16 - نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور
المؤلف : الإمام / برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعى
عدد الأجزاء / 8
دار النشر / دار الكتب العلمية ـ بيروت
الطبعة الثانية / 2002 م ـ 1424 هـ
تنبيه
أولا : الكتاب موافق للمطبوع
ثانيا : الترقيم داخل الصفحات
ثالثا : الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها
رابعا : ترقيم الشاملة للكتاب آلى
 

ولما ظهر أن الكل عبيده , وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبداً آخر في عبادة سيده قال : {إن كنتم إياه} أي خاصة بغاية الرسوخ {تعبدون*} كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر , ومحصل قولكم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فإن أشركتم به شيئاً بسجود أو غيره فما خصصتموه بالعبادة لأن السجود من العبادة وفعله ولو في وقت واحد لغيره إشراك في الجملة , ومن أشرك به لم يعبده وحده , ومن لم يعبده وحده لم يعبده أصلاً , لأنه أغنى الأغنياء , لا يقبل إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم , وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره رفعاً لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجوداً لهم , فإنه سبحانه أمر الملائكة الذين هم أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره فتبكر اللعين إبليس , فابد لعنه , فشتان ما بين المقامين.

جزء : 6 رقم الصفحة : 573
ولما كانوا في هذا الأمر بين طاعة ومعصية , وكاك درء المفاسد مقدماً , سبب عن ذلك قوله معبراً بأداة الشك تنبيهاً لهم على أن استكبارهم بعد إقامة هذه الأدلة ينبغي أن لا يتوهم , وصرف القول إلى الغيبة تحقيراً لهم وإبعاداً على تقدير وقوع ذلك منهم {فإن استكبروا} أي أوجدوا الكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد فلو يوحدوا الله ولم ينزهوه تعالى عن الشريك {فالذين عند} وأظهر موضع الإصخار معبراً بوصف الإحسان بشارة له ونذارة لهم {ربك} خاصة لا عندهم لكونهم مقربين لديه في درجة الرضاء والكرامة ولكونهم مما يستغرق به الآدميون ولكون الكفار لا قدرة لهم على الوصول إليهم بوجه : {يسبحون له} أي يوقعون التنزيه عن النقائص ويعبدون عن الشركة لأجل علوه الأقدس وعزه الأكبر لا لشيء غيهر إخلاصاً في عبادته وهم لا يستكبرون. 

(6/857)


ولما كان حال الكفار في الإخلاص مختلفاً في الشدة والرخاء , أشار إلى تقبيح ذلك منهم بتعميم خواصه عليهم الصلاة والسلام بالإخلاص حالتي الإثبات الذي هو حالة بسط في الجملة , والمحو الذي هو حالة قبض كذلك يجددون هذا التنزيه مستمرين عليه في كل وقت فقال : {بالليل والنهار} أي على مر الملوين الجديدين لا
576
يفترون.

ولما كان في سياق الفرص لاستكبارهم المقتضي لإنكارهم , أكد بالعاطف والضمير فقال مؤذناً بأن هذا ديدنهم لا ينفكون عنه : {وهم} أي والحال أنهم على هذا الدوام {لا يسئمون*} أي لا يكاد لهم في وقت من الأوقات فتور ولا ملل , فهو غني عن عبادة هؤلاء بل وعن عبادة كل عابد , والحظ الأوفر لمن عنده وأما هو سبحانه فلا يزيده شيئاً ولا ينقصه شيء فدع هؤلاء أن استكبروا وشأنهم , فيعلمون من الخاسر , فالآية من الاحتباك : ذكر الاستكبار أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والتسبيح ثانياً دليلاً على حذفه أولاً , وسر ذلك أنه ذكر أقبح ما لأعدائه وأحسن ما لأوليائه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 576
ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها , ولأن بعضها عبد , ومن آثار الإلهية , فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها , أتبعه بعض آيات الأرض بخلاف ما في يس , فإن السياق هناك للبعث ةآيات الأرض أدل فقال : {ومن آياته} أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه {أنك ترى الأرض} أي بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياساً على ما أبصرته , لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على حد سواء.

ولما كان السياق للوحدانية , عبر بما هو أقرب إلى حال العابد ما مضى في الحج فقال : {خاشعة} أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا منعة عنده لأنه لا مانع من المشيء فبها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات.

(6/858)


ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه , فهو من أعظم الأدلة على عظمة الواحد , صرف القول إلى مظهر العظمة فقال : {فإذا أنزلنا} بما لنا من القدرة التامة والعظمة {عليها الماء} من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت سبخة كأرض مصر {اهتزت} أي تحركت حركة عظيمة كثير سريعة , فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه {وربت} أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطياً لوجهها , وتشعبت عروقه , وغلظت سوقه , فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من السهولة , وصار بحسن زيه بمنزلة عليها فطرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات , وزكت بأنواع التجليات.

ولما كان هذا دليلاً مشاهداً على القدرة على إيجاد المعدوم , وإعادة البالي المحطوم , أنتج ولا بد قوله مؤكداً لأجل ما هم في من الإنكار صارفاً القول عن مظهر
577
العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد : {إن الذي أحياها} بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار تراباً {لمحيي الموتى} كما فعل بالنبات من غير فرق.

ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللاً مؤكداً : {أنه على كل شيء قدير*} لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة , فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.

(6/859)


ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب , وأشرف المراتب , وبين أنها إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها البعث , وبينه إلى أن كان بهذا الحد من الوضوح , كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله : فقال في عبارة عامة له ولغيره , مؤكداً تنبيهاً على أن فعلهم فعل يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله : {إن الذين يلحدون*} أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} , أو يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغظ وكل ما يشمله عما تصح إرادته.

جزء : 6 رقم الصفحة : 576
ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحاً في الاعتراف بالعظمة , أعاد مظهرها فقال : {في آياتنا} على ما لها من العظمة الدالة على مل لنا من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة : ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سبباً للأخذ , قال مقرراً للعلم بعد تقرير القدرة : {لا يخفون علينا} أي في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه , ونحن قادرون على أخذهم , فمتى شئنا أخذنا , ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت.

ولما كان الإلحاد سبباً لإلقاء صاحبه في النار , وكان التقدير : ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن من كل مخوف , ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في النار , سبب عنه قوله تعالى : {أفمن يلقى في النار} أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات , فيكون خائفاً يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه {خير أم من يأتي} إلينا {آمناً يوم القيامة} حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه , والآية من الاحتباك : ذكر الإلقاء في النار أولاً دليلاً على دخول الجنة ثانياً , والأمن ثانياً دليلاً على الخوف أولاً , وسره أنه ذكر المقصود بالذات , وهو ما وقع الخوف لأجله أولاً , والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانياً.

(6/860)


ولمام كان هذا راداً ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام الله وإفضاله , أنتج قوله مهدداً ومخوفاً ومتوعداً صارفاً القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان : {اعملوا ما شئتم} أي فقد علمتم مصير المشيء والمحسن , فمن أراد شيئاً من الجزاءين فليعمل أعماله , فإنه ملاقيه.

578
ولما كان العامل لا يطمع في الإهمال إلى على تقدير خفاء الأعمال , والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز , بين أنه سبحانه محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغباً مرهباً مؤكداً لأنهم يعملون عمل من يظن أن أعماله تخفى , عادلاً عن مظهر العظمة إلى ما هو أدل شيء على الفردانية , لئلا يظن ان مزيد العلم بواسطة كثيرة : {إنه} وقجم أعمالهم تنبيهاً على الاهتمام بشأنها جداً فقال : {بما تعملون} أي في كل وقت {بصير*} بصراً وعلماً , فهو على كل شيء منكم قدير.

ولما جعل إليهم الاختيار في العمل تهديداً , أتبعه الإخبار بما لمن خالقه , فقال مؤكداً لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد : {إن الذين كفروا} أي ستروا مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين {بالذكر} الذي لا ذكر في الحقيقة غيره {لكتاب*} أي جامع لكل خير {عزيز*} أي لا يوجد مثله فهو يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب من ذلك , ويعجز أصلاً عن إقعاد مناهض.

جزء : 6 رقم الصفحة : 576

(6/861)


ولما كان من معاني العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزاله نظمه وجلالة معانيه من أن يلحقه تغيير ما , بين ذلك بقوله : {لا يأتيه الباطل} أي البين البطلان إيتان غلبة فيصير أو شيء منه باطلاً بيّنا , ولما كان المراد تعميم النفي , لا نفي العموم , أدخل الجار فقال : {من بين يديه} أي من جهة الظاهر مثل ما أمر أخبر به عما كان قبله {ولا من خلفه} من جهة العلم الباطن مثل علم ما لم يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكماً أو خبراً لأنه في غاية الحقية والصدق , والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من الجهات , لأن ما قدام اوضح يكون , وما خلف أخفى ما يكون , فما بين ذلك من باب الأولى , فالعبارة كنابة عن ذلك لأن صفة الله لا وراء لها ولا أمام على الحقيقة , ومثل ذلك ليس وراء الله مرمى , ولا دون الله منتهى , ونحوه مما تفهم العرب ومن علم لسانها المراد به دون لبس , ثم علل ذلك بقوله : {تنزيل} أي بحسب التدريج لأجل
579
المصالح {من حكيم} بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في محاله في وقت النزول وسياق النظم {حميد*} أي بالغ الإحاطة الكمال من الحكمة وغيرها والتنزه والتطهر والتقدس عن كل شائبة نقص , يحمده كل خلق بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله , بما ظهر عليه من نقصه أو كماله , والخبر محذوف تقديره : خاسرون لا محالة لأنهم لا يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من الطعن لأنهم عجزة ضعفاء صغرة كما قال المعري :
أرى الجوزاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا
وحذف الخبر أهول لتذهب كل مذهب.

(6/862)


ولما وصف الذكر بأنه لا يصح ولا يتصور أن يلحقه نقص , فبطل قولهم {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} ونحوه مما مضى وحصل الأمن منه , أتبعه التسلية مما يلحق به من الغم ليقع الصبر على جميع أقوالهم فقال : {ما يقال لك} أي يبرز إلى الوجود قوله سواء كان في ماضي الزمان أو حاضره آو آتيه من شيء من الكفار أو غيرهم يحصل به ضيق صدر أو تشويش فكر من قولهم {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} إلى آخره.

جزء : 6 رقم الصفحة : 579
وغير ذلك مما تقدم أنهم قالوه له متعنتين به {إلا ما} أي شيء {وقد قيل} أي حصل قوله على ذلك الوجه {للرسل} وأن لم يقل لكل واحد منهم فإنه قيل للمجموع , ونبه على أن ذلك ليس لمستغرق للزمان بل تارة وتارة بإدخال الجار في قوله : {من قبلك} ولما حصل بهذا الكلام ما أريد من التأسية , فكان موضع التوقع لهم أن يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم من عذاب الاستئصال , وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة عليهم والمحبة لصلاحهم , سكن سبحانه ورعه بالإعلام بأن رحمته سبقت غضبه فقال مخوفاً مرجياً لأجل إنكار المنكرين : {إن} وأشار إلى مزيد رفعته بذكر صفة الإحسان وإفراد الضمير فقال : {ربك} أي المحسن إليك بأرسالك وإنزال كتابه إليك , ومن أكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض {لذو مغفرة} أي عظيمة جداً في نفسها وزمانها ومكانها لمن يشاء منهم , فلا يقطع لأحد شقاء.

(6/863)


ولما رغبهم باتصافه بالمغفرة , رهبهم باتصافه بالانتقام , وأكد باعادة " ذو " والواو فقال : {وذو عقاب} والختم بما رويه الميم مع تقديم الاسم الميمي في التي قبلها دال للأشعري الذي قال بأن الفواصل غير مراعية في الكتاب العزيز , وإنما المعول عليه المعاني لا غير , والمعنى هنا على إيلام من كانوا يؤلمون أولياءه باللغو عند التلاوة الدالة على غاية العناد , فلذلك قدم حكيم , ولم يقل شديد , وقال : {أليم*} أي كذلك , فلا يقطع لأحد نجاة إلا من أخبر هو سبحانه بإشقائه أو إنجائه , وقد تقدم فعله لكل
580
من الأمرين أنجى ناساً وغفر لهم كقوم يونس عليه الصلاة والسلام , وعاقب آخرين , وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك , كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة , فالآية نحو : إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم , ولعله لم يصرح هنا تعظيماً للقرآن الذي الكلام بسببه.

ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها وأكملها من التفصيل , والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن , فقالوا فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم {فلوبنا في أكنة} إلى آخره , وكان ربما قال قائل ؛ لو كان بلسان غير العرب , وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة وعلى تنبييه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع , أخبر أن الأمر ليس كذلك , لأنهم لم يقولوا : هذا الشك حصل لهم في أمره , بل عناداً , والمعاند لا يرده شيء , فقال على سبيل التأكيد , معلماً بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان , وقال الأصبهاني : إنه جواب عن قولهم {وقالوا قلوبنا في أكنه}.

جزء : 6 رقم الصفحة : 579

(6/864)


والأحسن عندي أن يكون عطفاً على {فصلت آياته قرآناً عربياً} وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج إلى تعيين المفصل , فيكون التقدير : فقد جعلناه عربياً معجزاً , وهم أهل العلم باللسان , فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم , ولفت القول عن وصف الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربياً إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار الاقتدار وإنفاذ الكلمة {ولو جعلناه} أي هذا الذكر بما لنا من العظمة والقدرة {قرآناً} أي على ما هو عليه من الجمع {أعجمياً} أي لا يفصح وهو مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه {لقالوا} أي هؤلاء المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغياً وتعنتاً : {لولا} أي هلا ولم لا {فصلت آياته} أي بينت على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين , حال كونه قرآناً عربياً كما قدمنا أول السورة.

ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة الحكيم الودود , وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف , لم يبق إلا المختلط منهما المنقسم إليهما , فقال مستانفاً منكراً عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد لا طلباً للوقوف على سبيل الرشد : {أعجمي} أي أمطلوبكم أو مطلوبنا - على قراءة الخبر من غير استفهام - أعجمي {وعربي} مفصل باللسانين , والأعجمي كما قاله الرازي في اللوامع : الذي لا يفصح ولو كان عربياً والعجمي من العجم ولو تفاصح بالعربية.

ولما كان من الجائز أن يقولوا : نعم , ذلك مطلوبنا , وكان نزولاً من الرتبة العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب , او عاجز عن إنفاذ ما
581

(6/865)


نريد , بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال : {قل هو} أي هذا القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره {للذين آمنوا} أي أردنا وقوع الإيمان منهم {هدى} بيان لكل مطلوب {شفاء} لما في صدروهم من داء الكفر والهواء شفاء للعلماء حيث استراحوا من كد الفكرة وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعيم بقراءته والتلذذ بالتفكر فيه , ولقلوب المحبين من لواعج الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد , ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز {والذين لا يؤمنون} أي أردنا أنه لا يتجدد منهم إيمان {في آذانهم وقر} أي ثقل مذهب للسمع مصم , فهم لذلك لا يسمعون سماعاً ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعو عليهم فهمه {وهو عليهم} أي خاصة {عمى} مستعلٍ على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم , فهم لا يعونه حق الوعي , ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار , فلهم به ضلال وداء , فلذلك قالوا {ومن بيننا وبينك حجاب} وذلك لما يحصل لهم من الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها , أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها , فقد بان لأن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم , فالآية من الاحتباك : ذكر الهدى والشفاء اولاً دليلاً على الضلال والداء ثانياً , والوقر والعمى ثانياً دليلاً على السمع والبصائر أولاً , وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات المؤمنين وأذم صفات الكافرين , لأنه لا أحقر من أصم أعمى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 579

(6/866)


ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال : {أولئك} أي البعداء البغضاء مثالهم مثال من {ينادون} أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله {من مكان بعيد*} فهم بحيث لا يتأبى سماعهم , وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا له من القبول من مكان قريب , فهذه هي القدرة الباهرة , وذلك أن شيئاً واحداً يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في أنهى البعد.

ولما كان التقدير : فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة , فاختلفت فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم , عطف عليه مسلياً قوله مؤكداً لمن يقول من أهل الكتاب إضلالاً : لو كان نبياً ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به : {ولقد آتينا} أي على ما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الجامع لما فيه هداهم {فاختلف} أي وقع الاختلاف {فيه} أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما
582
ركب فيهم من العقول الداعية إلى الإنفاق {ولولا كلمة} أي إرادة {سبقت} في الأزل , ولفت القول إلى صفة الأحسان ترضية بالقدر وتسلية , وزاد بإفراده بالإضافة فقال : {من ربك} أي المحسن إليك بتوفيق الصالح لاتباعك وخذلان الطالح بالطرد عنك لإراحتك منه من غير ضرر لدينك وبإهمال كل إلى أجل معلوم ثم إمهال الكل إلى يوم الفصل الأعظم من غير استئصال بعذاب كما صنعنا بغيرهم من الأمم {لقضي} أي وقع القضاء الفصيل {بينهم} المختلفين بإنصاف المظلوم من ظالمه الآن.

ولما علم بهذا وغيره أن يوم القيامة قد قدره وجعله موعداً من لا يبدل القول لديه , فاتضح أنه لا بدلا منه ولا محيد عنه وهو يجادلون فيه , قال مؤكداً : {إنهم لفي شك} أي محيط بهم {منه} أي القضاء يوم الفصل {مريب*} أي موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلاً.

جزء : 6 رقم الصفحة : 579

(6/867)


ولما تقرر بما مضى أن المطيع ناجٍ , وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة من غير تردد : {من عمل صالحاً} كائناً من كان من ذكر أو أنثى {فلنفسه} أي فنفع عمله لها ببركتها به لا يتعدادها , والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص , فلذا عبر بها , وكان قياس العبارة في جانب الصلاح.

" ومن عمل سيئاً " فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل أولاً الذي مبناه العلم أن الصالح تتوقف صحته على نيته , وأن السيء يؤاخذ به عامله في الجملة من الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال : {ومن أساء} أي في عمله {فعليها} أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء.

ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة , كرر سبحانه وصف الربوبية فيها كثيراً , فقال عاطفاً على ما تقديره : فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا خيراً كان أو شراً : {وما ربك} أي المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق.

ولما كان لا يصح أصلاً ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم , عبر للدلالة على ذلك بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار فقال : {بظلام} أي بذم ظلم {للعبيد*} أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ظلم لأحد أصلاً لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة , وعبر بـ " عبيد " دون عباد لأنه موضع إشفاق وإعلام بضعف وعدم قدرة على
583

(6/868)


انتصار وعناد يدل على طاعة وعدم حقارة بل إكرام هذا أغلب الاستعمال , ولعل حكمة التعبير بصيغة المبالغة الإشارة ألى أنه ترك الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم , لكن بليغ الظلم من جهة الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه , ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء , وذلك أشد في تهديد الظالم لأن الحكيم لا يخالف الحكمة فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها - هذا مع أن التعبير بها لا يضر لأنها موضوعة أيضاً للنسبة إلى أصل المعنى مطلقاً ولأن نفي الظلم مصرح به في آيات أخرى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 583

(6/869)


ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على كل جليل وحقير , وقليل وكثير , والبراءة من الظلم , كما قال تعالى {وضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون} {ووفيت كل نفس ما علمت} [آل عمران : 25] {وهو أعلم بما يفعلون} وأشير إلى التوعد بالجزاء في يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء , وكان من عادتهم السؤال عن علم ذلك اليوم , وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز , والظلم إنما يكون للجهل , لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام , دل على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم به الساعة الذي كان سبباً لنزول هذه الآية - كما ذكره ابن الجوزي - بقوله على سبيل التعليل : {إليه} أي إلى المحسن إليك لا إلى غيره {يرد} من كل راد {علم الساعة} أي التي لا ساعة في الحقيقة غيرها , لما لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها بها , فهي الحاضرة لذلك في جميع الأذهان , وإنما يكون الجزاء على الإساءة والإحسان فيها حتى يظهر لكل أحد ظهوراً بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلاً , فلا يمكن أن يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين وقتها وكيفيتها وصنعتها , وكلما انتقل السائل من مسؤول ألى أعلم منه وجده كالذي قبله حتى يصل الأمر إلى الله تعالى , والعالم منهم هو الذي يقول : الله أعلم , فاستئثاره بعلمها دال على تناهي علمه , وحجبه له عن كل من دونه دال على تمام قدرته , واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم , وأنه لا يصح اتصافه به , فلا بد من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه , ويأخذ لكل مظلوم ظلامته غير متعتع.

ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلاً عن العلم بها , عدها أمراً محققاً مفروغاً منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلاً على علمه بما يعين وقت الساعة , وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور بما لا نزاع لهم فيه من
584

(6/870)


ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي خارجة منه , فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض , فقال مقدماً للرزق على الخلق كما هو الأليق , عطفاً على ما تقديره : فما يعلمها ولا يعلمها إلا هو : {وما تخرج} أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والاية , فإن " ما " نافية لا تدخل إلا على معناه الحلول , فالمراد مجرد تصوير إن كان زمانه قد مضى أو لم يأت , وأكد النفي بالجار فقال : {من ثمرات} أي صغيرة أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها ؛ والإفراد في قراءة الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير , نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالجمع على كثرة الأنواع {من أكملها} جمع كم وكمامة بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وغطاء النور , وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئاً من شابه أن يخرج فهوكم , ومنه قيل للقلنسوة : كمة , ولكم القميص ونحوه : كم , رأى إلا بعلمه {وما تحمل من أنثى} خداجاً أو تماماً , ناقصاً أو تاماً , وكذا النفي باعادة النافي ليشمل كلا على حياله , وعبر " لا " لأن الوضع ليس كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال : {ولا تضع} حملاً حياً أو ميتاً {إلا} حال كونه ملتبساً {بعلمه} ولا علم لأحد غيره بذلك , ومن ادعى علماً به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت كذا أو لا تحمل العام شيئاً , ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علماً إلا الله سبحانه وتعالى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 583

(6/871)


ولما ثبت بهذا علمه صريحاً وقدرته لزوماً وعجز من سواه وجهله , وتقرر بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام عليها بما أقام من الأدلة , وأنه لا بد من كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحداً وإن كانوا في إيجادها ينازعون , ولم ينكرون قال تعالى مصوراً ما تضمنه ما سبق من جهلهم , ومقرراً بعض أحوال القيامة , عاطفاً على أرشد السياق إلى تقديره من نحو : فهو على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك , مقرراً قدرته تصريحاً وعجز ما ادعوا من الشركاء : {ويوم يناديهم} أي المشركين بعد بعثهم من القبور , للفصل بينهم في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم : {أين شركائي} أي الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم , والعامل في الظرف {قالوا} أي المشركون : {آذنّاك} أي اعلمناك سابقاً بألسنة أحوالنا والآن بألسنة مقالنا , وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك ,
585
ولذا عبروا بما منه الإذن {ما منا} وأكدوا النفي بإدخال الحار في المبتدأ المؤخر فقالوا : {من شهيد*} أي حي دائماً حاضر جون غيبة , مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة , فآل الأمر إلى أن المعنى : لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط العلم.

ولما قرر جهلهم , أتبعه عجزهم فقال : {وضل} أي ذهب وشد وغاب وخفي {عنهم} ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا فعل لهم في الحقيقة , عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال : {ما كانوا} أي دائماً {يدعون} في كل حين على وجه العادة.

(6/872)


ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق القبل , أدخل الجار فقال : {من قبل} فهم لا يرونه فضلاً عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه , كأنهم كانوا لما هم عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم , فلذلك عبر بالظن في قوله : {وظنوا} أي في ذلك الحال {ما لهم} وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال {من محيص*} أي مهرب وملجأ ومعدل.

