بسم الله الرحمن الرحيم

من قضايا كتاب منهاج البلغاء البلاغية

 

تقديم :

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم علمنا علماً ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا .

كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء لأبي الحسن حازم القرطاجني على غموضه مليء بالقضايا الأدبية والفنون البلاغية الواضحة الظاهرة ، التي لا يكدّ القارئ ذهنه في فهمها ، ولا يحتاج إلى إعادة قراءة جُمَلِها ليدرك مفهومها العام . وأقول مفهومها العام وليس ما يمكن أن تنطوي عليه من أسرار تخفى على إدراكي القاصر .

وعلى الرغم من كونه – غالباً – لم يعنون لأي من مناهجه أو معالمه ومعارفه بمصطلحات ظاهرة الدلالة على الفن البلاغي المتحدث عنه ، إلا أنه بالإمكان وضع اليد على هذا الفن . وقد قرأت في تقديم محمد الفاضل بن عاشور للتحقيق ما يفيد ذلك . إذ أن حازم يصرح بأن كتابه تكلم في البلاغة ، وسرعان ما تثور في الذهن عند ذكر البلاغة  مباحث التشبيه والاستعارة والتمثيل والكناية والتقديم والحذف والتعريف والقصر والجمل الاسمية والفعلية .. إلى غير ذلك من المسائل الجزئية المعروفة من علم البلاغة ، ثم يردها إلى معاقدها من مباحث الفصاحة والبلاغة وحد الإعجاز . ويعود إلى حازم متطلعاً على تلك المسائل باحثاً عن مواقعها من كتابه ، وهو يتوقع أن يكون عرضه إياها في صورة تختلف عن صور عرضها في كتب البلاغة المشتهرة . ولكن الفجاءة تكون غريبة عنيفة عندما يجد نفسه على موقف من المعارف ، ومسلك من الأنظار لا يكاد يتحد مع المواقف والمسالك التي عرفت في كتب عبد القاهر وحزبه . ( مدخل المنهاج ص 9 )

وأنا لم أشأ أن أتتبع القضايا البلاغية في الكتاب قضية قضية ، وذلك لأنني إن فعلت فلن يختلف عملي عما قام به المحقق محمد الحبيب بن خوجة فيما سماه تحليل المنهاج . لكنني حاولت الاستشفاع بما قاله ؛ لوضع خريطة عامة للكتاب ، يتبين منها موقع القضايا التي اخترت الإشارة إليها ، تسهيلاً لإيصال مقصدي من هذه الإشارة .

يتناول حازم بهذا الكتاب درس موضوع الشعر وطريقة نظمه . ونجده يتعمق ذلك في القسم الثاني والثالث والرابع من المنهاج ببحث المعاني والمباني والأسلوب .

كل قسم منها موزع إلى أربعة أبواب كل منها يسمى المنهج . وكل منها مؤلف من فصول تسمى معلماً أو معرفاً ، ويتبعها بملاحظات بلاغية يجمعها في فصول ختامية باسم مأمّ أو مآمّ . وفقر المنهاج متمايزة في كل فصل من فصول الكتاب ، وعنون لها بلفظين على التعاقب إضاءة وتنوير . ( مدخل المنهاج ص 95 )

وفيما يلي إشارات إلى تلك الأقسام وما تناولت من قضايا .

 

تلخيص منهاج البلغاء :

القسم الثاني من المنهاج يبحث في المعاني ، وليس المقصود بالمعاني عند حازم العلم الذي تعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال ، ولكن المراد بها البحث عن المعاني ذاتها وأحوالها وطرق استحضارها وانتظامها في الذهن وأساليب عرضها وصور التعبير عنها . بغرض بيان ما ترتكز عليه الصناعتان الخطابية  والشعرية ، وما يحتاج إليه فيهما من أساليب وأذواق مرجعها علم البيان وعلم البديع . وهو درس للمعاني عظيم الأهمية لمعرفة الصناعة الشعرية ، وبه تظهر أصالة حازم  في ميداني البلاغة والشعر . ( السابق ص 96 )

في هذا القسم أربعة أبواب أو مناهج مختلفة  :  المنهج الأول عقده للإبانة عن ماهيات المعاني وأنحاء وجودها ومواقعها والتعريف بضروبها وهيئاتها وجهات التصرف فيها ، وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك . ولكن لم يصلنا من هذا المنهج إلا فقرتان . عرّض فيهما بأهل الصناعة الشعرية في عصره .

المنهج الثاني في طرق اجتلاب المعاني وكيفيات التئامها وبناء بعضها على   بعض ، وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك . جعله اثني عشر فصلاً ، يتحدث فيها عن أغراض الشعر ، وقسمها إلى أجناس وأنواع تحت هذه الأجناس . وقد قسم معاني الشعر حسب ما تصفه ثلاثة أقسام : ما يصف الدواعي ( وصف أحوال الأمور المحركة إلى القول ) ، ووصف الشعراء ( وصف أحوال المتحركين لها ) ، ووصف الاثنين معاً      ( وصف أحوال المحركات المحرَّكين معاً ) . ( منهاج البلغاء ص 13 )

وهو يقارن بين المعاني بوضعها إزاء بعضها ؛ بحيث يضع المعنى الواحد في حيزين ويقارن بين الفوائد التي تكون له في كليهما والنتيجة : التماثل ، والمناسبة ، والمطابقة ( المقابلة ) ، وأخيراً المخالفة . ( السابق ص 15 )

وقد عرّف المعاني بقوله : هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان . ويجعل للمعنى أولاً وجوداً في الأعيان أو الحقيقة ، ثم وجوداً في الذهن ، ثم وجوداً في اللفظ يعبر عن الصورة الذهنية . ثم وجود في الخط يدل على اللفظ فيدل على الصورة الذهنية . ( السابق ص 19 )  وما أشبه هذا الكلام بما قاله أرسطو عن المحاكاة . وربما أشبه كذلك ما قاله دي سوسير عن الإشارة اللغوية .

