قائمة الروابط

 

 

 

كتاب البلاغة، حضور التصنيفية وغياب الوظيفية

بقلم: إدريــس الكــريــوي المغرب :




إن تدريس البلاغة العربية في مختلف الدول العربية يعتمد المنحى التصنيفي الذي كان معتمداً في كتابات البلغاء والنقاد العرب السابقين أمثال القزويني والسكاكي والرماني، وهو منهج تبويبي تصنيفي ينطلق من تعريف الفصاحة أولاً ثم البلاغة ثانياً، وبعدها يقسم البلاغة إلى أبواب ثلاثة:- علم المعاني.- علم البيان.- علم البديع. وهذا الطرح ظل في أغلب الكتابات البلاغية والبرامج إلى عصرنا هذا، دون أن يراعي شخصية المتعلم المتعطش إلى المعرفة والعلم، والطامح إلى بناء ثقافة لغوية أسلوبية تتأسس عن بنيات ولبنات أولية عمادها التعليم والبيداغوجيا، فكيف نعامل تلميذنا معاملة العارف الذي لا يحتاج إلى قيادة تعسفية أو إرشاد إذ نعامله معاملة المدرك لكل شيء، الواعي بكل شيء حتى بالبلاغة« المستعصية على الأفذاذ بله المبتدئين، والمتشعبة إلى فروع والتي اختلف حولها وحول قواعدها العلماء وأصحاب المذاهب» نقدمها للتلميذ كمسلمة أو كشيء بسيط لا يحتاج إلا إلى حفظ أو تدريب صغير؟.إننا نقدم البلاغة للمتعلم بنفس الحجة والبرهان الذي يقدم للعلماء وأصحاب المذاهب الكلامية باعتبارها نشأت في كنف مجموعة من العلوم، ومن أهمها كما يرى كثير من الباحثين: العلوم القرآنية، وحتى في هذا الطرح المستعصي على التلميذ لماذا لا نوضح له أن علوماً أخرى- فيما بعد طبعاً- كان لها تأثير كثير في نشأة البلاغة بل ونضجها، ومنها على الخصوص العلوم اللغوية، والعلوم الأدبية:« وقد لا يبدو في احتضان مجموعة العلوم اللغوية، والعلوم الأدبية لنشأة البلاغة شيء من الغرابة، فالبلاغة نفسها علم أدبي لغوي يتعامل مع النصوص الأدبية من حيث هي إبداع أدبي أولاً، ومن حيث هي بناء لغوي ثانياً»(1). ولكن أليس هذا المنحى هو أصعب من سابقه؟ ألا يجعلنا هذا الطرح نتخبط في غموض آخر «غموض نظرة التلاميذ للبلاغة» هو تداخل البلاغة كمادة وكآلية بالنقد الأدبي؟ والنقد الأدبي كحكم عارف ومتبصر على الأثر ليس في إمكانية التلميذ مهما أوتي من مهارة التحليل؟إن هذه القضايا تحتم علينا البحث عن مخرج لتبديد حيرة التلميذ- وهو في أول الطريق- فهل نقدم له البلاغة على أنها من علوم الآلة «نحو- صرف- بلاغة- عروض»، أم على أنها هي ذاتها إبداع وخلق؟ وفي الحالة الأولى على ماذا تساعدنا البلاغة؟ وفي الحالة الثانية هل البلاغة ذاتها هدف وموضوع؟- إن الباحثين الذين خاضوا في هذه الثنائية طرحوا- تقريباً- هذه التساؤلات وركز الغربيون على الطرح الثاني «البلاغة كموضوع ومحور الدراسة». وحتى لا يكون مقالي هذا أكاديمياً صرفاً أرى من اللائق أن استعرض الطروحات التعليمية والتيسيرية كما جاءت في الأدبيات«كتب التصنيفيات وكذا بعض الكتب التي تحاول أن تنحو نحو الكتب المدرسية»المباحث البلاغية لجمال العمري فلو أخذنا كتاب أحمد جمال العمري وهو في الأصل رسالة دكتوراه فسنجده يتتبع الجهود العلمية في المؤلفات البلاغية بهدف واحد ركز عليه رسالته، وهو النظر إلى المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني. وقد رصد افتقار المؤلفات البلاغية إلى المنهج العلمي عند كثير من العلماء ورأى أنها أربع سمات أساسية عند أبي عبيدة والفراء وابن قتيبة وهي:1- عدم التبويب العلمي.2- اضطراب مدلولات المصطلحات.3-اختلاط القضايا البلاغية بموضوعات العلوم الأخرى.4- عدم وضوح علوم البلاغة الثلاثة وتميزها عن بعض.