11 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : غرائب القرآن ورغائب الفرقان
المؤلف: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري
دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1416 هـ - 1996 م
الطبعة : الأولى
عدد الأجزاء / 6
تحقيق : الشيخ زكريا عميران
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ]
 

" صفحة رقم 345 "
البنات فهو سعي في تخريب العالم. والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله ، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال : ولد المرء منه جزء وما حا
ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً
وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة. وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديدن فبين الله سبحانه أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال : ( أولادكم ( وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل ، وكثراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ. ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال : ( ولا تقربوا الزنا ( وهذ آكد من أن يقال ( لا تزنوا ) ثم علل النهي بقوله : ( إنه كان فاحشة ( أي خصلة متزايدة في القبح ) وساء سبيلاً ( سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسنولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها ، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد. ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم ؟ فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي بالزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة ، ولا يتم السكون والازدواج. ويتوائب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهواته ومقتضى طبعه ، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم. وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد ، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره. وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة. فاتقصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل ، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار. وقد زعم في التفسير الكبير أنه تعالى وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوته مكروهة وهو وهم ، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال : ( ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما 

(4/345)


" صفحة رقم 346 "
قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً ) [ النساء : 22 ]. وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو. ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ( وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر. ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر ، والأصل في المضار الحرمة ، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية ، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال : ( إلا بالحق ( وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله : ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ( أي تسلطاً على استيفاء القاص. فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً ، وظاهر قوله عليه السلام ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ؟ وقتل نفس بغير حق ) يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. ويحتمل أن يقال قوله : ( ومن قتل مظلوماً (. كلام مستأنف ، والحديث بتمامه تفسر لقوله : ( إلا بالحق ( فلا يلزم التفريع المذكور. ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( ) المائدة : 33 ] وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي : ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) [ البقرة : 191 ] هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها : أنتارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة ، وكذا اللائظ. ومنها الساحر إذا قال : قتلت فلاناً بسحري. وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة ، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا : الأصل حرمة القتل كا بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر. ثم إنه سبحانه أثبت لوليّ الدم سلطاناً. ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل : إنه قال : ( فلا يسرف في القتل ( عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل. وقيل : معنى قوله : ( فلا يسرف في القتل ( إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ( إلى قوله : ( فمن عفى ) [ البقرة : 178 ] الآية. فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل

(4/346)


" صفحة رقم 347 "
وأن يكتفي بالعفو وأخر الدية ، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص. وعن الشافعي أن التنوين في قوله : ( مظلوماً ( للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص ، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك ، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال تعالى : ( اقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية. وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ) الحر بالحر والعبد بالعبد ) [ البقرة : 178 ] خاص والخاص مقدم على العام. من قرأ ) فلا تسرف ( بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم ، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يتقل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية. وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل ، أما الضمير في قوله : ( إنه كان منصوراً ( فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه ، أو نصره بمعونة السلطانوالمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه ، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله ، وفي الآخرة بإعطاء الثواب. وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في تله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف. ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ( بالطريقة التي ) هي أحسن ( وهي تثميره وإنماؤه. وروى مجاهد عن ابن عباس : إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ) حتى يبلغ ( اليتيم ) أشده ( بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر ( الأنعام ) ) وأوفوا بالعهد ( يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناحكات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده. ) إن العهد كان مسئولا ( أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به ، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد : فيما يكال تبكيتاً للناكث كقوله : ( وإذا الموءودة سئلت ) [ التكوير : 8 ] ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن. والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون. وقيل : كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعل ، وقيل رومي أو سرياني ) ذلك ( الإيفاء والوزن المعدل ) خير ( من التطفيف ) وأحسن تأويلاً ( عاقبة من آل إذا رجع. أما في الدنيا فلانة إذا اشتهرت بالحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه .

(4/347)


" صفحة رقم 348 "
وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات ، وأما في الآخرة فظاهر. وقال الحكيم : إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شدي والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه. ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال : ( ولا تقف ( أي لا تتبع من قولك ( فقوت فلاناً ) أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت ، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب. والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به ، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل : نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله : ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) [ النجم : 23 ] ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ) [ الأنعام : 148 ] وعن محمد بن الحنفية : المراد شهادة الزور. ومثله عن ابن عباس : لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقيل : أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكذايب. وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه. وقل قتادة : معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم. وقيل : القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث : ( من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ) أي يتوب. وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد. احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم. وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) [ الممتحنة : 10 ] ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن ، وإنه لا يفيد إلا الظن. سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به ، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض ، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف ، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز. وكذا الاجتهاد في القلبة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات ، وكذا الفصد

(4/348)


" صفحة رقم 349 "
والحجامة وسائر المعالجات ، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته ، أو الوارث لحصول التوارث ، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين. وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة. وقال صلى الله عليه سلم : نحن نحكم بالظاهر. والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن. فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية ، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به. وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أن التمسك بآيات القرآن جائز. ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر ، ثم علل النهي بقوله : ( إن السمع والبر وكل أولئك ( إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله : والعيش بعد أولئك الأيام. ) كان عنه مسئولاً ( قال في الكشاف : ( عنه ( في موضع الرفع بالفاعلية مثل ) غير المغضوب عليهم ) [ الفاتحة : 7 ] وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه. والصواب أن يقال : إنه فاعل ) مسئولاً ( المحذوف والثاني مفسر له. وكيف يسأل عن هذه الجوارح ؟ قيل : يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني ، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب. وقيل : إنه تعالى ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها. ) ولا تمش في الأرض مرحاً ( نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل ( أتاني ركضاً ) ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر. ) إنك لن تخرق الأرض ( لن تثقبها بشدة وطأتك ) ولن تبلغ الجبال طولاً ( مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ، أو تمييز ، أو مفعول له ، أو مصدر من معنى تبلغ. بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض ، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال ، فلا يليق به أن يتكبر. وبوجه آخر كأنه قيل له : إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك ، فلا تفعل فعل المقتدير القوي. وقيل : إنه مثل ومعناه : كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته. ) كل ذلك كان سيئه ( من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله : ( لا تجعل مع الله إلهاً آخر ( بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات ، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله. ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط. ومن قرأ ) سيئة ( على التأنيث فقوله : ( كل ذلك ( إشارة إلى

(4/349)


" صفحة رقم 350 "
المنهيات خاصة. وقيل : إن الكلام قد تم عند قوله : ( وأحسن تأويلاً ( وقوله : ( كل ذلك ( إشارة إلى ما نهى عنه في قوله : ( ولا تقف ( ) ولا تمش ( وإنما قال : ( سيئة ( على التأنيث مع قوله : ( مكروهاً ( على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم. قالت المعتزلة : الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله تعالى لأنها مكروهة عنده. وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال. أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها ، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية. وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ) ذلك ( الذي ذكر من قوله : ( لا تجعل ( إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ) مما أوحى إليك ربك من الحكمة ( سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه. روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى عليه السلام. وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به. لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية ، ولقد جعل الله سبحانه فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء. وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا ، ورتب على الاثنية أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنا حاله في الآخرة. وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده. وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال : الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر ، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك. ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال : تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت. والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة. ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال : ( أفأصفاكم ( أي أفخصكم ) ربكم ( على وجه الخلوص والصفاء ) بالبنين ( الذين هم أفضل الأولاد ) واتخذ من الملائكة ( أولاداً ) إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ( بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام ، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقول لكم وعادتكم فإن العبيد لا

(4/350)


" صفحة رقم 351 "
يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث. التأويل : خاطب نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال : ( لا تجعل مع الله إلها آخر ( من الدنيا والآخرة ، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ( وإنما قال : ( ربك ( لأنه أصل في التربية والأمة تبع له ، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ) وبالوالدين ( والد الروح ووالدة البدن. والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ) أما يبلغن عندك ( يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية ، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ) ولا تنهرهما ( عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية ، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن ، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ) ربكم أعلم بما في نفوسكم ( من الاستعداد ) أنتكونوا صالحين ( مستعدين للخلافة ) فإنه كان للأوابين ( الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ) غفوراً ( سائراً بأنوار جماله. ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ) وآت ذا القربى ( وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير. ( الإسراء : ( 41 - 60 ) ولقد صرفنا في . . . .
" ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ربكم أعلم بكم إن يشأ

(4/351)


" صفحة رقم 352 "
يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا "
( القراآت )
ليذكروا ( من الذكر وكذلك في ( الفرقان ) : حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر. ) كما يقولون ( على الغيبة : ابن كثير وحفص ) عما تقولون ( على الخطاب : حمزة وعلي وخلف. ) تسبح ( بتاء التأنيث : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة. الآخرون على التذكير ) أئذا ( ) أئنا ( القول فيه كما مر في ( الرعد ) وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة ( قد أفلح ) وفي سورة السجدة. الوقوف : ( ليذكروا ( ط ) نفوراً ( ه ) سبيلاً ( ه ) كبيراً ( ه ) فيهن ( ط ) تسبيحهم ( ط ) غفوراً ( ه ) مستوراً ( لا للعطف ) وقرأ ( ط ) نفوراً ( ط ) مسحوراً ( ه ) سبيلاً ( ه ) جديداً ( ه ) حديداً ( لا ) صدوركم ( ج للفاء مع أن السين للاستئناف ) بعيدنا ( ط ) أوَّل مرة ( ج لما قلنا ) متى هو ( ط ) قريباً ( ه ) قليلاً ( ه ) أحسن ( ط ) بينهم ( ط ) مبيناً ( ه ) أعلم بكم ( ه ) يعذبكم ( ط ) وكيلاً ( ط ) والأرض ( ط ) زبوراً ( ه ) شديداً ( ط ه ) مسطوراً ( ه ) الأوّلون ( ط لأن الواو للاستئناف ) فظلموا بها ( ط ) تخويفاً ( ه ) بالناس ( ط ) في القرآن ( ط الكل لما مر. ) ونخوّفهم ( لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ) كبيراً ( ه. التفسير : لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال : ( ولقد صرفنا ( أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح. ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ) في هذا القرآن ( أو محذوف للعمل به والمراد

(4/352)


" صفحة رقم 353 "
صرفنا فيه ضروباً ) من كل مثل ( وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله أنه مما كرر ذكره ، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. وقيل : لفظة ( في ) زائدة كقوله ) وأصلح لي في ذريتي ) [ الأحقاف : 15 ] قال الجبائي : في قوله : ( ليذكروا ( دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها. والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان. وقالت الأشاعرة : قوله : ( وما يزيدهم إلا نفوراً ( دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلان يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل ، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم. عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال : زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً. ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله : ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ( فقالك ) قل لو كان معه آلهة كما يقولون ( أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون. وفي قوله ) إذا ( دلالة على أن ما بعدها وهو ) لابتغوا ( جواب ع مقالة المشركين وجزاء ل ( لو ) قاله في الكشاف. قلت : ولعل ) إذا ( ههنا ظرف لما دل عليه ) لابتغوا ( أي لطلبوا إذا ذاك ) إلى ذي العرش سبيلاً ( بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [ الأنبيا : 22 ] ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز. وقيل : معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة ، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله. ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال ) سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ( فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ) أنبتكم من الأرض نباتاً ) [ نوح : 17 ] ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها. ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله : ( تسبح له ( الآية. قالت العقلاء : تسبيح الحي الملكلف يكون تارة باللسان بأن يقول ( سبحان الله ) وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم ، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنيية معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون. وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ) ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم .

(4/353)


" صفحة رقم 354 "
وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله. وأيضاً الخطاب للمشركين ، وإنهم وإن كانا مقرين بالخالق ، إلا أنةهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله : ( إنه كان حليماً غفورا ( حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم ، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه. وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر ، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً لهن التسبيح. وكذا كسر الغصن ، ويمكن وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو. مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب نستدل على حياته تعالى بالإذن الشرعي ، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل : إن لكل موجود حياة تليق به. ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال : ( وإذا قرأت القرآن ( قيل : نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا قرأ القرآن عليهم. يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاؤ من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. وعن أسماء. كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وهي تقول : مذمماً أتينا ، ودينه قلينا ، وأمره عصينا. فقال أبو بكر : يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك. فتلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآيات. فجاءت وما رأت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقالت : إن قريشاَ قد علمت أني أبنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : ورب هذه الكعبة ما هجاك. وعن ابن عباس : أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ويسمعون حديثه. فقال النضر يوماً : ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء. وقال أبو سفيان : إني

(4/354)


" صفحة رقم 355 "
أرى بعض ما يقوله حقاً. وقال أبو جهل : هو مجنون. وقال أبو لهب : كاهن. وقال حويطب بن عبد العزى : هو شاعر فزلت. وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ) [ الآية : 57 ] وفي النحل : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ( ) الآية : 108 ] وفي ( حم الجاثية ) ) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) [ الآية : 23 ]. وكان الله تعالى يجحبه ببركات هذه الآيات عن عوين المشركين وذلك قوله : ( جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ( أي ذا ستر وقد جاء مفعلو بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو ( لابن وتامر ) من ذلك قولهم ( رجل مرطوب ) أي ذو رطوبة ، و ( مكان مهول ) و ( ذول ) و ( سبل مفعم ) ذو إفعام. وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل ( مشؤوم ) و ( ميمون ). وقيل : إنه حجاب يخلقه الله في عيونه بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور. وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه تعالى يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية ، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به. والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله : ( وجعلنا على قلوبهم ) [ الأنعام : 25 ] الآية. على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ( ) الأنعام : 35 ]. وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته. وقال الكعبي : أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول : أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك. وقال جار الله : هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب. ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال تعالى : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ( وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل ( وأرسلها العراك ) ) ولوا على أدبارهم نفوراً ( مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله : ( نحن أعلم بما يستمعون به ( من الهزء بك وبالقرآن. قاتل جار الله ) به ( في مضوع الحال كما تقول يستمعون

(4/355)


" صفحة رقم 356 "
بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ) إذ يستمعون ( نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ) وإذ هم نجوى ( أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ) إذ يقول الظالمون ( ( إذ ) بدل من ( إذ هم ) ) إن تتبعون ( أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ) إلا رجلاً مسحوراً ( سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال. وقيل : المسحور الذي أفسد من قولهم ( طعام مسحور ) إذا أفسد عمله ( أرض مسحورة ) أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. وقال مجاهد ) مسحوراً ( مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة ، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات ، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك. وقال أبو عبيدة : يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة. قال ابن قتيبة : لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة. ) انظر كيف ضربوا لك الأمثال ( شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا : إنه كاهن وشار وساحر ومعلم ومجنون ) فضلوا ( في جميع ذلك عن طريق الحق ) فلا يستطيعون سبيلاً ( إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذ لا منار به. وحين فرغ من شبهات ا لقوم في النبوّات حكى شبهتهم ، في أمر المعاد. وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم الاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه : رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها. وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر ، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع ؟ فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن ، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي ورغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل : أتطمع فيّ وأنا فلان ؟ فيقول : كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي. أما قوله : ( خلقاً مما يكبر في صدوركم (. فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة ، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء. وقال مجاهد : أراد به السموات والأرض. وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها. وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال : هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب

(4/356)


" صفحة رقم 357 "
الجسم عرضاً محال. وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد. وفي قوله : ( قل الذي فطركم أول مرة ( بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات ، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى. ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا : ( من يعيدنا ( فأجاب بأنه الفاطر الأول. ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله : ( فسينغضون إليك رؤوسهم ( أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء. قال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكار له أنض رأسه. قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث ، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه. لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول : كل ما هو آتٍ قريب ، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل. قوله : ( يوم يدعوكم ( منتصب ب ) اذكروا ( والمراد يوم يدعوكم كان ما كان ، أو هو بدل من ) قريباً ( وةالمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة. يروى أن إسرافيل ينادي : إيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت. والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة ، قال في الكشاف : الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز ، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله : ( بحمده ( حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه : ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل ، وهذا يذكر في معرض التهديد. وقال سعيبد بن جبير : ( يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك. وقال قتادة : بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم : حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال آخرون : الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ) وتظنون إن لبثتم إلاّ قليلاً ( عن قتادة : تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن : معناه تقريب

(4/357)


" صفحة رقم 358 "
وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وقال ابن عباس : يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت. وقيل : أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار. ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال : ( وقل لعبادي ( أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ) فبشر عبادي الذين يستمعون القول ) [ الزمر : 17 ] ( عيناً يشرب بها عباد الله ) [ الدهر : 6 ] ( فادخل في عبادي ) [ البقرة : 29 ] ، ) يقولوا ( الكلمة أو الحجة ) التي هي أحسن ( وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة. ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال : ( إن الشيطان ينزغ بينهم ( أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود. ثم قال : ( ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ( أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ) أو إن يشأ يعذبكم ( بتسليطهم عليكم ) وما أرسلناك ( يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير. والهداية إلى الله. وقال جار الله : الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله : ( ربكم أعلم بكم ( إلى آخر أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار ، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم. وقوله : ( إن الشيطان ينزغ بينهم ( اعتراض. وقيل : المراد بالعياد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد ، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك. ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه ، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي. ثم قال لهم : ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ( بتوفيق الهداية ، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب. ثم قال لرسوله : ( وما أرسلناك عليهم وكيلاً ( حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف. وقيل : نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو. وقيل : أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فنزلت. وحين قال : ( ربكم أعلم بكم ( عمم الحكم فقال : ( وربك أعلم بمن في السموات والأرض ( يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال : ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ( وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش

(4/358)


" صفحة رقم 359 "
وأكابرهم. وأنما ختم الآية بقوله : ( وآتينا داود زبوراً ( ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله سبحانه إلا بمزية إيتاء الكتاب. وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) [ الأنبياء : 105 ] أي محمد وأمته. ومعنى التنكير في ( زبور ) أنه كامل في كونه كتاباً. والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن ، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً. وقيل : إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات ، وكانت اليهود تقول : إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة ، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى. ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة ، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال : ( قل

(4/359)


" صفحة رقم 360 "
ادعوا الذين زعمتم من دونه ( وقيل : أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا. وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ) يبتغون إلى ربهم الوسيلة ( لا يليق بالجمادات. قال ابن عباس : كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب. وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذين قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان ، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة. سؤال : ما الدليل على أن الملائكة القدرة لها على كشف الضر ؟ فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا : إن المسلمين أيضاً يتضرعون إل الله ولا يجابون ، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة. جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم ، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرته الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه ، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعولم المتيقن دون المظنون الموهوم. على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله تعالى. يقول مؤلف هذا التفسير : أضعف عباد الله تعالى وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه. رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحولاً ( فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي ، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه. وقد جرب فوجد كذلك. ثم إنه تعالى أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله تعالى في جذب المنافع ودفع المضار فقال : ( أولئك ( وهو مبتدأ و ) الذين يدعون ( صفته ) ويبتغون ( خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ) إلى ربهم الوسيلة ( أي القربة في الحوائج و ) أيهم ( بدل من واو ) ويبتغون ( وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب ؟ والدليل على هذا الافتقار إقرار جمع الكافر بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل : يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح ، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد. وقيل : أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله : ( لقد فضلنا بعض النبيين ( أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الدعوان للأمم إلى الله ، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة. واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله تعالى قال : ( يخافون عذابه ( والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه ؟ وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله : ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) [ الأنبياء : 29 ] ، ) إن عذاب ربك كان محذوراً ( أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم ، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر. ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقالك ) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ( بالموت والاستئصال ) أو معذبوها ( بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام. وقيل : الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ) كان ذلك في الكتاب ( وهو اللوح المحفوظ ) مسطوراً ( فلا يوجد له تبديل قط. ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال : ( وما منعنا ( استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة. عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه. وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأرضاي ، فطلب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من الله تعالى ذلك فقال : إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم. فقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : لا أريد ذلك أنزل اللهالآية. والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من

(4/360)


" صفحة رقم 361 "
الآيات ) إلا أن كذب بها ( الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله تعالى به عادته. والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي ، وقدعزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة ، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً. ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ) مبصرة ( أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ) فظلموا ( أنفسهم بقتلها أو فكفروا ) بها ( بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ) وما نرسل بالآيات ( المقترحة ) إلا تخويفاً ( من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه ، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذابب الآخرة على المعنى المذكور. وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال : ( وإذ قلنا لك إن ربك ( أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ) أحاط بالناس ( أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة. عن الحسن : حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال : ( والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] وقيل : أراد بالناس أهل مكة ، وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله تعالى لما كان واجب والوقوع عبر عنه بلفظ الماضي ، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر. أما قوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ( ففيه أقوال : الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال : والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول : هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد. الثاني : أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه ، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم. وقال عمر لأبي بكر : قد أخبرنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنا ندخل البيت فنطوف به. فقال أبو بكر : إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى. فلما جاء العام القابل دخلها وأنزول الله تعالى : ( لقد صدق الله رسول الرؤيا بالحق ) [ الفتح : 27 ]. الثالث : قول سعيبد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك. الرابع وهو قول أكثر المفسرين : أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء. ثم اختلفوا ، فالأكثرون على أن

(4/361)


" صفحة رقم 362 "
الرؤيا بمعنى الرؤية يقالك رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك. والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذ البحث في أول السورة. قوله : ( والشجرة ( فيه تقديم وتأخير ، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون : إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها. قال عز من قائل : ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ( أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة ، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون. والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا : زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. ونظيره قوله : ( إنا جعلناها فتنة للظالمين ) [ الصافات : 63 ]. ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار. وعن ابن عباس : الشجرة الملعونة بنو أمية. وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. وقيل : هي الشيطان. وقيل : اليهود سؤال : أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام ؟ جوابه كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الضبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك. ألا ترى أن ذلك تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة ، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك. ثم ذكر سبباً آخر في أنه تعالى لا يظهر المقترحات عليهم فقال : ( ونخوفهم ( بمخاوف الدنيا والآخرة ) فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ( متمادياً. التأويل : ( لاتبتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ( يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً ، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير : روإن من شيء إلا يسبح بحمده ( لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله : ( فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء ) [ يس : 83 ] والملكوت باطن الكون وهو الآخرة ، والآخرة حيوان لا جماد لقوله : ( إن الدار الآخرة لهي الحيوان ) [ العنكبوت : 64 ] فلكل ذرة لسن ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهخاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه ، وبهذا اللسان يطق الحصى في كف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبه تنطق الأرض يوم القيامة ) يومئذ تحدث أخبارها ( ) الزلزلة : 4 ] وبه تنطق الجوارح ) أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) [ فصلت : 21 ] وبه نطق السموات والأرض ) قالتا أتينا طائعين ) [ فصلت : 11 ]

(4/362)


" صفحة رقم 363 "
) وإنه كان حليماً ( في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ) غفوراً ( لمن تاب عن كفره. ) وإذا قرأت القرآن ( فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ). قال أبو سليمان الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآنعلى قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة. قال المحققون : استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله. وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. لم يقل ( ساتراً ) لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع. ) ولّوا على أدبارهم ( لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح ، فالحلاوة في مذاهم مرارة ) إذ يقول الظالمون ( من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ) خلقاً مما يكبر في صدوركم ( أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ) يقولوا التي هي أحسن ( من شرف من عبيده ، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً ، والفعل الأحسن وهو أن يكونمتأدباً بآداب الشريعة والطريقة ، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة ، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ) إن الشيطان ينزغ بينهم ( إذ لم يعيشوا بالنصيحة. ) وآتينا داود زبوراً ( فيه أن فضل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على داود كفضل القرآن على الزبور. ) وإن من قرية ( من قرى قالب الإنسان ) إلا نحن مهلكونها ( بموت قلبه وروحه قبلموت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ) أو معذبوها ( بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال ، وفي السير بالله ذوبان الصفات ، وفي السير في الله ذوبان الذات : ( أحاط بالناس ( علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ) وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ( كان الوحي يصل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس ، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق ، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب .

(4/363)


" صفحة رقم 364 "
( الإسراء : ( 61 - 72 ) وإذ قلنا للملائكة . . . .
" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا "
( القراآت )
اخرتني ( بالياء في الحالين : ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل. الباقون بالحذف ) ورجلك ( بكسر الجيم : حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها. ) أن نخسف ( ، ) أونرسل ( ، ) أن نعيدكم ( ، ) فنرسل ( ، ) فتغركم ( كلها بالنون : ابن كثير وأبو عمرو. والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ) فتغرقكم ( بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد : ( هذه أعمكى ( بالإمالة ) أعمى ( بالتفخيم : أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس. وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة. الباقون جميعاً بالتفخيم. الوقوف : ( إبليس ( ط ) طيناً ( ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ) عليّ ( ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ) قليلاً ( ه ) موفوراً ( ه ) وعدهم ( ط للعدول ) غروراً ( ه ) سلطان ( ط ) وكيلاً ( ه ) من فضله ( ط ) رحيماً ( ه ) الا إياه ( ج ) أعرضتم ( ط ) كفوراً ( ه ) وكيلاً ( ه لا للعطف ) تبيعاً ( ه ) تفضيلاً ( ه ) بإمامهم ( ج ) فتيلاً ( ه ) سبيلاً ( .

(4/364)


" صفحة رقم 365 "
التفسير : قال أهل النظم : إنه لما ذكر أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة ، أراد أن يبن أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم عليه السلام. وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعه واقتراحاتهم الفاسدة أمرين : الكبر والحسد. فبين الله سبحانه أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه. وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ) لأحتنكن ذريته ( وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سبع سور : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص. ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ ، قال جار الله ) طيناً ( حال إما من الموصول والعامل فيه ) أسجد ( معناه أأسجد له وهو طين في الأصل ؟ وإما من الراجع إلى الموصل من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً ؟ ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذك ) قال أرأيتك ( أي أخبرني عن ) هذا الذي كرمته ( أي فضلته ) عليّ ( لم كرمته وأنا خير منه ؟ فاختصر الكلام لكونه معلوماً. ويمكن أن يقال : هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ ؟ والإشارة هنا تفيد الاستحقار. وقيل : إن هذا مفعول : ( أرأيت ( لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار : أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ. ثم ابتدأ فقال لئن أخرتني ( واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ) لأحتنكن ذرّيته ( لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك. ومنه ما ذكر سيبويه ( أحنك الشاتين ) أي آكلهما. وقال أبو مسلم : هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. وإنما ظن إبليس به ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ) تجعل فيها من يفسد فيها ) [ البقرة : 30 ] أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والهمية والبهيمية. أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه. وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجر ) قال ( أي الله تعالى ) اذهب ( ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك اذي اختره خذلان وتخيلة وإمهالاً. ثم رتب على على الإمهال قوله : ( فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ( أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له. وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الألتفات. وانتصب ) جزاء موفوراً ( على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر ، أو

(4/365)


" صفحة رقم 366 "
المدلول عليه بقوله : ( فإن جهنم جزاؤكوم ( أو على الحال الموطئة. والموفور الموفر من قولهم ( فر لصاحبك عرضه فرة ). وقيل : هو بمعنى الوافر. ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ( أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه ، وصوته دعاؤه إلى معصية الله. وقيل : الغناء واللهو واللعب ) وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ( قال الفراء وأبو عبيدة : أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم. وقال الزجاج : أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك. فالإجلاب الجمع والباء في ) بخيلك ( زائدة. وقال ابن السكيت : الإجلاب الإعانة ، والخيل يقع على الفرسان قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( يا خيل الله اركبي ). وعلى الأفراس جميعاً. والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب. وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل. تضم جيمه أيضاً مثل ندر وندس وحذر وحذر. عن ابن عباس : كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده. وقيل : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل ، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك. قال في الكشاف : مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم. أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا ولاغضب والسرقة. وقيل : هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة. والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا ، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى ، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق. ) وعدهم ( بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها ، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون ، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار. وقيل : تسويف التوبة. وقيل : بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب. وقيل : بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل. ثم فنى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال : ( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ( لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية ، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام. ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب ( ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين ) للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

(4/366)


" صفحة رقم 367 "
ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) [ الحجر : 42 ] قال الجبائي : المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً : ( إلاَّ من تبعك ) [ الحجر : 42 ] وقال أهل السنة : المراد عباد الله المخلصين. ثم زاد في تقوية جانب الملكلف فختم الآية بقوله : ( وكفى بربك وكيلاً ( فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال : ( ربكم الذي يزجى لكم ( أي يسيراً لأجلكم ) الفلك في البحر ( والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ) لتبتغوا من فضله ( الربح بالتجارة ) إنه كان بكم رحيماً ( فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ) وإذا مسكم الضر ( أي خوف الغرق ) في البحر ضل من تدعون ( ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ) إلا إياه ( وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم ، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إثاتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ) فلما نجاكم ( من ذلك الضر وأخرجكم ) إلى البر أعرضتم ( عن الإخلاص ) وكان الإنسان كفوراً ( لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه. ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً : ( أفأمنتم ( تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ) أن يخسف ( أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس ، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ) بكم ( حال ، وإنما قال : ( جانب البر ( لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب ، وخسف جانب ، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء ، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم. إما من جانب التحت بالخسوف ، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ) يرسل عليكم ( حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء. ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر. ) ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ( يصرف ذلك عنكم ) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ( بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ) فيرسل عليكم قاصفاً ( ) فيغرقكم بما كفرتم ( بسبب كفركم ) ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ( مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله : ( ولا يخاف عقباها ) [ الشمس : 16 ]

(4/367)


" صفحة رقم 368 "
ثم أجمل ذكر النعمة بقوله : ( ولقد كرمنا بني آدم ( وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها : الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ) اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) [ العلق : 3 ، 4 ] ومنها الصورة الحسنة ) وصوركم فأحسن ) صوركم ) [ غافر : 64 ] ، ومنها القامة المعتدلة ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) [ التين : 4 ] ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. ومنها ما قال الضحاك : إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان. ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة ، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال. ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم ، فالأرض لهم كالأم الحاصنة ) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) [ طه : 55 ] وهي لهم فراش ومهاد ، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه ، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة ، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك ، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر. وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد ، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع ، فأي تكريم يكون أزيد من هذا ؟ ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية تالبهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة. وقال بعضهم : إن هذا التكريم هو أنه تعالى خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة ( كن ). يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت : ربنا إنك إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة. فقال : وعزيت وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له ( كن ) فكان. ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال : ( وحملناهم في البر والبحر ( قال ابن عباس : في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ) ورزقناهم من الطيبات ( من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله. واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله :

(4/368)


" صفحة رقم 369 "
) وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ( فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل : وفضلناهم على جميع ممن خلقنا. والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع ، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام ، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة ، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله ؟ وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا ، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و ( من ) التبعيضية. هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره ، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه ، لأنه سبحانه ذكر في هذا الكلام في معرض المدح ، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله تعالى الاقتصار على ذكر البعض ، وكل من أثبت هذا القسم قال : إنه هو الملائكة : فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضلمن كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم ، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض. ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال : ( يوم ندعو ( وهو منصوب بإضمار ( اذكر ) أو بقوله : ( فضلناهم ( على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب ، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ) تفضيلاً ( والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين. والباء في قوله : ( بإمامهم ( للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك. عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد ، فيقومأهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم ، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر. ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير : تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أن يدعون القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. وقال الحسن : يدعون بكتتابهم الذي فيه أعمالهم

(4/369)


" صفحة رقم 370 "
فيقال : يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر. وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً. قال صاحب الكشاف : ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع ( أن ) وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهامتهم. والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا. ثم قال : وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته ؟ وقال في التفسير الكبير : كل خلق يظهر من الإنسان حسن العفة والشجاعة والعلم ، أوقبيح كأضادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنيع والمنشأ ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ) فمن أوتى ( هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ) فأولئك يقرؤون ( اوخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ) ومن كان في هذه ( الدنيا ) أعمى ( لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب. وأما قوله : ( فهو في الآخرة أعمى ( لا خلاف أن المراد البصر كقوله : ( ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ) [ طه : 25 ] وفي هذا زيادة العقوبة. ويحتمل أن يراد عمى القلب. قال ابن عباس : المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله : ( ربكم الذي يزجى ( إلى قوله : ( تفضيلاً ( فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى ، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً ، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا ، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك. من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب ، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى. قال المفسرون : لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير ( أفعل ) التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة. هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي. وأقول : في هذا الوجه نظر ، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل ( شيئان ) ( والكافرين ) ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني ، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم. قال الحسن : في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبه وفي الآخرة لا تقبل. وقيل : المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج ، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة .

(4/370)


" صفحة رقم 371 "
التأويل : ( من استطعت منهم بصوتك ( أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ( لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ) وكفى بربك وكيلاً ( في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم. ) ربكم الذي يزجى لكم ( فلك الشريعة في بحر الحقيقة ) لتبتغوا من فضله ( جذبه العناية ) فلما نجاكم ( إلى بر الوصول والوصال ) أعرضتم ( بحجب العجب ورؤية الأعمال ) حاصباً ( من مطر القهر ) قاصفاً ( من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ) فيغرقكم ( في بحر الشهوات ) ولقد كرمنا بني آدم ( بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه ، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ) ألست بربكم ( وأنطقه بجواب ) بلى ( وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب ، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال : ( وحملناهم في البر والبحر ( أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ) ورزقناهم من ( طيبات المواهب ونوال الكشوف ) وفضلناهم على كثير ( أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله. وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله : ( إنا عرضنا الأمانة ) [ الأحزاب : 72 ] ( ندعو كل أناس بإمامهم ( من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال : يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ) فمن أوتى كتابه بيمينه ( فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم ، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالإبصار وبالبصائر والله أعلم. ( الإسراء : ( 73 - 89 ) وإن كادوا ليفتنونك . . . .
" وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا قل كل يعمل

(4/371)


" صفحة رقم 372 "
على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا "
( القراآت )
خلفك ( ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد. الآخرون ) خلافك ( بكسر الخاء بالألف ) وننزل من ( مخففاً : أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ) وناء بجانبه ( مثل ( ناع ) : يزيد وابن ذكوان ) ونأى ( يفتح. النون وإمالة الهمزة مثل ( رمى ). حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير ، وخلف والعجلي وخلف لنفسه. الباقون بفتحتين كرمى. الوقوف : ( خليلاً ( ه ) قليلاً ( ه لا لتعلق ( إذا ) ) بصيراً ( ه ) قليلاً ( ه ) تحويلاً ( ه ) وقرآن ( ه ) الفجر ( ط ) مشهوداً ( ه ) نافلة لك ( قف والوصل أولى لأن ( عسى ) وعد على التهجد ) محموداً ( ه ) نصيراً ( ه ) وزهق الباطل ( ط ) زهوقاً ( ه ) للمؤمنين ( ه لا لأن ما بعده من صلة ( ما ) ) خساراً ( ه ) بجانبه ( ج لعطف حملتي الظرف ) بؤساً ( ه ) شاكلته ( ط ) سبيلاً ( ه ) عن الروح ( ط ) قليلاً ( ه ) وكيلاً ( ه لا ) من ربك ( ط ) كبيراً ( ه ) ظهيراً ( ه ) مثل ( ز لعطف المتفقين معنى ا لمتخلفين لفظاً ) كفوراً ( ه. التفسير : لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء. عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب ، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد ، وكل رباً لنا فهو لنا ، وكل رباً لعينا فهو موضوع عنا ، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول ، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك ؟ فقل : إن الله أمرني به وجاؤوا بكتابهم فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يشعرون ولا يحشرون فقالوا : ولا يجبون ، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب : اكتب ( ولا يجبون )

(4/372)


" صفحة رقم 373 "
والكاتب ينظر إلى رسول الله. فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال : أسعرتم قلب نبينا با معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا : لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً. وقال عمر : أما ترون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمسك عن الكلام كراهية إنها ليست بمكية. وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت. وقال الحسن : إن الكفارأخذوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمكة قبل الهجرة فقالوا : كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها ، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك. فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم. وعن سعيبد بن جبير أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون : من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأقصى ما يقدرون عليه ، فتارة كانوا يقولون : لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت : ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) [ الكافرون : 1 ، 2 ] وقوله : ( ودّوا لو تدهن فيدهنون ) [ القلم : 9 ] وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ) ولا تمدّن عينيك إلى منا متعنا ) [ طه : 131 ] وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) [ الأنعام : 52 ] وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه. فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح. والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين. وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته ، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ) وإذا لاتخذوك ( أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ) خليلاً ( ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ) ولولا أن ثبتناك ( لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ) لقد كدت تركن إليهم ( لقاربت أن تميل إلى مرادهم ) شيئاً قليلاً ( أي ركوناً قليلاً. قال ابن عباس : يريد حيث سكت عن جوابهم. قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ). ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال : ( إذا لأذقناك ( أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ) ضعف الحياة وضعف الممات ( أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله. وقال صاحب الكشاف : المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر ، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار. والعذاب

(4/373)


" صفحة رقم 374 "
يوصف بالضعف كقوله : ( فزده عذابا ضعفاً في النار ) [ ص : 61 ] بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل : ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل : لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. وقال التفسير الكبير : حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة. والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعلاى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم عقوبتهم أعظم نظير ) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) [ الأحزاب : 30 ] ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث : ( من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من علم بها إلى يوم القيامة ) ) ثم لا تجد لك علينا نصيراً ( يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. واعلم أن القرب منالفتنة لا يدل على الوقوع فيها. والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وفيه أنه لا عصمة منالمعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق. وقالت المعتزلة : المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده. وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة ، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله تعالى عقيب ذلك. ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال : ( وإن كادوا ليستفزوك ( ( إن ) مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ) ليستفزونك ( ليزعجونك كما من في قوله : ( واستفزز ) [ الآية : 64 ] والأرض إما أرض مكة ، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن ( كاد ) للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله : ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ) [ محمد : 13 ] ويمكن أن يقال : إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه ، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً

(4/374)


" صفحة رقم 375 "
يؤيده قوله : ( وإذا لا يلبئون ( وهو معطوف على ) يستفزونك ( أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج. ومن جوز وقوع الإخراج قال : المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل. واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا : يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم ، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك. وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم ، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع. وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية ، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله : ( بمقعدهم خلاف رسول الله ) [ التوبة : 81 ] وقرىء : ( وإذا لا يلبثوا ( بحذف النون على إعمال ( إذن ) فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله : ( وإن كادوا ليستفزونك (. ثم بين أن عادته تعالى جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ) فقال سنة من قد أرسلنا ( وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ) ولا تجد لسنتنا تحويلاً ( لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين ، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى قوت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة. وقال أهل النظم : لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة. وأيضاً لما قال : ( وإن كادوا ليستفزونك ( أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه : ( فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) [ طه : 130 ] ذهب كثير من المفسيرن كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس ، أن دلوك الشمس هو غروبها. وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر. وأكثر الصحابة والتابعين على أن دولك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال ( أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زايت الشمس فصلى بي الظهر ). قالوا : واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء. وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس. وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام

(4/375)


" صفحة رقم 376 "
بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ) إلى غسق الليل ( أي ظلمته. قال الكسائي : غسق الليل غسوقاً أي أظلم ، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال : غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام الهمل على الدنيا وتراكم. وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض ، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية. وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية ، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات ، وللخصم المنع في المقامين. ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه ، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً. قال جار الله : إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن. قلت : أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض. وفي الآية مسائل : الأولى : استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً. وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي. الثاني : استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها : أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير : أقم قرآن الفجر. وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل. والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل. ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب ، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت ، ومنها أنه وصف قرأن الفجر بكونه مشهوداً فقيل : أي يشهده الكثير من المصلين في العادة ، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة. وقال أكثر المفسرين : معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وقيل : إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل. فإذا فرغ