وتحدث عن تأثيرات القول الشعري ، وفرّق بين مدركات الذهن ومدركات الحس . وقسم المعاني إلى جمهورية وفنية وعلمية ، وبيّن ما يصلح منها للشعر . وفي هذا المعرض تكلم عن الأصيل والدخيل من المعاني : فالأصيل في الأغراض المألوفة يصح أن يقع أولا وثانياً متبوعاً وتابعاً ، وهذا يدل على شدة انتسابه وحسن موقعه من الشعر ، وهو ما سماه بالمعاني الجمهورية التي يأتلف منها الكلام البديع العالي ، والدخيل لا يأتلف منه كلام عال في البلاغة لأن شرطها حسن الموقع في نفوس الجمهور ، ولا يقع في أغراض الشعر إلا ثانياً وتابعاً . ( السابق ص 25 )

وحازم يذكّر معاصريه بأن الملكة الشعرية لا تتفتح إلا عن معرفة نامية عميقة . فالعرب لا تستغني في قولها الشعر عن التعليم والإرشاد إلى كيفيات المباني ، والتعريف بأنحاء التصرف المستحسن ، والتنبيه على جهات الخلل ووقوع الفساد في تأليف المعاني والألفاظ . فكل شاعر مجيد لا بد أن يلزم شاعراً آخر ليتعلم منه . ( السابق ص 27 ) وهذا تأكيد على وجوب تعلم الشعر وروايته  .

تحدث كذلك عن ما يحسن وما لا يحسن من معاني الشعر ، وفوائد إيراد اللفظ المستعذب ، وعرّض بمن يورد المعاني العلمية في شعره ، وأنه يموّه بكونه شاعراً  عالماً . لكن الدربة قد تحسن إيراد مثل هذه المعاني العلمية في الشعر ، يقول : ( فقد يتمكن أن يتدرب إنسان في المناسبة بين بعض الأغراض المقولة في الشعر وبين بعض المعاني العلمية ، وتحصل له بمزاولة ذلك والحنكة فيه دربة لا تكون له في تأليف معاني الشعر المحضة والمناسبة بين بعضها وبعض ) . ( السابق ص 31 )

وشرح حازم طريقة انتقاء المعاني والتأليف بينها . وفي معرض حديثه عن العلم باستثارة المعاني من مكامنها واستنباطها من معادنها قال إن الأصل في ذلك ( التملؤ من العلم بأوصاف الأشياء وما يتعلق بها من أوصاف غيرها ، والتنبه للهيئات التي يكون عليها التآم تلك الأوصاف وموصوفاتها ونسب بعضها إلى بعض أحسن موقعاً في   النفوس ، والتفطن إلى ما يليق بها من ذلك بحسب موضع موضع وغرض غرض ) .    ( السابق ص 38 ) فكأنه ينبه على وجوب كثرة القراءة وغزارة العلم ، ودقة النظر في الكلام .

ويتحدث عن ملكة الشاعر وتنميتها تحت مسمى المهيئات والأدوات والبواعث ، فالمهيئات تحصل من جهتين : النشء في بيئة مناسبة توجه طبع الناشئ إلى الكمال في صحة اعتبار الكلام وإيقاعه أحسن مواقعه ، والترعرع بين الفصحاء لحفظ الكلام الفصيح وتحصيل المواد اللفظية والمعرفة بإقامة الأوزان . أما الأدوات فهي العلوم المتعلقة بالألفاظ المتعلقة بالمعاني . وأخيراً تحدث عن البواعث وجعلها أطراباً ( الشعر للشعر ) ، وآمالاً ( التكسب بالشعر ) . ( السابق ص 41 )

وتحدث عن القوى المائزة والحافظة والصانعة بطريقة فلسفية منطقية ، واعتبرها مكملات لقول الشاعر : فالقوة الحافظة تكون في استحضار صور الأشياء مرتبة على حد ما وقعت عليه في الوجود ، وشبه الشاعر فيها بالناظم عنده أنماط الجواهر مجزأة محفوظة المواضع . والقوة المائزة تكون في تمييز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم ، وما يصح وما لا يصح . والقوة الصانعة تكون في ضم أجزاء الألفاظ والمعاني والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض ، والتدرج من بعضها إلى بعض . ( السابق ص 42 )

وهو بعد ذلك يصف الشعر في عصره ، ويعرّض بأهل الصناعة الشعرية في عصره وما أكثر ما يفعل . ثم عقد فصولاً تحدث فيها عن قضايا بلاغية كالمطابقة والمقابلة والتقسيم والتفسير والتفريع

المنهج الثالث في الإبانة عما تتقوّم به صنعتا الشعر والخطابة من التخييل   والإقناع ، والتعريف بأنحاء النظر في كلتا الصنعتين ، من جهة ما به تقوّمت ، وما به تعتبر أحوال المعاني في جميع ذلك ، من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها .

