آلية استخدام هندسة المنهج كنظام

 لتطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي

 بالمملكة العربية السعودية

 

  

 

 

 

إعداد :

أميرة عبد الرحمن محمد علي منير الدين .

أستاذ مشارك  بقسم التربية الفنية . جامعة أم القرى .









المقدمة :

      تجتاز المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر مرحلة تغيير حضاري تبدو ملامحها في مختلف مظاهر الحياة العربية المعاصرة ، كما أنها تعيش الآن مرحلة حاسمة ودقيقة من نضالها ضد التحديات والمعوقات التي تعترض مسارها وصولاً إلى ما تستهدفه من تقدم ورقي ، متمسكة بما جاءت به الشريعة  الإسلامية السمحاء وما تحتويه من ركائز ومحددات ومقومات وأهداف سامية .

   

      وبما أن التربية هي الأساس الأول لتقدم أي مجتمع في جميع مظاهره وقطاعاته ، وهي من أهم الوسائل التي تثق بها المجتمعات ، فأكثر الدول تقدماً وحضارة هي التي آمنت بأهمية الدراسات والبحوث والتجارب في هذا الميدان ، فلم تعد الأمور تسير وفق الصّدف أو العفويات غير العلمية ، فإن فهم أي مجتمع لجميع متغيراته فهماً علمياً واضحاً ومحاولة التطوير والتحسين والتحديث بشكل مستمر في كافة المجالات أساس لتقدمه نحو الأفضل .

 

      وحيث أن التعليم من أهم أدوات التربية لتحقيق أهدافها ، فالتربية والتعليم في أي مجتمع ما هي إلا نتاج حاجات هذا المجتمع وانعكاس لواقعه وترجمة صادقة لأماله وأهدافه ، ولكل مرحلة من مراحل التعليم أهمية خاصة لا يمكن للعملية التربوية تجاهلها ، ومرحلة التعليم العالي بشكل عام وتحديداً التعليم الجامعي مرحلة لها هوية خاصة وخصائص ومواصفات تفتقدها المراحل الأخرى ، فهي من أكثر مراحل التعليم أهمية للفرد والمجتمع  فقد بات التعليم الجامعي ضرورة هامة في المنظومة التربوية للمجتمعات لتحقيق أهدافها وغاياتها الكبرى ، إلا أن هذه المرحلة أصبحت تعاني من مشكلات حادة في منظومتها التعليمية .

      فقد حققت الجامعات السعودية في مسيرتها التي تجاوزت الثلاثين عاما قفزات تعليمية جيدة فلقد كانت الفترة السابقة مليئة بالنشاطات والإنجازات الكمية التي كانت تحتاجها المملكة للمضي قدما في تنفيذ خطط التنمية الطموحة لها ، ومع اكتمال مشروعات البنية الأساسية كان لابد من وقفة استقراء ومراجعة للمنجزات الجامعية التي تحققت خلال الفترة الماضية ، وكان من أهم النقاط التي ينبغي أن تتضمنها هذه المراجعة المناهج الجامعية وطرق تدريسها التي لم يطرأ عليها في الفترة الماضية إلا تغيرات تقليدية طفيفة تضمنت حذفا لموضوع أو مقرر أو إضافة لموضوع أو مقرر آخر بديل عنه دون وجود مبررات علمية واضحة .

      إن المناهج هي الترجمة العملية والوسيلة الفعالة لأهداف التربية والتعليم معـاً في كل مجتمع ، وهي تتأثر بالمتعلم والمجتمع والبيئة والثقافة والنظريات التربوية ، وحيث أن كل عامل من هذه العوامل يخضع لقوانين التغيير المتلاحقة ، فمن هنا أصبحت دراسة تطوير وتحديث وهندسته المنهج بكل مكوناته عملية جوهرية لا غنى عنها وفقاً للأسس والقواعد العلمية الصحيحة .

      وتعتبر طريقة التدريس

 

 

       وتعتبر هندسة المنهج كنظام أحد الاتجاهات العلمية الحديثة التي لابد من استخدامها في مرحلة التعليم الجامعي باستمرار ، فهذه العملية من أهدافها تطوير المناهج وفقاً لتطور المجتمعات ، وبذلك فإنه يمكننا تحديد مشكلة هذه الدراسة في السؤال الرئيس التالي :

ما آلية استخدام هندسة المنهج كنظام لتطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي بالمملكة العربية السعودية ؟  وتحاول التساؤلات التالية الإجابة على مشكلة البحث :

1. ما المقصود بهندسة المنهج كنظام ،  ومن هم مهندسوه ، وما هي الأبعاد التي تتحكم في طبيعته ؟

2. ما هو التعليم الجامعي ، وما أهم وظائفه ، وما أهدافه ، وما هي أهداف الجامعة في المملكة العربية السعودية  وما المقصود بتطوير مناهج التعليم الجامعي وعناصرها ومكوناتها ، وما هو مفهوم طرق التدريس  ؟

3. كيف يمكن استخدام هندسة المنهج كنظام لتطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي بالمملكة العربية السعودية


q   أهداف الدراسة :   

      تستهدف هذه الدراسة التعرف على هندسة المنهج كنظام في مجال تطوير المناهج ، ومهندسوه ، والأبعاد التي تتحكم في طبيعتـه  ثم التعرف على التعليم الجامعي وأهم وظائفه ، وأهدافه ، وأهداف الجامعة في المملكة العربية السعودية ، ثم التعرف على مفهوم تطوير منهج التعليم الجامعي ، وعناصره ، وطرق تدريسه ، وبالتالي توضيح كيفية استخدام هندسة المنهج كنظام في تطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي بشكل عام . 

 

q   أهمية الدراسة : ترجع أهمية هذه الدراسة إلى ما يلي :  

-       قد تسهم هذه الدراسة في إلقاء الضوء على إحدى الاتجاهات الحديثة في مجال المناهج وتوضيح كيفية   استخدامها في تطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي بالمملكة العربية السعودية . 

-       قد تسهم هذه الدراسة في تقديم توصيات ومقترحات قد تساعد على رفع مستوى تطوير وتحديث وإصلاح مناهج التعليم الجامعي وطرق تدريسه بشكل عام .

-       قد تسهم هذه الدراسة في إثراء ميدان البحث العلمي على المستوى المحلي والإقليمي بالمجال التربوي بشكل عام ومجال المناهج بشكل خاص .

