03 - التسهيل لعلوم التنزيل

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزى 

أنه يحتمل أن تكون للترتيب في الزمان أي جعل الله هذه الأحوال حالا بعد حال أو تكون لبيان التفاضل بين هذه الأحوال الثلاثة وأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم من الثاني الليل لباسا شبه ظلام الليل باللباس لأنه يستر كل شيء كاللباس والنوم سباتا قيل راحة وقيل موتا لقوله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ويدل عليه مقابلته بالنشور الرياح بشرا ذكر في الأعراف ماء طهورا مبالغة في طاهر وقيل معناه مطهر للناس في الوضوء وغيره وبهذا المعنى يقول الفقهاء ماءا طهورا أي مطهر وكل مطهر طاهر وليس كل ... 473 

(2/283)


80 طاهر مطهر أناسي قيل جمع إنسي وقيل جمع إنسان والأول أصح ولقد صرفناه الضمير للقرآن وقيل للمطر وهو بعيد ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا أي لو شئنا لخففنا عنك أثقال الرسالة ببعث جماعة من الرسل ولكنا خصصناك بها كرامة لك فاصبر وجاهدهم به الضمير للقرآن أو لما دل عليه الكلام المتقدم مرج البحرين اضطرب الناس في هذه الآية لأنه لا يعلم في الدنيا بحر ملح وبحر عذب وإنما البحار المعروفة ماؤها ملح قال ابن عباس أراد بالبحر الملح الأجاج بحر الأرض والبحر العذب الفرات بحر السحاب وقيل البحر الملح البحر المعروف والبحر العذب مياه الأرض وقيل البحر الملح جميع الماء الملح من الآبار وغيرها والبحر العذب هو مياه الأرض من الأنهار والعيون ومعنى العذب البالغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة والأجاج نقيضه واختلف في معنى مرجهما فقيل جعلهما متجاورين متلاصقين وقيل أسال أحدهما في الآخر وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا أي فاصلا يفصل بينهما وهو ما بينهما من الأرض بحيث لا يختلطان وقيل البرزخ يعلمه الله ولا يراه البشر خلق من الماء بشرا إن أراد بالبشر آدم فالمراد بالماء الماء الذي خلق به مع التراب فصار طينا وإن أراد بالبشر بني آدم فالمراد بالماء المني الذي يخلقون منه فجعله نسبا وصهرا النسب والصهر يعمان كل قربى أي كل قرابة والنسب أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم قرب ذلك أو بعد والصهر هو الاختلاط بالنكاح وقيل أراد بالنسب الذكور أي ذوي نسب ينتسب إليهم وأراد بالصهر الإناث أي ذوات صهر يصاهر بهن وهو كقوله فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى وكان الكافر على ربه ظهيرا الكافر هنا الجنس وقيل المراد أبو جهل والظهير المعين أي يعين الشيطان على ربه بالعداوة والشرك ولفظه يقع للواحد والجماعة كقوله والملائكة بعد ذلك ظهير قل ما أسئلكم عليه من أجر أي لا أسئلكم على الإيمان أجرة ولا منفعة

(2/284)


إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا معناه إنما أسئلكم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلا بالتقرب إليه وعبادته فالاستثناء منقطع وقيل المعنى أن تتخذوا إلى ربكم سبيلا بالصدقة فالاستثناء على هذا متصل والأول أظهر وفي الكلام محذوف تقديره إلا سؤال من شاء وشبه ذلك وتوكل على الحي الذي لا يموت قرأ هذه الآية بعض السلف فقال لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق فإنه يموت وسبح بحمده أي قل سبحان الله وبحمده والتسبيح التنزيه عن كل ما لا يليق به ومعنى بحمده أي بحمده أقول ذلك ويحتمل أن يكون المعنى سبحه متلبسا بحمده فهو أمر بأن يجمع بين التسبيح والحمد وكفى به بذنوب ... 474

(2/285)


81 عباده خبيرا ) يحتمل أن يكون المراد بهذا بيان حلمه وعفوه عن عباده مع علمه بذنوبهم أو بكون المراد تهديد العباد لعلم الله بذنوبهم استوى على العرش ذكر في الأعراف الرحمن خبر ابتداء مضمر أو بدل من الضمير في استوى فاسأل به خبيرا فيه معنيان أحدهما وهو الأظهر أن المراد اسأل عنه من هو خبير عارف به وانتصب خبيرا على المفعولية وهذا الخبير المسؤل هو جبريل عليه السلام والعلماء وأهل الكتاب والباء في قوله به يحتمل أن تتعلق بخبيرا أو تتعلق بالسؤال ويكون معناها على هذا معنى عن والمعنى الثاني أن المراد اسأل بسؤاله خبيرا أي إن سألته تعالى تجده خبيرا بكل شيء فانتصب خبيرا على الحال وهو كقولك لو رأيت فلانا رأيت به أسدا أي رأيت برؤيته أسدا قالوا وما الرحمن لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته قريش وقالوا لا نعرف الرحمن وكان مسيلمة الكذاب قد تسمى بالرحمن فقالوا على وجه المغالطة إنما الرحمن الرجل الذي باليمامة أنسجد لما تأمرنا تقديره لما تأمرنا أن نسجد له وزادهم نفورا الضمير المفعول في زادهم يعود على المقول وهو اسجدوا للرحمن بروجا يعني المنازل الاثنى عشر وقيل الكواكب العظام سراجا يعني الشمس وقرئ بضم السين والراء على الجمع يعني جميع الأنوار ثم خص القمر بالذكر تشريفا جعل الليل والنهار خلفة أي يخلف هذا هذا وقيل هو من الاختلاف لأن هذا أبيض وهذا أسود والخلفة اسم الهيئة كالركبة والجلسة والأصل جعلهما ذوي خلفة لمن أراد أن يذكر قيل معناه يعتبر في المصنوعات وقيل معناه يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل فيستدركه في النهار أو فاته بالنهار فيستذكره بالليل وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما وعباد الرحمن أي عباده المرضيون عنده فالعبودية هنا للتشريف والكرامة وعباد مبتدأ وخبره الذين يمشون أو قوله في آخر السورة أولئك يجزون الغرفة الذين يمشون على الأرض

(2/286)


هونا أي رفقا ولينا بحلم ووقار ويحتمل أن يكون ذلك وصف مشيهم على الأرض أو وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم وعبر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم مدة حياتهم قالوا سلاما أي قالوا قولا سديدا ليدفع الجاهل برفق وقيل معناه قالوا للجاهل سلاما أي هذا اللفظ بعينه بمعنى سلمنا منكم قال بعضهم هذه الآية منسوخة بالسيف وإنما يصح النسخ في حق الكفار وأما الإغضاء عن السفهاء والحلم عنهم فمستحسن غير منسوخ إن عذابها وما بعده يحتمل أن يكون من كلامهم أو من كلام الله عز وجل كان غراما أي هلاكا وخسرانا وقيل ملازما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا الاقتار هو التضييق في النفقة والشح وضده الاسراف فنهى عن الطرفين وأمر بالتوسط بينهما ... 475

(2/287)


82 وهو القوام وذلك في الإنفاق في المباحات وفي الطاعات وأما الإنفاق في المعاصي فهو إسراف وإن قل ومن يفعل ذلك يلق أثاما أي عقابا وقيل الأثام الإثم فمعناه يلق جزاء أثام وقيل الأثام واد في جهنم والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكر من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا ويخلد فيه مهانا قيل نزلت في الكفار لأنهم المخلدون في النار بإجماع فكأنه قال الذين يجمعون بين الشرك والقتل والزنا وقيل نزلت في المؤمنين الذين يقتلون النفس ويزنون فأما على مذهب المعتزلة فالخلود على بابه وأما على مذهب أهل السنة فالخلود عبارة عن طول المدة إلا من تاب إن قلنا الآية في الكفار فلا إشكال فيها لأن الكافر إذا أسلم صحت توبته من الكفر والقتل والزنا وإن قلنا إنها في المؤمنين فلا خلاف أن التوبة من الزنا تصح واختلف هل تصح توبة المسلم من القتل أم لا
يبدل الله سيئاتهم حسنات
قيل يوفقهم الله لفعل الحسنات بدلا عما عملوا من السيئات وقيل إن هذا التبديل في الآخرة أي يبدل عقاب السيئات بثواب الحسنات يتوب إلى الله متابا أي متابا مقبولا مرضيا عند الله كما تقول لقد قلت يا فلان قولا أي قولا حسنا لا يشهدون الزور أي لا يشهدون بالزور وهو الكذب فهو من الشهادة وقيل معناه لا يحضرون مجالس الزور واللهو فهو على هذا من المشاهدة والحضور والأول أظهر وإذا مروا باللغو مروا كراما اللغو هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه ومعنى مروا كراما أي أعرضوا عنه واستحيوا ولم يدخلوا مع أهله تنزيها لأنفسهم عن ذلك لم يخروا عليها صما وعميانا أي لم يعرضوا عن آيات الله بل أقبلوا عليها بأسماعهم وقلوبهم فالنفي للصمم والعمى لا للخرور عليها قرة أعين قيل معناه اجعل أزواجنا وذريتنا مطيعين لك وقيل أدخلهم معنا الجنة واللفظ أعم من ذلك واجعلنا للمتقين إماما أي قدوة يقتدي بنا المتقون فإمام مفرد يراد به الجنس وقيل هو جمع آم أي

(2/288)


متبع الغرفة يعني غرفة الجنة فهي اسم جنس قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال الأول أن المعنى إن الله لا يبالي بكم لولا عبادتكم له فالدعاء بمعنى العبادة وهذا قريب من معنى قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الثاني أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال والمعنى لا يبالي الله بكم ولكن يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه ويكون على هذين القولين خطابا ... 476

(2/289)


83 لجميع الناس من المؤمنين والكافرين لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه أو خطابا للمؤمنين خاصة لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه ولكن يضعف هذا بقوله فقد كذبتم الثالث أنه خطاب للكفار خاصة والمعنى على هذا ما يعبأ بكم ربي لولا أن يدعوكم إلى دينه والدعاء على هذا بمعنى الأمر بالدخول في الدين وهو مصدر مضاف إلى المفعول وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل فقد كذبتم هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين فسوف يكون لزاما أي سوف يكون العذاب لزاما ثابتا وأضمر العذاب وهو اسم كان لأنه جزاء التكذيب المتقدم واختلف هل يراد بالعذاب هنا القتل يوم بدر أو عذاب الآخرة
سورة الشعراء
طسم تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ويخص هذا أنه قيل الطاء من ذي الطول والسين من السميع أو السلام والميم من الرحيم أو المنعم باخع ذكر في الكهف فظلت أعناقهم لها خاضعين الأعناق جمع عنق وهي الجارحة المعروفة وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء ولأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من العقلاء وقيل الأعناق الرؤساء من الناس شبهوا بالأعناق كما يقال لهم رؤس وصدور وقيل هم الجماعات من الناس فلا يحتاج جمع خاضعين إلى تأويل محدث يعني به محدث الإتيان فسيأتيهم الآية تهديد من كل زوج أي من كل صنف من النبات فيعم ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى ووصفه بالكرم لما فيه من الحسن ومن المنافع إن في ذلك لآية الإشارة إلى ما تقدم من النبات وإنما ذكره بلفظ الإفراد لأنه أراد أن في كل واحد آية أو إشارة إلى مصدر قوله أنبتنا ويضيق صدري بالرفع عطف على أخاف أو استئناف وقرىء بالنصب عطفا على يكذبون فأرسل إلى هارون أي اجعله معي رسولا أستعين به ولهم على ذنب يعني قتله للقبطي قال كلا أي لا تخف أن يقتلوك إنا معكم خطاب لموسى ... 477

(2/290)


84 وأخيه ومن كان معهما أو على جعل الاثنين جماعة مستمعون لفظه جمع وورد مورد تعظيم الله تعالى ويحتمل أن تكون الملائكة هي التي تسمع بأمر الله لأن الله لا يوصف بالاستماع وإنما يوصف بالسمع والأول أحسن وتأويله أن في الاستماع اعتناء واهتماما بالأمر ليست في صفة سامعون والخطاب في قوله معكم لموسى وهارون وفرعون وقومه وقيل لموسى وهارون خاصة على معاملة الاثنين معاملة الجماعة وذلك على قول من يرى أن أقل الجمع اثنان إنا رسول ربك إن قيل لم أفرده وهما اثنان فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن التقدير كل واحد منا رسول الثاني أنهما جعلا كشخص واحد لاتفاقهما في الشريعة ولأنهما أخوان فكأنهما واحد الثالث أن رسول هنا مصدر وصف به فلذلك أطلق على الواحد والاثنين والجماعة فإنه يقال رسول بمعنى رسالة بخلاف قوله إنا رسولا فإنه بمعنى الرسل أن أرسل معنا بني إسرائيل أي أطلقهم قال ألم نربك فينا وليدا قصد فرعون بهذا الكلام المن على موسى والاحتقار له وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام ويعني بالفعلة قتله للقبطي والواو في قوله وأنت إن كانت للحال فقوله من الكافرين معناه كافرا بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة وقد كان قبل ذلك مؤمنا ولم يعلم بذلك فرعون وقيل معناه من الكافرين بنعمتي وإن كانت الواو للاستئناف فيحتمل أن يريد من الكافرين بديني ومن الكافرين بنعمتي قال فعلتها إذا وأنا من الضالين القائل هنا هو موسى عليه السلام والضمير في قوله فعلتها لقتله القبطي واختلف في معنى قوله من الضالين فقيل معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله وقيل معناه من الناسين فهو كقوله أن تضل إحداهما وقوله إذا صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ قال ذلك ابن عطية ففررت منكم أي من فرعون وقومه ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله تمنها علي

(2/291)


أن عبدت
وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل معنى عبدت ذللت واتخذتهم عبيدا فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة على تعبيد بني إسرائيل وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة لأنك تذبح أبناءهم ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني فالإشارة بقوله تلك إلى التربية وأن عبدت في موضع رفع عطف بيان على تلك أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله وقيل معنى الكلام تربيتك نعمة على لأنك عبدت بنى إسرائيل وتركتنى فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين لما أظهر فرعون الجهل ... 478

(2/292)


85 بالله فقال وما رب العالمين أجابه موسى بقوله رب السموات والأرض فقال ألا تستمعون تعجبا من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله ربكم ورب آبائكم الأولين لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء وأعظم البراهين فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه وأيد الازدراء والتهكم في قوله رسولكم الذي أرسل إليكم فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله رب المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدا جحدها ولا أن يدعيها لغير الله ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمروذ فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدده بالسجن فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة وذكرها له بتلطف طمعا في إيمانه فقال أولو جئتك بشيء مبين والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد وماذا تأمرون وأرجه وحاشرين فإن قيل كيف قال أولا إن كنتم موقنين ثم قال آخرا إن كنتم تعقلون فالجواب أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله إن كنتم تعقلون وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون إن رسولكم لمجنون لميقات يوم هو يوم الزينة نتبع السحرة أي نتبعهم في نصرة ديننا لا في عمل السحر لأن عمل السحر كان حراما بعزة فرعون قسم أقسموا به وقد تقدم في الأعراف تفسير ما يأفكون وما بعد ذلك لا ضير أي لا يضرنا ذلك لأننا ننقلب إلى الله أسر بعبادي يعني بني إسرائيل إنكم متبعون إخبار باتباع فرعون لشرذمة قليلون الشرذمة الطائفة من الناس وفي هذا احتقار لهم على ... 479

(2/293)


86 أنه روي أنهم كانوا ستمائة ألف ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير فأخرجناهم من جنات وعيون يعني التي بمصر والعيون الخلجان الخارجة من النيل وكانت ثم عيون في ذلك الزمان وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد ومقام كريم مجالس الأمراء والحكام وقيل المنابر وقيل المساكن الحسان كذلك في موضع خفض صفة لمقام أو في موضع نصب على تقدير أخرجناهم مثل ذلك الإخراج أو في موضع رفع على أنه خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك وأورثناها بني إسرائيل أي أورثهم الله مواضع فرعون بمصر على أن التواريخ لم يذكر فيها ملك بني إسرائيل لمصر وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام فتأويله على هذا أورثهم مثل ذلك بالشام فأتبعوهم أي لحقوهم وضمير الفاعل لفرعون وقومه وضمير المفعول لبني إسرائيل مشرقين معناه داخلين في وقت الشروق وهو طلوع الشمس وقيل معناه نحو المشرق وانتصابه على الحال تراء الجمعان وزن تراءى تفاعل وهو منصوب من الرؤية والجمعان جمع موسى وجمع فرعون أي رأى بعضهم بعضا فانفلق تقدير الكلام فضرب موسى البحر فانفلق كل فرق أي كل جزء منه والطود الجبل وروي أنه صار في البحر اثني عشر طريقا لكل سبط من بني إسرائيل طريق وأزلفنا ثم الآخرين يعني بالآخرين فرعون وقومه ومعنى أزلفنا قربناهم من البحر ليغرقوا وثم هنا ظرف يراد به حيث انفلق البحر وهو بحر القلزم ما تعبدون إنما سألهم مع علمه بأنهم يعبدون الأصنام ليبين لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء ويقيم عليهم الحجة قالوا نعبد أصناما إن قيل لم صرحوا بقولهم نعبد مع أن السؤال وهو قوله ما تعبدون يغني عن التصريح بذلك وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله ما أنزل ربكم قالوا خيرا فالجواب أنهم صرحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة الأصنام ثم زادوا قولهم فنظل لها عاكفين مبالغة في ذلك بل وجدنا آباءنا اعتراف بالتقليد المحض إلا رب العالمين استثناء

(2/294)


منقطع وقيل ... 480
87 متصل لأن في آبائهم من عبد الله تعالى وإذا مرضت فهو يشفين أسند المرض إلى نفسه وأسند الشفاء إلى الله تأدبا مع الله أن يغفر لي خطيئتي قيل أراد كذباته الثلاثة الواردة في الحديث وهي قوله في سارة زوجته هي أختي وقوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم وقيل أراد الجنس على الإطلاق لأن هذه الثلاثة من المعاريض فلا إثم فيها لسان صدق ثناء جميلا يوم لا ينفع وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم وهو من كلام الله تعالى ويحتمل أن يكون أيضا من كلام إبراهيم إلا من أتى الله بقلب سليم قيل سليم من الشرك والمعاصي وقيل الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيئا غيره وقيل بقلب لديغ من خشية الله والسليم هو اللديغ لغة وقال الزمخشري هذا من بدع التفاسير وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلا فيكون من أتى الله مفعولا بقوله لا ينفع والمعنى على هذا أن المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله وأن البنين لا ينفعون إلا من علمهم الدين وأوصاهم بالحق ويحتمل أيضا أن يكون متصلا ويكون قوله من أتى الله بدلا من قوله مال ولا بنون على حذف مضاف تقديره إلا مال من أتى الله وبنوه ويحتمل أن يكون منقطعا بمعنى لكن وأزلفت الجنة أي قربت للغاوين يعني المشركين بدلالة ما بعده فكبكبوا فيها كبكبوا مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على تكرير معناه أي كبهم الله في النار مرة بعد مرة والضمير للأصنام والغاوون هم المشركون وقيل الضمير للمشركين والغاوون هم الشياطين نسويكم برب العالمين أي نجعلكم سواء معه وما أضلنا إلا المجرمون يعني كبراءهم وأهل الجرم والجراءة منهم حميم أي خالص الود قال الزمخشري جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الأصدقاء كذبت قوم نوح المرسلين أسند الفعل إلى القوم وفيه علامة التأنيث لأن القوم في معنى الجماعة والأمة فإن قيل كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا نوحا

(2/295)


وحده فالجواب من وجهين أحدهما أنه أراد الجنس كقولك فلان يركب الخيل وإنما لم يركب إلا فرسا واحدا والآخر أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن قولهم واحد ودعوتهم ... 481
88 سواء وكذلك الجواب في كذبت عاد المرسلين وغيره واتبعك الأرذلون جمع أرذل وقد تقدم الكلام عليه في قوله أراذلنا في هود وما أنا بطارد المؤمنين يعني الذين سموهم أرذلين فإن الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم كما أرادت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وأشباههم من الضعفاء المرجومين يحتمل أن يريدوا الرجم بالحجارة أو بالقول وهو الشتم فافتح بيني وبينهم أي احكم بيننا في الفلك المشحون أي المملوء بكل ريع الريع المكان المرتفع وقيل الطريق آية يعني المباني الطوال وقيل أبراج الحمام مصانع جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني وقيل مأخذ الماء أمدكم بأنعام الآية تفسير لقوله أمدكم بما تعلمون فأبهم أولا ثم فسره خلق الأولين بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم قالوا ما هذا الذي عليه من ديننا إلا عادة الناس الأولين وقرىء بفتح الخاء وإسكان اللام ويحتمل على هذا وجهين أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلا خلقة الأولين والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب والمعنى ما هذا الذي جئت به إلا كذب الأولين أتتركون تخويف لهم معناه أتطمعون أن تتركوا في النعم على كفركم ونخل طلعها هضيم الطلع عنقود التمر ... 482

(2/296)


89 في أول نباته قبل أن يخرج من الكم والهضيم اللين الرطب فالمعنى طلعها يتم ويرطب وقيل هو الرخص أول ما يخرج وقيل الذي ليس فيه نوى فإن قيل لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات والجنات تحتوي على النخل فالجواب أن ذلك تجريد كقوله فاكهة ونخل ورمان ويحتمل أنه أراد الجنات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها النخل وتنحتون ذكر في الأعراف فارهين قرئ بألف وبغير ألف وهو منصوب على الحال من الفاعل في تنحتون وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس وقيل معناه أقوياء وقيل أشرين بطرين من المسحرين مبالغة في المسحورين وهو من السحر بكسر السين وقيل من السحر بفتح السين وهي الرؤية والمعنى على هذا إنما أنت بشر لها شرب أي حظ من الماء فأصبحوا نادمين لما تغيرت ألوانهم حسبما أخبرهم صالح عليه السلام ندموا حيث لا تنفعهم الندامة فأخذتهم الصيحة التي ماتوا منها وهي العذاب المذكور هنا من القالين أي من المبغضين وفي قوله قال ومن القالين ضرب من ضروب التجنيس مما يعملون أي نجني من عقوبة عملهم أو اعصمني من عملهم والأول أرجح إلا عجوزا يعني امرأة لوط في الغابرين ذكر في الأعراف وكذلك أمطرنا أصحاب الأيكة قرئ بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحجر وق ومعناه الغيضة من الشجر وقرىء هنا وفي ص بفتح اللام والتاء فقيل إنه مسهل من الهمز وقيل إنه اسم بلدهم ويقوي هذا القول بأنه على هذه القراءة بفتح التاء غير منصرف يدل على ذلك أنه اسم علم وضعف ذلك الزمخشري وقال إن الأيكة اسم لا يعرف إذ قال لهم شعيب لم يقل هنا أخوهم كما قال في قصة نوح وغيره وقيل إن شعيبا بعث إلى مدين وكان من قبيلتهم فلذلك قال وإلى مدين أخاهم شعيبا وبعث أيضا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم فلذلك لم يقل أخوهم فكان شعيبا على هذا ... 483

(2/297)


90 مبعوثا إلى القبيلتين وقيل إن أصحاب الأيكة مدين ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيها لشعيب عن النسبة إليها من المخسرين أي من الناقصين للكيل والوزن بالقسطاس الميزان المعتدل والجبلة يعني القرون المتقدمة عذاب يوم الظلة هي سحابة من نار أحرقتهم فأهلك الله مدين بالصيحة وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة فإن قيل لم كرر قوله إن في ذلك لآية مع كل قصة فالجواب أن ذلك أبلغ في الاعتبار وأشد تنبيها للقلوب وأيضا فإن كل قصة منها كأنها كلام قائم مستقل بنفسه فختمت بما ختمت به صاحبتها وإنه لتنزيل رب العالمين الضمير للقرآن الروح الأمين يعني جبريل عليه السلام على قلبك إشارة إلى حفظه إياه لأن القلب هو الذي يحفظ بلسان عربي يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين وإنه لفي زبر الأولين المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل بأنه من عند الله آية لكم وبرهان والمراد من أسلم من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وقيل الذين كانوا يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ولو نزلناه على بعض الأعجمين الآية جمع أعجم وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنسانا أو بهيمة أو جمادا والأعجمي المنسوب إلى الأعجم وقيل بمعنى الأعجم ومعنى الآية أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم ففي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على كفرهم به مع وضوح برهانه كذلك نسلكه في قلوب المجرمين معنى سلكناه أدخلناه والضمير للتكذيب الذي دل عليه ما تقدم من الكلام أو للقرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذبا به وتقدير قوله كذلك مثل هذا السلك سلكناه والمجرمين يحتمل أن يريد به قريشا أو الكفار المتقدمين ولا يؤمنون تفسير للسلك الذي سلكه في

(2/298)


قلوبهم فيقولوا هل نحن منظرون تمنوا أن يؤخروا حين لم ... 484
استعجالهم بالعذاب في قولهم فأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك أفرأيت إن متعناهم سنين المعنى أن مدة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها وإن طالت مدة سنين لأن كل ما هو آت قريب قال بعضهم سنين يريد به عمر الدنيا وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون المعنى أن الله لم يهلك قوما إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولا فأنذرهم فكذبوه ذكرى منصوب على المصدر من معنى الإنذار أو على الحال من الضمير في منذرون أو على المفعول من أجله أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر وما تنزلت به الشياطين الضمير للقرآن وهو رد على من قال إنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد وما ينبغي لهم وما يستطيعون أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه ولفظ ما ينبغي تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق إنهم عن السمع لمعزولون تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان أمر الكهان كثيرا منتشرا قبل ذلك وأنذر عشسيرتك الأقربين عشيرة الرجل هم قرابته الأدنون ولما نزلت هذه الآية أنذر النبي صلى الله عليه وسلم قرابته فقال يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ثم نادى كذلك ابنته فاطمة وعمته صفية قال الزمخشري في معناه قولان أحدهما أنه أمر أن يبدأ بإنذار أقاربه قبل غيرهم من الناس والآخر أنه أمر أن لا يأخذه ما يأخذ القريب من الرأفة بقريبه ولا يخافهم بالإنذار واخفض جناحك عبارة عن لين الجانب والرفق وعن التواضع الذي يراك حين تقوم أي حين تقوم في الصلاة ويحتمل أن يريد سائر التصرفات وتقلبك في الساجدين معطوف على الضمير المفعول في قوله يراك والمعنى أنه يراك حين تقوم وحين تسجد وقيل معناه يرى صلاتك مع المصلين ففي ذلك إشارة إلى

(2/299)


الصلاة مع الجماعة وقيل يرى تقلب بصرك في المصلين خلفك لأنه عليه الصللاة والسلام كان يراهم من وراء ظهره تنزل على كل أفاك أثيم هذا جواب السؤال المتقدم وهو قوله هل أنبئكم على من تنزل الشياطين والأفاك الكذاب والأثيم الفاعل للإثم يعني بذلك الكهان وفي هذا رد على من قال إن الشياطين تنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالكهانة لأنها لا تنزل إلا على أفاك أثيم وكان صلى الله عليه وسلم على غاية الصدق والبر يلقون السمع معناه يستمعون والضمير يحتمل أن يكون للشياطين بمعنى أنهم يستمعون إلى الملائكة أو يكون للكهان بمعنى أنهم يستمعون إلى الشياطين وقيل يلقون بمعنى يلقون المسموع ... 485

(2/300)


92 والضمير يحتمل أيضا على هذا أن يكون للشياطين لأنهم يلقون الكلام إلى الكهان أو يكون للكهان لأنهم يلقون الكلام إلى الناس وأكثرهم كاذبون يعني الشياطين أو الكهان لأنهم يكذبون فيما يخبرون به عن الشياطين والشعراء يتبعهم الغاوون لما ذكر الكهان ذكر الشعراء ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتباين ما بين أوصافه وأوصاف الشعر والكهانة وأراد الشعراء الذين يلقون من الشعر ما لا ينبغي كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك وقيل أراد شعراء الجاهلية وقيل شعراء كفار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم والغاوون قيل هم رواة الشعر وقيل هم سفهاء الناس الذين تعجبهم الأشعار لما فيها من اللغو والباطل وقيل هم الشياطين في كل واد يهيمون استعارة وتمثيل أي يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل ويفرطون في التجوز حتى يخرجوا إلى الكذب إلا الذين آمنوا الآية استثناء من الشعراء يعني بهم شعراء المسلمين كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف وقيل إن هذه الآية مدنية ذكروا الله قيل معناه ذكروا الله في أشعارهم وقيل يعني الذكر على الإطلاق وانتصروا من بعد ما ظلموا إشارة إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشعراء في هجو الكفار بعد أن هجا الكفار النبي صلى الله عليه وسلم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وعيد للذين ظلموا والظلم هنا بمعنى الاعتداء على الناس لقوله من بعد ما ظلموا وعمل ينقلبون في أي لتأخره وقيل إن العامل في أي سيعلم
سورة النمل
تلك آيات القرآن وكتاب مبين عطف الكتاب على القرآن كعطف الصفات بعضها على بعض وإن كان الموصوف واحدا هدى وبشرى في موضع نصب على المصدر أو في موضع رفع على أنه خبر ابتداء مضمر وهم بالآخرة يوقنون تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة فتكون بقية صلة الذين أو تكون مستأنفة وتمت الصلة قبلها ورجح الزمخشري هذا يعمهون يتحيرون سوء العذاب

(2/301)


يعني في الدنيا وهو القتل يوم بدر ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة والأول أرجح لأنه ذكر الآخرة بعد ذلك لتلقى القرآن أي ... 486
93 تعطاه آنست ذكر في طه وكذلك قبس والشهاب النجم شبه القبس به وقرئ بإضافة شهاب إلى قبس وبالتنوين على البدل أو الصفة فإن قيل كيف قال هنا سآتيكم وفي الموضع الآخر لعلي آتيكم والفرق بين الترجي والتسويف أن التسويف متيقن الوقوع بخلاف الترجي فالجواب أنه قد يقول الراجي سيكون كذا إذا قوي رجاؤه تصطلون معناه تستدفئون بالنار من البرد ووزنه تفعلون وهو مشتق من صلى بالنار والطاء بدل من التاء أن بورك من في النار ومن حولها أن مفسرة وبورك من البركة ومن في النار يعني من في مكان النار ومن حولها من حول مكانها يريد الملائكة الحاضرين وموسى عليه السلام قال الزمخشري والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام وسبحان الله يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى عليه السلام أو يكون مستأنفا وعلى كلا الوجهين قصد به تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع من معنى النداء أو في قوله بورك من في النار لأن المعنى نودي أن بورك من في النار إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه وألق عصاك هذه الجملة معطوفة على قوله بورك من في النار لأن المعنى يؤدي إلى أن بورك من في النار وأن ألق عصاك وكلاهما تفسير للنداء كأنها جان الجان الحية وقيل الحية الصغيرة وعلى هذا يشكل قوله فإذا هي ثعبان والجواب أنها ثعبان في جرمها جان في سرعة حركتها ولم يعقب لم يرجع أو لم يلتفت إلا من ظلم استثناء منقطع تقديره لكن من ظلم من سائر الناس لا من المرسلين وقيل إنه متصل على القول بتجويز الذنوب عليهم وهذا بعيد لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب وأيضا فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم بدل حسنا أي عمل صالحا في جيبك ذكر في طه في تسع

(2/302)


آيات متصل بقوله ألق وأدخل تقديره نيسر لك ذلك في جملة تسع آيات وقد ذكرت الآيات التسع في الإسراء إلى فرعون متعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره اذهب بالآيات التسع إلى فرعون مبصرة أي ظاهرة واضحة الدلالة وأسند الإبصار لها مجازا وهو في الحقيقة لمتأملها
واستيقنتها أنفسهم يعني أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق فكفرهم عناد ولذلك قال فيه ظلما والواو فيه واو الحال وأضمرت بعدها قد علوا يعني تكبروا وورث سليمان داود أي ورث عنه النبوة والعلم والملك علمنا منطق الطير أي فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها وأوتينا من كل شيء عموم معناه الخصوص والمراد ... 487

(2/303)


94 بهذا اللفظ التكثير كقولك فلان يقصده كل أحد وقوله علمنا وأوتينا يحتمل أن يريد نفسه وأباه أو نفسه خاصة على وجه التعظيم لأنه كان ملكا وحشر لسليمان جنوده اختلف الناس في عدد جنود سليمان اختلافا شديدا تركنا ذكره لعدم صحته فهم يوزعون أي يكفون ويراد أولهم إلى آخرهم ولا بد لكل ملك أو حاكم من وزعة يدفعون الناس حتى إذا أتوا على وادي النمل ظاهر هذا أن سليمان وجنوده كانوا مشاة بالأرض أو ركبانا حتى خافت منهم النمل ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح وأحست النملة بنزولهم في وادي النمل قالت نملة النمل حيوان فطن قوي الحس يدخر قوته ويقسم الحبة بقسمين لئلا تنبت ويقسم حبة الكسبرة على أربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت قسمين ولإفراط إدراكها قالت هذا القول وروي أن سليمان سمع كلامها وكان بينه وبينها ثلاثة أميال وهذا لا يسمعه البشر إلا من خصه الله بذلك ادخلوا خاطبتهم مخاطبة العقلاء لأنها أمرتهم بما يؤمر به العقلاء لا يحطمنكم يحتمل أن يكون جوابا للأمر أو نهيا بدلا من الأمر لتقارب المعنى وهم لا يشعرون الضمير لسليمان وجنوده والمعنى اعتذار عنهم لو حطموا النمل أي لو شعروا بهم لم يحطموهم فتبسم ضاحكا تبسم لأحد أمرين أحدهما سروره بما أعطاه الله والآخر ثناء النملة عليه وعلى جنوده فإن قولها وهم لا يشعرون وصف لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان وتفقد الطير اختلف الناس في معنى تفقده للطير فقيل ذلك لعنايته بأمور ملكه وقيل لأن الطير كانت تظله فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه أم كان من الغائبين أم منقطعة فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال مالي لا أرى الهدهد أي لا أراه ولعله حاضر وستره ساتر ثم علم بأنه غائب فأخبر بذلك لأعذبنه روي أن تعذيبه للطير كان بنتف ريشه بسلطان مبين أي حجة بينة فمكث أي أقام ويجوز فتح الكاف وضمها وبالفتح قرأ عاصم والفعل

(2/304)


يحتمل أن يكون مسندا إلى سليمان عليه السلام أو إلى الهدهد وهو أظهر غير بعيد يعني زمان قريب أحطت أي أحطت علما بما لم تعلمه من سبإ يعني قبيلة من العرب وجدهم الذي يعرفون به سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ومن صرفه أراد الحي أو الأب ومن لم يصرفه أراد القبيلة أو البلدة وقرئ بالتسكين لتوالي الحركات وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله من سبإ بنبإ ضرب من أدوات البيان وهو التجنيس وجدت امرأة تملكهم المرأة بلقيس بنت شراحيل كان أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها فغلبت بعده على الملك والضمير في تملكهم يعود على سبإ وهم قومها من كل ... 488

(2/305)


95 شيء ) عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجه الملك ولها عرش عظيم يعني سرير ملكها ووقف بعضهم على عرش ثم ابتدأ عظيم وجدتها على تقدير عظيم أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وهذا خطأ وإنما حمله عليه الفرار من وصف عرشها بالعظمة
أن لا يسجدوا لله من كلام الهدهد أو من كلام الله وقرأ الجمهور بالتشديد وأن في موضع نصب على البدل من أعمالهم أو في موضع خفض على البدل من السبيل أو يكون التقدير لا يهتدون لأن يسجدوا بحذف اللام وزيادة لا وقرئ بالتخفيف على أن تكون لا حرف تنبيه وأن تكون الياء حرف نداء فيوقف عليها بالألف على تقدير ياقوم ثم يبتدأ اسجدوا يخرج الخبء الخبء في اللغة الخفي وقيل معناه هنا الغيب وقيل يخرج النبات من الأرض واللفظ يعم كل خفي وبه فسره ابن عباس ثم تول عنهم أي تنح إلى مكان قريب لتسمع ما يقولون وروي أنه دخل عليها من كوة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة وقيل إن التقدير انظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم فهو من المقلوب والأول أحسن ماذا يرجعون من قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول قالت يا أيها الملؤ قيل هذا الكلام محذوف تقديره فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته ثم جمعت أهل ملكها فقالت لهم يا أيها الملأ كتاب كريم وصفته بالكرم لأنه من عند سليمان أو لأن فيه اسم الله أو لأنه مختوم كما جاء في الحديث كرم الكتاب ختمه من سليمان يحتمل أن يكون هذا نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان وأن يكون من كلامها أخبرتهم أن الكتاب من سليمان وأتوني مسلمين يحتمل أن يكون من الانقياد بمعنى مستسلمين أو يكون من الدخول في الإسلام أولو قوة يحتمل أن يريد قوة الأجساد أو قوة الملك والعدد وكذلك يفعلون من كلام الله عز وجل تصديقا لقولها فيوقف على ما قبله أو من كلام بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته وتعني كذلك يفعل هؤلاء بنا وإني مرسلة إليهم بهدية قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل

(2/306)


بهدية من نفائس الأموال فإن كان ملكا دنيويا أرضاه المال وإن كان نبيا لم يرضه المال وإنما يرضيه دخولنا في دينه فبعث إليه هدية عظيمة وصفها الناس واختصرنا وصفها لعدم صحته أتمدونن بمال إنكار للهدية لأن الله أغناه عنها بما أعطاه بل أنتم بهديتكم تفرحون أي أنتم محتاجون إليها فتفرحون بها وأنا لست ... 489
96 كذلك ارجع إليهم خطاب للرسول وقيل للهدهد والأول أرجح لأن قوله فلما جاء سليمان مسند إلى الرسول لا قبل لهم بها أي لا طاقة لهم بها قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين القائل سليمان والملأ جماعة من الجن والإنس وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين لأنه وصف له بعظمة فأراد أن يأخذه قبل أن يسلموا فيمنع إسلامهم من أخذ أموالهم فمسلمين على هذا من الدخول في دين الإسلام وقيل إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين ليظهر لهم قوته فمسلمين على هذا بمعنى منقادين قال عفريت روي عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت الكودن قبل أن تقوم من مقامك قبل أن تقوم من موضع الحكم وكان يجلس من بكرة إلى الظهر وقيل معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائما قال الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا وكان رجلا صالحا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم وقيل هو الخضر وقيل هو جبريل والأول أشهر وقيل سليمان وهذا بعيد آتيك به في الموضعين يحتمل أن يكون فعلا مستقبلا أو اسم فاعل قبل أن يرتد إليك طرفك الطرف العين فالمعنى على هذا قبل أن تغض بصرك إذا نظرت إلى شيء وقيل الطرف تحريك الأجفان إذا نظرت فلما رآه مستقرا عنده قيل هنا محذوف تقديره فجاءه الذي عنده علم من الكتاب بعرشها ومعنى مستقرا عنده حاصلا عنده وليس هذا بمستقر الذي يقدر النحويون تعلق المجرورات به خلافا لمن فهم ذلك يشكر لنفسه أي منفعة الشكر لنفسه قال نكروا لها عرشها تنكيره تغيير وصفه وستر بعضه وقيل الزيادة فيه

(2/307)


والنقص منه وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها أتهتدي يحتمل أن يريد تهتدي لمعرفة عرشها أو للجواب عنه إذا سئلت أو للإيمان فلما جاءت قيل أهكذا عرشك كان عرشها قد وصل قبلها إلى سليمان فأمر بتنكيره وأن يقال لها أهكذا عرشك أي أمثل هذا عرشك لئلا تفطن أنه هو فأجابته بقولها كأنه هو جوابا عن السؤال ولم تقل هو تحرزا من الكذب أو من التحقيق في محل الاحتمال وأوتينا العلم من قبلها هذا من كلام سليمان وقومه لما رأوها قد آمنت قالوا ذلك اعترافا بنعمة الله عليهم في أن آتاهم العلم قبل بلقيس وهداهم للإسلام قبلها والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره قد أسلمت هي وعلمت وحدانية الله وصحة النبوة وأوتينا نحن العلم قبلها وصدها ما كانت تعبد من دون الله هذا يحتمل أن يكون من كلام سليمان وقومه أو من كلام الله تعالى ويحتمل أن يكون ما كانت تعبد فاعلا أو مفعولا فإن كان فاعلا فالمعنى صدها ما كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام ... 490

(2/308)


97 حتى إلى هذا الوقت وإن كان مفعولا فهو على إسقاط حرف الجر والمعنى صدها الله أو سليمان عن ما كانت تعبد من دون الله فدخلت في الإسلام
قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها الصرح في اللغة هو القصر وقيل صحن الدار روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصرا من زجاج أبيض وأجرى الماء من تحته وألقى فيه دواب البحر من السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه فلما رأته حسبته لجة واللجة الماء المجتمع كالبحر فكشفت عن ساقيها لتدخله لما أمرت بدخوله وروي أن الجن كرهوا تزوج سليمان لها فقالوا له إن عقلها مجنون وإن رجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة واختبر ساقها بالصرح فلما كشفت عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقا فتزوجها وأقرها على ملكها باليمن وكان يأتيها مرة في كل شهر وقيل أسكنها معه بالشام قال إنه صرح ممرد من قوارير لما ظنت أن الصرح لجة ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل الماء قال لها سليمان إنه صرح ممرد والممرد الأملس وقيل الطويل والقوارير جمع قارورة وهي الزجاجة قالت رب إني ظلمت نفسي تعني بكفرها فيما تقدم وأسلمت مع سليمان هذا ضرب من ضروب التجنيس فريقين يختصمون الفريقان من آمن ومن كفر واختصامهم اختلافهم وجدالهم في الدين لم تستعجلون أي لم تطلبون العذاب قبل الرحمة أو المعصية قبل الطاعة قالوا اطيرنا بك أي تشاءمنا بك وكانوا قد أصابهم القحط قال طائركم عند الله أي السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شركم هو عند الله وهو قضاؤه وقدره وذلك رد عليهم في تطيرهم ونسبتهم ما أصابهم من القحط إلى صالح عليه السلام وكان في المدينة يعني مدينة ثمود يفسدون في الأرض قيل إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم ولفظ الفساد أعم من ذلك تقاسموا بالله أي حلفوا بالله وقيل إنه فعل ماض وذلك ضعيف والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض وتعاقدوا عليه

(2/309)


لنبيتنه وأهله أي لنقتلنه وأهله بالليل وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه ومهلك يحتمل أن يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان فإن قيل إن قولهم ما شهدنا مهلك أهله يقتضي التبري من دم أهله دون التبري من دمه فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أنهم أرادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله وحذف مهلكه لدلالة قولهم لنبيتنه وأهله والثاني أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم لقوله وأغرقنا آل فرعون يعني فرعون وقومه الثالث أنهم قالوا مهلك أهله خاصة ليكونوا صادقين فإنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معا وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا ... 491

(2/310)


98 يكذبوا وإنا لصادقون يحتمل أن يكون قولهم وإنا لصادقون مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون ويحتمل أنهم قصدوا وجها من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك أهله وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحا وأهله معا ثم يقولون ما شهدنا مهلك أهله وحدهم وإنا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معا وعلى ذلك حمله الزمخشري أنا دمرناهم وقومهم روي أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلا في غار قريبا من داره ليخرجوا منه إلى داره بالليل فوقعت عليهم صخرة فأهلكتهم ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض ونجا صالح ومن آمن به وأنتم تبصرون قيل معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية وقيل تبصرون بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض وقيل تبصرون آثار الكفار قبلكم وما نزل بهم من العذاب يتطهرون والغابرين وأمطرنا قد ذكر قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أمر الله رسوله أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا لأنها براهين على وحدانيته وقدرته وأن يستفتح ذلك بحمده والسلام على من اصطفاه من عباده كما تستفتح الخطب والكتب وغيرها بذلك تيمنا بذكر الله قال ابن عباس يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين آلله خير أما يشركون على وجه الرد على المشركين فدخلت خير التي يراد بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم مع أنه معلوم أنه لا خير فيما أشركوا أصلا ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات وأعقب كل برهان منها بقوله أإله مع الله على وجه التقرير لهم على أنه لم يفعل ذلك كله إلا الله وحده فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضا نعم يجب شكرها فقامت بذلك أيضا وأم في قوله خير أما يشركون متصلة عاطفة وأم في المواضع التي بعده منقطعة بمعنى بل والهمزة قوم يعدلون

(2/311)


أي يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلا ومثيلا رواسي يعني الجبال البحرين ذكر في الفرقان يجيب المضطر قيل هو المجهود وقيل الذي ... 492
99 لا حول له ولا قوة واللفظ مشتق من الضرر أي الذي أصابه الضر أو من الضرورة أي الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء خلفاء الأرض أي خلفاء فيها تتوارثون سكناها أمن يهديكم يعني الهداية بالنجوم والطرقات بشرا ذكر في الأعراف من السماء والأرض الرزق من السماء المطر ومن الأرض النبات هاتوا برهانكم تعجيز للمشركين قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب وأنه لا يعلمه سواه ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله ثم قرأت هذه الآية فإن قيل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم قال إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني الله فإن قيل كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين وأشباههم بالأمور المغيبة فالجواب أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم وإنما اقتضت الآية نفي العلم وقد قيل إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك ولذلك قال وما يشعرون أيان يبعثون فعلى هذا يندفع السؤال الأول والثاني لأنه علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى قل إنما علمها عند الله ولقوله صلى الله عليه وسلم في خمس لا يعلمها إلا الله ثم قرأ إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة فإن قيل كيف قال إلا بالرفع على البدل والبدل لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلا ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض والقائلين بنفي الجهة يقولون إن الله

(2/312)


تعالى ليس بهما ولا فوقهما ولا داخلا فيهما ولا خارجا عنهما فهو على هذا استثناء منقطع فكان يجب أن يكون منصوبا فالجواب من أربعة أوجه الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل وإن كان منقطعا كقولهم ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم والثاني أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال وهو معكم أينما كنتم يعني بعلمه فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف لأن قوله في السموات والأرض وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين الجواب الثالث أن قوله من في السموات والأرض يراد به كل موجود فكأنه قال من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلا فيصح الرفع على البدل وإنما قال من في السموات والأرض جريا على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه الجواب الرابع أن يكون الاستثناء متصلا على أن يتأول من في السموات في حق الله كما يتأول قوله ءأمنتم من في السماء وحديث ... 493

(2/313)


100 الجارية وشبه ذلك وما يشعرون أيان يبعثون أي لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون لأن علم الساعة مما انفرد به الله روي أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة بل ادارك علمهم في الآخرة وزن ادارك تفاعل ثم سكنت التاء وأدغمت في الدال واجتلبت ألف الوصل والمعنى تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها وقرئ أدرك بهمزة قطع على وزن أفعل والمعنى على هذا يدرك علمهم في الآخرة أي يعلمون فيها الحق لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق فقوله في الآخرة على هذا ظرف وعلى القراءة الأولى بمعنى الباء عمون جمع عم وهو من عمى القلوب ردف لكم أي تبعكم واللام زائدة أو ضمن معنى قرب وتعدى باللام ومعنى الآية أنهم استعجلوا العذاب بقولهم متى هذا الوعد فقيل لهم عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون وهو قتلهم يوم بدر غائبة الهاء فيه للمبالغة أي ما من شيء في غاية الخفاء إلا وهو عند الله في كتاب
إنك لا تسمع الموتى شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء ثم شبههم بالصم وبالعمي وإن كانوا صحاح الحواس وأكد عدم سماعهم بقوله إذا ولوا مدبرين لأن الأصم إذا أدبر وبعد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية وإذا وقع القول عليهم أي إذا حان وقت عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه والمعنى إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض وخروج الدابة من أشراط الساعة وروي أنها تخرج من المسجد الحرام وقيل من الصفا وأن طولها ستون ذراعا وقيل هي الجساسة التي وردت في الحديث تكلمهم قيل تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلا دين الإسلام وقيل تقول لهم ألا لعنة الله على الظالمين وروي أنها تسم الكافر وتحطم أنفه وتسود وجهه وتبيض وجه المؤمن أن الناس من قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام ... 494

(2/314)


101 ومن قرأ بالفتح فهو مفعول تكلمهم أي تقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون أو مفعول من أجله تقديره تكلمهم لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام ويحتمل قوله لا يوقنون بخروج الدابة ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين وهذا أظهر فهم يوزعون أي يساقون بعنف أماذا كنتم تعملون أم استفهامية والمعنى إقامة الحجة عليهم كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها ووقع القول عليهم أي حق العذاب عليهم أو قامت الحجة عليهم فهم لا ينطقون إنما يسكتون لأن الحجة قد قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن ليسكنوا فيه ذكر في يونس ينفخ في الصور ذكر في الكهف إلا من شاء الله قيل هم الشهداء وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام داخرين صاغرين متذللين تحسبها جامدة أي قائمة ثابتة وهي تمر يكون مرورها في أول أحوال يوم القيامة ثم ينسفها الله في خلال ذلك فتكون كالعهن ثم تصير هباء منبثا صنع الله مصدر والعامل فيه محذوف وقيل هو منصوب على الإغراء أي انظروا صنع الله من جاء بالحسنة فله خير منها قيل إن الحسنة لا إله إلا الله واللفظ أعم ومعنى خير منها أن له بالحسنة الواحدة عشرا من فزع يومئذ من نون فزع فتح الميم من يومئذ ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ بفتح الميم على البناء أو بكسرها على الإعراب ومن جاء بالسيئة السيئة هنا الكفر والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها هذه البلدة يعني مكة الذي حرمها أي جعلها حرما آمنا لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها ونسب تحريمها هنا إلى الله لأنه بسبب قضائه وأمره ونسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم عليه السلام في قوله إن إبراهيم حرم مكة لأن إبراهيم هو الذي أعلم الناس بتحريمها فليس بين الحديث والآية تعارض وقد جاء في حديث آخر أن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض ومن ضل فقل

(2/315)


إنما أنا من المنذرين أي إنما علي الإنذار والتبليغ سيريكم ... 495
102 آياته ) وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى معرفة آيات الله إما في الدنيا أو في الآخرة
سورة القصص
علا في الأرض أي تكبر وطغا شيعا أي فرقا مختلفين فجعل فرعون القبط ملوكا وبني إسرائيل خداما لهم وهم الطائفة الذين استضعفهم وأراد الله أن يمن عليهم ويجعلهم أئمة أي ولاة في الأرض أرض فرعون وقومه هامان هو وزير فرعون وأوحينا إلى أم موسى اختلف هل كان هذا الوحي بإلهام أو منام أو كلام بواسطة الملك وهذا أظهر لثقتها بما أوحى إليها وامتثالها ما أمرت به فإذا خفت عليه أي إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل لما أخبره الكهان أن هلاكه على يد غلام منهم فالتقطه آل فرعون الالتقاط اللقاء من غير قصد روي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر وهو النيل فأمرت أن يساق لها ففتحته فوجدت فيه صبيا فأحبته وقالت لفرعون هذا قرة عين لي ولك ليكون لهم عدوا اللام لام العاقبة وتسمى أيضا لام الصيرورة لا تقتلوه روي أن فرعون هم بذبحه إذ توسم أنه من بني إسرائيل فقالت امرأته لا تقتلوه وهم لا يشعرون أي لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه والضمير الفاعل لفرعون وقومه وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي ذاهلا لا عقل معها وقيل فارغا من الحزن إذ لم يغرق وهذا بعيد لما بعده وقيل فارغا من كل شيء إلا من ذكر الله وقرئ فزعا بالزاي من الفزع إن كادت لتبدي به أي تظهر أمره وفي الحديث كادت أم موسى أن تقول واابناه وتخرج صائحة على وجهها ربطنا على قلبها أي رزقناها الصبر لتكون من المؤمنين أي من المصدقين بالوعد الذي وعدها الله وقالت ... 496

(2/316)


103 لأخته قصيه ) أي اتبعيه والقص طلب الأثر فخرجت أخته تبحث عنه في خفية فبصرت به عن جنب أي رأته من بعيد ولم تقرب منه لئلا يعلموا أنها أخته وقيل معنى عن جنب عن شوق إليه وقيل معناه أنها نظرت إليه كأنها لا تريده وهم لا يشعرون أي لا يشعرون أنها أخته وحرمنا عليه المراضع أي منع منها بأن بغضها الله له والمراضع جمع مرضعة وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع بفتح الميم والضاد وهو موضع الرضاع يعني الثدي من قبل أي من أول مرة فقالت هل أدلكم القائلة أخته تخاطب آل فرعون فرددناه إلى أمه لما منعه الله من المراضع وقالت أخته هل أدلكم على أهل بيت الآية جاءت بأمه فقبل ثديها فقال لها فرعون ومن أنت منه فما قبل ثدي امرأة إلا ثديك فقالت إني امرأة طيبة اللبن فذهبت به إلى بيتها وقرت عينها بذلك وعلمت أن وعد الله حق في قوله إنا رادوه إليك بلغ أشده ذكر في يوسف واستوى أي كمل عقله وذلك مع الأربعين سنة ودخل المدينة يعني مصر وقيل قرية حولها والأول أشهر على حين غفلة قيل في القائلة وقيل بين العشاءين وقيل يوم عيد وقيل كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل مختفيا متخوفا هذا من شيعته الذي من شيعته من بني إسرائيل والذي من عدوه من القبط فوكزه موسى أي ضربه والوكز الدفع بأطراف الأصابع وقيل بجمع الكف فقضى عليه أي قتله ولم يرد أن يقتله ولكن وافقت وكزته الأجل فندم وقال هذا من عمل الشيطان أي إن الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان ثم اعترف واستغفر فغفر الله له فإن قيل كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافرا فالجواب أنه لم يؤذن له في قتله ولذلك يقول يوم القيامة إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين الظهير المعين والباء سببية والمعنى بسبب إنعامك علي لا أكون ظهيرا للمجرمين فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربه وقيل الباء باء القسم وهذا ضعيف

(2/317)


لأن قوله فلن أكون لا يصلح لجواب القسم وقيل جواب القسم محذوف تقديره وحق نعمتك لأتوبن فلن أكون ظهيرا للمجرمين وقيل الباء للتحليف أي اعصمني بحق نعمتك علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ويحتج بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجور يترقب في الموضعين أي يستحس هل يطلبه أحد يستصرخه أي ... 497
104 يستغيث به لقي موسى الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلا آخر من القبط فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس فعظم ذلك على موسى وقال له إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما الضمير في أراد وفي يبطش لموسى وفي قال للإسرائيلي والمعنى لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدو له وللإسرائيلي ظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به إذ قال له إنك لغوي مبين فقال الإسرائيلي لموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وقيل الضمير في أراد للإسرائيلي والمعنى فلما أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى بالقبطي ولم يفعل موسى ذلك لندامته على قتله الآخر بالأمس فنصح الإسرائيلي فقال له أتريد أن تقتلني فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون وجاء رجل قيل إنه مؤمن آل فرعون وقيل غيره يسعى أي يسرع في مشيه ليدرك موسى فينصحه ( إن الملأ يأتمرون بك ) يتشاورون وقيل يأمر بعضهم بعضا بقتلك كما قتلت القبطي ولما توجه تلقاء مدين أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي مدينة شعيب عليه السلام قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي وسط الطريق يعني طريق مدين إذ كان قد خرج فارا بنفسه وكان لا يعرف الطريق وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام وقيل أراد سبيل الهدى وهذا أظهر ويدل كلامه هذا على أنه كان عارفا بالله قبل نبوته ولما ورد ماء مدين أي وصل إليه وكان بئرا يسقون أي يسقون مواشيهم امرأتين روي أن اسمهما ليا وصفوريا وقيل صفيرا وصفرا تذودان أي تمنعان الناس عن غنمهما وقيل تذودان غنمهما عن الماء حتى

(2/318)


يسقي الناس وهذا أظهر لقولهما لا نسقي حتى يصدر الرعاء أي كانت عادتهما ألا يسقيا غنمهما الإ بعد الناس لقوة الناس ولضعفهما أو لكراهتهما التزاحم مع الناس يصدر بضم الياء وكسر الدال فعل متعد والمفعول محذوف تقديره حتى يصدر الرعاء مواشيهم وقرئ بفتح الياء وضم الدال أي ينصرفون عن الماء وأبونا شيخ كبير أي لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه وهذا الشيخ هو شعيب عليه السلام في قول الجمهور وقيل ابن أخيه وقيل رجل صالح ليس من شعيب بنسب فسقى لهما أي أدركته شفقته عليهما فسقى غنمهما وروي أنه كان على فم البئر صخرة لا يرفعها إلا ثلاثون رجلا فرفعها وحده تولى إلى الظل أي جلس في الظل وروي أنه كان ظل سمرة
إني لما أنزلت إلي من خير فقير طلب من الله ما يأكله وكان قد ... 498

(2/319)


105 اشتد عليه الجوع فجاءته إحداهما قبل هذا كلام محذوف تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فأخبرتاه بما كان من أمر سقي الرجل لهما فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته واختلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى على استحياء روي أنها سترت وجهها بكم درعها والمجرور يتعلق بما قبله وقيل بما بعده وهو ضعيف وقص عليه القصص أي ذكر له قصته لا تخف أي قد نجوت من فرعون وقومه لأن بلد مدين لم يكن من ملك فرعون استأجره أي اجعله أجيرا لك إن خير من استأجرت القوي الأمين هذا الكلام حكمة جامعة بليغة روي أن أباها قال لها من أين عرفت قوته وأمانته قالت أما قوته ففي رفعه الحجر عن فم البئر وأما أمانته فإنه لم ينظر إلي قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي زوجته التي دعته واختلف هل زوجه الكبرى أو الصغرى واسم التي زوجه صفور وقيل صفوريا ومن لفظ شعيب حسن أن يقال في عقود الأنكحة أنكحه إياها أكثر من أن يقال أنكحها إياه على أن تأجرني ثماني حجج أي أزوجك بنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام قال مكي في هذه الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمد وجعل المهر إجارة قلت فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراودة وقد قال الزمخشري إن كلامه معه لم يكن عقد نكاح وإنما كان مواعدة وأما ذكر أول الأمد فالظاهر أنه من حين العقد وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية وقد قرره شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم للرجل قد زوجتكها على ما معك من القرآن أي على أن تعلمها ما عندك من القرآن وقد أجاز النكاح بالإجارة الشافعي وابن حنبل وابن حبيب للآية والحديث ومنعه مالك فإن أتممت عشرا فمن عندك جعل الأعوام الثمانية شرطا ووكل العامين إلى مروءة موسى فوفى له العشر وقيل وفي العشرة وعشرا بعدها وهذا ضعيف لقوله فلما قضى موسى الأجل أي

(2/320)


الأجل المذكور وسار بأهله الأهل هنا الزوجة مشى بها إلى مصر جذوة أي قطعة ويجوز كسر الجيم وضمها وقد ذكر آنس والطور وتصطلون شاطيء الواد جانبه والأيمن صفة للشاطئ اليمين ويحتمل أن يكون من اليمن فيكون صفة للوادي من الشجرة روي أنها كانت عوسجة جان ذكر في النمل ... 499
106 اسلك يدك في جيبك أي أدخلها فيه والجيب هو فتح الجبة من حيث يخرج الإنسان رأسه واضمم إليك جناحك الجناح اليد أو الإبط أو العضد أمره الله لما خاف من الحية أن يضمه إلى جنبه ليخف بذلك خوفه فإن من شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخف خوفه وقيل ذلك على وجه المجاز والمعنى أنه أمر بالعزم على ما أمر به كقوله اشدد حيازمك واربط جأشك من الرهب أي من أجل الرهب وهو الخوف وفيه ثلاثة لغات فتح الراء والهاء وفتح الراء وإسكان الهاء وضم الراء وإسكان الهاء فذانك برهانان أي حجتان والإشارة إلى العصا واليد إلى فرعون يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام ردءا أي معينا وقرئ بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز أو يكون من أرديت أي زدت سنشد عضدك بأخيك استعارة في المعونة بآياتنا يحتمل أن يتعلق بقوله نجعل أو بيصلون أو بالغالبون فأوقد لي يا هامان على الطين أي اصنع الآجر لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء وروي أنه أول من عمل الآجر وكان هامان وزير فرعون وانظر ضعف عقولهما وعقول قومهما وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح وقد روي أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع مخضوبا بدم وذلك فتنة له ولقومه وتهكم بهم ثم قال وإني لأظنه من الكاذبين يعني في دعوى الرسالة والظن هنا يحتمل أن يكون على بابه أو بمعنى اليقين أئمة يدعون إلى النار أي كانوا يدعون الناس إلى الكفر الموجب للنار من المقبوحين أي من المطرودين المبعدين وقيل قبحت وجوههم وقيل ...

(2/321)


500
107 قبح ما يفعل بهم وما يقال لهم وما كنت بجانب الغربي خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به إقامة حجة لإخباره بحال موسى وهو لم يحضره والغربي المكان الذي في غربي الطور وهو المكان الذي كلم الله فيه موسى والأمر المقضي إلى موسى هو النبوة ومن الشاهدين معناه من الحاضرين هنالك ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر المعنى لم تحضر يا محمد للإطلاع على هذه الغيوب التي تخبر بها ولكنها صارت إليك بوحينا فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم فكفروا بك وقيل المعنى لكنا أنشأنا قرونا بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل ثاويا أي مقيما إذ نادينا يعني تكليم موسى والمراد بذلك إقامة حجة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضرا حينئذ ولكن رحمة انتصب على المصدر أو على أنه مفعول من أجله والتقدير ولكن أرسلناك رحمة منا لك ورحمة للخلق بك ولولا أن تصيبهم مصيبة لو هنا حرف امتناع ولولا الثانية عرض وتحضيض والمعنى لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فلما جاءهم الحق يعني القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى يعنون إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة وقلب العصا حية وفلق البحر وشبه ذلك أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل هذا رد عليهم فيما طلبوه والمعنى أنهم كفروا بما أوتي موسى فلو آتينا محمدا مثل ذلك لكفروا به ومن قبل على هذا يتعلق بقوله أوتي موسى ويحتمل أن يتعلق بقوله أولم يكفروا إن كانت الآية في بني إسرائيل والأول أحسن قالوا ساحران تظاهرا يعنون موسى

(2/322)


وهارون أو موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم والضمير في أولم يكفروا وفي قالوا لكفار قريش وقيل لآبائهم وقيل لليهود والأول أظهر وأصح لأنهم المقصودون بالرد عليهم فأتوا بكتاب أمر على وجه التعجيز لهم أهدى منهما الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم يستجيبوا لك قد علم أنهم لا يستجيبون للإتيان بكتاب هو أهدى منهما أبدا ولكنه ذكره بحرف إن مبالغة في إقامة الحجة عليهم ... 501

(2/323)


108 كقوله فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاعلم أنما يتبعون أهواءهم المعنى إن لم يأتوا بكتاب فاعلم أن كفرهم عناد واتباع أهوائهم لا بحجة وبرهان ولقد وصلنا لهم القول الضمير لكفار قريش وقيل لليهود والأول أظهر لأن الكلام من أوله معهم والقول هنا القرآن ووصلنا لهم أبلغناه لهم أو جعلناه موصلا بعضه ببعض الذين آتيناهم الكتاب من قبله يعني من أسلم من اليهود وقيل النجاشي وقومه وقيل نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم عشرون رجلا فآمنوا به والضمير في قبله للقرآن وقولهم إنه الحق تعليل لإيمانهم وقولهم إنا كنا من قبله مسلمين بيان لأن إسلامهم قديم لأنهم وجدوا ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم قبل أن يبعث أولئك يؤتون أجرهم مرتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت له أمة فأعتقها وتزوجها بما صبروا يعني صبرهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا أو غير ذلك من أنواع الصبر ويدرؤون بالحسنة السيئة أي يدفعون ويحتمل أن يريد بالسيئة ما يقال لهم من الكلام القبيح وبالحسنة ما يجاوبون به من الكلام الحسن أو يريد سيئات أعمالهم وحسناتها كقوله إن الحسنات يذهبن السيئات وإذا سمعوا اللغو يعني ساقط الكلام لنا أعمالنا ولكم أعمالكم هذا على وجه التبري والبعد من القائلين للغو سلام عليكم معناه هنا المتاركة والمباعدة لا التحية أو كأنه سلام الانصراف والبعد لا نبتغي الجاهلين أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام إنك لا تهدي من أحببت نزلت في أبي طالب إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عند موته لا إله إلا الله فقال لولا أن يعايرني بها قريش لأقررت بها عينك ومات على الكفر ولفظ الآية مع ذلك على عمومه ولكن الله يهدي من يشاء لفظ عام

(2/324)


وقيل أراد به العباس بن عبد المطلب وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا القائلون لذلك قريش وروي أن الذي قالها منهم الحارث بن عامر بن نوفل والهدى هو الإسلام ومعناه الهدى على زعمك وقيل إنهم قالوا قد علمنا أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفتنا العرب أي أهلكونا بالقتال لمخالفة دينهم أولم نمكن لهم حرما آمنا هذا رد عليهم فيما اعتذروا به من تخطف الناس لهم والمعنى أن الحرم لا تتعرض له العرب بقتال ولا يمكن الله أحدا من إهلاك أهله فقد كانت العرب يغير بعضهم على بعض وأهل الحرم آمنون من ذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء أي ... 502

(2/325)


109 تجلب إليه الأرزاق مع أنه واد غير ذي زرع
بطرت معيشتها معنى بطرت طغت وسفهت ومعيشتها نصب على التفسير مثل التفسير مثل سفه نفسه أو على إسقاط حرف الجر تقديره بطرت في معيشتها أو يتضمن معنى بطرت كفرت إلا قليلا يعني قليلا من السكنى أو قليلا من الساكنين أي لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارا على الطريق ساعة وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا أم القرى مكة لأنها أول ما خلق الله من الأرض ولأن فيها بيت الله والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم في أم القرى فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة عليهم وما أوتيتم من شيء الآية تحقير للدنيا وتزهيد فيها وترغيب في الآخرة أفمن وعدناه الآية إيضاح لما قبلها من البون بين الدنياوالآخرة والمراد بمن وعدناه المؤمنين وبمن متعناه الكافرين وقيل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وأبو جهل وقيل حمزة وأبو جهل والعموم أحسن لفظا ومعنى من المحضرين أي من المحضرين في العذاب ويوم يناديهم العامل في الظرف مضمر وفاعل ينادي الله تعالى ويحتمل أن يكون نداؤه بواسطة أو بغير واسطة والمفعول به المشركون أين شركائي توبيخ للمشركين ونسبهم إلى نفسه على زعمهم ولذلك قال الذين كنتم تزعمون فحذف المفعول وتقديره تزعمون أنهم شركاء لي أو تزعمون أنهم شفعاء لكم قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا معنى حق عليهم القول وجب عليهم العذاب والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم والإشارة بقولهم هؤلاء الذين أغوينا إلى اتباعهم من الضعفاء فإن قيل كيف الجمع بين قولهم أغوينا وبين قولهم تبرأنا إليك فإنهم اعترفوا بإغوائهم وتبرؤا مع ذلك منهم فالجواب أن إغواءهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه ولكن لم يكونوا يعبدوننا إنما كانوا يعبدون غيرنا من الأصنام

(2/326)


وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا فتحصل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء وتبرؤا من أن يكونوا هم آلهتهم فلا تناقض في الكلام وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلف بعيد لو أنهم كانوا يهتدون فيه أربعة أوجه الأول أن المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام والثاني لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا ... 503
110 والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلة يدفعون بها العذاب لفعلوا فلو على هذه الأقوال حرف امتناع وجوابها محذوف والرابع أن يكون لو للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين ماذا أجبتم المرسلين أي أهل صدقتم المرسلين أو كذبتموهم فعميت عليهم الأنباء يومئذ عميت عبارة عن حيرتهم والأنباء الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور فلم يعرفوا ما يقولون فهم لا يتساءلون أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الأنباء لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب وربك يخلق ما يشاء ويختار قيل سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء ويختار لرسالته من يشاء من عباده ولفظها أعم من ذلك والأحسن حمله على عمومه أي يختار ما يشاء من الأمور على الإطلاق ويفعل ما يريد ما كان لهم الخيرة ما نافية والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار والإرادة لله وحده فالوقف على قوله ويختار وقيل إن ما مفعولة بيختار ومعنى الخيرة على هذا الخير والمصلحة وهذا يجري على قول المعتزلة وذلك ضعيف لرفع الخيرة على أنها اسم كان ولو كانت ما مفعولة لكان اسم كان مضمرا يعود على ما وكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان وقد اعتذر عن هذا من قال إن ما مفعولة بأن يقال تقدير الكلام يختار ما كان لهم الخيرة فيه ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف وقال ابن عطية يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدرنا كان تامة ويوقف على قوله ما كان أي يختار كل كائن ويكون لهم الخيرة

(2/327)


جملة مستأنفة وهذا بعيد جدا
يعلم ما تكن صدورهم أي ما تخفيه قلوبهم وعبر عن القلب بالصدر لأنه يحتوي عليه له الحمد في الأولى والآخرة قيل إن الحمد في الآخرة قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده أو قولهم الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة سرمدا أي دائما والمراد بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك فإن قيل كيف قال يأتيكم بضياء وهلا قال يأتيكم بنهار في مقابلة قوله يأتيكم بليل فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع والعبر لتسكنوا فيه أي في الليل ولتبتغوا من فضله أي في النهار ففي الآية لف ونشر ونزعنا من كل أمة شهيدا أي أخرجنا من كل أمة شهيدا منهم يشهد عليهم بأعمالهم ... 504

(2/328)


111 وهو نبيهم لأن كل نبي يشهد على أمته هاتوا برهانكم أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز إن قارون كان من قوم موسى أي من بني إسرائيل وكان ابن عم موسى وقيل ابن عمته وقيل ابن خالته فبغى عليهم أي تكبر وطغى ومن ذلك كفره بموسى عليه السلام وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة المفاتح هي التي يفتح بها وقيل هي الخزائن والأول أظهر والعصبة جماعة الرجال من العشرة إلى الأربعين وتنوء معناه تثقل يقال ناء به الحمل إذا أثقله وقيل معنى تنوء تنهض بتحامل وتكلف والوجه على هذا أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح لكنه قلب كما جاء قلب الكلام عن العرب كثيرا ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول لا تفرح الفرح هنا هو الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان ولذلك قال إن الله لا يحب الفرحين وقيل السرور بالدنيا لأنه لا يفرح بها إلا من غفل عن الآخرة ويدل على هذا قوله ولا تفرحوا بما آتاكم وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال وذلك بفعل الحسنات والصدقات ولا تنس نصيبك من الدنيا أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك للآخرة وقيل معناه لا تضيع عمرك بترك الأعمال الصالحات فإن حظ الإنسان من الدنيا إنما هو بما يعمل فيها من الخير فالكلام على هذا وعظ وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة وأحسن كما أحسن الله إليك أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال إنما أوتيته على علم عندي لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم والروغان عما ألزموه من الموعظة والمعنى أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استوجبته به واختلف في هذا العلم فقيل إنه علم الكيمياء وقيل التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب وقيل حفظه التوراة وهذا بعيد لأنه كان كافرا قيل المعنى إنما أوتيته على علم

(2/329)


من الله وتخصيص خصني به ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون هذا رد عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم والأول أظهر ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون في معناه قولان أحدهما أنه متصل بما قبله والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة والمجرمون من بعدهم أي لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة والثاني أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم لكونهم يدخلون النار من غير حساب والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسئلون عنها لقوله فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه لكن يسألون على وجه التوبيخ وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ وحيثما ورد نفيه فهو على وجه ... 505

(2/330)


