قائمة الروابط

النمو الأخلاقي ( الاجتماعي ) ونمو الشخصية

اعداد الدكتور / عبدالله بن حلفان العايش

 

 

النمو الخلق يعتبر النمو الخلقي واحد من أهم مظاهر النمو الاجتماعي والانفعالي لشخصية الإنسان ويقصد بالنمو الخلقي جملة التغيرات النوعية التي نظرا على الأحكام الخلقية للفرد أثناء فترة نموه ولعل الأهمية القصوى للأخلاق والنمو الخلقي تأتى من كون الأخلاق عنصرا أساسيا من عناصر وجود المجتمع وبقائه ومقوما جوهريا من مقومات كيانه وشخصيته فلا يستطيع أي مجتمع من ان يبقى وستمر دون ان تحكمه مجموعة من القوانين والقواعد المنظمة  لعلاقات أفراده بعضهم ببعض  وتكون لهم بمثابة المعايير  المعتمدة في توجيه سلوكهم وتقويم انحرافهم فذا يمكن القول بان المبادئ الأخلاقية تهدف إلى تقوية العلاقة الاجتماعية وتعزيز تكيف الفرد مع نفسه والتصرف وفق معتقداته

قد تناولت بعض النظريات النفسية الأخلاق من حيث كونها جزء من السلوك ، ولكن كل منها أخذت منحا يختلف عن الأخرى في تناول الأخلاق و أهميتها وكيف تنمو لدى الأفراد وسنعرض فيما يلي لثلاث نظريات الأولي و الثانية تناولتا الأخلاق من خلال علاقتها بشخصية الفرد ( و عرضهما سيكون مختصرا ) ، و الثالثة تناولت النمو الأخلاقي ، ثم نعرض بعد ذلك تصوراً إسلامياً للأخلاق .

 

أولا : النظرية الفرويدية (نظرية التحليل النفسي )

       ترتبط النظرية الفرويدية بمؤسسها العالم النمساوى الشهير "سيجموند فرويد " ( 1856- 1939) ، وتكتسب مدرسة التحليل النفسي اتجاها خاصا في مجال سيكولوجية النمو ذلك أنه في الحقيقة تجمع بين نظرية في الشخصية ونظرية في النمو ، ذلك أن الشخصية في نموها تمر عبر سلسلة من المراحل ( من الطفولة إلى النضج) ويختلف الأفراد في درجة نجاحهم وتوافقهم في اجتياز هذه المراحل المختلفة .

       ربما كان فرويد أول صاحب نظرية سيكولوجية يؤكد الجوانب التطورية في الشخصية ويؤكد - بخاصة - الدور الحاسم لسنوات الطفولة المبكرة والطفولة المتأخرة ، في إرساء الخصائص الأساسية لبناء الشخصية والحقيقة أن فرويد يرى أن الشخصية يكتمل القدر الأكبر منها عند نهاية السنة الخامسة من العمر ، وأن ما يلي ذلك من نمو يقوم في معظمه على صياغة البناء الأساسي .

 

إن الشخصية تتطور استجابة لأربعة مصادر رئيسية للتوتر :

1-  عمليات النمو الفسيولوجي .

2-  الاحباطات .

3-  الصراعات .

4-  التهديدات .

       وكنتيجة مباشرة لتزايد التوتر الناتج من هذه المصادر يجد الشخص نفسه ملزما بتعلم أساليب جديدة لخفض التوتر . وهذا التعدد هو المقصود بتطور الشخصية .

       إن التعيين والإزاحة طريقتان رئيسيتان يتعلم الشخص عن طريقها حل احباطاته وصراعاته وما يعانيه من ضروب الحصر .

التعيين :

       فيمكننا تعريف التعيين بوصفه الطريقة التي يتمثل بوساطتها الشخص سمات شخص آخر ويجعلها جزءا مكونا لشخصيته ذاتها ، فهو يتعلم خفض التوتر بصياغة سلوكه على غرار سلوك شخص آخر .

       وليس من الضروري أن يتعين شخص بشخص آخر من جميع الجوانب . بل انه عادة ما يختار وستدمج ، فحسب تلك السمات التي يعتقد أنها ستساعده في بلوغ الهدف الذي يرغب فيه وثمة قدر كبير من المحاولة والخطأ في عملية التعيين لأن المرء لا يكون عادة على ثقة كبيرة بذلك الذي يتسم به الآخر بحيث يتحقق له النجاح . ان الاختبار النهائي هو : هل التعيين يساعد على خفض التوتر ؟ فإذا فعل ذلك استدمجت الصفة ، وإذا لم يفعل نبذت الصفة 0[1]

 

       ويمثل البناء النهائي للشخصية تراكم العديد من التعيينات وهو تراكم يحدث في فترات متباينة من حياة الشخص ، وإن كان الاحتمال أن الأب والأم هما أهم الشخصيات التي يتعين بهما الطفل في حياته .