جزء : 6 رقم الصفحة : 583
ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور , وتظهر عظائم المقدور , وغلقاؤهم بأيدهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل والرسوخ في العجز , أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال متبدل الأحوال متغير المناهج , إن أحسن بخير انفتح عظمه وتطاول كبراً , وإن مس ببلاء تضاءل ذلاً وأمتلأ ضعفاً وعجزاً , وذلك ضد مقصود السورة الذي هو العلم , بياناً لأن حال هذا النوع بعيد من العلم , عريق الصفات في الجهل والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى : {لا يسئم} أي يمل ويضجر {الإنسان} أي من الإنس بنفسه الناظر في أعطافه , الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية {من دعاء الخير} أي من طلبه طلباً عظيماً , وذلك دال مع شرهه على جهله , فإنه لو كان عالماً بان الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء {ولو كنت أعلم بالغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [الأعراف : 188] {وإن مسه الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها
586

(6/873)


{فيؤوس} أي عريق في اليأس , وهو انقطاع الرحاء والأمل والحزن العظيم والقطع بلزوم تلك الحالة بحيث صار قدوة في ذلك {قنوط*} أي مقيم في دار انقطاع الأمل والخواطر الرديئة , فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه وأتمه , وهذا هو ما طبع عليه الجنس , فمن أراد الله به منهم خيراً عصمه , ومن أراد به شراً أجراه مع الطبع فكان كافراً , وهو أن ينقطع رجاؤء من الخير , والقنوط أن يظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر , وبدأ بصفى القلب لأنها عي المؤثرة فيها يظهر على الصورة من الانكسار.

ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره الرديئة على عقله , أتبعه تأكيداً لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس الذي قطع فيه ملزوم الشر وامتناع حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من وجه لا يرجوه , وليس له دليل على ما دوامها وانصرافها لعاد إلى البطر والكبر والأشر , ونسي ما كان فيه من الشدة , فقال مسنداً إلى نفسه الخير بعد أن ذكر الشر , ولم يسنده إليه تعليماً للأدب معبراً بمظهر العظمة تنبيهاً على أن ذلك من جليل التدبير {ولئن أذقناه} أي الإنسان الذي غلبت عليه حالة الأنس بنفسه حنى أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم بل دونها.

جزء : 6 رقم الصفحة : 586

(6/874)


ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر , قدم هنا ضده على صلته اهتماماً به خلاف ما في سورة هود عليه السلام فقال : {رحمة منا} أي نعمة عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها , وهو من فائدة التعبير بأداة الشك , ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد جمع مباشرة الأحوال الثلاث : الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي بين حالتي الرضا والسخط , ثم شرع بيان ذلك فقال : {من بعد ضراء} أي محنة وشدة عظيمة {مسته} فطال بروكها عليه ؛ وأجاب القسم لتقدمه على الشرط بقوله : {ليقولن} بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيماً لكونها استدراجاً إلى الهلاك : {هذا} أي الأمر العظيم {لي} أي مختص بي لما لي من الفضل , لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالاً من حالة اليأس إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق المحن وينسى أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها , ويطردها بكفرها {قائمة} أي ثابتاً قيامها , فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله , لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع الرجاء من الخير عند مباشرته للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير : والفرض , لدفع من يعظه محققاً لدوام نعمته : {ولئن رجعت} أي على سبيل
587
الفرض بقسر قاسر ما {إلى ربي} أي الذي أحسن إليّ بهذا الخير الذي أنا فيه {إن لي عنده} وأكده على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قبله وقالبه {للحسنى} أي الحالة والرتبة البالغة في الحسن حداً لا يوصف لأني أهل لذلك , والدليل على تأهيلي له ما أنا فيه الآن من الخير , ونسي ما يشاهده غالباً من أن كثيراً من النعم يكون للاستدارج , ومن أن كثيراً من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به كل نقمه , فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا , وفي الاخرة يقول : يا ليتي كنت تراباً , فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء الحال.

(6/875)


ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته , سبب عنه سبحانه قوله , مؤكداً في نظير تأكيد هذا الناسي : {فلننبئن} أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل , وجعل الضمير الوصف تصريحاً بالعموم وبياناً للعلة الموجبة فقال : {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه العقول , وأوجبته صرائح النقول , من إقامة الساعة لأظهار جلاله وجماله , ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعو {بما عملوا} لا ندع منه قليلاً ولا كثيراً صغيراً ولا كبيراً , فليرون عياناً ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} [الفرقان : 23] {من عذاب غليظ*} لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعة قواهم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 586
ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر , والأمن عن ذوق النعمة بعد الضر , بين حاله عند النعمة مطلقاً ودعاءه عند الشر وإن كان قانطاً تكريراً لتقلب أحواله وتناقص أقواله وأفعاله تصريفاً لذلك على وجوه شتى ليكون داعياً له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان , ومسقطاً عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات , فقال معبراًَ بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه , ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيداً لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفاً للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر : {وإذا أنعمنا} مما لنا من العظمة يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده إيذاناً بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال : {أعرض*} أي انحرف عن وسواء القصد إلينا عنا في
588

(6/876)


جميع مدة النعمة - بما أفهمه الظرف , فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا , قاطعاً تلك النعمة خير محض ظاهراً وباطناً فهو يستديمها , وربما كانت بلاء استدراجاً وامتحاناً {وناء} أي أبعد إبعاداً شديداً بحيث جعل بيننا وبينه حجاباً عظيماً حال كونه مال {بجانبه} أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه بنفسه وزهوة وتصويراً له بمن كلمته فازور عنك والتوى , وأبعد في ضلاله وغوى.

ولما تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة , بين حاله عند مسه وهو يتوقعه , فقال معبراً في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب , ليدل على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع الشر ولا يزال حاله حال الآمن إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قوله : {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه , فالآية من الاحتابك : ذكر الإنعام أولاً دليلاً الانتقام ثانياً وذكر الشر ثانياً دليل الخير أولاً , وسره تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان الكل منه.

ولما كان تعظيم العرض دالاً على عظمة الطول , قال معبراً بما يدل على الملازمة والدوام : {فذو دعاء} أي في كشفه , وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس , وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفاً إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يعرفه إلا أفراد خصهم الله بلطفه , فدل تركه على عدم شره لما مضى وخفة لما يأتي ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس على دعم صبره وتلاشي جلده وقله حيائه {عريض*} أي مديد العرض جداً , وأما طوله فلا تسأل عنه , وهذا كناية عن النهاية في الكثرة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 586

(6/877)


ولما ذكر سبحانه من احوالهم المندرجة في أحوال هذا النوع كله ما هو مكشوف بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند الشدائد إعلاماً بالعراقة في الجهل والعجز , دل على الأمرين معا بما لا يمكن عاقلاً دفعه من أنهم لا يجوزون الممكن فيعدون له ما يمتعه على تقدير وقوعه , فأمره صلى الله عليه وسلم أن يذكر ذلك إيذاناً بالإعراض عنهم دليلاً على تناهي الغضب : {قل أرأيتم} أي أخبروني {إن كان} أي هذا القرآن الذي نصبتم لمغالبته حتى الإعراض عن السماع باللغو حال قراءته من الصفير والتصفيق
589
وغير ذلك , وليس ذلك منكم صادراً عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه {من عند الله} الذي له الإحاطة بجميع صفاات الجلال والجمال فهو لا يغالب.

ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد , وكان مقصود السورة دائراً على العلم , نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان منهم إلا بعد تأمل طويل , فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق من أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال : {ثم كفرتم به} أي بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق , فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية البعد من الملائمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله , ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله {من أضل} منكم - هكذا كان الأصل ولكنه قال : {ممن هو في شقاق} أي لأولياء الله {بعيد*} تنبيهاً على أنهم صاروا كذلك , وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي من واقعته هلك لا محالة , ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء , فنجا من كل خطر - فالآية من الاحتباك : ذكر الكفر أولاً دليلاً على الإيمان ثانياً , والضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً , وسره أن يذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ.

(6/878)


ولما كان هذا محزناً للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع , قال منبهاً على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتاً القول إلى مظهر العظمة إيذاناً بسهولة ذلك عليه : {سنريهم} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه {آياتنا} أي على ما لها من العظمة {في الآفاق} أي النواحي , جمع أفق كعنق وأعناق , أبدلت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد مثلها , أي وظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح , وذلك بما يفتح الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة , وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة , تصديقاً لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف الأحكام مع اتفاق جواهرها في النجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي يشرحها بآيات السمع.

جزء : 6 رقم الصفحة : 589
ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر , وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى الكمال , وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك , بدأ بها , ثم قال : {وفي أنفسهم} أي من ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد المطابقة لما تضربه من الأمثال
590

(6/879)


والدلائل المعقولة عند اعتبار الأقوال والأفعال , وبما في بلاد العرب من الآيات المرئية من نفي بعد إسراعهم إليه وإطباقهم عليه وإثبات التوحيد عن جميعهم بعد إبعادهم عنه وقتالهم الداعي إليه , وقد بين سبحانه في هذه من آيات الآفاق في آية {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} وما شاكلها , وفي الأنفس في آيات {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود والذي من بعدهم} ونحوها , وآيات {لا يسئم الإنسان من دعاء الخير} إلى آخرها الدالة على أن الإنسان مبني أمره على الجهل والعجز , فأكثر ما يتصوره ليس كما تصوره , فعليه أن يتأمل كتاب ربه ويتدبره - والله أعلم , قال الرازي في اللوامع : الاستدلال بالأفعال على فاعلها واضح وطريق لائح , والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق وهو جملة العالم , والثاني النفوس , فإن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها باقية بغير البدن لا يحتاج في قوامها عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه وقدرته وإرادته وتصرفه في جلمة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود غيره.

ولما كان التقدير : ولا نزال نواتر ذلك شيئاً في أثر شيء , عطف عليه قوله : {حتى يتبين لهم} غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر {أنه} أي القرآن {الحق} الكامل في الحقية الذي تطايقه الوقائع وتصادقه الأحوال العارضة والصنائع , فيجتعوا عليه ويُقبلوا بكل قلوبهم إليه , فلا يأباه في جزيرة العرب إنسان , ولا يختلف فيه منهم اثنان , ثم ينثون في أرجاء الأرض بطولها والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان , ويبيد على أيديهم أهل الكفران , في سائر البلدان , ويزول كل طغيان , فيكون ظهورهم في هذا الوقت وضعف المؤمنين بعد أن كان سبباً لازدياهم من الكفر عظمة لهم ولكل من يأتي بعدهم يوجب الثبات في محال الزلزال علماً بأن الله أجرى عادته أن يكون للباطل ريح تخفق ثم تسكن , ودولة تظهر ثم تضمحل , وصولة تجول ثم تحول.

جزء : 6 رقم الصفحة : 589

(6/880)


ولما كان هذا القول منبهاً على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية التي يقرأها أولو الأبصار بالبصائر , ويتأملها بأعين السرائر , أمراً لا يحيط به الوصف , فكان حادياً على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار , والوقوف على بعض ما في ذلك من لطائف الأسرار , كان كأنه قيل : ألم يروا بعقولهم ما في ذلك من الأدلة على أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج عن أنفسهم , عطف عيله قوله : {أو لم يكف} وأكد بإدخال الجار , وحقق الفاعل فقال مؤكداً بالباء ومحققاً أنه الفاعل
591
صارفاً القول إلى وصف الإحسان إيذاناً بالرفق بهم بردِّهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب نكالهم وإهلاكهم واستئصالهم : {بربك} أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان شهادة بأنه من عنده {أنّه} أي أو لم يكف شهادة ربك لأنه {على كل شيء شهيد*} لا يغيب عنه شيء من الأشياء , لا هذا القرآن ولا غيره , وقد شهد لك فيه بإعجازه لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته , ونطقت به كلماته , ففيه أعظم بشاءة بتمام أمر الدين وظهوره على المعتدين , وذلك لأن كل أحد يجد في نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ينكره من هو عليه لصاحب الحق من الشهود ما يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه أنه يكون مطمئناً لا ينزعج بالجحد علماً منه بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي معانده ويقهر , وفي هذا تأديب لكل من كان على حق ولا يجد من يساعده على ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره فتوكل على الله إنك على الحق المبين.

