المقدمة

 الحمد لله الذي فتق بالشعر ألسنة الشعراء ، وصقل بالفصاحة بيان الفصحاء ، أحمده سبحانه على نعمه المواثل ، ومننه الفواضل ، وإكرامه المتواصل .

وصلاة وسلاما على منن فجَرَ اللهُ فيه ينبوعَ البيان ، وملَّكة ناصية القـول وأزمَّــة المعانْ ، سيدنا محمد الهادي إلى كل إحسان ، والمرشد إلى سعادة الإنسان .

وبعـــــــــد،،،

فها أنذا بعد تطواف دام سنوات عدة ، ألقي القلم ، وأطرح عني وعثاء السفر .

         فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى         كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ

أرتاني أحسنت أم أسأت ؟ وهل بلغت الغاية فيما أردتُ أوقصرت ؟ لا أعلم ذلــك يقينا ،ولكن الذي أنا موقن به أني بذلت ما أستطيع جهدا وفكرا وسهرا وعملا.

لقد فتحتُ باب هذا البحث وأنا أظن الأمر أيسر مايكون ، وأحسب أنها جولة أو جولتان وينتهي كل شيء ، هكذا صورت لي نفسي ، حتى إذا تركت الشاطئ وخضت اللج تكشفت صعاب لم تكن تخطر لي ببال ! لقد وجدتني مضطرا إلى تحرير مفهوم الجملة بادئ ذي بدء لأنطلق على بينة ورشاد ، ثم وجدت نفسي ثانيا أمام آلاف الجمــل ، وكل واحدة منها تقتضيني إعرابا وتحليلا وتخريجا لمشكل تركيبها ، ثم وجدت نفسي ثالثة أمام مناهج شتى ، وألفيتني مضطرا إلى الموازنة بينها ثم افتراع منهج جديد أرتضيه وأسير عليه .

أتراني لو كنت تبينت هذه الصورة منذ أول يوم سأستمر في البحث ؟ لست أدري ! إن البحث التطبيقي " يتسم بالصعوبة من بعض نواحيه ، ويتطلب جهودا صادقــة في

سبيل الوصول إلى نتائج علمية يحتاج إليها المتعلمون والباحثون جمعيا "[1]،ولقد أفضى بي هذا البحث التطبيقي  إلى مضايق كثيرة كان بإمكان البحث النظري أن يتجنبها أو يلتف عليها ، وهذا ماكنت غافلا عنه يوم استسهلت الأمر ، وقلـت : إن هـي إلا درجـة تُرتقَى !

وأنا أعلم أنّ مِن الناس مَنّ لايرضى عن هذا الضرب من البحوث ، وربما عده أولئـك نوعا من العبث ، ورأى فيه تسطيحا للبحث العلمي ، وتعويدا للدارسين على الكسـل والاسترخاء وأخذ الدرجة العلمية كيفما اتفق ؛ حيث إنه لايتعمق في جزيئات المسـائل  ولايتوسع فيها! ولعمري ليس الأمر كما ظنوا ، فالغرض الأول من البحث ليس تحرير المسائل ، وتفتيقها ، بل هو الكشف عن البنية النحوية عند الرافعي رحمه الله ، فمــن ثم كان يعنى باستخراج المسائل وصور التراكيب أكثر من عنايته بالمناقشات المفصلة لكــل قضية ترد .

ودونك مثلا مشابها في علم النقد ؛ فالباحث فيد قد يأخذ قضية محددة يناقشها ، وقـد يعمد إلى نص أو ديوان يستجلي جوانب البلاغة وصورها فيـه ، وهـو حينئـذ معـني باستخراج هذه الجوانب أكثر من عنايته بتحقيق مسائلها .

وليت شعري هل غفل قائل هذا القول عن أن بحثا كهذا لايمكن أن يتقدم الباحث فيه خطوة واحدة حتى يحلل ويعرب هذا القدْر الهائل من الجمل ؟ والإعراب في ذاته أمر غير يسير ، بل هو ثمرة العربية ولبها ، وكان أسلافنا قد أكثروا من هذه الدراسات التطبيقيـة على النصوص الحية إيمانا منهم بقيمتها ، ومعرفة منهم بفضلها ، وسيرد لذلـك مزيـد بيان [2]   .

ثم لا ينسينّ القارئ الكريم أن من مشكلات هذ1 البحث أيضا ( تأسيس المنهج ) ؛ إذا الإحاطة بكل جزيئات الجملة متعذرة ، بل هي غير لازمة ؛ لأن معناها أن ننقل النحــو كله في رسالة واحدة ، وليس هذا هو الغرض ، بل الغرض رسم الملامح العامـة لجملـة الرافعيّ ، فهل تأسيس منهج يضمن تحقيق هذا الهدف أو يقاربه ، ثم الاحتجاج له بكـلام النحاة ، ثم موازنته بغيره ، هل هذا كله ( نوع من العبث ، وتسطيح البحث العلمـي ، وتعويد الدراسين على الكسل والاسترخاء وأخذ الدرجة العلمية كيفما اتفق ) ؟

ولقائل أنْ يقول : ما الوجه في دراسة جملة الرافعي وهو ليس ممـن يحتـج بلغتـه ؟ والجواب على هذا من وجهين :

1- الرافعي أشد المعاصرين محافظا وتمسكا ، كان يعيش قبل الكتابة في جو عـربي خالص  .

2- مثل هذا البحث يمكن أن يتوصل من خلاله إلى مقدار الفرق بين الفصحـى المعاصرة ، والفصحى الأولى التي صورتها لنا كتب النحاة .

وهذا البحث الذي أقدمه ينبغي أن يكون كالمقدمة لبحث آخر يبنى عليه ، وتتجلى فيه خصائص الرافعي بصورة أشمل وأكمل ؛ ذلك أن العناية في هذا البحث منصرفة إلى بيان نظام التركيب لكل جملة على حدة ، وكشف النقاب عن العلائق بين عناصرها ، وتبيين أنماط التداخل بين أجزائها ، كل ذلك في إطار الجملة الواحدة ، وتكون الخطوة الثانية بعد ذلك أن يبحث باحث في علائق هذه الجمل بعضها ببعض ، وكيف ارتبط آخر منها بأول ارتباطا معنويا أو صناعيا كالارتباط بعلاقات الاستدراك والتبيين والتعليـل والعطــف  ... الخ .

زقد جعلت هذا البحث في تمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة ، عر  ت في التمهيد لترجمـة موجزة للرافعي ركزت فيها على مذهبه الكتابي ، كما تحدثت عـن مفـهوم الجملـة ، وتوسعت في استقراء مناهج البحث الموجودة  قبل أن أخلص إلى وصف منـهجي الذي سرت عليه ، وأشرت فيه كذلك إلى فائدة دراسة بناء الجملة .

وفي الباب الأول درست الجملة البسيطة ، وفي الثاني الجملة الشرطيـة ، وفي الثـالث الجملة المركبة غير الشرطية ، أما الخاتمة فقد بينت فيها ملامح الجملة الرافعية كمــا أظهرها البحث ، وأشرت فيها كذلك إلى أبرز النتائج ، وأهم المســائل التي ناقشـها البحث .

وبعد ، فربما ظن الناظر بادي  الرأي أن صاحب هذا البحث قد تنكب طريق النحاة ، وفرق له دربا جديدا سار فيه وحده لايلوي على شيء ، أو أن الباحث غرتـه نفسـه فتوهم أن أتى بشيء ، وليس الأمر – علم الله – كذلك ، وأنى لباحث ناشئ غــض الإهاب أن يتفتق ذهنه عم منهج جديد ، أو رؤية جديدة ؟

 

 

إن الباحث لم يصب – ولله الحمد – بداء العجب الذي يأخذ بصاحبه فيزين له كل مايعمل ، حتى ليظن الرأي الفطير منهجا جديدا استدرك به على القوم ، فعرف مـا لم  يعرفوا ، وفطن إلى مالم يفطنوا إليه .

ولقد علم الله أنني سرت في طريق ما زلت أسمع فيه قرع نعال القوم من أئمتنا الكملة رضوان الله  عليهم ، ومازدت على أن أعملت عقلي ، ونميت بذور أفكار كانوا قد   بذورها ، فإن يكن النبت الحسن فلله الفضل والمنه ، وإن عادت الأرض قيعانا لاتمسك      ماء ولا تنبت ثمرا فحسبي أن اجتهدت .

                          والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم الجملة

   تحفِل كتب النحو العربي - و لا سيما المتأخرة منها[3] - بمصطلح الجملـة ،وعلـى

الرغم من كثرة ترددّ مصطلح (الجملة) لم يتفق النحاة على معنى محدد لها، بل تبـاينت

أقوالهم في تعريفها ، و في الموازنة بينها وبين الكلام ، و أنت إذا تجـاوزت التقريـرات

النظرية إلى الممارسات التطبيقية وجدت الخلاف اشد ، ودائرة النزاع أوسع .

ودونك إن شئت اختلافَ كلمة القوم في قوله تعالى: )  ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ * ولَـوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُـونَ (

[ الأعراف : 95-97 ]، فقد ذهب الزمخشري إلى أن  ) أَفَأَمِنَ ( معطـوف علـى

) فَأَخَذْنَاهُم ( ، و ما بينهما اعتراض [4]، و وقع النزاع في عـدد الجمـل المعترضـة ،

 وحاصل ما ذُكرَ أربعةُ أقوال :

الأول : عدد الجمل المعترضة سبعة ، الأولى:المصدر المؤول الفاعل )  أَنَّ أَهْلَ القـُرَى آمَنُوا (  مع فعله المقدر بعد أداة الشرط ، والثانية : )  آمَنُوا ( ، والثالثة : )  اتَّقـَوْا (  ،

و الرابعة : ) لَفَتَحْنَا ... الأَرْضِ (  ، و الخامسـة :  ) لَكِن كَذَّبُوا (  ، و السـادسة :

 

  )فَأَخَذْنَاهُم ... يَكْسِبُونَ  (، و السابعة :  )بما كانوا  يَكْسِبُونَ  (،وهـذه مقالة ابـن

مالك[5].

الثاني : الجمل المعترضـة أربع ،  الأولى :  ) وهُمْ لا يَشْعُرُونَ  (، والثانيـة : ) ولَـوْ أَنَّ أَهْلَ ... و الأرض  ( ، والثالثة : ) لَكِن كَذَّبُوا (  ،  والرابعة : ) أَخَذْنَاهُم ... يَكْسِبُونَ  (، وهي مقالة الذين يرون الكلام مرادفا للجملة. 

الثالث : الجمل المعترضة ثمان ، و هو كالقول الأول مع زيـــادة   ) وهُـمْ لا يَشْعُرُونَ  (.

الرابع : الجمل المعترضة ثلاث ، و هو كالقول الثـاني مع إنقــاص  ) وهُـمْ لا يَشْعُرُونَ  (.

  والقولان الأخيران تعقيبان من ابن هشام على القولين الأولين ، وكأنه يقـول : إن

مرتكز مفهوم الجملة عند أصحاب القول الأول كان يقتضيهم أن يقولوا : إن الاعتراض وقع بثماني جمل لا سبع ، ومرتكز مفهوم الجملة عند  أصحاب القول الثاني كان يقتضيهم                       

أن يقولوا : إن الاعتراض وقع بثلاث جمل لا أربع ، والعجيب أن ابن هشام صحـح أول

الأمر قول ابن مالك وضعف قول الآخرين ، ثم قال : إن في القولين نظرا ، ثم أصلح شيئا

ما في قول ابن مالك و الآخرين ، ثم انتهى إلى ترجيح قول الآخرين قائلاً  : "وهـذا هو

التحقيق ... لأن الكلام هنا ليس في مطلق الجملة ، بل في الجملة بقـيد كونهـا جملـة

اعتراض ، و تلك لا تكون إلا كلاما تاما "[6] ! فما الصحيح عند ابـن هشـام ؟ أهـو

الاعتراض بثماني جمل أم ثلاث؟ وهل لجملة الاعتراض عنده اعتبار خاص في تعريفـها،

 

 

 

                                               

بحيث يشترط فيها من تمام المعنى ما لا يشترطه في غيرها[7] ؟ هذا ما يوحي به كلامه وإن   لم يصرح به[8].

 و ظاهر من كلام ابن هشام وتحليله ونقله أن ثمت اتجاهين في تحديد مرتـكز مفـهوم

الجملة :

الاتجاه الأول: الاتكاء على الإسناد في تحديد مفهوم الجملة ، فكل إسناد أصـلي[9] بيـن

فعل و فاعل ، أو مبتدأ وخبر ينشئ جملة ، و هو ما صرح به ابن هشام ودافع عنه .

الاتجاه الثاني : الاتكاء على المعنى ، فلا تكون الجملة جملة إلا إذا دلت على معنى يحسـن

السكوت عليه ، وهو محصلة قول الذين جعلوا الجملة والكلام مترادفين .

 وعلى الرغم من وضوح هذين المرتكزين إلا أن القائلين بهما قد أخطؤوا في تطبيقهـما ،

وكأن ابن هشام - رحمه الله - وَهِم كذلك في تعقيبه ، وبيان ذلك أن مقتضى الاتجـاه

الأول أن تكون الجمل المعترضة عشر جمل ، لا سبعا ولا ثمانيا ، إذ أغفل هؤلاء و هؤلاء

الإشارة إلى جملة خبر المبتدأ  )يَشْعُرُونَ  (، وجملة خبر الناسخ   ) يَكْسِبُونَ  ([10].

 

على  ) كَذَّبُوا (  ، فهما في حيز لو ، فكان حق هاتين الجملتين ألا تستقلا ،وأن تكونـا  في ذلك مثل ) اتَّقـَوْا ( ،التي لم يعدوها مستقلة لكونها معطوفة على الشرط ؛فهي امتداد

له ، ثم إن المعنى لا يبلغ تمامه إلا عند قوله تعالى : ) يَكْسِبُونَ  ( ، و كون الاعتراض هنا

بجملة واحدة هو ما رجحه الشمني رحمه الله[11].

 وهذا الذي ذكرته هو تفصيل قولهم و مقتضاه ، و إلا فإن في القضـية مـا يستـحق

المناقشـة ، وأبرز ما هناك اعتبار جملة  ) وهُمْ لا يَشْعُرُونَ  (اعتراضا و هي حـال من

المفعول في قوله تعالى : ) أخذناهم  (، فكيف تكون حالا واعتراضا في وقت واحد ؟!

  هذه المحاولة الفريدة في النحو العربي ، والتي هدفت إلى التحديد التطبيقي الدقيق علـى

نص من النصوص لتحديد بداية الجملة و نهايتها ، قـد أفضـت إلى هـذا الاختـلاف

والاضطراب بين التنظير والتطبيق . أفليس هذا دليلا على ضرورة تحرير مصطلح للجمـلة

قبل أن يبحث الباحث في بنائها عند فلان أو فلان ؟ ثم أليس هذا دليـلا علـى وعورة

مسلك البحث في بناء الجملة إذا أريد له أن يقام على أسس صحيحة لا تضطرب ؟

  و لنترك الآن الجانب التطبيقي لننظر إلى تقريرات النحاة النظرية في تعريف الجملة وبيان

حدِِِّها ، و أول ما يلفت النظر هنا أن تعريف الجملة قد اقترن في كتب النحاة بتعريـف

الكلام ، وجرى الحديث عندهم مجرى الموازنة بينهما[12] . وثمة اتجاهان في التراث النحوي :

  الاتجاه الأول : المساواة بين مصطلحي ( الجملة ) و ( الكلام ) ، وجعلهما مترادفين

   ونحن نجد ذلك في عبارات كثير من النحاة ؛ و منـها على سبـيل المثـال : قـول

الكافَيجي :"نقل َ البعضُ عن النحاة أن الجملةَ ترادفُ الكـلام عندهـم"[13]  ، و قـول

السيـوطي :" ذهب طائفة إلى أن الجملة والكلام مترادفان "[14] ، و قـول الفاكهـي :

" و( ترادفه ) أي الكلام ( الجملة ) من أجملت الشيء إذا جمعته (عند قوم ) فمفهومـها

واحد "[15]، وقول ناظر الجيش : " الذي يقتضيه كلام النحاة تساوي الكلام والجملـة في

الدلالة"[16].

   وإذا كان أصحاب هذا الاتجاه يتفقون على التسوية بين المصطلحين فإنهم يختلفـون في

المفهوم الذي يجعلونه لهما ،و هذا مما لا أعلم أن أحدا فصله أو أشار إليه . و قد ظهر من

خلال البحث أن هناك عدة مذاهب في تحديد المفهوم المشترك للمصطلحين ؛ منها :

المذهب الأول : ربط تعريف المصطلحين بالإفادة وحدها

 و خلاصة هذا المذهب أن الكلام ومثله الجملة ما أفاد وحده دون حاجـته إلى غـيره ،

ولا يشترط القائلون بهذا القول تحقق الإسناد ، وإنما يكتفون بتحقق الفائدة ، قـال ابـن

برهان :" الكلام - ومثله الجملة - ما يفيد وحده "[17] ، و قال ابن الخشاب :" الجمـلة :

كل لفظ أفاد السامع فائدة يحسن سكوت المتكلم عندها "[18]، وقل ابن منظور:" الكـلام

ما كان مكتفيا بنفسه ، و هو الجملة ، والقول ما لم يكن مكتفيا بنفسه ؛ وهو الجزء من

الجملة "[19] ، ولعل مما يؤكد القول بعدم التفات أصحاب هذا المذهب إلى الإسناد أن ابـن

جني (رحمه الله!) حين عرف الكلام قال :"أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسـه مفـيد

لمعناه،و هو الذي يسميه النحويون الجمل ؛نحو :زيد أخوك، وقام محمد ،وضرب

سعيد، وفي الدار أبوك، و صه ، و مه ، و رويد ، و حاء و عاء ، و حس و لبِّ وأفّ

 

لمعناه ،و هو الذي يسميه النحويون الجمل ؛ نحو ، زيد أخوك ،و قام محمد ، وضـرب

سعيد ، وفي الدار أبوك ، و صه ، و مه ، و رويد ، و حاء وعاء ، و حس و لب و أف

و أوه ، فكل لفظ استقل بنفسه و جنيت منه ثمرة معناه فهو كلام "[20]. وتأمـل تمثيـله

للكلام بـ: حاء وعاء مما هو متفق  على أنه لا إسناد فيه ، وبأسماء الأفعال التي اختلف

في إسنادها  لفاعلها أهو إسناد أصلي أم لا، وتأمل استخدامه مصطلح ( لفظ ) الـدال

على مطلق الملفوظ .

على أن لقائل أن يقول : إن مصطلح الفائدة عند القوم مقابل لمطلح الإسناد  ، فـلا

تتحقق الفائدة إلا بالإسناد ، و هو قول له حظ من النظر ، ويشير إلـيه قـول المبـرد :

" فالابتداء نحو قولك : ( زيد )، فإذا ذكرته فإنما ذكرته للسامع ليتوقع ما تخبره به عنـه،

فإذا قلت : منطلق أو ما أشبه صح الكلام ، و كانت الفائدة للسـامع في الخـبر "[21] .

و أظهر في الدلالة عليه قول السيوطي : " لأن الإفادة إنما تحصل بالإسـناد"[22] ، و قـول

الأشموني تعقيبا على تعريف ابن مالك للكلام في الألفية : " ولم يذكر التركيب والقـصد

لأن الإفادة تستلزمهما ، لكنه في التسهيل صرح بهما"[23] . فإن يكن هذا التأويل صحيحـا

لحق هؤلاء بأصحاب المذهب الثالث ، و إلا فقد غلب على الظن عندي ما قدمتـه ، ولا

سيما أن ابن هشام قد قال :و المراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليـه"[24] ،

فربط الفائدة بتمام المعنى لا الإسناد .

المذهب الثاني : ربط تعريف المصطلحين بالإسناد

قال الزمخشري ( رحمه الله !) : " و الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهمـا

إلى الأخرى ، و هذا لا يتأتى إلا في اسمين أو فعل و اسم ، و يسـمى الجمـلة"[25] ،

 

و ظاهر كلامه  ( رحمه الله ! ) الله أن مطلق الإسناد يسمى جملة و يسمى كلامـا[26] ،ولم

يشترط رحمه الله تمام الفائدة و لا حسن السكوت ، فكل إسناد بين فعل و فاعل أو مبتدأ

و خبر يسمى عنده كلاما و جملة ، فـ (زيد قائم ) و ( زيد يقوم ) و ( إن قام زيـد )

كل ذلك عنده كلام و جملة .

