قائمة الروابط

معهد البحوث العلمية 

مركز البحوث التربوية والنفسية

سلسلة البحوث التربوية والنفسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفكر التربوي عند الصحابي الجليل

(عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)

 

 

إعداد

الدكتور / عبد الله بن حلفان بن عبد الله آل عايش

أستاذ أصول التربية الإسلامية المساعد

بكلية المعلمين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

 

 

 

 

 

 

1428هـ – 2007م 

ردمك: 9 _ 781 _03 _ 9960


 

 

 

 

جامعة أم القرى، 1428هـ.

فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر. 

آل عايش، عبد الله بن حلفان بن عبد الله

 الفكر التربوي عند الصحابي الجليل (عبد الله بن مسعود t) الندوة العلمية الكبرى/ عبد الله بن حلفان بن عبد الله آل عايش – مكة المكرمة، 1428هـ

15. ص؛ 17×24 سم

 

1 –                                            أ. العنوان

 

ديوي 953.121.63            4272 / 1428

رقم الإيداع: 4272 / 1428

ردمك: 9 – 781 – 03 – 9960

ح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطبعة الأولى

 

 

حقوق الطبع محفوظة لجامعة أم القرى

 

 

 





مقدمة البحث:

الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } (الفتح:18)

والصلاة والسلام على سيد العالمين محمد بن عبد الله e.. الذي امتدح أصحابه ، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي r قال: «خيرُ النّاسِ قَرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم. ثمَّ يَجيءُ أقوامٌ تَسبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمينَه ويَمينُهُ شهادتَه..)) ([1])

وبعد فإن من قام بالإسلام دعوة و تطبيقا ومنهاجاً هم صحابة الرسول e حتى أقاموا لنا حضارة إسلامية، وصاروا نجوما يقتدى بهم و حازوا قصب السبق في كل شيء، فهم قمة في التقوى والورع و الجهاد في سبيل الله و العلم والعمل و أشد الناس إخلاصا و تحريّا للحق وسعيا إليه، وهم إذا علموا عملوا وإذا جهلوا سألوا وكانوا أعطش إلى العلم والتفقه في دين الله من الإبل الهيّم، وقد أخذوا عن رسول الله e القرآن والسنة والعمل بهما و إذا فات أحدهم شيء من العلم لم يغمض له جفن حتى يدركه، ولهذا تحقق لهم من الخير والمجد ما جعلهم خير القرون.

لهذا فإن الكتابة عن هؤلاء أو أخذ العلم و التربية منهم لهو بحق ثمرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن الله ، بل إن السعي إلى دراسة آثارهم من أهم الواجبات علينا اليوم في زمن اختلطت فيه الأفكار واضطربت الموازين و علت فيه أصوات أهل الباطل والشهوات للصد عن سبيل الحق بدعوى باطلة وأماني سراب0

 قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } (البقرة 2.4)

قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (لقمان6)

ثم إن دراسة حياة الصحابة أو بعض جوانبها يعد من أهم الواجبات وإقامة للدليل على عظمة التربية الإسلامية وأثرها في الأشخاص الذين تربوا على هذا الدين الحق و تبياناً لتربية رسول e التي صنعت هذا الجيل الفذ والاستفادة من هذه التربية الربانية العظيمة في إعادة صياغة الأمة الإسلامية و إصلاحها كما قال عمر بن الخطاب ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)).

إن لفت أنظار أبناء الأمة الإسلامية إلى هؤلاء الرجالات العظام والاستفادة من تراثهم التربوي بدلا من سعيهم خلف أعلام أعدائهم من أئمة الكفر والضلال ((أعلام الفكر الغربي والشرقي)) والبحث في فكرهم التربوي، وبيان ما لدينا من كنوز تتمثل في أخلاق و أفعال عظماء الإسلام على مر العصور، لهو بحق واجب على كل قادر أن يضرب فيه بسهمه.

ولما كان الصحابة هم خير جيل عرفته البشرية ولم يتسن للتاريخ أن يذكر لهم مثلا في الصفات و الأفعال و العدد ضمهم زمان ومكان واحد،كان لزاما على كل باحث عن الحق والهدى أن يرد نهرهم ويستقي من صفو علمهم وأن يقتدى بأفعالهم وأن يدل أبناء الإسلام إلى هذا الخير الوفير.

لهذا كانت هذه الدراسة عن علم من أعلام الصحابة جمع الله له من الخير ما جعله بين أصحابه كعبة ضربت إليه أكباد الإبل و سعت إلى علمه القلوب والعقول كان وحده مدرسة مستقلة ليس في زمانه بل على مدى تاريخ الإسلام ألا هو الصحابي الجليل ((عبد الله بن مسعود)).

عبد الله بن مسعود t كان في حياة الرسول e يمثل طالب العلم الشغوف والمتلقي والمريد الملازم لم يفارق معلمه حتى فرق بينهما الأجل، ثم كان بعد وفاة رسول الله موصوفا بالمعلم لم يطلب الإمارة ولم يسع إليها ولم يلقب بها بل كان وسامه أنه معلم فكثر تلاميذه فبلغوا المئات بل الآلاف الذين درسوا على يده وتخرجوا في مدرسته دعك عمن آخذ منه.

ولقد ((التف من حوله من التلاميذ ما بلغ عدد إحدى مجموعاتهم تبلغ الأربعمائة من الرجال هؤلاء التلاميذ هم دليل أستاذية ذلك الصحابي، وهم الذين نقلوا إلى الأجيال التالية ما نقله هو إليهم))([2]).

ولقد عرف الناس وخاصة أهل الكوفة لتلاميذ ابن مسعود حقهم فرفعوهم إلى درجة عالية بل ربما كانوا يعاملونهم معاملة الصحابة لما امتازوا به من علم وفقه وورع، فلقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب t يقول ((أصحاب عبد الله بن مسعود سرج هذه القرية))([3]).

ويقول الشعبي عنهم:((ما رأيت أحدا كان أعظم حلما ولا أكثر علما ولا أكف عن الدماء من أصحاب عبد الله إلا ما كان من أصحاب رسول الله([4]).

وإذا علمنا منهم هؤلاء التلاميذ أو بعضهم أدركنا عظم أثر المعلم، ومن أعلام تلاميذ ابن مسعود: ابنه أبو عبيدة، و علقمة بن قيس، والربيع بن أخثم، وعمر بن شرحبيل، وزر بن حبيش، ومسروق بن الأجدع، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وزيد بن وهب.. وغيرهم كثير.

تساؤلات الدراسة:

هذه الدراسة تحاول الإجابة عن التساؤلات التالية:

- ما معالم الفكر التربوي عن عبدالله بن مسعود t.

- ما ملامح حياة ابن مسعود t ومكانته العلمية والتربوية.

- ما أهم الآراء والأفكار التربوية التي تميز بها الفكر التربوي عند ابن مسعودt.

أهداف الدراسة:

- إبراز معالم الفكر التربوي عند ابن مسعود t.

- التعرف على سيرة ابن مسعود t و أثاره العلمية والتربوية.

- إبراز الدور التربوي للصحابة والاستفادة منه في واقعنا التربوي.

- محاولة تأصيل التربية الإسلامية بالاطلاع على النماذج التربوية التاريخية الرائدة في تاريخنا التربوي.

أهمية البحث:

رغم أن المكتبة الإسلامية تحتوي بعض الدراسات التي اعتنت بحياة و فكر عبد الله بن مسعود t، ولكنها جميعا تفتقد إلى إبراز الجانب التربوي والتعليمي من سيرته t، إذ جميعها أغفل هذا الجانب وركزت على جانب الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم التي اشتهر بها t.

ومما يعزز أهمية هذا البحث التربوي ويؤيدها أن عبد الله بن مسعود t ممن اشتغل طول حياته بالتدريس والتعليم وتربية أصحابه وتلاميذه مما جعلها مدرسة تربوية مستقلة،كما له مدارس في التفسير والفقه والقراءات مستقلة حظيت بعناية الباحثين في أكثر من مجال.

ولقد كان عبد الله بن مسعود t نموذجا فريدا في تربيته لتلاميذه ومريديه، حيث كان يمارس ويطبق آراءه في مجال التربية والتعليم في بيئة علمية نقلت لنا كثيرا من أفكاره التربوية العظيمة،الأمر الذي يعطي فكره التربوي بعدا و عمقا في الواقع التربوي الإسلامي، خاصة وأن هذا الفكر حُفظ لنا عن طريق تلاميذه، و يبقى على الباحثين تتبع هذه الآثار من مصادرها المختلفة، و إخراجها للأمة للاستفادة منها.

ويمكن أن نوجز أهمية هذه الدراسة فيما يلي:

1-  مكانة عبد الله بن مسعود t في الإسلام وقربه من رسول الله e و ما امتاز به t من علم وجهاد ودعوة إلى الله تعالى و تأثيره في مجريات عصره 0

2-   إن شخصية عبد الله بن مسعود t التربوية لم تحظ بالدراسة المتكاملة التي توضح أبعادها الكاملة في إطار شمولي متكامل.

3-  إن مدرسة عبد الله بن مسعود t في جانبها التربوي لا تقل أهمية عن الجوانب الأخرى في الفقه و التفسير و الحديث و القراءات و غيرها من العلوم التي اشتهرت بها هذه المدرسة والتي حظيت باهتمام الباحثين في تلك المجالات.

4-    إن كشف الأفكار والآراء التربوية عند عبد الله بن مسعود t هو إبراز لجانب من تاريخ التربية الإسلامية الذي مازال يفرض وجوده على الواقع التربوي للمسلمين في كل زمان ومكان

5-  ضرورة تأصيل الفكر التربوي الإسلامي المعاصر وذلك من خلال إعادته إلى أصوله الأساسية الكتاب والسنة وفهم وتطبيق الصحابة لهذين المصدرين ولعل فكر عبد الله بن مسعود t التربوي خير مثال على ذلك.

6- إن دراسة تاريخ التربية الإسلامية ودراسة شخصياتها التاريخية تعد مصدرا حيويا يمدنا بالحلول لكثير من المشكلات التي تصادف مشروعنا التربوي المعاصر، وذلك في جميع جوانبه النظرية أو التطبيقية و إعداد المعلم وبناء المناهج و طرائق التدريس..الخ.

7- إن لتلاميذ عبد الله بن مسعود t منزلة خاصة في عصره، حيث أصبحوا يمثلون ظاهرة مميزة في عصر التابعين تحتم علينا وجوب دراسة هذه المدرسة التربوية الفذة.

مشكلة البحث:

تعتبر دراسة الفكر التربوي الإسلامي من خلال التجربة العربية الإسلامية عملا يكشف بوضوح ملامح تلك التجربة في إيجابيتها وسلبيتها مع الكشف عن أبعاد تلك التجربة و آثارها، لا لإحلال الماضي محل الحاضر بل لإعادة بنية الوعي و استمراريته عبر الماضي وربطه بالحاضر و إعادة تأسيسه في الوعي التربوي الإسلامي المعاصر. ([5])

وعبد الله بن مسعود t من أعظم شخصيات الإسلام التربوية و أكثرها أثرا و تأثيرا على مر العصور ولهذا فإبراز هذه الآراء التربوية و محاولة إيجادها من خلال تتبع آثار و مرويات هذا الصحابي الجليل و تتبع أقوال وشهادات أصحابه وتلاميذه و معاصريه لرسم الشخصية التربوية للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود t ليسهل على المربين المسلمين الاستفادة منها و التزود بها هي غاية هذه الدراسة.

منهج البحث:

سوف يستخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يقوم على دراسة الواقع أو الظاهرة كما توجد في الواقع ويهتم بوصفها وتوضيح خصائصها ([6]). و قد اعتمد الباحث على أحد فروعه، وهو المنهج الوثائقي الذي يهتم بدراسة وتحليل المصادر الأساسية والثانوية ذات العلاقة بموضوع الدراسة من أجل استنباط الأدلة والبراهين المطلوبة ([7]). للتعرف على الفكر التربوي عند عبد الله بن مسعود t وذلك من خلال ما احتوته كتب السيرة والسنة النبوية عنه، مما يساعد على بلورة فكره التربوي.

كما يستخدم الباحث المنهج الاستنباطي الذي يبذل فيه الباحث – الجهد العقلي والنفسي الممكن – عند دراسة النصوص لاستخراج الفكر التربوي منها([8]). وذلك لبلورة الفكر التربوي عند عبد الله بن مسعود t.

الدراسات السابقة:

جميع الدراسات التي كتبت عن عبد الله بن مسعود t اقتصرت على الجانب الفقهي، أو هي دراسة سيرته أو صور من حياته ولم تبرز الفكر التربوي عند ابن مسعود t و صور تطبيقاته، و تهدف هذه الدراسة بمشيئة الله تعالى إلى إبراز ذلك، أما الدراسات التي وقف الباحث عليها فهي أقرب إلى دراسة سيرته t و إبراز الجوانب العلمية (الفقه – الحديث – التفسير، القراءات) ومن هذه الدراسات:

1- دراسة الشريف منصور بن عون العبدلي، بعنوان ((مرويات ابن مسعود في الكتب الستة وموطأ مالك ومسند أحمد، رسالة دكتوراه لقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة، جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة عام1401هـ وقد اشتملت الدراسة على مقدمة في ثلاثة مباحث: الأول- كيف كان الصحابة يتلقون الحديث، و الثاني - كيف حفظ الصحابة الحديث، والثالث- كيف أدى الصحابة الحديث، ثم قسم البحث إلى قسمين: الأول- وضعه في ترجمة ابن مسعود، والثاني - في مرويات ابن مسعود في الكتب الستة وموطأ مالك ومسند أحمد، مرتبا على الأبواب الفقهية.

2- محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عبد الله بن مسعود، دار النفائس، الرياض، 1992م ضمن سلسلة موسوعات فقه السلف، يعرض المؤلف في هذه الموسوعة فقه عملاق من عمالقة الفقه الإسلامي مرتباً على الطريقة المعجمية، وهي طريقة انفرد بها المصنِّف، تيسر الوصول إلى أي حكم شرعي ومعرفة رأي المجتهد موضوع البحث بسهولة وسرعة.

3- عبد الستار الشيخ – عبد الله بن مسعود، عميد حملة القران الكريم، وكبير فقهاء الإسلام- سلسلة أعلام المسلمين – دار القلم دمشق- ط2 سنة 1410هـ وهو عبارة عن كتاب لم يذكر منهجا لدراسته، ويشتمل الكتاب على سبعة عشر فصلا بدأ فيه بحياته ثم ملازمته للنبي r ثم جهاده و مكانته العلمية جمعه للقران و مكانته في التفسير والحديث والفقه والفتيا، ثم مواقفه مع الخلفاء الراشدين (أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) و أفرد فصلا عن تلاميذه وآخر عن أخباره المتفرقة وختم بفصل عن وفاته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى إبراز الفكر التربوي عند هذا الصحابي الجليل.


 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

حياته وصحبته

 

 


1- حياته ونسبه:

هو عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُود بن غَافِل بن حَبِـيب بن شَمْخ بن مَخْزُوم بن صَاهِلَة بن كَاهِل بن الحَارِث بن تَمِيم بن سَعْدِ بن هُذَيْلِ بن مُدركة بن إِليَاس، أبو عَبْد الرَّحْمن الهُذَلِي، وكناه النبي r أبا عبد الرحمن. مات أبوه في الجاهلية، أما أمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيل، لها صحبة وأسلمت أمه وصحبت النبي r لذلك كان ينسب إلى أمه أحيانا فيقال: ابن أم عبد..وأم عبد كنية أمه -رضي الله عنهما.([9])

2- قصة إسلامه:

سمع بدعوة رسول الله للإسلام، وكان يومها غلاماً يافعاً، بعد أن قدم جمعٌ من عمومته إلى مكة فرافقهم، وكان في بغيتهم شراء عطر، فأُرشدوا إلى العباس بن عبد المطلب الذي كان جالساً عند زمزم، فجلسوا إليه، ويسرد لنا قصته t فيقول:

((وجلستُ معهم. فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا... عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام، حسنُ الوجه...، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتّى قصد الحجر فاستلمه، ثمّ استلمه الغلام واستلمته المرأة.