(6/881)


ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال , ولا شبهة أصلاً لضال , كان موضع المناداة على من استمر على عناده بقوله مؤكداً لادعائهم إنهم على جلية من أمرهم , {ألا إنهم} أي الكفرة {في مرية} أي جحد وجدال وشك وضلال على العبث {من لقاء} وصرف القول إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلة أنه لا بد من كمال تربيتهم بالبعث لأنه أحكم الحاكمين فقال : {ربهم} أي المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب والجزاء بالثواب والعقاب كما هو شأن كل حكيم فيمن تحت أمره.

ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث , قرره إيمانهم معترفون به من قدرته على كل يء من البعث وغيره فقال : {ألا إنه} أي هذا المحسن إليهم {بكل شيء} أي من الأشياء جملها وتفاصيلها كلياتها وجزيائتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها {محيط*} قدرة وعلماً من كثير الأشياء وقليلها كليها وجزئيها , فعما قليل يجمعهم على الحق ويبدلهم بالمرية إذعاناً وبالشك يقيناً وبرهاناً , فرحمته عامة لجميع أهل الوجود وخاصة لمن منَّ عليه الإيمان الموصل إلى راحة الأمان , فكيف يتصور في عقل أن يترك البعث ليوم الفصل الذي هو مدار الحكمة , ومحط إظهار النعمة والنقمة , وقد علم بذلك انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب على أولها المفصل للقرآن المفيض لقسمي الرحمة : العامة والخاصة لأهل الأكوان , وعلى ما اقتضاه العدل والإحسان , بالبشارة لأهل الإيمان , والنذارة لأهل الطغيان - والله الهادي وعليه التكلان.

592
جزء : 6 رقم الصفحة : 589

(6/882)


سورة الشورى
جزء : 6 رقم الصفحة : 592
سورة الشورى مكية - آياتها ثلاث وخمسون وتسمى حم عسق مقصودها الاجتماع على الدين الذي أساسه الإيمان , وأم دعائمه الصلاة , وورح أمره الألفة بالمشاورة المقتضية لكل أهل الدين كلهم في سواء كما أنهم في العبودية لشارعه سواء , وأعظم نافع في ذلك الإنفاق والمؤاساة فيما في اليد , والعفو والصفح عن المسيء , والإذعان للحق وإن صعب وشق , وذلك كله الداعي إليه هذا الكتاب الذي هو روح جسد هذا الدين المعبر عما دعا إليه من محاسن الأعمال , وشرائف الخلال بالصراط المستقيم , وإلى ذلك لوح آخر آخر السورة الماضية {حتى يتبين لهم أنه الحق} {ألا إنه بكل شيء محيط} وصرح ما في هذه من قوله : {أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه إلا المودة في القربى} {استجيبوا لربكم} {نهدي به من نشاء من عبادنا} {وإنك لتهدي إلى صارط مستقيم} {ألا إلى الله تصير الأمور} وتسميتها بالشورى واضح المطابقة لذلك لما في الانتهاء وكذلك بالأحرف المتقطعة فإنها جامعة للمخارج الثلاثة : الحلق والشفة واللسان , وكذا جمعها لصنفي المنقطوطة والعاطلة , ووصفي المجهورة والمهموسة , وهي واسطة جامعة بين حروف أم الكتاب الذكر الأول , وحروف الرقآن العظيم , وهذا المقصود هو غاية المقصود من أختها سورة مريم الموافقة لها في الابتداء بالتساوي في عدد الحروف المقطعة , وفي الانتهاء من حيث أن من اختص بمصير الأمور , كان المختص بالقدرة على إهلاك القرون , وذلك لأن مقصودها اتصافه تعالى بشمول الرحمة بإفاضة جميع النعم على جميع خلقه , وغاية
593

(6/883)


هذه الاجتماع على الدين , ولما توافقتا في المقصود في الابتداء والانتهاء , واختصت الشورى بأن حروفها اثنان , دل سبحانه بذلك أرباب البصائر على أنه إشارة إلى أن الدين قسمان : أصول وفروع , دلت مريم على الأصول {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه تمترون} [مريم : 34] , وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم , {هل تعلم له سميا} [مريم : 65] والشورى على مجموع الدين أصولاً وفروعاً {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} الآية , هذا موافقة البداية , وأما موافقة النهاية فهو أنهما ختمتا بكلمتين : أول كل منهما آخر الأخرى وآخر كل أول الأخرى وإيذاناً بأن السورتين دائرة واحدة محيطة بالدين متصلة لا انفصام لها , وذلك أن آخر مريم أول الشورى وآخر الشورى أو مريم {فإنما يسرناه بلسانك} , الآية {هو كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} إلى آخرها هو {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} - إلى آخر القصة في الدعاء بارث الحكمة والنبوة الذي روحه الوحي والله الهادي , وكذا تسميتها ببعضها بدلالة الجزء على الكل {بسم الله} الذي أحاط بضفات الكمال , فنفذ أمره , فاستجاب له كل شيء طوعاً أو كرهاً {الرحمن} الذي عمت رحمته فهيأت عباده لقبول أمره {الرحيم} الذي خص اولياءه بما ترتضيه الإلهية من رحمته , فجمع كلمتهم على دينه عقداً وفعلاً ومآلاً {حم عسق*} هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم يشير إلى أن معنى هذا الجمع يجوز أن يقال : حكمة محمد علت وعمت فعفت سقام القلوب , وقسمت حروفها قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين , ولم تقسم {كهيعص} لأنها آية واحد ولا أخت لها ولم تقسم {المص} مثلاً وإن كان لها أخوات لأنها آية واحدة , ولم يعد في شيء من القرآن حرف واحد آية , ويجوز أن يعتبر مفردة فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار , وتشرح الصدور

(6/884)


والأفكار , فإن نظرت إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين , وهو جامع للحلق واللسان , وقصد رابعاً إلى اللسان بالسين التي هي من أدناه إلى الشفتين وهو رأسه ولها التصاق بطوناً إلى أصل اللسان , وهو اقصاه من الشفة بالقاف , ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق والاختام بالشفة العليا والثنيتين السفليين , ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر بما فيها من الجمع إلى مقصود السورة , وقد
594
جزء : 6 رقم الصفحة : 593

(6/885)


اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في ألو الإسلام حيث حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه في الشعب , وذلك أيضاً إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول , كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سبباً له , لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجاً , فإن الحاء له من الصفات الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات والجهر والشدة والانفتاح والاستفال وبين الشدة والرخاوة , والعين لها من الصفات ما للميم سواء , والسين لها من الصفات ما للحاء , وتزيد بالصفير , والقاف له من الصفات الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته الضعف , ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثر من القراء , والثاني والثالث على السواء , وهما إلى القوة أرجح قليلاً , وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروح من الشعب , والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر , فإن فيه للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين , وذلك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي الله عنها وأبو طالب لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار , والخامس وهو الأخير كله قوة كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة , كما قال صلى الله عليه وسلم : "فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم" ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موته صلى

(6/886)


الله عليه وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يميناً وشمالاً , فما قام لهم مخالف , ولا وافقهم أمه من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار , وقد جمعت هذه الحروف كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود , وصنفي المنقطوطة والعاطلة , وكانت كلها عاطلة إلا حرفاً واحداً , إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن يكون أغلب أحواله لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين قليل جداً , وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق
595
جزء : 6 رقم الصفحة : 593

(6/887)


الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم , وهي ذات الدائرة المستوية الاستداؤة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم بحيث أنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته , ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذه العدد كانت ولادتي , فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني في شعبان كان سني قد شارف أربعاً وستين سنة , وهو موافق لعدد حرفي {دن} أمراً من الدين الذي هو مقصود السورة , فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها , وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعاً وستين سنة , وهو عدد موافق لعدد أحرف {دين} الذي هو مقصود السورة , فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيراً إلى أن الله تعابى يجمع بكتابي هذه الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه , واعتناقه والتزامه , أهل هذا الدين القيم جمعاً عظيماً جليلاً جسيماً , يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه , ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليها السلام بيان اتصاف الرحمن , المنزل لهذا القرآن , بشمول الرحمة لجميع الأكوان , وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة , وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر , فكان لذلك محيطاً قاهراً لحظ كل قاهر وظالم , وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها , وكانت لكونها من أوصاف الخلق الخلق بمنزلة اليسار , وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين , لذلك - والله أعلم - قال الاستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له من الحرف : ولما كان ذلك - أي هذه الأسم المجتمع من هذه أصابع

(6/888)


اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله , وكانت خمسها مضافة إلى خمس {كهيعص} المستولية على حكمة اليمين محيطاً ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف - انتهى.

ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية , قال الله سبحانه وتعالى : {كذلك} أي مثل هذه الإيحاء العظيم الشأن
596
الذي أخبرك به ربك صريحاً أول " فصلت " من أن الإله إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك غلا ما قد قيل للرسل من قبلك , ومن أنه يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية البيان " وبضدها تتبين الأشياء " ورمز لك به سبحانه تلويحاً اول هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى وا إلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك , فهما نوعان من الوحي : صريح وعبارة , وتلويح وإشارة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 593
ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع أنبيائه ورسله والبشارة له صلى الله عليه وسلم بتجديده له , مدة حياته تثبيتاً لفؤاده , ودلالة على دوام وداده , عبر بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار , وتقدم في أول البقرة نقلاً عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين , بل يراد مطلق الوجود فقال : {يوحة إليك} أي سابقاً ولاحقاً ما دمت حياً لا يقطع ذلك عنك أصلاً توديعاً ولا قلى بما يريد من أمره مما يعلى لك مقدارك , وينشر أنوارك ويعلي منارك.

(6/889)


ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول - والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقاً وكان المراد بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدماً على الفاعل : {وإلى الذين} والقائم مقام الفاعل في قراءة ابم كثير ضمير يعود على " كذلك ".

ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل , ادخل الجار فقال : {من قبلك} أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام , بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء , وأخذ كل منهم العهد باتباعك , وأن يكون من أنصارك وأشياعك.

ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه , أتى بفاعل {يوحي} في قراءة العامة فقال : {الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال.
.

وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه.

ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال : {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم*} الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله , فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه , ولا نقص ما أحكمه.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين , وأعقبت بسورة السجدة بياناً أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحاً لأنه الكتاب العزيز وعظيم الكتاب العزيز وعظيم برهانه , ومع ذلك فلم يجد على من
597

(6/890)


قضى عليه تعالى بالكفر , اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في عمله تعالى بحكم الأزلية {فريق في الجنة وفريق في السعير} {وما أنت عليهم بوكيل} {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} {ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم} {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} {وما أنتم بمعجزين في الأرض} {ومن يضلل الله فما له من سبيل} {إن عليك إلا البلاغ} {نهدي به من نشاء من عبادنا} فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر , ومحكم ما استجره , وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها , يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها.

جزء : 6 رقم الصفحة : 593
ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى {إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم} اعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم , فقال تعالى {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} كما أعقب بمثله في قوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إذ تكاد السماوات يتفطرون منه} ولما تكرر في سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى {فأعرض أكثرهم وقالوا قلوبنا في أكنة} إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم قال تعالى في سورة الشورى {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} - انتهى.

ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائماً قديماً وحديثاً , علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال : {له ما في السموات} أي من الذوات والمعاني {وما في الأرض} كذلك.

ولما كان العلو مستلزماً للقدرة قال : {وهو العلي} أي على العرض الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان وملابسة , فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها {العظيم*} أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك , فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل , لا اعتراض لأحد عليه.