-       قد تسهم هذه الدراسة في تقديم إضافة جديدة خاصة بعلم المناهج .

 

q   حدود الدراسة :  

-  تقتصر الدراسة على توضيح مفهوم هندسة المنهج كنظام ، دون غيره من المفاهيم الخاصة بالمناهج .

-  تقتصر الدراسة على اختيار طرق التدريس كعنصر أساسي من عناصر المنهج المتعددة . 

-       تقتصر الدراسة على توضيح آلية استخدام هندسة المنهج كنظام في تطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي  بشكل عام .

     

q    المفاهيم الأساسية التي تجيب على تساؤلات الدراسة : 

 

أولاً : مفهوم هندسة المنهج كنظام  Curriclum  Engineering system  :   

      يعتبر هذا المفهوم من أحدث وأعمق وأكثر  المفاهيم غموضاً في مجال المناهج ، فقد ظهر هذا المفهوم نتيجة لما حققته التكنولوجيا والعلوم التربوية من تقدم وتطور ملموس في شتى مجالات التربية التي شملت مجالات بناء المناهج وتطويرها مما أدى إلى إجراء الدراسات العلمية التي ساهمت في جعل المنهج بناء هندسي ، له أسسه وأركانه وقواعده ومنطلقاته التي ينطلق منها ، حيث اهتم الخبراء والتربويون بها في عملية التطوير .


      فالنظام هو الكل المركب من عدد من العناصر ، ولكل عنصر وظيفة وعلاقات تبادلية ، وأي تأثير في أحد العناصر ينتقل إلى بقية العناصر الأخرى ، وللنظام أهداف يسعى إلى تحقيقها ، وله حدود ويوجد في بيئة يؤثر فيها وتؤثر فيه مدخلات ومخرجات وعمليات تعمل ضمن قوانين مختلفة ، ويكون النظام جزاء من نظام كلي اكبر منه  ويكون كل عنصر فيه نظاما  . ( 1 )

      أما هندسة المنهج  : فهي تعني كل العمليات الضرورية لجعل نظام المنهج قابلاً للتنفيذ ، وتقوم عملية هندسة المنهج على تخطيط المنهج وتنفيذه وتقويمه كعمليات أساسية ، وهي تتألف من عمليات عديدة معقدة تتداخل بعضها ببعض ، ولكنها تحدد الهيكل العام والخاص لكل مهمة ينبغي القيام بها من قبل مهندسين وخبراء المناهج ( 2 ) ، كما أن هندسة المنهج تشير إلى المشكلات المتعلقة بتخطيط المنهج وتطويره أو تحسينه ، مركزا بذلك على إنتاج مناهج أو مواد في المناهج ، وتمثل هندسة المنهج ثلاث مكونات رئيسة :

1. عملية ( تخطيط المنهج Curriculum Planning ) التي تعمل على إنتاج منهج يمثل مجموعة العمليات التي تكون جسم المنهج وكل ما يحتويه من بيانات ضرورية تمثل المدخلات .

2. عملية ( تنفيذ المنهج Curriculum Implementation ) والتي تمثل الوظائف والعمليات الأساسية  التي تحافظ على استمرارية نظام المنهج ووضع المنهج قيد التنفيذ .

3. عملية ( تقويم المنهج Curriculum Evaluation ) وهي التي يتم فيها تقدير فعالية نظام المنهج .


      وبذلك يصبح الغرض العام لنظام المنهج إعطاء إطار محدد لتنظيم ثابت لتخطيط المنهج وتنفيذه وتقويم فعاليته ضمن نظام هندسة المنهج ، بمعنى أن الاهتمام الرئيسي في العملية ينصب على التخطيط والتنفيذ والتقويم للمنهج ذاته حيث تشتمل هندسة المنهج على مجموعة من الأنشطة الضرورية التي تجعل نظام المنهج وظيفياً وفي حالة تفاعل مستمر  لأن هندسة المنهج تتكون من كل العمليات الضرورية لذلك .


مهندسين المنهج :     

      إن من أكثر القضايا جدلاًً في هندسة المنهج هي قضية من سيشترك في تخطيط المنهج ، فهناك من يعتقد أن أعضاء هيئة التدريس هم الذين ينبغي أن يكونوا هم المسيطرون في هذا الشأن ، وفي المقابل هناك من يفضل أن يكون أهل الاختصاص في المادة هم المعنيون في هذا العمل ، وقد اتفق عدد كبير من التربويين على أن خبراء المناهج والتربويون وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة هم المهندسين الأساسين للمنهج في مؤسسات التعليم العالي ، ويمكن أن يساعد هؤلاء أفراد أو طاقم استشاري من خارج الجامعة ، ويقوم المهندسون الأساسين بتنظيم وتوجيه  المهام والعمليات المختلفة التي ينبغي أن تستمر بالنسبة للمنهج من أجل تخطيطه وتنفيذه من خلال البرنامج التدريسي ومراجعته في ضوء البيانات المتجمعة من خلال التقويم الخاص به ، وهناك اقتراح بعض التربويين أمثال ( بوشامب 1987م ) مجموعة أخرى  تشترك في هندسة المنهج تتمثل في : الموظفون المتخصصون الذين لهم خبرة بأبحاث تنظيم المنهج  واختيار عدد مناسب من الإداريين والعاملين ، وممثلون عن المواطنين كاختيار ممثل عن أولياء الأمور للمتعلمين ، وممثلين للطلبة ، وباحثون من جامعات وهيئات أخرى  حيث تقوم هذه المجموعة  بتشكيل مجلس يسمى مجلس المنهج ليتولى تنسيق العمليات المنهجية وتنظيم المشتركين في هندسة المنهج . وتقدير الممارسات الجارية للمنهج القديم ، وتحديد ما يمكن احتواءه في المنهج الجديد ، وتحديد صياغة المعايير التي يجب مراعاتها في اختيار العناصر المنهجية  وتصميم المنهج الجديد وكتابته بصيغته النهائية . ( 3 )  


      ويلاحظ مما سبق أن عملية هندسة المنهج تتم بواسطة كوادر بشرية يعمل كل منهم في الإطار المحدد له  وأما المسؤوليات الملقاة على عاتق كل فرد  إنما تتم ضمن تنظيم معين ، بحيث تتكامل الجهود المنظمة لإخراج الهندسة النهائية للمنهج ، مما يجعل ذلك العمل قابل للاستخدام والتنفيذ الفعلي .