(4/376)


" صفحة رقم 377 "
الأمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار. ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك لك ، وتقول ملائكة النهار : ربنا لقينا عبادك وهم يصلون. فيقول الله لملائكته : اشهدوا فإني قد غفرت لهم. والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد. ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار ، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير. قال أهل التحقيق : إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة ، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق ، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً ، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة. وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها ، فيزداد كل منهم نورية وبهاء. فيحتمل أن يكون قوله : ( مشهوداً ( إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة. ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية ، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس. ثم حث على قيام الليل فقال : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ( قال أبو عبيدة وابن الأعرابي : هذا من الأضداد لأنه يقال : هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل ، وبوسط الأزهري فقال : الهجود في الأصل هو النوم بالليل ، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه ( تأثم ) ( وتحرج ) وإذا ألفى الإثم والحرج عن نفسه. فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه. وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً. وربما يقال : سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي ، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولداود كما جاء في الحديث : ( أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثة ويقوم سدسه ) قال جار الله : معنى ) ومن الليل ( وعليك بعض الليل ) فهجد به ( وقال في التفسير الكبير : تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول ( الأنفال ). ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل

(4/377)


" صفحة رقم 378 "
كانت واجبة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس ، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض. ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله : ( فتهجد ( وبين قوله ) نافلة ( تعارض ، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه. ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : ( نافلة ( قرينة صارفة للوجوب إلى الندب. وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر ، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثر الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي : إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك ، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله : ( نافلة لك ( يعلم أن قوله : ( أقم الصلاة ( عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه. ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله : ( عسى أن يبعثك ربك ( ولا ريب أن ( عسى ) من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف : انتصب ) مقاماً محموداً ( على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً ، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك ، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود ، وقيل : إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة ، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه ، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ). وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس ي صعيد واحد ولا تتكلم نفسه ، فأول مدعو محمد فيقول : لبيك وسعديك والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب البيت. فليس يقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاع فيرجع إلى الأول. وقيل : أراد مقاماً تحمد عاقبته. وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له تعالى. قوله : ( مدخل صدق ( و ) مخرج صدق ( مصدران بمعنى الإدخال والإخراج ، والإضافة فيه الصدق لأجل المبالغة نحو ( حاتم الجود ) أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره. قال الحسن وقتادة : نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة ، وقيل : إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم

(4/378)


" صفحة رقم 379 "
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ) وما النصر إلا من عند الله ( فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك. ) وقل رب أدخلني ( في المدينة ) مدخل صدق وأخرجني ( منها إلى مكة ) مخرج صدق ( أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ) وإن كادوا ليستفزونك ( والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان. وقيل : أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين. وقيل : إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً. وقيل : إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة ، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط. وقيل : أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور ، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول. وقال صاحب الكشاف : أدخلني القر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة. يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ) واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ( حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه. ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله : ( وقل جاء الحق ( أي الإسلام ) وزهق الباطل ( اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ) إن الباطل كان زهوقاً ( غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرف. عن ابن مسعود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب. فينكب كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : جاء الحق وزهق الباطل. فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال : يا علي ارم به. فحمله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى صعد فرمى به فكسره ، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون : ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله : ( وننزل من القرآن ( ( من ) للبيان كقوله : ( من الأوثان ) [ الحج : 30 ] أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء. وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس. وقيل : زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ). ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة

(4/379)


" صفحة رقم 380 "
المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين ، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ) لا يزيد ( القرآن ) الظالمين ( الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ) إلا خساراً ( لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم. ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال : ( وإذا أنعمنا على الإنسان ( أي على هذا الجنس بالصحة والغنى. وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة. وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ) أرض ونأى بجانبه ( النأي البعد ، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته. والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره ، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين. ومن قرأ ) ناء ( فإما من النوء بمعنى لانهوض مستثقلاً. وإما مقلوب كقوله : ( راء ) في رأى. ) وإذا مسه الشر ( من مرض أو فقر ) كان يؤساً ( شديد اليأس من روح الله. والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي ، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف ، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال : ( قل كل يعمل على شاكلته ( أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم ( طريق ذو شواكل ) وهي الطرق التي تتشعب منه. ) فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ( لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق ، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات ، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها ، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن والتبيض ثوب القصار وتسود وجهه. ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال : ( ويسألونك عن الروح ( ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش : سلوا محمداً عن ثلاث : عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالث فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة ، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي. فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال : ( قل الروح من أمر ربي ( أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم. ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها : أن الروح ليس أعلى شأناً من الله تعالى ، وإذا كانت معرفة الله تعالى

(4/380)


" صفحة رقم 381 "
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح : ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وما يعلم الروح. ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول. ونحن نتقصى عن المسألة فنقول : السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز ، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً ، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته. وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى : ( وسألونك عن الروح ( ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل ، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله ، فيكون قوله : ( قل الروح من أمر ربي ( رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله : ( كن فيكون ) [ يس : 82 ] لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب. وقال في آخر سورة يس ) إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 82 ] ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون ، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام ، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه. ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري تعالى في الحقيقة ، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات. وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات ، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه. ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله : ( وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ( وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم ، فإذا نسب معلومه غلى معلومات الله المشار إليها بقوله : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ) [ لقمان : 27 ] ( قل لو كان البحر مداد الكلمات ربي ) [ الكهف : 109 ] كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً. وقال بعض المفسرين : هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ) [ البقرة : 269 ] فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم الله ، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله : ( قل الروح من أمر ربي ( يدل على أن الروح حادث

(4/381)


" صفحة رقم 382 "
لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل. قال تعالى : ( وما أمر فرعون برشيد ) [ هود : 97 ] أي فعله وقال : ( ولما جاء أمرنا ) [ هود : 94 ] أي فعلنا. وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات. ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله سبحانه : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ( ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف ، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث. ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل ، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً ، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات. وقيل : الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله. وقيل : هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله تعالى : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) [ النبأ : 38 ] ونقل عن علي عليه السلام أن له سبعين ألف وجه ، ولكل وجه سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً لسان مع الملائكة يوم القيامةولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش ، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل. وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه. وقال الحسن وقتادة : هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي ؟ فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله : ( ما نتنزل إلا بأمر ربك ) [ مريم : 64 ] وقال مجاهد : الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس ، وليسوا بالناس. وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر. واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة ، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا ، فمنا ظنك بما هو الأبعد ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول : العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إله كل واحد بقوله ( أنا ) فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً ، أو جسماً هو

(4/382)


" صفحة رقم 383 "
هذه البنية ، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً. أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس ، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل. والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره ، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه ، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل : ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ) [ البقرة : 154 ] ، ) يا أيتهاالنفس المطمئنة ارجعي ) [ الفجر : 28 ] ( النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ( ) الزمر : 46 ] وكقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار ) ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ) وقوله في خطبة طويلة : ( حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي ) توجب مغايرة النفس للبدن ، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير ، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر ، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك ، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع باء الحقيقة ، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية ، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي ، فعلم أن لا عبرة بالبنية ، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره ، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين ، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء. أما إن قيل : الإنسان جسم هو في داخل البدن. فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد ، ولكن منهم من قال : إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة ، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت. ومنهم من قال : إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب ، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ ، ومنهم من يقول : أختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان. ومنهم من قال : إذا تكون بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق ، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في

(4/383)


" صفحة رقم 384 "
السمسم وماء الورد في الورد. وهذا النفوذ هو المراد بقوله : ( ونفخت في من روحي ) [ ص : 72 ] ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها ، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر. وقال الإمام فخر الدين الرازي : هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت. قلت : أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم ، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر ، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن ، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء ، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة ، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف. ومن شيوخ المعتزلة من قال : الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة. ومنهم من قال : إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه. والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي ، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي ، ومن الشيعة الشيخ المفيد رضي الله عنه ، ومن الكرامية جماعة ، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير ، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً ، واستدلوا على هذا الملطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين. وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس. وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود ، وإن كان صفة لزم التسلسل ، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان ، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل ن عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك. وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية ، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل

(4/384)


" صفحة رقم 385 "
واحداً بقوله : ( أنا واحد ) بالبديهة ، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً. فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً ، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصاببه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها. فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر ، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة ، وقد يكون سبباً للغضب ، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب. وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار ، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة. وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد ، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن ، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه. ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس ، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم. وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة ، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة ، فحيث سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن الروح كان الأنسب أن يقول : إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره. والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور. قال أهل النظم : لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال : ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ( قلت : في نسبة علم القرآن إلى لقلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال : إنه لما

(4/385)


" صفحة رقم 386 "
كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح ، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة ، وكان فيه بيان كمال علمه تعالى ونقصان علم الإنسان ، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف ، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غير ) إلاَّ رحمة من ربك ( استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته توكل عليه بالرد ، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ) إن فضله ( بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ) كان عليك كبيراً ( وفيه أن نعمه القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها ، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه. واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً ، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع. ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ( الآية. وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة. فإن قيل : هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته ، ولم لا يجوز أن يقال : إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق ؟ وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول : إن الجن ليسوا بفصحاء ، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول : التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء ؟ فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً. ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية. على أنه سبحانه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله : ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ) [ الشعراء : 221 ] وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله تعالى. قالت المعتزلة : التحدي بالقديم محال. وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها. ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال : ( ولقد صرفنا ( رددنا وكررنا ) للناس في هذا القرآن من كل مثل ( ( من كل ) معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح. ) فأبى أكثر الناس ( فيه معنى النفي كأنه قيل : فلم يرضوا ) إلا كفوراً ( وجحوداً. قال أهل البرهان : إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة

(4/386)


" صفحة رقم 387 "
حين قال : ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ) [ الآية : 41 ] لتقدم ذكرهم في السورة. وذكرهم في ( الكهف ) إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس ، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله : ( في هذا القرآن ( كما قدمه في قوله : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ( وأما في ( الكهف ) فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها. وقد أوحاها الله تعالى إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر. التأويل : ( وإن كادوا ليفتنونك ( أي من عمى قلوبهم ) ولولا أن ثبتناك ( بالقول الثابت وهو قول ( لا إله إلا الله ) إلى أن بلغت حقيقة ( لا إله إلا الله ) ) شيئاً قليلاً ( وإنما صوفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة. ) ضعف الحياة وضعف الممات ( أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك. وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق. ) سنة من قد أرسلنا ( أي جرت عادة الله تعالى بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به. ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال : ( أقم الصلاة ( أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً. ) إن قرآن الفجر كان مشهوداً ( بشواهد الحق بل الحق مشهود له. ثم ) أدخلني مدخل صدق ( يعني السير في الله بالله ) وأخرجني مخرج صدق ( من حولي وأنانيتي ) واجعل لي من لدنك ( لا من لدن غيرك. وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله : ( وسعى لها سعيها ) [ الإسراء : 19 ]. روي أن رجلاً جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يعرض حاجة فقال ( صلى الله عليه وسلم ) ( ما تريد ) فقال : مرافقتك في الجنة. فقال ( صلى الله عليه وسلم ) ( أو غير ذلك ) فقال الرجل : بلى مرافقتك في الجنة. فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) ) جاء الحق ( من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ) وزهق الباطل ( وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) وننزل من القرآن ما هو شفاء ( لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني ) قل الروح من أمر ربي ( قال العارفون : لله تعالى عالمان : عالم الأمر الذي خلق لا من شيء ، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام ، وما روي

(4/387)


" صفحة رقم 388 "
أنه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أول ما خلق الله جوهرة ) - وفي رواية - ( درّة فنظر إليها فذابت ) ( أول ما خلق الله اللوح ) ( أول ما خلق الله روحي ) وفي رواية ( نوري ) ( وأول ما خلق الله العقل ) ( وأول ما خلق الله القلم ) وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . فباعتبار أنه كان درة صدق الموجودات سمي درة وجوهرة ، وباعتبار نورانيته سمي نوراً ، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً ، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل. ثم قال له : أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج ، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليك منك ، بك أعرف ، وبك آخذ ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة ، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية ، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً ، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً ، ولأ كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له ( أمي ). وقد ورد في الحديث : ( آدم ومن تدونه تحت لواتي يوم القيامة ) ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية ، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله : ( ولئن شئنا لنذهبن ( الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد هذا المعنى بقوله : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ( والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله تعالى أعلم بالصواب. ( الإسراء : ( 90 - 111 ) وقالوا لن نؤمن . . . .
" وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين

(4/388)


" صفحة رقم 389 "
لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا "
( القراآت )
تفجر ( من الفجر : يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب. الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ) حتى تنزل ( بالتخفيف : أبو عمرو ويعقوب. الآخرون بالتشديد ) كسفاً ( بفتح السين : أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان. الباقون بالإسكان ) قال سبحان ( بلفظ الماضي : ابن كثير وابن عامر الباقون ) قل ( على الأمر هو المهتدي ( بإثبات الياء في الحالين : سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل. الباقون بحذف الياء ) ربي إذا ( بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ) خبت زدناهم ( بإدغام التاء في الزاي : أبو عمرو وحمزة وعل وخلف وهشام وسهل. ) لقد علمت ( بضم التاء ، على التكلم : عليّ. الآخرون بالفتح على الخطاب ) قل ادعو ( بكسر اللام للساكنين : عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس : الآخرون بضمها للإتباع ) أو ادعوا ( بكسر الواو : عاصم وحمزة وسهل. الباقون بالضم ) أيامّاً ( حمزة ورويس

(4/389)


" صفحة رقم 390 "
يقفان على ) أيا ( ثم يبتدئان ) ما تدعوا ( ويسمى هذا الوقف وقف البيان. الباقون على كلمة واحدة. الوقوف : ( ينبوعاً ( ه لا ) تفجيراً ( ه لا ) قبيلاً ( ه لا ) في السماء ( ط لابتداء النفي بعد طول القصة. وقيل : الأصح الوصل لأن قوله : ( ولن نؤمن لرقيك ( من كلامهم ) نقرؤه ( ط ) رسولاً ( ه ) رسولاً ( ه ) رسولاً ( ه ) وبينكم ( ط ) بصيراً ( ه ) المهتد ( ج لعطف جملتي الشرط التضاد ) من دونه ( لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ) وصماً ( ه ) جهنم ( ط ) سعيراً ( ه ) جديداً ( ه ) لا ريب فيه ( ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ) كفوراً ( ه ) الإنفاق ( ط ) قتوراً ( ه ) مسحوراً ( ه ) بصائر ( ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ) مثبوراً ( ه ) جميعاً ( ه لا للعطف ) لفيفياً ( ، ط لانقطاع النظام والمعنى. ) نزل ( ط لابتداء النفي ) ونذيراً ( ، احترازاً من إيهام العطف ) تنزيلاً ( ه ) أولا تؤمنوا ( ط ) سجداً ( ، لا ) لمفعولا ( ه ) خشوعاً ( ه ) الرحمن ( ط لتصدير الشرط ) الحسنى ( ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد. ) سبيلاً ( ه ) تكبيراً ( ه. التفسير : ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات ، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً ، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي ، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله سبحانه إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر. قال ابن عباس : إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا : يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها. فقال : لا أقدر عليه : فقال قائل له : أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا. فقال : لا أقدر عليه. فقيل له : فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً. فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهودن لك بالرسالة ، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا. فأنزل الله هذه الآيات. ولنشرع في تفسير اللغات. فقوله : ( ينبوعاً ( أي عيناً غزيرة من شأنها معناها هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك. وقوله : ( كما زعمت ( إشارة إلى قوله سبحانه : ( إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ) [ سبأ :

(4/390)


" صفحة رقم 391 "
9 ] أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله : ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ) [ الإسراء : 68 ] أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا. وقال عكرمة : كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا. وقيل : كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. قال في الكشاف : الكسف بسكون السين وفتحها جمع ( كسفة ) بالسكون كسدرة وسدر وسدر. وقال أبو علي : الكسف بالسكون الشي المقطوع كالطحن للمطحون. واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج : من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل : أو تسقطها طبقاً علينا ، وهو نصب على الحال في القراءتين. ومعنى ) قبيلاً ( كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر ، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر. وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم : ( لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) [ الفرقان : 21 ] وقال ابن عباس : أراد فوجاً بعد فوج. وقال الليث : كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله : ( إنه يراكم هو وقبيله ) [ الأعراف : 27 ] قوله : ( بيت من زخرف ( قال مجاهد : كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله ( أو يكون لك بيت من ذهب ). وقال الزجاج : هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب. ) أو ترقى في السماء ( أي في معارجها فحذف المضاف. يقال : رقي في السلم وفي الدرجة. والمصدر ( رقى ) وأصله ( فعول ) كقعود ) و ( معنى ) لن نؤمن لرقيك ( لن نؤمن لك لأجل رقيك ) حتى تنزل علينا كتاباً ( من السماء فيه تصديقك. قال الرسول : متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم : ( أو تأتي بالله ( ) سبحان ربي هل كنت ( أي لست ) إلا بشراً رسولاً ( فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسير فالبشر لا يقدر على أمثلا ذلك فكيف أقدر أنا عليها ؟ وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به ، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة. ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال : ( وما منع الناس أن يؤمنوا ( أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ) إذ جاءهم الهدي ( وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ) إلا أن قالوا ( منكرين ) أبعث الله بشراً رسولاً ( ثم أجاب عن شبهتهم بقوله : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ( على الأقدام كما يمشي الإنس ) مطمئنين ( ساكنين فيها ) لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ( لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم. فكأنه اعتبر

(4/391)


" صفحة رقم 392 "
لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : أحدهما كون سكان الأرض ملائكة ، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أن سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة. وجوز في الكشاف أن يكون قوله : ( بشراً ( و ) ملكاً ( منصوبين على الحال من ) رسولاً ( بل زعم أن المعنى له أجوب ، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية ، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً : ( قل كفى بالله ( الآية. وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله تعالى له على الصدق. فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها ؟ علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك. ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال : ( ومن يهد الله ( الآية. وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر ( الأعراف ) وغيره. وقوه : ( فهو المهتد ( حمل على اللفظ وقوله : ( فلن تجد ( حمل على المعنى. والخطاب في ) لن تجد ( إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب. والأولياء الأنصار ، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله : ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) [ القمر : 48 ] وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) سئل عن ذلك فقال : ( إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ) وقيل لابن عباس : قد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال : ( رأى المجرمون النار ( ) دعوا هنالك ثبوراً ( ) سمعوا لها ( الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله : ( عمياً وبكماً وصماً ( ؟ فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم ، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم ، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم. وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه ، بكم عن مخاطبة الله ، ومخاطبة الملائكة المقربين ، صم عن ثناء الله على أوليائه ، وقال مقاتل : هذه الأحوال بعد قوله تعالى لهم : ( خسؤوا فيها ولا تكلموا ) [ المؤمنون : 108 ] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار. وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ) كلما خبت ( أي سكن لهبها .

(4/392)


" صفحة رقم 393 "
خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ) زدناهم سعيراً ( قال ابن قتيبة : أي تسعراً وهو التهلب. ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله : ( ا يخفف عنهم العذاب ) [ البقرة : 162 ] وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب ، أو يقال : لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به ، ويحتمل أن يقال : المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر. وقال في الكشاف : لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها. ثم يعيدها. وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم. ومما يدل على هذا التفسير قوله : ( ذلك جزاؤهم ( الآية. ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال : ( أو لم يروا ( الآية. وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر ، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء. ومن قال : أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله : ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) [ فاطر : 16 ] أي يبعثهم. وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال : ( وجعل لهم ( أي لبعثهم ) أجلاً لا ريب فيه ( قال جار الله : قوله : ( وجعل ( معطوف على قوله : ( أو لم يروا ( والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم. وأقول : يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد. قال النحويون : كلمة ( لو ) حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء ، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره. والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات. وأيضاً إنها ههنا بمعنى ( إن ) الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها ، فأصل الكلام : لو تملكون تملكون مرتين : فأضمر ( تملك ) إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به ف ) أنتم ( فاعل الفعل المضمر ) تملكون ( تفسيره. وقال علماء البيان : فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل

(4/393)


" صفحة رقم 394 "
المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم : لو ذات سوار لطمتني. لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله : ( خشية الإنفاق ( أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ) وكان الإنسان قتوراً ( أي بخيلاً شحيحاً ، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق. وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح ، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون ، فلا جرميحب المال ويمسكه لأيام الضورة والفاقة. ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب. وقيل : المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ) لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ( بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها. ثم قال : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات ( فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم ، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعد استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم ، عن ابن عباس : أن الآيات التسع هن : العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن : الطوفان والسنون ونقص الثمرات. مكان الحجر والبحر والطور. وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها : حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم. فقال له عمر : لا يكون الفقيه إلا هكذا. أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة. وعن صوفان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك فقال : ( أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل : لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت ، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا : ( إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك ( قال الإمام فخر الدين

(4/394)


" صفحة رقم 395 "
الرازي : هو أجود ما قيل في الآيات التسع. وأقول : عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد ، اللَّهم إلا أن يقال : النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة. قال بعد العلماء : أجابهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بتسع وزاد واحدة تختص بهم. وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر : ( ولا تقذفوا محصنة ( وشك شعبة في أنه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ولا تقذوفوا محصنة ( أو قال : ( تولوا الفرار (. وقيل : إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه ، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم. إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه. هكذا قال الأصوليون ، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة. والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق. أما قوله : ( فاسأل بني إسرائيل ( فالخطاب فيه للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان ، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت. والمسؤولون مؤمنوا بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقوله : ( إذا جاءهم ( يتعلق ب ) آتينا (. وينتصب بإضمار ) اذكر ( ، أو هو للتعليل. والمراد فاسألهم يخبرونك لأنه جاءهم أي جاء أباهم. ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل ، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله. وقيل : هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء. وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر. ومن قرأ ) علمت ( بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض ، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك. ومن قرأ بفتحها فالمارد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ) [ النمل : 14 ]. وقوله للآيات : ( هؤلاء ( كقوله : والعيش بعد أولئك الأيام ومعنى ) بصائر ( بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله : ( ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ( إلى أنها أفعال خالقة للعادة ، وبقوله : ( بصائر ( إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين. ثم قارع

(4/395)


" صفحة رقم 396 "
موسى ظن فرعون بظنه فقال : ( إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ( قال الفراء : أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم ) ما ثبرك عن هذا ( أي ما منعك وصرفك. وقال مجاه وقتادة ، أي هالكاً من الثبور الهلاك. ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة ، ولهذا قال : ( فأراد ( أي فرعون ) أن يستفزهم من الأرض ( أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج. والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانة تحقيقاً لقوله : ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) [ فاطر : 34 ] ثم أخبر عن المعاد قائلاً ) فإذا جاء وعد الآخرة ( وهو قيام الساعة ) جئنا بكم ( يعني معشر المكلفين كلهم ) لفيفاً ( جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة ، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء. ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال : ( وبالحق أنزلناه ( التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه. قال جار الله : أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله ، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير ، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين. وقال آخرون : الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق ، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام ، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد ، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل ، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور. قال أبو علي الفارسي : بالبء في الموضعين بمعنى ) مع ( كما في قولك ) خرج بسلاحه ( أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق. ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى ) على ( كما في قولك ) نزلت بزيد ( فيكون الحق عبارة عن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لأن القرآن نزل به أي عليه ) وما أرسلناك إلا مبشراً ( بالجنة ) ونذيراً ( من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه. ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله : ( وقرآناً ( وهو منصوب بفعل يفسره ) فرقناه ( أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً. وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال : إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب. وقال أبو عبيدة : التخفيف

(4/396)


" صفحة رقم 397 "
أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً. فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام. وأقول : إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره ، فرأى التشديد أولى. ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله : ( لتقرأه على الناس على مكث ( بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله : ( ونزلناه تنزيلاً ( أي على حسب المصالح والحوادث. ثم خاطب نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بأن يقول للمقترحين ) آمنوا به أو لا تؤمنوا ( وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان. قال جار الله : قوله : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ( إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل : تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن. قال مجاهد : هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام ، وفي قوله : ( يخرون للأذقان سجداً ( دون أن يقول ) يسجدون ( مبالغة من وجهين : أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن. فقال الزجاج : لأن الذقن مجتمع اللحيين ، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن. قلت : هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة. وقال غيره. المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض مغشياً عليه. وثانيهما أنه لم يقل ) يخرون على الأذقان ( كما هو ظاهر وإنما قال ) للأذقان ( لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور ، أو خصوا الخرور بأذقانهم. ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ) سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ( بإنزال القرآن وبعثة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في كتبنا ) لمفعولاً ( أي منجراً ) وإن ( مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان ، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين ، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ) ويزيدهم ( أي القرآن ) خشوعاً ( لين قلب ورطوبة عين ، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال : ( قل ادعوا ( عن ابن عباس : سمعه أبو جهل يقول : يا الله يا رحمن. فقال : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر. وقيل : أن أهل الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. قال جار الله : الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين. تقول : دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول : دعوت زيداً و ) أو ( للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه

(4/397)


" صفحة رقم 398 "
بهذا الاسم أو بهذا ، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ) أياماً تدعوا ( يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه ) وما ( صلة زيدت لتأكيد الإبهام. والضمير ) في ) فله ( لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما ، وكان أصل الكلام أن يقالك فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه. قوله : ( فله الأسماء الحسنى (. لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان. ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر ( الأعراف ). ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال : ( ولا تجهر بصلاتك ( أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجز ، ومنه يقال : خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن ، وخفت الزرع إذا ذبل ، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعلاها فهو ألح تأمل. مصححه بالقراءة ، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ) ولا تجهر بصلاتك ( فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ) ولا تخافت بها ( فلا تسمع أصحابك ) وابتغ بين ذلك ( الذ ذكر من الجهر المخافتة ) سبيلاً ( وسطاً ، وروي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طاف بالليل دو ر الصاحبة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول : أناجي ربي وقد علم حاجتي. وكان عمر ييرفع صوته ويقول : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً ، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك. وقيل : معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ، ولا تخافت بها كلها. وابتغ بين ذلك سبيلاً ههنا الدعاء. وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن : لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها ، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغير والتوبيخ ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله : ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) [ الأعراف : 55 ] قال جار الله : ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة. ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحنسى نبه على كيفية التحميد بقوله : ( وقل الحمد لله ( الآية قال في الكشاف : كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكملة التحميد ؟ وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة ، فهو الذي

(4/398)


" صفحة رقم 399 "
يستحق جنس الحمد ، وأقول : الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد ، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد ، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه ، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته ، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق ، وهكذا حكم من كان له لي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة ، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه ، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه. أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر. قال الإمام فخر الدين الرازي : التكبير أنواع منها : تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه. ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال. ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر. قال : سمع أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني. فلما رآه قال : سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ : سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. ومنها تكبير الله ف أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة. ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم. وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم. التأويل : ( وقالوا لن نؤمن لك ( كانوا أرباب الحسن فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات. ) أبعث الله بشراً رسولاً ( تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر ، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ) مأواهم جهنم ( الحرص والشهوات ، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ) زدناهم سعيراً ( باشتعال طلب شهوة أخرى ) تسع آيات بينات ( قال الشيخ المحقق نجم الحق : والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما

(4/399)


" صفحة رقم 400 "
يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك : ( وبالحق أنزلناه ( لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العو إلى حبل متين هو القرآن كقوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ( ) آل عمران : 103 ] ( وبالحق نزل ( التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ) إن الذين أوتوا العلم من ( قبل نزوله في الأزل ) إذا يتلى عليهم ( في الأزل عند خطاب ) ألست بربكم ) [ الأعراف : 172 ] ( يخرون للأذقان سجداً ( للإجابة يقولون ( بلى ) ) ويخرون للأذقان ( في عالم الصورة يبكون. فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد. ثمبين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ( أي كل اسم من أٍمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ) ولا تجهر بصلاتك ( رياء وسمعة ) ولا تخافت بها ( أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ) وابتغ بين ذلك سبيلاً ( بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله تعالى أعلم .

(4/400)


" صفحة رقم 401 "
سورة الكهف
سورة الكهف مكية إلا قوله ) واصبر نفسك (
الآية حروفها ستة آلاف وثلثمائة وستون حرفا كلمها ألف وخمسمائة وسبعة وسبعون آياتها مائة وإحدى عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
( الكهف : ( 1 - 19 ) الحمد لله الذي . . . .
" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن

(4/401)


" صفحة رقم 402 "
يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً وكذلك أعثرنا عليهم ليعملوا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعةٌ ثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدَّتهم مَا يعلمهم إلا قليلٌ فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحداً ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً ولبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين وازدادوا تسعاً قل الله أعلم بما لبثوا له غيبُ السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من وليٍّ ولا يشرك في حُكْمهِ أحداً ) "
( القراآت )
من لدنه ( بإشمال الدال ) شيئاً ( بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء : يحيى. الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ) ويبشر ( مخففاً. حمز وعلي. الباقون بالتشديد. ) هيىء لنا ( ) ويهيىء لكم ( بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ) فاووا ( بإبدال الهمزة ألفاً : أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمز في الوقف ) مرفقاً ( بفتح الميم وكسر الفاء : أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي ، الآخرون على العكس ) تزاور ( خفيفاً بحذف تاء التفاعل : عاصم وحمزة علي وخلف ) تزور ( بتشديد الراء : ابن عامر مثل ( تحمر ) ويعقوب. الباقون ) تزوار ( بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ) المهتدي ( كما مر في ( سبحان ) ) ولملئت ( مشددة للمبالغة : أبو جعفر ونافع وابن كثير ، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز : ( يورقكم ( بسكون الراء : أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكير الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ) ربي أعلم ( بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ) أن يهديني ( و ) أن ترني ( و ) وأن يؤتيني ( و ) أن تعلمني ( بالياآت في الحالين : سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح كلها يغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ) ثلثمائة سنين ( بالإضافة : حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ) ولا تشرك ( بالتاء على النهي. ابن عامر وروح وزيد. الآخرون ) ولا يشرك ( بياء الغيبة ورفع الكاف .

(4/402)


" صفحة رقم 403 "
الوقوف : ( عوجاً ( ه ط لأن ) قيماً ( ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما ، وللوصلو وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ) حسناً ( ، ه لا ) أبداً ( ه ) ولداً ( ج ه ، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار ، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ) لآبائهم ( ط ) من أفواههم ( ط ) كذبا ( ه ) أسفا ( ه ) عملا ( ه ) جرزا ( ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ) عجباً ( ه ) رشدا ( ه ) عددا ( ، لا للعطف ) أمدا ( ه ) بالحق ( ط ) هدى ( والوصل أولى للعطف ) شططاً ( ه ) آلهة ( ط لابتداء التحضيض ) بين ( ط ) كذبا ( ه ) مرفقاً ( ه ) فجوة منه ( ط ) آيات الله ( ط ) فهو المهتد ( ج ) مرشداً ( ه ) رقود ( قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ) الشمال ( قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ) بالوصيد ( ط ) رعباً ( ه ) بينهم ( ط ) كم لبثتم ( ط ) بعض يوم ( ط ) أحداً ( ه ) أبداً ( ه ) لا ريب فيها ( ج لأن ( إذا ) يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار ( اذكر ) ) بنياناًؤ ط ) بهم ( ط ) مسجداً ( ه ) رابعهم كلبهم ( ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ) بالغيب ( ج لوقوع العارض ) كلبهم ( ط ) قليل ( ه ) ظاهراً ( ص ) أحداً ( ه ) يشاء الله ( ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ) رشداً ( ه ) تسعاً ( ه ) لبثوا ( ج لاحتمال أن ما بعده مفعول ( قل ) أو إخبار مستأنف ) والأرض ( ط لابتداء التعجب ) وأسمع ( ط ) من ولى ( ط لمن قرأ ) ولا تشرك ( على النهي ، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ) أحداً ( ه. التفسير : ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . قال بعض العلماء : نزه نفسه في أوّل سورة ( سبحان ) عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه مكملاً في ذاته ، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره ، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر ( سبحان الله والحمد لله ). وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر : ( من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات ) وإنزال الكتاب على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نعمة عليه وعلينا. أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على

(4/403)


" صفحة رقم 404 "
أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة ، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر. وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد. وفي انتصاب ) قيماً ( وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً. وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه. قال جامع الأصفهاني : هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد. وقيل : حال من الضمير في قوله : ( ولم يجعل له ( وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد ، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس. ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها ، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام ، وعلى هذا يكون قوله : ( ولم يجعل له عوجاً ( إشارة إلى أنه كامل في ذاته ، مبرأ عن الاختلاف والتناقض ، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق. وقوله : ( قيماً ( إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده ، فتكون الآية نظير قوله في أول ( البقرة ). ) لا ريب فيه هدى للمتقين ( ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال : ( لينذر بأساً شديداً من لدنه ( وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده. والأجر الحسن الجنة بدليل قوله : ( ماكثين فيه ( وهو حال من الضمير في ) لهم ( ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره. وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزيئاتها تنبيهاً على كونه أعظم جزيئات ذلك الكلي. ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله ، وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ثم قال : ( ما لهم به ( أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ) من علم ولا لآبائهم ( وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه. وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية ، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة. قال جار الله : الضمير في قوله : ( كبرت ( يعود إلى قولهم ( اتخذ الله ولداً ) وسميت ) كلمة ( كما يسمون القصيدة بها. قلت : ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله ( ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي ). قال الواحدي :

(4/404)


" صفحة رقم 405 "
انتصبت ) كلمة ( على التمييز وذلك أنك لو قلت : كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً ، فلما قلت : كلمة فقد ميزتها من محتملاتها. وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال ( عظم قولك ). قال أهل البيان : النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين : من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل : ما أكبرها كلمة. وفي وصف الكلمة بقوله : ( يخرج من أفواههم ( مبالغة أخرى من وجهين : الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً ، فبين الله تعالى أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم. الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان ، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد : احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام. والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً. ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله : ( إن يقولون إلا كذباً ( وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بانه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه تعالى سماه كذباً. ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله : ( فلعلك باخع ( قال الليث : بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً : وقال الأخفش والفراء : أصل البخع الجهد. يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت : بخع الأرض أي جهدها حتى لأخذ ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة ، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ) أسفاً منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. وقال الزجاج : هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفظ الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم. والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، فأما تحصيل الإيمان فيم فليس إليك. قال القاضي ، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النواع في الكلام النفسي ، قوله سبحانه : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ( قال أهل النظم : كأنه تعالى يقول : إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالكاليف ، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذهالنعم ، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان

(4/405)


" صفحة رقم 406 "
وأشرفها الإنسان. وقال القاضي : الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء ، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة. ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان. وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه ) [ البقرة : 124 ]. واللام في ) لنبلوهم ( للغرض عند المعتزلة ، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم والمعنى لنمتحن هذا ) أحسن عملاً ( أم ذلك. ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله : ( وإنا لجاعلون ما عليها ( من هذه الزينة ) صعيداً جرزاً ( أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه. قال أبو عبيد : الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم ( امرأة جروز ) إذا كانت أكولاً ، ( وسيف جراز ) إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاء والإبل الأر إذا أكملت ما عليها. ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول صلى الل عليه وسلم على سبيل الامتحان فقال سبحانه ) أم حسبت ( يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب ، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة. وقال جار الله : يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته ، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان. والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه ، والكهف الغار الواسع في الجبل ، والرقيم اسم كلبهم ، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف ، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً ( فعيلاً ) بمعنى ( مفعول ) ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل. وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها. وقيل : هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف. والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب. وقوله : ( إذا أوى الفتية إلى الكهف ( صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار ( اذكر ) ب ) حسبت ( لفساد المعنى ، ولا يبعد أن يتعلق ب ) عجباً ( والتنوين في ) رحمة ( إما للتعظيم أو للنوع. وتقديم ) من لدنك ( للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ) وهيىء لنا ( أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ) من أمرنا (

(4/406)


" صفحة رقم 407 "
الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ) رشداً ( أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون ( من ) للابتداء. ويجوز أن تكون للترجيد كما في قولك ( رأيت منك أسداً ) أي اجعل أمرنا رشداً كله. ) فضربنا على آذانهم ( قال المفسرون : أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال : ( بنى على امرأته ) أي بنى عليها القبة. و ) سنين ( ظرف زمان و ) عدداً ( أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ) وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ) [ الحج : 47 ] وإما الكثرة. قال الزجاج : إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ) ثم بعثناهم ( أيقظناهم ) لنعلم ( ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في ( أي ) من معنى الاستفهام فارتفع ) أي الحزبين ( على الابتداء وخبره ) أحصى ( وهو فعل ماض و ( ما ) في ) لما لبثوا ( مصدرية أي أحصى ) أحداً ( للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه. وقيل : اللام ( زائدة ) و ( ما ) بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير : أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية. وزعم بعضهم أن ) أحصى ( أفعل تفضيل كما في قولهم ( أعدى من الجرب ) و ( ألفس من ابن المذلق ) ، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه. واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب. وقال مجاهد : الحزبان من أصحاب الكهف. وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم : ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ( وقال آخرون : ( ربكم أعلم بما لبثتم ( وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء : إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ) نحن نقص عليك نبأهم بالحق ( أي على وجه الصدق ) أنهم فتية ( شباب ) آمنوا بربهم ( أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ) وزدناهم هدى ( أي بالتوفيق والتثبيت ) وربطنا على قلوبهم ( قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ) إذ قاموا ( وفي هذا القيام أقوال : فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم : هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده ، أجد أن ربي رب السموات والأرض. فقالوا : نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ) فقالوا ربنا رب السموات والأرض ( وقال أكثر المفسرين : إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ) فقالوا ربنا رب السموات والأرض ( وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من

(4/407)


" صفحة رقم 408 "
شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق. ) هؤلاء ( مبتدأ و ) قومنا ( عطف بيان أبو بدل ) اتخذوا ( خير وهو إخبار في معنى إنكار. وفي اسم الإشارة تحقير لهم ) لولا يأتون عليهم ( هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ) بسلطان بين ( بحجة ظاهرة ، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة ، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت ، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال ، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ) فمن أظلم من افترى على الله كذباً ( بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين. وقوله : ( وما يعبدون ( عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم. وقوله : ( إلا الله ( استثناء منقطع على الدهر ، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر. وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله ف ( ما ) نافية. قال الفراء رفأووا إلى الكهف ( جواب ( إذا ) ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ) ينشر لكم ربكم من رحمته ( يبسطها لكم و ) مرفقاً ( على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع. وقلي : فتح الميم أقيس وكسرها أكثر. وقيل : المرفق بالكسر ما ارتفعت به ، والمرفق بالفتح الأمر الرافق. وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر ما ارتفعت به ، ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه ، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم. ) وترى الشمس ( أيها الإنسان ) إذا طلعت تزاور ( أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه. والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث ( فإذا وجد فجوة نص ) وللمفسرين في الآية قولان : أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله : ( ذلك من آيات الله ( وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم. ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية

(4/408)


" صفحة رقم 409 "
من آيات الله على هذا التقدير. وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة ، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم. ثم بين الله سبحانه لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم ، قال جار الله : فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو من غرائب أحوالهم فقال ) وتحسبهم أيقاظاً ( هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ) وهم رقود ( جمع راقد كقعود في قاعد. واستبعده في التفسير الكبير. وقيل : عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً. وقال الزجاج : لكثرة تقلبهم. وقيل : لهم تقلبتان في السنة. وقيل : تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وعن مجاهد : يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين ، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض. قال ابن عباس : وتعجب منه الإمام فخر الدين قال : وإن الله تعالى قادر على حفظهم من غير تقليب. وأقول : لا ريب في قدرة الله تعالى ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ) وكلبهم باسط ( حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به. والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب. قال السدي : الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت. عن ابن عباس : هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه. وقال كعب : مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب : ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم. وقال عبيد بن عمرو : كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه. قال الزجاج قوله ) فراراً ( منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية. وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم. وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس : ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك ؟ فقال : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ( فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم : اذهبوا فانظروا ففعلوا ، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ) وكذلك ( إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ) بعثناهم ( وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً ، ثم ذكر غاية بعثهم فقال : ( ليتساءلوا ( أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع

(4/409)


" صفحة رقم 410 "
في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ) قال قائل منهم كم لبثتم ( قال ابن عباس : وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك الله تعالى حين رأى التغير في شهورهم وأظفارهم وبشرتهم. والفاء في ) فابعثوا ( للتسبيب كأنه قل : واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق الفضة مضروبة أو غير مضرورة. وفيتزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله. والمدينة طرسوس. قال في الكشاف : ( أيها ( معناه أيّ أهلها ) أزكى طعاماً ( وأقول : يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله : ( زيد طيب أباً ) على أن الأب هو زيد ، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور. عن ابن عباس : يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم. وقال مجاهد : احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً. وقيل : أيها أطيب وألذ. وقيل : الرخص ) وليتلطف ( وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي تى لا يعرف. يؤيده قوله ) ولا يشعرون بكم أحد ( أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ) إنهم إن يظهروا ( يطلعوا على مكانكم أو ) عليكم يرجموكم ( يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ) أو يعيدوكم في ملتهم ( بالإكراه العنيف. وقال في الكشاف : العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل. قلت : يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل ان هداهم الله. وفي ( أذن ) معنى الشرط كأنه قال : إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً ، قال المحققون : لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين. ففي الأول هلاك الدنيا ، وفي الثاني هلاك الآخرة. وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر ، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة غلى الكفر القلبي ، وكما أنمناهم وبعثناهم ) أعثرنا عليهم ( سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين. وفي سبب الإعثار قولان : أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك. ولأكثرون قالوا : إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له : من أين وجدت هذه الدراهم ؟ قال : بعت به أمس شيئاً من التمر. فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة. ثم ذكر سبحانه غاية

(4/410)


" صفحة رقم 411 "
الإعثار فقال : ( ليعلموا أن وعد الله حق ( يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك. وقيل : بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم : الجسد والروح يبعثان جميعاً. وقال آخرون : الروح تبعث وأما الجس فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد ، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث. فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث. والضمائر في قوله : ( إذ يتنازعون بينهم أمرهم ( تعود إلى تلك الأمة. قويل : أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم ، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم. ) فقالوا ابنوا ( على باب كهفهم ) بنياناً ( يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث. ثم قالت الفتية للملك : نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم ، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب ، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً. فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله تعالى ومعترفين بالعبادة والصلاة ، وقيل : إن الكفار قالوا : إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً ، والمسلمين قالوا : بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً ، وقيل : إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم. قال جار الله : ( ربهم أعلم بهم ( من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك ، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أهل الكتاب. والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون وتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ) سيقولون ( يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً ، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعوقبياً هم ) ثلاثة رابعهم كلبهم ( وقال العاقب وكان نسطورياً هم ) خمسة وسادسهم كليهم ( فزيف الله قولهما بأن قال : ( رجماً بالغيب ( أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال : فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر. وكثيراً ما يقال رجم بالظن

(4/411)


" صفحة رقم 412 "
مكان قولهم ظن. وقال المسلمون. هم سبعة ثامنهم كلبهم. قال العلماء : وهذا قول محقوق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن لسان جبرائيل عليه السلام. والذي يدل عليه أمور منها منا روي عن علي عليه السلام أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم. يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره ، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش. واسم مدينتهم أفسوس ، واسم كلبهم قطمير. وقيل ريان. عن ابن عباس : أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار ، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد ، وللحرث تكتب على القرطاس. وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع ، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه. والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى ، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر ، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل. ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ) وثامنهم ( هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك ( جاءني رجل ومعه آخر ) كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك ( مررت بزيد ومعه سيف ) وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجميعة وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة. ولقائل أن يقول : إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشة الاتصال بينهما ، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. بل الواو للعطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة ، لا مكان التباس الحاس بالصفة في نحو قولك ( رأيت رجلاً راكباً ) وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو. ومنها بعضهم إن الضمير في قوله : ( ويقولون سبعة ( لله تعالى والجمع للتعظيم. ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله : ( رحيماً بالغيب ( وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه ، فمن البعيد أن يذكر الله تعالى جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه سبحانه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب ، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة. وأيضاً الله تعالى قال : ( ما يعلمهم إلا قليل ( ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويحصل لغير النبي ( صلى الله عليه وسلم )

(4/412)


" صفحة رقم 413 "
كعلي وابن عباس حسين قال : أنا من أولئك القليل. وقد عرفت قولهما في هذا الباب. وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم. وقيل : الضمير في ) سيقولون ( لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله سبحانه في الموضعين الأخيرين و ) يقولون ( بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له ، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول : قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم. أما فائدة تخصيص الواو في قوله : ( وثامنهم ( فقد عرفت آنفاً وقد يقال : إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله تعالى : ( إن تستغفر لهم سبعين مرة ) [ التوبة : 8 ] لأن هذا العدد سبعة عقودٍ ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ) وفتحت أبوابها ) [ الزمر : 73 ] وكقوله ) ثيبات وأبكاراً ) [ التحريم : 5 ] وزيف القفال هذا الوجه بقوله تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ) [ الحشر : 22 ] وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن. والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه ، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد ، والقائل بصدد الأول دون الأخير. ثم نهى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال : ( الأمراء ظاهراً ( فقال جار الله : أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحىالله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف. وقال في التفسير الكبير : المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف. ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتى يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا. ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول : الولي مشتق من الولي وهو القرب. فقيل : ( فعيل ) بمعنى ( فاعل ) كقتيل وذلك أن الحق سبحانه تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان ، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق ، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة. فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض ، وإن كان كاذباً وجب. ويمكن أن يقال : إن

(4/413)


" صفحة رقم 414 "
الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة ، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزاً ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج. وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي ، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار. ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف. قال القاضي : لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات. وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد ، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلمائة وتسع سنين ، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء ، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم. ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان ؟ وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمرات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره. وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر. أما عيسى فقد عرفتموه ، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت : يا جريج فقال : يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى. فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار. وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت : اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم : أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت : ولدي هذا من جريج. فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام. قال أبو هريرة : كأنى أنظر إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين قال بيده يا غلام من أبوك ؟ فقال : فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت : اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي : اللَّهم لا تجعلني مثله .

(4/414)


" صفحة رقم 415 "
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت : اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه. فقال : اللَّهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك فقال : إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله ). ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهماوكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت في ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون ) وهذا حديث صحيح متفق عليه. ومنها قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ). ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله. ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس :

(4/415)


" صفحة رقم 416 "
سبحان الله فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر ). ومنا رواية أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان. فقلت : فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها ؟ قال : ولم تسأل عن قال : فلان ابن فلان. فقالت : فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها ؟ قال : ولم تسأل عن ذلك ؟ قلت : لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان. قال : ولم تسأل عن أجعلها أثلاثاً فأجعل نفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً ) وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب. ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين. فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في حطبته يا سارية الجبل الجبل. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وكتبت تاريخ هذه الكلمة. فقدم رسول ذلك الجيش. فقال : يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدعمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة. قال بعض العلماء : كان ذلك بالحقيقة معجزة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى والبصر. فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد. ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة الجيش من بعد. ومنها ما فيه جارية حسناء. فلما جاء الإسلام كتب عمر بن العاص بهذه الحالة إلى عمر. فكتب عمر على الخزف : من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك ، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله. وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال : اسكني بإذن الله فسكنت. ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خرزفة : يا نار اسكني بإذن الله تعالى فألقوها في النار فأنطفأت في الحال. ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر واطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا : ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن. فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر وضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه : أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض

(4/416)


" صفحة رقم 417 "
فقصاده فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل. قال أهل السير : لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مغ غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات ، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان فعن أنس قال : مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال : ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم ؟ فقلت : أوحي نزل بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقال : لا ولكن فراسة صادقة. وقيل : لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله : ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) [ البقرة : 137 ]. ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته. وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي عليه السلام فقال : ( أسرقت ؟ قال : نعم. فقطع يده فانصرف من عند علي رضي الله عنه فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء : من قطع يدك ؟ قال : أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. فقال : قطع يدك وتمدحه. قال : ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار. فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً رضي الله عنه فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات ، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله تعالى. وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال : ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوحي في أجمة فيها أسد ، فخرج إليّ أسد فقلت : يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع. وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين ذهب من الليل قطع ، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها ، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله. وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خر فقال : ما هذا ؟ فقال : خل. فقال خالد : اللَّهم اجعله خلاً. فذهب الرجل إلى أصحابه وقال : أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها. فلما فتحوا فإذا هي خل. فقالوا : والله ما جئتنا إلا بخل. فقال : هذه والله دعوة خالد. ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره. وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم

(4/417)


" صفحة رقم 418 "
ثم قال : إنما يلسط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. وروي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها. وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ) يحبهم ويحبونه ) [ المائدة : 54 ] فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله. فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد. وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله تعالى ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته ، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها ، وإذا لم يبخل الفياض بالأشراف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء : إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تنصرف في جسده. قلت : وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه ، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية. حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة ، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة لا يقطع بها ، بدعوى الولاية. وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها. والولي إذا ادعى الكرامة. جميع هذا عند من وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية ، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما ، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة ، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا : قال ( صلى الله عليه وسلم ) حكاية عن الله سبحانه : ( لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ) لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات ، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك. وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً. قالوا : قال تعالى : ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه

(4/418)


" صفحة رقم 419 "
إلا بشق الأنفس ) [ النحل : 7 ] فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام. وأجيب بأن الآية وردت على أم هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم ، وإن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم تفق له ذلك ، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا : إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله : ( البينة على المدعي ). وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن. والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به. قالوا : لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كله ، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها. وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) [ سبأ : 13 ] والولي فيهم أعز من الكبريب الأحمر ، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً ؟ في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء ، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة ، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به ، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم ، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع ، والعبد الصالح هو الذي يزداد لله وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه ، قرأ المقترىء في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ) إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [ فاطر : 10 ] فقال : علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء ، فإن بقي فهو غير مرفوع. واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً ؟. قال الأستاذ أبو بكر بنفورك : لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ) ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ يونس : 62 ] والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله تعالى ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله. وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله : ( ويدعوننا رغباً ورهباً ) [ الأنبياء : 90 ] وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي. فقد يكون

(4/419)


" صفحة رقم 420 "
العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية ، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة. قيل : من هنا قال سبحانه : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) [ الأمثال : 160 ] ولم يقل منعمل حسنة. ومن كان محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعله المعصية وبالعكس ، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله. وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري : إن للولاية ركنين : أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر ، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً ، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله. قلت : لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة ، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار ، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله تعالى أعلم. قال المفسرون : إن اليهود حين قالت لقريش : سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( أجيبكم عنها غدً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة ). وقيل : أربعين يوماً ثم نزل قوله : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ( أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ) إلا أن يشاء الله ( فقال العلماء : إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ) إني فاعل ( إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه. فالصواب أن يقال : إنه من تمام قوله : ( ولا تقولن ( ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه. وقوله : ( إلا أن يشاء الله ( أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً ، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول. فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله. وهذا نهي تأديب لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق ، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ) إن شاء الله ( في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل : ولا تقولنه أبداً. قال أهل السنة : في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين : والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال : إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق ، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين ، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته : أنت

(4/420)


" صفحة رقم 421 "
طالق إن شاء الله ، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس. واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله : ( ولا تقولن لشيء ( وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال. وأجيب بأنه مجاز كقوله : ( أعصر خمراً ) [ يوسف : 36 ] ( واذكر ربك ( أي مشيئة ربك ) إذا نسيت ( كلمة الاستثناء. ثم تنبثهت لها ، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف ، فعن ابن عباس : يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث. وعن سعيد بن جبير : ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه. وعن طاوس : هو استثناء ما دام في مجلسه. وعن عطاء : يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً. قالوا : إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالقنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد ، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع غلى أصل الدليل. وقيل : أراد واذكر ربك بالتسبيح والأستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء ، وفيه بعث على الاهتمام بها. وقيل : اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي ، أواذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل ، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. واختلفوا في المشار إليه بقوله : ( لأقرب من هذا ( الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك ، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول : عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ) رشداً ( وأدنى خيراً ومنفعة. وقيل : إن ترك قوله ( إن شاء الله ) ليس بحسن وذكره أحسن. فقوله ( هذا ) إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة ، وقيل : إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم ، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل. عن قتادة. أن قوله سبحانه : ( ولبثوا في كهفهم ( حكاية لأهل الكتاب و ) قل الله أعلم بما لبثوا ( رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ) وقالوا لبثوا ( والجمهور على أنهبيان لما أجمل في قوله : ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ( والمراد من قوله ) قل الله أعلم ( أن لا تتجاوزا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله : ( قل ربي أعلم بعدّتهم ( بعد قوله : ( سبعة وثامنهم كلبهم ( قال النحويون : سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد. وقيل : فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة. ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع

(4/421)


" صفحة رقم 422 "
موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله : ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ) [ الأعراف : 160 ] قوله : ( وازدادوا تسعاً ( أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول ( ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين ). فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي. وقيل : إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه. ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين ، ثم أكد قوله : ( الله ألعم بما لبثوا ( بقوله : ( له غيب السموات والأرض ( أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله : ( مالهم ( لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ) ولا يشرك في حكمه ( وقضائه قبل أصحاب الكهف ) أحداً ( أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر على بيانه. وقيل : الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. وقيل : ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمو هذه الواقعة من دون إعلامه ؟ وقيل : فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله تعالى أنه : ( ليس لهم من دونه ولي ( يمنع العقاب عنهم. واعلمأن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل : كانوا قبل موسى عليه السلام وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل : دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وحكى القفال عن محمد بن إسحاق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى. وقيل : إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من أصحاب الكهف ثم قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف ، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال : وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم ، فدخلت فرأيت الشعور على صدوره فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره. قلت : حين لم يملأ الخوارزمي

(4/422)


" صفحة رقم 423 "
رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم ، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى أعلم. التأويل : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ( والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) إذ يقول : ( أمتي أمتي ) يوم يقول كل نبي ( نفسي نفسي ) ، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال : ( عبده زكريا ) [ مريم : 2 ] ، ) واذكر عبدنا داود ) [ ص : 17 ] ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل : ( ولم يجعل له ( أي لقلبه ) عوجاً ( لا يستقيم فيه القرآن ، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ) فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [ النجم : 10 ] بلا واسطة جبرائيل ، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله : ( فاستقم كما أمرت ) [ هود : 112 ] ( أجراً حسناً (. هو التمتع من حسن الله وجماله. ) لعلك باخع نفسك ( كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه ، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك ، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله : ( ولا تبسطها كل البسط ) [ الإسراء : 29 ] ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة ( أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ) لنلوهم أيهم أحسن عملاً ( في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله : ( أم حسبت ( ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم ، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة ، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه ، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ) ربنا آتنا ( الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. ) فضربنا ( على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألوح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوا الإلهية ليفنيهم الله عنه ويبقيهم به وهو سر قوله : ( ثم بعثناهم ( اي أحييناهم بنا ) لنعلم أي الحزبين ( أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة : ( أحصى ( أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ) وزدناهم هدى ( فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ) ثم بعثناهم ( حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ) اتخذوا من دونه آلهة ( من الدنيا والهوى. ) وترى الشمس إذا طلعت ( قال الشيخ المحقق نجم الدين

(4/423)


" صفحة رقم 424 "
المعروف : بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه ، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول : حزراً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ) ) وهم في فجوة منه ( في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت : يحتل مأن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردت - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ) وإذا غربت ( أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال ، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ) وتحسبهم إيقاظاً ( متصرفين في أمور الدنيا ) وهم رقود ( عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس ، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله : ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ( إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل : في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين ، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتينالزهر وثمرة الجبال وفي قوله : ( وكلبهم باسط ( إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذاالنوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها ، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ) ولملئت منهم رعباً ( بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدنام ، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ) لبثنا يوماً أو بعض يوم ( لأن أيام الوصال قصيرة ، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ) قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ( لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ) فابعثوا أحدكم ( من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني (. فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ) أزكى طعاماً ( لما رجعوا إلى العالم الجسماني ، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك

(4/424)


" صفحة رقم 425 "
الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. ) ولا يشعرنّ بكم أحد ( فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ) ليعلموا أن وعد الله حق ( بإحياء القلوب الميتة حق قدره ، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. ) سيقولون ( أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ) ثلاثة ( الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. ) رابعهم كلبهم ( هو النفس الناطقة. ) ويقولون خمسة ( هو الحواس الظاهرة ) سادسهم ( النفس ) ويقولون سبعة ( هو الحواس الظاهر مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ) وثامنهم كلبهم ( هو النفس المدرك للكليات ) قل ربي أعلم بعدتهم ( لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله : ( ما يعلمهم إلا قليل ( والله أعلم بالصواب. . ( الكهف : ( 27 - 46 ) واتل ما أوحي . . . .
" واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة

(4/425)


" صفحة رقم 426 "
ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا "
( القراآت )
وفجرنا ( بالتخفيف : سهل ويعقوب غير رويس ) له ثمر ( وكذا ) بثمره ( بفتح الثاء والميم : يزيد. وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر : بضم الثاء وإسكان الميم. الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ) منها ( على الوحدة : أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون على التثنية ) لكن ( بالتشديد من غير ألف في الحالين : قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل. الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ) بربي أحد ( مفتوحة الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ) أن ترني ( فتح الياء : السرانديبي عن قنبل ) غوراً ( بضم الغين وكذلك في ) الملك ( البرجمي الباقون بفتحها. ) ولم يكن له ( بياء الغيبة ) الولاية ( بكسر الواو : حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ) لله الحق ( بالرفع : أبو عمرو وعلي. الآخرون بالجر ) عقباً ( بسكون القاف : عاصم وحمزة وخلف. الباقون بضمها ) الريح ( على التوحيد : حمزة وعلي وخلف. الوقوف : ( من كتاب ربك ( ط لاختلاف الجملتين ) ملتحداً ( ه ) عنهم ( ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال الغتاب. ) فرطاً ( ه ) فليكفر ( لا لأن الأمر للتهديد بدليل ) إنا أعتدنا ( فلو فصل صار مطلقاً ) ناراً ( ، لأن ما بعده صفة ) سرادقها ( ط ) الوجوه ( ط ) الشراب ( ط ) مرتفقاً ( ه ) عملاً ( ج ه لاحتمال كون ) أولئك ( مع ما بعده خبر ) إن الذين ( وقوله : ( إنا لا نضيف ( جملة معترضة ) الأرائك ( ط ) الثواب ( ط ) مرتفقاً ( ه ) زرعاً ( ه ، ط ) شيئاً ( لا للعطف ) نهراً ( ه ط ) ثمر ( ج للعدول مع الفاء ) نفراً ( ، ج ) لنفسه ( ج لاتحاد العامل بلا عطف ) أبداً ( ه ط ) قائمة ( لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ) منقلباً ( ه ) رجلاً ( ، ه ط لتمام الاستفهام ) أحداً ( ه ) ما شاء الله ( لا لاتمام المقول ) إلا بالله ( ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ) وولداً ( ه ، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ) زلقاً ( ه ) طلباً ( ه ) أحداً ( ه ) منتصرا ( ، ط وقيل : يوقف على ) هنالك ( والأوجه أن يبتدأ ب ) هنالك ( أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ) الحق ( ط على القراءتين ) عقباً ( ه ) الرياح ( ط

(4/426)


" صفحة رقم 427 "
) مقتدراً ( ه ) زينة الحاية الدنيا ( ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ) أملاً (. التفسير : لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه ، واحتمل أن يكون ) اتل ( أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله : ( من كتاب ربك ( بيان للذين أوحي إليه. ثم بين سببب اللزوم فقال : ( لا مبدل لكلماته ( أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله : ( ولن تجد من دونه ملتحداً ( أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً : وأصل اللحد الميل كما مر في قوله : ( يلحدون في أسمائه ) [ الأعراف : 18 ] نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله : ( ولا تطرد الذين ) [ الآية : 52 ] الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله : ( ولا تعد عيناك ( قال جار الله : إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل : ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم. ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال : ( ولا تطع من إفلنا قلبه ( قال أهل السنة : معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم ، أو هو من إغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان ، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين. وقالت المعتزلة : معنى إغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله : ( واتبع هواه ( بالواو دون الفاء إذا لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل ( فاتبع ) بالفاء. ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول ، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية ، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ) وكان أمره فرطاً ( أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم ( فرس فرط ) إذا كان متقدماً للخيل ، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على

(4/427)


" صفحة رقم 428 "
الحق وشغلوا عن الخلق ، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى. وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه. ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ) وقل الحق من ربكم ( أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله ، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء. وقال في الكشاف : الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر ، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره. وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا : إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه ، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه. فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير لالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين. ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال : ( إنا أعتدنا ( أي أعددنا وهيأنا ) لللظالمينناراً أحاط بهم سرادقها ( وهو الحجرة التي تكون وحول الفسطاط فأثبت تعالى للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج. وقيل : هو حائط من نار يطبق بهم. وقيل : هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ) [ المرسلات : 30 ] وقوله : ( يغثوا بماء ( وارد على سبيل التهكم كقولهم ( عتابك السيف ). والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش. وقيل في حديث مرفوع أنه درديّ الزيت. وقيل : الصديد والقيح أو ضرب من القطران. وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله : ( تسقى في عين آنية ) [ الغاشية : 5 ] وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ) أفيضوا علينا من الماء ) [ الأعراف : 50 ] ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص ، وقد يفسر بهذا قوله : ( سرابليهم من قطران ) [ إبراهيم : 50 ] عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه ) وهذا معنى قوله : ( يشوي الوجوه بئس الشراب ( ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ) وساءت (

(4/428)


" صفحة رقم 429 "
أي النار ) مرتفقاً ( متكئاً لأهلها ومنه المفرفق لأنه يتكأ عليه. قال جار الله : هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ) وحسنت مرفتقاً ( وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال : معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين. وقال قائلون : إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء. ثم شرع في وعد المؤمنين فقال : ( إن الذين آمنوا ( الآية فإن جعلت ) إنا لا نضيّع ( اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ) أولئك ( خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ) من أحسن ( يقوم مقام الراطب المحذوف والتقدير ) من أحسن عملاً ( منهم. وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي ( التوبة ) و ( الرعد ). ولأهل الجنة لباسان : لباس التحلي والباس الستر. ولم يسم فاعل ) يحلون ( للتعظيم وهو الله جل وعلا ، أو الملائكة بإن. و ( من ) في ) من أساور ( للابتداء وفي ) من ذهب ( للتبيين. وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن ، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية ، وبعضها فضة لقوله : ( وحلوا أساور من فضة ) [ الدهر : 21 ] وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ) ولؤلؤاً ) [ الحج : 23 ] وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره. قيل : إنما لم يسم فاعل ) يحلون ( إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنه استوجبوه بعملهم ، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم. والأرئك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة ، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة. ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضر بالله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً غنما الفخر بالأعمال الصالحات. والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر - اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل : هما المذكوران في سورة ( والصافات ) في قوله : ( قال قائل منهم أنى كان لي قرين ) [ الصافات : 51 ] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما ، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن : اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به. ثم بنى أخوه داراً بألف فقال : اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال : اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور. ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال : اللَّهم إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به. ثم أصابته

(4/429)


" صفحة رقم 430 "
حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله. وقيل : هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد. أما قوله : ( وحففناهما بنخل ( فقال صاحب الكشاف : إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن. ) وجعلنا بينهما زرعاً ( فهما جامعتان للأقوات والفواكه. وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة ، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل. ) وآتت ( محمول على لفظ ) كلتا ( لأن لفظه مفرد. ولو قيل : ( أتتا ). على المعنى لجاز. والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا. ) فجرنا ( من ق ) أ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد ، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ) وكان له ثمر ( قال الكسائي : الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالكحركة أو بالسكون. وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، والثمر بالفتح حمل الشجر. وقال قطرب : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء. والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع. والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه. وقيل : الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث. ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله سبحانه ) ودخل جنته ( فقال جار الله : معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون ، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا واحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله : ( لأجدن خيراً منها ( وإنما وصفه بقوله : ( وهو ظالم لنفسه ( لأنه لما اغتر بتلك النعم لولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالعبث وسائر أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل : ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) [ الحج : 5 ] عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ) ما أظن أن تبيد ( أي تهلك ) هذه ( الجنة

(4/430)


" صفحة رقم 431 "
) أبداً ( وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ) وما أظن الساعة قائمة ( ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة. ) منقلباً ( نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم. قال بعض العلماء : الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال : ( ولئن رددت ( أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي ، ولما لم يبق مثل هذا المعنى في ( حم ) قال هناك : ( ولئن رجعت إلى ربي ) [ فصلت : 50 ] ، قوله : ( أكفرت ( زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث. وأقول : يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك : ( يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ( ولقول أخيه معرضاً به ) لكنا هو الله ربي ( وليس في قوله : ( ولئن رددت إلى ربي ( دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه. وقوله : ( خلقك من تراب ( أي خلق أصلك وهو أشارة إلى مادته البعيدة. وقوله : ( من نطفة ( أشارة إلى مادته القريبة. ومعنى ) سوّاك رجلاً ( عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ) رجلاً ( تمييزاً. ولعل السر في تخصيص الله سبحانه في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً ، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات ، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة ، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار ، ثم استدرك لقوله ) أكفرت ( كأنه قال لأخيه : أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. وأصل ) لكنا ( ( لكن أنا ) حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها ، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن ، والجملة بعده خبر للشأن ، والمجموع خبر ( أنا ) والراجع ياء الضمي وتقدير الكلام : لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية : إثبات ألف ( أنا ) في الوصل ضعيف ، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ) ولولا ( للتخفيض وفعله. قلت : ( وإذ دخلت ( ظرف وقع في البين توسعاً. وقوله : ( ما شاء الله ( خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان. استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته. وأجاب الكعبي

(4/431)


" صفحة رقم 432 "
بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد. والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل ( السماء فوقنا ). وأجبا القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ) لا قولة إلا بالله ( أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله ، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة لك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان ، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره. عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء ، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج. ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال : ( إن ترن أنا أقل ( ف ( أنا ) فصل و ) أقل ( مفعول ثان ) مالاً وولداً ( نصب على التمييز ) فعسى ربي أن يؤتيني ( في الدنيا أو في الآخرة جنة ) خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ( هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها. وعن الزجاج : عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك. وقيل : هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق. ) فتصبح صعيداً زلقاً ( أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقأ لملاستها. وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم ( فلان زور صوم ). ثم أخبر سبحانه عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال : ( وأحيط بثمره ( وهو عبارة عن أهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله : ( إلا أن يحاط بكم ) [ يوسف : 66 ] ، ) فأصبح يقلب كفيه ( أي يندم ) على ما أنفق فيها ( لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله. ) وهي خاوية على عروشها ( أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير. وقوله : ( يا ليتني لم أشرك ( تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم ، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكانه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى ، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك. وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه ، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله : ( ولم يكن له فئة ( طائفة ) ينصرونه من دون الله ( لأنه وحده قادر على نصرة العباد. ) وما كان منتصراً ( ممتنعاً بقوته عن انتقام الله. ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ) هنالك ( أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ) الولاية لله الحق (

(4/432)


" صفحة رقم 433 "
والولاية بالفتح النصرة والتولي ، وبالكسر السلطان والملك ، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ) يا ليتني ( إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها. وقيل : ( هنالك ( إِارة إلى الآخرة كقوله ) لمن الملك اليوم لله ) [ غافر : 16 ] ( عقباً ( بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط. ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ) واضرب لهم ( الآية. وقد مر مثله في أوائل ( يونس ) ) إنما مثل الحياة الدنيا كماء ( ومعنى ) فاختلط به ( التف بسببه. وقيل : معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبيين. والهشيم منا تهشم وتحطم ، والذر والتطيير والإذهاب. تقول : ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً. ) وكان الله على كل شيء مقتدراً ( من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً. ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة ، ثم تتزايد إلى أن تتكامل ، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء ، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به. وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ( هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ) خير عند ربك ثواباً ( أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول. وقيل : هن الصلوات الخمس. وقيل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي ، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي ، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصين إلا هو ، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم. وقيل : الطيب من لاقول. والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة. التأويل : ( واتل ( على نفسك ) وما أوحي إليك من كتاب ( كتبه ) ربك ( في الأزل ) لا مبدل لكلماته ( إلى الأبد مع الدين ) يدعون ربهم ( وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا. ) ولا تعد ( عينا همتك ) عنهم ( فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ) ولا تطع من إغفلنا ( يعني : النفس ناراً هي نار القهر والغضب ) أحاط بهم سرادقها ( يعني سرادق العزة ) بماء كالمهل ( كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه سبحانه جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح ، وفسدت استعداداتهم

(4/433)


" صفحة رقم 434 "
فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ) يحلون فيها من أساور ( والتحلية بالأساورة إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليه وقوله : ( من ذهب ( رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ) يلبسون ثياباً ( فيه أن أنوار العبادات تلةح عليهم تشتمل بهم. وقوله : ( خضراً ( إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ) من سندس ( إشارة إلى ما لطف من الرياضيات ) واستبرق ( إلى ما شق منها ) متكئين فيها على الأرئك ( لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ) مثلاً رجلين ( هما النفس الكافرة والقلب المؤمن. ) جعلنا لأحدهما ( وهو النفس ) جنتين ( هما الهوى والدنيا ) من أعناب ( الشهوات ) وحففناهما بنخل ( حب الرياسة ) وجعلنا بينهما زرعاً ( من التمتعات البهيمية ) وفجرنا خلالهما نهراًؤ من القوى البشرية والحواس. ) وكان له ثمر ( من أنواع الشهوات ) وهو يحاوره ( يجاذب النفس والقلب ) أنا أكثر منك مالاً ( أي ميلاً ) وأعز نفراً ( من أوصاف المذمومات ) وهو ظالم لنفسه ( في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ) لأجدن خيراً منها ( لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم ، هلا قلت ) ما شاءالله ( أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ) على ما أنفق فيها ( من العمر وحسن الاستعداد ) كما أنزلناه ( هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ) فاختلط ( الروح بالأخلاق الذميمة ) فأصبح هشيماً ( تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ) تذروه ( رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شرة طيبة. ) والباقيات الصالحات ( أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب. ( الكهف : ( 47 - 59 ) ويوم نسير الجبال . . . .
" ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا وما منع الناس أن يؤمنوا

(4/434)


" صفحة رقم 435 "
إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا "
( القراآت )
تسير الجبال ( على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال : ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال. ما أشهدناهم يزيد. الآخرون ) ما أشهدتهم ( ) وما كنت ( على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد. الباقون على التكلم ) ويوم نقول ( بالنون : حمزة الباقون على الغيبة ) قبلاً ( بضمتين : عاصم وحمزة الكسائي. الباقون بكسر القاف وفتح الباء. ) لمهلكهم ( بفتح الميم وكسر اللام : حفص ) لمهلكهم ( بفتحهما ، يحيى وحما والمفضل. الباقون بمض الميم وفتح اللام. الوقوف : ( بارزة ( لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ) أحداً ( ه ج للآية مع العطف ) صفاً ( ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ) أول مرة ( ز لأن ( بل ) قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ) موعداً ( ه ) أحصاها ( ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار ( قد ) ) حاضراً ( ه ط ) أحداً ( ه ) إلا إبليس ( ط ) أمر ربه ( ط ) جدلاً ( ه ) قبلاً ( ه ) ومنذرين ( ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ) هزواً ( ه ) يداه ( ط ) وقراً ( ، ط لاختلفا الجملتين مع ابتداء الشرط ) أبداً ( ه ) الرحمة ( ط ) العذاب ( ط ) موئلاً ( ه ) موعداً (. التفسير : لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله ، وفيه رد على أغنياء المشركين الذي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير : واذكر يوم ذكا عطفاً على وأضرب. ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ) ولقد جئتمونا ( وفاعل التسيير هو الله تعالى إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى ، فتسييرها إما إلى العدم لقوله : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسئاً ) [ طه : 105 ] ، ) وبست الجبال بساً ، فكانت هباء منبثاً ) [ الواقعة : 5 ، 6 ] وإما إلى

(4/435)


" صفحة رقم 436 "
موضع لا يعلمه إلا الله ) وترى الأرض بارزة ( لأنه لا يبقى على وجهها شيء سترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار ، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله : ( وألقت ما فيها وتخلت ) [ الانشقاق : 4 ] فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ) وحشرناهم ( الضمير للخلائق المعلوم حكماً ) فلم نغادر منهم أحدا ( من الأوّلين والآخرين. يقال : غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء. والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله. ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحاً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته. قالت المشبهة : في قوله : ( وعرضوا على ربك ( دليل على أنه سبحانه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله : ( لقد جئتمونا ( وأجيب بأنه تعالى شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان. وانتصب ) صفاً ( على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحداً أحداً. والصف إما واحد وإما جمع كقوله ) يخرجكم طفلاً ) [ غافر : 67 ] أي أطفالاً. وقيل : صفاً أي قياماً وبه فسر قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) [ الحج : 36 ]. وقال القفال : يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول. وقد مر في ( الأنعام ) أن وجه التشبيه في قوله ) خلقناكم ( أنم يبعثون عراةلا شيء معهم ، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً. أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك. ) ووضع الكتاب ( أي جنسه وهو صحف الأعمال. والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال ، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار. ) فترى المجرمين مشفقين ( خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح. ومعنى النداء في ) يا وويلتنا ( قد مر في ( المائدة ) في ) يا ويلتي أعجزت ) [ الآية : 31 ] وقوله : ( صغيرة ولا كبيرة ( صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم ، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار ، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل. وعن الفضيل : ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر. قلت : وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر. وعن ابن عباس : الصغير التبسم والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير : الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا. وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر. وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله : ( أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) [ النساء : 31 ] فتذكر ) ووجدوا ما عملوا حاضراً ( في

(4/436)


" صفحة رقم 437 "
الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملو ظاهراً على صفحات أحوالهم ) ولا يظلم ربك أحداً ( استدل الجبائي بهعلى بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفار يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم. والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا : لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة. وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة : يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له : ما شغلك عني ؟ فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول : كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار. ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال : أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول : قد ابتليت هذابأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار ، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول : ماذا عملت فيما تيتك فيقول : شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول : هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما أتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار ) ثم إنه سبحانه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه. قال جار الله : قوله : ( كان من الجن ( كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال : ما له يسجد فقيل : ( كان من الجن ففسق ( والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقعه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة. وقال آخرون : اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن. ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر ، ومن أوجب قال : ( كان ) بمعنى ( صار ) أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن ، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة. ومعنى ) فسق عن أمر ربه ( خرج عن طاعته. وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال : ( فسق عن أمر ربه (. وقال قطرب : هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره. ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر. والمعاصي وخالق أمر الله فقال : ( أفتتخذونه ( كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ) وذريته أولياء من دوني ( وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد ( صلى الله عليه وسلم ) نبياً ) بئس للظالمين بدلاً ( أي بئس البدل من الله. إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته. قال الجبائي. في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم

(4/437)


" صفحة رقم 438 "
والتوبيخ ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. قال أهل التحقيق : إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) هو النخوة والعب ولترفع والتبكر ، وهذا شأن إبليس ومن تابعه. فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه. ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله : ( ما أشهدتهم ( فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله : ( ولا تقتلوا أنفسكم ( لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله : ( وما كنت متخذ المضلين ( أي متخذهم ) عضداً ( أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال. وقيل : الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين ، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة ، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له : لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك. وقيل : أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم ، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء. ومن قرأ ) وما كنت ( بفتح التاء فالخطاب للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم ، ثم عاد إلى تهويلهم بأحول يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام : اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ) يقول ( الله لهم ) نادوا ( أي ادعوا من زعمتم أنهم ) شركائي ( فأهلتموهم للعبادة. قال المفسرون : أراد الجن ) فدعوهم ( لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ) إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا ) [ إبراهيم : 21 ] ( فلم يستجيبوا لهم ( ولم يدفعوا عنهم ضرراً ) وجعلنا بينهم موبقاً ( عن الحسن ) موبقاً ( عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم ( لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا ). وقال الفراء : البين الواصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة. وفي الكشاف : الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً. وجوز أن يريد بالشركاء

(4/438)


" صفحة رقم 439 "
الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم. وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. قوله : ( فظنوا ( قيل : علموا وأيقنوا : والأقرب أن الكفار يرون النار نم مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ) [ الفرقان : 12 ] ( ولم يجدوا عنها مصرفاً ( أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر. ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال : ( ولقد صرفنا ( وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة. وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله : ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ( يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصوة فقوله : ( أكثر شيء ( كقوله ) أول مرة ( وقد مر في ( الأنعام ). وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية ، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم. قال أهل البرهان : قوله تعالى في سورة ( بني إسرائيل ) : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) [ الاسراء : 94 ] وقال في هذه السورة بزيادة ) ويستغفروا ربهم ( لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) إلا قولهم : ( أبعث الله بشراً رسولاً ، هلا بعث ملكاً ) وجهلوا أن التجانس يورث التوانس. ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار ) استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ) [ نوح : 10 ] وكذا قوم هود ) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) [ هود : 52 ] وقوم صالح ) فاسغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ) [ هود : 62 ] وقوم شعيب ) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ) [ هود : 90 ] فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم. والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً. ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جميع قبيل. قالت المعتزلة : في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً. وقالت الأشاعرة : العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه ، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة. ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع

(4/439)