و قد حاول ابن يعيش أن يتأول كلام الزمخشري ليربط المفـهوم بالفـائدة إضافة إلى

الإسناد ، فقال : " فعرفك بقوله : ( أسندت إحداهما إلى الأخرى ) أنه لم يـرد مطلـق

التركيب بل تركيب الكلمة مع الكلمة إذا كان لإحداهما تعلق الأخرى علـى السـبيل

الذي به يحسن موقع الخبر و تمام الفائدة "[27] ، فقول ابن يعيش : " على السبيل الذي بـه

يحسن موقع الخبر و تمام الفائدة " تحميل لكلام الزمخشري ما لا يحتمل .

المذهب الثالث : ربط تعريف المصطلحين بالإسناد مع تمام الفائدة

و هذا هو مذهب الأكثرين ؛ و منه قول الجرجاني : " اعلم أن الواحد من الاسم و الفعل

و الحرف يسمى كلمة . فإذا ائتلف منها اثنان فأفاد سمي كلاما و سمي جملة "[28] .

و مقتضى هذا القول أن الإسناد الذي يقع خبرا أو حالا أو صفة على سبيل المثـال لا

يسمى جملة ، لأنه لا استقلال له بالفائدة ، و لما كان النحاة يطلقون على ما هذه صفتـه

جملة فيقولون : جملة الخبر و جملة الحال و جملة الصفة ذهب هؤلاء إلى أن " كلا منـها كان جملة قبل ، فأطلقت الجمل عليه باعتبار ما كان كإطلاق اليتامى على البالغين نظـرا

لأنهم كانوا كذلك "[29] ؛ فهو على هذا إطلاق مجازي .

الاتجاه الثاني : التفريق بين اصطلاحي الكلام و الجملة

و يقال هنا ما قيل في الاتجاه الأول ، من وجود الخلاف بين أصحاب هـذا الاتجـاه ،

فنحن نجد عدة مذاهب في التفريق بين مصطلحي الكلام و الجملة :

    المذهب الأول :الجملة أعم من الكلام " إذ شرطه ألإفادة بخلافـها "[30] ، و خلاصـة

مذهب هؤلاء أن كل إسناد أصلي هو جملة سواء أفاد فائدة يحسن السكوت عليها أم لا ،

أما الكلام فلا يطلق إلا على ما يحسن السكوت عليه ، و عليه " فكل كلام جملـة ، ولا

عكس "[31] ، و لهذا يقول النحاة : " جملة الشرط و جملة الجواب و جملة الصلة ، و كـل

ذلك ليس مفيدا ، فليس بكلام "[32] ، و من رؤوس القائلين بهذا القول الإمام ابن هشـام

رحمه ، فقد نص عليه في المغنى واحتج له [33] ، و صوبه السيوطي في الهمع[34] .

   و الرضي يذهب المذهب نفسه إلا أنه يعبر عنه بعبارة أخرى ، فيعـبر عـن الإفـادة

بالقصـد ، يقول :" و الفرق بين الجملة و الكلام أن الجملة ما تضمن الإسناد الأصلـي

سواء كانت مقصودة لذاتها أم لا ، كالجملة التي هي خبر المبتدأ ، و سائر ما ذكـر مـن

الجمل "[35] .

المذهب الثاني : التفريق بين المصطلحين من جهة الاعتبار ، مع اتحاد الحقيقة

و هذا حاصل كلام بهاء الدين ابن النحاس في تعليقه على المقرب ، فقد قال رحمـه الله :

" إن الكلام يقال باعتبار الوحدة الحاصلة بالإسناد بين الكلمتـين ، و يسـمى الهيئـة

الاجتماعية ، و صورة التركيب ، و أن الجملة تقال باعتبار كثرة الأجزاء التي يقع فيـها

التركيب ، لأن لكل مركب اعتبارين : الكثرة و الوحدة . و الأجزاء الكثـيرة تسـمى

مـادة ، و الهيئة الاجتماعية الموحدة تسمى صورة "[36] ، و حاصل هذا الكلام الفلسـفي

المعقد أن الجملة و الكلام من حيث الماهية شيء واحد ، و إنما يختلف الاسـم المطلـق

باختلاف الاعتبار ، فمن حيث كون اللفظ ذا وحدة ناشئة من الإسناد هو كلام ، ومـن

حيث كونه في أصله ذا أجزاء متعددة هو جملة . و فد ذهب المطلبي إلى أن (الكلام ) عند

ابن النحاس أصغر صورة تركيبية مفيدة حاصلة بالإسناد ، و الجملة عنده تـآلف تلـك

الصورة التركيبية ، أي أن الفرق بينهما فرق في القلة و الكثرة[37] . ولعل ما قررته أقرب إلى

معنى كلامه ( رحمه الله ! ) .

المذهب الثالث : الكلام جنس للجملة

و خلاصته أن الجملة هي ما تم معناه و أفاد مستقلا ، و أما الكلام فلفظ يصدق علـى

الجملة الواحدة و على الجمل المتعددة ، فالكلام إذا : " جنس للجمل كما أن الإنسان من

قول الله سبحانه : " إن لإنسان لفي خسر " جنس للناس ، فكذلـك الكـلام جنـس

للجمـل ، فإذا قال : قام محمد فهو كلام ، و إذا قال : قام محمد و أخوك جعفر فـهو

أيضا كلام ، كما كان لما وقع على الجملة الواحدة كلاما ، وهذا طريق المصدر لما كـان

جنسا لفعله ، ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام ، و إذا قام قومتين فقـد

كان منه قيام ، و إذا قام مئة قومة فقد كان منه قيام ؟ فالكلام إذا إنما هو جنس للتـوام:

مفردها و مثناها و مجموعها ، كما أن القيام جنـس للقومـات : مفردهـا و مثناهـا

و مجمـوعها . فنظير القومة الواحدة من القيام الجملة الواحدة مـن الكـلام ، و هـذا

جـلي "[38] .

و هذا الذي قاله ابن الجني ( رحمه الله ! ) صحيح في تفريقه بين الجملة و الكلام ،و هـو

كالبيان لما انبهم من كلامه في مواضع أخرى ، فإن له نصوصا يظن قارئها بادي الرأي أنه

يسوي بين الجملة و الكلام[39] ، و منها قوله : أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسه مفيـد

لمعناه ، و هو الذي يسميه النحويون الجمل "[40] ، و قوله : " فقد ثبت بمـا أوضحنـاه أن

الكلام إنما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برؤوسها ، المستغنية عن غيرهـا ،

و هي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجمل على اختـلاف تركيبـها "[41] ، و قولـه : "

الكلام هو الجمل المستقلة بأنفسها الغانية عن غيرها "[42] .

و عندي أن ابن الجني (رحمه الله ! ) لم يزد في أقواله هذه على أن أطلق علـى الكـلام

مصطلح (الجملة ) ، و هذا لا يعارض كلام ابن هشام رحمه الله فكل كلام عنده جملـة ،

و" لا يلزم من تسمية الكلام جملة تسمية الجملة كلاما لأنها أعم منه "[43] ، و لم يزعم ابـن

جني أن الجملة كذلك هي الكلام حتى نتوهم أنه سوى بينهما ، و تأمل قولـه : " هـو

الجمل المستقلة" و قوله " جنس للتوام " فإن مفهوم هذين النصين أن ثمـت جمـلا غـير

مستقلة و جملا غير تامة ، ثم تأمل قوله : (هو الجمل ) على وجه الجمع ، و كيف أنه لم

يقل ( هو الجملة ) ، فالجملة عنده إذا غير الكلام .

و الجديد الذي يقدمه ابن الجني هنا هو شرحه البارع للعلاقة بين الجملـة و الكـلام ،

و أنهما يلتقيان أحيانا ، و يتفرقان أحيانا .

و قد تبع ابن الجني في مذهبه ابن يعيش ، و آية ذلك قوله : " و الجواب أن الكلام عبارة

عن الجمل المفيدة و هو جنس لها "[44]، و قوله هذا أيضا يجلو لبس قوله :"اعلم أن الكـلام

عند النحويين عبارة عن كل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه و يسمى الجملة "[45] ، فليـس

معنى قوله هذا التسوية بين المصطلحين ، بل مراده كمراد ابن الجني الذي بيناه آنفا[46] .

 

 

و لكن العجيب الذي يقتضي النظر و التأمل أن ابن جني الذي اشترط في الجملة تمـام الفائدة سمى الإسناد الواقع خبرا جملة[47] ،و كذلك فعل ابن يعيش[48]،ونحن نعلم علم اليقـين

أن الجملة التي تقع خبرا لا تستقل بالفائدة ، و ليست هي " غانية عن غيرها " على حـد

تعبير ابن الجني ، فكيف سمياها جملة و هي لا تحقق شرط الجملة عندهما ؟

ليس أمامنا إلا احتمالان :

أولهما : أن يكون إطلاقهما للجملة هنا على وجه المجاز .

و ثانيهما : أن يكون مرادهما بتمام المعنى و الاستقلال بحسب الأصل ، أي أنهـا قبـل

وقوعها خبرا كانت غانية عن غيرها مستقلة بمعناها .

هذا و قد ذهب أحد المحدثين و هو الدكتور حسني عبد الجليل يوسف إلى قريب ممـا

ذهب إليه ابن الجني ، و رأى أن العلاقة بين الجملة و الكلام هي علاقة الجزء بالكل[49] .

و فرق ما بين قوله و قول الإمام رحمه الله يتجلى في الجملة التامة ، فهي عند ابن جـني

كلام أيضا لأنها مستقلة بنفسها غانية عن غيرها ، و هي عنده ليست كذلك ، إذ لا بـد

في الكلام أن يتألف من عدة جمل ، من حيث كانت الجملة لديه جزءا من الكلام .

المذهب الرابع : الفرق بين الجملة و الكلام عائد لقصد الإفادة أو عدمه ، و ذلك هـو

قول السيوطي الذي أحسبه تفرد به ، قال رحمه الله و هو يتحدث عما خرج من الفـم

مشتملا على حروف : " و إن كان مفردا فكلمة ، أو مركبا من اثنين و لم يفـد نسـبة

مقصودة لذاتها فجملة ، أو أفاد ذلك فكلام "[50] ، و معنى كلام السيوطي هذا أن الكـلام

و الجملة لا يتدخلان البتة ، و إنما لكل صفته التي تميزه عن الآخر ،فمتى كـان الإسـناد

مقصودا لذاته فثمت كلام لا جملة ، و متى لم مقصودا لذاته فهنالك جملة لا كـلام ،

 

و عليه فقولنا : محمد في الدار كلام و ليس جملة ، و قولنا : ( يركب ) في نحو : محمـد

يركب جملة لا كلام ، و لا سبيل إلى التقائهما في مثال . والعجب العاجب أن السيوطي

الذي ذكر هذا القول في الأشباه و النظائر هو هو الذي صوب رأي ابن هشام في الهمع !

و خارج إطار هذه الموازنة بين الجملة و الكلام نجد تعريفات النحاة لا تخرج عـن

المرتكزين اللذين شرحا في أول المبحث ، و من هذه التعريفات :

1ـ المرتكز الأول ( الإسناد ) :

- الجرجاني : " الجملة : عبارة عن مركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخـرى

سواء أفاد كقولك : زيد قائم ، أو لم يفد كقولك : إن يكرمني ، فإنه جملة لا تفيـد إلا

بعد مجيء جوابه "[51] [52].

- الفاكهي : " ( فحدها - أي الجملة - القول المركب ) الإسنادي أفاد أم لم يفـد ،

إما (من الفعل مع فاعله ) الظاهر أو المضمر كقام زيد ، و قم ، ( أو ) من ( ما نزل منزلة

أحدهما ) أي منزلة الفعل مع فاعله أو مبتدأ مع خبره، فالأول ( كضرب عمرو ) بالبنـاء

للمجهول ، فإن مرفوع الفعل ليس فاعلا بل هو نائب عنه ، و كذلك كان زيد قائمـا ،

فإن مرفوع كان شبيه بالفاعل لا فاعل اصطلاحا ... ، ( و ) الثاني (ما قائم الزيـدان)

فإن مرفوع الوصف ليس خبرا عنه لما سيأتي بل هو بمنزلة الخبر "[53] .

2 - المرتكز الثاني : تمام المعنى

- المبرد : " الجملة ما يحسن السكوت عليه و تجب به الفائدة للمخاطب "[54] .

- ابن الجني : " أما الجملة فهي كل كلام مفيد مستقل بنفسه "[55] .

- ابن القيم : " الجملة كلام قائم تام بنفسه "[56] .

 

- ابن يعيش : " الجملة كل كلام مستقل قائم بنفسه "[57] .

 و أشير هنا إلى أن د. حماسة ذهب إلى أن هذا التباين في مفهوم الجملة و الكلام مرده إلى

تطور تاريخي ، فهو يرى أن في الحياة هذين المصطلحين معالم تاريخية ، حيث استخدما في

البداية مترادفين ثم فرق بينهما[58] . و هذا الذي ذهب إليه يبطله تتبع أسماء النحاة و اللغويين

الذين ذكرتهم آنفا ، و حسبنا أن ابن منظور - و هو متأخر – قال بالترادف ، و تقدمـه

من النحاة من قال بالتفريق ، فكيف نزعم أن القضية قضية تطور دلالي تاريخي ؟

و قد حاول المحدثون أن يقدموا تعريفات للجملة ، فكان منهم من كرر مقالة السـابقين

من أئمتنا النحاة رضي الله عنهم كعبد السلام هارون الذي ذهب مذهب الرضي و ابـن

هشام[59] و كالدكتورة فاطمة الحبابي التي لم تبتعد كثيرا عن مذهب الذين ربطـوا الجملـة

بتمام المعنى[60] ، و منهم من قدم تعريفات فضفاضة ،هي إلى الشرح و الإيضاح أقرب منـها

إلى الحد الجامع المانع ، و من ذلك قول د.إبراهيم أنيس :" الجملة هي أقل قدر من الكلام

يفيد السامع معنى مستقلا بنفسه سواء تركب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكـثر"[61] ،

و قول د.مهدي المخزومي في تعريف الجملة :"الصورة اللفظية الصغرى للكلام المفيـد في

أي لغة من اللغات ، و هي المركب الذي يبين المتكلم به أن صورة ذهنية كانت قد تألفت

أجزاؤها في ذهنه ، ثم هي الوسيلة التي تنقل ما جال في ذهن المتكلم إلى ذهن السـامع"[62] ،

و منها قول د.مصطفى حميدة : " الجملة وحدة تركيبية تؤدي معـنى دلاليـا واحـدا ،

و استقلالها فكرة نسبية تحكمها علاقات الارتباط و الربط و الانفصال في السيـاق"[63] ،

وقول كمال القادري :"ترتبط مسألة تمام الجملة بتمام الفكرة المراد التعبير عنها في ذهـن

المتكلم ، فالتركيب وسيلة لغوية لإيصال الفكرة في صورتها اللفظية التامة "[64] .

غير أني أريـد أن أقف عند محاولة موفقة قام بها الدكتـور محمد عبادة في كتابــه

القيم ( الجملة العربية : دراسة لغوية نحوية ) ، و معالم التوفيق في محاولته تتجلى في ثلاثـة

أمور :

1- اعتناؤه الشديد بما سماه ( أبعاد الجملة ) أي بدايتها و نهايتها ، و هذه هي الثمـرة  التطبيقية الحقيقية للبحث حول مفهوم الجملة ، و قد كان التساؤل عن أبعاد الجملة،و متى نستطيع أن نقول : انتهت جملة و بدأت أخرى ؟ كان هذا التساؤل هو الحـافز الـذي

حفزني إلى التطواف في هذا الباب و محاولة التهدي إلى الصواب فيه .

2- تكامل تصوره عن الجملة – و إن خالفه البحث بعضه – فكل تركيب فيها لـه

عنده اسم ، و لموقعه في السياق تصور ، و قد بنى على هذا تصورا جديدا لأقسام الجملة .

3- وضعه تعريفا للجملة فيه قدر كبير من التحديد و الضبط ، يمكن من خلال تتبعـه تحديد أبعاد الجملة على نحو منضبط شيئا ما ، و لنقرأ معا شرحه لتصوره الذي اطمـأن

إليـه ، يقول : " نرى أن الفعل و شبه الفعل ( المصدر و المشتق المحض ) هو محور الجملة

أو نواتها من الناحية التركيبية ، و حول الفعل تدور متعلقات ، أو تسبح في مجاله لدلالته على الحدث ، وهذه المتعلقات هي : من صدر عنه ، و من وقـع عليـه ، و زمانـه ،

و مكانـه ، و درجة وقوعه ، و الحال التي تم فيها ، و علته ، و عدده . و إذا ظـهر في متعلقات الفعل فعل آخر كان محورا ثانويا لمتعلقات تنجذب إليه ، و هذا المحور الثـانوي بمتعلقاته يدور في فلك المحور الأول الأم للجملة "[65] .

هذا التصور الذي قرره الدكتور عبادة فيه قدر كبير من التوفيق ، و لكن عليه ملاحظات

تقف به دون بلوغ الغاية ، و من هذه الآخذ :

1- تشكل عليه الجمل التي لا فعل فيها و لا مشتق ، كقولنا : زيد أسد ، فأين نـواة الجملة في مثل هذا التركيب بناء على رأيه ؟

2- تركيزه على ( الحدث ) فعلا كان أو مشتقا أفضى به إلى الخلـط بـين المفـرد

و الجمـلة ، فليس سواء أن يكون الحدث الثانوي مشتقا أي مفردا و أن يكون فعلا( أي

جملة ) ، ففي الحالة الأولى لا يعدو الأمر أن يجتذب هذا المشتق حوله بضعة متعلقات ، أما

في الحالة الثانية فتولد لدينا جملة أخرى ، فيها ما في الجملة الأم من إسناد أصلي .

3- لم يقدم لنا الدكتور تحليلا لهذه التداخلات الناشئة عـن ولادة حـدث داخـل حـدث ، و لم يكشف عن طبيعة البناء الطبقي الذي ينشأ عن هذه الحقيقـة اللغويـة ، والذي يجعل الجمل أشبه شيء بالعمائر ، منها ما له طابقان ، ومنها ما له ثلاثة ، ومنها ما له سبعة وهكذا .

ومع كل الذي ذكرت تظل محاولة الدكتور عبادة ، محاولة متميزة استطاعت أن تسلط الضوء على نقطة مهمة في هذه القضية الشائكة .

و لننتقل الآن إلى البلاغيين ، والبلاغة – ولاسيما علم المعاني – تمت بسبب متين إلى النحو ، وبينهما من علائق الاشتراك ما لا يخفى ، بل هما يسلكان الطريق نفسه باتجاهين  متعاكسين ! إذ الفرق بينهما " أن النحو ينطلق من المبنى في التحليل للوصول إلى المعنى ، فالنحاة ينطلقون في دروسهم من المباني الجزئية التي تتركب منها الجملة معتمدين قرينة العلامة الإعرابية ، أما علم المعاني فهو ينطلق من المعنى الذي جعل مقتضى الحال أساسا له ليصل إلى تحديد طريق التركيب وخواصه في المبنى ، فالمعنى هو الذي يقتضى المبنى " [66] ، ومعنى هذا أن النحو يحلل الجمل الموجودة لينظر في معناها وما تؤدي إليه ، ولذا سمي عمل النحوي تحليلا . وأما البلاغة فهي تبحث عن الصورة التركيبة المثلى الـتي  تلائم معنى محددا ، ولذا كثر عن البلاغيين مصطلح التركب .

وبسبب من هذه العلاقة الواشجة بين العلمين انقدح  في الذهن البحـث عن مفهوم  ( الجملة ) عند البلاغيين ، وقد وجدت أن البلاغيين – على كثرة تردد هذا المصطلح في كتيهم ولاسيما عند حديثهم عن الإسناد الخبري وأحواله ومتعلقاته – لم يعنوا بشرحه وتفسيره ، ووضع حد جامع مانع له ، وكل ما هنالك حديث عن أحوال الإسناد الخبري من حيث الحقيقة والمجاز ، والحديث عن أحوال المسند إليه والمسند من حيث ذكرهمـا

وحذفهما و تعريفهما و تنكيرهما و ما أشبه ذلك ، و الحديث عن متعلقات الفعـل ، و

حتى الرسائل الجامعية التي تناولت بناء الجملة و نسق الكلام من وجهة نظـر بلاغيـة لم

تعرض لمفهوم الجملة ، و لم تحاول تقديم تصور واضح لها[67]. وإذا كان ذلك كذلك فقـد

وجب تلمس مفهومه عندهم من خلال معالجتهم للنصوص ، و من خلال شذرات مـن

أقوالهم هنا و هناك .

