قائمة الروابط

المدارس العالمية في المملكة .. شاهد من الداخل

بقلم :   خليل محمود الصمادي   2009-11-11 23 /11 /1430 

 

لا شك أن  السماح بإعطاء تراخيص لهذا النوع من المدارس قد أحدث تباينًا في الحقل التربوي في المملكة، وذلك لتميز النظام التعليمي فيها عن بقية دول العالم، فأعتقد أنها الدولة الوحيدة التي ما زالت تعطي الدين أهمية كبيرة بمعدل ثماني حصص أسبوعيًا، وكذا تمتاز عن غيرها بتحريم الاختلاط حتى في المراحل الابتدائية الأولية، ولهذين السببين كانت الدهشة والاستغراب.

بدأت المدارس العالمية في المملكة العربية السعودية منذ عام 9141هـ وبلغ عدد المدارس العالمية التي حصلت على تراخيص مؤقتة ودائمة أكثر من مئة مدرسة تعمل في المدن الكبيرة، إلا أن وزارة التربية وضعت قيودًا على هذه المدارس أهمها:

- عدم قبول الطلاب السعوديين إلا في حالات خاصة.

- تدريس اللغة العربية وأقلها حصة في الأسبوع.

- تدريس تاريخ المملكة باللغة العربية أو الأجنبية كواقع حصة واحدة في الأسبوع.

- الفصل التام بين الجنسين، ولا يجدد الترخيص إن لم يتم الفصل.

- الإشراف التربوي من قبل وزارة التربية.

 

شاهد شاف بعض الحاجات

لم أفكر يومًا أن أصبح مدرسًا في مدرسة عالمية في الرياض بالمملكة العربية السعودية،  ولم يخطر على بالي أن أصبح زميلًا لزملاء وزميلات من جنسيات عربية مختلفة وغيرها من الدول الصديقة والحليفة وصديقًا لأصحاب الملل والنحل.

منذ ست سنوات طرقت باب إحدى المدارس العالمية، وعملت بها من الصباح إلى ما بعد الظهيرة وبقيت بها المدة كلها، وخلال هذه المدة عملت أيضًا لمدة سنتين متعاونًا  مع إحدى المدارس العالمية الدولية التي تتبع السفارات الغربية بدوام جزئي لتعليم اللغة العربية للطلاب العرب خارج أوقات الدوام الرسمي للمدرسة، وكنت قبل أن ألج التعليم العالمي مدرسًا في القطاع الحكومي لمدة أربع سنوات وفي المدارس الأهلية الخاصة لمدة خمسة عشر عامًا، وهذه الأنواع الثلاث تمثل التنوع التعليمي في المملكة، ولكل نوع نكهته ومزاياه، وأترك الإخوة المعلمين دون مزايا النوعين الأولين لأنهما معروفان من التعليم بالضرورة، وأما النوع الثالث فسأتحدث عنه فربما لا يعرفه الكثيرون.

وكنت قبل أن ألج باب هذه المدارس متأثرًا بما قرأته وسمعته من علمائنا الكرام، وقام كثير من المحبين بتحذيري من العمل بها ولا سيما أنني سأقوم بتدريس مادتي الدين واللغة العربية.

استعنت بالله وعملت سنوات عديدة، وأرى أن أسجل ما لها وما عليها، وأن أكون منصفًا ما استطعت.

في البداية أقول إنني عندما دخلت هذه المدرسة عام 2241هـ كانت الوزارة قد منعت الاختلاط بين الطلاب، وقامت بإنذار أي مدرسة لم تفصل الجنسين  بسحب التراخيص منها، وقيل لي إن هذا العام هو العام الدراسي الأول الذي يتم فيه الفصل، وقد يكلف مبالغ باهظة, ولا سيما إن كان عدد الطلاب والطالبات قليلًا،  وكان الفصل بين الجنسين حديث الطلاب، بعضهم متذمر وبعضهم مؤيد وهم قلة، أما الأهالي فعلى عكس ذلك، فالكثير منهم أيده، والقليل أبدى أسفه، وأما بالنسبة للهيئة التعليمية فلم يكن  الانفصال كليًا، وذلك لاعتبارات في الجدول والحصص, كان قلة من المدرسات يدرسن الأولاد وقلة من المدرسين يدرسون البنات، وأما الإدارة فقد كانت مختلطة، ومن نافلة القول إن المدرسات كن يرتحن في التعامل مع الإداريين الذكور والعكس صحيح، وأما بالنسبة لاختلاط المدرسين بالمدرسات فكان يتم للضرورة  إلا أن الغالبية من المعلمات كن يفضلن الجلوس وحدهن في الفسح وفي حصص الفراغ وكانت الإدارة تشجع ذلك.