112 الاستخبار والتعريف ومنه قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فخرج على قومه في زينته في ثياب حمر وقيل في عبيده وحاشيته واللفظ أعم من ذلك ويلكم زجر للذين تمنوا مثل حال قارون ولا يلقاها إلا الصابرون الضمير عائد على الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم وهي الإيمان والعمل الصالح وقيل على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم أي لا تصدر الكلمة إلا عن الصابرين والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها فخسفنا به وبداره الأرض روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعا موسى عليه السلام عليه فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه فقال موسى يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال يا أرض خذيهم حتى تم بهم الخسف مكانه أي منزلته في المال والعزة بالأمس يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب ويكأن مذهب سيبويه أن وي حرف تنبيه ثم ذكرت بعدها كأن والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ثم قالوا كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي ما أشبه الحال بهذا وقال الكوفيون ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال ثم ذكرت بعدها أن والمعنى ألم يعلموا أن الله وقيل ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم علوا في الأرض أي تكبرا وطغيانا لا رفعة المنزلة فإن إرادتها جائزة فرض عليك القرآن أي أنزله عليك وأثبته وقيل المعنى أعطاك القرآن والمعنى متقارب وقيل فرض عليك أحكام القرآن فهي على حذف مضاف لرادك إلى معاد المعاد الموضع الذي يعاد إليه فقيل يعني مكة والآية نزلت حين الهجرة ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها وقيل يعني الآخرة فمعناها إعلام بالحشر وقيل يعني الجنة وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب أي ما كنت تطمع أن تنال النبوة ولا أن ينزل عليك الكتاب ولكن الله رحمك

(2/331)


بذلك ورحم الناس بنبوتك والاستثناء بمعنى لكن فهو منقطع ويحتمل أن يكون متصلا والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لك ورحمة للناس ورحمة على هذا مفعول من أجله أو حال وعلى الأول منصوب على ... 506
113 الاستثناء وادع إلى ربك يحتمل أن يكون من الدعاء بمعنى الرغبة أو من دعوة الناس إلى الإيمان بالله فالمفعول محذوف على هذا تقديره ادع الناس ولا تدع أي لا تعبد مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه الآية أي إلا إياه والوجه هنا عبارة عن الذات
سورة العنكبوت
الم ذكر في البقرة أحسب الناس أن يتركوا نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين منهم عمار بن ياسر وغيره وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام فضاقت صدورهم بذلك فآنسهم الله بهذه الآية ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار ليوطنوا أنفسهم على الصبر على الأذى والثبوت على الإيمان فأعلمهم الله تعالى أن تلك سيرته في عباده يسلط الكفار على المؤمنين ليمحصهم بذلك ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب ولفظها مع ذلك عام فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة من مصيبة أو مضرة في النفس والمال وغير ذلك ومعنى حسب ظن وأن يتركوا مفعولها والهمزة للإنكار وهم لا يفتنون في موضع الحال من الضمير في يتركوا تقديره غير مفتونين وأن يقولوا تعليل في موضع المفعول من أجله فليعلمن الله الذين صدقوا أي يعلم صدقهم علما ظاهرا في الوجود وقد كان علمه في الأزل والصدق والكذب في الآية يعني بهما صحة الإيمان والثبوت عليه أو ضد ذلك أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أم معادلة لقوله أحسب الناس والمراد بالذين يعملون السيئات الكفار الذين يعذبون المؤمنين ولفظها مع ذلك عام في كل كافر أو عاص ومعنى يسبقونا يفوتون من عقابنا ويعجزوننا فمعنى الكلام نفي سبقهم كما أن معنى الآية قبلها نفي ترك المؤمنين بغير فتنة من كان يرجو لقاء الله

(2/332)


الآية تسلية للمؤمنين ووعد لهم بالخير في الدار الآخرة والرجاء هنا على بابه وقيل هو بمعنى الخوف وأجل الله هو الموت ومعنى الآية من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله فيجازيه فإن لقاء الله قريب الإتيان وكل ما هو آت قريب ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أي منفعة جهاده فإنما هي لنفسه فإن الله لا تنفعه طاعة العباد والجهاد هنا يحتمل أن يراد به القتال أو جهاد ... 507

(2/333)


114 النفس حسنا منصوب بفعل مضمر تقديره
ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسنا أو مصدرا من معنى وصينا أي وصية حسنة وإن جاهداك لتشرك بي الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأنه لما أسلم حلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يكفر وقيل نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك فأمرهم الله بالثبات على الإسلام وألا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم بالكفر وعبر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة ومن الناس من يقول آمنا بالله نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم فإذا عذبهم الكفار رجعوا عن الإيمان فإذا نصر الله المؤمنين قالوا إنا كنا معكم فمعنى أوذي في الله أوذي بسبب إيمانه بالله وفتنة الناس تعذيبهم وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه اتبعوا سبيلنا أي قال الكفار للمؤمنين اكفروا كما كفرنا ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان وروي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة حكاه المهدوي وقولهم ولنحمل خطاياكم جزاء قولهم اتبعوا سبيلنا ولكنهم ذكروه على وجه الأمر للمبالغة ولما كان معنى الخبر صحة تكذيبهم فيه أخبره الله أنهم كاذبون أي لا يحملون أوزار هؤلاء بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفار فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما الظاهر أنه لبث هذه المدة بعد بعثه ويحتمل أن يكون ذلك من أول ولادته وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة وأنه عمر بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن قيل لم قال ألف سنة ثم قال إلا خمسين عاما فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى فالجواب أن ذلك كراهة لتكرار لفظ السنة فإن التكرار مكروه إلا إذا قصد به تفخيم أو تهويل وجعلناها آية يحتمل أن يعود الضمير على السفينة أو على النجاة أو على القصة بكمالها وتخلقون إفكا هو من الخلقة يريد به نحت الأصنام فسماه خلقة على وجه التجوز وقيل هو من اختلاق الكذب لا يملكون لكم رزقا الآية احتجاج على الوحدانية ونفي الشركاء فإن قيل لم نكر الرزق أولا ثم

(2/334)


عرفه في قوله فابتغوا عند الله الرزق فالجواب أنه نكره في قوله لا يملكون لكم رزقا لقصد العموم في النفي فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم ثم عرفه بعد ذلك لقصد العموم في طلب الرزق كله من الله لأنه لا يقتضي العموم في سياق ... 508
115 الإثبات إلا مع التعريف فكأنه قال ابتغوا الرزق كله عند الله وإن يكذبوك الآية يحتمل أن تكون من كلام إبراهيم أو من كلام الله تعالى ويحتمل مع ذلك أن يراد به وعيد الكفار وتهديدهم أو يراد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له بالتأسي بغيره من الأنبياء الذين كذبهم قومهم أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق يقال بدأ الله الخلق وأبدأه بمعنى واحد وقد جاءت اللغتان في هذه السورة والمعنى أولم ير الكفار أن الله خلق الخلق فيستدلون بالخلقة الأولى على الإعادة في الحشر فقوله ثم يعيده ليس بمعطوف على يبدأ لأن المعنى فيهما مختلف لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة فإنها تعلم بالنظر والاستدلال وإنما هو معطوف على الجملة كلها وقد قيل إنه يريد إعادة النبات وإبدائه وعلى هذا يكون ثم يعيده عطفا على يبدىء لاتفاق المعنى والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام إن ذلك على الله يسير يعني إعادة الخلق وهي حشرهم ثم أمرهم بالسير في الأرض ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم ولذلك ختمها بقوله إن الله على كل شيء قدير وإليه تقلبون أي ترجعون وما أنتم بمعجزين أي لا تفوتون من عذاب الله وليس لكم مهرب في الأرض ولا في السماء أولئك يئسوا من رحمتي يحتمل أن يكون يأسهم في الآخرة أو يكون وصف لحالهم في الدنيا لأن الكافر يائس من رحمة الله والمؤمن راج خائف وهذا الكلام من قوله أولم يروا إلى هنا يحتمل أن يكون خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم معترضا بين قصة إبراهيم ويحتمل أن يكون خطابا لإبراهيم وبعد ذلك ذكر جواب قومه له مودة بينكم نصب مودة على أنها

(2/335)


مفعول من أجله أو مفعول ثان لاتخذتم ورفعها على أنها خبر ابتداء مضمر أو خبر إن وتكون ما موصولة ونصب بينكم على الظرفية وخفضه بالإضافة فآمن له لوط تضمن آمن معنى انقاد ولذلك تعدى باللام وقال إني مهاجر إلى ربي القائل لذلك إبراهيم وقيل لوط وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم ... 509
116 وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وتقطعون السبيل قيل أراد قطع الطرق للسلب والقتل وقيل أراد قطع سبيل النسل بترك النساء وإتيان الرجال وتأتون في ناديكم المنكر النادي المجلس الذي يجتمع فيه الناس والمنكر فعلهم بالرجال وقيل إذايتهم للناس ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى الرسل هنا الملائكة والبشرى بشارة إبراهيم بالولد وهو قوله فبشروه بغلام حليم أو بشارته بنصر سيدنا لوط والأول أظهر أهل هذه القرية يعني قرية سيدنا لوط
قال إن فيها لوطا ليس إخبارا بأنه فيها وإنما قصد نجاة سيدنا لوط من العذاب الذي يصيب أهل القرية وبراءته من الظلم الذي وصفوه به فكأنه قال كيف تهلكون أهل القرية وفيها لوط وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط من الغابرين قد ذكر وكذلك سيء بهم رجزا من السماء أي عذابا وارجوا اليوم الآخر قيل الرجاء هنا الخوف وقيل هو على بابه ولا تعثوا في الأرض يعني نقصهم المكيال والميزان الرجفة هي الصيحة وقد تبين لكم من مساكنهم أي آثار مساكنهم باقية تدل على ما أصابهم وكانوا مستبصرين قيل معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به وقيل لهم بصيرة في الإيمان ولكنهم كفروا عنادا وقيل معنى مستبصرين عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال ولكنهم لم يفعلوا وما كانوا سابقين أي لم يفوتونا فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا الحاصب الحجارة والحاصب أيضا الريح الشديدة ويحتمل عندي أنه أراد به المعنيين

(2/336)


لأن قوم سيدنا لوط أهلكوا بالحجارة وعاد أهلكوا بالريح وإن حملناه ... 510
117 على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين كقوله إن الله وملائكته يصلون على النبي ويقوي ذلك هنا لأن المقصود هنا ذكر عموم أخذ أصناف الكفار ومنهم من أخذته الصيحة يعني ثمود ومدين ومنهم من خسفنا به الأرض يعني قارون ومنهم من أغرقنا يعني قوم نوح وفرعون وقومه مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا شبه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيفا فكان ما اعتمدت عليه العنكبوت في بيتها ليس بشيء فكذلك ما اعتمدت عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء لأنهم لا ينفعون ولا يضرون أوهن البيوت أي أضعفها لو كانوا يعلمون أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ما موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذي قبلها وقيل هي نافية والفعل معلق عنها والمعنى على هذا لستم تدعون من دون الله شيئا له بال فلا يصلح أن يسمى شيئا بالحق أي بالواجب لا على وجه العبث واللعب إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا كان المصلي خاشعا في صلاته متذكرا لعظمة من وقف بين يديه حمله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر فكأن الصلاة ناهية عن ذلك ولذكر الله أكبر قيل فيه ثلاثة معان الأول أن المعنى أن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات وسماها بذكر الله لأن ذكر الله أعظم ما فيها كأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر الثاني أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة لأنها في بعض الأوقات دون بعض الثالث أن ذكر الله أكبر أجرا من الصلاة ومن سائر الطاعات كما ورد في الحديث ألا أنبئكم بخير أعمالكم قالوا بلى قال ذكر الله ولا تجادلوا أهل الكتاب

(2/337)


إلا بالتي هي أحسن أي لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلا بالتي هي أحسن لا بضرب ولا قتال وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد ثم نسخ بالسيف ومعنى إلا الذين ظلموا أي ظلموكم وصرحوا بإذاية نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وقيل معنى الآية لا تجادلوا من أسلم من أهل الكتاب فيما حدثوكم به من الأخبار إلا بالتي هي أحسن ومعنى إلا الذين ظلموا على هذا من بقي منهم على كفره والمعنى الأول أظهر وقولوا آمنا هذا وما بعده يقتضي مواعدة ومسالمة وهي منسوخة بالسيف ويقتضي أيضا الإعراض عن مكالمتهم وفي الحديث لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ... 511

(2/338)


118 إليكم فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم وكذلك أنزلنا إليك الكتاب أي كما أنزلنا الكتاب على من قبلك أنزلناه عليك فالذين آتيناهم الكتاب يعني عبد الله بن سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى
ومن هؤلاء من يؤمن به أراد بالذين أوتوا الكتاب أهل التوراة والإنجيل وأراد بقوله من هؤلاء من يؤمن به كفار قريش وقيل أراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدمين من أهل التوراة والإنجيل وأراد بهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم منهم كعبد الله بن سلام وما كنت تتلوا من قبله من كتاب هذا احتجاج على أن القرآن من عند الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب ثم جاء بالقرآن فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك فالجواب أن ذلك تأكيد للكلام وتصوير للمعنى المراد إذا لارتاب المبطلون أي لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرق الشك إلى الكفار فكانوا يقولون لعله تعلم هذا الكتاب أو قرأه وقيل وجه الاحتجاج أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب فلما جعله الله كذلك قامت عليهم الحجة ولو كان يقرأ أو يكتب لكان مخالفا للصفة التي وصفه الله بها عندهم والمذهب الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأ قط ولا كتب وقال الباجي وغيره أنه كتب لظاهر حديث الحديبية وهذا القول ضعيف بل هو آيات الضمير للقرآن والإضراب ببل عن كلام محذوف تقديره ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب المعنى كيف يطلبون آية والقرآن أعظم الآيات وأوضحها دلالة على صحة النبوة فهلا اكتفوا به عن طلب الآيات قل كفى بالله ذكر معناه في الرعد وفي الأنعام ويستعجلونك بالعذاب الضمير للكفار يعني قولهم ائتنا بما تعدنا وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك ولولا أجل مسمى أي لولا أن الله قدر لعذابهم أجلا مسمى لجاءهم به حين طلبوه

(2/339)


وليأتينهم بغتة يحتمل أن يريد القتل الذي أصابهم يوم بدر أو الجوع الذي أصابهم بتوالي القحط أو يريد عذاب الآخرة وهذا أظهر لقوله وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب أي يحيط بهم والعامل في الظرف محذوف أو محيطة إن أرضي ... 512
119 واسعة ) تحريض على الهجرة من مكة إذ كان المؤمنون يلقون فيها أذى الكفار وترغيبا في غيرها من أرض الله فحينئذ هاجروا إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة لنبوئنهم أي ننزلهم وقرئ نثوينهم بالثاء المثلثة من الثوى وهو الإقامة في المنزل وكأين من دابة لا تحمل رزقها أي كم من دابة ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها ولكن الله يرزقها مع ضعفها والقصد بالآية تقوية لقلوب المؤمنين إذ خافوا الفقر والجوع في الهجرة إلى بلاد الناس أي كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم ولئن سألتهم في الموضعين إقامة حجة عليهم فأنى يؤفكون أي كيف يصرفون عن الحق قل الحمد لله حمدا لله على ظهور الحجة ويكون المعنى إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض بل أكثرهم لا يعقلون إضراب عن كلام محذوف تقديره يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعترفوا به ولكنهم لا يعقلون لهي الحيوان أي الحياة الدائمة التي لا موت فيها ولفظ الحيوان مصدر كالحياة فإذا ركبوا في الفلك الآية إقامة حجة عليهم بدعائهم حين الشدائد ثم يشركون به في حال الرخاء ليكفروا أمر على وجه التهديد أو على وجه الخذلان والتخلية كما تقول لمن تنصحه فلا يقبل نصحك اعمل ما شئت أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا الضمير لكفار قريش والحرم الآمن مكة لأنها كانت لا تغير عليها العرب كما تغير على سائر البلاد ولا ينتهك أحد حرمتها ويتخطف الناس من حولهم عبارة عما يصيب غير أهل مكة من القتال أو أخذ الأموال والذين جاهدوا فينا يعني جهاد النفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج

(2/340)


عن الأوطان وغير ذلك وقيل يعني القتال وذلك ضعيف لأن القتال لم يكن مأمورا به حين نزول الآية لنهدينهم سبلنا أي لنوفقنهم لسبيل الخير وإن الله لمع المحسنين المعنى أنه معهم بإعانته ونصره ... 513
120
سورة الروم
غلبت الروم أي هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم وسميت الروم باسم جدهم وهو روم ابن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم في أدنى الأرض قيل هي الجزيرة وهي بين الشام والعراق وهي أدنى أرض الروم إلى فارس وقيل في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام وهم من بعد غلبهم سيغلبون إخبار بأن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين البضع ما بين الثلاث إلى التسع ويومئذ يفرح المؤمنون روي أن غلب الروم فارس وقع يوم بدر وقيل يوم الحديبية ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفار قريش وقيل فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس لأن الروم أهل كتاب فهم أقرب إلى الإسلام كذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب فهم أقرب إلى كفار قريش وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال إن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون وراهنهم على عشرة قلاص إلى ثلاث سنين وذلك قبل أن يحرم القمار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل فجعل القلاص مائة والأجل تسعة أعوام وجعل معه أبي ابن خلف مثل ذلك فلما وقع الأمر على ما أخبر به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبي بن خلف إذ كان قد مات وجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له تصدق بها وعد الله مصدر مؤكد كقوله له على ألف درهم عرفا لأن معناه اعترفت له بها اعترافا يعلمون ظاهرا قيل معناه يعلمون ما يدرك بالحواس دون ما يدرك بالعقول فهم في ذلك مثل البهائم وقيل الظاهر ما يعلم بأوائل العقول والباطن ما يعلم بالنظر والدليل وقيل هو من الظهور بمعنى العلو في

(2/341)


الدنيا وقيل ظاهر بمعنى زائل ذاهب والأظهر أنه أراد بالظاهر المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها وانظر كيف نفى العلم عنهم أولا ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة وقال بعض أهل البيان إن هذا من المطابقة لاجتماع النفي والإثبات وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم لقلة منفعته فهو على هذا بيان للنفي
أولم يتفكروا في أنفسهم يحتمل معنيين أحدهما أن تكون النفس ظرفا للفكرة في خلق السموات والأرض كأنه قال اولم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلا بالحق والثاني أن يكون المعنى أو لم يتفكروا في ذواتهم ... 514

(2/342)


121 وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق ويكون قوله ما خلق الآية استئناف كلام والمعنى الأول أظهر وأثاروا الأرض أي حرثوها ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآى معنى السوآى هلاك الكفار ولفظ السوآى تأنيث الأسوأ كما أن الحسنى تأنيث الأحسن وقرئ عاقبة بالرفع على أنه اسم كان والسوآى خبرها وقرئ بنصب عاقبة على أنها خبر كان والسوآى اسمها وأن كذبوا مفعول من أجله ويحتمل أن تكون السوآى مصدر أساءوا يبلس المجرمون الإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير يتفرقون معناه في المنازل والجزاء يحبرون تنعمون من الحبور وهو السرور والنعيم وقيل تكرمون سبحان الله هذا تعليم للعباد أي قولوا سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وعشيا وحين تظهرون أي حين تدخلون في وقت الظهيرة وهي وسط النهار وقوله وله الحمد في السموات والأرض اعتراض بين المعطوفات وقيل أراد بذلك الصلوات الخمس فحين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر يخرج الحي ذكر في آل عمران ويحيي الأرض أي ينبت فيها النبات وكذلك تخرجون أي كما يخرج الله النبات من الأرض كذلك يخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة تنتشرون أي تنصرفون في الدنيا من أنفسكم أزواجا أي صنفكم وجنسكم قيل أراد خلقة حواء من ضلع آدم وخاطب الناس بذلك لأنهم ذرية آدم مودة ورحمة قيل المودة الجماع والرحمة الولد والعموم أحسن وأبلغ واختلاف ألسنتكم أي لغاتكم وألوانكم يعني البياض والسواد وقيل يعني أصنافكم ... 515

(2/343)


122 والأول أظهر خوفا وطمعا ذكر في الرعد أن تقوم السماء والأرض معناه تثبت أو يقوم تدبيرها ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون إذا الأولى شرطية والثانية فجائية وهي جواب الأولى والدعوة في هذه الآية قوله للموتى قوموا بالنفخة الثانية في الصور ومن الأرض يتعلق بقوله مخرجون أو بقوله دعاكم على أن تكون الغاية بالنظر إلى المدعو كقولك دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل قانتون ذكر في البقرة وهو أهون عليه أي الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة الأولى وهذا تقريب لفهم السامع وتحقيق للبعث فإن من صنع صنعة أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة ولكن الأمور كلها متساوية عند الله فإن كل شيء على الله يسير وله المثل الأعلى أي الوصف الأعلى الذي يصفه به أهل السموات والأرض هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء هذا هو المثل المضروب معناه أنكم أيها الناس لا يشارككم عبيدكم في أموالكم ولا يستوون معكم في أحوالكم فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في ملكه ولا يماثله أحد في ربوبيته فذكر حرف الاستفهام ومعناه التقرير على النفي ودخل في النفي قوله فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي لستم في أموالكم سواء مع عبيدكم ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم لأن العبيد عندكم أقل وأذل من ذلك بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم الإضراب ببل عما تضمنه معنى الآية المتقدمة كأنه يقول ليس لهم حجة في إشراكهم بالله بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم فأقم وجهك للدين هو دين الإسلام وإقامة الوجه في الموضعين من السورة عبارة عن الإقبال عليه والإخلاص فيه في قوله أقم والقيم ضرب من ضروب التجنيس فطرت الله منصوب على المصدر كقوله صبغة الله أو مفعولا بفعل مضمر تقديره الزموا فطرة الله أو عليكم فطرة الله ومعناه خلقة الله والمراد به دين الإسلام لأن الله خلق الخلق عليه إذ هو الذي تقتضيه عقولهم

(2/344)


السليمة وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه لا تبديل لخلق الله يعني بخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان ومعنى أن الله لا يبدلها أي لا يخلق الناس على غيرها ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى أو ... 516
123 يكون المعنى أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدلوها فالنفي على هذا حكم لا خبر وقيل إنه على الخصوص في المؤمنين أي لا تبديل لفطرة الله في حق من قضى الله أنه يثبت على إيمانه وقيل إنه نهى عن تبديل الخلقة كخصاء الفحول من الحيوان وقطع آذانها وشبه ذلك منيبين إليه منصوب على الحال من قوله أقم وجهك لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته ولذلك جمعهم في قوله منيبين وقيل هو حال من ضمير الفاعل المستتر في الزموا فطرة الله وقيل هو حال من قوله فطر الناس وهذا بعيد واتقوه وما بعده معطوف على أقم وجهك أو على العامل في فطرة الله وهو الزموا المضمر من الذين فرقوا دينهم المجرور بدل من المجرور قبله ومعنى فرقوا دينهم جعلوه فرقا أي اختلفوا فيه وقرئ فارقوا من المفارقة أي تركوه والمراد بالمشركين هنا أصناف الكفار وقيل هم المسلمون الذين تفرقوا فرقا مختلفة وفي لفظ المشركين هنا تجوز بعيد ولعل قائل هذا القول إنما قاله في قول الله في الأنعام إن الذين فرقوا دينهم فإنه ليس هناك ذكر المشركين وإذ مس الناس ضر الآية إنحاء على المشركين لأنهم يدعون الله في الشدائد ويشركون به في الرخاء ليكفروا ذكر في النحل أم أنزلنا عليهم سلطانا أم هنا منقطعة بمعنى بل والسلطان الحجة وكلامه مجاز كما تقول نطق بكذا والمعنى ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم وإذا أذقنا الناس رحمة إنحاء على من يفرح ويبطر إذا أصابه الخير ويقنط إذا أصابه الشر وانظر كيف قال هنا إذا وقال في الشر

(2/345)


إن تصبهم سيئة لأن إذا للقطع بوقوع الشرط بخلاف إن فإنها للشك في وقوعه ففي ذلك إشارة إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثر من الشر بما قدمت أيديهم المعنى أن ما يصيب الناس من المصائب فإنه بسبب ذنوبهم فآت ذا القربى حقه يعني صلة رحم القرابة بالإحسان والمودة ولو بالكلام الطيب وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس الآية معناها كقوله يمحق الله الربا ويربي الصدقات أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله وما آتيتم من الصدقات فهو الذي يزكو عند الله وينفعكم به وقيل المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك فهذا وإن كان جائزا فإنه لا ثواب فيه وقرئ وما آتيتم بالمد بمعنى أعطيتم وبالقصر يعني جئتم أي فعلتموه وقرئ لتربوا بالتاء المضمومة وليربوا بالياء ... 517

(2/346)


124 مفتوحة ونصب الواو فأولئك هم المضعفون المضعف ذو الإضعاف من الحسنات وفي هذه الجملة التفات لخروجه من الغيبة إلى الخطاب وكان الأصل أن يقال وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون وفيه أيضا حذف لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى ما وتقديره المضعفون به أو فمؤتوه هم المضعفون ظهر الفساد في البر والبحر قيل البر البلاد البعيدة من البحر والبحر هو البلاد التي على ساحل البحر وقيل البر اللسان والبحر القلب وهذا ضعيف والصحيح أن البر والبحر المعروفان فظهور الفساد في البر بالقحط والفتن وشبه ذلك وظهور الفساد في البحر بالغرق وقلة الصيد وكساد التجارات وشبه ذلك وكل ذلك بسبب ما يفعله الناس من الكفر والعصيان لا مرد له أي لا رجوع له ولا بد من وقوعه من الله يتعلق بقوله يأتي أو بقوله لا مرد له أي لا يرده الله يومئذ يصدعون من الصدع وهو الفرقة أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير فلأنفسهم يمهدون أي يوطنون وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة ليجزي يتعلق بيمهدون أو يصدعون أو بمحذوف مبشرات أي تبشر بالمطر وليذيقكم عطف على مبشرات كأنه قال ليبشركم وليذيقكم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره ليذيقكم من رحمته أرسلها وكان حقا انتصب حقا لأنه خبر كان واسمها نصر المؤمنين وقيل اسمها مضمر يعود على مصدر انتقمنا أي وكان الانتقام حقا فعلى هذا يوقف على حقا ويكون نصر المؤمنين مبتدأ وهذا ضعيف تثير سحابا أي تحركها وتنشرها كسفا أي قطعا وقرئ بإسكان السين وهما بناءان للجمع وقيل معنى الإسكان أن السحاب قطعة واحدة الودق هو المطر من خلاله الخلال الشقاق الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلل الأجزاء والضمير يعود على السحاب من ... 518

(2/347)


125 قبله ) كرر للتأكيد وليفيد سرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار لمبلسين أي قانطين كقوله ينزل الغيث من بعد ما قنطوا فرآه مصفرا الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر والمعنى لئن أرسل الله ريحا فاصفر به النبات لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله وقيل الضمير للريح وقيل للسحاب والأول أحسن في المعنى فإنك لا تسمع الموتى الآية استعارة في عدم سماع الكفار للمواعظ والبراهين فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم
خلقكم من ضعف الضعف الأول كون الإنسان من ماء مهين وكونه ضعيف في حال الطفولية والضعف الثاني الأخير الهرم وقرئ بفتح الضاد وضمها وهما لغتان ما لبثوا غير ساعة هذا جواب القسم ومعناه أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلا ساعة أي ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة وذلك لاستقصار تلك المدة كذلك كانوا يؤفكون أي مثل هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتحقيق حتى يروا الأشياء على ما هي عليه وقال الذين أوتوا العلم والإيمان هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ردوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها في كتاب الله يعني اللوح المحفوظ أو علم الله والمجرور على هذا يتعلق بقوله لبثتم وقيل يعني القرآن فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله أوتوا العلم وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره على هذا قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله أي العلماء بكتاب الله وقولهم لقد لبثتم خطاب للكفار وقولهم فهذا يوم البعث تقرير لهم وهو في المعنى جواب لشرط مقدر تقديره إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث ولا هم يستعتبون من العتبى بمعنى الرضا أي ولا يرضون وليست استفعل هنا للطلب إن وعد الله حق يعني ما وعد من النصر على الكفار ولا يستخفنك من الخفة أي لا تضطرب لكلامهم ... 519

(2/348)


126 سورة لقمان
الكتاب الحكيم ذكر في يونس ومن الناس من يشتري لهو الحديث هو الغناء وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شراء المغنيات وبيعهن حرام وقرأ هذه الآية وقيل نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فالشراء على هذا حقيقة وقيل نزلت في النضر بن الحارث وكان قد تعلم أخبار فارس فذلك هو لهو الحديث وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه فالشراء على هذا مجاز وقيل لهو الحديث الطبل وقيل الشرك ومعنى اللفظ يعم ذلك كله وظاهر الآية أنه لهو مضاف إلى الكفر بالدين واستخفاف لقوله تعالى ليضل عن سبيل الله الآية وأن المراد شخص معين لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف بغير عمد ترونها ذكر في الرعد أن تميد بكم أي لئلا تميد بكم لقمان رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبي أم لا وفي الحديث لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا حسن اليقين أحب الله فأحبه فمن عليه بالحكمة روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل واختلف في صناعته فقيل كان نجارا وقيل خياطا وقيل راعي غنم وكان ابنه كافرا فما زال يوصيه حتى أسلم وروي أن اسم ابنه ثاران ووصينا الإنسان هذه الآية والتي بعدها اعتراض في أثناء وصية لقمان لابنه على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بالله ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه حسبما ذكرنا في العنكبوت حملته أمه وهنا على وهن أي ضعفا على ضعف لأن الحمل كلما عظم ازدادت الحامل به ضعفا وانتصاب وهنا بفعل مضمر تقديره تهن وهنا وفصاله أي فطامه وأشار بذلك إلى غاية مدة الرضاع أن اشكر تفسير للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله وفصاله في عامين ... 520

(2/349)


127 ليبين ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم حقها ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب يا بني الآية رجع إلى كلام لقمان والتقدير وقال لقمان يا بني مثقال حبة من خردل أي وزنها والمراد بذلك أن الله يأتي بالقليل والكثير من أعمال العباد فعبر بحبة الخردل ليدل على ما هو أكثر في صخرة قيل المراد الصخرة التي عليها الأرض وهذا ضعيف وإنما معنى الكلام أن مثقال خردلة من الأعمال أو من الأشياء ولو كانت في أخفى موضع كجوف صخرة فإن الله يأتي بها يوم القيامة وكذلك لو كانت في السموات أو في الأرض واصبر على ما أصابك أمر بالصبر على المصائب عموما وقيل المعنى ما يصيب من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من عزم الأمور يحتمل أن يريد مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب أو من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم والجد ولفظ العزم مصدر يراد به المفعول أي من معزومات الأمور ولا تصعر خدك للناس الصعر في اللغة الميل أي لا تول الناس خدك وتعرض عنهم تكبرا عليهم مرحا ذكر في الإسراء مختالا من الخيلاء واقصد في مشيك أي اعتدل فيه ولا تتسرع إسراعا يدل على البطش والخفة ولا تبطئ إبطاء يدل على الفخر والكبر نعمه ظاهرة وباطنة الظاهرة الصحة والمال وغير ذلك والباطنة النعم التي لا يطلع عليها الناس ومنها ستر القبيح من الأعمال وقيل الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم العقبى واللفظ أعم من ذلك كله ومن الناس من يجادل نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار ومن يسلم وجهه إلى الله يسلم أي ... 521

(2/350)


128 يخلص أو يستسلم أو ينقاد والوجه هنا عبارة عن القصد بالعروة الوثقى ذكر في البقرة
قل الحمد لله وما بعده ذكر في العنكبوت
ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام الآية إخبار بكثرة كلمات الله والمراد اتساع علمه ومعنى الآية أن شجر الأرض لو كانت أقلاما والبحر لو كان مدادا يصب فيه سبعة أبحر صبا دائما وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله لأن الأشجار والبحار متناهية وكلمات الله غير متناهية فإن قيل لم لم يقل والبحر مدادا كما قال في الكهف قل لو كان البحر مدادا فالجواب أنه أغنى عن ذلك قوله يمده لأنه من قولك مد الدواة وأمدها فإن قيل لم قال من شجرة ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي العموم فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة حتى لا يبقى منها واحدة فإن قيل لم قال كلمات الله ولم يقل كلم الله بجمع الكثرة فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنه جمع قلة فكيف ينفد الجمع الكثير وروي أن سبب الآية أن اليهود قالوا قد أوتينا التوراة وفيها العلم كله فنزلت الآية لتدل أن ما عندهم قليل من كثير والآية على هذا مدنية وقيل إن سببها أن قريشا قالوا إن القرآن سينفد ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة بيان لقدرة الله على بعث الناس ورد على من استبعد ذلك يولج الليل في النهار أي يدخل كلا منهما في الآخر بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل إلى أجل مسمى يعني يوم القيامة ذلك بأن الله يحتمل أن تكون الباء سببية أو يكون المعنى ذلك بأن الله شاهد هو الحق بنعمة الله يحتمل أن يريد بذلك ما تحمله السفن من الطعام والتجارات والباء للإلصاق أو للمصاحبة أو يريد الريح فتكون الباء سببية صبار شكور مبالغة في صابر وشاكر كالظلل جمع ظلة وهو ما يعلوك من فوق شبه الموج بذلك إذا ارتفع وعظم حتى

(2/351)


علا فوق الإنسان فمنهم مقتصد المقتصد المتوسط في الأمر فيحتمل أن يريد كافرا متوسطا في كفره لم يسرف فيه أو مؤمنا متوسطا في إيمانه لأن الإخلاص الذي عليه في البحر كان يزول عنه وقيل معنى مقتصد مؤمن ثبت في البر على ما عاهد الله عليه في البحر ختار أي غدار شديد الغدر وذلك أنه جحد نعمة الله غدرا لا يجزى ... 522
129 والد عن ولده ) أي لا يقضي عنه شيئا والمعنى أنه لا ينفعه ولا يدفع عنه مضرة ولا مولود أي ولد فكما لا يقدر الوالد لولده على شيء كذلك لا يقدر الولد لوالده على شيء الغرور الشيطان وقيل الأمل والتسويف علم الساعة أي متى تكون فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه ولذلك جاء في الحديث مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية ماذا تكسب غدا يعني من خير أو شر أو مال أو ولد أو غير ذلك
سورة السجدة
تنزيل الكتاب يعني القرآن لا ريب فيه أي لا شك أنه من عند الله عز وجل ونفي الريب على اعتقاد أهل الحق وعلى ما هو الأمر في نفسه لا على اعتقاد أهل الباطل من رب العالمين يتعلق بتنزيل أم يقولون الضمير لقريش وأم بمعنى بل والهمزة لتنذر يتعلق بما قبله أو بمحذوف ما أتاهم من نذير يعني من الفترة من زمن عيسى وقد جاء الرسل قبل ذلك إبراهيم وغيره ولما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله رسولا ينذرهم ليقيم الحجة عليهم استوى على العرش قد ذكر في الأعراف ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع نفي الشفاعة على وجهين أحدهما الشفاعة للكفار وهي معدومة على الإطلاق والآخر أن الشفاعة للمؤمنين لا تكون إلا بإذن الله كقوله ما من شفيع إلا من بعد إذنه يدبر الأمر أي واحد الأمور وقيل المأمور به من الطاعات والأول أصح من السماء إلى الأرض أي ينزل ما دبره وقضاه من السماء إلى الأرض
ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون قال ابن عباس المعنى ينفذ الله ما قضاه من السماء إلى

(2/352)


الأرض ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره لو سير فيه السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام فالألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء وقيل إن الله يلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من أعوام البشر وهو يوم من أيام الله فإذا ... 523
130 فرغت ألقي إليهم مثلها فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور إليه فالعروج على هذا عبارة عن مصير الأمور إليه عالم الغيب والشهادة الغيب ما غاب عن المخلوقين والشهادة ما شاهدوه أحسن كل شيء خلقه أي أتقن جميع المخلوقات وقرىء بإسكان اللام على البدل وبدأ خلق الإنسان من طين يعني آدم عليه السلام نسله يعني ذريته من سلالة من ماء مهين يعني المني والسلالة مشتقة من سل يسل فكأن الماء يسل من الإنسان والمهين الضعيف ثم سواه أي قومه ونفخ فيه من روحه عبارة عن إيجاد الحياة فيه وأضيفت الروح إلى الله إضافة ملك إلى ملك وقد يراد بها الاختصاص لأن الروح لا يعلم كهنه إلا الله أئذا ضللنا في الأرض أي تلفنا وصرنا ترابا ومعنى هذا الكلام المحكي عن الكفار استبعاد البعث والعامل في إذا معنى قولهم إنا لفي خلق جديد تقديره نبعث يتوفاكم ملك الموت اسمه عزرائيل وتحت يده ملائكة ولو ترى يحتمل أن تكون لو للتمني وتأويله في حق الله كتأويل الترجي وقد ذكر أو تكون للامتناع وجوابها محذوف تقديره ولو ترى حال المجرمين في الآخرة لرأيت أمرا مهولا ناكسوا رءوسهم عبارة عن الذل والغم والندم ربنا أبصرنا وسمعنا تقديره يقولون ربنا قد علمنا الحقائق لو شئنا لآتينا كل نفس هداها يعني أنه لو أراد أن يهدي جميع الخلائق لفعل فإنه قادر على ذلك بأن يجعل الإيمان في قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء فذوقوا بما نسيتم أي يقال لهم ذوقوا والنسيان

(2/353)


هنا بمعنى الترك تتجافى جنوبهم عن المضاجع أي ترتفع والمعنى يتركون مضاجعهم بالليل من كثرة صلاتهم النوافل ومن صلى العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه من هذا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين يعني أنه لا يعلم أحد مقدار ما يعطيهم الله من النعيم وقرىء أخفي بإسكان الياء على أن يكون فعل المتكلم وهو الله تعالى أفمن كان مؤمنا الآية يعني المؤمنين ... 524
131 والفاسقين على العموم وقيل يعني علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط فذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون الذي نعت بالعذاب ولذلك أعاد عليه الضمير المذكور في قوله به فإن قيل لم وصف هنا العذاب وأعاد عليه الضمير ووصف في سبأ النار وأعاد عليها الضمير وقال عذاب النار التي كنتم بها تكذبون فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر والثاني أنه قدم في السجدة ذكر النار فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير لكنه جعل الظاهر مكان المضمر فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار ووصف العذاب ولم يصف النار والثالث وهو الأقوى أنه امتنع في السجدة وصف النار فوصف العذاب وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه كقولك رأيت رجلا فأكرمت الرجل فلا يجوز وصفه لئلا يفهم أنه غيره ولنذيقنهم من العذاب الأدنى يعني الجوع ومصائب الدنيا وقيل القتل يوم بدر وقيل عذاب القبر وهذا بعيد لقوله لعلهم يرجعون
إنا من المجرمين منتقمون هذا وعيد لمن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها وكان الأصل أن يقول إنا منه منتقمون ولكنه وضع المجرمين موضع المضمر ليصفهم بالإجرام وقدم المجرور على منتقمون للمبالغة فلا تكن في مرية من لقائه المرية الشك والضمير لموسى أي لا تمتر في لقائك موسى ليلة الإسراء وقيل المعنى لا تشك في لقاء موسى

(2/354)


والكتاب الذي أنزل عليه والكتاب على هذا التوراة وقيل الكتاب هنا جنس والمعنى لقد آتينا موسى الكتاب فلا تشك أنت في لقائك الكتاب الذي أنزل عليك وعبر باللقاء عن إنزال الكتاب كقوله وإنك لتلقى القرآن يفصل بينهم الضمير لجميع الخلق وقيل لبني إسرائيل خاصة أولم يهد لهم ذكر في طه يمشون في مساكنهم الضمير في يمشون لأهل مكة أي يمشون في مساكن القوم المهلكين كقوله وقد تبين لكم من مساكنهم وقيل الضمير للمهلكين أي أهلكناهم وهم يمشون في مساكنهم والأول أحسن لأن فيه حجة على أهل مكة الأرض الجرز يعني التي لا نبات فيها من شدة العطش ... 525

(2/355)


132 متى هذا الفتح أي الحكم بين المسلمين والكفار في الآخرة وقيل يعني فتح مكة وهذا بعيد لقوله قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم وذلك في الآخرة وقيل يعني فتح مكة لأن من آمن يوم فتح مكة نفعه إيمانه فأعرض عنهم منسوخ بالسيف وانتظر إنهم منتظرون أي انتظر هلاكهم إنهم ينتظرون هلاكك وفي هذا تهديد لهم
سورة الأحزاب
يا أيها النبي نداء فيه تكريم له لأنه ناداه بالنبوة ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم اتق الله أي دم على التقوى وزد منها ولا تطع الكافرين والمنافقين أي لا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة ويعني بالكافرين المظهرين للكفر وبالمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر وروي أن الكافرين هنا أبي بن خلف والمنافقين هنا عبد الله بن أبي ابن سلول والعموم أظهر ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه قال ابن عباس كان في قريش رجل يقال له ذو القلبين لشدة فهمه فنزلت الآية نفيا لذلك ويقال إنه ابن أخطا وقيل جميل بن معمر وقيل إنما جاء هذا اللفظ توطئة لما بعده من النفي أي كما لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم اللائي تظاهرون منهن أي تقولون للزوجة أنت علي كظهر أمي وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم ويأتي حكمه في المجادلة وإنما تعدى هذا الفعل بمن لأنه يتضمن معنى يتباعدون منهن وما جعل أدعياءكم أبناءكم الأدعياء جمع دعي وهو الذي يدعى ولد فلان وليس بولده وسببها أمر زيد بن حارثة وذلك أنه كان فتى من كلب فسباه بعض العرب وباعه من خديجة فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فتبناه فكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزلت هذه الآية ذلكم قولكم الإشارة إلى نسبة الدعى إلى غير أبيه أو إلى كل ما تقدم من المنفيات وقوله بأفواهكم تأكيد لبطلان القول ادعوهم لآبائهم الضمير للأدعياء أي انسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم ...

(2/356)


526
133 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يقتضي أن يحبوه صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحبون أنفسهم وأن ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم وأزواجه أمهاتهم جعل الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الأمهات في تحريم نكاحهن ووجوب مبرتهن ولكن أوجب حجبهن عن الرجال وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض هذا نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بأخوة الإسلام وبالهجرة وقد تكلمنا عليها في الأنفال في كتاب الله يحتمل أن يريد القرآن أو اللوح المحفوظ من المؤمنين يحتمل أن يكون بيانا لأولي الأرحام أو يتعلق بأولي أي أولوا الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين الذين ليسوا بذوي أرحام إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يريد الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة ونفعهم في الحياة والوصية لهم عند الموت فذلك جائز ومندوب إليه وإن لم يكونوا قرابة وأما الميراث فللقرابة خاصة واختلف هل يعني بالأولياء المؤمنين خاصة أو المؤمنين والكافرين في الكتاب مسطورا يعني القرآن أو اللوح المحفوظ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم هو الميثاق بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع وقيل هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج بني آدم من صلب آدم كالذر والأول أرجح لأنه هو المختص بالأنبياء ومنك ومن نوح قد دخل هؤلاء في جملة النبيين ولكنه خصهم بالذكر تشريفا لهم وقدم محمدا صلى الله عليه وسلم تفضيلا له ميثاقا غليظا يعني الميثاق المذكور وإنما كرره تأكيدا وليصفه بأنه غليظ أي وثيق ثابت يجب الوفاء به ليسأل الصادقين اللام تحتمل أن تكون لام كي أو لام الصيرورة والصدق هنا يحتمل أن يكون الصدق في الأقوال أو الصدق في الأفعال والعزائم ويحتمل أن يريد بالصادقين الأنبياء وغيرهم من المؤمنين اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق والجنود المذكورة هم قريش ومن كان معهم من

(2/357)


الكفار وسماهم الله في هذه السورة الأحزاب وكانوا نحو عشرة آلاف حاصروا المدينة وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حولها ليمنعهم من دخولها فأرسلنا عليهم ريحا أرسل الله عليهم ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم ولم يمكنهم معها قرار فانصرفوا خائبين وجنودا لم تروها يعني الملائكة إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم أي حصروا المدينة من أعلاها ومن أسفلها وقيل معنى من فوقكم أهل نجد لأن أرضهم فوق المدينة ومن أسفل منكم أهل مكة وسائر تهامة وإذ زاغت الأبصار أي مالت عن مواضعها وذلك عبارة عن شدة الخوف وبلغت ... 527

(2/358)


134 القلوب الحناجر ) جمع حنجرة وهي الحلق وبلوغ القلب إليها مجاز وهو عبارة عن شدة الخوف وقيل بل هي حقيقة لأن الرئة تنتفخ من شدة الخوف فتربو ويرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة وتظنون بالله الظنونا أي تظنون أن الكفار يغلبوكم وقد وعدكم الله بالنصر عليهم فأما المنافقون فظنوا ظن السوء وصرحوا به وأما المؤمنون فربما خطرت لبعضهم خطرة مما لا يمكن البشر دفعها ثم استبصروا ووثقوا بوعد الله وقرأ نافع الظنونا والرسولا والسبيلا بالألف في الوصل وفي الوقف وقرىء بإسقاطها في الوصل والوقف وبإثباتها في الوقف دون الوصل فأما إسقاطها فهو الأصل وأما إثباتها فلتعديل رءوس الآي لأنها كالقوافي وتقتضي هذه العلة أن تثبت في الوقف خاصة وأما من أثبتها في الحالين فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف هنالك ابتلي المؤمنون أي اختبروا أو أصابهم بلاء والعامل في الظرف ابتلى وقيل ما قبله وزلزلوا أصل الزلزلة شدة التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب وإذ يقول المنافقون روي أنه معتب بن قشير وإذ قالت طائفة قال السهيلي الطائفة تقع على الواحد فما فوق والمراد هنا أوس بن قبطي يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا يثرب اسم المدينة وقيل اسم البقعة التي المدينة في طرف منها ومقام اسم موضع من القيام أي لا قرار لكم هنا يعنون موضع القتال وقريء بالضم وهو اسم موضع من الاقامة وقولهم فارجعوا أي إلى منازلكم بالمدينة ودعوا القتال ويستأذن فريق منهم النبي أي يستأذنوه في الانصراف والمستأذن أوس بن قبطي وعشيرته وقيل بنو حارثة إن بيوتا عورة أي منكشفة للعدو وقيل خالية للسراق فكذبهم الله في ذلك ولو دخلت عليهم من أقطارها أي لو دخلت عليهم المدينة من جهاتها ثم سئلوا الفتنة يريد بالفتنة الكفر أو قتال المسلمين لآتوها قرىء بالقصر بمعنى جاؤا إليها وبالمد بمعنى أعطوها من أنفسهم وما تلبثوا بها الضمير للمدينة قد

(2/359)


يعلم الله دخلت قد على الفعل المضارع بمعنى التهديد وقيل للتعليل على وجه التهكم المعوقين منكم أي الذين يعوقون الناس عن الجهاد ويمنعونهم منه بأقوالهم وأفعالهم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا هم المنافقون الذين قعدوا بالمدينة عن الجهاد وكانوا يقولون لقرابتهم أو للمنافقون مثلهم هلم إلى الجلوس معنا بالمدينة وترك القتال وقد ذكر هلم في الأنعام ولا يأتون البأس إلا قليلا البأس القتال وقليلا صفة لمصدر محذوف تقديره إلا إتيانا قليلا أو مستثنى من فاعل يأتون أي إلا قليلا منهم ... 528

(2/360)


135 أشحة عليكم أشحة جمع شحيح بوزن فعيل معناه يشحون بأنفسهم فلا يقاتلون وقيل يشحون بأموالهم وقيل معناه أشحة عليكم وقت الحرب أي يشفقون أن يقتلوا ونصب أشحة على الحال من القائلين أو على المعوقين أو من الضمير في يأتون أو نصب على الذم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك أي إذا اشتد الخوف من الأعداء نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدة خوفهم تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت عبارة عن شدة خوفهم فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد السلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره ومعنى حداد فصحاء قادرين على الكلام وإذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسب وتنقيص الشريعة وقيل إذا غنمتم طلبوا من الغنائم أشحة على الخير أي يشحون بفعل الخير وقيل يشحون بالمغانم وانتصابه هنا على الحال من الفاعل في سلقوكم لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها وإنما المعنى أنها لم تقبل لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال وقيل إنهم نافقوا بعد أن آمنوا فالإحباط على هذا حقيقة يحسبون الأحزاب لم يذهبوا الأحزاب هنا هم كفار قريش ومن معهم فالمعنى أن المنافقين من شدة جزعهم يظنون أن الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد انصرفوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب معنى يودوا يتمنوا وبادون خارجون في البادية والأعراب هم أهل البوادي من العرب فمعنى الآية أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرة أخرى تمنى هؤلاء المنافقون من شدة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب وأن لا يكونوا في المدينة بل غائبين عنها يسألون من ورد عليهم عن أنبائكم لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة تقتدون به صلى الله عليه وسلم في اليقين والصبر وسائر الفضائل وقرىء أسوة بضم الهمزة والمعنى واحد هذا ما وعدنا الله ورسوله قيل إن هذا الوعد ما أعلمهم رسول الله صلى

(2/361)


الله عليه وسلم حين أمر بحفر الخندق من أن الكفار ينزلون وأنهم ينصرفون خائبين وقيل إنه قول الله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء الآية فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرون فمنهم من قضى نحبه يعني قتل شهيدا قال أنس بن مالك يعني عمى أنس بن النضر وقيل يعني حمزة بن عبد المطلب وقضاء النحب عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره وقيل قضى نحبه وفي العهد الذي عاهد الله عليه ويدل على هذا ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال طلحة ممن قضى نحبه وهو لم يقتل حينئذ ومنهم من ينتظر المفعول ... 529

(2/362)


136 محذوف أي ينتظر أن يقضي نحبه أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر
وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم الصياصي هي الحصون ونزلت الآية في يهود بني قريظة وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا عهده وصاروا مع قريش فلما انصرفت قريش عن المدينة حصر رسول الله بني قريظة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بأن يقتل رجالهم ويسبي نساؤهم وذريتهم فريقا تقتلون يعني الرجال وقتل منهم يومئذ كل من أنبت وكانوا بين ثمانمائة أو تسعمائة وتأسرون فريقا يعني النساء والذرية أورثكم أرضهم يعني أرض بني قريظة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين وأرضا لم تطؤها هذا وعد بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطؤها حينئذ وهي مكة واليمن والشام والعراق ومصر فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المشرق والمغرب ويحتمل عندي أن يريد أرض بني قريظة لأنه قال أورثكم بالفعل الماضي وهي التي كانوا أخذوها حينئذ وأما غيرها من الأرضين فإنما أخذها بعد ذلك فلو أرادها لقال يورثكم إنما كررها بالعطف ليصفها بقوله لم تطؤها أي لم تدخلوها قبل ذلك يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية سببها أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تغايرن حتى غمه ذلك وقيل طلبن منه الملابس ونفقات كثيرة وكان أزواجه يومئذ تسع نسوة خمس من قريش وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسودة بنت زمعة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أبي أمية وأربع من غير قريش وهم ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي من بني إسرائيل وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا أصل تعال أن يقوله من كان في موضع مرتفع

(2/363)


لمن في موضع منخفض ثم استعملت بمعنى أقبل في جميع الأمكنة وأمتعكن من المتعة وهي الإحسان إلى المرأة إذا طلقت والسراح الطلاق فمعنى الآية أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه بين الطلاق والمتعة إن أرادوا زينة الدنيا وبين البقاء في عصمته إن أرادوا الآخرة فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة فاختارت البقاء في عصمته ثم تبعها سائرهن في ذلك فلم يقع طلاق وقالت عائشة خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعد ذلك طلاقا وإذا اختارت المخيرة الطلاق فمذهب مالك أنه ثلاث وقيل طلقة بائنة وقيل طلقة رجعية ووصف السراح بالجميل يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث أو يريد أنه ثلاث وجماله حسن الرعي والثناء ... 530

(2/364)


137 وحفظ العهد للمحسنات منكن من للبيان لا للتبعيض لأن جميعهن محسنات بفاحشة مبينة قيل يعني الزنا وقيل يعني عصيان زوجهن عليه الصلاة والسلام أو تكليفه ما يشق عليه وقيل عموم في المعاصي يضاعف لها العذاب ضعفين أي يكون عذابها في الآخرة مثل عذاب غيرها مرتين وإنما ذلك لعلو رتبتهن لأن كل أحد يطالب على مقدار حاله وقرىء يضاعف بالياء ورفع العذاب على البناء للمفعول وبالنون ونصب العذاب على البناء للفاعل ومن يقنت منكن لله ورسوله قرىء بالياء حملا على لفظ من وبالتاء حملا على المعنى وكذلك تعمل والقنوت هنا بمعنى الطاعة نؤتها أجرها مرتين أي يضاعف لها ثواب الحسنات رزقا كريما يعني الجنة وقيل في الدنيا والأول هو الصحيح لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فضلهن الله على النساء بشرط التقوى وقد حصل لهن التقوى فحصل التفضيل على جميع النساء إلا أنه يخرج من هذا العموم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل واحدة منهن بأنها سيدة نساء عالمها فلا تخضعن بالقول نهى عن الكلام اللين الذي يعجب الرجال ويميلهن إلى النساء في قلبه مرض أي فجور وميل للنساء وقيل هو النفاق وهذا بعيد في هذا الموضع وقلن قولا معروفا هو الصواب من الكلام أو الذي ليس فيه شيء مما نهى عنه وقرن في بيوتكن قرئ بكسر القاف ويحتمل وجهين أن يكون من الوقار أو من القرار في الموضع ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في ظلت وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع على لغة من يقول قررت بالكسر أقر بالفتح والمشهور في اللغة عكس ذلك وقيل هي من قار يقار إذا اجتمع ومعنى القرار أرجح لأن سودة رضي الله عنها قيل لها لم لا تخرجين فقالت أمرنا الله بأن نقر في بيوتنا وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيام الجمل وحينئذ قال لها عمر إن الله

(2/365)


أمرك أن تقري في بيتك ولا تبرجن التبرج إظهار الزينة تبرج الجاهلية الأولى أي مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن من الانكشاف والتعرض للنظر وجعلها أولى بالنظر إلى حال الإسلام وقيل الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح وقيل ما بين موسى وعيسى الرجس أصله النجس والمراد به هنا النقائص والعيوب أهل البيت منادى أو منصوب على التخصيص وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته وأقاربه كالعباس وعلي وكل من حرمت عليه الصدة وقيل المراد هنا أزواجه خاصة والبيت على هذا المسكن وهذا ضعيف لأن الخطاب بالتذكير ولو أراد ذلك لقال عنكن وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في خمسة في ولد علي وفاطمة والحسن ... 531

(2/366)


138 والحسين واذكرن خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خصهن بعد دخولهن مع أهل البيت وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة أو التذكر بالقلب وآيات الله هي القرآن والحكمة هي السنة
إن المسلمين والمسلمات الآية سببها أن بعض النساء قلن ذكر الله الرجال ولم يذكرنا فنزل فيها ذكر النساء والمؤمنين والمؤمنات الإسلام هو الانقياد والإيمان هو التصديق ثم إنهما يطلقان بثلاثة أوجه باختلاف المعنى كقوله لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وبالاتفاق لاجتماعهما كقوله فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين الآية وبالعموم فيكون الإسلام أعم لأنه بالقلب والجوارح والإيمان أخص لأنه بالقلب خاصة وهذا هو الأظهر في هذا الموضع والقانتين والقانتات يحتمل أن يكون بمعنى العبادة أو الطاعة والصادقين والصادقات يحتمل أن يكون من صدق القول أو من صدق العزم وما كان لمؤمن الآية معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله والضمير في قوله من أمرهم راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله لمؤمن ولا مؤمنة لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات وهذه الآية توطئة للقصة المذكورة بعدها وقيل سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة ليزوجها لمولاه زيد بن حارثة فكرهت هي وأهلها ذلك فلما نزلت الآية قالوا رضينا يا رسول الله واختلف هل هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها وقد قيل إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه هو زيد بن حارثة الكلبي وإنعام الله عليه بالإسلام وغيره وإنعام النبي صلى الله عليه وسلم بالعتق وكانت عند زيد زينب بنت جحش وهي بنت أميمة عمة النبي صلى الله عليه وسلم فشكا زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء معاشرتها وتعاظمها عليه وأراد أن يطلقها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله يعني

(2/367)


فيما وصفها به من سوء المعاشرة واتق الله ولا تطلقها فيكون نهيا عن الطلاق على وجه التنزيه كما قال عليه الصلاة والسلام أبغض المباح إلى الله الطلاق وتخفي في نفسك ما الله مبديه الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب ولكنه خاف أن يسلط الله عليهم ألسنتهم وينالوا منه فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه وذلك أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يطلق زيد زينب ليتزوجها هو صلى الله عليه وسلم لقرابتها منه ولحسبها فقال أمسك عليك زوجك وهو يخفي الحرص عليها خوفا من كلام ... 532

(2/368)


139 الناس لئلا يقولوا تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه فالذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو إرادة تزوجها فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزويجها فقالت عائشة لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه وقيل إن الله كان أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد فالذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعلمه الله به من ذلك فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لم يذكر أحد من الصحابة في القرآن باسمه غير زيد بن حارثة والوطر الحاجة قال ابن عطية ويراد به هنا الجماع والأحسن أن يكون أعم من ذلك أي لما لم يبق لزيد فيها حاجة زوجها الله من نبيه صلى الله عليه وسلم وأسند الله تزويجها إليه تشريفا لها ولذلك كانت زينب تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول إن الله زوجني نبيه من فوق سبع سموات واستدل بعضهم بقوله زوجناكها على أن الأولى أن يقال في كتاب الصداق أنكحه إياها بتقديم ضمير الزوج على ضمير الزوجة كما في الآية لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم المعنى أن الله زوج زينب امرأة زيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم المؤمنين أن تزوج نساء أدعيائهم حلال لهم فإن الأدعياء ليسوا لهم بأبناء حقيقة ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له المعنى أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بعد زيد حلال لا حرج فيه ولا إثم ولا عتاب وفي ذلك رد على من تكلم في ذلك من المنافقين وفرض هنا بمعنى قسم له سنة الله في الذين خلوا من قبل أي عادة الله في الأنبياء المتقدمين أن ينالوا ما أحل الله لهم وقيل الإشارة بذلك إلى داود في تزوجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى والعموم أحسن ونصب سنة على المصدر أو على إضمار فعل أو على الإغراء الذين يبلغون رسالات الله صفة للذين خلوا من قبل وهم الأنبياء أو رفع على إضمار مبتدأ أو نصب بإضمار فعل

(2/369)


ما كان محمد أبا أحد من رجالكم هذا رد على من قال في زيد بن حارثة زيد ابن محمد فاعترض على النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن والحسين لأنه صلى الله عليه وسلم ليس أبا لهما في الحقيقة لأنهما ليسا من صلبه وإنما كانا ابني بنته وأما ذكور أولاده فماتوا صغارا فليسوا من الرجال وخاتم النبيين أي آخرهم فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم وقرئ بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم فهو خاتم وبالفتح بأنهم ختموا به فهو كالخاتم والطابع لهم فغن قيل إن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكون بعده عليه الصلاة والسلام فالجواب أن النبوة أوتيت عيسى قبله عليه الصلاة والسلام وأيضا فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته عليه الصلاة والسلام فكأنه واحد من أمته اذكروا الله ذكرا كثيرا اشترط الله الكثرة في الذكر حيثما أمر به بخلاف سائر الأعمال والذكر يكون بالقلب وباللسان وهو ... 533

(2/370)


140 على أنواع كثيرة من التهليل والتسبيح والحمد والتكبير وذكر أسماء الله تعالى وسبحوه بكرة وأصيلا قيل إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح والعصر والأظهر أنه أمر بالتسبيح في أول النهار وآخره وقال ابن عطية أراد في كل الأوقات فحد النهار بطرفيه هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم هذا خطاب للمؤمنين وصلاة الله عليهم رحمة لهم وصلاة الملائكة عليهم دعاؤهم لهم فاستعمل لفظ يصلي في المعنيين على اختلافهما وقيل إنه على حذف مضاف تقديره وملائكته يصلون تحيتهم يوم يلقونه سلام قيل يعني يوم القيامة وقيل في الجنة وهو الأرجح لقوله وتحيتهم فيها سلام ويحتمل أن يريد تسليم بعضهم على بعض أو قول الملائكة لهم سلام عليكم طبتم إنا أرسلناك شاهدا أي يشهد على أمته وداعيا إلى الله بإذنه أي بأمر الله وإرساله وسراجا منيرا استعارة للنور الذي يتضمنه الدين ودع أذاهم يحتمل وجهين أحدهما لا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين بآية السيف والآخر احتمل إذايتهم لك وأعرض عن أقوالهم فالمصدر على هذا مضاف للفاعل إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن الآية معناه سقوط العدة عن المطلقة قبل الدخول فالنكاح في الآية هو العقد والمس هو الجماع وتعتدونها من العدد فمتعوهن هذا يقتضي متعة المطلقة قبل الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض لها صداق وقوله تعالى في البقرة وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم يقتضي أن المطلقة قبل الدخول وقد فرض لها يجب لها نصف الصداق ولا متعة لها وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها ويمكن الجمع بينهما بأن تكون آية البقرة مبينة لهذه مخصصة لعمومها يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن في معناه قولان أحدهما أن المراد أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ كعائشة وغيرها وكان قد أعطاهن

(2/371)


مهورهن والآخر أن المراد جميع النساء فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطى مهرها وهذا أوسع من الأول وما ملكت يمينك أباح الله له مع الأزواج السراري بملك اليمين ويعني بقوله أفاء الله عليك الغنائم وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك يعني قرابته ... 534
141 من جهة أبيه ومن جهة أمه وكان له عليه الصلاة والسلام أعمام وعمات إخوة لأبيه ولم يكن لأمه عليه الصلاة والسلام أخ ولا أخت وإنما يعني بخاله وخالاته عشيرته أمه وهم بنو زهرة ولذلك كانوا يقولون نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قال إن المراد بقوله أحللنا لك أزواجك من كانت في عصمته فهو عطف عليهن وإباحة لأن يتزوج قرابته زيادة على من كان في عصمته ومن قال إن المراد جميع النساء فهو تجريد منهن على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء في العموم اللاتي هاجرن معك تخصيص تحرز به ممن لم يهاجر كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي أباح الله له صلى الله عليه وسلم من وهبت له نفسها من النساء واختلف هل وقع ذلك أم لا فقال ابن عباس لم تكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بنكاح أو ملك يمين لا بهبة نفسها ويؤيد هذا قراءة الجمهور إن وهبت بكسر الهمزة أي إن وقع وقيل قد وقع ذلك وهو على هذا القول قرئ أن وهبت بفتح الهمزة واختلف على هذا القول فيمن هي التي وهبت نفسها فقيل ميمونة بنت الحارث وقيل زينب بنت خزيمة أم المساكين وقيل أم شريك الأنصارية وقيل أم شريك العامرية خالصة لك من دون المؤمنين أي هبة المرأة نفسها مزية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وانظر كيف رجع من الغيبة إلى الخطاب ليخص المخاطب وحده وقيل إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم من النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك ومذهب مالك أن النكاح بلفظ الهبة لا

(2/372)


ينعقد بخلاف أبي حنيفة وإعراب خالصة مصدر أو حال أو صفة لامرأة قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم يعني أحكام النكاح من الصداق والولي والاقتصار على أربع وغير ذلك لكيلا يكون عليك حرج يتعلق بالآية التي قبله أي بينا أحكام النكاح لئلا يكون عليك حرج أو لئلا يظن بك أنك فعلت ما لا يجوز وقال الزمخشري يتعلق بقوله خالصة لك ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء معنى ترجي تؤخر وتبعد ومعنى تؤوي تضم وتقرب واختلف في المراد بهذا الإرجاء والإيواء فقيل إن ذلك في القسمة بينهن أي تكثر لمن شئت وتقلل لمن شئت وقيل إنه في الطلاق أي تمسك من شئت وتطلق من شئت وقيل معناه تتزوج من شئت وتترك من شئت والمعنى على كل قول توسعة على النبي صلى الله عليه وسلم وإباحة له أن يفعل ما يشاء وقد اتفق الناقلون على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه أخذا منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له والضمير في قوله منهن يعود على أزواجه صلى الله عليه وسلم خاصة أو على كل ما أحل الله له على حسب الخلاف المتقدم ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك في معناه قولان أحدهما من كنت عزلته من نسائك فلا جناح عليك في رده بعد عزله والآخر من ابتغيت ومن عزلت سواء في إباحة ذلك فمن للتبعيض على القول الأول وأما على القول الثاني فنحو قولك من لقيك ومن لم يلقك سواء ذلك أدنى أن تقر أعينهن أي إذا علمن أن هذا ... 535

(2/373)


142 حكم الله قرت به أعينهن ورضين به وزال ما كان بهن من الغيرة فإن سبب نزول هذه الاية ما وقع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من غيرة بعضهن على بعض لا يحل لك النساء من بعد فيه قولان أحدهما لا يحل لك النساء غير اللاتي في عصمتك الآن ولا تزيد عليهن قال ابن عباس لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله جازاهن الله على ذلك بأن حرم غيرهن من النساء كرامة لهن والقول الثاني لا يحل لك النساء غير الأصناف التي سميت والخلاف هنا يجري على الخلاف في المراد بقوله إنا أحللنا لك أزواجك أي لا يحل لك غير من ذكر حسبما تقدم وقيل معنى لا يحل لك النساء لا يحل لك اليهوديات والنصرانيات من بعد المسلمات المذكورات وهذا بعيد واختلف في حكم هذه الآية فقيل إنها منسوخة بقوله إنا أحللنا لك أزواجك على القول بأن المراد جميع النساء وقيل إن هذه الآية ناسحة لتلك على القول بأن المراد من كان في عصمته وهذا هو الأظهر لما ذكرنا عن ابن عباس ولأن التسع في حقه عليه الصلاة والسلام كالأربع في حق أمته ولا أن تبدل بهن من أزواج معناه لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن وتتزوج غيرها بدلا منها وقيل معناه كانت العرب تفعله من المبادلة في النساء بأن ينزل الرجل عن زوجته لرجل وينزل الآخر عن زوجته له وهذا ضعيف ولو أعجبك حسنهن في هذا دليل على جواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها إلا ما ملكت يمينك المعنى أن الله أباح له الإماء والاستثناء في موضع رفع على البدل من النساء أو في موضع نصب على الاستثناء من الضمير في حسنهن لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام سبب هذه الآية ما رواه أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فدعا الناس فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت فثقل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ليخرجوا بخروجه ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في

(2/374)


مكانهم فانصرف فخرجوا عن ذلك وقال ابن عباس نزلت في قوم كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يطبخ ثم يأكلون ولا يخرجون فأمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم وأن ينصرفوا إذا أكلوا قلت والقول الأول أشهر وقول ابن عباس أليق بما في الآية من النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم فعلى قول ابن عباس في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل فإن الآية تضمنت الحكمين غير ناظرين إناه أي غير منتظرين لوقت الطعام والإنا الوقت وقيل إنا الطعام نضجه وإدراكه يقال أنى يأنى إناء ولكن إذا دعيتم فادخلوا أمر بالدخول بعد الدعوة وفي ذلك تأكيد للنهي عن الدخول قبلها فإذا طعمتم فانتشروا أي انصرفوا قال بعضهم هذا أدب أدب الله به الثقلاء وقالت عائشة رضي الله عنها حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم ولا مستأنسين لحديث معطوف على غير ناظرين أو تقديره ولا تدخلوا مستأنسين ومعناه النهي عن أن يطلبوا الجلوس للأنس بحديث بعضهم مع بعض أو يستأنسوا لحديث أهل البيت واستئناسهم تسمعهم وتجسسهم إن ذلكم كان يؤذي النبي يعني جلوسهم للحديث أو دخولهم بغير إذن فيستحيي منكم تقديره ... 536

(2/375)


143 يستحيي من إخراجكم بدليل قوله والله لا يستحيي من الحق أي إن إخراجكم حق لا يتركه الله إذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب المتاع الحاجة من الأثاث وغيره وهذه الآية نزلت في احتجاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب وقيل سببها أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحجب نساءه فنزلت الآية موافقة لقول عمر قال بعضهم لما نزلت في أمهات المؤمنين وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب كن لا يجوز للنساء كلامهن إلا من وراء حجاب ولا يجوز أن يراهن متنقبات ولا غير متنقبات فخصصن بذلك دون سائر النساء ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن يريد أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء والنساء في أمر الرجال ولا تنكحوا أزواجه سببها أن بعض الناس قالوا لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة فحرم الله على الناس تزوج نسائه بعده كرامة له صلى الله عليه وسلم لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن الآية لما أوجب الله الحجاب أباح لهن الظهور لذوي محارمهن من القرابة وهم الآباء والأبناء والإخوة وأولادهم وأولاد الأخوات ولا نسائهن قيل يريد بالنساء القرابة والمصرفات لهن وقيل يريد نساء جميع المؤمنات ويقوي الأول تخصيص النساء بالإضافة لهن ويقوي الثاني أنهن كن لا يحتجبن من النساء على الإطلاق وما ملكت أيمانهن واختلف فيمن أبيح لهن الظهور له من ملك اليمين فقيل الإماء دون العبيد وقيل الإماء والعبيد وهو أولى بلفظ الآية ثم اختلف من ذهب إلى هذا فقال قوم من ملكنه من العبيد دون من ملكه غيرهن وهذا هو الظاهر من لفظ الآية وقال قوم جميع العبيد كن في ملكهن أو في ملك غيرهن إن الله وملائكته يصلون على النبي هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا معنى صلاة الله وصلاة الملائكة في قوله يصلي عليكم

(2/376)


وملائكته صلوا عليه وسلموا تسليما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض إسلامي فالأمر به محمول على الوجوب واقله مرة في العمر وأما حكمها في الصلاة فمذهب الشافعي أنها فرض تبطل الصلاة بتركه ومذهب مالك أنها سنة وصفتها ما ورد في الحديث الصحيح اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وقد اختلفت الروايات في ذلك اختلافا كثيرا أما السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يريد السلام عليه في التشهد في الصلاة أو السلام عليه حين لقائه وأما السلام عليه بعد موته فقد قال صلى الله عليه وسلم من سلم علي قريبا سمعته ومن سلم علي بعيدا أبلغته فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء إن الذين يؤذون الله ورسوله إذاية الله هي ... 537

(2/377)


144 بالإشراك به ونسبة الصاحبة والولد له وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء وقيل إنها على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله والأول أرجح لأنه ورد في الحديث يقول الله تعالى يشتمني ابن آدم وليس له أن يشتمني ويكذبني وليس له أن يكذبني أما شتمه إياي فقوله إن لي صاحبة وولدا وأما تكذيبه إياي فقوله لا يعيدني كما بدأني وأما إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي التعرض له بما يكره من الأقوال أو الأفعال وقال ابن عباس نزلت في الذين طعنوا عليه حين أخذ صفية بنت حيي والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا الآية في البهتان وهو ذكر الإنسان بما ليس فيه وهو أشد من الغيبة مع أن الغيبة محرمة وهي ذكره ما فيه مما يكره يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار وقيل هو الرداء وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها وقيل أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها وقيل أن تغطي نصف وجهها ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي إنما المراد أن يفرق بينها وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء وربما تعرض لهن السفهاء لئن لم ينته المنافقون الآية تضمنت وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا وقيل إنهم لم ينتهوا ولم ينفذ الوعيد عليهم ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة وقيل إنهم انتهوا وستروا أمرهم فكف عنهم إنفاذ الوعيد والمنافقون هم الذين يظهرون

(2/378)