وهو مكون من ثمانية فصول ، يتحدث فيها عن الاستدلالات وأنواعها في الشعر . ويذكر خصائص الشعر العربي وموضوعاته ، مقارناً بينه وبين شعر الإغريق الذي بلغ الذروة في فني المأساة والملهاة ، فهو يفضله في الوصف وفي وجوه كثيرة من الصناعة ، ويرى أن عمل أرسطو في فن الشعر منقوص مع أنه يظهر أسفه على عدم وقوفه على جانب كبير من كتاب المعلم الأول . ( مدخل المنهاج ص 98 )

ويعرف حازم الشعر بأنه : كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكره إليها ما قصد تكريهه ، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه بما يتضمن من حسن تخييل له ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته ، أو بمجموع ذلك . ( منهاج البلغاء ص 71 ) ولابد للشعر - في نظره - أن يثير إغراباً ويحدث تعجيباً عند السامع ليكون خليقاً بهذا الاسم . والمحقق يلمس في تعريفه للشعر وبحثه عن مقوماته الأصلية تأثراً كثيراً بآراء أرسطو . ولا شك عنده أن حازم استفاد من مطالعته لفن الشعر .

فحازم في هذا المنهج يأخذ أوصاف المعلم الأول لشعر المأساة والملهاة وما يتفق معها من شعر المديح والهجاء عند العرب . وبفضل هذه المشاكلة استطاع حازم أن يقيم الفروق بين الشعر والخطابة وغيرهما من الفنون الأدبية . فقد أعاد التفريق بين الشعر والنثر من حيث الإقناع والتخييل . ونبه على أن ما تتقوم به الصناعة الشعرية وهو التخييل غير مناقض لواحد من الطرفين ( الصدق والكذب ) ، لذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة ، وليس يعد شعراً من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيل . ( السابق ص 63 )

وقد أثار انتباهي نص في كلام حازم يدل على أنه لا يمكن تطبيق بلاغة اليونان على لسان العرب . فهو يصف شعر اليونان بقوله : ( فإن أشعار اليونانية إنما كانت أغراضاً محدودة في أوزان مخصوصة ، ومدار جل أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها يفترضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود .. وأمثالاً .. لِما وقع في الوجود .  وكانت لهم أيضاً أمثال في أشياء موجودة نحواً من كليلة ودمنة .. وكانت لهم طريقة أيضاً ... يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصريفه ، وتنقل الدول وما تجري عليه أحوال الناس وتؤول إليه ) . وذلك بعد قوله : ( إنما اتسع في المحاكيات الشعرية ، وعلى هذه الأنحاء التي أشرت إليها ، وعلى ما نذكره بعد في أصناف المحاكيات وكيفيات التصرف فيها ، وفي لسان العرب خاصة . فلذلك وجب أن توضع لها قوانين أكثر مما وضعت الأوائل ) ( السابق ص 68 )

إذا كان متأثراً بأرسطو فلم قال هذا الكلام وعقد هذه المقارنة ؟! إنه يصرح بعدم قدرة البلاغة اليونانية على الوفاء بما في العربية من أساليب ( لو وجد هذا الحكيم في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب .. لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية )    ( السابق ص 69 )

وقد استطاع حازم أن ينزع من علم النظم مالا يتصل بطبعه ولا يتجانس معه . فبحث أغراض الشعر ، وقسمها إلى حاصلة واقعة ومختلقة كاذبة ، ثم فصل كل واحد من الجنسين إلى ما يتفرع إليه من صور اقتصادية وتقصيرية وإفراطية ، وميز الواجب عن الممكن ، والمستحيل عن الامتناعي ، وبين صور التقابل في إيقاع المعاني ، وتحدث عن المحاكاة وطرقها وما يلابسها من أوصاف الحسن والقبح : محاكاة تحسينية وتقبيحية .

وعمد إلى حماية هذه الصناعة والذود عنها ، راداً على من يدعي اقتصار الشعر على الكذب ، ومستشهداً بأن العرب ينزلون الشاعر بمنزلة النبي . ( مدخل المنهاج ص 99 )

فدرس قضية أعذب الشعر أكذبه ، وهل الأقاويل في الشعر دائماً ما تكون كاذبة . يقول : ( وإنما احتجت إلى إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع الشبهة الداخلة في ذلك على قوم ، حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة . وهذا قول فاسد قد رده أبو علي ابن سينا في غير ما موضع من كتابه ) ( منهاج البلغاء ص 81 ) . فالاعتبار في الشعر يكون في التخييل ، ولا يشترط في ذلك صدق ولا كذب ، لأن صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة ، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه . وينقل كلاماً لابن سنا فيه : ( الأقاويل الشعرية مؤتلفة من المقدمات المخيلة من حيث يعتبر تخييلها ، كانت صادقة أو كاذبة . وبالجملة تؤلف من المقدمات من حيث لها هيئة وتأليف تقبلها النفس بما فيها من المحاكاة ، بل ومن الصدق فلا مانع من ذلك ) ( السابق ص 82 ) فانظر تر كيف قرن هذا الإمام الرئيس صدق الشعر بالمحاكاة . لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة ،  وحسن إيقاع الاقترانات ، والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ المستعذبة . ( السابق ص 84 )

وإنما غلط في هذا – فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة – قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر . لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطُّرق الموصلة إلى معرفته . والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن ، فيحتاجون إلى معرفة ماهيات الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك . فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة . وشبههم حازم بالرجل الذي استعار كتب الطب لليلة ليعالج صديقه المريض ، فقضى عليه في اليوم التالي بثريدة أطعمها إياه . فكما أن هذا الرجل أصبح جالينوساً من ليلته ، كذلك يريد المتكلم في الفصاحة من المتكلمين أن يصبح من ليلته جاحظاً وقدامة إن شاء . وجاء بهذا البيت :

     وإنّ كلام المرء ما لم تكن له        حصاة على عوراته لدليل ( السابق ص 86 )