 

الإزاحة :

       عندما يصبح اختيار موضوع أصلى للغريزة غير ممكن بفعل عوائق خارجية أو داخلية ( الشحنات - المضادة) فأن شحنة جديدة تتكون ما لم يحدث كبت قوى . فإذا ما أعيقت هذه الشحنة الجديدة كذلك ، حدثت إزاحة أخرى ، وهكذا ، حتى يتم العثور على موضوع يحقق قدرا من التخفف للتوتر المحتبس . وعندئذ يشحن هذا الموضوع حتى يفقد قدرته على خفض التوتر ، وإذ ذاك يبدأ بحث آخر عن موضوع هدف مناسب . وخلال هذه السلسلة من الازاحات التي تشكل بدرجة كبيرة تطور الشخصية يظل مصدر الغريزة وهدفها ثابتين على حين يتغير الموضوع فقط   .[2]

       ويرى " فرويد " أن تطور الشخصية - كما يبدو في الطاقة النفسية (اللبيدو) - يمر بثلاث مراحل نفسية جنسية   أساسية هي : قبل التناسلية أو الجنسية الطفلية ( وتضم ثلاث مراحل فرعية) مرحلة الكمون ، المرحلة التناسلية   ) :

  مراحل النمو النفسي الجنسي تبعا لمفاهيم "فرويد"

المرحلة العمرية

المرحلة النفسية الجنسية

الشهور الستة الأولى

الفمية - الاتكالية

من الستة شهور حتى نهاية السنة الثانية

الشرجية - السادية

من 3-6 سنوات

القضيبية : عقدة أوديب وعقدة اليكترا

من 6-12 سنة

الكمون

المراهقة والرشد

التناسلية

      

    وتتحدد كل مرحلة من النمو خلال السنوات الخمس الأولى من حيث أساليب الاستجابة من جانب منطقة محددة من الجسم . ففي خلال المرحلة الأولى التي تستمر قرابة العام يكون الفم هو المنطقة الرئيسية للنشاط الدينامي . ويلي المرحلة الفموية نمو الشحنات والشحنات المضادة حول وظائف الإخراج ويطلق على ذلك اصطلاح المرحلة الشرجية . ويستمر ذلك خلال العام الثاني ثم يتبعه المرحلة القضيبية حيث تصبح الأعضاء الجنسية المناطق الشهوية الأساسية . ويطلق على هذه المراحل الثلاث الفموية ، والشرجية ، والقضيبية المراحل قبل التناسلية .

      ثم يمر الطفل  بعد ذلك بفترة الكمون التي تطول ، وهى المسماة بسنوات الهدوء من الناحية الدينامية . وتميل الدفعات في هذه الفترة إلى البقاء في حالة كبت . وتؤدي عودة النشاط الدينامي في المراهقة إلى تنشيط الدفعات قبل التناسلية فإذا أتم الأنا بنجاح إزاحة هذه الدفعات والتسامى بها فأن الشخص ينتقل إلى مرحلة النضج الأخيرة ، المرحلة التناسلية .

 

 

        تتضح من خلال استخدام فرويد لمصطلحات الشعور بالذنب وتكوين الضمير في السنوات الخمس الأولي من حياة الفرد ، و كذلك تقسيمه للنفس إلي ثلاثة أقسام هي :

  الهو وهي : مستودع الغرائز الإنسانية التي تبحث عن الإشباع المباشر و لا تحتمل التأخير ، والثاني الأنا : و هي مجال الشعور المباشر للتعامل مع أحداث الحياة اليومية للفرد كما أنها مجال الصراع بين القسمين الأول و الثالث ، 0

 و الثالث وهي الأنا الأعلى : مكان القيم و المثل و تقاليد المجتمع التي تعمل على حراسة الغرائز من أن تخرج بصورة لا تقرها تلك القيم و المثل و التقاليد . و محتوى القسم الأول طبيعي في البناء العضوي والنفسي للفرد ، بينما محتوى القسم الثالث مفروض على الفرد من قبل مجتمعه من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي يمر بها خلال مروره بمراحل النمو المختلفة . و هكذا يكون مكان الأخلاق الأنا الأعلى ، و بهذا المفهوم الفرويدي تصبح الأخلاق مفروضة على الفرد لا خيار فيها و ليست جزء من بنائه النفسي ، و هذا إدعاء غير صحيح حيث وجدت الأخلاق مع الإنسان منذ وجد ، و لولا كونه معدا للتحلى بالحسن 0[3]

 

    النظرية العقلية المعرفية

 

         وتركز هذه النظرية على ما لدى الإنسان من إمكانات عقلية و قدرات معرفية تميز من خلالها عن المخلوقات الأخرى . و يهمنا عرض النمو الأخلاقي لدى كل من بياجيه و كولبرج  لشهرتهما بين الباحثين في هذا الموضوع .

 

أولا: النمو الأخلاقي عند بياجيه :

 

أشتهر عن بياجيه تقسيمه لمراحل النمو المعرفي أكثر من شهرة تقسيمه للنمو الأخلاقي ، و أن كان وظف التقسيم الأول خلال طرحه للتقسيم الثاني .

لذا سنعرض باختصار شديد مراحل النمو المعرفي ثم ننتقل لعرض مراحل النمو الأخلاقي .

حدد بياجيه معايير خمسة لتحديد مراحل النمو المعرفي ، دون أن يتأثر بالمراحل التي حددتها المدارس النفسية السابقة له ، و المعايير هي

               1- يجب أن يكون نظام ترتيب المكتسبات ثابتا . فنظام الترتيب هنا لا يعني تسلسل الأحداث ، بل يرتبط بالخبرة السابقة للفرد وليس بمدى نضجه فقط أو بيئته الاجتماعية
  

      2- تحمل المراحل طابع التكامل وهذا يعني أن البنيات المتكونة في مستوى معين تتكامل في بنيات المستوى اللاحق .