طاف بالبيت سبعاً، والغلام والمرأة يطوفان معه. ثمّ استقبل الركن، فرفع يديه وكبّر، وقامت المرأة خلفهما، فرفعت يديها وكبّرت، ثمّ ركع فأطال الركوع، ثمّ رفع رأسه من الركوع، فقنتَ مليّاً، ثمّ سجد وسجد الغلام معه والمرأة، يتّبعونه، يصنعون مثلما يصنع، فرأينا شيئاً أنكرناه، لم نكن نعرفه بمكة.

فأقبلنا على العباس، وقلنا: يا أبا الفضل، إنّ هذا أمر لم نكن نعرفه فيكم!قال: أجل، والله، ما تعرفون هذا؟ فقلنا: من يكون هؤلاء؟ 

قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته، والغلام عليّ بن أبي طالب. أما والله ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلاّ هؤلاء الثلاثة. فعدتُ إلى عملي، وقد شُغلت نفسي بما رأت. وما هي إلاّ أيام حتّى أتيتُ النبيَّ r، وأسلمتُ على يديه مبكراً، فكنت من السابقين الأوّلين، حيث كنتُ سادس ستة ما على وجه الأرض مسلمٌ غير.))([10])

3- أول لقاء مع الرسول:

يقول t عن أول لقاء له مع الرسول r (كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة ابن أبي مُعَيْط، فجاء النبي rوأبو بكـر فقالا:

(يا غلام، هل عندك من لبن تسقينـا؟ فقلت:(إني مؤتمـن ولست ساقيكما).. فقال النبـي r :(هل عندك من شاة حائل، لم يَنْزُ عليها الفحل؟).. قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا ربه فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة، فاحتلب فيها فشرب أبو بكر، ثم شربت. ثم قال للضرع: (أقلص)... فقلص. فأتيت النبي بعد ذلك فقلت: (علمني من هذا القول) فقال:(إنك غلام مُعَلّم)([11]).

4-صفاته الجسمية:

كان نحيل الجسم دقيق الساق ولكنه الإيمان القوي بالله الذي يدفع صاحبه إلى مكارم الأخلاق، وقد شهد له النبـي r بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان الله من جبل أحد، وقد بشره الرسـول r بالجنة، فقد أمر النبي r ابن مسعود فصعد شجرةً وأمَرَه أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابُ رسول الله r إلى ساقه حين صعد فضحكوا من حُموشَةِ ساقه، فقال النبي r: (مَمّ تضحكون؟ لَرِجْلُ عبد الله أثقلُ في الميزان يوم القيامة من أحُدٍ)([12]).

وروى المسعودى عن سليمان بن مينا عن نوفع مولى ابن مسعود قال: كان عبد الله من أجود الناس ثوبا أبيض وأطيب الناس ريحا ([13]).

5- جهره بالقرآن:

لقد كان عبد الله بن مسعود t أول من جهر بالقرآن الكريم عند الكعبة بعد رسول اللـه، فقد اجتمع يوماً أصحاب رسول الله r فقالوا: والله ما سمعت قريشُ هذا القرآن يُجهرُ لها به قط، فمَنْ رجلٌ يُسمعهم؟.

فقال عبد الله بن مسعود: أنا.فقالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنّما نريدُ رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أراداه.فقال: دعوني فإنّ الله سيمنعني. فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، حتى قام عبد الله عند المقام فقال رافعاً صوت.

{ الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } (سورة الرحمن 1-4)

فاستقبلها فقرأ بها، فتأمّلوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد. ثم قالوا: إنّه ليتلوا بعض ما جاء به محمد.فقاموا فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً؟!.

قالوا: حسبُكَ قد أسمعتهم ما يكرهون)([14]).

6- هجرته:

لما رأى رسول الله ما حلّ بالصحابة من البلاء، وما يُصيبهم من العذاب على أيدي قريش، قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ فيها ملكاً لا يُظلَم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق، حتّى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه». فكانت أول هجرة ابن مسعود. وبعد عودته منها هاجر إلى يثرب حيث كان رسول الله r قد سبقه إليها، فنال بذلك وسام الهجرتين)([15]).

7-قربه من رسول الله:

وابن مسعود صاحب نعلي النبي r كان يدخلهما في يديه عندما يخلعهما النبي r وهو كذلك صاحب وسادة النبي r ومطهرته([16]).

وعن عَلِيٍّ t، قالَ رَسُولُ اللّهِ: «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّراً أَحَداً مِنْ غَيْرِ مَشورَةٍ لأَمَّرْتُ ابنَ أُمِّ عَبْدٍ»([17]).

كما أعطي ما لم يعط لغيره حين قال له الرسول الله: (إذْنُكَ علي أن ترفع الحجاب)([18])، فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول الكريم في أي وقت من الليل أو النهار.

وابن مسعود t، صاحب سر رسول الله r الذي لا يعلمه غيره، لذا كان اسمه (صاحب السَّواد). فعن مُغيرةَ عن إبراهيمَ عن علقمةَ قال: «دخلتُ الشأمَ فصلَّيتُ ركعَتين فقلتُ: اللّهمَّ يَسِّرْ لي جَليساً. فرأيتُ شيخاً مُقبِلاً، فلما دَنا قلتُ: أرجو أن يكونَ استجابَ اللَّهُ. قال: مِن أين أنت؟ قلتُ من أهلِ الكوفةِ، قال: أفلم يكنْ فيكم صاحبُ النعلَين والوِسادِ والمِطْهرة؟ أوَ لم يكنْ فيكمُ الذي أُجيرَ من الشيطان؟ أوَ لم يكن فيكم صاحبُ السرِّ الذي لا يَعلمهُ غيره؟ كيف قرأ ابنُ أمِّ عبد {والليلِ} فقرأتُ {والليلِ إذا يَغشى، والنهارِ إذا تجلَّى، والذكَرِ والأنثى} قال: أقرأَنيها النبيُّ r فاهُ إلى فيَّ، فما زالَ هؤلاء حتى كادوا يَرُدُّونني»([19]).

يقول أبو موسى الأشعريَّ t،: «قَدِمتُ أنا وأخي منَ اليمنِ، فمكثنا حِيناً ما نرَى إلا أن عبد اللَّه بن مسعود رجل من أهل بيت النبيِّ r لما نرى من دُخولِه ودخولِ أمّه على النبيّ r »([20]).

وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعلي الرسول r ([21])وكان إذا قام ألبسه إيّاهما وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم ([22]).

8-جهاده يوم بدر:

كان t ممن جاهد مع رسول الله يوم بدر وقد كان له في هذا اليوم شأن إذ هو ممن قتل زعيم المشركين فرعون هذه الأمة أبو جهل لعنة الله عليه وقد أمره رسول الله أن يُلتمس أبو جهل الذي أصابه معوّذ بن عفراء، يقول t ((فعدتُ إلى ساحة المعركة، وأجلتُ نظري فيها، فوجدتُ أبا جهل في آخر رمق من حياته الآثمة، والتي كان من فصولها: الإعتداء على رسول الله وتعذيب المؤمنين، وقتل سميّة أمّ عمّار بن ياسر. قلتُ له: الحمدُ لله الذي أخزاك. قال: وبماذا أخزاني.. لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. ثمّ قال حين رآني على صدره أُريد قتله: لقد ارتقيتَ مرتقًى صعباً يا رُوَيعيَ الغنم. فقلت له: إنّي قاتلك يا أبا جهل! قال: لستَ بأول عبد قتل سيده! أما إن أشد ما لقيته اليوم في نفسي لقتلك إياي، ألا يكون ولِّيَ قتلي رجلٌ من الأحلاف أو من المطيبين. فضربته ضربةً وقع رأسه بين يديه... وأقبلتُ برأسه وبسلاحه ودرعه وبيضته فوضعتها بين يدي رسول الله r وقلتُ له: أبشر، يا نبيّ الله، بقتل عدوّ الله أبي جهل. 

فقال رسول الله: أحقّاً، يا عبد الله؟ فوالذي نفسي بيده، لهو أحبّ إليّ من حُمر النعم، اللّهمّ قد أنجزت ما وعدتني فتمّم عليَّ نعمتك. وسجد شكراً لله، ثمّ شهد لي بالجنة([23]).

9-حكمته:

ولعلنا نعرض شيئا من أقواله وحكمه التي تنطق عن خبرة ودراية بالناس و بالحياة تدل على خبرة بالنفس الإنسانية وما يصلحها و خاصة من مربٍّ جليل كابن مسعودt إذ يقول عن العمل: (إني لأمقت الرجل إذ أراه فارغا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة)([24]).

ومن كلماته الجامعة:(خير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشر المكاسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يغفر يغفر الله له)([25]).

وقال عبد الله بن مسعودt: (لو أنّ أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسَادوا أهل زمانهم، ولكنّهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا عليهم، سمعتُ نبيّكم r يقول:(مَنْ جعلَ الهمومَ همّاً واحداً، همّه المعاد، كفاه الله سائرَ همومه، ومَنْ شعّبَتْهُ الهموم أحوال الدنيا لم يُبالِ الله في أي أوديتها هلك)([26]).

10-أمنيته:

بلغ من حب الصحابة للرسول r وإيمانهم بصدق نبوته أن يتعرضوا لبركة دعائه وأن يضعوا أنفسهم في مواطن يرضى عنها الله ورسوله r لعلهم يحصلون بها على خير الدنيا والآخرة، يقول ابن مسعود t:(قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله r في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله r في حفرته وأبو بكر وعمر يدلِّيَانه إليه، والرسول يقول: أدنيا إلي أخاكما...فدلياه إليه، فلما هيأه للحده قال: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه... فياليتني كنت صاحب هذه الحفرة)([27]).

كم نحن بحاجة إلى غرس هذه الأخلاق في نفوس الناشئة و نجعلهم يدركون فضيلة أن تصيبهم بركات دعاء النبي r و نخلق في نفوسهم حب الاقتداء بسنته و المحافظة عليها لأن في ذلك رضا لله ورسوله r قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31

 11- وصيته:

لمّا حضر عبد الله بن مسعود t الموتُ دَعَا ابْنَه فقال:((يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، إنّي موصيك بخمس خصال، فاحفظهنّ عنّي:أظهر اليأسَ [من]للناس، فإنّ ذلك غنىً فاضل، ودعْ مطلبَ الحاجات إلى الناس، فإنّ ذلك فقرٌ حاضر، ودعْ ما يعتذر منه من الأمور، ولا تعملْ به، وإنِ استطعتَ ألا يأتي عليك يوم إلا وأنتَ خير منك بالأمس فافعل، وإذا صليتَ صلاةً فصلِّ صلاةَ مودِّع كأنّك لا تصلي صلاة بعدها))([28]).

12-مرضه و وفاته:

قال أنس بن مالك t: دخلنا على عبد اللـه بن مسعود نعوده في مرضه الذي مات منه، فقلنا: ((كيف أصبَحتَ أبا عبد الرحمن؟. قال: أصبحنا بنعمة اللـه إخوانا. قلنا: كيف تجدُكَ يا أبا عبد الرحمن؟. قال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان) قلنا له: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟.قال: أشتكي ذنوبي و خطايايَ. قلنا: ما تشتهي شيئاً؟). قال: أشتهي مغفرة اللـه ورضوانه. قلنا: ألا ندعو لك طبيباً؟. قال: الطبيب أمرضني –وفي رواية أخرى(الطبيب أنزل بي ما ترون). ثم بكى عبد الله، ثم قال: سمعتُ رسول الله r يقول: ((إنّ العبد إذا مرض يقول الرّب تبارك وتعالى: عبدي في وثاقي.فإن كان نزل به المرض في فترةٍ منه قال: اكتبوا له من الأمر ما كان في فترته.فأنا أبكي أنّه نزل بي المرض في فترةٍ، ولوددتُ أنّه كان في اجتهادٍ منّي)) ([29]).

ولقي رجل ابن مسعود فقال: لا تعدم حالِماً مذكّراً: (رأيتُكَ البارحة، ورأيتُ النبـي r على منبر مرتفع، وأنتَ دونه وهو يقول:(يا بن مسعود هلُمّ إليّ، فلقد جُفيتَ بعدي).فقال عبد الله: ((آللّهِ أنتَ رأيتَهُ؟.قال: نعم.قال: فعزمتُ أن تخرج من المدينة حتى تصلي عليّ..فما لبث إلا أياماً حتى مات t فشهد الرجل الصلاة عليه))([30]).

وفي أواخر عمره t قدم إلى المدينة وتوفي بها سنة اثنتين و ثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان t وصلى عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفانt ([31]).

قال البخاري: مات بالمدينة قبل عثمان، وقال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين، وقال يحيـى بن بكير: سنة (33) ([32]).

 

13- تلاميذه

من أشهر التلاميذ الذين حملوا علم عبد الله بن مسعود t، ابناه: عبد الرحمن وأبو عبـيدة، وابن أخيه عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وأنس، وجابر، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، والحجاج بن مالك الأسلمي، وأبو أمامة، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وابن الزبـير، وابن عباس، وأبو ثور الفهمي، وأبو جحيفة، وأبو رافع مولى النبـيr، وعبد الله بن الحارث الزبـيدي، وعمرو بن الحارث المصطلقي، وقرة بن إياس، وكلثوم بن مصطلق، وأبو شريح الخزاعي، وامرأته زينب بنت عبد اللَّه الثقفية ـ وهؤلاء من الصحابة ـ وعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق، والربـيع بن خثيم، وزيد بن وهب، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وشريح ابن الحارث القاضي، والحارث بن سويد التيمي، وربعي بن حراش، وزر بن حبـيش، وأبو عمرو الشيباني، وعبد اللَّه بن شداد، وعبد اللَّه بن حكيم، وعبد الرحمن ابن أبـي ليلى، وعبـيدة بن عمرو السّلماني، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأحوص عوف ابن مالك، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبـيل، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبـي حازم، وأبو عطية مالك بن أبـي عامر، ومرة الطيب، والمستورد بن الأحنف، وهذيل بن شرحبـيل، والنزال بن سبرة، وأبو الأسود الدؤلي، والمعرور بن سويد، وآخرون ([33]).


 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

مكانته العلمية

 


1-حفظه وإتقانه للقرآن الكريم:

تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في حفظ القرآن و تلاوته والعمل به، و كانوا يتمايزون في ذلك، وكان رسول الله r يشجعهم على ذلك ويستمعه منهم، حيث طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه فقال:(اقرأ علي). فقال: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟.فقال:(إني أحب أن أسمعه من غيري). قال ابن مسعود: فقرأت عليه من سورة النسـاء حتى وصلت إلى قوله تعالى:(فكَيْفَ إذَا جِئْنَـا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيـد وجِئْنَـا بِكَ عَلى هَـؤلاءِ شَهِيـداً)...(النساء/41).

فقال له النبي r (حسبـك). قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)([34]).

ولقد كان ابن مسعود من علماء الصحابة –رضي الله عنهم- ومن المشهورين بحفظ القرآن الكريم ومن البارعين في تفسيره و معرفة أسباب نزوله و ناسخه ومنسوخه، ولقد انتشر علمه وفضله في الآفاق بكثرة أصحابه والآخذين عنه الذين تتلمذوا على يديه وكانوا يزيدون على المئات، وقد كان يقول: أخذت من فم رسـول اللـه r سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد)([35]).  

وقد شهد له رسول الله e بالعلم فقال رسول الله e: ((استقرئوا القران من أربعة، عبد الله- إي ابن مسعود- وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب و معاذ بن جبل([36]))).