الدين في المدارس العالمية

لا شك أن قضية الدين من أهمّ القضايا، ولاسيما في المجتمع السعودي وكانت الوزارة حريصة على إدخال مادة الدين للمنهج بواقع حصة أسبوعيًا كحد أدنى، ومن الغريب أن جل الطلاب الذين عملت معهم كانوا من المسلمين، وهم يحبون الدين جدًا ويتأثرون في الحصة ويطلبون المزيد، وكذا الأهل كانوا يبدون إعجابهم بحصص الدين ويطالبون الإدارة بزيادتها، وعلمت أن كثيرًا من الأهل جلبوا لأولادهم مدرسي دين في المنازل لتعويض النقص، وأما الصلاة فالمدرسة التي عملت بها كان بها مسجد وهو عبارة عن فصل دراسي مفروش بالسجاد، يترك للطلبة الحرية في الصلاة في الفسح، ولا أحد يأمرهم بها، إلا بعض المدرسين تطوعًا، وبالفعل كان المسجد يمتلئ بالطلاب ولا سيما في شهر رمضان، والإدارة لا تتدخل مع المدرس الذي يشجع  التلاميذ على الصلاة، وكان كثير من المدرسين يشجعون الطلاب على الصلاة إلا أنَّ البعض كان يخشى من ذلك، وأذكر أنه في يوم ما قام أستاذ التربية الرياضية  ليشجع التلاميذ الصغار على صلاة الظهر فوقف أمام الباب الرئيسي المطل على الفناء وصرخ بأعلى صوته pray pray «صلاة»، فظن التلاميذ أنه ينادي play أي «اللعب «فتدافع العشرات وراء الأستاذ إلى المسجد وبعد أن أدينا الصلاة  حدث هرج ومرج، فقال أحد الطلاب: الطلاب جورج ومايكل  وجوزيف صلوا معنا!!

وفي هذه المدرسة يمنع خلال الدروس التدخل أو الإشارة للدين ـ أي دين ـ  ولا يسمحون بكتابة البسملة على السبورة إلا في حصص الدين،  ولكن يستطيع معلم الدين أو اللغة العربية من خلال المنهج الذي يدرسه تعزيز بعض الأخلاق والقيم الدينية وما أكثرها، ولم أنس إحدى مدرسات الرياضيات أو اللغة الإنكليزية ـ لم أذكر جيدًا ـ  إصرارها في إحدى السنين الخالية على كتابة البسملة كل حصة ، بالرغم من التنبيهات والتحذيرات، حتى أنها قدمت استقالتها بسبب ذلك!!

واستغربت خلال عملي من قيام بعض المدرسات بأداء فروض الصلاة بالرغم من عدم التزامهن بالحجاب، إذ كن حاسرات الرأس، ولكن عندما يحين وقت الصلاة يتحجبن  ويدخلن المسجد بعد خروج المدرسين والأولاد ويصلين وحدهن.

وأخذت انطباعًا بأن أكثر الطلاب المسلمين عندهم استعداد فطري لتعلم الدين وأداء الصلاة، ولكنهم بحاجة لمن يأخذ بأيديهم ويشجعهم، حتى الطلاب الذين لم يكونوا يؤدون الصلاة معنا عندما كنت أسألهم عن سبب ذلك يقولون: إنهم يصلون في المنزل ويتذرعون بعدم الصلاة بسبب الوضوء أو الوقت أو غير ذلك.