ولا حاجة إلى بسط الحديث في هذه القضية فقد توسع فيها الباحث، ويمكن الرجوع إلى ذلك في صفحة «75» وسنجد أن هذه العناصر أو السمات- كما سماها الباحث- هي التي نجدها بحذافيرها في التأليف المدرسي لكتب البلاغة، خصوصاً تلك الكتب التي انصرف إليها المدرسون كمراجع لا ككتب مدرسية مصاحبة للعملية التربوية، خصوصاً في مناهجنا بالمغرب حيث لا يوجد كتاب مدرسي مقرر في عصرنا الحالي، وإن كان في الستينيات مثلاً قرر كتاب البلاغة الوافية من طرف مؤلفين مصريين ومغاربة، وفي داري نشر مغربيتين. أما كتاب البلاغة الواضحة فهو كتاب «تهافتي» يتهافت عليه الأستاذ والتلميذ منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن وهو تقليد مغربي لسلوك مشرقي، وقد ظهر للأستاذ الهاشمي صاحب« ميزان الذهب» وكتاب«جواهر البلاغة»، وهو كتاب رغم تلخيصاته الكثيرة، يكاد يتداخل منهجياً مع البلاغة الواضحة وكل منهما يعتمد الأمثلة الجاهزة التي جاءت في مفتاح العلوم، وغيره من الكتب الرائدة. وسنرى ذلك في حينه. أغلب العلماء الذين ألفوا البلاغة كما جاء في كتاب جمال العمري يسيرون على المنهج نفسه في التصنيف: البدء بعلم البيان، فعلم المعاني وأخيراً علم البديع. نجد هذا عند الرماني والباقلاني وحتى الجرجاني، وهذا له تأثير كبير على الأدبيات التربوية وكل دليل في البلاغة والعروض وكذا في الكتب المختصة التي ظ
هرت في نهاية السبعينيات، والتوجيهات التربوية العربية والمغربية، فما الذي أدى إلى هذه التراثية وإلى هذا الجمود؟ يرى الدكتور مصطفى الجويني أن القضية ثلاثية متساوية الأضلاع.أ- الكتاب المدرسي البلاغي الذي يدور في فلك مفتاح السكاكي، ولا نستثني من ذلك البلاغة الواضحة لعلي الجارم وأن الكتاب تميز بنصوصه ذات الذوق الرفيع ولم يلحق بنظير له في هذه الناحية.ب- المدرس الذي حبس نفسه في الكتاب المدرسي وجعل القضية هي حفظ المصطلح البلاغي والتدريب عليه دون تذوق للجمال البلاغي عند كل من المدرس والتلميذ.ج- المتلقي وهو التلميذ الذي مل الكتاب البلاغي لأن نصوصه سقيمة لا ترتبط بعصره أو لأن المنهج فيها منهج عقلي مسرف في جفافه، أو خيالي غامض في التعرف إلى خصائص الجمال، ومن هنا لجأ التلميذ إلى استظهار المصطلح عن ظهر قلب والتمثيل له بشاهد مما في كتابه (2). فلنقف على هذه الصعوبات ومستوياتها في الكتب المدرسية والتوجيهات، وقبل هذا وذاك لابد من الإشارة إلى أن التمييز بين النمطين الدراسيين للبلاغة لم يكن وليد اللحظة الراهنة، بل كان يرجع إلى كتب القزويني والسكاكي، فقد انتبه إلى هذين التقسيمين الدكتور رشيد الضعيف عندما ميز بين نوعين من البلاغة:1- علم البلاغة.2- البلاغة المدرسية أو الرسمية وأن علم البلاغة يتمثل في أعمال أبي البلاغة العربية، الإمام عبد القاهر الجرجاني، وأن البلاغة الثانية- المدرسية- - أو الرسمية- تتمثل خصوصاً في أعمال القزويني في كتابه«التلخيص» إذ يلخص كتاب السكاكي«مفتاح العلوم»، وأنه عن كتابي القزويني المذكورين نقل مؤلفو الكتب البلاغية العربية المدرسية (3).فما هي درجة الاغتراف من هذه الكتب الرائدة في الكتب المدرسية والأدبيات؟