و الذي يظهر من كلام البلاغيين أنهم يلتمسون في الجملة خيط المعنى ، فلا تزال الجملـة

عندهم تمتد و تتسع ما امتد خيط المعنى و ربط بين أجزائها ، ذلك أنهم يرون " أنَّ مثَـل

واضع الكلام مثلُ من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة ، فيذيب بعضها في بعض حـتى

تصير قطعة واحدة ، و ذلك أنك إذا قلت : (ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا شـديدا

تأديبا له ) ، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على مفهوم هو معنى واحـد لا

عدة معـان ، كما يتوهمه الناس ... وهو إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت كذا ،

و على صفة كذا ، و لغرض كذا ، ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحـد "[68]، و الجرجـاني

الذي يجعل هذا اللفظ كله كلاما واحدا هو الذي يقول : " وإنما سمي كلاما ما كـان

جملة مفيدا "[69] ، و حاصل قوليه معا أن اللفظ الذي يرتبط فيه المعنى و يتماسك حتى يكون

"كالحلقة المفرغة التي لا تقبل التقسيم "[70] هو كلام و جملـة ، و لا يزعمـن  زاعـم أن

الباحث خلط بين الجرجاني النحوي والجرجاني البلاغي ، فإن العالم هو العالم !

وتأمل من بعد قوله : " واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ، و يغمض المسـلك ،

في توخي المعاني التي عرفت : أن تتحد أجزاء الكلام ،ويدخل بعضها في بعض ، ويشـتد

ارتباط ثان منها بأول ، و أن تحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحدا ، وأن

 

يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هنالك . نعم ، وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين"[71] ، فأي شيء أدل من هذا على فرط عنايته بالمعنى ، وأنه عنده " كالخيط الممدود "[72] ينتظم الجملة مـن أولها إلى آخرها ؟ وأي شيء أصرح منه في أنّ المعاني عنده تتداخل " حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن تعرف صورة كل واحد منها على الانفراد ، بل تبطل صورها المفردة التي كانت قبل المزاج ، وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت "[73] ، ويكون السبيل " سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد ، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما و تحفظ صورتهما "[74] ؟ والجرجاني وإن لم ينص على تسمية هذا الكلام الآخذ بعضه بحجز بعض جملة إلا أن كلامه كالصريح ف الدلالة عليه ، وقد وقف رحمه عند قوله تعالى : ) إنَّمَا مَثَلُ الحَيَـاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّـاسُ والأَنْعَامُ حَتّـَى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ (  [ يونس : 24 ] ، ونَـصَّ علـى أن هذه الآيـة " كأنها جملة واحدة "[75] ، وما منعه من الجزم بأنها جملة إلا حاسته النحوية ، وكراهته لتصادم المصطلحات .

ومما يؤيد ما ذهب إليه البحث من مفهوم بلاغي للجملة أن بلاغيا معاصرا كبيرا هو الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى ينص صراحة على مثل هذا المعنى ، فهو حين وقف عند آية يونس السابقة قال : " وقد ابتلعت هذه الجملة في جوفها عشر جمل ، دخل بعضها في

 

 

بعض " [76]، فتأمل كيف جعلها جملة واحدة رغم مجيء ( حتى ) الابتدائية في وسطها ، وقد

نص النحاة على أن ما بعدها استئناف .

ويقف د.أبو موسى كذلك عند قول الجاحظ :" إنهم يروا قط خطيبا بلديـا ، إلا وهو في أول تكلفة لتلك المقامات كان مستثقلا مستصلفا أيام رياضته كلـها إلى أن يتوقـح ، وتستجيب له المعاني ، ويتمكن من الألفاظ ، إلا شبب بن شيبة فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة و سهولة و عذوبة ، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام مالا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره "[77] ، فيرى أن هذا " النص كـله جملة واحدة "[78] مع أن النظر النحوي يجعل الماضي بعد ( حتى ) استئنافا ، و يحكم بأن ها هنا عدة جمل بينها ارتباط بالعطف .

وليس يعني هذا الذي ذكرته أنهم لا يسمون الإسناد غير المقصود لذاته جملة ، كيف وقد نص على مثله عبدالقاهر في قوله : " إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا : هو يقول و يفعل ، و يضر و ينفع ، و يسيء و يحسن ... ازداد معنى الجمع "[79] ، وإنما غاية ما ذكرته أنهم يسمون الكلام الذي يلتحم أوله بآخره جملة ، وإن كان في أصله يضم جملا عدة بحسب اصطلاح ابن هشام .

وللأصوليين مذهب في التفريق بين الجملة والكلام يخالف كل ما تقدم ؛ فهم لا يشترطون الإفادة فيهما ، والكلام عندهم ما يتكلم به سواء أكان مفيدا أم غير مفيد ، ولذلك قالوا في تعريفه : هو ما انتظم من الحروف المسموعة المتواضع على استعمالها الصادرة من مختار واحد . أما الجملة عندهم فهي التركيب ؛ أي الإسناد الذي يجعل لهذه الكلمات معنى نحويا زائدا على معاني المفردات ، سواء كان هذا التركيب مما يحسن السكوت عليه أم لا [80] .

.

و أنت ترى أن مذهبهم في الجملة موافق لمذهب ابن هشام ، ومذهبهم في الكلام لم يقل به أحد من النحويين ، وجمعهم بين هذين مما تفردوا به .

و رغم كل ما سبق ذكره من اتجاهات في تعريف الجملة ، ومن أقوال في بيان حدها ، تظل ثمت أسئلة حائرة لم تجب عنها كل تلك الاتجاهات إجابة صريحة : ما حد الفاعل في قولنا : يعجبني أن يأكل زيد طعامه ؟ أهو الحرف المصدري مع الفعل فحسب ؟ أم هو الحرف مع الفعل ومعمولاته ؟ وهل الأفعال المضارعة المنصوبة المعطوفة على المضارع المنصوب بحرف مصدري تعد امتدادا للمصدر المؤول ؟ وإذا لم تكن كذلك فما موقعها ؟ وهل الخبر في قولنا : زيد يأبى أن يضام ويذل هو الفعل و فاعله فحسب  ؟ أم هو الفعل و ما بعده إلى آخر الكلام ؟ ثم ما ضابط المعنى الذي يربطون تمام الكلام أو الجملة بتمامه ؟ وما حدود الفائدة التي يحسن السكوت عليها وبها يعرف الكلام ؟ وهل معنى قولهم : " المراد بحسن السكوت عليه ألا يكون محتاجا في إفادته للسامع كاحتياج المحكوم عليه إلى المحكوم به أو عكسه فلا يضره احتياجه إلى المتعلقات "[81] أن متعلقات الإسناد هذه لا تكون من الخبر أو الحال أو الصفة إذا وقع الإسناد في شيء من هذه المواقع ؟ وماذا عن (حتى ) الابتدائية إذا وقعت بين جملة حالية و أخرى معطوفة عليها ؟ ثم ماذا عن نحـو قولنا : زيد عالم لكنه فاسق ، أهو جملة أم جملتان ؟ وإذا أدخلنا العاطف فقلنا : و لكنه فهل يتغير الحكم ؟ وهل العطف على جملة ابتدائية كالعطف على جملة ذات موقع إعرابي من حيث امتداد الجملة ؟

وخلاصة تصور البحث لمفهوم الجملة أن نواة الجملة الإسناد ؛ فالإسناد هو الشرارة الأولى للجملة ، ثم إن هذا الإسناد تتعلق به متعلقات مقيدة له أو لأحد ركنيه من تخصيص بوصف أو بيان لحال أو زمان أو علة أو مصاحبة أو مفعوليـة ...الخ . ثم إن هذه المقيدات قد تستتبع مقيدات لها هي فلو كانت الصفة مثلا اسما مشتقا فإن فاعله و ما يتعلق به امتداد للجملة ، ولو كان أحد المقيدات إسنادا فإن كل ما يتعلق به ويقيـده امتداد للجملة الأم التي شكل الإسناد الأول نواتها ، وهكذا تمتد الجملة إلى أن تنقطع كل صلة نحوية بالإسناد الأول وما ارتبط به من مفردات و أسانيد .

هذا التصور يتيح لنا أن نتعرف بوضوح على ( أبعاد الجملة ) فنعرف بدايتها ونهايتها مسترشدين بقوانين النحو و أصوله .

والفرق هنا بين ما أقوله و ما نصوا عليه من تمام المعنى أن الاعتماد في قولي على الصناعة المنضبطة التي تستعين بالمعنى ولا تجعله أساسا ، أما ما نصوا عليه فهو قائم على الارتباط المعنوي المجرد ، " والارتباط المعنوي لا يستلزم محلية الإعراب "[82]  ، كما أنه يعتمد " على جوانب غير منضبطة ؛ فأي فكرة تلك التي نستطيع أن نصفها بالكمال ؟ وما هو حجمها ؟ وما هي مكوناتها ؟ "[83] .

وهذا التصور الذي بينته يمثل مفهوم مصطلح ( الجملة ) بإطلاق ، غير أن لا ينفي أن نسمي ما دون ذلك من أسانيد جملة مقيدة ، فأقول : جملة الخبر و جملة الحـال مثلا ، أما ( الجملة ) بإطلاق فإنما هي ما ذكرته[84] .

ومعنى ذلك أن كل إسناد أصلي مع متعلقاته كافة يشكل جملة ، فإن كانت هذه الجملة مستقلة غير خاضعة لأخرى سميت جملة بإطلاق ، أو سميت ( الجملة ) باللام العهديـة ، وإن كانت خاضعة لجملة أخرى فإنها لا تسمى جملة مطلقـة ، ولا يطلق عليها مصطلح ( الجملة ) ، وإنما تسمى جملة مقيدة بوصفها ؛ أي : جملة حال أو صفة ... الخ .

وثمت ملامح لهذا المفهوم ولوازم له يقتضي المنهج العلمي بيانها ، وهي :

1- العطف بين المفردات امتداد طبيعي للجملة ، أما العطف بين الإسانيد الأصلية فإنه ينظر فيه ؛ فإن كان عطفا على جملة مستقلة فإنه لا يشكل امتداد للجملة ، و إنما هو عطف لجملة على جملة لضرب من الارتباط المعنوي بينهما . وإن كان عطفا على جملة خاضعة كالجمل ذات المواقع الإعرابية أو جملة الصلة فإنه يشكل امتداد للجمـلة الأم .

ذلك أن " الجمل المعطوف بعضها على بعض علـى ضربيـن : أحدهمـا : أن يكـون

للمعطوف عليها موضع من الإعراب ، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد ؛ إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد ، و إذا كانت الجمل الأولى واقعة موقع المفرد ، كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد على المفرد ... والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني ، و ذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى ، كقولك : ( زيد قائم ، وعمر قاعد ) ... لا سبيل لنـا على أن ندعي أن الواو أشركت في الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه "[85] .

" و إذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك و الاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر ... وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد "[86] .

على أننا لو تتبعنا المعنى المحض لزعمنا أن كل هذه المتعاطفات تأخذ الموقع الإعرابي، أي

أن الجملتين المتعاطفتين في قولنا:محمد يأكل ويشرب تكونان معا في موضع رفع الخبر ؛ ذلك أن المتحدث لم يرد الإخبار عن محمد بالأكل وحده ولا الشرب وحده ، و إنما أراد إخبارنا بالأمرين معا . وقل مثل ذلك في الجمل المتعاطفة في الصلة ، فالصـلة في قول القائل : جاء الذي يحسن الشعر ويسيء في النثر هي – بناء على ما ذكرت – مجموع الجملتين لا إحداهما .

  وقد ندت عن بعض النحاة عبارات تشير إلى هذا ، وتأمل معي قول ابن هشام وهو يقف عند قوله تعالى : )والَّذِينَ كَسَـبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وتَرْهَقُهُـمْ ذِلّـَة( [ يونس : 27 ] : " جملة ) وتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ( معطوفة على )كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ (فهي من الصلة و ما بينهما اعتراض "[87] ، ثم تأمل قول الدسوقي وهو يتكلم عن الآية نفسها : "الصـلة مجموع المتعاطفين"[88] وأكثر من هذا ذهـاب البعـض إلى أن " الموصـول إذا

 

استوفى صلته صار بمنزلة الاسم الواحد "[89] ، وهذا يقتضي أن يأخذ الموصول مـع صلته الموقع الإعرابي ، وهذا ما صرح به أحد النحاة الذي " كان يلقن أصحابة أن يقولوا : إن الموصول وصلته في موضع كذا محتجا بأنهما ككلمة واحدة "[90] ، وصرح بـه الجندي صاحب الإقليد حيث قال : " و الموصول مع صلته في محل رفع "[91] .

ولعل قول ابن هشام هذا وما أشبهه محمول على تفسـير المعـنى لا علـى تقدير الإعراب ، وأنت إذا " كان تقدير الإعراب مخالفا حتى لا يشذ شيء منها عليك "[92].وكثيرا ما تحدث النحويون عما هو فاعل في المعنى أو خبر في المعنى و إن كان إعرابه النحوي شيئا غير ذلك[93] . وعليه فالذي أراه صوابا أن المعطوف عليه هو الذي يأخذ المحل الإعرابي وحده ، وما عطف عليه تابع له ، وقد قالوا : إن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد .

غير أن ابن هشام قد قال كلاما غريبا وخطيرا في موضع آخر من كتابه ، وذلك أنه زعم أن مقول القول في نحو قال زيد : عبدالله منطلق وعمر مقيم هو مجموع الجملتين "وكل منهكا جزء للمقول ، كما أن جزأي الجملة الواحدة لا محل لواحد منهما باعتبار القول فتأمله "[94] ، وهذا كلام يكاد يضرب به عرض الحائط بما قرره ابن هشام نفسه من مفهوم للجملة وطبيعة اقترانها بغيرها بواسطة العطف .

 

 

وبعد هذا كله أعود فأقول : إن العطف ( وسيلة ) تربـط بين جـزأين ، وليـس هو ( مزجا ) بين جزأين ) ، فمن ثم كانت الجملة ذات المحل الإعرابي المعطوف عليها جديرة بالموقع الإعرابي وحدها ، والجملة المعطوفة إنما هي تابعة لها ، تمثل امتدادا للجملة الأم لا الجملة المعطوف عليها ، و أشبه شيء بذلك القطار الذي يجر وراءه عربات عدة ، وبين كل عربة و أختها رابط ، هذا الرابط لا يجعل العربة جزءا من العربة التي قبلها ، وإن كان يحعلها جزءا من القطار كله[95] .

ودونك مثالا جملة ( يلعب ) من نحو قولنا : ( محمد يلهو ويلعب ) ، فهي ليست من الخبر ، غير أنها امتداد للجملة الأم ، ولا يسوغ إخراجها عنها ، ومثلها في ذلـك مثل قولنا : محمد لاه و لاعب ، فليست لاعب خبرا ولكنها دون ريب امتداد للجملة الأم .

وإذا تبين لك ما ذكرته ، و استقر منك في موطن الفهم والإدراك ، وعقدت عليه فؤادك عرفت لم جعل الزجاج أربع عشرة آية من آخر سورة الفرقان جملة واحدة  ، قال أبو جعفر النحاس : " ورأيت أبا إسحاق قد جاء في هذا بما هو أولى من قول الأخفش هذا قال : ) عبادُ   (مرفوع بالابتداء ، و ) الَذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنـاً (  مـن صفتهم ، و ) الَذِينَ (  الذي بعده عطف عليه ، والخبر ) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُـرْفَة ...  (

. قال : ويجوز أن يكون الخبر ) الَذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنـاً ( "[96]،والجملة هي هي مع اختلاف تقدير الخبرين ، وكل ما في الأمر أن المبتدأ هو الذي يطول على التقدير الأول ، على حين يكون الطول والامتداد من نصيب الخبر على القول الثاني .

2- إذا وقع إسناد ما موقعا إعرابيا كأن يكون خبرا أو حالا أو صفة ، وكذلـك إذا وقع الإسناد صلة فإن جميع متعلقات هذا الإسناد تأخذ الموقع الإعرابي أو تدخل في جملة الصلة ، فلو قلنا : ( جاء زيد و هو يسرع في مشيه ويتعثر في خطوه لأنه أراد أن يدرك الموعد الذي ضربه لعمرو وخشي إن هو تراخى ألا يدركه ) فإن جملة الحال تـبدأ مـن 

قولنا : ( وهو يسرع ) ولا تنتهي إلا عند قولنا : ( ألا يدركه ) ، وذلك أن كل ما بينهما هو من متعلقات جملة الحال ، أو مما ارتبط بمتعلقاتها . وقد قال ابن السراج رحمه الله : " إذا طال الحديث عن المبتدأ كل الطول و كان فيه ما يرجع ذكره إليه جاز ، نحو قولك : ( عبدالله قام رجل كان يتحدث مع زيد في داره ) صار جميع هذا خبرا عن عبد الله  من أجل هذه الهاء التي رجعت إليه بقولك : ( في داره ) ، وموضع هذه الجملة كلها رفع من أجل أنك لو وضعت موضعها منطلقا و ما أشبهه ما كان إلا رفعا "[97] . وقال المبرد : " واعلم بأنك إذا أدخلت شيئا في الصلة  فنعته وفعله و البدل من داخلات في الصلة "[98] ، وقال الفارقي : " فيجب بعد الأصل الذي أصلناه ، والعقد الذي عقدناه أن تنظر كل ما كان متصلا بالصلة أن تجعله داخلا فيها ... فصفة ما في الصلة من الصلة  ... وكذلك البدل مما في الصلة من الصلة ... وكذلك التأكيد لمـا في الصـلة مـن الصلة "[99] .

3- المركبات التي تقع في سياق الجملة نوعان :

أ. المركبات الإسنادية : وأعنى هنا ذات الإسناد الأصلي وهذه تأخذ بجملتها الموقع   الإعرابي و تقدر الحركة على مجملها ، وذلك كجملة الخبر و الحال و الصفة مثلا .

أما المركبات الإسنادية ذات الإسناد غير الأصلي فحكمها حكم غير الإسنادية .

ب. المركبات غير الإسنادية : وتشمل المركبات الإضافية و العطفيـة و ما أشـبه ذلك ، فهذه تظهر الحركة أو تقدر على أحد أجزائها ، ويكون للجزء الآخر موقع إعرابي إما تابع و إما مستقل ، ولكن المعنى ينتظم المجموع كله . ففي قولنا : هذا كتاب الطالب نجد مركبا إضافيا غير إسنادي هو ( كتاب الطالب ) ، يأخذ جزؤه الأول ( كتاب ) العلامة الإعرابية التي تلائم موقعه ، ويحتفظ جزؤه الثاني بموقع المضاف إليه المجرور دائما ، هذا من حيث الصناعة ، أما من حيث المعنى فالخبر هو المركب الإضافي كله . 

 

والنحاة قد تنبهوا لمثل هذا وإن لم ينصوا عليه ، وآية ذلك أننا نجدهم يتحدثون عن بعض المركبات غير الإسنادية على أنها كل واحد ، و شيء واحـد ، ثم نجدهـم عند الإعراب يخصون الجزء الأول بالموقع ، ودونك قول المبرد :" إذا أضفت اسما مفردا إلى اسم مثله مفرد أو مضاف صار الثاني من تمام الأول ، وصارا جميعا  اسما واحدا ، وانجر الآخر بإضافة الأول إليه "[100] .

وهذا المذهب الذي يبقي على طريقة القوم ومصطلحاتهم ، ويحفظ الصناعة من الاضطراب ، ولا يخل بالمعنى ، أولى مما لهج به بعض المعاصرين من أن الموقع الإعرابي للتركيب كله عطفيا كان أو وصفيا أو إضافيا ... الخ ، وغاية حجتهم في ذلك أن هذا هو مقتضى المعنى ، ثم هم يبحثون عن نصوص شذا أصحابها عن الجماعة ( كالنحوي الآنف الذكر الذي جعل الموقع للموصول وصلته ) فيحعلونها أصلا ، أو هم يفهمون أحيانا من عبارات النحاة غير ما أرادوا منها ، ولا بد أن ندرك أن القوم يطلقون الحكم في بعض الأحيان و له قيود ، ثقة منهم بفهم طالب العلم ، وبأنه على ذُكْرِ مما ذكـروه له آنفا ، وقد يقولون القول يريدون به تفسير المعنى لا تقدير الإعراب ، وقد سبق بيـان ذلك .