(6/891)


ولما كان السياق مفهماً عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل , قال مبيناً لذلك : {تكاد السماوات} أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن , وفلقهن بما أعلم به الواقع , ونبه عليه بتذكير {تكاد} في قراءة نافع والكسائي {يتفطرن} أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو وشعبة عن عاصم , وتفطراً شديداً في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء , مبتدئاً ذلك {من فوقهن}
598
الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته , فانفطار غيره من باب الأولى , وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذي لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علماً إلا الذي يراهم بحيث إنّ أحدهم إذا أشير إلى الأرض حملها كما قال صلى الله عليه وسلم "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم يصلي" ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء , أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أنداداً كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدا} [آية : 90] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد , وهذا كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط , فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها إلا بارئها , فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذه الانفطار من البلايا الكبار , وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها.

جزء : 6 رقم الصفحة : 593

(6/892)


ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر , بين لها سبباً آخر وهو عظيم قولهم , فقال : {والملائكة} أي والحال أنهم , وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع , إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال : {يسبحون} أي يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ملتبسين {بحمد ربهم} أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحاً يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة دائماً لا يفترون , فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول , ولا تثبت لها الجبال , فلا تستبعدن ذلك , فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب , ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضاً بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه , وتذرعوا من كفرانه.

ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى , وكانوا يعلمون مما
599
جادلهم سبحانه عنهم أنه له بهم عناية , فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم , فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقاً ما أوجبه السياق في {غافر} من ذكر الإيمان , إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان المشروط بالغيب إبلاغاً في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا : {ويستغفرون} أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران {لمن في الأرض} لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة , التي لا تضاهى , أما للمؤمن فمطلقاً , وأما للكافر فبتأخير المعالجة , وكذا لبقية الحيوانات , وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت.

(6/893)


قال ابن برجان : لم يشأ الله جل ذكره كون ضيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه , وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه , وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين , وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من العظمة , ومن تحتهن من ذنوب الثقلين , فلولا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب , فعوجل الخلق بالهلاك , وقامت القيامة , وقضيا الأمر , وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار , فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه وخلا منه , ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في {غافر} لما اقتضاه السياق هنا من العموم , ولأن مقصود غافر تصنيف الناس في الآخرة هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا بالإيمان , ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ليجازي كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر.

جزء : 6 رقم الصفحة : 593

(6/894)


ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها , أجاب من كأنه قال : هذا يستجاب لهم في المؤمنين , فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف والتسير في آخره , فقال لافتاً القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفاً بعظيم الأمر حملاً على لزوم الحمد وإدامة الشكر : {ألا إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال , فله جميع العظمة , وأكد لأن ذلك لعظمة لا يكاد يصدق {هو} أي وحده , ورتب وصيفه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال : {الغفور الرحيم*} أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة , وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر : 45] وأما الله فلا يغفر لأهل معصيته , ولو أراد ذلك ما تمكن.

600
جزء : 6 رقم الصفحة : 593
ولما كان التقدير : فالذين تولوه وماتوا في ولا يته فهو يغفر ذنوبهم بمعنى أنه يزيلها عيناً وأثراً , عطف عليه قوله : {والذين اتخذوا} أي عالجوا فطرهم الأولى وعقولهم حتى أخذوا {من دونه} أي من أدنى رتبة من رتبته {أولياء} يعبدونهم كالأصنام وكل من ابتع هواه في شيء من الأشياء , فقد اتخذ الشيطان الآمر له بذلك ولياً من دون الله بمخالفة أمره.

(6/895)


ولما كان ما فعلوه عظيم البشاعة , اشتد التشوف إلى جزائهم عليه فأخبر عنه سبحانه بقوله معبراً بالاسم الأعظم إشارة إلى وضوح ضلالهم وعظم تهديدهم معرياً له عن الفاء لئلا يتوهم أن الحفظ مسبب عن الاتخاذ المذكور عادلاً إلى التعبير بالجلالة تعظيماً لما في الشرك من الظلم وتغليظاً لما يستحق فاعله من الزجر : {الله} أي المحيط بصفات الكمال {حفيظ عليهم} أي رقيب وراع وشهيد على اعمالهم , لا يغيب عنه شيء من أحوالهم , فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعده للكافرين , وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عيناً وأثراً , فلم يعاقبهم ولم يعاتبهم , وإن شاء محاه عيناً وأبقى الأثر حتى يعاتبهم {وما أنت عليهم بوكيل*} أي حتى يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم , فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل مما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا {لا تسمعوا لهذا القرآن} أو قالوا {قلوبنا في أكنة} أو غير ذلك.

جزء : 6 رقم الصفحة : 601
ولما كان الإيحاء السابق أول السورة للبشرى لأنها المقصود بالذات وكانت البشرى مقتضية تلويحاً ورمزاً بالأحرف المقطعة لاجتماع أهل الدين وغلبتهم على سائر الأديان وأن دينهم يعم سائر الأمم ويحيط بجميع الخلق , ولا يريد أحد بأهله سوءاً إلا كان له فيه رفعة كما مضى بيانه , وكانت رمزاً لأن المقام للانذار بما تشهد به السورة الماضية , وكان المراد بها التكرار حتى لا تزال لذاذتها في أذن المبشر وحلاوتها في قلبه , ذكرها بلفظ المضارع الدال على التجدد والتكرار والحدوث والاستمرار , وكان المتعنت ربما حمله على الوعد بالإيحاء في المستقبل , وكان العاقل يكفيه في النذرى
601

(6/896)


مرة واحدة فقال معبراً بالماضي الدال على الإمضاء والقطع والقضاء الحتم في كل من الإيحاء وفائدته التي هي الأنذار , عاطفاً على ما يتصل بالآية السالفة المختومة بنفي الوكالة مما تقديره : إنما عليك البلاغ بالبشارة والنذارة , وقد أوحينا إليك البشارة رمزاً , كما جرت به عادة الأحباب في محاورات الخطاب , ولفت القول إلى مظهر العظمة لأن الإنذار من مجازه : {وكذلك} أي ومثل ذلك الإيحاء الذي قدمنا أنا حبوناك به من وحي الإشارة بالحروف المقطعة {أوحينا} بما لنا من العظمة مع الفرق بين كل ملبس {إليك قرآناً} جامعاً لكل حكمة {عربياً} فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب {لتنذر} أي به {أم القرى} مكة التي هي أم الأرض وأصلها , منها دحيت ولشرفها أوقع الفعل عليها , عدا لها عداد العقلاء , ثم بين أن المراد أهلها بقوله : {ومن} أي وتنذر من {حولها} وهم سكان جميع الأرض التي هي امها , وبذلك فسره البغوي فقال : قرى الأرض كلها , وكذا القشيري وقال : العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض.

ولما كان مفعول {تنذر} الثاني على ما هدى إليه السياق ما عذبت به الأمم السالفة والقرون الماضية حين تمادى بهم الكفر وغلب عليهم الظلم في اتخاذهم أولياء من دون الله , عطف عليه : {وتنذر} أي أم القرى ومن حولها مع عذاب الأمم في الدنيا {يوم الجمع} أي لجميع الخلائق ببعثهم من الموت , حذف المفعول الأول من الشق الثاني , والمفعول الثاني من الأول , فالآية من الاحتباك : ذكر المنذرين أولاً دلالة على إرادتها ثانياً , وذكر المنذر به وهو يوم الجمع ثانياً دلالة على المنذر به من عذاب الأمم أولاً , ليذهب به الوهم في المحذوف كل مذهب , فيكون أهول , وذكر هذا المذكور أفخم وأوجل.

(6/897)


ولما كان الإنذار - وهو الإعلام بموضع المخافة - تارة يكون عما لا علم به , وهو الأغلب , وتارة عما وقع العمل به ثم خالف المنذر به علمه أعمال من لا علم له به , نبه على هذا من القسم الثاني بقوله في جملة حالية : {لا ريب فيه} أي لأنه قد ركز في فطرة كل احد أن الحاكم إذا استعمل عبيده في شيء ثم تظالموا فلا بد له بما تقتضيه السياسة من جمعهم لينصف بينهم وإلا عد سفيهاً , فما ظنك بأحكم الحاكمين.

جزء : 6 رقم الصفحة : 601
ولما تشوف السامع إلى ما يفعل في جمعهم , وكان الثقلان لما طبعوا عليه من النقصان أهل فرقة وطغيان , ذكر نهايته معبراً بما هو من الفرقة بقوله مسوغاً الابتداء بالنكرة للتفصيل أو تقرير الوصف : {فريق} أي من المجموعين أهل فرقة تداركهم الله بأن جعلهم أهل جمع {في الجنة} فصلاّ منه وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار
602
{وفريق} أي منهم خذلهم الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة {في السعير*} عدلاً منه , قال القشيري : كما أنهم في الدنيا فريقان : فريق في درجات الطاعة وحلاوات العبادات , وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك , فلذلك غذاهم فريقان : فريق هم أهل اللقاء , وفريق هم أهل البلاء والشقاء.

(6/898)


روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : "أتدرون ما هذا الكتابان" قال : قلنا لا , إلا أن تخبرنا يا رسول الله! قال للذي في يده اليمنى "هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم , ثم أجمل على آخرهم , ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً" ثم قال للذي في يساره "هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم , ثم أجمل على آخرهم , لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً" فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمراً قد فرغ منه , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل" قال بيده فقبضها , ثم قال "فرغ ربكم عز وجل من العباد , ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال : فريق في الجنة , ونبذ باليسرى فقال : فريق في السعير" قال ابن كثير : وهكذا رواه النسائي والترمذي جميعاً , وقال الترمذي : حسن صحيح غريب.

(6/899)


ولما كان ملوك الدنيا غالباً لا يريدون أن يعصى أمرهم , فإذا حذروا من شيء أرادوا أن لا يقرب , فإن فعله أحد كان فعله له خارجاً من مرادهم , فكانت عقوبتهم له لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ , بين أمه سبحانه على غير ذلك , وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده , وعن أن يلحقه نفع بطاعة أو ضر بمعصية , وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول تحت مراده بإلجائه وقسره , وهذا في نفس الأمر , وأما في الظاهر فالأمر أن لا يظهر أنه لشيء منهما إلا صرف الاختيار , فقال صارفاً القول عن مظهر العظمة استيفاء لإنذار ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات العظمة وغيرها لاقتضاء الحال له : {ولو شاء الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {لجعلهم} أي المجموعين {امة واحدة} للعذاب أو الثواب ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين : مقسطين وظالمين , ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد
603
قهار , لا يبالي بأحد وهو معنى قوله : {ولكن يدخل من يشاء} أي إدخاله {في رحمته} بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهو المقسطون , ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلال في قلوبهم فيكونون ظالمين , فلا يطون لهم فعل في حاق موضعه , فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير {والظالمون} أي العريقون في الظلم الذين شاء ظلمهم فيدخلهم في لعنته {ما لهم من ولي} يلي أمورهم فيجتهد في إصلاحها {ولا نصير*} ينصرهم من الهوان , فالآية ثانياً دليلاً على أضداده أولاً , وسره أنه ذكر السبب الحقيقي في أهل السعادة ليحملهم على مزيد الشكر , والسبب الظاهري في أهل الشقاوة لينهاهم عن الكفر.

