالات يجازي فيها الإنسان عن عمل غيره بقدر ما يكون للفرد نصيب منها، وهي:

-         أن يكون سببا في عمل الغير بالأمر أو بالإيحاء فالدال على الخير كفاعله.

-         أن يكون سببا بمجرد القدوة.

-         أن يكون سبباً في فعل الغير بالسكوت عليه وعدم النهي عنه.

وهكذا يتضح أن الإسلام في نظرته للإنسان قد رد على جاهلية العصر في نظرتها للإنسان التي أثارت الشكوك حوله في صورة تساؤلات: من أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟ وبذلك تتحدد رحلة الإنسان من بدايتها إلى منتهاها خلقاً، وهدفاً، وتكريما، ومسئولية، وجزاءً ومنهجًا.

(7) درجات ودركات الإنسان:

بيَّن القرآن الكريم أن مراتب الاهتداء والضلال تقوم على الجهد الإنساني وإرادة الإنسان ومسئوليته، فالله لا يظلم عباده ولا يسجل عليهم غير ما يستحقونه باختيارهم من الطاعات أو المعاصي، ولذا كانت أفعال الإنسان لا مجرد نواياه هي أساس التصنيف القرآني للمهتدي، والضال الكافر، والمنافق؛ فعزم الإنسان واضح وإرادته مختارة في كل ما هو مسئول عنه. يقول تعالى في حق هؤلاء على الترتيب: }وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ (الحج: 54)، }وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا{ (النساء: 115- 117)، }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{(البقرة: 8- 10).

(8) سمات الإنسان في الإسلام:

حدد الإسلام صورة الإنسان المسلم والتي تظهر بوضوح في القرآن الكريم والسنة النبوية في مجموعة من الصفات التي يمكن تصنيفها في تسعة مجالات رئيسة على النحو التالي:

1-    سمات تتعلق بالعقيدة وتضم: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والجنة والنار، والقضاء والقدر.

2-    سمات تتعلق بالعبادات وتضم: عبادة الله وأداء الفرائض من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وذكر الله واستغفاره والتوكل عليه وقراءة القرآن. 

3-    سمات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية وتشمل: معاملة الناس بالحسنى، والكرم والجود، والإحسان، والتعاون، والاتحاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفو، والإيثار، والإعراض عن اللغو، وحب الخير، وإغاثة الملهوف. 

4-    سمات تتعلق بالعلاقات الأسرية وتضم: طاعة الوالدين والبر بهما، والإحسان بالوالدين وبذي القربى، وحسن المعاشرة بين الأزواج، ورعاية الأسرة والإنفاق عليها، والتنشئة السليمة للأبناء. 

5-    سمات خلقية وتضم: الصبر، والحلم، والصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء بالعهد، والتواضع. 

6-    سمات انفعالية وعاطفية وتضم: حب الله والخوف من عذابه، وحب الناس، وكظم الغيظ، وعدم الاعتداء على الغير، والرحمة والشعور بالندم عند ارتكاب ذنب ما. 

7-    سمات عقلية معرفية وتشمل: التفكر في الكون وخلق الله، وطلب المعرفة والعلم، وعدم اتباع الظن، وتحري الحقيقة، وحرية الفكر والعقيدة.

8-    سمات تتعلق بالحياة العملية وتشمل: الإخلاص في العمل وإتقانه والسعي بنشاط وجد في سبيل كسب الرزق.

9-    سمات بدنية وتضم: القوة، والصحة، والنظافة، والطهارة.

ومن النصوص الموضحة لهذه السمات والدالة عليها قوله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون} (البقرة: 177)

ثانياً: القيم:

للقيمة لغة معاني كثيرة منها: ثمن الشئ، العدل والاستقامة، نظام الأمر وعماده، قوامة القوم وسياسة أمرهم. وهي اصطلاحاً: الحكم الذي يصدره الإنسان على شئ ما مهتدياً بمجموعة من المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يحدد المرغوب فيه، والمرغوب عنه من السلوك، أو هي: أحكام يصدرها الفرد على العالم الإنساني والاجتماعي والمادي الذي يحيط به، ويشترط أن تنال هذه الأحكام قبولاً من جماعة معينة حتى تتجسد في سياقات الفرد السلوكية أو اللفظية، أو اتجاهاته أو اهتماماته.