4- الجملة الشرطية جملة واحدة ، فالشرط والجواب كالمبتدأ و الخبر " فكما أن المبتدأ لا يستقل إلا بذكر الخبر ، كذلك الشرط لا يستقل إلا بذكر الجزاء "[101] ، وينبغي أن نعلم " أن العرب أجرت كل واحدة من جملتي الشرط وجوابه مجرى المفرد لأن مـن شرط الجملة أن تكون مستقلة بنفسها قائمة برأسها ، وهاتان الجملتان لا تستغني إحداهما عن أختها ، بل كل واحدة منهما مفتقرة إلى التي تحاورها ، فجرتا لذلك مجرى المفردين اللذين

 

 

 

 

هما ركن الجملة وقوامها ، فلذلك فارقت جملة الشرط وجوابه مجاري أحكام الجمل"[102]، وصارتا " جملة واحدة "[103] ، وكان " حكمهما حكم جملة واحدة "[104] .

وحتى النحاة الذين لم ينصوا على أنها جملة واحدة ، لم يملكوا إلا أن يصفوا الشرط والجواب بأنهما كالجملة الواحدة[105] .

وقد ذهب بعض الباحثين[106] إلى أن الشرط معنى من المعاني التي تدخل على الجملة كالنفي و التأكيد و الاستفهام ، وبنى على ذلك أن القول بأن الجملة الشرطية قسيمة للاسمية و الفعلية يقتضي أن توجد الجملة التأكيدية و النفيية و الاستفهامية ، وهذا كلام يُغفل الفرق بين طبيعة الشرط الذي يخل على جملتين ويحدث أثرا إعرابيا ، و بين طبيعة الاستفهام و التوكيد و نحوهما مما يدخل على جملة واحدة ولا أثر إعرابيا له .

وقد نص الزمخشري رحمه الله على ( الجملة الشرطية )[107] ، وعارضة غيره بحجة أنها في الأصل جملتان " والصواب ما ذهب إليه الزمخشري ، لأن الجملة إما أن تقوم على تركيب إسنادي كالفعل و الفاعل ، أو المبتدأ والخبر ، وإما أ، تقوم على تركيب شرطي "[108] .

وجملة القسم وجوابه " ليستا كجملتي الشرط والجزاء ، لأن الجملة الثانيـة ليست معمولة لشيء من الجملة الأولى ، ولهذا منع بعضهم وقوعا صلة "[109] ، ومن ثم لم نعدهما جملة واحدة .

5- اختلف النحاة إسناد اسم الفعل إلى فاعله أهو إسنادي أصلي أم فرعي ؟ وقد ذهب ابن يعيش إلى أن هذه الأسماء "مع ما فيها من الضمير أسماء مفردة على حّدَّهِ في اسم

الفاعل واسم المفعول و الظرف "[110] ،وذهب غيره إلى أنها مع فاعليها جملة[111] ، فمن قائل: هي جملة اسمية[112] ، ومن قائل هي جملة فعلية[113]، ومن جاعل إياها قسما بذاتـه يسمى الخالفة[114] لأنها خالفة للفعل أي خليفته ونائبة في الدلالة على معناه[115] .

وقد جرى هذا البحث على عدة جمل اسم الفعل جملة فعلية ، كما هو مذهب الجمهور .

6- الجمل المستأنفة التي تأتي بين جملتين متعاطفتين لهما محل من الإعراب تعتبر جملا معترضة ، ففي قولنا : محمد أكل حتى شبع ثم شرب الماء ، تعد جملة ( شبع ) معترضة من حيث كونها جاءت بين جملة الخبر والجملة المعطوفة عليها ، ولا يشكل على هذا كون هذه الجملة المعترضة على هيئة مخالفة لما اعتاد النحاة أن يمثلوا بـه ، ذلك أن حقيقة الاعتراض أن يرد ما يفصل بين متلازمين ، وهذا متحقق هنا ، وإذا كان الرضي رحمه الله قد جوز مجيء الاعتراض في آخر الكلام[116] فما نحن فيه من باب أولى .

7- لا يقتصر المصدر المؤول على الحرف المصدري والفعل بعده فحسب ، وإنما هو يمتد إلى نهاية متعلقات هذا الفعل ، وبناء عليه فإن هذا التركيب كله هو الذي يحتل الموقع الإعرابي ، ففي قولنا : يعجبني أن تطلب العلم وأنت مخلص لربك يكون الفاعـل هو المصدر المؤول كاملا ، أي قولنا : ( أن تطلب العلم وأنت مخلص لربك ) .

 

 

وإذا عطف على المضارع المنصوب بحرف مصدري مضارع منصوب مثله فهو كذلك امتداد للمصدر المؤول ، لأنه حينئذ في حكم المفرد .

8- قد يرد في الكلام ماله معنى واحد ، و يكون أحدهما امتدادا للجملة ، والآخر استئنافا لجملة جديدة ، ومن ذلك المفعول لأجله ، وما بعد إذ التعليلة ، فكلاهما يفيد التعليل ، ومع ذلك فالمفعول لأجله امتداد لجملته ، وما بعد إذ استئناف ، وسر ذلك أن المفعول لأجله مفرد ، والمفرد لا يستقل ، فلا بد له من ارتباط بالإسناد ، و أما ما بعد   إذ فجملة ، والجملة فيها نزعة الاستقلال إلا أن تكون خاضعة فتلحق حينئذ بالمفرد ، وهي هنا ليست كذلك فاستقلت .

ولنحاول الآن الوقوف على نصوص من كلام الرافعي نطبق عليه مفهومنا للجملة :

1- قال رحمه الله : ( تفسَّر الطبيعةُ نفسها الغامضة بامرأةٍ جميلةٍ لتحقّقَ لها في النّفسِ العاشقةِ وهمَ الكمالِ الإنسانيّ المستحيلِ الذي يخيّل لها اندمجَ الكونِ بجلالِهِ العظيـمِ في ذاتيّة إنسانيةٍ ، ذاتيَّةِ المحبوبٍ المخلوقةِ على مساواةٍ و تقديرٍ من محبها لتجذبـه وتفتنَهُ فتخرجَ به من حكم عقله ، فتَنْفُذَ أقدارُها في أقدارِه فتعقدَ على أطراف حياتِهِ بعقدةٍ عاطفيةٍ واحدةٍ تستطيعُ بها تلك المرأةُ أنْ تهزَّه من كلَّ نواحيه بأيسر لمسة ) [ يا للجلال 98 ] .

هذا النص كله جملة واحدة ، وبيان ذلك أن إسناد الفعل ( تفسر ) إلى ( الطبيعة ) هو الإسناد الأول أو النواة لهذه الجملة ، وداخل هذا الإسناد ثم مصدر مؤول وقع مجرورا بحرف الجر وهو : (لتحقّقَ لها في النّفسِ ... أنْ تهزَّه من كلَّ نواحيه بأيسـر لمسـة ).

وانظر داخل هذا المصدر المؤول لتجد جملة صلة هي قوله : ( يخيّل لها اندمجَ ... بأيسر لمسة ) . ثم انظر أخرى داخل جمل الصلة لتجد مصدرا آخر مؤول مجرورا بحرف جر هو قوله : ( لتجذبـه وتفتنَهُ ... من كلَّ نواحيه بأيسر لمسة ) ، وتأمل هنا كيف كان عطف المضارع على المضارع المنصوب بحرف مصدري امتدادا للمصدر المؤول . وانظر من بعد إلى آخر فعل معطوف في هذا المصدر المؤول أعني الفعل ( تعقد ) لتجده متضمنا جملة صفة هي قوله : (تستطيعُ بها تلك المرأةُ أنْ تهزَّه من كلَّ نواحيه بأيسر لمسة ) ، ولا عليك

 

أن تنظر كرة أخرى في جملة الصفة هذه لتظفر في داخلها بمصدر مؤول وقع مفعولا به ، وهو قوله : ( أنْ تهزَّه من كلَّ نواحيه بأيسر لمسة ) .

2- قال رحمه الله :   بماذا أَصِفُ ما لا يُوصَفُ ، ولا يُجَدُ بيانُهُ في اللسانِ معَ أنَّهُ حيٌّ قائمٌ في العينِ والضَّميرِ ، إذْ أشعرُ بكِ في ذلكَ المجلسِ وكأنَّ أكثرَ معانيكِ الإنسانيَّةِ تَتَهاربُ مِنْ حولِهِ لتسبغَ عليكِ من اللطْفِ معانيَ ملائِكيَّةً ساميةً تتكلَّمُ بوجهِكِ كلاماً هو شعرُ الحبَّ ، وإذْ أشعرُ من شِدَّةِ ما وجدتُ بكِ و وطْأة حبَّكِ على قلبي إنَّهُ لو حلَّ في كرسيَّكِ شخصٌ من معانيكِ لما كانَ إلا ملكاً حاملاً في إحدى يديْهِ قوساً محنيَّةً من صاعقةٍ ، و في يدهِ الأخرى سناناً يمورُ كالشُّعْلةِ ، و هو يرمي و يطعنُ و ما يرمي إلا لحظا و ابتساما . [ أما قبل 123 ]  .

هذا النص كذلك جملة واحدة نواتها الإسناد بين الفعل ( أصف ) وفاعله المستتر . وقد امتدت هذه الجملة بسببين :

أولهما : الصلة ، فالموصول ( ما ) تضمن في حيز صلته جملتين متعاطفتين ( لا يوصف) و ( لا يوجد بيانه ... والضمير ) .

ثانيهما : الظرف المضاف إلى جملة ، فقد تكرر الظرف إذ المتعلق بـالفعل ( أصف ) مرتين أضيف في الأولى إلى جملة ( أشعر بك ... شعر الحب ) ، وأضيف في الثانية إلى جملة ( أشرع من شدة ... لحظا وابتساما ) .

وجملة الصلة المذكورة قد تضمنت مصدرا مؤول وقع مضافا إليه ، وهو قوله : ( أنـه حي قائم في العين والضمير ) .

وأما جملة المضاف إليه الأولى ففي جوفها جملة حال هي ( كأن أكثر ... شعر الحب ) ، وفي بطن جملة الحال هذه جملة خبر الناسخ ( تتهارب من ... شعر الحب ) ، و في وسط جملة خبر الناسخ مصدرا مؤول وقع مجرورا بحرف الجر ( لتسبغ عليك ... شعر الحب ) ، وداخل هذا المصدر كذلك جملة تحتمل الوصفية والحالية هي ( تتكلم بوجهك كلاما هو شعر الحب ) ، ثم إن داخل هذه الجملة أيضا جملة وصفية هي قوله : ( هـو شعر الحب ) .

 

وعد الآن إلى جملة المضاف إليه الثانية لتجد داخلها إسنادين اثنين : أولهما صلة وهو قوله : ( وجدت بك ) ، و ثانيهما مصدر مؤول منصوب على نزع الخافض هو قولـه : ( أنه لو حل ... لحظا وابتساما ) . و خبر الحرف المصدري هنا جملة شرطية كما هو ظاهر ، وداخل الجواب جملة صفة ( يمور كالشعلة ) ، وجملة حال ( و هو يرمـي ... وابتساما ) ، ثم أنت ترى داخل جملة الحال جمل خبر ( يرمي ) وجملة أخرى معطـوفة على الخبر ( يطعن و ما يرمي إلا لحظا و ابتساما ) ، و وسط هذه الجملة المعطوفة جملة حال هي قوله : ( و ما يرمي إلا لحظا و ابتساما ) .

ولعله قد تبين من خلال المثالين مفهوم الجملـة عـند البـاحث ، وآليـة تمددهـا واستطالتها ، والحد الذي نقول عنده إن الجملة قد انتهت .

وبناء على ما سبق فإن دراستنا عن ( بناء الجملة عند الرافعي ) ستتعامل مـع الجملة بالمفهوم الذي ذكرته .

ويمكن في نهاية المطاف أن نعرف الجملة بأنها : ( الإسناد الأصلـي المستـقل بكافة متعلقاته ومقيداته )  .

فإن قال قائل : إن المصدر المؤول فيه إسناد أصلي ، أفتعده جملة ؟ قلت لا يمكن أن يكون المصدر المؤول مستقلا ، وقد نصصت على شرط الاستقلال ، ولعل هذا سبب من أسباب عدة أفضت إلى عدة من قبيل المفردات .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

البحث عن منهج

الدراسات التي تناولت بناء الجملة يمكن إجمالا تصنيفها إلى فئتين اثنتين :

الفئة الأولى : فئة التنظير

وتشمل الكتب التي ناقشت هذه القضية نقاشا نظريا ، فحاولت من خلال تتبعها لكتب النحو أن تبين القوانين العامة التي تحكم بناء الجملة ، والتي تشكل سلوكياتها المختلفة ، كما حاولت من جهة أخرى أن تقدم تعريفا أو مفهوما للجملة ، وأن ترصد اتجاهات البحث النحوي في هذه القضية .

ولعل من أهم هذه الكتب :

1- بناء الجملة العربية للدكتور محمد حماسة عبداللطيف : ويعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي عالجت هذه القضية ، وقد ناقش المؤلف موضوعة على ثلاثة زوايا :

أولاها : عناصر بناء الجملة ، وثانيتها : وسائل الترابط بيت هذه الأجزاء ، وثالثتها : ما يعرض للجملة من عوارض الحذف والنفي . ثم ختم الكتاب بفصل تطبيقي حـاول فيه أن يقدم نماذج من بناء الجملة في الشعر العربي القديم .

وميزة هذا الكتاب الأولى أنه بنى أسسه على كلام أسلافنا من الأئمة النحاة رضي الله عنهم ، لأن الجديد الحق عند صاحبه ليس " مبتوت الصلة بالقديم منـكرا له منسـلخا عنـه ، ولكنه إضافة لبعض جوانبه ، و استكشاف لغوامضه ، و تنوير و إضاءة لكثيـر من معمياته . والجديد الذي لا يعتمد على القديم ، ولا يستمد استمراره من أصولـه ضرب من القفز العشوائي في الظلام ، قد لا يفيد شيئا إن لم يكن تدميرا لكل شيء "[117] .

ونحن لا نجد في هذا الكتاب ما نجده لدى بعض المحدثين – ولا سيما الذين تحدثوا عن الجملة – من إزراء على الأئمة النحاة ، ووصفهم بالجهالـة و الغفلـة و التنـاقض والاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات ، ونعت نتاجهم بأنه هجين فقد أصالته وحيويته[118] .

 

و أبرز ما في هذا البحث إشارته إلى ما سماه ( البنية الأساسية ) وهي " النمـوذج الذي ينتمي إليه التركيب "[119] ، أو هي النموذج و المعيار التجريدي الذي يحاول الكلام الحي تنفيذه .

وهي ( أي النية الأساسية ) وراء التفريق بين كثير من الظواهر المتشابهة ، كـالتفريق بين الحال والمفعول الثاني في الجملة التي تحتوي على فعل ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر .

وأشار المصنف كذلك إلى ما سماه ( القيم الاستبدالية ) ، والمقصود بها إمكانيات التبادل بين كلمة و أخرى في الوظيفة النحوية نفسها ، إذ إن هذه الإمكانيات عي الني تحدد أنواع الكلمات و التراكيب ، و بناء عليها قوى المصنف مذهـب القدمـاء في اسمية نحو ( محمد قام )[120] .

وقد حاول الباحث كذلك أن يستقصي وسائل تطويل الجملة العربية ، فأشـار إلى طول التقييد ، و طول التبعية ، و طول التعدد ، و طول التعاقب ، و طول الترتب ،      و طول الاعتراض [121] .

وفي مجال الحديث عن الترابط ألمح إلى الترابط بين عنصري الإسناد ، و كذلك إلى الترابط بين العناصر غير الإسنادية في الجملة ، وإلى ما أسماه ترابط الترتيب كارتباط الشرط بجوابه والقسم بجوابه[122] .

وفي الجملة فإن هذا الكتاب فيما أحسب من خير ما كتب في بابته .

2- الجملة العربية ، دراسة لغوية نحوية للدكتور محمد إبراهيم عبادة : وقد بنـى المصنف كتابه هذا على تتبع العلاقات التي تربط بين المفردات في بناء الجملة ، فهناك علاقة الإسناد و علاقة التقييد و علاقة الإيضاح و علاقة الإبدال و علاقة التـأكيد والتقوية ، و علاقة الظرفية ، و علاقة العلية ، و علاقة المفعولية[123] .

وقدم المصنف في كتابه تصورا جديدا للمركبات ، فالمركبات عنده على أنواع هي : المركب الفعلي ( الفعل و فاعله ) ، والمركب الاسمي ( المبتـدأ وخـبره ، المضاف والمضاف إليه ، المعطوف والمعطوف عليه ، المنعوت ونعتـه ، الممـيز وتميـيزه ) ، والمركب الوصفي ( المشتق و فاعله أو ما أضيف إليه ) ، ومركـب الخالفـة ( اسم الفـعل ) ، والمركب المصدري ( المصدر و فاعله ) ، والمركب الموصولي ( الموصول الاسمي وصلته ، الموصول الحرفي وصلته ) ، والمركـب الظـرفي ، ومركـب الجـار والمجرور [124]  .

وظاهر من كلام المصنف أنه يجعل الموقع الإعرابي للمركب كله ، وهذا خلاف مـا عليه جمهرة النحاة ، وقد سعى إلى تتبع جميع المواقع الإعرابية التي يقع فيها كل مركـب من هذا المركبات ، وجهده في هذا التتبع يذكر فيشكر .

وفي ختام كتابه حاول المصنف أن يقدم تصورا جديدا لأقسام الجمـل العربية[125] ، ورأى أن الجملة العربية على أنواع :

1-   الجملة البسيطة : وهي المكونة من مركب إسنادي واحد ويؤدي فكرة مستقلة .

2- الجملة الممتدة : هي المكونة من مركب إسنادي واحد وما يتعلق بعنصريه أو بأحدهما من مفردات أو مركبات غير إسنادية .

3-  الجملة المزدوجة أو المتعددة : وهي الجملة المكونة من مركبـين إسـناديين أو أكثر ، وكل مركب قائم بنفسه ، وليس أحدهما معتمدا على الآخر ، ولا يربطها إلا العطف .

4- الجملة المركبة : هي المكونة من مركبين إسناديين أحدهـما مرتبط الآخر ومتوقف عليه ، والثاني يؤدي فكرة غير كاملة ولا مستقلة ولا معنى له إلا بالمركب الآخر ، والارتباط بينهما يكون بالقسم ، أو الشرط ، أو بالظرفية الزمانية أو المكانية ، أو بالاستدراك ،أو الاستثناء ، أو بالمصاحبة والمعية .

 

5-   الجملة المتداخلة : هي المكونة من مركبين إسـناديين أو متضمنين لعمليتين إسناديين بينهما تداخل تركيبي .

6- الجملة المتشابكة : هي الجملة المكونة من مركبات إسنادية أو مركبات مشتملة على إسناد ، وقد تتلقي فيه الجملة المركبة بالجملة المتداخلة بالجملة المزدوجة .

ولعل من حسنات هذا الكتاب استقراؤه الجيد للأصول التي بنى عليـها النحويون تحليلهم للجملة ، كالتعويل على المعنى ، والربط بين صحة المعنى و استقامة الشـكل ، ومراعاة الحمل على الموضع ، والرجوع إلى الأصول المقدرة[126] .

وكنت قد أشرت في المبحث الماضي إلى محاولة الدكتور عبادة تقديم تعريف للجملة وناقشته فيما جاء به نقاشا وافيا ، فانظره هناك .

3- الجملة النحوية نشأة وتطورا وإعرابا للدكتور فتحي عبدالفتاح الدجـني : وهو كتاب حاول أن يستعرض تاريخيا مسيرة الدرس النحوي للجملـة ، فاستعرض مقالات النحاة في تعريفهما مقسما إياهم بحسب ديـارهم ومناطـقهم ، ثم ألمـح إلى محاولات التيسير في الدرس النحوي الحديث ، ثم انطلق للحديث عن أقسام الجملة وأنواعها ، ثم ختم كتابه بالحدث عن إعراب الجمل .

