بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله والصلاة على رسول الله ... أما بعد .

  

   أيها الأحبة الكرام ... أيها الشيوخ الأجلاء ... اعلموا أن من شيم الكبار تكريم أهل الفضل ، والإشادة بسابقة أصحاب العطاء ، مدرجة جرى عليها الأماجد ، ومطربة يخف إليها الشناخيب ، وإنني الليلة ، لأتكلم في مجال يضيق فيه العقل ويهي سلطانه ، وينكتم فيه اللسان وينفدم بيانه ، وإنما يبقى الأمر فيه موكولاً على السابق في النفس ، موقوفاً على المندس في الخاطر ، فأنا الليلة بين تكريم ووداع ، اعتراف بالفضل وترحٍ على فراق ، إقرار بشكر ، وحرقةٍ على نأي ... وهكذا هو الحب ، جماعٌ لما امتنع .

    وقد أردت أن أتكلم في حق أساتيذي المكرمين ، فالحق لهم كبير ، والواجب متحتم ... ولكنني امرؤٌ أسيف ، استهواني الحزن ، وأوهى جلدي الفراق ، وأذهب مني بلة العقل النأي ، فأردت أن أشارك في ذلك بشيء ، فكان أن جئت بما هو دون الغاية ، وأقصر من المأمول ، وماذاك إلا لأن هذه الكلمة في توديع قومٍ خسفوا لنا من عيون العلم فوردناها نطافاً نقية ، واحتملناها ركايا روية ، فلهم أجزل الشكر ، وأصدق الثناء .

    وليس يفوتني أن أوصيَهم ونفسي والجميع بتقوى الله العظيم ، فإنها أكرم ما أُسر ، وأزين ما أظهر ، وأفضل ما ادخر ، أعانني الله وإياكم عليها ، وأوجب لنا فضلها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يا دمـع أسبل صيباً أحمـر                ولا تبـالي العـذل أو تفترا

أطفئ لهيب العين أو زد فلا                فـرق لدى المحزون لو خيرا

غـداة نادى البين في جمعنا               وبدد الشمـل الذي احزورى

يديرني العـاذل في حبهـم               يـريدوني أنسى ، أما خبرا ؟!

هذا الجهـول الغر أنَّ الذي              يزمـع فينـا موهناً مسحـرا

على الرحيل المـر أهل النهى             وســادة الحـرف بأم القرى

تحملـوا بعـد زمـان حلا              بهـم ، فذقنا الشهد والكـوثر

تحملـوا من بعد أن أودعوا             الألباب علـم السلف الأزهـر

تحملـوا من بعد أن أشرقوا              فينا ، فكانوا الصبـح إذ نـورا

وهاهم اليوم وقد أوشكت              رحالهـم ، واستعنقت للسـرى

وأمسكـت أيديهم بالعصا              وأبحـروا ، والحـزن ما أبحـرا

فكـاد ممـا حفـه مقولي               أن يخلـع الحـرف ومـا زورا

يا قوم عذراً إن كبت صهوتي              في حقـكم أو قلـت مستنكرا

فأنتـم الأشياخ في معهـدي             وأنتـم العلـم وقـد حـبرا

وأنتم الفضـل ، وأنتـم لنـا              النجوم في ليل جفـاه الكـرى

ما عـاقني عنكـم سوى أنـني             تخـونني عينـاي أن أنظـرا

يلجمـني حـزني ويأبى لكـم          حبي فأشـدوا نغمـاً أبتـرا

والحزن والحـب إذا استقسما          قلب امرئ فالعجز أن يسطرا