مما سبق، يمكن تعريف القيم الإسلامية بأنها: مجموعة المبادئ أو السمات التي حث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تحدد شخصية المسلم وفق منهج متكامل، وتنظم سلوكه وعلاقته بالله والكون وبمجتمعه وبنفسه، وتعمل كمعايير أو أطر مرجعية موجهة للسلوك وضابطة له.

وللقيم الإسلامية المكونات أو العناصر التالية:

1-    المعرفة: وتتمثل في إدراك الفرد للمفاهيم والأفكار والمبادئ والمعتقدات الدينية.

2-    الوجدان: ويتمثل في القبول الانفعالي للقيمة.

3-    النزوع: ويتمثل في الرغبة في تحقيق قيمة ما.

4-    السلوك أو العمل: وهو الثمرة الطبيعية للإيمان، والحركة الذاتية التي تبدأ في تلك اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان بالقلب، والترجمة الفعلية أو التطبيق والتجسيد لما آمن به الفرد واعتنقه من مبادئ وقيم، فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولقد أنكر الإسلام ما يحدث من خلل وتناقض بين العلم والعملن فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون} (الصف: 2-3).

5-    التواصي أو التناصح، وفي ذلك دلالة على أن الإسلام في جوهره دعوة للتعاون على كل خير والابتعاد عن كل شر، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" (صحيح البخاري:42).

وقد جمعت عناصر ومكونات القيم الإسلامية في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:1-3)". وفي هذه السورة لا تتمثل عناصر القيم الدينية ومكوناتها فحسب، إنما يتمثل فيها منهج كامل للحياة البشرية كما يراها الإسلام.

ومما سبق، يمكن القول إن القيم الإسلامية ليست فكراً فقط، لأن الفكر تأمل لا تأثير له في الواقع إذا اعتبرناه بمفرده، وليست وجداناً أو دافعاً فقط فهما بمثابة وقود حركة وقوة دافعة، وليست سلوكاً وتواصى فقط، وإنما تُعد القيم الإسلامية النقطة التي يجتمع عندها الفكر تأملاً وتدبراً، والوجدان والدافع قوة محركة، والسلوك والتناصح عمل صالح وحركة ذاتية. إنها فكر تأملي جاد يؤكد الوجدان والدافع والسلوك وفقاً لها على العمل وقوة الاتجاه نحوه، وإلى تقبل الآثار الناجمة عنه أو مقاومتها، فالقيم مظهرها الواقع والتطبيق العملي في صورة نموذج لمجتمع مثالي يشرح الجانب النظري ويبرز المثال والنموذج، فليس في القيم الإسلامية مواقف أو مظاهر سلبية، ولا يكتفي فيها بانفعال الباطن في صورة استحسان أو استهجان ولكنها تدفع الإنسان دفعاً إلى إحداث حركة مؤثرة في السلوك.

ويقوم نسق القيم الإسلامية على العناصر التالية:

1- الإلزام:

والإلزام أمر ونهي من الله يحفز الناس إلى عمل الخير رغبة في الثواب، ويردعهم عن فعل الشر رهبة من العقاب، وتجدر الإشارة إلى أن الإلزام أو "التكليف" لا يُلزم الإنسان بما فوق طاقاته وقدراته، بل يكلف النفس الإنسانية ضمن حدود الاستطاعة وأن تكليفها يرتفع متى فقدت الاستطاعة، يقول تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286)، وهذا يعني ملاءمة الإلزام للطبيعة الإنسانية، وتقتضي حقيقة الإلزام وضع القاعدة التي يكلف بها الإنسان، ثم التوجه إليه بهذه القاعدة للالتزام بها عن طريق الأمر والنهي باعتبار نوع التكليف وإرادة المكلف به.

ومصدر الإلزام هنا هو الله، غير أنه يتوجه بالخطاب إلى العقل فيما يُلزم الإنسان به، ويطلب من العقل فهمها وتدبرها، الوقوف على أصولها وفروعها والتعرف على مقاصدها ودوافعها، حتى يظن العقل أنه هو واضع التشريع لفرط قناعته به.