الإيمان ويخفون الكفر والذين في قلوبهم مرض قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه وقيل هم الزناة كقوله فيطمع الذي في قلبه مرض والمرجفون في المدينة قوم كانوا يشيعون أخبار السوء ويخوفون المسلمين فيحتمل أن تكون هذه الأصناف متفرقة أو تكون داخلة في جملة المنافقين ثم جردها بالذكر لنغرينك بهم أي نسلطك عليهم وهذا هو الوعيد ثم لا يجاورونك فيها ذلك لأنه ينفيهم أو يقتلهم والضمير المجرور للمدينة إلا قليلا يحتمل أن يريد إلا جوارا قليلا أو وقتا قليلا أو عددا قليلا منهم والإعراب يختلف بحسب هذه الاحتمالات فقليلا على الاحتمال الأول مصدر وعلى الثاني ظرف وعلى الثالث منصوب على الاستثناء ملعونين نصب على الذم أو بدل من قليلا على الوجه الثالث أو حال من ... 538

(2/379)


145 ضمير الفاعل في يجاورونك تقديره سينفون ملعونين أينما ثقفوا أخذوا أي حيث ما ظفر بهم أسروا والأخذ الأسر سنة الله أي عادته ونصب على المصدر في الذين خلوا من قبل أي عادته في المنافقين من الأمم المتقدمة وقيل يعني الكفار من بدر لأنهم أسروا وقتلوا تكون قريبا إنما قال قريبا بالتذكير والساعات مؤنثة على تقدير شيئا قريبا أو زمانا قريبا أو لأن تأنيثها غير حقيقي يوم تقلب وجوههم في النار العامل في يوم قوله يقولون أو لا يجدون أو محذوف وتقليب وجوههم تصريفها في جهة النار كما تدور البضعة في القدر إذا غلت من جهة إلى جهة أو تغيرها عن أحوالها لا تكونوا كالذين آذوا موسى هم قوم من بني إسرائيل وإذايتهم له ما ورد في الحديث أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة وكان موسى يستتر منهم إذا اغتسل فقالوا إنه لآدر فاغتسل موسى يوما وحده وجعل ثيابه على حجر ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى وهو يقول ثوبي حجر ثوبي حجر فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليما مما قالوا فذلك قوله فبرأه الله مما قالوا وقيل إذايتهم له أنهم رموه بأنه قتل أخاه هارون فبعث الله ملائكة فحملته حتى رآه بنو إسرائيل ليس فيه أثر فبدأ الله موسى وروي أن الله أحياه فأخبرهم ببراءة موسى والقول الأول هو الصحيح لوروده في الحديث الصحيح قولا سديدا قيل يعني لا إله إلا الله واللفظ أعم من ذلك إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات وترك المعاصي وقيل هي الأمانة في الأموال وقيل غسل الجنابة والصحيح العموم في التكاليف وعرضها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله خلق لها إدراكا فعرضت عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها وامتنعت من حملها والثاني أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين من حملها وأشفقن

(2/380)


منها فهذا ضرب من المجاز كقولك عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله والمراد أنها لا تقدر على حمله وحملها الإنسان أي التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدة ذلك وصعوبته على الأجرام التي هي أعظم منه ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول والإنسان هنا جنس وقيل يعني آدم وقيل قابيل الذي قتل أخاه ليعذب اللام للصيرورة فإن حمل الأمانة كان سبب تعذيب ... 539
146 المنافقين والمشركين ورحمة للمؤمنين
سورة سبأ
وله الحمد في الآخرة يحتمل أن يكون الحمد الأول في الدنيا والثاني في الآخرة وعلى هذا حمله الزمخشري ويحتمل عندي أن يكون الحمل الأول للعموم والاستغراق فجمع الحمد في الدنيا والآخرة ثم جرد منه الحمد في الآخرة كقوله فاكهة ونخل ورمان ثم إن الحمد في الآخرة يحتمل أن يريد به الجنس أو يريد به قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين أو الحمد لله الذي صدقنا وعده ما يلج في الأرض أي يدخل فيها من المطروالأموات وغير ذلك وما يخرج منها من النبات وغيره وما ينزل من السماء من المطر والملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك وما يعرج فيها أي يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب لا يعزب أي لا يغيب ولا يخفى ولا أصغر معطوف على مثقال وقال الزمخشري هو مبتدأ لأن حرف الاستثناء من حروف العطف ولا خلاف بين القراء السبعة في رفع أصغر وأكبر في هذا الموضع وقد حكى ابن عطية الخلاف فيه عن بعض القراء السبعة وإنما الخلاف في يونس في كتاب مبين يعني اللوح المحفوظ ليجزي متعلق بقوله لتأتينكم أو بقوله لا يعزب أو بمعنى قوله في كتاب مبين والذين سعوا مبتدأ وخبره الجملة بعده وقال ابن عطية هو معطوف على الذين الأول وقد ذكر في الحج معنى سعوا ومعاجزين أليم بالرفع صفة لعذاب وبالخفض صفة لرجز ويرى معطوف على ليجزي

(2/381)


أو مستأنف وهذا أظهر الذين أوتوا العلم هم الصحابة أو من أسلم من أهل الكتاب أو على العموم الحق مفعول ثان ليرى لأن الرؤيا هنا بالقلب بمعنى العلم والضمير ضمير فصل وقال الذين كفروا أي قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ... 540
147 ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد معنى مزقتم أي بليتم في القبور وتقطعت أوصالكم وكل ممزق مصدر والخلق الجديد هو الحشر في القيامة والعامل في إذا معنى إنكم لفي خلق جديد لأن معناه تبعثون إذا مزقتم وقيل العامل فيه فعل مضمر مقدر قبلها وذلك ضعف وإنكم لفي خلق جديد معمول ينبئكم وكسرت اللام التي في خبرها ومعنى الآية أن ذلك الرجل يخبركم أنكم تبعثون بعد أن بليتم في الأرض ومرادهم استبعاد الحشر افترى على الله هذا من جملة كلام الكفار ودخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت الهمزة مفتوحة غير ممدودة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب هذا رد عليهم أي أنه لم يفتر على الله الكذب وليس به جنة بل هؤلاء الكفار في ضلال وحيرة عن الحق توجب لهم العذاب ويحتمل أن يريد بالعذاب عذاب الآخرة أو العذاب في الدنيا بمعاندة الحق ومحاولة ظهور الباطل أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض الضمير في يروا للكفار المنكرين للبعث وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم لأنهما محيطتان بهم والمعنى ألم يروا إلى السماء والأرض فيعلمون أن الذي خلقهما قادر على بعث الناس بعد موتهم ويحتمل أن يكون المعنى تهديد لهم ثم فسره بقوله إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء أي أفلم يروا إلى السماء والأرض أنهما محيطتان بهم فيعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله إن في ذلك لآية الإشارة إلى إحاطة السماء بهم أو إلى عظمة السماء والأرض بأن فيهما آية تدل على البعث يا جبال أوبي معه تقديره قلنا يا جبال والجملة

(2/382)


تفسير للفضل ومعنى أوبي سبحي وأصله من التأويب وهو الترجيع لأنه كان يرجع التسبيح فنرجعه معه وقيل هو من التأويب بمعنى السير بالنهار وقيل كان ينوح فتساعده الجبال بصداها والطير بأصواتها والطير بالنصب عطف على موضع يا جبال وقيل مفعول معه وقيل معطوف على فضلا وقرىء بالرفع عطف على لفظ يا جبال
وألنا له الحديد أي جعلناه له لينا بغير نار كالطين والعجين وقيل لان له الحديد لشدة قوته سابغات هي الدروع الكاسية وقدر في السرد معنى السرد هنا نسج الدروع وتقديرها أن لا يعمل الحلقة صغيرة فتضعف ولا كبيرة فيصاب لابسها من خلالها وقيل لا يجعل المسمار دقيقا ولا غليظا واعملوا صالحا خطاب لداود وأهله ولسليمان الريح بالنصب على تقدير وسخرنا وقرىء بالرفع على الابتداء غدوها شهر ورواحها شهر أي كانت تسير به بالغداة مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر فكان يجلس على سريره وكان من خشب يحمل فيها روي أربعة آلاف فارس فترفعه الريح ثم تحمله وأسلنا له عين القطر قال ابن عباس كانت تسيل له ... 541

(2/383)


148 باليمين عين من نحاس يصنع منها ما أحب والقطر النحاس وقيل القطر الحديد والنحاس وما جرى مجرى ذلك كان يسيل له منه أربعة عيون وقيل المعنى أن الله أذاب له النحاس بغير نار كما صنع بالحديد لداود نذقه من عذاب السعير يعني نار الآخرة وقيل كان معه ملك يضربهم بصوت من نار محاريب هي القصور وقيل المساجد وتماثيل قيل إنها كانت على غير صور الحيوان وقيل على صور الحيوان وكان ذلك جائزا عندهم كالجواب جمع جابية وهي البركة التي يجتمع فيها الماء راسيات أي ثابتات في مواضعها لعظمها اعملوا آل داود شكرا حكاية ما قيل لآل داود وانتصب شكرا على أنه مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال تقديره شاكرين أو مصدر من المعنى لأن العمل شكر تقديره اشكروا شكرا أو مفعول به وقليل من عبادي الشكور يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود أو مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم دابة الأرض تأكل منسأته المنسأة هي العصا وقرئ بهمز وبغير همز ودابة الأرض هي الأرضة وهي السوسة التي تأكل الخشب وغيره وقصص الآية أن سليمان عليه السلام دخل قبة من قوارير وقام يصلي متكئا على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها فبقي كذلك سنة لم يعلم أحد بموته حتى وقعت العصا فخر إلى الأرض واختصرنا كثيرا مما ذكره الناس في هذه القصة لعدم صحته تبينت الجن من تبين الشيء إذا ظهر وما بعدها بدل من الجن والمعنى ظهر للناس أن الجن لا يعلمون الغيب وقيل تبينت بمعنى علمت وأن وما بعدها مفعول به على هذه والمعنى علمت الجن أنهم لا يعلمون الغيب وتحققوا أن ذلك بعد التباس الأمر عليهم أو علمت الجن أن كفارهم لا يعلمون الغيب وأنهم كاذبون في دعوى ذلك في العذاب المهين يعني الخدمة التي كانوا يخدمون سليمان وتسخيره لهم في أنواع الأعمال والمعنى لو كانت الجن تعلم الغيب ما خفي عليهم موت سليمان لقد كان لسبإ في مسكنهم آية سبأ قبيلة من العرب سميت باسم أبيها الذي

(2/384)


تناسلت منه وقيل باسم أمها وقيل باسم موضعها والأول أشهر لأنه ورد في الحديث وكانت مساكنهم بين الشام واليمن جنتان عن يمين وشمال كان لهم واد وكانت الجنتان عن يمينه وشماله وجنتان بدل من آية ومبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف كلوا تقديره قيل لهم كلوا من رزق ربكم قالت لهم ذلك الأنبياء وروي أنهم بعث لهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم بلدة طيبة أي كثيرة الأرزاق طيبة الهواء سليمة من الهوام فأعرضوا أي أعرضوا عن شكر الله أو عن طاعة الأنبياء
فأرسلنا عليهم سيل العرم كان لهم سد يمسك الماء ليرتفع فتسقى به الجنتان فأرسل الله على السد الجرذ وهي دويبة خربته فيبست الجنتان وقيل لما خرب السد حمل السيل الجنتان وكثير من الناس واختلف في معنى العرم فقيل هو السد وقيل هو اسم ذلك الوادي بعينه وقيل معناه الشديد فكأنه صفة ... 542

(2/385)


149 للسيل من العرامة وقيل هو الجرذ الذي خرب السد وقيل المطر الشديد أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل الأكل بضم الهمزة المأكول والخمط شجر الأراك وقيل كل شجرة ذات شوك والأثل شجر يشبه الطرفا والسدر شجر معروف وإعراب خمط بدل من أكل أو عطف بيان وقرئ بالإضافة وأثل عطف على الأكل لا على خمط لأن الأثل لا أكل له والمعنى أنه لما أهلكت الجنتان المذكورتان قيل أبدلهم الله منها جنتين بضد وصفهما في الحسن والأرزاق وهل نجازي إلى الكفور معناه لا يناقش ويجازى بمثل فعله إلا الكفور لأن المؤمن قد يسمح الله له ويتجاوز عنه وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة هذه الآية وما بعدها وصف حال سبأ قبل مجيء السيل وهلاك جناتهم ويعني بالقرى التي باركنا فيها الشام والقرى الظاهرة قرى متصلة من بلادهم إلى الشام ومعنى ظاهرة يظهر بعضها من بعض لاتصالها وقيل مرتفعة في الآكام وقال ابن عطية خارجة عن المدن كما تقول بظاهر المدينة أي خارجها وقدرنا فيها السير أي قسمنا مراحل السفر وكانت القرى متصلة فكان المسافر يبيت في قرية ويصبح في أخرى ولا يخاف جوعا ولا عطشا ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا يخاف من أحد فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا قرئ باعد وبعد بالتخفيف والتشديد على وجه الطلب والمعنى أنهم بطروا النعمة وملوا العافية وطلبوا من الله أن يباعد بين قراهم المتصلة ليمشوا في المفاوز ويتزودوا للأسفار فعجل الله إجابتهم وقرئ باعد بفتح العين على الخبر والمعنى أنهم قالوا إن الله باعد بين قراهم وذلك كذب وجحد للنعمة وظلموا أنفسهم يعني بقولهم باعد بين أسفارنا أو بذنوبهم على الإطلاق ومزقناهم كل ممزق أي فرقناهم في البلاد حتى ضرب المثل بفرقتهم قيل تفرقوا أيدي سبا وفي الحديث إن سبا أبو عشرة من القبائل فلما جاء السيل على بلادهم تفرقوا فتيامن منهم ستة وتشاءم أربعة ولقد صدق عليهم إبليس ظنه أي وجد ظنه فيهم

(2/386)


صادقا يعني قوله لأغوينهم وقوله ولا تجد أكثرهم شاكرين قل ادعوا الذين زعمتم تعجيز للمشركين وإقامة حجة عليهم ويعني بالذين زعمتم آلهتهم ومفعول زعمتم محذوف أي زعمتم أنهم آلهة أو زعمتم أنهم شفعاء وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشا من شرك أي نصيب والظهير المعين ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له المعنى لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن الله له أن يشفع فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه وقيل المعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الله أن يشفع فيه والمعنى أن الشفاعة على كل وجه لا تكون إلا بإذن الله ففي ذلك رد على المشركين الذين كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ... 543

(2/387)


150 تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية في الملائكة عليهم السلام فإنهم إذا سمعوا الوحي إلى جبريل يفزعون لذلك فزعا عظيما فإذا زال الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فيقولون قال الحق ومعنى فزع عن قلوبهم زال عنها الفزع والضمير في قلوبهم وفي قالوا الملائكة فإن قيل كيف ذلك ولم يتقدم لهم ذكر يعود الضمير عليه فالجواب أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين فعاد الضمير على الشفعاء الذين دل عليهم لفظ الشفاعة فإن قيل بم اتصل قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم ولأي شيء وقعت حتى غائبة فالجواب أنه اتصل بما فهم من الكلام من أن ثم انتظارا للإذن وفزعا وتوقفا حتى يزول الفزع بالإذن في الشفاعة ويقرب هذا في المعنى من قوله يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ولم يفهم بعض الناس اتصال هذه الآية بما قبلها فاضطربوا فيها حتى قال بعضهم هي في الكفار بعد الموت ومعنى فزع عن قلوبهم رأوا الحقيقة فقيل لهم ماذا قال ربكم فيقولون قال الحق فيقرون حين لا ينفعهم الإقرار والصحيح أنها في الملائكة لورود ذلك في الحديث ولأن القصد الرد على الكفار الذين عبدوا الملائكة فذكر شدة خوف الملائكة من الله وتعظيمهم له
قل من يرزقكم سؤال قصد به إقامة الحجة على المشركين قل الله جواب عن السؤال بما لا يمكن لمخالفة فيه ولذلك جاء السؤال والجواب من جهة واحدة وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين هذه ملاطفة وتنزل في المجادلة إلى غاية الإنصاف كقولك الله يعلم أن أحدنا على حق وأن الآخر على باطل ولا تعين بالتصريح أحدهما ولكن تنبه الخصم على النظر حتى يعلم من هو على الحق ومن هو على الباطل والمقصود من الآية أن المؤمنين على هدى وأن الكفار على ضلال مبين

(2/388)


قل لا تسألون عما أجرمنا إخبار يقتضي مسالمة نسخت بالسيف يفتح بيننا أي يحكم والفتاح الحاكم قل أروني الذى ألحقتم به شركاء إقامة حجة على المشركين والرؤية هنا رؤية قلب فشركاه مفعول ثالث والمعنى أروني بالدليل والحجة من هم له شركاء عندكم وكيف وجه الشركة وقيل هي رؤية بصر وشركاء حال من المفعول في ألحقتم كأنه قال أين الذين تعبدون من دونه وفي قوله أروني تحقير للشركاء وازدراء بهم وتعجيز للمشركين وفي قوله كلا ردع لهم عن الإشراك وفي وصف الله بالعزيز الحكيم رد عليهم بأن شركاءهم ليسوا كذلك وما أرسلناك إلا كافة للناس المعنى أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس وهذه إحدى الخصال التي أعطاه الله دون سائر الأنبياء وإعراب كافة حال من الناس قدمت للاهتمام هكذا قال ابن عطية وقال الزمخشري ذلك خطأ لأن تقدم حال المجرور ... 544

(2/389)


151 عليه لا يجوز وتقديره عنده وما أرسلناك إلا رسالة عامة للناس فكافة صفة للمصدر المحذوف وقال الزجاج المعنى أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والتبشير فجعله حالا من الكاف والتاء على هذا للمبالغة كالتاء في راوية وعلامة قل لكم ميعاد يوم يعني يوم القيامة أو نزول العذاب بهم في الدنيا وهو الذي سألوا عنه على وجه الاستخفاف فقالوا متى هذا الوعد ولا بالذي بين يديه يعني الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل وإنما قال الكفار هذه المقالة حين وقع عليهم الاحتجاج بما في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الذي بين يديه يوم القيامة وهذا خطأ وعكس لأن الذي بين يدي الشيء هو ما تقدم عليه ولو ترى جواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا عظيما يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يتكلمون ويجيب بعضهم بعضا بل كنتم مجرمين أي كفرتم باختياركم لا بأمرنا بل مكر الليل والنهار المعنى أن المستضعفين قالوا للمستكبرين بل مكركم بنا في الليل والنهار سبب كفرنا وإعراب مكر مبتدأ وخبره محذوف أو خبر ابتداء مضمر وأضاف مكر إلى الليل والنهار على وجه الاتساع ويحتمل أن يكون إضافة إلى المفعول أو إلى الفاعل على وجه المجاز كقولهم نهاره صيام وليله قيام أي يصام فيه ويقام ودلت الإضافة على كثرة المكر ودوامه بالليل والنهار فإن قيل لم أثبت الواو في قول الذين استضعفوا دون قول الذين استكبروا فالجواب أنه قد تقدم كلام الذين استضعفوا قبل ذلك فعطف عليه كلامهم الثاني ولم يتقدم للذين استكبروا كلام آخر فيعطف عليه وأسروا الندامة أي أخفوها في نفوسهم وقيل أظهروها فهو من الأضداد والضمير لجميع المستضعفين والمستكبرين مترفوها يعني أهل الغنى والتنعم في الدنيا وهم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء والقصد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب أكابر قريش له وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا الضمير لقريش أو للمترفين

(2/390)


المتقدمين قاسوا أمر الدنيا على الآخرة وظنوا أن الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا لا يعذبهم في الآخرة قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إخبار يتضمن الرد عليهم بأن بسط الرزق وقبضه في الدنيا معلق بمشيئة الله فقد يوسع الله على الكافر وعلى العاصي ويضيق على المؤمن والمطيع وبالعكس فليس ... 545
152 في ذلك دليل على أمر الآخرة زلفى مصدر بمعنى القرب كأنه قال تقربكم قربى إلا من آمن استثناء من المفعول في تقربكم والمعنى أن الأموال لا تقرب إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله وقيل الاستثناء منقطع والأول أحسن جزاء الضعف يعني تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها فما فوق ذلك يبسط الرزق الآية كررت لاختلاف القصد فإن القصد بالأول على الكفار والقصد هنا ترغيب المؤمنين بالإنفاق فهو يخلفه الخلف قد يكون بمال أو بالثواب أنت ولينا من دونهم براءة من أن يكون لهم رضا بعبادة المشركين لهم وليس في ذلك نفي لعبادتهم لهم بل كانوا يعبدون الجن عبادتهم للجن طاعتهم لهم في الكفر والعصيان وقيل كانوا يدخلون في جوف الأصنام فيعبدون بعبادتها ويحتمل أن يكون قوم عبدوا الجن لقوله وجعلوا لله شركاء الجن
وما آتيناهم من كتب يدرسونها الآية في معناها وجهين أحدهما ليس عندهم كتب تدل على صحة أقوالهم ولا جاءهم نذير يشهد بما قالوه فأقوالهم باطلة إذ لا حجة لهم عليها فالقصد على هذا رد عليهم والآخر أنهم ليس عندهم كتب ولا جاءهم نذير فهم محتاجون إلى من يعلمهم وينذرهم ولذلك بعث الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فالقصد على هذا إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما بلغوا معشار ما آتيناهم المعشار العشر وقيل عشر العشر والأول أصح والضمير في بلغوا لكفار قريش وفي آتيناهم للكتب المتقدمة أي أن هؤلاء لم يبلغوا عشر ما أعطى الله المتقدمين من القوة والأموال وقيل الضمير في بلغوا للمتقدمين وفي

(2/391)


آتيناهم لقريش أي ما بلغ المتقدمون عشر ما أعطى الله هؤلاء من البراهين والأدلة والأول أصح وهو نظير قوله كانوا أشد منهم قوة فكيف كان نكير أي إنكاري يعني عقوبة الكفار المتقدمين وفي ذلك تهديد لقريش قل إنما أعظكم بواحدة أي بقضية واحدة تقريبا عليكم أن تقوموا لله هذا تفسير القضية الواحدة وأن تقوموا بدل أو عطف بيان أو خبر ابتداء مضمر ومعناه أن تقوموا للنظر في أمر محمد صلى الله عليه وسلم قياما خالصا لله تعالى ليس ... 546

(2/392)


153 فيه اتباع هوى ولا ميل وليس المراد بالقيام هنا القيام على الرجلين إنما المراد القيام بالأمر والجد فيه مثنى وفرادى حال من الضمير في تقوموا والمعنى أن تقوموا اثنين اثنين للمناظرة في الأمر وطلب التحقيق وتقوموا واحدا واحدا لإحضار الذهن واستجماع الفكرة ثم تتفكروا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا أن ما به من جنة لأنه جاء بالحق الواضح ومع ذلك فإن أقواله وأفعاله تدل على رجاحة عقله ومتانة علمه وأنه بلغ في الحكمة مبلغا عظيما فيدل ذلك على أنه ليس بمجنون ولا مفتر على الله ما بصاحبكم من جنة متصل بما قبله على الأصح أي تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة وقيل هو استئناف قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم هذا كما يقول الرجل لصاحبه إن أعطيتني شيئا فخذه وهو يعلم أنه لم يعطه شيئا ولكنه يريد البراءة من عطائه وكذلك معنى هذا فهو كقولك قل ما أسألكم عليه من أجر قل إن ربي يقذف بالحق القذف الرمي ويستعار للإلقاء فالمعنى يلقي الحق إلى أصفيائه أو يرمي الباطل بالحق فيذهبه علام الغيوب خبر ابتداء مضمر أو بدل من الضمير في يقذف أو من اسم إن على الموضع قل جاء الحق يعني الإسلام وما يبدىء الباطل وما يعيد الباطل الكفر ونفى الإبداء والإعادة على أنه لا يفعل شيئا ولا يكون له ظهور أو عبارة عن ذهابه كقوله جاء الحق وزهق الباطل وقيل الباطل الشيطان إنه سميع قريب يعني قربه تعالى بعلمه وإحاطته ولو ترى إذ فزعوا جواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا عظيما أو معنى فزعوا أسرعوا إلى الهروب والفعل ماض بمعنى الاستقبال وكذلك ما بعده من الأفعال ووقت الفزع البعث وقيل الموت وقيل يوم بدر فلا فوت أي لا يفوتون الله إذ هربوا وأخذوا من مكان قريب يعني من الموقف إلى النار إذا بعثوا أومن ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من أرض بدر إلى القليب والمراد على كل قول سرعة أخذهم وقالوا آمنا به أي

(2/393)


قالوا ذلك عند أخذهم والضمير المجرور لله تعالى أو للنبي صلى الله عليه وسلم أو للقرآن أو للإسلام وأنى لهم التناوش من مكان بعيد التناوش بالواو التناول إلا أن التناوش تناول قريب سهل لشيء قريب وقرىء بهمز الواو فيحتمل أن يكون المعنى واحدا ويكون المهموز بمعنى الطلب ومعنى الآية استبعاد وصولهم إلى مرادهم والمكان البعيد عبارة عن تعذر مقصودهم فإنهم يطلبون ما لا يكون أو يريدون أن يتناولوا ما لا ينالون وهو رجوعهم إلى الدنيا أو انتفاعهم بالإيمان حينئذ وقد كفروا به الضمير يعود على ما عاد عليه قولهم آمنا به ويقذفون بالغيب من مكان بعيد يقذفون فعل ماض في المعنى معطوف على كفروا ومعناه أنهم يرمون بظنونهم في ... 547

(2/394)


154 الأمور المغيبة فيقولون لا بعث ولا جنة ولا نار ويقولون في الرسول عليه الصلاة والسلام إنه ساحر أو شاعر والمكان البعيد هنا عبارة عن بطلان ظنونهم وبعد أقوالهم عن الحق وحيل بينهم وبين ما يشتهون أي حيل بينهم وبين دخول الجنة وقيل حيل بينهم وبين الانتفاع بالإيمان حينئذ وقيل حيل بينهم وبين نعيم الدنيا والرجوع إليها كما فعل بأشياعهم من قبل يعني الكفار المتقدمين وجعلهم أشياعهم لاتفاقهم في مذاهبهم ومن قبل يحتمل أن يتعلق بفعل أو بأشياعهم على حسب معنى ما قبله في شك مريب هو أقوى الشك وأشده إظلاما
سورة فاطر
جاعل الملائكة رسلا أي وسائط بين الله وبين الأنبياء متصرفين في أمر الله مثنى وثلاث ورباع صفات للأجنحة ولم ينصرف للعدل والوصف والمعنى أن الملائكة منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أجنحة ومنهم من له أربعة أجنحة يزيد في الخلق ما يشاء قيل يعني حسن الصوت وقيل حسن الوجه وقيل حسن الحظ والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة أو يكون على الإطلاق في كل زيادة في المخلوقين ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها الفتح عبارة عن العطاء والإمساك عبارة عن المنع والإرسال الإطلاق بعد المنع والرحمة كل ما يمن الله به على عباده من خيري الدنيا والآخرة فمعنى الآية لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله فإن قيل لم أنث الضمير في قوله فلا ممسك لها وذكره في قوله فلا مرسل له وكلاهما يعود على ما الشرطية فالجواب أنه لما فسر من الأولى بقوله من رحمة أنثه لتأنيث الرحمة وترك الآخر على الأصل من التذكير من بعده أي من بعد إمساكه هل من خالق غير الله رفع غير على الصفة لخالق على الموضع وخفضه صفة على الرفع ورزق السماء المطر ورزق الأرض النبات والمعنى تذكير بنعم الله وإقامة حجة على المشركين ولذلك أعقبه بقوله لا إله إلا هو وإن يكذبوك الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ...

(2/395)


548
155 على تكذيب قومه كأنه يقول إن يكذبوك فلا تحزن لذلك فإن الله سينصرك عليهم كما كذبت رسل من قبلك فنصرهم الله الغرور الشيطان وقيل التسويف أفمن زين له سوء عمله توقيف وجوابه محذوف تقديره أفمن زين له سوء عمله كمن لم يزين له ثم بني على ذلك ما بعده فالذي زين له سوء عمله هو الذي أضله الله ومن لم يزين له سوء عمله هو الذي هداه الله فلا تذهب نفسك عليهم حسرات تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن حزنه لعدم إيمانهم لأن ذلك بيد الله كذلك النشور أي الحشر والمعنى كما يحيي الله الأرض بالنبات كذلك يحيي الموتى من كان يريد العزة الآية تحتمل ثلاثة معان أحدها وهو الأظهر من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله فإن العزة كلها لله والثاني من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فلله العزة جميعا فالمغالب له مغلوب والثالث من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعا إليه يصعد الكلم الطيب قيل يعني لا إله إلا الله واللفظ يعم ذلك وغيره من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن وتعليم العلم فالعموم أولى والعمل الصالح يرفعه فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ضمير الفاعل في يرفعه الله وضمير المفعول للعمل الصالح فالمعنى على هذا أن الله يرفع العمل الصالح أي يتقبله ويثيب عليه والثاني أن ضمير الفاعل للكلام الطيب وضمير المفعول للعمل الصالح والمعنى على هذا لا يقبل عمل صالح إلا ممن له كلام طيب وهذا يصح إن قلنا إن الكلم الطيب لا إله إلا الله لأنه لا يقبل العمل إلا من موحد والثالث أن ضمير الفاعل للعمل الصالح وضمير المفعول للكلم الطيب والمعنى على هذا أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح روي هذا المعنى عن ابن عباس واستبعده ابن عطية وقال لم يصح عنه لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم قال وقد يستقيم بأن يتأول أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه يمكرون

(2/396)


السيئات لا يتعدى مكر فتأويله يمكرون المكرات السيئات فتكون السيئات مصدرا أو تضمن يمكرون معنى يكتسبون فتكون السيئات مفعولا والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه
ومكر أولئك هو يبور البوار الهلاك أو الكساد ومعناه هنا أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم ثم جعلكم أزواجا أي أصنافا وقيل ذكرانا وإناثا وهذا أظهر وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب التعمير طول العمر والنقص قصره والكتاب اللوح المحفوظ فإن قيل إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد فكيف ... 549

(2/397)


156 أعاد الضمير في قوله ولا ينقص من عمره على الشخص المعمر فالجواب من ثلاثة أوجه الأول وهو الصحيح أن المعنى ما يعمر من أحد ولا ينقص من عمره إلا في كتاب فوضع من معمر موضع من أحد وليس المراد شخصا واحدا وإنما ذلك كقولك لا يعاقب الله عبدا ولا يثيبه إلا بحق والثاني أن المعنى لا يزاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره إلا في كتاب وذلك أن يكتب في اللوح المحفوظ أن فلانا إن تصدق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق فعمره أربعون وهذا ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم صلة الرحم تزيد في العمر إلا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين وليس مذهب الأشعرية وقد قال كعب حين طعن عمر لو دعا الله لزاد في أجله فأنكر الناس عليه فاحتج بهذه الآية والثالث أن التعمير هو كتب ما يستقبل من العمر والنقص هو كتب ما مضى منه في اللوح المحفوظ وذلك حق كل شخص وما يستوي البحران قد فسرنا البحرين الفرات والأجاج في الفرقان وسائغ في النحل والقصد بالآية التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده وقال الزمخشري إن المعنى أن الله ضرب للبحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر وهذا بعيد لحما طريا يعني الحوت حلية تلبسونها يعني الجوهر والمرجان فإن قيل إن الحلية لا تخرج إلا من البحر الملح دون العذب فكيف قال ومن كل أي كل واحد منهما فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن ذلك تجوز في العبارة كما قال يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم والرسل إنما هي من الإنس الثاني أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح حيث تنصب أنهار الماء العذب أو ينزل المطر فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصب في البحر الملح كان الإخراج منهما جميعا الثالث زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب وهذا قول يبطله الحس مواخر ذكر في النحل يولج ذكر في لقمان قطمير هو القشر الرقيق الأبيض الذي على نوى التمر والمعنى أن الأصنام لا

(2/398)


يملكون أقل الأشياء فكيف أكثرها يكفرون بشرككم أي بإشراككم فالمصدر مضاف للفاعل وكفر الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون بكلام يخلقه الله عندها أو بقرينة الحال ولا ينبئك مثل خيبر أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر عالم يعني نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يكفرون يوم القيامة بمن عبدهم أنتم الفقراء إلى الله خطاب لجميع الناس وإنما عرف الفقر بالألف واللام ليدل على اختصاص الفقر بجنس الناس وإن كان غيرهم فقراء ولكن فقراء الناس أعظم ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم بالفقر ووصفه بأنه ... 550

(2/399)


157 الحميد ليدل على جوده وكرمه الذي يوجب أن يحمده عباده وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء الحمل عبارة عن الذنوب والمثقلة الثقيلة الحمل أو النفس الكثيرة الذنوب والمعنى أنها لو دعت أحدا إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل عنها وحذف مفعول إن تدع لدلالة المعنى وقصد العموم وهذه الآية بيان وتكميل لمعنى قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى ولو كان ذا قربى المعنى ولو كان المدعو ذا قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل منه شيئا لأن كل واحد يقول نفسي نفسي إنما تنذر الذين يخشون ربهم المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار بالغيب في موضع حال من الفاعل في يخشون أي يخشون ربهم وهم غائبون عن الناس فخشيتهم حق لا رياء وما يستوي الأعمى والبصير تمثيل للكافر والمؤمن ولا الظلمات ولا النور تمثيل للكفر والإيمان ولا الظل ولا الحرور تمثيل للثواب والعقاب وقيل الظل الجنة والحرور النار والحرور في اللغة شدة الحر بالنهار والليل والسموم بالنهار خاصة وما يستوي الأحياء ولا الأموات تمثيل لمن آمن فهو كالحي ومن لم يؤمن فهو كالميت إن الله يسمع من يشاء عبارة عن هداية الله لمن يشاء وما أنت بمسمع من في القبور عبارة عن عدم سماع الكفار للبراهين والمواعظ فشبههم بالموتى في عدم إحساسهم وقيل المعنى أن أهل القبور وهم الموتى حقيقة لا يسمعون فليس عليك أن تسمعهم وإنما بعثت للأحياء وقد استدلت عائشة بالآية على أن الموتى لا يسمعون وأنكرت ما ورد في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى بدر حين جعلوا في القليب ولكن يمكن الجمع بين قولها وبين الحديث بأن الموتى في القبور إذا ردت إليهم أرواحهم إلى أجسادهم سمعوا وإن لم ترد لم يسمعوا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير معناه أن الله قد بعث إلى كل أمة نبيا يقيم عليهم الحجة فإن قيل كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات

(2/400)


وأزمنة طويلة ألا ترى أن بين عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة لم يبعث فيها نبي فالجواب أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك فالجواب أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم وايضا فإن المراد بقوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ينبغي أن تنكر لأن الله أرسله كما أرسل من قبله والمراد بقوله لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك أنهم محتاجون إلى الإنذار لكونهم لم يتقدم من ينذرهم فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما وإن يكذبوك الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي نكير ذكر في سبأ ثمرات مختلفا ألوانها يريد الصفرة ... 551

(2/401)


158 والحمرة وغير ذلك من الألوان وقيل يريد الأنواع والأول أظهر لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك وفي الوجهين دليل على أن الله تعالى فاعل مختار يخلق ما يشاء ويختار وفيه رد على الطبائعيين لأن الطبيعة لا يصدر عنها إلا نوع واحد جدد جمع جدة وهي الخطط والطرائق في الجبال وغرابيب جمع غربيب وهو الشديد السواد وقدم الوصف الأبلغ وكان حقه أن يتأخر لقصد التأكيد ولأن ذلك كثيرا ما يأتي في كلام العرب كذلك يتعلق بما قبله فيتم الوقف عليه والمعنى أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه مثل الجبال المختلف ألوانها والثمرات المختلف ألوانها وذلك كله استدلال على قدرة الله وإرادته إنما يخشى الله من عباده العلماء يعني العلماء بالله وصفاته وشرائعه علما يوجب لهم الخشية من عذابه وفي الحديث أعلمكم بالله أشدكم له خشية لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه وإذا لم يعرفه لم يخف منه فلذلك خص العلماء بالخشية إن الذين يتلون كتاب الله أي يقرؤن القرآن وقيل معنى يتلون يتبعون والخبر يرجون تجارة أو محذوف لن تبور أي لن تكسد ويعني بالتجارة طلب الثواب ويزيدهم من فضله توفية الأجوروهو ما يستحقه المطيع من الثواب والزيادة التضعيف فوق ذلك وقيل الزيادة النظر إلى وجه الله مصدقا لما بين يديه تقدم في البقرة ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم والتوريث عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب وعائشة وأكثر المفسرين هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالظالم لنفسه العاصي والسابق التقي والمقتصد بينهما وقال الحسن السابق من رجحت حسناته على سيئاته والظالم لنفسه من رجحت سيئاته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته وجميعهم يدخلون الجنة وروي أن رسول الله صلى الله

(2/402)


عليه وسلم قال سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له وقيل الظالم الكافر والمقتصد المؤمن العاصي والسابق التقي فالضمير في منهم على هذا يعود على العباد وأما على القول الأول فيعود على الذين اصطفينا وهو أرجح وأصح لوروده في الحديث وجلالة القائلين به فإن قيل لم قدم الظالم ووسط المقتصد وأخر السابق فالجواب أنه قدم الظالم لنفسه رفقا به لئلا ييئس واخر السابق لئلا يعجب بنفسه وقال ... 552
159 الزمخشري قدم الظالم لكثرة الظالمين وأخر السابق لقلة السابقين ذلك هو الفضل الكبير إشارة إلى الاصطفاء جنات عدن بدل من الفضل أو خبر مبتدأ تقديره ثوابهم جنات عدن أو مبتدأ تقديره لهم جنات عدن يدخلونها ضمير الفاعل يعود على الظالم والمقتصد والسابق على القول بأن الآية في هذه الأمة وأما على القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصة وقال الزمخشري إنه يعود على السابق خاصة وذلك على قول المعتزلة في الوعيد أساور ذكر في الحج أذهب عنا الحزن قيل هو عذاب النار وقيل أهوال القيامة وقيل هموم الدنيا والصواب العموم في ذلك كله دار المقامة هي الجنة والمقامة هي الإقامة والموضع وإنما سميت الجنة دار المقامة لأنهم يقومون فيها ولا يخرجون منها نصب النصب تعب البدن واللغوب تعب النفس اللازم عن تعب البدن يصطرخون يفتعلون من الصراخ أي يستغيثون فيقولون ربنا أخرجنا وفي قولهم غير الذي كنا نعمل اعتراف بسوء عملهم وتندم عليه أولم نعمركم الآية توبيخ لهم وإقامة حجة عليهم وقيل إن مدة التذكير ستون سنة وقيل أربعون وقيل البلوغ والأول أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر وجاءكم النذير يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يعني الشيب لأنه نذير بالموت والأول أظهر إنه عليم بذات الصدور أي بما تضمره الصدور وتعتقده وقال الزمخشري ذات هنا تأنيث

(2/403)


ذو بمعنى صاحب لأن المضمرات تصحب الصدور خلائف ذكر في الأنعام مقتا المقت احتقار الإنسان وبغضه لأجل عيوبه أو ذنوبه قل أرأيتم شركاءكم الآية احتجاج على المشركين وإبطال لمذهبهم أم لهم شرك أي نصيب على بينة أي على أمر جلي والضمير في أتيناهم يحتمل أن يكون للأصنام أو للمشركين وهذا أظهر في المعنى والأول أليق بما قبله من الضمائر أن تزولا في موضع مفعول من أجله تقديره كراهة أو تزولا أو مفعول به لأن يمسك بمعنى يمنع ولئن زالتا أي لو فرض زوالهما لم يمسكهما أحد وقيل أراد زوالهما يوم القيامة عند طي ... 553

(2/404)


160 السماء وتبديل الأرض ونسف الجبال من بعده أي من بعد تركه الإمساك وأقسموا بالله الضمير لقريش وذلك أنهم قالوا لعن الله اليهود والنصارى جاءتهم الرسل فكذبوهم والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى منهم إحدى الأمم يعني اليهود والنصارى فلما جاءهم نذير يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ) استكبارا ) بدل من نفورا أو مفعول من أجله ومكر السيء هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولك مسجد الجامع وجانب الغربي والأصل أن يقال المكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله أي لا يحيط وبال المكر السيء إلا بمن مكره ودبره وقال كعب لابن عباس إن في التوراة من حفر حفرة لأخيه وقع فيها فقال ابن عباس أنا أجد هذا في كتاب الله ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين أي هل ينتظرون إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم بتكذيبهم للرسل وما كان الله ليعجزه من شيء أي لا يفوته شيء ولا يصعب عليه ما ترك على ظهرها من دابة الضمير للأرض والدابة عموم في كل ما يدب وقيل أراد بني آدم خاصة إلى أجل مسمى يعني يوم القيامة وباقي الآية وعد ووعيد
سورة يس
قد تكلمنا في البقرة على حروف الهجاء وقيل في يس إنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معناه يا إنسان تنزيل بالرفع خبر ابتداء مضمر وبالنصب مصدر أو مفعول بفعل مضمر لتنذر قوما هم قريش ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الأمم ما أنذر آباؤهم ما نافية والمعنى لم يرسل إليهم ولا لآبائهم رسول ينذرهم وقيل المعنى لتنذر قوما مثل ما أنذر آباؤهم فما على هذا موصولة بمعنى الذي أو مصدرية والأول أرجح لقوله فهم غافلون يعني أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم وتكون بمعنى قوله ما أتاهم من نذير من قبلك ... 554

(2/405)


161 ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدمين فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم ولا آباؤهم الأقربون لقد حق القول أي سبق القضاء إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا الآية فيها ثلاثة أقوال الأول أنها عبارة عن تماديهم على الكفر ومنع الله لهم من الإيمان فشبههم بمن جعل في عنقه غل يمنعه من الالتفات وغطى على بصره فصار لا يرى والثاني أنها عبارة عن كفهم عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر فرجع عنه فزعا مرعوبا والثالث أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم والأول أظهر وأرجح لقوله قبلها فهم لا يؤمنون وقوله بعدها وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
فهي إلى الأذقان الذقن هي طرف الوجه حيث تنبت اللحية والضمير للأغلال وذلك أن الغل حلقة في العنق فإذا كان واسعا عريضا وصل إلى الذقن فكان أشد على المغلول وقيل الضمير للأيدي على أنها لم يتقدم لها ذكر ولكنها تفهم من سياق الكلام لأن المغلول تضم يداه في الغل إلى عنقه وفي مصحف ابن مسعود إنا جعلنا في أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان وهذه القراءة تدل على هذا المعنى وقد أنكره الزمخشري فهم مقمحون يقال قمح البعير إذا رفع رأسه وأقمحه غيره إذا فعل به ذلك والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رءوسهم إلى الارتفاع وقيل معنى مقمحون ممنوعون من كل خير وجعلنا من بين أيديهم سدا الآية السد الحائل بين الشيئين وذلك عبارة عن منعهم من الإيمان فأغشيناهم أي غطينا على أبصارهم وذلك أيضا مجاز يراد به إضلالهم وسواء عليهم الآية ذكرنا معناها وإعرابها في البقرة إنما تنذر من اتبع الذكر المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر وهو القرآن وخشي الرحمن بالغيب معناه كقولك إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وقد ذكرناه في فاطر إنا نحن نحيي الموتى أي نبعثهم يوم القيامة وقيل إحياؤهم إخراجهم من الشرك إلى الإيمان

(2/406)


والأول أظهر ونكتب ما قدموا وآثارهم أي ما قدموا من أعمالهم وما تركوه بعدهم كعلم علموه أو تحبيس حبسوه وقيل الأثر هنا الخطا إلى المساجد وجاء ذلك في الحديث إمام مبين أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ أو صحائف الأعمال واضرب لهم مثلا الضمير لقريش ومثلا وأصحاب القرية مفعولان باضرب على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين وهو الصحيح والقرية أنطاكية إذ جاءها المرسلون هم من الحواريين الذين أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام يدعون الناس إلى عبادة الله وقيل بل هم رسل أرسلهم الله ويدل على هذا قول قومهم ما أنتم إلا بشر مثلنا فإن هذا إنما يقال لمن ادعى أن الله أرسله فعززنا بثالث أي قوينا الاثنين برسول ثالث قيل اسمه شمعون ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون إنما أكدوا الخبر هنا باللام لأنه جواب المنكرين بخلاف ... 555

(2/407)


162 الموضع الأول فإنه إخبار مجرد قالوا إنا تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم وأصل اللفظة من زجر الطير ليستدل على ما يكون من شر أو خير وإنما تشاءموا بهم لأنهم جاؤهم بدين غير دينهم وقيل وقع فيهم الجذام لما كفروا وقيل قحطوا قالوا طائركم معكم أي قال الرسل لأهل القرية شؤمكم معكم أي إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم لا بسببنا أئن ذكرتم دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط وفي الكلام حذف تقديره أتطيرون أن ذكرتم يسعى أي يسرع بجده ونصيحته وقيل اسمه حبيب النجار اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان فلا تخسرون معهم شيئا من دنياكم وتربحون معهم الاهتداء في دينكم ومالي لا أعبد الذي فطرني المعنى أي شيء يمنعني من عبادة ربي وهذا توقيف وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه ولذلك قال وإليه ترجعون فخاطبهم إن يردن الرحمن بضر لا تغن عن شفاعتهم هذا وصف للآلهة والمعنى كيف أتخذ من دون الله آلهة لا يشفعون ولا ينقذونني من الضر إني إذا لفي ضلال مبين أي إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون خطاب لقومه أي اسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي وقيل خطاب للرسل ليشهدوا له قيل ادخل الجنة قيل هنا محذوف يدل عليه الكلام وروي في الأثر وهو أن الرجل لما نصح قومه قتلوه فلما مات قيل له ادخل الجنة واختلف هل دخلها حين موته كالشهداء أو هل ذلك بمعنى البشارة بالجنة ورؤيته لمقعده منها قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي تمنى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه فيؤمنون ولذلك ورد في الحديث أنه نصح لهم حيا وميتا وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه وينفعهم ذلك وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء المعنى أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء لأنهم أهون من ذلك وقيل

(2/408)


المعنى ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلا كما قالت قريش لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك وما كنا منزلين ما كنا لننزل جندا من السماء على أحد فإذا هم خامدون أي ساكنون لا يتحركون ... 556
163 ولا ينطقون يا حسرة على العباد نداء للحسرة كأنه قال يا حسرة احضري فهذا وقتك وهذا التفجع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما فعلوا من استهزائهم بالرسل ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة أو المؤمنين من الناس وقيل المعنى يا حسرة العباد على أنفسهم ألم يروا الضمير لقريش أو للعباد على الإنطلاق والرؤية هنا بمعنى العلم وإن كل لما جميع لدينا محضرون قرئ لما بالتخفيف وهي لام التأكيد دخلت على ما المزيدة وإن على هذا مخففة من الثقيلة وقرئ بالتشديد وهي بمعنى إلا وإن على هذا نافية وما عملته أيديهم ما معطوفة على ثمره أي ليأكلوا من الثمر وما عملته أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة وقيل ما نافية وقرئ ما عملت من غير هاء وما على هذا معطوفة الأزواج يعني أصناف المخلوقات ثم فسرها بقوله مما تنبت الأرض وما بعده فمن في المواضع الثلاثة للبيان ومما لا يعلمون يعني أشياء لا يعلمها بنو آدم كقوله ويخلق ما لا تعلمون نسلخ منه النهار أي نجرده منه وهي استعارة والشمس تجري لمستقر لها أي لحد موقت تنتهي إليه من فلكها وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين الشتاء والصيف وقيل مستقرها وقوفها كل وقت زوال بدليل وقوف الظل حينئذ وقيل مستقرها يوم القيامة حين تكور وفي الحديث مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها وهذا أصح الأقوال لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وقرئ لا مستقر لها أي لا تستقر عن جريها والقمر قدرناه منازل قرئ بالرفع على الابتداء أو عطف على الليل وبالنصب على إضمار فعل ولا بد في قدرناه من حذف

(2/409)


تقديره قدرنا سيره منازل ومنازل القمر ثمانية وعشرون ينزل القمر كل ليلة واحدة منها من أول الشهر ثم يستتر في آخر الشهر ليلة أو ليلتين وقال الزمخشري وهذه المنازل هي مواضع النجوم وهي السرطان البطين الثريا الدبران الهقعة الهنعة الذراع النثرة الطرف الجبهة الزبرة الصرفة العوى السماك الغفر الزباني الاكليل القلب الشولة النعائم البلدة سعد بلع سعد الذابح سعد السعود سعد الأخبية فرغ الدلو المقدم فرغ الدلو المؤخر بطن الحوت حتى عاد كالعرجون القديم العرجون هو غصن النخلة شبه القمر به إذا انتهى في نقصانه والتشبيه في ثلاثة أوصاف وهي الرقة والانحناء والصفرة ووصفه بالقديم لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر المعنى لا يمكن الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره وهكذا قال بعضهم ويحتمل أن يريد أن سير الشمس في الفلك بطيء فإنها تقطع الفلك في سنة وسير ... 557

(2/410)


164 القمر سريع فإنه يقطع الفلك في شهر والبطيء لا يدرك السريع ولا الليل سابق النهار يعني أن كل واحد منهما جعل الله له وقتا موقتا واحدا معلوما لا يتعداه فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل ويحتمل أن يريد أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس أي لا تجتمع معه فيكون المعنى كالذي قيل في قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر فحصل من ذلك أن الشمس لا تجتمع مع القمر وأن القمر لا يجتمع مع الشمس وكل في فلك يسبحون ذكر في الأنبياء وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون معنى المشحون المملوء والفلك هنا يحتمل أن يريد به جنس السفن أو سفينة نوح عليه السلام وأما الذرية فقيل إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح عليه السلام وسمى الآباء ذرية لأنها تناسلت منهم وأنكر ابن عطية ذلك وقال إنه يعني النساء وهذا بعيد والأظهر أنه أراد بالفلك جنس السفن فيعني جنس بني آدم وإنما خص ذريتهم بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان عليهم ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة وإن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بالذرية من كان في السفينة وسماهم ذرية لأنهم ذرية آدم ونوح فالضمير في ذريتهم على هذا النوع بني آدم كأنه يقول الذرية منهم وخلقنا لهم من مثله ما يركبون إن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بقوله من مثله سائر السفن التي يركبها سائر الناس وإن أراد بالفلك جنس السفن فيعني بقوله من مثله الإبل وسائر المركوبات فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوب لا غير والأول أظهر لقوله وإن نشأ نغرقهم ولا يتصور هذا في المركوبات غير السفن فلا صريخ لهم أي لا مغيث لهم ولا منقذ لهم من الغرق إلا رحمة منا قال الكسائي نصب رحمة على الاستثناء كأنه قال إلا أن نرحمهم وقال الزجاج نصب رحمة على المفعول من أجله كأنه قال إلا لأجل رحمتنا إياهم ومتاعا إلى حين يعني آجالهم

(2/411)


وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم الضمير لقريش وجواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه إلا كانوا كانوا عنها معرضين والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ذنوبهم المتقدمة والمتأخرة وقيل ما بين أيديهم عذاب الأمم المتقدمة وما خلفهم عذاب الآخرة قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب وفي معناه قولان أحدهما أنهم قالوا كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم ومن حرمهم الله نحن نحرمهم وهذا كقولهم كن مع الله على المدبر والآخر أن قولهم رد على المؤمنين وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون إن الأمور كلها بيد الله فكأن الكفار يقولون لهم لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء فما بالكم تطلبون إطعامهم منا ومقصدهم في الوجهين احتجاج لبخلهم ومنعهم الصدقات واستهزاء بمن حضهم على الصدقات إن أنتم إلا في ضلال مبين يحتمل أن يكون من بقية كلامهم خطابا للمؤمنين أو يكون ... 558

(2/412)


165 من كلام الله خطابا للكافرين ويقولون متى هذا الوعد يعنون يوم القيامة أو نزول العذاب بهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي النفخة الأولى في الصور وهي نفخة الصعق تأخذهم وهم يخصمون أي يتكلمون في أمورهم وأصل يخصمون يختصمون ثم أدغم وقرئ بفتح الخاء وبكسرها واختلاس حركتها فلا يستطيعون توصية أي لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم لسرعة الأمر ولا إلى أهلهم يرجعون أي لا يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم لسرعة الأمر ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون هذه النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور والأجداث هي القبور وينسلون يسرعون المشي وقيل يخرجون قالوا يا ويلنا الويل منادى أو مصدر من بعثنا من مرقدنا المرقد يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان قال أبي بن كعب ومجاهد إن البشر ينامون نومة قبل الحشر قال ابن عطية هذا غير صحيح الإسناد وإنما الوجه في معنى قولهم من مرقدنا أنها استعارة وتشبيه به يعني أن قبورهم شبهت بالمضاجع لكونهم فيها على هيئة الرقاد وإن لم يكن رقاد في الحقيقة هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون هذا مبتدأ وما بعده خبر وقيل إن هذا صفة لمرقدنا وما وعد الرحمن مبتدأ محذوف الخبر وهذا ضعيف ويحتمل أن يكون هذا الكلام من بقية كلامهم أو من كلام الله أو الملائكة أو المؤمنين يقولونها للكفار على وجه التقريع إن كانت إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية وهي نفخة القيام إن أصحاب الجنة اليوم في شغل قيل هو افتضاض الأبكار وقيل سماع الأوتار والأظهر أنه عام في الاشتغال باللذات فاكهون قرئ بالألف ومعناه أصحاب فاكهة وبغير ألف وهو من الفكاهة بمعنى الراحة والسرور في ظلال جمع ظل وبالضم جمع ظلة على الأرائك جمع أريكة وهي السرير ولهم ما يدعون أي ما يتمنون وقيل معناه أن ما يدعون به يأتيهم سلام مبتدأ وقيل بدل

(2/413)


مما يدعون قولا مصدر مؤكد والمعنى أن السلام عليهم قول من الله بواسطة الملك أو بغير واسطة
وامتازوا اليوم أيها المجرمون أي انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة جبلا كثيرا الجبل الأمة العظيمة وقال الضحاك أقلها عشرة آلاف ولا نهاية لأكثرها وقرئ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام وبضمهما مع التخفيف وبضم الجيم وإسكان الباء وهي لغات ... 559
166 بمعنى واحد اليوم نختم على أفواههم أي نمنعهم من الكلام فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة ولو نشاء لطمسنا على أعينهم هذا تهديد لقريش والطمس على الأعين هو العمى والصراط الطريق وأنى استفهام يراد به النفي فمعنى الآية لو نشاء لأعميناهم فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه وقيل يعني عمي البصائر أي لو نشاء لختمنا على قلوبهم فالطريق على هذا استعارة بمعنى الإيمان والخير ولو نشاء لمسخناهم هذا تهديد بالمسخ فقيل معناه المسخ قردة وخنازير وحجارة وقيل معناه لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين لا يستطيعون تصرفا وقيل إن هذا التهديد كله بما يكون يوم القيامة والأظهر أنه في الدنيا على مكانتهم المكانة المكان والمعنى لو نشاء لمسخناهم مسخا يقعدهم في مكانهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا ومن نعمره ننكسه في الخلق أي نحول خلقته من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله وشبه ذلك كما قال تعالى ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة وإنما قصد بذكر ذلك هنا للاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم وما علمناه الشعر وما ينبغي له الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك رد على الكفار في قولهم إنه شاعر وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظم الشعر ولا يزنه وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه فإن قيل قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وروي أيضا عنه صلى

(2/414)


الله عليه وسلم هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وهذا الكلام على وزن الشعر فالجواب أنه ليس بشعر وأنه لم يقصد به الشعر وإنما جاء موزونا بالاتفاق لا بالقصد فهو كالكلام المنثور ومثل هذا يقال في مثل ما جاء في القرآن من الكلام الموزون ويقتضي قوله وما ينبغي له تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر لما فيه من الأباطيل وإفراط التجاوز حتى يقال إن الشعر أطيبه أكذبه وليس كل الشعر كذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة وقد أكثر الناس في ذم الشعر ومدحه وإنما الإنصاف قول الشافعي الشعر كلام والكلام منه حسن ومنه قبيح إن هو إلا ذكر الضمير للقرآن يعني أنه ذكر لله أو تذكير للناس أو شرف لهم لينذر من كان حيا أي حي القلب والبصيرة ويحق القول على الكافرين أي يجب عليهم العذاب أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما علمت أيدينا أنعاما مقصد الآية تعديد النعم وإقامة الحجة والأيدي هنا عند أهل التأويل عبارة عن القدرة وعند أهل التسليم من المتشابه الذي يجب الإيمان به وعلمه عند الله فمنها ركوبهم الركوب بفتح الراء هو المركوب ولهم فيها منافع يعني الأكل منها والحمل عليها والانتفاع بالجلود والصوف وغيره ومشارب يعني الألبان لا يستطيعون نصرهم الضمير في يستطيعون للأصنام وفي نصرهم للمشركين ويحتمل العكس ولكن الأول أرجح فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لينصروهم أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم فخاب أملهم ... 560

(2/415)


167 وهم لهم جند محضرون الضمير الأول للمشركين والثاني للأصنام يعني أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصبون لهم حتى أنهم لهم كالجند وقيل بالعكس بمعنى أن الأصنام جند محضرون لعذاب المشركين في الآخرة والأول أرجح لأنه تقبيح لحال المشركين فلا يحزنك قولهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم معللة لما بعدها
أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهين على الحشر يوم القيامة ورد على من أنكر ذلك والنطفة هي نطفة المني التي خلق الإنسان منها ولا شك أن الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة قادر على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث وسبب الآية أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال يا محمد من يحيي هذا وقيل إن الذي جاء بالعظم أمية بن خلف وقيل أبي بن خلف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الله يحييه ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم فإذا هو خصيم مبين أي متكلم قادر على الخصام يبين ما في نفسه بلسانه وضرب لنا مثلا إشارة إلى قول الكافرين من يحيي هذا العظم ونسي خلقه أي نسي الاستدلال بخلقته الأولى على بعثه والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول أو الترك وهي رميم أي بالية متفتتة قل يحييها الذي أنشأها أول مرة استدلال بالخلقة الأولى على البعث وهو بكل خلق عليم أي يعلم كيف يخلق كل شيء فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدرا أو بمعنى المخلوق الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا هذا دليل آخر على إمكان البعث وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية فأقام الله عليهم الدليل من الشجر الأخضر الممتلىء ماء مع مضادة طبع الماء للنار ويعني بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار فإنه يقطع من كل واحد منهما غصنا أخضر يقطر منه الماء فيسحق المرخ على

(2/416)


العفار فتنقدح النار بينهما قال ابن عباس ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب ولكنه في المرخ والعفار أكثر أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم هذا دليل آخر على البعث بأن الإله الذي قدر على خلق السموات والأرض على عظمهما وكبر أجرامهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها والضمير في مثلهم يعود على الناس وهو الخلاق العليم ذكر في هذين الاسمين أيضا استدلال على البعث وكذلك في قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لأن هذا عبارة عن قدرته على جميع الأشياء ولا شك أن الخلاق العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء في هذا استدلال على البعث وتنزيه لله عما نسبه الكفار إليه من العجز عن البعث فإنهم ما قدروا الله حق قدره وكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه وتعالى ... 561

(2/417)


168 سورة الصافات
والصافات صفا تقديره والجماعات الصافات ثم اختلف فيها فقيل هي الملائكة التي تصف في السماء صفوفا لعبادة الله وقيل هو من يصف من بني آدم في الصلوات والجهاد والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة وإنا لنحن الصافون فالزاجرات زجرا هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها وقيل الزاجرون بالمواعظ من بني آدم وقيل هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن المعاصي فالتاليات ذكرا هي الملائكة تتلو القرآن والذكر وقيل هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم وهي كلها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد ورب المشارق يعني مشارق الشمس وهي ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب فإنها تشرق كل يوم من أيام السنة في مشرق منها وتغرب في مغرب واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب لأنها معادلة لها فتفهم من ذكرها بزينة الكواكب قرئ بإضافة الزينة إلى الكواكب والزينة تكون مصدرا واسما لما يزان به فإن كان مصدرا فهو مضاف إلى الفاعل تقديره بأن زينة الكواكب اسما أو مضاف إلى المفعول تقديره بأن زينا الكواكب وإن كانت اسما فالإضافة بيان للزينة وقرئ بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل ونصب الكواكب على أنها مفعول بزينة أو بدل من موضع زينة وحفظا منصوب على المصدر تقديره وحفظناها حفظا أو مفعول من أجله والواو زائدة أو محمول على المعنى لأن المعنى إنا جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظا مارد أي شديد الشر لا يسمعون إلى الملأ الأعلى الضمير في يسمعون للشياطين والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة وقرئ يسمعون بتشديد السين والميم ووزنه يتفعلون والسمع طلب السماع فنفى السماع على القراءة الأولى ونفى طلبه على القراءة بالتشديد والأول أرجح لقوله إنهم عن السمع لمعزولون ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون لكنهم لا يسمعون شيئا منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم

(2/418)


لأنهم يرمون بالكواكب ويقذفون أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تنقض قال النقاش ومكي ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا قال ابن عطية وفي هذا نظر دحورا أي طردا وإبعادا وإهانة لأن الدحر الدفع بعنف وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع الحال تقديره مدحورين عذاب واصب أي دائم لأنهم يرجمون ... 562

(2/419)


169 بالنجوم في الدنيا ثم يقذفون في جهنم إلا من خطف الخطفة من في وضع رفع بدل من الضمير في قوله لا يسمعون والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلا الشيطان الذي خطف الخطفة شهاب ثاقب أي شديد الإضاءة فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا الضمير لكفار قريش والاستفتاء نوع من السؤال وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم ومن خلقنا يراد به ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب وقيل يراد به ما تقدم من الأمم والأول أرجح لقراءة ابن مسعود أم من عددنا ومقصد الآية إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه يقول هذه المخلوقات أشد خلقا منكم فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم إنا خلقناهم من طير لازب اللازب اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم بل عجبت ويسخرون أي عجبت يا محمد من ضلالهم وإعراضهم عن الحق أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة وقرئ عجبت بضم التاء وأشكل ذلك على من يقول إن التعجب مستحيل على الله فتأولوه بمعنى أنه جعله على حال يتعجب منها الناس وقيل تقديره قل يا محمد عجبت وقد جاء التعجب من الله في القرآن والحديث كقوله صلى الله عليه وسلم يعجب ربك من شاب ليس له صبوة وهو صفة فعل وإنما جعلوه مستحيلا على الله لأنهم قالوا إن التعجب استعظام خفي سببه والصواب أنه لا يلزم أن يكون خفي السبب بل هو لمجرد الاستعظام فعلى هذا لا يستحيل على الله ويسخرون تقديره وهم يسخرون منك أو من البعث وإذا رأوا آية يستسخرون الآية هنا العلامة كانشقاق القمر ونحوه وروي أنها نزلت في مشرك اسمه ركانة أراه النبي صلى الله عليه وسلم آيات فلم يؤمن ويستسخرون معناه يسخرون فيكون فعل واستعمل بمعنى واحد وقيل معناه يستدعي بعضهم بعضا لأن يسخر وقيل يبالغون في السخرية

(2/420)


أئذا كنا ترابا الآية معناها استبعادهم وقد تقدم الكلام على الاستفهامين في الرعد أو آباؤنا بفتح الواو دخلت همزة الإنكار على واو العطف وقرئ بالإسكان عطفا بأو قل نعم وأنتم داخرون أي قل تبعثون والداخر الصاغر الذليل زجرة واحدة هي النفخة في الصور للقيام من القبور فإذا هم ينظرون يحتمل أن يكون من النظر بالأبصار أو من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم فهذا يوم الدين يحتمل أن يكون من كلامهم مثل الذي قبله أو مما يقال لهم مثل الذي بعده احشروا الآية خطاب للملائكة خاطبهم به الله تعالى أو خاطب به بعضهم بعضا وأزواجهم يعني نساؤهم المشركات وقيل يعني أصنامهم وقرناءهم من الجن والإنس وما كانوا يعبدون يعني الأصنام والآدميين الذين كانوا يرضون بذلك فاهدوهم إلى صراط الجحيم أي دلوهم على طريق جهنم ليدخلوها إنهم مسئولون يعني إنهم يسألون عن أعمالهم توبيخا لهم وقيل يسألون ... 563

(2/421)


170 عن قول لا إله إلا الله والأول أرجح لأنه أهم ويحتمل أن يسألوا عن عدم تناصرهم على وجه التهكم بهم فيكون مسئولون عاملا فيما بعده والتقدير يقال لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وقد كنتم في الدنيا تقولون نحن جميع منتصر مستسلمون أي منقادون عاجزون عن الانتصار قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين الضمير في قالوا للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم أو للإنس خاطبوا الجن واليمين هنا يحتمل ثلاث معان الأول أن يراد بها طريق الخير والصواب وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين كما أن العبارة عن الشر بالشمال والمعنى أنهم قالوا لهم إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدوننا عنه والثاني أن يراد به القوة والمعنى على هذا أنكم كنتم تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان والثالث أن يراد بها اليمين التي يحلف بها أي كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم قالوا بل لم تكونوا مؤمنين الضمير في قالوا للكبراء من الكفار أو للشياطين والمعنى أنهم قالوا لأتباعهم ليس الأمر كما ذكرتم بل كفرتم باختياركم فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون أي وجب العذاب علينا وعليكم وإنا لذائقون معمول القول وحذف معمول ذائقون تقديره وجب القول بأنا ذائقون العذاب فأغويناكم إنا كنا غاوين أي دعوناكم إلى الغي لأنا كنا على غي فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون أي إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار يقولون إنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون الضمير في يقولون لكفار قريش ويعنون بشاعر مجنون محمد صلى الله عليه وسلم فرد الله عليهم بقوله بل جاء الحق أي جاء بالتوحيد والإسلام وهو الحق وصدق المرسلين الذين جاؤا قبله لأنه جاء بمثل ما جاؤا به ويحتمل المعنى أن يكون صدقهم لأنهم أخبروا بنبوته فظهر صدقهم لما بعث عليه الصلاة والسلام إلا عباد الله المخلصين استثناء

(2/422)


منقطع بمعنى لكن وقرئ مخلصين بفتح اللام وكسرها في كل موضع وقد تقدم تفسيره على سرر متقابلين السرر جمع سرير وتقابلهم في بعض الأحيان للسرور بالأنس وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد بقصره يطاف عليهم بكأس من معين الذين يطوفون عليهم الولدان حسبما ورد في الآية الأخرى والكأس الإناء الذي فيه خمر قاله ابن عباس وقيل الكأس إناء واسع الفم ليس له مقبض سواء كان فيه خمر أم لا والمعين الجاري الكثير ووزنه فعيل والميم فيه أصلية وقيل هو مشتق من العين والميم زائدة ووزنه مفعول لذة أي ذات لذة فوصفها بالمصدر ... 564

(2/423)


171 اتساعا
لا فيها غول الغول اسم عام في الأذى والضير ومنه يقال غاله يغوله إذا أهلكه وقيل الغول وجع في البطن وقيل صداع في الرأس وإنما قدم المجرور هنا تعريضا بخمر الدنيا لأن الغول فيها ولا هم عنها ينزفون أي لا يسكرون من خمر الجنة ومنه النزيف وهو السكران وعن هنا سببية كقولك فعلته عن أمرك أي لا ينزفون بسبب شربها قاصرات الطرف معناه أنهن قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهن عين جميع عيناء وهو الكبيرة العينين في جمال كأنهن بيض مكنون قيل شبههن في اللون ببيض النعام فإنه بياض خالطه صفرة حسنة وكذلك قال امرىء القيس ( كبكر مقناة البياض بصفرة ) وقيل إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق وهو المكنون المصون تحت القشرة الأولى وقيل أراد الجوهر المصون فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون هذا إخبار عن تحدث أهل الجنة قال الزمخشري هذه الجملة معطوفة على يطاف عليهم والمعنى أنهم يشربون فيتحدثون على الشراب بما جرى لهم في الدنيا إني كان لي قرين قيل إن هذا القائل وقرينه من البشر مؤمن وكافر وقيل إن قرينه كان من الجن يقول ائنك لمن المصدقين معناه أنه كان يقول له على وجه الإنكار أتصدق بالدنيا والآخرة لمدينون أي مجازون ومحاسبون على الأعمال ووزنه مفعول وهو من الدين بمعنى الجزاء والحساب قال هل أنتم مطلعون أي قال ذلك القائل لرفقائه في الجنة أو للملائكة أو لخدامه هل أنتم مطلعون على النار لأريكم ذلك العزيز فيها وروي أن في الجنة كوى ينظرون أهلها منها إلى النار في سواء الجحيم أي في وسطها قال تالله إن كدت لتردين أي تهلكن بإغوائك والردى الهلاك وهذا خطاب خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار من المحضرين في العذاب أفما نحن بميتين هذا من كلام المؤمن خطاب لقرينه أو خطابا لرفقائه في الجنة ولهذا قال نحن فأخبر عن نفسه وعنهم ويحتمل أن يكون من

(2/424)


كلامه وكلامهم جميعا إن هذا لهو الفوز العظيم يحتمل أن يكون من كلام المؤمن أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة أو من كلام الله تعالى وكذلك يحتمل هذه الوجوه في قوله لمثل هذا فليعمل العاملون والأول أرجح فيه أن يكون من كلام الله تعالى لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلا به ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقة في الدنيا ففيه تحضيض على العمل الصالح أذلك خير أم شجرة الزقوم الإشارة بذلك إلى نعيم الجنة وكل ما ذكر من وصفها وقال الزمخشري الإشارة إلى قوله رزق معلوم والنزل الضيافة وقيل الرزق الكثير وجاء التفضيل هنا بين شيئين ليس بينهما اشتراك لأن الكلام تقرير وتوبيخ إنا جعلناها فتنة للظالمين قيل سببها أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم قالوا كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق ... 565

(2/425)


172 الشجر فالفتنة على هذا الابتلاء في الدنيا وقيل معناه عذاب الظالمين في الآخرة والمراد بالظالمين هنا الكفار إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم أي تنبت في قعر جهنم وترتفع أغصانها إلى دركاتها طلعها كأنه رؤس الشياطين الطلع ثمر النخل فاستعير لشجرة الزقوم وشبه برءوس الشياطين مبالغة في قبحه وكراهته نه قد تقرر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها ولذلك يقال للقبيح المنظر وجه شيطان وقيل رؤس الشياطين شجرة معروفة باليمن وقيل هو صنف من الحيات لشوبا من حميم أي مزاجا من ماء حار فإن قيل لم عطف هذه الجملة بثم فالجواب من وجهين أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان فالمعنى أنهم يملؤن البطون من شجر الزقوم وبعد ذلك يشربون الحميم والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب فالمعنى أن شربهم للحميم أشد مما ذكر قبله يهرعون الإهراع الإسراع الشديد ولقد نادانا نوح أي دعانا فالمعنى دعاؤه بإهلاك قومه ونصرته عليهم من الكرب العظيم يعني الغرق وجعلنا ذريته هم الباقين أهل الأرض كلهم من ذرية نوح لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة تناسل الناس من أولاده الثلاثة سام وحام ويافث وتركنا عليه في الآخرين معناه أبقينا عليه ثناء جميلا في الناس إلى يوم القيامة سلام على نوح في العالمين هذا التسليم من الله على نوح عليه السلام وقيل إن هذه الجملة مفعول تركنا وهي محكية أي تركنا هذه الكلمة تقال له يعني أن الخلق يسلمون عليه فيبتدأ بالسلام على القول الأول لا على الثاني والأول أظهر ومعنى في العالمين على القول الأول تخصيصه بالسلام عليه بين العالمين كما تقول أحب فلانا في الناس أي أحبه خصوصا من بين الناس ومعناه على القول الثاني أن السلام عليه ثابت في العالمين وهذا الخلاف يجري حيث ما ذكر ذلك في هذه السورة وإن من شيعته لإبراهيم الشيعة الصنف المتفق فمعنى من شيعته من على دينه في

(2/426)


