معهد البحوث العلمية 

مركز البحوث التربوية والنفسية

سلسلة البحوث التربوية والنفسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفكر التربوي عند الصحابي الجليل

(عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)

 

 

إعداد

الدكتور / عبد الله بن حلفان بن عبد الله آل عايش

أستاذ أصول التربية الإسلامية المساعد

بكلية المعلمين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

 

 

 

 

 

 

1428هـ – 2007م 

ردمك: 9 _ 781 _03 _ 9960


 

 

 

 

جامعة أم القرى، 1428هـ.

فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر. 

آل عايش، عبد الله بن حلفان بن عبد الله

 الفكر التربوي عند الصحابي الجليل (عبد الله بن مسعود t) الندوة العلمية الكبرى/ عبد الله بن حلفان بن عبد الله آل عايش – مكة المكرمة، 1428هـ

15. ص؛ 17×24 سم

 

1 –                                            أ. العنوان

 

ديوي 953.121.63            4272 / 1428

رقم الإيداع: 4272 / 1428

ردمك: 9 – 781 – 03 – 9960

ح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطبعة الأولى

 

 

حقوق الطبع محفوظة لجامعة أم القرى

 

 

 





مقدمة البحث:

الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } (الفتح:18)

والصلاة والسلام على سيد العالمين محمد بن عبد الله e.. الذي امتدح أصحابه ، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي r قال: «خيرُ النّاسِ قَرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم. ثمَّ يَجيءُ أقوامٌ تَسبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمينَه ويَمينُهُ شهادتَه..)) ([1])

وبعد فإن من قام بالإسلام دعوة و تطبيقا ومنهاجاً هم صحابة الرسول e حتى أقاموا لنا حضارة إسلامية، وصاروا نجوما يقتدى بهم و حازوا قصب السبق في كل شيء، فهم قمة في التقوى والورع و الجهاد في سبيل الله و العلم والعمل و أشد الناس إخلاصا و تحريّا للحق وسعيا إليه، وهم إذا علموا عملوا وإذا جهلوا سألوا وكانوا أعطش إلى العلم والتفقه في دين الله من الإبل الهيّم، وقد أخذوا عن رسول الله e القرآن والسنة والعمل بهما و إذا فات أحدهم شيء من العلم لم يغمض له جفن حتى يدركه، ولهذا تحقق لهم من الخير والمجد ما جعلهم خير القرون.

لهذا فإن الكتابة عن هؤلاء أو أخذ العلم و التربية منهم لهو بحق ثمرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن الله ، بل إن السعي إلى دراسة آثارهم من أهم الواجبات علينا اليوم في زمن اختلطت فيه الأفكار واضطربت الموازين و علت فيه أصوات أهل الباطل والشهوات للصد عن سبيل الحق بدعوى باطلة وأماني سراب0

 قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } (البقرة 2.4)

قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (لقمان6)

ثم إن دراسة حياة الصحابة أو بعض جوانبها يعد من أهم الواجبات وإقامة للدليل على عظمة التربية الإسلامية وأثرها في الأشخاص الذين تربوا على هذا الدين الحق و تبياناً لتربية رسول e التي صنعت هذا الجيل الفذ والاستفادة من هذه التربية الربانية العظيمة في إعادة صياغة الأمة الإسلامية و إصلاحها كما قال عمر بن الخطاب ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)).

إن لفت أنظار أبناء الأمة الإسلامية إلى هؤلاء الرجالات العظام والاستفادة من تراثهم التربوي بدلا من سعيهم خلف أعلام أعدائهم من أئمة الكفر والضلال ((أعلام الفكر الغربي والشرقي)) والبحث في فكرهم التربوي، وبيان ما لدينا من كنوز تتمثل في أخلاق و أفعال عظماء الإسلام على مر العصور، لهو بحق واجب على كل قادر أن يضرب فيه بسهمه.

ولما كان الصحابة هم خير جيل عرفته البشرية ولم يتسن للتاريخ أن يذكر لهم مثلا في الصفات و الأفعال و العدد ضمهم زمان ومكان واحد،كان لزاما على كل باحث عن الحق والهدى أن يرد نهرهم ويستقي من صفو علمهم وأن يقتدى بأفعالهم وأن يدل أبناء الإسلام إلى هذا الخير الوفير.

لهذا كانت هذه الدراسة عن علم من أعلام الصحابة جمع الله له من الخير ما جعله بين أصحابه كعبة ضربت إليه أكباد الإبل و سعت إلى علمه القلوب والعقول كان وحده مدرسة مستقلة ليس في زمانه بل على مدى تاريخ الإسلام ألا هو الصحابي الجليل ((عبد الله بن مسعود)).

عبد الله بن مسعود t كان في حياة الرسول e يمثل طالب العلم الشغوف والمتلقي والمريد الملازم لم يفارق معلمه حتى فرق بينهما الأجل، ثم كان بعد وفاة رسول الله موصوفا بالمعلم لم يطلب الإمارة ولم يسع إليها ولم يلقب بها بل كان وسامه أنه معلم فكثر تلاميذه فبلغوا المئات بل الآلاف الذين درسوا على يده وتخرجوا في مدرسته دعك عمن آخذ منه.