 

       3- كل مرحلة تتميز ببنية مجمعة . ( تكون البنية مثلا على مستوى العمليات الحسية نوعا من التجمع مع المميزات المنطقية للتجمع التي نجدها في التصنيف أو المسلسلات ) .

  4- تشمل كل مرحلة على مستوى تحضيري من جهة و مستوى نهائي من جهة أخرى .
  5- بما أن تهيئة الإستيعابات اللاحقة قد تستند إلى أكثر من مرحلة وبما أن هنا كدرجات مختلفة من المتانة في النهاية ، من الضروري التمييز في كل سلسلة مراحل إعداد أو تكوين تطورات أشكال التوازن النهائية ( بالمعني النسبي ) .

 

وقسم بياجيه مراحل النمو العقلي إلى أربع مراحل هي :

 

مرحلة الذكاء الحسي – الحركي :ـ تمتد من الولادة حتى السنة الثانية من العمر

مرحلة الذكاء الحدسي :ـ تمتد من سن الثالثة من العمر حتى سن السابعة .

عشرة )0 3) مرحلة الذكاء الإجرائي أو المحسوس :ـ و تمتد من سن الثامنة حتى سن الثانية

مرحلة الذكاء المجرد :ـ تبدأ من سن الثالثة عشرة من العمر و ما فوقها [4]0

      ظهرت آراء بياجيه في النمو الأخلاقي من خلال كتابه ( الحكم الأخلاقي لدى الطفل ) (بالغة الإنجليزية عام 1932م. و قد كان هدف بياجيه إعطاء  إطار جديد للفكر الأخلاقي مقابل أو بديل لما قدمه عالم الاجتماع دوركهايم و الذي يرى أن المجتمع هو المصدر الوحيد للأخلاق بالنسبة للفرد ، كما أنه ( المجتمع ) له الدور الرئيس في تشكيل سلوك الأفراد بغرض مسايرة المعايير الاجتماعية ، و أن وظيفة الأخلاق هو خلق حياة اجتماعية قائمة على التعاون و التنسيق . و بياجيه لا يوافق على آراء دوركهايم على إطلاقها ، و مع ذلك فأنه قد يتفق معه على إمكانية صحتها بالنسبة للمراحل الأولي من عمر الأطفال

 

و المرحلة الأخلاقية في مفهوم بياجيه تشير إلى فكرتين أساسيتين هما :

 

     1- أن المرحلة تمثل نسقا متجانسا متكاملا من الأفكار التي تشكل أساسا لإصدار أحكام أخلاقية معينة أي أنها الإطار العام أو التركيب العميق المحتوى على المسلمات التي تكون وجهة النظر التي يتم على أساسها تحليل المواقف و لا يستلزم ذلك معرفة الفرد بهذا الأساس العميق فليس كل فرد قادر على إدراك أو التعبير عن المنظور الذي يدفعه لإبداء رأي معين .

  2- أن المرحلة تعني النمو المتتابع عبر الزمن فالناس يرتقون بتحولهم من أخلاقيات التحكم إلى أخلاقيات التعاون التي تعني اتجاهات و موجهات جديدة رغم أن اعتبار هذا الانتقال رقيا قد يجد من يعارضه ([5]) .

و يرى بياجيه أن هناك علاقة بين مراحل النمو المعرفي و مراحل النمو الأخلاقي بحيث تقابل كل مرحلة من مراحل النمو المعرفي الأربع ( السابق ذكرها ) مرحلة في النمو الأخلاقي و التي هي :ـ

1- مرحلة التمركز حول الذات ( من الولادة حتى 3 سنوات ) .

2- مرحلة الانصياع للسلطة ( من 3-8 سنوات ) .

3-مرحلة التبادلية ( من 8-12 سنة ) .

4-مرحلة الإنصاف ( من 12-15 سنة )

 

 و قسم بياجيه النمو الأخلاقي إلى مستويين هما:

 

 1ـ مستوى الأخلاق خارجية المنشأ ( أخلاقيات التحكم ) :ـ وهذا المستوى ينتج عن عاملين أساسيين يتفاعلان معا عند الفرد هما : عدم النضج المعرفي ، و احترام الكبار أحادي الجانب .

  2ـ مستوى الأخلاق ذاتية المنشأ ( أخلاق التعاون ) :ـ وهذا المستوى ينتج عن النضج والقدرة على ممارسة وتطبيق مبدأ التعاون الاستقلالي و أن كان من غير الضروري أن يمارسه فعلا .

و الانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني انتقال طبيعي سيحدث لكل الأطفال إذا لم يصادفه أي عقبات ناتجة عن ندرة فرص التفاعل الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل و المساواة في التعاونية 0[6]

و قد حدد بياجيه لكل مستوى من المستويين السابقين تسعة أبعاد للتفريق بينهما كما هو واضح في الجدول التالي.