2- المسئولية:

ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل والإرادة والاختيار مما جعله أهلاً لتحمل التكاليف، ولا يكون المكلف مسئولاً إلا إذا كان على وعي بحقيقة ما يكلف به، ولا يسأل الإنسان إلا عما ارتكبه هو ولا يؤاخذ بكسب غيره، وفي هذا الشأن جاءت النصوص لتقيم هذه القاعدة فقد قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة:134)، وقال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (فاطر:18).

وإذا كان الإسلام قد قرر فردية المسئولية وقضى على المسئولية الجماعية أو مسئولية الإنسان عن عمل غيره، إلا أنه أبقى على بعض مظاهر هذه المسئولية الجماعية بقدر ما يكون للفرد نصيب فيها، فإذا كان الإنسان من الذين يَقتدون ولا يُقتدي بهم، فإنه لا يُسأل إلا عن فعله ولا يعاقب أو يثاب إلا بمقدار إقدامه أو إحجامه. أما إذا كان في دور القيادة والقدوة فإنه سيُسأل عن فعله مرتين مرة باعتبار أنه قد أخطأ أو أصاب في مباشرة الفعل ومرة أخرى باعتبار أن غيره سيقتدي به، فهو بإقدامه أو بإحجامه قد أضل غيره أو هداه، أو بمعنى آخر يكون الثواب مرتين، لإحسانهم، ولأنهم رسموا الطريق لأولئك الذين يتبعونهم، ويكون العقاب مرتين لضلالهم وإضلال غيرهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (الأحزاب: 30-31)، وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (العنكبوت: 13).

3- الجزاء:

والجزاء ثواباً وعقاباً يكون من الله عز وجل، وتمتد ساحة الجزاء لتشمل الدنيا والآخرة ثواباً للطائعين وعقاباً للعاصين، وما أكثر النصوص التي دلت على قانون الجزاء منها قوله تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} (طه:15).

نشاط:

(أ): تستمد القيم الإسلامية أهميتها من الأديان السماوية التي تختلف عن الشرائع والفلسفات الوضعية التي كانت ولا تزال يعتريها النقص، وتتأثر بالمصالح وتسيطر عليها الأهواء، ومن ثم كانت علاجاتها ناقصة وهذا ما جعل العلماء والمفكرين يفرقون بين القيم الدينية وسائر القيم في المكانة والمرتبة حيث تحتل القيم الدينية المرتبة العليا في المكانة لأهميتها. وقد أوضح البعض تلك الأهمية فيما يلي:

1- أنها تقدم للفرد والمجتمع فلسفة وتصوراً فريداً شاملاً ومميزاً للحياة.

2- أنها تدعو للتقدم الحضاري (العلم والعمل).

3- أنها تحقق الصحة النفسية (الطمأنينة والتوافق والتكيف).

4- أنها ترتقي بالنفس وتسموا بها.

ناقش وحلل تلك المفاهيم والأفكار السابقة.

 

(ب): للقيم الإسلامية خصائص عديدة، منها:

1- أنها قيم مطلقة يمكن تحقيقها بدرجة نسبية.

2- أنها ربانية المصدر والمنهج، وربانية الغاية.

3- تتميز بنزعتها الإنسانية.

4- تتميز بالتكامل والشمول والوحدة.

5- تتميز بالوسطية أو التوازن والاعتدال بين الفردية والانتماء، وبين المادية والروحانية.

6- تتميز بالواقعية في النظر إلى الطبيعة الإنسانية من حقيقة تقرير التنوع والتعدد والاختلاف في واقع البشر، وفي التعامل مع الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي والأثر الواقعي الإيجابي، وذلك حسبما تقضتيه مصالح الناس وحاجاتهم دون استباق للوقائع والأحداث.

7- تتميز بالتوازن بين الثبات والمرونة؛ التوازن بين الربانية والإنسانية، أو بين الثبات في الأهداف والغايات والمرونة في الوسائل والأساليب، أو بين الثبات على الأصول والكليات والمرونة في الفروع والجزئيات.

8- الصلاحية العامة واليسر العملي أو الإمكان المادي للعمل.

دعِّم وجهة نظرك في تحليلك لتلك الخصائص بما يدل عليها من نصوص.