ويشبه حازم الشعر بالمرآة والتصوير ، فكما أن المحاكي باليد قد يمثل صورة الشيء نحتاً أو خطاً فتعرف المصور بالصورة . وقد يتخذ مرآة يبدي لك بها تمثال تلك الصورة فتعرف المصور أيضاً بتمثال الصورة المتشكل في المرآة ، فكذلك الشاعر تارة يخيل لك صورة الشيء بصفاته نفسه . وتارة يخيلها لك بصفات شيء آخر هي مماثلة لصفات ذلك الشيء . ( السبق ص 94 )

 

وفي معرض حديثه عن تحرك النفوس للمحاكاة بناء على ما عندها من أحد نوعي الاستعداد ، وهما : أن يكون للنفس حال وهوى يهيؤها للتحرك لقول ما . والاستعداد الثاني أن تكون النفس معتقدة في الشعر أنه غريم يقتضي من النفوس الكريمة الاستجابة له بما أسلبها من هزة الارتياح لحسن المحاكاة . في معرض هذا قال : هكذا كان اعتقاد العرب في الشعر ، فكم خطب عظيم هونه عندهم بيت ، وكم خطب هيّن عظمه بيت  آخر . وكان لبعض الأمم من العناية بالشعر مثل ذلك .  ولذلك قال ابن سينا أن العرب ينزلون الشاعر منزلة النبي فينقادون لحكمه ويصدقون كهانته .

وقد انتهت العرب إلى إحكام هذه الصنعة المؤثرة بالنفوس لاضطرارهم إلى التأنق في تأسيس مباني كلامهم . ولشدة حاجتهم إلى تحسين كلامهم اختصوا بأشياء لا توجد في ألسنة غيرهم من الأمم : كتماثل المقاطع في الأسجاع والقوافي . خصوصاً ما في القوافي من اقترانات بعض الحركات والسكنات ، وما تتنوع إليه من ضروب الترتيب ، فهذه فضيلة مختصة بلسان العرب . ( السابق ص 123 )

بالمقابل هان الشعر على الناس لعجمة ألسنتهم واختلال طباعهم ، وصرفوا النقص إلى الصنعة ، وهو راجع إليهم موجود فيهم . ( السابق ص 125 )

ثم يعود إلى مسألة الكذب ، ويقول أن اعتقاد النفوس بان الشعر زور أمر حملهم عليه الحسد فيما قصرت عنه طباعهم . وكثيراً ما يذم الإنسان ما مُنعه ، فغضوا من الشعر ومن أهله حتى أخرجوه من الحقائق جملة ، وما أجدرهم أن يتعلموا ، أو لا يتكلموا فيما لم يعلموا . ( السابق ص 126 )

المنهج الرابع في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من الكلام ، فتوجد بها ملائمة للنفوس أو منافرة لها . ويتألف من ثلاثة عشر فصلاً ، يشرح فيها أصول النظريات البلاغية وطرق تطبيق القواعد الراجعة إليها في صوغ الكلام على نحو ما تقتضيه وجوه تأدية المعاني .

وذكّر بأصول الصناعة الشعرية وبالنظريات المتخذة أساساً للنقد لدى السابقين , وهو يستجيد طرق النظم القديمة ويدافع عنها ، يقول : ليس ينبغي أن يعترض على الشعراء في أقاويلهم إلا من تزاحم رتبته في حسن تأليف الكلام وإبداع النظام رتبتهم . فإنما يكون مقدار فضل التأليف على قدر فضل الطبع والمعرفة بالكلام ، وليس كل من يدعي المعرفة باللسان عارفاً به في الحقيقة . ( السابق ص 144 ) ويعد علماء البلاغة وحدهم قادرين على إدراك خصائص التراكيب وأسرار الصيغ التعبيرية .

في نهاية المنهج الرابع بسط القول في وضوح المعاني وارتباطها ببعضها وتساوقها واختيارها وطرق استعمالها ، وما يعرض فيها من المبالغة والغلو ، ويتولى التفريق بين المعاني القديمة المتداولة والجديدة والمخترعة .

وفي المعلم الدال على طرق العلم بوقوع المعاني المتقاربة متمكنة ، حيث توضع المعاني في مواضعها اللائقة بها وألا تضع مواضعَ غيرُها من المعاني أولى بها منها . استشهد بقول الفرزدق :

وإنك إذ تهجو تميماً وترتشي      سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كمهـريق ماء بالفلاة وغره       سـراب أذاعتـه رياح السمائم

وقول ابن هرمة :

وإني وتركي ندى الأكرميـن      وقدحي بكفي زنـاداً شحـاحاً

كتـاركة بيضـها  بـالعـرا      وملبسـة بيض  أخرى جناحا

وفي حركة طريفة تدل على حذق وفهم للمعاني قال : إن معنى بيت الفرزدق الثاني مناسب لمعنى بيت ابن هرمة الأول ، ومعنى بيت ابن هرمة الثاني مناسب لمعنى بيت الفرزدق الأول فلو تبادلا :

وإنك إذ تهجو تميماً وترتشي      سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كتـاركة بيضـها  بـالعـرا      وملبسـة بيض  أخرى جناحا

والآخر :

وإني وتركي ندى الأكرميـن      وقدحي بكفي زنـاداً شحـاحاً

كمهـريق ماء بالفلاة وغره       سـراب أذاعتـه رياح السمائم

لكان قد وضع الكلام موضعاً صحيحاً وكان المعنى متمكناً وتشبه كليهما واقعاً موقع اللائق . ( السابق ص 159 )

وفي كلامه حديث جميل عن الغموض يقول : إن الدلالة على المعاني على ثلاثة أضرب : دلالة إيضاح ، ودلالة إبهام ، ودلالة إيضاح وإبهام معاً .