 

 

أبعاد مستويي الأخلاق عند بياجيه

 

أخلاقيات التعاون

أخلاقيات التحكم

- إدراك وجهات النظر المختلفة

- استبدادية المنظور الأخلاقي

- مرونة القواعد

- جمودية القواعد

- واقعية العقاب

- حتمية العقاب

- إدراك الدوافع وراء العمل

- المسئولية الموضوعية

تعريف الخطأ الأخلاقي في ممارسة ما يخرج

على روح التعاون

- تعريف الخطأ الأخلاقي في ممارسة الممنوع أو المحرم

إعادة الأمور إلى حالها أو النظرة التبادلية

للعقاب

- العقاب التكفيري أو القسري

- الأخذ بالثأر عين بعين

الموافقة على عقاب السلطة لأي عدوان من زميل

- الإصرار على التوزيع العادل

قبول توزيع المكافآت عن طريق السلطة وإن كان قسريا بلا معايير

الولاء لمبدأ المساواة و الاهتمام برفاهية

الآخرين

- تعريف الواجب بأنه الطاعة للسلطة

نقلا عن [7]

  ثانيا :ـ النمو الأخلاقي عند كولبرج

   طرح كولبرج تصوره للنمو الأخلاقي أول مرة من خلال رسالته للدكتوراه التي نشرت عام 1958م . حيث عمل على إعادة ما طرحه بياجيه مستخدما عينة من الأمريكيين باستخدام طريقة للتقويم تختلف في المحتوى بعض الشيء عن طريقة بياجيه و أن تشابهت معها في الجوهر . و قد أخذ كولبرج بما طرحه بياجيه في مرور الطفل بمراحل النمو المعرفي و أكد أهميتها . وقد طبق دراسته على 72 فردا تتراوح أعمارهم بين 10-16 سنة ، و استخدم إثناء المقابلات قصصا و حوارات تشابه ما استخدمه بياجيه في دراسته التي إجراءها عام 1932م ، و كانت تدور حول شخص إمام مأزق أخلاقي ، و يطلب من المفحوص أن يذكر ماذا يفعل لو كان مكان ذلك الشخص ؟ مع إعطاء تبرير لذلك التصرف الذي ذكره . وقد ضبط بعض المتغيرات المتداخلة مثل الجنس ، والوسط الاجتماعي ، و الطبقة الاجتماعية ومن خلال ذلك توصل كولبرج إلى تحديد ست مراحل للنمو الأخلاقي ، داخل ثلاثة مستويات رئيسة ، تختلف فيها مبررات إصدار الأحكام الأخلاقية . وقد استخدم في تحديد تلك المستويات مصطلح " العرف و القانون " ويقصد به : التمسك و مسايرة قواعد المجتمع و توقعاته و تقاليده و قوانينه ، لأن المجتمع ارتضاهما وهذا ما لا يعيه الفرد في المستوى الأول ، أما الأفراد في المستوى الثالث فهم يعون هذه القواعد و التوقعات و التقاليد و القوانين ، ليس لأنها عرف و قانون المجتمع و إنما لأنهم يقبلون المبادئ الأخلاقية العامة التي تكون أساسها و عندما يتعارض العرف و القانون مع هذه المبادئ العامة فهؤلاء الأفراد يصدرون أحكامهم طبقا للمبادئ و ليس طبقا للعرف و القانون .

ونعرض فيما يلي المستويات الثلاثة و مراحل النمو الست التي قال بها كولبرج :ـ

المستوى الأول :ـ ما قبل العرف و القانون : و يكون عليه معظم الأطفال قبل سن التاسعة ، وقليل من المراهقين و بعض المجرمين في سن المراهقة ومرحلة الشباب .و فيه مرحلتين هما المرحلة الأولي :ـ أخلاق ذات طابع خارجي : أن تتجنب كسر القواعد خشية العقاب و الطاعة من أجل الطاعة و تجنب إحداث التلف المادي للأشخاص و الممتلكات .

المرحلة الثانية :ـ الفردية و الوسيلية و تبادل المنفعة : أن نتبع القواعد فقط عندما تتفق مع المصلحة العاجلة للفرد و احتياجاته و السماح للآخرين باتباع نفس الأسلوب ( عش ودع الآخرين يعيشون ) .

المستوى الثاني :ـ العرف و القانون : هو المستوى الذي يكون عليه أغلب المراهقين و الراشدين في أي مجتمع .و فيه مرحلتين هما :

المرحلة الثالثة :ـ المسايرة القائمة على التوقعات المتبادلة و العلاقات المشتركة : أن تتعرف على مستوى توقعات الناس المحيطين بك و ما يتوقعونه بصفة عامة من شخص مثلك ، و أن يعترفوا أنك طيب هو المهم و من ثم يجب أن تكون نواياك طيبة و تهتم بالآخرين ، و أن تحافظ على علاقات متبادلة مثل الثقة و الولاء و الاحترام و الامتنان.

المرحلة الرابعة :ـ النظام الاجتماعي و الضمير : أن تنفذ واجباتك الفعلية التي اتفقت على تنفيذها – القانون هو الحكم إذا تعارض مع واجباتك الاجتماعية الثابتة ، و الصواب هو الذي له صلة بنائية بالمجتمع و الجماعة و المؤسسات داخلهما .

المستوى الثالث :ـ ما بعد العرف و القانون ( المبادئ ) : هو المستوى الذي يصل إليه قلة من الراشدين و فيه مرحلتين هما 

المرحلة الخامسة :ـ العقد الاجتماعي و الحقوق الفردية و المنافع : أن تكون على دارية بأن الناس لديهم قيم مختلفة و آراء متعددة أغلبها لها صلة بالجماعة التي تنتمي إليها و هذه يجب أن نحافظ عليها باعتبارها ناتجة عن العقد الاجتماعي دون انحياز ، و لكن هناك قيم و حقوق عامة ليس لها صلة بأي مجتمع ( مثل الحياة – الحرية ) و تلك يجب أن نحافظ عليها بغض النظر عن صلتها بمجتمعنا أو تعارضها مع رأى الأغلبية .