فبدأ رسول الله e بعبد الله بن مسعود ولا غرابة فهو لازم رسول الله e ملازمه لصيقة حتى أن رسول الله أذن له بالدخول عليه متى شاء وأن يرفع عنه الحجاب متى دخل وهذه منزلة عظيمة لابن مسعود ([37]).

وهو t أول من جهر بالقرآن في مكة أول الدعوة قال ابن إسحاق عن عروة ابن الزبير عنه أبيه قال أول من جهر بالقران بعد رسول الله e بمكة عبد الله بن مسعود([38]).

قال عبد الله بن مسعود: لقد أخذت من فيّ رسول الله e ((سبعين سورة ما نازعني فيها بشر))([39]).

وعن مسروقٍ قال: «ذُكِر عبدُ اللّهِ عند عبدِ اللّهِ بن عمروt فقال: ذاك رجلٌ لا أزالُ أحبُّهُ بعدَ ما سمعت رسولَ اللَّهِ r يقول: استقرِئوا القرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ اللَّهِ بن مسعود فبدَأ بهِ، وسالمٍ مولى أبي حُذَيفةَ، وأبيِّ بن كعبٍ، ومُعاذِ بن جبلٍ. قال: لا أدري، بدأ بأبيّ أو بمعاذ» ([40]).

وكان يقول رسولَ اللَّهِ r: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد..))([41]).

ولقد بلغ من علمه بكتاب الله أن قال ((ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيما نزلت)) وقال t ((لقد قرأت من فيّ الرسول e سبعين سورة)). وقال: (لقد قرأت على الرسول e سبعين سورة ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله ولو اعلم أحداً أعلم بكتاب الله لرحلت إليه))([42]).

وحقاً كان ابن مسعود من أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعرفهم به ولقد كان له مدرسته الخاصة في العراق لتعليم القران وتلقينه للناس ولقد تسابق الصحابة و التابعون إلى ابن مسعود ليأخذوا عنه القران.

قال الذهبي: قرأ عليه علقمة ومسروق و الأسود، وزر بن جيش وأبو عبد الرحمن السلمي وطائفة... وتفقه به خلق كثير وكانوا لا يفضلون عليه أحد في العلم([43]).

وقال مسروق: ((شاممت - كشفت - أصحاب رسول الله e وجدت علمهم انتهى إلى ستة: إلى عمر وعبد الله - ابن مسعود - ومعاذ - وأبو الدر داء - وزيد بن ثابت فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى على وعبد الله بن مسعود)) ([44]).

وقيل لرسول الله r: (استخلفتَ)، فقال:(إنّي إنْ استخْلِفُ عليكم فعصيتم خليفتي عُذّبتُم، ولكم ما حدّثكم به حُذيفة فصدِّقوه، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقْرَؤُوه)([45]).

وحين أخذ عثمان بن عفان من عبد الله مصحفه، وحمله على الأخذ بالمصحف الإمام الذي أمر بكتابته، فزع المسلمون لعبد الله وقالوا: (إنّا لم نأتِكَ زائرين، ولكن جئنا حين راعنا هذا الخبر).

فقال: (إنّ القرآن أُنزِلَ على نبيّكم r من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإنّ الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد، معناهما واحد)([46]). وحث الناس على مصحف الإمام وأقرّ به t.

وقد كان هم ابن مسعود t الأول تعليم القرآن والسنة و تعليم شرائع الإسلام وفرائضه ومن ذلك توجيه الناس إلى عمود الإسلام القرآن الكريم قراءة وحفظا وتدبرا ((ويحمل الناس على فهمه والعمل به وتلاوته وحفظه، وينبههم إلى أمور هامة في جانب القرآن الكريم فكان أول ما ألفتهم إليه مداومة صحبته، واستذكاره حتى لا يتفلت منهم))([47]).

وتأكيدا لهذه الفتة التربوية فقد روي عن عبد الله بن مسعود t قوله:((بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي، واستذكروا القرآن فأنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم)) ([48]).

وكان يحفز تلاميذه ويشجعهم على حفظ القرآن وتعلمه، فقد روي أن ابن مسعود t كان إذا أصبح أتاه الناس في داره، فيقول على مكانكم، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن فيقول: أيا فلان بأي سورة أتيت؟ فيخبره بالآية، فيفتح عليه الآية التي تليها، ثم يقول تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض.. حتى يقول ذلك لكلهم)) ([49]).

وكان من أساليب تعليمه للقرآن الاستماع إلى تلاوة تلاميذه وتقويمها أو الثناء عليهم وذلك أسلوب تربوي ورثه ابن مسعودt من الرسول ، فعن أبي حيان الأشجعي، قال: ((قال لي ابن مسعود: اقرأ عليّ من القرآن،فقلت له: أليس منك تعلمته وأنت تقرئنا..))([50]).

وفي هذا لفتة كريمة من ابن مسعودt وهي أن المعلم يجب عليه أن يقرئ ويستقرئ القرآن من تلاميذه وان يسمع منهم تلاواتهم، ليتأكد من إتقانهم للقرآن وتعلمهم إياها على وجهه الصحيح، كما أن فيه بيان لجانب اللين والتواضع من المعلم المسلم و قربه من تلاميذه.

2-ابن مسعود إماما في القراءة:

كان ابن مسعود t إماما في القراءة قال ابن الجوزي في طبقات القراء: ((عبد الله بن مسعود t عرض القرآن على النبي r، وعرض عليه الأسود وتميم بن حذلم والحارث بن قيس، وزر بن حبيش، وعبيد بن عمر، وعمرو بن شرحيل وغيرهم، وهو أول من أسند القران من في رسول الله r.. وهو الإمام في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله مع حسن الصوت.. وإليه تنتهي قراءات عاصم و حمزة والكسائي وخلف والأعمش))([51]).

ويقول: في تعليم القرآن العظيم ((فعليكم بهذا القرآن فإنه مأدبة الله فمن استطاع منكم أن يأخذ من مأدبة الله فليفعل، فإن العلم بالتعلم)) ([52]).

3- مكانته في التفسير والفقه:

من أكثر الصحابة تفسيراً ابن مسعود t وهو من أحفظ الصحابة لكتاب الله وكان الرسول e يحب أن يسمع القرآن عنه ومدحه الرسول e فقال: (من أحب أن يسمع القرآن غضاً كما أُنزل فليسمعه من ابن أم عبد)([53]).  

ولقد أرسله عمر بن الخطاب t إلى العراق فقيها ومعلما لهم فقال: (إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا وقد آثرتكم بعبد الله ابن مسعود على نفسي)([54]).

وبلغ من قربه من الناس وتعليمهم كتاب الله أنه لما وصل على بن أبي طالب t إلى الكوفة حضر قوم لديه من أهلها فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلاً أحسن خلقا ولا أرفق تعليما ولا أحسن مجالسا ولا أشد ورعا من ابن مسعود.  

قال علي: ((اللهم اشهد أني أقول مثل ما قالوا وأفضل علم القرآن والسنة ثم انتهى وكفى بذلك علماً.)) ([55])

يقول الشيخ (عبد الستار الشيخ) عن ابن مسعود t: ((ويتضح مما تقدم أن ابن مسعود t من كبار الصحابة وأعيانهم واسمه معدود بعد ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن وأن معاصرة ابن مسعود لنزول القران ومعرفة من نزلت به الآيات وأين نزلت كل ذلك يضيف أبعادا هامة ودعما لآرائه ونظراته وفلج حجته)) ([56]).

وهذه المنزلة العلمية الرفيعة تعطي ابن مسعود t مكانته التربوية العالية فهو المربي الرباني الذي يعود في منهجه إلى الكتاب والسنة،ولهذا تكون آراؤه و توجيهاته خالصة لله تعالى موافقة للشريعة الإسلامية من هنا تكون درجة قبولها تامة كاملة، و على الأمة الأخذ بها والبحث عنها وتقديمها على أي اجتهادات تربوية تعود إلى أي شخصية إسلامية ليست في منزلة ابن مسعود العلمية.

ويقول على بن المدني: ((لم يكن من أصحاب النبي أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس رضي الله عنهم))([57]).

وترجم ابن الجوزي في (المدهش) فقال: ((تسمية من كان يفتي على عهد رسول الله r، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعبدا لرحمن بن عوف وابن مسعود وأبي ومعاذ وعمار و حذيفة وزيد بن ثابت وأبو الدر داء وأبو موسى وسلمان رضي الله عنهم أجمعين)([58]).

وعده شيخ الإسلام ابن تيمية من فقهاء الصحابة بل جعله ثانيهم إذ قال: ((في مجموع الفتاوى)) قال في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيه الصحابة عبد الله ابن مسعود ، وزيد بن ثابت: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم))([59]).

وقاله عنه في التفسير: وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس وأبى الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب، و عن الأعمش قال: قال مجاهد لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت([60]).

وقال ابن القيم في أعلام الموقعين ((والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب ابن عباس، فعلم الناس عامة عن أصحاب هؤلاء الأربعة)) ([61]).

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون منزلة ابن مسعودt و أسبقيته في الإسلام ومكانته عند رسول الله r و قربه منه و معرفته بكتـاب الله تعالى وسنة رسوله r ولهذا كان له المكانة الجلية عند سائر الصحابة فإذا أعيتهم المسائل أحالوا على ابن مسعودt، فقد سُئِل أبو موسى t في الفرائض عن بنت وابنة الابن وأخت فقال للبنت النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني.

فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال:لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى النبي r للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال:لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم)([62]).

قال عنه أمير المؤمنين عمر:(لقد مُليء فِقْهاً)([63])..

وعن علقمة قال: « جاء رجل إلى عمر t وهو بعرفة فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلبه فغضب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود فما زال يطفأ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه وسأحدثك عن ذلك، كان رسول الله r لا يزال يسمر عند أبي بكر t الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله r وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله r يستمع قراءته فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله r: « من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد » قال: ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله r يقول له: « سل تعطه، سل تعطه » قال عمر t: قلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه قال: فغدوت إليه لأبشره، فوجدت أبا بكر t قد سبقني إليه فبشره، ولا والله ما سبقته إلى خير قط إلا وسبقني إليه) ([64]).

 4-ابن مسعود والسنة النبوية:

من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم جميعاً يتفاوتون في روايتهم أحاديث النبي e بين المكثر والمقل وذلك حسب ظروفهم في صحبة الرسول الله e،فمنهم من كان ملازما للرسول e وفي خدمته كابن مسعود t،منهم من كان يناوب في صحبته، ومنهم من لقيه أياماً ثم خرج في سبيل الله لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، ومن الصحابة من كان مقلاً في روايته لأحاديث مع كثرة ملازمته للرسول وذلك يعود لكثرة مسؤولياته التي كانت على عاتقه والانشغال بالجهاد والدعوة في سبيل الله أمثال الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من الصحابة، ومنهم من كان لا يحدث مخافة إن يزيد أو ينقص في حديث الرسول الله e،ومنهم من تولى قيادة الجيوش فكانت سببا في قلة الرواية كما هو الحال في سعد بن أبى وقاص وخالد بن الوليد وأبو عبيدة وغيرهم من الصحابة المجاهدين رضي الله عنهم أجمعين.

أما عبد الله بن مسعود t فقد بارك الله في عمره فقضى ذلك في العلم إلى جانب جهاده ودعوته، وقد جلس للعلم و التعليم و تولى بيت المال بالكوفة في عهد عمر بن الخطاب t ثم تفرغ للعلم ما بقي من عمره في خلافة عثمان بن عفان t، فساعد ذلك على كثرة روايته للسنة النبوية حيث يأتي في الدرجة الثامنة من المكثرين لرواية السنة النبوية، حيث روى عبد الله بن مسعود: ألفاً ومائة وسبعين حديثا (1170)([65]).

أما التزامه بالسنة النبوية و محافظته على هدي النبوة فقد امتدحه يوما حذيفة بن اليمان بالكوفة فقال: ((إن أشبه الناس هديا وقضاء وخطبة برسول الله e من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع لا أدرى ما يصنع في أهله لعبد الله بن مسعود ولقد علم المتهجدون من أصحاب الرسول الله e أن عبد الله من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة)) ([66]).

وبلغ من حبه لرسول الله  r وامتثاله لأمره ما رواه جَابِر بن عبد الله t، فقال: « لَمَّا اسْتَوَى رسولُ الله r يَوْمَ الْجُمُعَةِ قال اجْلِسُوا، فَسَمِعَ ذَلِكَ ابنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَرَآهُ رسولُ الله r فقال: تَعَالَ يَا عَبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ».([67])

وعن تميم بن حرام قال:(جالستُ أصحاب رسول الله r فما رأيتُ أحداً أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة، ولا أحبّ إليّ أن أكون في صلاحه، من ابن مسعود)، وعن أبي عبيدة قال سمعت أبا موسى يقول مجلس كنت أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة، وقال الثوري: عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير قال:جاء نعي عبد الله إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثله سمعها ([68]).

وعن زيد بن وهب قال أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس فقال:((وعاء ملئ علما))([69]).

وعن أبي الأحوص قال: ((شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين مات ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك مثله؟ قال: إنْ قلتَ ذاك! إن كان ليُؤْذَنُ له إذا حُجِبنا، ويشهد إذا غبنا))([70]).

وكان ابن مسعود يرشد تلاميذه إلى الأدب مع حديث رسول الله r وتعظيم شأنه و الانقياد له ومتابعته في هديه r فكان يقول لهم: ((إذا حدثتم عن رسول الله r حديثا فظنوا برسول الله r أهيأه، وأهداه، وأتقاه)) ([71]).

وكان يأمرهم بالصلاة عليه عند سماع ذكره فيقول: ((إذا حييتم على رسول الله r فأحسنوا الصلاة فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، فقالوا له فعلمنا، قال قولوا..) ([72]).

5-ابن مسعود معلما:

لقد أدرك أمير المؤمنين عمر بن الخطابt مكانة ابن مسعود العلمية، ولهذا أرد أن يضعه في مكانه المناسب فأرسله إلى العراق حاضرة الإسلام الجديدة التي كانت مركزا حضاريا واعدا، ليكون معلما لهم إلى جانب أعمال بيت مال المسلمين بالكوفة، وذكر في رسالته لأهل العراق فضل ابن مسعود t ومكانته العلمية وأنه آثرهم به على نفسه فقال: (إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي) ([73]).

ولقد أثبتت الأيام صدق رسالة عمر t فلقد أصبح ابن مسعودt عالم العراق وإمامه الأوحد و صارت إمامته العلمية تمثل مدارس متعددة في القرآن وعلومه والحديث والفقه.

ولقد أحبه أهل الكوفة حبا لم يظفر بمثله أحد قبله..حتى قالوا له حين أراد الخليفة عثمان بن عفان t عزله عن الكوفة: (أقم معنا ولا تخرج ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه منه) ولكنه رد عليهم: (إن له علي الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن أكون أول من يفتح أبوابها)([74]).

وهذا التوجيه العظيم من ابن مسعود t بالسمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج عليه، دليل على حكمته t ومعرفته بعواقب الأمور لأن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين واستتباب الأمن وقيام مصالح الناس، حيث الخروج على الإمام من أشر الفتن على الأمة، والشرع الإسلامي يحرم الخروج على الإمام والجماعة.

أما رأي أهل الكوفة في صاحبهم ابن مسعود فقد أظهروه لعلي بن أبي طالب t فقالوا: (يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خُلُقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مُجالسة ولا أشد وَرَعا من عبد الله بن مسعود)([75]).



 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

آراؤه وفكره التربوي

 



1-نشر العلم وإلزامية التعليم:

لقد كان عبد الله بن مسعود t يرى أن على العالم واجب نشر العلم و تعليم الناس شرائع الإسلام ، وأن هذا أمرا إلزاميا على كل عالم بأن يبلغ ما لديه من علم ويحذر من كتمانه قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }آل عمران187.

ويروي في ذلك الأحاديث الداعية إلى نشر العلم فعنه t قال: قال e ((من كتم علما ينتفع به جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار))([76]).