التوحيد والضمير يعود على نوح وقيل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر إذ جاء ربه عبارة عن إخلاصه وإقباله على الله تعالى بكليته وقيل المراد المجيء بالجسد بقلب سليم أي سليم من الشرك والشك وجميع العيوب أئفكا آلهة دون الله تريدون الإفك الباطل وإعرابه هنا مفعول من أجله وآلهة مفعول به وقيل ائفكا مفعول به وآلهة بدل منه وقيل أئفكا مصدر في موضع الحال تقديره آفكين أي كاذبين والأول أحسن ... 566

(2/427)


173 فما ظنكم برب العالمين المعنى أي شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم به وقد عبدتم غيره أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره كما تقول ما ظنك بفلان إذا قصدت تعظيمه فالمقصد على المعنى الأول تهديد وعلى الثاني تعظيم لله وتوبيخ لهم فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوه إلى الخروج معهم فحينئذ قال إني سقيم ليمتنع عن الخروج معهم فيكسر أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال الأول أنها كانت تأخذه الحمى في وقت معلوم فنظر في النجوم ليرى وقت الحمى واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمى والثاني أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه استدل بالنظر في علم النجوم أنه يسقم فاعتذر بما يخلف من السقم عن الخروج معهم والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم فقال إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم وليست بنجوم السماء وهذا بعيد وقوله إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون حقا لا كذب فيه ولا تجوز أصلا ويعارض هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات أحدها قوله إني سقيم ويحتمل أن يكون كذبا صراحا وجاز له ذلك لهذا الاحتمال لأنه فعل ذلك من أجل الله إذ قصد كسر الأصنام ويحتمل أن يكون من المعاريض فإن أراد أنه سقيم فيما يسقبل لأن كل إنسان لا بد له أن يمرض أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذيبهم له وهذان التأويلان أولى لأن نفي الكذب بالجملة معارض للحديث والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء عند أهل التحقيق أما المعاريض فهي جائزة فتولوا عنه مدبرين أي تركوه إعراضا عنه وخرجوا إلى عيدهم وقيل إنه أراد بالسقم الطاعون وهو داء يعدي فخافوا منه وتباعدوا عنه مخافة العدوى فراغ أي مال فقال ألا تأكلون إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام ضربا باليمين

(2/428)


أي يمين يديه وقيل بالقوة وقيل بالحلف وهو قوله تالله لأكيدن أصنامكم والأول أظهر وأليق بالضرب وضربا مصدر في موضع الحال يزفون أي يسرعون
قال أتعبدون ما تنحتون أي تنجرون والنحت النجارة إشارة إلى صنعهم للأصنام من الحجارة والخشب والله خلقكم وما تعملون ذهب قوم إلى أن ما مصدرية والمعنى الله خلقكم وأعمالكم وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والمعنى الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها وهذا أليق بسياق الكلام وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام وقيل إنها نافية وقيل إنها استفهامية وكلاهما باطل قالوا ابنوا له بنيانا قيل البنيان في موضع النار وقيل بل كان للمنجنيق الذي رمى عنه فأرادوا به كيدا يعني حرقه بالنار فجعلناهم الأسفلين أي المغلوبين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين قيل إنه قال هذا بعد خروجه من النار وأراد أنه ذاهب أي مهاجر إلى الله فهاجر إلى أرض الشام وقيل إنه قال ذلك قبل أن يطرح في النار وأراد أنه ذاهب إلى ربه بالموت لأنه ظن أن النار تحرقه وسيهدين على القول الأول يعني الهدى إلى صلاح ... 567

(2/429)


174 الدين والدنيا وعلى القول الثاني إلى الجنة وقالت المتصوفة معناه إني ذاهب إلى ربي بقلبي أي مقبل على الله بكليتي تاركا سواه رب هب لي من الصالحين يعني ولدا من الصالحين فبشرناه بغلام حليم أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل عليه السلام ووالده عبد الله حين نذر والده عبد المطلب أن ينحره إن يسر الله له أمر زمزم ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح وبشرناه بإسحق فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أن إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة وإنما كان معه بمكة إسماعيل وذهب علي بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله فلما بلغ معه السعي يريد بالسعي هنا العمل والعبادة وقيل المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشر سنة قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل أوأمر في المنام أنه يذبحه والأول أظهر في اللفظ هنا والثاني أظهر في قوله افعل ما تؤمر ورؤيا الأنبياء حق فوجب عليه الامتثال على الوجهين فانظر ماذا ترى إن قيل لم شاوره في أمر هو حتم من الله فالجواب أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر فأجابه بأحسن جواب فلما أسلما أي استسلما وانقادا لأمر الله وتله للجبين أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره

(2/430)


فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم وقال الكوفيون جوابها تله والواو زائدة وقال بعضهم جوابها ناديناه والواو زائدة قد صدقت الرؤيا يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها ويحتمل أن يريد صدقتها بعملك أي وفيت حقها من العمل فإن قيل إنه أمر بالذبح ولم يذبح فكيف قيل له صدقت الرؤيا فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يفده الله لذبحه ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله وقد قضى إبراهيم ما عليه البلاء المبين أي الاختبار البين الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة وفديناه بذبح عظيم الذبح اسم لما يذبح وأراد به هنا الكبش الذي فدى به وروي أنه من كباش الجنة وقيل إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم ووصفه بعظيم لذلك أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم اشدد رباطي لئلا أضطرب واصرف بصرك عني ... 568

(2/431)


175 لئلا ترحمني وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع فحينئذ جاءه الكبش من عند الله وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحتة كذلك نجزي المحسنين إن قيل لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا وقال في غيرها إنا فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها إنا كذلك فأغنى عن تكرار إنا ولقد مننا على موسى وهارون يعني بالنبوة وغير ذلك من الكرب العظيم يعني الغرق أو تعذيب فرعون وإذلاله لهم ونصرناهم الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما وقيل على موسى وهارون خاصة وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم وهذا ضعيف وآتيناهما الكتاب المستبين يعني التوراة ومعنى المستبين البين وفي هذه الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان وهو الترصيع وإن إلياس لمن المرسلين إلياس من ذرية هارون وقيل إنه إدريس وقد أخطأ من قال إنه إلياس المذكور في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم أتدعون بعلا البعل في اللغة الرب بلغة أهل اليمن وقيل بعل اسم صنم يقال له بعلبك سلام على آل ياسين آل هنا على هذه القراءة بمعنى أهل ياسين اسم لإلياس وقيل لأبيه وقيل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقرئ إلياسين بكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة على هذا جمع إلياس أو منسوب لإلياس حذفت منه الياء كما حذفت من أعجمين وقيل سمي كل واحد من آل ياسين إلياس ثم جمعهم وقيل هو لغة في إلياس عجوز في الغابرين قد ذكر وإن يونس لمن المرسلين قد ذكرنا قصته في يونس والأنبياء إذ أبق إلى الفلك المشحون أي هرب إلى السفينة والفلك هنا واحد والمشحون المملوء وسبب هروبه غضبه على قومه حين لم يؤمنوا وقيل إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله فلما رأوا قومه مخايل العذاب آمنوا فرفع الله عنهم العذاب فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب فساهم فكان من المدحضين معنى ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجة وسبب مقارعته

(2/432)


أنه لما ركب السفينة وقفت ولم تجر فقالوا إنما وقفت من حدث أحدثه أحدنا فنقترع لنرى على من تخرج ... 569
176 القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر فالتقمه الحوت وهو مليم أي فعل ما يلام عليه وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج فلولا أنه كان من المسبحين تسبيحه هو قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين حسبما حكى الله عنه في الأنبياء وقيل هو قوله سبحان الله وقيل هو الصلاة واختلف على هذا هل يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ذلك واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل ساعة وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام وقيل أربعون يوما فنبذناه بالعراء العراء الأرض الفضاء التي لا شجر فيها ولا ظل وقيل يعني الساحل وهو سقيم روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين أي أنبتناها فوقه لتظله وتقيه حر الشمس واليقطين القرع وإنما خصه الله به لأنه يجمع برد الظل ولين اللمس وكبر الورق وأن الذباب لا يقربه فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب وقيل اليقطين كل شجرة لا ساق لها كالبقول والقرع والبطيخ والأول أشهر وأرسلناه إلى مائة ألف يعني رسالته الأولى التي أبق بعدها وقيل هذه رسالة ثانية بعد خروجه من بطن الحوت والول أشهر أو يزيدون قيل أو هنا بمعنى بل وقرأ ابن عباس بل يزيدون وقيل هي بمعنى الواو وقيل هي للإبهام وقيل المعنى أن البشر إذا نظر إليهم يتردد فيقول هم مائة ألف أو يزيدون واختلف في عددهم فقيل مائة وعشرون ألفا وقيل مائة وثلاثون ألفا وقيل مائة وأربعون ألفا وقيل مائة وسبعون ألفا فآمنوا فمتعناهم إلى حين روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم وفرقوا بينهم وبين الأمهات وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا فرفع الله العذاب عنهم إلى حين يعني لانقضاء آجالهم وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة أسقطناها لضعف صحتها فاستفتهم ألربك

(2/433)


البنات ولهم البنون قال الزمخشري إن هذا معطوف على قوله فاستفتهم الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما والضمير المفعول لقريش وسائر الكفار أي اسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور وتلك قسمة ضيزى ثم قررهم على ما زعموا من أن الملائكة إناث ورد عليهم بقوله وهم شاهدون ويحتمل أن يكون بمعنى الشهادة أو بمعنى الحضور أي أنهم لم يحضروا ذلك ولم يعلموه ثم أخبر عن كذبهم في قولهم ولد الله ثم قررهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات وذلك كله رد عليهم وتوبيخ لهم تعالى الله عن أقوالهم علوا كبيرا أصطفى دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل مالكم هذا استفهام معناه التوبيخ وهي في موضع رفع بالابتداء والمجرور بعدها خبرها فينبغي الوقف على قوله مالكم ام لكم سلطان مبين أي برهان بين فأتوا بكتابكم تعجيز لهم لأنهم ليس لهم كتاب يحتجون به وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ... 570

(2/434)


177 الضمير في جعلوا لكفار العرب وفي معنى الآية قولان أحدهما أن الجنة هنا الملائكة وسميت بهذا الاسم لأنه مشتق من الاجتنان وهو الاستتار والملائكة مستورين عن أعين بني آدم كالجن والنسب الذي جعلوه بينهم وبين الله قولهم إنهم بنات الله والقول الثاني أن الجن هنا الشياطين وفي النسب الذي جعلوه بينه وبينهم قولان أحدهما أن بعض الكفار قالوا إن الله والشياطين أخوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والآخر أن بعضهم قال إن الله نكح في الجن فولدت له الملائكة سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولقد علمت الجن إنهم لمحضرون من قال إن الجن الملائكة فالضمير في قوله إنهم لمحضرون يعود على الكفار أي قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب ومن قال إن الجن الشياطين فالضمير يعود عليهم أي قد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب إلا عباد الله المخلصين استثناء منقطع من المحضرين أو من الفاعل في يصفون والمعنى لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في العذاب أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم هذا خطاب للكفار والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى فاتنين مضلين والضمير في عليه يعود على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل ومن هو مفعول بفاتنين والمعنى إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحدا إلا من قضى الله أنه يصلى الجحيم أي لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله وقال الزمخشري الضمير في عليه يعود على الله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم هذا حكاية كلام الملائكة عليهم السلام تقديره ما منا ملك إلا وله مقام معلوم وحذف الموصوف لفهم الكلام والمقام المعلوم يحتمل أن يراد به المكان الذي يقومون فيه لأن منهم من هو في السماء الدنيا وفي الثانية وفي السموات وحيث شاء

(2/435)


الله ويحتمل أن يراد به المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف وإنا لنحن الصافون أي الواقفون في العبادة صفوفا ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم ليقتدوا بالملائكة وليس أحد من أهل الملل يصلون صفوفا إلا المسلمون وإنا لنحن المسبحون قيل معناه المصلون لأن الصلاة يقال لها تسبيح وقيل معناه القائلون سبحان الله وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال إنهم بنات الله وشركاء له لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له ويدل هذا الكلام أيضا على أن المراد بالجن قيل هذا الملائكة وقيل إنه هذا كله من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكلام المسليمن والأول أشهر وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين الضمير لكفار قريش وسائر العرب والمعنى أنهم كانوا قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم يقولون لو أرسل الله إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به الضمير للذكر أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم له ذكر فسوف يعلمون تهديد ووعيد لهم على كفرهم ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون ... 571

(2/436)


178 المعنى سبق القضاء بأن المرسلين منصورون على أعدائهم وإن جندنا لهم الغلبون هذا النصر والغلبة بظهور الحجة والبرهان وبهزيمة الأعداد في القتال وبالسعادة في الآخرة فتول عنهم حتى حين أي أعرض عنهم وذلك موادعة منسوخة بالسيف والحين هنا يراد به يوم بدر وقيل حضور آجالهم وقيل يوم القيامة وأبصر فسوف يبصرون هذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم أفبعذابنا يستعجلون إشارة إلى قولهم متى هذا الوعد وأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك فإذا نزل بساحتهم الساحة الفناء حول الدار والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محظور وسوء فساء صباح المنذرين الصباح مستعمل في ورود الغارات والرزايا ومقصد الآية التهديد بعذاب يحل بهم بعد أن أنذروا فلم ينفعهم الإنذار وذلك تمثيل بقوم أنذرهم ناصح بأن جيشا يحل بهم فلم يقبلوا نصحه حتى جاءهم الجيش وأهلكهم وأبصر كرر الأمر بالتولي عنهم والوعد والوعيد على وجه التأكيد وقيل أراد بالوعيد الأول عذاب الدنيا وبالثاني عذاب الآخرة فإن قيل لم قال أولا أبصرهم وقال هنا أبصر فحذف الضمير المفعول فالجواب من وجهين أحدهما أنه اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا فحذفه اقتصارا والآخر أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدم وغيرهم كأنه قال أبصر جميع الكفار بخلاف الأول فإنه في قريش خاصة سبحان ربك رب العزة عما يصفون نزه الله تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالا كثيرة شنيعة والعزة إن أراد بها عزة الله فمعنى رب العزة ذو العزة وأضافها إليه لاختصاصه بها وإن أراد بها عزة الأنبياء والمؤمنين فمعنى رب العزة مالكها وخالقها ومن هذا قال محمد بن سحنون من حلف بعزة الله فإن أراد صفة الله فهي يمين وإن أراد العزة التي أعطى عباده فليست بيمين ثم ختم هذه السورة بالسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فأما السلام على

(2/437)


المرسلين فيحتمل أن يريد به التحية أو سلامتهم من أعدائهم ويكون ذلك تكميلا لقوله إنهم لهم المنصورون وأما الحمد لله فيحتمل أن يريد به الحمد لله على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك ويحتمل أن يريد الحمد لله على الإطلاق
سورة [ ص ] وتسمى سورة داود عليه السلام ص تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ويختص بهذا أنه قال فيه معناه صدق محمد وقيل هو حرف ... 572
179 من اسم الله الصمد أو صادق الوعد أو صانع المصنوعات والقرآن ذي الذكر هذا قسم جوابه محذوف تقديره إن القرآن من عند الله وإن محمدا لصادق وشبه ذلك وقيل جوابه في قوله صلى الله عليه وسلم إذ هو بمعنى صدق محمد وقيل جوابه إن كل إلا كذب الرسل وهذا بعيد وقيل جوابه إن ذلك لحق تخاصم أهل النار وهذا أبعد ومعنى ذي الذكر ذي الشرف والذكر بمعنى الموعظة أو ذكر الله وما يحتاج إليه من الشريعة بل الذين كفروا في عزة وشقاق الذين كفروا يعني قريشا وبل للإضراب عن كلام محذوف وهو جواب القسم أي إن كفرهم ليس ببرهان بل هو بسبب العزة والشقاق والعزة التكبر والشقاق العداوة وقصد المخالفة وتنكيرهما للدلالة على شدتهما وتفاخم الكفار فيهما كم أهلكنا من قبلهم من قرن إخبار يتضمن تهديدا لقريش فنادوا ولات حين مناص المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك ولات بمعنى ليس وهي لا النافية زيدت عليها علامة التأنيث كما زيدت في ربت وثمت ولا تدخل لات إلا على زمان واسمها مضمر وحين مناص خبرها والتقدير ليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص والمناص المفر والنجاة من قولك ناص ينوص إذا فر وعجبوا أن جاءهم منذر منهم الضمير لقريش والمنذر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي استبعدوا أن يبعث الله رسولا منهم ويحتمل أن يريد من قبيلتهم أو يريد من البشر مثلهم وقال الكافرون كان الأصل وقالوا ولكن وضع الظاهر موضع المضمر قصدا لوصفهم بالكفر

(2/438)


أجعل الآلهة إلها واحدا هذا إنكار منهم للتوحيد وسبب نزول هذه الآيات أن قريشا اجتمعوا وقالوا لأبي طالب كف ابن أخيك عنا فإنه يعيب ديننا ويذم آلهتنا ويسفه أحلامنا فكلمه أبو طالب في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم إنما أريد منهم كلمة واحدة يملكون بها العجم وتدين لهم بها العرب فقالوا نعم وعشر كلمات معها فقال قولوا لا إله إلا الله فقاموا وأنكروا ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا انطلاق الملأ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وقيل عبارة عن تفرقتهم في طرق مكة وإشاعتهم للكفر وأن امشوا معناه يقول بعضهم لبعض امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم ولا تطيعوا محمدا فيما يدعوا إليه من عبادة الله وحده إن هذا لشيء يراد هذا أيضا مما حكى الله من كلام قريش وفي معناه وجهان أحدهما أن الإشارة إلى الإسلام والتوحيد أي إن هذا التوحيد شيء يراد منا الانقياد إليه والآخر أن الإشارة إلى الشرك والصبر على آلهتهم أي إن هذا لشيء ينبغي أن يراد ويتمسك به أو أن هذا شيء يريده الله منا لما قضى علينا به والأول أرجح لأن الإشارة فيما بعد ذلك إليه فيكون الكلام على نسق واحد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة هذا أيضا مما حكى الله عنهم من كلامهم أي ما سمعنا بالتوحيد في الملة الآخرة والمراد بالملة الآخرة ملة النصارى لأنها بعد ملة موسى وغيره وهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد وقيل المراد ملة قريش أي ما سمعنا بهذا في الملة التي أدركنا عليها آباءنا وقيل المراد الملة المنتظرة إذ كانوا يسمعون من الأحبار والكهان أن رسولا يبعث يكون آخر الأنبياء إن هذا ... 573

(2/439)


180 إلا اختلاق ) هذا أيضا مما حكي من كلامهم والإشارة إلى التوحيد والإسلام ومعنى الاختلاف الكذب أنزل عليه الذكر من بيننا الهمزة للإنكار والمعنى أنهم أنكروا أن يخص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه دونهم بل هم في شك من ذكري هذا رد عليهم والمعنى أنهم ليست لهم حجة ولا برهان بل هم في شك من معرفة الله وتوحيده فلذلك كفروا ويحتمل أن يريد بالذكر القرآن بل لما يذوقوا عذاب هذا وعيد لهم وتهديد والمعنى أنهم إنما حملهم على الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وأذعنوا للحق أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب هذا رد عليهم فيما أنكروا من اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والمعنى أنهم ليس عندهم خزائن رحمة الله حتى يعطوا النبوة من شاؤا ويمنعوا من شاؤا بل يعطيها الله لمن يشاء ثم وصف نفسه بالعزيز الوهاب لأن العزيز يفعل ما يشاء والوهاب ينعم على من يشاء فلا حجة لهم فيما أنكروا أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما هذا أيضا رد عليهم والمعنى أم لهم الملك فيتصرفون فيه كيف شاؤا بل مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء وأم الأولى منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار وأما أم الثانية فيحتمل أن تكون كذلك أو تكون عاطفة معادلة لما قبلها فليرتقوا في الأسباب هذا تعجيز لهم وتهكم بهم ومعنى يرتقوا يصعدوا والأسباب هنا السلالم والطرق وشبه ذلك مما يوصل به إلى العلو وقيل هي أبواب السماء والمعنى إن كان لهم ملك السموات والأرض فليصعدوا إلى العرش ويدبروا الملك جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب هذا وعيد بهزيمتهم في القتال وقد هزموا يوم بدر وغيره وما هنالك صفة لجند وفيها معنى التحقير لهم والإشارة بهنالك إلى حيث وصفوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء وقيل الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب وهذا بعيد وقيل الإشارة إلى موضع بدر ومن الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصبوا للباطل

(2/440)


فهلكوا وفرعون ذي الأوتاد قال ابن عباس كانت له أوتاد وخشب يلعب بها وعليها وقيل كانت له أوتاد يسمرها في الناس لقتلهم وقيل أراد المباني العظام الثابتة ورجحه ابن عطية وقال الزمخشري إن ذلك استعارة في ثبات الملك كقول القائل في ظل ملك ثابت الأوتاد وأصحاب الأيكة قد ذكر وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ينظر هنا بمعنى ينتظر وهؤلاء يعني قريشا والصيحة الواحدة النفخة في الصور وهي نفخة الصعق وقيل الصيحة عبارة عما أصابهم من قتل أو شدة والأول أظهر وقد روي تفسيرها بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مالها من فواق فيه ثلاثة أقوال الأول ما لها رجوع أي لا يرجعون بعدها إلى الدنيا وهو على هذا مشتق من الإفاقة الثاني ما لها من ترداد أي إنما هي واحدة لا ثانية لها الثالث ما لها من تأخير ولا توقف مقدار فواق ناقة وهي ما بين حلبتي اللبن وهذا القول الثالث إنما يجري على قراءة فواق بالضم لأن فواق الناقة ... 574

(2/441)


181 بالضم والقولان الأولان على الفتح والضم وقالوا ربنا عجل لنا قطنا القط في اللغة له معنيان أحدها الكتاب والآخر النصيب وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها نصيبنا من الخير أي دعوا أن يعجله الله لهم في الدنيا والآخر نصيبهم من العذاب فهو كقولهم أمطر علينا حجارة من السماء الثالث صحائف أعمالنا
اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب الأيد القوة وكان داود جمع قوة البدن وقوة الدين والملك والجنود والأواب الرجاع إلى الله فإن قيل ما المناسبة بين أمر الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر على أقوال الكفار وبين أمره له بذكر داود فالجواب عندي أن ذكر داود ومن بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد له بالنصر وتفريج الكرب وإعانة له على ما أمر به من الصبر وذلك أن الله ذكر ما أنعم به على داود من تسخير الطير والجبال وشدة ملكه وإعطائه الحكمة وفصل الخطاب ثم الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحسن المآب فكأنه يقول يا محمد كما أنعمنا على داود بهذه النعم كذلك ننعم عليك فاصبر ولا تحزن على ما يقولون ثم ذكر ما أعطى سليمان من الملك العظيم وتسخير الريح والجن والخاتمة بالزلفى وحسن المآب ثم ذكر من ذكر بعد ذلك من الأنبياء والمقصد ذكر الإنعام عليهم لتقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن داود وسليمان وأيوب أصابتهم شدائد ثم فرجها الله عنهم وأعقبها بالخير العظيم فأمر سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بذكرهم ليعلمه أنه يفرج عنه ما يلقى من إذاية قومه ويعقبها بالنصر والظهور عليهم فالمناسبة في ذلك ظاهرة وقال ابن عطية المعنى اذكر داود ذا الأيدي في الدين فتأس به وتأيد كما تأيد وأجاب الزمخشري عن السؤال فإنه قال كأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم اصبر على ما يقولون وعظم أمر المعصية في أعين الكفار بذكر قصة داود وذلك أنه نبي كريم عند الله ثم زل زلة فوبخه الله

(2/442)


عليها فاستغفر وأناب فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم وهذا الجواب لا يخفى ما فيه من سوء الأدب مع داود عليه السلام حيث جعله مثالا يهدد الله به الكفار وصرح بأنه زل وأن الله وبخه على زلته ومعاذ الله من ذكر الأنبياء بمثل هذا والإشراق يعني وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفر شعاعها وهو وقت الضحى وأما شروقها فطلوعها محشورة أي مجموعة كل له أواب أي كل مسبح لأجل تسبيح داود ويحتمل أن يكون أواب هنا بمعنى رجاع أي ليرجع إلى أمره وآتيناه الحكمة قيل يعني النبوة وقيل العلم والفهم وقيل الزبور وفصل الخطاب قال ابن عباس هو فصل القضاء بين الناس بالحق وقال علي بن أبي طالب هو إيجاب اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعي وقيل أراد قول أما بعد فإنه أول من قالها وقال الزمخشري معنى فصل الخطاب البين من الكلام الذي يفهمه من يخاطب به وهذا المعنى اختاره ابن عطية وجعله من قوله تعالى إنه لقول فصل وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام تنبيها ... 575

(2/443)


182 للمخاطب ودلالة على أنها من الأخبار العجيبة التي ينبغي أن يلقي البال لها والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة كقولك عدل وزور واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة وروي أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها فأفتى بفتيا هي واقعة عليه في نازلته ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر وسنذكر القصة بعد هذا ومعنى تسوروا المحراب علوا على سوره ودخلوه والمحراب الموضع الأرفع من القصر أو المسجد وهو موضع التعبد ويحتمل أن يكون المتسور المحراب اثنين فقط لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين فقط فتجيء الضمائر في تسوروا ودخلوا وفزع منهم على وجه التجوز والعبارة عن الاثنين بلفظ الجماعة وذلك جائز على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان ويحتمل أنه جامع كل واحد من الخصمين جماعة فيقع على جميعهم خصم وتجيء الضمائر المجموعة حقيقة وعلى هذا عول الزمخشري إذ دخلوا على داود ففزع منهم العامل في إذ هنا تسوروا وقيل هي بدل من الأولى وأما إذ الأولى فالعامل فيها أتاك أو تسوروا ورد الزمخشري ذلك وقال إن العامل فيها محذوف تقديره هل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن ودخلوا من غير الباب وقيل إن ذلك كان ليلا خصمان بغى بعضنا على بعض تقديره نحن خصمان ومعنى بغى تعدى ولا تشطط أي لا تجر علينا في الحكم يقال أشط الحاكم إذا جار وقرئ في الشاذ لا تشطط بفتح التاء أي لا تبعد عن الحق يقال شط إذا بعد سواء الصراط أي وسط الطريق ويعني القصد والحق الواضح إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب هذه حكاية كلام أحد الخصمين والأخوة هنا أخوة الدين والنعجة في اللغة تقع على أنثى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن وهي هنا عبارة عن المرأة ومعنى أكفلنيها أملكها لي وأصله اجعلها في كفالتي وقيل اجعلها كفلي أي

(2/444)


نصيبي ومعنى عزني في الخطاب أي غلبني في الكلام والمحاورة يقال عز فلان فلانا إذا غلبه وهذا الكلام تمثيل للقصة التي وقع داود فيها وقد اختلف الناس فيها وأكثروا القول فيها قديما وحديثا حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من حدث بما يقول هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله ونحن نذكر من ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه داود عليه السلام روي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأة فيتزوجها إذا أعجبته وكانت لهم عادة في ذلك لا ينكرونها وقد جاء عن الأنصار في أول الإسلام شيء من ذلك فاتفق أن وقعت عين داود على امرأة رجل فأعجبته فسأله النزول عنها ففعل وتزوجها داود عليه السلام فولد له منها سليمان عليه السلام وكان لداود تسع وتسعون امرأة فبعث الله إليه ملائكة مثالا لقصته فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة إشارة إلى التسع والتسعين امرأة التي كانت لداود ولي نعجة واحدة إشارة إلى أن ذلك الرجل لم تكن له إلا تلك المرأة الواحدة فقال أكفلنيها إشارة إلى سؤال داود من الرجل النزول عن امرأته فأجابه داود عليه السلام بقوله لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فقامت الحجة عليه بذلك فتبسم الملكان عند ذلك ... 576

(2/445)


183 وذهبا ولم يرهما فشعر داود أن ذلك عتاب من الله له على ما وقع فيه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ولا تقتضي هذه القصة على هذه الرواية أن داود عليه السلام وقع فيما لا يجوز شرعا وإنما عوتب على أمر جائز كان ينبغي له أن يتنزه عنه لعلو مرتبته ومتانة دينه فإنه قد يعاتب الفضلاء على ما لا يعاتب عليه غيرهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وأيضا فإنه كان له تسع وتسعون امرأة فكان غنيا عن هذه المرأة فوقع العتاب على الاستكثار من النساء وإن كان جائزا وروي هذا الخبر على وجه آخر وهو أن داود انفرد يوما في محرابه للتعبد فدخل عليه طائر من كوة فوقع بين يديه فأعجبه فمد يده ليأخذه فطار على الكوة فصعد داود ليأخذه فرأى من الكوة امرأة تغتسل عريانة فأعجبته ثم انصرف فسأل عنها فأخبر أنها امرأة رجل من جنده وأنه خرج للجهاد مع الجند فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدم ذلك الرجل يقاتل عند التابوت وهو موضع قل ما تخلص أحد منه فقدم ذلك الرجل فقاتل حتى قتل شهيدا فتزوج داود امرأته فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل وتزوجه امرأته بعده مع أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها وقيل إن داود هم بذلك كله ولم يفعله وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك وروي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة وروي أيضا أن السبب في ذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب والتزم أن يبتلى كما ابتلوا فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه سؤال مصدر مضاف إلى المفعول وإنما تعدى بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى نعاجه فإن قيل كيف قال له داود لقد ظلمك قبل أن يثبت عنده ذلك فالجواب أنه روي أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذكر اعترافه اختصارا ويحتمل أن يكون قوله لقد ظلمك على تقدير صحة قوله وقد قيل إن قوله

(2/446)


لأحد الخصمين لقد ظلمك قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الخلطاء هم الشركاء في الأموال ولكن الخلطة أعم من الشركة ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها وقصد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بقي والتسلية بالتأسي للخصم الذي بقي عليه وقليل ما هم ما زائدة للتأكيد وظن داود أنما فتناه ظن هنا بمعنى شعر بالأمر وقيل بمعنى أيقن وفتناه معناه اختبرناه وخر راكعا وأناب معنى خر ألقى بنفسه إلى الأرض وإنما حقيقة ذلك في السجود فقيل إن الركوع هنا بمعنى السجود وقيل خر من ركوعه ساجدا بعد أن ركع ومعنى أناب تاب وروي أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي حتى نبت البقل من دموعه وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك خلافا للشافعي إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله وأناب أو عند قوله وحسن مآب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب الزلفى القربة والمكانة الرفيعة والمآب المرجع في الآخرة يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض تقديره ... 577

(2/447)


184 قال الله يا داود وخلافة داود بالنبوة والملك قال ابن عطية لا يقال خليفة الله إلا لنبي وأما الملوك والخلفاء فكل واحد منهم خليفة الذي قبله وقول الناس فيهم خليفة الله تجوز وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا أي عبثا بل خلقهما الله بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما ذلك ظن الذين كفروا المعنى أن الكفار لما أنكروا الحشر والجزاء كانت خلقة السموات والأرض عندهم باطلا بغير الحكمة فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخروي
أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم هنا استفهامية يراد بها الإنكار أي أن الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار بل يجازي كل واحد بعمله لتظهر حكمة الله في الجزاء ففي ذلك استدلال على الحشر والجزاء وفيه أيضا وعد ووعيد إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد الصافنات جمع صافن وهو الفرس الذي يرفع إحدى رجليه أو يديه ويقف على طرف الأخرى وقيل الصافن هو الذي يسوي يديه والصفن علامة على فراهة الفرس والجياد السريعة الجري واختلف الناس في قصص هذه الآية فقال الجمهور إن سليمان عليه السلام عرضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه وقيل أخرجتها له الشياطين من البحر وكانت ذوات أجنحة وكانت ألف فرس وقيل أكثر فتشاغل بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشى العصر فأسف لذلك وقال ردوا علي الخيل وطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى عقرها لما كانت سبب فوات الصلاة ولم يترك منها إلا اليسير فأبدله الله أسرع منها وهي الريح وأنكر بعض العلماء هذه الرواية وقال تفويت الصلاة ذنب لا يفعله سليمان وعقر الخيل لغير فائدة لا يجوز فكيف يفعله سليمان عليه السلام وأي ذنب للخيل في تفويت الصلاة فقال بعضهم إنما عقرها ليأكلها الناس وكان زمانهم زمان مجاعة فعقرها تقربا إلى الله وقال بعضهم لم تفته الصلاة ولا عقر الخيل بل كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار

(2/448)


إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها فلما فرغ من صلاته قال ردوها علي فطفق يمسح عليها بيده كرامة لها ومحبة وقيل إن المسح عليها كان وسما في سوقها وأعناقها بوسم حبس في سبيل الله فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي معنى هذا يختلف على حسب الاختلاف في القصة فأما الذين قالوا إن سليمان عقر الخيل لما اشتغل بها حتى فاتته الصلاة فاختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال أحدها أن الخير هنا يراد به الخيل وزعموا أن الخيل يقال لها خير وأحببت بمعنى آثرت أو بمعنى فعل يتعدى بعن كأنه قال آثرت حب الخيل فشغلني عن ذكر ربي والآخر أن الخير هنا يراد به المال لأن الخيل وغيرها مال فهو كقوله تعالى أو ترك خيرا أي مالا والثالث ... 578

(2/449)


185 أن المفعول محذوف وحب الخير مصدر والتقدير أحببت هذه الخيل مثل حب الخير فشغلني عن ذكر ربي وأما الذين قالوا كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها فالمعنى أنه قال إني أحببت حب الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي وشغلني ذلك عن النظر إلى الخيل حتى توارت بالحجاب الضمير للشمس وإن لم يتقدم ذكرها ولكنها تفهم من سياق الكلام وذكر العشي يقتضيها والمعنى حتى غابت الشمس وقيل إن الضمير للخيل ومعنى توارت بالحجاب دخلت اصطبلاتها والأول أشهر وأظهر ردوها علي أي قال سليمان ردوا الخيل علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق السوق جمع ساق يعني سوق الخيل وأعناقهم أي جعل يمسحها مسحا وهذا المسح يختلف على حسب الاختلاف المتقدم هل هو قطعها وعقرها أو مسحها باليد محبة لها أو وسمها للتحبيس ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في قصتها وفي ذلك أربعة أقوال الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه اسم الله فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيرا لاسم الله تعالى فنزعه يوما ودفعه إلى جارية فتمثل لها جني في صورة سليمان وطلب منها الخاتم فدفعته له روي أن اسمه صخر فقعد على كرسي سليمان يأمر وينهى والناس يظنون أنه سليمان وخرج سليمان فارا بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتا ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه وكان الجني قد رماه في البحر فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى ملكه ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب ملكه والجسد الذي ألقى على كرسيه هو الجني الذي قعد عليه وسماه جسدا لأنه تصور في صورة إنسان ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء أو رجع إلى ملكه والقول الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبها وكان أبوها ملكا كافرا قد قتله سليمان فسألته أن يضع لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها وصار صنما معبودا في داره وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون

(2/450)


يوما فلما علم به كسره فالفتنة على هذا عمل الصورة والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولد وكان يحبه حبا شديدا فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السخرة أبدا فلم يشعر إلا وولده ميت على كرسيه فالفتنة على هذا حبه الولد والجسد هو الولد لما مات وسمي جسدا لأنه جسد بلا روح القول الرابع أنه قال لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فلم تحمل إلا واحدة جاءت بشق إنسان فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ملك سليمان وتسليط الشياطين عليه وأما القول الثاني فضعيف أيضا مع أنه يبعد أنه يعبد صنم في بيت نبي أو يأمر نبي بعمل صنم وأما القول الثالث فضعيف أيضا وأما القول الرابع فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يذكر في الحديث أن ذلك تفسير الآية قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي قدم الاستغفار على طلب الملك لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدم الأولى والأهم فإن قيل لأي شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجاج ... 579

(2/451)


186 إنه كان حسودا فالجواب من وجهين أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره والآخر أنه طلب ذلك ليكون معجزة ودلالة على نبوته فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب معنى رخاء لينة طيبة وقيل طائعة له وقد ذكرنا الجمع بين هذا وبين قوله عاصفة في الأنبياء وحيث أصاب أي حيث قصد وأراد والشياطين كل بناء وغواص الشياطين معطوف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين أي سخرنا له الريح والشياطين من يبني منهم ومن يغوص في البحر وآخرين مقرنين في الأصفاد أي آخرين من الجن موثقون في القيود والأغلال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك الإشارة إلى الملك الذي أعطاه الله له والمعنى أن الله قال له أعط من شئت وامنع من شئت وقيل المعنى امنن على من شئت من الجن بالإطلاق من القيود وأمسك من شئت منهم في القيود والأول أحسن وهو قول ابن عباس بغير حساب يحتمل ثلاثة معان أحدها أنه لا يحاسب في الآخرة على ما فعل والآخر بغير تضييق عليك في الملك والثالث بغير حساب ولا عدد بل خارج عن الحصر وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب قد ذكر في قصة داود واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب قد ذكرنا قصة أيوب عليه السلام في الأنبياء والنصب يقال بضم النون وإسكان الصاد وبفتح النون وإسكان الصاد وبضم النون والصاد وبفتحهما ومعناه واحد وهو المشقة فإن قيل لم نسب ما أصابه من البلاء إلى الشيطان فالجواب من أربعة أوجه أحدها أن سبب ذلك كان من الشيطان فإنه روي أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره وقيل إنه كانت له شاة فذبحها وطبخها وكان له جار جائع فلم يعط جاره منها شيئا والثاني أنه أراد ما وسوس له الشيطان في مرضه من الجزع وكراهة البلاء فدعا إلى الله أن يدفع عنه وسوسة الشيطان بذلك والثالث أنه روي أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه

(2/452)


فأهلك ماله فصبر وأهلك أولاده فصبر وأصابه الجذام والمرض الشديد فصبر فنسب ذلك إلى الشيطان لتسليط الشيطان عليه والرابع روي أن الشيطان لقي امرأته فقال لها قولي لزوجك إن سجد لي سجدة أذهبت ما به من المرض فذكرت المرأة ذلك لأيوب فقال لها ذلك عدو الله الشيطان وحينئذ دعا اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب التقدير قلنا له اركض برجلك فضرب الأرض برجله فنبعت له عين ماء صافية باردة فشرب منها فذهب كل مرض كان داخل جسده واغتسل منها فذهب ما كان في ظاهر جسده وروي أنه ركض الأرض مرتين فنبع له عينان فشرب من أحدهما واغتسل من الأخرى ووهبنا له أهله ذكر في الأنبياء وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث الضغث القبضة من القضبان وكان أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته ... 580

(2/453)


187 مائة سوط إذا برىء من مرضه وكان سبب ذلك ما ذكرته له من لقاء الشيطان وقوله لها إن سجد لي زوجك أذهبت ما به من المرض فأمره أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة فيبر في يمينه وقد ورد مثل هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في حد رجل زنى وكان مريضا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيه شماريخ مائة فضرب به ضربة واحدة ذكر ذلك أبو داود والنسائي وأخذ به بعض العلماء ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه أولي الأيدي والأبصار الأيدي جمع يد وذلك عبارة عن قوتهم في الأعمال الصالحات وإنما عبر عن ذلك بالأيدي لأن الأعمال أكثر ما تعمل بالأيدي وأما الأبصار فعبارة عن قوة فهمهم وكثرة علمهم من قولك أبصر الرجل إذا تبينت له الأمور وقيل الأيدي جمع يد بمعنى النعمة ومعناه أولوا النعم التي أسداها الله إليهم من النبوة والفضيلة وهذا ضعيف لأن اليد بمعنى النعمة أكثر ما يجمع على أيادي وقرأ ابن مسعود أولوا الأيد بغير ياء فيحتمل أن تكون الأيدي محذوفة الياء أو يكون الأيد بمعنى القوة كقوله داود ذا الأيد إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار معنى أخلصناهم جعلناهم خالصين لنا أو أخلصناهم دون غيرهم وخالصة صفة حذف موصوفها تقديره بخصلة خالصة وأما الباء في قوله بخالصة فإن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين فالباء سببية للتعليل وإن كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم فالباء لتعدية الفعل وقرأ نافع بإضافة خالصة إلى ذكرى من غير تنوين وقرأ غيره بالتنوين على أن تكون ذكر بدلا من خالصة على وجه البيان والتفسير لها والدار يحتمل أن يريد به الآخرة أو الدنيا فإن أراد به الآخرة ففي المعنى ثلاثة أقوال أحدها أن ذكرى الدار يعني به ذكرهم للآخرة وجهنم فيها والآخر أن معناه تذكيرهم للناس بالآخرة وترغيبهم للناس فيها عند الله والثالث أن معناه ثواب الآخرة أي أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة والأول أظهر وإن أراد بالدار الدنيا فالمعنى حسن

(2/454)


الثناء والذكر الجميل في الدنيا كقوله لسان صدق الأخيار جمع خير بتشديد الياء أو خير المخفف من خير كميت مخفف من ميت وذا الكفل ذكر في الأنبياء هذا ذكر الإشارة إلى ما تقدم في هذه السورة من ذكر الأنبياء وقيل الإشارة إلى القرآن بجملته والأول أظهر وكأن قوله هذا ذكر ختام للكلام المتقدم ثم شرع بعده في كلام آخر كما يتم المؤلف بابا ثم يقول فهذا باب ثم يشرع في آخر قاصرات الطرف ذكر في الصافات أتراب يعني أسنانهن سواء يقال فلان ترب فلان إذا كان مثله في السن وقيل إن أسنانهن وأسنان أزواجهن سواء ما له من نفاد أي ماله من فناء ولا انقضاء هذا وإن للطاغين لشر مآب تقديره الأمر هذا لما تم ذكر أهل الجنة ختمه بقوله هذا ثم ابتدأ وصف ... 581

(2/455)


188 أهل النار ويعني بالطاغين الكفار
هذا فليذوقوه حميم وغساق هذا مبتدأ وخبره حميم فليذوقوه اعتراف بينهما والحميم الماء الحار والغساق قرئ بتخفيف السين وتشديدها وهو صديد أهل النار وقيل ما يسيل من عيونهم وقيل هو عذاب لا يعلمه إلا الله وآخر من شكله أزواج آخر معطوف على حميم وغساق تقديره وعذاب آخر قيل يعني الزمهرير ومعنى من شكله من مثله ونوعه أي من مثل العذاب المذكور وأزواج معناه أصناف وهو صفة للحميم والغساق والعذاب الآخر والمعنى أنهما أصناف من العذاب وقال ابن عطية آخر مبتدأ واختلف في خبره فقيل تقديره ولهم عذاب آخر وقيل أزواج مبتدأ ومن شكله خبر أزواج والجملة خبر آخر وقيل أزواج خبر الآخر ومن شكله في موضع الصفة وقرئ أخر بالجمع وهو أليق أن يكون أزواج خبره لأنه جمع مثله هذا فوج مقتحم معكم الفوج جماعة من الناس والمقتحم الداخل في زحام وشدة وهذا من كلام خزنة النار خاطبوا به رؤساء الكفار الذين دخلوا النار أولا ثم دخل بعدهم أتباعهم وهو الفوج المشار إليه وقيل هو كلام أهل النار بعضهم لبعض والأول أظهر لا مرحبا بهم أي لا يلقون رحبا ولا خيرا وهو دعاء من كلام رؤساء الكفار أي لا مرحبا بالفوج الذين هم أتباع لهم قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم هذا حكاية كلام الأتباع الرؤساء لما قالوا لهم لا مرحبا بهم أجابوهم بقولهم بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا هذا أيضا من كلام الأتباع خطابا للرؤساء وهو تعليل لقولهم بل أنتم لا مرحبا بكم والضمير في قدمتموه للعذاب ومعنى قدمتموه أوجبتموه لنا بما قدمتم في الدنيا من إغوائنا وأمركم لنا بالكفر قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار هذا أيضا من كلام الأتباع دعوا إلى الله تعالى أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب فهو كقولهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا في النار والضعف زيادة المثل قالوا ما لنا لا نرى رجالا

(2/456)


كنا نعدهم من الأشرار الضمير في قالوا لرؤساء الكفار وقيل للطاغين والرجال هم ضعفاء المؤمنين وقيل إن القائلين لذلك أبو جهل لعنه الله وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وأمثالهم وأن الرجال المذكورين هم عمار وبلال وصهيب وأمثالهم واللفظ أعم من ذلك والمعنى أنهم قالوا في جهنم ما لنا لا نرى في النار رجالا كنا في الدنيا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا قرئ أتخذناهم بهمزة قطع ومعناها توبيخ أنفسهم على اتخاذهم المؤمنين سخريا وقرىء بألف وصل على أن يكون الجملة صفة لرجال وقرىء سخريا بضم السين من التسخير بمعنى الخدمة وبالكسر بمعنى الاستهزاء أم زاغت عنهم الأبصار هذا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون معادلا لقولهم ما لنا لا نرى رجالا والمعنى ما لنا لا نراهم في جهنم فهم ليسوا فيها أم هم فيها ولكن زاغت عنهم أبصارنا ومعنى زاغت عنهم مالت فلم نرهم الثاني أن يكون معادلا لقولهم أتخذناهم سخريا والمعنى أتخذناهم سخريا وأم زاغت الأبصار على هذا مالت عن النظر إليهم احتقارا لهم الثالث أن تكون أم منقطعة بمعنى بل والهمزة فلا تعادل شيئا مما قبلها إن ذلك لحق الإشارة إلى ما تقدم من حكاية أقوال أهل النار ... 582

(2/457)


189 ثم فسره بقوله تخاصم أهل النار وإعراب تخاصم بدل من حق أو خبر مبتدأ مضمر قل هو نبأ عظيم النبأ الخبر ويعني به ما تضمنته الشريعة من التوحيد والرسالة والدار الآخرة وقيل هو القرآن وقيل هو يوم القيامة والأول أعم وأرجح ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون الملأ الأعلى هم الملائكة ومقصد الآية الاحتجاج على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها قبل ذلك والضمير في يختصمون للملأ الأعلى واختصامهم هو في قصة آدم حين قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى فقال لا أدري قال في الكفارات وهي إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطأ إلى المساجد الحديث بطوله وقيل الضمير في يختصمون للكفار أي يختصمون في الملأ الأعلى فيقول بعضهم هم بنات الله ويقولون آخرون هم آلهة تعبد وهذا بعيد إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين إذ بدل من إذ يختصمون وقد ذكرنا في البقرة معنى سجود الملائكة لآدم ومعنى كفر إبليس وذكرنا في الحجر معنى قوله تعالى من روحي قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي الضمير في قال لله عز وجل وبيدي من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به وتسليم علم حقيقته إلى الله وقال المتأولون هو عبارة عن القدرة وقال القاضي أبو بكر بن الطيب إن اليد والعين والوجه صفات زائدة على الصفات المتقررة قال ابن عطية وهذا قول مرغوب عنه وحكى الزمخشري أن معنى خلقت بيدي خلقت بغير واسطة أستكبرت أم كنت من العالين دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وأم هنا معادلة والمعنى أستكبرت الآن أم كنت قديما ممن يعلو ويستكبر وهذا على جهة التوبيخ له رجيم أي لعين مطرود إلى يوم الوقت المعلوم يعني القيامة وقد تقدم الكلام على ذلك في الحجر قال فبعزتك

(2/458)


لأغوينهم أجمعين الباء للقسم أقسم إبليس بعزة الله أن يغوي بني آدم قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين الضمير في قال هنا لله تعالى والحق الأول مقسم به وهو منصوب بفعل مضمر كقولك الله لأفعلن وجوابه لأملأن جهنم وقرئ بالرفع وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر تقديره الحق يميني وأما الحق الثاني ... 583
190 فهو مفعول بأقول وقوله والحق أقول جملة اعتراض بين القسم وجوابه على وجه التأكيد للقسم وما أنا من المتكلفين أي الذين يتصنعون ويتحيلون بما ليسوا من أهله ولتعلمن نبأه بعد حين هذا وعيد أي لتعلمن صدق خبره بعد حين والحين يوم القيامة أو موتهم أو ظهور الإسلام يوم بدر وغيره
سورة الزمر
تنزيل الكتاب تنزيل مبتدأ وخبره من الله أو خبر ابتداء مضمر تقديره هذا تنزيل ومن الله على هذا الوجه يتعلق بتنزيل أو يكون خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ آخر محذوف والكتاب هنا القرآن أو السورة واختار ابن عطية أن يراد به جنس الكتب المنزلة وأما الكتاب الثاني فهو القرآن باتفاق بالحق يحتمل معنيين أحدهما أن يكون معناه متضمنا الحق والثاني أن يكون معناه بالاستحقاق والوجوب مخلصا له الدين أي لا يكون فيه شرك أكبر ولا أصغر وهو الرياء ألا لله الدين الخالص قيل معناه من حقه ومن واجبه أن يكون له الدين الخالص ويحتمل أن يكون معناه إن الدين الخالص هو دين الله وهو الإسلام الذي شرعه لعباده ولا يقبل غيره ومعنى الخالص الصافي من شوائب الشرك وقال قتادة الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله وقال الحسن هو الإسلام وهذا أرجح لعمومه والذين اتخذوا من دونه أولياء يريد بالأولياء الشركاء المعبودين ويحتمل أن يريد بالذين اتخذوا الكفار العابدين لهم أو الشركاء المعبودين والأول أظهر لأنه يحتاج على الثاني إلى حذف الضمير العائد على الذين تقديره الذين اتخذوهم ويكون ضمير الفاعل في اتخذوا عائدا على

(2/459)


غير مذكور وارتفاع الذين على الوجهين بالابتداء وخبره إما قوله إن الله يحكم بينهم أو المحذوف المقدر قبل قوله ما نعبدهم لأن تقديره يقولون ما نعبدهم والأول أرجح لأن المعنى به أكمل ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى هذه الجملة في موضع معمول قول محذوف والقول في موضع الحال أو في موضع بدل من صلة الذين وقرأ ابن مسعود قالوا ما نعبدهم بإظهار القول أي يقول الكفار ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا ليقربونا إلى الله ويشفعوا لنا عنده ويعني بذلك الكفار الذين عبدوا الملائكة أو الذين عبدوا الأصنام أو الذين عبدوا عيسى أو عزير فإن جميعهم قالوا هذه المقالة ومعنى زلفى قربى فهو مصدر من يقربونا إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار إشارة إلى كذبهم في قولهم ليقربونا إلى الله وقوله لا يهدي في تأويله وجهان أحدهما لايهديه في حال كفره والثاني أن ذلك مخص بمن قضى عليه بالموت على الكفر أعاذنا الله من ذلك وهذا تأويل لا يهدي القوم الظالمين والكافرين حيثما وقع لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ... 584

(2/460)


191 ما يشاء ) الولد يكون على وجهين أحدهما بالولادة الحقيقية وهذا محال على الله تعالى لا يجوز في العقل والثاني التبني بمعنى الاختصاص والتقريب كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولدا لإفراط محبته له وذلك ممتنع على الله بإخبار الشرع فإن قوله وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا يعم نفي الوجهين فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية لو أراد الله أن يتخذ ولدا على وجه التبني لاصطفى لذلك مما يخلق من موجوداته ومخلوقاته ولكنه لم يرد ذلك ولا فعله وقال الزمخشري معناه لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك ولكنه يصطفي من عباده من يشاء على وجه الاختصاص والتقريب لا على وجه اتخاذه ولدا فاصطفى الملائكة وشرفهم بالتقريب فحسب الكفار أنهم أولاده ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثا فأفرطوا في الكفر والكذب على الله وملائكته سبحانه هو الله الواحد القهار نزه تعالى نفسه من اتخاذ الولد ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه ولا جنس له لأنه واحد ووصف نفسه بالقهار ليدل على نفي الشركاء والأنداد لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى فكيف يكون شريكا له ثم أتبع ذلك بما ذكره من خلقة السموات والأرض وما بينهما ليدل على وحدانيته وقدرته وعظمته يكور الليل على النهار التكوير اللف واللي ومنه كور العمامة التي يلتوي بعضها على بعض وهو هنا استعارة ومعناه على ما قال ابن عطية يعيد من هذا على هذا فكان الذي يطيل من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزءا فيستره وكأن الذي ينقص يدخل في الذي يطول فيستتر فيه ويحتمل أن يكون المعنى أن كل واحد منهما يغلب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في ستره له بثوب يلف على الآخر لأجل مسمى يعني يوم القيامة خلقكم من نفس واحدة يعني آدم عليه السلام ثم جعل منها زوجها يعني حواء خلقها من ضلع آدم فإن قيل كيف عطف قوله ثم جعل على خلقكم بثم التي تقتضي الترتيب والمهلة

(2/461)


ولا شك أن خلقة حواء كانت قبل خلقة بني آدم فالجواب من ثلاثة أوجه الأول وهو المختار أن العطف إنما هو على معنى قوله واحدة لا على خلقكم كأنه قال خلقكم من نفس كانت واحدة ثم خلق منها زوجها بعد وحدتها الثاني أن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الوجود الثالث أنه يعني بقوله خلقكم إخراج بني آدم من صلب أبيهم كالذر وذلك كله كان قبل خلقه حواء وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يعني المذكورة في الأنعام من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين وسماها أزواجا لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر وأما أنزل ففيه ثلاثة أوجه الأول أن الله خلق أول هذه الأزواج في السماء ثم أنزلها الثاني أن معنى أنزل قضى وقسم فالإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه الثالث أنه أنزل المطر الذي ينبت به النبات فتعيش منه هذه الأنعام فعبر بإنزالها عن إنزال أرزاقها وهذا بعيد خلقا من بعد خلق يعني أن الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يتم خلقه ثم ينفخ فيه الروح
في ظلمات ثلاث هي البطن والرحم والمشيمة وقيل صلب الأب ... 585

(2/462)


192 والرحم والمشيمة والأول أرجح لقوله بطون أمهاتكم ولم يذكر الصلب إن تكفروا فإن الله غني عنكم أي لا يضره كفركم ولا يرضى لعباده الكفر تأول الأشعرية هذه الآية على وجهين أحدهما أن الرضا بمعنى الإرادة ويعني بعباده من قضى الله له بالإيمان والوفاة عليه فهو كقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان والآخر أن الرضا غير الإرادة والعباد على هذا على العموم أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم فهو لم يرضه دينا ولا شرعا وأراده وقوعا ووجودا وأما المعتزلة فإن الرضا عندهم بمعنى الإرادة والعباد على العموم جريا على قاعدتهم في القدر وأفعال العباد وإن تشكروا يرضه لكم هذا عموم والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان ولا تزر وازرة ذكر في الإسراء وإذا مس الإنسان ضر الآية يراد بالإنسان هنا الكافر بدليل قوله وجعل له أندادا والقصد بهذه الآية عتاب وإقامة حجة فالعتاب على الكفر وترك دعاء الله وإقامة الحجة على الإنسان بدعائه إلى الله في الشدائد فإن قيل لم قال هنا وإذا مس بالواو وقال بعدها فإذا مس بالفاء فالجواب أن الذي بالفاء مسبب عن قوله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فجاء بفاء السببية قاله الزمخشري وهو بعيد ثم إذا خوله نعمة منه خوله أعطاه والنعمة هنا يحتمل أن يريد بها كشف الضر المذكور أو أي نعمة كانت نسي ما كان يدعو إليه من قبل يحتمل أن تكون ما مصدرية أي نسي دعاء أو تكون بمعنى الذي والمراد بها الله تعالى أم من هو قانت بتخفيف الميم على إدخال همزة الاستفهام على من وقيل هي همزة النداء الأول أظهر وقرئ بتشديدها على إدخال أم على من ومن مبتدأ وخبره محذوف وهو المعادل للاستفهام تقديره أم من هو قانت كغيره وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو ما ذكر قبله وما ذكر بعده وهو قوله هل يستوي الذين يعلمون والقنوت هنا بمعنى الطاعة والصلاة بالليل وآناء الليل ساعاته قل يا

(2/463)


عباد الذين آمنوا الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة ومعناها التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يحتمل أن يتعلق في هذه الدنيا بأحسنوا والمعنى الذين أحسنوا في الدنيا لهم حسنة في الآخرة أو يتعلق بحسنة والحسنة على هذا حسن الحال والعافية في الدنيا والأول أرجح وأرض الله واسعة يراد البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها والمقصود من ذلك الحض على الهجرة
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب هذا يحتمل وجهين أحدهما أن الصابر يوفى أجره ولا يحاسب على أعماله فهو من الذين يدخلون الجنة بغير حساب والثاني أن أجر الصابرين بغير حصر بل أكثر من ... 586

(2/464)


193 أن يحصر بعدد أو وزن وهذا قول الجمهور وأمرت لأن أكون أول المسلمين اللام هنا يجوز أن تكون زائدة أو للتعليل ويكون المفعول على هذا محذوف فإن قيل كيف عطف أمرت على أمرت والمعنى واحد فالجواب أن الأول أمر بالعبادة والإخلاص والثاني أمر بالسبق إلى الإسلام فهما معنيان اثنان وكذلك قوله قل الله أعبد ليس تكرارا لقوله أمرت أن أعبد الله لأن الأول إخبار بأنه مأمور بالعبادة والثاني إخبار بأنه يفعل العبادة وقدم اسم الله تعالى للحصر واختصاص العبادة به وحده فاعبدوا ما شئتم من دونه هذا تهديد ومبالغة في الخذلان والتخلية لهم على ما هم عليه ظلل جمع ظلة بالضم وهو ما غشي من فوق كالسقف فقوله من فوقهم بين وأما من تحتهم فسماه ظلة لأنه سقف لمن تحتهم فإن جهنم طبقات وقيل سماه ظلة لأنه يلتهب ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها قيل إنها نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير إذ دعاهم أبو بكر الصديق إلى الإيمان فآمنوا وقيل نزلت في أبي ذر وسلمان وهذا ضعيف لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة والآية مكية والأظهر أنها عامة والطاغوت كل ما عبد من دون الله وقيل الشياطين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه قيل يستمعون القول على العموم فيتبعون القرآن لأنه أحسن الكلام وقيل يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار وشبه ذلك وقيل هو الذي يستمع حديثا فيه حسن وقبيح فيتحدث بالحسن ويكف عما سواه وهذا قول ابن عباس وهو الأظهر وقال ابن عطية هو عام في جميع الأقوال والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظر سديد يفرقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ فيتبعون الأحسن من ذلك وقال الزمخشري مثل هذا المعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار فيها وجهان أحدهما أن يكون الكلام جملة واحدة تقديره أفمن حق عليه كلمة العذاب أأنت

(2/465)


تنقذه فموضع من في النار موضع المضمر والهمزة في قوله أفأنت هي الهمزة التي في قوله أفمن وهي همزة الإنكار كررت للتأكيد والثاني أن يكون التقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب تتأسف عليه فحذف الخبر ثم استأنف قوله أفأنت تنقذ من في النار وعلى هذا ... 587
194 يوقف على العذاب والأول أرجح لعدم الإضمار فسلكه ينابيع في الأرض معنى سلكه أدخله وأجراه والينابيع جمع ينبوع وهو العين وفي هذا دليل على أن ماء العيون من المطر مختلفا ألوانه أي أصنافه كالقمح والأرز والفول وغير ذلك وقيل ألوانه الخضرة والحمرة وشبه ذلك وفي الوجهين دليل على الفاعل المختار ورد على أهل الطبائع أفمن شرح الله صدره للإسلام تقديره أفمن شرح الله صدره كالقاسي قلبه وروي أن الذي شرح الله صدره للإسلام علي بن أبي طالب وحمزة والمراد بالقاسية قلوبهم أبو لهب وأولاده واللفظ أعم من ذلك من ذكر الله قال الزمخشري من هنا سببية أي قلوبهم قاسية من أجل ذكر الله وهذا المعنى بعيد ويحتمل عندي أن يكون قاسية تضمن معنى خالية فلذلك تعدى بمن والمعنى أن قلوبهم خالية من ذكر الله الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن كتابا بدل من أحسن أو حال منه متشابها معناه هنا أنه يشبه بعضه بعضا في الفصاحة والنطق بالحق وأنه ليس فيه تناقض ولا اختلاف مثاني جمع مثان أي تثنى فيه القصص وتكرر ويحتمل أن يكون مشتقا من الثناء لأنه يثنى فيه على الله فإن قيل مثاني جمع فكيف وصف به المفرد فالجواب أن القرآن ينقسم فيه إلى سور وآيات كثيرة فهو جمع بهذا الاعتبار ويجوز أن يكون كقولهم برمة أعشار وثوب أخلاق أو يكون تمييزا من متشابها كقولك حسن شمائل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله إن قيل كيف تعدى تلين بإلى فالجواب أنه تضمن معنى فعل تعدى بإلى كأنه قال تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله فإن قيل لم ذكرت الجلود أولا وحدها ثم ذكرت القلوب بعد ذلك معها

(2/466)


فالجواب أنه لما قال أولا تقشعر ذكر الجلود وحدها لأن القشعريرة من وصف الجلود لا من وصف غيرها ولما قال ثانيا تلين ذكر الجلود والقلوب لأن اللين توصف به الجلود والقلوب أما لين القلوب فهو ضد قسوتها وأما لين الجلود فهو ضد قشعريرتها فاقشعرت أولا من الخوف ثم لانت بالرجاء ذلك هدى الله يحتمل أن تكون الإشارة إلى القرآن أو إلى الخشية واقشعرار الجلود أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب الخبر محذوف كما تقدم في نظائره تقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب ومعنى يتقي يلقى النار بوجهه ليكفها عن نفسه وذلك أن الإنسان إذا لقي شيئا من المخاوف استقبله بيديه وأيدي هؤلاء مغلولة فاتقوا النار بوجوههم ذوقوا ما كنتم تكسبون أي ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون من الكفر والعصيان قرآنا عربيا نصب على الحال أو بفعل مضمر على المدح ... 588

(2/467)


195 غير ذي عوج أي ليس فيه تضاد ولا اختلاف ولا عيب من العيوب التي في كلام البشر وقيل معناه غير مخلوق وقيل غير ذي لحن
فإن قيل لم قال غير ذي عوج ولم يقل غير معوج فالجواب أن قوله غير ذي عوج أبلغ في نفي العوج عنه كأنه قال ليس فيه شيء من العوج أصلا رجلا فيه شركاء متشاكسون أي متنازعون متظالمون وقيل متشاجرون وأصله من قولك رجل شكس إذا كان ضيق الصدر والمعنى ضرب هذا المثل لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء يتنازعون فيه والمملوك بينهم في أسوأ حال وشبه من يوحد الله بمملوك لرجل واحد فمعنى قوله سالما لرجل أي خالصا له وقرئ سلما بغير ألف والمعنى واحد إنك ميت وإنهم ميتون في هذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار فإنهم إذا ماتوا جميعا وصاروا إلى الله فاز من كان على الحق وهلك من كان على الباطل وفيه أيضا إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم سيموت لئلا يختلف الناس في موته كما اختلفت الأمم في غيره وقد جاء أنه لما مات صلى الله عليه وسلم أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه موته حتى احتج عليه أبو بكر الصديق بهذه الآية فرجع إليها تختصمون قيل يعني الاختصام في الدماء وقيل في الحقوق والأظهر أنه اختصام النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار في تكذيبهم له فيكون من تمام ما قبله ويحتمل أن يكون على العموم في اختصام الخلائق فيما بينهم من المظالم وغيرها فمن أظلم ممن كذب على الله المعنى لا أحد أظلم ممن كذب على الله ويريد بالكذب على الله هنا ما نسبوا إليه من الشركاء والأولاد وكذب بالصدق أي كذب بالإسلام والشريعة والذي جاء بالصدق وصدق به قيل الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر وقيل الذي جاء بالصدق جبريل والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء والذي صدق به المؤمنون واختار ابن عطية أن يكون على

(2/468)


العموم وجعل الذي للجنس كأنه قال الفريق الذي لأنه في مقابلة من كذب على الله وكذب بالصدق والمراد به العموم أليس الله بكاف عبده تقوية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه ولئن سألتهم الآية احتجاج ... 589
196 على التوحيد ورد على المشركين هل هن كاشفات ضره الآية رد على المشركين وبرهان على الوحدانية وروي أن سببها أن المشركين خوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلهتم فنزلت الآية مبينة أنهم لا يقدرون على شيء فإن قيل كيف قال كاشفات وممسكات بالتأنيث فالجواب أنها لا تعقل فعاملها معاملة المؤنث وأيضا ففي تأنيثها تحقير لها وتهكم بمن عبدها اعملوا على مكانتكم تهديد ومسالمة منسوخة بالسيف بالحق ذكر في أول السورة الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها هذه الآية إعتبار ومعناها أن الله يتوفى النفوس على وجهين احدها وفاة كاملة حقيقية وهي الموت والآخر وفاة النوم لأن النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع ومنه قوله وهو الذي يتوفاكم بالليل وتقديرها ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت أي يمسك الأنفس التي قضى عليها بالموت الحقيقي ومعنى إمساكها أنه لا يردها إلى الدنيا ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى أي يرسل الأنفس النائمة وإرسالها هو ردها إلى الدنيا والأجل المسمى هو أجل الموت الحقيقي وقد تكلم الناس في النفس والروح وأكثروا القول في ذلك بالظن دون تحقيق والصحيح أن هذا مما استأثر الله بعلمه لقوله قل الروح من أمر ربي أم اتخذوا من دون الله شفعاء أم هنا بمعنى بل وهمزة الإنكار والشفعاء هم الأصنام وغيرها لقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أولو كانوا دخلت همزة الاستفهام على واو الحال تقديره يشفعون وهم لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا أي هو مالكها فلا يشفع أحد إليه إلا بإذنه وفي هذا

(2/469)


رد على الكفار في قولهم إن الأصنام تشفع لهم
وإذا ذكر الله وحده الآية معناها أن الكفار يكرهون توحيد الله ويحبون الإشراك به ومعنى اشمأزت انقبضت من شدة الكراهة وروي أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فألقى الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في الحج فاستبشر الكفار بما ألقى الشيطان من تعظيم اللات والعزى فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون أي ظهر لهم يوم القيامة خلاف ما كانوا ... 590

(2/470)


197 يظنون لأنهم كانوا يظنون ظنونا كاذبة قال الزمخشري المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم أي ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم فهو كقوله في الوعد فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وقيل معناها عملوا أعمالا حسبوها حسنات فإذا هي سيئات وقال الحسن ويل لأهل الربا من هذه الآية وهذا على أنها في المسلمين والظاهر أنها في الكفار وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن معنى حاق حل ونزل وقال ابن عطية وغيره إن هذا على حذف مضاف تقديره حاق بهم جزاء ما كانوا به يستهزؤن ويحتمل أن يكون الكلام دون حذف وهو أحسن ومعناه حاق بهم العذاب الذي كانوا به يستهزؤن لأنهم كانوا في الدنيا يستهزؤن إذا خوفوا بعذاب الله ويقولون متى هذا الوعد قال إنما أوتيته على علم يحتمل وجهين أحدهما وهو الأظهر أن يريد على علم مني بالمكاسب والمنافع والآخر على علم الله باستحقاقي لذلك وإنما هنا تحتمل وجهين أحدهما وهو الأظهر أن تكون ما كافة وعلى علم في موضع الحال والآخر أن تكون ما اسم إن وعلى علم خبرها وإنما قال أوتيته بالضمير المذكر وهو عائد على النعمة للحمل على المعنى بل هي فتنة رد على الذي قال إنما أوتيته على علم قد قالها الذين من قبلهم يعني قارون وغيره
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله قال علي بن أبي طالب وابن مسعود هذه أرحى آية في القرآن وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية واختلف في سببها فقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة وقيل نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا ففتنوا فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم وهذا قول عمر بن الخطاب وقد كتب بها إلى هشام بن العاص لما جرى له ذلك وقيل نزلت في قوم من أهل الجاهلية قالوا ما ينفعنا الإسلام لأننا قد زنينا وقتلنا النفوس فنزلت الآية فيهم

(2/471)


ومعناها مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيل نذكره وذلك أن الذين أسرفوا على أنفسهم إن أراد بهم الكفار فقد اجتمعت الأمة على أنهم إذا أسلموا غفر لهم كفرهم وجميع ذنوبهم لقوله صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم بل يخلدهم في النار وإن أراد به العصاة من المسلمين فإن العاصي إذا تاب غفر له ذنوبه وإن لم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له فالمغفرة المذكورة في هذه الآية يحتمل أن يريد بها المغفرة للكفار إذا أسلموا أو للعصاة إذا تابوا أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضل الله عليهم بالمغفرة والظاهر أنها نزلت في الكفار وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا ... 591

(2/472)


198 والدليل على أنها في الكفار ما ذكر بعدها إلى قوله قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم يعني اتبعوا القرآن وليس المعنى أن بعض القرآن أحسن من بعض لأنه حسن كله إنما المعنى أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من الأوامر ويجتنبوا ما فيه من النواهي فالتفضيل الذي يقتضيه أحسن إنما هو في الاتباع وقيل يعني اتبعوا الناسخ دون المنسوخ وهذا بعيد أن تقول نفس في موضع مفعول من أجله تقديره كراهة أن تقول نفس وإنما ذكر النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفار في جنب الله أي في حق الله وقيل في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى الجانب ثم استعير لهذا المعنى الساخرين أي المستهزئين بلى جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب لقوله لو أن الله هداني لكنت من المتقين لأنه في معنى النفي لأن لو حرف امتناع وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب وقال ابن عطية هي جواب لقوله لو أن لي كرة فإن معناه يقتضي أن العمر يتسع للنظر فقيل له بلى على وجه الرد عليه والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله قد جاءتك آياتي تفسير لما تضمنته بلى وجوههم مسودة يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون عبارة عن شدة الكرب بمفازتهم أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم وقيل معناه بفضائلهم وهو على كل شيء وكيل أي قائم بتدبير كل شيء مقاليد مفاتيح وقيل خزائن واحدها مقليد وقيل إقليد وقيل لا واحد لها من لفظها وأصلها كلمة فارسية وقال عثمان بن عفان سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير فإن صح هذا الحديث فمعناه أن من قال هذه

(2/473)


الكلمات صادقا مخلصا نال الخيرات والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك فكأنها مفاتيح له والذين كفروا الآية قال الزمخشري إنها متصلة بقوله وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم وما بينهما من الكلام اعتراض
أفغير الله منصوب بأعبد تأمروني حذفت إحدى النونين ... 592
199 تخفيفا وقرئ بإدغام إحدى النونين في الأخرى لئن أشركت ليحبطن عملك دليل على إحباط عمل المرتد مطلقا خلافا للشافعي في قوله لا يحبط عمله إلا إذا مات على الكفر فإن قيل الموحى إليهم جماعة والخطاب بقوله لئن أشركت لواحد فالجواب أنه أوحى إلى كل واحد منهم على حدته فإن قيل كيف خوطب الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك فالجواب أن ذلك على الفرض والتقدير أي لو وقع منهم شرك لحبطت أعمالهم لكنهم لم يقع منهم شرك بسبب العصمة ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم وخوطبوا هم ليدل المعنى على غيرهم بالطريق الأولى وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه ولا وصفوه بما يجب له ولا نزهوه عما لا يليق به والضمير في قدروا لقريش وقيل لليهود والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه المقصود بهذا تعظيم جلال الله والرد على الكفار الذين ما قدروا الله حق قدره ثم اختلف الناس فيها كاختلافهم في غيرها من المشكلات فقالت المتأولة إن القبضة واليمين عبارة عن القدرة وقال ابن الطيب إنها صفة زائدة على صفات الذات وأما السلف الصالح فسلموا علم ذلك إلى الله ورأوا أن هذا من المتشابه الذي لا يعلم علم حقيقته إلا الله وقد قال ابن عباس ما معناه إن الأرض في قبضته والسموات مطويات كل ذلك بيمينه وقال ابن عمر ما معناه إن الأرض في قبضة اليد الواحدة والسموات مطويات باليمين الأخرى لأن كلتا يديه يمين ونفخ في الصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وهذه النفخة نفخة الصعق وهو الموت وقد قيل إن قبلها نفخة الفزع ولم تذكر في هذه الآية إلا

(2/474)