جزء : 6 رقم الصفحة : 601

(6/900)


ولما كان التقدير : هل قصر هؤلاء الذين تنذرهم هممهم وعزائهم وأقوالهم وأفعالهم على الله تعالى اتعاظاً وانتذاراً بهذا الكلام المعجز , عادل به قوله : {أم اتخذوا} أي عالجوا فطرهم الشاهدة بذلك بشهادة أوقات الاضطرار حتى لفتوها عنه سبحانه فأخذوا {من دونه أولياء} هم عالمون بأنه وحده الضار النافع علمُهم بأنه {هو} وحده {الولي} لا غيره , ويجوز أن يكون مسبباً عن هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي كأنه قيل : هل قصروا هممهم عليه سبحانه , فسبب أنه وحمده المستحق لما يقصدونه من التولي {وهو} أيضاً وحده لا غيره {يحيي الموتى} أي يجدد إحيائهم في أي وقت يشاؤه {وهو} أي وحده {على كل شيء قدير*} أي بالغ القدرة لا يشاركه شيء في ذلك بشهادة كل عاقل , وأكده بالقصر لأن شركهم بالأولياء إنكار لاختصاصه بالولاية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 601
ولما كانوا جميعاً يقرون بجميع ما وصف به نفسه المدسقة وفي هذه الآية عند
604

(6/901)


الشدائد , بعضه تصريحاً من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء , وبعضه تصريحاً من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء , وبعضه لزوماً وهو الإحياء بالبعث , تسبب عن ذلك قطعاً أن بقال مع صرف القول إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قريب إليهم كل خير وقرب إليهم فهم الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار , فما اتفقتم فيه من أمره سبحانه فهو الحق , وذلك هو أصل الدين الذي أطبق عليه الخلائق في وقت الاضطرار , لم يتلعثم فيه منهم ضعيف , ولا جبار منيف , عطف عليه قوله : {وما اختلفتم} أي أيها الخلق {فيه من شيء} وذلك هو الفروع مطلقاً والأصول في حال الرفاهية {فحكمه إلى الله} أي الذي هو الولي لا غيره وهو القدير لا غيره , فلا يخرج شيء عن أمره , فحصوا عنه تجدوه في كتابه لأنه فيه تبيان كل شيء , فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه فاطلبوه في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم , فإن عز عليكم ففي إجماع أهل دينه , فإن أعوزكم ذلك فقي القياس على شيء من ذلك.

قال القشيري : هذه الأشياء هي قانون الشريعة , وجملتها من كتاب الله , فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة - انتهى.

وما اجتهدتم فيه على ما شرع لكم وفصلتموه بما ظهر لكم على حكم بذل الجهد مضى , وما لا فصله بينكم سبحانه في هذا اليوم أن أراد بنصر المحق وخذلان الظالم , وإن أراد إلى يوم الدين , فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه , فلا حكم لغيره لا في الدنيا ولا في الآخرة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604
ولما أنتج هذا أنه لا عظيم غيره , ولا إله إلا هو , ترجم ذلك بقوله مخاطباً للكل : {ذلكم} أي العظيم الرتبة جداً {الله} المحيط بجميع أوصاف الكمال , فلا شريك له في شيء منه بوجه {ربي} الذي لا مربي له غيره في ماضٍ ولا حال ولا استقبال.

(6/902)


ولما كان ذلك , أنتج ولا بد قوله : {عليه} أي وحده {توكلت} أي أسلمت جميع أمري {وإليه} أي لا إلى غيره {أنيب*} أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور , فأعرف منه حكمه فافعلوا أنتم كذلك , اجعلوه الحكم تفلحوا , ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا.

ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله غيره لأنه خالق سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر , وصفه بالدليل على ذلك الذي جبل عليه جميع الفطر : {فاطر السماوات والأرض} أي مبتدئها بالخلق والإخراج من العدم , وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه فهو منهما , فهو مما فطره كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه , فهذا هو السبب في العلم المركوز في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في الأزل ولا شيء معه.

605

(6/903)


ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلاً , أتبعه ما سببه عن ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد القدرة في الخافقين , فقال معبراً بالفعلية تذكيراً بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك , فيوجب التوكل عليه وحده : {جعل لكم} أي بعد أن خلقكم من الأرض {من أنفسكم أزواجاً} يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم , ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال : {ومن} أي وجعل لكم من {الأنعام} الي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم قوامكم {أزواجاً} أي من انفسها , يكون بها أيضاً بقاء نوعها , وكذا جميع الحيوانات , ومعنى قوله مغلباً العقلاء : {يذرؤكم} أي يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على القلوب , كان كأنه محيط بهم فقال : {فيه} أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم مولعين به , من قوله ذراه : خلقه وكثره وأولعه بالشيء , فيكون لكم في الأزواج من البشر نطفاً وجمالاً وولادة , وفي الأنعام غذاء وشراباً واكلاً , وغير ذلك مما لكم فيه من المنافع , ولا تزالون في هذا الوجه والتزاوج نسلاً بعد نسل وجيلاً بعد جيل.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604

(6/904)


ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب التزواج , كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على أبلغ وجه بقوله : استئنافاً في جواب من يسأل عنه : {ليس} وقدم الخبر لأن المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال : {كمثله} أي مثل نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته : {شيء} يزاوجه أو يناسبه , وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه , فله ما يزاوجه ويماثله , فالمراد بالمثل هنا النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم : مثل الرجل يمثل - إذا قام وانتصب , قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : والمثل يكون هو الحديث نفسه {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد : 35] فمثلها هو الخبر عنها , وقيل : المثل ههنا الصفة {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة : 214] أي صفتهم , نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله القزاز قوله : {ضرب مثل فاستمعوا له} [الحج : 73] كذلك , لأنه قال : {إن الذي تدعون} الآية فصار الخبر عن ذلك هو المثل , قال : وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته , وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ {مثال} وقرأ {أمثال الجنة التي وعد المتقون} ثم قال : وهذا كله يدل على أن معنى {مثل} صفة صورة , قال أبو عبد الله : مثلت له الشيء تمثيلاً : صورته له حتى كأنه ينظر إليه , وفي الحديث : "مثلت لي الجنة والنار" انتهى.

606
في القاموس : المثل - بالكسر والتحريك وكأمر : المشبه , والمثل محركة : الحجة والحديث والصفة , والمثيل : المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش , جمعه أمثلة ومثل , والتمثال - بالكسر : الصورة ومثل قائماً : قام منتصباً كمثل بلاضم مثولاً - انتهى.

وفي شمس العلوم : والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول : مثلي لا يقول هذا أي أنل انتهى.

(6/905)


فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد , وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته , ثم شاع فيما يشابهه , فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر , وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح , وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح , وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق , وزاد الانتقال , ويوضح ذلك قولهم : مثله له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه , فعلم قطعاً أن معنى الآية ما قلته , وأنه لو قيل {ليس كمثله شيء} , من غير كاف , لربما قال بعض أهل التعنت : هذا معناه أنه ليس شيئاً , لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء , وقد كانوا يتعنتون بدون هذا , لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء , أحدهما أن له مثلاً , والثاني أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله , وذلك تناقض ظاهر يتعالى الله عن إرادة مثله علواً كبيراً - والله الموفق.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604
ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطاناً عظيماً , وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول , فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل , قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام , وحكم العقل وطرد الوهم , فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا.

(6/906)


واظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال : {وهو} أي والحال أنه لا غيره {السميع البصير*} أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة , ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام , فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف فيب قوله " وما اختلفتم " بعد ما صرح به , فالله هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - والله الموفق , قال الحرالي : السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم , والصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة , وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن
607
لا يسمع ما هو مبتدئ ألطف مثيله , أو لا يبصر ما هو مبدئ أظهر مثيله , ولما كان سبحانه وتعالى عليماً بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعاً لها بصيراً لها قبل كونها , وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك حسه , لا من هو دائماً سميع بصير بما هو دائماً عليم , فهو سبحانه يسمع الأشياء وإن لم تتسم , ويراها وإن لم تتصور , رؤيته لها وسمعه في خلقها وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع دائم , والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ولا يسمعونه قبل تكلمه - انتهى.

فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساوٍ في شيء ما , فمن ادعى لأحد مساواته في شيء من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في تلك الصفة وهو أشد ملامة من المشرك بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك هذا ظاهر الوهي واضح الخلل بين السفسفة , وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله إلا راسخ وإن كان كل منهما يصير إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل أن يكون أحد شريكاً لأحد في شيء إلا وهو مساوٍ له في حقيقة الذات , وصالح في الجملة لأن يقوم مقامه في جميع الصفات , فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى بها الشيطان بعض من يريد الترقي في درجات العرفان , ليخرجه من جميع الأديان.

(6/907)


ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز , وأرهم الآيات في الآفاق , بأن له ما في الوجود , وأنه هو الذي فطره , وكان ربما كان للإنسان شيء ولم يكن كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره , وكان ربما اخترع الإنسان بناء وكان لغيره , أخبر إكمالاً لتنزيه الآية السالفة وشرحاً له أنه تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا أيضاً بل كما كان أن له ما في الخافقين وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما , فقال : {له} أي وحده {مقاليد السماوات والأرض} أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الأمطار والأنبات وغيرهما وقد ثبت أنه ابتدعهما , وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه ولياً وغيره , قال القشيري : والمفاتيح الخزائن وخزائنه مقدوراته - انتهى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604
ولما كان قد حصر الأمر فيه دل عليه بقوله : {يبسط الرزق} أي الذي فيهما ولا مانع إلا قدرته {لمن يشاء} أي أن يبسطه له {ويقدر} أي يضيق ويقبض على من يشاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب وفاوت في الأفراد , بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم , فدل ذلك قطعاً على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده من غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له , فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال} [الآية 12 : نوح] {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [الطلاق : 11] {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
608
من السماء والأرض} [الأعراف : 96] {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} [الآية 66 : المائدة].

(6/908)


ولما كان كأنه قيل : لم فعل ذلك ؟ علله بقوله مؤكداً لأن أعمال غالب الناس في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى عليه عمله : {إنه بكل شيء عليم*} فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة , فلو أنه وسع العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم , وله في كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن إدراك لطائفة افاضل الأمم.

ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في الوجود سواه , أنتج ذلك أنه لا ناهج لطرق الأديان التي هي أعظم الرزق وأعظم قاسمة للرزق غيره , فأعلمهم أنه لم يشرع ديناً قديماً وحديثاً غير ما اتفقوا عليه وقت الشدائد.

فقال دالاً على ما ختم به الآية التي قبلها من شمول علمه ومرغباً في لزوم ما هدى إليه ودل عليه : {شرع} أي طرق وسن طريقاً ظاهراً بيناً واضحاً {لكم} أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة {من الدين} وهو ما يعمل فيجازي عليه.

ولما كان السياق للدين , وكانوا هم المقصودين في هذا السياق بالأمر به , لأن الشارع لهم قد أنتجه , وكانوا لتقليدهم الآباء يرون أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم , ذكر لهم أول الآباء المرسلين إلى المخالفين فقال : {ما} أي الذي {وصى به} توصية عظيمة بعد إعلامه بانه شرعه {نوحاً} في الزمان الأقدم كما ختم به على لسان الخاتم , وأرسل به من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه سواه , فإن كنتم إنما تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم الأديان وكل ما سواه حادث مع أنه ما بعث نبياً من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا به ومع أنه توفرت على الشهادة به الفطر الأولى دائماً والفطر اللاحقة حتى من القلوب العاتية في أوقات الشدائد أبداً فأدخلوا فيه على بصيرة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604

(6/909)


ولما كان الإعجاز خاصاً بنا , أبرزه في مظهر العظمة معبراً بالوحي , وبالأصل في الموصلات , ودالاً على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله مع ترتيبهم عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال : {والذي أوحينا إليك} وأفرد الضمير زيادة في عظمته دلالة على أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم , ودل على عظمه ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة , وعلى نقصه عما إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بالتعبير بالوصية فقال : {وما وصينا} أي على ما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات {به إبراهيم} الذي نجيناه من كيد نمرود بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق , وهو
609
أعظم آباء العرب وهو يدعون أكبر بالآباء فليكونوا على ما وصيناه به {وموسى} الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلاً لكل شيء {وعيسى} الذي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى ونور وموعظمة , ودخرناه في سمائنا شريعة الخاتم الفاتح.

ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى به , أبرزه في أسلوب الأمر فقال مبدلاً من معمول " شرع " أو مستأنفاً : {أن أقيموا} أي أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية {الدين} أي الذي عليه الخلائق بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو التوحيد والوصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به رسله هذا على تقدير أن تكون {أن} مصدرية , ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول.