 فوجوه الإغماض في المعاني منها ما يرجع للمعاني أنفسها ، ومنها ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات . فقد يكون المعنى نفسه دققاً ، أو مبنياً على مقدمة لم ينتبه إليها . أو مضمناً معنى علمياً أو خبراً تاريخياً أو محالاً به عليهما ، أو إشارة إلى بيت أو مثل أو كلام سالف بالجملة . أو أن يُبنى المعنى على بعض ما يلتزمه على جهة الإرداف أو الكناية عنه أو التلويح إليه . أو وضعت صور تركيبه الذهني  على غير ما يجب فلا يهتدى إلى فهمه . أو أن يشتمل المعنى على أوصاف تشترك مع غيره لا توج مجتمعة إلا فيه فينصرف الذهن عنه إلى أنحاء من الاحتمالات .

أما ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات ، كأن يكون اللفظ حوشياً أو غريباً أو مشتركاً فيتعذر فهم المعنى . أو أن يقع ف الكلام تقديم وتأخير أو قلب الإسناد . أو تطول العبارة ويتراخى بعض أجزائها عما أسند إليه ( العجيب أنه ذكر ذلك ولم ينتبه إلى أنه سيد من يقترف هذا الخطأ ) ، وفرط الإيجاز الذي يكون لا بقصر أو حذف .

وهذه الوجوه تقع في الكلام مدار الأقاويل التي يقصد بها الكنايات والألغاز وما جرى مجراهما مما لا يقصد فيه الإبانة والتصريح . ( السابق ص 173 )

وتبعاً لهذا الكلام قال : فالواجب ألا يستعمل في الشعر من الأخبار إلا ما شُهر ، وألا يستعمل فيه شيء من معاني العلوم والصنائع ، ولا شيء من عباراتهم إذا كان الغرض مبنياً على ما هو خارج عن تلك العلوم والصنائع .

فمن المبني على المعاني الكلامية قول أبي تمام:

مـودة ذهب أثمـارها شَبـَه      وهِمةٌ جوهر ، معروفها عرضٌ

وقوله في المعاني النحوية :

خرقاء يلعب بالعقول حبابها        كتلاعب الأفعال بالأسمـاء

وإنشاد أبي الخطاب الصابي – وكان أبوه طبيباً – قول أبي العتاهية :

قال لي أحمد ولم يدر ما بي        أتحـب الغـداة عتـبـة حـقـاً

فتنفسـتُ ثم قلت  نعم حبـ              ـاً جرى في العروق عرقاً فعرقاً

وقولهم في قول المهلبي :

يـا مـن لـه رتبٌ ممـكـ              ـنة القـواعـد فـي فؤادي

هذا يصلح أن كون شعر بناء . وفي وصف القلاّل بيت أبي نواس :

ودار ندامى عطلوها وأدلجوا       بها أثر منهم جديـد ودارس

بقوله : هذا شعر لو نقرت فه طنّ . فوصفه من طريق صناعته ، حتى كأنه قلة .  ( السابق ص 192 )

وفي معرض حديثه عن طرق العلم بأنحاء النظر في المعاني ، من حيث تكون قديمة ومتداولة ، أو جديدة مخترعة . قسم  مراتب الشعراء فيما يلمون به من المعاني أربعة : اختراع وهو غاية الاستحسان . واستحقاق ، وهو تال له . وشركة ، منها ما يساوي الشاعر فيه الآخر فهذا لا عيب فيه . ومنها ما ينحط الآخر عن الأول وهذا  معيب ، وأخيراً سرقة وكلها معيبة وإن كان بعضها أشد قبحاً من بعض . ( السابق ص 196 )

......

القسم الثالث من المنهاج موضوعه المباني وهو في النظم وما تعرف به أحواله من حث يكون ملائماً للنفوس أو منافراً لها من قوانين البلاغة . وهو يتألف من أربعة مناهج يبحث فيها الأوزان وما تخضع له من قوانين وأحكام بلاغية ، وسائر ما يقوم به فن النظم .

المنهج الأول في الإبانة عن قواعد الصياغة النظمية والمآخذ التي هي مداخل   إليها ، وما تعتبر به أحوال الصنعة في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها .

وهو متفرع خمسة فصول : يشرح معنى الطبع والملكة الشعرية ، ويردها إلى الفطرة والموهبة ، فالطبع استكمال للنفس في فهم أسرار الكلام والبصيرة بالمذاهب والأغراض . ويتحقق ذلك بقوة فكرية واهتداءات خاطرية تتفاوت بين الشعراء . وعلى هذا الأساس يكون السبق والتقدم .

يستعرض ما يقوم الملكة شارحاً ومفصلاً . ينتهي به ذلك إلى التحليل وبيان ملاحظات نقدية ناتجة عن وجوه تحقق تلك القوى لدى الشعراء . ويوزع الشعراء إلى ثلاثة أقسام : شعراء على الحقيقة ، وغير شعراء على الحقيقة ، وطائفة متوسطة بينهما .  ويشيد بخصائص جماعة من أعلام الشعر كابن الرومي والبحتري وابن المعتز والمتنبي وابن الدراج وأبي تمام .

ومن طريف ما أورده خبر عن أول وصية من أبي تمام للبحتري إذ تتضمن جملاً مما يحتاج إليه في هذا الباب . يقول : ( يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم ، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شي أو حفظه في وقت السحر ، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقاً والمعنى رشيقاً وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ولوعة الفراق . وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرّف مقاومه وتقاصَّ المعاني واحذر المجهول منها ، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية ، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام . وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين . وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين . فما استحسنته العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى ) ( منهاج البلغاء ص 203 )

وهو يوجه الناشئة إلى الكيفيات التي تتناول بها الأغراض الشعرية ، والطرق المتوخاة لاختيار الألفاظ والتراكيب ، مع الإشارة إلى مختلف الأغراض وما يناسبها من أوزان ، ويفرق بين الأشعار المرتجلة والأشعار المروّاة . ( مقدمة المنهاج ص 102 ) .