ثالثاً: المعرفة والعلم:

إذا كان الفكر الحديث والمعاصر يفخر بإيمانه بأهمية العلم والمعرفة وإفساح المجال أمامهما، فإن الإسلام بتعاليمه كان له فضل السبق في  تأكيد أهميتهما وبيان فضلهما والدعوة إلى طلبهما وتطبيقهما واستخدامهما في كل ما ينفع ويحقق الخير والتقدم للأمة.

وإذا كان الإسلام قد جعل الكون كتاباً للمعرفة ووجه الأسماع والأبصار والأفئدة إلى بدائع صنع الله فيه، ودعا إلى التفكير في آياته وكشف أسراره وفهم نظمه وقوانينه، وحرر العقول من أسر الجمود والجهل والتبعية، وحث على البحث والدراسة والتعلم، فإن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم بمفهومه الشامل الذي ينظم كل ما يتصل بالحياة ولا يقتصر على مجال دون غيره. وعلى ذلك لم يعرف في الإسلام الصراع بين العلم والدين، ولا معاداة أحدهما للآخر وإنما يعتبر العلم الحق داعياً إلى الإيمان ودليلاً عليه. قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الحج: 54) معان ثلاثة مترتب بعضها على بعض: العلم يتبعه الإيمان تبعية ترتيب بلا تعقيب ليعلموا فيؤمنوا، والإيمان يتبعه حركة القلوب من الإخبات والخشوع والخضوع لله تعالى، وهكذا يثمر العلم الإيمان بالله تعالى، فالإيمان هو نوع من العلم بالله وما الكفر إلا جهل وجهالة.

مصادر العلم والمعرفة:

للعلم والمعرفة في الإسلام مصدران أساسيان هما:

(1) مصدر إلهي ونعني به ذلك النوع من العلم الذي يأتينا من الله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤية الصادقة. وعلم الله علم شامل لكل غيب غير ملموس أو مشهود أو محسوس، وعلم كامل غير منقوص يحيط بكل ما يتعلق بموضوعات العلم إحاطة مطلقة، وعلم مفصل يتناول دقائق الأشياء والأحداث والتصورات قال تعالى {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام: 59).

(2) ومصدر بشري: ونعني به ذلك النوع من العلم الذي يتعلمه الإنسان عن طريق التربية والتعليم من خلال مؤسساتها المتعددة أو من خبراته في الحياة واجتهاداته وملاحظاته. وهذا العلم هو في الحقيقة مستمد من الله تعالى فهو جل شأنه الذي أمدنا بأدوات العلم والتعلم، كما أن معرفة الإنسان بجميع صورها وأشكالها مستمدة من المصدر الإلهي لغوية، ودينية، وصناعية، وزراعية، قال تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 5)، وقال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} (الأنبياء:80).

ومما يدل على المصدر البشري للعلم، المعرفة الحادثة المرتبطة بتأبير النخل، الأمر بالشورى حيث استشار الرسول أصحابه في الغزوات. ومما يؤكد الربط بين المصدرين الإلهي والبشري ما حدث في قصة بني آدم، لما قتل قابيل هابيل عجز أن يوارى سوأته فبعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه فاقتدى قابيل بالغراب ودفن أخاه.

وقد حدد البعض أنواع المعرفة ومصادر الحصول عليها في الإسلام في: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، المعرفة الحدسية، والمعرفة الإلهامية، والمعرفة الوحيية، وحدد لكل مصدر ما يناسبه من مجال المعرفة؛ فأنسب المصادر للمعرفة الحسية هي الحواس والإدراك الحسي، وأنسب المصادر للمعرفة العقلية هو العقل. وأنسب المصادر لاكتساب المعارف الذوقية والعاطفية هو الحدس والإلهام، وأنسب المصادر لاكتساب المعارف الدينية والخلقية والغيبية هو الوحي.

ميادين المعرفة:

تنقسم ميادين المعرفة إلى مجالين رئيسين هما: الغيب، الشهادة، أما ميدان الغيب فموضوعه الله سبحانه وتعالى، والملائكة، وما قبل الحياة، وما بعدها من الإيمان باليوم الآخر وما فيه من البعث، والحشر، والحساب، وفتنة القبر، والجنة والنار وغير ذلك، وينقسم ميدان الشهادة إلى قسمين هما: ميدان الآفاق، وميدان الأنفس وإليهما أشار الله (عز وجل) بقوله: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} (فصلت: 53).