ولقد ((التف من حوله من التلاميذ ما بلغ عدد إحدى مجموعاتهم تبلغ الأربعمائة من الرجال هؤلاء التلاميذ هم دليل أستاذية ذلك الصحابي، وهم الذين نقلوا إلى الأجيال التالية ما نقله هو إليهم))([2]).

ولقد عرف الناس وخاصة أهل الكوفة لتلاميذ ابن مسعود حقهم فرفعوهم إلى درجة عالية بل ربما كانوا يعاملونهم معاملة الصحابة لما امتازوا به من علم وفقه وورع، فلقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب t يقول ((أصحاب عبد الله بن مسعود سرج هذه القرية))([3]).

ويقول الشعبي عنهم:((ما رأيت أحدا كان أعظم حلما ولا أكثر علما ولا أكف عن الدماء من أصحاب عبد الله إلا ما كان من أصحاب رسول الله([4]).

وإذا علمنا منهم هؤلاء التلاميذ أو بعضهم أدركنا عظم أثر المعلم، ومن أعلام تلاميذ ابن مسعود: ابنه أبو عبيدة، و علقمة بن قيس، والربيع بن أخثم، وعمر بن شرحبيل، وزر بن حبيش، ومسروق بن الأجدع، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وزيد بن وهب.. وغيرهم كثير.

تساؤلات الدراسة:

هذه الدراسة تحاول الإجابة عن التساؤلات التالية:

- ما معالم الفكر التربوي عن عبدالله بن مسعود t.

- ما ملامح حياة ابن مسعود t ومكانته العلمية والتربوية.

- ما أهم الآراء والأفكار التربوية التي تميز بها الفكر التربوي عند ابن مسعودt.

أهداف الدراسة:

- إبراز معالم الفكر التربوي عند ابن مسعود t.

- التعرف على سيرة ابن مسعود t و أثاره العلمية والتربوية.

- إبراز الدور التربوي للصحابة والاستفادة منه في واقعنا التربوي.

- محاولة تأصيل التربية الإسلامية بالاطلاع على النماذج التربوية التاريخية الرائدة في تاريخنا التربوي.

أهمية البحث:

رغم أن المكتبة الإسلامية تحتوي بعض الدراسات التي اعتنت بحياة و فكر عبد الله بن مسعود t، ولكنها جميعا تفتقد إلى إبراز الجانب التربوي والتعليمي من سيرته t، إذ جميعها أغفل هذا الجانب وركزت على جانب الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم التي اشتهر بها t.

ومما يعزز أهمية هذا البحث التربوي ويؤيدها أن عبد الله بن مسعود t ممن اشتغل طول حياته بالتدريس والتعليم وتربية أصحابه وتلاميذه مما جعلها مدرسة تربوية مستقلة،كما له مدارس في التفسير والفقه والقراءات مستقلة حظيت بعناية الباحثين في أكثر من مجال.

ولقد كان عبد الله بن مسعود t نموذجا فريدا في تربيته لتلاميذه ومريديه، حيث كان يمارس ويطبق آراءه في مجال التربية والتعليم في بيئة علمية نقلت لنا كثيرا من أفكاره التربوية العظيمة،الأمر الذي يعطي فكره التربوي بعدا و عمقا في الواقع التربوي الإسلامي، خاصة وأن هذا الفكر حُفظ لنا عن طريق تلاميذه، و يبقى على الباحثين تتبع هذه الآثار من مصادرها المختلفة، و إخراجها للأمة للاستفادة منها.

ويمكن أن نوجز أهمية هذه الدراسة فيما يلي:

1-  مكانة عبد الله بن مسعود t في الإسلام وقربه من رسول الله e و ما امتاز به t من علم وجهاد ودعوة إلى الله تعالى و تأثيره في مجريات عصره 0

2-   إن شخصية عبد الله بن مسعود t التربوية لم تحظ بالدراسة المتكاملة التي توضح أبعادها الكاملة في إطار شمولي متكامل.

3-  إن مدرسة عبد الله بن مسعود t في جانبها التربوي لا تقل أهمية عن الجوانب الأخرى في الفقه و التفسير و الحديث و القراءات و غيرها من العلوم التي اشتهرت بها هذه المدرسة والتي حظيت باهتمام الباحثين في تلك المجالات.

4-    إن كشف الأفكار والآراء التربوية عند عبد الله بن مسعود t هو إبراز لجانب من تاريخ التربية الإسلامية الذي مازال يفرض وجوده على الواقع التربوي للمسلمين في كل زمان ومكان

5-  ضرورة تأصيل الفكر التربوي الإسلامي المعاصر وذلك من خلال إعادته إلى أصوله الأساسية الكتاب والسنة وفهم وتطبيق الصحابة لهذين المصدرين ولعل فكر عبد الله بن مسعود t التربوي خير مثال على ذلك.