وفي هذا المعرض يقسم الأوزان إلى طويلة وقصيرة ومتوسطة ، فالطويلة تحتاج إلى الحشو ، والقصيرة تحتاج إلى الاختصار والحذف ، وتقع المساواة في المتوسطة . وقسمها تقسماً آخر ، فمنها الفخمة الرصينة لمقاصد الجد كالفخر ، ومنها ما يليق بالحنان والرقة كالغزل . ( منهاج البلغاء ص 205 )

ولما تحدث عن عوادي الوزن التي منها ما يعود للشاعر ومنها ما يعود للشعر ، ختم هذا بنصيحة كعادته يقول فيها : ( وقد قدمت أن ضروب التغييرات التي تصير غير الموزون متزناً هي : إسكان متحرك أو تحريك ساكن أو زيادة في اللفظ أو نقص منه أو عدل صيغة إلى أخرى أو تقديم وتأخير أو إبدال لفظة مكان أخرى أو اجتماع أكثر من واحد من هذه التغيرات ) ( السابق ص 211 )

المنهج الثاني في الإبانة عن أنماط الأوزان في التناسب ، والتنبيه على كيفيات مباني الكلام وعلى القوافي وما يليق بكل وزن منها من الأغراض ، والإشارة إلى طرف من أحوال القوافي وكيفية بناء الكلام عليها وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائماً للنفوس أو منافراً لها .

وقد يبدو من هذا أن في  المنهج مباحث كثيرة مكررة من المنهج السابق . والتكرار سمة بارزة في الكتاب بعامة ، ربما يرجع ذلك للطريقة التي انتهجها لتناول قضايا الشعر مما يجبره على تناول الأمر الواحد من أكثر من جهة .

والمنهج مكون من سبعة فصول : يولي فيها قوانين الشعر من أوزان وأعاريض وقواف كل عنايته ، ويحلل بدقة مقومات الوزن ، فبيت الشعر يتكون ضرورة من أجزاء تساعية أو سباعية أو خماسية . ويفرق بين الأوزان البسيطة والمركبة .

وقد لاحظ المحقق أن تحليل حازم للوزن مأخوذ بطريقة أرسطو ، حيث الجزء يتألف من أ{جل ، والأرجل هي المقاطع الصوتية التي لها عنده نفس المعنى المصطلح عليه لدى اليونان ، فهو لا يرتكز في هذا التحليل ارتكازاً مطلقاً على أصول المذهب الخليلي . ومن ثم فقد نبه على خصائص الأوزان مقارناً ومقابلاً بينها ، مبدياً آراء عجيبة لها أهميتها في درس بحور الشعر العربي . ( مقدمة المنهاج ص 103 ) .

بحث مقومات الوزن كلها ، وتميز عن سائر العروضيين بألفاظ اصطلاحية   خاصة ، واعتنى بضبط مقادير تناسب الأوزان وما يحصل فيها من التغاير أو يمتنع من ذلك ، ويقسم أوزان الشعر إلى مجاميع تبعاً لذلك . ويدرس جملة من الزحافات والعلل بدون تفريق بينهما . وذكر أمثلة لهما . ( السابق ص 106 )

ولاحظ تقاسم الأغراض والمعاني للأوزان تبعاً لطبيعة الإيحاء الشعري الذي تقتضيه . ورأى أن الأوزان ليست سواء في جواز التصرف فيها . فهو يقارن بين الأوزان ويذكر خصائص كل منها .

وفي معرض ذلك قال كلاماً جميلاً في التفضيل بين الشعراء : ( فيجب لما ذكرته أن يعتبر الكلام الواقع في كل عروض بحسب ما أعتيد فيه أن يكون نمط الكلام عليه ، وألا يفضل شاعر وجدت له قصيدة في الطويل والكامل مائلة إلى القوة على شاعر وجدت له قصيدة في المديد أو الرمل مائلة إلى الضعف . فقد يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريض التي من شأنها أن يقوى فيها النظم مساوياً لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريض التي من شأنها أن يضعف فيها النظم .. وإنما يحكم بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر إذا عرف أن كليهما نظم شعره على حال واحدة من النشاط وقوة الباعث وانفساح الوقت . وكانا قد سلكا مسلكاً واحداً وذهبا من المقاصد مذهباً مفرداً أو كان مذهب أحدهما مقارب لمذهب الآخر ومناسباً له ، وكان شعرهما في عروض واحد أو عروضين غير بعيد نمط الكلام في أحدهما عن نمطه في الآخر  ) ( منهاج البلغاء ص 270 )

وتحدث عن القوافي وتأصيلها ، وذكر أحوالاً وشروطاً تتكفل بإبراز الأثر المطلوب من القافية في النظم ، وطرق المعرفة بتأصيل القوافي بناء ما قبلها عليها وبناءها على ما قبلها . وذكر التصريع ووجوهه ومذهب المتقدمين فيه ، وأحكام المطالع والمقاطع . ( مقدمة المنهاج ص 107 )

المنهج الثالث في الإبانة عما يجب في تقدير  الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين هيآتها ، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائماً للنفوس أو منافراً لها .