وخير ما في هذا الكتاب استعراضه لورود مصطلح الجملة في كتب القوم ومحاولته تفسير قلة ورود الجملة لدى الكوفيين ، وكيفية انتقال المصطلح إلى البغداديين[127] ، أما التحليل لاتجاهات المفهوم ، ومرتكزات حد الجملة فلم يأت في ذلك بشيء ، ثم إنـه خاض في قضايا بعيدة عن صلب بحثه كحديثه عن محـاولات المحدثيـن في إصـلاح النحو[128] .

وأمر آخر هو أن هذا الكتاب لم يقم على ( فكرة ) جديدة ، أو على أصل افترعه صاحبه ثم بنى عليه مسا ئله . أضف إلى ذلك أنه قسم الدرس النحـوي إلى مراحل : مرحلة النشأة ، و مرحلة التطور ، و مرحلة الجمود ، وأنت إذا تأملت هذه المراحـل لم

تجد ثمت معالم حقيقة تميز كل مرحلة عن أختها ، ثم إذا تأملت التقسيم داخل كل مرحلة – وقد جرى  فيه على القسمة المكانية – لم تجد كذلك لكل قسم ملامـح في فهم الجملة تميزه عن الآخر إلا ما كان ذكره من قلة ورود مصطلـح الجملة عنـد الكوفيين ، وخلاصة الأمر أنه سلك في قسمته بعدا زمانيا مكانيا لم يخدمـه في بيان وجوه الرأي في تعريف الجملة ، ولعلك تعجب أشد العجب حين تعلم أنه أورد إبان حديثه عن نشأة الجملة النحوية حديثا عن آراء النحاة المحدثين !

4- مدخل إلى دراسة الجملة العربية للدكتور محمد أحمد نحلة : وهـو في أصله مقدمة لرسالته للدكتوراة التي عنوانها : نظام الجملة في شعر المعلقات ، ولعل أبرز مـا يلفت النظر في هذا المدخل الخلط المعيب بين مذاهب الأئمة من أسلافنا رضـوان الله عليهم وبين آراء الغربيين من علماء اللغة ، وقد احتشدت في كتابه أسماء أعلام الفرنجة والمصطلحات الأجنبية " في زحام دونه زحام الأعراس و الموالد "[129] ! وقد شعر المصنف بهذا فقال معتذرا : " لا أظن في هذا ما يعيب ... فقد كانت وجهة النظر العربية ماثلة أمامي في كل مراحله "[130] .

ولست أرفض أن ينتفع المرء بكلام الآخرين ، ولكن الذي لا أفهمه أن يستـعرض باحث عشرات الآراء الغربية في تعريف الجملة وهو يتحدث عن الجمـلة العربيـة ، وأعجب من هذا أن يقدم كلام هؤلاء على كلام النحاة العرب ! ثم هو بعد أن يطوح بنا يمينا و شمالا في خضم التعريفات يصمت فلا يرتضي لنفسه شيئا !

بعد ذلك يحاول المصنف أن يقدم معايير لتصنيف الجملة ، منها ما عرفه التراث العربي ومنها ما استقاه من كلام اللغويين المحدثين .

ثم عرض الباحث لأهم مناهج تحليل الجملة ، ومرة أخرى قدم المناهـج الغربية ، واستعرض أهم المدارس التحليلية الغربية ، ثم أفضى إلى المناهج العربية ، وذكر أن هناك ثلاث اتجاهات في تحليل الجملة : الاتجاه النحوي القديم ، واتجاه ربط النحـو العربـي

 

القديم باتجاهات البحث اللغوي المعاصر ، واتجاه إعادة النـظر في التـراث النحـوي والبلاغي القديم في ضوء نتائج البحث اللغوي المعاصر .

وقنع الباحث في بيان معالم الاتجاه الأول بكلام الدكتور تمام حسان ، وهو كلام على حسنة أقرب إلى تتبع الأخطاء منه إلى وصف المعالم ، وضرب مثـالا للاتجـاه الثاني بالدكتور عبده الراجحي ، وجعل المثل الوحيد للاتجاه الثالث الدكتور تمام حسان[131] .

وفي آخر الكتاب تحدث الباحث عن تصوره لتقسيم الجملة العربية[132] ، فـرأى أنها تنقسم إلى قسمين رئيسين : الجملة البسيطة والجملة المركبة . والمركبة عنده ما ضمت جملتين بسيطتين أو أكثر سواء ارتبطت إحدى الجملتين بالأخرى أو اندمجت إحداهما في الأخرى . وهو يقسم البسيطة إلى اسمية[133] وفعلية وجملية ، والجملية عنده مـا كـان خبرها جملة ، ويقسم المركبة إلى ذات تركيب مفرد وذات تركيب متعدد ، والأولى مـا ضمت جملتين فحسب ، والثانية ما ضمت أكثر من جملتين .

وقد أطال صاحب الكتاب النفس في بيان أشكال الربط والتفريغ .

والكتاب و إن دل على جهد مشكور لا يخلو من جملة ملاحظات مهمة :

1- توسعة الشديد في بيان المناهج والمذاهب الغربية في مقابل اختصاره المخـل في بيان المناهج العربية ، وقناعته بما كتبه غيره فيها أحيانا ، وقد وقع في نفسي أن البـاحث لو سمى بحثه ( مدخل إلى دراسة الجملة ) لكان ذلك أدل على مضمون الكتاب .

2- محاولة إقحام نظريات تحليلية مرتبطة بلغاتها الأجنبية على اللغة العربية ، ومـن ذلك أننا نراه أحيانا يقابل قول نحاة البصرة بقول النحاة الألمان[134] !

5- بناء الجملة بين منطق اللغة والنحو للدكتورة نجاة عبد العظيم الكوفي :وهـذا الكتاب لا يعدو أن يكون كتابا نحويا مدرسيا اتخذ له عنوانا فضفاضا ، وكـل ما فعلتـه

 

المؤلفة الفاضلة أنها نثرت مسائل النحو في بابين : باب بناء الجملة ، وباب الأساليب ، وأرادت بالأساليب النداء والاختصاص والتحذير والإغراء والاشتغال .

هذه أهم كتب الفئة الأولى .

الفئة الثانية : فئة التطبيق

وتشتمل البحوث التي حاول أصحابها أن يقدموا تصورات عن بناء الجملة في نصوص معينة ، وهي أكثر عددا ، وجُلُّ هذه البحوث رسائل علمية غير مطبوعة ، وقد تسنى لي بفضل من الله ومنة النظر في أكثر الكتب المطبوعة في هذا الباب ، وفي كثير من الرسائل الجامعية التي كتبت عن بناء الجملة في مصر والعراق والشام والسـعودية ، وفي ثبـت المصادر بيان بأسماء هذه الكتب والأبحاث .

وليس الغرض الآن استعراض هذه الأبحاث واحدا واحدا ، وإنما الهمة متوجهة لبيـان المناهج التي سلكتها هذه الأبحاث ، ثم مناقشتها للتوصل إلى المنهج الأمـثل ، أو على الأقل إلى منهج ملائم لدراسة بناء الجملة .

ويمكننا أن نرسم ملامح اتجاهات هؤلاء الباحثين بناء على أساسين اثنين :

أولا : مفهوم الجملة

إن استقرار الباحث على مفهوم يرتضيه للجملة يعصمه من الزيع والخلل ، ويقيمـه على الجادة ، ويحفظ عمله من الاضطراب و التناقض ، وقد حاول بعض الباحثين أن يصدر بحثه بحديث عن الجملة ومفهومها[135] ،وأغفل آخرون ذلك[136] .

وإذا كان البحث لم يحدد مفهوما للجملة فإن لنا أن نحاسبه بحسب ما يظهر لنا من مفهوم صحيح للجملة ، ولقد كان من نتائج إغفال تحرير المصطلح أن اضطرب التطبيـق

لدى الباحثين ، فجعلوا الجملة جملا والجمل جملة ، ووقعوا في ضـروب مـن الأخطاء والتجاوزات .

ودونك صورا من الخلل في هذه المسألة :

1- المساواة بين الجملة المستقلة والجملة غير المستقلة : فأنت ترى الباحث وهـو يضرب مثلا للجملة الاسمية ذات المبتدأ المعرفة مثلا يورد جملة مستقلة ، ثم يعقبها بجملة  هي في أصل وضعها حال أو صفها أو ما إلى ذلك ، فهل يستوي الأمران ؟ وهـاه هو الباحث علي جمعة عثمان و هو يمثل للمبتدأ الضمير المتقدم يذكر لنا النصين التاليين[137] :

- هم منعوا حمى الوقبي

- أنا مطلق

والمثال الأول مستقيم حسن ، أما الثاني فهو في أصله جملة وقعت مضافا إليـه لأن سياق البيت هكذا :

         ولكن عَرَتْني من هواكِ صبابة              كما كنتُ ألقى منك إذ أنا مُطْلقُ[138]

وربما قال قائل : إن هذا مبني على قول ابن هشام في حد الجملة ، فأقول : هب أنه كذلك ، فهل هذا المسلك الذي يتعامل مع الجمل في أدنى مستوياتها الإسنادية يحقـق المراد من دراسة بناء الجملة ؟ إن هذا المذهب قد ينفع في اكتشاف مسائـل تركيبية معينـة ، أو التهدي إلى صور من التراكيب الجديدة ، ولكنه لا يستطيع بحال أن يجلـو طريقة الكاتب وسمات أسلوبه ، من حيث كان الإسناد في أدنى مستوياته فعلا وفاعـلا ومبتدأ وخبرا ، وهذا مما لا يختلف فيه كاتبان ،ولا تتصور فيه المزية والفضل .

إن الباحث في بناء الجملة حين ينصرف همه إلى هذا المستوى الأدنى للإسناد لا يمكـنه أن يكشف لنا عن هندسة الجملة الكبرى ،ولا عن الحقائق التي تنطوي عليها ، و ليس يبلغ به الغاية بعد ذلك أن يعقد فصلا يتحدث فيه عن الجمل ذات المحل الإعرابي .

 

 

2- جعل جملتين جملة واحدة : فبعض الباحثين يعمد إلى جملتين ربطت بينهما علاقة استدراك أو عطف أو ما أشبه ذلك فيجعلهما جملة واحدة . ومرد ذلك كما أشرت إلى عدم تحرير مفهوم الجملة .

3- التطرق للعلاقة بين جملتين : فتجد البعض و هو يذكر أنماط بناء الجملة يذكر  نمطا يضم جملتين اثنتين ، خذ مثلا قول د. مصطفى إبراهيم : " النمط الخامس : جملة استفهامية + أداة استئناف + جملة استفهامية ، ورد هذا النمـط في تركيب واحد في قوله :

       أعيتّرتُموني أن أمّي نزيعةٌ ؟                 وهل يُنْجِبَنْ في القومِ غير الترائعِ؟ "[139]

ولعله ظهر لك أن الدكتور الكريم ذكر هذا النمط الجامع لجملتين وهو يتحدث عن بناء الجملة . والرأي أن هذا الضرب من البحوث ليس من شأنه أن يعالج العلائق بين الجمل ، لأنه بحث في بناء الجملة لا في علائقها بجاراته ، وربما كان سعادته يرى أن    هذا التركيب كله جملة واحدة ، فيكون قد جعل الجملتين جملة واحدة ، و هذا فيما  يظهر مخالف للصواب .

4- عد التدقيق في أبعاد الجملة : إن كون البحث في ( بناء الجملة ) يفرض على الباحث أن يذكر لنا الجملة كاملة محددا طرفيها ، لنعرف بدايتها ونهايتها ، وندرك من أين انطلقت وإلى أي حد امتدت ، و كثير من الأبحاث التي نظرت فيها لم تعن بذلك ، لأنها ابتداء لم تحدد مفهوما واضحا دقيقا للجملة . ولقد بدا هذا الخلل على صورتين : الصورة الأولى : ذكر البيت كاملا دون الإشارة إلى الجملة تحديدا

ومن أمثلتها ما صنعه الباحث فيصل مفتن كاظم ، فهو يذكر النمط ثم يورد بعده   بيت الفرزدق كاملا ، وقد يكون في البيت جملتان أو أكثر ، ومع ذلك لا يحدد لنا   موطن الشاهد . وتأمل قوله وهو يتحدث عن أنماط توكيد الجملة الاسمية : " جاء خبر  إن المكسورة الهمزة جملة فعلية فعلها ماض في الديوان في تسعة و خمسين موضعا ، منها قوله :

إني وجدتُ لخالدٍ في قومِهِ              ضوءينِ قد ذهبا بكلَّ نهارِ "[140]

ولم يخبرنا الباحث ما الخبر تحديدا ؟ أهو الفعل و فاعله فحسب ؟ أم هو يمتد إلى نهاية الشطر الأول ؟ أم هو يمتد إلى نهاية البيت ؟

الصورة الثانية : الإشارة الناقصة ، فيكتفي الباحث بالإشارة إلى صدر جملة الخبر أو الصفة مثلا ، وهذا مثال من كلام الباحثة فوزية القضاة يجلو ما أردت ، تقول في سياق حديثها عن المبتدأ المعرفة :" الشكل الخامس : المبتدأ معرفا ( بالإضافة ) + الخبر جملة  فعلية فعلها مبني للمعلوم مثبتة ... ومنه :

أبوك غداة الجزعِ من أرضِ مسكنٍ             يَؤُمُّ العدا بالجمعِ بعد المقانبِ "[141]

فهل الخبر هو ( يؤم ) فقط ؟ ولَم لْم تمد الخط حتى يشمل جملة الخبر كلها ؟

ثانيا : تقسيم الجملة

ذهب أكثر الباحثين إلى تقسيم الجملة إلى خبرية وإنشائية ، ثم عالجوا داخل الخبرية المثبتة والمنفية و المؤكدة ، ثم هم داخل الخبرية المثبتة يعالجون الاسمية والفعلية ، وكذلك في سائر الأقسام .

هذا المذهب في تقسيم الجمل إلى خبرية وإنشائية ، هو مما تتابع عليه الباحثون وكادوا يجمعون عليه وحجتهم في ذلك أنه " تقسيم بلاغي ، و البلاغة مثل النحو علم نشأ لخدمة القرآن والحديث " [142] ، وهذه أعجب حجة في التاريخ ، ونستطيع أن نقول قياسا عليها : إن جمع علوم العربية والشريعة يمكن أن تتداخل في تقسيماتها لأنها جميعا نشأت لخدمة القرآن والحديث !

إنّ تقسيم الجمل إلى خبر و إنشاء تقسيم بلاغي ، وتقسيمها إلى فعلية واسمية تقسيم نحوي ، و تقسيمها إلى منفية ومثبتة تقسيم معنوي محض ، وكل واحد من هذه التقسيمات ينظـر إلى الجملة من زاوية تختلف عن الأخرى ، فالأول ينـظر من زاويـة  

إمكانية الصدق والكذب ، والآخر ينظر من زاوية صدر الجملة وهل تصدر الفعل أم الاسم ؟ والثالث ينظر من زاوية الإثبات والنفي ، فكيف يجوز أن ينظر للجملة بعدة اعتبارات في وقت واحد و في قسمة واحدة ؟

لقد كان من نتائج هذا الطريقة في التقسيم أ، تمزقت أوصال الأبواب النحوية مراعاة للمعنى البلاغي في دراسة هي في أصلها نحوية ، وكان من نتائجـه كـذلك حصول التداخل ، واستحقاق الجملة الواحدة لوصفين مختلفين تدخل بهما في بابين من أبواب البحث ، فالاسمية المنسوخة قد تكون خبرا ، وقد تكون إنشاء ، وكذلك التوكيد قد يكون خبرا وقد يكون إنشاء ، وتأمل ما فعلته الباحثة هداء البس التي شطرت باب إنّ وأخواتها شطرين ، شطر جعلته مع الجملة الاسمية المنسوخة ، وتضمن كل أخوات إن    ما عدا ليت و لعل ، وشطر جعلته من الجملة الإنشائية ، وهو جملة ليت ولعل ، و كأن هذه الجملة ليست من الاسمية المنسوخة[143] ! و أعجب من هذا ما صنعه الدكتور العاني الذي لم يبق عنده في الجملة الاسمية المنسوخة إلا جملتـا ( كـأن و لكـن ) ! لأن جملتـي ( إن و أن ) ذهبتا مع الجملة المؤكدة ، وباقي الأدوات لم تدخل في بحثه لأنها ليست خبرا .

ولست أرى شيئا أشبه بهذا من رجل جُعلَتْ له قطع ذات أشكال هندسية مختلفة ، فمنها المثلث و المربع و الدائرة ، ثم هي ذات ألوان متباينة ، فمنها الأحمـر و الأخضـر والأبيض ، ثم قيل له اقسم هذه الأشكال قسمة منطقية ، فقال : أقسمـها إلى دوائر ومثلثات و أشكال حمراء ! ترى أين سيضع الدائرة الحمراء ؟ هل سيجعلها مع الدوائر   أم مع الأشكال الحمراء ؟ هذا هو عين ما حدث هنا ، حين مزجت زوايا نظر متعددة    في قسمة واحدة ، فكان ما كان من الخلط والتداخل .

لست أعترض البتة على دراسة الإنشاء والتوكيد أو النفي ، فهذا كلـه حسـن ، ولكن المنهج العلمي كان يقتضي أن ينظر الباحث إلى جملة فيقسمها قسمـة نحوية خالصة ، فإذا فرغ عاد مرة أخرى يتلمس أساليب الإنشاء و النفي و التوكيد و يشير  إليها . 

ولعل مما غر بعض الدارسين ما زعمه بعض المحدثين من الرواد من أن النحاة فرقوا النظائر ، وجمعوا النقائص ، فهم يجمعون مباحث الأمر و النـهي و الشرط في باب الجوازم ، ويجعلون المنادى في باب المنصوبات و حقه أن يكون مستقلا ، ويجعلون الاستثناء المفرغ في باب الاستثناء وحقه أن يكون مع التوكيد ، وهذه المزاعم عاريـة   عن الصحة بعيدة عن النظر و التأمل ، وهي مبنية على ما بينته آنفا من الخلط بين زوايا النظر في القضية الواحدة ، لأننا لو قسمنا بحسب ما يراه هؤلاء لفرقنا أيضا بين ما يعمل عملا واحدا ، وما له سلوك لغوي واحد ، وليس أحد الأمرين ( أعني مراعاة المعنى ومراعاة العمل ) أولى من الآخر في ذاته ، وإنما يأتي التفصيل من غرض الدرس ، ولما  كان غرض الدرس النحوي مرتبطا بالدرجة الأولى بالمنطق ، كانت مراعاة العمل أولى ، ولما كان غرض الدرس البلاغي التهدي إلى خفايا المعاني ، ودلالات التراكيب ، كانت مراعاة المعنى أولى ، وكل قسيم يكمل قسيمه ، ومن أراد الجمع بين الأمرين ، فليفعل ذلك دون خلط بينهما ، ولا داعي لهذه الحملة الشعواء ، و الألفاظ المنكرة التي يفوه     بها البعض في حق الأئمة الكملة من نحاتنا رضوان الله عليهم .

ولعل أمثل ما اطلعت عليه من البحوث منهجا في نظري ( نظام الجملـة في شعر الحماسة ) ، فقد جعل الباحث بحثه في أربعة أبواب : الجملة الاسمية ، و الجملة الفعلية ، والجملة الشرطية ، والمباحث المشتركة ، و قسم كل باب من الأبواب الثلاثة الأولى قسمين  : المكونات والعلاقات ، وتحدث في الباي الرابع عـن الأساليـب الخاصـة ، والتوابع .

وبعــد ،،،

فإذا كان البحث لم يرتض هذه المناهج كلها فما المنهج الذي اختطه و رضيه ؟

لقد ذكرت من قبل أن نواة الجملة الإسناد ،وأن هذا الإسناد يمتد من خلال مقيداته   أو مقيدات ركنيه أو أحدهما ، و أن هذا التقييد قيد يكون بالمفرد و قد يكون بإسنـاد آخر ، ومقتضى هذا أ، الجملة قد تكون محتوية على إسناد واحد ، وقد تضم أمثر من إسناد ، ومن هنا ننطلق في رسم ملامح منهج هذا البحث .

لقد حعل البحث الإسناد مرتكز التقسيم ، فقسم الجمل إلى قسمين :

1- جمل ذات إسناد واحد ، وسماها ( الجمل البسيطة )[144] .