المرحلة السادسة :ـ المبادئ الأخلاقية العامة : أن يتبع الفرد المبادئ الأخلاقية التي ارتضاها وأن يتبع القوانين المتمشية مع هذه المبادئ ، و لكن إذا تعارضت القوانين الاجتماعية مع هذه المبادئ فالمبادئ العالمية التي يؤمن بها كافة البشر كالعدل و حقوق البشر المتساوية و احترام كرامة الإنسان هي المقدمة 0[8]  .

تعليق :ـ

تعتبر مراحل النمو الأخلاقي عند بياجيه و كولبرج من أفضل ما قدم في الدراسات النفسية المعاصرة في هذا الموضوع ، إلا أنه يؤخذ عليهما مآخذ أهمها ما يلي :ـ

  1- أن سرعة نضج القدرة على إصدار الأحكام الأخلاقية تسير بطريقة أبطأ مما أشار إليه بياجيه ، كما دلت عليه الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع .   
  2- لم يكن مفهوم المرحلة في النمو الأخلاقي واضحا عند بياجيه ، بينما كولبرج كان مصدر التحسين و التقبيح للأخلاق . أكثر تحديدا لذلك المفهوم

3-عدم الاتفاق على تحديد سن أعلى مراحل نضج الأخلاق فهي عند بياجيه فيحدد سن الثامنة عشرة ، بينما خالفه كولبرج فارتقى بها إلى سن الخامسة و العشرين   [9]  000 .

   4- التحيز الثقافي وفقد الثبات عبر الثقافات المختلفة ، مما أخذه بعض الباحثين علاما قدمه كل من بياجيه و كولبرج0[10]

  5- إهمال دور الدين في الأخلاق ، و كونه أساس كل خلق حسن[i] .

  الأخلاق في التصور الإسلامي

 

 وبعد عرضنا للنظريات الغربية للأخلاق و نموها ، نقدم تصوراً إسلامياً ـ قدمه أحد الباحثين ـ للنمو الأخلاقي ثم تصور إسلامياً عاماً للأخلاق .

أولا :ـ النمو الأخلاقي :

ـ قدم هذا الطرح عبد العزيز النغيمشي ( 1415هـ ) من خلال نظره في الأدلة و الشواهد الموجودة في المنهج النفسي و التربوي الإسلامي .

وقد قسم النمو الخلقي إلى ثلاث مراحل :

 

   أولا :المرحلة الظاهرية الانقيادية :ـ تستغرق فترة ما قبل المدرسة الابتدائية و جزءا

 

من المرحلة الابتدائية: ( سن العاشرة و ما قبلها ) و التحديد الزمني تحديد تقريبي وذلك لعامل الفروق الفردية و لتداخل و تفاعل مراحل النمو الخلقي

مع بعضها بحيث يصبح من الصعوبة بمكان الفصل الحدي بين مرحلة و أخرى . و يتجه الطفل في هذه المرحلة إلى السلوك الشكلي الذي لا عمق فيه ، و يكون متأثرا بالمردود المادي و المظاهر و الهيئات الشكلية ،و تثبت الأخلاق عن طريق تكوين العادة و التعامل بمبادئ الثواب و العقاب ، و التلقين ، و التأثير العاطفي المادي . و لا يلتزم الطفل بالأخلاق التي تعلمها التزاماً تاماً ، بل إنه يغفل عنها و ينسي و يتراخى و بوجه خاص عند غياب الرقيب

: ثانيا : المرحلة الاقتناعية الانقيادية :ـ تستغرق نهاية المرحلة الابتدائية وكامل المرحلة

المتوسطة :  وقد تدخل إلى جزء من المرحلة الثانوية ( من سن الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة ) مع مراعاة عامل الفروق الفردية .

    و يبدأ الفرد بالربط بين المنحى الخلقي والعاطفي والحكمة منه في هذه المرحلة ، و يأخذ بعداً باطناً ، و جذوراً داخلية حيث تبدأ مرحلة الوعي الحقيقي بالمعاني الخلقية ، و التعليلات النفسية و الاجتماعية للضوابط و الأخلاق و الاتجاهات، و العادات القريبة من الضبط والالتزام الخلقي ، كما يبدأ بالتفكير بقيمة الأشياء في ذاتها ، و بآثارها البعيدة و عواقبها المعنوية .

     ويتم تثبيت الأخلاق عن طريق الحوار و المناقشة العقلية ، و عرض مبررات و أبعاد الأخلاق و الأنظمة المراد إكسابها . و لكون الفرد قادرا على الاقتناع وحدوث الرضا الداخلي لديه تكون النتيجة تحمله مسئولية الالتزام و الانضباط الداخلي بحيث لا يقتصر أمر الرقابة على الرقابة الخارجية . و في هذه المرحلة يقع التكليف الشرعي على الفتى ، و يصبح مخاطبا بالأوامر و النواهي و التوجيهات الشرعية و محاسبا عليها وفق نظام الإسلام الخلقي و السلوكي .