ومن الأسئلة التي فاجأتني من طلاب المرحلة المتوسطة عندما شرعت بتدريس الدين هي: هل الموسيقى والأغاني حلال أم حرام، ما حكم شرب الدخان، ما حكم الاختلاط  مارأيك بالحب.

ورأيت أنهم  ينصتون  للقصص الدينية ويطلبون المزيد منها في كل حصة، حتى أننا في بعض المواسم وتعويضًا عن النقص كان أحد المدرسين يجلس في المسجد ويجيب التلاميذ عن الأسئلة الدينية، وأما الصغار فكان بعضهم يحفظ السور الصغيرة خلال الفسح وذلك بتشجيع من المدرسين والأهل، ولاحظت أن بعض طلاب المرحلة الأولية قد أتموا حفظ جزء عم، وبعضهم تبارك، وكم كانت فرحتهم كبيرة عندما نضع أسماءهم على لوحة المسجد وأمام كل اسم السور التي حفظها، وكنا أحيانًا نوزع الجوائز عليهم، وقمنا في أحد الأعوام بتأسيس مكتبة دينية يسيرة وجعلنا باب الاستعارة مفتوحًا لأي طالب في أي وقت يشاء، ما عليه إلا أن يسجل اسمه في الكراسة واسم القصة التي استعارها.

وأما في شهر رمضان المبارك، فأغلب الطلبة المسلمين ممن هم في الصف الثالث الابتدائي وما فوق كانوا يصومون ويتباهون بذلك، وكان المسجد يمتلئ بالمصلين وكنا أحيانا نخرج السجاد للفناء لضيق المكان. 

المناهج

تدرس كل مدرسة منهجًا خاصًا بها، هذا بالنسبة للمواد كلها عدا الدين والعربية والاجتماعيات، وهذه المناهج معتمدة من قبل الإدارة العامة للفروع كلها إن كان لها فروع، وبعض المناهج بريطاني وبعضها أمريكي وبعضها أسترالي وبعضها لبناني وبعضها فرنسي وغير ذلك، وأغلب هذه المناهج علمانية لا تتدخل في الدين إطلاقًا، وتقوم وزارة التربية بالإشراف عليها ومراقبتها، وقبل الوزارة يقوم طلابنا بمراقبتها، فمن مزايا طلابنا في هذه البلاد لو أنهم رأوا أي إشارة تسيء للدين الإسلامي بلغوا عنها، وأثاروا ضجة حولها وربما ضخموها، لذا يخشى أصحاب المدارس من ذلك فيستبعدون كل ما يسيء لديننا وثقافتنا، وأما للمناهج العربية (الدين، اللغة، الاجتماعيات) فقد حدث اضطراب كبير في السنين الأولى، فبعضهم قام بتدريس بعض المناهج  العربية اللبنانية التي تحمل في طياتها بعض الدروس المخالفة  لسياسة المملكة؛ مما دعا الوزارة لفرض المنهج السعودي، ولكن الاضطراب ازداد لأن الوزارة منعت توزيع الكتب على المدارس مما اضطرها إلى تصوير بعض الدروس وتوزيعها على التلاميذ بشكل غير مرتب وعشوائي، وقامت بعض المدارس بإدخال بعض دروس المنهج اللبناني في دروسها، فغدا كتابًا خليطًا أغلبه سعودي وبعضه لبناني، وفي سنة 6002 قررت الوزارة توزيع جميع الكتب العربية على جميع الطلبة مما خلق ذلك مشكلات عديدة أهمها: أن الطالب في المدارس العالمية لا يدرس من الدين إلا حصة واحدة، فكيف له أن يدرس كتب التوحيد والفقه والتفسير والحديث وغيرها،  وأما بالنسبة للغة العربية فأيضًا عدد حصصها أقل من حصص المدارس السعودية وتوزيعها يختلف، وعدد هذه الكتب أكثر من عشرة، فكيف يقوم الطالب بإحضارها مع كتبه الأخرى، قمنا بتوزيع الكتب على الطلاب ولم ندر ما نفعل، ولم يدر الطلاب ما يفعلون!! أذكر يومًا أن المدير التنفيذي جمع مدرسي اللغة العربية وطلب منهم إعداد كتاب لكل فصل يتوافق مع توجهات العالم الجديد !! وعلمنا أن بعض أولياء الأمور اشتكوا له من منهج اللغة العربية الموزع على أبنائهم، وقالوا له إنه منهج «طالبان»، وطلب من  المدرسين الإدلاء بآرائهم، ودهشت من رأي إحدى الزميلات عندما قالت نفعل مثل المدرسة الفلانية إذ عندها منهجان، منهج لإرضاء الوزارة يبقى في المدرسة ويعرض وقت زيارة مسؤولي الوزارة، ومنهج خاص بالمدرسة يتوافق مع رسالتها!! طبعا لم يوافق المسؤول، وطلب من رئيس القسم دمج المنهج السعودي مع اللبناني دون إدخال أي درس يتناقض مع سياسة المملكة التعليمية.ما أراه في هذا الباب أن مشكلة هذه المدارس هي مناهج اللغة العربية والدين والاجتماعيات، وليس حل أن تُترك كل مدرسة باختيار ما يناسبها، فهناك عوائق كثيرة، منها تقاعس المدارس عن طباعة الكتاب أو عدم التوفيق باختيار الدروس المناسبة، وغالبًا ما يتم توزيع أوراق مصورة لقراءتها أو حلها، وهذه مسؤولية الوزارة فعليها أن تضبط الأمر وتخرج كتبًا تحت إشرافها يتم بيعها أو توزيعها على المدارس العالمية تتناسب مع متطلبات هذه المدارس دون الخروج عن وثيقة التعليم الأساسية في المملكة.

