قائمة الروابط

أنت الزائر رقم

count traffic

سبحان الله وبحمده،سبحان الله العظيم
موقع سلام مكة موقع الدكتورة هيفاء عثمان عباس الفدا
الرئيسية المكتبة البلاغية و النقدية التفسير الشعر مقالات English

ضع بحثك هنا
 
أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛ لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,
فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها


منهج ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)

القارئ في تفسير الشيخ ابن عاشور (التحرير والتنوير) يستطيع أن يتبيّن منهج الشيخ ابن عاشور والخطوات التي اتّبعها في تفسيره بوضوح وسهولة.

قدّم ابن عاشور لتفسيره بمقدمات عشر ذات صلة بالتفسير وعلوم القرآن، وهي:
المقدمة الأولى: في التفسير والتأويل.
المقدمة الثانية: في استمداد علم التفسير.
المقدمة الثالثة: في صحة التفسير بغير المأثور، ومعنى التفسير بالرأي.
المقدمة الرابعة: غرض المفسر.
المقدمة الخامسة: أسباب النزول.
المقدمة السادسة: في القراءات.
المقدمة السابعة: القصص القرآني.
المقدمة الثامنة: ما يتعلق باسم القرآن وآياته.
المقدمة التاسعة: المعاني التي تتحملها جمل القرآن.
المقدمة العاشرة: في إعجاز القرآن.

وبعد هذه المقدمات بدأ بتفسير الآيات القرآنية في سورها مرتبة حسب ترتيب المصحف، ونجده يقدم للسورة بمقدمة يذكر فيها أسماء السورة ـ إنْ كان لها أكثر من اسم ـ، ووجه تسميتها، ثم يذكر آراء العلماء في مكية السورة ومدنيتها، ورقمها في ترتيب النزول، ويستشهد في ذلك كله بالآثار والروايات ـ إنْ وجد ـ، ويأتي باختلاف العلماء في عدد آيها.

وبعد هذا يعرض أغراض السورة والموضوعات التي تحدثت عنها السورة على شكل نقاط، ثم يبدأ بتفسير الآيات.

وأول ما يبدأ به هو بيان مناسبة الآية للسياق، ونلمح من هذا حرصه على إظهار الصلات والروابط بين الآيات الكريمة، وإبرازها كنسيج واحد.

ونراه يهتم بالقراءات اهتماماً ملحوظاً، فهو يذكر القراءات، وينسبها إلى أصحابها، ثم يوجهها، فيذكر ما تحتمله من معانٍ، مع عدم ترجيحه بين القراءات المتواترة.

وإنْ كان للآية سبب نزول يذكره مستعيناً به على فهم الآية، وبشكل عام فهو لا يكثر من الاستشهاد بالأحاديث النبوية والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، إلا ما كان له دور في ترجيح معنى على معنى، أو ترجيح مذهب فقهي على آخر.

وحين يذكر الأحاديث النبوية يذكرها محذوفة السند، ويكتفي بذكر الصحابي الذي روى الحديث مرفوعاً إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكذلك الآثار الموقوفة على الصحابة، أو أقوال التابعين أو غيرهم، يكتفي بذكر صاحب القول دون سند، وقليلاً ما يعقب عليها بتصحيح أو تضعيف.

ولا يكتفي ـ رحمه الله ـ بنقل الآثار، ولكنه بناقش ما كان قابلاً للنقاش، كأن يختلف الصحابة أو التابعين في مسألة من المسائل، فينقل اختلافهم، ويرجّح ما يراه صحيحاً بالأدلة، ويَكْثُرُ هذا في تفسيره لآيات الأحكام.

ويمكننا أن نتبيّن مصادره التي اعتمد عليها بكثرة في التفسير، وهي: تفسير الطبري، وتفسير الزمخشري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبي السعود، والألوسي.