" صفحة رقم 440 "
هذه الأحوال ) يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ( ويزيلوا ويبطلوا ) به الحق ( من إدحاض القدم وهو إزلاقها ) واتخذوا آياتي وما أنذروا ( أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ) هزوا ( موضع استهزاء. قال جار الله : جدالهم قولهم للرسل ) ما أنتم إلا بشر مثلنا ) [ يس : 15 ] ( ولو شاء الله لأنزل ملائكة ) [ المؤمنون : 24 ] وما أشبه ذلك. قال أهل العرفان : قوله : ( ومن أظلم ممن بآيات ربه ( أي بالقرآن بدليل قوله : ( أن يفقهوه ( وبتذكير الضمير. ) فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ( من الكفر والمعاصي فلم يتفكرون في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية. وإنما قال أهل الفرفان : قوله : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ( أي بالقرآن بدليل قوله : ( أن يفقهوه ( وبتذكير الضمير. ) فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ( من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية. وإنما قال في السجدة ) ثم أعرض عنها ) [ الآية : 22 ] لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد ، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك. وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ) [ السجدة : 12 ] أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم. وقوله ( إنا جعلنا ( وقد مر تفسيره في ( الأنعام ) إلى قوله : ( فلن يهتدوا إذا أبداً ( متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله ، ولعله أراد بذلك غظهار مغفرته. ورحمته على عباده كما قال : ( وربك الغفور ذو الرحمة ( قال المفسرون الضمير في قوله : ( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ( والموعد القيامة ، والمئل الملجأ يقال وأل إذا نجا ، ووأل إليه إذا لجأ إليه. قال الإمام فخر الدين الرازي : إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار ، والرحمة إيصال النفع ، وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول ، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. أقول : هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة ، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين. وفي تعلق القدرة بترك غير التمناهي أيضاً نظر ، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك. ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيره فقال : ( وتلك القرى ( فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم ، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ) أهلكناهم ( ويجوز أن يكون ) تلك القرى ( منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. ) وجعلنا ( لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ) موعداً ( وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا

(4/440)


" صفحة رقم 441 "
لأهل مكة يوم بدر ، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب لهوقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك. التأويل : ( ويوم نسير الجبال ( وهي الأبدان الجامدة عن السلوك ، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق ، وحشرنا جميع القوى البشرية ) وعرضوا على ربك صفاً ( لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها ، فالروح في صف الأرواح ، والقلب في صف القلوب ، وذا النفس وقواها. ) ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ( على هيئة الفطرة ، وقيل الأنبياء في صف ، والأولياء في صف ، والمؤمنون في صف ، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ) لا يغادر صغيرة ( هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات. ) ولا كبيرة ( هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ) ما أشهدتهم ( لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) [ الكهف : 53 ] ( ورأى المجرمون النار ( رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي ، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ) ولم يجدوا عنها مصرفاً ( كما تعيشون تموتون كما تموتون تعبثون ) وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ( فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع ، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ( أسباب الهداية ) ويستغفروا ربهم ( إن كانوا مذنبين ) إلا أن تأتيهم سنة الأولين ( من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( والله لولا الله ما اهتدينا ) ) أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ( كقوله : ( أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. والله أعلم. ( م ( تم الجزء الخامس عشر ، ويليه الجزء السادس عشر أوله : ( وإذ قال موسى لفتاه. .. (

(4/441)


" صفحة رقم 442 "
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء السادس عشر من أجزاء القرآن الكريم
( الكهف : ( 60 - 82 ) وإذ قال موسى . . . .
" وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا "
( القراآت )
أنسانيه ( بضم الهاء حفص والمفضل ، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء : ( نبغي ( بالياء في الحالين : ابن كثير وسهل ويعقوب ، وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو

(4/442)


" صفحة رقم 443 "
وعلي في الوصل. الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعاً لخط المصحف. ) رشداً ( بفتحتين : أبو عمرو ويعقوب. بضمتين : ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الباقون ) رشداً ( بضم الراء وسكون الشين. ) معي ( بفتح الياء : حفص ) ستجدني إن ( بفتح الياءك أبو جعفر ونافع ) فلا تسألني ( بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر. بحذف الياء : ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام. الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء. ) ليغرق أهلها ( بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل : حمزة وعلي وخلق. الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل ) زاكية ( على ( فاعله ) : أبو عفر ونافع وابن عارم ويعقوب. الآخرون ) زكية ( على ( فعليه ) ) نكراً ( بضمتين حيث كان : أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وبان ذكوان وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ) فلا تصحبني ( من الصحبة : روح وزيد. الآخرون من المصاحبة. ) من لدني ( خفيفاً : أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمضفل. ) يضيفوهما ( من الإضافة : المفضل ) لتخذت ( من التخذ مدغماً : أبو عمرو وسهل ويعقوب ، وقرأ ابن كثير بالإظهار. الباقون : ( لاتخذت ( من الاتخاذ. وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهراً ) يبدلهما ( من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الآخرون من الإبدال ) رحماً ( بضمتين : ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب. الباقون بسكون الحاء. الوقوف : ( حقباً ( ه ) سرباً ( ه ) غداءنا ( ز لانقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى ) نصباً ( ه ) الحوت ( ز لتمام استفهام العجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالاً ) أن أذكره ( ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة. قيل : عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجباً أي أعجب لذلك عجباً والوصل أجوز أن سبيلاً عجباً أو اتخاذاً ) عجباً ( ه ) نبغ ( قف قد قيل : لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور ) قصصاً ( ه لا لاتصال النظم واتحاد الحال ) علماً ( ه ) رشداً ( ه ) صبراً ( ه ) خبراً ( ه ) أمراً ( ه ) ذكراً ( ه ) فانطلقا ( وقفة لأن حتى إذا للابتداء ) حرقها ( ط ) أهلها ( ج لانقطاع النظم واتحاد القائل ) إمراً ( ه ) صبراً ( ه ) عسراً ( ه ) فانطلقا ( وقفة لما مر ) فقتله ( لا لأن ( قال ) جواب ( إذا ) ) لغير نفس ( ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ) نكراً ( ه ) صبراً ( ه ) فلا تصاحبني ( ج لاختلاف الجملتين ) عذراً ( ه ) فانطلقا ( وقفة ) فأقامه ( ط ) أجراً ( ه ) وبينك ( ج ) صبراً ( ه ) غصباً ( ه ) وكفراً ( ، ج للعطف مع الآية ) رحماً ( ه ) صالحاً ( ج لما قلنا ) من ربك ( ج ) عن أمري ( ط ) صبراً ( ، لانقطاع القصة .

(4/443)


" صفحة رقم 444 "
التفسير : هذه قصة أوردها الله تعالى لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة ، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا : إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا ، فذكر الله تعالى قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزم أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار. وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار ، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر. وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوارة والمعجزات. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران. فقال ابن عباس : كذب عدو الله. واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران ، فلو كان المراد ههنا شخصاً آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور. حجة الأقلين - وإليه ذهب جمهور اليهود - أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله تعالى بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها ، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة. وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها. أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون ، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وقيل : هو أخو يوشع وكان مصاحباً لموسى في السفر. وعن الحسن : إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي ). قال أهل السير : إن موسى لما ظهر على مصر مع نبي إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط ، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله فقال : إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له : قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم ؟ قال : أنا. فعتب الله حين لم يردّ العم إلى الله ، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر ، وكان الخضر عليه السلام في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام وكان عل مقدمة ذي القرنين الأكبر. وبقي إلى أيام موسى. ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني. قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال : فأي عبادك أعلم ؟ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى. فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال : أعلم منك الخضر. قال : فأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة. قال : يا رب كيف لي به ؟ قال : تأخذ

(4/444)


" صفحة رقم 445 "
حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، فذهبا يمشيان فرقد موسى عليه السلتام فاضطرب الحوت ووقع في البحر ، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال : وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال : يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر. قلت : وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه ، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً. ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله : ( لا أبرح ( بمعنى لا أزال ، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله : ( حتى أبلغ ( غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية. فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن ) حتى أبلغ ( هو الخبر ، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضاً أن يكون لا أبرح ، بمعنى لا أزول من برح المكان ، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ ) مجمع البحرين ( يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله : ( الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) [ الآية : 164 ]. وقيل : أراد طنجة ، وقيل أفريقية. ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم ، وهذا مغ غرابته مستبشع جداً لأن البحرين إذا كان هو موسى عليه السلام فكيف يصح أن يقول : ( حتى أبلغ مجمع البحرين ( إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكاناً يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا ) أو أمضي حقباً ( أسير زماناً طويلاً. قال جار الله : الحقب بالضم ثمانون سنة. ويقال : أكثر من ذلك. وقيل : إنه تعالى أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى : لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم ، وهذا شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر ، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال. ) فلما بلغا مجمع بينهما ( قال جمهور المفسرين : الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر. ولا بد للبين من فائدة ، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولاً. والإضافة بمعنى ( في ) أي مجمعاً في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين ، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب تعالى

(4/445)


" صفحة رقم 446 "
أولى منه بكلام موسى ، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك. ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك ، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم ( جد جده ). وهذه الوجوه مما لم يأجدها في التفاسير ، فإن كان صواباً فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان ) نسيا حوتهما ( لأنه تعالى جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكن الخضر قيل : إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت. وقيل : إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء. وقيل : انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر. ونسان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب ، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على اللبة التي تناهضا من أجلها ، هو يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده. وقيل : إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام ، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده. وانتصابه قوله : ( سرباً ( على أنه مفعول ثانٍ لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلاً سرياً وهو بيت في الأرض ، وذلك أن الله تعالى أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوتفيه معجزة لموسى عليه السلام وللخضر. وقيلك السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله : ( واتخذ سبيله ( مقام ( سرب ) ) فلما جاوزا ( أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة ) قال موسى فتاه آتنا غداءنا ( وهو ما يؤكل بالغداة ) لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ( تعباً وجوعاً. قال المفسرون : قوله ) من سفرنا هذا ( إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك. قال الفتى متعجباً ) أرأيت ( ومفعوله محذوف لدلالة قوله : ( فإني نسيت الحوت ( عليه كأنه قال : أرأيت ما دهاني ووقع لي. ) إذ أوينا إلى الصخرة ( قيل : هي الصخرة التي دون نهر الزيت ) فإني نسيت الحوت ( عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال : ( وما أنسانيه إلا الشيطان ( و ) أن أذكره ( بدل الاشتمال من الهاء ) في أنسانيه ( أي وما أنساني ذكره قال الكعبي : لو كان النسيان يخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله تعالى أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر. قال القاضي : المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر ، لأن ذلك لا يصلح أن يكون

(4/446)


" صفحة رقم 447 "
إلا من قبل الله تعالى. قال أهل البرهان : لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلاً فاتخذ بالفاء ، ولما حيل بينهما ثانياً بجملة معترضة هي قوله : ( وما أنسانيه ( زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال : ( واتخذ سبيله ( بالواو. وانتصاب ) عجباً ( كم امر في ) سرباً (. قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً ) ) قال ( موسى ) ذلك ( يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ) ما كان ينبغي ( أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب ) فارتدا على آثارهما ( فرجعا على طريقهما المسلوك ) قصصاً ( مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعاً ، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين ) فوجدا عبداً من عبادنا ( الأكثرون على أن ذك العبد كان نبياً لأنه تعالى وصفه بقوله : ( آتيناه رحمة من عندنا ( والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله : ( أهم يقسمون رحمة ربك ) [ الزخرف : 32 ] وقوله : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) [ القصص : 86 ] ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا : وصفه بقوله : ( وعلمناه من لدنا علماً ( والعلم المختص به تعالى هو الوحي والخبار بالغيوب. وأيضاً آخر القصة ) وما فعلته عن أمري ( أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي. وروي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال : السلام عليك. فقال : وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال : من عرّفك هذا ؟ قال : الذي بعثك إلي. والصوفية سمو العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية. والتحقيق فيه إذا ضعفت الوقوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الألهية على جواهر العقل ، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت. والأكثرون أيضاً على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفاً غلا اخضر ذلك الموقف. وقال الجبائي : روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل. فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعض بعده ، وبتقدير كونه معاصراً له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ( وأن موسى أظهر التواضع له حين قال ) ولا أعصي لك أمراً ( مع أنه كان مبعوثاً إلى كافة بني إسرائيل ، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي. وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل ) وأني يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى عليه السلام لأنه تعالى قال لبني إسرائيل ) وأني فضلتكم على العالمين ) [ البقرة : 47 ] وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها .

(4/447)


" صفحة رقم 448 "
قال العلماء : إن موسى راعى مع الخضر في قوله : ( هل أتبعك ( أنواعاً من الأدب منها : أنه جعل نفسه تبعاً له مطلقاً ، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال ، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير ، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا ( لا إله إلا الله ) لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها ، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأن انأتي بها لأجل أنه أتى بها. ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية. ومنها أنه قال : ( على أن تعلمني مما علمت ( وفيه إقرار على أستاذه بالعلم ، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولميطلب. منه أن يجعله مساوياً له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً ن أجزاء ماله لأكله ، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله تعالى وإلا سمي فاعله ، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل : أن عبد من علمني حرفاً. ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة ، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال : ( على أن تعلمني ( فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم ، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله. وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر ، فكان حرصه على زيادتها أوفر. ومنها أنه قال ) رشداً ( وهو يصلح أن يكون مفعولاً ل ) تعلمني ( و ) علمت ( أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني ، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال. ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال : ( لن تستطيع معي صبراً ( نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أموراً هي في الظاهر منكرة ، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعاً قلما يتمالك أن يصبر عليها. و ) خبراً ( تمييز أي لم يحط به. خبرك ، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة. استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة عل الصبر حاصلة قبل الصبر ، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذباً. وكذا قوله : ( وكيف تصبر ( لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر ألبتة. أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه. يقال في العرف : إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا ) قال ( له موسى ) ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى ( أي ستجدني غير عاص ) لك أمراً ( ويجوز أن يكون قوله : ( ولا أعصي ( جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي. قال أهل السنة. في قوله : ( إن شاء الله ( بطريق الشك والصبر

(4/448)


" صفحة رقم 449 "
مأمور به دليل على أنه تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه. قالت المعتزلة. إنما ذكره بطريق الأدب. وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل. قالت الأصوليون : في قوله : ( ولا أعصي لك أمراً ( دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، لأن تارك الأمر عاص. بهذه الآية ، والعاصي يستحق العقاب لقوله : ( ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم ) [ الجن : 23 ] قال المحققون : في قوله الخضر تغليظ وتجهيل ، وفي قول موسى تحمل وتواضع ، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعاً وإرشاداً إلى الخير ، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة. ثم قال : ( فإن اتبعتني فلا تسألني ( شرط على موسى عليه السلام في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدىء بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه ) فانطلقا ( على ساحل البحر يطلبان السفينة ، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا : هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال : أرى وجوه الأنبياء. وقيل : عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة ، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء. وقيل : خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول : ( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ( أتيت شيئاً عظيماً. يقال : أمر الأمر إذا عظم. ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر إمر. احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب. وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضاً وتوبيخاً ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة ، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا ) قال لا تؤاخذني بما نسيت ( ولا مؤاخذة على الناسي. و ( ما ) موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني. وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسياً في الحقيقة ولكنه أوهم بقوله : ( لا تؤاخذني بما نسيت ( أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض. وجوز أيضاً أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة ) ولا ترهقني ( ولا تغشني ) من أمري عسراً ( وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة. وإنما قال في هذه القصة ) خرقها ( بغير ( فاء ) لأنه جعله جزاء للشرط ، وفي قصة الغلام جعل ) فقتله ( من جملة الشرط معطوفاً عليه بفاء التعقيب ، لأن القتل يعقب لقاء

(4/449)


" صفحة رقم 450 "
الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم ( رأي الشيخ خير من مشهد الغلام ) وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق. وليس في القرآن أنهما كيف لقياه ، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان ، أو كان منفرداً ، وهل كان مسلماً أو كان كافراً ، وهل كان بالغاً أو كان صغيراً واسم الغلام بالصغير أليق ، إلا أن ) بغير نفس ( بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصاً. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قتل الولدان ؟ فكتب إليه أن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة. وقال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب ، والزكية التي أذنبت ثم تابت. ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده. قيل : النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة. وقيل : النكر أشد لأن ذلك كان خرقاً تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه. وأيضاً الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر. والنكر ما تنكره العقول فهو شر ، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب ، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل : فتل عنقه. وقيل : ضرب برأسه الحائط. وعن سعيد بن جبير : أضجعه ثم ذبحه بالسكين. ثم إنه سبحانه حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال : ( ألم أقل لك ( وإنما زاد ههنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى. وقيل : أكد التقرير الثاني بقوله ) لك ( كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني. وقيل : بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا ) قال ( موسى ) إن سألتك عن شيء بعدها ( بعد هذه الكرة أو المسألة ) لا تصاحبني ( نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال : ( قد بلغت من لدني عذراً ( وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال ، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك ) ) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ( هي أنطاكية : وقيل : الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء. ) استطعما أهلها ( وكان حق الإيجاز أن يقال : ( استطعماهم ) فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله : ليت الغراب غداة ينعب بيننا
كان الغراب مقطع الأوداج
وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة

(4/450)


" صفحة رقم 451 "
والبشاعة والاستطالة ) فأبوا أن يضيفوهما ( يقال : أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه ، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف. عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( كانوا أهل قرية لئاماً ). قيل : الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه. وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر ، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه. وقال : ( لو شئت لاتخذت عليه أجراً ( وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته. ولقائل أن يقول : لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار. ولمجيب أن يقول : إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى. وقيل : أقامه بعمود عمده به. وقيل : نقضه وبناه. وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع. قال أهل الاعتبار : شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق. ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحمل الذهب فقالوا : يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي ( فأتوا يضيفوهما ) فامتنع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك. قوله : ( يريد أن ينقض ( معناه يسرع سقوطه من انقض كاحمرّ من الحمرة ، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول. واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره ) ولما سكت عن موسى الغضب ) [ الأعراف : 154 ] ( قالتا أتينا طائعين ) [ فصلت : 11 ]. ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة ) قال ( لصاحبه ) لو شئت لاتخذت عليه أجراً ( لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة. واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح ) قال ( الخضر مشيراً إلى الفراق المتصور في قوله : ( فلا تصاحبني ( أو مشيراً إلى السؤال والاعراض ) هذا فراق بين ( الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فرقا في بيني ) وبينك ( وحكى القفال أن البين ههنا بمعنى الوصل. ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال : ( أما السفينة فكانت لمساكين ( قيل : كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة ) يعملون في البحر ( وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين ) وكان وراءهم ملك ( وهو مسى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام

(4/451)


" صفحة رقم 452 "
وقد مر في قوله : ( ومن ورائه عذاب غليظ ) [ إبراهيم : 17 ] وقيل : أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة ) يأخذ كل سفينة ( أي غير معيبة ) غصباً ( ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق ، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس. ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة ، أو لعله كان من مخصوصات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . قال جار الله. قوله : ( فأردت أن أعيبها ( مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به. وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك ( زيد ظني مقيم ) في أنه يتعلق بالطرفين ) وأما الغلام ( فقد قيل : إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال : ( فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً (. يقال : رهقة أي غشيه وأرهقه إياه. وقيلك إنه كان صبياً إلا أنه تعالى علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد ، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي. وقيل : أراد فخفنا أن يغشى الواليدن طغياناً عليهما وكفراً بنعمتهما بعقوقه ، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. وجوزوا أن يكون قوله : ( فخشينا ( من كلام الله تعالى أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره. والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفساً زاكية. والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين. يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم. ويروى أنها ولدت سبعين نبياً. وقيل : أبدلهما ابناً مؤمناً. وقيل : اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين. ) وأما الجدار فكان لغلامين (. قيل : اسمهما أصرم وصريم. وقوله : ( في المدينة ( بعد قوله : ( أتيا أهل قرية ( فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما. أما الكنز فقيل : هو المال لقوله : ( ويستخرجا ( ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال. وقيل : صحف فيها علم لقوله : ( وكان أبوهما صالحاً ( ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح. وعورض بقول قتادة : أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا. وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا. وجمع بعضهم بين الأمرين فقال : كان لوحاً من ذهب مكتوباً

(4/452)


" صفحة رقم 453 "
فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعبجت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي قوله : ( وكان أبوهما صالحاً ( دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء. عن جعفر بن محمد رضي الله عنه : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء ، وذكر من صلاح أبيهما ان الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة. قالت العلماء : الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالماً به إلا أنه غائب وق أشرف الجدار على السقوط و ) رحمة من ربك ( مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له ) وما فعلته عن أمري ( أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله. سؤال : لم قال في الأول : ( فأردت أن أعيبها ( وفي الثاني : ( فأردنا ( وفي الثالث ) فأراد ربك ( ؟ الجواب : لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه ، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله سبحانه ، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التدبيل فجمع بين الأمرين. ويمكن أن يقال : إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله ، ويحتمل أن يقال : الوحدة في الأول على الأصل ، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء بالمؤيدين بالعلوم الدينية ، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ذلك ( الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع ) تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ( أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا ، وأصل تشطع تستطيع كما في قوله : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ( إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف. وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( رحم الله أخي موسى لو لبيث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ) التأويل : ( وإذ قال موسى لفتاه ( فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق ، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميراً والآخر مأموراً ، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته ، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده ، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق. ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية ، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا .

(4/453)


" صفحة رقم 454 "
) فلما جاوزا ( فيه إشارة إلى إن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة السيخ ظاناً أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ. هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول : الرفيق التوفيق. ) آتنا غداءنا ( وهو همة الشيخ وبركة صحبته ) لقد لقينا في سفرنا هذا ( الذي جاوزنا صحبة الشيخ ) نصباً ( فقال رفيقه ) أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة ( صخرة النفس وتسويلها ) فإني نسيت ( حوت القلب ) قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل ) فوجدا عبداً من عبادنا ( حراً من رق غيرنا. وفي قوله : ( وعلمناه في لدنّا علماً ( إشارة إلى أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها ، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية ، وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علماً يمكن تعلمه ، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتنافٍ فلهذا قال الخضر : ( إنك لن تستطيع معي صبراً ( وفي إظهار المسائل الثلاثة إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء ، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى : ( هل أتبعك ( الخ في قول الخضر. ) فإن اتبعتني فلا تسألني ( الخ. وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد مودعة فيها ، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها ، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب ( آداب المريدين ) للشيخ المحقق أبي النجيب السهرودي تغمده الله بغفرانه ) حتى إذا ركبا في السفينة ( هي سفينة الشريعة ) خرقها ( بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب ، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طرداً للعوام وحذراً من التباهي والعجب ) أخرقتها لتغرق أهلها ( في أودية الضلال إذا اقتدوا بك ) حتى إذا لقيا غلاماً ( هو النفس الأمارة ) فقتله ( بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ) حتى إذا أتيا أهل قرية ( هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها ) استطعما أهلها ( بطلب أفاعيلها التي تختص بها ) فأبوا أن يضيفوهما ( بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها ) فوجدا فيها جداراً ( هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات ) يريد أن ينقض ( بقطع والعلاقة ) فأقامه ( بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل : نفسك مطيتك فارفق بها. ) لو شئت لاتخذت عليه أجراً ( ثواباً جزيلاً أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف. ) أما السفينة فكانت لمساكين ( هم العوام الذين ) يعملون في ( بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى

(4/454)


" صفحة رقم 455 "
ملوك تحت أطمار ) فأردت أن أعيبها ( في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن ) وكان وراءهم ملك ( هو الشيطان ) يأخذ كل سفينة ( عبادة ) غصباً ( لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن ) وأما الغلام فكان أبواه ( وهما القلب والروح ) مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة ( هو النفس المطمئنة ) وأقرب رحماً ( أي نسبة إلى الأبوين. ) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ( هما النفس المطمئنة والملهمة ) وكان تحته كنز لهما ( هو حصول الكمالات النظرية والعملية ) وكان أبوهما ( وهو العقل المفارق ) صالحاً ( كاملاً بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر ) فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ( بتربية لشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة ) ويستخرجا ( ما كان كامناً فيهما. ( الكهف : ( 83 - 110 ) ويسألونك عن ذي . . . .
" ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا

(4/455)


" صفحة رقم 456 "
بمثله مددا قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا "
( القراآت )
فأتبع ( ) ثم أتبع ( مقطوعة : ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة. ) حامية ( الألف من غيرهم : ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون ) حمئة ( بالهمزة من غير ألف ) جزاء الحسنى ( بالنصب منوناً. يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون ) جزاء الحسنى ( بالرفع والإضافة. ) السدين ( بفتح السين : ابن كثير ، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل. الآخرون بضمها. ) يفقهون ( بضم الياء وكسر القاف : حمزة وعلي وخلف. الباقون بفتحهما ) يأجوج ومأجوج ( حيث كان مهموزاً : عاص غير الشموني ) فهل نجعل ( وبابه بإدغام اللام في النون : علي وهشام ) خراجاً ( بالألف : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحما والباقون ) خرجا ( بسكون الراء. ) سداً ( بفتح السين : ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم. والباقون بضمها ) مكننى ( : ابن كثير : الباقون بإدغام النون في النون ) ردماً ائتوني ( يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ) الصدفين ( بضم الصاد والدالك ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير ، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال. الآخرون بفتح الصاد والدال. ) قال ائتوني ( والابتداء بكسر الألف : يحيى وحماد وحمزة ) فما اسطاعوا ( بالإدغام : حمزة غير حماد وخلاد ، وقرأ أبو نشيط والشموني ) فما اصطاعوا ( بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران. ) دكاء ( بالمد : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ) أفحسب الذين ( بسكو السين ورفع الباء : يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ) دوني أولياء ( بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ) أن ينفد ( بياء الغيبة : حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الوقوف : ( القرنين ( ط ) ذكراً ( ه ط ) سبباً ( لا ) سبباً ( ه ) قولاً ( ه ط ) حسناً ( ه ) نكراً ( ه ) الحسنى ( ج لاختلاف الجملتين ) يسراً ( ه ط لأن ( ثم ) لترتيب الأخبار ) سبباً ( ه ) ستراً ( ه ) كذلك ( ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس. وقيل : يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك. وقيل : أي أحطنا بما لديه من العدد. والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ) خبراً ( ه ) ثم أتبع سبباً ( ه ) قوماً ( لا ) قولاً ( ه ) سدّاً ( ه ) ردماً ( ه ) الحديد ( ط ) انفخوا ( ط ) ناراً ( لا لأن

(4/456)


" صفحة رقم 457 "
( قال ) جواب ( إذا ) ) قطراً ( ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ) نقبا ( ه ) من ربي ( ج لعطف الجملتين المختلفتين ) دكاء ( ج لذلك ) حقاً ( ه ط لانقطاع القصة ) جمعاً ( ه لا للعطف ) عرضاً ( ه لا ) سمعاً ( ه ) أوليا ( ط ) نزلاً ( ه ) أعمالاً ( ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين ، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ) صنعاً ( ه ) وزناً ( ه ) هزواً ( ه ) نزلاً ( ه ) حولاً ( ه ) مدداً ( ه ) واحد ( ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ) أحداً ( ه. التفسير : ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهو وانتهى الكلام إلى حيث انتهى ، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه. وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها ، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة. يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف ، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في ذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر ، ثم توجه نحو داراً ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس ، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها. وقال الإمام فخر الدين الرازي : لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها ، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكند روجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر. قال : وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان علىمذهبه. فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه. قلت : ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر. والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها. وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها. وقيل : كان له قرنان ضفيرتان. وقيل : انقرض في وقته قرنان من الناس. وقيل : كان لتاجه قرنان. وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس. ويروى الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل : كان على رأسه ما يشبه القرنين. وقيل : لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه. وقيل : رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطفري الشمس أي بقرينها. وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس ، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر

(4/457)


" صفحة رقم 458 "
فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر. وقال أبو الريحان : إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الإذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره. ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة : ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل : كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة ، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وعن علي رضي الله عنه : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأبح الله وأحبه. وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي ؟ فقالك ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاد فمات ، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه. قالوا : وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحيه الله. وقيل : كان نبياً لقوله تعالى : ( إنا مكنا له في الأرض ( والتمكين المعتد به هو النبوة ، ولقوله ) وآتيناه من كل شيء سبباً ( وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة ، ولقوله : ( قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ( وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي. وقيل : كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول : يا ذا القرنين : فقال : اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تمسوا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. قوله : ( سأتلوا عليكم ( أي سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى وأنزل فيه وحياً. والخطاب في ) عليكم ( للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ) وآتيناه من كل شيء سبباً ( طريقاً موصلاً إليه. والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة ، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه ، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه ، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه. ثم إلى سفر المغرب ، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ) حتى إذا مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ( أي حارة ، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود ، ولا تنافي بين القراءتين : فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين. عن أبي ذر قال : كنت رديف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال ( أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه ) قلت : الله ورسوله أعلم : قال ( فإنها تغرب في عين حامية ). فقال حكماء الإسلام : قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم ، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب ، وأن الشمس

(4/458)


" صفحة رقم 459 "
في فلكها تدور بدوران الفلك. وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض ؟ فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمار كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كا أن راكب البحر يرى المس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال : ( وجدها تغرب ( ولم يخبر أنها تغرب في عين ، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية ، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود. أما قوله ) ووجد عندها قوماً ( فالضمير إما للشمس وإما للعين ، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. قال ابن جريج : هناك مدينة لها اثناء عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب ، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار ا لدعوة والاجتهاد فقال ) أما من ظلم ( بالإصرار على الشرك ) فسوف نعذبه ( بالقتل في الدنيا ) ثم يرد إلى ربه ( في الآخرة ) فيعذبه عذاباً نكراً ( منكراً فظيعاً. روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر ، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر ، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين. ومن قرأ ) جزاء ( بالنصب أراد فله الفعلة ) الحسنى ( جزاء ، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة ، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ) وسنقول له من أمرنا ( أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ) يسراً ( أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق. ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ) ثم أتبع سبباً ( أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ) حتى إذا بلغ مطلع الشمس ( أي مكان طلوعها ) وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ( عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم ، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم ، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش ، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق. وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج ، وحال كل من سكن في البلاد جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل : بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى. وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت ، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم. فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا

(4/459)


" صفحة رقم 460 "
يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وللمفسرين في متعلق قوله : ( كذلك ( وجوه أحدها : كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. الثاني : لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب. الثالث : بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها. الرابع : تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين ، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف. ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ) ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ( قيل : السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى ( مفعول ) أي هو مما فعله الله وخلقه ، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري. وانتصب ) بين ( على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله : ( لقد تقطع بينكم ) [ الأنعام : 94 ] قال الإمام فخر الدين الرازي : الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان ، وقيل في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر ، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع. وقيل : إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل ، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند ، قال أبو الريحان البيرني : ومقتضى هذا الخبر أن هذا الإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ) وجد من دونهما ( أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ) قوماً لا يكادون يفقهون ( بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. سؤال : كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ ؟ وأجيب بأن ( كاد ) إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات ، أو بوحي وإلهام. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل : مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول ، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر ، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم ، وهما من ولد يافث. وقيل : يأجوج من الترك ، ومأجوج من الجيل والديلم. ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر ، ومنهم من

(4/460)


" صفحة رقم 461 "
وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع. أما إفسادهم في الأرض فقيل : كانوا يقتلون الناس. وقيل : يأكلون لحومهم. وقي : يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ) فهل نجعل لك خرجاً ( وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال. وقيل : الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله ، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة. وقال قطرب : الخرج الجزية والخراج في الأرض ) قال ( ذو القرنين ) ما ملكني فيه ربي ( أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ) خير ( مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ) فما آتاني الله خير مما آتاكم ) [ النمل : 36 ] ( فأعينوني بقوة ( بآلات ورجال وصناع. وقيل : بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم ( ثوب مردم رقاع فوق رقاع ) وزبر الحديد قطعه. قال الخليل : الزبرة من الحديد القطعة الضخمة. من قرأ ) آتوني ( بالمد فظاهر ، ومن قرأ ) ائتوني ( من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض. ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض. ) حتى إذ ساوى بين الصدفين ( وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ) أفرغ عليه قطراً ( أصب عليه النحاس المذاب ) وقطراً ( منصوب بأفرغ والتقدير : آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه. يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت الحطب صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً. وقيل : بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن رجلاً أخبره به فقال : كيف رأيته ؟ قال : كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال : قد والله رأيته. قال العلماء : هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين. ) فما اسطاعوا أن يظهروه ( أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ) وما استطاعوا له نقباً ( لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً ، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية. ثم ) قال ( ذو القرنين ) هذا ( السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده

(4/461)


" صفحة رقم 462 "
) فإذا جاء ( أي دنا مجيء القيامة ) جعله دكاً ( مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. ومن قرأ ) دكاء ( بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ) وكان وعد ربي حقاً ( وهذا آخر حكاية ذي القرنين. ثم شرع سبحانه في بقية أخبارهم فقال ) وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ( أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس. ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون. وقيل : أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه. وقيل : الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى. ونفخ الصور نم آيات القيامة وسيجيء وصفه. ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا ، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ) عن ذكري ( أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه. وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ) وكانوا لا يستطيعون سمعاً ( وهو أبلغ من أن لو قال ( وكانوا صماً ) لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به ، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا. وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال. ثم أنفذ ف التوبيخ والوعيد قائلاً ) أفحسب الذين كفروا ( ولامراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله ؟ وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً. والعباد إما عيسى والملائكة ، وإما الشياطين الذين يطيعونهم ، وإما الأصنام أقوال. ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر ، أو على أنه مثل ( أقائم الزيدان ) يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. قال الزجاج : النزل المأوى والمنزل وقيل : إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ) فبشرهم بعذاب ) [ آل عمران : 21 ] أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي رضي الله عنه أنهم الرهبان كقوله : ( عاملة ناصبة ) [ الغاشية : 3 ] وروي عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أن منهم أهل حروراء. وعن مجاهد : أهل الكتاب. والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتنى على إيمان وإخلاص. وعن أبي سعيد الخدري : يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم

(4/462)


" صفحة رقم 463 "
كجبال تهامة ، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله : ( فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ( قال القاضي : إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته ، وهذا مبني على الإحباط والتكفير. وفي قوله : ( فحبطت أعمالهم ( إشارة إلى ذلك ، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار. وقيل : لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ) ذلك ( الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ) جزاؤهم ( وقوله ( جهنم ( عطف للجزاء. والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً ، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب ، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته. عن قتادة : الفردوس أوسط الجنة وأفضلها. وعن كعب : ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن مجاهد : الفردوس هو البستان بالرومية. وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة ، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه افردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ) قال أهل السنة : جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجبون ) [ المطففين : 15 ] والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة ، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله : ولا ترى الضب بها ينجحر ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها. نبه على كمال حال القرآن. والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج ، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك ( على التمرة مثلها زبداً ). والمدد والمداد واحد. يروى أن حيي بن أخطب قال : في كتابكم ) ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) [ البقرة : 269 ] ثم تقرأون ) وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) [ الإسراء :

(4/463)


" صفحة رقم 464 "
85 ] فنزلت هذه الآية. يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. قالت الأشاعرة : إن كلام الله تعالى واحد. واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله تعالى. وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله تعالى. وزعم الجبائي أن قوله : ( قبل أن تنفد كلمات ربي ( يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية. قلت : الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده ، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر. أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين ، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان ، ثم أمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة. ثم بين أن الموحى هو ) إنما إلهكم إله واحد (. وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه ، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد ، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله : ( فمن كان يرجو ( أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه. واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ) فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ( قال المفسرون : النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه. يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال ( إن الله لا يقبل ما شورك فيه ). وروي أنه قال : لك أجران أجر السر وأجبر العلانية. قال العلماء : الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة. والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به. قال في الكشاف : عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه. ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء ) وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) ( من قرأ عند مضجعه ) قل إنما أنا بشر مثلكم ( كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة ، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ ). التأويل : لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية

(4/464)


" صفحة رقم 465 "
والإرشاد ، أراد أن يبين أن الإنسان الكال إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح ، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب ، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره. ) فأتبع سبباً ( من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ) فوجدها تغرب في عين حمئة ( هي عالم القوى والطبائع والأجساد ) ووجدنا عندها قوماً ( قم القوى البدنية والنفوس الأرضية ) قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذبهم ( بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ) وإما أن تتخذ فيهم حسناً ( هو الرفق والمداراة ) قال أما من ظلم ( بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ) فسوف نعذبه ( بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ) ثم يرد إلى ربه ( وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ) فيعذبه عذاباً نكراً ( هو المنع عن مشتهياته ، أو يرد إلى الله تعالى فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة. ) وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ( هو مقام الوصول والوصال ) وسنقول له من أمرنا يسراً ( هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ) ثم أتبع ( أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ) فوجدها تطلع على قوم ( مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ) حتى إذا بلغ بين السدين ( وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ) وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ( وهم العوام الذي قصارى أمرهم الجهل البسيط ) إن يأجوج ومأجوج ( القوى والطبائع البشرية ) مفسدون في الأرض ( البشرية باستعمال خواضها في غير ما خلقت هي لأجلها ) فهل نجعل لك مخرجاً ( هو ترك الوجود وبذلك الموجود. ) فأعينوني بقوة ( بهمة صارفة وعزيمة صادقة ) آتوني زبر الحديد ( ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء ، وكالجبال الراسيات في البقاء ) حتى إذا ساوى ( عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ) قال انفخوا ( بالمداومة على الأذكار والأوراد ) حتى إذا جعله ناراً ( بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ) قال آتوني أفرغ عليه قطراً ( هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي .

(4/465)


" صفحة رقم 466 "
سورة مريم
سورة مريم مكية
حروفها ثلاثة آلاف وثمانمائة وحرفان كلامها تسمائة واثنان وستون آياتها ثمان وتسعون بسم الله الرحمن الرحيم
( مريم : ( 1 - 15 ) كهيعص
" كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا "
( القراآت )
كيهعص ( بإمالة الهاء فقط : أبو عمرو ) كهيعص ( بإمالة الياء فقط : حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان ، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما. وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. الباقون بتفخيمها ) صاد ذكر ( مدغماً : أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ) من ورائي ( بفتح الياء مهموزاً : ابن كثرا غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ) من وراي ( مثل ) عصاي ( ) يرثني ويرث ( بالجزم فيهما : أبو عمرو وعليّ. الباقون برفعهما ) يبشرك ( ثلاثياً وكذلك في آخر السورة : حمزة ) عتباً (

(4/466)


" صفحة رقم 467 "
و ) جثياً ( و ) صلياً ( و ) بكياً ( بكسر الأوائل : حمزة وعلي وافق حفص إلا في ) بكياً ( الخزاز عن هبيرة ) عتباً ( الأولى بالكسر والثاني بالضم. ) وقد خلقناك ( حمزة وعلي. الآخرون ) خلقتك ( على التوحيد ) إلى آية ( بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة. الوقوف : ( كهيعص ( ه كوفى ) زكريا ( ه ح لجواز تعلق ( إذ ) ب ) ذكر رحمة ربك ( ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً. ) خفياً ( ه ) شقياً ( ه ) ولياء ( لا ) آل يعقوب ( ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ) يحيى ( لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي. ) سمياً ( ه ) عتياً ( ه ) كذلك ( ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ) شيئاً ( ه ) آية ( ط ) سوياً ( ه ) وعشياً ( ه ) بقوة ( ط ) صبياً ( ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ) وزكاة ( ط ) تقياً ( ه ) عصياً ( ه ) حياً ( ه. التفسير : حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية ، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات ، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً ، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه. فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة ، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين. وقد روى صاح بالكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل : لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها. والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة ، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ) كهيعص ( ثناء من الله تعالى على نفسه ، فالكاف كاف لأمور عباده ، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز ، والصاد صادق. وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير ، والياء عل ىالكريم مرة وعلى الحكيم أخرى. وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير ، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام ، وارتفع ) ذكر رحمة ( على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ) ربك ( وانتصب ) عبده ( على أنه مفعول لذكر و ) زكريا ( عطف بيان ، وقرىء برفعهما عل إضافة المصدر إلى المفعول ، وعن الكلبي والفاعل ضمير المتلو. ومخففاً أخرى و ) عبده ( مرفوع على الفاعلية. وقرىء ) ذكر ( على الأمر وهي قراءة ابن معمر. وقيل : يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته ، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا. وفي خفاء ندائه .