      ووضح بعض التربويين أنه عندما ننظر إلى المنهج باعتباره نظاما فأن اهتمامنا ينصرف إلى الطريقة التي يتم فيها صنع القرارات المتعلقة بالمنهج التربوي ووظائفه ، ويتوقف صنع القرار على طبيعة صناعي القرار ، وعددهم وطبيعة المهام التي يتولونها ، وصنع القرار على هذا الأساس عملية معقدة تتطلب تنظيما فنيا وإداريا يسمح بالقيام بعمليات التخطيط والتنفيذ والتقويم اللازمة لجعل نظام المنهج وظيفيا في العمل الدراسي ، ويقوم بالهندسة الأشخاص الذين يمتلكون صنع القرارات النهائية المتعلقة بالمنهج في مراحله الثلاث التخطيط والتنفيذ والتقويم ، واستمرار المراجعة والتطوير في ضوء بيانات التقويم مما يجعل النظام في حالة ديناميكية متحركة . ( 4 )

 

الأبعاد التي تتحكم في طبيعة هندسة المنهج :

      يتحكم في طبيعة هندسة المنهج كنظام أبعاد عديدة اشتقت من أساسيات بناء المناهج ( 5 ) وهي تحدد

الخطوات الأساسية لتخطيط وتنفيذ وتقويم هندسة المنهج عن طريق تحديد المجالات التي تساهم في صنع قراراته والإعداد لتطويره مما يكون له الأثر الفعال في الهندسة النهائية للمنهج ، ويمكن تحديد تلك الأبعاد في ما يلي :

1. الحقل الأكاديمي وطبيعة المعرفة : حيث تعتبر المعرفة بعداً هاماً من الأبعاد التي يقوم عليها بناء أو تطوير المنهج ، فلكل معرفة مواصفات خاصة بها لابد من مراعاتها عند التخطيط والتنفيذ والتقويم في هندسة المنهج ، فيجب تحديد نوع المعارف التي يمكن أن يحتويها المنهج والتي تساهم في تحقيق أهداف التربية المنشودة وفقاً لطبيعتها وحقلها الأكاديمي .

2. دراسة سيكولوجية المتعلمين : وهي إحدى الأبعاد الهامة التي يقوم عليها بناء أو تطوير المنهج ، فهي تساعد على اتخاذ القرارات وتكوين  المقترحات والتوصيات الخاصة بهندسة المنهج ، ففي ضوء معرفة  خصائص نمو المتعلمين وحاجاتهم واستعداداتهم وميولهم واهتماماتهم ، ومستوى نضجهم يتم اختيار المحتويات وخبرات التعلم في المناهج في كل مرحلة تعليمية .

3. دراسة الحياة المعاصرة خارج المؤسسة التعليمية : وهي بعد آخر من الأبعاد الهامة التي يقوم عليها بناء المنهج وتطويره ، فلا بد لمهندسي المنهج أن يراعوا جميع المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع التي يعيشها المتعلمين ، وأن يتم اختيار كل ما هو مقبول اجتماعياً وفكرياً وفقاً لنظام المجتمع وسياسته ، وتقديمه للمتعلمين في المناهج حتى لا يكون هناك فصلاً ما بين المؤسسة التعليمية والحياة المعاصرة خارجها . 

4. تحليل ودراسة الفلسفة التربوية : وهو من الأبعاد التي تتحكم في طبيعة هندسة المنهج ، فلكل مجتمع فلسفة تربوية يعتنقها ويتمسك بها ويدافع عنها ، وهي التي يتم من خلالها اشتقاق أهداف هذا المجتمع وغاياته فعلى مهندسين المنهج مراعاة  هذا البعد الهام عند التخطيط والتنفيذ والتقويم للمنهج .

 

ثانياً: التعليم الجامعي :

      عرفت موسوعة المناهج التربوية  التعليم بأنه ترتيب وتنظيم للمعلومات لإنتاج التعلم ، يتم بانتقال المعرفة من المرسل إلى المستقبل ، وتسمى هذه العملية بالاتصال ، ونتيجة لأن التعليم المؤثر يعتمد على المعرفة المتجددة لذا فإن الحصول على التعليم الفعال يستوجب عملية الاتصال الكفء بين أطراف العملية التعليمية . ( 6 ) 

      أما كلمة الجامعة  University مأخوذة من كلمة  Universitas وتعني الاتحاد الذي يضم ويجمع القوى ذات النفوذ في مجال السياسة من أجل ممارسة السلطة ، وقد استخدمت كلمة جامعة لتدل على التجمع العلمي لكل من الأساتذة والطلاب ، وتعتبر الكلمة  العربية " الجامعة " ترجمة دقيقة للكلمة الإنجليزية المرادفة لها ، فمدلولها العربي يعني التجميع والتجمع ، والجامعة مؤسسة للتعليم العالي التي يمكن أن يلتحق بها من أتم دراسة المرحلة الثانوية ، لأنها تقدم برامج تعليمية وتدريبية في شتى التخصصات النظرية والعملية ، وذلك لمدة غالباً ما تكون أربع سنوات ، وأحيانًا تستمر إلى ست سنوات . ( 7 ) 

      فالجامعة مؤسسة تعليمية اجتماعية يعززها الكيان الاجتماعي كآلية فعالة للمحافظة على الهوية الثقافية والاجتماعية التي تنهض بمتطلبات الحياة الإنسانية داخل المجتمع .

      والتعليم الجامعي أمر لازم للمجتمعات المتقدمة حتى تحافظ على موقعها في مقدمة المجتمعات ، وهو أمر أكثر لزوماً بالنسبة للمجتمعات النامية للأسباب التالية :

-  أن الثروة البشرية في هذه المجتمعات تمثل العنصر الرئيس من عناصر الإنتاج وبالتالي فإن برامج التنمية فيها تعتمد في كثير من جوانبها على طريقة إعداد هذا العنصر واستخدامه . 