وأهم هذه التفاسير بالنسبة له كان تفسير الزمخشري (الكشاف)، فقد نقل عنه كثيراً، ولعل السبب في هذا يعود إلى اهتمام ابن عاشور بإبراز الجانب البلاغي في الآيات، ومعلوم أن تفسير الكشاف من أبرز التفاسير التي اعتنت بهذا الجانب.

إلا أن ابن عاشور لم يكن يوافق الزمخشري على آرائه جميعها، فهو يناقشه ويرد بعض أقواله، ولا تنحصر مصادر ابن عاشور في هذه المذكورة، فهو يستعين بغيرها كذلك، وإنما ذكرت أهمها.

وشأن ابن عاشور كشأن معظم المفسرين، وقع في الإسرائيليات، إلا أنه كان مُقلاً إذا ما قارناه مع غيره من المفسرين، وكان أحياناً يُحذر منها، ويصفها بالخرافات، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} [ص:34]، قال: "وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حلّ بسليمان، واختلفت أقوال المفسرين في تعيين هذه الفتنة، فذكروا قصصاً هي بالخرافات أشبه، ومقام سليمان عن أمثالها أنزه"، ثم ذكر بعض الروايات الإسرائيلية، إلا أن الغريب أنه بعد وصفه الإسرايليات بالخرافات، ورفضه ما جاء من هذا الطريق، ذكر رواية إسرائيلية أخرى من طريق وهب بن منبه، وشهر بن حوشب، وفسّر الآية بناءً على ما جاء فيها.
وعلى كل حال، فهو بالنسبة لغيره يُعدّ من المقلّين في هذا المجال.

ومما يؤخذ على الشيخ رحمه الله أنه كان أحياناً يستعين بما جاء في التوراة لتأييد ما يذهب إليه، فيقول: (وجاء في سفر كذا)، وهذا مما لا يقبل، فالقرآن مهيمن على الكتب السابقة، فكيف يُستدل بها عليه؟!

ومما لاحظتُه في تفسير ابن عاشور أنه كان يحرص على إظهار الآداب التي توحي بها الآيات، والمعاني التي تحملها لتربية النفوس وتهذيبها، وهو بهذا يبرز الجانب التربوي في الايات، الذي يعدّ من أهم الجوانب التي تظهر بها وظيفة القرآن الأولى، وهي الهداية.

ومما يلفت النظر في تفسير ابن عاشور اهتمامه المميز بآيات الأحكام، فنراه يذكر أقوال الأئمة الأربعة في المسألة، وقد يتعدى ذلك إلى ذكر أقوال غيرهم، ويذكر الاختلافات في المذهب الواحد، ويسرد الأدلة التي استشهد بها كل فريق، مما جاء في الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة والتابعين، أو القياس، أو غيرها من الأدلة مما يُستدل به، ويناقش الأدلة نقاشاً يعكس مدى تمكنّه وتمرّسه في هذا الميدان، ويرجّح ما يراه صحيحاً، مستدلاً على مذهبه بأدلة علمية، وهو يقدم من بين الآراء ما استند إلى حديث صحيح.

ومعلوم أن الشيخ ابن عاشور كان مالكي المذهب، ومما يُمدح به أنه لم يكن متعصباً لمذهبه، بل كان أحياناً يرجّح مذهباً مخالفاً لمذهب الإمام مالك، من ذلك ترجيحه مذهب الإمام أبي حنيفة في طهارة جلد الميتة بالدبغ ما عدا الخنزير؛ لأنه محرم العين، قال: وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح، ثم ذكره.

ولعل أبرز معالم تفسير الشيخ رحمه الله غوصه في المباحث اللغوية، واستخراجه الدرر النفيسة التي حملتها الآيات، وما جاءت به من دقائق ولطائف بيانية، ونثره إياها في جنبات تفسيره، لينعم بالنظر إليها كل صيرفيّ خبير، وكل متدبر يبحث عن حسن التصوير.


هذا وصف سريع وإلمامة على عجل بأهم ملامح منهج ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)، وأسأل الله أن ييسر لي وقفات ونظرات أخرى في تفسير هذا الشيخ العلامة.