ويمكن وصف العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة بأنها علاقة متكاملة متبادلة متجددة وتتلخص في أمرين الأول: أن أدلة عالم الغيب وبراهينه موجودة في عالم الشهادة، والثاني: أن المخلوقات تبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة وتنتقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بانتظام واضطراد ومن أمثلة ذلك الولادة، والموت، في عالم الإنسان والحيوان والنبات.

أدوات المعرفة:

تتعدد أدوات المعرفة في التربية الإسلامية وتتكامل لتحقيق وبلوغ المعرفة المراد الوصول إليها وهي ثلاث: الوحي، والعقل، والحس، فالوحي هو أداة المعرفة في ميدانها الأول وهو ميدان الغيب، والعقل والحس هما أداتها في ميدان الشهادة بقسميها الآفاق والأنفس، وتتكامل أدوات المعرفة الثلاثة لبلوغ الغايات وتحقيق الأهداف، فالوحي للعقل بمثابة الضوء للبصر، فكما أن العين لا تبصر في الظلمة كذلك العقل لا يبصر الحقائق إذا انفرد في البحث عنها، لذا سميت آيات الوحي في القرآن الكريم "بصائر" قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} (الأنعام:104). وهي توجيهات إلهية للعقل البشري تمكنه خلال النظر في ميادين الخلق من استخدام ثمرات العلم استخداماً سليماً عن طريق تحديد مسار هذا العقل وغايات المعرفة وميادينها بالإضافة إلى أنها تحفظ العقل من الانحراف إلى ميادين الوهم والظن والخرافة.

وتجدر الإشارة: إلى خطورة انفصال الوحي عن العقل، وضرورة التكامل بينهما، فحين انفصل العقل عن الوحي جنح العقل إلى الاستبصار بالسحر، وقراءة الكف والنجوم والطالع وضرب الحصى وتحكم السحرة والعرافين والمشعوذين والدجالين، وحين طرح العقل منفصلاً عن الوحي كانت الحلول والتنبؤات لمشكلات العصر نتائجها خاطئة وآثارها مدمرة، وتداعت سلبيات العلم المجرد من الإيمان، فشقى الإنسان بالعلم وانتهت الحضارة إلى السقوط.

وتشهد عصور الضعف في الحضارة الإسلامية انشقاق في أدوات المعرفة وميادينها، فقد توقف منهج المعرفة عن الجمع بين الوحي والعقل والحس أي أنهم توقفوا عن النظر في آيات الآفاق والأنفس واكتفوا بدراسة ما أفرزه الآباء، الأمر الذي أدى إلى إهمال تنمية القدرات العقلية وتوقف نموها، فقد اخترع المتكلمون لأنفسهم منهجاً عقلياً كلامياً لا يتكامل مع الوحي ولا يستعين بالحس فافتقروا بذلك إلى إرشاد الوحي، وتنكر الصوفية للعقل ورفضوا دوره واعتمدوا على التحليل والإلهام، ووضع الفلاسفة العقل في مواجهة الوحي وبذلك حرموا العقل من بصائر الوحي، ومازال المسلم يعيش أزمة فكرية نفسية اجتماعية تحول بينه وبين أن يأخذ دوره المنشود في طليعة الأمم وعليه حتى يتجاوز هذه الأزمة أن يتعلم كيف يقرأ، وأن ينمي مهارات القراءة لديه، وأن يجتهد ويبدع ويبتكر ويضع المعرفة موضع التطبيق حتى يسهم في نمو الفكر الإنساني المعاصر وتشييد الحضارة الإنسانية بدلاً من الاستمرارية في اجترار الماضي والتباهي بتراث الآباء والأجداد ثم يعيش بعد ذلك طفيلياً على إسهامات الآخرين ومنتجاتهم.

ويمكن إيجاز عدد من المبادئ الهامة التي ترتبط بالعلم والمعرفة في الإسلام هي:

1-    أن الإيمان نوع من العلم بالله (عز وجل).

2-    العلم طريقة إلى الجنة.

3-    أهمية السعي إلى طلب العلم ومجالسة العلماء.

4-    دائرة العلم في الإسلام أوسع من أن تحد وأشمل من أن تحصر.

5-    بالعلم ترتقي وتتسامى شخصية الإنسان.

6-    الأمر بنشر العلم والتحذير من كتمانه.