من شاء الله قيل يعني جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت ثم يميتهم الله بعد ذلك وقيل استثناء الأنبياء وقيل الشهداء ثم نفخ فيه أخرى هي نفخة القيام قيام ينظرون قيل إنه من النظر وقيل من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم ووضع الكتاب يعني صحائف الأعمال وإنما وحدها لأنه أراد الجنس وقيل هو اللوح المحفوظ وجيء بالنبيين ليشهدوا على قومهم والشهداء يحتمل أن يكون جمع شاهد أو جمع شهيد في سبيل الله والأول أرجح لأن فيه الوعيد معنى ولأنه أليق بذكر الأنبياء الشاهدين والمراد على هذا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يشهدون على الناس وقيل يعني الملائكة الحفظة وقضي بينهم الضمير لجميع الخلق زمرا في الموضعين جمع زمرة وهي الجماعة من الناس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة يدخلون الجنة وجوههم على مثل القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على مثل أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ... 593

(2/475)


200 ذلك منازل خزنتها جمع خازن حيث وقع كلمة العذاب يعني القضاء السابق بعذابهم وفتحت أبوابها إنما قال في الجنة وفتحت أبوابها بالواو وقال في النار فتحت بغير واو لأن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها والمعنى حتى إذا جاؤها وأبوابها مفتحة فالواو واو الحال وجواب إذا على هذا محذوف وأما أبواب النار فإنها فتحت حين جاؤها فوقع قوله فتحت جواب الشرط فكأنه بغير واو وقال الكوفيون الواو في أبواب الجنة واو الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانية وقيل الواو زائدة وفتحت هو الجواب وأورثنا الأرض يعني أرض الجنة والوراثة هنا استعارة كأنهم ورثوا موضع من لم يدخل الجنة نتبوأ أي ننزل من الجنة حيث نشاء ونتخذه مسكنا حافين من حول العرش أي محدقين به دائرين حوله وقضي بينهم الضمير لجميع الخلق كالموضع الأول ويحتمل هنا أن يكون للملائكة والقضاء بينهم توفية أجورهم على حسب منازلهم وقيل الحمد لله رب العالمين يحتمل أن يكون القائل لذلك الملائكة أو جميع الخلق أو أهل الجنة لقوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العاليمن تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله سورة غافر ... 594
| 4 | الجزء الرابع ... 595

(2/476)


2
أول الجزء الرابع وحتى سورة الناس

سورة غافر
حم تقدم الكلام على حروف الهجاء وتختص حم بأن معناها حم الأمر أي قضى وقال ابن عباس الر و حم و ن هي حروف الرحمن ( تنزيل الكتاب ) ذكر في الزمر ذي الطول أي ذى الفضل والإنعام وقيل الطول الغني والسعة فلا يغررك تقلبهم في البلاد جعل لا يغررك بمعنى لا يحزنك ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار والأحزاب يراد بهم عاد وثمود وغيرهم ليأخذوه أي ليقتلوه ليدحضوا أي ليبطلوا به الحق حقت كلمة ربك أي وجب قضاؤه ومن حوله عطف على الذين يحملون ويؤمنون به إن قيل ما فائدة قوله ويؤمنون به ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه قال ذلك الزمخشري وقال إن فيه فائدة أخرى وهى أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال كسائر الخلق لا بالرؤية وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله وسعت كل شيء رحمة وعلما أصل الكلام وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما كان ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء وقهم السيآت يحتمل أن يكون المعنى قهم السيئات نفسها ... 596

(2/477)


3 بحيث لا يفعلونها أو يكون المعنى قهم جزاء السيآت فلا تؤاخذهم بها
إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم المقت البغض الذي يوجبه ذنب أوعيب وهذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم أي مقت بعضهم بعضا ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه فتناديهم الملائكة وتقول لهم مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم فقوله لمقت الله مصدرمضاف إلى الفاعل وحذف المفعول لدلالة مفعول مقتكم عليه وقوله إذ تدعون ظرف العامل فيه مقت الله عاما من طريق المعنى ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو لأن مقت الله مصدر فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته فيحتاج أن يقدر للظرف عامل وعلى هذا أجاز بعضهم الوقف على قوله أنفسكم والابتداء بالظرف وهذا ضعيف لأن المراعي المعنى وقد جعل الزمخشري مقت الله عاما في الظرف ولم يعتبر الفصل قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين هذه الآية كقوله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدما أو كونهم في الأصلاب أو في الآرحام والموتة الثانية الموت المعروف والحياة الآولى حياة الدنيا والحياة الثانية حياة البعث في القيامة وقيل الحياة الأولى حياة الدنيا والثانية الحياة في القبر والموتة الأولى الموت المعروف والموتة الثانية بعد حياة القبر وهذا قول فاسد لأنه لابد من الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاث مرات فإن قيل كيف اتصال قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله فالجواب أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث فلمادخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك فأقروا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم حينئذ فقولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين إقرار بالبعث على أكمل الوجوه طمعا منهم أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله إذ كانوا يدعون إلى الإسلام فيكفرون فاعترفنا بذنوبنا الفاء هنا رابطة معناها التسبب فإن قيل

(2/478)


كيف يكون قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين سببا لاعترافهم بالذنوب فالجواب أنهم كانوا كافرين بالبعث فلمارأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم علموا أن الله قادر على البعث فاعترفوا بذنوبهم وهي إنكار البعث وما أوجب لهم أنكاره من المعاصي فإن من لم يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم الباء سببية للتعليل والإشارة بذلكم يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه أو إلى مقت الله لهم أو مقتهم لأنفسهم والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه سياق الكلام وذلك أنهم لما قالوا فهل إلى خروج من سبيل كأنهم قيل لهم لا سبيل إلى الخروج فالإشارة بقوله ذلكم إلى عدم خروجهم من النار يريكم آياته يعني العلامات الدالة عليه من مخلوقاته ومعجزات رسله وينزل لكم من السماء رزقا يعني المطر رفيع الدرجات يحتمل أن يكون المعنى مرتفع الدرجات فيكون بمعنى العالي أو رافع ... 597

(2/479)


4 درجات عبادة في الجنة وفي الدنيا يلقى الروح يعني الوحي من أمره يحتمل أن يريد الأمر الذي هو واحد الأمور أو الأمر بالخبر فعلى الأول تكون من للتبعيض أو لابتداء الغاية وعلى الثاني تكون لابتداء الغاية أو بمعنى الباء يوم التلاق يعني يوم القيامة وسمى بذلك لأن الخلائق يلتقون فيه وقيل لأنه يلتقي فيه أهل السموات والأرض وقيل لأنه يلتقي الخلق مع ربهم والفاعل في ينذر ضمير يعود على من يشاء أو على الروح أو على الله لمن الملك اليوم هذا من كلام الله تعالى تقريرا للخلق يوم القيامة فيجيبونه ويقولون لله الواحد القهار وقيل بل هو الذي يجيب نفسه لأن الخلق يسكتون هيبة له وقيل إن القائل لمن الملك اليوم ملك يوم الآزفة يعني القيامة ومعناه القريبة إذ القلوب لدى الحناجر معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور لشدة الخوف حتى بلغت الحناجر فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبربه عن شدة الخوف والحناجر جمع حنجرة وهي الحلق كاظمين أي محزونين حزنا شديدا كقوله فهو كظيم وقيل معناه يكظمون حزنهم أي يطمعون أن يخفوه والحال تغلبهم وانتصابه على الحال من أصحاب القلوب لأن معناه قلوب الناس أو من المفعول في أنذرهم أو من القلوب وجمعها جمع المذكر لما وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ما للظالمين من حميم أي صديق مشفق ( ولا شفيع يطاع ) يحتمل أن يكون نفي الشفاعة وطاعة الشفيع أو نفي طاعة الشفيع خاصة كقولك ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح وإن كان قد جاءك رجل غير صالح والأول أحسن لأن الكفار ليس لهم من يشفع فيهم يعلم خائنة الأعين أي استراق النظر والخائنة مصدر بمعنى الخيانة أو وصف للنظرة وهذا الكلام متصل بما تقدم من ذكر الله واعتراض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد اليه من قوله لينذر يوم التلاق وسلطان مبين حجة ظاهرةوهي المعجزات قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه هذا القتل غير القتل

(2/480)


الذي كانوا يقتلون أو لا قبل ميلاد موسى وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه المعنى أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه ولا يخاف من ذلك إن قتله ويظهر من قوله ذروني أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى وذلك يدل على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات ... 598
5 موسى أو أن يظهر في الأرض الفساد يعني فساد أحوالهم في الدنيا وقرىء وأن يظهر بالواو وبأو ويظهر بفتح الياء ورفع الفساد على الفاعليه وبضم الياء ونصب الفساد على المفعولية وقال موسى إني عذت الآية لما سمع موسى ماهم به فرعون من قتله استعاذ بالله فعصمه الله منه وقال من كل متكبر ليشمل فرعون وغيره وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح وقال رجل مؤمن من آل فرعون قيل اسم هذا الرجل حبيب وقيل حزقيل وقيل شمعون بالشين المعجمة وروي أن هذا الرجل المؤمن كان ابن عم فرعون فقوله من آل فرعون صفة للمؤمن وقيل كان من بني إسرائيل فقوله من آل فرعون على هذا يتعلق بقوله يكتم إيمانه والأول أرجح لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير ولقوله فمن ينصرنا من بأس الله لأن هذا كلام قريب شفيق ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا لكلام و أن يقول في موضع المفعول من أجله تقديره أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله وإن يك كاذبا فعليه كذبه أى إن كان موسى كاذبا في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه فلأي شيء تقتلونه فإن قيل كيف قال وإن يك كاذبا بعد أن كان قد آمن به فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير وقصد بذلك المحاجة لقومه فقسم أمر موسى إلى قسمين ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجه من القسمين وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم قيل إن بعض هنا بمعنى كل وذلك بعيد وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم ليلاطفهم في الكلام ويبعد عن التعصب لموسى ويظهر

(2/481)


النصيحة لفرعون وقومه فيرتجي إجابتهم للحق وقال الذي آمن هو المؤمن المذكور أولا وقيل هو موسى عليه السلام وهذا بعيد وإنما توهموا ذلك لأنه صرح هنا بالإيمان وكان كلام المؤمن أولا غير صريح بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه اذ كان يكتم ايمانه والجواب أنه كتم إيمانه أول الأمر ثم صرح به بعد ذلك وجاهرهم مجاهرة ظاهرة لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه الى قوله فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله يوم التناد يعني يوم القيامة وسمى بذلك لأن المنادي ينادي الناس وذلك قوله يوم ندعو كل أناس وقيل لأن بعضهم ينادي بعضا أي ينادي أهل الجنة ... 599

(2/482)


6 أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وينادي أهل النار أن أفيضوا علينا من الماء
يوم تولون مدبرين أي منطلقين إلى النار وقيل هاربين من النار ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات قيل هو يوسف بن يعقوب وقيل هو يوسف بن ابراهيم بن يوسف بن يعقوب والبينات التي جاء بها يوسف لم تعين لنا واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون آخر قبله لأن كل من ملك مصر يقال له فرعون قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كلامهم هذا لا يدل على أنهم مؤمنون برسالة يوسف وإنما مرادهم لم يأت أحد يدعى الرسالة بعد يوسف قاله ابن عطية وقال الزمخشري إنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته الذين يجادلون بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد لأنه في معنى الجمع كأنه قال كل مسرف كبر مقتا فاعل كبر مصدر يجادلون وقال الزمخشري الفاعل ضمير من هو مسرف الأسباب الأسباب هنا الطرق وقيل الأبواب وكررها للتفخيم وللبيان فأطلع بالرفع عطف على أبلغ وبالنصب بإضمار أن في جواب لعل لأن الترجي غير واجب فهو كالتمني في انتصاب جوابه ولا نقول إن لعل أشربت معنى ليت كما قال بعض النحاة تباب أي خسران متاع أي يتمتع به قليلا فإن قيل لم كرر المؤمن نداء قومه مرارا فالجواب أن ذلك لقصد التنبيه لهم وإظهار الملاطفة والنصيحة فإن قيل لم جاء بالواو في قوله وياقوم في الثالث دون الثاني فالجواب أن الثاني بيان للأول وتفسير فلم يصح عطفه عليه بخلاف الثالث فإنه كلام آخر فصح عطفه عليه ماليس لي به علم أي ليس لي علم بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال وأشرك به ماليس بإله وإذا لم يكن إلهالم يصح علم ربوبيته لاجرم إي لابد ولا شك ليس له دعوة قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق ... 600

(2/483)


7 يجب أن يدعي إليه كأنه قال أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا ولا في الآخرة ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليس له دعوة قائمة أي لا يدعي أحد إلى عبادته فوقاه الله سيئات ما مكروا دليل على أن من فوض أمره إلى الله عز وجل كان الله معه النار يعرضون عليها النار بدل من سوء العذاب أو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر وعرضهم عليها من حين موتهم إلى يوم القيامة وذلك مدة البرزخ بدليل قوله ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب واستدل أهل السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر وروي أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدو إلى النار غدوا وعشيا قيل معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا وقيل المعنى على تقدير ما بين الغدوة والعشية لأن الآخرة لاغدوة فيها ولا عشية لخزنة جهنم إن قيل هلا قال الذين في النار لخزنتها فلم صرح باسمها فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلا ليس في ذكر الضمير وما دعاء الكافرين إلا في ضلال يحتمل أن يكون من كلام خزنة جهنم فيكون متصلا بقوله فادعوا أو يكون من كلام الله تعالى استئنافا إنا لننصر رسلنا قيل إن هذا خاص فيمن أظهره الله على الكفار وليس بعام لأن من الأنبياء من قتله قومه كز كريا ويحيى والصحيح أنه عام والجواب عما ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرسل إنما كانا من الأنبياء الذين ليسوا بمرسلين وإنما ضمن الله نصر الرسل خاصة لانصر الأنبياء كلهم ويوم يقوم الأشهاد يعني يوم القيامة والأشهاد جمع شاهد أو شهيد ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور أو الشهادة على الناس أو الشهادة في سبيل الله والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس لقوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم يحتمل أنهم لا يعتذرون أو يعتذرون ولكن لا تنفعهم معذرتهم والأول أرجح لقوله ولا يؤذن لهم فيعتذرون فنفي الاعتذار والانتفاع به إن وعد الله حق يعني وعده لسيدنا محمد صلى

(2/484)


الله عليه وسلم بالنصر والظهور على أعدائه الكفار بالعشى والإبكار قيل العشي صلاة العصر والإبكار صلاة الصبح وقيل العشي بعد العصر إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إن الذين يجادلون يعني كفار قريش إن في ... 601
8 صدورهم إلا كبر ) أي تكبر وتعاظم يمنعهم من أن يتبعوك أو ينقادوا إليك وقيل كبرهم أنهم أرادوا النبوة لأنفسهم ورأوا أنهم أحق بها والأول أظهر لأن إرادتهم النبوة لأنفسهم حسد والأول هو الكبر ما هم ببالغيه أي لايبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك ومن نيل النبوة
فاستعذ بالله أي استعذ من شرهم لأنهم أعداء لك واستعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد واستعذ بالله في جميع أمورك على الإطلاق لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس الخلق هنا مصدر مضاف إلى المفعول والمراد به الاستدال على البعث لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كبرها قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها وقيل المراد توبيخ الكفار المتكبرين كأنه قال خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس فما بال هؤلاء يتكبرون علىخالقهم وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال بعده إن الساعة لآتية لا ريب فيها فقدم الدليل ثم ذكر المدلول وقال ربكم ادعوني أستجب لكم الدعاء هنا هو الطلب والرغبة وهذا وعد مقيدبالمشيئة وهي موافقة القدر لمن أراد أن يستجيب له وقيل ادعوني هنا بمعنى اعبدوني بدليل قوله بعده إن الذين يستكبرون عن عبادتي وقوله صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة ثم تلا الآية وأستجب لكم على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم والأول أظهر ويكون قوله ويستكبرون عن عبادتي بمعني يستكبرون عن الرغبة إلى كما قال صلى الله عليه وسلم من لم يسأل الله يغضب عليه وأما قوله صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة لأن الدعاء يظهر فيه

(2/485)


افتقار العبد وتضرعه إلى الله داخرين أى صاغرين لتسكنوا فيه ذكر في يونس ورزقكم من الطيبات يعني المستلذات لأنه إذا جاء ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيرادبه المستلذات وإذا جاء في معرض التحليل والتحريم فيرادبه الحلال والحرام الحمد لله رب العالمين هذا متصل بما قبله قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقديره ادعوه مخلصين قائلين الحمد لله رب العالمين ولذلك قال ابن عباس من قال لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين ويحتمل ... 602

(2/486)


9 أن يكون الحمد لله استئنافا ثم يخرجكم طفلا أراد الجنس ولذلك أفرد لفظه مع أن الخطاب لجماعة ثم لتبلغوا أشدكم ذكر الأشد في سورة يوسف عليه السلام واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا وأما لتبلغوا أجلا مسمى فمتعلق بمحذوف آخر تقديره فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلا مسمى وهو الموت أو يوم القيامة
ألم تر إلى الذين يجادلون يعني كفار قريش وقيل هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم وهذا مردود بقوله الذين كذبوا بالكتاب إلا إن جعلته منقطعا ما قبله وذلك بعيد إذا لأغلال في أعناقهم العامل في إذ يعلمون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقق الأمر يسحبون في الحميم أي يحرون والحميم الماء الشديد الحرارة ثم في النار يسجرون هذا من قولك سجرت التنور اذا ملأته بالنار فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور ولذلك قال مجاهد في تفسيره توقد بهم النار تمرحون من المرح وهو الأشر والبطر وقيل الفخر والخيلاء فبئس مثوى المتكبرين إن قيل قياس النظم أن يقول بئس مدخل الكافرين لأنه تقدم قبله ادخلوا فالجواب أن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثوى فإمانرينك بعض الذي نعدهم أصل إما نرينك إن نريك ودخلت ما الزائدة بعد إن الشرطية وجواب الشرط محذوف تقديره إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب قرت عينك بذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا يرجعون فننتقم منهم أشد الانتقام منهم من قصصنا عليك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلاف وفي حديث أبي ذر إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا منهم الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر فذكر الله بعضهم في القرآن فهم الذين قص عليه ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه فاذا جاء أمر الله قضى بالحق قال الزمخشري أمر الله القيامة وقال ابن عطية المعنى اذا أراد ... 603

(2/487)


10 الله إرسال رسول قضي ذلك ويحتمل أن يريد بأمر الله اهلاك المكذبين للرسل لقوله وخسر هنالك المبطلون هنالك في الموضعين يراد به الوقت والزمان وأصله ظرف مكان ثم وضع موضع الزمان الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والمعز فقوله لتركبوا منها يعني الإبل ومنها تأكلون يعني اللحوم والمنافع منها اللبن والصوف وغير ذلك ولتبلغوا عليها حاجة
يعني قطع المسافة البعيدة وحمل الأثقال على الإبل وتحملون يريد الركوب عليها وإنما كرره بعد قوله لتركبوا منها لأنه أراد الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها الأسفار البعيدة قاله ابن عطية ويريكم آياته هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة ولذلك وبخهم بقوله فأى آيات الله تنكرون فرحوا بما عندهم من العلم الضمير يعود على الأمم المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه أحدها أنه ما كانوا يعتدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون والثاني أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها والثالث أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع وقيل الضمير يعود على الرسل أى فرحوا بما أعطاهم الله من العلم بالله وشرائعه أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على من يكذبهم وأما الضمير في وحاق بهم فيعود على الكفار باتفاق ولذلك ترجح أن يكون الضمير في فرحوا يعود عليهم ليتسق الكلام سنة الله انتصب على المصدرية والله سبحانه أعلم .
سورة فصلت حم السجدة
أي بينت وقيل قطعت إلى سور وآيات قرآنا عربيا منصوب بفعل مضمر على التخصيص أو حال أو مصدر ( لقوم يعلمون ) معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل إذا نظروا فيها وذلك هو العلم الذي يوجب التكليف وقيل معناه يعلمون الحق والإيمان فالأول عام وهذا خاص والأول أولى لقوله ... 604

(2/488)


11 فأعرض أكثرهم لأن الإعراض ليس من صفة المؤمنين وقيل يعلمون لسان العرب فيفهمون القرآن إذ هو بلغتهم وقوله لقوم يتعلق بتنزيل أو فصلت والأحسن أن يكون صفة لكتاب فهم لا يسمعون أي لا يقبلون ولا يطيعون وعبر عن ذلك بعدم السماع على وجه المبالغة في أكنة جمع كان وهو الغطاء ومن بيننا و بينك حجاب عبارة عن بعدهم عن الاسلام فاعمل إننا عاملون قيل معناه اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا فهي متاركة وقيل اعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك فهو تهديد الذين لا يؤتون الزكاة هي زكاة المال وإنما خصها بالذكر لصعوبتها على الناس ولإنها من أركان الإسلام وقيل يعني بالزكاة التوحيد وهذا بعيد وإنما حمله على ذلك لأن لآيات مكية لم تفرض الزكاة إلا بالمدينة والجواب أن المراد الفقه في طاعة الله مطلقا وقد كانت مأمورا بها بمكة أجر غير ممنون أي غير مقطوع من قولك مننت الحبل إذا قطعته وقيل غير منقوص قيل غير محصور وقيل لايمن عليهم به لأن المن يكدر الإحسان أندادا أي أمثالا وأشباها من الأصنام وغيرها رواسي يعني الجبال وبارك فيها أكثر خيرها وقدر فيها أقواتها أي أرزاق أهلها ومعاشهم وقيل يعني أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض والأول أظهر فى أربعة أيام يريد أن الأربعة كملت باليومين الأولين فخلق الأرض في يومين وجعل فيها ما ذكر في يومين فتلك أربعة أيام وخلق السموات في يومين فتلك ستة أيام حسبما ذكر في مواضع كثيرة ولو كانت هذه الأربعة الأيام زيادة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثمانية أيام بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة سواء بالنصب مصدر تقديره استوت استواء قاله الزمخشري وقال ابن عطية انتصب على الحال للسائلين قيل معناه لمن سأل عن أمرها وقيل معناه للطالبين لها ويعني بالطلب على هذا حاجة الخلق إليها وحرف الجر يتعلق بمحذوف على

(2/489)


القول الأول تقديره يبين ذلك لمن سأل عنه ويتعلق بقدر على القول الثاني تم استوى إلى السماء أي قصد إليها ويقتضي هذا الترتيب أن الأرض خلقت قبل السماء فإن قيل كيف الجمع بين ذلك وبين قوله والأرض بعد ذلك دحاها فالجواب أنها خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد ذلك وهي دخان روى أنه كان العرش على الماء فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضا ثم خلق السموات من الدخان المرتفع فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها هذه عبارة عن لزوم طاعتهما كما يقول الملك لمن تحت يده افعل كذا شئت أو أبيت أي لابد لك من فعله وقيل تقديره ائتيا طوعا وإلا أتيتما كرها ومعنى هذا الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله وقوله لهما ائتيا مجاز وهو عبارة عن تكوينه ... 605

(2/490)


12 لها وكذلك قولهما أتينا طائعين عبارة عن أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما وقيل بل ذلك حقيقة وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما أتينا طائعين وإنما جمع العقلاء طائعين جمع لوصفهما بأوصاف العقلاء فقضاهن سبع سموات أي صنعهن والضمير للسموات السبع وانتصابها على التمييز تفسيرا للضمير وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل فهو كقولك الجذوع انكسرت وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله طائعين لأنه وصفهما بالطوع وهو فعل العقلاء فعاملهما معاملتهم فهو كقولك رأيتهم لي ساجدين وأعاد ضمير التثنية في قوله قالتا أتينا لأنه جعل الأرض فرقة والسماء أخرى وأوحى في كل سماء أمرها أي أوحى إلي سكانها من الملائكة وإليها نفسها ما شاء من الأمور التي بها قوامها وصلاحها وأضاف الأمر إليها لأنه فيها وزينا السماء الدنيا بمصابيح يعني الشمس والقمر والنجوم وهي زينة للسماء الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات وحفظا تقديره وحفظناها حفظا ويجوز أن يكون مفعولا من أجله على المعنى كأنه قال وخلقنا المصابيح زينة وحفظا ( فإن أعرضوا ) الضمير لقريش صاعقة يعني واقعة واحدة شديدة وهي مستعارة من صاعقة النار وقرئ صعقة بإسكان العين وهي الواقعة من قولك صعق الرجل إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم معنى ما بين الأيدي المتقدم ومعنى ما خلف المتأخر فمعنى الآية أن الرسل جاؤهم في الزمان المتقدم واتصلت نذارتهم إلى زمان عاد وثمود حتى قامت عليهم الحجة بذلك من بين أيديهم ثم جاءتهم رسل آخرون عند اكتمال أعمارهم فذلك من خلفهم قاله ابن عطية وقال الزمخشري معناه أتوهم من كل جانب فهو عبارة عن اجتهادهم في التبليغ اليهم وقيل أحبروهم بما أصاب من قبلهم فذلك ما بين أيديهم وأنذروهم ما يجرى عليهم في الزمان المستقبل وفي الآخرة فذلك من خلفهم أن لاتعبدوا إلا الله أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية على تقدير

(2/491)


بأن لا تعبدوا إلا الله ( فإنا بما أرسلتم به كافرون ) ليس فيه اعتراف الكفار بالرسالة وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودعواكم وفيه تهكم ريحا صرصرا قيل إنه من الصر وهو شدة البرد فمعناه باردة وقيل إنه من قولك صرصر إذا صوت فمعناه لها صوت هائل في أيام نحسات معناه من النحس وهو ضد السعد وقيل شديدة البرد وقيل متتابعة والأول أرجح وروي أنها كانت آخر شوال من الأربعاء وقرئ نحسات بإسكان الحاء وكسرها فأما الكسر فهو جمع نحس وهو صفة وأما الإسكان فتخفيف من الكسر على وزن فعل أو وصف بالمضدر
وأما ثمود فهديناهم أي بينا لهم فهو بمعنى البيان لا بمعنى الارشاد فهم يوزعون أي يدفعون بعنف ... 606

(2/492)


13 وجلودهم يعني الجلود المعروفة وقيل هو كناية عن الفروج والأول أظهر
وما كنتم تستترون الآيات يحتمل أن تكون من كلام الجلود أو من كلام الله تعالى أو الملائكة وفي معناه وجهان أحدهما لم تقدروا أن تستتروا من سمعكم وأبصاركم وجلودكم لأنها ملازمة لكم فلم يمكنكم احتراس من ذلك فشهدت عليكم والآخر لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم لأنكم لم تبالوا بشهادتها ولم تظنوا أنها تشهد عليكم وإنما استترتم لأنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وهذا أرجح لا تساق ما بعده معه ولما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود أنه قال اجتمع ثلاثة نفر قرشيان وثقفى قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فتحدثوا بحديث فقال أحدهم أترى الله يسمع ما قلنا فقال الآخر إنه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا فقال الآخر إن كان يسمع منا شيئا فإنه يسمعه كله فنزلت الآية أرداكم أي أهلككم من الردي بمعنى الهلاك وإن يستعتبوا فماهم من المعتبين هو من العتب بمعنى الرضا أي إن طلبوا العتبى ليس فيهم من يعطاها وقيضنا لهم قرناء أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ما بين أيديهم ماتقدم من أعمالهم وما خلفهم ما هم عازمون عليه أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة والتكذيب بها وحق عليهم القول أي سبق عليهم القضاء بعذابهم في أمم أي في جملة أمم وقيل في بمعنى مع وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن روي أن قائل هذه المقالة أبو جهل بن هشام لعنه الله والغوا فيه المعنى لا تسمعوا إليه وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر وشبه ذلك حتى لا يسمعه أحد وقيل معناه قعوا فيه وعيبوه أرنا اللذين أضلانا يقولون هذا إذا دخلوا جهنم فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي لتحققه ومعنى اللذين أضلانا كل من أغوانا ... 607

(2/493)


14 من الجن والإنس وقيل المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر تحت أقدامنا أي في أسفل طبقة من النار ثم استقاموا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه استقاموا على قولهم ربنا الله فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي وقول عمر أكمل وأحوط وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس أن رسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال قد قالها قوم ثم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام وقال بعض الصوفية معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه تتنزل عليهم الملائكة يعني عند الموت ( ولكم فيها ) الضمير للآخرة ما تدعون أي ما تطلبون ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله أى لا أحد أحسن أقولا منه ويدخل في ذلك كل من دعا الى عبادة الله أو طاعته على العموم وقيل المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل المؤذنون وهذا بعيد لأنها مكية وإنما شرع الأذان بالمدينة ولكن المؤذنون يدخلون في العموم وما يلقاها الضمير يعود على الخلق الجميل الذي يتضمنه قوله ادفع بالتي هي أحسن ذو حظ عظيم أي حظ من العقل والفضل وقيل حظ عظيم في الجنة وإما ينزغنك إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة ونزغ الشيطان وساوسه وأمره بالسوء الذي خلقهن الضمير يعود على الليل و النهار والشمس والقمر لأن جماعة مالا يعقل كجماعة المؤنث أو كالواحدة المؤنثة وقيل إنما يعود على الشمس والقمر وجمعهما لأن الاثنين جمع وهذا بعيد الذين عند ربك الملائكة ( لا يسئمون ) أي لا يملون الأرض خاشعة عبارة عن قلة النبات اهتزت ذكر في الحج إن الذي أحياها لمحي الموتى تمثيل واحتجاج على صحة البعث إن الذين يلحدون في آياتنا أي يطعنون عليها وهذا الإلحاد هو بالتكذيب وقيل باللغو فيه حسبما

(2/494)


تقدم في السورة
أفمن يلقى في النار ... 608
15 الآية قيل إن المراد بالذي يلقى في النار أبو جهل وبالذي يآتي آمنا عثمان بن عفان وقيل عمار بن ياسر واللفظ أعم من ذلك اعملوا ما شئتم تهديد لا إباحة إن الذين كفروا بالذكر الذكر هنا القرآن باتفاق وخبر إن محذوف تقديره ضلوا أو هلكوا وقيل خبرها أولئك ينادون من مكان بعيد وذلك بعيد وإنه لكتاب عزيز أي كريم على الله وقيل منيع من الشيطان لا يأتيه الباطل أي ليس فيما تقدمه ما يبطله ولا يأتي بعده ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك في معناه قولان أحدهما ما يقول الله لك من الوحي والشرائع إلا مثل ما قال للرسل من قبلك والآخر ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم فالمراد على هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي والمراد على القول الأول أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته إن ربك لذو مغفرة يحتمل أن يكون مستأنفا أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة وذلك على القول الأول وأما على القول الثاني فهو مستأنف منقطع مما قبله ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته الأعجمي الذي لا يفصح ولا يبين كلامه سواء كان من العرب أو من العجم والعجمي الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن فالمعنى أنه لو كان أعجميا لطعنوا فيه وقالوا هلا كان مبينا فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان ءأعجمي وعربي هذا من تمام كلامهم والهمزة للإنكار والمعنى أنه لو كان القرآن أعجميا لقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي وقيل إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية كسجين واستبرق فقالوا قرآن أعجمي وعربي أي مختلط من كلام العرب والعجم وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين

(2/495)


في آذانهم وقر عبارة عن إعراضهم عن القرآن فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك وهو عليهم عمى عبارة عن قلة فهمهم له أولئك ينادون من مكان بعيد فيه قولان أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادي من مكان بعيد فهو لا يسمع الصوت ولا يفقه ما يقال والثاني أنه حقيقة في يوم القيامة أى ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم والأول أليق بالكنايات التي قبلها كلمة سبقت من ربك ... 609
16 يعني القدر إليه يرد علم الساعة أي علم زمان وقوعها فإذا سئل أحد عن ذلك قال الله هو الذي يعلمها من أكمامها جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها ويوم يناديهم أين شركائي العامل في يوم محذوف والمراد به يوم القيامة والضمير للمشركين وقوله أين شركائي توبيخ لهم وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين كأنه قال الشركاء الذين جعلتم لي قالوا آذناك ما منا من شهيد المعنى أنهم قالوا أعلمناك ما منا من يشهد اليوم بأن لك شريكا لأنهم كفروا يوم القيامة بشركائهم وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل أي ضل عنهم شركاؤهم بمعنى أنهم لا يروهم حينئذ فما على هذا موصولة أو ضل عنهم قولهم الذي كانوا يقولون من الشرك فما على هذا مصدرية
وظنوا ما لهم من محيص الظن هنا بمعنى اليقين والمحيص المهرب أي علموا أنهم لا مهرب لهم من العذاب وقيل يوقف على ظنوا ويكون ما لهم استئنافا وذلك ضعيف لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي لا يمل من الدعاء بالمال و العافية وشبه ذلك ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة وقيل في غيره من الكفار واللفظ أعم من ذلك ليقولن هذا لي أي هذا حقي الواجب لي وليس تفضلا من الله ولا يقول هذا إلا كافر ويدل على ذلك قوله وما أظن الساعة قائمة وقوله ولئن رجعت الي ربي إن لي عنده للحسنى معناه إن بعثت تكون لي الجنة وهذا تخرص وتكبر وروي أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ونأي بجانبه ذكر

(2/496)


في الإسراء دعاء عريض أي كثير وذكر الله هذه الأخلاق على وجه الذم لها قل أرأيتم إن كان من عند الله الآية معناها أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به ألستم في شقاق بعيد فوضع قوله من أضل موضع الخطاب لهم سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم الضمير لقريش وفيها ثلاثة أقوال أحدها أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار للمسلمين والآيات في أنفسهم هي فتح مكة فجمع ذلك وعدا للمسلمين بالظهور وتهديدا للكفار واحتجاجا عليهم بظهور الحق وخمول الباطل والثاني أن الآيات في الآفاق هي ما أصاب الأمم المتقدمة من الهلاك وفي أنفسهم يوم بدر الثالث أن الآيات في الآفاق هي خلق السماء وما فيها من العبر والآيات وفي أنفسهم خلقه بني آدم وهذا ضعيف لأنه قال سنريهم بسين الاستقبال وقد كانت السموات وخلقة بني آدم مرئية والأول هو الراجح إنه لحق الضمير للقرآن أو للإسلام محيط أي محيط بعلمه وقدرته وسلطانه ... 610

(2/497)


17
سورة الشورى
حم عسق الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدم في سورة البقرة وقد حكى الطبري أن رجلا سأل ابن عباس عن حم عسق فأعرض عنه فقال حذيفة إنما كرهها ابن عباس لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينة على نهر من أنهار المشرق ثم يخسف الله بها في آخر الزمان والرجل على هذا أبو جعفر المنصور والمدينة بغداد وقد ورد في الحديث أنها يخسف بها كذلك يوحى اليك الكاف نعت لمصدر محذوف والإشارة بذلك إلى ما تضمنه القرآن أو السورة وقيل الإشارة لقوله حم عسق فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كل كتاب أنزله وفي صحة هذا نظر الله العزيز الحكيم اسم الله فاعل بيوحى وأما على قراءة يوحى بالفتح فهو فاعل بفعل مضمر دل عليه يوحى كأن قائلا قال من الذي أوحى فقيل الله تكاد السموات يتفطرن أي يتشققن من خوف الله وعظيم جلاله وقيل من قول الكفار اتخذا الله ولدا فهي كالآية التي في مريم قال ابن عطية وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود لأن الله تعالى لا يوصف به من فوقهن الضمير للسموات والمعنى يتشققن من أعلاهن وذلك مبالغة في التهويل وقيل الضمير للأرضين وهذا بعيد وقيل الضمير للكفار كأنه قال من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السموات يتفطرن وهذا أيضا بعيد ويستغفرون لمن في الأرض عموم يراد به الخصوص لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض فهي كقوله ويستغفرون للذين آمنوا وقيل إن يستغفرون الذين آمنوا نسخ هذه الآية وهذا باطل لأن النسخ لا يدخل في الأخبار ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم ومعناه الإمهال لهم وأن لا يعاجلوا بالعقوبة فيكون عاما فإن قيل ما وجه اتصال قوله والملائكة يسبحون الآية بما قبلها فالجواب أنا إن فسرنا تفطر السموات بأنه من عظمة الله فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضا تعظيما له فينتظم الكلام وإن فسرنا

(2/498)


تفطرها بأنه من كفر بني آدم فيكون تسبيح الملائكة تنزيها لله تعالى عن كفر بني آدم وعن أقوالهم القبيحة أم القرى والمراد أهلها ولذلك عطف عليه من حولها يعني من الناس يوم الجمع يعني يوم القيامة ... 611
18 وسمى بذلك لأن الخلائق يجتمعون فيه أم اتخذوا أم منقطعة والأولياء هنا المعبودون من دون الله فحكمة الى الله أي ما اختلفتم فيه أنتم والكفار من أمر الدين فحكمه إلى الله بأن يعاقب المبطل ويثيب المحق أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكموا فيه الى لنبي صلى الله عليه وسلم كقوله فردوه إلى الله والرسول من أنفسكم أزواجا يعني الإناث ومن الأنعام أزواجا يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف يذرؤكم فيه معنى يذرؤكم يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن وقيل يكثركم والضمير المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله جعل لكم وهذا كما تقول كلمت زينا كلاما أكرمته فيه وقيل الضمير للتزويج الذي دل عليه قوله أزواجا وقال الزمخشري تقديره يذرؤكم في هذا التدبير وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا والضمير في يذرؤكم خطاب للناس والأنعام غلب فيه العقلاء على غيرهم فإن قيل لم قال يذرؤكم فيه وهلا قال يذرؤكم به فالجواب أن هذا التدبير جعا كالمنع والمعدن للبث والتكثير قاله الزمخشري ليس كمثله شيء تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين قال كثير من الناس الكاف زائدة للتأكيد والمعنى ليس مثله شيء وقال الطبري وغيره ليست بزائدة ولكن وضع مثله موضع هو والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري وهذا كما تقول مثلك لا يبخل والمراد أنت لا تبخل فنفي البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته مقاليد قد ذكر شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا اتفق دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات وذلك هو المراد هنا ولذلك فسره بقوله أن أقيموا الدين يعني إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله

(2/499)


وكتبه وبالدار الآخرة وأما الأحكام الفروعية فاختلفت فيها الشرائع فليست ترادهنا أن أقيموا يحتمل أن تكون أن في موضع نصب بدلا من قوله ما وصى أو في موضع خفض بدلا من به أو في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر أو تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كبر على المشركين ما تدعوهم إليه أي صعب الإسلام على المشركين الله يجتبي اليه من يشاء الضمير في إليه يعود على الله تعالى وقيل على الدين وما تفرقوا يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم ولولا كلمة يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في الدنيا وإن الذين أورثوا الكتاب يعني المعاصرين لسيدنا ... 612

(2/500)


19 محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى وقيل يعني العرب والكتاب على هذا القرآن لفي شك منه الضمير للكتاب أو للدين أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك فادع أي إلى ذلك الذي شرع الله فادع الناس فاللام بمعنى إلى والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله ما تدعوهم إليه وقيل إن اللام بمعنى أجل والإشارة إلى التفرق والاختلاف أي لأجل ما حدث من التفرق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله واستقم معطوفا وعلى الأول يكون مستأنفا فيوقف على فادع واستقم كما أمرت أي دم على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته
ولا تتبع أهواءهم الضمير للكفار وأهواؤهم ما كانوا يحبون من الكفر والباطل كله وأمرت لأعدل بينكم قيل يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه ويحتمل أن يريد العدل في دعائهم إلى دين الإسلام أي أمرت أن أحملكم على الحق لا حجة بيننا وبينكم أي لا جدال ولا مناظرة فإن الحق قد ظهر وأنتم تعاندون والذين يحاجون في الله أي يجادلون المؤمنين في دين الإسلام ويعني كفار قريش وقيل اليهود من بعد ما استجيب له الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه وقيل يعود على الدين وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر وأحسن حجتهم داحضة أي زاهقة باطلة أنزل الكتاب يعني جنس الكتاب بالحق أي بالواجب أو متضمنا الحق والميزان قال ابن عباس وغيره يعني العدل ومعنى إنزل العدل إنزال الأمر به في الكتب المنزلة وقيل يعني الميزان المعروف فإن قيل ما وجه اتصال ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب فكأنه قال اعدلوا وافعلوا الصواب قبل اليوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم لعل الساعة قريب جاء قريب بالتذكير لأن تأنيث الساعة غير حقيقي ولأن المراد به وقت الساعة يستعجل بها أي يطلبون تعجيلها استهزاء بها

(3/1)


وتعجيزا للمؤمنين يمارون أي يجادلون ويخالفون يرزق من يشاء يعني الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في قوله وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أي ما تقوم به الحياة فإن هذا على العموم لكل حيوان طول عمره ولزائد خاص بمن شاء الله حرث الآخرة عبارة عن العمل لها وكذلك حرث الدنيا وهو مستعار من حرث الأرض لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل نزد له في حرثه عبارة عن تضعيف الثواب نؤته منها أي نؤته منها ما قدر له لأن كل أحد لا بد أن يصل إلى ما قسم ... 613

(3/2)


20 له وماله في الآخرة من نصيب هذا للكفار أو لمن كان يريد الدنيا خاصة ولا رغبة له في الآخرة
أم لهم شركاء أم منقطعة للإنكار والتوبيخ والشركاء الأصنام وغيرها وقيل الشياطين ( شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) الضمير في شرعوا للشركاء وفي لهم للكفار وقيل بالعكس والأول أظهر ولم يأذن بمعنى لم يأمر والمراد بما شرعوا من البواطل في الاعتقادات وفي الأعمال كالبحيرة والوصيلة وغير ذلك ولولا كلمة الفصل أي لولا القضاء السابق بأن لا يقضى بينهم في الدنيا لقضى بينهم فيها ترى الظالمين مشفقين يعني في الآخرة ذلك الذي يبشر الله عبادة تقديره يبشر به وحذف الجار والمجرور إلا المودة في القربى فيه أربعة أقوال الأول أن القربى بمعنى القرابة وفي بمعنى من أجل والمعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم فالمقصد على هذا استعطاف قريش ولم يكن فيهم بطن إلا وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة الثاني أن القربى بمعنى الأقارب أو ذوي القربى والمعنى إلا أن تودوا أقاربي وتحفظوني فيهم والمقصد على هذا وصيه بأهل البيت الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض والمعنى أن تودوا أقاربكم والمقصود على هذا وصية بصلة الأرحام الرابع أن القربى التقرب إلى الله والمعنى إلا أن تتقربوا إلى الله بطاعته والاستثناء على القول الثالث والرابع منقطع وأما على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع لأن المودة ليست بأجر ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فجعل المودة كالأجر يقترف أي يكتسب نزد له فيها حسنا يعني مضاعفة الثواب أم يقولون أم منقطعة للإنكار والتوبيخ فإن يشا الله يختم على قلبك فالمقصد بهذا قولان أحدهما أنه رد على الكفار في قولهم أفترى على الله كذبا أى لو افتريت على الله كذبا لختم على قلبك ولكنك لم تفتر على الله كذبا فقد هداك

(3/3)


وسددك والآخر أن المراد إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار وتحمل أذاهم ويمح الله الباطل هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قبله لأن الذي قبله مجزوم وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله ويبدأ به وفي المراد به وجهان أحدهما أنه من تمام ما قبله أي لو افتريت على الله كذبا لختم علع قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريت والآخر أنه عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر ويحق الحق وهو الإسلام وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة عن هنا بمعنى من وكأنه قال التوبة الصادرة من عبادة وقبول ... 614

(3/4)


21 التوبة على ثلاثة أوجه أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعا والثاني التوبة من مظالم العباد فهي غير مقبولة حتى ترد المظالم أو يستحل منها والثالث التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية وقيل إنها في المشيئة ويعفو عن السيئات العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلا والثاني العفو عن مظالم العباد وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر وهو حاصل باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السنة في المشيئة ومذهب المعتزلة أنها لا تغفر إلا بالتوبة ويستجيب الذين آمنوا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول والفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي يجيبهم فيما يطلبون منه وقال الزمخشري أي أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام والثاني أن معناه يجيب والذين آمنوا فاعل أي يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه والثالث أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم واستفعل على هذا على بابه من الطلب والأول أرجح لدلالة قوله ويزيدهم من فضله ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل ويزيدهم من فضله أي يزيدهم مالا يطلبون زيادة على الاستجابة فيما طلبوا وهذه الزيادة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الشفاعة والرضوان ولو بسط الله الرزق لعبادة لبغوا في الأرض أي بغي بعضهم على بعض وطغوا لأن الغني يوجب الطغيان وقال بعض الصحابة فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنيناها وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا قيل لعمر رضي الله عنه اشتد القحط وقنط الناس فقال الآن يمطرون وأخذ ذلك من هذه الآية ومنه قوله صلى الله عليه وسلم اشتدي أزمة تنفرجي وينشر رحمته قيل يعني المطر فهو تكرار للمعني الأول بلفظ آخر وقيل يعني الشمس وقيل بالعموم وما بث فيهما من دابة لا

(3/5)


إشكال لأن الدواب في الأرض وأما في السماء فقيل يعني الملائكة وقيل يمكن أن تكون في السماء دواب لا نعلمها نحن وقيل المعنى أنه بث في احدهما فذكر الاثنين كما تقول في بني فلان كذا وإنما هو في بعضهم وهو على جمعهم إذا يشاء قدير يريد جمع الخلق في الحشر يوم القيامة وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم المعنى أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم إنما هي بسبب الذنوب قال رسوال الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفوا الله عنه أكثر وقرئ بما كسبت بغير فاء على أن يكون ما أصابكم بمعنى الذي وقرئ بالفاء على أن يكون ما أصابكم شرطا بمعجزين قد ذكر الجواري جمع جارية وهي السفينة كالأعلام ... 615

(3/6)


22 جمع علم وهو الجبل إن يشأ يسكن الريح فيظللن روا كد على ظهره الضمير في يظللن للجواري وفي ظهره للجر أي لو أراد الله أن يسكن الرياح لبقيت السفن واقفة على ظهر البحر فالمقصود تعديد النعمة في إرسال الرياح أو تهديد بإسكانه أو يوبقهن بما كسبوا عطف على يسكن الريح ومعنى يوبقهن يهلكهن بالغرق من شدة الرياح العاصفة والضمير فيه للسفن وفي كسبوا لركابها من الناس والمعنى أنه لو شاء لأغرقها بذنوب الناس ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص أي يعلمون أنه لا مهرب لهم من الله وقرئ يعلم بالرفع على الاستئناف وبالنصب واختلف في إعرابه على قولين أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء لأنه غير واجب وأنكر ذلك الزمخشري وقال إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم قال ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير ومنه قوله ولنجعله آية للناس
كبائر الإثم ذكرنا الكبائر في النساء وقيل كبائر الإثم هو الشرك والفواحش هي الزنا واللفظ أعم من ذلك والذين استجابوا لربهم قيل يعني الأنصار لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم الى الاسلام ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق ثم صفات عمر بن الخطاب ثم صفات عثمان بن عفان ثم صفات علي بن أبي طالب فكونه جمع هذه الصفات ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك فأما صفات أبي بكر فقوله الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن كان جميعهم متصفا بها لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وقال صلى الله عليه وسلم أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها وقال أبو بكر لو كشف

(3/7)


الغطاء لما ازددت إلا يقينا والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان أما صفات عمر فقوله والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش لأن ذلك هو التقوى وقد قال صلى الله عليه وسلم أنا مدينة التقوى وعمر بابها وقوله وإذا ما غضبوا هم يغفرون وقوله قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله نزلت في عمر وأما صفات عثمان فقوله والذين استجابوا لربهم لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الايمان تبعه وبادر إلى الاسلام وقوله وأقاموا الصلاة لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل وفيه نزلت أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما الآية وروى أنه كان يحيى الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله وقوله وأمرهم شورى بينهم لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى وقوله ومما رزقناهم ينفقون لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله ويكفيك أنه جهز جيش العسرة وأما صفة علي فقوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون لأنه لما ... 616

(3/8)


23 قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصار للحق وانظر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلى الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة لباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله إشارة إلى فعل الحسن بن علي حين بايع معاوية وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وقوله ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن وطلبه للخلافة وانتصاره من بني أمية وقوله إنما السبيل على الذين يظلمون الناس إشارة إلى بني أمية فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم أنهم جعلوا عباد الله خولا ومال الله دولا ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله ولمن صبر وغفر الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على مانالهم من الضر والذل طول مدة بني أمية وجزاء سيئة سيئة مثلها سمي العقوبة باسم الذنب وجعلها مثلها تحرزا من الزيادة عليها فمن عفا وأصلح فأجره على الله هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار لأنه ضمن الأجر في العفو وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقيل إن الانتصار أفضل والأول أصح فإن قيل كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون والمباح لامدح فيه ولا ذم فالجواب من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم تحرزا ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود لأن قتال أهل البغي واجب

(3/9)


لقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي يعرضون عليها أي على النار خاشعين من الذل عبارة عن الذل والكآبة ومن الذل يتعلق بخاشعين ينظرون من طرف خفي فيه قولان أحدهما أنه عبارة عن الذل لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة والآخر أنهم يحشرون عميا فلا ينظرون بأبصارهم وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدرا يوم القيامة يتعلق بقال أو بخسروا ألا إن الظالمين يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفا من كلام الله تعالى لا مرد له ... 617

(3/10)


24 ذكر في الروم من نكير أي إنكار يعني لا تنكرون أعمالكم
يهب لمن يشاء إناثا قدم الإناث اعتناء بهن وتأنيسا لمن وهبهن له قال واثلة بن الأسقع من يمن المرأة تبكيرها بأنثى قبل الذكر لأن الله بدأ بالإناث وقال بعضهم نزلت هذه الآية في الأنبياء عليهم السلام فشعيب ولوط كان لهما إناث دون ذكور وإبراهيم كان له ذكور دون إناث ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الإناث والذكور ويحي كان عقيما والظاهر أنها على العموم في جميع الناس أذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم من هذه الأقسام الأربعة التي ذكر وفي الآية من أدوات البيان التقسيم وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا الآية بين الله تعالى فيها كلامه لعبادة وجعله على ثلاثة أوجه أحدها الوحي المذكور أولا وهو الذي يكون بالهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك وهو قوله أو يرسل رسولا يعني ملكا فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي وهذا خاص بالأنبياء والثاني خاص بموسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذ كلمه الله ليلة الإسراء وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء كثيرا وقد يكون لسائر الخلق ومنه وأوحي ربك إلى النحل ومنه منامات الناس أو يرسل رسولا قرىء يرسل ويوحي بالرفع على تقدير أو هو يرسل وبالنصب عطفا على وحيا لأن تقديره أن يوحي عطف على أن المقدرة وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا الروح هنا القرآن والمعنى مثل هذا الوحي وهو بإرسال ملك إليك القرآن والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور أو يكون من الأمر بالشيء ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان المقصد بهذا شيئان أحدهما تعداد النعمة عليه صلى الله عليه وسلم بأن علمه الله ما لم يكن يعلم والآخر احتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من أحد فإن قيل أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه وأما الإيمان ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم فالجواب أن

(3/11)


الإيمان يحتوي على معارف كثيرة وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه وقد كان مؤمنا بالله قبل ذلك فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له بالنبوة ولكن جعلناه نورا الضمير للقرآن . ... 618
25 سورة الزخرف
واالكتاب المبين يعني القرآن والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البين أو المبين لغيره وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أم الكتاب اللوح المحفوظ والمعنى أن القرآن وصف في اللوح بأنه على حكيم وقيل المعنى أن القرآن نسخ بجملته في اللوح المحفوظ ومنه كان جبريل ينقله فوصفه الله بأنه على حكيم لكونه مكتوب في اللوح المحفوظ والأول أظهر وأشهر أفنضرب عنكم الذكر صفحا الهمزة للإنكار والمعنى أنمسك عنكم الذكر ونضرب من قولك أضربت عن كذا إذا تركته والذكر يراد به القرآن أو التذكير والوعظ وصفحافيه وجهان أحدهما أنه بمعنى الإعراض تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه فكأنه قال أنترك تذكيركم إعراضا عنكم وإعراب صفحا على هذا مصدر من المعنى أو مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران فكانه يقول أنمسك عنكم الذكر عفوا عنكم وغفرانا لذنوبكم وإعراب صفحا على هذا مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال أن كنتم قوما مسرفين قرىء بكسر الهمزة على الشرط والجواب في الكلام الذي قبله وقرىء بالفتح على أنه مفعول من أجله أشد منهم بطشا الضمير لقريش وهم المخاطبون بقوله أن كنتم قوما مسرفين فإن قيل كيف إن كنتم على الشرط بحرف إن التي معناها الشك ومعلوم أنهم كانوا مسرفين فالجواب أن في ذلك إشارة إلى توبيخهم على الإسراف وتجهيلهم في ارتكابه فكانه شيء لا يقع من عاقل فلذلك وضع حرف التوقع في موضع الواقع ومضى مثل الأولين أي تقدم في القرآن ذكر حال الأولين وكيفية إهلا كهم لما كفروا ولئن سألتهم الآية احتجاج على قريش لانهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وكانوا مع

(3/12)


اعترافهم بذلك يعبدون غيره ومقتضى جوابهم أن يقولوا خلقهن الله فلما ذكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم وأما قوله الذي جعل لكم فهو من كلام الله لا من كلامهم مهادا أي فراشا على وجه التشبيه سبلا أي طرقا تمشون فيها ماء بقدر أي بمقدار ووزن معلوم وقيل معناه بقضاء كذلك تخرجون تمثيل للخروج من القبور بخروج النبات من الأرض الأزواج كلها ... 619

(3/13)


26 يعني أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك
لتستووا على ظهوره الضمير يعود على ما تركبون ثم تذكروا نعمة ربكم يحتمل أن يكون هذا لذكر بالقلب أو باللسان ويحتمل أن يريد النعمة في تسخير هذا المركوب أو النعمة على الاطلاق وكان بعض السلف اذا ركب دابة يقول الحمد لله الذي هدانا للإسلام ثم يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مطيقين وغالبين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اعتراف بالحشر فإن قيل ما مناسبة هذا للركوب فالجواب أن راكب السفينة أو الدابة متعرض للهلاك بما يخاف من غرق السفينة أو سقوطه عن الدابة فأمر بذكر الحشر ليكون مستعدا للموت الذي قد يعرض له وقيل يذكر عند الركوب ركوب الجنازة وجعلوا له من عباده جزءا الضمير في جعلوا لكفار العرب وفي له لله تعالى وهذا الكلام متصل بقوله ولئن سألتهم الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله فكأنهم جعلوا جزءا من عبادة نصيبا له وحظادون سائر عباده وقال الزمخشري معناه أنهم جعلوا الملائكة جزءا منه وقال بعض اللغويين الجزء في اللغة الإناث واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع أم اتخذ مما يخلق بنات أم للإنكار والرد على الذين قالوا إن الملائكة بنات الله ومعنى أصفاكم خصكم أي كيف يتخذ لنفسه البنات وهن أدنى وأصفاكم بالبنين وهم أعلا وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا أي إذا بشر بالأنثى وقد ذكر هذا المعنى في النحل والمراد أنهم يكرهون البنات فكيف ينسبونها إلى الله تعالى عن قولهم أو من ينشؤا في الحلية المراد بمن ينشأ في الحلية النساء والحلية هي الحلى من الذهب والفضة وشبه ذلك ومعنى ينشأ فيها يكبر وينبت في استعمالها وقرىء ينشأ بضم الياء وتشديد الشين بمعنى يربى فيها والمقصد الرد على الذين قالوا الملائكة بنات الله كأنه قال أجعلتم لله من ينشأ في الحلية وذلك صفة النقص ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي قوله

(3/14)


وهو في الخصام غير مبين يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص وإعراب ينشأ مفعول بفعل مضمر تقديره أجعلتم لله من ينشأ أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ في الحلية خصصتم به الله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا الضمير في جعلوا الكفار العرب فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا وقرىء عند الرحمن بالنون والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين عند ربك وقرىء عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضا الاختصاص والتشريف أشهدوا خلقهم هذا رد على العرب في قولهم إن الملائكة إناثا والمعنى هم لم يشهدوا خلق الملائكة فكيف يقولون ما ليس لهم به علم ستكتب شهادتهم ويسئلون أي تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة ويسئلون عنها يوم القيامة ... 620

(3/15)


27 وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم الضمير في قالوا للكفار وفي عبدناهم للملائكة وقال ابن عطية للأصنام والأول أظهر وأشهر والمعنى احتجاج احتج به الذين عبدوا الملائكة وذلك أنهم قالوا لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم فكونه يمهلناوينعم علينا دليل على أنه يرضى عبادتنا لهم ثم رد الله عليهم بقوله ما لهم بذلك من علم يعني أن قولهم بلا دليل وحجة وإنما هو تخرص منهم أم آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل القرآن وهذا أيضا رد عليهم لكونهم ليس لهم كتاب يحتجون به بل قالوا أنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين وطريقة والمعنى أنهم ليس لهم حجة وإنما هم مقلدو آبائهم وكذلك ما أرسلنا من قبلك الآية المعنى كما اتبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة اتبع كل من كان قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة بل بطريق التقليد المذموم قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم وقرىء قال أو لو جئتكم والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم وأما قراءة قل بالأمر فهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل هو للنذير المتقدم أمره الله أن يقول ذلك لقومه والأول أظهر وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضا بين قصة المتقدمين فإن قوله قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون حكاية عن الكفار المتقدمين وكذلك قوله فانتقمنا منهم يعني من المتقدمين إنني براء أي بريء وبراء من الأصل مصدر ثم استعمل صفة ولذلك استوى فيه الواحد والجماعة كعدل وشبهه إلا الذي فطرني يحتمل أن يكون استثناء منقطعا وذلك إن كانوا لا يعبدون الله أو يكون متصلا إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره وإعرابه على هذا بدل مما تعبدون فهو في موضع خفض أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب سيهدين قال هنا سيهدين وقال مرة أخرى فهو

(3/16)


يهدين ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال وجعلها كلمة باقية في عقبه ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم عليه السلام وقيل على الله تعالى والأول أظهر والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي إنني براء مما تعبدون ومعناها التوحيد ولذلك قيل يعود على الاسلام لقوله هو سماكم المسلمين من قبل وقيل يعود على لا إله ألا الله والمعنى متقارب أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبدا
بل متعت هؤلاء وآباءهم الإشارة بهؤلاء إلى قريش وهذا الكلام متصل بما قبله لأن قريشا من عقب إبراهيم عليه السلام ... 621

(3/17)


28 فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم بل متعتهم بالنعم والعافية فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله حتى جاءهم الحق ورسول مبين وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الضمير في قالوا لقريش والقريتان مكة والطائف ومن القريتين معناها من إحدى القريتين كقولك يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي من أحدهما وقيل معناه على رجل من رجلين من القريتين فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة وقيل عتبة بن ربيعة والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود وقيل حبيب بن عمير ومعنى الآية أن قريشا استبعدوا نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله فرد الله عليهم بقوله أهم يقسمون رحمت ربك يعني أن الله يخص بالنبوة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته وليس ذلك بتدبير المخلوقين ولا بإرادتهم ثم أوضح ذلك بقوله نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية وإذا كنا لم نمهل الحظوظ الفانية الحقيرة فأولى وأحرى أن لا نمهل الحظوظ الشريفة الباقية ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وهو من التسخير في الخدمة أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضا ورحمت ربك خير مما يجمعون هذا تحقير للدنيا والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل الجنة ولولا أن يكون الناس أمة واحدة الآية تحقير أيضا للدنيا ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم لجعلنا للكفار سقفا من فضة وذلك لهو ان الدنيا على الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ماء ومعارج عليها يظهرون المعارج الأدراج والسلالم ومعنى يظهرون يرتفعون ومنه فما استطاعوا أن يظهروه والسرر جمع سرير والزخرف الذهب وقيل أثاث البيت من

(3/18)


الستور والنمارق وشبه ذلك وقيل هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين كقولك حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا يعش من قولك عشى الرجل إذا أظلم بصره والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة وقال الزمخشري يعشى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى وليس به آفة فالفرق بينهما كالفرق بين قولك عمى وتعامى فمعنى القراءة بالضم يتجاهل ويجحد مع معرفته بالحق والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر ... 622

(3/19)


29 وذكر الرحمن وقال الزمخشري يريد به القرآن وقال ابن عطية يريد به ما ذكر الله به عبادة من المواعظ فالمصدر مضاف إلى الفاعل ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله ومعنى الآية أن من غفل عن ذكر الله يسر الله له شيطانا يكون له قرينا فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان وإنهم ليصدونهم عن السبيل الضمير في إنهم للشياطين وضمير المفعول في يصدونهم لمن يعش عن ذكر الرحمن وجمع الضميرين لأن المراد به جمع حتى إذا جاءنا قرىء جاءنا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه وقرىء بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش والضمير في قال لمن يعش وقيل للشيطان بعد المشرقين فيه قولان أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب وغلب أحدهما في التشبيه كما قيل القمران والآخر أنه يعني المشرقين والمغربين وحذف المغربين لدلالة المشرقين عليه ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون هذا كلام يقال للكفار في الآخرة ومعناه أنهم لا ينفعهم إشتراكهم في العذاب ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه والفاعل في ينفعكم قوله أنكم في العذاب مشتركون وإذ ظلمتم تعليل معناه بسبب ظلمكم وقيل الفاعل مضمر وهو التبري الذي يقتضيه قوله يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين وأنكم على هذا تعليل والأول أرجح أفأنت تسمع الصم الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بالصم والعمى الكفار اذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام فإما نذهبن بك فأنا منهم منتقمون إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة ومقصد الآية وعيد للكفار والمعنى إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك وإن أخرنا وفاتك إلى حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون وهذا الانتقام يحتمل أن يريد به قتلهم يوم بدر وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا أو يريد

(3/20)


به عذاب الآخرة وقيل إن الضمير في منهم منتقمون للمسلمين وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد وأنه أكرم نبيه عليه السلام بأن توفاه قبل أن يرى الانتقام من أمته والأول أشهر وأظهر وإنه لذكر لك ولقومك الضمير في إنه للقرآن أو للإسلام والذكر هنا بمعنى الشرف وقوم النبي صلى الله عليه وسلم هم قريش وسائر العرب فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها وصارت منهم الخلافة والملك وورد عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمر بعده لقريش ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة فقومه على هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم وسوف تسئلون أي تسئلون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه
واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا إن قيل كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ... 623

(3/21)


30 أن يسأل الرسل المتقدمين وهو لم يدركهم فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أنه رآهم ليلة الإسراء الثاني أن المعنى اسأل أمة من أرسلنا قبلك الثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة وإنما المعنى أن شرائعهم متفقة على توحيد الله بحيث لو سئلوا أهل مع الله آلهة يعبدون لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها الآيات هنا المعجزات كقلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء وقيل البراهين والحجج العقلية والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر والظهور ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات إنما المعنى أنها إذا نظرت وجدت كبيرة وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر ( من تاق منهم فقل لا قيت سيدهم ) هكذا قال الزمخشري ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلا هي أكبر مما تقدمها فالمراد أكبر من أختها المتقدمة عليها وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ظاهر كلامهم هذا التناقض فإن قولهم يا أيها الساحر يقتضي تكذيبهم له وقولهم ادع لنا ربك يقتضي تصديقه والجواب من وجهين أحدهما أن القائلين لذلك كانوا مكذبين وقولهم ادع لنا ربك يريدون على قولك وزعمك وقولهم إننا لمهتدون وعد نووا خلافه والآخر أنهم كانوا مصدقين وقولهم يا أيها الساحر إما أن يكون عندهم غير مذموم لأن السحر كان علم أهل زمانهم وكأنهم قالوا يا أيها العالم وإما أن يكون ذلك اسما قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه ونادى فرعون في قومه يحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر مناديا ينادي فيهم قال يا قوم أليس لي ملك مصر قصد بذلك الافتخار على موسى ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه ومنتهى ذلك من نهر إسكندرية إلى أسوان بطول النيل وهذه الأنهار تجري من تحتي يعني الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجري تحت قصره وأعظمها أربعة أنهار نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط ونهر طولون أفلا تبصرون

(3/22)


أم أنا خير مذهب سيبوية أن أم هنا متصلة معادلة والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون ثم وضع قوله أنا خير موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء وهذا من وضع السبب موضع المسبب وكان الأصل أن يقول أفلا تبصرون أم تبصرون ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله أنا خير على وجه الإخبار ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة مهين أي ضعيف حقير قاله الزمخشري وغيره ولا يكاد يبين إشارة إلي ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنه ... 624

(3/23)


31 وقيل يعني العى في الكلام وقوله ولا يكاد يبين يقتضي أنه كان يبين لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات
فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب يريد لولا ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوته والأسورة جمع سوار وأسوار وهو ما يجعل في الذراع من الحلى وكان الرجال حينئذ يجعلونه مقترنين أي مقترنين به لا يفارقونه أو متقارنين بعضهم مع بعض ليشهدوا له ويقيموا الحجة فاستخف قومه أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم آسفونا أى أغضبونا فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين السلف بفتح السين واللام جمع سالف وقرىء بضمها جمع سليف ومعناه متقدم أي تقدم قبل الكفار ليكون موعظة لهم ومثلا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون روى عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه قالت قريش ما يريد محمد إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم من ضربه مثلا حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن ويصدون بمعنى يعرضون وقال الزمخشري لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم امتعضوا من ذلك وقال عبد الله بن الزبعري أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم فقال صلى الله عليه وسلم هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثنى عليه خيرا وقد علمت أن النصارى عبدوه فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ففرحت قريش بذلك وضحكوا وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ونزلت هذه الآية فالمعنى على هذا لما ضرب ابن الزبعري عيسى مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه أذا قريش من هذا المثل يصدون أي يضحكون ويصيحون من الفرح وهذا المعنى إنما

(3/24)


يجري على قراءة يصدون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح وقالوا ءآلهتنا خير أم هو يعنون بهو عيسى والمعنى أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه لأنه خير من آلهتنا وهذا الكلام من تمام ما قبله على ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية التي قبله وأما على ما ذكر ابن عطية فهذا ابتداء معنى آخر وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولا آخر وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن عبدنا الملائكة وقالوا آلهتنا وهم الملائكة خير أم عيسى فمقصدهم تفضيل آلهتهم على عيسى وقيل إن قولهم أم هو يعنون به محمدا صلى الله عليه وسلم فإنهم لما قالوا إنما يريد محمد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى قالوا أآلهتنا خير أم هو يريدون تفضيل آلهتهم على محمد والأظهر أن المراد بهو عيسى وهو قول الجمهور ويدل على ذلك تقدم ذكره ما ضربوه لك إلا جدلا أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل وهو أن ... 625

(3/25)


32 يقصد الإنسان أن يغلب من يناظره سواء غلبه بحق أو بباطل فإن ابن الزبعري وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى حصب جهنم ولكنهم أرادوا المغالطة فوصفهم الله بأنهم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه يعني عيسى والإنعام عليه بالنبوة والمعجزات وغير ذلك ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون في معناها قولان أحدهما لو نشاء لجعلنا بدلا منكم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون فيها بني آدم فقوله منكم يتعلق ببدل المحذوف أو بيخلفون والآخر لو نشاء لجعلنا منكم أي لولدنا منكم أولادا ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم فإنا قادرون على أن نخلق من أولاد الناس ملائكة فلا تنكروا أن خلقنا عيسى من غير والد حكى ذلك الزمخشري وإنه لعلم الساعة الضمير لعيسى وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل للقرآن فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه شرط من أشراط الساعة يوجب العلم بها فسمى الشرط علما لحصول العلم به ولذلك قرىء لعلم بفتح العين واللام أى علامة وأما على القول بأنه للقرآن فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة أولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه إنما بين البعض دون الكل لأن الأنبياء إنما يبينون أمور الدين لا أمور الدنيا وقيل بعض بمعنى كل وهذا ضعيف فاختلف الأحزاب ذكر في مريم هل ينظرون إلا الساعة أي ينتظرون والضمير لقريش أو للأحزاب الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الأخلاء جمع خليل وهو الصديق وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة لأن الضرر دخل عليه من صحبته ولذلك استثنى المتقين لأن النفع دخل على بعضهم من بعض يا عباد الآية تقديره يقول الله يوم القيامة للمتقين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون تحبرون أي تنعمون وتسرون وهم فيه مبلسون أي يأسون من الخير ونادوا يا ملك ليقض علينا ربك المعنى أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من ... 626

(3/26)


33 العذاب وروى أن مالكا يبقى بعد ذلك ألف سنة وحينئذ يقول لهم إنكم ماكثون أي دائمون في النار لقد جئناكم بالحق الآية من كلام الله تعالى لأهل النار أو من كلام الله لقريش في الدنيا أم أبرموا أمر فإنا مبرمون الضمير لكفار قريش والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي صلى الله عليه وسلم فإنا محكمون نصره وحمايته أم يحسبون الآية روى أنها نزلت في الأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس اترى الله يسمع سرنا فقال الآخر يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا سرهم ونجواهم السر ما يحدث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم بلى أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقولون والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين في تأويل الآية أربعة أقوال الأول أنها احتجاج ورد على الكفار على تقدير قولهم ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد كما يعظم خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده ولكن ليس للرحمن ولد فلست بعابد إلا الله وحده وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم لأنه علق عبادة الولد بوجوده ووجوده محال فعبادته محال ونظير هذا أن يقول المالكي إذا قصد الرد على الحنفي في تحريم النبيذ إن كان النبيذ غير مسكر فهو حلال لكنه مسكر فهو حرام القول الثاني إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله وحده وكذبكم في قولكم أن له ولدا والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة القول الثالث أن العابدين بمعنى المنكرين يقال عبد الرجل إذا أنف وتكبر وأنكر الشيء والمعنى أن زعمتم أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين لذلك وإن على هذه الأقوال الثلاثة شرطية القول الرابع قال قتادة وابن زيد إن هنا نافية بمعنى ما كان للرحمن ولد وتم الكلام ثم ابتدأ قوله فأنا أول العابدين والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة وهو الذي عول عليه

(3/27)


الزمخشري وقال الطبري هو ملاطفة في الخطاب ونحوه قوله تعالى إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وقال ابن عطية منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار أين شركائي يعني شركائي على قولكم فذرهم الآية موادعة منسوخة بالسيف وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله أي هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء والمجرور يتعلق بإله لأن فيه معنى الوصفية وعنده علم الساعة أي علم زمان وقوعها ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة أي لا يملك كل من عبد من دون الله أن يشفع عند الله لأن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فهو المالك للشفاعة وحده ألا من شهد بالحق وهم يعلمون اختلف هل يعني بمن شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منقطع والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة لكن من شهد بالحق وهو عالم ... 627

(3/28)


34 به فهو الذي يشفع فيه ويحتمل على هذا أن يكون من شهد مفعولا بالشفاعة على إسقاط حرف الجر تقديره الشفاعة فيمن شهد بالحق وإن أراد بمن شهد بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا وأن يكون متصلا إلا فيمن عبد عيسى والملائكة والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلا من شهد بالحق وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون القيل مصدر كالقول والضمير يعود على لنبي صلى الله عليه وسلم وقرىء قيله بالنصب والخفض وقرىء في غير السبع بالرفع فأما النصب فقيل هو معطوف على سرهم ونجواهم وقيل هو معطوف على موضع الساعة لأنها مفعول أضيف إلى المصدر وقيل معطوف على مفعول محذوف تقديره يكتبون أقوالهم وقيله وأما الخفض فقيل إنه معطوف على لفظ الساعة ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله بالحق وأما على الرفع فقيل إنه مبتدأ وخبره ما بعده وضعف الزمخشري ذلك كله وقال إنه من باب القسم فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم كقولك الله لأضربن زيدا والرفع كقولهم أيمن الله ولعمرك وجواب القسم قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون كله قال أقسم بقيله أن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم منسوخ بالسيف وقل سلام تقديره أمري سلام أي مسالمة وقيل سلام عليكم على جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين فسوف تعلمون تهديد
سورة الدخان
والكتاب المبين ذكر في الزخرف وهو قسم جوابه إنا أنزلناه وقيل إنا كنا منذرين وهو بعيد إنا أنزلناه في ليلة مباركة يعني ليلة القدر من رمضان وكيفية انزاله فيها أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وقيل معناه أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر وقيل يعني بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان وذلك باطل لقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر مع قوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فيها يفرق كل أمر حكيم معنى يفرق يفصل ويخلص والأمر الحكيم أرزاق العباد