2- جمل تضم غير ما إسناد ، وسماها ( الجمل المركبة ) .

والجمل البسيطة إما أن تكون مقتصرة على ركني الإسناد ، وهي حينئذ ( بسيطـة مطلقة ) ، وإما أ، تشتمل على مقيدات مفردة ، وهي حينئذ بسيطة مقيدة .

وأما الجمل المركبة فهي على ضربين :

الضرب الأول : الجمل المركبة الشرطية

وقد أفردت لما لها من تميز في هيئتها فارقت به الجمل كما قال ابن جني .

الضرب الثاني : الجملة المركبة غير الشرطية

ويشمل هذا الضرب كل جملة احتوت على إسنادين فصاعدا ، ولم تكن شرطية .

وأنت ترى الآن أن هذه القسمة قسمة نحوية صناعية منضبطة لا مجال فيها لتداخـل ولا خلط .

بقي أن ننظر إلى تقسيمات الجملة البسيطة والمركبة .

تنقسم الجملة البسيطة إلى اسمية وفعلية .

وتُقسم الجملة الشرطية بحسب أدوات الشرط المختلفة التي تتصدرها .

أما الجملة المركبة غير الشرطية ، فقد سلك البحث في تقسيمها و درسها مسلـكا مبتكرا أرجو أن تكون فيه الفائدة ، وأن تجنى من خلاله الثمرة .

ويعتمد التصنيف في هذا الضرب من الجمل على مدى الامتـداد الرأسـي لهـذه الجمـل ، ومردُّ هذا الامتداد الرأسي إلى تداخل الإسناد ، فكلما ولد إسناد داخـل إسناد انتقلت الجملة إلى درجة أعمق ، بحيث تصبح لدينا جمل مركبة مـن الدرجـة الأولى والثانية والثالثة والرابعة ... الخ ، وذلك بحسب مستويات الإسناد .

ولا بد من مثال وضح الفكرة ويجلو المراد .

عندما نقول : جاء محمد من السوق فإن هذه الجملة جملة بسيطـة غيـر مركبـة لاحتوائها على إسناد واحد فقط . فإذا قلنا جاء محمد من السوق وهو راكب سيارتـه فإن التركيب هنا يكون من الدرجة الأولى ، إذ هناك مستويان من الإسناد : إسنـاد داخل إسناد ( جملة حالية داخل الجملة الأم ) ، فإذا قلنا : جاء محمد من السوق وهو راكبُ سيارتَهُ التي اشتراها صارت الجملة مركبة من الدرجة الثانية لوجـود ثلاثـة مستويات من الإسناد : إسناد ( جملة الصلة ) داخل إسناد ( جملة الحال ) داخل إسنـاد ( الجملة الأم ) .فإذا قلنا : جاء محمد من السوق و هو راكبُ سيارتَهُ الـتي اشتـراها منذ أَنْ كان طالبا ، انتقلت الجملة المركبة إلى الدرجة الثالثة فهنا إسـناد ( المصـدر المؤول ) داخل إسناد ( جملة الصلة ) داخل إسناد ( جملة الحال ) داخـل إسنـاد       (الجملة الأم ) ، فإذا قلنا : جاء محمد من السوق و هو راكب سيارته الـتي اشتـراها منذ أَنْ كان طالبا و اعتنى بها بقيت الجملة كما هي من الدرجة الثالثة لكون هذا الإسناد ليس متولدا داخل المستوى الإسنادي الرابع ، وإنما هو مواز للمستـوى الإسنـادي الثالث إذ العطف هنا على جملة الصلة .

ثم لو قلنا : جاء محمد من السوق و هو راكب سيارته الـتي اشتـراها منذ أَنْ كان طالبا و اعتنى بها ليطول بها انتفاعه لبقيت الجملة أيضا من الدرجـة الثالثـة ، إذ هـذا الإسناد مواز للإسناد السابق ( منذ أن كان طالبا ) فكلاهما في المستوى الإسنـادي الرابع كما هو ظاهر .

ولست أستثني هنا ( المصدر المؤول ) أو المركب الإسنادي الذي أريد به لفظـه[145] ،   أو ما فيه إسناد مقدر كالنداء[146] و القسم ، فكل هذه الصور يتحقق فيها الإسناد الـذي ينقل الجملة من مستوى إلى مستوى وإنْ عدَّ النحاة المصدر المؤول وما أريد لفظه مـن

قبيل المفرد لا من قبيل الجملة "[147] ، وإنما ذهبوا إلى ذلك لأن المصدر المؤول و ما أريد لفظه يشغل المواقع النحوية نفسها التي يشغلها الاسم المفرد ، فكلاهما يمكن أن يكون مبتدأ ويمكن أن يكون فاعلا أو نائبه ومعلوم أن هذه المواقع من مواقع المفـردات لا الجمل .

وإذا كان النداء لاحقا عند النحاة بالجملة الفعلية لتقدير فعل محـذوف تقديـره أنادي أو أدعو وإذا كان القسم لاحقا بالجملة الفعلية عند تقدير الفـعل أقسـم أو أحلف أو ما في معناهما ، أو لاحقا بالجملة الاسمية إذا كان المبتدأ نصا في اليمين فقـد وجب أن يُعدَّ وجودهما في الجملة إسنادا معترضا بين عناصر الجملة ، أي أنهما ينقلان الجملة رأسيا وأفقيا .

وهكذا نلاحظ أنَّ تركُّبَ الإسناد في الجملة يسلك طريقين : طريقا رأسيا وطريـقا أفقيا ، فتولُّدُ الإسناد داخل إسناد آخر يمثل أقصى عمق للجملة ينقل الجملة من درجة   إلى درجة ، وتولُّدُ الإسناد بمحاذاة إسناد آخر يعطي للجملـة امتـدادا أفقيـا في المستوى الذي تولُّدُ فيه الإسناد .

ولو حاولنا أن نرسم ( شجرة ) للجملة السابقة لوجدنا ما يلي :

المستوى الأول                       ( جاء محمد ......... ليطول بها انتفاعه )

( نواة الجملة )

المستوى الثاني                     ( وهو راكب سيارته التي ......... انتفاعه )

( الدرجة الأولى )

 

المستوى الثالث         ( اشتراها منذ أن كان طالبا )   ( اعتنى بها ليطول بها انتفاعه )

( الدرجة الثانية )

 

المستوى الرابع               ( أن كان طالبا )                 ( ليطول بها انتفاعه )

( الدرجة الثالثة )

وهكذا تبين لنا أن هذه الجملة هي جملة مركبة من الدرجة الثالثة على أن المستويين الثالث والرابع قد احتوى كل منهما على إسنادين اثنيـن ، وكـان الإسنـادان في المستوى الثالث مرتبطين بالعطف ، وفي الرابع غير مرتبطين ، فصار في هذه الجملـة امتداد رأسي وامتداد أفقي كذلك .

وحرصا على الكشف عن هذا الامتداد الرأسي والأفقي بطريقة موجزة ظـاهرة صممت جدولا يبين هذه المستويات ، ودونك مثالا من كلام الرافعـي رحمـه الله موضوعا في هذا الجدول :   

المستوى الأول

أصبحتُ أرى الحبَّ كأنّه طريقةُ يفقدُ بها الإنسانُ روحَهُ قبلَ الموت ؛ فيعودُ كأنّه ضاربُ غمرةٍ من الحميمِ وهو قارٌّ في نسيمِ الدُّنيا

 [ رسالة للتمزيق 49]

المستوى الثاني

أرى الحبَّ كأنّه ... قارٌّ في نسيمِ الدُّنيا [خبر الناسخ]

المستوى الثالث

كأنّه طريقةُ يفقدُ بها ... قارٌّ في نسيمِ الدُّنيا [حال]

المستوى الرابع

يفقدُ بها ... الموت [ صفة ]

يعودُ كأنّه ... الدنيا [ معطوف ]

الرابط

العطـــــــــــــــــــــــف

المستوى الخامس

 

كأنّه ضاربُ ... الدنيا [حال]

المستوى السادس

 

وهو قارٌّ في نسيمِ الدُّنيا [حال]

هذا الجدول يكشف منذ النظرة الأولى أن الجملة فيها سبعة أسانيد متداخلة ، وهي مركبة من الدرجة الخامسة ، و يكشف الجدول كذلك عن طبيعة الامتداد الأفقـي  الذي جاء ثنائيا في المستوى الرابع وأحاديا في بقية المستويات ، كما يبـين الرابـط  الذي ربط بين إسنادي المستوى الرابع وهو العطف ، وقد التزمت في هذا الجدول أن أذكر في كل مستوى الإسناد كاملا بكل متعلقاته ، وهذا بين لمـن تأمـل المثـال السابـق .

لقد حرصت على سلوك هذا المنهج في درس جمل الرافعي المركبة لأكشـف عـن حقيقة قولهم : إن الرافعي صاحب توليد وتعقيد ، فأما قولهم : هو صاحب تولـيد فمعناه التوليد في المعاني وقد تكفل أهل الأدب والبلاغة بالكشف عن هـذا الجانـب ،

وأما قولهم هو صاحب تعقيد فلا معنى له عندي إلا تعقيد التركيب ، و لا يتجلى        هذا التعقيد في شيء كما يتجلى في تداخل الجمل بعضها في بعض ، ونشوء إسنـاد داخل آخر ، أو محاذاة إسناد لثان ، ولا أحسب أن منهجا قادرا على كشـف هذا الجانب كهذا المنهج الذي سلكته ، وسنرى فيما نستقبل من البحث أن للرافعي جملا مركبة من الدرجة الثامنة بل من الدرجة التاسعة .

وسوف أتناول كل ضرب من الجمل المركبة على حدة ، وأعقد مبحثـا للجمل  المركبة من الدرجة الأولى و آخر للجمل المركبة من الدرجـة الثانيـة و هكـذا ، وستكون زوايا الدراسة داخل كل ضرب على النحو التالي :

أولا : الامتداد الأفقي : حيث سأبين درجاته، و أكشف عن أسبابه وأجلو النقاب   عن العلائق بين جمل المستوى الإسنادي  الواحد من خلال الجدول المذكور  . ذلك أن للامتداد الأفقي أسبابا ، فقد يكون مرده إلى العطف أو غيره من التوابع ، وقد يكون  مرده إلى ارتباط جملتين بعنصرين مترابطين في مستوى سابق فيفضـي هـذا إلى أن تتحاذى الجملتان في مستوى واحد وإن لم تكن بينهما رابطة في هذا المستوى . فإذا كانت لدينا مثلا جملة حالة صاحبها مواز لموصوف جملة وصفية فإن جملتي الحـال والصفة ستتحاذيان في مستوى واحد وإن لم تربط بينهما رابطة في هذا المسـتوى ، ومعنى ذلك أن هذه الجمل الممتدة أفقيا قد تكون بينهما علائق ، كـالعطف و البدليـة و التوكيد و الشرطية مثلا ، و قد لا يكون بيهما ارتباط في المستوى نفسـه ، و إنما تحاذت  في مستو واحد لارتباطهما بعناصر مترابطة في مستوى سابق .

ثانيا : أنواع الجمل : حيث سأصنف هذه الجمل المركبة إلى اسمية و فعلية حتـى  يمكن الموازنة بينهما من حيث الاستعمال ، وسأتحدث كذلك عما يتبع ذلـك من   أحكام خاصة بهما من حيث العناصر المكونة لكل منهما . وقد سبق أن ذكـرت أن   قسمة الجمل إلى اسمية و فعلية قسمة أصلية معتمدة تواتر عليها النحاة ، و ليسـت القسمة التي سلكتها مضادة لهذه القسمة أو معارضة لها ، وإنما هي تمثل زاوية نظـر أخرى في الجمل ، فلينتبه إلى هذا ، وما أشبهها بما ذكره أن هشام عند حديثه عـن الجمل الصغرى و الكبرى ، فليست هذه القسمة عنده معارضة لقسـمة القـوم ، وإنما    

 هي وجه آخر من النظر . وأنت خبير بأن الموضوع الواحد تختلف أقسامـه بحسب اعتبار التقسيم وهذا كل ما هنالك .

ثالثا : تصنيف الجمل غير المستقلة أو الخاضعة : وسيكون الحديث هنا عن مواقـع  هذه الجمل من الإعراب – إن كان لها موقع – مع الحديث عما ذكره النحاة لكـل ضرب من شروط و ضوابط ولا سيما ما يتعلق بالروابط التي تربط هذه الجمل الفرعية بجملتها الأم  .

وهذه الجمل المركبة التي وصفت آنفا و بينت طريقة البحـث في الكشـف عن جوانبها تشبه من وجه ما ماسماه ابن هشام الجملة الكبرى ،وفرق ما بينهما أن ابن    هشام رحمه الله دل بلفظه على أن الكبرى هي " الاسمية التي خبرها جملة "[148] ، ودل   بأمثلته على أنه يلحق بها جملة إن وأخواتها و كان وأخواتها إذا جاء الخبر فيها جملة ،    وكذلك جملة ظن وأخواتها إذا كان المفعول الثاني جملة . فكأن الجملة التي تتضمـن   جملة حال أو صفة أو مفعول لا تسمى عنده جملة كبرى [149] .

أما البحث فيرى أن الجملة المركبة هي كل جملة تضمنت داخلها إسنادا ، سـواء  كان هذا الإسناد حالا أو صفة أو مصدرا مؤول أو غير ذلـك ، " ووددت لـو أن النحويين عنوا بما سماه ابن هشام الجملة الصغرى ، وأطلقوا هذه التسمية على الجمـلة الواقعة نعتا ، و صلة ، و حالا ، و مفعولا به ، ونائبا عن الفاعل ، ومعترضة ، وأطلقـوا الجملة الكبرى على الجمل المتضمنة للجملة الصغرى الواقعة في المواثع السابقة "[150]  .

وابن هشام لا يمتنع من عد الجملة غير المستقلة جملة كبرى إذا تضمـنت داخلـها  جملـة ، كما في مثاله : ( زيد أبوه غلامه منطلق ) ، فقد جعل جملة ( أبوه غلامـه  منطلق ) " صغرى وكبرى باعتبارين "[151] ، و هذا مما تفق مع مذهب البحـث ، من   جهة أن هذه الجملة تعد مركبة وإن كانـت خاضعة لغـيرها لكونها متضمنـة لجملـة  

أن هذه الجملة تعد مركبة وإن كانت خاضعة لغيرها لكونها متضمنة لجملة أخـرى ، فهي خاضعة مخضِعَة في الوقت نفسه .

ولعل من فوائد هذا المنهج الذي سرت عليه أن يرى القارئ أمام عينية الجملة وهي تنمو شيئا فشيئا ، ويخرج فرع منها من أصل ، ويولد صغير من كبير ، ثم يراها وهي تتكاثر أحكامها ، و تتغازر مسائلها، ويدرك من بعد كيـف تراكبـت أجزاؤها فتعقدت ، ومن أي جهاتها امتدت فاستطالت ، ولو طبق مثل هذا المنهج على نتـاج الأدباء وإبداعهم لرجوت أن يكشف عن كثير من أسرارهم .

وثمة معالم سار عليها هذا البحث ، هي :

1- التفت هذا البحث إلى الجانب الإحصائي ، و أولاه طرفا من عنايته ، لما يؤمن به الباحث من جدوى كبيرة لهذا المذهب ، فبه يتبين لنـا مذهب الأديب أو الكاتـب       " وكثرة استخدامه لصيغ معينة ، وميله لتركيب جملة تركيبا خاصا ، أو ترتيبها ترتيبا معينا ... وبذلك نستطيع أن نستنبط روح الشاعر السائدة ، أو إحساسه العـام ، أو  حالته الشعورية و النفسية و تجربته التي عاناها"[152] .

إن الكاتب قد يستخدم وحدات معجمية معينة ، وقد يكثر من نوع بعينه من أنـواع الجمل ، كما أنه قد يؤثر تراكيب و مجازات معينة ، " وهذه السمات اللغوية حيـن تحظى بنسبة عالية من التكرار ، وحين ترتبط بسياقات معينة على نحو له دلالاته تصبح خواطر أسلوبية "[153] ، هذه الخواص لا يمكن كشفها إلا من خلال المنهج الإحصـائي ،   ومن هنا تبرز أهمية الإحصاء في " قدرته على التمييز بين السمات أو الخصائص اللغوية   التي يمكن اعتبراها خواص أسلوبية ، وبين السمات التي ترد في النص ورودا عشوائيا "[154] .
وليس هذا المذهب بدعا في العربية ، ولا هو بمستغرب على مناهج أسلافنا و علمائنا رضي الله عنهم ، فقد استخدم علماؤنا الإحصاء ، وشموا روائحه ، و نحـن نجـد في كتبهم " ألفاظا إحصائية تعبر عن إدراكهم لتلك الأهمية مثل : مطـرد و غالـب و كثير

وقليل و نادر و شاذ "[155] ، ولعل أجلى صور هذا الإحصاء ما اقترن بكتاب الله عز وجل من محاولاتهم عد آياته وحروفه وحروف كل سورة على حدة ، وحسبك مـا صنعه الفيروزابادي في كتابه ( بصائر ذوي التمييز ) ، فقد أحصى عدد آيـات و كلمـات وحروف كل سورة من سور القرآن الكريم ، وقد عقد السيوطي في الإتقان فصـلا    عن عدد سور القرآن و آياته و كلماته و حروفه[156] .

بقي أن أقول : إن الإحصاء وحده قد يكون عملا آليا تقل جدواه ، ولكنـه حـين يقترن بالتحليل النحوي ، والتدقيق في التراكيب يصبح ذا فائدة جليلة .

2- الحديث عن الحذف كان مقصورا على ما تقتضيه الصناعة فحسـب ، ذلك أن  " الحذف الذي يلزم النحوي النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة ، وذلك بأن يجد خبـرا بدون مبتدأ أو العكس ، أو شرطا بدون جزاء أو بالعكس ، أو معطوفا بدون معطـوف عليه ، أو معمولا بدون عامل "[157] .

3- كان من الرأي عند الباحث ألا يتتبع ما جاء على أصله في التقديم والتأخير إلا    ما كان من أمر ركني الإسناد ، فلا يعقل أن نتتبع تأخر شبه الجملة عن متعلقها مثـلا  ، أو تقدم صاحب الحال على الحال ... الخ ، " ومن فضول المعاصرين تتبعهم أساليـب  من دارج الكلام ليس وراءها نكت نادرة ... فأي غناء علمي أو فني وراء هذا ؟ "[158] .

4- ليس من منهج الرسالة تتبع وجوه الإعراب ، والمبالغة في استقصائها ، و إنما   يختار الباحث ما ترجح منه ، ويشير على الخلاف إذا دعت إلى ذلك ضرورة ، أو عند مناقشة تركيب بعينه فيه من دقائق الصناعة ما يدعو إلى ذلك .

4- الجملة بعد ( حتى ) إذا كانت اسمية أو شرطية أو فعلية فعلها ماض فالجمهـور  على أنها مستأنفة[159]  ،وهي بذلك ليست امتداد للجملة قبلها ، وإن ربط المعنى بيـن الجملتين برباط وثيق .

5- النداء كما ذكرت آنفا إسناد ، وذلك أ، معنى قولك : ( يا زيد ) أدعوا زيدا ، غير أن النداء ليس له ارتباط بجوابه كارتباط الشرط بالجواب ، وعليه فإذا جاء النـداء بين عناصر الجملة الواحدة فإنه حينئذ ينقلها من مستوى تركيبي إلى آخر ، أما إذا جاء   في آخر الجملة بعد أن استوفى الإسناد مقيداته فإنه حينئذ جملة أخرى بائنة عن الأولى ،   فقولي : ( يا أحمد ) في نحو : ذاكر – يا أحمد  - درسك يجعل هذه الجملة مركبة من الدرجة الأولى ، غير أنه في نحو : ذاكر درسك يا أحمد جملة أخرى مستقلة ، تبقى معه الجملة الأولى بسيطة غير مركبة .

6- يذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن ( كان ) وأخواتها أدوات لا أفعال ، وإلى   أن جملتها جملة اسمية منسوخة لا فعلية ، وهم يحتجون لمذهبهم هذا بجملة أمور أهمها ما وقع لهم من وصف بعض النحة لهذه الأفعال بأنها لمطلق الزمن ولا دلالة فيـها على   الحدث فهي من ثم ليست أفعالا حقيقة[160] ، ومن وجوه احتجاجهم أيضا أن الفعـل إذا حذف من الجملة الفعلية لم يستقل ما بعده بخلاف ما إذا حذفت كان ، وهذا دليـل   على أنها طارئة على الجملة الاسمية ، واحتجوا كذلك بما ذكره ابن جني من أن " كـان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند "[161] لأن اسم كان " لم تَقْوَ حاجته إلى (  كان ) قوة حاجة الفعل إلى الفعل "[162] ، وهذا عندهم بيَّنُ الدلالة على فَرْق ما بين كان وغيرها  من الأفعال الحقيقة ، وكأنهم وجدوا في اختلاف النحاة في فعلية كان وأخواتها شاهدا  آخر على ما ذهبوا إليه ، فأنسوا به وقاسـوا جملة كان على جملة ( إنَّ ) وعدوها مثلـها

 

اسمية منسوخة ، أضف إلى ذلك ما ذكروه من عدم جواز مجيء اسم كان نكرة بخلاف الفاعل[163] .

قلت : الذي يظهر أن الصحيح في جملة ( كان ) وأخواتها أنها فعلية ، ذلـك أن النحاة الذي نقل عنهم هؤلاءِ النصوصَ السابقة هم أنفسهم الذين قالـوا : إن جملـة   (كان ) جملة فعلية ، و تتابعوا على ذلك ، و لم يكن هذا عن جهل منهم أو غفلـة أو تناقض ، ولكنهم نظروا من ناحية الصناعة فقالوا : فعلية ، ونظروا من ناحية الدلالة  فقالوا : هي أفعال لا دلالة فيها على الحدث .

وقد بين الرضي رحمه الله أن عدم دلالة هذه الأفعال على الحدث لا يعني تجردهـا    من الحدث مطلقا ، وإنما المراد من ذلك تجردها من الحدث التام الـذي لا يحتـاج إلى غيـره ، قال الرضي : " ( كان ) في نحو : كان زيد قائما يدل على الكون الذي هـو الحصول المطلق ، وخبره يدل على الكون المخصوص ، وهو كون القيام أي حصولـه ، فجيء أولا بلفظ دال على حصول ما  ، ثم عيّن بالخبر ذلك الحصول  ، فكأنك قلـت : حصل شيء ، قم قلت : حصل القيام . فالفائدة في إيـراد مطلـق الحصول أولا ثم تخصيصه ، وفائدة أخرى ههنا وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول المقيد "[164] .

وهل يزعم زاعم أن الكينونة والصيرورة والإصباح والإمساء ليست أحداثا ؟

وأما القياس على جملة ( إنَّ ) فهو قياس مع الفارق ، و كيف نقيس هذه الأفعـال المتصرفة الدالة على حدث و زمان بتلك الأحرف الجامدة التي لا دلالة فيها على حدث   ولا زمان ؟

وأما عدم جواز مجيء اسم كان نكرة فهو ضرب من الوهم ، قال الرضي : " واعلم  أنه في هذا الباب عن النكرة المحضة إذا حصلت الفائدة ، ولا يطلب التخصيص مع    حصول الفائدة "[165] .

وأقول آخر : إن البعض يغفل عن تتبع سياق التركيب في مواقعه المختلفة ، ويسرع  إلى الحكم على الشيء بنظر قاصر ، ولو أن القائلين باسمية جملة ( كان ) تأملوا سياقاتها  المختلفة ، وكيف أنها عندما تقع حالا تأخذ حكم الجملة الفعلية من حيث الارتباط    بالواو و عدمه ، ومن حيث قبول النفي وعدم قبوله ، وكيف أنها لا تقترن بالفاء عند    مجيئها جوابا للشرط ، وهي بذلك تخالف الجملة الاسمية ، لو تأملوا هذا كله لأدركوا      أن جملة ( كان ) جملة فعلية ولا ريب .

7- اتخذ البحث أسلوب التنميط ، بحيث جعل لكل مجموعة جمل متشابهة نمـطا ، والنمط " الجماعة من الناس أمرهم واحد ، وفي الحديث خير النـاس هـذا النمـط الأوسط "[166] ، وحرصا على الدقة قسمت كل نمط إلى أنواع ، وكل نوع إلى فروع ،    وكل فرع إلى أشكال ، وكل شكل إلى صور ، وكل صورة إلى هيئات ، وكل هيئـة  إلى وجوه .

وقد التزمت هذا الترتيب في تصنيفي لأنواع الجمل .

والذي أزعمه أن النحاة الأوئل رحمهم الله سلكوا مسلك التنميط ، وبيان ذلك أنهم    ما وضعوا هذه القواعد ، ولا أصلوا هذه الأصول إلا بعد أنْ جمعوا كلام العـرب ، ثم ضموا النظير إلى نظيره ، وجعلوا كلاًّ مع لِفْقه ، فاستقامت لهم أنماط مـن القـول ، وأساليب من الكلام استخرجوا منهما قواعدهم ، وبنوا أصول علمهم .

فالباحث إذا لم يأت بِدْعاً من الأمر حين ذهب هذا المذهب الذي ذهب إليه أسـلافنا رضي الله عنهم ، و غاية ما هنالك أنهم سلكوا هذا المسلك ليكشفوا عن القواعـد ، ونسلكه نحن لنكشف عن مدى التزام الأديب أو الكاتب بالقواعد . سلكوه لاسـتنباط الأحكام ، ونسلكه نحن للتحقق من التمسك بهذه الأحكام .

 

 

 

 

ثمرات دراسة بناء الجملة

قال ابن خلدون :" أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كـاتب العلامةِ بالدولة المُرَيْنِيَّةِ قال : ذاكرتُ يوما صاحبَنا أبا العباس بن شعيبٍ كـاتبَ السلطان أبي الحسن ، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده ، فأنشدته مطلعَ قصيدةِ ابن النحوي ، ولم أنسبْها إليه ، وهو هذا :

           لم أدْرِ حينَ وقفتُ بالأطلالِ            ما الفرقُ بين جديدِها و البالي

فقال لي علي البديهة : هذا شعر فقيه ! قلت له : ومن أين لك هذا ؟ فقال : من قوله: ( ما الفرق ) إذ هي من عبارات الفقهاء ، وليست من أساليب كلام العرب ، فقلت له : لله أبوك ، إنه ابن النحويّ "[167] .

هذا الخبر الطريف يقفنا على حقيقة مهمة هي فرق ما بين أسلوب العلماء وأسلوب الأدباء ، أو قل : هي فرق ما بين لغة العلم و لغة الأدب ، فلغة العلم عقليـة مستـقصية تقصد إلى أداء الحقائق على وجهها ، وتمتاز بالدقة والتحديد ، وتتخذ من الوضوح شعارا ومن السهولة دثارا ، أما لغة الأدب فهي لغة انفعالية تقنع باللمحة الدالـة ، تشير إلى الحقيقة ولا تكشفها  ، وتومئ إلى المراد ولا تجلوه ، ثم هي تمتاز بضبابية تكسو المعنى  غلالة رقيقة من الغموض . لغة العلم تعتني بصحة الأداء ، ولغة الأدب تطمح إلى فنيـة الأداء .

هذه الحقيقة البيانية لم تكن خافية على أسلافنا ، فقد كنا نراها هنا وهنـاك في نقـدة عابرة ، أ, فكرة خاطفة  ، وها نحن أمام الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان وهو يستمع إلى الراعي النميري مادحا ، حتى إذا بلغ قوله :

أخليفةَ الرحمن إنا معشرٌ           حنفاء نسجد بكرة وأصيلا

عربٌ نرى الله في أموالنا           حق الزكاة منزلا تنزيـلا

قال عبدالملك : ليس هذا شعرا ، هذا شرح إسلام ، وقراءة آية[168] !

 

وإذا كنا قد اتفقنا على هذا الفرق الظاهر فإنه يحق لنا أن نتساءل عن سببه ؟ وإلى أي شيء يرجع ؟

إن الإمام عبد القاهر رحمه الله يصر على " أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ، و لا من حيث هي كلم مفردة "[169] ، وأن مزية الكلام و حسنه " لا يرجع منه إلى اللفظ شيء "[170] ، ويرى أن حسن النظم ليس " إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه و أصوله "[171] ، وذلك أن " أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة "[172] ، فلا تظهر مزيته في شيء ظهورها في دقة الصناعة وحسن البناء .

القضية عنده إذاً قضية تركيب ، وفرق ما بين أسلوب و أسلوب يعود بالدرجة الأولى إلى تأليف الكلمات بعضها مع بعض ، أو قل : هو عائد إلى توخَّـي " معـاني النحو وأحكامه "[173] ، ومن هنا كان الكشف عن هذه البنية النحوية هو في الحقيقة كشف عن  حقيقة الأسلوب .

وتأمل قصة أخرى يرسخُ بها في نفسك ما ذكرته آنفا . قال الأصمعي : " كنت أشهد خلف ابن أبي عمرو بن العلاء ، وخلفا الأحمر يأتيان بشارا ، ويسلـمان عليـه بغاية التعظـيم ، ثم يقولان : ما أحدثت ؟ فيخبرهما ، وينشدهما ، ويسألانه ، ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الظهر ، ثم ينصرفان عنه .

وأتياه يوما فقالا له :ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة ؟ قال : هي التي بلغتكما ، قالا : بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب ، فقال : نعم ، لغني أن سلما يتباصر بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لايعرفه ، قال : فأنشدهما :

بكَّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ              إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكيرِ

حتى فرغ منها فقال له خلف  : لو قلت يا أبا معـأذ مكـان (إنَّ ذاكَ النَّجاحَ ) :      (بكَّرا فالنَّجاحَ في التَّبْكيرِ ) كان أحسن ، فقال بشار : بنيتُها أعرابية وحشية ، فقلـت :

( إن ذلك النجاح ) كما يقول الأعراب البدويون ، ولو قلت : ( بكرا فالنجاح ) كان   هذا من كلام المولدين ، ولا يشبه ذلك الكلام ، ولا يدخل في معنى القصيدة ، فقام     خلف ، فقبَّل بين عينيه "[174] .

فها أنت ترى أن الذي توخاه بشار في ملاءمة كلام العرب وطرائفهم إنما هو مذهـب    في التركيب يؤثر الربط بـ ( إن ) التي " ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف ، ومقطوعا موصولا معا "[175] . لقد " عرف بشار أسلوب الأعراب الذي يقوم على الجمل القصيرة غير المركبة ، وغير المربوطة بأدوات تعليل ، وغير ذلك من الروابط التي تتَّسِـم بهـا الجملة الحضرية المعقدة التي دخلها شيء من المنطق و تعقيد الفكر "[176] .

وإذا كان هذا البناء النحوي هو فرق ما بين أسلوب قوم وآخرين ، فإنه هـو الفرق الأظهر كذلك ما بين أسلوب أديب و أديب ، وهو هو الفرق الأجلى ما بيـن مذهـب كاتب و كاتب ، فالكلمات ملك مشاع مشترك ، وإنما حال الأديـب معـها " حال الإبريسم مع الذي ينسج منه الديباج ، وحال الفضة و الذهب من من يصـوغ منهـما الحـلي ، فكما لا يشتبه الأمر في أن الديباج لا يختص بناسجه من حيث الإبريسم ، والحلي بصائغها من حيث الفضة و الذهب ، ولكن من جهة العلم والصنعة ، كذلك ينبغي ألا يشتبه أن الشعر لا يختص بقائله من جهة أنفس الكلم وأوضاع اللغة "[177] . وكما يختلف بنَاءُ بنَّائينِ أعطيا مساحة واحدة ، ومواد بناء متشابهة ، كما يختلف بناؤهما رغـم اتحاد العناصر ، يختلف بناء جملة الأديب عن غيره رغم الثروة اللغوية المشتركة .

إن الأسلوب في الحقيقة هو عملية ( اختيار ) في ( بناء الجملـة ) ، وذلـك بـإجراء التغيرات الممكنة ، والمسموح بها في ( البنية الأساسية ) ، من خـلال الاستفادة مـن الإمكانات الاستبدالية التي يوفرها النظام اللغوي تقديما وتأخيرا ، وذكرا وحذفا ، وتعريفا وتنكيرا ... الخ فالأديب إذا يتصرف في بناء الجملة لا في بنيتها .

وخلاصة الأمر وجملته أن الذي يعكس تفرد الأديب ، ويحدد معالـم أسلـوبه ، هو التركيب ، أو هو بعبارة أخرى ( بناء الجملة ) . فبناء الجملة عند امرئ القيس يختلف عن بنائها عند النابغة مثلا ، وقل مثل ذلك في سائر الشعراء والأدبـاء ، بـل إن " العناية بتراكيب الجملة عند الفارابي أو الكندي أو أبي حنفية أو الأخفش أو الطبري أو ابن الأثير لا تختلف من حيث أهميتها العلمية و البلاغية عن العناية ببناء الجملة في أدب ابن المقفع أو الجاحط أو الخوارزمي أو أمرئ القيس أو المتنبي " [178] .

ومن كل هذا الذي ذكرت تبرز أهمية وثمرة دراسة ( بناء الجملة ) ، إنـها في الحقيقة كشف دقق يقف بنا على " حقائق محدودة في تحليل ووصف الملامح الأسلوبية الخاصة في أدب كل أديب ، وشعر كل شاعر ، وفكر كل مفكر ، وفقه كل فقيه إلى آخر حقول المعرفة العظيمة والزاخرة "[179] .

وبقي أن أقول : إن كل ما تكشفه الدراسة من ملامح أسلوبية للأديب إنما هو على   سبيل التقريب والتمثيل ، وليس يدعي مدَّعٍ أنه يضع حدودا وضوابط نجزم من خلالها   أن هذا أسلوب فلان ، وطريقة فلان . وإنما يكون ما يكون من ذلـك " علـى سبيل التقريب وترجيح الظنون "[180] .

ليس هذا كل شيء ، فثم الحيوية الدافقة التي يبعثها هذا الدرس في النحو العربي ، " لأن حياة هذه المعاني النحوية في التطبيق المتجدد المستمر "[181] . إن النحو العربي قام في أصله  حلو النص القرآني ، فهو من ثم علم مبني على التطبيق والتحليل والمفاتشة للنصوص ،    ومتى تحول إلى علم نظري محض أوشك أن يفقد بريقـه ورواءه ، ولقـد أدى تعاقب المصنفين المتأخرين على التصنيف في قواعد النحو دون تطبيق عملي على النصـوص إلى  شيء من الرتابة ، وأفضى إلى خفوت صوت الاجتهاد ، هذا الاجتهاد النحوي الـذي لا ينمو إلا في رياض النص ، يمتص من حروفه و كلماته مادة حيـاته .وإنـك لتـرى في

الدراسات التطبيقية ككتب إعراب القرآن ، وإعراب الحديث ، وإعراب الشعر ، مـا لا تجده في مطولات كتب النحو أحيانا ، وتجد فيها من نفيس الآراء وغريب المسائل مـا لا تظفر بمثله في غيرها .

أو ليس هذا كله دليلا على أن دراسات بناء الجملة إن جيء بها على وجهها نوع مـن تفجير طاقات النحو ليجيء بأحسن ما عنده ؟ ويجود بخير ثماره ؟

ودونك ثمرة أخرى لا تقل عن سابقتَيها ، إنها الإدراك الصحيح لحقيقة المعنى الذي أراده الكاتب ، ذلك أن " كل ما في النفس من قلق ونبض وكل ما تحسه الروح ويفور به     القلب لا يجد له مَسْرباً إلا هذه الكلمات ، وهذه التراكيب ، وكل ما في هذه الأحوال   النفيسة من خفاء والتباس منعكس لا محالة على تلك التراكيب "[182] ، فمن ثم كان تحليل   تلك التراكيب سبيلا نهجا إلى إدراك خفي المعنى الذي ستره الأديب ببراعته تحت غطاء   اللفظ وستار التركيب ، ومن ثم كانت " محاولة فهم أي نص وتحليله قائمة على فهم بنائه النحوي على مستوى الجملة أولا و علي مستوى النص كله ثانيا "[183] .

واعتبِرْ من بعد ذلك كلَّه ما يجنيه  الباحث من الفائدة ، وهو يَطَّوَّفُ بين كتب     النحو المطولة ، ويتنقل من باب إلى باب ، ومن مسألة إلى مسألة ، ويمتحن مقدار فهمه بتطبيق ما قرأه ، والتطبيق دائما محك الفهم ، ومقياس الإدراك ، ثم تأمله وهو يقف أمام تراكيب لا عهد له بمثلها ، ولا شبيه لها فيما نص عليه القوم ، فما يزال يقلب وجوه      الرأي ، ويذهب فكره كل مذهب ، حتى تقع له ضالته ، ويفتح عليه بوجه من القول فيه نفسه هو ، وتفكيره هو ، لم ينقله من بطن كتاب ، وإنما أوحت به إليه روح الكتاب .

هذه كله شيء من ثمرات هذا الضرب من الدراسات إذا أحسن الباحث القيام بها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


( [1] ) علم اللغة العام – الأصوات للدكتور كمال بشر :63 .

(  [2]) كن على ذُكْرٍ أبدا أن الرافعي أديب محدث تكثر عنده التراكيب الغريبة التي يتطلب تحليلها فكرا وجهدا .

 

( [3]) لم يكن مصطلح الجملة كثير الاستخدام في كتب النحو الأولى ، بل هو لم يرد في كتاب سيبويه [ انظر : بناء الجملة للدكتور حماسة ص : 18 ] ، ولعل من أوائل من أشار إليه الفراء في معاني القرآن [ 2/333 ] حيث قال :" وتقول قد تبين لي أقام زيد أم عمر ، فتكون الجملة مرفوعة في المعنى كأنك قلت : تبيـن لي ذلـك " ، واستخدمه كذلك المبرد في قوله : " وإنما كان الفاعل رفعا لأنه هو والفعل جملـة يحسـن السكـوت عليه "   [المقتضب  1/146 وانظر : 3/127 ففيها ذكر الجملة و فيها نقل عن المازني استخدم فيه المصطلح ] ، ونجـده كذلك عند أبي علي الفارسي في قوله : " حيث لم يَعُدْ من الجملة التي بعد الواو ذكر إلى مَنْ هذه الجملة حال لهم " [ الحجة 1/156 ] ، وأبو علي رحمه الله ممن لهج لذكر الجملة واعتنى بها و بأقسامها ، [ انظر المقتصد في شرح الإيضاح 1/273 ] ، وقد أشار ابن يعيش إلى ذلك في المفصل لما ذكره قسمة الزمخشري الرباعية للجملة ، ثم قال :  " زهذه قسمة أبي علي " [ شرح المفصل 1/88 ] .

( [4] ) انظر : الكشاف 2/129 .

( [5] ) العجيب أن الدسوقي حين عد هذه السبع جعل منها :  ) وهُمْ لا يَشْعُرُونَ  (، مع أن ابن هشـام في استدراكه على ابن مالك قال : " وحقه أن يعدها ثماني جمل إحداها : ) وهُمْ لا يَشْعُرُونَ  (" [ حاشية الدسوقي   2/34 ] .

( [6] ) انظر هذا كله في المغني : 490- 492 .

([7]) قد نص ابن هشام على أنه لا يشترط في الجملة تمام المعنى ، بل هي عنده الفعل وفاعله أو المبتدأ و خبره أو ما كان بمنزلة أحدهما [ المغني : 490 ] .

( [8] ) قال الشمني : : " لا نسلم أن جملة الاعتراض لا تمون إلا كلاما تاما " [ المنصف 2/117 ] .

( [9] ) هذا القيد يخرج به الإسناد الفرعي الذي يكون بين المنشق وفعله ، فمثل هذا الإسناد لا ينشئ جملة عند النحاة .قال الرضي : " الجملة ما تضمن الإسناد الأصلي سواء كانت مقصودة لذاتها أم لا كالجملة التي هي خبر   المبتدأ .. فيخرج المصدر و أسماء الفاعل والمفعول و الصفة  المشبهة و الظرف مع ما أسندت إليه " [ شرح الرضي  1/33 ] ، والمراد بالإسناد الأصلي كما هو ظاهر من كلام الرضي ما كان بين الفعل وفاعله و المبتدأ و خبره أو  ماكان في منزلة أحدهما ، فيدخل فيه نحو ( أقائم الزيدان ) و ( كان زيد قائما ) ، وبذلك ينتفي اعتراض الأمير في حاشيته حين قال : " إن أراد بالإسناد الأصلي إسناد الفعل لفاعله والخبر لمبتدئه خرج نو : أقائم الزيدان مع أنه  جملة ، وإن أراد باإسناد الأصلي المفقود بالإفادة خرجت جملة الصلة إلا أن يريد ما الشأن فيه الإفـادة فتدبر  "  [حاشية الأمير 2/42 ] . قلت : عجيب أن يتوهم الأمير أن مراد الرضي بالإسناد الأصلي المقصود بالإفادة رغم نص الرضي على اعتبار جملة الخبر وهي غير مقصودة بالإفادة .