جواهر البلاغة كتاب يعد من الأدبيات التربوية التعليمية في مجال البلاغة، وقد عرف صاحبه بالتأليف في مجالات تعليمية «ديداكتيكية» مختلفة، منها- كما أشرت سابقاً- وعلى الخصوص:- جواهر الأدب: ويتضمن مختارات أدبية شعرية ونثرية في مختلف الأغراض والمضامين والأجناس الأدبية.- ميزان الذهب في مادة العروض، وهو كتاب رغم ما فيه من هنات يعتبر مرجعاً أساسياً لمدرسي اللغة العربية بالتعليم الثانوي، بل ويعتمد أيضاً في الجامعات- كتاب جواهر البلاغة يجمع بين موضوعات نحوية وبلاغية، ويتطرق للأبواب الثلاثة «البيان والمعاني والبديع».- يقسم الدروس إلى مباحث.- يبدأ بالقاعدة«تعريف الظاهرة- أركان الظاهرة»- يعطي أوجه الاختلاف والائتلاف في القاعدة والمثال.- يعطي تنبيهات.- يعطي تمارين مختلفة.- يعطي تطبيقات متعددة.- ينهي بتطبيق عملي.الموجه الفنييتطرق الكتاب إلى أغراض البلاغة وهي الأغراض نفسها التي نجدها في الكتب المدرسية وفي التوجيهات والمذكرات، وهي على العموم:- تذوق الأدب وفهمه والتعرف على الخصائص الفنية للنص.- تبين نواحي الجمال الفني في الأدب.- فهم ما يدل عليه النص من ضروب المهارة الفنية للأديب، وما يصوره من نفسيته ولون عاطفته.- إنضاج الذوق الأدبي في الطلاب، والإعجاب بما يقرؤون ومحاكاة الأنماط البلاغية التي يستجيدونها.- إقدارهم على إجادة المفاضلة بين الأدباء. يركز الكتاب في تدريس البلاغة على الانطلاق من النصوص الأدبية الجيدة، ويجنب من السقوط في رتابة التعقيد، وحفظ المصطلحات البلاغية. وقد بين إخفاق دروس البلاغة عندما كانت تدرس منعزلة عن الأدب، كما تطرق إلى تدريس البلاغة بين القديم والحديث، وبيّن عيوب المدرسة التقليدية، ومزايا المدرسة الحديثة.وهذا الكتاب أمد الكتابات البيداغوجية المعاصرة بتصور اجتهادي جيد، عندما اعتبر البلاغة وحدة متكاملة وقضى على العزلة التي كانت في درسي الأدب والبلاغة وقضى على كل تكلف يلحق بالدرس البلاغي، وطالب بالتخفيف من المصطلحات البلاغية والابتعاد عن التقاسيم والتعاريف وما اعتادته البلاغة القديمة، كما ركز على الجانب الوجداني في تدريسها وتحدث عن الأسس العامة لتدريسها، وأخيراً اقترح منهجية لتدريس البلاغة تندرج من السهل إلى الصعب ومن البسيط إلى المركب.يدخل في الاعتبار الأقانيم المحورية في كل درس«التمهيد - القراءة- الشرح- التحليل» ومنهجيته في تدريس البلاغة هي نفسها منهجية تدريس قواعد اللغة في الإعدادي:- عرض النص على التلاميذ.- جرد الأمثلة من النص وكتابتها على السبورة«ولما كان عبد العليم إبراهيم من دعاة إدخال الأمثال العامية في الدرس البلاغي، فقد قرر أن تعرض الأمثلة العامية التي تحمل اللون البلاغي نفسه بجانب الأمثلة المجردة».- مناقشة التلاميذ في مفاهيم التراكيب البلاغية العامية.- عرض المصطلح البلاغي الجديد.- استخلاص القاعدة.- تقديم أمثلة تطبيقية شفوية.- تقديم أمثلة تطبيقية كتابية تتضمن أسئلة في اللون البلاغي المدروس. ورغم زيادة الموجه الفني في هذا المجال فهو يرى ألا يتقيد المدرس بهذه الخطوات كلما اقتضت الضرورة ذلك، لأن بعض الدروس يمكن للمدرس فيها أن يقدم ويؤخر المراحل، كما ينحو الدرس البلاغي« التذوق الجمالي للأدب..» ولا يرفض رفضاً كلياً عدم توفر النصوص الأدبية على الصور والأخيلة الجميلة. ويقترح إشراك التلاميذ في كل تقويم وتذوق بلاغي وألا يستأثر المدرس بالكلام دونهم، ومن مقترحاته كذلك «محاولة التذوق البلاغي للنص قبل فهم معناه» ويختم الباحث اقتراحاته بإعطاء نموذج تطبيقي لتدريس صورة بلاغية في نص أدبي (4).