 

  ثالثا : مرحلة الرقابة الذاتية :ـ تقع في سن الخامسة عشرة و ما بعدها ، و تقابل

المرحلتين الثانوية و الجامعية وما بعدهما : حيث يكون الفرد في حالة تكامل لاستعداداته الجسمية و العقلية و النفسية ، بحيث تستثمر في بناء المراقبة الذاتية في شخصية المراهق من فترة مبكرة ، و في هذه المرحلة يكون شعور الفرد بأهمية الالتزام الخلقي أكثر

عمقا مما سبق ، وتكتسب المبادئ الأخلاقية قيمة عظيمة لدى الفرد ، ويشعر بحساسية مرهفه نحو ما يقوم به من سلوك و تصرفات وعلاقات من حيث أهدافها و ضوابطها و آثارها . و تحفز أي ممارسة بدوافع معنوية بعيدة ، تحتوى على تصور و استحضار لعظمة الخالق و أنه مطلع عالم قريب حفيظ ، و يكون السعي لرضى الله وطاعته من الغايات الأساسية الفاعلة و المؤثرة في اتجاهات المراهق الخلقية و السلوكية .

      و يكون الشعور بالمسئولية ذاتيا ؛ فالمراقب الذاتي الداخلي المرتبط بالوعي بالنظام الخلقي ، هو الذي يعمل على محاسبة النفس بحيث يحسب الفرد لكل صغيرة وكبيرة ويكون موجها

بذلك المراقب الذاتي .

و تثبيت السلوك في هذه المرحلة يكون عن طريق أساليب متعددة أهمها : معرفة ضعف           الإنسان و جهله ، و قلة حيلته ، وكثرة أخطائه ، و تعدد أعدائه ، و قصر عمره ، ودنو أجله ، و إظهار قوة الخالق ، و إحاطته الشاملة ، و سعة علمه و اطلاعه ، و معييته لخلقه ، و محاسبته لهم .

وهذه المرحلة أرفع المراحل و أشملها و أعمقها وفيها يتبوأ الفرد منزلة عالية بحيث يكون            مطمئنا في حياته و قدوة في سلوكه و اتجاهاته و مؤثرا بأوامره و توجيهاته ، عميق في نظرته و رأيه0[11]  

 

وهناك تصور إسلامي للأخلاق يعرضه د/ صالح إبراهيم الصنيع فيقول[12] :

أهم خصائص الأخلاق في التصور الإسلامي للأخلاق في الإسلام خصائص أهمها ما يلي :

  

 1- أنها مبنية على العقيدة :

ـ تبنى الأخلاق في الإسلام على العقيدة الصحيحة القائمة على أركانها الستة المعروفة ، فهي بهذا تقوم على أساس صلب يمكن الاعتماد عليه في التفريق بين الخلق الحسن و السيئ فلا يحتار الإنسان و لا يتردد فيما يجب أن يقوم به أو ما يجب أن يتركه و يبتعد عنه . وقد أكد الله سبحانه و تعالى في العديد من آيات القرآن الكريم أن الإيمان أساس الالتزام بكل خلق حسن و البعد عن كل خلق سيئ ، و من ذلك خلق الإيثار و هو من أعلى الأخلاق و ما يقابله و هو خلق الشح فوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب إيمانهم بالتخلق بخلق الإيثار و البعد عن خلق الشح ، فقال الله سبحانه و تعالى (( و الذين تبوء الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) ( الحشر : 9) . قال الإمام القرطبي حول تفسير هذه الآية ( الإيثار : هو تقديم الغير على النفس و حظوظها الدنيوية ، و رغبة في الحظوظ الدينية . و ذلك ينشأ عن قوة اليقين ، و توكيد المحبة ، و الصبر على المشقة )0[13]

  وقد أكد سيد قطب أهمية الأخلاق المرتكزة على التصور الصحيح للتوحيد فقال ( أن هذا التصور ينشئ في العقل و القلب آثارا منفردة ، لا ينشئها تصور آخر ؛ كما أنه ينشئ في الحياة الإنسانية مثل هذه الآثار كذلك .

     أنه ينشئ في القلب و العقل حالة من " الانضباط " لا تتأرجح معها الصور ، و لا تهتز معها القيم ، و لا يتميع فيها التصور و السلوك … أن هذا التصور لينشئ في القلب و العقل " الاستقامة " فالإنسان الذي يدرك من حقيقية ربه و من صفاته من علاقته به ذلك القدر " المضبوط " لا شك يستقيم في التعامل معه بقلبه و عقله ، و لا يضطرب و لا يطيش ! و المسلم يعرف من تصوره لربه ، و علاقته به ، ما يحب ربه و ما يكره منه ؛ و يستيقن أ ن لا سبيل له إلى رضاه إلا الإيمان به ، و معرفته صفاته ، و الاستقامة على منهجه و طريقه .

     فهو لا يمت إليه ـ سبحانه ـ ببنوة ولا قرابة ؛ و لا يتقرب إليه بتعويذة و لا شفاعة ؛ و لا يعبده إلا بامتثال أمره و نهيه . و اتباع شرعه و حكمه . و من شأن هذه المعرفة أن تنشئ الاستقامة في قلبه و عقله . و الاستقامة باستقامة التصور . و الاستقامة باستقامة السلوك ) 0[14]

2- أنها مبنية على العلم :

 تبنى الأخلاق في التصور الإسلامي على العلم الشرعي الوارد في نصوص الوحي من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم . و هذا العلم لا شك بسعته و إحاطته للماضي و الحاضر و المستقبل و لما هو في صالح الإنسان و ما في غير صالحه فهو يحميها بذلك من الانحراف عن الصراط المستقيم ، و من هنا فإن جميع الأخلاق التي يحث عليها أو ينهى عنها تصدر عن معرفة كاملة محيطة بكل شئ .