-  أن هناك حاجة ملحة بالنسبة لهذه المجتمعات لأن تحقق معدلات نمو عالية حتى تلحق بركب التقدم والحضارة   أو على الأقل حتى لا تتسع الفجوة القائمة بينها وبين المجتمعات المتقدمة . ( 8 ) 

 

أهم وظائف التعليم الجامعي : يمكن تحديد أهم وظائف التعليم الجامعي فيما يلي : ( 9 )

1. إعداد الكفاءات البشرية المطلوبة وتدريبهم : إن من أهم وظائف الجامعة إعداد الكفاءات البشرية المطلوبة للمجتمع ، كما عليها أن تحرص دائماً على أن تعيد النظر في برامجها ومقرراتها في ضوء المتغيرات التي تجري في المجتمع ، وذلك بهدف تخرج فئات من المتخصصين الذين تلائم تخصصاتهم حاجات المجتمع وتوقعاته ، كما يجب إعادة تدريب المتخصصين من جديد حتى يتوافقوا مع كل جديد في ميادين أعمالهم .

2. تدعيم البحث العلمي : إن البحوث العلمية التي تجرى بالجامعة سواء أكانت من جانب الأساتذة أو طلاب الدراسات العليا ، تضيف إلى الرصيد العلمي الكلي للجامعة .

3. العمل على مواجهة مشكلات المجتمع : فعلى الجامعة عبء المساهمة في حل المشكلات التي تواجه المجتمع وهي وظيفة جديدة  للجامعات ، فعليها أن تكون منفتحة على المجتمع وعلى مشكلاته .

4.  المشاركة في إعداد القيادات الاجتماعية : وهذه وظيفة غير مباشرة للجامعة فليس هناك كليات متخصصة لتخريج القيادات الاجتماعية ، مثل المفكرين والكتاب والمدراء والعمداء والوزراء وعلماء الدين وغيرهم من القيادات الاجتماعية ، ولكن كل هؤلاء قد مر معظمهم على الجامعة التي ولاشك أنها أسهمت في تكوينهم الفكري والروحي ، بما غرست في أنفسهم من حب المعرفة ورغبة في زيادة الإطلاع ، وبما قدمت لهم من أمثلة حية للقيادات في التاريخ الإنساني .

5. الدور الإنتاجي الاقتصادي للجامعة : وهو دور جديد ووظيفة جديدة للجامعة حيث تقوم بعض الجامعات بالإسهام إسهاماً فعلياً في الإنتاج ، ليس فقط بما تقدمه من كفاءات متخصصة تدير الإنتاج نفسه ، وإنما إنتاج بعض المنتجات التي يستفيد منها المجتمع .

6. التنشيط الثقافي والفكري العام : وذلك من خلال تثقيف الطلاب وذلك من خلال كافة الوسائل المتاحة بالمجتمع . تثقيف المجتمع وذلك من خلال قنوات الإعلام المختلفة ، مع الاهتمام بالكتب والبحوث المنشورة التي توزع على الهيئات والمؤسسات ، وإقامة الندوات والمؤتمرات داخل الجامعة وخارجها .

  

أهداف التعليم الجامعي :   يركز عدد من الباحثين على أن أهم أهداف التعليم العالي والجامعي ما يلي : ( 10 )

1. تطوير البحث العلمي وتشجيع إجراء تجاربه داخل الجامعة وخارجها .

2. محاولة الإسهام في تعديل وتغير وتطوير الاتجاهات في المجتمع المحيط نحو الأفضل .

3. نشر الثقافة والمعرفة وإشاعتها بين المواطنين والإسهام في الثقافة العامة .

4. العمل على سد حاجة المجتمع من الكفاءات المتخصصة والقيادات الوطنية المدربة .

5. النظر في مشكلات المجتمع المحيط ومحاولة فهمها وتحليلها والبحث عن حلول مناسبة لها .

6. مواكبة الانفجار المعرفي الحادث في العالم وتقريبه لمجتمعاتها بحيث لا تتخلف عن ركب الحضارة .

7. تدعيم القيم الروحية لدى الشباب بحيث لا تنقطع صلتهم بتراثهم الأصيل .

8. محاولة مواكبة التغير العالمي وتكيف المجتمع له ومحاولة استشفاف المستقبل والإعداد له .

9. الإسهام في تنوير المجتمع بما حوله من تيارات فكرية مختلفة ونقدها وتوضيحها والرد عليها .

10.  تدريب وإعادة تدريب أصحاب الكفاءات لمواكبة الجديد والمستحدث في مجالات تخصصاتهم .

أهداف التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية:

      تؤكد خطط التنمية بالمملكة العربية السعودية على ضرورة تطوير الكوادر البشرية من خلال التعليم والتدريب والرعاية الصحية ، ومن أجل هذا هيأت المستلزمات الضرورية لذلك ، فانتشرت برامج التعليم والتدريب على مختلف المستويات بشكل ملحوظ وعلى امتداد المملكة بأكملها .

      وإذا كان التعليم الجامعي هو مرحلة من مراحل التعليم التخصصي الأكاديمي الذي يهدف إلى سد الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية للمجتمع ، فإن أهداف هذا النوع من التعليم قد خرجت من قلب الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي تسعى إليها المملكة في انطلاقتها الطموحة على صعيد التنمية ، واستناداً على السياسة التعليمية التي تحدد قاعدة الأهداف العامة للتعليم ، حيث صدرت وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية عن اللجنة العليا لسياسة التعليم عام 1390 هـ ( 1970 م ) ( 11 ) ، وهي تعد المرجع الأساسي الذي يلخص طموحات المجتمع نحو التعليم ، ويصوغ الأفكار والمبادئ الأساسية التى توجه مسار التعليم وسياسته وخططه وأهدافه وغاياته ونظمه ومناهجه وإعداد معلميه وأساليب التقويم فيه ، بما يؤكد على التوجه الإسلامي الصحيح ، ويبرز القيم الثقافية العالية ، ويفتح أذرعا رحبة لآفاق التطوير العلمي والتقني لمستقبل يعلي من كرامة الإنسان ويحقق الرفاه للبشر ، وقد نصت القاعدة على ما يلي :

      إن غاية التعليم فهم الإسلام فهماً صحيحاً مكتملاً ، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها ، وتزويد الطالب بالقيم وبالمثل العليا والتعاليم الإسلامية ، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة ، وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة له ، وتطوير المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ، وتهيئة الفرد ليكون عضواً نافعاً في بناء المجتمع .

      ومن هذه القاعدة جاءت أهداف التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية كما يلي :

1. تنمية الولاء لله سبحانه وتعالى وتزويد الطالب بالتربية الإسلامية التي تجعله يشعر بمسئوليته أمام الله ، وأن يضع كل طاقاته في المثمر والمفيد من الأعمال .