(6/910)


ولما عظمه الأمر بالاجتماع , أتبعه التعظيم بالنهي عن الافتراق فقال : {ولا تتفرقوا} أي تفرقاً عظيماً بما أشار إليه إثبات التاء , وكأن ذلك إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر في الفرع {فيه} أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به الشارع له الآمر به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه , واجتمعوا على ما أرسله الذي أثبتم له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلاً في شيء من الأشياء , فإن التفرق سبب الهلاك , والاجتماع سبب النداة , فكونوا يداً واحدة يا أهل الكتاب قال تعالى {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}.

ولما نهى عن التفرق , حث على لزوم الاجتماع اللازم به تعليل النهي بقوله : {كبُر على المشركين} أي جل وعمظم وشق حتى ضاقت به صدورهم , وهو {ما تدعوهم إليه} أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبداً على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانيته الواحد القهار , فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم عنه فإن تفرقتم عنه كنتم قد تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604
ولما كان الإخبار بكرّه عليهم ربنا أوهم اتباع أتباعهم له , أزال ذلك الوهم بقوله جواباً لمن كأنه قال : كيف السبيل مع ذلك إلى دخول أحد في هذا الدين , عادلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تعظيماً للقدرة على جميع القلوب : {الله} أي الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر {يجتبي} أي يختار بغاية العناية ويصرف {إليه} أي إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه {من يشاء} اجتباءه.

ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير تكسب منه , أتبعه المعنى بالسلوك فقال :
610

(6/911)


{ويهدي إليه} بالتوفيق للطاعة {من ينيب*} أي فيه أهلية لأن يحدد الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع إليها.

جزء : 6 رقم الصفحة : 604
ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لقبولهم منهم التحليل والتحريم , وكان ذلك مفهماً لأنهم فارقوا أهل الطاعة , وكان ذلك موهماً لأنهم ما فارقوهم إلا عن جهل , قال عاطفاً على ما تقديره : فأتى الرسل إلى الناس فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم فافترقوا : {وما تفرقوا} أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في أديانهم {إلا} وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال : {من بعد ما جاءهم} أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبساً {العلم} أي بما لا يسوغ معه التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة , وأشار الجار أيضاً إلى أن التفرق كان مع العلم لم يكن طال الزمان فترطق إلى علمهم نسيان كل ذلك بياناً لعظيم قدرة الله تعالى في تصرفه في القلوب , فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم له.

ولما ترك طريق العلم عجباً ومستبعداً , قال مبيناً أن الذي حملهم على ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى : {بغياً} أي حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل الأنفس واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلاً بل تكون إراداته تابعة لأمر مولاه.

ولما كان مطلق البغي منافياً لمكارم الأخلاق , فكان ارتكابه عجباً , زاد في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها , بل كان خاصاً بها , فقال : {بينهم}.

(6/912)


ولما كان ذلك يقتضي المعالجة , قال عاطفاً على ما تقديره : فلولا قدرة الله ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبداً : {ولولا كلمة} أي لا تبديل لها {سبقت} أي في الأزل
611
بتأخيرهم إلى آجالهم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 611
ولما كان إمهالهم والرفق بهم رحمة لهم , بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعاً فيزدادوا لذلك شرفاً , وأفرده بالذكر تنبيهاً على ذلك فقال مؤنساً له صلى الله عليه وسلم بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته , وزاد1لك بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه , ويلتئم بمراده الشريف ومرامه : {من ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم , سبقت الكلمة بإمهالهم {إلى أجل مسمى} ضربه لآجالهم ثم لجمعهم في الآخرة {لقضي} على أيسر وجه وأسهله {بينهم} حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق.

(6/913)


ولما أخبر عن حال المتقدمين , وكان من في زمانه صلى الله عليه ولم من أهل الكتاب يدعون غاية العلمل بها والاجتماع عليها , وهي كلها إلى المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع , وكان بعضهم يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من أمره , وإنكار أن يكون عنده نوع شك , قال على وجه يعم غيرهم , مؤكداً تنبيهاً على ذلك : {وإن الذين} ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب من غير منازع , ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل , بني للمفعول قوله : {أورثوا الكتاب} أي الكامل الخاتم , وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات , فورثوا كما قال تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر : 32] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال : {من بعدهم} أي المتفرقين , وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان {لفي شك منه} أي إيراث للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير , وذلك لعملهم عمل الشاك فيقولون : إنه سحر وشعر وكهانة , ونحو ذلك , وأن الآتي به غير صادق بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به , أما العرب ومن ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في أهل الكتاب من البشارة به , وأما غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم {مريب*} أي موقع في التهمة الموقعة في كتابنا , ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم , وشكهم فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلى الله عليه وسلم.

(6/914)


ولما ثبت بهذا زيغهم عن اوأمر الكتاب الآتي من الله , سبب عنه أمره صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه , قالوا : ولا نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال مسبباً عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل
612
بضدها : {فلذلك} أي لهذا الوحي العلي الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب الشرائع الكبار من أولي العزم وغيرهم , أو لذلك التصرف المباعد للصواب والشك في أمر الكتاب.

جزء : 6 رقم الصفحة : 611
ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه فأنزل عليه , قدم قوله : {فادع} إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما أمر به الإله من الاجتماع على الملة الحنيفية.

ولما كان الداعي لغيره لا ينفع دعاءه لذلك الغير ما لم ينفع نفسه , قال : {واستقم} أي اطلب القوم من ربك على مشاق الدعوة ليعينك عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما تدعو إليه ويجب عليه {كما أمرت} ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من اللين والغلظة والتوسط وغير ذلك من تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم على حسب ما ينفعهم.

ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى , وكل ما خالف كتابنا فهو على مجرد الهوى , قال : {ولا تتبع} أي تعمداً {أهواءهم} في شيء ما , فإن الهوى لا يدعو إلى خير , والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به لأجل أنه أمر به لا لأجل أنه يهواه.

ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض , أمره بما يخالف حالهم فقال : {وقل} أي لجميع أهل الفرق , وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق : {آمنت بما} أي بكل شيء.

(6/915)


ولما كان أكمل الناس إيماناً أكثرهم استحضاراً لأوصاف الكمال من الجلال والجمال , صرف القول إلى الاسم الأعظم إشارة إلى سلوك أعلى المسالك في ذلك فقال : {أنزل الله} أي الذي له العظمة الكاملة {من كتاب} لا أفرق بين شيء من كتبه ولا أحد من رسله , بل كل كتاب ثبت النظرية , قال أبو علي القالي في ذيل الأمالي : حدثنا أبو بكر - هو ابن الأنباري - حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان ؟ قال : الإيمان على أربع دعائم : على الصبر واليقين والعدل والجهاد , والصبر على أربع شعب : على الشوق والشفق والزهادة والترقب , فمن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات , ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات , ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات , ومن ارتقب الموت رجع عن الحرمات , ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات , ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات , واليقين على أربع شعاب : تبصرة الفطنة وتاويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين , فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة , ومن تأول الحكمة عرف بالعبرة , ومن عرف العبرة عرف السنة , ومن عرف السنة فكأنما
613
كان في الأولين , والعدل على أربع شعب : على غائص الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع الحكم , فمن فهم جمع العلم , ومن حلم لم يضل في الحكم , ومن علم عرف شرائع الحكم , ومن حلم لم يفرط أمره , وعاش في الناس.

جزء : 6 رقم الصفحة : 611
والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين , فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين , ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين , ومن صدق في المواطن فقد قضى عليه , ومن شنئ المنافقين غضب الله وغضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه , قال : فقام الرجل فقبل رأسه.

(6/916)


ولما أخبر بالعدل في القوة النظرية , أتبعه ذلك في القوة العملية فقال : {وأمرت} أي ممن له الأمر كله بما أمرني به مما أنزل عليّ {لأعدل} أي لأجل أن أعدل {بينكم} أيها المفرّقون في الأديان من العرب والعجم من الجن والإنس كما دعى إليه كمال القوة العملية , ثم علل ذلك بقوله : {الله} أي الذي له الملك كله {ربنا وربكم} أي موجدنا ومتولي جميع أمورنا , فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده.

ولما كان الرب واحداً , انتج عنه قوله : {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا تعدونا إلى غيركم , لأنه لا داعي لأن نأخذ عمل بعضنا فنعطيه لغيره , لأن ذلك لا يفعله إلا ذو غرض , وهو سبحانه محيط بصفات الكمال , فهو منزه عن الأغراض , ولما وصل بتمام هذه الجملة في إزالة الريب وإثبات الحق إلى ما هو كالشمس لثبوت الرسالة بالمعجزات وإعجاز هذا الكتاب وتصادقه مع ما عند أهل الكتاب , وبيان هاتين المقدمتين اللتين لا نزاع بين أحد من الخلق فيهما كانت نتيجة ذلك : {لا حجة} أي موجودة بمحاجة أحد منا لصاحبه {بيننا وبينكم} لأن الأمر وصل إلى الانكشاف التام فى فائدة بعدة للمحاجة فما بقي إلا المجادلة بالسيوف , وإدارة كؤوس الحتوف , لأنا نعلم بإعلام الله لنا في كتابه الذي دلنا إعجازه لخللائق على أنه كلامه , فنحن نسمعه لذلك منه أنا على محض الحق وأنكم على محض الباطل , وقد أعذرنا إليكم وأوصلنا ببراهينه إلى المشاهدة فلم يبق إلا السيف عملاً بفضيلة الشجاعة.

ولما كان هذا موضع أن يقال : أفما تخافون الله فيمن تقاتلونه وهو عباده , أجاب بقوله مظهراً غير مضمر تعظيماً للأمر : {الله} أي الذي هو أحكم الحاكمين {يجمع بيننا} أي نحن وأنتم على دين واحد أراد فلا يكون قتال , وفي الاخرة على كل حال {فهو يحكم بيننا} {وسيعلم الذين ظلموا أيّ منلقب ينقلبون} [الشعراء : 227] فما أقدمنا على القتال إلا عن بصيرة.

614

(6/917)


ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره , بين أن الأمر فيه على غير ذلك , فقال عاطفاً على ما تقديره : فمنه كان المبدأ : {وإليه} أي لا إلى غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات {المصير*} حساً ومعنى لتمام عزته وشمول عظمته وكمال رحمته , وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من الأمور التي كانت بحيث يظن أنها خارجة - لتصرف الغير فيها - إنما كانت ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ما يتعارفونه بينهم , وما كان المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمراً طارئاً يصحح عليهم الحجة ويلزمهم الحجة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 611
ولما كان التقدير : فالذين رجعوا إليه طوعاً في هذه الدار بعد هذا البيان والإظهار , وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم , عطف عليه قوله مبتدئاً بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار : {والذين يحاجّون} أي يوردون تشكيكاً على ديه على دينه الحق من الشبه ما يسمونه حججاً , ولعل الإدغام يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم في خفاء فتشربها قلوب أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض بما عند الرب {في الله} أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال.

ولما كانت إقامة الحجة وإظهار المعجزة أمراً ملزماً لجميع من بلغه الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان سقط معه الجدال , قال معلماً إن ما كان في قوة الوجود يصح أن يطلق عليه أنه موجود , ومنبهاً بالجار على ذم هذا الجدال ولو قل زمنه : {من بعدما} ولما كان المقصود مطلق الاستجابة لا من مجيب معين قال : {استجيب له} أي استجاب له الرسول صلى الله عليه وسلم , وصار الناس كلهم بما يبين لهم مستحبين بالقوة وإن لم يستجيبوا بالفعل , فإن الأمر قد ظهر غاية الظهور , ولم يبق إلا العناد , فهذه الجملة هي المراد والثمرة من قوله {لا حجة بيننا وبينكم}.