وقد أوصى أبناءه بنشر العلم وتبليغ أحاديث رسول e فعن شعبة عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال:قال رسول الله e:((نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب مبلغ أوعى من سامع))([77]).

 وعن عون قال: قال ابن مسعود (نعم المجلس مجلس تنشر فيه الحكمة وترجى فيه الرحمة)([78]).

فلقد كان t حريصا على نشر العلم وتعليم الناس والصبر على ذلك فهو قد نذر حياته لنفع الناس حتى صار إماما في كل علم وانتفع به خلق كثير من الصحابة والتابعين و عامة أهل الإسلام بعده.

 

2- تربية الأتباع على السمع والطاعة والصبر:

لقد كثرت الفتن في أواخر حياة ابن مسعود t،وخاصة بعد مقتل عمرt فأخذ الناس يلحون على ابن مسعود في الوصية لهم اتجاه هذه المواقف، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه أنه قال: (عن أبي وائل قال: عبد الله t لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه فقال أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها فقلت له والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنا مع النبي r فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه وأوشك أن لا تجدوه والذي لا إله إلا هو ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب (الغدير) شرب صفوه وبقي كدره) ([79]).

وقد اهتم علماء السلف بتربية الأتباع على السمع والطاعة وعدم شق صف المسلمين مستفيدين من دروس الماضي وخاصة تلك الفتن التي حصلـت بعد عهد عمر t وما جرته على المسلمين من حروب وفتن، قال مسلم رحمه الله ((باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.)) ([80]).

وروى البخاري عن الزهري قال: (( كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فعيش العلم ثبات الدين والدنيا وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله))([81]).

وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة إتباعا للسنة النبوية فعن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه.)) ([82]).

ويستفاد من هذه المواقف التربوية في التربية المعاصرة كيف يغلب المربي المصلحة العامة وكيف يأمر الناس بالصبر والاحتساب وعدم إثارة الفتن أو الخروج على الأمة، وان مصلحة الأمة تستوجب السمع والطاعة و استقرار حال المجتمع وبقاء مصالحهم ودرء الفتن والمحن عن الناس ما أقاموا شرع الله تعالى.

3-توجيهه لتلاميذه في الفتن

قال ابن رجب ((وقد صح عن ابن مسعود t أنه قال : إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين)) ([83]).

إن الناظر إلى أهم الأحداث التي وقعت في العراق بعد وفاة ابن مسعود t وموقف تلاميذه منها يدل على الأثر العظيم الذي تركه المربي في تلاميذه فلقد تجلى ذلك في كثير من مواقفهم أثناء تلك الفتن و اعتزالهم إياها بل سعى بعضهم إلى الجهاد في الثغور، ولهذا كانت مواقفهم مقتدية بموقفه t من اجتناب الفتن عموما، ومما هو معلوم أن الكوفة كانت مدار الكثير من هذه الفتن فقد رفض الكثير منهم الانضمام إلى جيش أمير المؤمنين على t وهو الخليفة بالكوفة حيث رأوا أن الحرب دائرة بين صفين من المسلمين وأن هذه إذا فتنة يجب تجنبها واعتزالها للسلامة من دماء المسلمين.

بل إن بعض تلاميذ ابن مسعود t لم يكتف بالتفرج على الفريقين بل سعى إلى وقف هذه الفتن فهذا تلميذه مسروق بن الأجدع الذي ((أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: أيها الناس، أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد r ثم تلا قوله تعالى: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } (النساء29)، ثم انساب في الناس وذهب))([84]).  

وفريق من تلاميذ ابن مسعود استأذنوا أمير المؤمنين على بن أبي طالب t في الدفاع عن الثغور من أعداء الإسلام فأذن لهم بالذهاب إلى ثغر الري وكان عددهم يزيد على أربعمائة قارئ على رأسهم ربيع بن خثيم ([85]).

4- منهجية تلقي العلم:

كان لابن مسعود t منهجه في التلقي، ولهذا كانت عنايته الشديدة بالقرآن الكريم تلقيا وتعليما وعنايته الجليلة بسنة رسول الله r أخذا وأداء فكان يقول: ((لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد r وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا))([86]).

وكان يقول: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد r فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا و أقومها هديا و أحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبه نبيه r، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ([87]).

وعن أبي قلابة عن ابن مسعود قال : ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق ([88]).

وقال ابن مسعود t: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". وقال t: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". وقال: "عليكم بالطريق فالزَمُوه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لَتَضِلُّنَّ ضلالاً بعيدًا" ([89]).

وقال عبد الله بن مسعود t: ((قد أصبحتم على الفطرة، وإنكم سَتُحْدِثُون ويُحْدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدى الأوَّل)).

وقال الأوزاعي: ((العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله r وما لم يجئ عنهم فليس بعلم)) وقال أبو عبيدة : معناه أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم ([90]).

ولهذا فعلى المربي المسلم أن يربى تلاميذه على العودة إلى الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما، وان يوجههم دائما إلى المصادر الأصلية لكل معرفة حتى لايشغل الطالب نفسه بالمراجع الثانوية، والتي قد تغفل أو تحجب جزء من الحقيقة أو المعرفة.

ولهذا كان t شديد الحذر مع تلاميذه أن يتلقوا عن غير القران والسنة وكان يحذرهم من الأخذ عن أهل الكتاب أو الفرس، بل ربما غضب لأخذهم شيئا من ذلك، فعن حريث بن ظهير قال: قال عبد الله بن مسعود: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، أن تكذبوا الحق أو تصدقوا بباطل)([91]).

وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال أصبت أنا وعلقمة صحيفة (من صحف أهل الكتاب) فانطلق معي إلى ابن مسعود بها وقد زالت الشمس أو كادت تزول فجلسنا بالباب ثم قال للجارية أنظري من بالباب فقالت علقمة والأسود فقال ائذن لهما، فدخلنا فقال كأنكما قد أطلتما الجلوس قلنا أجل قال فما منعكما أن تستأذنا قالا خشينا أن تكون نائما قال ما أحب أن تظنوا بي هذا إن هذه ساعة كنا نقيسها بصلاة الليل، فقلنا هذه صحيفة فيها حديث حسن فقال يا جارية هاتي بطشت واسكبي فيه ماء، قالا فجعل يمحوها بيده ويقول نحن نقص عليك أحسن القصص، فقلنا انظر فيها فإن فيها حديثا عجيبا فجعل يمحوها ويقول إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره، قال أبو عبيد يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب فلهذا كره عبد الله النظر فيها ([92]).

 

5-حثه تلاميذه على طلب العلم:

قال ابن رجب الحنبلي ((وينبغي للمؤمن ألا يزال يرى نفسه مقصرا عن الدرجات العالية فيستفيد بذلك أمرين نفيسين الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها والنظر إلى نفسه بعين النقص وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرا منه.. فقد قال ابن مسعود: ما أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني ولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أمره وأعماله : أخرج إلي ماء أو تمرات أفطر عليها ليكون لك أجر)) ([93]).

وكان عبد الله بن مسعود t ذكياً فطناً ألمعياً لبيباً ورث فيما ورث عن النبي e الأسلوب المسدد فكان موفقا في تعليمه ناجحا في توجيهه يعطي كل موقف ما يناسبه وكل واحد ما يلائمه فهذا عبد الرحمن بن يزيد يقول : « دخلنا على عبد الله وعنده علقمة والأسود، فحدَّث حديثاً لا أراه حدَّثه إلا من أجلي، ـ كنت أحدث القوم سناً ـ، قال: كنا مع رسول الله r شباب لا نجد شيئاً، فقال: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء » ([94]).

وابن مسعود t يتبع هدي رسول الله e في نشر العلم ودعوة الناس إلى طلب العلم فهو من أكثر الصحابة رواية للحديث وأكثرهم تعليما للقرآن ونشرا للفقه والفتوى وله طلاب كثر زادت شهرتهم على المئات ممن طوى ذكرهم الآفاق وضربت أكباد الإبل إليهم طلبا لعلم ابن مسعود الذي ورثوه عنه.

ولقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم جميعا أهمية العلم وفضله فهذا ابن مسعود t يقول: ((الدراسة صلاة)) ويقول ابن عباس ((تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها))([95]).

بل إن رسول الله r لم يجعل الحسد إلا في اثنتين فقد روى بعض الصحابة –كابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم - قول النبي r ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على  هلكته في الحق))([96]).

فلا شيء في هذه الحياة الدنيا يستحق التنافس فيه والغبطة عليه والتملي منه والترفع على الجنس والأقران به – في ميزان القرآن والسنة – إلا حكمة تذاع وتهدي في مسارب الحياة أو مال ينشر في الخير ويبني به صروح الحق والسعادة دون منة على أحد أو إرهاق أو عنت للناس ([97]).

ومن وصيته لتلاميذه قوله ((لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه))([98]).

كذلك قوله ((كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض)) ([99]).

 وكان يوصي تلاميذه بتعهد القرآن و مداومة تلاوته حتى لا يتفلت منهم فعن شقيق عن عبد الله قال: ((تعاهدوا هذه المصاحف، وربما قال القرآن فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقله)) ([100]).

وقال الأوزاعي: حدثني هارون بن رباب قال: كان ابن مسعود t يقول: ((اغد عالما أو متعلما ولا تغد فيما بين ذلك فإنما بين ذلك جاهل أو جهل وإن الملائكة تبسط أجنحتها لرجل غدا يطلب العلم من الرضى لما يصنع))([101]).

وهذا شقيق تلميذ ابن مسعود يذكر للناس وصية ابن مسعود للناس بان يتعلّموا العلم ويعدوا العدة للمستقبل فقد يسود الرجل أو ترفع منزلته بين الناس ثم يكتشف أنه جاهل لا علم و لا أدب يميزه عن غيره قال: قال عبد الله بن مسعود t ((عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه أو إلى ما عنده)) ([102]) وفي رواية:((يا أيها الناس تعلموا العلم فإن أحدكم لا يدري متى يخيل إليه))([103]).

وذكر عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن مسعود قال ((عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله))([104]).  

وعندما قرب أجله وكبر سنه كان يوصي أن يؤخذ عنه العلم، ويذكر بقول رسول الله e فعن سليمان بن جابر - أحد تلاميذه - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله e تعلموا العلم وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان أحدا يفصل بينهما))([105]).

ومن منهجه التربوي أنه كان يأمر تلاميذه بأن يُعملوا تفكيرهم فيما تعلموه وأن يُتبعوا العلم العمل حتى يجنوا ثمار ما تعلّمو فكان يقول: ((كونوا للعلم وعاء ولا تكونوا له رواة فإنه قد يرعوى ولا يروى 00)) ([106]).

ولقد آتت هذه الجهود ثمارها فهؤلاء تلاميذ عبد الله بن مسعود t ينهجون نهجه و يحثون أتباعهم و مريديهم على الأخذ بهذا المنهج فهذا علقمة يحدث تلاميذه عن أستاذه فيقول:قال عبد الله بن مسعود تعلموا فإذا علمتم فاعملوا.وقال الحسن الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم في العمل. وقال سفيان الثوري يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ([107]).

واشتهر ابن مسعود t بإتقانه للقرآن حفظا وتلاوة وتعليما وكذلك إتقانه لرواية الحديث وشهرته في الفتيا والفقه والتفسير كبيرة ومعلومة وهذا مما يدفع تلاميذه إلى ملازمته والاستفادة منه قبل فوات العمر فيضيع عليهم بذلك خير كثير.

ولقد كان رسول الله r يحث أصحابه على الإتقان والإلمام بالعلم فقد قال r: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه وبلغه غيره فربّ حامل فقه ليس بفقيه))([108]).

ولقد أصبح التخصص العلمي اليوم من أهم الشروط التي يجب أن تتوافر في المعلم وأصبحت هناك كليات علمية يتم فيها إعداد المعلم إعدادا تخصصيا في مجال علمي واحد وهذه من أهم الواجبات العصرية وذلك لمواكبة الانفجار المعرفي.

والدين الإسلامي يدعونا إلى إتقان التخصص والتزود بالعلم وكان هناك من الصحابة من تخصص في مجال واحد حاز فيه السبق على غيره بل أصبح سيد ذلك المجال فإليه تساق الفتيا في مجاله وتخصصه وعنده تجتمع المسائل لحلها.

وقضية التخصص المعرفي في بعض الجوانب الشرعية الإسلامية ظهر منذ عهد النبي e فقد كان يراعي ذلك في أصحابه ويعرف لكل واحد من أصحابه تميزه في علم من العلوم وربما يظهر الرسول الله e ذلك أو يشيد به في بعض الأوقات ومثال ذلك قوله e ((استقرئوا القرآن من أربعة: عبد الله – ابن مسعود – وسالم مولى أبى حذيفة وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل)) ([109]). وقد أدرك التابعون ذلك فلزم الكثير منهم ابن مسعود واخذوا القرآن منه.

ثم إن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كانوا يحددون هذه التخصصات العلمية فهذا عمر يخطب بالجابية – قرية جنوب دمشق – قال فيها: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أُبي بن كعب ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن حارث، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازناً وقاسماً...([110]).

وصحابةً كانوا يعرفون لبعضهم مزية التخصص فلم يكونوا يزاحمون بعضهم بعضا في ذلك وكانوا يرضون بهذا التمييز ويقدرون ذلك لبعضهم البعض فهذا للقيادة أو للأمارة لما وهبه الله من قدرة وتنظيم، فهذا للقضاء والفتوى، وهذا للقصص والوعظ، وهذا لتدريس حديث الرسول الله e وآخر للتفسير والمغازي...([111]).

 فلكل واحد من البشر مؤهلاته وقدراته التي وهبها الله إياه ليحصل للإنسان بعض التمييز عن غيره و لتقوم بذلك مصالح الناس ويتخذ بعضهم بعضاً سخرياً كل في مجال موهبته وإبداعه، ولو كان الناس في الأمر سواسية لم يسُد منهم أحد ولا اختل نظام العيش بينهم.

ولقد كان من هدي رسول الله e ترغيب أصحابه في طلب العلم و حث المسلمين على التعلم والتعليم فعن أبي هريرة t قال: قال رسول e: (( من دخل مسجدنا هذا يتعلم خيراً أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له)) ([112]).

وعن عبد الله بن مسعود tقال: (نعم المجلس الذي تذكر فيه الحكمة) ([113]).

وهل بعد هذه الدعوة وتفضيل مجالس العلم والتفقه وحثه t على ذلك من فضل، إنها دعوة صريحة إلى تفضيل مجالس العلم والترغيب فيها فهي رياض الجنة كما وصفها رسول الله e فقال: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا يا رسول الله. فما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم)([114]).

ويورد ابن عبد البر في بهجة المجالس قول ابن مسعود t (الدراسة صلاة) وقول الحسن البصري يرحمه الله (انتقوا الإخوان، والأصحاب، والمجالس) ([115]).

ولقد دعا رسول الله e لمستمع العلم وحافظه ومبلغه وأجمل بها من نعمة أن يدخل المرء في دعاء رسول الله e ((فعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي r قال نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله و مناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم)) ([116]).

وعندما قرب اجله وكبر سنه كان يوصي أن يؤخذ عنه العلم يقول أحد تلاميذ وهو سليمان بن جابر الهجري عن ابن مسعود قال: ((قال رسول الله e تعلموا العلم وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان أحدا يفصل بينهما))([117]).

 

6-التواضع واللين لطلاب العلم:

   والمربي المسلم ليس من أخلاقه التكبر و التعالي على الناس قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}آل عمران159

وعن ابن مسعود t أن رسول الله r قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر))([118]).

ولقد كان من لين وتواضع ابن مسعود أن تلاميذه ومريده يفدون إليه في أي وقت و لم يكن يمنعهم من سؤاله و مراجعته في ذلك فعن عبد الله بن معقل بن مقرن قال دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: ((أنت سمعت النبي r يقول: الندم توبة قال: نعم 0)) ([119]).