طرق تدريس اللغة العربية للركابيأهدافه هي الأهداف والطريقة والمراحل نفسها التي جاءت في كتاب الموجه الفني «انظر الكتاب ص 219-231»وهذان الكتابان أو قل الكتاب الأول فقط لأن الثاني هو مسخ للأول فقط- لهما تأثير كبير على المؤلفات التربوية المعاصرة واللاحقة. وسنقف عند نموذجين فقط غير مألوفين عندنا رغم وجودهما بالسوق، ويحملان نفحة التجديد على مستوى الأهداف والطريقة والتقويم، وهما«البلاغة الوافية والنحو والعروض» لمؤلفين شرقيين ومغاربة وفي داري نشر مغربية بين دار الرشاد البيضاء ـ فاس، ودار الكتب العربية ـ الرباط.والبلاغة والتحليل لأنطوان مسعود البستاني، أما البلاغة الواضحة لعلي الجارم، وكذا كتاب علوم البلاغة للمراغي، فهما مستهلكان بحدة في المؤسسات المغربية، ويحملان تصورات تقليدية رغم النهج التقويمي المقبول إلى حد ما الذي سلكه في البلاغة الواضحة.البلاغة الوافية1 - يجمع بين النحو والبلاغة والعروض.2 - وضع الكتاب في ثلاثة أجزاء.3 - يخصص علم المعاني للسنة الأولى، وعلم البيان للثانية وعلم البديع للثالثة.4 - ينطلق الدرس من النصوص الشعرية أو النثرية.المنهجية:- تقديم النص وكتابته على السبورة.- أسئلة حول النص (أسئلة الفهم) سؤالان في الغالب.- جرد الأمثلة وتوزيعها إلى خانات.- الإيضاح.- القواعد.- إعطاء نموذج (نص آخر مساعد على التطبيق).- الإجابة (اعتماد حلول) «وهذا مخالف لما جاء في الموجّه الفني».- تمرينات وتداريب.نوع الأسئلة:- تبدأ الأسئلة في التمارين حول النص (النموذج) استظهارية، ثم استنباطية مثلاً (استخراج أسلوب من أساليب الإنشاء مبيناً نوعه وطريقته).بعدها يأتي سؤال حول الفهم، وقد يتقدم هذا السؤال عن السؤال الأول، وقد يأتي سؤال أكثر إجرائية مما نلاحظ في تقويمنا الحالي أيضاً. ويتعلق الأمر بسؤال حول نثر الأبيات نثراً أدبياً، الهدف منه في الواقع هو الرجوع بالصورة الشعرية أو الأدبية عامة إلى حالتها العادية حتى يقف التلميذ على الفرق بين الحالتين الجمالية أو العادية، وهذا تطرق إليه كتاب الموجه الفني، وأخذته التوجيهات التربوية المغربية.وبعدها تأتي التراكيب (من إبداع التلاميذ وإنشائهم) مثلاً: «اكتب كلمة تنبه فيها إخوانك إلى وجوب العمل والدأب وعدم التواني في سبيل مصلحة بلادك مستعملاً أكثر ما يمكن من صيغ الإنشاء ثم حدد هذه الصيغ».- المرحلة الاستشهادية وتعتمد على المحفوظ.- المرحلة التحويلية مثلاً «حوّل الأخبار الآتية إلى جمل إنشائية طلبية مع التنويع».- وهذا الكتاب كما ترى يساعد المتعلم على التذوق الأدبي، ويشركه في الدرس، كما يختبر جميع الأهداف: الوجدانية والحسية الحركية بالإضافة - طبعاً - إلي الأهداف المعرفية.البلاغة والتحليل لأنطوان مسعود البستاني- كتاب مغرق في التبسيط، ويطمح إلى تيسير مادة البلاغة إلى درجة الإسفاف أحياناً.- لم يوضع الكتاب لمستوى واحد فقط، بل للمستويات الثلاثة.- يجمع بين البلاغة والعروض شأن أغلب الكتب المدرسية في المشرق والمغرب.- يبدأ بدرسين تمهيديين: تعريف الفصاحة وتعريف البلاغة.- يعتبر الكتاب هذين الدرسين تمهيديين لكل المستويات وليس للمستوى الأول فقط، مادام الكتاب قد ألف للمستويات الثلاثة جميعها.فالكتاب يرى أنهما الدرسان الأول والثاني، لكنه سرعان ما يوزع العلوم الثلاثة على المستويات ويبدأ بالدرس الأول في المستوى الأول: تعريف علم المعاني...