( [10] ) تنبه الأمير في حاشيته إلى إحدى هاتين الجملتين ، ونـص على أن الاعتـراض وقع بتسع جمل  ، وأن "التاسعة خبر كان أعني يكسبون ، وهي غير كان مع خبرها " [ 2/42 ] .

( [11] ) قال في حاشيته على المغني  : " والتحقيـق أن يقال : إن قوله تعالى : )  ولَـوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا ( إلى قوله  ) يَكْسِبُونَ  (جملة واحدة باعتبار كونه معترضا ، فإن جملة الاعتراض لا تكون إلا كلاما تاما ، والكلام التام هنا هو المجموع لارتباط بعضه ببعض . وأما كل واحد من قوله تعالى : )  ولَكِن كَذَّبُوا  ( وقوله تعالى : )  فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( ، فهو جزء كلام لا كلام تام " [ المنصف  2/117 ] .

 

( [12] ) من المصطلحات التي ترددت في هذا الباب أيضا : القول واللفظ ، ولعل الأحسن " أن نخـرج مـن مصطلحي اللفظ والقول لاشتهار الأول بالألفاظ المعجمية المفردة ، وعدم الحاجة إلى مصطلح القول اعتمادا على ماكان يريد سيبويه من حده باعتباره لفظا يعد عتبة لحكاية كلام بعده " [ دلالة السياق : 221 وانظر الكتاب    1/122 والخصائص 1/18 ] .

( [13] ) شرح قواعد الإعراب للكافيجي : 68 ، وقد اختار هو الترادف بعد أن زعم أنَّ الخلاف في المسألـة لفظي ! .

( [14] ) الهمع 1/37 .

( [15] ) شرح الحدود النحوية للفاكهي : 53 .

( [16] ) الأشباه والنظائر 2/214 .

( [17] ) اللمع لابن برهان ورقة 2أ ، نقلا عن المدخل لدراسة النحو العربي 2/19 .

( [18] ) المرتجل : 27 ، وقبله ما يفيد تسويته بين الكلام والجملة ، وتأمل قوله : لفظ ، وهو مطلق النطق .

( [19] ) لسان العرب 7/3922 .

(  [20]) الخصائص 1/18 .

( [21] ) المقتضب 4/126 .

( [22] ) الهمع 1/33 .

( [23] ) الأشموني : 1/21 .

( [24] ) المغني : 490 .

( [25] ) شرح المفصل 1/20 .

( [26] ) انظر هنا محاولة الدماميني نفي القول بالترادف عن الومخشري ، ورد الشمني عليه [ المنصف 2/116 ] ، وانظر كذلك الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب 1/62 .

( [27] ) شرح المفصل 1/20 .

( [28] ) الجمل : 40 .

( [29] ) الهمع 1/37 .

( [30] ) المغني : 490 .

( [31] ) شرح الحدود النحوية : 53 .

( [32] ) المغني : 490 .

( [33] ) المرجع نفسه .

( [34] ) انظر الجزء الأول : 37 .

( [35] ) شرح الرضي 1/33. وفي الكليات للكفوي كلام عجيب ، إذ نص على أن الجملة أعم من الكلام ،   وهذا هو مذهب ابن هشام و الرضي ، ثم قال :" لأن الكلام ما تضمن الإسناد الأصلي سواء كان مقصودا لذاته أم لا "! [ الكليات : 341 ] ، فهل وهم الكفوي فيما ذكر ؟ أم قصده فناقض آخر قوله أوله ؟

( [36] ) الأشباه والنظائر 2/214 ، 215 .

( [37] ) في التركيب اللغوي العراقي المعاصر : 26 .

( [38] ) الخصائص 1/17 ، 18 .

( [39] ) ظن هذا الظن عدد من الباحثين منهم الدكتور ردة الله الطلحي في رسالته دلالة السياق : 220 .

( [40] ) الخصائص : 1/18 .

( [41] ) الخصائص 1/33 .

( [42] ) الخصائص 1/18 .

( [43] ) المنصف على المغني 2/116 ، وكان الدماميني يعترض بهذا القول على ابن هشام فر ترجيحـه لقول الزمخشري بالترادف ، ورد عليه الشمني ، وذكر هاهنا لأنه أليق بهذا المقام ؛ إذ كان لابن جني مـن النصوص الصريحة في نفي الترادف المطلق ما يجعل مثل هذا الاستنتاج من كلامه المبهم منطقيا ، وليس الأمر كذلـك مع الزمخشري ، ولك أن تنظر ما سبق ذكره هناك .

( [44] ) شرح المفصل 1/20 .

( [45] ) شرح المفصل 1/21 .

( [46] ) اغتر بعض المحدثين بكلمة ابن يعيش الأولى فزعموا أنه يسوى بين الجملة و الكلام ، انظر على سبيل   المثال : مدخل إلى دراسة الجملة العربية : 20 .

(  [47]) قال في اللمع : 30 : " و لا بد لكل واحد من هاتين الجملتين ( يعني الاسمية والفعلية ) إذا وقعت خبرا عن مبتدأ من ضمير يعود إليه .

( [48] ) قال في المفصل 1/89 : " فإذا لم يكن في الجملة ذكر يربطها بالمبتدأ حتى تصير خبرا و تصير الجملة من تمام المبتدأ وقعت الجملة أجنبية من المبتدأ و لا تكون خبرا عنه " .

( [49] ) إعراب النص : 6 .

( [50] ) الأشباه والنظائر 2/5 .

( [51] ) انظر ما تقدم في الحديث عن المذهب الأول في الاتجاه الثاني .

( [52] ) التعريفات : 87 .

( [53] ) شرح الحدود النحوية : 54 ، 55 .

( [54] ) المقتضب 1/146 .

( [55] ) اللمع : 30 .

( [56] ) بدائع الفوائد 3/31 .

( [57] ) شرح المفصل 1/88 .

( [58] ) انظر : في بناء الجملة العربية : 21 ، 26 .

( [59] ) انظر : الأساليب الإنشائية : 25 .

( [60] ) انظر : لغة أبي العلاء المعري : 123 .

( [61] ) من أسرار اللغة : 276 .

( [62] ) في النحو العربي نقد وتوجيه : 31 .

( [63] ) نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية : 148 .

( [64] ) التركب النحوي في الآيات المدنية : 324 .

( [65] ) الجملة العربية : 42 ، 43 .

( [66] ) الأصول لتمام حسان : 344 .

( [67] ) أقصد فيما اطلعت عليه منها ، وانظر على سبيل المثال : خصائص بناء الجملة القرآنية عند الطاهر بن عاشور – رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى للباحث : إبراهيم الجعيد ، ونسق الكلام في شعر زهير – رسالة ماجستير بجامعة أم القرى للباحثة : هيفاء فدا .

( [68] ) دلائل الإعجاز : 412 – 414 .

( [69] ) المقتصد : 1/68 .

( [70] ) دلائل الإعجاز : 414 .

( [71] ) دلائل الإعجاز : 93 .

(  [72]) أسرار البلاغة : 130 .

(  [73]) أسرار البلاغة : 130 .

(  [74]) أسرار البلاغة : 129 .

(  [75]) أسرار البلاغة : 138 .

(  [76]) دلالات التراكيب : 288 .

( [77] ) البيان والتبيين 1/112 .

(  [78]) دلالات التراكيب : 289 .

( [79] ) دلائل الإعجاز : 226 .

( [80] ) البحث النحوي عند الأصوليين 243 – 246 نقلا عن بناء الجملة الفعلية : 29 .

( [81] ) همع الهوامع 1/29 .

( [82] ) حاشية الأمير 2/46 .

( [83] ) دلالة السياق : 223 .

( [84] ) قال بهاء الدين السبكي :" المراد بقولنا أكثر من جملة ألا تكون إحداها معمولة للأخرى ، وإلا فهي في حكم جملة واحدة " [ المنصف على المغني 2/125 ] .

( [85] ) دلائل الإعجاز : 223 .

( [86] ) دلائل الإعجاز : 226 .

( [87] ) المغني : 511 .

( [88] ) حاشية الدسوقي 2/48 .

( [89] ) شرح المفصل 1/100 ، وانظر المنصف على المغني 2/132 فقد ذكر بعضهم أن صلة الموصول متممة للاسم الموصول فهي كالجزء منه ، والجزء من الاسم لا محل له من الإعراب .

( [90] ) المغني : 535 ، وقد أنكر عليه ابن هشام واعترض على مذهبه ، كما اعترض عليه ابن يعيش [ شرح المفصل 3/139] ، والأنطاكي رأي في تأييد هذا المذهب [ المحيط 3/333 ، 334 ] .

( [91] ) نقله القوجوي في شرح قواعد الإعراب : 42 ، وانظر التبيان للعكبري 1/126 .

( [92] ) الخصائص 1/285 ، وانظر الأشباه والنظائر 2/215 – 218 .

( [93] ) انظر على سبيل المثال : الأصول 1/177 ، ودلائل الإعجاز : 121 ، وتذكر كذلك حديثهم عـن التمييز المحول عن الفاعل ، والمصدر المضاف إلى فاعله ، والمجرور الذي هو مفعول في المعنى ... الخ .

( [94] ) المغني : 555 . وانظر حديثه في نفس الصفحة عن قوله تعالى : ) ألم تر أن الله أنزل ....  ( .

( [95] ) تأمل إن شئت كلام ابن هشام عن فاء الاستئناف في المغني : 223 ، فإنه كالصريح في الدلالة على ما ذكرته .

( [96] ) إعراب القرآن للنحاس 4/474 ، وانظر تحليلا معجبا لهذه الآيات يكشف بجلاء عما قلته وشرحته في دلالات التراكيب للدكتور أبو موسى 366- 376 .

( [97] ) الأصول 1/65 .

( [98] ) المقتضب 3/198 .

( [99] ) تفسير المسائل المشكلة في المقتضب : 57 ، 58 .

( [100] ) المقتضب 4/143 ، وانظر كشاف اصطلاحات الفنون 3/12 .

( [101] ) شرح المفصل 1/89 ، وانظر أصول النحو 2/164 .

( [102] ) من كلام ابن جني في كتابه التعاقب ، وقد نقله السيوطي في الأشباه والنظائر 2/161 ، وانظر كلامه في الخصائص 2/274 ، وانظر كذلك : شرح المفصل لابن يعيش 9/91 .

( [103] ) شرح اللمع للعكبري : 31 ، نقلا عن لغة القرآن : 239 .

( [104] ) أسرار البلاغة : 140 .

( [105] ) انظر : شرح المفصل لابن يعيش 1/89 ، 6/22 ، شرح الرضي 2/394 ، 4/91 ، 463 .

( [106] ) هو الدكتور محمد حماسة عبداللطيف في كتابه : ( بناء الجملة العربية ) : 25 .

( [107] ) شرح المفصل 1/88 .

( [108] ) إعراب الجمل وأشباه الجمل : 19 .

( [109] ) هذا من كلام ثعلب ، وقد نقله ابن هشام في المغني : 530 .

( [110] ) شرح المفصل 4/25 .

( [111] ) قال جامع العلوم : " فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير ، كما احتملته أمثلة الأمر ، تبث أنها جمل " [ إعراب القرآن المنسوب للزجاج 1/144 ] ، وانظر شرح الرضي : 1/32 .

( [112] ) انظر : المغني : 492 .

( [113] ) انظر : الهمع 5/120 .

( [114] ) انظر : معاني القرآن للفراء 1/260.

( [115] ) انظر : حاشية الصبان 3/196 .

( [116] ) قال رحمه الله عن الاعتراض : " وقد يجيء بعد تمام الكلام ، كقوله عليه الصلاة والسلام : (( أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر )) [ رواه أحمد والترمذي ] [ شرح الرضي 4/99 ] ، وتأمل في هذا الموضع قوله : " لأن الاعتراضية تفصل بين أي جزأين من الكلام كانا " .

( [117] ) بناء الجملة العربية : 7 .

( [118] ) انظر على سبيل المثال : في النحو العربي نقد و توجيه .

( [119] ) بناء الجملة العربية : 11 .

( [120] ) انظر : بناء الجملة العربية : 11 ، 33 .

( [121] ) انظر : بناء الجملة العربية : 48 – 71 .

( [122] ) انظر الفصل الثاني من الكتاب .

( [123] ) انظر الكتاب ص : 16- 26 .

( [124] ) انظر الكتاب ص : 49-145 .

( [125] ) انظر الكتاب ص : 149-164 .

( [126] ) انظر الكتاب ص : 167- 179 .

(  [127]) انظر الكتاب ص : 21 – 24 .

( [128] ) انظر الكتاب ص : 54- 74 .

( [129] ) في النص الأدبي : 9 .

( [130] ) مدخل إلى دراسة الجملة العربية : 6 .

( [131] ) انظر الكتاب ص : 27- 48 .

( [132] ) انظر الكتاب ص : 88 – آخر الكتاب .

( [133] ) هي عنده التي لا يكون المسند فيها فعلا ولا جملة [ ص : 91 ] .

( [134] ) انظر ص : 157 ، 162 .

( [135] ) منهم : علي جمعه عثمان في بحثه : نظام الجملة في شعر الحماسة ، وفاطمة الجامعي الحبابي في بحثـها : لغة أبي العلاء المعري في رسالة الغفران .

( [136] ) منهم : هداء أحمد البس في بحثها : بناء الجملة في أحاديث الموطأ المرفوعة ، وفوزية علي القـضاة في بحثـها: بناء الجملة في شعر كثير عزة ، وعودة خليل أبو عودة في بحثه : بناء الجملة في الحـديـث النبـوي الشريف، ومصطفى إبراهيم ف بحثه : البنية النحوية في شعر عورة بن الورد ، وفيصل مفتن كـاظم في بحثـه : الجملة الخبرية في ديوان الفرزدق ، وزين كامل الخويسكي في بحثه : الجملة الفعلية في شعر المتنبـي ، وصبـري السيد في بحثه : لغة القرآن الكريم في سورة النور ، وعبد الجليل العاني في بحثه : الجملة الخبرية في ديوان جرير .

( [137] ) نظام الجملة في شعر الحماسة : 29 .

( [138] ) البيت لجعفر بن علبة الحارثي ، وهو في الحماسة : 32 .

( [139]) البنية النحوية لشعر عروة بن الورد : 128 ، والبيت في ديوان عروة ص : 50 ، ولفظـه فيـه :         ( تريعة )  و( الترائع )بالمثناة الفوقة في كليهما ، والتريعة : المسرعة إلى الشر .

( [140] ) الجملة الخبرية في ديوان الفرزدق : 146 ، والبيت في الديوان ص :1/270 .

( [141] ) بناء الجملة في شعر عزة : 25 ، والبيت في الديوان ص : 53 .

( [142] ) بناء الجملة في الصحيحين : 157 ، وقد غاب عن الباحث الكريم فرق ما بين اللغويين والبلاغيين في اصطلاحاتهم ، وهو فرق قد يبلغ بعض الأحيان حد التعارض ، وقد بين هذه المسألة خير بيان و أوفاه و أجدره بالنظر و التأمل الدكتور عبدالحكيم راضي في كتابه ( نظرية اللغة في ا لنقد العربي ) ص : 9- 20 .

( [143] ) بناء الجملة في أحاديث الموطأ المرفوعة : 39 ، 107 .

([144] ) ربما اعترض البعض بأن كلمة ( البسيطة ) لا تلائم المعنى المراد لأن فيها معنى الامتداد والسعة ، وأقول : جاء في التاج [ 10/193 ] : " واستعار قوم البسط لكل شيء لا يتصور فيه تركيب و تأليف و نظم " ، وهـذا شاهد حسن لاستخدام البسيط في مقابل المعقد ، وفي المعجم الوسيط : " البيسط ضد المركـب و ما لا تعقيد فيـه " [ 1/56] .

( [145] ) مما نستأنس به في هذا مافعله ابن هشام حين عد من الجمل التي لها محل من الإعراب جملـة ( مقـول  القول ) ، ونحن نعلم أنها في حكم المفرد ، وقد اعترض بعضهم على ابن هشام في هذا ، ودافع عنه الشـمني في حاشيته بكلام حسن نفيس . [ 2/133] .

( [146] ) يذهب بعض المحدثين إلى أن جملة النداء جملة غير إسنادية [ انظر مثلا : العلامـة الإعرابيـة للدكتـور حماسة : 33 ، في التركيب اللغوي للمطلبي : 28 ، التركبي النحوي لكمال فادي : 121 ] .

( [147] ) انظر : الكتاب : 1/131 ، 3/11 ، والمغني : 525 .

( [148] ) المغني : 497 ، وانظر : همع الهوامع للسيوطي 1/38 .

( [149] ) انظر في هذا : إعراب الجمل وأشباه الجمل 24 – 26 .

( [150] ) الجملة العربية : 152 .

( [151] ) المغني : 497 .

( [152] ) لسانيات اللغة الشعرية : 80 ، 81 .

( [153] ) الأسلوب للدكتور مصلح : 34 .

( [154] ) الأسلوب للدكتور مصلح : 51 .

( [155] ) لسانيات اللغة الشعرية : 128 .

( [156] ) الإتقان 1/83 .

( [157] ) المغني : 853 .

( [158] ) يا ساهر البرق : 45 .

( [159] ) المغني : 506 ، وانظر : شرح المفصل 8/18 .

( [160] ) قال سيبويه : " تقول : كان عبدالله أخاك ، فإنما أردت أن تخبر عن الأخوة ، وأدخلت كان لتجعـل ذلك فيما مضى " [ الكتاب 1/45 ] ، وقال المبرد : " كان في وزن الفعل و تصرفه و ليست فعلا على الحقيقة "   [ المقتضب 3/33 ] ، وقال السيوطي : " كان قياس هذه الأفعال ألا تعمل شيئا لأنها ليست بأفعال صحيحة ، إذ  دخلت للدلالة على تغير الخبر بالزمان الذي يثبت فيه " [ الهمع 2/63 ] ، وقال ابن يعيش : " هي أفعال لفظية لا حقيقية لأن الفعل غفي الحقيقة ما دل على حدث ... فلما كانت هذه الأشياء لا تدل على حدث لم تكن أفعال إلا من جهة اللفظ " [ المفصل 7/89 ] .

( [161] ) كلامه في المحتسب 1/225 .

( [162] ) المحتسب 1/225 .

( [163] ) انظر ي سرد هذه الحجج : بناء الجملة الاسمية للدكتور حماسة والدكتور عفيفي : 129 – 133 ، ومن الدراسات التي عدت جملة ( كان ) اسمية منسوخة : بناء الجملة في أحاديث الموطأ المرفوعة [ ص : 46 ] ، بنـاء الجملة في شعر كثير عزة [ ص : 41 ] .

( [164] ) شرح الرضي 4/181 ، 182 .

( [165] ) شرح الرضي 4/206 .

( [166] ) لسان العرب 8/4549 .

( [167] ) مقدمة ابن خلدون : 579 .

( [168] ) انظر الخبر في الموشح : 210 .

( [169] ) دلائل الإعجاز : 46 .

( [170] ) دلائل الإعجاز : 55 .

( [171] ) دلائل الإعجاز : 81 .

( [172] ) دلائل الإعجاز : 254 .

( [173] ) دلائل الإعجاز : 8 .

( [174] ) الأغاني ، ودلائل الإعجاز : 272 ، والقصيدة في ديوان بشار 3/203 .

( [175] ) دلائل الإعجاز : 273 .

( [176] ) لسانيات اللغة الشعرية : 47 .

( [177] ) دلائل الإعجاز : 362 .

( [178] ) دلالات التراكيب : 7 .

( [179] ) دلالات التراكيب : 7 .

( [180] ) دلالات التراكيب : 11 .

( [181] ) اللغة وبناء الشعر : 22 .

( [182] ) دلالات التراكيب : 21 .

( [183] ) اللغة وبناء الشعر : 7 .