يفتتح هذا المنهج بقوله : ( اعلم أن الأبيات بالنسبة إلى الشعر المنظوم نظائر الحروف المقطعة من الكلام المؤلف ، والفصول المؤلفة من الأبيات نظائر الكلم المؤلفة من الحروف ، والقصائد المؤتلفة من الفصول نظائر العبارات المؤلفة من الألفاظ . فكما أن الحروف إذا حسنت حسنت الفصول المؤلفة منها إذا رتبت على ما يجب ووضع بعضها مع بعض على ما ينبغي كما أن ذلك ف الكلم المفردة كذلك . وكذلك يحسن نظم القصيدة من الفصول الحسان كما يحسن ائتلاف الكلام من الألفاظ الحسان إذا كان تأليفها منها على ما يجب . وكما أن الكلم لها اعتباران : اعتبار راجع إلى مادتها وذاتها ، واعتبار بالنسبة إلى المعنى الذي تدل عليه  ، كذلك الفصول تعتبر في أنفسها وما يتعلق بهيآتها ووضعها ، وتعتبر بحسب الجهات التي تضمنت الفصول الأوصاف المتعلقة بها ) ( منهاج البلغاء ص 287 )

يعرض في أربعة فصول الأحكام التي ينبغي اعتمادها في كل مرحلة من مراحل تأليف القصيد ، وجعل أربعة قوانين للفصول وترتيبها ، الأول استجادة مادتها وانتقاء جوهرها ، والثاني ترتيبها حسب اعتناء النفس وغرض الكلام . والثالث ترتب ما يقع فيها من أبيات ، وبيّن أن من الشعراء من يبدأ بالمعنى الأشرف ومنهم من يختم به . المهم أن يصاغ الرأس بمعنى حسن الوقع في النفوس ، وأن يكون له علقة بما قبله وأن يردف بما كون لائقاً به في الفصل . القانون الرابع فيما يجب أن قدم ويؤخر من الفصول وأضرب اتصالها ببعضها . ( السابق ص 292 )

ثم راح يقسم الشعراء من حيث ما اشتملت عليه فصولهم من أوصاف الجهات ، فمنهم من يبالغ ويستقصي الأوصاف التي يكمل بها الاتساق بين الفصول ، ومنهم من يكتفي بمقدار ما يلتئم به المعنى ، ومنهم من يخل ويترك كثيراً من الأركان .

ومن الشعراء من يكثر من التخييل ولا يعرج على الإقناع الخطابي ، ومنهم من يستعمل الإقناع في كثير من الأبيات في فصول القصيدة ، وإنما يعاب الشاعر إن قارب المساواة بينهما بزيادة قليلة أو نقص الأقاويل الخطابية . أما الخطيب فيحسن له ذلك الاعتضاد بالأقاويل المخيلة إراحة للنفس وإجماماً لها . ( السابق ص 293 )

والأحسن أن يتخطى الشاعر إلى الأشرف فالأشرف ، وأن يبدأ بالمعاني الجزئية صدور الفصول وتردف بالمعاني الكلية . ( السابق ص 296 )

ويتحدث عن ( التسويم ) وهو اعتماد الأغراض الأصلية في رؤوس الفصول ووجوهها أعلاماً على مقاصد النظم وإعلاماً بمغزى الشاعر فيه ، فيجعل للشيء سيمى يتميز بها . وضرب مثلاً لذلك بالمتنبي وحلل قصيداً له .

ثم تحدث عن ( التحجيل ) وهو تذييل أواخر الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية . وجعل السبق فيه لزهير ، وجعل أبا الطيب من أتباع هذا المذهب المولعين به .

وعقب على جميع ذلك بالتنبيه إلى عدم الاستكثار منه فرارا من قبح التلكف وما وجبه التزامه من الاستكراه والسآمة . ( مقدمة المنهاج ص 107 )

المنهج الرابع في الإبانة عن كيفية العمل في إحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حث ما يكون ملائماً للنفوس أو منافراً لها .

ويتألف من خمسة فصول يمضي في بيان أحكام مباني القصائد وتحسين هيئاتها  بالنسبة للقصائد البسيطة الموضوع أو المركبة , ويتحدث عن مذهب الإبداع في الاستهلال مورداً أمثلة على ذلك من أشعار القدامى والمولدين من اختياره واختيار غيره . ويشير إلى أنحاء التخلصات في النظم ومذهب الإبداع فيها وفي الاستطراد .( السابق ص 108 )

وكان مما تكلم فيه القصائد المشتملة على النسيب والمديح ، حيث تبدأ بما يرجع إلى المُحب كالوقوف على الربوع  ، ومقاساة طول الليل ، أو ما يرجع له وللمحبوب كمقاساة الرحيل ، وأحسن ما يبتدأ به ما كان مؤلماً ملذّاً كالتذكر والاشتياق وعرفان المعاهد . وهذا  احتيال لعطف أعنة الكلام إلى المديح فلا يحسن أن بدأ بالمؤلم المحض . ثم يصدر المديح بتعداد فضائل الممدوح ، ثم مواطن بأسه وكرمه ، وذكر مآثره ومآثر سلفه الحسن ، ويختم بالتيمن للممدوح والدعاء له بدوام النعمة . أما القصائد البسيطة فتبدأ بوصف ما يكون في الحال مما له إلى غرض القول انتساب شديد ( منهاج البلغاء ص 305 )

يعتمد في وصف الحرب تفخيم العبارات وتهويل الأوصاف . وملاك الأمر في جميع ذلك أن يكون المفتتح مناسباً لغرض المتكلم ، وأن يكون فيه التنبيه لنفس السامع وتختم القصيدة بمعان سارة إذا قصد التهاني والمديح ، ومؤسية إذا قصد التعازي   والرثاء . ( السابق ص 310 )

وفي التخلصات تقسيم إلى تخلص مقصود فيستوجب التدرج والانتقال المستظرف . أو غير مقصود فلا كون الغرض الأول توطئة له ، وإنما يسنح للخاطر بديهياً ، وهذا هو الالتفات  ، والانعطاف فيه يكون بواسطة تشعر به في الكلام الأول قبل الانتهاء إلى  الثاني . و أصناف الالتفاتات كثيرة وأكثر مما يعنى به البديعيون من ضروبه . ويختم بإيضاح الفوارق بين الشاعرين المقصد والمقطع . ( السابق ص 315 )

القسم الرابع والأخير في الطرق الشعرية وما تنقسم إليه وما ينحي بها نحوه من الأساليب ، والتعريف بمآخذ الشعراء في جميع ذلك وما تعتبر به أحوال الكلام المخيل المقفى الموزون في جميع ذلك ، من حث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها من القوانين البلاغية .