7-    ضياع العلم مؤذن بخراب الدنيا.

8-    أن يعلم كل عالم بأن فوق كل ذي علم عليم.

9-    توقير المعلم واحترامه.

10-                        كلما اتسعت دائرة علم الإنسان عظمت مسئوليته فالعالم مسئول عن علمه وصيانته وحفظه وتحقيقه، وعن العمل به وتعليمه وبثه ونشره حتى يعم نفعه.

رابعاً: الكون والحياة:

تتلخص نظرة الإسلام إلى الكون في أنه مخلوق لله خلقه لغاية وهدف وما كان اللعب والعبث باعثاً على الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الدخان: 38-39). كما أن الكون بكل ما فيه من عناصر وأجزاء يسير في حركة حسب سنن ونواميس دقيقة وعلاقات منتظمة خاضع لإرادة الله وأمره ومشيئته مسير ومدبر لا يملك من يقف أمام عناصره إلا التسليم بوحدة المدبر ووحدانيته. قال تعالى: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس: 37-40)، وبالإضافة إلى النعم التي يزخر بها الكون، إلا أنه مسخر بكل ما فيه للإنسان.

ويفهم من هذه العلاقة "التسخير" بأن الطبيعة أو الكون ليسا عدوا للإنسان وليسا عقبة في سبيل تقدمه، بل يجب النظر إلى الكون على أنه أداة لتقدمه ونفعه وخدمته ومحل نظره واعتباره وتأمله وتفكيره وتدبره حتى يستطيع أن يكتشف قوانينها وينتفع بخبراتها لإعمار الأرض حتى يستشعر عظمة الخالق الذي خلق الكون وسخره للإنسان، ومنحه أدوات التسخير "السمع، والبصر، والفؤاد" التي تضمن له حسن الانتفاع به وتحقيق غاياته النهائية.

والتربية هي الأداة التي تمكن الإنسان من التدريب على الاستخدام الصحيح للسمع والبصر والفؤاد وحسن استغلالهم. ومن ناحية أخرى تنمي قدرات الإنسان واستعداداته وإمكاناته. ويرتبط نمو المجتمع وتقدمه ارتباطا طرديًا بالقدرة على تحقيق علاقة التسخير، فالذين يحسنون تحقيقها يوظفونها في تقدم مجتمعاتهم وبناء حضاراتهم، أما الذين لا يحسنون التسخير واكتشاف قوانينه، فسوف يظلون فريسة التخلف والمرض والجهل وعاجزين عن التقدم وتنمية مجتمعهم.

وتجدر الإشارة إلى أن التسخير الذي هو مجمل العلاقة بين الإنسان والكون لا يعني تجاوز الحد في أبعاده، وطغيان الإنسان، وتجاوز حد هذه العلاقة: إفسادا وقتلا، وسفكا ودمارا وتدميرا، وإذا كان الأمر كذلك فإن العاقبة ونتائج ذلك سوف تكون وخيمة على الإنسان ومجتمعه في صورة مشكلات تتعرض لها بيئة هذا الإنسان ومجتمعه، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} (الروم: 41).

أما نظرة الإسلام للحياة، فقد جاء تصور الإسلام لها تصوراً فريداً شاملاً ومميزاً، فالحياة وفقاً لهذا التصور ليست تلك الفترة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضاً في الآفاق، وعمقاً في العوالم، وتنوعاً في الحقيقة، تمتد في الزمان لتشمل الفترة المشهودة، الحياة الدنيا وفترة الحياة الآخرة، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض داراً أخرى، جنة وناراً، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طريق الدنيا لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم يجمع المنهج الإسلامي بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق، فلا يفوت الإنسان دنياه لينال آخرته ولا يغفل آخرته لينال دنياه، فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة. ومن الآيات الدالة على هذا التلاقي والترابط واللقاء بين الدنيا والآخرة قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77).

وقد جعل الإسلام الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة، ومن ثم فعلى المسلم ألا يغتر بالحياة الدنيا، وأن ينظر إليها على أنها دار ابتلاء واختبار، وألا يحرم نفسه من خيراتها بل عليه أن يتمتع بها.