- يتفق الكتاب مع كتاب البلاغة الوافية وجواهر البلاغة في تخصيص كل واحد منهم علم المعاني للمستوى الأول من الثانوي، على خلاف الكتب التصنيفية وكتاب البلاغة الواضحة وكتاب التوجيهات التربوية بالمغرب، (برنامج مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية/ شتنبر 1979).أحياناً يقسم الدرس الواحد في هذا الكتاب إلى مجموعة من الحصص الدراسية (انظر دروس التشبيه 1-2-3 والاستعارة 1-2).منهجية الكتاب- يعطي أمثلة مبتورة، ولاينطلق من النص، لكنه يوظف النص في مرحلة التطبيق.- التحليل.- المبدأ.- ناحية التطبيق.-تمرين.- الوظيفة (وظيفة في البلاغة والتحليل) وينطلق فيها من نص متكامل.- أسئلة تذيل بها الوظيفة (إعراب - عروض - تحديد أفكار شروح المعني ...)- أحياناً تأتي صورة الأديب / صاحب النص عقب الوظيفة.إزاء هذا الجرد للكتب والمصنفات البلاغية، تطرح تساؤلات منها ما يلي:- هل من حق البلاغة أن تدرس على شكل أمثلة جامدة أم انطلاقاً من نصوص؟ وهل هذه النصوص/ المنطلقات هي نصوص مقررة كنصوص إدبية أم نصوص أخرى غير مقررة؟- هل نركز على الأمثلة القديمة فقط سواء تعلق الأمر بالأمثلة المبتورة أو بالنصوص الأدبية المتماسكة؟ ألا يمكن الاعتماد على النصوص الحديثة والمعاصرة؟- ألا يمكن التنويع بين العصور للوقوف على اختلاف الصور باختلاف العصور - كما يرى الموجه الفني بخصوص قضية التشبيه والاستعارة والكناية «مع ملاحظة أن الدراسة المجدية لهذه الصورة البيانية تقضي بدراسة التشبيه الحسن والتشبيه القبيح واختلاف التشبيهات باختلاف العصور والبيئات والعرف والثقافة، ومثل ذلك في الاستعارة والكناية، وذلك لتتبع الأذواق على مدى العصور، وتطور اتجاهاتها بما يجدد في الحياة ألوان الثقافة ومناحي التفكير وكل هذا يتطلب أمثلة حرة تختار من عصور مختلفة لا أمثلة مجمدة تصور عقليات وأذواقاً محدودة» أم أنها تدرس دراسة متداخلة: أي تحليلية مضمونية أولاً، وبلاغية، في مرحلة معينة، والشيء نفسه يقال بالنسبة للنصوص النقدية:الموازنة للآمدي والوساطة للقاضي الجرجاني، هل ندرسها تدريساً نقدياً (أي نقد النقد) أم تدريس تحليل؟- لماذا في الدروس البلاغية التي تعتمد النصوص المتكاملة لا نجد حضوراً للمقامات حتى في مجال السجع والمقابلة، وهما درسان يحضران في هذا الجنس وفي الخطابة أكثر من غيرهما؟ألا يعد هذا ضرباً من الغرابة التي تحدث عنها الباحث عبد الفتاح كيليطو: غرابة البلاغة العربية مثلما غرابة البلاغة الغربية، هذه الغرابة راجعة أساساً إلى الاقتصار على بعض المفاهيم دون غيرها وعلى بعض الأجناس الأدبية دون سواها، وراجعة أيضاً إلى اهتمام بكل ما هو قديم فقط .. الشيء الذي جعل بلاغتنا وبلاغة الغرب كذلك تغطان في طلاسم لا حد لها. هل لهذه الطلاسم فائدة تذكر أم نحن أمام أطلال مهجورة ليس لها سوى قيمة وثائقية تتعلق بقوم رحلوا؟ إذا كان لهذا المتصفح صدر رحب، فسيلاحظ أن هذه الأشكال البلاغية ليست غريبة ولا بعيدة عنه، وأنه يستعملها يومياً، أو على الأقل يستعمل بعضها عندما يتكلم ويكتب، إذ ذاك ستتقلص الغرابة (أو إن شئتم تغرب) وتعوضها ألفة غامضة وأنس حميم، إلا أنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ على العموم، غروب الدراسات البلاغية في العالم العربي(5). لماذا لاتدرس البلاغة الحديثة التي تعتمد الصور الأدبية والشعرية والأسلوبية؟ لماذا لا تدرس في مناهجنا الأساليب المختلفة في تقابل فيما بينها، الأسلوب الأدبي في مقابلة الأسلوب العلمي مثلاً، والأسلوب الفلسفي والحجاجي والمنطقي؟مع أن الطريقة سهلة كما يوضح الموجه الفني ذلك من خلال التجربة المصرية.وهو من قرر الصف الثاني بقسميه: العلمي والأدبي، ودراسة هذا الموضوع تحتاج إلى نماذج من النوعين، ودرس النصوص يقوم غالباً على نص واحد وعلى جزء من نص(6).ويضيف هذا الباحث إلى تساؤلاتنا تساؤلاً آخر أكثر أهمية، وهو هل النص هو الأصل أم المسألة البلاغية؟ أي هل نوحد النص لمطارحة القضايا البلاغية أم نختار اللون البلاغي أولاً ثم نبحث عن النص المناسب؟ مع وجود بعض العقبات أمام الطرح الأول، وهو أن الجناس مثلاً كلون بلاغي يحتم إيجاد نص خاص به، فنضطر إلى اللجوء ـ كما يقول الباحث ـ إلى نصوص أبي تمام، وهذا الرأي كما نرى يدعو مرة أخرى إلى تعميم الرؤية بخصوص مقرر البديع كذلك.خلاصة:إن الدرس البلاغي يجب أن يخرج من رتابته، ويتجاوز الطريقة التصنيفية والتقعيدية التي كان عليها أيام السكاكي والقزويني والباقلاني. وعليه كذلك أن يضع نصب عينيه المتلقي/ التلميذ كشخصية لها نزعات وميولات، وتعيش وسط زخم من المغريات والمدارات التي تتجاذبها من شتى الأطراف وهي إزاء هذه الظروف تحتاج إلى وسائل التعامل المتعددة وإلى سبل عديدة للتفاهم والإفصاح، وهذا لا يتأتى إلا بتنويع الخطاب حسب كل مخاطب (لكل مقام مقال) ولنا في البلاغة العربية المنطلقة من النص/ والمطعمة بنظريات لسانية وأسلوبية خير معين، وهذا يجعلنا نختلف مع الرأي السابق للباحث «كيليطو». بل يمكن القول أنه كما دعا الباحث عبد العليم إبراهيم إلى الاستعانة (التطعيم) بالأمثال العامية في التدريس ما تزخر به ثقافتنا الشعبية من أنواع البلاغة ـ ونحن لسنا مؤهلين لذلك الآن ـ فإننا ندعو الى الاستعانة بالأسلوبية ـ كما وظفها أصحابها: نقدياً ـ تربوياً وتعليمياً. فآراء صلاح فضل الميسرة مثلاً مقيدة في هذا المجال. وهناك من يرون أن البلاغة الحديثة تمر الآن بصحوة حقيقية. فقد جدت بعض الدعوات في الآونة الأخيرة لبعث البلاغة النصية حتى أسست «جمعية للبلاغة والأسلوب» في نطاق الاتحاد الدولي لعلوم اللغة التطبيقية كما أنشئت «الجمعية الدولية لتاريخ البلاغة» وشرعت في نشر مجلتها الدورية منذ 1978. وتنشر «جمعية البلاغة في أمريكا» دوريتها منذ عام 1976 كما عقدت الندوات والمؤتمرات المتعددة لمناقشة قضايا البلاغة الحديثة وعلم الأسلوب بشكل منتظم في السنوات الأخيرة(7). يمكن في هذا الصدد الاستفادة من أطروحة الدكتور محمد العمري خصوصاً الجزء المتعلق بالموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية.وأخيراً لا يسعني إلا أن أقول مع مصطفى الجويني: «إن الكتاب المدرسي (للبلاغة طبعاً) ينبغي أن يكون تأليفاً ينهض به فريق عمل، أعضاؤه من رجال التربية والتعليم والجامعات، وينفسح أمامهم زمن التأليف، وأن يخططوا لموضوعات الكتاب مع استبعاد كل النوازع الشخصية، وإيثار المصلحة العليا في اختيار ما يوائم عصرنا من نصوص تتصل بالحياة الأدبية الحديثة، وتعبر عن الذوق المهذب للحاضر»(8).

 

 

المصدر:

مجلة المعرفة ،العدد 42 / كتاب البلاغة حضور التصنيفية وغياب الوظيفية

http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=4210