قائمة الروابط

عدد آيات الأحكام في القرآن الكريم :

    اختلف أهل العلم -رحمهم الله - في كون آيات القُرْآن الدالة على الأحكام الفقهية محصورة أم لا ؟ على قولين:

القول الأول: أن آيات الأحكام محدودة ومحصورة بعدد معين(([1] ثم اختلف هؤلاء في عددها :

قال ابن العربي : هي أكثر من 800 آية .

وقال الغزالي : حوالي 500 آية .

وذهب الصنعاني إلى أنها 200 آية .

وذهب ابن القيم إلى أنها 150 آية .

قال الزركشي : "ولعل مرادهم المصرّح به ؛ فإن آيات القصص، والأمثال وغيرها يُستنبط منها كثير من الأحكام"(([2] .

  القول الثاني : أن آيات الأحكام غير محدودة العدد، فكل آية في القُرْآن قد يُستنبط منها حكمٌ معينٌ (([3]، وَمَرَدُّ ذلك إلى ما يفتحه الله على العَالِمِ من معاني القُرْآن ودلالاته ، وما يتميز به العالم من صفاء الروح،وقوة الاستنباط ، وجودة الذهن وسيلانه(([4] . قال نجم الدِّيْن الطُوفي: "والصحيح أن هذا التقدير غيرُ معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر؛ فإن أحكام الشرع كما تُستنبط من الأوامر، والنواهي؛ كذلك تُستنبط من الأقاصيص، والمواعظ، ونحوها، فقلَّ آية في القُرْآن الكريم إلاّ ويُستنبط منها شيء من الأحكام،وإذا أردتَ تحقيق هذا؛ فانظر إلى كتاب أدلة الأحكام(([5] ،وكأن هؤلاء- الذين حصروها في خمس مائة آية - إنما نظروا إلى ما قُصد منه بيان الحكم دون ما اسْتُفِيد منه، ولم يُقصد به بيانها "(([6] ، وقال القرافي: "فلا تكاد تجد آية إلاّ وفيها حكم،وحصرها في خمسمائة آية بعيد"(([7]  .

    وهذا هو الرَّاجح - والله أعلم- لأن أحكام القُرْآن في كتاب الله على قسمين(([8] :  

   أولهما: ما صُرِّح به في الأحكام، وهو كثير كقوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْصِّيَامُ } إلى قوله: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [البقرة/183] ، وعامة أحكام القُرْآن العظيم من هذا النوع، ومثال ذلك: غالب أحكام سورة البقرة، والنساء، والمائدة .

وثانيهما: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، والتأمل، وهو على قسمين أيضاً:

  أحدهما: ما يُسْتَنْبَطُ من الآية مباشرة، بدون ضَمِّ آية أخرى لها؛ وذلك نحو استنباط تحريم الاستمناء من قوله تعالى: { وَالَّذِيْنَ هُم لفُرُوجِهِم حافِظون إلاّ على أزواجِهِم أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَ فَمَنْ أبْتَغَي وَرَاءَ ذَلِكَ فَاؤلَئِكَ هُمُ الْعَادُوْنَ } [ المؤمنون /5-7 ]، وكاستنباط صحة صوم من أصبح جُنباً، من قوله تعالى: { فالآن بَاشِرُوْهُنَّ وَابْتَغُوْا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر ) .

   والقسم الثاني : ما يُسْتَنْبَطُ بِضَمِّ الآية إلى غيرها، سواء لآية أخرى،أو لحديث نبوي، ومنه استنباط علي بن أبي طالب(([9] أن أقل الحمل ستة أشهر؛ من قوله تعالى: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُوْنَ شَهْرَاً ) [ الأحقاف/15] مع قوله تعالى:  ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ )،ومنه استنباط أن التطهر المراد بقوله تعالى { فَإِذَا تَطّهَرْنَ } (البقرة/222) ؛ وقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبَاً فَاطَّهَرُوْا) (المائدة: 6 ) هو الاغتسال المذكور في قوله تعالى:{وَلاَ جُنُبَاً إِلاَّ عَابِرِيْ سَبِيْلٍ حَتَّى تَغتَسِلُوْا } (النساء: 43 ) ؛ وبناءً على هذا؛ فإن آيات الأحكام أكثر من أن تُحْصَر بعدد معين، وهذا ضَرْبٌ مِنْ إعجاز القُرْآن الكريم، والله اعلم


([1]) ممن قال بهذا القول الغزالي في المستصفى (4/6)، والرازي في المحصول (2/3/33)، والمارودي في أدب القاضي (1/282).

([2])البرهان للزركشي(2/3-4 ).

([3])وهو قول أكثر العلماء ، وممن رَجَّحَهُ العِزّ بن عبد السلام ، والقَرَافي ، والطُوْفِي ، والزَرْكَشِي ، وابن جُزَي، والسيوطي ، وابن النجار، والشوكاني ، والشنقيطي . انظر شرح التنقيح (ص437)، وشرح مختصر الروضة (3/415 والبرهان في علوم القُرْآن ( 2 / 4 - 6 )، والإتقان (2/ 185)، شرح الكوكب المنير (4/ 406) ، وتقريب الوصول ( ص 431 )، إرشاد الفحول (2/814 )،نثر الورود  )  2/ 145) .

([4])انظر :  التقرير والتحبير (3/390) .

([5])هو كتاب " الإمام في بيان أدلة الأحكام " للإمام الحافظ عز الدِّيْن بن عبد السلام السُلمي (ت/660 ) كتاب عظيم لا يستغني عنه الفقيه، ولا المتفقه، حُقق الكتاب في رسالة علمية؛ بجامعة أم القرى، وطبعه محققه /د. رضوان مختار بن غربية عن دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1407 هللشيخ عِز الدِّيْن بن عبد السلام.

([6]) شرح مختصر الروضة (3/415 ) .

([7]) شرح التنقيح (ص/476 ) .

([8])انظر: البرهان للزركشي( 2/5-7) .

([9])روى البيهقي في سننه الكبرى، باب ما جاء في أقل الحمل (برقم/15326و15327)، (( أن عمر أُتِىَ بامرأة قد ولدت لستة أشهر؛ فَهَمَّ بِرَجْمِهَا ؛ فبلغ ذلك علياً t فقال: (( ليس عليها رجم ؛ فبلغ ذلك عمر t فأرسل إليه، فسأله؛ فقال: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }  وقال:{ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} فستة أشهر حمله؛ حولين تمام؛ لا حَدَّ عليها، أو قال: لا رجم عليها، قال: فَخَلَّى عنها ثم ولدت .