وفي مسند الإمام احمد عن أبي وائل قال: غدونا على عبد الله بن مسعود ذات يوم بعد صلاة الغداة فسلمنا بالباب فأذن لنا فقال رجل من القوم قرأت المفصل البارحة كله فقال هذا كهذا الشعر إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرأ بهن رسول الله r ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم)) ([120]).

وروى مسلم في صحيحه رحمه الله عن عياض بن حمار t أن رسول الله r قال: ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد))([121]).

ومن المعلوم أن التواضع من الأخلاق الإسلامية التي حث عليه الشرع وامتدح المتصفين بها وان أفضل من تحلى بهذه السمة هم العلماء وطلبة العلم امتثالا لأمر الله وأمر رسوله فقد وصف الله رسوله rبان قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ á (الفتح20).

وقال تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } (الشعراء 215).

فالتواضع خلق إسلامي رفيع يجعل المربي المسلم قريبا من تلاميذه وأتباعه ويسهل عليهم الوصول إليه ومخاطبته بما يجول في صدورهم من التساؤلات((فعن زاذان قال: دخلت على عبد الله بن مسعود وقد سبق إلى مجلسه أصحاب الخز والديباج فقلت: أدنيت الناس واقصيتني فقال لي: ادن فأدناني حتى أقعدني على بساطه) ([122]).

وهاك نصيحة أحد العلماء المربين من السلف الصالح وهو الأجري رحمه الله إذ يقول: ((إذا نشر الله له الذكر عند المؤمنين – أي العالم – أنه من أهل العلم واحتاج الناس إلى ما عنده من العلم وألزم نفسه التواضع للعالم وغير العالم فأما تواضعه لمن هو مثله في العلم فإنها محبة تنبت له في قلوبهم فأحبوا قربه وإذا غاب عنهم حنت إليه قلوبهم و أما تواضعه للعلماء فواجب عليه إذا أراد العلم و أما تواضعه لمن هو دونه في العلم فشرف العلم له عند الله وعند أولي الألباب))([123]).

أن المعلم يجب عليه أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه.. ويخفض له جناحه ويلين له جانبه قال تعالى: â وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَá (الحجر88).

7-الترحيب بالمتعلم والبشاشة له:

كان ابن مسعود t إذا رأى الشباب يطلبون العلم: يقول: (مرحباً بينابيع الحكمة، ومصابيح الظلم، خلقان الثياب، جدد القلوب، حبس البيوت ريحان كل قبيلة) ([124]).

ولقد كان من أخلاق الصحابة رضي الله عنهم الفاضلة حسن استقبال المتعلم و الابتسامة في وجهه والبشاشة له، ولا غرابة فلقد ورثوا هذا الخلق من قدوتهم رسول الله e، فعن جرير بن عبد الله t قال: (ما حجبني النبي  eمنذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي)([125]).

إن القيم التربوية الإسلامية المستمدة من سنة المصطفى e تغنينا حقا عما سواها من القيم الوضعية المستوردة من ثقافات غربية أو شرقية، ففي القيم الإسلامية ما يصلح العالم والمتعلم وإذا كانت التجربة التربية الحديثة تنادي بالعناية بالمتعلم والأخذ بيده وتركيز العملية التعليمية عليه وتعد ذلك من أهم مبتكراتها، فإن التربية الإسلامية منذ يومها الأول في دار الأرقم ابن أبي الأرقم جعلت الفرد محور اهتمامها فقامت بتربيته و توجهه و تقويمه حتى بلغت به درجة الكمال البشري المنشود، ما يجعلنا نحن والعالم المعاصر بكل إنجازاته نقف أمامها وقفة إكبار وإعجاب لما وضعته من قيم ومبادئ تربوية تعطي المتعلم حقه في العملية التربوية و التعليمية.

وهذه وقفت تربوية نقتبسها من هدي النبوة يصفها لنا أحد أصحابه رضي الله عنهم فيقول: أتيت النبي e وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، فقال: ((مرحباً بطالب ‍العلم إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب)) ([126]).

فكان صفوان يفعل ذلك مع من يأتيه يطلب العلم ويسمع الحديث ويبشره بما بشره به من قبل رسول الله e.

وهذا أبو الدرداء عالم الشام ورائد التربية بها يقول عنه قيس بن كثير((قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء t وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك إلى أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن النبي e.

قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا قال: ما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم.

قال: فإني سمعت رسول الله e يقول (من سلك طريقا يطلب فيه علماً سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم …) ([127]).

ولقد كان رسول الله e يأمر أصحابه بأفضل الأخلاق فيقول: (علموا ويسروا، ولا تعسروا ـ ثلاثاً … وإذا غضبت فاسكت وإذا غضبت فاسكت) ([128]).

وعلى هذا درج الصحابة ومن بعدهم من علماء الإسلام على قبول وصية رسول الله e بالترحيب بالمتعلمين وإكرامهم وإعانتهم أدبياً ومادياً على الاستمرار في طلبهم للعلم ([129]).

إن تشجيع طالب العلم وامتداحه بما فيه من نبوغ و عزيمة وكشف لقدراته من مسؤوليات المعلم فهذا رسول الله e يمتدح أبا هريرة فيقول (لقد ظننت يا أبا هريرة أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث)([130]).

وكان من هديه e الممازحة والمداعبة لأنها تقرب القلوب وخاصة صغار التلاميذ فعن محمود بن ربيع – من صغار الصحابة - قال (عقلتُ من النبي e مجّة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو) ([131]) فهذا من رحمته e ولين جانبه والناظر إلى أثر هذه المداعبة في نفس هذا الصبي كانت من أعظم الآثار التي عقلها من رسول الله e.

وقال عبد الله بن مسعود t (ينبغي لحامل القرآن أن يكون عليما حكيما مستكيناً)([132]).

ولا يعنى ذلك أن يفقد المعلم الهيبة والوقار بكثرة مزاحه بل عليه أن يدرك أن ذلك منوط بالموقف التربوي الذي يهدف إلى تحقيقه بل إن من سمات المعلم المسلم الوقار والهيبة وأن يجله تلاميذه لعلمه وورعه ومنزلته فهذا الأوزاعي رحمه الله يقول: (كنا نضحك ونمزح فلما صرنا يقتدي بنا خشيت ألا يسعنا التبسم)([133]).

وقال علي t : (لا تخلطوا العلم بالضحك فتمجه القلوب)([134]).

8- التربية بالعمل:

قال البخاري رحمه الله: (باب من سجد لسجود القارئ. قال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال اسجد فإنك إمامنا فيها)([135]).

هذا موقف تربوي لابن مسعود مع أحد تلاميذه (تميم بن حذلم) وهو غلام يتعلم القران في حلقة ابن مسعود فيرشده إلى سجود التلاوة وانه إمام لمعلمه في السجود ثم يسجد معه وفي هذا اكبر الأثر في رفع معنوية هذا التلميذ و أفضل وسيلة لتوصيل المعرفة إلى قلب تلميذه.

ولم يكن هذا الموقف الوحيد لابن مسعود t مع تلاميذه فهذا تلميذ أخر يذكر لنا نفس الموقف التربوي فيقول: (باب من سجد لسجود القارئ. قال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال اسجد فإنك إمامنا فيها)([136]).

 

 

 9-  فليقل لا اعلم:

هذه وصية لكل العلماء والمربين بأنهم إذا جهلوا شيئا ألا يستنكفوا أن يقولوا: ((لا أعلم)) فكثير من المربين قد يدخله شيء من الكبر أو العجب فيقول بغير علم فيزل و يغلط وربما نقل عنه ذلك فيزيد به الضرر، ولا يستطيع أحد أن يدعي معرفة كل شيء قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء36).

فعن مسروق تلميذه قال: ((دخلنا على عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم.قال الله عز وجل لنبيه r: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين..)) ([137]).

وعن عمران بن الجعد قال: (قال ابن مسعود t: إن الناس قد أحسنوا القول كلهم فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله عمله فإنما يوبخ نفسه) ([138]).

10- يفاخر بتلاميذه:

لعل من أهم أساليب التربية التي تدفع الناشئة إلى التفوق والمثابرة ما نسميه بالحوافز والتشجيع المادي والمعنوي والتي لا غنى عنها لدى المربي الناجح وهي أمور محببة لدى النفس البشرية فالإنسان بطبعه يحب الثناء والمديح وخاصة ممن يظن بهم خيرا كالعلماء والمربين حيث ((يرفع المربي الناشئ عند الأقران والناس، بمدحه أمامهم والثناء على سلوكه، أو بعض الجوانب الموجودة عنده، مع ضرورة علمه وإطلاعه على ذلك، ويكون ذلك أيضا بتسجيل اسمه في لوحة الشرف إن كان ذلك في المدرسة، أو منحه شهادة تفوق، أو وضع شارات أو نجوم وهذا خاص بالأطفال الصغار غالبا))([139]).

وهذا ابن مسعود t يمارس هذا الأسلوب التربوي الرائد مع تلاميذه فعن علقمة قال: كنا جلوسا مع ابن مسعود فجاء خباب فقال: يا أبا عبد الرحمن أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرأوا كما تقرأ.قال ابن مسعود: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك. قال: أجل. قال اقرأ يا علقمة. فقال: زيد بن حدير- أحد تلاميذه - أخو زياد بن حدير أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا. قال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي r في قومك وقومه. فقرأت خمسين آية من سورة مريم.فقال: عبد الله كيف ترى.قال: قد أحسن. قال: عبد الله ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرؤه ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى. قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه ([140]).

وهذا الصحابي الجليل خباب بن الأرت يسأل ابن مسعود عن مدى حفظ تلاميذه واستفادتهم منه فيجيبه بأن أضعف تلاميذه يتقن القران كاملا ويحفظ كل ما يحفظه أستاذه ابن مسعود ثم يأمر التلميذ بأن يقرا في حضرة خباب t ويطلب منه أن يقوم هذا التلميذ ويصدر خباب تقويمه ((لقد أحسن)).

قال ابن حجر في فتح الباري: قوله: (ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرأه) يعني علقمة، وهي منقبة عظيمة لعلقمة حيث شهد له ابن مسعود أنه مثله في القراءة ([141]).

11-مراعاة قدرات المتعلمين والتدرج بهم:

من الأساليب التربوية التي يتبعها عبد الله بن مسعود t التدرج بتلاميذه في تعليمه لكتاب الله والعمل به، وهذا الأسلوب اقتبسه من المعلم الأول رسول الله e،حيث كان من طرقه في تعليم الصحابة القصد بهم فعن عبد الله بن مسعود t قال: كان رسول الله e ((يقرئهم العشر، فلا يجاوزها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمنا القرآن والعمل جميعا))([142]).

إذا يجب أن يعطى المتعلم من العلم القدر الملائم وأن تراعى ظروفه الحسية والنفسية والبيئة ولا يكثر عليه التكاليف فينفر ويعرض عن التعلم أو يتكاسل ويتهاون في أداء ما طلب منه.

والملاحظ أن الشريعة الإسلامية راعت هذا المبدأ فكانت جميع أحكامها تنزل تدريجا وتأخذ بالناس من البسيط إلى الأمر العظيم وتراعي حالة الناس لتخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ومن البداوة إلى التحضر ومن الجهل إلى العلم ومن النفرة إلى الألفة ومن التشرذم القبلي إلى الوحدة الإسلامية العظمى.

والتدرج في العلم مطلب رئيس حيث يتدرج المعلم بالمتعلم من البسيط إلى المركب ومن المعلوم إلى الخفي ومن صغار العلم إلى بناء المسائل وكل ذلك يراعي فيه قدرة المتعلم العقلية والجسدية ([143]).

ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه (باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا))([144]).

فقد كان من هدي السلف مراعاة أحوال و عقول السامعين فعن عبد الله بن عتبة أن ابن مسعود t قال: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْما حَدِيثا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ([145]). إن مراعاة قدرات السامع العقلية و ثقافته و النزول إلى مستوى فهمه وإدراكه ومخاطبته بما يعقل وخاصة في الأمور المجردة و القضايا الغيبية التي قد يصعب عليه فهمها أو تصورها ومما قد يجلب له التأويل الفاسد في القول أو العمل.

وعن عَلِيّ بن أبي طالب t قال: ((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) ([146]).

قال في فتح الباري: ((”بما يعرفون” أي يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره ” ودعوا ما ينكرون ” أي يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب..، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم))([147]).

وإن من دواعي نجاح المربين والدعاة مراعاة مشاعر وأحوال السامعين و مدى تعلقهم بدرسهم وإقبالهم إليه، حيث النفوس تمل من الإطالة وتأنس بالإيجاز و تكره التكرار و الترديد، ولذلك كان من حسن أساليب الإلقاء أن تترك المستمعين وهم في شوق إلى سماع حديثك.

فعن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي r كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه (لوعده العاد) أي لو عد كلمات حديثه.(لأحصاه) لقدر على الإحاطة بعدده لقلة كلماته)([148]).

ومن أقوال ابن مسعود التربوية الخالدة في هذا الجانب:((إن للقلوب شهوة و إقبالاً وإن للقلوب فترة وإدبارا. فاغتنموها عند شهوتها، ودعوها عند نفرتها وإدبارها))([149]).

ولهذا كان ابن مسعود t لا يحدث إلا يوم الخميس من كل أسبوع.

ومن المعلوم أن ترفع العالم عن مخالطة السفهاء و طرقه لأبواب المسألة يضعف من مكانته وهيبته وقدره عن الناس فعن الضحاك بن مزاحم عن الأسود قال: قال عبد الله بن مسعود t: ((لو أن أهل العلم صانوا علمهم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا على أهلها، سمعت نبيكم r يقول من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم أخرته ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك ([150]))).

 وعلى المربي المسلم البعد عن المعصية فإنها تطفئ نور العلم وتذهب بهيبة العالم قال عبد الله بن مسعود t: ((إني لأحسب الرجل ينسي العلم بالخطيئة يعملها وإن العالم من يخشى الله))([151]).

وعن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود (ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله) ([152]).

12- صبره على المتعلم

روى ابن أبي شيبة في مصنفه ([153]) طرفا من أخبار ابن مسعودt مع تلاميذه وصبره عليهم وتعليمهم أمور دينهم وقراءة القرآن ورواية أحاديث رسول الله e فهو يستقبلهم على اختلاف أسنانهم فتجد في حلقته الابن وأباه يتعلمان من ابن مسعود t وهو معهم منبسط السريرة مسرور الحال مشفق عليهم وعلى تربيتهم وذكر في ذلك الآثار التالية: فعن أبي عبد الرحمن السلمي أحد تلاميذ ابن مسعود t ومن روى عنه صفة الصلاة على النبي e  قال : (( كنا نتعلم التشهد كما نتعلم السورة من القرآن.)) وقال الأسود: رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله بن مسعود t كما يتعلم السورة من القرآن.

وعن إبراهيم قال: كانوا يحفظون هذا التشهد تشهد عبد الله بن مسعود t ويتبعون حروفه حرفا حرفا.   

وعن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود t قال كان رسول الله e يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن.   

وعن عمير بن سعد النخعي قال أتيت ابن مسعود مع أبي فعلمنا هذا التشهد يعني تشهد عبد الله، و عن الضحاك عن ابن مسعود قال ما كنا نكتب في عهد رسول الله e من الأحاديث إلا الاستخارة والتشهد. 

وعن الأسود قال كان عبد الله بن مسعود t يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن يأخذ علينا الألف والواو))([154]).

ومن صبره على تعليم القرآن وإتقانه ما نقله لنا زر بن حبيش فقال: ((قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه ولم يكسر فقال عبد الله طه وكسر الطاء والهاء فقال الرجل طه ولم يكسر فقال عبد الله طه وكسر الطاء والهاء فقال الرجل طه ولم يكسر فقال عبد الله طه وكسر ثم قال هكذا علمني رسول الله)) ([155]).