(3/29)


وآجالهم وجميع أمورهم في ذلك العام نسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ليتمثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة وقيل إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان وهذا باطل لما قدمنا أمر امن عندنا مفعول بفعل مضمر على الاختصاص قاله الزمخشري وقال ابن عطية نصب على المصدر وقيل على الحال مرسلين إرسال الرسل عليهم السلام وقيل ... 628
35 من إرسال الرحمة والأول أظهر فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين في هذا قولان أحدهما قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن الدخان يكون قيل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين وهو من أشراط الساعة وروى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أول أشراط الساعة الدخان والثاني قول ابن مسعود إن الدخان عبارة عما أصاب قريشا حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجدب فكان الرجل يرى دخانا بينه وبين السماء من شدة الجوع قال ابن مسعود خمس قد مضين الدخان و اللزام والبطشة والقمر والدوم هذا عذاب أليم يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى أو من قول الناس لما أصابهم الدخان وهذا أظهر لأن ما بعده من كلامهم باتفاق فيكون الكلام متناسقا أنى لهم الذكرى هذا من كلام الله تعالى ومعناه استبعاد تذكير الكفار مع تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في قوله وقد جاءهم واو الحال رسول مبين يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقالوا معلم أي يعلمه بشر البطشة الكبرى قال ابن عباس هي يوم القيامة وقال ابن مسعود هي يوم بدر ورسول كريم يعني موسى عليه السلام أن أدوا إلى عباد الله أن هنا مفسرة نائب مناب القول وأدوا فعل أمر من الأداء وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل والمعنى أرسلوا بني إسرائيل كما قال في طه أرسل معنا بني إسرائيل وقيل عباد الله منادي والمعنى أدوا إلى الطاعة والإيمان يا عباد الله والأول أظهر وألا تعلوا أي لا

(3/30)


تتكبروا بسلطان أي حجة وبرهان أن ترجمون اختلف هل معناه الرجم بالحجارة أو السب والأول أظهر فاعتزلون أي اتركون وخلوا سبيلي فأسر بعبادي هذا أمر من الله لموسى عليه السلام والعباد هنا بنو إسرائيل أي اخرج بهم بالليل إنكم متبعون إخبار أن فرعون وجنوده يتبعونهم واترك البحر رهوا أي ساكنا على هيئته وقيل يابسا وروى أن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق فقال الله له اتركه كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه وقيل معنى رهوا سهلا وقيل منفرجا وعيون يحتمل أن يريد الخلجان الخارجة من النيل وكانت ثم عيون في ذلك الزمان وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد ومقاهم كريم فيه قولان المنابر والمساكن الحسان ونعمة من التنعم بالأرزاق وغيرها فاكهين أي متنعمين وقيل فرحين ... 629

(3/31)


36 وقيل أصحاب فاكهة كذلك في موضع نصب أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم أو في موضع رفع تقديره الأمر كذلك وأورثناها قوما آخرين يعني بني إسرائيل حكاه الزمخشري والماوردي وضعفه ابن عطية قال لأنه لم يرو في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في ذلك الزمان وقد قال الحسن إنهم رجعوا إليها ويدل على أن المراد بنو إسرائيل قوله في الشعراء وأورثناها بني إسرائيل فما بكت عليهم السماء والأرض فيه ثلاثة أقوال الأول أنه عبارة عن تحقيرهم وذلك أنه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيمه بكت عليه السماء والأرض على وجه المجاز والمبالغة فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم أحقر من أن يبالي بهم الثاني قيل إذا مات المؤمن بكى عليه من الأرض موضع عبادته ومن السماء موضع صعود عمله فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم كفار أو ليس لهم عمل صالح الثالث أن المعنى ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض والأول أفصح وهو منزع معروف في كلام العرب وكانوا منظرين أي مؤخرين من فرعون بدل من العذاب عاليا أي متكبرا
اخترناهم على علم أي كنا عالمين بأنهم مستحقون لذلك على العالمين أي على أهل زمانهم بلاء مبين أي اختبار إن هؤلاء يعني كفار قريش فأتوا بآبائنا خاطبت قريش بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه التعجيز روى أنهم طلبوا أن يحيي لهم قصي بن كلاب يسألوه عن أحوال الآخرة أهم خير أم قوم تبع كان تبع ملك من حمير وكان مؤمنا وقومه كفارا فذم الله قومه ولم يذمه وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أدرى أكان تبع نبيا أو غير نبي ومعنى الآية أقريش أشد وأقوى أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار وقد أهلكنا قوم تبع وغيرهم لما كفروا فكذلك نهلك هؤلاء فمقصود الكلام تهديد والذين من قبلهم عطف على قوم تبع وقيل هو مبتدأ فيوقف على ما قبله والأول أصح لاعبين حال منفية ذكرت في

(3/32)


الأنبياء
يوم لا يغني مولى عن مولى المولى هنا يعم الولي والقريب وغير ذلك من الموالي إلا من رحم الله استثناء منقطع إن أراد بقوله ولا هم ينصرون الكفار ومتصل إن أراد بذلك جميع الناس طعام الأثيم أي الفاجر وهو من الإثم وقيل يعني أبا جهل فالألف واللام للعهد والأظهر أنها للجنس ... 630
37 فتعم أبا جهل وغيره كالمهل هو دردى الزيت وقيل ما يذاب من الرصاص وغيره فاعتلوه أي سوقوه بتعنيف ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء الحار ولكن جعل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازا لأن ذلك أبلغ وأشد تهويلا وقد جاء الأصل في قوله يصب من فوق رؤوسهم الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم يقال هذا للكافر على وجه التوبيخ والتهكم به أي كنت العزيز الكريم عند نفسك وروى أن أبا جهل قال ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم فنزلت الآية تمترون تفتعلون من المرية وهي الشك في مقام أمين قرىء بضم الميم أي موضع اقامة وفتحها أي موضع قيام والمراد به الجنة والأمين من الأمن أي مأمون فيه وقيل من الآمنة وصف به المكان مجازا من سندس وإستبرق السندس الرقيق من الديباج والإستبرق الغليظ منه كذلك في موضع رفع أي الأمر كذلك أو في موضع نصب أي مثل ذلك زوجناهم يدعون فيها أي يدعون خدامهم إلا الموتة الأولى استثناء منقطع والمعنى لا يذوقون فيها الموت لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى خاصة قبل ذلك ولولا قوله فيها لكان متصلا لعموم لفظ الموت وقيل إلا هنا بمعنى بعد وذلك ضعيف يسرناه أي سهلناه والضمير للقرآن بلسانك أي بلغتك وهي لسان العرب فارتقب إنهم مرتقبون أي ارتقب نصرنا لك وإهلاكهم فإنهم مرتقبون ضد ذلك ففيه وعد له ووعيد لهم .
سورة الجاثية ( تنزيل ) ذكر في الزمر وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات وقد ذكر معناه في مواضع ويل لكل أفاك

(3/33)


أثيم ... 631
38 الأفاك مبالغة من الإفك وهو الكذب والأثيم من الإثم وقيل إنها نزلت في النضر بن الحارث ولفظها على العموم يصر أي يدوم على حاله من الكفر وإنما عطفه بثم لاستعظام الإصرار على الكفر بعد سماعه آيات الله واستبعاد ذلك في العقل والطبع وإذا علم من آياتنا أي إذا بلغه منها شيء ولم يرد العلم الحقيقي من ورائهم جهنم كقوله من ورائه عذاب غليظ وقد ذكر في إبراهيم وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض يعني الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك جميعا منه أي كل نعمة فمن الله تعالى والمجرور في موضع الحال أو خبر ابتداء مضمر وقرأ ابن عباس منه قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله أمر الله المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار ولا يؤاخذوهم إذا آذوهم وكان ذلك في صدر الإسلام قيل إنها منسوخة بالسيف وقيل ليست بمنسوخة لأن احتمال الأذى مندوب إليه على كل حال وأما القتال على الإسلام فليس من ذلك وروى أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل من الكفار فأراد عمر أن يبطش به وأيام الله هي نعمه فالرجاء على أصله وقيل أيام الله عبارة عن عقابه فالرجاء بمعنى الخوف ويغفروا مجزوم في جواب شرط مقدر دل عليه قل قال الزمخشري حذف معمول القول والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا ليجزي قوما بما كانوا يكسبون فاعل يجزي ضمير يعود على الله وقريء بنون المتكلم وقال ابن عطية إن الآية وعيد فالقوم على هذا هم الذين لا يرجون أيام الله ويكسبون يعني السيئات وقال الزمخشري القوم هم الذين آمنوا وجزاؤهم الثواب بما كانوا يكسبون بكظم الغيظ واحتمال المكروه على العالمين ذكر في البقرة بينات من الأمر أي معجزات من أمر الدين جعلناك على شريعة من الأمر أي ملة ودين أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ... 632

(3/34)


39 آمنوا ) أم هنا للإنكار واجترحوا اكتسبوا والمراد بالذين اجترحوا السيئات الكفار لمقابلته بالذين آمنوا ولأن الآية مكية وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين ولذلك يذكر أن الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يرددها ويبكي طول الليل ويقول لنفسه من أي الفريقين أنت ومعناها إنكار ما حسبه الكفار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات وفي تأويلها مع ذلك قولان أحدهما أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفار لا في المحيا ولا في الممات فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة والكفار عاشوا على الكفر والمعصية وكذلك ملتهم ليست سواء والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة وتفضيل المؤمنين على الكافرين في الآخرة وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية كقوله أفنجعل المسلمين كالمجرمين وكقوله أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار سواء محياهم ومماتهم هذه الجملة بدل من الكاف في قوله كالذين آمنوا وهي مفسرة للتشبيه وهي داخلة فيما أنكره الله مما حسبه الكفار وقيل هي كلام مستأنف والمعنى على هذا أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وأن محيا الكفار ومماتهم سواء لأن كل واحد يموت على ما عاش عليه وهذا المعنى بعيد والصحيح أنها من تمام ما قبلها على المعنى الذي اخترناه وأما إعرابها فمن قرأ سواء بالرفع فهو مبتدأ وخبره محياهم ومماتهم والجملة بدل من الجار والمجرور الواقع مفعولا ثانيا لنجعل ومن قرأ سواء بالنصب فهو حال أو مفعول ثان لنجعل ومحياهم فاعل بسواء لأنه في معنى مستوى ساء ما يحكمون أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين لتجزى كل نفس بما كسبت معطوف على قوله بالحق لأن فيه معنى التعليل أو على تعليل محذوف تقديره خلق

(3/35)


الله السموات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى كل نفس بما كسبت اتخذ إلهه هواه أي أطاعة حتى صار له كالإله وأضله الله على علم أي على علم من الله سابق وقيل على علم من هذا الضال بأنه على ضلال ولكنه يتبع الضلال معاندة ختم ذكر في البقرة فمن يهديه من بعد الله قال ابن عطية فيه حذف مضاف تقديره من بعد إضلال الله إياه ويحتمل أن يريد فمن يهديه غير الله وقالوا الضمير لمن إتخد إلهه هواه أو لقريش نموت ونحيا فيه أربع تأويلات أحدها أنهم أرادوا يموت قوم ويحيا قوم والآخر نموت نحن ويحيا أولادنا الثالث نموت حين كنا عدما أو نطفا ونحيا في الدنيا والرابع نموت الموت المعروف ونحيا قبله في الدنيا فوقع في اللفظ تقديم وتأخير ومقصودهم على كل وجه إنكار الآخرة ويظهر أنهم كانوا على مذهب الدهرية ... 633

(3/36)


40 بقولهم وما يهلكنا إلا الدهر فرد الله عليهم بقوله وما لهم بذلك من علم الآية قالوا ائتوا بآبائنا ذكر في الدخان قل الله يحييكم الآية رد على المنكرين للحشر والاستدلال على وقوعه بقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة وترى كل أمة جاثية أي تجثو على الركب وتلك هيئة الخائف الذليل كل أمة تدعي الى كتابها أي إلى صحائف أعمالها وقيل الكتاب المنزل عليها والأول أرجح لقوله هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق الآية فإن قبل كيف أضاف الكتاب تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى فالجواب أنه أضافه إليهم لأن أعمالهم ثابتة فيه وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر الملائكة الحافظين بكتب أعمالكم وقيل إن الله يأمر الحفظة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ ثم يمسكونه عندهم فتأتي أفعال العباد على ذلك فتكتبها الملائكة فذلك هو الاستنساخ وكان ابن عباس يحتج على ذلك بأن يقول لا يكون الاستنساخ إلا من أصل أفلم تكن تقديره يقال لهم ذلك وحاق ذكر مرارا اليوم ننساكم النسيان هنا بمعنى الترك وأما في قوله نسيتم فيحتمل أن يكون بمعنى الترك أو الذهول ولا هم يستعتبون من العتبى وهي الرضا . ... 634

(3/37)


41 سورة الأحقاف
تنزيل ذكر في الزمر ( إلا بالحق ) ذكر مرارا وأجل مسمى يعني يوم القيامة أروني ماذا خلقوا احتجاج على التوحيد ورد على المشركين فالأمر بمعنى التعجيز شرك في السموات أي نصيب ائتوني بكتاب تعجيز لأنهم ليس لهم كتاب يدل على الإشراك بالله بل الكتب كلها ناطقة بالتوحيد أو أثارة من علم أي بقية من علم قديم يدل على ما يقولون وقيل معناه من علم تثيرونه أي تستخرجونه وقيل هو الإسناد وقيل هو الخط في الرمل وكانت العرب تتكهن به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نبي من الأنبياء يخط في الرمل فمن وافق خطه فذاك ومن أضل الآية معناها لا أحد أضل ممن يدعو إلها لا يستجيب له وهي الأصنام فإنها لا تسمع ولا تعقل ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم لأنها لا تسمعه وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء أي كان الأصنام أعداء للذين عبدوها وكانوا بعبادتهم كافرين الضمير في كانوا للأصنام أي تتبرأ الأصنام من الذين عبدوها وإنما ذكر الأصنام بضمائر مثل ضمائر العقلاء لأنه أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء من الاستجابة والغفلة والعداوة قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا أي لو افتريته لعاقبني الله على الافتراء عقوبة لا تقدرون على دفعها ولا تملكون شيئا من ردها عليه فكيف أفتريه وأتعرض لعقاب الله هو أعلم بما تفيضون فيه أي بما تتكلمون به يقال أفاض الرجل في الحديث إذا خاض فيه واستمر قل ما كنت بدعا من الرسل البدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله أي ما كنت أول رسول ولا جئت بأمر لم يجيء به أحد قبلي بل جئت بما جاء به ناس كثيرون قبلي فلأي شيء تنكرون ذلك
وما أدري ما يفعل بي ولا بكم
فيها أربعة أقوال الأول أنها في أمر الآخرة وكان ذلك قبل أن يعلم ... 635

(3/38)


42 أنه في الجنة وقبل أن يعلم أن المؤمنين في الجنة وأن الكفار في النار وهذا بعيد لأنه لم يزل يعلم ذلك من أول ما بعثه الله والثاني أنها في أمر الدنيا أي لا أدري بما يقضي الله علي وعليكم فإن مقادير الله مغيبة وهذا هو الأظهر الثالث ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما تلزمه الشريعة الرابع أن هذا كان في الهجرة إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر أي في المنام أنه يهاجر إلى أرض بها نخل فقلق المسلمون لتأخير ذلك فنزلت هذه الآية قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به معنى الآية أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين ثم حذف قوله ألستم ظالمين وهو الجواب لأنه دل على أن الله لا يهدي القوم الظالمين وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها فالمعنى أرأيتم إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع شهادة شاهد من بني إسرائيل على مثله ثم آمن به هذا الشاهد وكفرتم أنتم ألستم أضل الناس وأظلم الناس واختلف في الشاهد المذكور على ثلاثة أقوال أحدها أنه عبد الله بن سلام فقيل على هذا إن الآية مدنية لأنه إنما أسلم بالمدينة وقيل إنها مكية وأخبر بشهادته قبل وقوعها ثم وقعت على حسب ما أخبر وكان عبد الله بن سلام يقول في نزلت الآية الثاني أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة الثالث أنه موسى عليه السلام ورجح ذلك الطبري والضمير في مثله للقرآن أي يشهد على مثله فيما جاء به من التوحيد والوعد والوعيد والضمير في آمن للشاهد فإن كان عبد الله بن سلام أو الرجل الآخر فإيمانه بين وإن كان موسى عليه السلام فإيمانه هو تصديقه بأمر محمد صلى الله عليه وسلم وتبشيره به وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه أي لو كان الإسلام خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء والقائلون لهذه المقالة هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء كبلال وعمار وصهيب وقيل بل قالها كنانة

(3/39)


وقبائل من العرب لما أسلمت غفار ومزينة وجهينة وقيل بل قالها اليهود لما أسلم عبد الله ابن سلام والأول أرجح لأن الآية مكية وكانت مقالة قريش بمكة وأما مقالة الآخرين فإنما كانت بعد الهجرة ومعنى الذين آمنو من أجل الذين آمنوا أي قالوا ذلك عنهم في غيبتهم وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام لأنه لو كان خطابا لقالوا ما سبقتمونا وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم أي لما لم يهتدوا قالوا هذا إفك قديم ونحو هذا ما جاء في المثل من جهل شيئا عاداه ووصفه بالقدم لأنه قد قيل قديما فإن قيل كيف تعمل فسيقولون في إذ وهي للماضي والعامل مستقبل فالجواب أن العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون قال ذلك الزمخشري ويظهر لي أن إذ هنا بمعنى التعليل لا ظرفية بمعنى الماضي فلا يلزم السؤال والمعنى أنهم قالوا هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به وقد جاءت إذ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب ومنه ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أي بسبب ظلمكم
ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة الضمير في قبله للقرآن وكتاب موسى هو التوراة وإما ما حال ومعناه يقتدي به وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا الإشارة بهذا إلى القرآن ومعنى مصدق مصدق بما قبله من الكتب وقد ... 636

(3/40)


43 ذكرنا ذلك في البقرة ولسان حال من الضمير في مصدق وقيل مفعول بمصدق أي صدق ذا لسان عربي وهو محمد صلى الله عليه وسلم واختار هذا ابن عطية استقاموا ذكر في حم السجدة حسنا ذكر في العنكبوت حملته أمه كرها ووضعته كرها أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة ويقال كره بفتح الكاف وضمها بمعنى واحد وحملة وفصاله ثلاثون شهرا أي مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهرا وهذا لا يكون إلا بأنه ينقص من أحد احد الطرفين وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر ومن هذا أخد علي بن أبي طالب رضي الله عنه والعلماء أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإنما عبر عن مدة الرضاع بالفصال وهو الفطام لأنه منتهى الرضاع بلغ أشده ذكر في يوسف وبلغ أربعين سنة هذا حد كمال العقل والقوة ويقال إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقيل إنها عامة في أصحاب الجنة أي في جملة أصحأب الجنة كما تقول رأيت فلانا في الناس أي مع الناس والذي قال لوالديه أف لكما قال مروان بن الحكم نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كفره كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ويقول لهما أف وأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك وقالت والله ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي ويبطل ذلك قطعا قوله تعالى أولئك الذين حق عليهم القول لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أسلم وكان من خيار المسلمين وكان له في الجهاد غني عظيم وقال السدى ما رأيت أعبد منه وقال ابن عباس نزلت في ابن لأبي بكر ولم يسمه ويرد ذلك ما ذكرناه عن عائشة وقيل هي على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه ويدل على أنها عامة قوله تعالى أولئك الذين حق عليهم القول بصيغة الجمع ولو أراد واحدا بعينه لقال ذلك حق عليه القول وقد ذكرنا معنى أف في الإسراء أتعد انني أن أخرج أي أتعد

(3/41)


انني أنا أن أخرج من القبر إلى البعث وقد خلت القرون من قبلي أي وقد مضت قرون من الناس ولم يبعث منهم أحد
وهما يستغيثان الله الضمير لوالديه أي يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقول منهما ثم يقولان له ويلك ثم يأمرانه بالإيمان فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أي ... 637
44 قد سطره الأولون في كتبهم وذلك تكذيب بالبعث والشريعة ولكل درجات مما عملوا أي للمحسنين والمسيئين درجات في الآخرة بسبب أعمالهم فدرجات أهل الجنة إلى علو ودرجات أهل النار إلى سفل وليوفيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره جعل جزاءهم درجات ليوفيهم أعمالهم ويوم يعرض العامل فيه محذوف تقديره اذكر أذهبتم طيباتكم تقديره يقال لهم أذهبتم طيباتكم والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها وقرىء أذهبتم بهمزة واحدة على الخبر وبهمزتين على التوبيخ والآية في الكفار بدليل قوله يعرض الذين كفروا وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقدرآه اشترى لحما أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية عذاب الهون أي العذاب الذي يقترن به هوان واذكر أخا عاد يعني هودا عليه السلام بالأحقاف جمع حقف وهو الكدس من الرمل واختلف أين كانت فقيل بالشام وقيل بين عمان ومهرة وقيل بين عمان وحضرموت والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن وقد خلت النذر أي تقدمت من قبله ومن بعده والنذر جمع نذير فإن قيل كيف يتصور تقدمها من بعده فالجواب أن هذه الجملة اعتراض وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلا متقدمين قبل هود وبعده وقيل معنى من خلفه في زمانه قل إنما العلم عند الله أي قل إن العذاب الذي قلتم ائتنا به ليس لي علم متى يكون وإنما يعلمه الله وما علي إلا أن أبلغكم ما أرسلت به فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم العارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء والضمير في رأوه يعود على ما تعدنا أو على المرئى المبهم الذي فسره قوله

(3/42)


عارضا قال الزمخشري وهذا أعرب وأفصح وروي أنهم كانوا قد قحطوا مدة فلما رأوا هذا العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به فقال لهم هود عليه السلام بل هو ما استعجلتم به من العذاب وقوله ريح بدل من ما استعجلتم أو خبر ابتداء مضمر تدمر كل شيء بأمر ربها عموم يراد به الخصوص ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه هذا خطاب لقريش على وجه التهديد أي مكنا عادا فيما لم نمكنكم فيه من القوة والأموال وغير ذلك ثم أهلكناهم لما كفروا وإن هنا نافية بمعنى ما وعدل ... 638

(3/43)


45 عن ما كراهية لاجتماعها مع التي قبلها وقيل إن شرطية وجوابها محذوف تقديره إن مكناكم فيه طغيتم قال ابن عطية وهذا تنطع في التأويل
ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى يعني بلاد عاد وثمود وسبأ وغيرها والمراد إهلاك أهلها فلولا نصرهم الآية عرض معناه النفي أي لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا من دون الله قربانا أي تقربوا بهم إلى الله وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله وانتصاب قربانا على الحال ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا لاتخذوا وآلهة بدل منه لفساد المعنى قاله الزمخشري وقد أجازه ابن عطية بل ضلوا عنهم أي تلفوا لهم وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا اليهم وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن أي أملناهم نحوك والنفر دون العشرة وروى أن الجن كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكرانا لأن النفر الرجال دون النساء وكانوا من أهل نصيبين وقيل من أهل الجزيرة واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قيل إنه لم يرهم ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك وقيل بل علم بهم واستعدلهم واجتمع معهم وقد ورد في ذلك عن عبد الله ابن مسعود أحاديث مضطربة وسبب استماع الجن أنهم لما طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا ما هذا إلا لأمر حدث فطافوا بالأرض ينظرون ما أوجب ذلك حتى سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر في سوق عكاظ فاستمعوا إليه وآمنوا به أنزل من بعد موسى في هذا دلالة على أنهم كانوا على دين اليهود وقيل كانوا لم يعلموا ببعث عيسى مصدقا لما بين يديه ذكر في البقرة داعي الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يغفر لكم من ذنوبكم من هنا للتبعيض على الأصح أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله وقيل معنى التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل إن من زائدة ويجركم من عذاب أليم أي من النار واختلف الناس هل للجن ثواب زائد على النجاة من النار أم ليس

(3/44)


لهم ثواب إلا النجاة خاصة ومن لا يجب داعي الله الآية يحتمل أن يكون من كلام الجن أو من كلام الله تعالى ومعنى ليس بمعجز أى لا يفوت أو لم يروا الآية احتجاج على بعث الأجساد بخلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن يقال عييت بالأمر إذا لم تعرفه فالمعنى أنه تعالى علم كيف خلق السموات والأرض وأحكم خلقتها فلا شك أنه قادر على إحياء الموتى بقادر في موضع رفع لأنه خبر أن ... 639
46 وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وخبرها بلى جواب لما تقدم أي هو قادر على أن يحي الموتى فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي اصبر على تكذيب قومك وأولوا العزم هم نوح وإبراهيم وعيسى وموسى وقيل هم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام لقوله فبهداهم اقتده وقيل كل من لقي من أمته شدة وقيل الرسل كلهم أولوا عزم فمن الرسل على هذا لبيان الجنس وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض ولا تستعجل لهم أي لا تستعجل نزول العذاب بهم فإنهم صائرون إليه فإنهم إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لاستقصار أعمارهم بلاغ خبر ابتداء مضمر تقديره هذا الذي وعظتم به بلاغ بمعنى كفاية في الموعظة أو بلاغ من الرسول عليه الصلاة والسلام أى بلغ هذا المواعظ والبراهين .
سورة محمد صلى الله عليه وسلم الذين كفروا يعني كفار قريش وعموم اللفظ يعم كل كافر كما أن قوله بعد هذا والذين آمنوا يعني الصحابة وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن وصدوا عن سبيل الله يحتمل أن يكون صدوا بمعنى أعرضوا فيكون غير متعد أو يكون بمعنى صدوا الناس فيكون متعديا وسبيل الله الإسلام والطاعة أضل أعمالهم أي أبطلها وأحبطها وقيل المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر فإن هذه الآية نزلت بعد بدر واللفظ أعم من ذلك وآمنوا بما نزل على محمد هذا تجريد للأختصاص والاعتناء بعد عموم قوله آمنوا

(3/45)


وعملوا الصالحات ولذلك أكده بالجملة الاعتراضية وهو قوله وهو الحق من ربهم
وأصلح بالهم قيل معناه أصلح حالهم وشأنهم وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب وإذا صلح القلب صلح الجسد كله فالمعنى إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى فضرب الرقاب أصله فاضربوا الرقاب ضربا ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه والمراد اقتلوهم ولكن عبر عنه بضرب الرقاب لأنه الغالب في صفة القتل حتى إذا أثخنتموهم ... 640
47 أي هزمتموهم والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر فشدوا الوثاق عبارة عن الأسر فإما منا بعد وإما فداء المن العتق والفداء فك الأسير بمال وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مخير في الأساري بين خمسة أشياء وهي المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية وقيل لايجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله اقتلوا المشركين فلا يجوز على هذا إلا قتلهم والصحيح أنها محكمة وانتصب منا وفداء على المصدرية والعامل فيهما فعلان مضمران حتى تضع الحرب أوزارها الأوزار في اللغة الأثقال فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها وهي آلاتها وقيل الأوزار الآثام لأن الحرب لابد أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل حتى يسلموا الجميع فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل حتى تقتلوهم وتغلبوهم وقيل حتى ينزل عيسى ابن مريم قال ابن عطية ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبدا كما تقول أنا فاعل ذلك الى يوم القيامة ذلك تقديره الأمر ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين وأن يبلو بعض الناس ببعض عرفها لهم أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها فهو من المعرفة وقيل معناه طيبها لهم فهو من العرف وهو طيب الرائحة وقيل معناه شرفها ورفعها فهو من الأعراف التي هي الجبال فتعسا لهم أي عثارا وهلاكا وانتصابه على المصدرية والعامل فيه

(3/46)


فعل مضمر وعلى هذا الفعل عطف وأضل أعمالهم وللكافرين أمثالها أي لكفار قريش أمثال عاقبه الكفار المتقدمين من الدمار والهلاك مولى الذين آمنوا أي وليهم وناصرهم وكذلك وأن الكافرين لا مولى لهم معناه لا ناصر لهم ولا يصح أن يكون المولى هنا بمعنى السيد لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله وردوا إلى الله مولاهم الحق لأن معنى المولى مختلف في الموضعين فمعنى مولاهم الحق ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله مولى الذين آمنوا فإنه خاص بالمؤمنين لأنه بمعنى الولي والناصر ويأكلون كما تأكل الأنعام عبارة عن كثرة أكلهم وعن غفلتهم عن النظر كالبهائم من قريتك التي أخرجتك يعني مكة وخروجه صلى الله عليه وسلم من وقت الهجرة ونسب الإخراج إلى القرية والمراد أهلها لأنهم آذوه حتى خرج أهلكناهم الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله وكأين من قرية وجمعه حملا على المعنى والمراد ... 641

(3/47)


48 أهلكنا أهلها أفمن كان على بينة من ربه أى على حجة ويعني به النبي صلى الله عليه وسلم كما يعني قريشا بقوله كمن زين له سوء عمله واللفظ أعم من ذلك مثل الجنة ذكر في الرعد غير آسن أي غير متغير كمن هو خالد في النار تقديره أمثل أهل الجنة المذكورة كمن هو خالد في النار فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله أفمن كان على بينة من ربه ومنهم من يستمع إليك يعني المنافقين وجاء يستمعون بلفظ الجمع رعيا لمعنى من قالوا للذين أوتو العلم روى أنه عبدالله بن مسعود ماذا قال آنفا كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين إما احتقارا لكلامه كأنهم قالوا أي فائدة فيه وإما جهلا منهم ونسيانا لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه وآنفا معناه الساعة الماضية قريبا وأصله من استأنفت الشيء إذا ابتدأته
والذين اهتدوا زادهم هدى يعني المؤمنين والضمير في زادهم لله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون ماذا قال آنفا وقيل يعني بالذين اهتدوا قوما من النصارى آمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم فهل ينظرون إلا الساعة الضمير للمنافقين والمعنى هل ينتظرون إلا الساعة لأنها قريبة فقد جاء أشراطها أي علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال أنا من أشراط الساعة وبعثت أنا والساعة كهاتين فأني لهم إذا جاءتهم ذكراهم أي كيف لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة ففاعل جاءتهم الساعة وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدم والمراد به الاستبعاد فاعلم أنه لا إله إلا الله أي دم على العلم بذلك واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل لأنه قدم قوله فاعلم على قوله واستغفر والله يعلم متقلبكم ومثواكم قيل متقلبكم تصرفكم في الدنيا

(3/48)


ومثواكم إقامتكم في القبور وقيل متقلبكم تصرفكم في اليقظة ومثواكم منامكم لولا نزلت سورة كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص على نزول القرآن والرغبة فيه لأنهم كانوا يفرحون به ويستوحشون من إبطائة محكمة يحتمل أن يريد بالمحكمة أي ليس فيها منسوخ أو يراد متقنة وقرأ ابن مسعود سورة محدثة رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك يعني ... 642
49 المنافقين ونظرهم ذلك من شدة الخوف من القتل لأن نظر الخائف قريب من نظر المغشي عليه فأولى لهم في معناه قولان أحدهما أنه بمعنى أحق وخبره على هذا طاعة والمعنى أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحق والآخر أن أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقولك ويل لهم ومنه أولى لك فأولى فيوقف على أولى لهم على هذا القول ويكون طاعة ابتداء كلام تقديره طاعة وقول معروف أمثل أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف وقولهم لك يا محمد طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قلوبهم فإذا عزم الأمر أسند العزم إلى الأمر مجازا كقولك نهاره صائم وليلة قائم صدقوا الله يحتمل أن يريد صدق اللسان أو صدق العزم والنية وهو أظهر فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم الإفساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم ومعنى توليتم صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني أمية وقيل معناه أعرضتم عن الإسلام إن الذين ارتدوا على أدبارهم نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل نزلت في قوم من اليهود كانوا قد عرفوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ثم كفروا به سؤل لهم أي زين لهم ورجاهم ومناهم وأملي لهم أي مدلهم في الأماني والآمال والفاعل هو الشيطان وقيل الله تعالى والأول أظهر لتناسب الضمير بين الفاعلين في سول وأملى

(3/49)


سنطيعكم في بعض الأمر قال ذلك اليهود للمنافقين وبعض الأمر يعنون به مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربته
فكيف إذا توفتهم الملائكة أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة يعني ملك الموت ومن معه والفاء رابطة للكلام مع ما قبله والمعنى هذا جزعهم من ذكر القتال فكيف يكون حالهم عند الموت يضربون وجوههم ضمير الفاعل للملائكة وقيل إنه للكفار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف أم حسب الآية معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله والضغن الحقد ويراد به هنا النفاق والبغض في الإسلام وأهله ولو نشاء لأريناكهم أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلامتهم ولكن الله ستر عليهم إبقاء ... 643

(3/50)


50 عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين وروى أن الله لم يذكر واحدا منهم باسمه ( ولتعرفنهم في لحن القول ) معنى لحن القول مقصده وطريقته وقيل اللحن هو الخفي المعنى كالكناية والتعريض والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم سيعرفهم من دلائل كلامهم وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين ولنبلونكم أي نختبركم حتى نعلم أي نعلمه علما ظاهرا في الوجود تقوم به الحجة عليكم وقد علم الله الأشياء قبل كونها ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبتلينا فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وشاقوا الرسول أي خالفوة وعادوه ونزلت الآية في المنافقين وقيل في اليهود ولا تبطلوا أعمالكم يحتمل أربعة معان أحدها لاتبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان والثاني لاتبطلوا حسناتكم بفعل السيئات ذكره الزمخشري وهذا على مذهب المعتزلة خلافا للأشعرية فإن مذهبهم أن السيئات لاتبطل الحسنات والثالث لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعجب والرابع لا تبطلوا أعمالكم بأن تقتطعوها قبل تمامها وعلى هذا أخذ الفقهاء الآية وبهذا يستدلون على أن من ابتدأ نافلة لم يجز له قطعها وهذا أبعد هذه المعاني والأول أظهر لقوله قبل ذلك في الكفار أو المنافقين وسيحبط أعمالهم فكأنه يقول يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ومشاقتهم الرسول فلن يغفر الله لهم هذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له وقد أجمع المسلمون على ذلك فلا تهنوا وتدعوا الى السلم أي لا تضعفوا عن مقاتلة الكفار وتبتدئوهم بالصلح فهو كقوله وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ولن يتركم أعمالكم أي لن ينقصكم أجور أعمالكم يقال وترت الرجل أتراه إذا نقصته شيئا أو أذهبت له متاعا ولا يسألكم أموالكم أي لا يسألكم جميعها إنما يسألكم ما يخف عليكم مثل ربع العشر

(3/51)


وذلك خفيف إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا معنى يحفكم يلح عليكم والإحفاء أشد السؤال وتبخلوا جواب الشرط ويخرج أضغانكم الفاعل الله تعالى أو البخل والمعنى يخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق هؤلاء منصوب على التخصيص أو منادى لتنفقوا في سبيل الله يعني الجهاد والزكاة ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه أي إنما ضرر بخل على نفسه فكأنه بخلى على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم أي يأت بقوم على خلاف صفتكم بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله فقيل إن هذا الخطاب لقريش ... 644

(3/52)


51 والقوم غيرهم هم الأنصار وهذا ضعيف لأن الآية مدنية نزلت والأنصار حاضرون وقيل الخطاب لكل من كان حينئذ بالمدينة والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس .
سورة الفتح
نزلت هذه السورة حين انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبيه لما أراد ان يعتمر بمكه فصده المشركون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر وهما راجعان إلى المدينة لقد نزلت علي سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها إنا فتحنا لك فتحا مبينا يحتمل هذا الفتح فى اللغة أن يكون بمعنى الحكم أي حكمنا لك على أعدائك أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله ما يفتح الله للناس من رحمة أو من فتح البلاد واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعه أقوال الأول أنه فتح مكه وعده الله به قبل أن يكون وذكره بلفظ الماضي لتحققه وهو على هذا بمعنى فتح البلاد الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان ومن الصلح الذى عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش وهو على هذا بمعنى الحكم أو بمعنى العطاء ويدل على صحة هذا القول أنه لما وقع صلح الحديبيه شق ذلك على بعض المسلمين بشروط كانت فيه حتى أنزل الله هذة السورة ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمودة وهذا هو الأصح لأنه روى أنها لما نزلت قال بعض الناس ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل هو أعظم الفتوح قد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح ورغبوا إليكم في الأمان الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها الرابع أنه الهداية الى الإسلام ودليل هذا القول قوله ليغفر الله لك فجعل الفتح علة للمغفرة ولا حجة في ذلك إذ يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضا أو تكون اللام للصيرورة والعاقبة لا للتعليل فيكون المعنى إنا فتحنا لك فتحا مبينا فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة بأن غفر لك وأتم نعمته عليك وهداك

(3/53)


ونصرك
هو الذي أنزل السكينة أي السكون والطمأنينة يعني سكونهم في صلح الحديبية وتسليهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل معناه الرحمة الظانين بالله ظن السوء معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وقيل معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته فذلك هو ظن السوء به والأول أظهر بدليل ما بعده عليهم ... 645
52 دائرة السوء ) يحتمل أن يكون خبرا أو دعاء إنا أرسلناك شاهدا أي تشهد على أمتك وتعزروه أي تعظموه وقيل تنصرونه وقريء تعززوه بزايين منقوطتين والضمير في تعزروه وتوقروه للنبي صلى الله عليه وسلم وفي تسبحوه لله تعالى وقيل الثلاثة لله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله هذا تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله ثم أكد هذا المعنى بقوله يد الله فوق أيديهم وذلك على وجه التخييل والتمثيل يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو يد المبايعين له هي يد الله في المعنى وإن لم تكن كذلك في الحقيقة وإنما المراد أن عقد ميثاق البيعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام كعقده مع الله كقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله وتأول المتأولون ذلك بأن يد الله معناها النعمة أو القوة وهذا بعيد هنا ونزلت الآية في بيعة الرضوان تحت الشجرة وسنذكرها بعد فمن نكث فإنما ينكث على نفسه يعني أن ضرر نكثه على نفسه ويراد بالنكث هنا نقض البيعة سيقول لك المخلفون من الأعراب الآية سماهم بالمخلفين لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية والأعراب هم أهل البوادي من العرب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة يعتمر رأوا أنه يستقبل عدوا كثيرا من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه ولم يكن إيمانهم متمكنا فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر ففضحهم الله في هذه السورة وأعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل

(3/54)


إليهم وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم يحتمل أن يريد قولهم شغلتنا أموالنا وأهلونا لأنهم كذبوا في ذلك أو قولهم فاستغفر لنا لأنهم قالوا ذلك رياء من غير صدق ولا توبة قوما بورا أي هالكين من البوار وهو الهلاك ويعني به الهلاك في الدين سيقول المخلفون الآية أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن المخلفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى غزوة أخرى وهي غزوة خيبر فأمر الله بمنعهم من ذلك وأن يقول لهم لن تتبعونا يريدون أن يبدلوا كلام الله أي يريدون أن يبدلوا وعد الله لأهل الحديبية ... 646

(3/55)


53 وذلك أن الله وعدهم أن يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها وأن يكون ذلك مختصا بهم دون غيرهم وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك فهذا هو ما أرادوا من التبديل وقيل كلام الله قوله فلن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا وهذا ضعيف لأن هذه الآية نزلت بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك بعد الحديبية بمدة كذلكم قال الله من قبل يريد وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم خيبر فسيقولون بل تحسدوننا معناه يعز عليكم أن نصيب معكم مالا وغنيمة وبل هنا للإضراب عن الكلام المتقدم وهو قوله لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فمعناها رد أن يكون الله حكم بأن لايتبعوهم وأمابل في قوله تعالى بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد وإثبات لوصف المخلفين بالجهل ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد اختلف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول أنهم هوازن ومن حارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والرابع أنهم االفرس ويتقوى الأول والثاني بأن ذلك ظهر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوى المنذر بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية قال وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة قلت وكذلك هو موجود في كفار العرب إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوى ذلك أنهم هوازن أو يسلمون عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية هو مستأنف وإن تتولوا كما توليتم من قبل يريد في غزوة الحديبية ليس على الأعمى حرج الآية معناها أن الله تعالى عذر الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد لسبب أعذارهم لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين

(3/56)


بايعوا تحتها وفي الحديث أنهم كانوا ألفا وأربعمائة وقيل ألفا وخمسمائة وسبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية وهي موضع على نحو عشرة أميال من مكة أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولا إلى أهل مكة يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر وأنه لا يريد حربا فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه كرامة له فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفر أحد وقيل بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما وانعقد الصلح بين رسول الله صد وبين أهل مكة على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام القابل والشجرة المذكورة كان سمرة هنالك ثم ذهبت بعد سنين فمر عمر بن الخطاب بالموضع في خلافة فاختلف الصحابة في ... 647

(3/57)


54 موضعها فعلم ما في قلوبهم يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا عليه وقيل من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل لأنه ذم للصحابة وقد ذكرنا السكينة وأثابهم فتحا قريبا يعني فتح خيبر وقيل فتح مكة والأول أشهر أي جعل الله ذلك ثوابا لهم على بيعة الرضوان زيادة على ثواب الآخرة وأما المغانم المذكورة أولا فهي غنائم خيبر وهي المعطوفة على الفتح القريب وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي المذكورة ثانيا فهي كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة والإشارة بقوله فعجل لكم هذه إلى خيبر وقيل إن المغانم التي وعدهم هي خيبر والإشارة بهذه إلى صلح الحديبية وكف أيدي الناس عنكم أي كف أهل مكة عن قتالكم في الحديبية وقيل كف اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولاذكم بينما خرجتم إلى الحديبية ولتكون آية للمؤمنين أي تكون هذه الفعلة وهي كف أيدي الناس عنكم آية للمؤمنين يستدلون بها على النصر واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره فعل الله ذلك لتكون آية
وأخرى لم تقدروا عليها يعني فتح مكة وقيل فتح بلاد فارس والروم وقيل مغانم هوازن في حنين والمعنى لم تقدروا أنتم عليها وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم وإعراب أخرى عطف على عجل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره أعطاكم أخرى أو مبتدأ ولو قاتلكم الذين كفروا يعني أهل مكة سنة الله أي عادته والإشارة إلى يوم بدر وقيل الإشارة إلى نصر الأنبياء قديما وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم روى في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إاليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوما وساقوهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم فكف أيدي الكفار هو أن هزموا وأسروا وكف أيدي المؤمنين عن الكفار هو إطلاقهم من الأسر وسلامتهم من القتل وقوله

(3/58)


من بعد أن أظفركم عليهم يعني من بعدما أخذتموهم أسارى هم الذين كفروا يعني أهل مكة وصدوكم عن المسجد الحرام يعني أنهم منعوهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية والهدى معكوفا أن يبلغ محله الهدى ما يهدي إلى البيت من الأنعام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ساق حينئذ مائة بدنة وقيل سبعين ليهديها والمعكوف المحبوس ومحله موضع نحره يعني مكة والبيت وإعراب الهدى عطف على الضمير المفعول في صدوكم ومعكوفا حال من الهدى وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى صدوكم عن المسجد الحرام وصدوا الهدى عن أن يبلغ محله والعكف المذكور يعني به منع المشركين للهدى عن بلوغ مكة أو حبس المسلمين بالهدى بينما ينظرون في أمورهم ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم الآية تعليل لصرف الله ... 648

(3/59)


55 المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم فلو سلط الله المسلمين على أهل مكة لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم ولكن كفهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم وجواب لولا محذوف تقديره لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلطناكم عليهم أن تطئوهم في موضع بدل من رجال ونساء أو بدل من الضمير المفعول في لم تعلموهم والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره فتصيبكم منهم معرة أي تصيبكم من قتلهم مشقة وكراهة واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الدية أو الكفارة أو الملامة أو عيب الكفار لهم بأن يقولوا قتلوا أهل دينهم أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية ولا ملامة ولا عيب ليدخل الله في رحمته من يشاء يعني رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار بأن كف سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم أو رحمة لمن شاء من الكفار بأن يسلموا بعد ذلك واللام تتعلق بمحذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره كان كف القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا معنى تزيلوا تميزوا عن الكفار والضمير للمؤمنين المستورين الإيمان أي لو انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار فقوله لعذبنا جواب لو الثانية وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا ويحتمل أن يكون لعذبنا جواب لو الأولى وكررت لو الثانية تأكيدا إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية يعني أنفة الكفر وهي منعهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله وقولهم لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك والعامل في إذ جعل محذوف تقديره اذكر أو قوله لعذبنا والسكينة هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك
وألزمهم كلمة التقوى قال

(3/60)


الجمهور هي لا إله إلا الله وقد روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل لا إله إلا الله والله أكبر وهذه كلها متقاربة وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم التي أبى الكفار أن تكتب وكانوا أحق بها وأهلها أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم أحق بها من اليهود والنصارى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون وروى أنه أتاه ملك في النوم فقال له لتدخلن المسجد الحرام الآية فأخبر الناس برؤياه ذلك فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام فلما صده المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون أين الرؤيا ووقع في نفوس المسلمين شئ من ذلك فأنزل الله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق أي تلك الرؤيا صادقة وسيخرج تأويلها بعد ذلك فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا وأقاموا بمكة ثلاثة أيام وظهر صدق رؤياه وتلك عمرة القضية ثم فتح مكة بعد ذلك ثم حج هو وأصحابه وصدق في هذا الموضع ... 649

(3/61)


56 يتعدى إلى مفعولين وبالحق يتعلق بصدق أو بالرؤيا على أن يكون حالا منها إن شاء الله لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر وذلك محال على الله اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني أنه تأديب من الله لعباده ليقولون إن شاء الله في كل أمر مستقبل والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو يموت أو يمرض فلا يتم له والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله محلقين رؤسكم ومقصرين الحلق والتقصير من سنة الحج والعمرة والحلق أفضل من التقصير لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين ثلاثا ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين فعلم مالم تعلموا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة فإنه لما انعقد الصلح وارتفعت الحرب ورعب الناس في الإسلام فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وخمسائة وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف فجعل من دون ذلك فتحا قريبا يعني فتح خيبر وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية وهذا هو الأصح لأن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفتح هو يا رسول الله قال نعم وقيل هو فتح مكة وهذا ضعيف لأن معنى قوله من دون ذلك قبل دخول المسجد الحرام وإنما كان فتح مكة بعد ذلك فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة وفتح مكة عام ثمانية ليظهره على الدين كله ذكر في براءة وكفى بالله شهيدا أي شاهدا بأن محمدا رسول الله أو شاهدا بإظهار دينه والذين معه يعني جميع أصحابه وقيل من شهد معه الحديبية وإعراب الذين معطوف على محمد رسول الله صفته وأشداء خبر عن الجميع وقيل الذين معه مبتدأ وأشداء خبره

(3/62)


ورسول الله خبر محمد ورجح ابن عطية هذا والأول عندي أرجح لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدة والرحمة مختصا بالصحابة دون النبي صلى الله عليه وسلم وما أحق النبي صلى الله عليه وسلم بالوصف بذلك لأن الله قال فيه بالمؤمنين رءوف رحيم وقال جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم فهذه هي الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين سيماهم في وجوههم السيما العلامة وفيه ستة أقوال الأول أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المصلي من كثرة السجود والثاني أنه أثر التراب في الوجه الثالث أنه صفرة الوجه من السهر والعبادة والرابع حسن الوجه لما ورد في لحديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وهذا الحديث غير صحيح بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مروي عنه الخامس أنه الخشوع السادس أن ذلك يكون في الآخرة يجعل الله لهم نورا من أثر السجود كما يجعل غرة من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله تراهم ركعا سجدا وصف حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك والأول أظهر وقد كان بوجه علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبدالله بن العباس أثر ظاهر من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة أي وصفهم فيها وتم الكلام ... 650

(3/63)


57 هنا ثم ابتدأ قوله ومثلهم في الإنجيل كزرع وقيل إن مثلهم في الإنجيل عطف على مثلهم في التوراة ثم ابتدأ قوله كزرع وتقديره هم كزرع والأول أظهر ليكون وصفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك وعلى هذا يكون مثلهم في الإنجيل بمعنى التشبيه والتمثيل وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف كمثلهم في التوراة كزرع أخرج شطأه هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث بدأ ضعيفا ثم قوى وظهر وقيل الزرع مثل للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه بعث وحده وكان كالزرع حبة واحدة ثم كثر المسلمون فهم كالشطء وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل ويقال بإسكان الطاء وفتحها بمد وبدون مد وهي لغات فآزره أي قواه وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع والمفعول شطأه أو بالعكس لأن كل واحد منهما يقوى الآخر وقيل معناه ساواه طولا فالفاعل على هذا الشطأ ووزن آزره فاعله وقيل أفعله وقرئ بقصر الهمزة على وزن فعل فاستغلظ أي صار غليظا فاستوى على سوقه جمع ساق أي قام الزرع على سوقه وقيل قوله كزرع يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي بن أبي طالب ليغيظ بهم الكفار تعليل لما دل عليه المثل المتقدم من قوة المسلمين فهو يتعلق بفعل يدل عليه الكلام تقديره جعلهم الله كذلك ليغيظ بهم الكفار وقيل يتعلق بوعد وهو بعيد منهم لبيان الجنس لا للتبعيض لأنه وعد عم جميعهم رضي الله عنهم .
سورة الحجرات
لا تقدموا بين يدي الله ورسوله فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به ولا تقطعوا في أمر إلا بنظره والثاني لا تقدموا الولاة بمحضره فإنه يقدم من شاء والثالث لا تتقدموا بين يديه اذا مشى وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والقاف والدال والأول هو الأظهر لأن عادة العرب الاشتراك

(3/64)


في الرأي وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له فربما فعل ذلك قوم مع النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم الله عن ذلك ولذلك قال مجاهد معناه لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يذكره على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما قال بين يدي الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يتكلم بوحي من الله
لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي أمر الله المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأدب كرامة له ... 651
58 وتعظيما وسببها أن بعض جفاة الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم أن تحبط أعمالكم مفعول من أجله تقديره مخافة أن تحبط أعمالكم إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته أو جهرتم له بالقول صلى الله عليه وسلم فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معا من طريق المعنى وأما من طريق الإعراب فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو لا تجهر وعند الكوفيين بالأول وهو لا ترفعوا أصواتكم وهذا الإحباط لأن قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والتقصير في توقيره يحبط الحسنات وإن فعله مؤمن لعظيم ما وقع فيه من ذلك وقيل إن الآية خطاب للمنافقين وهذا ضعيف لقوله في أولها يا أيها الذين آمنوا وقوله وأنتم لا تشعرون فإنه لا يصح أن يقال هذا لمنافق فانه يفعله جرأة وهو يقصده إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأنه لما نزلت لآية قبلها قال أبو بكر والله يا رسول الله لا أكلمنك إلا سرا وكان عمر يخفي كلامه حين يستفهمه النبي صلى الله عليه وسلم ولفظها مع ذلك على عمومه ومعنى امتحن اختبر فوجدها كما يجب مثل ما يختبر الذهب بالنار فيوجد طيبا وقيل معناها دربها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلف وقيل معناه أخلصها الله للتقوى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون الحجرات جمع حجرة وهي قطعة من الأرض يحجر عليها بحائط وكان لكل واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حجرة ونزلت الآية في وفد بني تميم

(3/65)


قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجرات أزواج النبي ووقفوا خارجها ونادوا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة ثم خرج إليهم فقال له واحد منهم وهو الأقرع بن حابس يا محمد إن مدحي زين وذمي شين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ذلك الله تعالى أكثرهم لا يعقلون يحتمل وجهين أحدهما أن يكون فيهم قليل ممن يعقل ونفي العقل عن أكثرهم لا عن جميعهم والآخر أن يكون جميعهم ممن لا يعقل وأوقع القلة موضع النفي والأول أظهر في مقتضى اللفظ والثاني أبلغ في الذم ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خير لهم يعني خيرا في الثواب وفي انبساط نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه حوائجهم وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم وتعليم لغيرهم إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ زكاتهم فروى أنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه فكذب عليهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم ونظر في ذلك فورد وفدهم منكرين لذلك وروى أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه متلفين له فرآهم على بعد ففزع منهم وظن بهم الشر فانصرف فقال ما قال وروى أنه بلغه أنهم قالوا لا نعطيه صدقة ولا نطيعه فانصرف وقال ما قال فالفاسق المشار اليه في الآية هو الوليد بن عقبة ولم يزل بعد ذلك يفعل ... 652

(3/66)


59 أفعال الفساق حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران ثم قال لهم أزيدكم إن شئتم ثم هي باقية في كل من اتصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر وقرئ فتبينوا من التبين وتثبتوا بالثاء من التثبت ويقوى هذه القراءة أنها لما نزلت روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال التثبت من الله والعجلة من الشيطان واستدل بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبول قال المنذر البلوطي وهذه الآية ترد على من قال إن المسلمين كلهم عدول لأن الله أمر بالتبين قبل القبول فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا أن تصيبوا قوما بجهالة في موضع المفعول من أجله تقديره مخافة أن تصيبوا قوما بجهالة والإشارة إلى قتال بني المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم أي لشقيتم والعنت المشقة وإنما قال لو يطيعكم لم يقل لو أطاعكم للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم والحق خلاف ذلك وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم وذلك أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأصوب من رأى غيره ولو أطاع الناس في رأيهم لهلكوا فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره وإلى ذلك الإشارة بقوله ولكن الله حبب إليكم الإيمان الآية
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما اختلف في سبب نزولها فقال الجمهور هو ما وقع بين المسلمين وبين المتحزبين منهم لعبد الله بن أبي بن سلول حين مربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه الى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فبال حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبدالله بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم لقد آذانى من نتن حمارك فرد عليه عبد الله بن رواحة وتلاحا الناس حتى وقع بين الطائفتين ضرب بالجريد وقيل بالحديد وقيل سببها أن فريقين من الأنصار وقع بينهما قتال فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد

(3/67)


ثم حكمها باق إلى آخر الدهر وإنما قال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا لأن الطائفة في معنى القوم والناس فهي في معنى الجمع فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى أمر الله في هذه الآية بقتال الفئة الباغية وذلك إذا تبين أنها باغية فأما الفتن التي تقع بين المسلمين فاختلف العلماء فيها على قولين أحدهما أنه لا يجوز النهوض في شئ منها ولا القتال وهو مذهب سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال المسلم كفر وأمره عليه الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن والقول الثاني أن النهوض فيها واجب لتكف الطائفة الباغية وهذا قول علي وعائشة وطلحة والزبير وأكثر الصحابة وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء وحجتهم هذه الآية فإذا فرعنا على القول الأول فإن دخل داخل على من اعتزل الفريقين منزلة يريد نفسه أو ماله فليدفعه عن نفسه وإن أدى ذلك إلى قتله لقوله صلى الله عليه وسلم من قتل دون نفسه أو ماله فهو شهيد وإذا فرعنا على القول الثاني فاختلف مع من يكون النهوض في الفتن فقيل مع السواد الأعظم وقيل مع العلماء وقيل مع من يرى أن الحق معه ... 653

(3/68)


60 وحكم القتال في الفتن أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب ولا يقتل أسير ولا يقسم فئ حتى تفئ أي ترجع إلى الحق فأصلحوا بين أخويكم إنما ذكره بلفظ التثنية لأن أقل من يقع بينهم البغي اثنان وقيل أراد بالأخوين الأوس والخزرج وقرئ بين إخوتكم بالتاء على الجمع وقرئ بين إخوانكم بالنون على الجمع أيضا لا يسخر قوم من قوم نهى عن السخرية وهي الاستهزاء بالناس عسى أن يكونوا خيرا منهم أي لعل المسخور منه خير من الساخر عند الله وهذا تعليل للنهي ولا نساء من نساء لما كان للقوم لا يقع إلا على الذكور عطف النساء عليهم ولا تلمزوا أنفسكم أي لا يطعن بعضكم على بعض واللمز العيب سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك وسنذكر الفرق بينه وبين الهمز في سورة الهمزة وأنفسكم هنا بمنزلة قوله فسلموا على أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يدع أحد أحدا بلقب والتنابز بالألقاب التداعي بها وقد أجاز المحدثون أن يقال الأعمش والأعرج ونحوه إذا دعت إليه الضرورة ولم يقصد النقص والاستخفاف بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان يريد بالاسم أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن سمى مؤمنا وفي ذلك ثلاثة أوجه أحدها استقباح الجمع بين الفسق وبين الإيمان فمعنى ذلك أن من فعل شيئا من هذه الأشياء التي نهى عنها فهو فاسق وإن كان مؤمنا والآخر بئس ما يقوله الرجل للآخر يا فاسق بعد إيمانه كقولهم لمن أسلم من اليهود يا يهودي الثالث أن يجعل من فسق غير مؤمن وهذا على مذهب المعتزلة اجتنبوا كثيرا من الظن يعني ظن السوء بالمسلمين وأما ظن الخير فهو حسن إن بعض الظن إثم قيل في معنى الإثم هنا الكذب لقوله صلى الله عليه وسلم الظن أكذب الحديث لأنه قد لا يكون مطابقا للأمر وقيل إنما يكون إثما إذا تكلم به وأما إذا لم يتكلم به فهو في فسحه لأنه لا يقدر على دفع الخواطر واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة سد الذرائع في الشرع لأنه أمر باجتناب كثير من

(3/69)


الظن وأخبر أن بعضه إثم فأمر باجتناب الأ كثر من الإثم احترازا من الوقوع في البعض الذي هو إثم
ولا تجسسوا أي لا تبحثوا عن مخبآت الناس وقرأ الحسن تحسسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير وقيل التجسس ما كان من وراء والتحسس بالحاء الدخول والاستعلام ولا يغتب بعضكم بعضا المعنى لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه والغيبة هي ما يكره الإنسان ذكره من خلقه أو خلقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال الغيبة أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره قيل يا رسول الله وإن كان حقا قال إذا قلت باطلا فذلك بهتان وقد رخص في الغيبة في مواضع منها في التجريح في الشهادة والرواية والنكاح وشبه وفي التحذير من أهل الضلال ... 654

(3/70)


61 أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه شبه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتا والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتا لأن الجيفة مستقذرة ويجوز أن يكون ميتا حال من الأخ أو من لحمه وقيل فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير كأنه لما قررهم قال هل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا أجابوا فقالوا لا نحب ذلك فقال لهم فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تشبهه وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وعلى هذا المحذوف يعطف قوله واتقوا الله قاله أبو علي الفارسي وقال الرماني كراهة هذا اللحم يدعو اليها الطبع وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل وهو أحق أن يجاب لأنه بصير عالم والطبع أعمى جاهل وقال الزمخشري في هذه الآية مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه التقرير ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحب ذلك ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتا ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الانسان حتى جعله أخا له
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الذكر والأنثى هنا آدم وزوجه قال ابن عطية ويحتمل أن يريد الجنس كأنه قال إنا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى والأول أظهر وأصح لقوله صلى الله عليه وسلم أنتم من آدم وآدم من التراب ومقصود الآية التسوية بين الناس والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب فبين الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب إنما هو بالتقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله وروي أن سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا كيف نزوج بناتنا لموالينا وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا الشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أعظم

(3/71)


من القبيلة وتحته القبيلة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة وهم القرابة الأدنون فمضر وربيعه وأمثالهما شعوبا وقريش قبيلة وبني عبد مناف بطن وبنو هاشم فخذ ويقال بإسكان الخاء فرقا بينه وبين الجارحة وبنو عبد المطلب فصيلة وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل ومعنى لتعارفوا ليعرف بعضكم بعضا قالت الأعراب آمنا نزلت في بني أسد بن خزيمة وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا وهذا على أن الايمان هو التصديق بالقلب والاسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى وقد يكونان متفقان وقد يكون الاسلام أعم من الايمان فيدخل فيه الايمان حسبما ورد في مواضع أخر وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا معنى لا يلتكم لا ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم وفيه لغتان يقال لات وعليه قراءة نافع لا يلتكم بغير همز ويقال ألت وعليه قراءة من قرأ لا يألتكم بهمزة قبل اللام فإن قيل كيف يعطيهم أجور أعمالهم وقد قال إنهم لم يؤمنوا ولا يقبل عمل إلا من مؤمن فالجواب أن طاعة ... 655

(3/72)


62 الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال فالمعنى إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم وعملتم أعمالا صالحة فإن الله لا ينقصكم منها شيئا ثم لم يرتابوا أي لم يشكوا في إيمانهم وفي ذلك تعريض بالأعراب المذكورين بأنهم في شك وكذلك قوله في هؤلاء أولئك هم الصادقون تعريض أيضا بالأعراب إذ كذبوا في قولهم آمنا وإنما عطف ثم لم يرتابوا بثم إشعارا بثبوت إيمانهم في الأزمنة المتراخية المتطاولة وجاهدوا يريد جهاد الكفار لأنه دليل على صحة الإيمان ويبعد أن يريد جهاد النفس والشيطان لقوله بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله يمنون عليك أن أسلموا نزلت في بني أسد أيضا فإنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان أي هداكم للإيمان على زعمكم ولذلك قال إن كنتم صادقين ويمن عليكم يحتمل أن يكون بمعنى ينعم عليكم أو بمعنى يذكر إنعامه وهذا أحسن لأنه في مقابلة يمنون عليك .
سورة [ ق ]
تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ويختص ق بأنه قيل إنه من اسم الله القاهر أو القدير وقيل هو اسم للقرآن وقيل اسم للجبل الذي يحيط بالدنيا والقرآن المجيد من المجد وهو الشرف والكرم وجواب هذا القسم محذوف تقديره ما ردوا أمرك بحجة وما كذبوك ببرهان وشبه ذلك وعبر عن هذا المحذوف وقع الإضراب ببل وقيل الجواب ما يلفظ من قول وقيل إن في ذلك لذكرى وقيل قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وهذه الأقوال ضعيفة متكلفة بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم الضمير في عجبوا لكفار قريش والمنذر هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الضمير لجميع الناس واختاره ابن عطية قال ولذلك قال تعالى فقال الكافرون أي الكافرون من الناس والصحيح أنه لقريش وقوله قال الكافرون وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمهم بالكفر كما تقول جاءني فلان فقال الفاجر كذا إذا

(3/73)


قصدت ذمه وقوله منذر منهم إن كان الضمير لقريش فمعنى منهم من قبيلتهم يعرفون صدقه وأمانته وحسبه فيهم وإن كان الضمير لجميع الناس فمعنى منهم إنسان مثلهم وتعجبهم يحتمل أن يكون من أن بعث الله بشرا أو من الأمر الذي يتضمنه الإ نذار وهو ... 656
63 الحشر ويؤيد هذا ما يأتي بعد أئذا متنا وكنا ترابا العامل في إذا محذوف تقديره أنبعث إذا متنا ذلك رجع بعيد الرجع مصدر رجعته والمراد به البعث بعد الموت ومعنى بعيد أي بعيد الوقوع عندهم وقيل الرجع الجواب أي جوابهم هذا بعيد عن الحق وعلى هذا يكون قوله ذلك رجع بعيد من كلام الله تعالى وأما على الأول فهو حكاية كلام الكفار وهو أظهر قد علمنا ما تنقص الأرض منهم هذا رد على الكفار في إنكارهم للبعث معناه
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم
من لحومهم وعظامهم فلا يصعب علينا بعثهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جسد ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب وقيل المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم والأول قول ابن عباس والجمهور وهو أظهر وعندنا كتاب حفيظ يعني اللوح المحفوظ ومعنى حفيظ جامع لا يشذ عنه شئ وقيل معناه محفوظ من التغيير والتبديل بل كذبوا بالحق لما جاءهم هذا الإضراب أتبع به الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤا بما هو أقبح من تعجبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة وما تضمنته من الإخبار بالحشر وغير ذلك وقال ابن عطية هذا الاضراب عن كلام محذوف تقديره ما أجادوا النظر ونحو ذلك فهم في أمر مريج أي مضطرب لأنهم تارة يقولون شاعر وتارة ساحر وغير ذلك من أقوالهم وقيل معناه منكر وقيل ملتبس وقيل مختلط وزيناها يعني بالنجوم وما لها من فروج أي من شقوق وذلك دليل على إتقان الصنعة رواسي يعني الجبال من كل زوج بهيج أي من كل نوع جميل ماء مباركا يعني المطر كله وقيل الماء المبارك ماء مخصوص ينزله الله كل سنة وليس كل

(3/74)


المطر يتصف بالمبارك وهذا ضعيف حب الحصيد هو القمح والشعير ونحو ذلك مما يحصد باسقات أي طويلات ) طلع نضيد الطلع أول ما يظهر من الثمر وهو أبيض منضد كحب الرمان فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نضيد فإذا تفرق فليس بنضيد كذلك الخروج تمثيل لخروج الموتى من القبور بخروج النبات من الأرض وأصحاب الرس قوم كانت لهم بئر عظيم وهي الرس بعث إليهم نبي فجعلوه في الرس وردموا عليه فأهلكهم الله وأصحاب الأيكة يعني قوم شعيب وقد ذكر وقوم تبع ذكر في الدخان فحق وعيد أي حل بهم الهلاك أفعيينا بالخلق الأول يقال عي بالأمر إذا لم يعرف علمه والخلق الأول خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ... 657

(3/75)


64 وقيل يعني خلق آدم وقيل خلق السموات والأرض والأول أظهر ومقصود الآية الاستدلال بالخلقة الأولى على البعث والهمزة للإنكار
بل هم في لبس من خلق جديد أي هم في شك من البعث وإنما نكر الخلق الجديد لأنه كان غير معروف عند الكفار المخاطبين وعرف الخلق الأول لأنه معروف معهود ولقد خلقنا الإنسان يعني جنس الإنسان ومعنى توسوس به نفسه تحدثه نفسه في فكرتها وذلك أخفى الأشياء وقيل يعني آدم ووسوسته عند أكله من الشجرة والأول أظهر وأشهر ونحن أقرب إليه من حبل الوريد هو عرق كبير في العنق وهما وريدان عن يمين وشمال وهذا مثل في فرط القرب والمراد به قرب علم الله واطلاعه على عبده وإضافة الحبل إلى الوريد كقولك مسجد الجامع أو يراد بالحبل العاتق إذ يتلقى المتلقيان يعني الملكين الحافظين الكاتبين للأعمال والتلقي هو تلقى الكلام بحفظه وكتابته والعامل في إذ نحن أقرب وقيل مضمر تقديره اذكر واختاره ابن عطية عن اليمين وعن الشمال قعيد أي قاعد وقيل مقاعد بمعنى مجالس ورده ابن عطية بأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان والقاعد يكون على جميع هيئة الإنسان وإنما أفرده وهما أثنان لأن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وقال الفراء لفظ قعيد يدل على الاثنين والجماعة فلا يحتاج إلى حذف ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد العتيد الحاضر وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن مقعد الملكين على الشفتين قلمهما اللسان ومدادهما الريق وعموم الآية يقتضي أن الملكين يكتبان جميع أعمال العبد ولذلك قال الحسن وقتادة يكتبان جميع الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك وقال عكرمة إنما تكتب الحسنات والسيئات لاغير وجاءت سكرة الموت بالحق أي بلقاء الله أو فراق الدنيا وفي مصحف عبدالله ابن مسعود وجاءت سكرة الحق بالموت وكذلك قرأها أبو بكر الصديق

(3/76)


وإنما قال جاءت بالماضي لتحقق الأمر وقربه وكذلك ما بعده من الأفعال ذلك ما كنت منه تحيد أي تفر وتهرب والخطاب للإنسان سائق وشهيد السائق ملك يسوقه وأما الشهيد فقيل ملك آخر يشهد عليه وهو الأظهر وقيل صحائف الأعمال وقيل جوارح الإنسان لقد كنت في غفلة من هذا خطاب للإنسان الذي يقتضيه قوله كل نفس يريد أنه كان غافلا عما لقى في الآخرة وقيل هو خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي كنت في غفلة من هذا القصص وهذا في غاية الضعف لأنه خروج عن سياق الكلام فكشفنا عنك غطاءك قيل كشف الغطاء معاينته أمور الآخرة فبصرك اليوم حديد أي يبصر مالم يبصره قبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وقال قرينه هذا مالدي عتيد القرين هنا الشيطان الذي كان يغويه وقيل الملك الذي يتولى عذابه في جهنم والأول أرجح لأنه هو القرين المذكور بعد ولقوله ... 658

(3/77)


65 نقيض له شيطانا فهو له قرين ومعنى قوله هذا ما لدي عتيد أي هذا الإنسان حاضر لدى أعتدته ويسرته لجهنم وكذلك المعنى إن قلنا إن القرين هو الملك السائق وإن قلنا إنه أحد الزبانية فمعناه هذا العذاب لدى حاضر ويحتمل أن يكون ما في قوله مالدي موصوفة أوموصولة فإن كانت موصوفة فعتيد وصف لها وإن كانت موصولة فعتيد بدل منها أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف وما هي خبر المبتدأ على هذه الوجوه ويحتمل أن يكون عتيد الخبر وتكون ما بدلا من هذا أو منصوبة بفعل مضمر ألقيا في جهنم الخطاب للملكين السائق والشهيد وقيل إنه خطاب لواحد على أن يكون بالنون المؤكدة الخفيفة ثم أبدل منها ألف أو على أن يكون معناه ألق ألق مثنى مبالغة وتأكيدا أو على أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم خليلي وصاحبي وهذا كله تكلف بعيد ومما يدل على أن الخطاب لإثنين قوله فألقياه في العذاب الشديد مناع للخير قيل مناع للزكاة المفروضة والصحيح العموم مريب شاك في الدين فهو من الريب بمعنى الشك الذي جعل يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره فألقياه وأدخل فيه ألفا لتضمنه معنى الشرط أو يكون بدلا أو صفة ويكون فألقياه تكرارا للتوكيد قال قرينه ربنا ما أطغيته القرين هنا شيطانه الذي وكل به في الدنيا بلا خلاف ومعنى ما أطغيته ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى باختياره وإنما حذف الواو هنا لأن هذه جملة مستأنفة بخلاف قوله وقال قرينه قبل هذا فإنه عطف لا تختصموا لدي خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين ما يبدل القول لدي أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل لذلك وقيل معناه لا يكذب أحد لعلمي بجميع الأمور فالإشارة على هذا إلى قول القرين ما أطغيته وتقول هل من مزيد الفعل مسند إلى جهنم وقيل إلى خزنتها من الملائكة والآول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة أو مجازا بلسان الحال والأظهر أنه حقيقة وذلك على الله يسير ومعنى قولها هل من مزيد

(3/78)


إنما تطلب الزيادة وكانت لم تمتلئ وقيل معناه لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة فهي على هذا قد امتلأت والأول أظهر وأرجح لما ورد في الحديث لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يلقى فيها الجبار قدمه وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه والمزيد يحتمل أن يكون مصدرا كالمحيض أو اسم مفعول فإن كان مصدرا فوزنه مفعل وإن كان اسم مفعول فوزنه مفعول وأزلفت الجنة أي قربت ثم أكد ذلك بقوله غير بعيد لكل أواب أي كثير الرجوع إلى الله فهو من آب يؤوب إذا رجع وقيل هو المسبح لله من قوله يا جبال أوبي معه حفيظ أي حافظ لأوامر الله فيفعلها ولنواهيه فيتركها
من خشي الرحمن بالغيب أي اتقى الله وهو غائب عن الناس فالمجرور في موضع الحال ومن خشي بدل أو مبتدأ فإن قيل كيف قرن بالخشية الاسم الدال على الرحمة فالجواب أن ذلك لقصد المبالغة في الثناء على من يخشى الله لأنه يخشاه مع علمه برحمته وعفوه قال ذلك الزمخشري ويحتمل أن يكون ... 659