2. إعداد مواطنين قادرين ومؤهلين لأداء واجباتهم  في خدمة وطنهم دفعاً به إلى التقدم والرقى في ضوء مبادئ الإسلام الحكيمة ومثالياته .

3. تهيئة الفرص أمام الموهوبين من الطلاب لمواصلة تعليمهم العالي في كل ميادين التخصص الأكاديمي .

4. القيام بدور إيجابي في ميدان البحث بجميع مجالات الفنون والآداب والعلوم ، وإيجاد حلول حكيمة لمتطلبات الحياة  وإتقان جميع اتجاهات التقنية في المجتمع .

5. تنمية الكتابة التي تُسخر لخدمة العلم لإظهار الفكر الإسلامي ، وتمكين المملكة من أداء دورها في بناء الحضارة الإنسانية القائمة على المبادئ السامية للإسلام التي تهدي الجنس البشري إلى الحق ، وإنقاذ الإنسانية من أي جنوح مادي أو إلحادي .

6. ترجمة العلوم وضروب المعرفة المفيدة إلى لغة القرآن ، وإثراء اللغة العربية بالجديد من التغيرات والمصطلحات التي تسد احتياج التعريب ، ووضع المعرفة بين أيدي أكبر عدد من المواطنين .

 

مناهج التعليم الجامعي :

       يعتبر المنهج الجامعي بمفهومه التقليدي الضيق ، عبارة عن مجموعة من المعلومات والحقائق والمفاهيم التي تعمل الجامعة على إكسابها للمتعلمين بهدف إعدادهم للحياة ، وتنمية قدراتهم عن طريق الإلمام بخبرات الآخرين فالمنهج في ظل هذه النظرة القاصرة لم يكن يتضمن شيئاً سوى المقررات الدراسية المختلفة ، وبهذا فقد أصبح مفهوم المنهج مختلطاً بمفهوم هذه المقررات الدراسية ، بل واُعتبر أن المنهج الجامعي هو هذه المقررات الدراسية ، وقد ترتب على الأخذ بهذا المفهوم الضيق للمنهج نتائج سلبية على العملية التعليمية في الجامعة ، فلقد اقتصرت وظيفة الجامعة على الاهتمام بالجانب المعرفي ، والتركيز على الحفظ للمقررات الدراسية ، وأهملت الجوانب الأدائية والعلمية والتطبيقية ، كما أهملت جوانب هامة مثل الاهتمام بميول وحاجات المتعلمين واستعداداتهم واتجاهاتهم وميولهم .

 

      أما المفهوم الآخر للمنهج الجامعي فهو الذي يجعل النمو الشامل للمتعلم من جميع الجوانب هدف له ، وينظر إلى الخبرات نظرة واسعة تجتمع فيها المعرفة مع العمل مع الاهتمام بالجوانب الوجدانية للمتعلمين ، وذلك في مواقف تهيأ لهم بحيث يكون هؤلاء المتعلمين ونشاطاتهم وسيلة لاكتساب الخبرات المتنوعة ، ويكون هذا النشاط مبنياً على ميولهم ورغباتهم ووفق قدراتهم ، وهذا هو المنهج الجامعي بمفهومه الواسع الحديث الذي اشتق من الوظيفة الأساسية للتربية الحديثة ، ألا وهي نمو المتعلم من جميع الجوانب العقلية والمهارية والوجدانية والاجتماعية والنفسية والروحية ، والعمل على تعديل سلوك المتعلم وفق مطالب النمو وحاجات المجتمع .

 

      ففي ظل المفهوم الواسع للمنهج ، فإن التطوير  يجب أن يسير وفق الأسس والقواعد العلمية الصحيحة الخاصة به  ويشترط فيه أن يتضمن جميع مكونات المنهج ، وجميع العوامل المؤثرة فيه بأن ينصب على الحياة التعليمية بشتى أبعادها  وعلى كل ما يرتبط بها ، فلا يركز فقط على المعلومات في حد ذاتها ، وإنما يتعداها إلى الطريقة والوسيلة والكتاب والمكتبات والإدارة ونظم التقويم ، ثم إلى المتعلم نفسه والبيئية التي يعيش فيها أو المجتمع الذي ينتمي إليه ، الأمر الذي يستوجب إعداد للعناصر البشرية والمادية اللازمة لتحقيق ذلك ، فتطوير المناهج ليس مجرد إعداد تخطيط كتابي بصورة جديدة للمنهج ، إنما يتطلب ذلك دراسات علمية دقيقة تمهد لأتحاذ القرارات ووضع التخطيط السليم للمنهج  حتى لا يصدر عن ذلك انطباعات ذاتية لا يلبث أن يكتشف أخطاؤها ، الأمر الذي يؤدي إلى انحدار مستوى التعليم

 

      كما يجب أن ينظر إلى المناهج التعليمية في الجامعة على أنها أهم العناصر المكونة للنظام التعليمي ، وهي نظام متكامل يتكون من نظام معرفي ، له فلسفته وأهدافه ومحتواه وطرائقه ، ويمكن تحويله إلى صيغة بنائية هي مجموعة المعلومات والحقائق والمفاهيم والمبادئ والتعليمات والنظريات والقوانين ، وغير ذلك من الاتجاهات والقيم والمهارات والنشاطات التعليمية الأخرى المخططة والمنظمة التي يتم تعليمها تحت إشراف الجامعة لتحقق الأهداف المقصودة  فمكونات المناهج مسألة تربوية هامة يجب أن لا تحدد بصورة عشوائية بل ينبغي أن تحدد في إطار طبيعة النظام المعرفي الذي يتلاءم مع الحقل التخصصي للمنهج ، لأن الطبيعة المنهجية للنظام المعرفي لأي حقل يفرض تنظيما معرفيا خاصا .

تطوير مناهج التعليم الجامعي :  

      تحتاج الجامعة إلى تطوير مناهجها باستمرار لكي تواكب التطور الهائل والسريع في مجال العلم والمعلومات والتكنولوجيا وذلك من خلال ما يلي : ( 12 )

1. الاهتمام بإقامة المؤتمرات العلمية للأقسام والكليات . 

2. تشجيع البحث والإطلاع . 

3. العناية بالمذكرات والكتب الجامعية . 

4. تطوير نظام الامتحان . 

5. تنمية العلاقات الإيجابية بين الأستاذ الجامعي والطالب .