والابتلاء هو المظهر العملي للعلاقة بين الله والإنسان "العبودية" والحياة هي الزمن المقرر لهذا الابتلاء، والكون هو مكان الابتلاء، مواده ما على الأرض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى. وقد يكون الابتلاء بالشر وقد يكون بالخير. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون} (الأنبياء: 35). ويتعاقب في حياة الإنسان الابتلاء بالخير، والابتلاء بالشر، وتحرص التربية الإسلامية أن تربي الإنسان على تناول الخير لدفع الشر كأن يزيل الكفر بالإيمان، والمرض بالتداوي، والعوز بالعمل والإنتاج، والعدوان بالجهاد، والجهل بالعلم، والظلم بالعدل، وكذا سائر الابتلاءات.

وإذا ما انتهى أجل الإنسان، وانتهت الحياة الدنيا المقررة لابتلاء الإنسان واختباره، وحل محلها عالم الآخرة بنظامه ومقوماته ليقدر الله أعمال العباد ويزنها بالقسطاس المستقيم حين يضع الله الموازين القسط، فإذا انقضى الحساب تجلت رحمة الله على عباده المؤمنين فيدخلهم الجنة، ويتجلى غضبه على الكفار الجاحدين الذين يدعون إلى نار جهنم دعًّا.

والعلاقة التي تربط الإنسان بالآخرة هي علاقة المسئولية والجزاء والمسئولية درجات ومستويات تنتظم في دوائر يندرج الأصغر منها في الأكبر، وهي تبدأ بالفرد وتنتهي بالأمة أو بالإنسانية جمعاء، منها مسئولية الفرد عن نفسه وعن ما منحه الله له من قدراته وإمكانات سمعية وبصرية وعقلية، ومسئولية الفرد تجاه أسرته ومسئولية الفرد عن الأمة.

وفي النهاية يمكن إيجاز نموذج العلاقات في التربية الإسلامية بين الخالق، والكون، والإنسان، والحياة على النحو التالي:

-       العلاقة بين الله والإنسان علاقة عبودية.

-       العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير.

-       العلاقة بين الإنسان والحياة الدنيا علاقة ابتلاء واختبار.

-       العلاقة بين الإنسان والحياة الآخرة علاقة مسئولية وجزاء.

وعلى نظام التربية أن يعمل على إعداد الإنسان في ضوء هذه العلاقات حتى يتحقق له النمو وكلما نجحت التربية في تحقيق ذلك كلما أدت دورها بنجاح أما إذا فشلت فقد فقدت فاعليتها وأصبحت شكلاً بلا مضمون.

نشاط (2):

ما التطبيقات التربوية للفلسفة الإسلامية من منظور: القرآن، والسنة، والفكر التربوي الإسلامي؟

 

 

 

 


قائمة المحتويات

الصفحة

الفصل الأول: الفلسفة والتربية

 

نشأة مفهوم الفلسفة:

 

وظائف الفلسفة:

 

أنواع الفلسفات:

 

العلاقة بين الفلسفة والدين:

 

العلاقة بين الفلسفة والعلم:

 

علاقة الفلسفة بالتربية:

 

فلسفة التربية:

 

السبيل الأفضل لدراسة فلسفة التربية:

 

الفصل الثاني: الفلسفة المثالية والتربية

 

(1) الميتافيزيقا في الفكر المثالي:

 

(2) الطبيعة الإنسانية في الفكر المثالي:

 

(3) المعرفة في الفكر المثالي:

 

(4) القيم عند المثاليين:

 

التطبيقات التربوية للفلسفة المثالية:

 

الفصل الثالث: الفلسفة الواقعية والتربية

 

(1) الميتافيزيقا الواقعية:

 

(2) الطبيعة الإنسانية في الفلسفة الواقعية:

 

(3) المعرفة الواقعية:

 

(4) القيم الواقعية:

 

التطبيقات التربوية للفلسفة الواقعية:

 

الفصل الرابع: الفلسفة البراجماتية والتربية

 

1- الميتافيزيقا والبراجماتية:

 

2- الطبيعة الإنسانية عند البراجماتية:

 

3- الأبستمولوجيا البراجماتية:

 

4- الأكسيولوجيا البراجماتية:

 

التطبيقات التربوية للفلسفة البراجماتية:

 

خاتمة: أي فلسفة ينبغي أن نتبناها؟

الفلسفة الإسلامية والتربية