13-توقيت الدرس:

إن اختيار الوقت المناسب لتعليم الناس أو دعوتهم من أهم ركائز التربية حيث النفوس تكون مهيأة للأخذ منه والانتفاع بما يستمعون من العلم، ولهذا كان السلف الصالح يتخيرون الوقت المناسب للتعليم والتوجيه والدعوة، وعبد الله بن مسعود t كان ممن يتحين الأوقات التي تناسب حال الناس ومشاغلهم ولهذا لم يكن يكثر عليهم الدرس بل كان يتخولهم بالدرس والموعظة حتى لا يملوا ولهذا كان له مجلس أسبوعيا عاما لكل الناس يوم الخميس وهو في فعله هذا مستدل بهدي رسول الله r عن أبي وائل قال: ((كان عبدُ اللّهِ يُذَكِّرُ الناسَ في كلِّ خَمِيسٍ، فقال له رجُل: يا أبا عبدِ الرحم?نِ لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكرْتَنا كلَّ يَوْمٍ؟ قال: أما إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ أَنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ، وإنِّي أَتَخوَّلُكُمْ بالمَوْعِظةِ، كما كانَ النبيُّ r يَتَخَوَّلُنا بها، مَخافَةَ السَّآمَةِ علينا))([156]).

لقد وصف مسروق علم ابن مسعود والعلماء من الصحابة فقال: ((لقد جالست أصحاب محمد فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ))([157]). وطبيعي أن يكون ابن مسعود من أكثر الصحابة ملازمة للرسول وأخذا بسنته وعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: ((كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللّهِ نَنْتَظِرُهُ. فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ. فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللّهِ. فَقَالَ: إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ. فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ. إِنَّ رَسُولَ اللّهِ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ. مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا))([158]).

قال النووي: ((أي يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم، وفي هذا الحديث الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت مقصودها)) ([159]).

يقول محمود شلبي: ((هذا الحديث الرائع نموذج فذ لعبقرية ابن مسعود وأنه كان أهلا للتعليم والإرشاد والتوجيه أحسن توجيه.. رجل يرجوه أن يذكرهم كل يوم.. أن يجعل لهم حديثا يوميا.. كان جواب العبقري الفقيه.. ((إني أكره أن أملكم))([160]).

وذكر عمرو بن ميمون فقال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه. قال ((فما سمعته يقول بشيء قط قال رسول الله r فلما كان ذات عشية قال: - قال رسول الله r. قال: فنكس. قال فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه. قال أو دون ذلك. أو فوق ذلك. أو قريبا من ذلك. أو شبيها بذلك)) ([161]).

14-التفنن في الإلقاء:

لقد كان من هدي أصحاب رسول eالاختصار والإيجاز وهذا ما اشتهر به ابن مسعود t في خطبه و درسه فقد ذكر ابن الجوزي ذلك من أساليب الوعظ والقصص فقال: (كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلام، فيسكت حين يسكت ونحن نشتهي أن يزيدنا)([162]).

ومن وصايا ابن مسعود t في مراعاة حالة المتلقي ما ذكره صاحب جامع بيان العلم وفضله إذ قال:  ((حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم فإذا رأيت منهم فترة فانزع)) ([163]).

ومن أساليب الإلقاء مراعاة أحوال السامعين و تعلق أعينهم و عقولهم بالملقي وذلك دليل على رغبتهم في استماع وقبولهم للمتحدث قال ابن مسعود t: ((حدث القوم ما أقبلت عليك قلوبهم فإذا انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم. قيل له وما علامة ذلك؟ قال إذا أحدقوك بأبصارهم فإذا تثاءبوا واتكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم فلا تحدثهم))([164]).

وعلى المربي المسلم أن ينوع في تدريسه وأن ينقل طلابه من أيكة إلى أيكة ومن جدول دفاق إلى ظل وارف حتى لا يملوا حديثه بل ويستعذبون مورده ويطلبون المزيد منه فهم لا يملونه ولا يسأمونه وهذا هو المنهج الرباني في الخطاب القرآني فكان تنجيماً على ثلاث وعشرين حجة ولم ينزل دفعه واحدة وكان الرسول والصحابة ينتظرون الوحي بفارغ الصبر ويفرحون بنزوله ويتبارون في حفظه وفهمه وترتيله وكذلك كان حالهم مع حديث الرسول e فهم إليه أسرع من الظمآن إلى ماء الزلال ([165]).

فلم يكن صلاة الله عليه وسلامه يكثر من النصوص في المجلس الواحد بل كان ينجم حديثه على أصحابه حتى إن عائشة أم المؤمنين كانت تعاتب أبا هريرة t على سرده للحديث فعن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت:) ألا يعجبك أبو هريرة، جاء يجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن الرسول e يسمعني، وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه – إن الرسول e لم يكن يسرد الحديث كسردكم) ([166]).

ويقول ابن عباس t: (حدث الناس كل جمعة فإن أكثرت فمرتين فإن أكثرت فثلاث ولا تمل الناس من هذا القرآن ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم. وقال: أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه وإياك والسجع في الدعاء فإني عهدت رسول الله e و أصحابه لا يفعلونه)([167]).

ثم إن الإلقاء الممتع يجذب المتعلم ويؤثر فيه ففي (أخبار مكة) للفاكهي أن (ابن عمر t كان يجلس إلى عبيد الله بن عمير، وعبيد الله يقص خلف المقام، فرأيت عيني ابن عمر تذرفان دمعاً وهو يقول لله درك يا ابن قتادة)) ([168]).

إن على المربي ألا يطيل الحديث ويطنب في الحواشي والشروح فيفسد اللب ويذهب بالأصل فيمله السامع أما معلم اليوم فإن حال القائل معه ليته سكت.

ولهذا يجب على المعلم أن يكون ذا معرفة تامة بحالة التلاميذ ومدى إقبالهم وعلامات إعراضهم عن العملية التعليمية لما اعتراهم من التعب فحينها يجب على المربي أن يعطيه وقتاً للراحة أو صرفه من مكان التعليم.

ولهذا كان الخطيب البغدادي يرى كراهية التحديث لمن عارضه الكسل والفتور لأن حالته ليست مقبلة على التعلم فيقول ((حق الفائدة ألا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت فإن بعض الأدباء قال: (نشاط القائل على قدر فهم السامع)([169]).

وهذه بحق قاعدة تربوية يجب إدراكها ((نشاط القائل على قدر فهم السامع)) وكما قيل لكل مقام مقال.

وعدم رفع الصوت أكثر من الحاجة أو خفضه خفضا لا يجعل معه كمال الفائدة بل يجب أن يكون صوته متوسطا بحيث لا يجاوز مجلسه وقد يكون رأي أبي عالية التربوي مفيدا في عصرنا هذا عند الوقوف إلى جانب اللوحة (سبورة ) وعدم العبث بالألوان والطباشير والتحرز منها لا تقع على الوجه عند مسح العرق أو على الملابس مما يكون فيه توسيخ للملبس أو المنظر وعليه أن يقف أو يجلس في مكان بارز للجميع ولا يتعب التلاميذ في رؤيته ومتابعته...([170]).

ولا يقصر عنه سماع الحاضرين ([171]).

وقال أبو عالية: ((حدث القوم ما حملوا قيل له ما(حملوا) قال ما نشطوا...وليصن بدنه عن الزحف و التنقل عن مكانه ويديه عن العبث والتشبيك بها وعينه عن تفريق النظر بغير حاجة وتجنب المزاح وكثرة الضحك)) ([172]).

15-فضل الاستذكار والمناقشة:

ذكر ابن عبد البر بعض الأقوال في فضل الاستذكار والمناقشة في طلب العلم فقال: سمعت علقمة يقول تذاكروا الحديث فإن إحياءه ذكره وقال ابن مسعود تذاكروا الحديث فإنه يهيج بعضه بعضا وذكر ابن أبي شيبة قال أخبرنا ابن فضيل عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء أنه كان يأتي صبيان الكتاب فيعرض عليهم حديثه كي لا ينسى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا عيسى بن المسيب قال: سمعت إبراهيم يقول:إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه ولو أن تحدث به من لا يشتهيه فإنه يكون كالكتاب في صدرك، قال وحدثنا ابن فضيل عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إحياء الحديث مذاكرته فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله كم من حديث أحييته في صدري)([173]).

ويقول عبدالله بن مسعود t :((تذكروا الحديث فإن ذكر الحديث حياته))([174]).

وعن عبد الرحمن ابن القاسم المسعودي قال: قال ابن مسعود: ((إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعلمه، يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم، ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم.. فهناك يقبل ما تقول و يقتدي بالعلم منك وينفع التعليم.. تصف الدواء لذي السقام من الضنا كيما يصح به وأنت سقيم.. واراك تلقح بالرشاد عقولنا نصحا وأنت من الرشاد عديم.. لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم))([175]).

ولابن مسعود t قوله: (كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا له رواة فإنه قد يرعوى ولا يروى ولا يرعوى)([176]).

وعن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود (تعلموا فإذا علمتم فاعملوا) ([177]).

وعن زر بن حبيش –أحد تلاميذه - عن عبد الله بن مسعود ((أنه كان يقول اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك)) ([178]).

16-استخدام الوسائل المعينة في الشرح:

عن عبدِ اللّه بن مسعود t قال: ((خَطَّ النبيُّ e خَطاً مُرَبعاً، وخط خَطاً في الوسَطِ خارجاً منه، وخط خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسَط من جانبهِ الذي في الوسط وقال: هذا الإِنسان؛ وهذا أجَلهُ محيطٌ به ـ أو قد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أمَله، وهذه الخُططُ الصغارُ الأعراض، فإن أخْطأهُ هذا نهشَهُ هذا، وإن أخطأهُ هذا نهشَهُ هذا» ([179]).

وعن عبد الله t قال: خطّ رسول الله e خطّاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً، قال: ثم خطّ عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}»([180]).

ولم يكتف t بلفظ الحديث فقط بل اتبعه برسم الخط على الأرض ويبين لهم ذلك عمليا ليجمع لهم بين اللفظ والرسم ليحصل به التعلم المفيد.



 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

مواقف تربوية عامة

 


1- دعوته إلى الاعتصام بجماعة المسلمين:

يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران 103.

وروى الإمام ابن جرير في تفسيره عن عبد الله بن مسعود t في قوله تعالى:
? واعتصموا بحبل الله جميعاً ? قال: حبل الله: الجماعة..وروى أيضاً - رحمه الله - في تفسيره عن ابن مسعود t أنه قال: ((يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به, وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة)) ([181]).

لقد كان في عصر ابن مسعود t من القلاقل والفتن ما يوازي غيره من العصور الإسلامية التي اضطربت فيها الأمور وسادت الفتن، وخاصة بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t، ولهذا كان ابن مسعود يدعو الناس إلى الاعتصام بالإسلام ونبذ الفتن والفرقة، وكان يربى الناس في دروسه وخطبه على الاعتصام بجماعة المسلمين.

وفي أحكام القرآن للقرطبي عن عبد الله بن مسعود t: قال:(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) قال: الجماعة, روي عنه وعن غيره من وجوه, والمعنى كله مُتداخل, فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة, فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة.

ورحم الله ابن المبارك حيث قال: (( إن الجماعـة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى )) ([182]).

2-تعديل السلوكيات المنحرفة عند الناس:

إن المربي القدير هو من يدرك بوادر الانحرافات لدى المجتمع ويحاول إصلاحها وتعديلها قبل أن تتمكن هذه الانحرافات من سلوك الناس وتصبح من الأمور المعتاد عليها، وحينها تصبح لها قيمة سلوكية مقبولة لدى طائفة من الناس فيصعب حينها نهي الناس عنها أو اقتلاعها من نفوس الناس، وهذا محصل بالطبع مع تلك الفئة التي حاول عبد الله بن مسعود t إصلاحها وردها إلى الجادة وتعديل تلك السلوكيات التي اختلطت بالدين لسوء فهمهم لنصوص الشرع وتفسيرها مما خلق تيارا منحرفا هم (الخوارج) وكان ابن مسعود t قد ارشد فئة منهم بعد طول جدال، ولكن البعض الآخر كان بعيدا عن نصح و توجيهات ابن مسعود t.

وفي هذا الخبر الذي بين أيدينا دليل على حرص صحابة رسول الله e على تربية الناس وتحذيرهم من الانحراف في فهم الشرع ومخالفة هدي الرسول e وصحابته من بعده فهذا أبو موسى الأشعري t يستنجد بابن مسعود t للوقوف أمام هذه الظاهرة.

((فعن عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني قال: حدثني أبي قال: كنا جلوسا على باب عبد الله بن مسعود ننتظر أن يخرج إلينا فإذا أبو موسى الأشعري فقال: لم يخرج إليكم أبو عبد الرحمن قلنا: ولا فجلس معنا حتى خرج عبد الله فلما خرج عبد الله قمنا إليه.

فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت آنفا في المسجد أمرا أنكرته قال فما رأيت..قال: رأيت في المسجد حلقاً جلوساً في كل حلقة رجل وفي يده حصى يقول سبحوا مائة فيسبحون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة.

قال: فما قلت لهم.قال: ما قلت لهم شيئا أنتظر رأيك. قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا تضيع من حسناتهم شيء.قال: فمضى ومضينا معه حتى انتهينا إلى حلقة من تلك الحلق.قال: فماذا في أيديكم.قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح.قال: تخافون أن لا يضيع من حسناتكم شيء عدوا سيئاتكم وأنا ضامن لحسناتكم أن لا يضيع منها شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم r متوافرون وهذه آنيته لم تكسر وثيابه لم تبل، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد r أو مفتتحون باب ضلالة. قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.قال: كم من يريد الخير لا يصيبه، إن رسول الله r حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. قال: عمرو بن سلمة فرأينا عامة أهل تلك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج.))([183]).

3-مناظرة النساء وتربيتهن:

لم يكن جهد ابن مسعود t مقتصرا على الرجال بل كان يصل إلى النساء وكان يفتيهن و يحاورهن فيما أشكل عليهن وربما فتح بابه ليتعلمن من أهل بيته، فهذه امرأة قارئة للقرآن تنكر على ابن مسعود حديثا يقوله عن رسول الله فتقف تراجعه فيه ثم تهتدي إلى الحق:

روى البخاري في صحيحه عن علقمة عن عبد الله قال: ((لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب.فجاءت فقالت إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت.فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله r ومن هو في كتاب الله.فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). قالت:بلى قال:فإنه قد نهى عنه.قالت:فإني أرى أهلك يفعلونه.قال: فاذهبي فانظري فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا.فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها)) ([184]).

ثم يختم موقفه بان يأمرها أن تذهب إلى زوجه (زينب بنت عبد الله الثقفية) فتنظر إن كانت تخالف هدي رسول الله t ولكنها لا تجد شيئا من ذلك، ثم يؤكد لها أن زوجه لا تفعل شيء فيه معصية لله ورسوله ولو أن أهله خالفوا ذلك الهدي لكان الطلاق منه.

4-توجيهه التربوي لعامة للناس:

كان من هديه t أنه يوجه الناس ويربيهم على فضائل الأخلاق ويأمرهم بتطبيق شرائع الإسلام، وكان يقوم بدور العالم المخالط للناس المطلع على أحوالهم، وربما قام بتوجيه بعض الآباء بتربية أولادهم على الصلاة وتعويدهم عليها، ومن ذلك مارواه تلميذه أبو الأحوص قال كان عبد الله بن مسعود  t يذكرنا فيقول: ((حافظوا على أولادكم في الصلاة وعلموهم الخير فإنما الخير عادة))([185]).