(3/79)


66 الجواب عن ذلك أن الرحمن صار يستعمل استعمال الاسم الذي ليس بصفة كقولنا الله ولدينا مزيد قيل معناه النظر إلى وجه الله كقوله الحسنى وزيادة وقيل يعني ما لم يخطر على قلوبهم كما ورد في الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال أعددت لعبادي الصالحين مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر هم أشد منهم بطشا الضمير في هم للقرون المتقدمة وفي منهم لكفار قريش فنقبوا في البلاد أي طافوا فيها وأصله دخولها من أنقابها أو من التنقب عن الأمر بمعنى البحث عنه هل من محيص أي قالوا هل من مهرب من الله أو من العذاب لمن كان له قلب أي قلب واع يعقل ويفهم أو ألقى السمع وهو شهيد أي استمع وهو حاضر القلب وما مسنا من لغوب اللغوب الإعياء والتعب فاصبر على ما يقولون يعني كفار قريش وغيرهم وسبح بحمد ربك يحتمل أن يريد التسبيح باللسان أو يريد الصلاة وقد ذكر الزمخشري فيه الوجهين وقال ابن عطية معناه صل بإجماع من المتأولين وهي على هذا إشارة إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل المغرب والعشاء وقيل هي النوافل وأدبار السجود قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما الركعتين بعد المغرب وقال ابن عباس هي النوافل بعد الفرائض وقيل الوتر واستمع معناه انتظر فهو عامل في يوم يناد على أنه مفعول به صريح وقيل المعنى استمع لما نقص عليك من أهوال القيامة فعلى هذا لا يكون عاملا في يوم يناد فيوقف على استمع والأول أظهر يوم يناد المناد من مكان قريب المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخ في الصور وقيل إنما وصفه بالقرب لأنه يسمعه جميع الخلق وقيل المكان صخرة بيت المقدس وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكة وقيل لقربها من السماء لأنها أقرب إلى الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا وهذا ضعيف يوم الخروج يعني خروج الناس من القبور ويوم

(3/80)


تشقق العامل في هذا الظرف معنى قوله حشر علينا يسير أو هو بدل مما قبله وما أنت عليهم بجبار أي بقهار تقهرهم على الإيمان كقوله لست عليهم بمصيطر وقيل إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم رؤف بهم غير جبار عليهم وهذا أظهر فذكر بالقرآن من يخاف وعيد كقوله إنما تنذر الذين يخشون ربهم لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف ... 660
67 سورة الذاريات
والذاريات ذروا هي الرياح تذرو التراب وغيره ومنه قوله تعالى تذروه الرياح وانتصب ذروا على المصدرية فالحاملات وقرا هي السحاب تحمل المطر والوقر الحمل وهو مفعول به فالجاريات يسرا هي السفن تجري في البحر وإعراب يسرا صفة لمصدر محذوف ومعناه بسهولة فالمقسمات أمرا هي الملائكة تقسم أمر الملكوت من الأرزاق والآجال وغير ذلك وأمرا مفعول به وقيل إن الحاملات وقرا السفن وقيل جميع الحيوان الحامل وقيل إن الجاريات يسرا السحاب وقيل الجواري من الكواكب والأول أشهر وهو قول علي بن أبي طالب إنما توعدون لصادق هذا جواب القسم ويحتمل توعدون أن يكون من الوعد أو من الوعيد والأظهر أنه يراد به البعث في الآخرة وهو يشمل الوعد والوعيد وإن الدين لواقع الدين هنا الجزاء وقيل الحساب والسماء ذات الحبك أي ذات الطرائق مثل الطرائق التي تكون في الماء إذا هبت عليه الرياح وكذلك حبك الزرع وهي الطرائق التي فيه وقيل الحبك النجوم وقيل زينة السماء وقيل حسن خلقتها وواحد الحبك حباك أو حبيكة إنكم لفي قول مختلف يحتمل أن يكون خطابا لجميع الناس لأنهم اختلفوا فمنهم مؤمن ومنهم كافر ويحتمل أن يكون خطابا للكفار خاصة لأنهم اختلفوا فقال بعضهم ساحر وقال بعضهم كاهن وقال بعضهم شاعر يؤفك عنه من أفك معنى يؤفك يصرف والضمير في عنه يحتمل أربعة أوجه أحدها أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو للقرآن أو للإسلام والمعنى يصرف عن الإيمان به من صرف أي من سبق في علم

(3/81)


الله أنه مصروف الثاني أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين والمعنى يصرف عن الأيمان به من صرف الثالث أن يكون الضمير للقول المختلف والمعنى يصرف عن ذلك القول إلى الاسلام من قضى الله بسعادته وهذا القول حسن إلا أن عرف الاستعمال في أفك ويؤفك إنما هو في العرف من خير إلى شر وهذا من شر إلى خير الرابع أن يكون الضمير للقول المختلف وتكون عن سببية والمعنى يصرف بسبب ذلك القول من صرف عن الايمان
قتل الخراصون دعاء عليهم كقولهم قاتلك الله وقيل قتل بمعنى لعن قال ابن عطية واللفظ لا يقتضي ذلك وقال الزمخشري أصله الدعاء بالقتل ثم جرى مجرى لعن وقبح والخراصون الكذابون وأصل الخرص التخمين والقول بالظن والاشارة إلى الكفار وقيل إلى الكهان والأول أظهر الذين هم في غمرة ساهون الغمرة ... 661

(3/82)


68 ما يغطى عقل الانسان وأصله من غمرة الماء والمراد به هنا الجهلة والغفلة عن النظر يسئلون أيان يوم الدين أي يقولون متى يوم الدين على وجه الاستبعاد والاستخفاف يوم هم على النار يفتنون هذا جواب عن سؤالهم ومعنى يفتنون يحرقون ويعذبون ومنه قيل للحرة فتين لأن الشمس أحرقت حجارتها ويحتمل أن يكون يومهم معربا والعامل فيه مضمر تقديره يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون وأن يكون مبنيا لإضافته إلى مبنى وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا أو في موضع رفع والتقدير هو يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم أي يقال لهم ذوقوا حرقتكم آخذين ما آتاهم ربهم يعني يأخذون في الجنة ما أعطاهم ربهم من الخيرات والنعيم وقيل المعنى آخذين في الدنيا ما آتاهم ربهم من شرعه والأول أظهر وأرجح لدلالة الكلام عليه
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الهجوع النوم وفي معنى الآية قولان أحدهما وهو الصحيح أنهم كانوا ينامون قليلا من الليل ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء والآخر أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلا ولا كثيرا ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه الأول أن يكون قليلا خبر كانوا وما يهجعون فاعل بقليلا لأن قليلا صفة مشبهة باسم الفاعل وتكون ما مصدرية والتقدير كانوا قليلا هجوعهم من الليل والثاني مثل هذا إلا أن ما موصولة والتقدير كانوا قليلا الذي يهجعون فيه من الليل والثالث أن تكون ما زائدة وقليلا ظرف والعامل فيه يهجعون والتقدير كانوا يهجعون وقتا قليلا من الليل والرابع مثل هذا إلا أن قليلا صفة لمصدر محذوف والتقدير كانوا يهجعون هجوعا قليلا وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان أحدهما أن تكون ما نافية وقليلا ظرف والعامل فيه يهجعون والتقدير كانوا ما يهجعون قليلا من الليل والآخر أن تكون ما نافية وقليلا خبر كان والمعنى كانوا

(3/83)


قليلا في الناس ثم ابتدأ بقوله من الليل ما يهجعون وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فظهر ضعف هذا المعنى لبطلان إعرابه وبالأسحار هم يستغفرون أي يطلبون من الله مغفرة ذنوبهم والأسحار آخر الليل وقد جاء في الحديث أن الله تعالى يقول في الثلث الآخر من الليل من يستغفرني فأغفر له وقيل معنى يستغفرون يصلون وهذا بعيد من اللفظ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم الحق هنا نوافل الصدقات وقيل المراد الزكاة وهذا بعيد لأن الآية مكية وإنما فرضت الزكاة بالمدينة وقيل إن الآية منسوخة بالزكاة وهذا لا يحتاج إليه لأن النسخ إنما يكون مع التعارض ولا تعارض بين الزكاة والنوافل وتسمية النوافل بالحق كقوله حقا على المحسنين وإن كان غير واجب وقال بعض العلماء حق سوى الزكاة ورجحه ابن عطية واختلف الناس في المحروم حتى قال الشعبي أعياني أن أعلم ما المحروم وقيل المحروم الذي ليس له في بيت المال سهم وقيل الذي أجيحت ثمرته وقيل الذي ماتت ماشيته وقيل هو الكلب ... 662

(3/84)


69 وهذه أمثله والمعنى الجامع لها أن المحروم الذي حرمه الله المال بأي وجه كان
وفي أنفسكم إشارة إلى ما في خلقة الإنسان من الآيات والعبر ولقد قال بعض العلماء فيه أن فيه خمسة آلاف حكمة وقال بعضهم الإنسان نسخة مختصرة من العالم وفي السماء رزقكم وما توعدون معنى في السماء رزقكم المطر وقيل القضاء والقدر ويحتمل أن يكون ما توعدون من الوعد والوعيد والكل في السماء ولذلك قيل يعني الجنة والنار وقيل الخير والشر إنه الحق هذا جواب القسم والضمير لما تقدم من الآيات أو الرزق أو لما توعدون مثل ما أنكم تنطقون أي حق مثل نطقكم لا يمكن الشك فيه وما زائدة وقرئ مثل بالنصب والرفع فالرفع صفة لحق والنصب على الحال من حق أو من الضمير المستتر فيه أو صفة لحق وبني لإضافته إلى مبني أو لتركيبه مع ما فيصير نحو أينما وكلما هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين المراد بالاستفهام في مثل هذا التفخيم والتهويل وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين جاؤا ليبشروه بالولد وبإهلاك قوم لوط ووصفهم بالمكرمين لأنهم مكرمون عند الله ولأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم لأنه خدمهم بنفسه وعجل لهم الضيافة والعامل في إذ دخلوا على هذا المكرمين ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره اذكر فقالوا سلاما نصب هذا لأنه في معنى الطلب وهو مفعول بفعل مضمر ورفع الثاني لأنه خبر تقديره أمري سلام وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة وإن كان بمعنى التحية فإنما رفع الثاني ليدل على إثبات السلام فيكون قد حياهم بأكثر مما حيوه وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية تقديره سلمنا عليك سلاما ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره سلام عليكم قوم منكرون أي لم يعرفهم قال ألا تأكلون يحتمل أن يكون ألاحضا على الأكل أو تكون الهمزة للإنكار دخلت على لا النافية فإوجس منهم خيفة إنما خاف منهم لما لم ياكلوا وبشروه بغلام عليم هو إسحاق عليه السلام

(3/85)


لقوله فبشرناها بإسحاق في صرة أي صيحة وذلك قولها ياويلتا أألد وأنا عجوز وهو من صر القلم وغيره إذا صوت وقيل معناه في جماعة من النساء فصكت وجهها أي ضربته حياء منهم وتعجبا من ولادتها وهي عجوز وقالت عجوز عقيم تقديره قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد أو تقديره أتلد عجوز عقيم قال فما خطبكم أي ما شأنكم وخبركم والخطب أكثر ما يقال في الشدائد قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين يعني قوم سيدنا لوط وقد ذكرنا الحجارة ومسومة في هود فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين الضمير المجرور لقرية قوم سيدنا لوط لأن الكلام يدل عليها وإن لم يتقدم ذكرها والمراد بالمؤمنين لوط وأهله أمرهم الله بالخروج ... 663

(3/86)


70 من القرية لينجوا من العذاب الذي أصاب أهلها ووصفهم بالمؤمنين وبالمسلمين لأنهم جمعوا الوصفين وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان في الأحزاب
وفي موسى معطوف على قوله وفي الأرض آيات للموقنين أو على قوله وتركنا فيها آية فتولى بركنه معنى تولى أعرض عن الإيمان وركنه سلطانه وقوته وقالوا ساحر أو مجنون أي قالوا إن موسى ساحر أو مجنون فأو للشك أو للتقسيم وقيل بمعنى الواو وهذا ضعيف ولا يستقيم هنا وهو مليم أي فعل مايلام عليه يعني فرعون الريح العقيم وصفها بالعقم لأنها لا بركة فيها من إنشاء المطر أو إلقاح الشجر كالرميم أي الفاني المنقطع والعموم هنا يراد به الخصوص فيما أذن للريح أن تهلكه وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فيه قولان أحدهما أن الحين هي الثلاثة الأيام بعد عقرهم الناقة والآخر أن الحين من بعد ما بعث صالح عليه السلام إلى حين هلاكهم وعلى هذا يكون فعتوا مترتبا بعد تمتعهم وأما على الأول فيكون إخبارا عن حالهم غير مرتب على ما قبله فأخذتهم الصاعقة يعني الصيحة التي صاحها جبريل وهم ينظرون أي يعاينونها لأنها كانت بالنهار والسماء بنيناها بأيد أي بقوة وانتصاب السماء بفعل مضمر وإنا لموسعون فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه قادرون فهو من الوسع وهو الطاقة ومنه على الموسع قدره أي القوي على الإنفاق والآخر جعلنا السماء واسعة أو جعلنا بينها وبين الأرض سعة والثالث أوسعنا الأرزاق بمطر السماء فنعم الماهدون الماهد الموطئ للموضع ومن كل شئ خلقنا زوجين أي نوعين مختلفين كالليل والنهار والسواد والبياض والصحة والمرض وغير ذلك ففروا إلى الله أمر بالرجوع إليه بالتوبة والطاعة وفي اللفظ تحذير وترهيب أتواصوا به توقيف وتعجيب أي هم بمثابة من أوصى بعضهم بعضا أن يقول ذلك فتول عنهم منسوخ بالسيف فما أنت بملوم أي قد بلغت الرسالة فلالوم عليك وما خلقت

(3/87)


الجن والإنس إلا ليعبدون قيل معناه خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي وقيل ليتذللوا لي فإن جميع الإنس والجن متذلل ما أريد ... 664
71 منهم من رزق ) أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم وما أريد أن يطعمون أي لا أريد أن يطعمون لأني منزه عن الأكل وعن صفات البشر وأنا غني عن العالمين وقيل المعنى ما أريد أن يطعموا عبيدي فحذف المضاف تجوزا وقيل معناه ما أريد أن ينفعوني لأني غني عنهم وعبرعن النفع العام بالإطعام والأول أظهر المتين أي الشديد القوة فإن للذين ظلموا ذنوبا الذنوب النصيب ويريد به هنا نصيبا من العذاب وأصل الذنوب الدلو والمراد بالذين ظلموا كفار قريش وبأصحابهم من تقدم من الكفار فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون يحتمل أن يريد يوم القيامة أو يوم هلاكهم ببدر والأول أرجح لقوله في المعارج ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون يعني يوم القيامة
سورة الطور
والطور هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وقيل الطور كل جبل فكأنه أقسم بجنس الجبال وكتاب مسطور قيل هو اللوح المحفوظ وقيل القرآن وقيل صحائف الأعمال في رق منشور الرق في اللغة الصحيفة وخصصت في العرف بما كان من جلد والمنشور خلاف المطوي والبيت المعمور هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا وبهذا عمرانه وهو حيال الكعبة وقيل البيت المعمور الكعبة وعمرانها بالحجاج والطائفين والأول أظهر وهو قول علي وابن عباس والسقف المرفوع يعني السماء والبحر المسجور هو بحر الدنيا وقيل بحر في السماءتحت العرش والأول أظهر وأشهر ومعنى المسجور المملوء ماء وقيل الفارغ من الماء ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة واللغة تقتضي الوجهين لأن اللفظ من الأضداد وقيل معناه الموقد نارا من قولك سجرت التنور واللغة أيضا تقتضي هذا وروى أن جهنم في البحر إن عذاب ربك لواقع هذا جواب القسم

(3/88)


ويعني عذاب الآخرة
يوم تمور السماء مورا أي تجئ وتذهب وقيل تدور وقيل تتشقق والعامل في الظرف واقع ودافع أو محذوف الذين هم في خوض يلعبون الخوض التخبط في الأباطيل شبه يخوض الماء يوم يدعون أي يدفعون بتعنيف ويوم بدل من الظرف المتقدم أفسحر هذا توبيخ للكفار ... 665
72 على ما كانوا يقولونه في الدنيا من أن القرآن سحر أم أنتم لا تبصرون توبيخ أيضا لهم وتهكم بهم أي هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حل بكم كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقائق اصبروا أو لا تصبروا ليس المراد بذلك الأمر بالصبر ولا النهي عنه وإنما المراد التسوية بين الصبر وعدمه في أن كل واحد من الحالين لا ينفعهم ولا يخفف عنهم شيئا من العذاب إنما تجزون ما كنتم تعملون هذا تعليل لما ذكر من عذابهم وليس تعليلا للصبر ولا لعدمه كما قال بعض الناس فاكهين يحتمل أن يكون معناه أصحاب فاكهة فيكون نحو لابن وتامر أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور ووقاهم معطوف على قوله في جنات أو على آتاهم ربهم أو تكون الواو للحال كلوا واشربوا أي يقال لهم كلوا هنيئا صفة لمصدر محذوف تقديره كلوا أكلا هنيئا ويحتمل أن يكون وقع موقع فعل تقديره هنأكم الأكل والشرب بحور عين الحور جمع حوراء وهي الشديدة بياض بياض العين وسواد سوادها والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالها وإنما دخلت الباء في قوله بحور لأنه تضمن قوله زوجناهم معنى قرناهم قاله الزمخشري وقال إن الذين آمنوا معطوف على بحور عين أي قرناهم بحور للتلذذ بهن وبالذين آمنوا للأنس معهم والأظهر أن الكلام تم في قوله بحور عين ويكون والذين آمنوا مبتدأ خبره ألحقنا والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم معنى الآية ما ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر

(3/89)


بهم عينه فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء قيل إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغارا وقيل على الإطلاق في الأبناء المؤمنين وبإيمان في موضع الحال من الذرية والمعنى أنهم اتبعوا آباءهم في الإيمان وقال الزمخشري إن هذا المجرور يتعلق بألحقنا والمعنى عنده بسبب الإيمان ألحقنا بهم ذريتهم والأول أظهر فإن قيل لم قال بإيمان بالتنكير فالجواب أن المعنى بشئ من الايمان لم يكونوا به أهلا لدرجة آبائهم ولكنهم لحقوا بهم كرامة للآباء فالمراد تقليل إيمان الذرية ولكنه رفع درجتهم فكيف إذا كان إيمانا عظيما وما ألتناهم من عملهم من شئ أي ما أنقصناهم من ثواب أعمالهم بل وفينا لهم أجورهم وقيل المعنى ألحقنا ذريتهم بهم وما نقصناهم شيئا من ثواب أعمالهم بسبب ذلك بل فعلنا ذلك تفضلا زيادة إلى ثواب أعمالهم والضمير على القولين يعود على الذين آمنوا وقيل إنه يعود على الذرية كل امرئ بما كسب رهين أي مرتهن فإما أن تنجيه حسناته وإما أن تهلكه سيئاته وأمددناهم بفاكهة الإمداد هو الزيادة ... 666

(3/90)


73 مرة بعد مرة
يتنازعون فيها كأسا أي يتعاطونها إذهم جلساء على الشراب لالغو فيها ولا تأثيم اللغو الكلام الساقط والتأثيم الذنب فهي بخلاف خمر الدنيا غلمان لهم يعني خدامهم كأنهم لؤلؤ مكنون اللؤلؤ الجوهر والمكنون المصون وذلك لحسنه وقيل هو الذي لم يخرج من الصدف قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين أي كنا في الدنيا خائفين من الله والإشفاق شدة الخوف السموم أشد الحر وقيل هو من أسماء جهنم إنا كنا من قبل ندعوه يحتمل أن يكون بمعنى نعبده أو من الدعاء بمعنى الرغبة ومن قبل يعنون في الدنيا قبل لقاء الله إنه هو البر الرحيم البر الذي يبر عباده ويحسن إليهم وقرئ أنه بفتح الهمزة على أن يكون مفعولا من أجله أو يكون هذا اللفظ هو المدعو به وقرئ بكسرها على الاستئناف فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ذكر الناس ثم نفي عنه ما نسبه إليه الكفار من الكهانة والجنون ومعنى بنعمة ربك بسبب إنعام الله عليك أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون أم في هذا الموضع وفيما بعده للاستفهام بمعنى الإنكار والتربص الانتظار وريب المنون حوادث الدهر وقيل الموت وكانت قريش قد قالت إنما هو شاعر ننتظر به ريب المنون فيهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء كزهير والنابغة قل تربصوا أمر على وجه التهديد أم تأمرهم أحلامهم بهذا الأحلام العقول أي كيف تأمرهم عقولهم بهذا والاشارة إلى قولهم هو شاعر أو إلى ماهم عليه من الكفر واالتكذيب وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز كقوله أصلاتك تأمرك أم هم قوم طاغون أم هنا بمعنى بل ويحتمل أن تكون بمعنى بل وهمزة الاستفهام بمعنى الإنكار كما هي في هذه المواضع كلها أم يقولون تقوله أي اختلقه من تلقاء نفسه وضمير الفاعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضمير المفعول للقرآن فليأتوا بحديث مثله رد عليهم وإقامة حجة عليهم

(3/91)


والأمر هنا للتعجيز
أم خلقوا من غير شئ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه أم خلقوا من غير رب أنشأهم واستعبدهم فهم من أجل ذلك لا يعبدون الله الثاني أم خلقوا من غير أب ولا أم كالجمادات فهم لا يؤمرون ولا ينهون كحال الجمادات الثالث أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم فهو على هذا كقوله أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا أم هم الخالقون معناه أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق أم هم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبرون أم عندهم خزائن ربك المعنى أعندهم خزائن الله بحيث يستغنون عن عبادته وقيل أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاءوا ويمنعون من شاءوا ويخصون بالنبوة من شاءوا أم هم ... 667

(3/92)


74 المصيطرون ) أي الأرباب الغالبون وقيل المسيطر المسلط القاهر أم لهم سلم يستمعون فيه يعني أم لهم سلم يصعدون به إلى السماء فيسمعون ما تقول الملائكة بحيث يعلمون صحة دعواهم ثم عجزهم بقوله فليأت مستمعهم بسلطان مبين أي بحجة واضحة على دعواهم أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون معناه أتسألهم عن الإسلام أجرة فيثقل عليهم غرمها فيشق عليهم اتباعك أم عندهم الغيب فهم يكتبون المعنى أعندهم علم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا لا نبعث وإن بعثنا لا نعذب وقيل المعنى فهم يكتبون للناس سننا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب السوائب وشبه ذلك أم يريدون كيدا إشارة إلى كيدهم في دار الندوة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه فالذين كفروا هم المكيدون أي المغلوبون في الكيد والذين كفروا يعني من تقدم الكلام فيهم وهم كفار قريش فوضع الظاهر موضع المضمر ويحتمل أن يريد جميع الكفار أم لهم إله غير الله المعنى هل لهم إله غير الله يعصمهم من عذاب الله ويمنعهم منه وحصر الله في هذه الآية جميع المعاني التي توجب التكبر والبعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم ليبين أن تكبرهم من غير موجب وكفرهم من غير حجة وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء فالمعنى أنهم لو رأوا الكسف ساقطا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا ليس بكسف وإنما هو سحاب مركوم أي كثيف بعضه فوق بعض فذرهم منسوخ بالسيف يومهم الذي فيه يصعقون يعني يوم القيامة والصعقة فيه هي النفخة الأولى وقيل غير ذلك والصحيح ما ذكرنا لقوله في المعارج عن يوم القيامة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون عذابا دون ذلك يعني قتلهم يوم بدر وقيل الجوع بالقحط وقيل عذاب القبر واصبر لحكم ربك أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا لهم فإنا نريك وسبح بحمد ربك

(3/93)


حين تقوم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه قول سبحان الله ومعنى حين تقوم من كل مجلس وقيل أراد حين تقوم وتقعد وفي كل حال وجعل القيام مثالا الثاني أنه الصلوات النوافل والثالث أنه الصلوات الفرائض فحين تقوم الظهر والعصر أي حين تقوم من نوم القائلة ومن الليل المغرب والعشاء وإدبار النجوم الصبح ومن قال هي النوافل جعل إدبار النجوم ركعتي الفجر ... 668
75 سورة النجم
والنجم إذا هوى
فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها الثريا لأنها غلب عليها التسمية بالنجم ومعنى هوى غرب وانتثر يوم القيامة الثاني أنه جنس النجوم ومعنى هوى كما ذكرنا أو انقضت ترجم الشياطين الثالث أنه من نجوم القرآن وهي الجملة التي تنزل وهوى على هذا معناه نزل ما ضل صاحبكم وما غوى هذا جواب القسم والخطاب لقريش وصاحبكم هو النبي صلى الله عليه وسلم فنفى عنه الضلال واالغي والفرق بينهما أن الضلال بغير قصد والغي بقصد وتكسب وما ينطق عن الهوى أي ليس يتكلم بهواه وشهوته إنما يتكلم بما يوحي الله إليه أن هو إلا وحي يوحى يعني القرآن علمه شديد القوى ضمير المفعول للقرآن أو للنبي صلى الله عليه وسلم والشديد القوى جبريل وقيل الله تعالى والأول أرجح لقوله ذي قوة عند ذي العرش والقوى جمع قوة ذو مرة أي ذو قوة وقيل ذو هيئة حسنة والأول هو الصحيح في اللغة فاستوى أي استوى جبريل في الجو إذ رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحراء وقيل معنى استوى ظهر في صورته على ستمائة جناح قد سد الأفق بخلاف ما كان يتمثل به من الصور إذا نزل بالوحي وكان ينزل في صورة دحية وهو بالأفق الأعلى الضمير لجبريل وقيل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأول أصح ثم دنى فتدلى الضميران لجبريل أي دنا من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى في الهواء وهو عند بعضهم من المقلوب تقديره فتدلى فدنا فكان قاب قوسين أو أدنى القاب مقدار المسافة أي كان جبريل من

(3/94)


سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام في القرب بمقدار قوسين عربيتين ومعناه من طرف العود إلى الطرف الآخر وقيل من الوتر إلى العود وقيل ليس القوس التي يرمي بها وإنما هي ذراع تقاس بها المقادير ذكره الثعلبي وقال إنه من لغة أهل الحجاز وتقدير الكلام فكان مقدار مسافة جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام مثل مسافة قوسين ثم حذفت هذه المضافات ومعنى أو أدنى أو أقرب وأو هنا مثل قوله أو يزيدون وأشبه التأويلات فيها أنه إذا نظر إليه البشر احتمل عنده أن يكون قاب قوسين أو يكون أدنى وهذا الذي ذكرنا أن هذه الضمائر المتقدمة لجبريل هو الصحيح وقد ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح وقيل إنها لله تعالى وهذا القول يرد عليه الحديث والعقل إذ يجب تنزيه الله تعالى عن تلك الأوصاف من الدنو والتدلي وغير ذلك فأوحى إلى عبده ما أوحى في هذه الضمائر ثلاثة أقوال الأول أن المعنى أوحى الله إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى الثاني ... 669

(3/95)


76 أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى وعاد الضمير على الله في القولين لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره فهو كقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر الثالث أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى وفي قوله ما أوحى إبهام مراد يقتضي التفخيم والتعظيم ما كذب الفؤاد ما رأى أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بعينه بل صدق بقلبه أن الذي رآه بعينه حق والذي رأى هو جبريل يعني حين رآه بمقدار ملأ الأفق وقيل رأى ملكوت السموات والأرض والأول أرجح لقوله ولقد رأه نزلة أخرى وقيل الذي رآه هو الله تعالى وقد أنكرت ذلك عائشة وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نوراني أراه أفتمارونه على ما يرى هذا خطاب لقريش والمعنى أتجادلونه على ما يرى وكانت قريش قد كذبت لما قال إنه رأى ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى هذا لقد رأى محمد جبريل عليهما الصلاة والسلام مرة أخرى وهو ليلة الإسراء وقيل ضمير المفعول لله تعالى وأنكرت ذلك عائشة وقالت من زعم أن محمدا رأى ربه ليلة الإسراء فقد أعظم الفرية على الله تعالى عند سدرة المنتهى هي شجرة في السماء السابعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمرتها كالقلال وورقها كآذان الفيلة وسميت سدرة المنتهى لأن إليها ينتهي علم كل عالم ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى وقيل سميت بذلك لأن ما نزل من أمر الله يلتقي عندها فلا يتجاوزها ملائكة العلو إلى أسفل ولا يتجاوزها ملائكة السفل إلى أعلى عندها جنة المأوى يعني أن الجنة التي وعدها الله عباده هي عند سدرة المنتهى وقيل هي جنة أخرى تأوى إليها أرواح الشهداء والأول أظهر وأشهر إذ يغشى السدرة ما يغشى فيه إبهام لقصد التعظيم قال ابن مسعود غشيها فراش من ذهب وقيل كثرة الملائكة وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فغشيها ألوان لا أدري ما هي وهذا أولى أن تفسر به الآية ما زاغ البصر وما طغى أي ما

(3/96)


زاغ بصر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عما رآه من العجائب بل أثبتها وتيقنها وما طغى أي ما تجاوز ما رأى إلى غيره لقد رأى من آيات ربه الكبرى يعني ما رأى ليلة الإسراء من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك ويحتمل أن تكون الكبرى مفعولا أو نعتا لآيات ربه والمعنى يختلف على ذلك أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هذه أوثان كانت تعبد من دون الله فخاطب الله من كان يعبدها من العرب على وجه التوبيخ لهم وقال ابن عطية الرؤيا هنا رؤية العين لأن الأوثان المذكورة أجرام مرئية فأما اللات فصنم كان بالطائف وقيل كان بالكعبة وأما العزى فكانت صخرة بالطائف وقيل شجرة فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو بالويل فضربها بالسيف حتى قتلها وقيل كانت بيتا تعظمه العرب وأصل لفظ العزى مؤنثة الأعز وأما مناة فصخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة وكانت أعظم هذه الأوثان قال ابن عطية ولذلك قال تعالى الثالثة الأخرى فأكدها بهاتين الصفتين وقال الزمخشري الأخرى ذم وتحقير أي المتأخرة ... 670

(3/97)


77 الوضيعة القدر ومنه وقالت أخراهم لأولاهم ألكم الذكر وله الأنثى كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأوثان بنات الله فأنكر الله عليهم ذلك أي كيف تجعلون لأنفسكم الأولاد الذكور وتجعلون لله البنات التي هي عندكم حقيرة بغيضة وقد ذكر هذا المعنى في النحل وغيرها ويحتمل أن يكون أنكر عليهم جعل هذه الأوثان شركاء لله تعالى مع أنهن إناث والإناث حقيرة بغيضة عندهم تلك إذا قسمة ضيزى أي هذه القسمة التي قسمتم جائرة غير عادلة يعني جعلهم الذكور لأنفسهم والإناث لله تعالى ووزن ضيزى فعلى بضم الفاء ولكنها كسرت لأجل الياء التي بعدها إن هي إلا أسماء سميتموها الضمير للأوثان وقد ذكر هذا المعنى في الأعراف في قوله أتجادلونني في أسماء إن يتبعون إلا الظن يعني أنهم يقولون أقوالا بغير حجة كقولهم إن الملائكة بنات الله وقولهم إن الأصنام تشفع لهم وغير ذلك أم للإنسان ما تمنى أم هنا للإنكار والانسان هنا جنس بني آدم أي ليس لأحد ما يتمنى بل الأمر بيد الله وقيل إن الإشارة إلى ما طمع فيه الكفار من شفاعة الأصنام وقيل إلى قول العاصي بن وائل لأوتين مالا وولدا وقيل هو تمنى بعضهم أن يكون نبيا والأحسن حمل اللفظ على إطلاقه وكم من ملك في السموات الآية رد على الكفار في قولهم إن الأوثان تشفع لهم كأنه يقول الملائكة الكرام لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بإذن الله فكيف أوثانكم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى معناه أن الملائكة لا يشفعون لشخص إلا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فيه ويرضى عنه ليسمون الملائكة تسمية الأنثى يعني قولهم إن الملائكة بنات الله ثم رد عليهم بقوله وما لهم به من علم ذلك مبلغهم من العلم أي إلى ذلك انتهى علمهم لأنهم علموا ما ينفع في الدنيا ولم يعلموا ما ينفع في الآخرة ليجزي اللام متعلقة بمعنى ما قبلها والتقدير أن الله ملك أمر السموات والأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا

(3/98)


وقيل يتعلق بضل واهتدى كبائر الإثم ذكرنا الكبائر في النساء إلا اللمم فيه أربعة أقوال الأول أنه صغائر الذنوب فالاستثناء على هذا منقطع الثاني أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفلتة والسقطة دون دوام عليها الثالث أنه ما ألموا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي الرابع أنه الهم بالذنوب وحديث النفس به دون أن يفعل أجنة جمع جنين
فلا تزكوا أنفسكم أي لا تنسبوا أنفسكم إلى الصلاح والخير قال ابن ... 671

(3/99)


78 عطية ويحتمل أن يكون نهى عن أن يزكي بعض الناس بعضا وهذا بعيد لأنه تجوز التزكية في الشهادة وغيرها أفرأيت الذي تولى الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل نزلت في العاصي بن وائل وأكدى أي قطع العطاء وأمسك وإبراهيم الذي وفي قيل في طاعة الله في ذبح ولده وقيل وفي تبليغ الرسالة وقيل وفي شرائع الإسلام وقيل وفي الكلمات التي ابتلاه الله بهن وقيل وفي هذه العشر الآيات ألا تزر وازرة وزر أخرى ذكر فيما تقدم وهذه الجملة تفسير لما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
السعي هنا بمعنى العمل وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره وهي حجة لمالك في قوله لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعتق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره ويصل نفعها إلى من فعلت عنه واختلفوا في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله ألحقنا بهم ذريتهم والصحيح أنها محكمة لأنها خبر والأخبار لا تنسخ وفي تأويلها ثلاثة أقوال الأول أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا فلا يلزم في شريعتنا الثاني أن للإنسان ما عمل بحق وله ما عمل له غيره بهبة العامل له فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها الثالث أنها في الذنوب وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد ويدل على هذا قوله بعدها ألا تزر وازرة وزر أخرى وكأنه يقول لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه وأن سعيه سوف يرى قيل معناه يراه الخلق يوم القيامة والأظهر أنه صاحبه لقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وأن إلى ربك المنتهى فيه قولان أحدهما أن معناه إلى الله المصير في الآخرة والآخر أن معناها أن العلوم تنتهي إلى الله ثم يقف العلماء عند ذلك وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا فكرة في الرب وأنه هو أضحك وأبكى قيل معناه أضحك أهل الجنة وأبكى أهل

(3/100)


النار وهذا تخصيص لا دليل عليه وقيل أبكى السماء بالمطر وأضحك الأرض بالنبات وهذا مجاز وقيل خلق في بني آدم الضحك والبكاء والصحيح أنه عبارة عن الفرح والحزن لأن الضحك دليل على السرور والفرح كما أن البكاء دليل على الحزن فالمعنى أن الله تعالى أحزن من شاء من عباده وأسر من شاء وأمات وأحيا يعني الحياة المعروفة والموت المعروف وقيل أحيا بالإيمان وأمات بالكفر والأول أرجح لأنه حقيقة من نطفة يعني المني إذا تمنى من قولك أمنى الرجل إذا خرج منه المني النشأة الأخرى يعني الإعادة للحشر وتمنى يعني أكسب عباده المال وهو من قنية المال وهو كسبه وادخاره وقيل معنى أقنى أفقر وهذا لا تقتضيه اللغة وقيل معناه أرضى وقيل قنع عبده الشعرى نجم في السماء وتسمى كلب الجبار وهما شعريان وهما الغميصاء والعبور وخصها بالذكر دون سائر النجوم لأن ... 672

(3/101)


79 بعض العرب كان يعبدها عادا الأولى وصفها بالأولى لآنها كانت في قديم الزمان فهي الأولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة وقيل أنما سميت أولى لأن ثم عادا أخرى متأخرة وهذا لا يصح وقرأ نافع عادا الأولى بإدغام تنوين عاد في لام الأولى بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام وضعف المزنى والمبرد هذه القراءة وهمز قالون الأولى دون ورش وقرأ الباقون على الأصل بكسر تنوين عادا وإسكان لام الأولى وثمود فما أبقى أي ما أبقى منهم أحدا وقيل ما أبقى عليهم والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى هي مدينة قوم لوط ومعنى أهوى طرحها من علو إلى أسفل وفي قوله ما غشى تعظيم للأمر فبأي آلاء ربك تتمارى هذا مخاطبة للإنسان على الإطلاق معناه بأي نعم ربك تشك هذا نذير من النذر الأولى يعني القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى من النذر الأولى من نوعها وصفتها أزفت الآزفة أي قربت القيامة كاشفة يحتمل لفظة ثلاثة أوجه أن يكون مصدرا كالعافية أي ليس لها كشف وأن يكون بمعنى كاشف والتاء للمبالغة كعلامة وأن يكون صفة لمحذوف تقديره نفس كاشفة أو جماعة كاشفة ويحتمل معناه وجهين أحدهما أن يكون من الكشف بمعنى الإزالة أي ليس لها من يزيلها إذا وقعت والآخر أن يكون بمعنى الاطلاع أي ليس لها من يعلم وقتها إلا الله أفمن هذا الحديث تعجبون الإشارة إلى القرآن وتعجبهم منه إنكاره وأنتم سامدون أي لاعبون لاهون وقيل غافلون مفرطون فاسجدوا لله واعبدوا هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره وقد قال ابن مسعود قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد وسجد كل من كان معه
سورة القمر
اقتربت الساعة أي قربت القيامه ومعنى قربها أنها بقي لها من الزمان قليل بالنسبة إلى ما مضى ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعه كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى وانشق القمر هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/102)


وذلك أن قريشا سألته آية فأراهم انشقاق القمر فقال صلى الله عليه وسلم اشهدوا وقال ابن مسعود انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى دونه وقيل معنى انشق القمر أنه ينشق يوم القيامة وهذا قول باطل ترده الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك وعلى تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر
قوله وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر هذه الضمائر لقريش والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت ... 673

(3/103)


80 قريش سحر محمد القمر ومعنى مستمر دائم وقيل معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل شديد وهو على هذا المعنى من المرة وهي القوة وكل أمر مستقر أي كل شئ لا بد له من غاية فالحق يحق والباطل يبطل ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر الأنباء هنا يراد بها ما ورد في القرآن من القصص والبراهين والمواعظ ومزدجر اسم مصدر بمعنى الازدجار أو اسم موضع بمعنى أنه مظنة أن يزدجر به حكمة بالغة بدل من ما فيه أو خبر ابتداء مضمر فما تغن النذر يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية لمعنى الاستبعاد والإنكار فتول عنهم أي أعرض عنهم لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر العامل في يوم مضمر تقديره اذكر أو قوله يخرجون بعد ذلك وليس العامل فيه تول عنهم لفساد المعنى فقد تم الكلام في قوله تول عنهم فيوقف عليه وقيل المعنى تول عنهم أي يوم يدع الداع والأول أظهر وأشهر والداعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في الصور والشئ النكر الشديد الفظيع وأصله من الإنكار أي هو منكور لأنه لم يرقط مثله والمراد به يوم القيامة خشعا أبصارهم كناية عن الذلة وانتصب خشعا على الحال من الضمير في يخرجون يخرجون من الأجداث أي من القبور كأنهم جراد منتشر شبههم بالجراد في خروجهم من الأرض فكأنه استدلال على البعث كالاستدلال بخروج النبات وقيل إنما شبههم بالجراد في كثرتهم وأن بعضهم يموج في بعض مهطعين أي مسرعين وقيل ناظرين إلى الداع فكذبوا عبدنا يعني نوح عليه السلام ووصفه هنا بالعبودية تشريفا له واختصاصا وازدجر أي زجروه بالشتم والتخويف وقالوا له لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين فدعا ربه أني مغلوب فانتصر أي قد غلبني الكفار فانتصر لي أو انتصر لنفسك وقالت المتصوفة معناه قد غلبتني نفسي حين دعوت على قومي فانتصر مني وهذا بعيد ضعيف ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر عبارة عن كثرة المطر فكأنه يخرج من

(3/104)


أبواب وقيل فتحت في السماء أبواب يومئذ حقيقة والمنهمر الكثير فالتقى الماء ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر أي قد قضى في الأزل ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدر بمقدار معلوم وروى في ذلك أنه علا فوق الأرض أربعين ذراعا وحملناه على ذات ألواح ودسر يعني السفينة والدسر هي المسامير واحدها دسار وقيل هي مقادم السفينة وقيل أضلاعها والأول أشهر تجرى بأعيننا عبارة عن حفظ الله ورعيه لها جزاء لمن كان كفر أي جزاء لنوح وقيل جزاء لله تعالى والأول أظهر وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله والعامل فيه ما تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال ... 674

(3/105)


81 أي جعلنا ذلك كله جزاء لنوح ويحتمل أن يكون قوله كفر من الكفر بالدين والتقدير لمن كفر به فحذف الضمير أو يكون من الكفر بالنعمة لأن نوحا عليه السلام نعمة من الله كفرها قومه فلا يحتاج على هذا إلى الضمير المحذوف
ولقد تركناها آية الضمير للقصة المذكورة أو الفعلة أو السفينة وروى في هذا المعنى أنها بقيت على الجودى حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة فهل من مدكر تحضيض على الادكار فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده ووزن مدكر مفتعل وأصله مدتكر ثم أبدل من التاء دالا وأدغمت فيها الدال فكيف كان عذابي ونذر توقيف فيه تهديد لقريش والنذر جمع نذير ولقد يسرنا القرآن للذكر أي يسرناه للحفظ وهذا معلوم بالمشاهدة فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظا بالغا بخلاف غيره من الكتب وقد روى أنه لم يحفظ شئ من كتب الله عن ظهر قلب إلا القرآن وقيل معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين والحكم البليغة وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله فذوقوا عذابي ونذر لينبه السامع عند كل قصة فيعتبر بها إذ كل قصة من القصص التي ذكرت عبرة وموعظة فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد في قوله فكيف كان عذابي ونذر ومن الملاطفة في قوله ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ريحا صرصرا أي مصوتة فهو من الصرير يعني الصوت وقيل معناه باردة فهو من الصر يوم نحس مستمر روى أنه كان يوم أربعاء حتى رأى بعضهم أن كل يوم أربعاء نحس وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر تنزع الناس أي تقلعهم من مواضعهم كأنهم أعجاز نخل منقعر أعجاز النخل هي أصولها والمنقعر المنقطع فشبه الله عادا لما هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل وقيل كانت الريح تقطع رؤسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس فشبههم بأعجاز النخل لأنها دون أغصان وقيل كانوا حفروا حفرا يمتنعون بها من الريح فهلكوا فيها فشبههم

(3/106)


بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها أبشر هو صالح عليه السلام وانتصب بفعل مضمر والمعنى أنهم أنكروا أن يتبعوا بشرا وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة ثم زادوا أن أنكروا أن يتبعوا واحدا وهم جماعة كثيرون وسعر أي عناد وقيل معناه جنون وقيل معناه هم و غم وأصله من السعير بمعنى النار وكأنه احتراق النفس بالهم ءألقى الذكر عليه من بيننا أنكروا أن يخصه الله بالنبوة دونهم وذلك جهل منهم فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء أشر بطر متكبر ونبئهم أن الماء قسمه بينهم أي لهم يوم وللناقة يوم من غير أن يتعدوا على الناقة فالضمير في نبئهم يعود على ثمود وعلى الناقة تغليبا للعقلاء وقيل إن الضمير لثمود والمعنى لا يتعدى بعضهم على بعض كل شرب محتضر أي مشهود فنادوا صاحبهم يعني عاقر الناقة واسمه قدار ... 675

(3/107)


82 وهو أحيمر ثمود وأشقاها فتعاطى أي اجترأ على أمر عظيم وهو عقر الناقة وقيل تعاطى السيف صيحة واحدة صاح بها جبريل صيحة فماتوا منها
فكانوا كهشيم المحتظر الهشيم هو ما تكسر وتفتت من الشجر وغيرها والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو ذلك أو يكون تحليقا للمواشي أو السكنى فشبه الله ثمود لما هلكوا بما يتفتت من الحظيرة من الأوراق وغيرها وقيل المحتظر المحترق حاصبا ذكر في العنكبوت فتماروا بالنذر تشككوا ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم الضيف هنا هم الملائكة الذين أرسلهم الله إلى لوط ليهلكوا قومه وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم فاستوت مع وجوههم وقيل إن الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحدا أكفاركم خير من أولائكم هذا خطاب لقريش على وجه التهديد والهمزة للإنكار ومعناه هل الكفار منكم خير عند الله من الكفار المتقدمين المذكورين بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم رسلكم بل الذي أهلكهم يهلككم أم لكم براءة في الزبر معناه أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب أم يقولون نحن جميع منتصر أي نحن نجتمع وننتصر لأنفسنا بالقتال سيهزم الجمع ويولون الدبر هذا وعد من الله لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة إن المجرمين في ضلال وسعر المراد بالمجرمين هنا الكفار وضلالهم في الدنيا والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق وقيل أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم إنا كل شئ خلقناه بقدر والأول أظهر يسحبون في النار أي يجرون فيها إنا كل شئ خلقناه بقدر المعنى أن الله خلق كل شئ بقدر أي بقضاء معلوم سابق في الأزل ويحتمل أن يكون معنى بقدر بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك والأول أرجح وفيه حجة لأهل السنة على القدرية وانتصب كل شئ بفعل مضمر

(3/108)


يفسره خلقناه وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر عبارة عن سرعة التكوين ونفوذ أمر الله والواحدة يراد بها الكلمة وهي ... 676
83 قوله كن ولقد أهلكنا أشياعكم يعني أشياعكم من الكفار وكل شئ فعلوه في الزبر أي كل ما فعلوه مكتوب في صحائف الأعمال مستطر أي مكتوب وهو من السطر تقول سطرت واستطرت بمعنى واحد والمراد الصغير والكبير من أعمالهم وقيل جميع الأشياء ونهر يعني أنهار الماء والخمر واللبن والعسل واكتفى باسم الجنس في مقعد صدق أي في مكان مرضي
سورة الرحمن عز وجل
الرحمن علم القرآن
هذا تعديد نعمة على من علمه الله القرآن وقيل معنى علم القرآن جعله علامة وآية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر وارتفع الرحمن بالابتداء والأفعال التي بعده أخبار متواليه ويدل على ذلك مجيئها بدون حرف عطف خلق الإنسان قيل جنس الناس وقيل يعني آدم وقيل يعني سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا دليل على التخصيص والأول أرجح علمه البيان يعني النطق والكلام الشمس والقمر بحسبان أي يجريان في الفلك بحسبان معلوم وترتيب مقدر وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير والنجم والشجر يسجدان النجم عند ابن عباس النبات الذي لا ساق له كالبقول والشجر النبات الذي له ساق وقيل النجم جنس نجوم السماء والسجود عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى وقيل سجود الشمس غروبها وسجود الشجر ظله ووضع الميزان يعني الميزان المعروف الذي يوزن به الطعام وغيره وكرر ذكره اهتماما به وقيل أراد العدل ولا تخسروا الميزان أي لا تنقصوا إذا وزنتم للأنام أي للناس وقيل الإنس والجن وقيل الحيوان كله الأكمام يحتمل أن يكون جمع كم بالضم وهو ما يغطي ويلف النخل من الليف وبه شبه كم القميص أو يكون جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة العصف ورق الزرع وقيل التين والريحان قيل هو الريحان المعروف وقيل كل مشموم

(3/109)


طيب الريح من النبات وقيل هو الرزق فبأي آلاء ربكما تكذبان الآلاء هي النعم واحدها إلى على وزن معي وقيل إلى على وزن قضى وقيل ألى على وزن أمد أو على وزن حصر والخطاب للثقلين الإنس والجن بدليل قوله سنفرغ لكم أيها الثقلان روى أن هذه الآية لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت أصحابه فقال جواب الجن خير من سكوتكم إني لما قرأتها على الجن قالوا لا نكذب بشئ من آلاء ربنا وكرر هذه الآية تأكيدا ومبالغة وقيل إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس ... 677

(3/110)


84 بتأكيد لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات
خلق الإنسان من صلصال كالفخار الإنسان هو آدم والصلصال الطين اليابس فإذا طبخ فهو فخار وخلق الجان من مارج من نار الجان الجن يعني إبليس والد الجن والمارج اللهيب المضطرب من النار رب المشرقين ورب المغربين يريد مشرق الشمس والقمر ومغرب الشمس والقمر وقيل مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما مرج البحرين يلتقيان ذكر في الفرقان أي يلتقي ماء هذا وماء هذا وذلك إذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون فالتقاؤهما بانصباب الأنهار في البحر وأما على قول من قال إن االبحرين بحر فارس وبحر الروم أو بحر القلزم واليمن فضعيف لقوله في الفرقان هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وكل واحد من هذه أجاج والمراد بالبحرين في هذه السورة ما أراد في الفرقان بينهما برزخ أي حاجز يعني جرم الأرض أو حاجز من قدرة الله لا يبغيان أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالاختلاط وقيل لا يبغيان على الناس بالفيض يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان اللؤلؤ كبار الجوهر والمرجان صغاره وقيل بالعكس وقيل إن المرجان أحجار حمر قال ابن عطية وهذا هو الصواب وأما قوله منهما ولا يخرج إلا من أحدهما فقد تكلمنا عليه في فاطر وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام يعني السفن وسماها منشآت لأن الناس ينشؤنها وقرئ بكسر الشين بمعنى أنها تنشئ السير أو تنشئ الموج والأعلام الجبال شبه السفن بها كل من عليها فان الضمير في عليها للأرض يدل على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر ويعني بمن عليها بني آدم وغيرهم من الحيوان ولكنه غلب العقلاء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام الوجه هنا عبارة عن الذات وذو الجلال صفة الذات لأن من أسمائه تعالى الجليل ومعناه يقرب من معنى العظيم وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال

(3/111)


ولقد كرمنا بني آدم أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته يسأله من في السموات والأرض المعنى أن كل من في السموات والأرض يسأل حاجته من الله فمنهم من يسأله بلسان المقال وهم المؤمنون ومنهم من يسأله بلسان الحال لافتقار الجميع إليه كل يوم هو في شأن المعنى أنه تعالى يتصرف في ملكوته تصرفا يظهر في كل يوم من العطاء والمنع والإماتة والإحياء وغير ذلك وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها فقيل له وما ذلك الشأن قال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وسئل بعضهم كيف قال كل يوم هو في شأن والقلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة فقال هو في شأن يبديه لا في شأن يبتديه سنفرغ لكم أيه الثقلان معناه الوعيد كقولك لمن تهدده سأفرغ لعقوبتك وليس المراد التفرغ من ... 678

(3/112)


85 شغل ويحتمل أن يريد انتهاء مدة الدنيا وإنه حينئذ ينقضي شأنها فلا يبقى إلا شأن الآخرة فعبر عن ذلك بالتفرغ قال جعفر بن محمد سمى الإنس والجن ثقلين كأنهما ثقلا بالذنوب إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا هذا كلام يقال للجن والإنس يوم القيامة أي إن قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا وروى أنهم يفرون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة قد أحاطت بالأرض فيرجعون وقيل بل خوطبوا بذلك في الدنيا والمعنى إن استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا وقوله فانفذوا أمر يراد به التعجيز لا تنفذون إلا بسلطان أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وليس لكم قوة يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس الشواظ لهيب النار والنحاس الدخان وقيل هو الصفر يذاب ويصب على رؤسهم وقرئ شواظ بضم الشين وكسرها وهما لغتان وقرئ نحاس بالرفع عطف على شواظ وبالخفض عطف على نار فإذا انشفت السماء جواب إذا قوله فيومئذ وقال ابن عطية جوابها محذوف فكانت وردة كالدهان معنى وردة حمراء كالوردة وقيل هو من الغرس الورد قال قتادة السماء اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء و الدهان جمع دهن كالزيت وشبهه شبه السماء يوم القيامة به لأنها تذاب من شدة الهول وقيل يشبه لمعانها بلمعان الدهن وقيل إن الدهان هو الجلد الأحمر فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان السؤال المنفي هنا هو على وجه الاستخبار وطلب المغفرة إذ لا يحتاج إلى ذلك لأن المجرمين يعرفون بسيماهم ولأن أعمالهم معلومة عند الله مكتوبة في صحائفهم وأما السؤال الثابت في قوله فوربك لنسألنهم أجمعين وغيره فهو سؤال على وجه الحساب والتوبيخ فلا تعارض بين المنفي والمثبت وقيل إن ذلك باختلاف المواطن والأول أحسن يعرف المجرمون بسيماهم يعني بعلامتهم وهي سواد الوجوه وغير ذلك والمجرمون هنا الكفار بدليل قوله هذه جهنم التي

(3/113)


يكذب بها المجرمون فيؤخذ بالنواصي والأقدام قيل معناه يؤخذ بعض الكفار بناصيته وبعضهم بقدميه وقيل بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه فيطوى ويطرح في النار يطوفون بينها وبين حميم آن الحميم الماء السخن والآن الشديد الحرارة وقيل الحاضر من قولك آن الشئ إذا حضر والأول أظهر ولمن خاف مقام ربه جنتان مقام ربه القيام بين يديه للحساب ومنه يوم يقوم الناس لرب العالمين وقيل قيام الله بأعماله ومنه أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وقيل معناه لمن خاف ربه وأقحم المقام كقولك خفت جانب فلان واختلف ... 679

(3/114)


86 هل الجنتان لكل خائف على انفراده أو للصنف الخائف وذلك مبني على قوله لمن خاف مقام ربه هل يراد به واحد أو جماعة وقال الزمخشري إنما قال جنتان لأنه خاطب الثقلين فكأنه قال جنة للإنس وجنة للجن ذواتا أفنان ثنى ذات هنا على الأصل لأن أصله ذوات قاله ابن عطية والأفنان جمع فنن وهو الغصن أو جمع فن وهو الصنف من الفواكه وغيرها من كل فاكهة زوجان أي نوعان وجنا الجنتين دان الجنا هو ما يجتنى من الثمار ودان قريب وروى أن الإنسان يجتني الفاكهة في الجنة على أي حال كان من قيام أو قعود أو اضطجاع لأنها تتدلى له إذا أرادها وفي قوله جنا الجنتين ضرب من ضروب التجنيس قاصرات الطرف ذكر في الصافات
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان المعنى أنهن أبكار ولم يطمثهن معناه لم يفتضهن وقبل الطمث الجماع سواء كان لبكر أو غيرها ونفى أن يطمثهن إنس أو جان مبالغة وقصدا للعموم فكأنه قال لم يطمثهن شئ وقيل أراد لم يطمث نساء الإنس إنس ولم يطمث نساء الجن جن وهذا القول بأن الجن يدخلون الجنة ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر كأنهن الياقوت والمرجان شبه النساء بالياقوت والمرجان في الحمرة والجمال وقد ذكرنا المرجان في أول السورة هل جزاء الإحسان إلا الإحسان المعنى أن جزاء من أحسن بطاعة الله أن يحسن الله إليه بالجنة ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وذلك هو مقام المراقبة والمشاهدة فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين الجنتين ويقوى هذا أنه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام العلى وجعل جنتين دونها لمن كان دون ذلك فالجنتان االمذكورتان أولا للسابقين والجنتان المذكورتين ثانيا بعد ذلك لأصحاب اليمين حسبما ورد في الواقعة وانظر كيف جعل أوصاف هاتين الجنتين أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما فقال هنا عينان تجريان وقال

(3/115)


في الآخرتين عينان نضاختان والجرى أشد من النضخ وقال هنالك من كل فاكهة زوجان وقال هنا فاكهة ونخل ورمان وكذلك صفة الحور هنا أبلغ من صفتها هنالك وكذلك صفة البسط ويفسر ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم جنتان من ذهب آنيتهما وكل ما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وكل ما فيهما مدهامتان أي تضربان إلى السواد من شدة الخضرة عينان نضاختان أي تفوران بالماء والنضخ بالخاء المعجمة أشد من النضخ بالحاء المهملة فاكهة ونخل ... 680

(3/116)


87 ورمان ) خص النخل والرمان بالذكر بعد دخولهما في الفاكهة تشريفا لهما وبيانا لفضلهما على سائر الفواكه وهذا هو التجريد
خيرات حسان
خيرات جمع خيرة وقال الزمخشري وغيره أصله خيرات بالتشديد ثم خفف كميت وقرئ بالتشديد قالت أم سلمة يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى خيرات حسان قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه حور مقصورات في الخيام الحور جمع حوراء والمقصورات المحجوبات لأن النساء يمدحن بملازمة البيوت ويذممن بكثرة الخروج والخيام هي البيوت التي من الخشب والحشيش ونحو ذلك وخيام الجنة من اللؤلؤ متكئين على رفرف خضر الرفرف البسط وقيل الوسائد وقيل رياض الجنة وعبقري حسان العبقري الطنافس وقيل الزرابي وقيل الديباج الغليظ وهو منسوب إلى عبقري وتزعم العرب أنه بلد الجن فإذا أعجبتها شئ نسبته إليه تبارك اسم ربك ذكر تبارك في الفرقان وغيرها والاسم هنا يراد به المسمى على الأظهر وقرأ الجمهور ذي الجلال بالياء صفة لربك وقرأ ابن عامر بالواو صفة للاسم وقد ذكر معنى ذي الجلال والإكرام
سورة الواقعة
روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدا ولما حضرت ابن مسعود الوفاة قيل له ما تركت لبناتك قال تركت لهن سورة الواقعة إذا وقعت الواقعة يعني إذا قامت القيامة فالواقعة اسم من أسماء القيامة تدل على هو لها كالطامة والصاخة وقيل الواقعة الصيحة وهي النفخة في الصور وقيل الواقعة صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة وهذا بعيد ليس لوقعتها كاذبة يحتمل ثلاثة أوجه الأول أن تكون الكاذبة مصدر كالعافية والمعنى ليس لها كذب ولا رد الثاني أن تكون كاذبة صفة محذوف كأنه قال ليس لها حالة كاذبة أي هي صادقة الوقوع ولا بد وهذا المعنى قريب من الأول الثالث أن يكون التقدير ليس لها نفس كاذبة أي تكذيب في إنكار البعث لأن كل نفس تؤمن حينئذ خافضة رافعة تقديره هي خافضة رافعة

(3/117)


فينبغي أن يوقف على ما قبله لبيان المعنى والمراد بالخفض والرفع أنها تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة وقيل ذلك عبارة عن هولها لأن السماء تنشق والأرض تتزلزل وتمر والجبال تنسف فكأنها تخفض بعض هذه الأجرام وترفع بعضها إذا رجت الأرض رجا أي زلزلت وحركت تحريكا شديدا وإذا هنا بدل من إذا ... 681
88 وقعت ويحتمل أن يكون العامل فيه خافضة رافعة وبست الجبال بسا أي فتتت وقيل سيرت هباء منبثا الهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا تكاد ترى إلا في الشمس إذا دخلت على كوة قاله ابن عباس وقال علي بن أبي طالب هو ما تطاير من حوافر الدواب من التراب وقيل ما تطاير من شررالنار فإذا طفى لم يوجد شيئا والمنبث المتفرق وكنتم أزواجا ثلاثة هذا خطاب لجميع الناس لأنهم ينقسمون يوم القيامة إلى هذه الأصناف الثلاثة وهم السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأما السابقون فهم أهل الدرجات العلا في الجنة وأما أصحاب اليمين فهم سائر أهل الجنة وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة هذا ابتداء خبر فيه معنى التعظيم كقولك زيد ما زيد والميمنة يحتمل أن تكون مشتقة من اليمن وهو ضد الشؤم وتكون المشأمة به مشتقة من الشؤم أو تكون الميمنة من ناحية اليمين والمشأمة من ناحية الشمال واليد الشؤمى هي الشمال وذلك لأن العرب تجعل الخير من اليمين والشر من الشمال أو لأن أهل االجنة يحملون إلى جهة اليمين وأهل النار يحملون إلى جهة الشمال أو يكون من أخذ الكتاب باليمين أو الشمال والسابقون السابقون الأول مبتدأ والثاني خبره على وجه التعظيم كقولك أنت أنت أو على معنى أن السابقين إلى طاعة الله هم السابقون إلى الجنة وقيل إن السابقون الثاني صفة للأول أو تأكيد والخبر أولئك المقربون والأرجح أن يكون الثاني خبر الأول لأنه في مقابلة قوله أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما

(3/118)


أصحاب المشأمة وعلى هذا يوقف على السابقون الثاني ويبتدئ بما بعده ثلة من الأولين وقليل من الآخرين الثلة الجماعة من الناس فالمعنى أن السابقين من الأولين أكثر من السابقين من الآخرين والأولون هم أول هذه الأمة والآخرون المتأخرون من هذه الأمة والدليل على ذلك ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفرقتان في أمتي وذلك لأن صدر هذه الأمة خير ممن بعدهم فكثر السابقون من السلف الصالح وقلوا بعد ذلك ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقيل إن الفرقتين في أمة كل نبي فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ويقلون في آخرها وقيل أن الأولين هم من كان قبل هذه الأمة والآخرين هم هذه الأمة فيقتضي هذا أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من السابقين من هذه الأمة وهذا بعيد وقيل إن السابقين يراد بهم الأنبياء لأنهم كانوا في أول الزمان أكثر مما كانوا في آخره على سرر موضونة السرر جمع سرير والموضونة المنسوجة وقيل المشبكة بالدر والياقوت وقيل معناه متواصلة قد أدنى بعضها من بعض متقابلين أي وجوه بعضهم إلى بعض ولدان مخلدون الولدان صغار الخدم والمخلدون الذين لا يموتون وقيل المقرطون بالخلدات وهي ضرب من الإفراط والأول أظهر بأكواب وأباريق الأكواب جمع كوب وهو الإناء وهو الذي لا أذن له ولا خرطوم يمسك به والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم أو أذن يمسك وكأس من معين ذكر في الصافات ... 682

(3/119)


89 لا يصدعون عنها ولا ينزفون أي لا يلحق رءوسهم الصداع الذي يصيب من خمر الدنيا وقيل لا يفرقون عنها فهو من الصدع وهو الفرقة ومعنى لا ينزفون لا يسكرون وفاكهة مما يتخيرون قيل يتخيرون ما شاؤا لكثرتها وقيل مخيرة مرضية وحور عين قدمنا معناه وقرئ بالرفع على تقدير فيها حور أو عطف على الضمير في متكئين أو على ولدان وبالخفض عطف على المعنى كأنه قال ينعمون بهذا كله وبحور عين وقيل خفض على الجوار كامثال اللؤلؤ المكنون شبههن باللؤلؤ في البياض ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حسنه وسألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه فقال صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما اللغو الكلام الساقط كالفحش وغيره والتأثيم مصدر بمعنى لا يؤثم أحد هناك نفسه ولا غيره إلا قيلا سلاما سلاما انتصب سلاما على أنه بدل من قيلا أو صفة له أو مفعول به لقيلا لأن معناه قولا ومعنا السلام على هذا التحية والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام ويحتمل أن يكون معناه السلامة فينتصب بفعل مضمر تقديره أسلموا سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين هذا مبتدأ وخبره قصد به التعظيم فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده ويحتمل أن يكون الخبر في سدر ويكون ما أصحاب اليمين اعتراضا والأول أحسن وكذلك إعراب أصحاب الشمال في سدر مخضود السدر شجر معروف قال ابن عطية هو الذي يقال له شجر أم غيلان وهو كثير في بلاد المشرق وهي في بعض بلاد الأندلس دون بعض والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه وذلك أن سدر الدنيا له شوك فوصف سدر الجنة بضد ذلك وقيل المخضود هو الموقر الذي انثنت أغصانه من كثرة حمله فهو على هذا من خضد الغصن إذا ثناه وطلح منضود الطلح شجر عظيم كثير الشوك قاله ابن عطية وقال الزمخشري هو شجر الموز وحكى ابن عطية هذا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وقرأ علي بن أبي

(3/120)


طالب وطلع منضود بالعين فقيل له إنما هو وطلح بالحاء فقال ما للطلح والجنة فقيل له أنصلحها في المصحف فقال المصحف اليوم لا يغير والمنضود الذي تنضد بالثمر من أعلاه إلى أسفله حتى لا يظهر له ساق وظل ممدود أي منبسط لا يزول لأنه لا تنسخه الشمس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤا إن شئتم وظل ممدود وماء مسكوب أي مصبوب وذلك عبارة عن كثرته وقيل المعنى أنه جار في غير أخاديد وقيل المعنى أنه يجري من غير ساقية ولا دلو ولا تعب لا مقطوعة ولا ممنوعة أي لا ينقطع إبانها كفاكهة الدنيا فإن شجر الجنة يثمر في كل وقت ولا تمتنع ببعد تناولها ولا بغير ذلك من وجوه المنع وفرش مرفوعة هي الأسرة وقد روى ارتفاع السرير منها مسيرة خمسمائة عام وقيل هي النساء وهذا بعيد إنا أنشأناهن الضمير لنساء الجنة فإن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكرهن ولكن تقدم ذكر الفرش ... 683

(3/121)


90 وهي تدل على النساء وأما من قال إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها وقيل يعود على الحور العين المذكورة قبل هذا وذلك بعيد فإن ذلك في وصف جنات السابقين وهذا في وصف جنات أصحاب اليمين ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقا آخر في غاية الحسن بخلاف الدنيا فالعجوز ترجع شابة والقبيحة ترجع حسنة فجعلناهن أبكارا روى أنهن دائمات البكارة متى عاود الوطء وجدها بكرا عربا جمع عروب وهي المتوددة إلى زوجها بإظهار محبته وعبر عنهن ابن عباس بأنهن العواشق لأزواجهن وقيل هي الحسنة الكلام أترابا لأصحاب اليمين أي مستويات في السن مع أزواجهن وروى أنهن يكونون في سن أبناء ثلاث وثلاثين عاما ولأصحاب اليمين يتعلق بقوله أنشأناهن على ما قاله الزمخشري ويحتمل أن يتعلق بأترابا وهذا هو الذي يقتضيه المعنى أي أترابا لأزواجهن ثلة من الأولين وثلة من الآخرين أي جماعة من أول هذه الأمة وجماعة من آخرها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرقنان من أمتي وفي ذلك رد على من قال إنهما من غير هذه الأمة وتأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين بخلاف السابقين فإنهم قليل في الآخرين وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها لفضيلة السلف الصالح وأما أصحاب اليمين فكثير في أولها وآخرها في سموم وحميم وظل من يحموم السموم الحر الشديد والحميم الماء الحار جدا واليحموم هو الأسود وظل من يحموم هو الدخان في قول الجمهور وقيل سرادق النار المحيط بأهلها فإنه يرتفع من كل جهة حتى يظلهم وقيل هو جبل في جهنم وكانوا يصرون على الحنث العظيم معنى يصرون يدومون من غير إقلاع والحنث هو الإثم وقيل هو الشرك وقيل هو الحنث في اليمين أو اليمين الغموس أئذا متنا الآية معناها أنهم أنكروا البعث بعد الموت وقد ذكرنا قراءة الاستفهامين في الرعد وآباؤنا في الصافات أيها الضالون خطابا

(3/122)


لكفار قريش وسائر الكفار فشاربون عليه الضمير للمأكول فشاربون شرب الهيم وزن الهيم فعل بضم الفاء وكسرت الهاء لأجل الياء وهو جمع أهيم وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم والأنثى هيماء وقيل جمع هائم وهائمة وقيل الهيم الرمال التي لا تروى من الماء وهو على هذا جمع هيام بفتح الهاء وقرئ شرب بضم الشين واختلف هل هو مصدر أو اسم المشروب وقرئ بالفتح وهو مصدر فإن قيل كيف عطف قوله فشاربون على شاربون ومعناهما واحد فالجواب أن المعنى مختلف لأن الأول يقتضي الشرب مطلقا والآخر يقتضي الشرب الكثير المشبه لشرب الهيم هذا نزلهم النزل أول ما يأكله الضيف فكأنه يقول هذا أول عذابهم فما ظنك بسائره فلولا تصدقون تحضيض على التصديق إما بالخالق تعالى وإما بالبعث لأن ... 684

(3/123)


91 الحلقة الأولى دليل عليه أفرأيتم ما تمنون هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة براهين على الوحدانية وعلى البعث وتتضمن أيضا وعيد وتعديد نعم ومعنى تمنون تقذفون المني في رحم المرأة أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله هو الخالق لا إله إلا هو نحن قدرنا بينكم الموت أي جعلناه مقدرا بآجال معلومة وأعمار منها طويل وقصير ومتوسط وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون المسبوق على الشئ هو المغلوب عليه بحيث لا يقدر عليه ونبدل أمثالكم معناه نهلككم ونستبدل قوما غيركم وقيل نمسخكم قردة وخنازير وننشئكم معناه نبعثكم بعد هلاككم وفيما لا تعلمون معناه ننشئكم في خلقة لا تعلمونها على وجه لا تصل عقولكم إلى فهمه فمعنى الآية أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن يبعثهم ففيها تهديد واحتجاج على البعث فلولا تذكرون تحضيض على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة وفي هذا دليل على صحة القياس أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون المراد بالزراعة هنا إنبات ما يزرع وتمام خلقته لأن ذلك مما انفرد الله به ولا يدعيه غيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت والمراد بالحرث قلب الأرض وإلقاء الزريعة فيها وقد يقال لهذا زرع ومنه قوله يعجب الزراع لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون الحطام اليابس المفتت وقيل معناه تبن بلا قمح فظلتم تفكهون أي تطرحون الفاكهة وهي المسرة يقال رجل فكه إذا كان مسرورا منبسط النفس ويقال تفكه إذا زالت عنه الفكاهة فصار حزينا لأن صيغة تفاعل تأتي لزوال الشئ كقولهم تحرج وتأثم إذا زال عنه الحرج والإثم فالمعنى صرتم تحزنون على الزرع لو جعله الله حطاما وقد عبر بعضهم عن تفكهون بأن معناه تتفجعون وقيل تدمون وقيل تعجبون وهذه معان متقاربة والأصل ما ذكرنا إنا لمغرمون بل نحن محرومون تقديره

(3/124)


تقولون ذلك لو جعل الله زرعكم حطاما والمغرم المعذب لأن الغرام هو أشد العذاب ويحتمل أن يكون من الغرم أي مثقلون بما غرمنا من النفقة على الزرع والمحروم الذي حرمه الله الخير من المزن هي السحاب والأجاج الشديد الملوحة فإن قيل لم ثبتت اللام في قوله لو نشاء لجعلناه حطاما وسقطت في قوله لو نشاء جعلناه أجاجا فالجواب من وجهين أحدهما أنه أغنى إثباتها أولا عن إثباتها ثانيا مع قرب الموضعين والآخر أن هذه اللام تدخل للتأكيد فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب لأن الإنسان لا يشرب إلا بعد أن يأكل النار التي تورون أي تقدحونها من الزناد والزناد قد يكون من حجرين ومن حجر وحديده ومن شجر وهو المرخ والعصار ولما كانت عادة العرب في زنادهم من شجر قال الله تعالى ءأنتم أنشأتم شجرتها أي الشجرة التي تزند ... 685

(3/125)