ويرتبط المنهج بالتدريس فهي عملية ذات طبيعة معقدة كونها تتأثر بعدد كبير من العوامل ، منها ما يتصل بالأستاذ الجامعي ، من حيث إعداده العلمي ، وتعمقه في التخصص ، وإعداده المهني التربوي ، والمسلكي في التدريس الجامعي ، وسمات شخصية ، وصلاته مع الطلبة وتعامله معهم ، ومنها ما يتصل بالطالب الجامعي نفسه من حيث خصائصه الشخصية ، وقدراته وميوله ، ومستواه الاقتصادي والاجتماعي واستعداده للتعليم الجامعي ، ومنها ما يتصل بطبيعة المناهج والبرامج الجامعية ، والخطط الدراسية والتدريسية في الجامعة من حيث طبيعتها وأهدافها ومحتواها وتقويمها ومتطلباتها الأخرى ، وبخاصة مدي مواءمتها مع اهتمامات الطالب وحاجاته من جهة ومتطلبات سوق العمل والمجتمع من جهة أخرى ، هذا بالإضافة إلى الإدارة الجامعية الرشيدة التي تهيئ مناخا جامعيا تعليميا وبحثيا مناسباً حيث تتضافر وتتعاون هذه العوامل لتساعد على تحقيق أهداف الجامعة . ( 13 ) 

 

عناصر مناهج التعليم الجامعي : 

أتفق كثير من التربويين وخبراء المناهج على أن أهم عناصر المنهج في التعليم الجامعي هي :

1. الأهداف التعليمية . 

2. المحتوى المعرفي ( الخبرات التعليمية ) . 

3. طرق التدريس وأساليب التعليم ، والأنشطة التعليمية التي تساعد المتعلم على تعلم خبرات المنهج . 

4. طرائق التقويم المستخدمة في قياس مدى تحقيق الأهداف التربوية المنشودة . 

5. التغذية الراجعة التي تمثل الآلية المنهجية في إدخال التغيرات والتعديلات على عناصر المنهج كلها ، بحيث يبقى المنهج في حالة تحديث دائم ، بفضل عمليات التقويم المنهجية التي تقدم تغذية راجعة لتطوير عناصر المنهج أول بأول فيظل المنهج متجددا في سياق الحاجات الإنسانية والاجتماعية والثقافية والمعرفية والمتغيرات التي تفرض نفسها على المناهج التعليمية .  

 

      والمنهج بمكوناته يمثل نظاما خاصاً له أهداف وبنيه ومضمون ووظائف ، وبين مكوناته علاقات شبكية متبادلة التأثير والتأثر بغرض التكامل والتنسيق لجعل النظام فعالا في تحقيق أهدافه المنشودة ، وحتى تتمكن الجامعات في المملكة من تصميم منهج تعليمي فعال يجب أن تراعي المدخلات التالية : ( 14 ) 

1. طبيعة المتغيرات الحضارية في واقع الحياة ، وتتمثل في بعد البيئة الطبيعية والنظام الاجتماعي والنظام القيمى والنظام المعرفي والتكنولوجي . 

2. طبيعة أهداف ووظائف التعليم الجامعي ، المتمثل في تحسين الطبيعة وخدمة البيئة والبحث العلمي وتطوير المعرفة والتكنولوجيا . 

3. محددات أسس بناء المناهج وما تنطوي عليه من مفاهيم . 

4. بيئة نظام المنهج وعناصره ، أي النظر إلى المنهج على أنه نظام يتكون من مجموعة عناصر ، وبين هذه العناصر علا قات شبكية متبادلة لضمان كفاية داخلية عالية بين أجزاء لتحقيق الأهداف المنشودة من المنهج التعليمي . 

 

ثالثاً: محتوى المواد الدراسية ووظائفها :

      المحتوى أحد عناصر المنهج وأولها تأثيرا في الأهداف التي يرمي المنهج إلى تحقيقها ، وهو يشتمل على المعرفة المنظمة المتراكمة عبر التاريخ من الخبرات الإنسانية ، ويشتمل على المعرفة التي هي حصيلة الخبرات البشرية اليومية التي لم تنتظم بعد في حقل معرفي معين ، فلكل مادة دراسية لها خاصيتان أساسيتان ، الأولى منهما تتمثل في حصيلة المعلومات التي تتضمنها المادة ، أما الثانية فهي تتمثل في طرائق البحث أو الاستراتيجية التي يجب اتباعها لاكتساب المهارات والاتجاهات اللازمة لمعرفة جوانب المعرفة المتضمنة لتلك المادة .

      وقد ذكرت بعض أدبيات الدراسة في حقل المناهج أن هناك وجهات نظر عديدة فيما يتصل بالوظيفة الحقيقية للمادة الدراسية في المنهج الدراسي تتلخص في :

-       هناك من يرى أن المحتوى له أهمية خاصة في حد ذاته ، وبذلك يكون لكل جزء من جزئيات المادة الدراسية قيمة في ذاته ، لذا فإن إهمال أي من التفصيلات يسبب ثغرة في خلفيات التلاميذ المعرفية ، وهذا الاتجاه يؤكد على أن المواد الدراسية لها القدرة على تدريب العقل .

-       وهناك من يرى ويؤكد على المفهوم الحديث لتدريب العقل ، ويرون أن هذا التدريب تحليلي ، لذا يجب التركيز على التفكير العملي والتفكير الناقد ، والقدرة على حل المشاكل ، والقدرة على متابعة البحث العلمي ، وبذلك تكون هناك علاقة متبادلة بين المحتوى والعمليات ، ويدعو أصحاب التوجه الثاني إلى رفض ما يسمى بالمواد الدراسية التطبيقية ، ويؤيدون فكرة تركيز المنهج الدراسي على الموضوعات الصعبة والمقررات الدراسية الأكاديمية ، ومن ناحية ثانية يرى بعض رجال التربية أن مصدر التأثير التربوي لا يكمن في محتوى المواد الدراسية بل يكمن في النشاط العقلي الذي يقوم به المتعلم ، أو الذي يحاول المعلم إثارته في نفس المتعلم ، وعلى الرغم من عدم قبول فكرة محتوى المادة الدراسية لذاتها فقط فانه لا يمكن رفضها تماما لان هذا المحتوى على أي مستوى من المستويات يكون مهماً بالنسبة لإكساب المتعلم عددا من المفاهيم والحقائق العلمية ، ويكون ذا نفع في إعداده كانسان يستطيع أن يقابل متطلبات الحياة ومتغيراتها  ويمكن ترتيب محتوى المقررات والمواد الدراسية باعتبارها مكونة من معرفة في عدد من المستويات كما يلي . ( 15)