(4/467)


" صفحة رقم 468 "
وجوه منها : أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه. ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته. ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم. ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ ( صوته خفات وسمعه تارات ) ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره. ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً : ( قال رب إني وهن العظم مني ( إلى قوله : ( واجعله رب رضياً ( قال علماء المعاني : في الآية لطائف وذلك أصل الكلام : يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس ، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي ، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه ، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني ، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار : إني وهنت العظام من بدني ، ثم قلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك ، فإذا قلت : ( من بدني ) فقد فصلت ، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام ، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ) إني وهن العظم مني ( فحصل أني وهنت العظام مني. وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى. وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي. وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته ، وشبه وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ، ثم أخرجه مجرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي ، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ) اشتعل ( بدل ( انتشر ) فتكون الاستعارة تبعية تصريحية بوجه آخر وهو أن يكون تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي ( اشتعل رأسي شيباً ). وكونها أبلغ من وجهات منها : إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت : ( اشتعل بيتي ناراً ) مكان ( اشتعل النار في بيتي ). ومنها الإجمال والتصيل الواقعان في طريق التمييز ، ومنها تنكير ) شيباً ( للتعظيم كما هو حق التمييز. ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي ( اشتعل الرأس مني شيباً ) لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ) وهن العظم مني ( ثم ترك لفظ ( مني ) ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ. وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال ( رب ) بحذف حرف

(4/468)


" صفحة رقم 469 "
النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره. وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني. ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ) ولم أكن بدعائك رب شقياً ( كما حكى أن محتاجاً قال لكريم : أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال : مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته. تقول العرب : سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها ، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها. ومعنى ) بدعائك ( أي بدعائي إياك. واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة : الأول كونه ضعيفاً ، والثاني أنه تعلاى لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ) وإني خفت الموالي ( قال ابن عباس والحسن : أي الورثة. وعن مجاهد العصبة. وعن أبي صالح : الكلالة. وعن الأصم : بني العم وهم الذين يلونه في النسب. وعن أبي مسلم : المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد. والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين ، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة. وقوله : ( من ورائي ( أي بعد موتي لا يتعلق ب ) خفت ( لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي ، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي ، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما. وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم. وإنما قال : ( خفت ( بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف ، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال. وقرىء ) خفت الموالي ( بتشديد الفاء. وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه ، والظرف متعلق بالمولي ، أو معناه قدامي والظرف متعلق ب ) خفت ( أي درجوا ولم يبق من يعتضد به. ثم صرح بالمسألة قائلاً : ( فهب لي ( وأكده بقوله : ( من لدنك ( أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة. من قرأ ) يرثني ويرث ( بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء. ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا : إنه صفة. وقال صاحب المفتاح : الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل : لم تطلب الولد ؟ فقال مجياً : يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا. واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع ، وكذب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .

(4/469)


" صفحة رقم 470 "
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة. وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب. وأقول : الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا ( هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة ) أو بأن الغرض منه الوارثة ، أو هب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني. وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب. والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران ، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله تعالى عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه. ويمكن أن يقال : لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا ، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين. وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان. فقيل : هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول ( جاءني فلان فجاءني رجل ) لا تريد به إلا الأول ، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية ، وتجرد الكلام عنه. وأقول : يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جيمع الأوصاف المنافية للرجولية. وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها. واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوممقامه ولداً كان أو غيره ؟ والأول أظهر لقوله في آل عمران ) رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) [ آل عمران : 38 ] ولقوله في سورة الأنبياء ) ربي لا ترذني فرداً ) [ الأنبياء : 89 ] حجة المخالفة أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ) أنى يكون لي غلام ( ولو كان دعاؤه لأجل الولد منا استعظم ذلك. والجواب ما مر في آل عمران. واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك : هي وراثة المال. وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس. وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة. فلفظ الإرث مستعمل ف يالمال ) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) [ الأحزاب : 17 ] وفي العلم ) وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ) [ غافر : 53 ] ( العلماء ورثة الأنبياء ) وحجة الأولين ما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( رحم الله زكريا وما عليه من يرثه ) فغن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال. وكذا قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( أنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) ، وأيضاً العلم والنبوة كيف

(4/470)


" صفحة رقم 471 "
يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله : ( واجعله رب رضياً ( لأن النبي لا يكون إلا مرضياً. وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه. والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى ، وقج مر الحديث هناك. ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به. احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال ، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده ، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل ، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث. واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب ، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق ، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل عليه السلام. وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل : أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها. قوله : ( يا زكريا ( الكثرون على أنه نداء من الله تعالى لقرينة التخاطب من قوله : ( رب إني وهو العظم مني ( إلى قوله : ( رب أني يكون لي غلام ( ومنهم من قول : هو نداء الملك لقوله في آل عمران ) فنادته الملائكة ) [ الآية : 49 ] وجوز بعضهم الأمرين. واختلفوا في عدم السمي فقيل : أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله. وقيل : أراد أنه لا نظير له كقوله ) هل تعلم له سيماً ) [ مريم : 65 ] وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله : ( واجعله رب رضياً ( وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص. قال بعض العلماء : القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله : ( فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ) [ مريم : 65 ] لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول : السميّ هناك يراد به المثل والنظير. ويمكن أن يقال : إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً. قال جار الله : إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير ، فكل واحد منهما سمي. قلت : ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم. ولم سمي بيحيى ؟ تكلفوا له وجوهاً. فعن ابن عباس لأنه تعالى أحيا عقر أمه. وعن قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ) أو من كان ميتاً فأحييناه ) [ الأنعام : 122 ] ( إذا

(4/471)


" صفحة رقم 472 "
دعاكم لما يحييكم ) [ الأنفال : 24 ]. ولهذا كان من أول من آمن بعيسى. وقيل : لأنه استشهد والشهداء أحيا. وقيل : لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين. قوله : ( وقد بلغت من الكبر ( قال جار الله : أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية ف ( من ) للتعليل ، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ) عتياً ( وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام. يقال : عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس. سؤال : إنه قال في آل عمران ) وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ) [ آل عمران : 40 ] فلم عكس الترتيب في هذ السورة ؟ وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب. قلت : إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة. ) قال ( الأمر ) كذلك ( تصديقاً له. ثم ابتدأ قائلاً ) قال ربك ( فمحل ) كذلك ( رفع ، ويحتمل أن يكون نصباً ) قال ( وذلك إشارة إلى قو زكريا ) أنى يكون لي غلام ( أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة ؟ فأجيب بقوله : ( كذلك ( أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما. ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ) ولم تك شيئاً ( لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة ، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد ، فيه نفس استبعاد زكريا ، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ) قال رب اجعل لي آية ( قد مر تفسير الآية في أول عمران. قوله : ( سوياً ( قيل : إنه صفة لليالي أي تامة كاملة. والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ) فخرج على قومه من المحراب ( قيل : كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه. وقيل : كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنه مكانوا لا يدخلونه لصلاة إلا بإذنه. ) فأوحى إليهم ( عن مجاهد : أشار بدليل قوله في أول آل عمران ) إلا رمزاً ( وعن ابن عباس : كتب لهم على الأرض. و ) أن ( هي المفسرة و ) سبحوا ( أي صلوا أو على الظاهرة وهو قول سبحان الله. عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجرة والعشيّ صلاة العصر ، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه ، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه ، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة. وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له : ( يا يحيى خذ الكتاب ( أي التوراة لأنها

(4/472)


" صفحة رقم 473 "
المعهود حينئذ ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ) إني عبد الله آتاني الكتاب ) [ مريم : 30 ] والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس ، وإما الأخذ من حيث المعنى وهوا لقيام بموابجه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه. ثم أكده بقوله : ( بقوة ( أي بجد وعزيمة. ) وآتيناه الحكم ( أي الحكمة. عن ابن عباس : هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال : ما للعب خلقت. وعن معمر : ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال : ما للعب خلقت. وعن معمر : العقل. وقيل : النبوة. وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة. والحنان أصله توقان النفس ، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا. وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو. وقيل : أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ) فبما رحمة من الله لنت لهم ) [ آل عمران : 159 ] وأراد بقوله : ( وزكاة ( أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) [ النور : 2 ] ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ) من لدنا ( وعن عطاء : أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج : أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً. وقيل : زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود. وقيل : بركة كقول عيسى ) جعلني مباركاً ( وقيل : صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم. ثم أخبر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عن جملة أحواله بقوله : ( وكان تقياً ( بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ) وبرّاً بوالديه ( لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ) ولم يكن جباراً عصياً ( وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام ، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق. قال سفيان : الجبال الذي يقتل عند الغضب دليله قوله : ( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ) [ القصص : 19 ] ثم إنه سبحانه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها ، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله ، وقيل : إنما قال : ( حياً ( مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ) ويوم أبعث حياً ) [ مريم : 33 ] وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول. والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص

(4/473)


" صفحة رقم 474 "
موضع الأعم تأكيداً. قيل : السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه ، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب. قلت : أكثر أموره خارق للعادة ، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان : إني أرى ما في بطني يسجد لمنا في بطنك. التأويل : إن زكريا الروح ) نادى ربه نداء خفياً ( من سر السر ) قال رب إني وهن ( مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية ، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ) وكانت امرأتي ( يعني الجثة التي هي روح الروح ) عاقراً ( لا تلد إلا مبوهبة من الله ) فهب لي من لدنك ( سأل ) ولياً ( فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ) يرثني ويرث من آل يعقوب ( أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ) واجعله رب رضياً ( بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ) ولسوف يعطيك ربك فترضى ) [ الضحى : 5 ] ( اسمه يحيى ( إن الله أحياه بنوره ) ولم نجعل له من قبل سمياً ( لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة ، وهو سر حمل الأمانة كما قال : ( ولكن يسعى قلب عبدي المؤمن ) ) وقد بلغت من الكبر ( أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ) عتياً ( يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ) آيتك أن لا تكلم الناس ( لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ) ثلاث ليال ( هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانات والروحانيات ) سوياً ( متمكناً في هذا الحال من غير تلون ) فخرج ( زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته ، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ) يا يحيى ( القلب ) خذ ( كتاب الفيض الألهي المكتوب لك في الأزل ) بقوة ( ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ) وآتيناه الحكم ( في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ) زكاة ( وتطهراً منالالتفات إلى غيرنا ) وبراً بوالديه ( الروح والقالب. أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الألهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه ، وأما لاقلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه ، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة. وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ) ولم يكن جباراً عصياً ( كالنفس الأمارة بالسوء ) وسلام عليه يوم يولد ( في أصل خلقه ) ويوم يموت ( من استعمال المعاصي بالتوبة ) ويوم يبعث حياً ( بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي .

(4/474)


" صفحة رقم 475 "
( مريم : ( 16 - 40 ) واذكر في الكتاب . . . .
" واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون "
( القراآت )
إني أعوذ ( بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ) ليهب لك ( على الغيبة : أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف. الآخرون ) لأهب ( على التكلم ) نسياً ( بفتح النون : حمزة وحفص. الباقون بكسرها. ) من تحتها ( بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية : أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقونه بفتحهما على أن ( من ) موصولة والظرف صلتها ) تساقط ( بحذف تاء التفاعل : علي وحمزة والخزاز عن هبيرة. ) تساقط ( من المفاعلة : حفص غير الخزاز ) يساقط ( بياء الغيبة ، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين : سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ) آتاني الكتاب ( ممالة مفتوحة الياء : عليّ. وقرأ حمزة مرسلة الياء

(4/475)


" صفحة رقم 476 "
مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. ) وأوصاني ( بالإمالة : علي ) قول الحق ( بالنصب : ابن عامر وعاصم ويعقوب. ) وإن الله ( بكسر الهمزة : عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد. الوقوف : ( مريم ( لا ليصير ( إذ ) ظرفاً لأذكر ) شرقياً ( لا للعطف ) زكياً ( ه ) بغياً ( ه ) كذلك ( ط لما مر ) هين ( ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ) منا ( ج لاختلاف الجملتين ) مقضياً ( ه ) قصياً ( ه ) النخلة ( ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ) منسياً ( ه ) سرياً ( ه ) جنياً ( ه ز ) عيناً ( ه ج للشرط مع الفاء ) أحداً ( لا لأن ما بعده جواب الشرط ) نسياً ( ه ج للعطف مع الآية ) تحمله ( ط ) فرياً ( ه ) بغياً ( ه ج ) إليه ( ج ) صبياً ( ه ) عبد الله ( ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في ( إن ) عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ) أينما كنت ( ص لطول الكلام ) حياً ( ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ) وبراً ( معطوف على قوله ) مباركاً (. ) بوالدتي ( ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ) شقياً ( ، ) حياً ( ه ، ) عيسى ابن مريم ( ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً ، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ) يمترون ( ه ، ) من ولد ( ه استعجالاً للتنزيه ) سبحانه ( ط ) فيكون ( ه ط لمن قرأ ) وأن ( بالكسر ) فاعبدوه ( ط ) مستقيم ( ، ه ) من بينهم ( ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ) عظيم ( ه ) وأبصر ( لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ) مبين ( ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ) قضى الأمر ( لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ) لا يؤمنون ( ، ه ) يرجعون ( ه. التفسير : هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب ، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى. وقوله ( إذ ) بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها ، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأ الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه. والانتباه ( افتعال ) من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها. قال ابن عباس : من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ) فاتخذت من دونهم حجاباً ( لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال : إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود ، فلما طهرت جاء جبريل عليه السلام ، وقيل : طلبت الخلوة لأجل العبادة .

(4/476)


" صفحة رقم 477 "
وقيل : في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها. وقيل : كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه ، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها ، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله : ( فأرسلنا إليها روحنا ( يعني جبرائيل لأن الين يحيا به وبوحيه ، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ) فتمثل لها ( حال كونه ) بشراً سوياً ( تام الخلق أو حسن الصورة. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد ، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قللة وأجزاء فاضلة ، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان ، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس. فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. قوله : ( إن كنت تقياً ( أي إن كان يرجى منك أن تتقيى الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. وقيل : إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله. وقيل : ( إن ) نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي. وحين علم جبريل خوفها ) قال إنما أنا رسول ربك ( أرسلني ) لأهب لك ( أو ليهب لك ) غلاماً زكياً ( طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة. وكيف زال خوفها بمجرد القيل ؟ احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله سبحانه. وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياةوالنطق حتى صح قول جبرائيل ) لأهل لك ( ؟ قال : اجتمعت على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد ف يتأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها. ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع. ) قالت ( استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ) أنى يكون لي غلام ( ولم تقل ههنا ( رب ) إما لأنها تخاطب جبرائيل ، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ) ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ( هي الفاجرة التي تبغي الرجال. عن المبرد أن أصله يغوى على ( فعول ) قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة. وعن ابن جنىأنه ( فعيل ) وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء. ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر

(4/477)


" صفحة رقم 478 "
حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران. فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ) [ آل عمران : 45 ] فلم تحتج إلى هذه الزيادة. وقال جار الله : المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله : ( من قبل أن تمسوهن ) [ البقرة : 237 ] ( أو لمستم النساء ) [ النساء : 43 ] وإنما يقال في الزنا ( فجر بها ( و ) خبث بها ( ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب. قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله : ( ولم أك بغياً ( في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم. ) قال كذا قال ربك هو عليّ هين ( تفسيره كما مر في قصة زكريا ) لنجعله ( أي ولنجعل الغلام أو خلقه ) آية للناس ( يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فلعنا ذلك ، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر متعلق بما يدل عليه ) هين ( أي تخلقه لنبين به قدرتنا ) ولنجعله آية ( وقد مر مثل هذا في قوله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه ) [ يوسف : 21 ] ( ورحمة منا ( على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ) وكان أمراً مقضياً ( مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة ، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله. وههنا إضمار قال ابن عباس : فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخسة إلى بطنها فحملت. وقيل : في ذيلها فوصلت إلى الفرج. وقيل : في فمها. وقيل : إن النافخ هو الله كقوله ) ونفخت فيه من روحي ) [ ص : 72 ] وعلى هذا تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ) لأهب لك ( قيل : حملته وهي بتي ثلاث عشر سنة. وقيل : بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وكم مدة حملها ؟ عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله تعالى في أثناء مدائحها. وقيل : ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. قال أهل التنجيم : إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك : سبعة أشهر. وقيل : ستة أشهر. وقيل : حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس في رواية أخرى : كما حملته نبذته لقوله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله ( إلى قوله : ( كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] ولفاآت التعقيب في قوله : ( فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ( وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها. ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها. وقصى مبالغة قاص .

(4/478)


" صفحة رقم 479 "
وروى الثعلبي عن وهب قال : إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها وكانت سميت له ، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما. فقال لها : إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك. فقالت : قل قولاً جميلاً. فقال : أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر ؟ قالت : نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر أو تقول : إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء ، ألم تعلم أن الله تعال خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول : إن الله قادر على ما يشاء ، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل. فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك ، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة. قال جار ا لله : منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. لا يقال : جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه ، ونظيره ) آتى ( حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل ) أتيت المكان وآتانيه فلان (. قلت : حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ) المخاض ( بفتح الميم وجع الولادة. قال الجوهري : مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً. قيل : طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة ، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك ، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها ، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف : النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها ، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح. وعن يونس : أن العرب إذا ارتحلوا قالوا : انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها. تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة. ومعنى ) منسياً ( أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل ، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها ، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. ومن قرأ ) نسياً ( بالفتح فقد قال الفراء : هما لغتان كالوتر والوتر. ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل. وقرىء ) نسأ ( بالهمزو هو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ) فناداها من تحتها (

(4/479)


" صفحة رقم 480 "
الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كانت يقبل الولد كالقابلة ، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه ، أو كان جبريل تحت ا لأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني. وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب ، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك ، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم. وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة. قوله : ( سرياً ( جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول. وروي ذلك عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سمي بذلك لأن الماء يسري فيه. وقيل : هو من السر ومعناه سخاء في مروءة : ويقال : فلان من سروات قومه أي من أشرافهم. وجمع السري سراة وجمع سراة سروات. عن الحسن : كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال : المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله : ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) [ الزخرف : 51 ] لأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن الملكان ا لمستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق. وكل من كان أبعد منه كان تحت. وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها. وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله : ( واويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) [ المؤمنون : 50 ] وقوله : ( فكلي واشربي ( يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب. وقيل : كان هناك ماء جار ، والأول أقرب لأن قوله ) قد جعل ربك ( مشعر بالأحداث في ذلك الوقت. قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة هي جذع ، والباء في قوله : ( بجذع النخلة ( كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به. و ) رطباً ( تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المسراد جوز انتصابه ب ) هزي ( أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل : إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا : إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب ، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان من السري والرطب : إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء ، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرثاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه قوله : ( وقري عيناً ( لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان .

(4/480)


" صفحة رقم 481 "
وقيل : إن ألم النفس أشد من ألم البدن ، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب ؟ وأجيب بان الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ) فإما ترين ( أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله : ( وما يبلغن عندك الكبر ) [ الإسراء : 23 ] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بأن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك : الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة : كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وعن ابن أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال : لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلامالبشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة ، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف : نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان : أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى ، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً. وكيف أخبرتهم بالنذر ؟ قيل : بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل : خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله : ( إنسياً ( أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله : ( فإما ترين من البشر (. ) فأتت به ( أي بعيسى ) قومها تحمله ( الجملة حال. عن وهب : قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة ، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها. وعن ابن عباس : أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها ، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال : يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا : ( لقد جئت شيئاً فرياً ( بديعاً من فرى الجلد ، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد ، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم : ( يأخت هرون ( الآية. واختلفوا في هارون فقيل : كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره. وقيل : يروى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة

(4/481)


" صفحة رقم 482 "
الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر. وعن السدي : كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا اخا همدان أي يا واحداً منهم. وقيل : أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح. ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه. وقيل : كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته. ويروى أنهم هموا برجمها ) فأشارت إليه ( أي أن عيسى هو الذي يحكم. وبم عرفت ذلك ؟ إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أبو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل : كان المستنطق لعيسى زكريا. وعن السدي. لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ) قالوا كيف نكلم من كان في المهد ( قال جار الله : ( كان ( لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد ، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال ، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ) صبياً ( في المهد حتى تكلم هذا ، ويحتمل أن يقال : ( كان ( زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة ، أو هي تامة ) صبياً ( حال مؤكدة. ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلاُ : ( إني عبد الله ( فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى : ( آتاني الكتاب ( هو الإنجيل والتوراة أي فهمها. وقيل : أكلم الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه. وقيل : أراد أنه سبق في قضائه ، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة. فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل. والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي ، أما الكل فممنوع ، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة ، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي ، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد ان يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته ، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله : ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ( كما يجيء. وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله : ( وجعلني نبياً ( ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدريجة ، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك. ومعنى قوله : ( مباركاً أينما كنت ( نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقيل معلماً للخير ، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل :

(4/482)


" صفحة رقم 483 "
عليّ نحت القوافي من معادنها
وما عليّ إذا لم تفهم البقر
وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً ) [ الفرقان : 31 ] يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم. أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له : اكتب. فقال له : أي شيء أكتب ؟ فقال : اكتب ) أبجد ( فقال : لا أكتب شيئاً لا أدري. ثم قال : إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك. الألف من آلاء الله ، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله ، والدال من أداء الحق إلى الله. وقيل : البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه. وقيل : البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال : جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأته وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت : طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به. فقال عيسى عليه السلام مجيباً لها : طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً. ) وأوصاني بالصلاة والزكاة ( أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ) ما دمت حياً ( وقيل : الزكاة ههنا صدقة الفطر. وقيل : تطهير البدن البدن من دنس الآثام. وقيل : أوصاني بأن آمركم بهما. وفي قوله : ( وبراً بوالدتي ( دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها. قال بعض العلماء : لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله : ( وبراً بوالدتي ( ) ولم يجعلني جباراً شقياً ( ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً. وقرأ ) وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ) [ النساء : 36 ] وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر ) ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا ( ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر. قوله : ( والسلام عليّ ( قالت العلماء : إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره. وقيل : إن الأول من الله والقليل عنه كثير. قليل منك يكفيني
قليلك لا يقال له قليل
وإني لأرضى منك يا هند بالذي
لو أبصره الواشي لفرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى
وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله

(4/483)


" صفحة رقم 484 "
والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله. عن بعضهم أن عيسى عليه السلام قال ليحيى : أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه. وقال جار الله : في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ) والسلام على من اتبع الهدى ) [ طه : 47 ] يعني أن العذاب على من كذب وتولى. يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان. وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها ، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه. وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته. وأجبا المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها ، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم. ) ذلك ( الموصوف بالصفات المذكورة من قوله : ( إني عبد الله ( إلى آخره هو ) عيسى ابن مريم ( وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله : ( قول الحق ( فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله : ( كلمة الله ( وانتصابه على المدح ، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك ) هو عبد الله الحق ( و ) قول الحق ( من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ) حق اليقين ) [ الواقعة : 95 ] قد مر آنفاً. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر ، أو بدل ، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى ) تمترون ( تشكون من المرية الشك ، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا : ساحر كذاب ، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة. ثم صرح ببطلان معتقدم فقال : ( ما كان الله ( ما صح له وما استقام ) أن يتخذ من ولده ( كما لا يستقيم أن يكون له شريك ، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة. والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال : معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته تعالى. وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله : ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ( كقولنا ) ما كان لله أن يظلم ( فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته. وأجيب بأن الكذب على الله محال ، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه. فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع ، وإن أردتم شيئاً آخر

(4/484)


" صفحة رقم 485 "
فما الدليل على استحالته ؟ احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله : ( كن ( إن كان قديماً فهو المطلوب ، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل. واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا : إن قوله : ( إذا قضى ( للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث ، والمتأخر عن المحدث محدث. وأيضاً الفاء في ) فيكون ( للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل ، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث ، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس. وأيضاً قوله : ( كن ( عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل. ومن الناس من زعم أن المراد من قوله : ( كن ( هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها ، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً. ومن قرأ ) وأن الله ( بالفتح فمعناه ولأن الله ) ربي وربكم فاعبدون ( وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لميستح قأن يعبد ، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه ، فلا يستحق العبادة إلا هو. وههنا نكنة هي أن الله تعالى لا يصح أن يقول : إن الله ربي وربكم فاعبدوه ( فالتقدير قل : يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ) إن الله ربي وربكم ( قال أبو مسلم لأصفهاني : إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض. وعن وهب بن منبه : عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله تعالى ) فاختلف الأحزاؤ من بينهم ( أي من بين أهل الكتاب. قال الكلبي : هم اليهود والنصارى. وقيل : النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول : ما تقول في عيسى ؟ فقال : هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية. وسئل الثاني فقال : هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم وهم النسطورية ، وسئل الثالث فقال : كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم. وقيل : كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال : هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد. واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها ، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله سبحانه أعلى من جميع ذلك وأجل ) فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ( أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم ، أو من زمان شهودهم ، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف. ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم

(4/485)


" صفحة رقم 486 "
الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح ، أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل : هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يو ولادته. ومعنى ) من ( التعليل أ ] الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان : إنما قال ههنا ) فويل للذين كفروا ( وفي جم الزخرف ) فويل للذين ظلموا ) [ الآية : 65 ] لأن الكفر أبلغ من الظلم ، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال : ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ( فذكر بلفظ الكفر ، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم. قلت : ويحتمل أن يقال : الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليف ) أسمع بهم وأبصر ( صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا ، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر. والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه ، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب. قال سفيان : قرأت عند شريح ) بل عجب ويسخرون ) [ الصافات : 12 ] فقال : إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه. والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم. وقيل : معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم. وقيل : أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله : ( لكن الظالمون ( أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر. ) اليوم ( وهو يوم التكليف ) في ضلال مبين ( حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ) يوم الحسرة ( لتحسر أهل النار فيه. وقيل : أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى ، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور. و ) إذ ( بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة. ومعنى ) قضي الأمر ( فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه سئل عنه فقال : ( يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم ( قال أرباب المعقول : إن الموت عرض فلا يمكن أن يضير حيواناً فالمراد أنه لا

(4/486)


" صفحة رقم 487 "
موت بعد ذلك. عن الحسن ) وهم في غفلة ( متعلق بقوله : ( في ضلال مبين ( وقوله : ( وأنذرهم ( اعتراض. ويحتمل أن يتعلق ب ) أنذرهم ( أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. ويحتمل أن يكون ) إذ ( ظرفاً ل ) أنذر ( أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ) وهم لا يؤمنون ( ثم قرر بقوله : ( إنا نحن نرث ( أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه. التأويل : ( واذكر في الكتاب ( الأزلي ) مريم ( القلب ) إذا انتبذت من أهلها ( تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ) فاتخذت من دونهم ( حجاب الخلوة والعزلة ) فأرسلنا إليها روحنا ( وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله : ( وكذلك أويحنا إليك روحاً من أمرنا ) [ الشورى : 521 ] ( فتمثل لها بشراً سوياً ( كما تمثل روح التوحيد بحروف ) لا إله إلا الله ( لانتفاع الخلق به. و ) قالت إني أعوذ بالرحمن منك ( ظناً منها أنه يشغلها عن الله. ) قال إنما أنا رسول ( الوارد الرباني ) لأهب غلاماً زكياً ( طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. ولم يمسسني بشر ( خاطر من عالم البشرية ) ولم أك بغياً ( أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ) فحملته ( بالقوة القريبة من الفعل ) فانتبذت به مكاناً قصياً ( لافتقاره إلى العبور على منالز الشريعة والطريقة ) فأجاءها ( مخاض الطلب والتعب ) إلى جذع النخلة ( وهي كلمة ) لا إله إلا الله ( التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ) قالت يا ليتني مت قبل هذا ( قال بعض أهل التحقيق : هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال عليّ عليه السلام يوم الجمل : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال : ليت بلالاً لم تلده أمه. وقيل : إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو اولتقصير في حق ابنها قلت : إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذت الجمسية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً ، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ) فناداها ( بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ) أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ( أي تحت تصرفك ) سرياً ( هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ) وهزء إليك بجذع النخلة ( بالمداومة على الذكر ) تساقط عليك رطباً جنياً ( من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ) فكلي واشربي ( من

(4/487)


" صفحة رقم 488 "
خوان الأفضال وبحر النوال من مادته ) أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ( ) وقري عينا ( بأنوار الجمال في حجرة الوصال ) فأما ترين ( من السوانح البشرية ) أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ( كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. ) فأتت به قومها ( من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. ) يا أخت هرون ( النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ) وكان أبوك ( وهو الروح المفارق ) إمرأ سوء وما كانت أمك ( وهي القلب ) بغياً ( تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ) فأشارت إليه ( فيه أن هذه القوم هم أهل الإشارات ) في المهد ( مهد السر ولك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه. ) فاختلف الأحزاب ( فقوم عبدوا الله لأجله ، وقم عبدوه طمعاً في جنته ، وقم عبدوا الهوى وذلك قوله : ( فويل للذين كفروا ( ) أسمع بهم ( أي بأهل الله ) وأبصر يوم يأتوننا ( فإنهم بالهه يسمعون وبه يبصرون. ( مريم : ( 41 - 65 ) واذكر في الكتاب . . . .
" واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن

(4/488)


" صفحة رقم 489 "
التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا "
( القراآت )
ربي إنه ( بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ) مخلصاً ( بفتح اللام : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل. الباقون بكسرها. ) إبراهام ( وما بعده : هشام والأخفش عن ابن ذكوان ) إذا ابتلي ( بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج : قتيبة ) نورث ( بالتشديد : رويس. الوقوف : ( إبراهيم ( ط ) نبياً ( ه ) شيئاً ( ه ) سوياً ( ه ) لا تعبد الشيطان ( ط ) عصياً ( ه ) ولياً ( ه ) يا إبراهيم ( ط ج وقد يوصل ويوقف على ) آلهتي (. ) ملياً ( ه ) سلام عليك ( ج للاتبداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ) لك ربي ( ط ) حفياً ( ه ) وأدعو ربي ( ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عيسى لطمع الإجابة بالدعا ) شقياً ( ه ) من دون الله ( لا لأن ما بعده جواب لما ) ويعقوب ( ط ) نبياً ( ه ) نبياً ( ه ) علياً ( ه ) موسى ( ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ) نبياً ( ه ) نجياً ( ه ) نبياً ( ه ) إسماعيل ( ز لما مر ) نبياً ( ه ج للآية مع العطف ) والزكاة ( ط ) مرضيا ( ه ) إدريس ( ز ) نبياً ( ه ) علياً ( ه ) مع نوح ( ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم ، وكذا وجه من وقف على ) ذرية آدم ( أو على ) إسرائيل ( والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله : ( واجتبينا ( لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ) وبكي ( ه ) عياً ( ه ) شيئاً ( ه لا بناء على أن ) جنات ( بدل من ) الجنة ( ه ) بالغيب ( ط ) مأتيا ( ه ) سلاماً ( ه ) وعشياً ( ه ) تقياً ( ه ) بأمر ربك ( ج لاختلاف الجملتين ) ذلك ( ج لأن قوله : ( وما كان ( معطوف على ) نتنزل ( مع وقوع العارض ) نسياً ( ج ه ، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ) لعبادته ( ط ) سمياً ( ه. التفسير : إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منه من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى ، ومنهم من عبد جماداً كعبدة الأوثان ، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريقين الثاني أضل. وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب. وإنما بدأ بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم : إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان

(4/489)


" صفحة رقم 490 "
وعبادتها ، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه. والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله : ( واتل عليهم نبأ إبراهيم ) [ الشعراء : 69 ] وإلا فهو سبحانه هو الذي يذكره في تنزيله. وقوله : ( إذ قال ( بدل من ) إبراهيم ( وما بينهما اعتراض ، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقوف على ) إبراهيم ( مطلقاً. وجوز في الكشاف أن يتعلق ( إذ ) ب ) كان ( أو ب ) صديقاً نبياً ( أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق ، وإما مبالغة مصدق وذلك تصديقه. إلا إذا كان صادقاً وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول ، لأن مصدق الحق لا يعتبر وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطعة بينه وبين عباده. وقيل : إن ( كان ) بمعنى ( صار ) والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها. والتاء في ) يا أبت ( عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف. أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واليين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي وحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري ). فقوله : ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ( منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد. و ) ما ( موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ) شيئاً ( مفعول به من قوله : ( أغن عني وجهك ( أي ادفعه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء ، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره. وحاصل الدليل أن العبدة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم : أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود ؟ فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم ، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص. وقوله : ( يا أبت أني قد جاءني ( تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق. وفي قوله : ( من العلم ما لم يأنك ( فائدة

(4/490)


" صفحة رقم 491 "
هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولانفسه بالعلم الفائق ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف ، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ) فاتبعني أهدك صراط سوياً ( مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد. استدل أرباب التعليم بالآية أنه لا بد من الاتباع. وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره. والإنصاف أن هذه الطريق أسهل. ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال : ( يا أبت لا تعبد الشيطان ( أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان. ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال : ( إن الشيطان كان للرحمن عصياً ( حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان ، وأن الرحمن مصدر كل خير ، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي ، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف. ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال : ( يا أبت إني أخاف ( وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب. قال الفراء : معنى أخاف أعلم. والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم عليه السلام لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه. والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال : أنا خائف على ولدي. وذكروا في الولي وجوهاً منها : أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً ، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز. وليس هناك ولاية حقيقة لقوله : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ ) [ الزخرف : 67 ] ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) [ إبراهيم : 22 ] ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله : جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب ، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال ع من قائل : ( ورضوان من الله أكبر ) [ التوبة : 72 ] وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية ا لشيطان أعظم من عذاب النار. ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظ قائلاً ) أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ( فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى. وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته. وفي قوله : ( يا إبراهيم ( دون أن يقول : ( يا بني ( في مقابلة ) يا أبت ( تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ) لئن لم تنته لأرجمنك ( باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجام. ثم ههنا إضمار أي

(4/491)


" صفحة رقم 492 "
فاحذرني ) واهجرني ملياً ( أي زماناً طويلاً من الملاوة ، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران. مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب. فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ) قال سلام عليك ( يعني سلام توديع ومتاركة كقوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) [ الفرقان : 63 ] وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين ، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله : ( سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ( بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر ) الأعراف (. احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال : إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) [ التوبة : 113 ] الآية. ولقوله في الممتحنة ) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ( إلى قوله : ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) [ الممتحنة : 4 ] فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به. والجواب لعل إبراهيم عليه السلام في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه منباب ترك الأولى ، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله : ( قل للذين منوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) [ الجاثية : 14 ] والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً. والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) [ التوبة : 114 ] والمنع من التأسي لا يدل على المعصية ، فلعل للرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هي محرمة علينا. ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجروان فقال : ( وأعتزلكم ( أي أهاجر إلى الشام ) و ( أعتزل ) ما تدعون ( أي ما تعبدون ) من دون الله ( وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها ، يدل على هذا التفسير قوله : ( فلما أعتزلهم وما يعبدون ( أما قوله : ( وأدعو ربي ( فيحتمل معنيين : العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء. وفي قوله : ( عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ( تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ) عسى (. قال العلماء : ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ( شيئاً ) من رحمتنا ( عن الحسن : هي النبوة. وعن الكلبي : المال والولد. والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن ، عبر

(4/492)


" صفحة رقم 493 "
باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله : ( قدم صدق ) [ يونس : 2 ] تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ) ملة أبيكم إبراهيم ) [ الحج : 78 ] ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم ، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً ، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً ، فأشركه الله في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلوات الخمس ، ووفى في حق سارة كما قال تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] فجعل موطىء قدمه مباركاً ) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] وعادى كل الخلق في الله حين قال ) فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ) [ الشعراء : 77 ] فلا جرم اتخذه الله خليلاً. ثم وقفى قصة إبراهيم بقصة موسى عليه السلام لأنه تلوه في الشرف. والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجه لله ، وبالفتح الذي أخلصه الله و ) كان رسولاً نبياً ( الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب ، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ) برب هرون وموسى ) [ طه : 7 ] ( الأيمن ( من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ) وقربناه ( حال كونه ) نجياً ( أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة. وعن أبي العالية أن التقري بحسي ، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر ، ومنه قولهم للعبادة ) تقرب ( وللملائكة ) أنهم مقربون (. ) ووهبنا له من رحمتنا ( أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ) أخاه ( بدلاً و ) هرون ( عطف بيان كقولك ) رأيت رجلاً أخاك زيداً (. و ) نبياً ( حال من هارون. قال ابن عباس : كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته. وذلك بدعاء موسى في قوله : ( واجعل لي وزيراً من أهلي ) [ طه : 29 ] وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس ، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك : أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به. وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس. وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره ؟ فقال : إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت الصلاة أخرى. وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ) قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) [ التحريم : 6 ] ( بدأ من تعول ( ويحسن

(4/493)


" صفحة رقم 494 "
أن يقال : أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها ، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة. وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله. وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما. وقيل : ( افعيل ( من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله ، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها. وفي رفعته أقوال منها : أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله ، وقد أنزل عليه ثلاثة ، صحيفة ، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب ، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود ، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه. وقيل : إن الله تعالى رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت. وقال آخرون : رفع إلى السماء وقبض روحه. عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله : ( ورفعنا مكاناً علياً ( قال : جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه ، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به ، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول : بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول : كيف ذلك وهو في الأرض ؟ فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك. وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة. وعن الحسن : المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها. ) أولئك ( المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ) الذين أنعم الله عليهم من النبيين ( ) من ( للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ) من ذرية آدم ( هي للتبعيض وكذا في قوله : ( وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ( والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه ، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح ، وبذرية إبراهيم وإسماعيل ، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته. وممن هدينا ( يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب ، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية احتنائه واصطفائه. ثم إن جعلت ) الذين ( خبراً ) لأولئك ( كان ) إذا يتلى ( كلاماً مستأنفاً ، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ) يتلى ( بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي

(4/494)