وذلك واضح في آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك أمر الله للمؤمنين بالتزام خلقي الأمانة و         العدل مع جميع الخلق ، ثم طلبه منهم العودة إليه ( أي للقرآن الكريم ) و لرسوله صلى الله عليه و سلم في حال وجوده معهم ( ولسنته بعد موته ) عند الاختلاف في أي شئ ( ومن ذلك الأخلاق ) لأن لديهم العلم الكامل الذي لاشك فيه فقال الله تعالى (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا )) ( النساء : 58ـ59) .

يقول سيد قطب حول هذه الآيات ( و الأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى .. الأمانة التي ناط        الله بها فطرة الإنسان ؛ و التي أبت السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن منها ، و حملها (( الإنسان )) .. أمانة الهداية و المعرفة و الإيمان بالله عن قصد و إرادة و جهد و اتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة … و من هذه الأمانات ـ الداخلة في ثنايا ما سبق  - أمانة التعامل مع الناس ؛ ورد أماناتهم إليهم : أمانة المعاملات و الودائع المادية .

   و أمانة النصيحة للراعي و للرعية . و أمانة القيام على الأطفال الناشئة . و أمانة المحافظة على حرمات الجماعة و أموالها و ثغراتها .. و سائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات و التكاليف في كل مجالات الحياة على وجه الإجمال .. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى ؛ و يجملها النص هذا الإجمال .. فأما الحكم بالعدل بين (( الناس )) فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا (( بين الناس )) جميعا .

        لا عدلا بين المسلمين بعضهم و بعض فحسب . و لا عدلا مع أهل الكتاب ، دون سائر الناس .. و إنما هو حق لكل إنسان بوصفه (( إنسانا )) . فهذه الصفة ـ صفة الناس ـ هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني … و بعد فالأمانة و العدل .. ما مقياسهما ؟ ما منهج تصورهما و تحديدهما و تنفيذهما ؟ في كل مجال في الحياة ، و في كل نشاط للحياة ؟ أتترك مدلول الأمانة و العدل ؛ و وسائل تطبيقهما و تحقيقهما إلى عرف الناس و اصطلاحهم ؟ و إلى ما تحكم به عقولهم ـ أو أهواؤهم ؟ … لا بد من ميزان ثابت ، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ؛ فتعرف عنده مدى الخطأ و الصواب في أحكامها و تصوراتها .

        و مدى الشطط و الغلو ، أو التقصير و القصور في هذه الأحكام و التصورات . و قيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان ، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان .. الميزان الثابت ، الذي لا يميل مع الهوى ، و لا يتأثر بشتى المؤثرات .. و لا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين .. فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم .. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .. و الله يضع هذا الميزان للبشر ، للأمانة و العدل ، و لسائر القيم ، و لسائر الأحكام ، في كل حقل حقول الحياة )0[15]

  3- أنها موافقة للعقل :

ـ الأخلاق في التصور الإسلامي موافقة للعقل الصريح ـ غير المتأثر بالأهواء و الشهوات ـ و لا تصادم مسلماته التي يقبل بها . لذا لا يوجد خلق حث عليه الإسلام و العقل لا يستحسنه ، و لا خلق حذر الإسلام منه و يستحسنه العقل ، و سبب ذلك إن الإسلام و العقل هبه من واحد ـ هو الله سبحانه و تعالى ـ و على هذا فلا بد من توافقهما و عدم تعارضهما .

       و المتبصر في الأخلاق في التصور الإسلامي يجدها تراعي المنطق العقلي السليم المراعي لتفاوت    الناس في الإمكانات و القدرات ، وقد استجاب الله سبحانه و تعالى لدعاء المسلمين عندما دعوه أن لا يكلفهم ما لا يطيقون في المحاسبة على ما يدور داخل نفوسهم كما طلبوا منه التجاوز عن التقصير و النسيان و الخطأ وهي أمور يتفاوتون في الوقوع فيها و يدخل فيها تفاوتهم فيما يتبعها من أخلاق كالعجلة و الغضب و الطيش وغيرها ، قال الله تعالى (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها مل اكتسبت ربنا لا تؤاخذانا إن نسينا أو أخطأنا ربنا و لا تحمل علينا أصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به و أعف عنا و أغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين )) ( البقرة : 286 ) .

  4- أنها موافقة للفطرة ( إنسانية ) :

ـ توافق الأخلاق في الإسلام الفطرة لأن الإسلام هو دين الفطرة ، لذا لا يجد الفرد صعوبة عند الالتزام بها لكونها تسير وفق ما جبل عليه من حب الفضيلة و البعد عن الرذيلة ، و قد فطر الله سبحانه و تعالى الناس على حب الخير و الاستقامة على الدين و البعد عن الانحراف قال الله تعالى (( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون )) ( الروم : 30 ) .

      و لذلك لا يجد الأب المسلم كبير مشقة في تربية أولاده على صالح الأخلاق و إبعادهم عن سيئها لأنه بذلك مساير لفطرتهم ، و قد أكد رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك ببيان أن الأب غير المسلم هو الذي ينحرف بولده عن الفطرة التي فطره الله عليها ، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم )) (4) .