‌أ-      الحقائق النوعية : وهذه تتمثل في الحقائق المعينة ، والأفكار الوصفية في أدنى مستويات التجريد ، كما تتمثل في العمليات والمهارات النوعية المحددة ، ويمكن أن نطلق على الحقائق النوعية لفظ البديهيات ، ويجب إتقان التلاميذ لبعض هذه الحقائق التي قد لا تؤدي إلى أفكار جديدة ولا تدفع العقل إلى الأمام ، فإن أهميتها تظهر في أن التعميمات تشتق منها ، كما أنها تحقق الأبصار ، إذ دون الحقائق التى يتضمنها المنهج لا يمكن إكساب التفكير الدقيق للتلاميذ .

‌ب-      الأفكار الأساسية والحقائق والنظريات : تؤلف هذه الأفكار ما نسمه ببنية المادة الدراسية ، إذ أن هذه الأفكار تصف حقائق عامة ونظريات ، وعندما يسيطر عليها المتعلم فانه يستطيع بسهولة تفسير ظواهر كثيرة معينة ، فالفكرة التى تقوم على أساسها هي إن لكل مادة دراسية بنيتها الخاصة بها والتي تميزها عن غيرها من المواد ، ويكون الهدف الأساسي من التدريس هو فهم بنيات تلك المواد المختلفة ، وفي الواقع إن معظم الحقائق تستخدم كوسائل لتحقيق غايات بعينها تتمثل في فهم المدركات ، والمبادئ وغرس الاتجاهات العلمية ، وتزويد المتعلمين بمهارات تستخدم في المنهج العلمي ، وتساعد الأفكار الأساسية المتعلم على السيطرة على مدى عريض من المادة الدراسية ، وعلى تنظيم العلاقات بين الحقائق والنظريات والاستبصار والفهم ، ويمكن تسمية الأفكار الرئيسة بالأساس ، إذ أنها نقط الارتكاز الضرورية التي يجب فهمها ، والسيطرة عليها حتى يتم فهم المادة العلمية أو المجال الذي يتضمن هذه الأفكار بما فيها من حقائق ونظريات ، لذا يجب اختيار تلك الأفكار بدقة وعناية .

‌ج-      المفاهيم : عبارة عن مجموعة متنوعة من الأفكار بالغة التجريد ، وهي تكون من خلال خبرات متتابعة ولا يمكن فصلها إلى وحدات محددة ، لذا يجب أن تدخل وتتكامل في نسيج المنهج ، وأن تفحص المرة تلو المرة عند تنظيم بنية المنهج الرئيس .


ثالثاً: آلية استخدام هندسة المنهج كنظام لتطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي بالمملكة العربية السعودية ؟

      بما أن الجامعة هي قمة الهرم التعليمي ، وهي تُعتبر من أهم المصادر المعرفية التخصصية للفرد ، والملبية لحاجات التنمية الشاملة والمتعددة للمجتمع ، وتأكيداً على الاتجاه العام نحو تطوير نظم التعليم الجامعي ، وبالحث على استخدام أحدث ما توصل إلية العلم في مجال المناهج ، وحيث أن هندسة المنهج كنظام من أحدث الاتجاهات العلمية التي يمكن من خلالها تطوير المناهج ،  فيمكننا أن نستخدمه وفقاً للخطوات والإجراءات التالية :

أولاً :  تشكيل لجنة عليا من الدولة تمثل إدارة هندسة المناهج كنظام وظيفتها تحديد كافة الأنشطة والإجراءات التنظيمية التي تتطلبها عملية هندسة المنهج والتي تشمل الأتي :

1. فحص المناهج المراد إعدادها أو تطويرها .

2. وضع السياسة العامة والمعايير اللازمة التي في ضوئها تقوم هندسة المنهج .

3. اختيار المشاركين في عملية هندسة المنهج من الفئتين التاليتين :  ( الفئة الأولى : وهم ما يمكن تسميتهم    " بالمنظرين " وهم العلماء والمفكرين والتربويين وكافة المختصون في الفروع العلمية المعرفية سواء في الدين الإسلامي أو اللغة العربية أو الاجتماعيات أو العلوم الطبيعية وغيرها بالإضافة إلي المهنيين في المجتمع كالأطباء والمهندسين وخبراء الاقتصاد والزراعة والإعلام ) و( الفئة الثانية : وهم ما يمكن تسميتهم " بالممارسين للعملية التربوية والتعليمية "  وهم المعلمين والمشرفين والتربويين والموجهين الطلابيين والمديرين وغيرهم ) .

1. الإعداد والإشراف والمتابعة للبرامج التدريبية للمشاركين في مشروع هندسة المنهج .

2. تهيئة الإمكانات المادية والبشرية وكافة المستلزمات التي تتطلبها عملية هندسة المنهج .

و تنبثق من هذه اللجنة العليا التي تمثل إدارة هندسة المنهج عدة لجان أخرى أساسية عامة ، حيث تنبثق من هذه اللجان الأساسية العامة عدة لجان أخرى فرعية خاصة كما يلي :

1. لجنة أساسية عامة تمثلها إدارة الجامعة وظيفتها إعداد وتدريب جميع العاملين بالجامعة  ، ويتفرع من هذه اللجنة اللجان الفرعية التالية :

                                      ‌أ.       لجنة إعادة إعداد وتدريب الإداريين بما في ذلك إدارة الجامعة .

                                      ‌ب.       لجنة إعادة إعداد وتدريب أعضاء هيئة التدريس بجميع الأقسام والكليات .

                                      ‌ج.       لجنة إعادة إعداد وتدريب الموظفين بالجامعة .

                                      ‌د.       لجنة إعادة إعداد وتدريب المستخدمين بالجامعة .

2. لجنة أساسية عامة يمثلها فريق عمل من أعضاء وعضوات قسم التربية الفنية وظيفتها تطوير المناهج من حيث ( التخطيط والتنفيذ والتقويم ) ، ويتفرع من هذه اللجنة اللجان الفرعية التالية :

                                      ‌أ.        اللجنة الفرعية لتحديد أهداف المنهج .