" صفحة رقم 495 "
والفاصل حاصل. والبكي جمع باكٍ ) فعول ( كسجود في ) ساجد ( أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة. ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتبكوا ( أراد بالآيات التي فيها العذاب وقال غيره : إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي. قلت : لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة ، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود. فقيل : هو الخشوع والخضوع. وقيل : الصلاة. وقيل : سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به. ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود. عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن ( وعن ابن عباس : إذا قرأتم سجدة ) سبحان ( فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وقالت العلماء : يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة ) سبحان ( قال : اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ ما فيه هذه السورة قال : اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ) فخلف من بعدهم خلف ( وهو عقب السوء كما مر في آخر ) الأعراف ( فأضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً ، واتباع الشهوات بإزاء البكاء. عن بان عباس : هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم النخعي ومجاهد : أضاعوها بالتأخير. وعن علي رضي الله عنه في قوله : ( واتبعوا الشهوات ( من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. وعن قتادة : هو في هذه الأمة ) فسوف يلقون غياً ( قال جار الله : كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد. وقال الزجاج : هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله : ( ويلق أثاماً ) [ الفرقان : 68 ] أي مجازاة أثام. وقيل : غياً من طريق الجنة. وقيل : هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله : ( إلا من تاب وآمن ( على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى

(4/495)


" صفحة رقم 496 "
تجديد الإيمان. والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفر أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال. واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير. وأجبا الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان ، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان ، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ) وعمل عملاً صالحاً ) [ الفرقان : 70 ] لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك. وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة ، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً. ومعنى ) لا يظلمون شيئاً ( لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا ، ويحتمل أن ينتصب ) شيئاً ( على المصدر أي شيئاً من الظلم. ومعنى ) جنات عدن ( قد مر في سورة التوبة في قوله : ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) [ التوبة : 72 ] وصفها الله تعالى بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا. ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها ، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب ) التي (. قال جار الله : عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال ، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة. ولما ساغ وصفها ب ) التي ( ومعنى ) بالغيب ( مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة ، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها ، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين. وقوله : ( إنه كان وعده مأتياً ( بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى ) فاعل ( ، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته. وجوز في الكشاف أن يكون من قولك : ( أتى إليك إحساناً ( أي كان وعده مفعولاً منجزاً. قوله : ( إلا سلاماً ( استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في ) البقرة ( وفي ) المائدة ( أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم ) عتابك السيف (. أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة ، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معن السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء ، فكان ظاهره من بالب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها ثم إن سبحانه من عادتهترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة ، وكانت من عادة أشراف

(4/496)


" صفحة رقم 497 "
اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ( هذا قول الحسن. ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي. وقيل : أراد دوام الرزق كما تقول : أنا عند فلان صباحاً وسماء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين. وقوله : ( تلك الجتة التي نورت ( كقوله في ) الأعراف ( ) ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ) [ الأعراف : 43 ] وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه. قال القاضي : في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر. وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة. أنه اتقى الكفر. سئل ههنا أن قوله تعالى : ( تلك الجنة التي نورث ( كلام الله وقوله بعده : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ( خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما : وأجيب بأنه إذا كانت القريبنة ظاهرة لم يقبح ، فظاهر قوله : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ( خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهل يجدونه في كتابهم. فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه ، وقالت اليهود : نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن ، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه ، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب ، فوعدهم الجواب ولم يقل : إن شاء الله. فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة. وقال المشركون : ودعه ربه وقلاه. فنزل جبرائيل عليه السلام فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك (. قال : كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست. فأنزل الله الآية وأنزل قوله : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ) [ الكهف : 23 ] وسورة الضحى. ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله والأماكن أو من الأزمنة الماضية بقوله : ( له ما بين أيدينا وما خلفنا ( من الجهات والأماكن أو من الأمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان وزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته. وقيل : له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ) وما بين ذلك ( وهو ما بين النفختين أربعون سنة. وقيل : ما مضى

(4/497)


" صفحة رقم 498 "
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا. وقيل : الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا. والسماء التي وراءنا ، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره وقال أبو مسلم : في وجه النظم إن قوله : ( وما نتنزل ( من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك. أما قوله : ( وما كان ربك نسياً ( فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله : ( ما ودّعك ربك وما قلى ) [ الضحى : 3 ] وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته تعالى بجميع الأشياء ، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته. وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة ، أو اتبداء كلام من الله تعالى خطاباً لرسوله ويتصل به قوله : ( رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ) واصطبر لعبادته ( لم يقل ) على عبادته ( لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب ) اصطبر لقرنك ( أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته. ثم أكد وجوب عبادته بقوله : ( هل تعلم له سمياً ( أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له ، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف. وقيل : أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين : أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثنإلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه. وعن ابن عباس : أراد لا يسمى بالرحمن غيره. قلت : وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ ) الرحمن ( في سورة تكريره في هذه السورة. وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية. التأويل : ( واذكر في الكتاب ( الأزلي ) إبراهيم ( القلب ) إنه كان صديقاً ( للتصديق ثلاث مراتب : صادق صدق في أقواله ، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله ، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ) إذ قال لأبيه ( الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ) فقد جاءني من العلم ( اللدني ) ما لم يأتك ( لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ) وهبنا له إسحاق ( السر ) ويعقوب ( الخفي ) وناديناه من جانب الطور الأيمن ( أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي

(4/498)


" صفحة رقم 499 "
هو على أيسر ) وكان يأمر أهله ( أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجبهاً يليق بحاله ، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ) ورفعناه مكاناً علياً ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) خروا ( بقلوبهم على عتبة العبودية ) سجداً ( بالتسليم للأحكام الأزلية ) وبكياً ( بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ) عباده بالغيب ( أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله : ( غن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] ( ولهم رزقهم ( رؤية الله على ما جاء في الحديث : ( وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً ( ) وما نتنزل إلا بأمر ربك ( المقدور في علم الله ، وتنادى أهل العزة. إلا بأمر ربك ) وما كان ربك نسياً ( ليحتاج إلى تذكير متمن ، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ) فاعبده ( بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاءبه بروحك وبسرك. ) هل تعلم له ( نظيراً في المحبوبية لك. والله أعلم بالصواب. ( مريم : ( 66 - 98 ) ويقول الإنسان أئذا . . . .
" ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وقالوا اتخذ

(4/499)


" صفحة رقم 500 "
الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا "
( القراآت )
أئذا ( مثل ) أئنكم ( في ( الأنعام ) ) يذكر ( من الذكر : ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد. والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً. ) ثم ننجي ( من الإنجاء : عليّ وروح والمعدل عن زيد. الآخرون بالتشديد ) خير مقاماً ( بضم الميم : ابن كثير. الباقون بفتحها. ) رياً ( بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف ، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة. الآخرون بهمز بعدها يا ) وولداً ( وما بعده بضم الواو سكون اللام : حمزة وعليّ. الآخرون بفتحهما ) يكاد ( على التذكير : نافع وعليّ ) ينفطرن ( من الانفطار : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة. الباقون ) يتفطرن ( من التفطر. الوقوف : ( حياً ( ه ) شيئاً ( ه ) جثياً ( ه ج للآية وللعطف ) عتياً ( ه ج لذلك ) صلياً ( ه ) واردها ( ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ) مقضياً ( ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن ( ثم ) لترتيب الأخبار ) جثياً ( ه ) آمنوا ( لا لأن ما بعده مفعول ( قال ) ) ندياً ( ه ) ورئياً ( ه ) مدّاً ( ه لأن ( حتى ) لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب ( إذا ) محذوف وهو ( آمنوا ) ) الساعة ( ط لابتداء التهديد ) جنداً ( ه ) هدى ( ه ) مرداً ( ه ) وولداً ( ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ) عهداً ( ط ه للردع ) كلاً ( ط ) مداً ( ه لا للعطف ) فرداً ( ه ) عزاً ( ه ) كلاً ( ط ) ضدّاً ( ه أزاً ( ه لا للتعجيل ) عليهم ( ط ) عدّاً ( ه ط ) وفداً ( ه ط ) ورداً ( ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ) عهداً ( ه حذرا من إيهام العطف ) ولداً ( ه ط إدّاً ( ه لا لأن ما بعده صفة ) هداً ( ه لا لأن التقدير لأن دعوا ) ولداً ( ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ) ولداً ( ه ط ) عبداً ( ه ط ) فرداً ( ه ) ودّاً ( ه ) من قرن ( ط ) ركزاً ( ه

(4/500)


" صفحة رقم 501 "
. التفسير : لما أمر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها نشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها ، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال : ( ويقول الإنسان ( وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل ، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم. وقيل : المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف. وقيل : بعض الجنس هم الكفرة. وانتصب ( إذا ) بفعل مضمر يدل عليه ) أخرج ( المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله. لا تقول : اليوم لزيد قائم. وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال ، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في ( يا الله ) للتعويض ، واضمحل عنها معنى التعريف. و ( ما ) في ( إذا ) ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين : أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت ؟ والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله : ( خرج فلان عالماً ) إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء : سأخرج حياً نادراً. وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هووقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه ( أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه ) ؟ ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال سبحانه منبهاً على ذلك ) أو لا يذكر ( وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر. وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله : ( ويقول الإنسان ( ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر. قال العقلاء : لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم قدروا عليها ، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات ، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل ، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال. والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء. وإذا كان حال من يتفاوت في دقرته الصعب والسهل كذلك ، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به ؟ وفي قوله : ( ولم يك شيئاً ( بحث قد مر في أول السورة مثله. وحين نبه علىالنكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ) فوربك لنحشرنهم ( الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف

(4/501)


" صفحة رقم 502 "
المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه ، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بإجماع المفسرين تفخيرم لشأنه ورفعمن مقداره ، والواو في ) والشياطين ( إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه وفي سلسلة ، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة ، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال. وكذا في قوله : ( لنحضرنهم حول جهنم جثياً ( أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل ، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم. ) ثم لننزعن ( لنميزن ) من كل شيعة ( طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة ، وقد سبق تفسير في الأنعام. ) أيهم أشد ( قرىء بالنصب وهو ظاهر ، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القيسا من وجهين : أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى ، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير : أيهم هو أشد. وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لمتنصب على أن تكون مفعول ) لننزعن ( بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد ، فيكون من كل شيعة فمعول ) لننزعن ( كقولك ( أكلت من كل طعام ) أي بعضاً من كل. ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد ، قال سيبويه : لو جاز ( اضرب أيهم ) أفضل على الحكاية لجاز ( اضرب الفاسق الخبيث ) أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام. ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل ( أيّ ) معلق عن العمل ، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب. ثم إن علقت قوله : ( على الرحمن ( ب ) أشد ( كقولهم : ( هو أشد على خصمه ) فظاهر ، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدرلا يعمل فيما قبله. فالوجه أن يقال : إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من ؟ فقيل : على الرحمن. وكذا الكلام في ) أولى بها صلياً ( تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو ب ) صلياً ( على التأويل. صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق. أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقثوله : ( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ( أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم ، ولا ريب أن الضال جميعاً مشتركين في شدة العتوّ. ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال : ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل .

(4/502)


" صفحة رقم 503 "
) وإن منكم ( الخطاب للناس من غير التفات ، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً ، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله : ( ثم ننجي الذين اقتوا ونذر الظالمين فيها جثيماً ( إشكال. ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار ؟ وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك فقال : ( إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض : أليس وعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة ). وعنه أيضاً رضي الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها ). وأما قوله : ( أولئك عنها مبعدون ( فالمراد عن عذابها. وعن ابن عباس : يردونها كأنها أهالة. ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال : قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله تعالى : ( لما ورد ماء مدين ) [ القصص : 33 ] ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه. ويقال : وردت القافلة البلد إذا قبت منه ، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة : هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها. وعن مجاهد : هو مس الحمى جسده في الدنيا قال عليه السلام : ( الحمى من فيح جهنم ) وفي رواية ( الحمى حظ كل مؤمن من النار ). وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله : ( ثم ننجي الذين اتقوا ( ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون. أسئلة : كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول ؟ زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم ، والمؤمنون يردون تلك المواضع. والأصح أنه سبحانه يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير ، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب. ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها ؟ فيه وجوه منها : أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها. ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم. ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا. ومنها

(4/503)


" صفحة رقم 504 "
أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء. هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها ؟ قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) [ إبراهيم : 48 ] وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء. فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم ، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها. قلت : هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر ، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار ، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله : ( كان ( أي الورود ) على ربك حتماً ( أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ) مقضياً ( قضى به وعزم أن لا يكون غيره ، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار. وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً. وقال الأشاعرة : شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه. وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها ، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط ، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين. وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها ، هب أن تنجيتهم إلىالجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه. ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله : ( ونذر الظالمين ( ومنع أن الصيغة للعموم ، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر. قال : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا ( الآية ، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا : لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس ، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه. يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله : معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد ، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً ، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها ، أو حججاً وبراهين ، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله : ( وهو الحق مصدقاً ) [ البقرة : 91 ] لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف. ومعنى ) للذين آمنوا ( أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم. والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل ، وبالفتح موضع القيام ، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون. قوله : ( أيّ الفريقين ( يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من

(4/504)


" صفحة رقم 505 "
الكلام المنصف على زعمهم ، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا قعودنا ، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة ، فأجابهم الله تعالى بقول : ( وكم أهلكنا ( أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و ( من ) بيان الملهك. ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و ( كم ) استفهامية لتقرير التكثير ، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب. و ) هم أحسن ( في محل النصب صفة ل ( كم ) أو الجر صفة ) قرن ( والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله : ( أثاثاً ومتاعاً إلى حين ) [ الآية : 80 ] قال الجوهري : من همز ) رئياً ( جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة ، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم ، أو يكون من ( رويت ألوانهم وجلودهم رياً ) أي امتلأت وحسنت. وقال جار الله : الري هو المنظر والهيئة ( فعل ) بمعنى ( مفعول ). وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم ( راء ) في ( رأي ). وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة. وفي الآية حذ التقدير أحسن من هؤلاء ، والحاصل أنه تعالى أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله ، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً. ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته ، وقوله : ( فليمدد له الرحمن ( خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا مالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ) أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) [ فاطر : 37 ] أو ليزدادوا إثماً كقوله ) إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ) [ آل عمران : 178 ] أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته. والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم. أما قوله : ( حتى إذا رأوا ( إلى آخر. فقد قال في الكشاف : إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله : ( أي الفريقين ( إلى آخره ، وما بينهما اعتراض قالوا : أي الفريقين خبر مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون. والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ) أما العذاب ( في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر ، وأما يوم القيامة ، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا ، أو الساعة ومقدماتها. وقوله : ( فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ( في مقابلة قولهم : ( خير مقاماً وأحسن ندياًؤ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم ، والجند

(4/505)


" صفحة رقم 506 "
الأعوان ، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة. ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقوهم من الخزي والنكال ما لحقهم. وحين بيّن حال أهل الضال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال : ( ويزيد يجر إلى الذين اهتدوا هدى ( وذلك أن بعض الهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها. ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان. والواو في ) ويزيد ( للاستئناف. وقد تكلف جا رالله فقال : إنه للعطف على معنى ) فليمدد ( أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه. وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات. وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها. وقوله : ( خير ( يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه ، فإن قدرنا شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ) ثواباً وخير مرداً ( أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم : ( هل لهذا الأمر مرد ) إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار ، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم : ( تحية بينهم ضرب وجيع ). ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم : ( الصيف أحر من الشتاء ) أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده ، ثم أردف مقاتلهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ) أفرأيت ( كأنه قال : أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. وإنما استعملوا ( أرأيت ) بمعنى ( أخبر ) لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه. عن الحسن : نزلت في الوليد بن المغيرة ، والمشهور أنها في العاص بن وائل. قال خباب بن الأرث : كان لي عليه دين فاقتضيته ، وقيل : صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقالك إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ، فأنا أقضيك ، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ. من قرأ ) ولداً ( بفتحتين فظاهر ، ومن قرأ بالضم فالسكون ، فإما جمع ولد كاسد في أسداً ، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب ، فأنكر الله سبحانه عليه بقوله مستفهماً ) أطلع الغيب ( من قولهم ( اطلع الجبل ) أي ارتقى إلى أعلاه ، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال : أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ) أم اتخذ عند الرحمن عهداً عن الكلبي : هل عهد الله إليه أن

(4/506)


" صفحة رقم 507 "
يؤتيه لك. وعن قتادة : هل له عمل صالح قدمه فهو يرجوا بذلك ما يقول : وقيل : العهد كلمة الشهادة ) كلا ( ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله : ( سنكتب ( بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد ، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله : ( ونمد له ( أي نطوّل له ) من العذاب ( ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد. مده وأمده معنى. ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه ، ثم عكس استهزاءه بقوله : ( ونرثه ما يقول ( أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله : ( لأوتين ( ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية. والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ) ويأتينا ( غداً ) فرداً ( بلا مال ولا ولد. وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه. وكذا في قوله : ( فرداً ( على الأول حال مقدر نحو ) فادخلوها خالدين ) [ الزمر : 73 ] لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي ، ثم يتفاوتون بعد ذلك. وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول ، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك ، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكليف. قال : ويحتمل أن هذا القول : إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله ، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له ، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به ، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه ، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله. وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم ، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله : ( كلا ( ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ) سيكفرون ( فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله : ( قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) [ سبأ : 41 ] وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله : ( وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون ) [ النحل : 86 ] وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله : ( وألقوا إليهم القول إنهم لكابون ) [ النحل : 86 ] وإن ) الأنعام : 23 ] أما الضمير في يكونون فللمعبودين ، وقوله : ( عليهم ( في مقابلة قوله : ( لهم عزاً ( وضد العز الهوان كأنه قيل : ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو ، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله

(4/507)


" صفحة رقم 508 "
( صلى الله عليه وسلم ) : ( وهم يد على من سواهم ) ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عباتها ، ويحتمل أن يكون الضمير في ) يكونون ( للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها. وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال : ( ألم تر أنا أرسلنا ( الآية. والأز الهز التهييج. قالت : الأشاعرة : في الآية دلالة على أنه تعالى مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل : ( أرسلت فلاناً على فلان ) يفيد أنه سلطه عليه منه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( سم الله وأرل كلبك عليه ) ويؤيده قوله : ( تؤزهم ( أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات. وقالت المعتزلة : أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه. وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين ، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء ، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين. ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه ب ( على ) لا ب ( إلى ) قلت : لا يخفى أن استناد الكل إلى الله تعالى فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه. ) فلا تعجل عليهم ( يقالك عجلت عليه بكذا إص استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة. قال ابن عباس : نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط. وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك ، وآخر العدد فراق أهلك ، وآخر العدد دخول قبرك. وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد. وقال بعضهم : إن الحبيب من الأحباب مختلس
لا يمنع الموت بواب ولا جرس
وكيف يفرح بالدنيا ولذتها
فتى يعد عليه اللفظ والنفس
ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال : ( يوم نحشر ( وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. ويجوز أن ينتصب ) بلا يملكون ( خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين. يقال : وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب. عن علي رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالها ذهب وعلى

(4/508)


" صفحة رقم 509 "
نجائب سروجها ياقوت ). وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء ، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. وقال جار الله : حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون. قال بعض العلماء : في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة ؟ قلت : يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف ، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله : ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجة زمراً ) [ الزمر : 73 ] وهذا بعد امتياز الفريقين ، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره. وقوله : ( إلى الرحمن ( دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر ، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه ، والضمير في ) لا يملكون ( للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ) من اتخذ ( على البدلية لأنه في معنى الجمع. ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في ( أكلوني البراغيث ) فيكون ) من اتخذ ( فاعلاً والاستثناء مفرغاً. ويجوز أن ينتصب ) من اتخذ ( على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة. من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل : لا يملكون أن يشفعوا ليغرهم. وقيل : لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم. واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل ، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة ، والثاني يناسب أصول الأشاعرة. وعن ابن مسعود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأصحابه ذات يوم : ( أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : يقول كل صباح ومساء : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك له وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أي الذي لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة ) ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله : ( وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله ) [ النجم : 26 ] .

(4/509)


" صفحة رقم 510 "
وحين رد على عبدة الأوثان عاد على الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب ، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة. وفي قوله : ( لقد جئتم ( التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه. والأد الأمر العجيب أو المنكر ، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها. ويقال : فطره بالتخفيف إذا شقه ، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير ، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير. وانتصب ) هذا ( إما على المصدر لأن الخرور في معناه ، وإما لأن التقدير يهد هداً ، أو على الحال أي مهدودة ، أو على العلة أي لأنها تهد. ومحل ) أن دعوا ( إما مجرور بدلاً من الهاء في ) منه ( وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا ، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء ، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء ، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء. أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم لأنه محال. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها ، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به ، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل : لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه ، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام. سؤال : كيف تؤثر الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر ؟ أجيب بأنه سبحانه كأنه يقول : كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي ، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا ، أو المراد أن يعقل كادت تفعل ذلك. ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في ) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [ الأنبياء : 22 ] وقال أبو مسلم : أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك. ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال : ( إن كل ( ( إن ) نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ) إلا أتى الرحمن ( إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته. ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ( أي

(4/510)


" صفحة رقم 511 "
سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب. والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام ، وإما أن يكونذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم. وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعلي ( يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة ) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن ابن عباس : يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه. وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول الله عز وجل : ( يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبري ثم ينادي في أهل السماء : إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ) وعن قتادة : ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه. وعن كعب قال : مكتوب في التوراة : لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض ، وتصديق ذلك في القرآن ) سيجعل لهم الرحمن ودّاً ( هذا قول جمهور المفسرين. وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون ، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير. وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم ، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين. وأيضاً إن محبتهم في قلبوهم من فعلهم لا من فعل الله ، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى. وأجيب بأن المراد بحبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق ، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً : ( فإنما يسرناه ( كأنه قال : بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر. واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في ( البقرة ) ) وهو ألد الخصام ) [ البقرة : 204 ] يريد أهل مكة. ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد. والركز الصوت الخفي وركز

(4/511)


" صفحة رقم 512 "
الرمح تغيب طرفه في الأرض ولركاز المال المدفون. التأويل : ( ويقول ( النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ) أخرج حياً ( بالصفات الروحانية. ) ولنحشرهم والشياطين ( فلكل شخص قرين من الشياطين ) ثم لنحضرنهم حول جهنم ( القهر والطبيعة ) وإن منكم ( من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ) حتماً مقضياً ( لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ) ثم ننجي الذي اتقوا ( الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ) آياتنا ( من الحاقئق والأسرار ) قال الذين كفروا ( ستروا الحق ) للذين آمنوا ( تحقيقاً وإيقاناً ) وكم أهلكنا ( بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ) أما العذاب ( وهو الموت على الإنكار والغفلة ) وإما الساعة ( وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة. ) فسيعلمون ( حزب الله من حزب الشيطان ) ويزيد الله ( بالترقي من الإيمنان إلى الإيقان إلى العيان ) أن دعوا للرحمن ولداً ( من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا من الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ) وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ( عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً. ) فإنما يسرنا ( فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ) وكم أهلكنا ( في تيه الضلالة ) أو تسمع لهم ركزاً ( بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب .

(4/512)


" صفحة رقم 513 "
سورة طه
سورة طه مكية
حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون كلماتها ألف وثلثمائة وأربعون وآياتها مائة وخمس وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم
( طه : ( 1 - 36 ) طه
" طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى " ( القراآت : بإمالة الطاء والهاء. حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء لاستعلائها وأمال الهاء. والآخرون بتفخيهما ) لأهله امكثوا ( بضم الهاء وكذلك في ( القصص ) : حمزة ) إني آنست ( ) إني أنا الله ( بفتح ياء المتكلم فيهما : أبو جعفر وابن

(4/513)


" صفحة رقم 514 "
كثير وأبو عمرو ) لعلي آتيكم ( بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد ) على النار هدى ( ممالة : عليّ غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي عمرو وغير إبراهيم وابن حماد ) أني أنا ربك ( بفتح الهمزة وياء المتكلم : ابن كثير وأبو عمرو ويزيد. بكسر الهمزة وفتح الياء : نافع الباقون : بكسر الهمزة وسكون الياء ) طوى ( منوناً حيث كان : عاصم وحمزة وفتح الياء : نافع الباقون : بكسر الهمزة وسكون الياء ) طوى ( منوناً حيث كان : عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر ) وإنا اخترناك ( على الجمع : حمزة والمفضل ) لذكري ( ) إني ( ) لي ( ) أمري ( ) عيني ( ) برأسي ( ( إني ) بفتح الياآت : حمزة والمفضل ونافع وأبو عمرو. ( لي فيها ) بالفتح : حفص والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير ) أخي اشدد ( بفتح الياء موصولة : ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو ) واشدد ( بفتح الياء موصولة : ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح بضم الأول وفتح الثاني على الأمر ) سؤلك ( بالواو : أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الآخرون بالهمزة. الوقوف : ( طه ( ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف ) لتشقى ( ه مبتدأ ) استوى ( ه ) الثرى ( ه ) وأخفى ( ه ) إلا هو ( ط ) الحسنى ( ه ) حديث موسى ( ه لئلا يوهم أن ( إذ ) ظرف للإتيان ) هدى ( ه ) يا موسى ( ه ) نعليك ( ج للابتداء بأن مع اتحاد القول ) طوى ( ه ط إلا لمن قرأ ) إنا اخترناك ( ) بوحي ( ه ) فاعبدني ( ه لا للعطف ) لذكرى ( ه ) تسعى ( ه ) فتردى ( ه ) يا موسى ( ه ) عصاي ( ج لا مكان أن يجعل ) أتوكأ ( مستأنفاً أو حالاً والعامل أضمر أو أشير بناء على أن ( هي ) بمعنى ( هذه ). ) أخرى ( ه ) يا موسى ( ه ) تسعى ( ه ) ولا تخف ( ق لحق السين ) الأولي ( ه ) آية أخرى ( ه لا لتعلق اللام. ) الكبرى ( ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل ) طغى ( ه ) صدري ( ه ) أمري ( ه لا ) لساني ( ه لا ) قولي ( ص لطول الكلام ) أهلي ( ه لا ) أخي ( ه لا وقف لمن قرأ ) أشدد ( بفتح الهمزة جواباً للدعا وفتح الياء فله الوصل ومن قرأ ) اشدد ( بضم الهمزة فله الجواز لاتساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف ) أزري ( ه لا ) أمري ( ه لا لتعلق ( كي ) ) كثيراً ( ه ) بصيراً ( ) يا موسى ( ه. التفسير : في ) طه ( قولان للمفسرين : أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في أمثالها ، والذي زادوه ههنا أمور منها : قول الثعلبي : الطاء شجرة طوبى ، والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار. ومنها ما روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم. وقيل : أراد يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام

(4/514)


" صفحة رقم 515 "
الغيوب. ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي. قيل : الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه : يا أيها البدر. القول الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل. مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن بير وقتادة وعكرمة والكلبي. ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية : وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية. وقال عكرمة بلسان الحبشة. وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد وهو اليوم في اليمن. وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمراً بالوطء فقلبت الهمزة هاء وذلك لما روي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معاً ، ويؤكده ما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) بالليل حتى اسمعدّت قدماه - أي تورمتا - فقال له جبرائيل : أرفق على نفسك فإن لها عليك حقاً ونزلت ) طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ( أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة. وعند الأكثرين معنى ) لتشقى ( لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا. والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل ( أشقى من رائض مهر وأتعب ). وقيل : إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له : إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة. قال جار الله : إن جعلت ) طه ( تعديد الأسماء الحروف فقوله ) ما أنزلنا ( ابتداء الكلام ، وإن جعلته اسماً للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر - وهو القرآن - مقام الضمير الرابط ، وإن جعلته قسماً فما يتلوه جواب وكل واحد من ) لتشقى ( و ) تذكرة ( علة للفعل إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل والثاني جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط. ولا يجوز أن يكون ) تذكرة ( بدلاً من محل ) لتشقى ( لاختلاف الجنسين ، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي فيه ( إلا ) بمعنى ( لكن ). وفي قوله ليكون تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال : ما شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك. فانتصب ) تذكرةً ( على أنه حال أو مفعول له ، وإذا كانت حالاً جاز أن يكون ) تنزيلاً ( بدلاً منها ، وإذا كانت مفعولاً لأجله لم يجز أن يكون ) تنزيلاً ( بدلاً منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه ، فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر. ويجوز أن ينتصب ) تنزيلاً ( بمضمر أي نزل تنزيلاً أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنزلناه تذكرةً ، أو على المدح والاختصاص ، أبو ب ) يخشى ( مفعولاً به أي أنزله الله تذكرةً لمن يخشى تنزيل الله عز وجلّ أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به. ومعنى كون القرآن تذكرةً أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظهم به وببيانه. ) ممن خلق ( متعلق ) بتنزيلاً ( فيكون الظرف لغواً أو بكائناً صفة له فيكون

(4/515)


" صفحة رقم 516 "
مستقراً. وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلاً منا أمور منها : الافتنان في الكلام على عادتهم. ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة. ومنها التفخيم بالإسناد أولاً غلى ضمير المتكلمالمطاع في ) أنزلناه ( ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد. وقيل : أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات. و ) العلى ( جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها. ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة. ومنه قول الحكماء : عقول الرجال تحت لسان أقلامهم. وارتفع ) الرحمن ( على المدح على تقدير هو الرحمن ، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق. والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعاً في ( الأنعام ) في قوله ) وهو القاهر فوق عباده ) [ الأنعام : 18 ] وفي الأعراف في قوله ) إن ربكم الله لاذي خلق السموات ) [ الآية : 54 ] فلا حاجة إلى الإعادة. ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله ) له ما في السموات ( الآية. عن محمد بن كعب : أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين. وعن السدي : هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة. وقيل : الثور أو الحوت. والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض ، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله سبحانه من المعادن وغيرها ، ولا ريب أن الكل لله سبحانه. ثم بيّن كمال علمه بقوله ) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ( فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى منذلك ما أخطرته ببالك ، أو السر هذا وأخفى منه ما استسره. وقيل : أخفى فعل ماضٍ أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو. قلت : هذا المعنى صحيح لأنه تعالى محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد ، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف : وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط. وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك. فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله ) واذكر ربك في نفسك ) [ الأعراف : 205 ] وإما أن يكون تعليماً للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدى غيره به. ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه تعالى في تفسيره قوله ) وعلم آدم الأسماء كلها ) [ البقرة : 31 ] وفي غير ذلك من المواضع المناسبة ، فلنقتصر الآن على ذلك. ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره. واعلم أن

(4/516)


" صفحة رقم 517 "
مراتب التوحيد أربع : الإقرار باللسان ، ثم الإعتقاد بالقلب ، ثم تأكيد ذلك الإعتقاد بالحجة ، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد. والأول بدون الثاني نفاق ، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات. ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته ( لا إله إلا الله ) حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول ، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله ، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون ، ، آخره الفناء في الله والبقاء به. قال النحويون : لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله. وقال أهل العرفان : معناه لا إله في الإمكان إلا الله. روي أن موسى بنعمران قال : يا رب علمني شيئاً أذكرك به. فقال : قل لا إله إلا الله. فقال : كل عبادك يقولز فقال : قل لا إله إلا الله. قال أهل العرفان : أردت شيئاً تخصني به. قال : يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن ( لا إله إلا الله ). والبحث عن أسماء الله تعالى قد سلف في تفسير البسملة ، وعن أسمائه الحسنى قد مر في ( الأعراف ) في قوله ) ولله الأسماء الحسنى ) [ الأعراف : 180 ] واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام : كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى ، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الغنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه ) في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [ القمر : 55 ] وتارةً يتسفل إلى أن يقال له ) ثم رددناه أسفل سافلين ) [ التين : 5 ] والكمال بالحقيقة لما ليس معرض والزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال ، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية ، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره. إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى ، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل : يا حسن الوجه توق الخنا
لا تخلطن الزين بالشين

(4/517)


" صفحة رقم 518 "
فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين. ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت : إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها. إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين. عن محمد بن كعب القرظي أن موسى عليه السلام قال : يا رب أيّ خلق أكرم عليك ؟ قال : الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري. قال : أيّ خلقك أعلم ؟ قال : الذي يلتمس علماً إلى علمه. قال : وأيّ خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال : وأيّ خلقك أعظم جرماً ؟ قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له. إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل ، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل ، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. وعن الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : سيعلم الجمع من أهل الكرم ، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس. ثم يقال : أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ؟ ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال ؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي. إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا ، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك. وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية. قال الكلبي : معنى ) وهل أتاك ( أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له. ويقول المرء لصاحبه : هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه. وعن مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ذلك في الزمان المقتدم. ( وإذ ) ظرف للحديث لأنه حدث ، أو المراد اذكر وقت كذا ومظروفه محذوف أي حين رأى ناراً كان كيت وكيت. قال أهل السير : استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه ، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده وقدح فصلد زنده ، فرأى ناراً من يسار الطريق من بعيد. قال السدي : ظن أنها من نيران الرعاة. وقال الآخرون : إنه رآها في شجرة. واختلفوا أيضاً في أن الذي رآه كان ناراً أم لا. قالوا : والصحيح أنه كان ناراً ليكون صادقاً في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. ويمكن أن يقال : إطلاق اللفظ على ما يشبه مسماه ليس بكذب. قيل : النار أربعة أقسام : نار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا ، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر ) جعل لكم من الجشرة الأخضر ناراً ) [ يس : 80 ] ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى عليه السلام. وبعبارة أخرى نور بلا حرقة وهي نار موسى ، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم ، وحرقة ونور وهي نار الدنيا ، ولا حرقة ولا نور

(4/518)


" صفحة رقم 519 "
وهي نار الأشجار. ) فقال لأهله امكثوا ( إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد. ويجوز أن يخاطب المرأة وحها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع. وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيماً أي أقيموا في مكانكم فقد ) آنست ناراً ( أي أبصرت إبصاراً لا شبهة فيه أو إبصاراً يؤنس به. والتركيب يدل على الظهور ، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء ، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم ، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به. قال جار الله. لما وجد الإيناس وكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة ( إن ) ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلاً ) لعلي آتيكم ( قال المحققون : فيه دلالة على أن إبراهيم عليه السلام لم يكذب ألبتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل ( إني أتيكم ) لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به ، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح. والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما. ) وهدى ( على حذف المضاف أي ذوي هدى ، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. والظاهر أنه أراد قوماً يهدونيي الطريق. وعن مجاهد وقتادة : قوماً ينفعونني بهداهم في أبواب الدين ، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغلٌ. ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثانٍ لأجد ، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياماً وقعوداً فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مسويين. ) فلما أتاها ( أي أتى النار. قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد ، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة ، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة. وقال وهب : ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها ، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء ، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار ، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي ) يا موسى ( من قرأ ) أني ( بالفتح فتقديره نودي بأني ، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول ، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى. وتكرير الضمير في ( أني ) ) أنا ربك ( لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه لما نودي يا موسى قال : من المتكلم ؟ فقال الله عزوجلّ : إني أنا ربك. فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان. فقال : أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحات مني صارت

(4/519)


" صفحة رقم 520 "
أذناً. وقيل : لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجر فيكون معجزاً. وأيضاً إنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار ولا النار تضر بالخضرة ، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله. وجوّز الأشاعرة أن يكون قد خلق الله تعالى علماً ضرورياً بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود الصانع لاسحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوماً بالاستدلال ، وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن التكليف. قال القاضي : إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلاً. قال : وهذا أولى لأن قوله ) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ( دليل على أنه أوّل وحي يوحى إليه. وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى غيره. وعندهم أن الله تعالى أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت. والمعتزلة أنكروا وجود ذلك الكلام. وقالوا : إنه تعالى خلق ذلك النداء في سجم من الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك. وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة لأنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار ، والمرتب على المحدث. ومثله استدلال المعتزلة بقوله ) فاخلع نعليك ( على أن كلامه تعالى ليس بقديم لأن الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون محدثاً. أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي ، ولو سلم فأمره بالأزل مستمر إلى أن صار الشخص مأموراً من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق بالمقدور الحادث. وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون : لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد : ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به. وقيل : عظم البقعة عن وطئها إلا حافياً يؤيده قوله ) إنك بالواد المقدس (. ومن هنا كره بعضهم الصلاة والطواف في النعل ، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة. ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق. وعلى القول الأول لا يكره إلا إذا كان غير مدبوغ. وقد صلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال : ما لكم خلعتم نعالكم ؟ قالوا : خلعت فخلعنا. قال : فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذراً. يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. قال الجوهري ) طوى ( بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم. فمن صرفه جعله اسم واد ومكان ، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة. وقال بعضهم. طوى بالضم مثل طوى وهو الشيء المثنى

(4/520)


" صفحة رقم 521 "
أي طوى مرتين أي قدس. وقال الحسن : ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين ، ويحتمل أن يراد نودي نداءين. وقيل : طوى مصدر كهدى ومعناه العلى. وعنابن عباس أنه مر بلك الوادي ليلاً فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته طياً أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه. ) وأنا أخترتك ( اصطفيتك للنبوة. قيل : فيه دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله. وفي هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله ) فاستمع ( نهاية الجلال والهيبة ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال : جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل جميع همتك مصروفة إليه. ) لما يوحى ( أي للذي يوحى أو للوحي متعلق ب ) استمع ( أو ب ) اخترتك ( ثم قال ) إنني أنا الله لا إله إلا أنا ( ورتب عليه ) فاعبدني ( ليعلم أن عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء : إن الله معناه المستحق للعبادة. قال الأصوليون : تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن وقت الخطاب جائز لأنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفيتها. وأيضاً قال ) وأقم الصلاة ( ولم يبين هيئاتاه. أجاب القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى عليه السلام عد عرق الصلاة التي تعبد الله بها شعيباً وغيره من الأنبياء ، فكان الخطاب متوجهاً إلى ذلك ، وزيف بأن حمل الخطاب متوجهاً على التأسيس أولى قال : قد بين له ولكن لم يحك الله تعالى سوى هذا القدر. ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل ، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية. ولقائل أن يقول : سلمنا أن المبين أكثر فائدةً للمخاطب ، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخاً وإن كان أصله باقياً. وفيقوله ) لذكري ( وجوه. لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل. والذكر إما بالجنان أو هو ضد النسيان. وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول. وهل يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا ؟. ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها : أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي ، أو أرا لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار. عن مجاهد : والفرق أن إطلاق الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية ، وفي الثاني مجاز. أو نقول : في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات ، وفي الثاني تكون مطلوبة بعرض الذكر ، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. ومنها أن المضاف مع ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي. ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق. ومنها أن اللام للوقت كقولك ( جئتك لوقت كذا ) أي لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة. ومنها يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى الإحسان ) رجالٌ لا

(4/521)


" صفحة رقم 522 "
تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ) [ النور : 37 ] وأراد ذكر الصلاة بعد نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها كقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( من نام عن صلاة أو سيها فليصلها إذا ذكرها ) فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي ، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في الأصل منصوب ، أو اذكر والنسيان من الله عز وجلّ في الحقيقة فلياء فاعل. قال الشافعي : من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك الترتيب جا. ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة يستحب أن يبدأ بالفائتة ، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه يجب الابتداء بصلاة الوقت ، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى الفائتة ، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها. وقال أبو حنيفة : يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يتزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقاً فلا تبطل. حجة الشافعي ما روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس فأمرهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها ، ولو كان وقت الانتباه متعيناً للصلاة لما فعل كذلك. نعم إنه وقت لتقرير الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك. حجة أبي حنيفة قوله تعالى ) أقم الصلاة لذكري ( وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( فليصلها ) إذا ذكرها ( وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الخندق يسب كفار قريش ويقول : يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس. فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وأنا والله ما صليتها بعد (. قال : فنزل في البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها. وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ومزدلفة. فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة ، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط هذا الترتيب. ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي هي أفضلها خاصة علل ذلك بقوله ) إن الساعة آتية (. سؤال : ( كاد ( نفيه إثبات وإثباته نفي. فقوله ) أكاد أخفيها ( يكون عناه لا أخفيها وهو باطل لقوله ) إن الله عنده علم الساعة ) [ لقمان : 34 ] ولأن قوله. ) لتجزى كل نفس ( إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفاً وقت القيامة وكذا وقت الموتاشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون إغراء على المعصية .