92 النار منها وقيل أراد بالشجرة نفس النار كأنه يقول نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك وهذا بعيد نحن جعلناها تذكرة أي تذكر بنار جهنم ومتاعا للمقوين المتاع ما يتمتع به ويحتمل المقوين أن يكون من الأرض القواء وهي القيا في ومعنى المقوين الذين دخلوا في القواء ولذلك عبر ابن عباس عنه بالمسافرين ويحتمل أن يكون من قولهم أقوى المنزل إذا خلا فمعناه الذين خلت بطونهم أو موائدهم من الطعام ولذلك عبر بعضهم عنه بالجائعين فلا أقسم بمواقع النجوم لا في هذا الموضع وأمثاله زئداة وكأنها زيدت لتأكيد القسم أو لاستفتاح الكلام نحو ألاوقير هي نافية لكلام الكفار كأنه يقول لا صحة لما يقول الكفار وهذا ضعيف والأول أحسن لأن زيادة لا كثيرة معروفة في كلام العرب ومواقع النجوم فيه قولان أحدهما قال ابن عباس إنها نجوم القرآن إذ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مقطعا بطول عشرين سنة فكل قطعة منه نجم والآخر قول كثير من المفسرين أن النجوم الكواكب ومواقعها مغاربها ومساقطها وقيل مواضعها من السماء وقيل انكدارها يوم القيامة وإنه لقسم لو تعلمون عظيم هذه جملة اعتراض بين القسم وجوابه وقوله لو تعلمون اعتراض بين الموصوف وصفته فهو اعتراض في اعتراض والمقصود بذلك تعظيم المقسم به وهو مواقع النجوم وجواب القسم إنه لقرآن كريم وأعاد الضمير على القرآن لأنه المعنى يقتضيه أو لأنه مذكور على قول من قال إن مواقع النجوم نزول القرآن في كتاب مكنون أي مصون والمراد بهذا االكتاب المكنون المصاحف التي كتب فيها القرآن أو صحف القرآن التي بأيدي الملائكة عليهم لسلام لا يمسه إلا المطهرون الضمير يعود على الكتاب المكنون ويحتمل أن يعود على القرآن المذكور قبله إلا أن هذا ضعيف لوجهين أحدهما أن مس الكتاب حقيقة ومس القرآن مجاز والحقيقة أولى من المجاز والآخر أن الكتاب أقرب والضمير يعود على أقرب مذكور فإذا قلنا إنه يعود على الكتاب

(3/126)


المكنون فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة فالمطهرون يراد بهم الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب والآية إخبار بأنه لا يمسه إلا هم دون غيرهم وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس فيحتمل أن يريد بالمطهرين المسلمين لأنهم مطهرون من الكفر أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر وهي الجنابة أو الحيض فالطهارة على هذا الاغتسال أو المطهرين من الحدث الأصغر فالطهارة على هذا الوضوء ويحتمل أن يكون قوله لا يمسه خبرا أو نهيا على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيا وقال لو كان نهيا لكان بفتح السين وقال المحققون إن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوما أو اتصل به ضمير االمفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين إتباعا لحركة الضمير وإذا جعلناه خبرا فيحتمل أن يقصد به مجرد الإخبار أو يكون خبرا بمعنى النهي وإذا كان لمجرد الإخبار فالمعنى أنه لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون أي هذا حقه وإن وقع خلاف ذلك واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية فأجمعوا على أنه لا يجوز أن لا يمسه كافر لأنه إن أراد بالمطهرين المسلمين فذلك ظاهر وإن أراد الطهارة من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك وأما الحدث ففيه ثلاثة أقوال الأول أنه لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث حدثا أصغر وهو ... 686

(3/127)


93 قول مالك وأصحابه ومنعوا أيضا أن يحمله بعلاقة أو وسادة وحجتهم الآية على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة ومن حجتهم أيضا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر الثاني أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية وحملوا المطهرون على أنهم المسلمون والملائكة أو جعلوا لا يمسه لمجرد الإخبار والقول الثالث أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر ورخص مالك في مسه على غير وضوء للمعلم والصبيان لأجل المشقة واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا وأجازه الظاهرية مطلقا وأجاز مالك قراءة الآية اليسيرة واختلف في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظهر قلب فعن مالك في ذلك روايتان وفرق بعضهم بين اليسير والكثير أفبهذا الحديث أنتم مدهنون هذا خطاب للكفار والحديث المشار اليه هو القرآن ومدهنون معناه متهاونون وأصله من المداهنة وهي لين الجانب والموافقة بالظاهر لا بالباطن قال ابن عباس معناه مكذبون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال ابن عطية أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر إنه نزل بنوء كذا وكذا والمعنى تجعلون شكر رزقكم التكذيب فحذف شكر لدلالة المعنى عليه وقرأ علي ابن أبي طالب وتجعلون شكركم أنكم تكذبون وكذلك قرأ ابن عباس إلا أنه قرأ تكذبون بضم التاء والتشديد كقراءة الجماعة وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب أي يكذبون في قولهم نزل المطر بنوء كذا ومن هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب وكافر بي مؤمن بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب والمنهي عنه في هذا الباب أن يعتقد

(3/128)


أن للكوكب تأثيرا في المطر وأما مراعاة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاءكم بقي من نوء الثريا فقال العباس العلماء يقولون إتها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا قال ابن الطيب فما مضت سبع حتى مطروا وقيل إن معنى الآية تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يقولون إن آمنا به حرمنا الله الرزق كقولهم إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا فأنكر الله عليهم ذلك وإعراب أنكم على هذا القول مفعول بتجعلون على حذف مضاف تقديره تجعلون سبب رزقكم التكذيب ويحتمل أن يكون مفعولا من أجله تقديره تجعلون رزقكم حاصلا من أجل أنكم تكذبون وأما على القول الأول فإعراب أنكم تكذبون مفعول لاغير فلولا إذا بلغت الحلقوم لولا هنا عرض والضمير في بلغت للنفس لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وبلوغها للحلقوم حين الموت والفعل الذي دخلت عليه لولا هو قوله ترجعونها أي هلا رددتم النفس حين الموت ومعنى الآية احتجاج على البشر وإظهار لعجزهم لأنهم اذا حضر أحدهم الموت لم يقدروا أن يردوا روحه إلى جسده وذلك دليل على أنهم عبيد مقهورون وأنتم حينئذ تنظرون هذا خطاب لمن يحضر الميت من ... 687

(3/129)


94 أقاربه وغيرهم يعني تنظرون إليه ولا تقدرون له على شئ ونحن أقرب إليه منكم يحتمل أن يريد قرب نفسه تعالى بعلمه واطلاعه أو قرب الملائكة الذين يقبضون الأرواح فيكون من قرب المسافة ولكن لا تبصرون إن أراد بقوله نحن أقرب الملائكة فقوله لا تبصرون من رؤية العين وإن أراد نفسه تعالى فهو من رؤية القلب فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين لولا هنا عرض كالأولى وكررت للتأكيد والبيان لما طال الكلام والفعل الذي دخلت عليه لولا الأولى والثانية قوله ترجعونها أي هلا رددتم النفس إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين وغير مربوبين ومقهورين فافعلوا ذلك إن كنتم صادقين في كفركم وترتيب الكلام فلولا ترجعون النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فارجعوا إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين الضمير في كان للمتوفى وكرر هنا ما ذكره في أول السورة من تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فالمراد بالمقربين هنا السابقون المذكورن هناك فروح وريحان الروح الاستراحة وقيل الرحمة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فروح بضم الراء ومعناه الرحمة وقيل الخلود أي بقاء الروح وأما الريحان فقيل إنه الرزق وقيل الاستراحة وقيل الطيب وقيل الريحان المعروف وفي قوله روح وريحان ضرب من ضروب التجنيس فسلام لك من أصحاب اليمين معنى هذا على الجملة نجاة أصحاب اليمين وسعادتهم والسلام هنا يحتمل أن يكون بمعنى السلامة أو التحية والخطاب في ذلك يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد من أصحاب االيمين فأن كان النبي صلى الله عليه وسلم فالسلام بمعنى السلامة والمعنى سلام لك يا محمد منهم أي لا ترى منهم إلا السلامة من العذاب وإن كان الخطاب لأحد من أصحاب اليمين فالسلام بمعنى التحية والمعنى سلام لك أي تحية لك يا صاحب اليمين من إخوانك وهم أصحاب اليمين أي يسلمون

(3/130)


عليك فهو كقوله إلا قيلا سلاما سلاما أو يكون بمعنى السلامة والتقدير سلامة لك يا صاحب اليمين ثم يكون قوله من أصحاب اليمين خبر ابتداء مضمر تقديره أنت من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين يعني الكفار وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة فنزل من حميم النزل أول شئ يقدم للضيف إن هذا لهو حق اليقين الإشارة إلى ما تضمنته هذه السورة من أحوال الخلق في الآخرة وحق اليقين معناه الثابت من اليقين وقيل إن الحق واليقين بمعنى واحد فهو من إضافة الشئ إلى نفسه كقوله مسجد الجامع واختار ابن عطية أن يكون كقولك في أمر توكده هذا يقين اليقين أو صواب الصواب بمعنى أنه نهاية الصواب فسبح باسم ربك العظيم لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال عليه السلام اجعلوها في سجودكم فلذلك استحب مالك وغيره أن يقول في السجود سبحان ربي الأعلى وفي الركوع سبحان ربي العظيم وأوجبه الظاهرية ويحتمل أن يكون المعنى تسبيح الله بذكر أسمائه والاسم هنا جنس الأسماء والعظيم صفة للرب أو يكون الاسم هنا واحدا والتعظيم صفة له وكأنه أمره أن يسبح بالاسم الأعظم ويؤيد هذا ويشير إليه اتصال
سورة الحديد
بها وفي أولها التسبيح وجملة من أسماء الله وصفاته قال ابن عباس اسم الله العظيم الأعظم موجود ... 688

(3/131)


95 في ست أيات من أول سورة الحديد وروى أن الدعاء عند قراءتها مستجاب سورة الحديد
سبح لله ما في السموات والأرض
هذا التسبيح المذكور هنا وفي أوائل سائر السور المسبحات يحتمل أن يكون حقيقة أو أن يكون بلسان الحال لأن كل ما في السموات والأرض دليل على وجود الله وقدرته وحكمته والأول أرجح لقوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم وذكر التسبيح هنا وفي الحشر والصف بلفظ الماضي وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع وكل واحد منهما يقتضي الدوام هو الأول والآخر أي ليس لوجوده بداية ولا لبقائه نهاية والظاهر والباطن أي الظاهر للعقول بالأدلة والبراهين الدالة على الباطن الذي لا تدركه الأبصار أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى معرفة كنه ذاته وقيل الظاهر العالي على كل شئ فهو من قولك ظهرت على الشئ إذا علوت عليه والباطل الذي بطن كل شئ أي علم باطنه والأول أظهر وأرجح ودخلت الواو بين هذه الصفات لتدل على أنه تعالى جامع لها مع اختلاف معانيها وفي ذلك مطابقة لفظية وهي من أحسن أدوات البيان ثم استوى على العرش قد ذكروا كذلك ما بعده وهو معكم أينما كنتم يعني أنه حاضر مع كل أحد بعلمه وإحاطته وأجمع العلماء على تأويل هذه الآية بذلك يولج الليل ذكر في الحج ولقمان وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني الإنفاق في سبيل الله وطاعته وروى أنها نزلت في الإنفاق في غزوة تبوك وعلى هذا روى أن قوله فالذين آمنوا منكم وأنفقوا نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنه جهز جيش العسرة يومئذ ولفظ الآية مع ذلك عام وحكمها باق لجميع الناس وقوله مستخلفين فيه يعني أن الأموال التي بأيديكم إنما هي أموال الله لأنه خلقها ولكنه متعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه ويحتمل أن يكون جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم فورثتم عنه الأموال فأنفقوها قبل أن

(3/132)


تخلفوها لمن بعدكم كما خلفها لكم من كان قبلكم والمقصود على كل وجه تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا وما لكم لا تؤمنون بالله معناه أي شئ يمنعكم من الإيمان والرسول يدعوكم إليه بالبراهين القاطعة ... 689
96 والمعجزات الظاهرة فقوله ما لكم استفهام يراد به الإنكار ولا تؤمنون في موضع الحال من معنى الفعل الذي يقتضيه مالكم والواو في قوله والرسول يدعوكم واو الحال وقد أخذ ميثاقكم يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما جعل في العقول من النظر الذي يؤدي إلى الإيمان أو يكون الميثاق الذي أخذه على بني آدم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى هو الذي ينزل على عبده آيات يعني سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم والعبودية هنا للتشريف والاختصاص والآيات هنا القرآن وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله الآية معناه أي شئ يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله والله يرث ما في السموات والأرض اذا فني أهلها ففي ذلك تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الفتح هنا فتح مكة وقيل صلح الحديبية والأول أظهر وأشهر ومعنى الآية التفاوت في الأجر والدرجات بين من أنفق في سبيل الله وقاتل قبل فتح مكة وبين من أنفق وقاتل بعد ذلك فإن الإسلام قبل الفتح كان ضعيفا والحاجة إلى الانفاق والقتال كانت أشد ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم أجرا ممن أنفق في حال الرخاء وفي الآية حذف دل عليه الكلام تقديره لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل مع من أنفق من بعد الفتح وقاتل ثم حذف ذلك لدلالة قوله أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وفي هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وخاطب بذلك من جاء بعدهم من سائر الصحابة ويدخل في الخطاب كل من يأتي إلى

(3/133)


يوم القيامة
وكلا وعد الله الحسنى أي كل واحدة من الطائفتين الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده وعدهم الله الجنة من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ذكر في البقرة يوم ترى العامل في الظرف أجر كريم أو تقدير اذكر يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم قيل إن هذا النور استعارة يراد به الهدى والرضوان والصحيح هو قول الجمهور أنه حقيقة وقد روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى على هذا أن المؤمنين يكون لهم يوم القيامة نور يضئ قدامهم وعن يمين كل واحد منهم وقيل يكون أصله في أيمانهم يحملونه فينبسط نوره قدامهم وروى أن نور كل أحد على قدر إيمانه فمنهم من يكون نوره كالنخلة ومنهم من يضئ ما قرب من قدميه ومنهم من يضئ مرة ويهم بالإطفاء مرة قال ابن عطية ومن هذه الآية أخذ الناس مشى المعتق بالشمعة قدام معتقة إذا مات بشراكم اليوم جنات أي يقال لهم ذلك يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم يوم بدل من يوم ترى ... 690

(3/134)


97 أو متعلق بالفوز العظيم أو بمحذوف تقديره اذكر ومعنى الآية أن كل مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا فيبقى نور المؤمنين وينطفئ نور المنافقين فيقول المنافقون للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم أي نأخذ منه ونستضئ به ومعنى انظرونا انتظرونا وذلك لأن المؤمنين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف والمنافقون ليسوا كذلك ويحتمل أن يكون من النظر أي انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فاستضاؤا بنورهم ولكن يضعف هذا لأن نظر إذا كان بمعنى النظر بالعين بتعدي بإلي وقرئ أنظرونا بهمزة قطع ومعناه أخرونا أي أمهلونا في مشيكم حتى نلحقكم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا يحتمل أن يكون هذا من قول المؤمنين أو قول الملائكة ومعناه الطرد للمنافقين والتهكم بهم لأنهم قد علموا أن ليس وراءهم نور ووراءكم ظرف العامل فيه ارجعوا وقيل إنه لا موضع له من الإعراب وأنه كما لو قال ارجعوا ومعنى هذا الرجوع ارجعوا إلى الموقف فالتمسوا فيه النور أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور ( فضرب بينهم بسور له باب ) أي ضرب بين المؤمنين والمنافقين بسور يفصل بينهم وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه وقيل إن هذا السور هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار وقيل هو الجدار الشرقي من بيت المقدس وهذا بعيد باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب باطنه هو جهة المؤمنين وظاهره هو جهة المنافقين وهي خارجة كقوله ظاهر المدينة أي خارجها والضمير في باطنه وظاهره يحتمل أن يكون للسور أو للباب والأول أظهر ينادونهم ألم نكن معكم أي ينادي المنافقين المؤمنين فيقولون لهم ألم نكن معكم في الدنيا يريدون إظهارهم الإيمان فتنتم أنفسكم أي أهلكتموها وأضللتموها بالنفاق وتربصتم أي أبطأتم بإيمانكم وقيل تربصتم الدوائر بالنبي صلى الله عليه وسلم

(3/135)


وبالمسلمين وارتبتم أي شككتم في الإيمان وغرتكم الأماني أي طول الأمل والتمني ومن ذلك أنهم كانوا يتمنون أن يهلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو يهزمون إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة حتى جاء أمر الله أي الفتح وظهور الإسلام أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب الغرور هو الشيطان هي مولاكم أي هي أولى بكم وحقيقة المولى الولي الناصر فكأن هذا استعارة منه أي لاولى لكم تأوون إليه إلا النار
ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله معنى ألم يأن ألم يحن يقال أني الأمر إذا حان وقته وذكر الله يحتمل أن يريد به القرآن أو الذكر أو التذكير بالمواعظ وهذه آية موعظة وتذكير قال ابن عباس عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاثةعشر سنة من نزول والقرآن وسمع الفضيل بن عياض قارئا يقرأ هذه الآية فقال قد آن فكان سبب رجوعه إلى الله وحكى أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية فكسره ابن المبارك وتاب إلى ... 691

(3/136)


98 الله ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل عطف ولا يكونوا على أن تخشع ويحتمل أن يكون نهيا والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد أي مدة الحياة وقيل انتظار القيامة وقيل انتظار الفتح والأول أظهر اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها أي يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات وقيل أنه تمثيل للقلوب أي يحي الله القلوب بالمواعظ كما يحي الأرض بالمطر وفي هذا تأنيس للمؤمنين الذين ندبوا إلى أن تخشع قلوبهم والأول أظهر وأرجح لأنه الحقيقة إن المصدقين والمصدقات بتشديد الصاد من الصدقة وأصله المتصدقين وكذلك قرأ أبي بن كعب وقرئ بالتخفيف من التصديق أي صدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأقرضوا الله معطوف على المعنى كأنه قال إن الذين تصدقوا وأقرضوا وقد ذكرنا معنى أقرضوا في قوله من ذا الذي يقرض الله الصديقون مبالغة من الصدق أو من التصديق وكونه من الصدق أرجح لأن صيغة فعيل لاتبنى إلا من فعل ثلاثي في الأكثر وقد حكى بناؤها من رباعي كقولهم رجل مسيك من أمسك والشهداء عند ربهم يحتمل أن يكون الشهداء مبتدأ وخبره ما بعده أو يكون معطوفا على الصديقين فإن كان مبتدأ ففي المعنى قولان أحدهما أنه جمع شهيد في سبيل الله فأخبر أنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والآخر أنه جمع شاهد ويراد به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم يشهدون على قومهم وإن كان معطوفا ففي المعنى قولان أحدهما أنه جمع شهيد فوصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء أي جمعوا الوصفين وروى في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مؤمنو أمتي شهداء وتلا هذه الآية والآخر أنه جمع شاهد لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله لتكونوا شهداء على الناس لهم أجرهم ونورهم هذا خبر عن الشهداء خاصة إن كان مبتدأ أو خبر عن المؤمنين إن كان الشهداء معطوفا ونورهم هو النور الذي يكون لهم

(3/137)


يوم القيامة حسبما ذكر في هذه السورة وقيل هو عبارة عن الهدى والإيمان كمثل غيث أعجب الكفار نباته الآية معناها تشبيه الدنيا بالزرع الذي ينبته الغيث في سرعة تغيره بعد حسنه وتحطمه بعد ظهوره والكفار هنا يراد به الزرع فهو من قوله كفرت الحب اذا سترته تحت الأرض وخصهم بالذكر لأنهم أهل البصر بالزرع والفلاحة فلا يعجبهم إلا ما هو حقيق أن يعجب وقيل أراد الكفار بالله وخصهم بالذكر لأنهم أشد إعجابا بالدنيا وأكثر حرصا عليها سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي سابقوا إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة فقيل المعنى كونوا ... 692

(3/138)


99 في أول صف من القتال وقيل احضروا تكبيرة الإحرام مع الإمام وقيل كونوا أول داخل إلى المسجد وأول خارج منه وهذه أمثله والمعنى العام المسابقة إلى جميع الأعمال الصالحات وقد استدل بها قوم على الصلاة أن في أول الوقت أفضل وجنة عرضها كعرض السماء والأرض السماء هنا يراد به جنس السموات بدليل قوله في آل عمران وقد ذكرنا هناك معنى عرضها
ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها المعنى أن الأمور كلها مقدرة مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن تكون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء والمصيبة هنا عبارة عن كل ما يصيب من خير أو شر وقيل أراد به المصيبة في العرف وهو ما يصيب من الشر وخص ذلك بالذكر لأنه أهم على الناس وفي الأرض يعني القحوط والزلازل وغير ذلك وفي أنفسكم يعني الموت والمرض والفقر وغير ذلك ونبرأها معناه نخلقها والضمير يعود على المصيبة أو على أنفسكم أو على الأرض وقيل يعود على جميعها لأن المعنى صحيح في كلها لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم المعنى فعل الله ذلك وأخبركم به لكيلا تسلموا لقضاء الله ولا تكترثوا بأمور الدنيا ومعنى لا تأسوا لا تحزنوا أي فلا تحزنوا على ما فاتكم منها ولا تفرحوا فيها وقرأ الجمهور بما آتاكم بالمد أي بما أعطاكم الله من الدنيا وقرأ أبو عمرو بما أتاكم بالقصر أي بما جاءكم من االدنيا فإن قيل إن الإنسان لا يملك نفسه أن يفرح بالخير ويحزن للشر كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما اتى بمال كثير اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا فالجواب أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر والطغيان وعن الحزن الذي يخرج عن الصبر والتسليم كل مختال فخور المختال صاحب الخيلاء والفخور شديد الفخر على الناس الذين يبخلون بدل من كل مخال

(3/139)


فخور أو خبر ابتداء مضمر تقديره هم الذين أو منصوب بإضمار أعني أو مبتدأ وخبره محذوف وأنزلنا معهم الكتاب والميزان الكتاب هنا جنس الكتب والميزان العدل وقيل الميزان الذي يوزن به وروى أن جبريل نزل بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له مر قومك يزنوا به وأنزلنا الحديد خبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال وقيل بل أنزله حقيقة لأن آدم نزل من الجنة ومعه المطرقة والإبرة فيه بأس شديد يعني أنه يعمل منه سلاح للقتال ولذلك قال ... 693

(3/140)


100 وليعلم الله من ينصره ورسله والمنافع للناس سكك الحرث والمسامير وغير ذلك فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون أي من ذرية نوح وإبراهيم مهتدون قليلون وأكثرهم فاسقون لأن منهم اليهود والنصارى وغيرهم وقفينا ذكر في البقرة وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة هذا ثناء عليهم بمحبة بعضهم في بعض كما وصف أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم رحماء بينهم ورهبانية ابتدعوها الرهبانية هي الانفراد في الجبال والانقطاع عن الناس في الصوامع ورفض النساء وترك الدنيا ومعنى ابتدعوها أي أحدثوها من غير أن يشرعها الله لهم وإعراب رهبانية معطوف على رأفة ورحمة أي جعل الله في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية وابتدعوها صفة للرهبانية والجعل هنا بمعنى الخلق والمعتزلة يعربون رهبانية مفعولا بفعل مضمر يفسره ابتدعوها لأن مذهبهم أن الإنسان يخلق أفعاله فأعربوها على مذهبهم وكذلك أعربها أبو علي الفارسي وذكر الزمخشري الوجهين ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله كتبنا هنا بمعنى فرضنا وشرعنا وفي هذا قولان أحدهما أن الاستثناء منقطع والمعنى ما كتبنا عليهم الرهبانية ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله والآخر أن الاستئناف متصل والمعنى كتبناها عليهم إبتغاء رضوان الله والأول أرجح لقوله ابتدعوها ولقراءة عبد الله بن مسعود ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها فما رعوها حق رعايتها أي لم يدوموا عليها ولم يحافظوا على الوفاء بها يعني أن جميعهم لم يرعوها وإن رعاها بعضهم والضمير في رعوها للذين ابتدعوا الرهبانية وكان يجب عليهم إتمامها وإن لم يكتبها الله سبحانه وتعالى عليهم لأن من دخل في شئ من النوافل يجب عليه إتمامه وقيل الضمير لمن جاء بعد الذين ابتدعوا الرهبانية من أتباعهم وآمنوا برسوله إن قيل كيف خاطب الذين آمنوا وأمرهم بالإيمان وتحصيل الحاصل لا ينبغي فالجواب من وجهين أحدهما أن معنى آمنوا

(3/141)


دوموا على الإيمان واثبتوا عليه والآخر أنه خطاب لأهل الكتاب فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويؤيد هذا قوله يؤتكم كفلين من رحمته أي نصيبين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي الحديث ويجعل لكم نورا تمشون به يحتمل أن يريد النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين يوم القيامة أو يكون عبارة عن الهدى ويؤيد الأول أنه مذكور في هذه السورة ويؤيد الثاني قوله وجعلنا له نورا يمشي به في الناس لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شئ من فضل الله لا في قوله لئلا زائدة والمعنى ليعلم أهل الكتاب وكذلك قرأها ابن عباس ... 694

(3/142)


101 وقرأ ابن مسعود لكيلا يعلم والمعنى إن كان الخطاب لأهل الكتاب يا أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أن لا يقدروا على شئ من فضل الله الذي وعد من آمن منكم وهو تضعيف الأجر والنور والمغفرة لأنهم لم يسلموا فلم ينالوا شيئا من ذلك وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أنهم لا يقدرون أن ينالوا شيئا مما أعطى الله المسلمين من تضعيف الأجر والنور والمغفرة وقد روى في سبب نزول الآية أن اليهود افتخرت على المسلمين فنزلت الآية في الرد عليهم وهو يقوى هذا القول وروى أيضا أن سببها أن الذين أسلموا من أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المسلمين بأنهم يؤتيهم الله أجرهم مرتين فنزلت الآية معلمة أن المسلمين مثلهم في ذلك
سورة المجادلة
قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها نزلت الآية في خولة بنت حكيم وقيل خولة بنت ثعلبة وقيل خولة بنت خويلد وقيل اسمها جميلة وكانت امرأة أوس بن الصامت الأنصاري أخى عبادة بن الصامت فظاهر منها وكان الظهار في الجاهلية يوجب تحريما مؤبدا فلما فعل أوس ذلك جاءت امرأته الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أوسا أكل شبابي ونشرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيتك إلا قد حرمت عليه فقالت يا رسول الله لا تفعل إني وحيدة ليس لي أهل سواه فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مقالته فراجعته فهذا هو جدالها وتشتكي إلى الله كانت تقول اللهم إني أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري وروى أنها كانت تقول اللهم إن لي منه صبية صغارا إن ضممتهم إلى جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا والله يسمع تحاوركما المحاورة هي المراجعة في الكلام قالت عائشة رضي الله عنها سبحان من وسع سمعه الأصوات لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي وسمع الله كلامها ونزل القرآن في ذلك

(3/143)


فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها وقال له أتعتق رقبة فقال والله ما أملكها فقال أتصوم شهرين متتابعين فقال والله ما أقدر فقال له أتطعم ستين مسكينا فقال لا أجد إلا أن يعينني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونة وصلاة يريد الدعاء فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا وقيل بثلاثين صاعا ودعا له فكفر بالإطعام وأمسك زوجته الذين يظاهرون منكم من نسائهم قرئ يظاهرون بألف بعد الظاء وبحذفها وبالتشديد والتخفيف والمعنى واحد وهو إيقاع الظهار والظهار المجمع عليه هو أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي ويجرى مجرى ذلك عند مالك تشبيه الزوجة بكل امرأة محرمة على التأبيد كالبنت والأخت وسائر المحرمات بالنسب والمحرمات بالرضاع والمصاهرة سواء ذكر لفظ الظهر ... 695

(3/144)


102 أو لم يذكره كقوله أنت علي كأمي أو كبطن أمي أو يدها أو رجلها خلافا للشافعي فإن ذلك كله عنده ليس بظهار لأنه وقف عند لفظ الآية وقاس مالك عليها لأنه رأى أن المقصد تشبيه حلال بحرام ماهن أمهاتهم رد الله بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة وأخبر تعالى أن تصير الزوجة أما باطل فإن الأم في الحقيقة إنما هي الوالدة وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة والزور هو الكذب وإنما جعله كذبا لأن المظاهر يصير امرأته كأمه وهي لا تصير كذلك أبدا والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء أحدها قوله تعالى ماهن أمهاتهم فإن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني أنه سماه منكرا والثالث أنه سماه زورا والرابع قوله وإن الله لعفو غفور فإن العفو والمغفرة لا تقع إلا عن ذنب وهو مع ذلك لازم للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا اختلف الناس في معنى قوله ثم يعودون لما قالوا على ستة أقوال الأول أنه إيقاع الظهار في الإسلام فالمعنى أنهم كانوا يظاهرون في الجاهلية فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه هذا قول ابن قتيبة فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار بخلاف أقوال غيره فإن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا الثاني أن العود هو وطأ الزوجة روى ذلك عن مالك فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ فإذا وطئ وجبت عليه الكفارة سواء أمسك المرأة أو طلقها أو ماتت الثالث أن العود هو العزم على الوطئ وروى هذا أيضا عن مالك فإذا عزم على الوطء وجبت الكفارة سواء أمسك المرأة أو طلقها أو ماتت الرابع أن العود هو العزم على الوطئ وعلى إمساك الزوجة وهذا أصح الروايات عن مالك الخامس أنه العزم على الإمساك خاصة وهذا مذهب الشافعي فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار وجبت الكفارة السادس أنه تكرار الظهار مرة أخرى وهذا مذهب الظاهرية وهو ضعيف لأنهم لا يرون

(3/145)


الظهار يوجب حكما في أول مرة وإنما يوجب في الثانية وإنما نزلت الآية فيمن ظاهر ألأول مرة فذلك يرد عليهم ويختلف معنى لما قالوا باختلاف هذه الأقوال فأما علة قول ابن قتيبة والظاهرية فما مصدرية والمعنى يعودون لقولهم وأما على سائر الأقوال فما بمعنى الذي والمعنى يعودون للوطء الذي حرموه أو للعزم عليه أو للإمساك الذي تركوه أو للعزم عليه فتحرير رقبة جعل الله الكفارة في الظهار على ثلاثة أنواع مرتبة لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول ولا ينتقل إلى الثالث حتى يعجز عن الثاني فالأول تحرير رقبة والثاني صيام شهرين متتابعين والثالث إطعام ستين مسكينا فأما الرقبة فاشترط مالك أن تكون مؤمنة لأن مذهبه حمل المطلق على المقيد وجاءت هنا مطلقة وجاءت في كفارة القتل مقيدة بالأيمان وأما صيام الشهرين فاشترط فيه التتابع فإن أفسد الصائم التتابع باختياره ابتدأه من أوله باتفاق وإن أفسده بعذر كالمرض والنسيان فقال مالك يبنى على ما كان فيه وقال أبو حنيفة يبتدئ وروى القولان عن الشافعي وأما الإطعام فمشهور مذهب مالك أنه مد لكل مسكين بمد هشام واختلف في مد هشام فقيل إنه مدان غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل إنه مد وثلث وقيل إنه مدان وقال الشافعي وابن القصار يطعم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين ولا يجزيه إلا كمال عدد الستين فإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه عند مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة وكذلك إن أطعم ... 696

(3/146)


103 ثلاثين مرتين والطعام يكون من غالب قوت البلد من قبل أن يتماسا مذهب مالك والجمهور أن المسيس هنا يراد به الوطء وما دونه من اللمس والتقبيل فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك حتى يكفر وقال الحسن والثوري أراد الوطء خاصة فأباحا ما دونه قبل الكفارة وذكر الله قوله من قبل أن يتماسا في التحريم والصوم ولم يذكره في الإطعام فاختلف العلماء في ذلك فحمل مالك الإطعام على ما قبله ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد وقال أبو حنيفة يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس ذلك لتؤمنوا قال ابن عطية الإشارة إلى الرخصة في النقل من التحرير إلى الصوم وقال الزمخشري المعنى ذلك البيان والتعليم لتؤمنوا وهذا أظهر لأنه أعم
إن الذين يحادون الله أي يخالفون ويعادون كبتوا أي هلكوا وقيل لعنوا وقيل كبت الرجل اذا بقى خزيانا ونزلت الآية في في المنافقين واليهود ما يكون من نجوى ثلاثة يحتمل أن يكون النجوى هنا بمعنى الكلام الخفي فيكون ثلاثة اصناف إليه بمعنى الجماعة من الناس فيكون ثلاثة بدل أو صفة والأول أحسن إلا هو رابعهم يعني بعلمه وإحاطته وكذلك سادسهم وهو معهم إينما كانوا ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى نزل في قوم من اليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون على المؤمنين فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعادوا وقيل نزلت في المنافقين والأول أرجح لقوله وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله لأن هذا من فعل اليهود والأحسن أن المراد والمنافقين معا لقوله ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم فنزلت الآية في الطائفتين وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون السام عليك يا محمد بدلا من السلام عليكم والسام الموت وهو ما أرادوه بقولهم

(3/147)


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم وعليكم فسمعتهم عائشة يوما فقالت بل عليكم السام واللعنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش فقال أما سمعت ما قالوا قال أما سمعت ما قلت لهم إني قلت وعليكم ويريد بقوله ما لم يحيك به الله قوله تعالى قل الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى ويقولون ... 697
104 في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) كانوا يقولون لو كان نبيا لعذبنا الله بإذايته فقال الله حسبهم جهنم أي يكفيهم ذلك عذابا إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا قيل يعني النجوى بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وحذف وصفها بذلك لدلالة الأول عليه وقيل أراد نجوى اليهود والمنافقين ويؤيد هذا قوله ليجزي الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا اختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في مقاعد الحرب والقتال وقيل نزلت بسبب ازدحام الناس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على القرب منه وقيل أقام النبي صلى الله عليه وسلم قوما ليجلس أشياخا من أهل بدر في مواضعهم فنزلت الآية ثم اختلفوا هل هي مقصورة على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أو هي عامة في جميع المجالس فقال قوم إنها مخصوصة ويدل على ذلك قراءة المجلس بالإفراد وذهب الجمهور إلى أنها عامه ويدل على ذلك قراءة المجالس بالجمع وهذا هو الأصح ويكون المجلس بالإفراد على هذا للجنس والتفسيح المأمور به هو التوسع دون القيام ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد هل هو على التحريم أو الكراهة يفسح الله لكم أي يوسع لكم في جنته ورحمته وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك واختلف في هذا النشوز المأمور به فقيل إذا دعوا إلى قتال أو صلاة أو فعل طاعة وقيل

(3/148)


إذا أمروا بالقيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يحب الانفراد أحيانا وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام وقيل المراد القيام في المجلس للتوسع
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا االعلم درجات فيها قولان أحدهما يرفع الله المؤمنين العلماء درجات فقوله والذين أوتوا العلم درجات صفة للذين آمنوا كقوله جاءني العاقل الكريم وأنت تريد رجلا واحدا والثاني يرفع الله المؤمنين والعلماء الصنفين جميعا درجات فالدرجات على الأول للمؤمنين بشرط أن يكونوا علماء وعلى الثاني للمؤمنين الذين ليسوا علماء وللعلماء أيضا ولكن بين درجات العلماء وغيرهم تفاوت يوجد في موضع آخر كقوله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وقوله علية الصلاة والسلام فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا وقوله عليه السلام يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فإذا كان لهم فضل على العابدين والشهداء فما ظنك بفضلهم على سائر المؤمنين إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة قال ابن عباس سببها أن قوما من شبان ... 698

(3/149)


105 المسلمين كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة لتظهر منزلتهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم سمحا لا يرد أحدا فنزلت الآية مشددة في أمر المناجاة وقيل سببها أن الأغنياء غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية منسوخة باتفاق نسخها قوله بعدها ءأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقة الآية فأباح الله لهم المناجاة دون تقديم صدقة بعد أن كان أوجب تقديم الصدقة قبل مناجاته عليه السلام واختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا فقال قوم لم يعمل بها أحد وقال قوم عمل بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه روى أنه كان له دينارا فصرفه بعشرة دراهم وناجاه عشر مرات تصدق في كل مرة منها بدرهم وقيل تصدق في كل مرة بدينار ثم أنزل الله الرخصة لمن كان قادرا على الصدقة وأما من لم يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له بقوله فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم وتاب الله عليكم التوبة هنا يراد بها عفو الله عنهم في تركهم للصدقة التي أمروا بها أو تخفيفها بعد وجوبها فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم دون ما كنتم قد كلفتم من الصدقة عند المناجاة ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من اليهود وهم الذين غضب الله عليهم ماهم منكم ولا منهم يعني أن المنافقين ليسوا من المسلمين ولا من اليهود فهو كقوله فيهم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ويحلفون على الكذب وهم يعلمون يعني أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا على سوء أقوالهم وأفعالهم حلفوا أنهم ما قالوا ولا فعلوا وقد صدر ذلك منهم مرارا كثيرة هي مذكورة في السير وغيرهم اتخذوا أيمانهم جنة أصل الجنة ما يستتر به ويتقي به المحذور كالترس ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يظهرون الإسلام لتعصم دماؤهم وأموالهم وقرئ اتخذوا بكسر الهمزة استحوذ

(3/150)


عليهم الشيطان أي غلب عليهم وتملك نفوسهم في الأذلين أي في جملة الأذلين أي معهم
كتب الله أي قضى وقدر لا تجد قوما الآية معناها لا تجد مؤمنا يحب كافرا ولو كان أقرب الناس إليه وهذه حال المؤمن الصادق الإيمان ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم إذا كانوا ... 699
106 كفارا فقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم أحد وقتل مصعب بن عمير أخاه عزيز بن عمير يوم أحد ودعا أبو بكر الصديق ابنه يوم بدر للبراز فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد وقيل إن الآية نزلت في حاطب حين كتب إلى المشركين يخبرهم بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحسن أنها على العموم وقيل نزلت فيمن يصحب السلطان وذلك بعيد يوادون هذه مفاعلة من المودة فتقتضي أن المودة من الجهتين من حاد الله أي عاداه وخالفه كتب في قلوبهم الإيمان أي أثبته فيها كأنه مكتوب وأيدهم بروح منه أي بلطف وهدى وتوفيق وقيل بالقرآن وقيل بجبريل أولئك حزب الله هذه في مقابلة قوله أولئك حزب الشيطان والحزب هم الجماعة المتحزبون لمن أضيفوا إليه
سورة الحشر
نزلت هذه السورة في يهود بني النضير وكانوا في حصون بمقربة من المدينة وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأرادوا غدره فأطلعه الله على ذلك فخرج إليهم وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة حتى صالحوه على أن يخرجوا من حصونهم فخرجوا منها وتفرقوا في البلاد هو الذي أخرج الذين كفروا يعني بني النضير لأول الحشر في معناه أربعة أقوال أحدها أنه حشر القيامة أي خروجهم من حصونهم أول الحشر والقيام من القبور آخره وروى في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر الثاني أن المعنى لأول موضع الحشر وهو الشام وذلك أن أكثر بني النضير خرجوا إلى الشام وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى أرض الشام وروى في هذا

(3/151)


المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير اخرجوا قالوا إلى أين قال إلى أرض المحشر الثالث أن المراد الحشر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج فإخراجهم من حصونهم أول الحشر وإخراج أهل خيبر آخره الرابع أن معناه أخراجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزمخشري اللام في قوله لأول بمعنى عند كقولك جئت لوقت كذا ما ظننتم أن يخرجوا يعني لكثرة عدتهم ومنعة حصونهم فأتاهم الله عبارة عن أخذ الله لهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها وأسند ... 700

(3/152)


107 ذلك إلى الكفار في قوله يخربون لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم وأما إخراب الكفار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد أحدها حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأرقة ويحصنوا ما خربه المسلمون من الأسوار والثاني ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك الثالث أن لا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين فهدموها شحا عليها فاعتبروا يا أولى الأبصار استدل الذين أثبتوا القياس في الفقه بهذه الآية واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناها ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا الجلاء هو الخروج عن الوطن فالمعنى لولا أن كتب الله على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة ولهم مع ذلك عذاب النار شاقوا ذكر في الأنفال ما قطعتم من لينة اللينة هي النخلة وقيل هي الكريمة من النخل وقيل النخلة التي ليست بعجوة وقيل ألوان النخل المختلط وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير قطع المسلمون بعض نخلهم وأحرقوه فقال بنو النضير ما هذا إلا فساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فنزلت الآية معلمة أن كل ما جرى من قطع أو إمساك فإن الله أذن للمسلمين في ذلك ليخزي الفاسقين يعني بني النضير واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب فإن الله قد صوب فعل من قطع النخل ومن تركها واختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم فأجازه الجمهور لهذه الآية ولإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريق نخل بني النضير وكرهه قوم لوصية أبى بكر الصديق رضي الله عنه الجيش الذي وجهه إلى الشام أن لا يقطعوا شجرا مثمرا وماأفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب معنى أفاء الله جعله فيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأوجفتم من الوجيف وهو سرعة السير والركاب هي الإبل والمعنى أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمش

(3/153)


المسلمون إليه بخيل ولا إبل ولا تعبوا فيه ولا حصلوه بقتال ولكن حصل بتسليط رسوله صلى الله عليه وسلم على بني النضير فأعلم الله من هذه الآية أن ما أخذه من بني النضير وما أخذه من فدك فهو فئ خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيه ما يشاء لأنه لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال فهما بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا غير أن أبا دجانة وسهل بن حنيف شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منها سهما هذا قول جماعة وقال عمر بن الخطاب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقه سنة وما بقي جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله وقال قوم من العلماء وكذلك كل ما فتحه الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة يأخذون منه حاجتهم ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين ... 701

(3/154)


108 ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول الآية اضطرب الناس في تفسير هذه الآية وحكمها اضطرابا عظيما فإن ظاهرها أن الأموال التي تؤخذ للكفار تكون لله وللرسول ومن ذكر بعد ذلك ولا يخرج منها خمس ولا تقسم على من حضر الوقيعة وذلك يعارض ما ورد في الأنفال من إخراج الخمس وقسمة سائر الغنيمة على من حضر الوقيعة فقال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بآية الأنفال وهذا خطأ لأن آية الأنفال نزلت قبل هذه بمدة وقال بعضهم إن آية الأنفال في الأموال التي تغنم ما عدا الأرض وأن هذه الآية في أرض الكفار قالوا ولذلك لم يقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض مصر والعراق بل تركها لمصالح المسلمين وهذا التخصيص لا دليل عليه وقيل غير ذلك والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب فهذا يخرج منه الخمس ويقسم باقيه على الغانمين وأما هذه الآية ففي حكم الفئ وهو ما يؤخذ من أموال الكفارمن غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب وإذا كان كذلك فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الأخرى ولها حكم غير حكم الأخرى فلا تعارض بينهما ولا نسخ وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفئ وفي الأنفال لفظ الغنيمة وقد تقرر في الفقه الفرق بين الفئ والغنيمة وأن حكمهما مختلف قاله أبو محمد بن الفرس وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال وأما فعل عمر في أرض مصر والعراق فالصحيح أنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين بعد استطابة نفوس الغانمين بقوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى يريد بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب كما كانت أموال بني النضير ولكنه حذف هذا لقوله في الآية قبل هذا فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب فاستغني بذكر ذلك أولا عن ذكره ثانيا ولذلك لم تدخل الواو العاطفة في هذه الجملة لأنها من تمام الأولى فهي غير أجنبية منها فإنه بين في الآية

(3/155)


الأولى حكم أموال بني النضير وبين في هذه الآية حكم ما كان مثلها من أموال غيرهم على العموم ويصرف الفئ فيما يصرف فيه خمس الغنائم لأن الله سوى بينهما في قوله لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وقد ذكرنا ذلك في الأنفال فأغنى عن إعادته وقد ذكرنا في الأنفال معنى قوله لله وللرسول وما بعد ذلك كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم أي كيلا يكون الفئ الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة ينتفع به الأغنياء دون الفقراء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء ولم يعط الأنصار منها شيئا فإنهم كانوا أغنياء فقال بعض الأنصار لنا سهمنا من هذا الفئ فأنزل الله هذه الآية والدولة بالضم والفتح مل يدول الإنسان أي يدور عليه من الخير ويحتمل أن يكون من المداولة أي كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بينهم ويبقى الفقراء بلا شئ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا نزلت الفئ بسبب المذكور أي ما أتاكم الرسول من الفئ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فكأنها أمر للمهاجرين بأخذ الفئ ونهي للأنصار عنه ولفظ الآية مع ذلك عام في أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نواهيه ولذلك استدل بها عبد الله بن مسعود على المنع من لبس المحرم المخيط ولعن الواشمة ... 702

(3/156)


109 والواصلة في القرآن لورود ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
للفقراء
هذا بدل من قوله لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ليبين بذلك أن المراد المهاجرين ووصفهم بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم لأنهم هاجروا من مكة وتركوا فيها أموالهم وديارهم والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم هم الأنصار والدار هي المدينة لأنها كانت بلدهم والضمير في قبلهم للمهاجرين فإن قيل كيف قال تبوؤا الدار والإيمان وإنما تتبوأ الدار أي تسكن ولا يتبوأ الإيمان فالجواب من وجهين الأول أن معناه تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان فهو كقولك فعلفتها تبنا وماء باردا تقديره علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا الثاني أن المعنى أنهم جعلوا الإيمان كانه موطن لهم لتمكنهم فيه كما جعلوا المدينة كذلك فإن قيل قوله من قبلهم يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول االمدينة وبالإيمان فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه لأنها كانت بلدهم وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل الأنصار فالجواب من وجهين أحدهما أنه أراد بقوله من قبلهم من قبل هجرتهم والآخر أنه أراد تبوؤا الدار مع الإيمان معا أي جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبؤئ الدار فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه وهذا الوجه أحسن لأنه جواب عن هذا السؤال وعن السؤال الأول فإنه إذا كان الإيمان مفعولا معه لم يلزم السؤال الأول إذ لا يلزم إلا إذا كان الإيمان معطوفا على الدار ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا قيل إن الحاجة هنا بمعنى الحسد ويحتمل أن تكون بمعنى الاحتجاج على أصلها والضمير في يجدون للأنصار وفي أوتوا للمهاجرين والمعنى أن الأنصار تطيب نفوسهم بما يعطاه المهاجرون من الفئ وغيره ولا يجدون في صدورهم شيئا بسبب ذلك ويؤثرون على أنفسهم أي يؤثرون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الاحتياج والخصاصة

(3/157)


هي الفاقة وروى أن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار قال للأنصار إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه فقالوا بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة وروى أيضا أن سببها أن رجلا من الأنصار أضاف رجلا من المهاجرين فذهب الأنصاري بالضيف إلى منزله فقالت له امرأته والله ما عندنا إلا قوت الصبيان فقال لها نومي صبيانك وأطفئ السراج وقدمي ما عندك للضيف ونوهمه نحن أنا نأكل ولا نأكل ففعلا ذلك فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عجب الله من فعلكما البارحة ونزلت الآية ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون شح النفس هو البخل والطمع وفي هذا إشارة إلى أن الأنصار وقاهم الله شح أنفسهم فمدحهم الله بذلك وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتى ... 703

(3/158)


110 المهاجرون وأنهم يحبون المهاجرين والذين جاؤامن بعدهم هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل فالمعنى أن الفئ للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم ويعنى بهم الفرقة الثالثة من الصحابة وهم من عدا المهاجرين والأنصار كالذين أسلموا يوم فتح مكة وقيل يعني من جاء بعد الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة وعلى هذا حملها مالك فقال إن من قال في أحد من الصحابة قول سوء فلاحظ له في الغنيمة والفئ لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فمن قال ضد ذلك فقد خرج عن الذين وصفهم الله ألم تر الى الذين نافقوا الآية نزلت في عبد الله ابن أبي بن سلول وقوم من المنافقين بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم اثبتوا في حصونكم فإنا معكم كيف ما تقلبت حالكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا أي لا نسمع فيكم قول قائل ولا نطيع من يأمرنا بخذلانكم ثم كذبهم الله في هذه المواعيد التي وعدوا بها فإن قيل كيف قال لئن نصروهم ليولن الأدبار بعد قوله لاينصرونهم فالجواب أن المعنى على الفرض والتقدير أي لو فرضنا أن ينصروهم لولوا الأدبار لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله الرهبة هي الخوف والمعنى أن المنافقين واليهود يخافون الناس أكثر مما يخافون الله لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إلا وهم في قرى محصنة بالأسوار والخنادق أو من وراء الحيطان دون أن يخرجوا إليكم بأسهم بينهم شديد يعني عداوة بعضهم لبعض تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى أي تظن أنهم مجتمعون بالألفة والمودة وقلوبهم متفرقة بالمخالفة والشحناء كمثل الذين من قبلهم قريبا أي هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير فكانوا أمثالهم وقيل يعني أهل بدر

(3/159)


الكفار فإنهم قبلهم ومثلا لهم في أن غلبوا وقهروا والأول أرجح لأن قوله قريبا يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيره وذلك أوقع على بني قينقاع وأيضا فإن تمثيل بني النضير ببني قينقاع أليق لأنهم يهود مثلهم وأخرجوا من ديارهم كما فعل بهم وذلك هو المراد بقوله ذاقوا وبال أمرهم وقريبا ظرف زمان
كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر مثل الله المنافقين الذين أغووا يهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان فإنه يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس وقيل أراد الشيطان الذي أغوى قريشا يوم بدر وقال لهم إني جار لكم وقيل المراد بالإنسان برصيص العابد فإنه استودع امرأة فزين له الشيطان ... 704

(3/160)


111 الوقوع عليها فحملت فخاف الفضيحة فزين له الشيطان قتلها فلما وجدت مقتولة تبين ما فعل فتعرض له الشيطان قال له اسجد لي أنجيك فسجد له فتركه الشيطان وقال له إني برئ منك وهذا ضعيف في النقل والأول أرجح فكان عاقبتهما أنهما في النار الضميران يعودان على الشيطان والإنسان وفي ذلك تمثيل للمنافقين واليهود ولتنظر نفس ما قدمت لغد هذا أمر بأن تنظر كل نفس ما قدمت من أعمالها ليوم القيامة ومعنى ذلك محاسبة النفس لتكف عن السيئات وتزيد من الحسنات وإنما عبر عن يوم القيامة بغد تقريبا له لأن كل ما هو آت قريب فإن قيل لم كرر الأمر بالتقوى فالجواب من وجهين أحدهما أنه تأكيد والآخر وهو الأحسن أنه أمرا ولا بالتقوى استعدادا ليوم القيامة ثم أمر به ثانيا لأن الله خبير بما يعملون فلما اختلف الموجبات كرره مع كل واحد منهما ولا تكونوا كالذين نسوا الله يعني الكفار والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الترك أو الغفلة أي نسوا حق الله فأنساهم حقوق أنفسهم والنظر لها لو أنزلنا هذا القرآن على جبل الآية توبيخ لابن آدم على قسوة قلبه وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن فإنه إذا كان الجبل يخشع ويتصدع لو سمع القرآن فما ظنك بابن آدم عالم الغيب والشهادة أي يعلم ما غاب عن المخلوقين وما شاهدوه وقيل الغيب الآخرة والشهادة الدنيا والعموم أحسن القدوس مشتق من التقديس وهو التنزه عن صفات المخلوقين وعن كل نقص وعيب وصيغة فعول للمبالغة كالسبوح السلام في معناه قولان أحدهما الذي سلم عباده من الجور والآخر السليم من النقائص وأصله مصدر بمعنى السلامة وصف به مبالغة أو على حذف مضاف تقديره ذو السلام المؤمن فيه قولان أحدهما أنه من الأمن أي الذي أمن عباده والآخر أنه من الإيمان أي المصدق لعباده في إيمانهم أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة أو المصدق نفسه في أقواله المهيمن في معناه ثلاثة أقوال الرقيب والشاهد والأمين

(3/161)


قال الزمخشري أصله مؤيمن بالهمزة ثم أبدلت هاء الجبار في معناه قولان أحدهما أنه من الإجبار بمعنى القهر والآخر أنه من الجبر أي يجبر عباده برحمته والأول أظهر المتكبر أي الذي له التكبر حقا البارئ أي الخالق يقال أبرأ الله الخلق أي خلقهم ... 705
112 ولكن البارئ والفاطر يراد بهما الذي برأ الخلق واخترعه المصور أي خالق االصور له الأسماء الحسنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة قال المؤلف قرأت القرآن على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن الكماد فلما بلغت إلى آخر سورة الحشر قال لي ضع يدك على رأسك فقلت له ولم ذلك قال لأني قرأت على القاضي أبي علي بن أبى الأحوص فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي ضع يدك على رأسك وأسند الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي ضع يدك على رأسك قلت ولم ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي قال أقرأني جبريل القرآن فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي ضع يدك على رأسك يا محمد قلت ولم ذاك قال إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه فلما انتهى إلى خاتمة سورة الحشر أمر الملائكة أن تضع أيديها على رؤوسها فقالت يا ربنا ولم ذاك قال إنه شفاء من كل داء إلا السام والسام الموت
سورة الممتحنة
لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء العدو يطلق على الواحد والجماعة والمراد به هنا كفار قريش وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية فورى عن ذلك بخيبر فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده إلى مكة منهم حاطب فكتب بذلك حاطب إلى قوم من أهل مكة فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء فبعث علي بن أبي طالب والزبير والمقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها

(3/162)


ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فانطلقوا حتى وجدوا المرأة فقالوا لها أخرجي الكتاب فقالت ما معي كتاب ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئا فقال بعضهم ما معها كتاب فقال علي بن أبي طالب ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذب الله والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك قالت أعرضوا عني فأخرجته من قرون رأسها وقيل أخرجته من حجزتها فجاؤا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب من كتب هذا قال أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل علي فوالله ما فعلت ذلك ارتدادا عن ديني ولا رغبة في الكفر ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق حاطب إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم لا تقولوا الحاطب إلا خيرا فنزلت الآية عتابا لحاطب وزجرا عن أن يفعل أحد مثل فعله وفيها مع ذلك تشريف له لأن الله شهد له بالإيمان في قوله يا أيها الذين آمنوا تلقون إليهم بالمودة عبارة عن إيصال المودة إليهم وألقى يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر كقوله ألقيت عليك ... 706

(3/163)


113 محبة مني ) وهذه الجملة في موضع الحال من الضمير في قوله لا تتخذوا أو في موضع الصفة لأولياء أو استئناف وقد كفروا حال من الضمير في لا تتخذوا أو في تلقون
يخرجون الرسول وإياكم أي يخرجون الرسول ويخرجونكم يعني إخراجهم من مكة فإنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إلى المدينة ومنهم من خرج إلى أرض الحبشة أن تؤمنوا مفعول من أجله أي يخرجونكم من اجل إيمانكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي جواب هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو لا تتخذوا والتقدير إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وجهادا مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله وكذلك ابتغاء إن يثقفوكم معناه إن يظفروا بكم وودوا لو تكفرون أي تمنو أن تكفروا فتكونون مثلهم قال الزمخشري وإنما قال ودوا بلفظ الماضي بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع لأنهم أرادوا كفركم قبل كل شئ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم إشارة إلى ما قصد حاطب من رعي قرابته يوم القيامة يفصل بينكم يحتمل أن يكون من الفصل بالحكم بينهم أو من الفصل بمعنى التفريق أي يفرق بينكم وبين قرابتكم يوم القيامة وقيل إن العامل في يوم القيامة ما قبله وذلك بعيد قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه الأسوة هو الذي يقتدي به فأمر الله المسلمين أن يقتدوا بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة الكفار والتبرئ منهم ومعنى والذين معه من آمن به من الناس وقيل الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من عصره ورجح ابن عطية هذا القول بما ورد في الحديث أن إبراهيم عليه السلام قال لزوجته ما على الأرض مؤمن بالله غيري وغيرك برآء جمع برئ كفرنا بكم أي كذبناكم في أقوالكم ويحتمل أن يكون عبارة عن إفراط البغض والمقاطعة لهم إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك هذا استثناء من قوله أسوة حسنة فالمعنى اقتدوا بهم في

(3/164)


عداوتهم للكفار ولا تقتدوا بهم في هذا لأن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وقيل الاستثناء من التبري والقطيعة والمعنى تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار إلا أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له ربنا عليك توكلنا هذا من كلام سيدنا إبراهيم عليه السلام والذين معه وهو متصل بما قبل ... 707
114 الاستثناء فهو من جملة ماأمروا أن يقتدوا به ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا في معناه قولان أحدهما لا تنصرهم علينا فيكون ذلك لهم فتنة وسبب ضلالهم لأنهم يقولون غلبناهم فيكون ذلك لهم لأنا على الحق وهم على الباطل والآخر لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا ورجح ابن عطية هذا لأنه دعاء لأنفسهم وأما على القول الأول فهو دعاء للكفار ولكن مقصدهم ليس الدعاء للكفار وإنما هو دعاء لأنفسهم بالنصر بحيث لا يفتتن الكفار بذلك عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم فامتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة فعلم الله صدقهم فآنسهم بهذه الآية ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش وقيل المودة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش ورد ابن عطية هذا القول بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين رخص الله للمسلمين في مبرة من لم يقاتلهم من الكفار واختلف فيهم على أربعة أقوال الأول أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث بن كعب كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه الثاني أنهم كانوا من كفار قريش لم يقاتلوا المسلمين ولا أخرجوهم من مكة والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال الثالث أنهم النساء والصبيان وفي هذا ورد أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت يا رسول الله

(3/165)


إن أمي قدمت على وهي مشركة أفأصلها قال نعم صلي أمك الرابع أنه أراد من كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا وأما الذين نهى الله عن مودتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم فهم كفار قريش
يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن
أي اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن وإنما سماهن مؤمنات لظاهر حالهن وقد اختلف في هذا الامتحان على ثلاثة أقوال أحدها أن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغضها في زوجها ولا لخوف وغير ذلك من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة والثاني أن يعرض عليها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله والثالث أن تعرض عليها الشروط المذكورة بعد هذا من ترك الإشراك والسرقة وقتل أولادهن وترك الزنا والبهتان والعصيان فإذا أقرت بذلك فهو امتحانها قالته عائشة رضي الله تعالى عنها فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار نزلت هذه الآية أثر صلح الحديبية وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يرد المسليمن إلى الكفار وكل من جاء ... 708

(3/166)


115 مسلما من الرجال والنساء فنسخ الله أمر النساء بهذه الآية ومنع من رد المؤمنة إلى الكفار إذا هاجرت إلى المسلمين وكانت المرأة التي هاجرت حينئذ أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدحداحة وقيل سبيعة الأسلمية ولما هاجرت جاء زوجها فقال يا محمد ردها علينا فإن ذلك في الشرط الذي لنا عليك فنزلت الآية فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يردها وأعطى مهرها لزوجها وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط هربت من زوجها إلى المسلمين واختلف في الرجال هل حكمهم في ذلك كالنساء فلا تجوز المهادنة على رد من أسلم منهم أو يجوز حتى الآن على قولين والأظهر الجواز لأنه إنما نسخ ذلك في النساء لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن هذا تعليل للمنع من رد المرأة إلى الكفار وفيه دليل على ارتفاع النكاح بين المشركين والمسلمات وآتوهم ما أنفقوا يعني أعطوا الكفار ما أعطوا نساءهم من الصدقات اذا هاجرن ثم أباح للمسلمين تزوجهن بالصداق ولا تمسكوا بعصم الكوافر العصم جمع عصمة أي النكاح فأمر الله المسلمين أن يفارقوا نساءهم الكوافر يعني المشركات من عبدة الأوثان فالآية على هذا محكمة وقيل يعني كل كافرة فعلى هذا نسخ منها جواز تزوج الكتابيات لقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وروى أن الآية نزلت في امرأة لعمر بن الخطاب كانت كافرة فطلقها واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا أي اطلبوا من الكفار ما أنفقتم من الصدقات على أزواجكم اللاتي فررن إلى الكفار وليطلب الكفار منكم ما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا معنى فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار هروب نساء المسلمين إلى الكفار والخطاب في قوله فعاقبتم وآتوا الذين ذهبت أزواجهم للمسلمين وقوله عاقبتم ليس من العقاب على الذنب وإنما هو من العقبى أى أصبتم عقبى وهي

(3/167)


الغنيمة أو من التعاقب على الشئ كما يتعاقب الرجلان على الدابة اذا ركبها هذا مرة وهذا مرة أخرى فلما كان نساء المسلمين يهربون إلى الكفار ونساء الكفار يهربون إلى المسلمين جعل ذلك كالتعاقب على النساء وسبب الآية أنه لما قال الله واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا قالوا الكفار لا يرضى بهذا الحكم ولا نعطي صداق من هربت زوجته إلينا من المسلمين فأنزل الله هذه الآية الأخرى وأمر الله المسلمين أن يدفعوا الصداق لمن هربت زوجته إلينا من المسلمين إلى الكفار ويكون هذا المدفوع من مال الغنائم على قول من قال إن معنى فعاقبتم غنمتم وقيل من مال الفئ وقيل من الصدقات التي كانت تدفع للكفار إذا فر أزواجهم إلى المسلمين فأزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الآية قد ارتفعت لأنها نزلت في قضايا معينة وهي مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب ثم زالت هذه الأحكام بارتفاع الهدنة فلا تجوز مهادنة المشركين من العرب إنما هو في حقهم الإسلام أو السيف وإنما تجوز مهادنة أهل الكتاب والمجوس لأن الله قال في المشركين اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال في أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية وقال النبي صلى الله عليه وسلم ... 709

(3/168)


116 في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك هذه البيعة بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعهن بالكلام ولا تمس يده يد امرأة ورد هذا في الحديث الصحيح عن عائشة وروى أنه صلى الله عليه وسلم لف على يده ثوبا كثيفا ثم لمس النساء يده كذلك وقيل إنه غمس يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن أيديهن فيه ولا يأتين بهتان معناه عند الجمهور أن تنسب المرأة إلى زوجها ولدا ليس له وكانت المرأة تلتقط الولد فتقول لزوجها هذا ولدي منك وإنما قال يفترينه بين أيديهن وأرجلهن لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها وفرجها الذي تلده به بين رجليها واختار ابن عطية أن يكون البهتان هنا على العموم بأن ينسب للرجل غير ولده أو تفتري على أحد بالقول أو تكذب فيما ائتمنها الله عليه من الحيض والحمل وغير ذلك وإلى هذا أشار بعض الناس بأن قال بين أيديهن يراد به اللسان والفم وبين الأرجل يراد به الفرج ولا يعصينك في معروف أي لا يعصينك فيما جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي ومن ذلك النهي عن النياحة وشق الجيوب ووصل الشعر وغير ذلك مما كان نساء الجاهلية يفعلنه وورد في الحديث أن النساء لما بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه االمبايعة فقررهن على أن لا يسرقن قالت هند بنت عتبة وهي امرأة أبي سفيان بن حرب يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فهل على إن أخذت من ماله بغير إذنه فقال لها خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فلما قررهن على أن لا يزنين قالت هند يا رسول الله أتزني الحرة فقال عليه الصلاة والسلام لا تزني الحرة يعني في غالب المرأة وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الاماء فلما قال ولا يقتلن أولادهن قالت نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم أنت ببدر كبارا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وقفهن على أن لا يعصينه في معروف قالت ما جلسنا

(3/169)


هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك وهذه المبايعة للنساء غير معمول بها اليوم لأنه أجمع العلماء على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ أو يكون ترك هذه الشروط لأنها قد تقررت وعلمت من الشرع بالضرورة فلا حاجة إلى اشتراطها لا تتولوا قوما غضب الله عليهم يعني اليهود وكان بعض فقراء المسلمين يتودد إليهم ليصيبوا من أموالهم وقيل يعني كفار قريش والأول أظهر لأن الغضب قد صار عرفا لليهود كقوله غير المغضوب عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور من قال إن القوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود فمعنى يئسوا من الآخرة يئسوا من خير الآخرة والسعادة فيها ومن قال إن القوم الذين غضب الله عليهم هم كفار قريش فالمعنى يئسوا من وجود الآخرة وصحتها لأنهم مكذبون بها تكذيبا جزما وقوله كما يئس الكفار من أصحاب القبور يحتمل وجهين أحدهما أن يريد كما يئس الكفار المكذبون بالبعث من بعث أصحاب القبور فقوله من أصحاب ... 710

(3/170)


117 يتعلق بيئس وهو على حذف مضاف والآخر أن يكون من أصحاب القبور لبيان الجنس أي كما يئس الذين في القبور من سعادة الآخرة لأنهم تيقنوا أنهم يعذبون فيها
سورة الصف أو سورة الحواريين
( لم تقولون مالا تفعلون ) في سببها ثلاثة أقوال أحدها قول ابن عباس أن جماعة قالوا وددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى الله فنعمله ففرض الله الجهاد فكرهه قوم فنزلت الآية والآخر أن قوما من شبان المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب فنزلت الآية زجرا لهم والثالث أنها نزلت في المنافقين لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن معكم ومنكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك وهذا ضعيف لأنه خاطبهم بقوله يا أيها الذين آمنوا إلا أن يريد أنهم آمنوا بزعمهم وفيما يظهرون ومع ذلك فحكم الآية على العموم في زجر من يقول ما لا يفعل كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون كان بعض السلف يستحي أن يعظ الناس لأجل هذه الآية ويقول أخاف من مقت الله والمقت هو البغض لريبة أو نحوها وانتصب مقتا على التمييز وأن تقولوا فاعل وقيل فاعل كبر محذوف تقديره كبر فعلكم مقتا وأن تقولوا بدل من الفاعل المحذوف أو خبر ابتداء مضمر إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ورود هذه الآية هنا دليل على أن الآية التي قبلها في شأن القتال وقال بعض الناس قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه يتمكن أكثر مما يتمكن للفرسان قاله ابن عطية وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية وليس المراد نفس التراص وإنما المراد الثبوت والجد في القتال كأنهم بنيان مرصوص المرصوص هو الذي يضم بعضه إلى بعض وقيل هو المعقود بالرصاص ولا يبعد أن يكون هذا أصل اللفظ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني كانوا يؤذونه بسوء الكلام وبعصيانه وتنقيصه وانظر في الأحزاب ولا تكونوا كالذين آذوا موسى وقد تعلمون أني رسول الله إليكم هذا إقامة حجة عليهم

(3/171)


وتوبيخ لهم وتقبيح لإذايته مع علمهم بأنه رسول الله ولذلك أدخل قد الدالة على التحقيق
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
هذه عقوبة على الذنب بذنب وزيغ القلب هو ميله عن الحق وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنما قال موسى يا قوم وقال عيسى يا بني إسرائيل لأنه لم يكن له فيهم أب مصدقا لما بين يدي من التوراة معناه مذكور في البقرة في قوله مصدقا لما معكم ومبشرا برسول عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى يا روح ... 711

(3/172)


118 الله هل بعدنا من أمة قال نعم أمة أحمد حكماء علماءأتقياء أبرار اسمه أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي وأنا العاقب فلا نبي بعدي وأحمد مشتق من الحمد ويحتمل أن يكون فعلا سمى به أو يكون صفة سمى بها كأحمد ويحتمل أن يكون بمعنى حامد أو بمعنى محمود كمحمد فلما جاءهم بالبينات يحتمل أن يريد عيسى أو محمد عليهما الصلاة والسلام ويؤيد الأول اتصاله بما قبله ويؤيد الثاني قوله وهو يدعي إلى الإسلام لأن الداعي إلى الإسلام هو محمد صلى الله عليه وسلم يريدون ليطفؤا نور الله ذكر في براءة تؤمنون بالله الآية تفسير للتجارة المذكورة قال الأخفش هو عطف بيان عليها يغفر لكم جزم في جواب تؤمنون لأنه بمعنى الأمر وقد قرأه ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر لأنه يقتضي التحضيض وأخرى تحبونها ارتفع أخرى على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره ولكم نعمة أخرى أو انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره ويمنحكم أخرى نصر من الله تفسير لأخرى فهو بدل منها وبشر المؤمنين قال الزمخشري عطف على تؤمنون بالله لأنه في معنى الأمر كونوا أنصار الله جمع ناصر وقد غلب اسم الأنصار على الأوس والخزرج سماهم الله به وليس ذلك المراد هنا كما قال عيسى ابن مريم هذا التشبيه محمول على المعنى لأن ظاهره كونوا أنصار الله كقول عيسى والمعنى كونوا أنصار الله كما قال الحواريون حين قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله وقد ذكر في آل عمران معنى الحواريين وأنصاري إلى الله فأصبحوا ظاهرين قيل إنهم ظهروا بالحجة وقيل إنهم غلبوا الكفار بالقتال بعد رفع عيسى عليه السلام وقيل إن ظهور المؤمنين منهم هو بمحمد صلى الله عليه وسلم
سورة الجمعة
القدوس ذكر في الحشر هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يعني سيدنا

(3/173)


محمدا صلى الله عليه وسلم ... 712
119 والأميين هم العرب وقد ذكر معنى الأمي في الأعراف
وآخرين منهم عطفا على الأميين وأراد بهؤلاء فارس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سلمان الفارسي وقال لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء يعني فارس وقيل هم الروم ومنهم على هذين القولين يريد به في البشرية وفي الدين لا في النسب وقيل هم أهل اليمن وقيل التابعون وقيل هم سائر المسلمين والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح لما يلحقوا بهم أي لم يلحقوا بهم لنفي وسيلحقون وذلك أن لما الذكر الماضي القريب من الحال ذلك فضل الله إشارة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهداية الناس به مثل الذين حملوا التوراة يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها ولم يحملوها لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره ولم يدر ما فيها بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها لأن التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة فتمنوا الموت ذكر في البقرة
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله
النداء للصلاة هو الأذان لها ومن في قوله من يوم الجمعة لبيان إذا وتفسير له وذكر الله يراد به الخطبة والصلاة ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سنة كالأذان لسائر الصلوات أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان والسعي واجب فالأذان واجب الثانية كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جدار المسجد وقيل على باب المسجد وقيل كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر وقد كان بنو أمية يأخذون بهذا وبقي بقرطبة زمانا وهو

(3/174)


باق في المشرق إلى الآن قال أبو محمد بن الفرس قال مالك في المجموعة إن هشام ابن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه قال وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف الثالث كان الأذان للجمعة واحد ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على الزوراء ليسمع الناس واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة الرابعة السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري وقرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي فهو بخلاف السعي في قول رسول الله ... 713

(3/175)


120 صلى الله عليه وسلم إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون الخامسة حضور الجمعة واجب لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق إلا أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور خلافا للظاهرية وتعلقوا بعموم الآية وحجة الجمهور قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجتهم في المسافر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر واختلف هل تسقط الجمعة بسبب المطر أم لا وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم لا والمشهور أنها لا تسقط عنه لعموم الآية السادسة اختلف متى يتعين الإقبال إلى الصلاة فقيل إذا زالت الشمس وقيل إذا أذن المؤذن وهو ظاهر الآية السابعة اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة فقيل ثلاثة أميال وهو مذهب مالك وقيل ستة أميال وقيل تجب على من كان داخل المصر وقيل على من سمع النداء وقيل على من آواه الليل إلى أهله الثامنة اختلف في الوالي هل هو من شرط الجمعة أم لا على قولين والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية وذروا البيع أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في الأذان وذلك على الوجوب فيقتضي تحريم البيع واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا واختلف في بيع من لا تلزمهم الجمعة من النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا والأظهر جوازه لأنه إنما منع منه من يدعي إلى الجمعة ويجري النكاح في ذلك الوقت مجري البيع في المنع فانتشروا في الأرض هذا الأمر للإباحة باتفاق وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية وابن الفرس وابتغوا من فضل الله قيل معناه طلب المعاش فالأمر على هذا للإباحة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة وقيل هو طلب العلم وإن صح الحديث لم يعدل إلى

(3/176)