                                      ‌ب.        اللجنة الفرعية لاختيار وتنظيم محتوى المنهج ، فعلى مهندسي المنهج في هذه اللجنة مراعاة ما يلي :

  • وأن يتم اختيار المحتوى المعرفي للمناهج التعليمية والجامعية بدلالة طبيعة النظام المعرفي للموضوع أولاً ، ثم بدلالة الأهداف ثانياً ، وخبرات المتعلمين ثالثا ، وأن  تجمع المادة التعليمية بين النظرية والتطبيق حتى تساعد الطلبة على استخدامها في واقع الحياة ، وأن تنظم في ضوء مبادئ التتابع والاستمرار والتكامل لتشكيل وحدة معرفية ذات منطق ومعنى عند المتعلمين ، الأمر الذي يزيد من تحصيل الطلبة ويدفع بهم إلى  استمرارية التعليم .
  • أن يتم اختيار المحتوى المعرفي والخبرات التعليمية بدلالة الأهداف التربوية المقصودة ، بحيث تأتي محتويات المناهج التعليمي منتمية إلى طبيعة الأهداف كما ونوعا ، أُفقياً ورأسياً ، وهذا يستدعي تحليل الأهداف التربوية إلى صيغ سلوكية في مجالاتها الثلاثة ، ثم اختيار المحتوى المعرفي لتغطية هذه الأهداف السلوكية بأنواعها المختلفة .
  • وان يراعى في محتوى المنهج أن يكون نموذجا معرفيا حديثا فعالا يتصل بالكفايات التي يطلبها المتعلمون ،  وتستدعيها حاجات الواقع الاجتماعي للنهوض به وتطويره ، وأن يتم تحديده بتحليل الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والصناعي والتكنولوجي وغير ذلك من الأبعاد التي تكون الخبرات التعليمية للمنهج التعليمي .
  • بناء المحتوى للمنهج بصورة تتجاوز التجزئة المعرفية ، وتنظيمه بما يتلاءم مع المكتشفات السيكولوجية لزيادة فعالية التعليم عند الطلبة ، وأن يراعي في تنظيم محتوى المنهج التوكيد على مبدأ التعلم الذاتي لتنظيم دور الطالب في اكتساب المعرفة .
  • تطوير المحتوى المعرفي للمنهج عن طريق الإفادة من نتائج البحث العلمي في الموضوع المعرفي للمنهج ،  والسعي في الانفتاح على الخبرة العالمية في تطوير محتوى المنهج ، بحيث يكون المحتوى المعرفي في المنهج حديثا وفعالا .
  • إخضاع المحتوى المعرفي لمناهج التعليم الجامعي إلى التجريب على الطلبة للأخذ بآرائهم في جعل المنهج التعليمية أكثر معنى وملائمة للتعلم .

                                      ‌ج.       اللجنة الفرعية لتجريب المنهج .

                                      ‌د.        اللجنة الفرعية لتقويم المنهج .

3. لجنة أساسية عامة تمثلها إدارة الجامعة مع أعضاء وعضوات هيئة التدريس بالجامعة للتقويم الشامل والامتحانات ، وظيفتها ملازمة عملية التخطيط والتنفيذ منذ البداية ، ويتوقف نجاح هذه اللجنة على ما يلي :

‌أ. وجود أساليب وأنواع مختلفة من التقويم تكفل سرعة الكشف عن مدى نجاح مسار هندسة المنهج كنظام .

‌ب. وجود مرونة كافية تسمح بإجراء التعديلات المطلوبة التي كشفت عنها عملية التقويم .


فيما سبق تمت الإجابة علي تساؤلات الدراسة بتصور نظري مبسط عن آلية استخدام هندسة المنهج كنظام لتطوير مناهج وطرق تدريس التعليم الجامعي  بالمملكة العربية السعودية ؟


q    توصيات الدراسة : 

  1.  الاستفادة من كل الاتجاهات الحديثة في علم المناهج وتطويرها واستخدامها فيما يفيد الفرد والمجتمع  .
  2.  استخدام هندسة المنهج كنظام في تطوير مناهج التعليم الجامعي بشكل عام على فترات زمنية محددة وتشكيل لجان علميه خاصة بذلك تشمل على جميع المعنيين بالعملية التعليمية .
  3.  عمل دراسات علمية مستفيضة لمعرفة الحاجات الملحة لكلٍ من المتعلمين والمجتمع بالمملكة العربية السعودية  بحيث يتم مراعاتها عند هندسة المنهج في التعليم الجامعي .
  4.  الاهتمام بعملية التخطيط الشامل التي تتطلب وجود نظام فعال للمعلومات يتولى جميع البيانات وتحليلها وتصنيفها وتخزينها بطريقة تساعد على استرجاعها عند الحاجة ، الأمر الذي يحتم إنشاء مركز لبحوث الجامعة يستخدم مناهج البحث العلمي وطرائقه في دراسة مشكلات الجامعة وقضاياها ومناهجها ، وإنشاء مكتباً خاصاً لتخطيط المناهج مذوداً بالمتخصصين وخبراء التخطيط ، حيث يدعم من قبل الإدارة العليا للجامعة ، ومتصلاً بجميع الإدارات الجامعية بالمملكة العربية السعودية . 
  5.  إجراء تبادل مستمر بين مهندسي المناهج بالمملكة العربية السعودية ، وتهيئة ورش عمل تربوية يتم فيها تبادل الخبرات والمعارف ، كما يتم فيها استضافة خبراء المجال من أجل عمل دراسات تجريبية لتحديد مدى كفاية وفاعلية المناهج الموجودة على أرض الواقع وإخضاعها للهندسة المنهجية بمراحلها الثلاث التخطيط والتنفيذ والتقويم بهدف الكشف عن نقاط ضعفها ومحاولة تطويرها قدر المستطاع وفقاً للإمكانيات المتاحة .
  6.  إقامة ورش هندسية تربوية في الجامعات لكافة أعضاء هيئة التدريس من أساتذة ومحاضرين ومعيدين وفنيين لمناقشة كل ما هو مستجد في العالم ومحاولة نقله إلى المتعلمين بالطرق العلمية الصحيحة وبذلك يتم ربط مناهج الجامعة بكل ما يدور خارجها .
  7. توفير بيئة علمية لتجريب كل ما تم الوصول إليه من خلال هندسة المنهج كنظام لمعرفة إيجابياته وسلبياته والاستفادة من النتائج مستقبلاً .