(4/522)


" صفحة رقم 523 "
والجواب لا نسلم أن ) كاد ( إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط. والباقي موكول إلى القرينة. ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال : أكاد لا أقول هي آتية لفط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعميمة وقتها من اللطف لما أخبرت به. وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال : أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك. فقال قطرب : هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا : كتمته من نفسي. وقيل : ( كاد ( من الله واجب وأراد انا أخفيها من الخلق كقوله ) عسى أنيكون قريباً ) [ الاسراء : 51 ] أي هو قريب قاله الحسن. وعن أبي مسلم أن ) أكاد ( بمعنى أريد كقوله ) كذلك كدنا ليوسف ) [ يوسف : 21 ] ومنه قولهم ) لا أفعل ذلك ولا أكاد ( أي لا أريد أن أفعله. وقيل : أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها. وقال أبو الفتح الموصلي : الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ) اقتربت الساعة ) [ القمر : 1 ] ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره. وقوله ( لتجزى ( متعلق ) بأخفيها ( كما قلنا أو ب ) آتية ( ، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة. واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال ) بما تسعى ( أي بسعيها. فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد ، ولو لم يكن الثواب مستحقاً على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله ، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها. ومعنى الفاء في ) فلا يصدّنك ( أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة ، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه. وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في ) عنها ( للصلاة. والعرب تذكر شيئين لم ترمي بضميرها إلى السامع اعتماداً على أنه يرد كلاً منهما إلى ما هو له ، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا. وأما الخطلاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه. وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا عليه السلام والمقصود الأمة ، ولنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب. والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب ، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدلعلى السبب كأنه قيل : كن في الدنيا صلباً حتى لا يطمع في إغوائك الكافر. والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن في المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا. وفيه

(4/523)


" صفحة رقم 524 "
حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قويّ عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك مع اتباع الهوى. وههنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا يتمكن الخصم من تشكيكه. وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث دليلاً على أن القبائح إنما تصدر عن العباد. وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. قال أهل التحقيق : قوله أوّلاً لموسى ) اخلع نعليك ( إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير عن الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيلة. وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله ) إني إنا الله ( وإلى علم الوسط وهو قوله ) فاعبدني ( وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية. وقوله ( لذكري ( وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله ) إن الساعة آتية (. وأيضاً إنه افتتح الخطاب بقوله ) وأنا اخترتك ( وهو غاية اللطف ، وختم الكلام بقوله ) فلا يصدّنك ( إلى آخره وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه ، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قمي الرجاء والخوف. قوله ) وما تلك ( مبتدأ وخبر و ) بيمينك ( حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام. وجوّز الكوفيون أن يكون ) تلك ( اسماً موصولاً صلته ) بيمينك ( أي ما التي بيمينك. قيل : لم يقل بيدك لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب. أسئلة : ما الفائدة في هذا السؤال ؟ جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئاً شريفاً كاللبوس المسرد عرضه على الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول : خذوا هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه سبحانه قال لموسى : هل تعرف حقيقة ما في يمينك وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعباناً عظيماً كان قد نبهه على كمال قدرته الباهرة. وقال أهل الخطابة : إنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء ، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ممازجاً باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له ) وما تلك بيمنك يا موسى ( ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها العصا. وأيضاً إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسؤول عنه مما يقع فيه الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه الوجل والخجل فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعاً للإيحاش وجلباً للاستئناس. وأيضاً لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر ، فعرّفه الله تعالى أن فيها منافع أجل مما ذكر تنبيهاً على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا التوفيق والإرشاد. آخر : خاطب موسى بلا واسطة خاطب محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) بواسطة جبرائيل ، فيلزم

(4/524)


" صفحة رقم 525 "
أن يكون موسى أفضل. وجوابه المنع بدليل ) فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [ النجم : 10 ] وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سراً وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه. وأيضاً حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم ؛ المصلي يناجي ربه ، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم ) سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم ) [ يس : 58 ]. وأيضاً إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقاً بالعصا ومنافعها ، ومحمد عليه السلام لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ) ما زاغ البصر وما طغى ) [ النجم : 17 ] بل كان فانياً عن الأغيار باقياً بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذٍ على قوله ) أنت كما أثنيت على نفسك (. وههنا نكت منها : أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليد بقوله ) وما تلك بيمينك يا موسى ( حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيواناً والآخر - وهو الكثيف - نورانياً لطيفاً. ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً. ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حياً فكيف لا يصير المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حياً ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة كلهم فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء. ثم إن جواب موسى عليه السلام يتم بقوله ) هي عصاي ( إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض. وقيل : هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها. وقيل : خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين. ومعنى ) أتوكأ عليها ( أغتمد عليها إذا أعييت أو قوفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق. ) وأهش بها ( أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله. والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه ) رجل هش المكسر ( أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح ) وهش الخبز ( يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته. قال المحققون : إن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلاً مع أمته ) حسبنا الله ونعم الوكيل ) [ آل عمران : 173 ] فورد في حقه ) حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين ) [ الأنفال : 64 ] أي حسبك وحسب من اتبعك. وأيضاً إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ) أتوكأ عليها ( ثم بمصالح رعيته

(4/525)


" صفحة رقم 526 "
بقوله ) وأهش بها على غنمي ( ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر أمته ) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) [ الأنفال : 33 ( ) اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ( فلا جرم يقول موسى يوم القيامة ) نفسي نفسي ( ومحمد يقول ) أمتي أمتي (. ثم قال ) ولي فيها مآرب ( هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء. وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً ومثله الأرب بفتحتين والإربة بكسر الهمزة وسكون الراء. وإنما قال ) أخرى ( لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره الأسماء الحسنى. ومن آياتنا الكبرى قالوا : إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول مكالمته وقالوا : انقطع بالهيبة كلامه فأجمل. وقيل : في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين ، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها ، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل ، وإذا قصر رشاؤه وصله بها ، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل : إن موسى عليه السلام كان أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال : إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى. وقيل : كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل. وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه ، وإذا اشتهى صمرة ركزها فأورقت وأثمرت ، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا فرعها نضب ، وكانت تقيه الهوام. قلت : هذه الخوارق إن كانت بعد نبوة موسى فلا كلام ، وإن اكنت قبلها ففي صحة الرواية بُعْدٌ وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع. وعلى تقدير صحتها فلعلها إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه. قال أهل النكت : إن موسى لما قال ) ولي فيها مآرب أخرى ( أراد الله سبحانه أن يعرّفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها و ) قال ألقاها يا موسى ( وبوجه آخر كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا ، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب ، فأمر بتركهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان. وفيه أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا ، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه ؟ قال الكلبي : الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في يديه فذاك قولنا ، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقى من يده ما ليس في يده. ويمكن أن

(4/526)


" صفحة رقم 527 "
يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا. قوله ) فإذا هي حية تسعى ) [ الأعراف : 107 ] وفي موضع آخر ) فإذا هي ثعبان ( وفي آخر ) كأنها جان ) [ النمل : 10 ] عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم. وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تنافٍ في الظاهر لا في التحقيق ، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان ، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعباناً آخر الأمر. أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة. والعجب أن موسى قال ) أتوكأ عليها ( فصدّفه الله تعالى في ذلك وجعلها متكئاً له بأن كانت أعظم معجزاته. وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه ، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات. وأيضاً لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه ؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب ، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح ؟ وقد مر في ) الأعراف ( أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس ، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً ، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من العزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر ، ولو أنه بلغ حينئذٍ مقام ) ففروا إلى الله ) [ الذاريات : 50 ] لم يفر عن شيء. أو لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده. فقد روي أنه لما قال له ربه : ( لا تخف ( بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها ، قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري : ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة ، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة. وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها. قلت : يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله ) سنعيدها سيرتها الأولى ( قال جار الله : السيرة من السير كالركبة من الركوب. يقال : سار فلان سيرة حسنة. ثم استع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين ، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصاً ، أو يكون أعاد منقولاً بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين ، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانياً. ونصب ) سيرتها ( بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها. ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال ) وضامم يدك إلى جناحك ( يقال : لكل

(4/527)


" صفحة رقم 528 "
ناحيتين جناحان ومنه ناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما. والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما. فقيل : المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله ) تخرج ( وعن ابن عباس : معناه إلى صدرك. وضعف بأنه لا يطابقه قوله ) تخرج ( قلت : لا شك أن الصدر مستور بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر ) وأدخل يدك في جيبك ) [ النمل : 12 ] والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوءة. والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان جدير بأن يكنى عنه. ومعنى ) بيضاء ( أنها تنور كشعاع الشمس. قال في الكشاف : من غير سوء من صلة البيضاء كما تقول : ابيضت من غير سوء. قلت : لعله أراد أن ) من ( للتعليل أي ليس البياض والسوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى الابتداء. و ) بيضاء ( و ) آية ( حالان معاً أو متداخلتان. واحتمل أن ينتصب آية بمضمر يدل عليه الكلام نحو ) خذ ودونك (. وقوله ( لنريك ( إما أن يتعلق بهذا المحذوف أو بمحذوف آخر أي لنريك ) من آياتنا ( فلعنا ما فعلنا. ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ) ألقها ( و ) اضمم ( لنريك قال الحسن : اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه تعالى وصفها بالكبرى. وضعف بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون وأما في العطا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة ، فالمرا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى. وجوز في الكشاف منحصرة فيهما وليس كذلك فإن معجزات نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أكبر من الكل ، وكفاك بالقرآن شاهداً على ذلك. ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال ) اذهب إلى فرعون ( وخصه بالذكر لأن قومه تبع له. ثم بين العلة في ذلك فقال ) إنه طغى ( وعن وهب أن الله تعالى قال لموسى : استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري ، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي ، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة ، ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولاً ليناً لا يغتر بلباس الدنيا ، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل. قال : فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له : أجب ربك فيما أمرك فعنده ) قال رب اشرح لي صدري ( قال لعماء المعاني : أنهم أولاً بقوله ) ربي اشرح لي ( ) ويسر لي ( فعلم أن ثمة مشروحاً وميسراً. ثم بين فرفع

(4/528)


" صفحة رقم 529 "
الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال. ثم التفصيل كان في صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ) ويضيق صدري ) [ الشعراء : 13 ] فسأل الله أن يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي. وقيل : أراد شجعني على مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة. واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في ) البقرة ( في تفسير قوله سبحانه ) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) [ الآية : 186 ]. ولنذكر ههنا نكتاً شريفة : الأولى أنه تعالى كامل في الأزل إلا أنه غير مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملاً ولا شيء معه في الأزل فلا تكميل ، وذلك كما يقال : ( إنه سبحانه لايعلم عدداً مفصلاً لحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول. ولما كان الغرض من التكوين تكميل الناقصين ، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله سبحانه لعى هذه المائدة بعض المعدومات ، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا نهاية له ، والنتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود. وكما أن رحمته اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير الشر فقال : الأحياء عند ذلك يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة ، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا - حال العدم وحال الجمادية - ما كانا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق ، وما كنا نخاف المنافي والمؤذي ، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي ، فإن لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المعقد في الطريق عرضة للآفان وهدفاً لسهام البليات ، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقالك القادرون عند ذلك : إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال ، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلقاتك. فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ختامه مسك كما أن خاتم النبيين ( صلى الله عليه وسلم ) كان أفضل المخلوقات ، فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح الأذهان ، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات ، فاستدل العقل بتلك الأرقام على رقام ، وبتلك النقوش على نقاش ، فغلبته دهشة الأنوار الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر ، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر ، ويقع في تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والغنس فعند ذلك قال : ( رب اشرح لي صدري

(4/529)


" صفحة رقم 530 "
ويسر لي أمري ( فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية من عنده ، وهو الذي يعطي القابل قابليته ولفاعل فاعليته. الثانية إنه تعالى خاطبه أولاً بالتويحد ) إنني أنا الله لا إله إلا أنا ( وثانياً بالعبادة ) فاعبدني ( وثالثاً بمعرفة المعاد ) إن الساعة آتية ( ورابعاً بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله ) وما تلك بيمينك ( وخامساً بعرض المعجزات الباهرة عليه ) لنريك من آياتنا الكبرى ( وسادساً بإرساله إلى أعظم الناس كفراً وكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله سبحانه قائلاً ) رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ( وههنا دقيقة هي أن شرح الصدر. مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب ، والاستماع مقدذمة الفهم. ولما أعطى موسى المقدذمة بقوله ) فاستمع ( نسج موسى على ذلك المنوال فقال ) رب اشرح لي صدري ( ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصوداً من الكائنات ومخاطباً بقوله ) ألم نشرح لك صدرك ) [ الشرح : 1 ] أوتي النتيجة فقيل له ) وقل ربي زدني علماً ) [ طه : 114 ] ووصف بقوله ) وسراجاً منيراً ) [ الأحزاب : 46 ] فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور ، والسراج المنير هو المعطي للنور : فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ولهذا قال موسى : اللهم اجعلني من أمة محمد. الثالثة : إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدهما وصف ذاته بالنور ) الله نور السموات والأرض ) [ النور : 35 ] وثانيهما الرسول ) قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) [ المائدة : 15 ] وثالثهما الكتاب ) واتبعوا النور الذي أنزل معه ) [ الأعراف : 157 ] ورابعها الإيمان ) يريدون أن يطفئوا نور الله ) [ التوبة : 32 ] وخامسها عدل الله ) وأشرقت الأرض بنور ربها ) [ الزمر : 69 ] وسادسها ضياء القمر ) جعل القمر فيهن نوراً ) [ نوح : 16 ] وسابعها النهار ) وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] وثامنها البينات ) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) [ المائدة : 44 ] وتاسعها الأنبياء ) نور على نور ) [ النور : 35 ] وعاشرها المعرفة ) مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) [ النور : 35 ] فكأن موسى عليه السلام قال أوّلاً ) رب اشرح لي صدري ( بمعرفة أنوار جلال كبريائك. وثانياً ) رب اشرح لي صدري ( بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك. وثالثاً ) رب اشرح لي صدري ( باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك. ورابعاً ) رب أشرح لي صدري ( بنور الإيمان والإيقان بالهيتك. وخامساً ) رب أشرح لي صدري ( بالطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. سادساً ) رب اشرح لي صدري ( بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات

(4/530)


" صفحة رقم 531 "
الرحمن عليه. وسابعاً ) رب اشرح لي صدري ( عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك. وثامناً ) رب اشرح لي صدري ( بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك. وتاسعاً ) رب اشرح لي صدري ( في أن أكون خلف صدق أنبيائك المتقدمين متشبهاً بهم في الانقياد لحكم رب العالمين. وعاشراً ) رب اشرح لي صدري ( بأن تجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح. الرابعة : شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج ، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء : زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن. فالزند زند المجاهد ) والذين جاهدوا فينا ) [ العنكبوت : 69 ] والحجر حجر التضرع ) وادعوا ربكم تضرعاً وخيفةً ) [ الأعراف : 55 ] والحراق منع الهوى ) ونهى النفس عن الهوى ) [ النازعات : 40 ] والكبريت الإنابة ) وأنيبوا إلى ربكم ) [ الزمر : 54 ] والمسرجة الصبر ) واستعينوا بالصبر والصلاة ) [ البقرة : 45 ] والفتيلة الشكر ) لئن شكرتم لأزيدنكم ) [ إبراهيم : 7 ] والدهن الرضا ) واصبر لحكم ربك ) [ الطور : 48 ] ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقوصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلاً ) رب اشرح لي صدري ( فهنالك تسمع ) قد أوتيت سؤلك يا موسى (. الخامسة : هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه أحدها : الشمس يحجبها الغيم ، وشمس المعرفة تحجبها السموات السبع ) إليه يصعد الكلم الطيب ) [ فاطر : 10 ] وثانيها الشمس تغيب ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً ) إن ناشئة الليل هي أِد وطئاً وأقوم قيلاً ) [ المزمل : 6 ] ( والمستغفرين بالأسحار ) [ آل عمران : 17 ] ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ) [ الإسراء : 1 ] الليل للعاشقين ستير ياليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى. وثالثهما الشمس تفنى ) إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] والمعرفة لا تفنى ) أصلها ثابت وفرعها في السماء ) [ إبراهيم : 24 ] ( سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ ) [ يس : 58 ] ورابعها الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي ( أشهد أن لا إله إلا الله ) إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي ( أشهد أن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) لم يصل نور إلى عالم الجوارح. وخامسها الشمس تسود الوجة والمعرفة تبيض الوجود ) يوم تبيض وجوه ) [ آل عمران : 106 ] وسادسها الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الإحراق ( جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ) وسابعها الشمس

(4/531)


" صفحة رقم 532 "
تصدع والمعرفة تصعد ) إليه يصعد الكلم الطيب ) [ فاطر : 10 ] وثامنها الشمس منفعتها فيالدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين ) فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل : 97 ] وبوجه آخر الشمس زينة لأهل الأرض ، والمعرفة زينة لأهل السماء. وتاسعها الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى ، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى ، وفيه أن الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع. وعاشرها الشمس تعرّف أحوال الخلق ، والمعرفة تصل القلب إلى الخالق. والشمس تقع على الولي والعدوّ والمعرفة لا تحصل إلا للولي ، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلاً ) رب اشرح لي صدري (. السادسة : الشمس سراج أوقدها الله تعالى للفناء ) كل من عليها فان ) [ الرحمن : 26 ] والمعرفة سراج استوقده للبقاء ) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) [ إبراهيم : 27 ] والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق ) يجد له شهاباً رصداً ) [ الجن : 9 ] والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان ) رب اشرح لي صدري ( وأيضاً : الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك ، فشمس المعرفة مع قربا لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك. وأيضاً الغنسان إذا استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده ، والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة ) ولكنالله حبب إليكم الإيمان ) [ الحجرات : 7 ] أفلا يمده وهو معنى قوله ) رب اشرح لي صدري (. وأيضاً إذا كان في البيت سراج فإن اللص لا يقرب منه ، وإنه سبحانه قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه ) رب اشرح لي صدري ( وأيضاً المجوس إذا أوقدوا ناراً لا يجوزون إطفاءها ، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ) رب اشرح لي صدري (. السابعة : أنه سبحانه أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها ) أوَمَنْ كان ميتاً فأحييناه ) [ الأنعام : 122 ] وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ) فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها نصيب. وثانيها الشفاء ) ويشف صدور قوم مؤمنين ) [ التوبة : 14 ] وفيه أنه إذا وضع الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبداً. فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى أبداً ؟ وثالثها الطهارة ) أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) [ الحجرات : 3 ] وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك لا يدخله في النار ، فالله تعالى لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده ؟ ورابعها الهداية ) ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) [ التغابن : 11 ] وفيه أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم )

(4/532)


" صفحة رقم 533 "
يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك ، والأول قد يحصل وقد لا يحصل ) إنك لا تهدي من أحببت ) [ القصص : 56 ] وكذا الثاني ) يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ) [ البقرة : 26 ] وأما هداية القلب فلا تزول ألبتة لأن الهادي لا يزول ) ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [ القصص : 56 ] وخامسها الكتابة ) أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) [ المجادلة : 22 ] وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن لم يجز إحراقه ، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته كيف يليق بالكريم إحراقه ؟ وأيضاً إن بشراً الحافي أكرم قرطاساً فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين ، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك. وأيضاً إن الرضاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض مسه ، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه ؟ وسادسها ) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) [ الفتح : 4 ] وفيه أن أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا. فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح : لاتخف ولا تحزن كما قال ) تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) [ فصلت : 30 ] وسابعها المحبة والزينة كما قال ) ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) [ الحجرات : 6 ] وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ولا يحرقها ، فهو سبحانه حين ألقى حبة المحبة في الأرض حبة يحرقها ؟ وثامنها ) وألف بين قلوبكم ) [ آل عمران : 103 ] وفيه أن محمداً حين ألف بين قلوب أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضوراً سلام ( علينا وعلى عباد الله الصاحلين ) فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم ) سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم ) [ يس : 58 ] وتاسعها الطمأنينة ) ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [ الرعد : 21 ] وفيه أن الحاجات غير متناهية وما سوى الله فهو متناه ، المتناهي لا يقابل غير المتناهي. فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله سبحانه ، وبإزاء هذه الكرامات ورد في حق الكفار أضدادها ) فما زاغزوا أزاغ الله قلوبهم ) [ الصف : 5 ] ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ) [ التوبة : 127 ] ( في قلوبهم مرض ) [ البقرة : 10 ] ( قلوبهم قاسية ) [ المائدة : 13 ] ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه ) [ الكهف : 57 ] ( وختم الله على قلوبهم ) [ البقرة : 7 ] ( أم على قلوب أقفالها ) [ محمد : 24 ] ( بل ران على قلوبهم ) [ المطففين : 14 ] ( طبع الله على قلوبهم ) [ النحل : 108 ] فلأجل تلك الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى ) رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري (. الثامنة : في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا إلا رغبة

(4/533)


" صفحة رقم 534 "
بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم ، ولا رهبة بأن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها كينبوع صغير ، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها ، فسأل موسى ربه أن يقوفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجهاً بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات وهذا معنى قوله ) رب اشرح لي صدري (. أو نقول : إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ) فاستمع لما يوحى ( وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله ) فاعبدني ( فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين ، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال ) رب اشرح لي صدري ( أو نقول : معدن النور هو القلب ، والاشتغال بما سوى الله - من الزوجة والولد ولاصديق والعدوّ بل الجنة والنار - هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر ، فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا رهبة من شيء منذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ القلب بل الصدر للنور ) رب اشرح لي صدري (. التاسعة : لنضرب مثلاً لذلك فنقول : البدن بالكلية كالمملة ، والصدر كالقلعة ، والفؤاد كالصفة ، والقلب كالسرير ، والروح كالملك ، والعقل كالوزير ، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة ، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب ، والتأديب والحواس كالجواسيس ، واسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع. ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده ، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى إلى الشيطان. ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة ، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا ، والشهوة تحسن لذات الدنيا. ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال ( تفكر ساعة خي رمن عبادة سنة ) فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة ، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً ، فأخرج اليطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه ) وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه

(4/534)


" صفحة رقم 535 "
هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة. ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا ، وله سور وهو الرغبة في الآخرة. فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا ، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة ، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه ، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح ) رب اشرح لي صدري (. النكتة العاشرة : في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب. الصدر مقر الإسلام ) أفمن شرح الله صدره للإسلام ) [ الزمر : 22 ] والقلب مقر الإيمان ) حبب إليكم الإيمان زينه في قلوبكم ) [ الحجرات : 6 ] ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) [ المجادلة : 22 ] والفؤاد مقر المشاهدة ) ما كذب الفؤاد ما راى ) [ النجم : 11 ] واللب مقام التوحيد ) إنما يتذكر أولوا الألباب ) [ الزمر : 9 ] أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي ويقوا بلب الوجود الحقيقي. ثم إن القلب كاللوح المحفوظ في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الأدبار أخرى ، فحينئذٍ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول ) رب اشرح لي صدري ( وإنما سأل موسى شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس. وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة ، فإذا علم أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة. وأيضاً إنه راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى. فلا جرم أعطى المقصود فقال ) قد أتيت سؤلك يا موسى ( وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله ) أرني أنظر إليك ) [ الأعراف : 143 ] أجيب بقوله ) لن تراني (. واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال ، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له نسبة إليها بأسرها ، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب فيحرق القلب. ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم ، فلهذا قال موسى ) رب اشرح لي صدري ( حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ( أرني الأشياء كما هي ) وههنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة ) لي ( في قوله ) رب اشرح لي ( دون أن يقول ( رب اشرح صدّري ) علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول يوم القيامة ( نفسي نفسي ) وإن نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) لما لم

(4/535)


" صفحة رقم 536 "
ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له ( السلام عليك أيها النبي ) فقال ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) فلا جرم يقول يوم القيامة ( أمتي أمتي ) وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول ) رب اشرح لي صدري ( وبين نبي يخاطب أولاً بقوله ) ألم نشرح لك صدرك ) [ الشرح : 1 ]. ولا يخفى أن المراد بالشرح والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما ، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة ، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال. أما قوله سبحانه ) واحلل عقدةً من لساني ( فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال ) خلق الإنسان علمه البيان ) [ الرحمن : 3 ، 4 ] بغير توسط العاطف كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان. وفي لسان الشاعر وهو زهير : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم .
وعن علي كرم الله وجهه : ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة. وقالت العقلاء : المرء بأصغريه. المرء مخبوء تحت لسانه. وفي مناظرة آدم والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق. ومن التعريفات المشهورة : إن الإنسان هو الحيوان الناطق ، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية لكن النطب اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه والتعبير عما في ضميره فقول موسى ) رب اشرح لي صدري ( إشارة إلى طلب النور والواقع في القلب ، وقوله ( ويسر لي أمري ( رمز إلى تسهيل ذلك التحصيل ، وقوله ( واحلل ( طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلافاضة والإفادة وبه يتيسر ذلك الخط الجسيم والمنصب العظيم. وحسبك يا فتى شرفاً وفخراً
سكوت الحاضرين وأنت قائل
ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها : قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( الصمت حكمة وقليل فاعله ) وقوله : مقتل الرجل بين فكيه. وفي نوابغ الكلم : يا بني قِ فاك لا تقرع قفاك. ومنها أن الكلام خمسة أقسام : فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساوٍ للنفع واجب الترك احترازاً من السفه والعبث ، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة فالأولى تركه. ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل ، بخلاف سائر الأعضاء. فالعين لاتصل إلا إلى الألوان والسطوح ، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف ، والي لا تصل إلا الأجسام ،

(4/536)


" صفحة رقم 537 "
وكذا باقي الجوارح. أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف المؤنة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك الكلام وإمساك اللسان. والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه فضيلة ، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ما قله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم ) قالوا : ترك الكلام له أربعة أسماء : الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم ( مال ناطق أو صامت ). والسكوت وهو ترك الكلام ممن قدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال تعالى ) فاستمعوا له وأنصتوا ) [ الأعراف : 204 ] والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد. أما العقدة فقيلك إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال : هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية : إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه بالتمرة والجمرة. وقيل : بالياقوت والجمر. فأحضر بين يديه فأراد مد اليد إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به تعقد وتحبس عن بعض الحروف. فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحقته وأثرت فيه إطفاء لتاثره غضب فرعون وإلا فالله سبحانه قادر على دفع الإحراق عن طبع النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه ، وكما في حق موسى حين ألقي في التنور. ويروى أن يده احترقت أيضاً وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه قال : الي أيّ رب تدعوني ؟ قال : إلى الذين أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة المؤاكلة من قصعة واحدة. وقيل : لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد ، وإنما احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله ( يا أبت ). وما الحكمة في طلب حل العقدة ؟ الأظهر كيلا يقع في أداء الرسالة خلل فلهذا ) قال يفقهوا قولي ( وقيل : لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل وعدم الالفتات إليه. وقيل : إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزاً في حقه. وهل زالت تلك العقدة بالكلية ؟ فعن الحسن نعم لقوله ) قد أوتيت سؤلك يا موسى ( والأصح أنه بقي بعضها لقوله تعالى حكاية عن فرعون ) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) [ الزخرف : 52 ] أي يقارب أن لا يبين. وكان في لسان الحسين بن علي رضي الله عنه رتة أي عجمة في الكلام فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( ورثها من عمه موسى ). وفي تنكير عقدة أيّ عقدة من عقد دلالة

(4/537)


" صفحة رقم 538 "
على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهماً جيداً ولم يطلب الفصاحة الكاملة. وقال أهل التحقيق : وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكان أفصح العرب والعجم وقد قال تعالى ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) [ الإسراء : 34 ] فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله. ومن مطالب موسى قوله ) واجعل لي وزيراً من أهلي هرون ( قال أهل الاشتقاق : الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤمنة ، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره ، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله تعالى ) اشدد به أزري ( أي ظهري لأنه محل القوة. قال الجوهري : آزرت فلاناً أي عاونته ، والعامة تقول : وازرته. وعلى هذا فيكون القياس أزيراً بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل ( فعيل على ) مفاعل ( لاتحاد معنييهما في نحو ) عشير ( و ) جلي ( و ) صديق ( وغيرها. وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر اولاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ) إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه عليه ، وإن أراد شراً كفه ( وكان أنو شروان يقول : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ، ولا أكرم الدواب عن السوط ، ولا أعلم الملوك عن الوزير. وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخراً وشرفاً وذكراً أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى الله سبحانه في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه ، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها ، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده. وقيل : إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين. والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض ، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال ) من أنصاري إلى الله ) [ الصف : 14 ] وخوطب نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله ) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) [ الأنفال : 64 ] وروي أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال ) إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر ( ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقاً بأخيه هارون فأراد أن

(4/538)


" صفحة رقم 539 "
يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء ، فمن منع المستوجبين فقد ظلم وكان أفصح منه لساناً وأكبر سناً وألين جانبا. قال جار الله : ( وزيراً ( و ) هرون ( مفعولاً ) اجعل ( قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة ، أو ) لي ( و ) وزيراً ( مفعولان ) هرون ( عطف بيان للوزير و ) أخي ( في الوجهين بدل من ) هرون ( أو عطف بيان آخر. وقيل : يجوز فيمن قرأ ) اشدد ( على الأمر أن يجعل ) أخي ( مرفوعاً على الابتداء و ) اشدد ( خبره فيوقف على ) هرون ( وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصراً له فيما عسى يرد عليه من الشدائد والخطوب ، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله ) وأشركه في أمري (. ثم ذكر غاية الأدعية فإن المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك ، فإن التعاون مهيج الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال ) كي نسبحك كثيراً ( أي تسبيحاً كثيراً ) ونذكرك ( ذكراً ) كثيراً ( وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات ، فبالأول تزول العقائد الفاسدة ، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة. ثم ختم الأدعية بقوله ) إنك كنت بنا بصيراً ( وفيه فوائد منها : أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما يصدد أهلية الإجابة أم لا ، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى. ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل. ومنها أنه أعلم بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا ، وأن وزارته هل تصير سبباً لكثرة التسبيح والذكر. وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله تعالى مطالبه وأنجح مآربة قائلاً ) قد أوتيت سؤلك ( والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول. وزيادة قوله ) يا موسى ( بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله أعلم. بمصالح عبيده. التأويل : يا من طاب بطهارته بساط النبوة ) ما أنزلنا عليك القرآن ( إلا لتسعد بتخلقك بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين. ) تنزيلاً ممن خلق ( أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات الممكنات كما قال ) أول ما خلق الله روحي (. استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكونمعه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل : ( له ما في السموات ( الروحانية من الصفات الحميدة ) وما في الأرض ( البشرية من الصفات الذميمة ) وما بينهما ( أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص ) وما تحت الثرى ( أي ما هو مركوز في جبلة الإنسانية : ( وإن تجهر

(4/539)


" صفحة رقم 540 "
بالقول ( أن يظهر شيء من صفاتك بالقول ) فإنه يعلم السر ( وهو ما يظهر من سيرتك ) وأخفى ( هو ما أخفى الله من خفيك. السر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح ، وهو معدن الأسرار الروحانية. والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات ، وقد يحصل لكل إنسان عند نشأته الأولى وإن كان كافراً. والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمنموحد صار مهبط الأنوار الرباينة وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية ، ولهذا قال عقيبه ) الله لا إله إلا هو ( لأن مظهر الألوهية وفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر ) وعلم آدم الأسماء كلها ) [ البقرة : 31 ] وهو حقيقة قوله ) إن الله خلق آدم فتجلى فيه ( ) وهل أتاك حديث موسى ( القلب ) إذا رأى ناراً ) [ طه : 10 ] وهو نور في الحقيقة مأنوس به من جانب طور الروح ) فقال لأهله ( وهم النفس وصفاتها ) امكثوا ( في ظلمة الطبيعة الحيوانية ) إني آنست ( نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي شيئاً ) لعلي آتيكم منها بقبس ( يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة ) أو أجد على النار هدى ( بآداب الطريقة إلى الحقيقة ) فلما أتاها نودي ( من شجرة القدس بخطاب الإنس ) فاخلع نعليك ( أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن النعل يعبر في الرؤيا بهما ، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل إلى جناب القدس ، أو هما المقدمتان في نحو قولنا ) العالم محدث وكل محدث فله محدث وموجد ( وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ) وأنا اخترتك ( يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ) فاستمع ( بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى إلا أنا ) فاعبدني ( بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري إياك بالتجلي. إن قيامة العشق ) آتية أكاد أخفيها ( لعظم شأنها إلا أن متقاضى الكرم اقتضى إظارها لأخص عبيدي ) لتجزى كل نفس بما تسعى ( في العبودية من الروح والسر القلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي للرجوع إليّ أمكن إضافة ) ونفخت فيه من روحي ) [ ص : 72 ] فجزاؤه من تجلي صفات الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي السعي بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه. وسعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال ، فجزاؤه بدوام التجلي وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن لوح القلوب لكشف

(4/540)


" صفحة رقم 541 "
حقائق. وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية ، فجزاؤوه بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانا إلى ذكر ربها لتصير قابلة لجذبه ) ارجعي إلى ربك ) [ الفجر : 28 ] وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآدابت الطريقة ، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامت في الدارين فلا يصدنك عن هذه السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمنبها. ويحتمل أن يقال : أكاد أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف النار. قالوا : أخطأ موسى في قوله ) هي عصاي ( وكان عليه أن يقول ) أنت أعلم بحالها مني ( وفي قوله ) أتوكأ عليها ( وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه فلهذا قيل له ) ألقها يا موسى ( وفي قوله ) وأهش بها على غنمي ( إذ نسي أن العصا لا تكون واسطة لرزق أغنامه وإنماالرزاق هو الله. ) خذها ولا تخف ( فإن الضار والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به ) واضمم ( يد همتك إلى جناح قنوعك ) تخرج بيضاء ( نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق مذكور في التفسير. وفي قوله ) قد أوتيت ( بلفظ الماي إشارة إلى أنه أعطي ذلك بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب. ( طه : ( 37 - 76 ) ولقد مننا عليك . . . .
" ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا

(4/541)


" صفحة رقم 542 "
سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى "
( القراآت )
ولتصنع ( بسكون اللام والعين على الأمر : يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ) لنفسي اذهب ( ) في ذكري اذهبا ( تفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ) خلقه ( فتح اللام على أنه فعل : نصير الباقون بالسكون. ) مهداً ( وكذلك في ( الزخرف ) : عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح. الآخرون ) مهاداً ( ) سوى ( بكسر السين : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو عليّ الآخرون بالضم ) لا نخلفه ( بالجزم جواباً للأمر : يزيد ) يوم الزينة ( على الظرف : هبيرة : ( وقد خاب ( حيث كان بالإمالة : حمزة ) فيسحتكم ( من الإسحات : حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص. الباقون بفتح الياء والحاء ) إن ( مخففة : ابن كثير وحفص والمفضل. الباقون مشددة. ) هذين ( أبو عمرو و ) هذان ( بالتشديد : ابن كثير. الباقون بالتخفيف ) فاجمعوا ( بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع : أبو عمرو. والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع : ( وقد أفلح ( بنقل الحركة إلى الدال حيث كان : ورش وعباس وحمزة في الوقف ) تخيل ( بالتاء الفوقانية : ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية : ( تلقف ( بالتشديد والرفع على الاستئناف : ابن ذكوان : ( تلقف ( بالتخفيف والجزم : حفص والفضل. وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ) كيد سحر ( على المصدر : حمزة

(4/542)


" صفحة رقم 543 "
وعلي وخلف. الباقون ) كيد ساحر ( على الوصف. ) قال آمنتم ( بالمد : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ) قال أمنتم ( على الخبر بغير مد : حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون ) أأمنتم ( بزيادة همزة الاستفهام ) ومن يأته ( مختلسة الهاء : يزيد وقلون ويعقوب غير زيد ، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ) ومن يأته ( بسكون الهاء : خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد. الباقون ) يأته ( بالإشباع. الوقوف : ( أخرى ( ه لا لأن ( إذ ) تفسر المرة ) ما يوحى ( ه لا لأن ما بعده تفسير ) ما يوحى ( ) وعدوّ له ( ط ) مني ( ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام ب ) ألقيت ( وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع ، ومن جزم اللام وقف على ) مني ( لا محالة ) على عيني ( لئلا يوهم أن ( إذ ) ظرف ) لتصنع ( ) من يكفله ( ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل. ) ولا تحزن ( ط لابتداء منة أخرى ) فتوناً ( ه ط ) يا موسى ( ه ) لنفسي ( ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ) ذكري ( ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ) طغى ( ه للآية مع الفاء ) يخشى ( ه ) يطغى ( ه ) وأرى ( ه ) ولا تعذبهم ( ط لأن ( قد ) لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ) من ربك ( ط لذلك فإن الواو للابتداء ) في كتاب ( ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ) ولا ينسى ( ه بناء على أن ( الذي ) صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ) ماء ( ط للالتفات ) شتى ( ه ) أنعامكم ( ط ) انهى ( ه ) أخرى ( ه ) وأبى ( ه ) يا موسى ( ه ) سوى ( ه ) ضحى ( ه ) أتى ( ه ) بعذاب ( ج لاختلاف الجملتين ) افترى ( ه ) النجوى ( ه ) المثلى ( ه ) صفاً ( ه ) استعلى ( ه ) ألقى ( ه ) ألقوا ( ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاءالتعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ) تسعى ( ه ) موسى ( ه ) الأعلى ( ه ) ما صنعوا ( ط ) كيد ساحر ( ط ) أتى ( ه ) وموسى ( ه ) لكم ( ط ) السحر ( ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ) النخل ( ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام. ) وأبقى ( ه ) قاض ( ط ) الحياة الدنيا ( ط ) من السحر ( ط ) وأبقى ( ه ) جهنم ( ط ) ولا يحيى ( ه ) العلى ( ه لا لأن ما بعده بدل ) فيها ( ط ) تزكى ( ه. التفسير : منّ عليه مناً أنعم ، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله سبحانه قال لموسى : إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ، أو كنت

(4/543)


" صفحة رقم 544 "
ربيتك من غير سابقة ق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي. قالوا : المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى. فقوله ) ولقد مننا عليك ( يكون من المن لا من المنة ، قلت : يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة. وإنما قال ) مرة أخرى ( لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة ، والوحى غلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً ، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ) وإذ قالت الملائكة يا مريم ) [ آل عمران : 42 ] أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها ، أو ألهمها بذلك ، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها. ومعنى ) ما يوحى ( ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي. ( وأن ) هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول ، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في ( البقرة ) في قصة طالوت. قال جار الله : الضميران الباقيان في قوله ) فاقذفيه في اليم فليلقه ( عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم ، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضميران في قوله ) عدوّ له ( لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة. وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له ، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة. واليم هو البحر ، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر. وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد : هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول. قال أهل الإشارة : من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته. يروى أنا جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم ، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل ، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة. أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر ، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير

(4/544)


" صفحة رقم 545 "
فباعتباره المآل ، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه. قالوا : كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية ، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل. والنكتة فيه أن عدو ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير ؟ فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وأن وقع لبعضهم تقصير في العمل. قوله ) مني ( إما أن يتعلق ب ) ألقيت ( أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم ، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه. قال القاضي. هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب. ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ) ولتصنع على عيني ( أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه ، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذه الوجه. وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب ، ويقال : عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة ، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ) لتصنع ( وجوز في الكشاف أن يكون ) إذ تمشي ( ظرفاً ) لتصنع ( وليس بذلك وإنما هو ظرف ب ) ألقيت ( أو بدل من ) إذا أوحينا ( على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل : لقيت فلاناً سنة كذا ، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك ورما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال سبحانه ) وحرمنا عليه المراضع ) [ القصص : 12 ] جاءت أخت موسى عليه السلام واسمها مريم متنكرة فقالت ) هل أدلكم على من يكفله ( فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ) فرجعناك إلى أمك ( وقال في القصص ) فرددناه إلى أمه ) [ القصص : 13 ] تصديقاً لقوله ) إنا رادوه إليك ) [ القصص : 7 ] ( كي تقر عينها ( بلقائك ) ولا تحزن ( بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ) وقتلت ( وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ) نفساً ( هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ) فنجيناك من الغم ( وهو اقتصاص فرعون منك. وقيل : الغم هو القتل بلغة قريش ، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ) فاغفر لي

(4/545)


" صفحة رقم 546 "
فغفر له ) [ القصص : 16 ] ( وفتناك فتوناً ( مصدر على ( فعول ) في المتعدى كالشكور والكفور ، أو جمع فتن كالظنون للظن ، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة ، وحجوز في حجزة ، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال تعالى ) ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) [ الأنبياء : 35 ] وفيها معنى التخليص من قولهم ( فتنت الذهب ) إذا أردت تخليصه. عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال : أي خلصناك من محنة بعد محنة. ولد في عام كان يقتل فيه الولدان ، وألقته أمه في البحر ، وهمّ فرعون بقتله ، وقتل قبطياً ، وأجر نفسه عشر سنين ، وضل الطريق ، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة ، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير. قال العلماء : لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله تعالى وإن جاء ) وفتناك ( لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز. قوله ) على قدر ( أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه ، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة ، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره. والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل ، والاصطناع ( افتعال ) منه استعماله في الخير أكثر ، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة ، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ. وقوله ( لنفسي ( أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة. وقال جار الله : مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه. وقال غيره من المعتزلة : إنه سبحانه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ، وم حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً ، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه. ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً. أما الأمر فقوله ) اذهب أنت وأخوك ( وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة. ) بآياتي ( أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد. وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين ، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر ، أو لأنه يستدل بكل منها على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث

(4/546)


" صفحة رقم 547 "
انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) [ آل عمران : 97 ] وقيل : هما مع حل العقدة. وقيل : أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها. وأما النهي فقوله ) ولا تنيا ( بكسر النون مثل تعدا وقرىء ) تنيا ( بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع. والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء ، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره. وأن يستحقر في نظرهما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه. وقيل : أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة. وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه ، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب. ما الفائدة في تكرير قوله ) اذهبا إلى فرعون ( ؟ والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى ، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط ، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي. ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل ، أو هو كقوله ) وإذ قتلتم نفسا ) [ البقرة : 72 ] والقاتل واحد منهم. ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى. وقيل : ألهم بذلك. وقيل : سمع بخبره فتلقاه. سؤال : لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند ؟ جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً. وقيل : لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة. وكيف ذلك القول اللين ؟ الأصح انه نحو قوله تعالى ) هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ) [ النازعات : 18 ، 19 ] لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين. وقيل : أراد عداه شباباً لا يهرم بعده ، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت ، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. حكى عمرو بن دينار قال : بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة. فقال له موسى : إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة. وقيل : أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة. بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة. ويعني الترجي في ) لعله ( يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً

(4/547)


" صفحة رقم 548 "
إذا تأمل فأنصف ) أو يخشى ( فيقل : إنكاره وإصراره. قالت المعتزلة : جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة. وقالت الأشاعرة : العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان. قالوا : إنه كمن يدعف سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان. ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ( فقولا له قولاً ليناً ( وسأقسي قلبه فلا يؤمن ) ) قالا ربنا ( فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا. وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ) إننا نخاف ( فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر ؟ وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليه خلل وتحريف ، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف. قلت : لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ) أن يفرط علينا ( أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ) وأن يطغى ( أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء. وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ) قال لا تخافا إنني معكما ( أي بالنصرة والتأييد ) أسمع وأرى ( ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي ، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما. ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل : أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة. قال بعض الأصوليين : في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح. وقال بعض المتكلمين : فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول : الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه. ثم كرر الأمر قائلاً : ( فأتياه فقولا ( فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ) إنا رسولا ربك ( ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار. وثانياً بقوله ) فأرسل معنا بني إسرائيل (

(4/548)


" صفحة رقم 549 "
وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة. وثالثاً بقوله ) ولا تعذبهم ( وفيه منعه عما يريده بهم ؟ وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة. قيل : أليس الأولى أن يقولا ) إنا رسولا ربك ( ) قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ( فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة. والجواب أن قوله ) فأرسل ( من تتمة الدعوى ، وإنما وحد قوله ) بآية ( ومعه آيتان بل آيات لقوله ) اذهب أنت وأخوك بآياتي ( لأنه أراد الجنس كأنه قيل : قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان. قال في الكشاف : قلت : وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت : أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه. وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في المعجزات نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ) والسلام ( أي دنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ) على من اتبع الهدى ( يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون ، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ) بآية من ربك ( ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق. قالت الأشاعرة : في قوله ) أن العذاب ( أي جنسه أو كل فرد منه ) على من كذب وتولى ( دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات ، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً. وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ) قال فمن ربكما يا موسى ( خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره ، ويجوز أنه خص موسى عليه السلام بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى. فأراد أن يعجز عن الجواب. قال أهل الأدب : إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة ، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ؟ وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول ، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك. وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها. واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل : كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ) لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ) [ الأسراء : 102 ] وقوله ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ) [ النمل : 14 ] وقوله في سورة القصص ) وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) [ الآية : 39 ] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ. وقوله في الشعراء ) وما رب العالمين ( إلى قوله ) إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) [ الشعراء : 27 ]

(4/549)


" صفحة رقم 550 "
يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود. وأيضاً إن مل كفرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال لهشعيب ) لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) [ القصص : 25 ] فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل ملف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود. وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية ، وفي ( الشعراء ) بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. وأيضاً إنه قال في الجواب ) ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ( وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب. ومن الناس من قال : إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما. فمنهم من قول : إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً. ومنهم من قال : إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب ، أو من الحلولية والمجسمة. وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه. قال بعض العلماء : إنما قال ) فمن ربكما ) [ طه : 49 ] ولم يقل ( فمن إلهكما ) تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ) ألم نر بك وليداً ) [ الشعراء : 18 ] قلت : يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى. ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي أدعاها موسى لله في قوله ) إنا رسولا ربك ( غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ) أنا أحيي وأميت ) [ البقرة : 258 ] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات ، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى ، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء. من قرأ ) خلقه ( بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ) ثم اهتدى ( والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ) الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى ) [ الأعلى : 2 ، 3 ] وقوله حكاية عن إبراهيم ) الذي خلقني فهو يهدين ) [ الشعراء : 78 ] وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار ، والأذن

(4/550)


" صفحة رقم 551 "
ما يوافق الاستماع ، والأنف للشم ، واليد للبطش ، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه ، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها ، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن ، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب. وقيل : أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين ، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة. ومن قرأ ) خلقه ( بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه. واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في مخلوقاته بحر لا ساحل له ، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان ، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول : الثقيل هابط والخفيف صاعد ، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل. ثم إنه سبحانه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن. وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء ، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقول الدهري والطبيعي وسائر الكفار. وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً ، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير. والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب ، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد ، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته. ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار. قال أهل النظم : إن موسى عليه السلام لما قرر عليه أمر المبدأ ) قال ( فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ) فما بال القرون الأولى ( لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال ؟ أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ) أن العذاب على من كذب وتولى ( قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا ؟ فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب. أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة ، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ) قال علمها عند ربي ( ولا يتعلق غرضي بأحوالهم. ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله سبحانه بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً : ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم

(4/551)


" صفحة رقم 552 "
وجواهرهم ؟ فأجباب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل. وقوله ( علمها عند ربي ( مع قوله ) في كتاب ( لا يتنافيان ، بل المراد أنه تعالى عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات ، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول : لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ) لا يضل ربي ولا ينسى ( قال مجاهد : هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه. والأكثرون على الفرق فقال القفال : الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل ، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء ، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه ، يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له. وقال مقاتل : لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه. وقال الحسن : لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمر : ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء. وقال ابن جرير : لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة. والتحقيق ما قاله القفال. وعن ابن عباس : لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ولم اذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال : ( الذي جعل لكم الأرض مهدا ( أي كالمهد مصدر. وقال غيره : المهد اسم والمهاد جمع. وقال المفضل : هما مصدران ) وسلك ( أي حصل ) لكم فيها سبلاً ( ووسطها بين الجبال والأودية والبراري. يقال : سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ) فأخرجنا به ( أي بواسطة إنزال الماء. ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ) أزواجاً ( أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض. و ) شتى ( صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ، أو صفة للنابت لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل. ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ) كلوا وارعوا أنعامكم ( وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم ، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله : ( ولا تأكلوا أموالكم ) [ البقرة : 188 ] ومن نعم الله تعالى أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله. قال الجوهري : النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح. وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباباً العقول بذلك لأنهم هم

(4/552)


" صفحة رقم 553 "
المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها. ) ومنها خلقناكم ( لأن آدم مخلوق من الأرض. أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية ، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الأدمي فيذرّها على النطفة. ) وفيها نعيدكم ( لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء ، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك. ) ومنها يخرجكم تارة أخرى ( بالحشر والبعث ، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج ، أو المراد الإحياء في القبر. وههنا بحث وهو أن يكون قوله : ( الذي جعل لكم الأرض ( إلى ههنا من تتمة كلام موسى ، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى. وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله : ( فأخرجنا ( بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ) أزواجاً من نبات شتى ( إلا أن قوله : ( كلوا وارعوا ( إلى قوله : ( ومنها نخرجكم ( لم يصلح قوله : ( فأخرجنا ( ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب ، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله : ( ولا ينسى ( ثم إنه تعالى ابتداء فقال : ( الذي ( أي هو الذي جعل إلى آخره ، وعلى هذا يكون قوله : ( فأخرجنا ( من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه. والحاصل أنه تعالى عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة. وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم ، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم. ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا. ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام ، ومن ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( تمسحوا بالأرض ) أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل ، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم. ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم. قوله عز وعلا : ( ولقد أريناه آياتنا ( أي عرفناه صحتها. ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) [ النمل : 14 ] وإلا كان كفر جهالة وضلالة. سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل ، لكنه تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها. الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات

(4/553)


" صفحة رقم 554 "
بينات ) [ الإسراء : 101 ] ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله : ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ( وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى ، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان ، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال : ( فكذب ( أي الآيات كلها ) وأبى ( قول الحق. قال القاضي : الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم. وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل. ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ) أجئتنا لتخرجنا ( فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله : ( أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ) [ النساء : 66 ] ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله : ( موعدكم يوم الزينة ( بالرفع كان الضمير في ) لا نخلفه ( عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً. وانتصب ) مكاناً ( على أنه ظرف للوعد المقدر ، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله : ( مكاناً ( بدلاً منه فوجه عود الضمير في ) لا نخلفه ( مثل ما قلنا ، ويكون قوله : ( موعدكم يوم الزينة ( مطابقاً له معنى ، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل : موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة. وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار ، أو تجوّز انتصب ) مكاناً ( على أنه ظرف. ثم من قرأ ) يوم الزينة ( بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة ، أو وقت وعدكم في يوم الزينة. وفي يوم ) يحشر الناس ( هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم. ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ) سوى ( بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين وهو معنى قول مجاهد. فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة. وقال ابن زيد : أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين وهو قول مجاهد. فوصف المكان المكان الذي نحن فيه الآن. قال القاضي : الأظهر أن قوله : ( موعدكم يوم الزينة ( من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع. وقال الإمام فخر الذين الرازي : الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب ، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور ، على أن

(4/554)


" صفحة رقم 555 "
موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون ، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح ، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما ، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه. وعن مقاتل يوم النيروز ، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم. وعن ابن عباس : هو يوم عاشوراء. وإنما قال : ( وأن يحشر ( من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم. ومحل ) أن يحشر ( رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم. ثم الساعة وهي ) ضحى ( ذلك اليوم. وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكونعلو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عنبينة ، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف ، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغيبه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ) تولى فرعون ( انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل : أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ) فجمع كيده ( أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ) ثم أتى ( الموعد. عن ابن عباس : كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا. وقيل : أربعمائة. وقيل : أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله تعالى أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق ، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ) ويلكم ( نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ) لا تفتروا على الله كذباً ( بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ) فيسحتكم ( الستحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم ، ومعناه الاستئصال. حذرهم أمرين : أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم ، والآخرة الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ) فتنازعوا أمرهم بينهم ( كقوله في الكهف : ( إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) [ الكهف : 21 ] أي وقع التنازع بينهم ) وأسروا النجوى ( الضمير لفرعون وقومه. وقيل : للسحرة ويؤديه ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة : إن كان ساحراً فسنغلبه ، وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب : لما قال ) ويلكم ( الآية قالوا : ما هذا بقول ساحر. والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد هو أنهم. ) قالوا إنْ هذان ساحران ( إلى آخر الآية : لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص ، لأنه كقولك ( إن زيداً لمنطلق ) واللام فارقة بين المخففة والنافية .

(4/555)


" صفحة رقم 556 "
وأما من قرأ ( إن ) بالتشديد و ) هذان ( بالألف فأورد عليه أن ( إن ) لم يعمل في المثنى. وأجب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة ، ونسبها الزجاج إلى كنانة ، وابن جني إلى بعض بني ربيعة ، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب. وقيل : ( إن ) بمعنى ( نعم ) واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله : أم الحليس لعجوز شهربة ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر. وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ. والجواب أن القرآن حجة على غيره ، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى. قال : وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب ، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب ، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام. وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب ، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس. فالجمع بينهما البصريون من جعل النفس في قولك : ( زيد ضرب نفسه ) تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز. وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار ، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده ، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى. وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة ، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة. وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر ، لا لأن تأكيد مذكور. وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً لكم ترك الأول للآخر. ولنرجع إلى التفسير قال الفراء : الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. ويقال : هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه ، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين

(4/556)


" صفحة رقم 557 "
ونفرقهم بأنه ساحر ، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون. والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق ، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به. من قرأ ) فأجمعوا ( من الجمع فظاهر ، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ) فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) [ الآية : 71 ] سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له. وقال الزجاج : معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه. ثم أمرم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس. وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم. ) وقد أفلح اليوم من استعلى ( أي فاز من غلب وهو اعتراض. واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في ( الأعراف ) وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة. ) إما أن تلقي ( أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ) فإذا حبالهم ( هي ( إذا ) المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم. قال وهب : سحروا أعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك. وقيل : أراد أن شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ) فأوجس ( أضمر ) في نفسه خيفةً ( هو مفعول ) أوجس ( و ) موسى ( فاعله أخر للفاصلة. وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن ، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل ، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت ، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته ، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله تعالى خوفه مجملاً بقوله ) إنك أنت إلاّ على ( وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن ، والتوسيط بالفصل ، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ) وألق ما في يمينك ( لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ) وما تلك بيمينك ( وقال جار الله : هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ) ما صنعوا ( أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها ، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ) إنما صنعوا ( إن

(4/557)


" صفحة رقم 558 "
الذي افتعلوه ) كيد سحر ( أي ذي سحر ، أو ذوي سحر ، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه ، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك ( علم فقه ) وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال. ) ولا يفلح الساحر ( أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال : هذا الذي أتوا به قسم السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر ، وأفراد لا فلاح فيها ومن نظائره ( إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره ). ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء. ومعنى ) حيث أتى ( أينما كان وأية سلك ) فألقى السحرة سجداً ( قال جار الله : سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفرة والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها ، وعن عكرمة : لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف. وقلت : إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء. ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة ، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم ( أمرني كبيري ) أي أستاذي في العلم أو غير ، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ) من خلاف ( قال في الكشاف : ( من ) لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه. قالت : الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً ، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات. قيل ) في جذوع النخل ( أي عليها والأصوب أن يقال : هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ) أينا أشد ( أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به ، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف. قلت : يحتمل أن يريد بقوله ) أينا ( الله تعالى ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى ، وقد سبق عذاب الله في قوله ) أن العذاب على من كذب وتولى ( وفي قوله ) فيسحتكم بعذاب ( ويؤيده قول السحرة في جوابه ) والله خير وأبقى ( ) لن نؤثرك ( ين نختارك ) على ما جاءنا من البينات ( المعجزات الظاهرات ) و ( على ) الذي فطرنا ( أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون

(4/558)


" صفحة رقم 559 "
على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه. وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ) فاقض ما أنت قاضٍ ( بما شئت من العذاب ) إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ( أي في مدة الحياة العاجلة ، وقرىء ) تقضي ( مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة. والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية. والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول ، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ( قال الحسن : سبحان الله قوم كفار ثبت ف قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله تعالى ) فاقض ما أنت قاضٍ ( والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن. ولما كا أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ) وما أكرهتنا عليه من السحر ( وفي هذا الإكراه وجوه : عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل. وروي أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه. وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين ، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه ، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا. وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان ، ولعل الأول أولى ) إنه ( أي الشأن ) من يأت ربه ( أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ) مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ( موتة مريحة ) ولا يحيى ( حياة ممتعة. قالت المعتزلة : صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم ( من ) الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر. أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ) يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ( إلى قوله ) وكنا نكذب بيوم الدين ) [ المدثر : 46 ] ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر ، وكقوله ) إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ) [ المطففين : 29 ] إلى آخر السورة. فلم قلتم : إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى ؟ سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو ، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق. سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنهمعارض بعموم الوعد في قوله ) ومن يأته مؤمناً ( فإن قيل :

(4/559)


" صفحة رقم 560 "
صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا. قلنا : يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح ( جاءني زيد قد قام ) بل صح قوله ) قد عمل الصالحات ( وأنه حال آخر فكأنه قيل : ومن يأته قد آمن قد عمل. ولئن قيل : إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة ، قلنا : ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل. وقوله ( نكالاً من الله ( في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ) ومن يأته مؤمناً ( لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ) فأولئك لهم الدرجات العلى ( الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات ، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. ثم عظم شأن المذكور بقوله ) وذلك جزاء من تزكى ( أي قال ( لا إله لا إله الله ) قاله ابن عباس. وفيه دليل على أن قوله ) ومن يأته مؤمناً ( يشمل صاحب الكبيرة ، وقال آخرون ) تزكى ( أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً. ( طه : ( 77 - 114 ) ولقد أوحينا إلى . . . .
" ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي

(4/560)


" صفحة رقم 561 "
نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما "
( القراآت )
لا تخف دركاً ( بالجزم : حمزة الباقون ) لا تخاف ( بالرفع ) أنجيتكم ( و ) واعدتكم ( و ) رزقكم ( على التوحيد : حمزة وعلي وخلف ) ووعدناكم ( من الوعد. أبو عمرو وسهل ويعقوب ) فيحل ( ) ومن يحلل ( بالضم فيهما : عليّ. الآخرون بالكسر ) يملكنا ( بفتح الميم : أبو جعفر ونافع ، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة ، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ) حملنا ( بفتح الحاء والميم مخففة : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص. الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ) تتبعني ( بالياء الساكنة في الحالين : ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل ، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء. الباقون بحذفها. ) يا ابن أم ( بكسر الميم : ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. ) لم تبصروا ( بتاء الخطاب : حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ) فنبذتها ( مدغماً : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ) لن تخلفه ( بكسر اللام : ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. الآخرون بفتحها ) لنحرقنه ( بفتح النون وضم الراء : يزيد. الآخرون من الحريق. ) فلا يخف ( بالجزم على النهي : ابن كثير ) أن نقضي ( النون مبنياً للفاعل ) وحيه ( بالنصب : يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتضح الضاد ) وحيه ( بالرفع .

(4/561)


" صفحة رقم 562 "
الوقوف : ( يبسا ( ج لأن قوله ) لا تخاف ( يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه ، ويصلح مستأنفاً. ومن قرأ ) لا تخف ( فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحئل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ) ولا تخشى ( ه ) ما غشيهم ( ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال. ) وما هدى ( ه ) والسلوى ( ه ) غضبي ( ج ) هوى ( ه ) اهتدى ( ه ) يا موسى ( ه ) لترضى ( ه ) السامري ( ه ) أسفاً ( ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ) حسناً ( ط ) موعدي ( ه ) السامري ( ه لا ) فنسي ( ه ط ) قولاً ( لا للعطف ) ولا نفعاً ( ه ط ) فتنتم به ( ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ) أمري ( ج ) موسى ( ه ) أن لا تتبعن ( ط ) أمري ( ه ) برأسي ( ج للابتداء ( بأن ) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ) قولي ( ه ) يا سامري ( ه ) نفسي ( ه ) لا مساس ( ص ) لن تخلفه ( ج لاختلاف الجملتين ) عاكفاً ( ط للقسم المحذوف ) نسفاً ( ه ) إلا هو ( ط ) علماً ( ه ) سبق ( ج للإستئناف والحال ) ذكرا ( ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ) وزراً ( ه لا لأن قوله ) خالدين ( حال من الضمير في ) يحمل ( وهو عائد إلى ( من ) ومن للجمع معنى ) فيه ( ط ) حملاً ( ه لا لأن ) يوم ينفخ ( بدل من يوم القيامة. ) زرقاً ( ه ج لأن ما بعده يلح للصفة وللاستناف ) عشراً ( ه ) يوماً ( ه ) نسفاً ( ه لا ) صفصفاً ( ه لا ) أمتا ( ه ) لا عوج له ( ج لاختلاف الجملتين ) همساً ( ه ) قولاً ( ه ) علماً ( ه ) القيوم ( ط ) ظلماً ( ه ) هضماً ( ه ) ذكراً ( ه ) الحق ( ج ) وحيه ( ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ) علماً ( ه. التفسير : هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في ( البقرة ) وفي ( الأعراف ) وفي ( يونس ) ومعنى ) فاضرب لهم طريقاً ( إجعل لهم من قولهم ( ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله ) أو أراد بين لهم طريفاً ) في البحر ( بالضرب بالعص حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق ، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق. وليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال : ناقتنا يبس إذا جف لبنها. والدرك. والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. وفي ) لا تخشى ( إذا قرىء ) لا تخف ( أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى ، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ) ولا تظنون بالله الظنونا ) [ الأحزاب : 10 ] وأن يكون كقول الشاعر : كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً

(4/562)


" صفحة رقم 563 "
أراد لم تر لأن ما قبله : وتضحك مني شيخة عبشمية قلت : لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ) فأتبعهم فرعون ( الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في ( يونس ) ) فغشيهم ( أي علاهم ورهقهم ) من اليم ما غشيهم ( وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله ، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار. ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة اللهومشيئته. وقوله ( وما هدى ( تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ) وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) [ غافر : 38 ي ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ) وواعدناكم جانب الطور الأيمن ( أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم. ) كلوا ( من تتمة القول. وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب. ومن قرأ ) فيحل ( بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم ( حل الدين يحل ) إذا وجب أداؤه ، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات. ومعنى ) هوى ( هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل. وقيل : هوى أي وقع في الهاوية. سؤال : كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التتوبة والإيمان والعمل الصالح ، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب ؟ وأيضاً ما معنى قوله ) ثم اهتدى ( بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها ؟ الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً. وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان. والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور ، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) [ النساء : 31 ] وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) [ فصلت : 20 ] ومعنى ( ثم ) الدلالة على تباين المرتبتين ، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل : لكل إلى شأو العلى حركات
ولكن عزيز في الرجال ثبات
ونظير هذا العطف قوله ) أهلكناها فجاءها بأسنا ) [ الأعراف : 4 ] وقد مر البحث

(4/563)


" صفحة رقم 564 "
فيه. ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب ، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الل تعالى تقدمه قائلاً ) وما أعجلك عن قومك ( أيّ شيء عجل بك عنهم ؟ فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ) هم أولاء على أثري ( ولم يكن جميع قومه على أثره. قال ار الله : قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين : أحدهما إنكار العجلة في نفسها ، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم ، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ) وعجلت إليك رب لترضى ( أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة. وقيلك لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتجير في الجواب ) قال فإنا قد فتنا قومك ( يعني جميع قومه الذي خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً. يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا : قد أكملنا العدة. ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ) إنا قد فتنا قومك ( ؟ وأجيب بأنه على عادة الله تعالى في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع ، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه. ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى عليه السلام بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ) فرجع موسى ( قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة. وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل : السامرة قوم من اليهود يخالفوهم في بعض دينهم. وقيل : كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر. قالت المعتزلة : الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى لأنه ينقض قوله ) وأضلهم السامري ( وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه ( فتنت الذهب بالنار ) وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية. وقالت الأشاعرة : الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف ، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم. وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن

(4/564)


" صفحة رقم 565 "
كان الموجد لها في الحقيقة هو الله تعالى. قال بعضهم : الأسف المغتاظ ، وفرق بين الاغتياظ الغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام ، والغضب قد يراد به الإضار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله سبحانه. ثم عاتب موسى عليه السلام قومه بأمور منها : قوله ) ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ( كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول. والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فهيا هدى ونور. وقيلك هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ) ولا تطغوا فيه ( إلى قوله ) ثم اهتدى ( وقيل : وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل. ومنها قوله ) أفطال عليكم العهد ( أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل. وقيل : أراد عهدهم بنعم الله تعالى من الإنجاء وغيره. والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله تعالى ) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) [ الأعراف : 142 ] فجاء بعد الأربعين لقوله تعالى ) وأتممناها بعشر ( ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ) أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ( قالوا : هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض. احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ) فيحل عليكم غضبي ( أن الغضب من صفا الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام. وموعد اموسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل : وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ( بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده. والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل. وقيل : إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد ويضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا : الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً ) ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ( أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في ( الأعراف ). وقيل : الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأنمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي. وقيل : إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك

(4/565)


" صفحة رقم 566 "
وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ) فقذفناها ( أي في الحفرة ، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى ، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ) فكذلك ألقى السامري ( مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ) فقبضت قبضة من أثر السول فنبذتها ( ) فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ( قد مر في ( الأعراف ) ) فقالوا ( أي السامري ومن تبعه ) هذا إلهم وإله موسى فنسي ( موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور ، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر ، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ) أفلا يرون أن لا يرجع ( ( أن ) مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل. وقرىء بالنصب على أنها الناصبة. قال العلماء : ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس ، وههنا كذلك فوب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل. وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال : ما تصنع ؟ فقال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال : اللهم أعطه ما سألك. فلما مضى هارون قال السامري : اللهم إني أسألك أن يخور فخار. وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري. ثم إنه سبحانه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال. أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ) يا قوم إنما فتنتم به ( قال جار الله : كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن يطق بالسامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن. ثم دعاهم إلى الحق بقوله ) وإن ربكم الرحمن ( وم نفواءد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم. ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ) فاتبعوني وأطيعو أمري ( وهذا ترتيب في غاية الحسن. واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة. روى النعمان بن بشير عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ويروى أن

(4/566)


" صفحة رقم 567 "
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينما هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه. فسمع الشاب ذلك فولى وقال : إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق ، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً. فهبط جبريل وقال : يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق. قال أهل السنة ههنا : إن الشيعة بتصديقه بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته ، فلو كانت أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف. وللشعية أن يقولوا : إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر ب ) إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) [ الأعراف : 15 ] وهكذا علي على سبيل البحث لا لأجل التعصب. ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ) لن نبر عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ( ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي ب ( لن ) ، وم لفظ البراح والعكوف ، ومن سيغة اسم الفاعلن ومن تقديم الخبر. ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ( ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ( كقوله ) ما منعك ألا تسجد ) [ الأعراف : 12 ] في أن ( لا ) هذه مزيدة أم لا ؟. وقد مر في ( الأعراف ). وفي هذا الإتباع قولان : فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم. وقال مقاتل : أراد الإتباع في وصيته كأن قال : هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره. قال الأصوليون : في قوله ) أفعصيت أمري ( دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ) ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) [ الجن : 22 ] فيعلم منه أن الأمر للوجوب. واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام هل أمر هارون باتباعه أم لا ؟ وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا ؟ فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من أي جرم تكون ذنباً ، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً. وأيضاً قوله ) أفعصيت ( بمعنى الإنكار. فإما أن يكون موسى

(4/567)


" صفحة رقم 568 "
كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون ، وإما أن يكون هارون عاصياً. وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى. وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل ( البقرة ) في آدم ما يتعلق بهذه المسألة. قوله : ( ولم ترقب قولي ( أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله : ( إني خشيت أن تقول فرقت ( قال الإمام أبو القاسم الأنصاري : الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا ، وأما قوم موسى فقد رأو ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته ، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله تعالى. ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري ، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حصر أو ذهب إليه موسى من عتاب قال جار الله : الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه. فإذا قيل : لمن يفعل شيئاً ما خطبك ؟ فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار وتعظيم صنيعه ) قال ( أي السامري ( بصرت بما لم يبصروا به ( قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة : علمت بما لم يعلموا به من البصارة. يعني العلم. وقال الآخرون : رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية ، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف. عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة. ومتى رآه ؟ الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر ، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون. وعن علي رضي الله عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال : إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه. فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المسل إليك يوم حلول الميعاد. ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال : إنه عرفه. عن ابن عباس : إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل. فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا وختلطوا بالناس. فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه. وقال أبو مسلم : إطلاق الرسول على جبريل في

(4/568)


" صفحة رقم 569 "
المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب. وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف ، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول : لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق. فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال : ما قول الأمير في كذا ؟ ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً. وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم ( فلان يقفو أثر فلان ) أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها. فعلى قول العامة يكون قوله : ( وكذلك سوّلت لي نفسي ( إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً. وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته. ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة. يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال : لا تقتله فإنه سخيّ. وفي قوله : ( لامساس ( وجوه : الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس. ويقال : إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني : أن المراد منع الناس من مخالطته. قال مقاتل : إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له : اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري. اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول : هو لامساس. وإنما يقال له ذلك. وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس. والثالث : قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها. وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله : ( وإن لك موعداً لن تخلفه ( قال جار الله : من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً. ثم بين مآل حال إلهه فالك ) وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ( أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ) لنحرقنه ( من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم. قال السدي : أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف. والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه. ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين. ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال : ( إنما إلهكم ( أي المستحق للعباد والتعظيم ) الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ( قد مر مثله في ( الأنعام ) قال مقاتل : أي يعلم من يعبده .

(4/569)


" صفحة رقم 570 "
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( كذلك ( أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ) نقص عليك من ( سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك. ثم عظم شأن القرآن بقوله : ( وقد آتيناك من لدنا ذكراً ( أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دنيه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها ، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ) خالدين فيه ( أي في ذلك الوزر أو في احتماله ) وساء ( فيه ضمير مبهم يفسره ) حملاً ( والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم. واللام في ) لهم ( للبيان كما في ) هيت لك ) [ يوسف : 23 ] ويجوز أن يكون ( ساء ) بمعنى ( قبح ) ويكون فيه ضمير الوزر. وانتصب ) حملاً ( على التمييز و ) لهم ( حال من ) حملاً ( ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف ، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر. قال ابن السكيت : الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة ، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس : وفي الصور قولان : أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) [ المدثر : 8 ] وإنه تعالى يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله تعالى النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات. وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو. يقال : صورة وصور كدرة ودرر. والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله تعالى : ( ثم نفخ فيه أخرى ) [ الزمر : 68 ] والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ) ونحشر المجرمين ( عن ابن عباس : هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر. وقال المعتزلة : هم الكفار والعصاة. وفي الزرق وجوه : قال الضحاك ومقاتل : إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب ، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون ، ومن كلامهم في صفة العدوّ ( أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين ). وقال الكلبي : ( رزقاً ( أي عمياً. قال الزجاج : يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله : ( ليوم تشخص فيه الأبصار ) [ إبراهيم : 42 ] ولقوله : ( اقرأ كتابك ) [ الإسراء : 14 ] ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن دقة من يذهب نور بصرة تزرق. وقيل ) زرقاً ( أي عطاشا لقوله : ( ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ) [ مريم : 86 ] فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ) يتخافتون ( يتسارون ) بينهم ( من شدة خوفهم أو لأن صدروهم امتلأت رعباً ، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار ، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول : قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى

(4/570)


" صفحة رقم 571 "
لبثنا في الآخرة كعشرة أيام. فقال أعقلهم : بل كاليوم الواحد. وإنما قال : ( عشراً ( لأن المراد عشر ليال. وقال مقاتل : أراد عشر ساعات أي بعض يوم. وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم. وقيل : المراد لبثهم في القبور. قال أهل النظم : كأن سائلاً سأل : كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة ؟ فلذلك قال : ( ويسألونك عن الجبال ( وقال الضحاك : إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء : يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة ؟ فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان ، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية ، فأمر الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب. والنسف القلع. وقال الخليل : التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها. وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً. والضمير في ) فيذرها ( للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله : ( ما ترك على ظهرها ) [ فاطر : 45 ] والقاع المستوي من الأرض. وقيل : المكان المطمئن. وقيل : مستنقع الماء. والصفصف الأرض الملساء المستوية. وقيل : التي لا نبات فيها. والأمت النتوّ اليسير. وقيل : التلال الصغار. قالوا : العوج بالكسر في المعاني وكأنه سبحانه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي. وإذ اكان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك. ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ) يتبعون الداعي ( قيل : هو النفخ في الصور وقوله : ( لا عوج له ( أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل. وقيل : إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي : أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة ، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف. ) وخضعت الأصوات للرحمن ( خفضت من شدة الفزع ) فلا تسمع ( أيها السامع ) إلا همساً ( وهو الصوت الخفي. وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه ، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول عمه. وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر. قوله : ( إلا من أذن له الرحمن ( يصلح أن يكون ( من ) منتصباً على

(4/571)


" صفحة رقم 572 "
المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة أذن له الرحمن ) ورضي له ( أي لأجله ) قولاً (. قال الإمام فخر الدين الرازي : الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار ، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً. فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع. وأقول : الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني. قالت المعتزلة : الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوب أن لا ينتفع بشافعة الرسول. وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة. قاتلوا : هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله ، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه ؟ والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موشع آخر ) ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [ الأنبياء : 28 ] فلم يعتبر إلا أحد القيدين. ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله : ( يعلم ما بين أيديهم (. الضمير للذين يتبعون الاعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ) ولا يحيطون ( بمعلومه ) علماً (. وقال الكلبي ومقاتل : الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي. وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية. ثم ذكر غاية قدرته فقال : ( وعنت الوجوه ( أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى. عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً. وقيل : أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله : ( سيئت وجوه الذي كفروا ) [ الملك : 27 ] ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر ، قال جار الله : ( وقد خاب ( وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر. ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد. من قرأ فلا يخاف ( بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله : ( فينتقم الله منه ) [ المائدة : 95 ] ومن قرأ ) فلا يخف ( فمعناه فليأ من له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن. من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم ، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال أبو مسلم : الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم .

(4/572)


" صفحة رقم 573 "
قال جار الله : ( وكذلك ( عطف على قوله : ( كذلك نقص ( أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه ، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي. ) وصرفنا فيه من الوعيد ( كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ) لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ( حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة ، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة. قلت : لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك ، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية. ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً. والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية. وكلمة ( أو ) على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي ، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي. وقيل : أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) [ الزخرف : 44 ] وعلى التقديرين يكون ي إنزال القرآن نفع. ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ) فتعالى الله الملك الحق ( ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم. ومعنى الحق قد مر في البسملة. قال جار الله : فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته. قال أبو مسلم : إن قوله : ( ويئلونك عن الجبال ( إلى ههنا كلام تام. وقوله : ( ولا تعجل ( خطاب مستأنف. وقال آخرون : إنه نفع القرآن للمكلفين وبينأنه سبحانه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي. وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي ، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد. قال : ( ولا تعجل بالقرآن ( لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ) من قبل أن يقضي إليك وحيه ( أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ) لا تحرّك به لسانك لتعجل به ) [ القيامة : 16 ] قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء. وقال مجاهد وقتادة : أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان. وقال الضحاك : إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا :

(4/573)


" صفحة رقم 574 "
يا محمد ، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية. أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك. وعن الحسن : أن امرأة أتت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت : زوجي لطم وجهي فقال : بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن القصاص. وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله : ( ولا تعجل بالقرآن ( يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه ، أو في تأديته إلى غيره ، وأو في اعتقاده ظاهره ، أو في تعريف الغير ما يقتيه الظاهر. وقوله : ( من قبل أن يقضى إليك وحيه ( احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه ، أو من قبل أن يقضى إيلك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله : ( وقل رب زدني علماً ( لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال. والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه. قال جار الله : هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم. ومن فضائل العلم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية ، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين. التأويل : ( ولقد أوحينا إلى موسى ( القلب ) أن أسر بعبادي ( وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الورحانية. ) فاضر لهم ( بعصا الذكر ) طريقاً يبساً ( من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في ( يونس ) ) ونزلنا عليكم ( منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ) ولا تطغوا فيه ( بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال : أنا الحق وسبحاني. فإن الحالات لا تصلح للمقاولات. ) وإني لغفار لمن ( رجع عن الطغيان ) وآمن ( بالربوبية ) وعمل صالحاً ( في مقام العبودية ) ثم اهتدى ( فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال. ) وعجلت إليك ( فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله. ) قد فتنّا قومك من بعدك ( فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ. ) بملكنا ( أي بإيرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته. ) فكذلك ألقى السامري ( من غير اختيار منه ولكن باضطرار من

(4/574)


" صفحة رقم 575 "
القدر ) با ابن أم ( قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة : يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب. ) فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ( فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة. قوله : ( لامساس ( فيه معارضة بنقيض مقصو من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه ، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ) زرقا ( إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه ، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال ، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها ؟ وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة. ) وعنت الوجوه ( أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب. ) يتبعون الداعي ( لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله : ( والله يدعوا إلى دار السلام ) [ يونس : 25 ] وعلى الله المستعان. ( طه : ( 115 - 117 ) ولقد عهدنا إلى . . . .
) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآياتٍ ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربصٌ فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ( (

(4/575)