5- أنها وسطية :

ـ و ذلك أن الأخلاق في الإسلام تتسم بالاعتدال البعيد عن الإفراط و التفريط ، فالكرم هو البذل للغير و عدم البخل عليهم من غير إسراف و لا تبذير قال الله تعالى (( و لا تجعل يديك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا )) ( الإسراء : 29 ) . و هكذا باقي الأخلاق مطالب المسلم أن يأخذ بها بطريقة معتدلة لا انحراف فيها و لا اعوجاج .

  6-أنها ثابتة على مر الزمان و المكان :

ـ تتسم الأخلاق في التصور الإسلام بصفة الثبات فلا تتغير بتغير زمان أو مكان وجود الإنسان ، فالصدق في الماضي هو الصدق في الحاضر وهو الصدق حتى تقوم الساعة . و لذلك أمر الله المسلمين بالاتصاف بصفة العدل في كل الأحوال ، مع القريب و البعيد وحتى مع العدو يلزم المسلم العدل و عدم الجور قال الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) ( المائدة : 8 ) .

  7- أنها مثالية واقعية :

ـ الأخلاق في الإسلام مثالية بمعنى أنها تمثل أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه الإنسان في تمثل هذا الخلق في الحياة الدنيا ، كما أنها واقعية بمعنى أنه يمكن للإنسان التخلق بها في واقع حياته وليست منفصلة عن الحياة اليومية التي يعيش فيها ، و لذلك دل رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمة إلى السعي المستمر للترقي في مستوى الأخلاق حتى تصبح عادة و سلوكا مستمرا غير مرتبط بحالة دون أخرى ، و ضرب لذلك مثلا بخلقي الصدق و الكذب فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (( عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، و ما يزال الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا .

   و إياكم و الكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، و إن الفجور يهدي إلى النار ، و لا يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا )) ( 5) .

قال الشيخ يوسف القرضاوي عن ارتفاع مستوى الأخلاق للمؤمن و سعيه إلى الله في ذلك ( إن    المثل الأعلى للمؤمن أن يقترب من الله في علاه . و يحصل على مثوبته و رضاه ، و هذا يجعل حياته كلها موصولة الأسباب بالله ، و يجعله يحيا دائما و هو يرجو الله و الدار الآخرة ، و يجعل أكبر همه أن يتخلق بأخلاق الله . و ينأى بنفسه عن مشابهة الأنعام و السباع و الشياطين ) 0[16] 

  8- أنها شاملة :

ـ أن الأخلاق في التصور الإسلامي تتصف بالشمول المحيط لكل شئ في حياة الإنسان ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يسقط أو ينسي مجال من مجالات الأخلاق أو ميدان من ميادينها ، لأن الدال عليها هو الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض و لا في السماء قال الله تعالى (( أن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض و لا في السماء )) ( آل عمران : 5 ) .

       يقول سيد قطب ( إن التصور الإسلامي ـ عن طريق هذه الخاصية في صورتها هذه ـ يمنح القلب و العقل راحة و طمأنينة ، و اتصالا بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود ـ كما هي في عالم الحقيقة الواقع ـ و يعفى الفكر البشري من الضرب في التيه بلا دليل ، و من الإحالة على أسباب غير مضبوطة ـ و أحيانا غير موجودة ـ … و ذلك كله فضلا على العنصر الأخلاقي الذي ينشئه هذا التصور و يثبته ، في القلب البشري و في الحياة البشرية ، و هو يرد خيوط الكون و الحياة كلها إلى يد الله )[17].

9) أنها مرتبطة بالجزاء :ـ تتسم الأخلاق في التصور الإسلامي بارتباطها بالجزاء المترتب عليها في الدنيا و الآخرة . فمن يلتزم بالأخلاق الحسنة يكسب رضى الله و رضى الناس ، و من يقع في سيئ الأخلاق يناله سخط الله و سخط الناس ، و لذلك كان الإنسان مخيرا فيما يقوم به من سلوك و لكن هذا الاختيار يترتب عليه الجزاء و هذا من عدل الله سبحانه و تعالى مع عباده ، قال الله تعالى (( من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد )) ( فصلت : 46 ) . و قد قسم أحد الباحثين الجزاء إلى أربعة أنواع ـ الإلهي و الوجداني و الطبيعي و الاجتماعي0[18]

     

المراجع

- القرآن الكريم

  1-           أساسيات علم النفس التربوي – د/ محب الدين توق – د/ عبد الرحمن عدس – اجلتر – دار جون وايلي 1984م 0

2-           أصول علم النفس – د / احمد عزت راجح – المكتب المصري الحديث – الاسكندرية ط9 –

3-           الأيمان والحياة – الشيخ يوسف القرضاوي – ط الحادية عشر – مؤسسة الرسالة – بيروت  1405هـ0

4-            الارشاد الاخلاقي من منظور اسلامي – د / صالح ابراهيم الصانع – جامعة الامام محمد بن سعود – الرياض –1421هـ 0

5-           التربية الأخلاقية الإسلامية – مقداد يالجن – مكتبة الخانجي – مصر 1397هـ0

6-           التطور المعرفي عند بياجيه – شربل موريس – ط الاولى – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر – بيروت 1406هـ

7-           التعلم دراسة نفسية – د/ رمزية الغريب – مكتبة ألا نجلو المصرية –1974م 0

8-            النمو الأخلاقي – النظرية / البحث / التطبيق / محمد رفقي محمد فتحي – ط الأولى – الكويت – دار القلم – 1403هـ 0

9-            بلورة الهوية الذاتية – نادر شحاثة – موقع الدراسات التربوية بالشبكة العنكب?8