المنهج الأول في الإبانة عن طرق الشعر من حيث تنقسم إلى جد وهزل وما تعتبر به أحوالها في كل ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها .

وفيه أربعة فصول ،  تقسيم الشعر إلى نوعين متمايزين هما جدي وهزلي ، وبحث خصائصهما وتعرض لما يليق بكل منهما من الأغراض والمباني ، وجواز أخذ كل منهما بلوازم الآخر . وقد ركز نظرياته على أصول وقواعد فنية بلاغية ، ورجع إلى الأخذ بمقالات الحكماء المتقدمين أمثال سقراط .

المنهج الثاني في الإبانة عن طرق الشعر من حيث تنقسم إلى فنون وأغراض وما تعتبر به أحوال الشعر في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها .

وفيه خمسة فصول دراسة ألوان الشعر بتنويعه إلى مختلف أغراضه وموضوعاته . وضروب الإمداد الشعري بالإشارة إلى واقع الشاعر وتجاربه الشخصية ، وإلى القوة المخيلة . وعلى هذا الأساس يشيد بشعراء العربية منوهاً بجماعة منهم نبغوا في الصناعة وبلغوا منازل السمو والإبداع : كالشريف الرضي ومهيار الديلمي وابن خفاجة الأندلسي .

وتعرض إلى جملة من الأغراض الشعرية ( المدح والرثاء والنسيب والفخر والتهاني والاستعطاف والهجاء ) وما يختص به كل لون من أوجه التصرف لبلوغ الغاية المنشودة .

المنهج الثالث في الإبانة عن الأساليب الشعرية وأنحاء الاعتمادات فيها وما يجب أن تعتبر به أحوالها في جمع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها .

فيه ثلاثة فصول أصلية عن الأساليب الشعرية بأنواعها وخصائصها ووجوه استعمالها بحسب الأغراض المختصة بها والمنسجمة معها . وهو من أجل ذلك يحث على التزام الطريقة المتخيرة والخضوع لأحكامها .

المنهج الرابع في الإبانة عن المنازع الشعرية وأنحائها وطرق المفاضلة بن الشعراء ف ذلك وغيره من أنحاء التصاريف في هذه الصناعة ما يعتبر به أحوال الكلام وأحوال القائلين في جميع ذلك .

يتألف من أربعة فصول ، الأولين على بيان مذاهب الشعراء ومآخذهم في نظمهم . وفي الفصل الثالث قضية نقد الشعر ، وصعوبة وظيفة الناقد . وقضية المفاضلة بين الشعراء ، وصعوبات وشروط ذلك . ( مقدمة المنهاج ص 110 )

 

خاتمة القول :

هذا قصارى ما استطعت جمعه في تلك القراءة السريعة التي هضمت كتاب منهاج البلغاء حقه ، ولقد أجملت القول ما استطعت ، وأعطيت إشارات سريعة عن أبرز ما أثار اهتمامي من مواضيع تدخل أكثر في صميم الأدب متجنبة فنون البلاغة المعروفة ، مع عدم خوضي في القسم الرابع لأنني رأيت فيما كُتب في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب التقريب غناء ( كملخص ) . ولقد أمتعني الكتاب بالرغم من هذا ووجدت فيه طريقة مختلفة ، وفكراً منطقياً منظماً عميقاً ، وقدرة على التقسيم غريبة .

كتاب حازم مميز يدل على تميز مؤلفه حتى في اختاره لأسماء مباحثه بالمعرف والمعلم ، إضافة إلى المصطلحات الغريبة كالأطراب والإعتاب ، أو الفلسفية كالجوهر والغرض ، أو جديدة كالتسويم . وتدل كثرة وتنوع الشواهد على سعة ثقافته ، ولم يأت بشيء منها في صياغته لقواعده المقتضبة .

وقد لفت انتباهي أنه يقدم وصايا للشاعر ولا يلزمه بها ( وكلامنا ليس واجباً على الشاعر لزومه ، بل مؤثراً حيث يمكن ذلك ) . ( السابق ص 81 ) ولذلك هو يستخدم أسلوب التفضيل كقوله : ( وأحسن مواقع التخييل : أن يناط بالمعاني المناسبة للغرض الذي فيه القول كتخييل الأمور السارة في التهاني، والأمور المفجعة في المراثي . فإن مناسبة المعنى للحال التي فيها القول وشدة التباسه بها يعاون التخييل على ما يراد من تأثر النفس لمقتضاه ) .

يختم مناهجه وأقسامه جميعاً بعبارة ( وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها ) ، وربما لأن من شروط الفصاحة والبلاغة ملاءمتها للنفوس وخلوها مما ينفر .

وفي كلام حازم إشارات عديدة إلى موضوعات القسم الأول المفقود من الكتاب ، تدل على أنه كان يتناول فيه القول وأجزاءه ، والأداء وطرقه ، والأثر الذي يحصل للسامعين عند صدور الكلام ( مقدمة المنهاج ص 94 ) .

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

                                                 والحمد لله رب العالمين

                                                 الجمعة 9/1/1429هـ