المنهج الخاص

مما يفاجأ به مدرسو اللغة العربية في المدارس العالمية وجود ما يسمى «طلاب سبشل» يدرسون العربية في منهج خاص، فمن سياسة المدرسة التي عملت فيها أنها تفرض على الطالب لغة ثانية؛ عربية أو فرنسية، فإن اختار العربية يأخد خمس حصص وحصة واحدة بالفرنسية، وإن رغب بالفرنسية يأخذ حصة واحدة بالعربية، وكنا نعاني من الطلاب العرب الذين يأتون من البلاد الأجنبية، فبالرغم من ثرثرتهم بالعربية إلا أن قراءتهم وكتابتهم ضعيفة، فيخرجون في حصة اللغة العربية العامة ويلتحقون مع مدرس آخر يدرسهم مستوى أدنى، حتى الطلاب الباكستانيون والصينيون والأجانب كانوا يدرسون حصة واحدة في اللغة العربية أسبوعيًا، وبعضهم كان يختار خمس حصص حبًا بالعربية وأهلها، وبعضهم يدرسون مع الطلاب في حصة العربية في المنهج العام.

وأذكر أنني كنت أدرس مجموعة من الطلاب  العرب عددهم ستة في صفي السابع والثامن يدرسون منهج الثالث والرابع الابتدائي؛ ثلاثة منهم قدموا من كندا وثلاثة من أمريكا، وصادف أن سألتهم يومًا أين تفضلون العيش في المملكة أم في البلاد التي جئتم منها أي كندا وأمريكا؟ واستغربت إجماعهم، إذ فضلوا العيش والبقاء في المملكة، وعندما سألتهم عن السبب أدلى كل واحد برأيه، وشد انتباهي إجابة أحد الطلاب إذ قال: أستاذ هنا بركة، هناك يشعر الفرد نفسه كأنه آلة، أينما يذهب ترصده آلات التصوير في الشارع في الأسواق في العمل، وضرائب كثيرة، وعلاقات اجتماعية نادرة!

الإشراف التربوي

أذكر أنه خلال عملي في السنوات الست لم يزرنا الموجهون التربويون إلا مرة أو اثنتين، وأما الموجهون الإداريون فكانت زياراتهم أكثر، يطمئنون فيها على سير الأمور الإدارية، وبالنسبة لمدير المدرسة فهو معين من قبل الوزارة، يقوم بالإشراف التربوي على تلك المدارس.