وكم نحن اليوم في حاجة إلى مثل هذه النصائح و التوجهات، حيث نرى كثيرا من الآباء يهملون تربية أولادهم وخاصة عند أداء الصلاة فقد تجد الرجل منهم يحافظ على صلاة الجماعة في المسجد، ولكنه يترك أبناءه خلفه في البيت أو في الشارع دون أن يصطحبهم إلى المسجد وأمرهم بالصلاة، أما إهمال تربية البنات وعدم حثهن على الصلاة في وقتها فهذا ما تعانيه كثير من الأسر اليوم فالآباء نادرا ما يسألون بناتهم هل أدين الصلاة في وقتها وهل أحسن الوضوء لها وهل يقمن أركان الصلاة و واجباتها، إنها لفتة تربوية عظمية من صحابي جليل يرى وجوب تربية الأبناء على تعاليم الإسلام.

والإسلام يحثنا على القيام بمسؤولية التربية ورعاية الأسرة فعن عبدِ اللهِ t أنَّ رسولَ اللهِ r قال: «كلُّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه: فالأميرُ الذي على الناسِ فهو راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم، والرَّجُلُ راعٍ على أهلِ بَيتِه وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بَيتِ بَعْلِها ووَلدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، والعَبدُ راعٍ على مالِ سيِّدِهِ وهو مَسؤول عنه. ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتهِ» ([186]).

ومن النصائح التربوية الموجهة إلى الأبناء فقوله: ((عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتك))([187]).

إن احترام خصوصيات النساء وعدم كشف عوراتهن ووجوب الأستئذان عليهن حتى وان كن أمهات أو أخوات دليل على حرص الإسلام على تربية المجتمع على العفاف والطهر واحترام خصوصيات الناس وعدم كشف العورات وهذا ما نص عليه القران في وجوب الاستئذان على الوالدين وعدم دخول الأبناء المميزين عليهما إلا بأذن وخاصة في ساعات الخلوات والنوم.

ولقد ذكر ابن قدامة في كتاب التوابين موقفا تربويا رائعا لابن مسعود مع شاب من المسلمين كان يهوى الغناء، وكيف اثر فيه ابن مسعود t حين اعتنى بتوجهه وتربيته، حتى أصبح علما من أعلام الإسلام، وهذه قصة((توبة راذان الكندي)) فقد روي عن عبد الله بن مسعود t أنه مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة((فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون وفيهم مغن يقال له راذان يضرب ويغني وكان له صوت حسن، فلما سمع ذلك عبد الله قال ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله، وجعل الرداء على رأسه ومضى. فسمع راذان قوله فقال: من كان هذا قالوا عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله e قال وأي شيء قال: قالوا إنه قال ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى، فقام وضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل المنديل في عنق نفسه، وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود فاعتنقه عبد الله بن مسعود وجعل يبكي كل واحد منهما، ثم قال عبد الله كيف لا أحب من قد أحبه الله عز وجل، فتاب إلى الله عز وجل من ذنوبه، ولازم عبد الله بن مسعود حتى تعلم القرآن وأخذ حظا من العلم حتى صار إماما في العلم، وروى عن عبد الله بن مسعود وسلمان وغيرهما)) ([188]).

وبلغ من قرب هذا الفتى من ابن مسعودt وحظوته وعلمه أن قال عنه عبدالله بن السايب عن راذان قال: ((سألت ابن مسعود عن أشياء ما أحد يسأله عنها))([189]).

ومن توجيهاته العامة ما ذكره الذهبي عن سالم بن أبي الجعد جاء رجل إلى ابن مسعودt فقال: ((إن الله قد أمننا من أن يظلمنا،ولم يؤمننا من أن يفتننا، رأيت إن أدركت فتنة قال عليك بكتاب الله، قال أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله، قال سمعت رسول الله r يقول إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق)) ([190]).

5-حثه على إجلال العلم والعلماء:

لقد كان عبد الله بن مسعود t يجل كبار الصحابة و علمائهم ويرفع من منزلتهم وسابقتهم إلى الإسلام فقد كان عبد الله ابن مسعود يقول عن عمر بن الخطاب:t ((لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة ميزان ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر)) وقال فيه: ((إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم))([191]).

وكان عبد الله بن مسعود t وهو الذي شهد له النبي e بأنه:((غلام معلم))([192]) وكان يقول: لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلك عمر وادياً وشعباً، لسلكت وادي عمر وشعبه ([193]).

وقوله في ابن عباس t:((نعم ترجمان القرآن ابن عباس)) ([194]).

و ابن عباس من أشهر الصحابة وأكثرهم قولا في التفسير لما أتاه الله من العلم والمعرفة بلغة العرب وشعرهم وببركة دعاء الرسول الله e ((اللهم علمه الكتاب والحكمة)) وفي راويه ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))([195]).

وكان ابن مسعود t يقول : (إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم إمام الناس) ([196]).

وكان t يقول: (أخلائي من أصحاب رسول الله e ثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة)([197]).

إن احترام أهل العلم والعلماء وإنزالهم منزلتهم من أسباب نهوض الأمم وتقدمها فللعالم والمربي حق على المجتمع يجب أن يصان لهما، ولهذا يجب سن القوانين والأنظمة الاجتماعية التي ترفع من مكانة العلم والعلماء والمربين و أن نربي الأجيال على هذا الخلق الكريم، لنحبب لهم العلم وأهله.

وكان يدعو إلى تلقي العلم من العلماء المخلصين فعن قتادة قال: قال ابن مسعود ((من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد r فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا و أقومها هديا و أحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبه نبيه r وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم))([198]).

إن هذه الدعوة الخالدة التي أطلقها هذا الصحابي الفذ هي قانون اجتماعي يجب على الأمة الأخذ به في كل زمان ومكان من أجل صلاحها وبقائها على الحق منصورة وخاصة وإن هدي السلف الصالح محفوظ لنا منقى من الشوائب سهل الفهم يسير التطبيق.

وعلى التربية الحديثة في بلاد المسلمين أن تأخذ من معين السلف الصالح وان تترك لهثها وراء المدارس الغربية التي تتخبط في برامجها التربوية، وان تعود إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله e وهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم.

إن المتأمل للتراث التربوي الذي خلفه هذا الصحابي الجليل يدرك قدر التربية في عصره و تميزها في طرحها و أساليبها التربوية القريبة من طبيعة النفس البشرية، لهذا كان لها تأثيرها وأثرها على المتلقي مما خلق بيئة تربوية متكاملة الجوانب، كان للمعلم فيها الحظ الأوفر من الإعداد التربوي لطلابه و إشرافه المباشر و الأبوي عليهم، مما جعل لهذه المدرسة التربوية والتي رائدها صاحب رسول الله e عبد الله بن مسعود t الخلود والانتشار و أصبحت منبرا يهتدى به على مر العصور.

وفي الختام لا ادعي الإلمام الكامل بهذه المدرسة ولكن حسبي أنني فتحت الباب أمام المهتمين بالتربية الإسلامية للتعرف على رائد من رواد التاريخ التربوي الإسلامي الخالد وعليهم أن يبادروا إلى دراسة الجوانب المختلفة لهذه المدرسة التربوية ليتسنى لنا أخذ العبرة والقدوة من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعا و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

نتائج وتوصيات الدراسة

1- اهتمام الصحابة رضي الله عنهم جميعا بالتربية وخاصة عبد الله بن مسعودt إذ وقف حياته على ذلك حتى أثمرت هذا الجهد بثلة من علماء التابعين الكبرى.

2- أثر ابن مسعودt وتلاميذه في الفكر الإسلامي عامة و الفكر التربوي خاصة كان كبيرا يجب أن تفرد له الدراسة والبحث.

3- تجلى فكر عبد الله بن مسعودt في مخالطته للناس ووقوفه على الواقع وقربه من الناس مما احدث تأثيرا كبيرا في البيئة الإسلامية في العراق مما جعلها مركزا علميا متميزا في التاريخ الإسلامي.

4- شمولية الفكر التربوي عند ابن مسعودt لجميع جوانب التنشئة التربوية والاجتماعية والدينية.

5- وجوب إفراد دراسات في الفكر التربوي لدى العديد من الصحابة وخاصة الذين اهتموا بالتربية والتعليم كأبي هريرة t، وأبي موسى الأشعري t، وأبي الدرداء t، وابن عباس t وغيرهم. من أجل إثراء المكتبة التربوية الإسلامية.

 


المراجــع

1-         القران الكريم

2-         ابن أبي شيبة: عبد الله بن محمد، الكتاب المصنف في الأحاديث، الدار السلفية، بومباي

3-         ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق، محمد عاشور و محمد البنا، دار الشعب 1970م

4-         ابن الجوزي: أبو عبد الرحمن، صفوة الصفوة، دار المعرفة، بيروت، 1399هـ ط الثانية

5-         ..............: القصاص والمذكرين، تحقيق محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي.دمشق

6-    ابن الصلاح: أبو عمر عثمان بن الصلاح، مقدمة ابن الصلاح، دار الفكر المعاصر، بيروت 1392هـ، تحقيق نور الدين عتر، ط الأولى.

7-    ابن تيمية: شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى، جمع عبدا لرحمن بن محمد العاصمي، مكتبة النهضة الحديثة مكة المكرمة توزيع رئاسة شؤون الحرمين الشريفين 1404هـ

8-         ابن جماعة: بدر الدين بن جماعة الكناني، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، دار الكتب العلمية. بيروت.

9-          ابن حجر العسقلاني: أبو الفضل احمد بن علي بن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، حيدر آباد الدكن سنة 1327هـ.

10-  ابن حجر: أبو الفضل احمد بن على بن حجر العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في حياة الصحابة، دار صادر، بيروت، مصور عن الطبعة الأولى 1328هـ مطبعة السعادة، القاهرة.

11-    ..............، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق. الشيخ عبد العزيز بن باز، دار الكتب العلمية بيروت. 1410هـ

12-    ابن حنبل: الإمام احمد بن حنبل، المسند، ط المكتب الإسلامي، بيروت –د ت

13-    ابن رجب: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي، جامع العلوم والحكم، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ

14-  ابن سعد: محمد بن سور بن منبع البصري، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية. تحقيق. محمد بن عبد القادر عطا، ط الثانية 1418هـ. بيروت.

15-    ابن عبد البر: يوسف بن عبد البر القرطبي، بهجة المجالس وانس المجالس، تحقيق محمد الخولي، دار الكتب العلمية بيروت. ط الأول.

16-    ..............، جامع بيان العلم وفضله، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ط الأولى 1415هـ

17-    ابن قتيبة، عيون الأخيار، دار الكتب المصرية 1930م.

18-    ابن قدامة، عبد الله بن احمد بن قدامه المقديسي، التوابين، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ تحقيق عبد القادر الارنؤوطي

19-    ابن قيم الجوزية: محمد بن أبي بكر الزرعي، أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

20-    ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تفسير القران، مكتبة المعارف ط الثانية 1977م الرياض.

21-    ..............، فضائل القران، بيروت، دت

22-    ابن هشام: عبد الملك، السيرة النبوية، دار المنار. ط الثانية 1413هـ مصر.

23-    أبو نعيم: احمد بن عبد الله الاصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، بيروت 1405هـ ط الرابعة.

24-    أبي طالب: مكي بن أبي طالب، كتاب التبصرة في القراءات السبع، الدار السلفية ن الطبعة الثانية 1402هـ بومباي الهند

25-    الآجري: أبو بكر محمد بن الحسين/ أخلاق العلماء، تحقيق فاروق حمادة. ط الثانية دار الثقافة 1404هـ.

26-    الأسمري: عبد الله بن حلفان، آداب المعلم في صدر الإسلام، دار الرشد الرياض 1425هـ

27-    أمين لأوي، أصول التربية الإسلامية، دار ابن الجوزي، الدمام، ط الأولى 1423هـ

28-    البخاري: محمد بت إسماعيل، الجامع الصحيح مع فتح الباري، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية

29-  البغدادي: الأمام الخطيب احمد بن علي بن ثابت، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ت د/ محمود الطحان. مكتبة المعارف، الرياض 1403هـ.

30-    ..............، الفقيه والمتفقه، صححه الشيخ إسماعيل الأنصاري، دار إحياء السنة النبوية. 1395هـ

31-    الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، الجامع (السنن) مع عارضة الاحوذي، دار الكتاب العرب، بيروت، د،ت.

32-  الحاكم النيسابوري: أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، دار المعرفة ومكتبة المطبوعات الإسلامية، محمد الأمين، بيروت.

33-    حلمي: محمد فودة و عبد الرحمن صالح، المرشد في كتابة الأبحاث، جدة دار الشروق 1410هـ.

34-       حمادة: فاروق، أسس العلم وضوابطه، دار طيبة، السعودية. ط الأولى 1417هـ

35-    الخزاعي: علي بن محمد بن مسعود، تخريج الدلالات السمعية، تحقيق. إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي – 1985م.

36-    الخطيب:أبو بكر الخطيب: الرحلة في طلب الحديث تحقيق نور الدين عتر، دار الكتب العلمية بيروت ط الأولى 1395هـ

37-    الدارمي: سنن الدار مي، تحقيق السيد المدني وفيصل أياد، الرياض، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية 1404هـ

38-     الذهبي: محمد بن احمد، سير أعلام النبلاء، دار الفكر، دت

39-    ذويقات: عبيدات و آخرون، البحث العلمي، مفهومه وأدواته و أساليبه، عمان دار الفكر 1407هـ.

40-    الراجحي: عبده، عبد الله بن سعود، دار الشعب القاهرة 1390-1970

41-    الشريف عون: منصور، مرويات ابن مسعود في الكتب الستة ومسند الأمام احمد، دار الشروق، جدة 1985م.

42-       شلبي: محمود، حياة عبد الله بن مسعود، دار الجيل بيروت 1414هـ-1995م

43-    الطبري: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل، دار المعارف بمصر، 1960

44-    ..............، تفسير الطبري، دار الفكر بيروت 1405هـ

45-       عبد الستار: سعيد الشيخ، عبد الله بن مسعود، دار القلم دمشق، ط الثانية 110هـ

46-    العساف: صالح بن حمد، المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية، الرياض، ط الأولى العبيكان للطباعة والنشر 1409هـ.

47-    الغزالي: أبو حامد بن محمد، إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى 1406هـ.

48-    الفاكهي: محمد بن إسحاق، أخبار مكة، تحقيق، عبد الملك بن دهيش، دار خضر، بيروت ط الثانية 1414هـ

49-  القرشي: عبد الله بن محمد أبو بكر، التواضع والخمول، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1409 – 1989، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا.

50-       القرضاوي: يوسف، الرسول والعلم، مؤسسة الرسالة، بيروت ط السابعة 1417هـ

51-    القرطبي: محمد بن احمد، الجامع الأحكام القران، مكتبة وهبة، مصر، 1987م

52-  القرطبي: محمد بن مكي بن أبي طالب، كتاب التبصرة في القراءات السبع، تحقيق. محمد غيث الندوي، الدار السلفية، بومباي الهند ط الثانية 1402 هـ.

53-    الكاندهلوي: محمد يوسف، حياة الصحابة، تحقيق نايف العباس، ومحمد على دولة، جار القلم، ط الثانية 1403هـ دمشق.

54-    مسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار ابن حزم، بيروت، ط الأولى 1416 هـ.

55-    المنذري: عبد العظيم بن عبد القوي، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، دار ابن كثير دمشق، ط الثانية 1417هـ

56-    المنقري: نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار إحياء التراث العربية القاهرة 1395هـ

57-    النسائي: أبو عبد الرحمن احمد بن سفيان، السنن الكبرى، تحقيق، عبد الغفار البندري، دار الكتب العلمية، بيروت 1411هـ.

58-       النووي، يحي بن شرف، شرح صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت 1398-1978.