6- إن دراسة تاريخ التربية الإسلامية ودراسة شخصياتها التاريخية تعد مصدرا حيويا يمدنا بالحلول لكثير من المشكلات التي تصادف مشروعنا التربوي المعاصر، وذلك في جميع جوانبه النظرية أو التطبيقية و إعداد المعلم وبناء المناهج و طرائق التدريس..الخ.

7- إن لتلاميذ عبد الله بن مسعود t منزلة خاصة في عصره، حيث أصبحوا يمثلون ظاهرة مميزة في عصر التابعين تحتم علينا وجوب دراسة هذه المدرسة التربوية الفذة.

مشكلة البحث:

تعتبر دراسة الفكر التربوي الإسلامي من خلال التجربة العربية الإسلامية عملا يكشف بوضوح ملامح تلك التجربة في إيجابيتها وسلبيتها مع الكشف عن أبعاد تلك التجربة و آثارها، لا لإحلال الماضي محل الحاضر بل لإعادة بنية الوعي و استمراريته عبر الماضي وربطه بالحاضر و إعادة تأسيسه في الوعي التربوي الإسلامي المعاصر. ([5])

وعبد الله بن مسعود t من أعظم شخصيات الإسلام التربوية و أكثرها أثرا و تأثيرا على مر العصور ولهذا فإبراز هذه الآراء التربوية و محاولة إيجادها من خلال تتبع آثار و مرويات هذا الصحابي الجليل و تتبع أقوال وشهادات أصحابه وتلاميذه و معاصريه لرسم الشخصية التربوية للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود t ليسهل على المربين المسلمين الاستفادة منها و التزود بها هي غاية هذه الدراسة.

منهج البحث:

سوف يستخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يقوم على دراسة الواقع أو الظاهرة كما توجد في الواقع ويهتم بوصفها وتوضيح خصائصها ([6]). و قد اعتمد الباحث على أحد فروعه، وهو المنهج الوثائقي الذي يهتم بدراسة وتحليل المصادر الأساسية والثانوية ذات العلاقة بموضوع الدراسة من أجل استنباط الأدلة والبراهين المطلوبة ([7]). للتعرف على الفكر التربوي عند عبد الله بن مسعود t وذلك من خلال ما احتوته كتب السيرة والسنة النبوية عنه، مما يساعد على بلورة فكره التربوي.

كما يستخدم الباحث المنهج الاستنباطي الذي يبذل فيه الباحث – الجهد العقلي والنفسي الممكن – عند دراسة النصوص لاستخراج الفكر التربوي منها([8]). وذلك لبلورة الفكر التربوي عند عبد الله بن مسعود t.

الدراسات السابقة:

جميع الدراسات التي كتبت عن عبد الله بن مسعود t اقتصرت على الجانب الفقهي، أو هي دراسة سيرته أو صور من حياته ولم تبرز الفكر التربوي عند ابن مسعود t و صور تطبيقاته، و تهدف هذه الدراسة بمشيئة الله تعالى إلى إبراز ذلك، أما الدراسات التي وقف الباحث عليها فهي أقرب إلى دراسة سيرته t و إبراز الجوانب العلمية (الفقه – الحديث – التفسير، القراءات) ومن هذه الدراسات:

1- دراسة الشريف منصور بن عون العبدلي، بعنوان ((مرويات ابن مسعود في الكتب الستة وموطأ مالك ومسند أحمد، رسالة دكتوراه لقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة، جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة عام1401هـ وقد اشتملت الدراسة على مقدمة في ثلاثة مباحث: الأول- كيف كان الصحابة يتلقون الحديث، و الثاني - كيف حفظ الصحابة الحديث، والثالث- كيف أدى الصحابة الحديث، ثم قسم البحث إلى قسمين: الأول- وضعه في ترجمة ابن مسعود، والثاني - في مرويات ابن مسعود في الكتب الستة وموطأ مالك ومسند أحمد، مرتبا على الأبواب الفقهية.

2- محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عبد الله بن مسعود، دار النفائس، الرياض، 1992م ضمن سلسلة موسوعات فقه السلف، يعرض المؤلف في هذه الموسوعة فقه عملاق من عمالقة الفقه الإسلامي مرتباً على الطريقة المعجمية، وهي طريقة انفرد بها المصنِّف، تيسر الوصول إلى أي حكم شرعي ومعرفة رأي المجتهد موضوع البحث بسهولة وسرعة.

3- عبد الستار الشيخ – عبد الله بن مسعود، عميد حملة القران الكريم، وكبير فقهاء الإسلام- سلسلة أعلام المسلمين – دار القلم دمشق- ط2 سنة 1410هـ وهو عبارة عن كتاب لم يذكر منهجا لدراسته، ويشتمل الكتاب على سبعة عشر فصلا بدأ فيه بحياته ثم ملازمته للنبي r ثم جهاده و مكانته العلمية جمعه للقران و مكانته في التفسير والحديث والفقه والفتيا، ثم مواقفه مع الخلفاء الراشدين (أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) و أفرد فصلا عن تلاميذه وآخر عن أخباره المتفرقة وختم بفصل عن وفاته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى إبراز الفكر التربوي عند هذا الصحابي الجليل.