59-    الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب بيروت، 1967م

 

 

 

 



الفهرس

الموضــــــوع

الصفحة

مقدمة الدراسة

5

تساؤلات البحث

8

أهداف البحث

8

أهمية البحث

8

مشكلة البحث

10

منهج البحث

11

الدراسات السابقة

11

المبحث الأول:حياته وصحبته

13

قصة إسلامه

15

أول لقاء مع الرسول

16

صفاته الجسمية

17

جهره بالقرآن

17

هجرته

18

قربه من الرسول e

18

جهاده يوم بدر

20

حكمته

21

أمنيته

21

وصيته

22

مرضه وفاته

22

تلاميذه

24

المبحث الثاني:مكانته العلمية

25

حفظه وإتقانه للقرآن الكريم

27

ابن مسعود إماما في القراءة

31

مكانته في التفسير والفقه

32

ابن مسعود والسنة النبوية

35

ابن مسعود معلما

38

المبحث الثالث: آراؤه وفكره التربوي

41

إلزامية التعليم

43

تربية الأتباع على السمع والطاعة والصبر

44

 توجيهه لتلاميذه في الفتن

45

منهجية تلقي العلم

46

حثه تلاميذه على طلب العلم

49

التواضع واللين لطلاب العلم

56

 الترحيب بالمتعلم والبشاشة له

58

تربية بالعمل

61

فليقل لا اعلم

62

يفاخر بتلاميذه

62

مراعاة قدرة المتعلمين والتدرج بهم

64

صبره على المتعلم

67

توقيت الدرس

68

التفنن في الإلقاء

70

فضل الاستذكار والمناقشة

73

استخدام الوسائل المعينة

74

المبحث الرابع: مواقف تربوية عامة

77

دعوته إلى الاعتصام بجماعة المسلمين

79

تعيل السلوكيات المنحرفة عند الناس

79

مناظرة النساء وتربيتهن

81

توجيهه تربوي لعامة الناس للناس

81

حثه على إجلال العلم والعلماء

83

نتائج و توصيات الدراسة

86

المراجع

87

الفهرس

93

 

 

 

 


([1]) البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، باب لا يشهد على شهادة زور،رقم الحديث، 26..

([2]) الراجحى: عبده، عبد الله بن مسعود، دار الشعب، القاهرة 197.م، ص1.7

([3]) أبو نعيم الاصبهاني، حلية الأولياء، دار الكتاب العربي، بيروت،  4/17.

([4]) ابن سعد: محمد بن سور بن منبع البصري، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية. تحقيق. محمد بن عبد القادر عطا، ط الثانية 1418هـ. بيروت، 1/118

[5]- مقدمة المحقق لكتاب، ابن جماعة: بدر الدين بن جماعة الكناني، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، دار الكتب العلمية، بيروت، دت.

[6] - عبيدات ذويقات و آخرون، البحث العلمي، مفهومه وأدواته و أساليبه، عمان دار الفكر 1407هـ، ص187

[7] - صالح بن حمد العساف، المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية، الرياض، ط الأولى، العبيكان للطباعة والنشر 1409هـ ص 203، 206

[8] - حلمي محمد فودة و عبد الرحمن صالح، المرشد في كتابة الأبحاث، جدة دار الشروق 1410هـ ص42

[9] - انظر، ابن حجر العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في حياة الصحابة، دار صادر، بيروت، مصور عن الطبعة الأولى 1328هـ مطبعة السعادة، القاهرة 1/215، و الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، دار الفكر، بيروت، دت / 335 وابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، حيدر آباد الدكن سنة 1327هـ.، 3 /321

[10] - الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/335 وابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[11] - الإمام أحمد بن حنبل، المسند، ط المكتب الإسلامي، بيروت –د ت رقم الحديث، 3598، 3599، 4180 و أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، بيروت 1405هـ ط الرابعة 1/125، و ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321.

[12] - ابن حجر العسقلاني، الإصابة، 6/217 و الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/342.

 

[14] - ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، دار المنار. ط الثانية 1413هـ مصر 1/314، 315 و ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق، محمد عاشور و محمد البنا، دار الشعب 1970م 30/385، 386

[15] - ابن هشام، السيرة 1/321، و ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، تحقيق. محمد ابن عبد القادر عطا، ط الثانية 1418هـ. بيروت 1/204

[16] - ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[17] - الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث845

[18] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 3684

[19] - البخاري، مناقب ابن مسعود رقم الحديث 3656

[20]- البخاري، باب الموادعة والمصالحة، رقم الحديث 3676

[21]- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[22]- ابن سعد، الطبقات، 3/153 الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/337

[23] - الإمام أحمد بن حنبل، المسند رقم 3824، 3856، 4245 ابن هشام السيرة 1/635، 636

[24] - الكاندهلوي، حياة الصحابة، 3/803، 807

[25] - السابق، 3/807

[26] - السابق، 3/803

[27] - ابن هشام، السيرة، 2/527، 528

[28] - الكاندهلوي، حياة الصحابة، 3/3..

[29] - ابن الأثير، أسد الغابة، 3/389 والحديث في مسند الإمام أحمد، مسند عبد الله بن عمرو برقم 6466

[30] - أبو نعيم، حلية الأولياء 1/142 الكاندهلوي، حياة الصحابة، 2/554

[31]- ابن الأثير، أسد الغابة 3/ 390 و ابن سعد طبقات، 3/160

[32]- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[33]- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[34]- البخاري، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، رقم الحديث 4930 ومسلم، صحيح مسلم، دار الكتب العلمية 1992م القاهرة، الحديث 80.

[35]- الإمام أحمد بن حنبل، المسند رقم الحديث 4368

[36]- البخاري، باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة، رقم الحديث3672 

[37]- ابن حجر فتح الباري، 7 /101

[38]- ابن هشام، السيرة النبوية، 2 /156

[39]- الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1 /468

[40]- البخاري، باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة، رقم الحديث 3672

[41] - الإمام أحمد، المسند، 43370

[42] - الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1 /470

[43] - الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/470

[44] - ابن سعد، الطبقات، 2 / 351

[45] - ابن الأثير، أسد الغابة، 3/388 و الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/342

[46] - الذهبي، سير أعلام النبلاء،1/350 ابن حجر العسقلاني، الإصابة، 7/33، 34

[47] - عبدالستار الشيخ، عبدالله بن مسعود / ص210

[48] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 3620

[49] - الكاند دهلوي، حياة الصحابة 3/742

[50] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 3550

[51]- مكي بن أبي طالب، كتاب التبصرة في القراءات السبع، الدار السلفية، الطبعة الثانية 1402هـ بمباي الهند ص980

[52] - الكاند دهلوي، حياة الصحابة 3/7430

[53] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 36970

[54] - ابن سعد، الطبقات 6/8 و الكاندهلوي، حياة الصحابة 2/167، 1680

[55] - انظر ابن الأثير، أسد الغابة، 3 /256 –260

[56] - عبد الستار الشيخ، عبد الله بن مسعود، دار القلم دمشق، ط الثانية 1410هـ ص148

[57] - ابن صلاح، مقدمة ابن الصلاح، ص148

[58] - الخزاعي، الدلالات السمعية ص 319

[59] - شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى، جمع عبدا لرحمن بن محمد العاصمي، مكتبة النهضة الحديثة مكة المكرمة توزيع رئاسة شؤون الحرمين الشريفين 1404هـ، 1/ 18، 13/3470، 13/364

[60] - المرجع السابق 1/ 18، 13/3470، 13/364

[61] - ابن القيم، إعلام الموقعين، 1 / 20

[62] - البخاري، باب ميراث ابنة الابن، رقم الحديث 6588

[63] - ابن الأثير، أسد الغابة – 3/389 و ابن القيم، أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت 1/17 والذهبي، سير أعلام النبلاء 1/351 ابن سعد، الطبقات، 3/156

[64] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث، 176 و 3662 و4255

[65] - الشريف منصور بن عون – مرويات ابن مسعود في كتب السنة ومسند أحمد ص1615 – دار الشروق جدة ط الأولى 1985 م.

[66] - الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1 /470

[67] - أبو داود، السنن، باب الإمام يكلم الرجل في خطبته رقم الحديث 1091

[68] - الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/493

[69] - ابن الأثير، أسد الغابة 3/389

[70] - مسلم، باب من فضائل بن مسعود، رقم الحديث 6282، ابن سعد، الطبقات 2/343

[71] - الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث، 3645

[72] - المنذري، الترهيب والترغيب، 2/505

[73] - ابن سعد، الطبقات 6/8 و الكاندهلوي، حياة الصحابة 2/167، 168

[74] - الطبري، تاريخ الطبري 3/601

[75] - ابن سعد، الطبقات 3/166

[76] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/50

[77] - الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث، 212.8وابن جماعة، بيان العلم، 1ص470

[78] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/50

[79] - البخاري، باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون، رقم الحديث 2803

[80] - مسلم كتاب الأمارة، 12/186

[81]- الدارمي، السنن، باب إتباع السنة، رقم الحديث 97

[82] - الإمام أحمد، المسند، 8018

[83] - عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ 1/268

[84] - ابن سعد، الطبقات، 6/52

[85] - نصر بن مزاحم، موقعة صفين، ص129

[86] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/154

[87]- المرجع السابق 2/97

[88]- المرجع السابق، 2/193

[89]- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2/5

[90]- ابن حجر، فتح الباري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.ج13/253

[91] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2/40

[92]- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/66

[93]- بن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم 1/16

[94] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 4043

[95] - الخطيب: الرحلة في طلب الحديث ص196، مجمع الزوائد، 1/133

[96] - مسلم، الصحيح، باب فضل من يقوم بالقرآن، رقم الحديث 1864

[97] - حمادة، فاروق: أسس العلم وضوابطه ص10

[98] - بن رجب الحنبلي،.جامع العلوم والحكم 1/16

[99] - عبد الله بن محمد أبو بكر القرشي، تواضع والخمول، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1409 – 1989، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، 34

[100] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث، 3620، 1/381

[101] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/29

[102]- المرجع السابق، 1/87

[103]- المرجع السابق، 1/87

[104]- المرجع السابق، 1/152

[105]- المرجع السابق، 1/154

[106]- المرجع السابق، 2/7

[107]- المرجع السابق، 2/901

[108]- الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث، 212.8وابن جماعة، بيان العلم، 1ص470

[109] - البخاري، باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة، رقم الحديث3672 

[110] - البيهقي السنن، 6 /211، و ابن الجوزي، مناقب عمر، ص100

[111] - عبد الله الاسمري، آداب المعلم في صدر الإسلام،مكتبة الرشد، الرياض،1425هـ ط الأولى، ص63

[112]- الإمام أحمد، المسند رقم الحديث، 10586

[113]- الكاندهلوي حياة الصحابة، 3 / 712

[114]- المنذري، الترغيب والترهيب، ص 880

[115]- ابن عبد البر، بهجة المجالس، 1 / 480

[116]- الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث، 21208

[117] - المرجع السابق، 1/154

[118] - مسلم، باب تحريم الكبر، صحيح رقم الحديث 227

[119] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث، 3568، 1/376

[120] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث، 441.، 1/462

[121] - مسلم، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا اهل الجنة، صحيح رقم 7159

[122] - المعجم الكبير، رقم 10526، 10/219

[123] - الأجري، أخلاق العلماء، ص340

[124] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1 /126

[125] - البخاري، باب ذكر جرير، رقم الحديث رقم 6089 – 3735

[126]- المنذرى، التغريب والترهيب حديث رقم 108

[127] - ابن عبد البر، جامع العلم وبيانه، 1 / 45

[128] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1 /42

[129] - القرضاوي، الرسول والعلم ص117

[130] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2 /243

[131] - ابن حجر، فتح الباري، 2 /51

[132] - ابن قتيبة، عيون الأخيار، دار الكتب المصرية 1930م، 2 /149

[133] - الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1 /390

[134] - ابن الجوزي، القصاص والمذكرين، 1 /110

[135] - البخاري، باب من سجد لسجود القارئ،0 1/365

[136] - البخاري، باب من سجد لسجود القارئ،0 1/365

[137] - البخاري، باب ربنا اكشف عنا العذاب، رقم الحديث 4704، و ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2/52

[138] - ابن رجب الحنبلي.جامع العلوم والحكم 1/281

[139] - أمين لأوي، أصول التربية الإسلامية، دار ابن الجوزي، الدمام، ط الأولى 1423هـ، ص192

[140] - البخاري، باب قدوم الاشعريين من اليمن، رقم الحديث 4284

[141]- ابن حجر، فتح الباري، كتاب المغازي 5/159

[142]- القرطبي، تفسير، 1/39

[143]- عبد الله الأسمري، آداب المعلم في صدر الإسلام، ص50

[144] - البخاري، صحيح البخاري، باب من خص بالعلم 1/59

[145] - مسلم، صحيح مسلم، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع رقم الحديث 14، 1/73

[146] - البخاري، صحيح البخاري، كتاب العلم رقم الحديث، 49

[147] - ابن حجر، فتح الباري، كتاب العلم 1/59

[148]- البخاري، الصحيح، باب صفة النبي، رقم الحديث 3491

[149]- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1 /106

[150]- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/187

[151] - السابق 2/5

[152] - السابق 2/25

[153] - ابن أبي شيبة، المصنف 1/162.

 

[154] - ابن أبي شيبة، المصنف 1/162.

[155] - جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1/243.

[156]- البخاري، باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة، رقم الحديث70

[157]- ابن سعد، الطبقات 2/253

[158]- مسلم، باب الاقتصاد في الموعظة، رقم الحديث7076

[159]- النووي، شرح صحيح مسلم، 13/137

[160]- محمود شلبي، حياة عبد الرحمن بن مسعود، ص 98

[161]- النسائي، رقم الحديث23، 1/10 صححه الألباني

[162]- ابن الجوزي، القُصاص، المكتب الإسلامي، تحقيق محمد لطفي الصباغ، ص212

[163]- ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/104

[164]- البغدادي الخطيب، الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع، 1 /518

[165]- عبد الله الاسمري، آداب المعلم في صدر الإسلام، ص85

[166] - البخاري، باب صفة النبي، رقم الحديث رقم 3492 وابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2 /148

[167] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 2 /1480

[168] - الفاكهي، أخيار مكة، 2 /338

[169]- البغدادي، الخطيب الجامع لأخلاق الرواة وآداب السامع، 1 /558

1- عبد الله الأسمري، آداب المعلم في صدر الإسلام، ص89

[171]- ابن جماعة، المصدر السابق ص 39

[172]- ابن جماعة، تذكرة السامع ص32

[173] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/101

[174] - الكاندهلوي حياة الصحابة،  3/728

[175] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم، 1/196

[176] - السابق 2/7

[177] - السابق 2/9

[178] - السابق 2/112

[179]- البخاري، باب في الأمل وطوله، رقم الحديث 6270

[180]- الإمام أحمد بن حنبل، المسند، رقم الحديث 4432

[181] - الطبري، جامع البيان عن تأويل القران، دار الفكر بيروت، 3/304

[182] - القرطبي: محمد بن أحمد، الجامع الأحكام القران، مكتبة وهبة، مصر، 1987م

[183]- الدارمي، السنن، باب كراهية اخذ الرأي، رقم الحديث 209، 1/67

[184] - البخاري، باب المتنمصات، رقم الحديث 5802

[185] - الترمذي، السنن 3/84

[186] - البخاري، باب يايها الذين امنوا قوا أنفسكم و اهليكم، رقم الحديث 2506

[187] - ابن كثير، تفسير ابن كثير، 6/41

[188] - ابن قدامة، التوابين 1/201

[189] - ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، 1/105

[190] - الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/416

[191] - ابن أبي شيبة، المصنف 12/26، 32 إسناده صحيح

[192]- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[193]- القرطبي، التبصرة ص96

[194]- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /236

[195]- البخاري، باب ذكر ابن عباس، رقم الحديث 3670

[196]- ابن تيمية، الزهد والورع 1/86

[197]- الذهبي، سير أعلام النبلاء 1/14

[198]- السابق 2/97