(6/918)


ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج , قال معبراً بمبتدأ ثان مفرداً للحجة إشارة إلى ضعفها : {حجتهم} أي التي زعموها حجة , وأخبر عن هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبراً عن الأول فقال : {داحضة} أي زالقة فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل أجلى , والعبارة لفتٌ إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في حجتهم من الدحوض لأن {عند} للأمور الظاهرة المألوفة , وصفة التربية للعطف والرفق , والإضافة إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف , فهو إشارة إلى أنها هباء منثور عند تدقيق النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب , فالمعنى أن دحوضها ظاهراً جداً ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو
615
خصول بمزيد عطف وبر , فأين هذا مما لو قيل {لدى عليم قدير} فإنه يفهم أن دحوضها لا يدركه إلا بليغ العلم تام القدرة , وهو مع ذلك غريب فيصير فيه نوع مدح لحجتهم في الجملة : {عند ربهم} أي المحسن إليهم بإفاضة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم , فمهما جردوه عن الهوى , دلهم على أن جميع ما كانوا فيه باطل , وفيه إشارة إلى أن أدنى ما يعذبهم به قطع إحسانه عنهم , وأنه يظهر بطلان ما سموه حجة لكل عاقل فيورثهم الخزي في الدنيا والعذاب في الأخرى على أن قطع إحسانه هو عند التأمل أعلى العذاب {وعليهم} زيادة على قطع الإحسان {غضب} أي عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذؤوم ومنه الطرد , فهم مطرودون عن بابه , مبعودون عن جنابه , مهانون بحجابه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 611
ولما أفهم التعبير بـ " على " ذمهم باستعلاء النقم عليهم لم يشكل التعبير باللام , بل كان مفهماً التهكم والملام فقال : {ولهم} أي مع ذلك {عذاب شديد*} لا تصلون إلى إدراك حقيقة وصفه , والآية مشيرة إلى الانتصار على أهل الردة وضربهم بكل شدة لسوء منزلتهم عنده كما كشف عنه الحال عند ندب الصديق إليهم بالقتال رضي الله عنه وأرضاه.

(6/919)


جزء : 6 رقم الصفحة : 611
ولما جزم سبحانه بما توعدهم بعد بعد أن حكم على حجتهم بالدحوض , وكان لا يجزم بالشيء إلا من كان نافذ الأمر محيط الحكم , نبه على أنه كذلك , مبيناً ما به يعرف ثبات الحجج ودحوضها المستلزم للغضب من الله المستعقب للعذاب , بقوله لافتاً القول إلى الاسم الأعظم تنبيهاً على عظمة المخبر عنه : {الله} أي الذي له جميع الملك {الملك} وأشار بالتعبير بالإنزال إلى أن المراد جملة الكتاب الذي لا مطعن في شيء منه فقال : {انزل الكتاب} أي أوجد إنزاله هو لا غيره {بالحق} أي متلبساً على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل وبسبب العمل الحق العام للأقوال والأفعال والعقائد لتعرف الحجج الثابتة من غيرها.

ولما كان الكتاب آمراً بالعدل قالاً وحالاً , وكان من محسوسات أوامره التقدير بالمقادير الضابطة , قال مخصصاً معبراً بأقومها إشارة إلى أن الكتاب أعدل عدالة عند
616
العقل وأبين من الميزان للحس : {والميزان} أي الأمر به مريداً به عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في {لا عدل بينكم} مجازاً.

ولما ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب في الساعة فكان معذباً , وكان التقدير بما هدى إليه السياق له صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي في إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله وأفعاله وصبره على أذاهم : فمن فزع إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في الأعيان فبنى أمره على تحقيق العدل فيهما بمها فاز , ومن أهمل ذلك خاب يعاجل في الدنيا بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة بتأخيره إليه قد حضر , عطف عليه قوله موجهاً الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيماً للأمر : {وما يدريك} يا أكمل الخلق {لعل الساعة} التي أشير إليها في هذه الآية بقوله {عند ربهم} بعد أن صرح بها في آية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 616

(6/920)


ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها بمعنى الوقت , ذكرها فقال : {قريب*} فأفهم ذلك أنها ذات الشدائد وأن شدائدها ذكور الشدائد وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق , أو ذكرها على إرادة السبب أي ذات قرب , أو على حذف مضافة أي مجيئها , وعلى كل حال فهو دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة , فيقع بهم ما توعدوا به مما ينبغي الإشفاق منه , فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع الاعمال ظهوراً لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى , ويخزي من جار وجفا.

ولما تصور بهذا قربها مشاراً بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال المترجي لشيء محبوب وهو جهل منه عظيم , شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال مشيراً إلى أنه ينبغي للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور دلائلها من غير بحث عن قربها أو بعدها , فغنه لا بد من كونها {يستعجل بها} أي يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها {الذين لا يؤمنون بها} أي لا يتجدد لهم ذلك أصلاً وهم غير مشفقين منها ويظنون أنها الباطل , وكان الحال يقتضي أن يكونوا أنفر الناس منها لكن حملهم على ذلك تكذيبهم بها واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلاً ممن هم معترفون بقدرته وعلوه وعظمته.

ولما دل على جهل الكافرين , دل على أضدادهم فقال : {والذبين آمنوا} وإن كانوا في أول درجات الإيمان {مشفقون} أي خائفون خوفاً عظيماً {منها} لأن الله هداهم بإيمانهم , فصارت معادن المعارف , وقلوبهم منابع الأنوار , فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار , فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار.

ولما قدم الإشفاق تنبيهاً على أن العاقل ينبغي أن يخشى ما يمكن وقوعه , قال : {ويعلمون أنها الحق}
617
إعلاماً بأنهم على بصيرة من أمرها , فهم لا يستعجلون بها , فالآية من الاحتباك : ذكر الاستعجال أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً , والإشفاق ثانيا دليلاً عل حذف ضده اولاً.

(6/921)


قال ابن كثير : وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه : يا محمد , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من صوته " هاؤم " فقال : متى الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه : "ويحك أنها كائنة فما أعددت لها ؟" فقال : حب الله ورسوله , فقال : " أنت مع من أحببت ".

قال ابن كثير : فقوله في الحديث "المرء مع من أحب" متواتر لا محالة , والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة , بل أمره بالاستعداد لها - انتهى , وهو مشروط بالبراءة من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب الولي نفعاً تاماً بدون البراءة من العدو.

جزء : 6 رقم الصفحة : 616
ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة كاملاً لا انقضاء له أصلاً ولا زوال لآثارها , أنتج قوله مؤكداً معظماً في مقابلة إنكارهم : {ألا إن الذين يمارون} أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة لتسخرج ما عساه يكون فيها من اللبن {في الساعة} أي القيامة وما تحتوي عليه {لفي ظلال} أي ذهاب جائر عن الحق {بعيد*} جداً عن الصواب , فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.

(6/922)


ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن أمن المؤمنين في أزعج خوف , وكان هذا عين اللطف , فأنه الوصول إلى الشيء بضده , ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه , وكان أكثر ما يبطئ بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق , أنتج ذلك قوله : {الله} أي الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد {لطيف} أي بالغ في العالم وإيقاع الإحسان بإيصال المنافع , وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه , قال القشيري : اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته سبحانه صحيح , وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية , وقال الرازي في اللوامع : هو اسم مركب من علم
618
ورحمة ورفق خفي {بعباده} - انتهى.

أما المؤمن فواضح , وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى , فالاسم الأول تخويف والثاني ترجية ظاهرة باطنها تخويف , إشارة إلى ما ينبغي من الخوف والرجاء , وأن يكون الخوف أغلب.

ولما كان أظهر ما يكون هذا الوصف في الرزق , فإنه يوسع على من لا حيلة له , ويحرم من هو في غاية القوة والقدرة , ويرفع الضعيف الجبان ويخفض القوي الشجاع , وكل ذلك على حسب ما يعلم من بواطنهم ويزيد من أعمالهم , قال دالاً على ذلك استئنافاً لمن سأل عن كيفية اللطف : {يرزق من يشاء} مهما شاء على سبيل من السعة أو الضيق أو التوسط لا مانع له من شيء من ذلك , ويمنع الرزق عمن يشاء إذا علم فراغ أجله فيتوفاه إليه فأجهدوا أنفسكم في طلب مرضاته , ولا تلتفتوا إلى الخوف من الحاجة فإنه قد فرغ من تقدير الرزق ونهى عن المبالغة في طلبه.

ولما كان ذلك لا يستطيعه أحد سواه لما يحتاج إليه من القوة الكاملة والعزة الشاملة قال : {وهو القوي} أي فلا يضيق عطاؤه بشيء {العزيز*} فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء.

جزء : 6 رقم الصفحة : 616

(6/923)


ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده , أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن , ويرغب في رزق الروح فقال على سبيل الاستئناف جواباً لمن يسأل : هل يكون الرزق بشدة السعي أولاً , وبدأ برزق الروح لشرفه : {من كان} أي من شريف أو دنيء {يريد} ولما كان مدار مقصد السورة على الدين , وكان الدين معاملة بين العبد وربه يقصد به ما يقصد بالحرث من حصول الفائدة , وكان الحرث من أجل أسباب المكاسب , وكانت الجنة قيعاناً غراسها ذكر الله , عبر عن مطلق الكسب بالحرث فقال : {حرث الآخرة} أي أعمالها وإنجاحها إلا الله , وكان الآدمي يظن لنفسه في ذلك قدرة , نبه سبحانه بالالتفات إلى أسلوب العظمة أن أمره سبحانه في ذلك لا يستطاع دفاعه ولا ممانعته ونزاعه : {نزد له} أي بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها {في حرثه} بأن يعينه على الأعمال الصالحة بإنارة القلب وتصفية الحال وتهدئة السر ونفوذ البصر فيما يضر وينفع ويضاعف له ثوابها من العشر لكل حسنة إلى ما لا نهاية له ويغطيه , من الدنيا التي أعرض عنها ما قدر له إعانة له على ما أقبل عليه من الآخرة , وطى ذكر الدنيا في هذا الشق تنبيهاً على أنها أحقر من أن تذكر مع أنه معلوم من آيات أخر {ومن كان} أي من قوي أو ضعيف {يريد حرث الدنيا} أي أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي
619

(6/924)


ويستنمي به مكتفياً به مؤثراً له على الآخرة {نؤته منها} ما قسمناه له , ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه , ولا ينال كل ما يتمناه ولو جهد كل الجهد , وأم الآخرة فكل ما نواه طالبها من أعمالها حصل له وإن لم يعمله {وما} أي والحال أن طالب الدنيا ما {له في الآخرة من نصيب*} أصلاً , روى أبيّ بن كعب رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال : صحيح الإسناد - والبهيقي , وذلك لأن الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , وهذا تهاون بها فلم ينوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها , والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله , وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله , قال الرازي في اللوامع : أهل الإرادة على أصناف : مريد للدنيا ومريد للآخرة ومريد للحق جل وعلا , وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدعاء مقصورة على الدنيا , وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك , وأما علامة إرادة الله سبحانه وتعالى كما قال {ويريدون وجهه} طرح الكونين والحرية عن الخلق والخلاص من يد النفس - انتهى , وحاصله أن يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوث الخلق وتزكية النفس لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار , بل امتثالاً لأمر الملك الأعلى الذي لا إله غيره لأنه أهل لذلك مع اعترافه لأنه لن يقدر الله حق قدره.

جزء : 6 رقم الصفحة : 616
620

(6/925)


ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى به جميع النبيين فبانت أصوله , واتضحت فروعه وفصوله , وظهرت غرائبه وأشرقت فرائده وآياته , وختم بالقانون الأعظم في أمر الدارين مما هو مشاهد ولا يقدر عليه غيره , فكان التقدير من غير خفاء : هذا شرع الله الذي ارتضاه لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار بطلب الرزق وقدر الأرزاق فلا قدرة لأحد أن يزيد في رزقه شيئاً , ولا أن ينقص منه شيئاً , أقبلوه ؟ عادل ذلك بقوله تعالى مقرراً موبخاً منبهاً على ما هو الأصل في الضلال عن قوانينه المحررة وشرائعه الثابتة المقررة : {أم لهم} أي لهؤلاء الذيب يروغون يميناً وشمالاً {شركاء} على زعمهم شاركوا الشارع الذي مضى بيان عزته وظهور جلاله وعظمته في أمره حتى {شرعوا} أي الشركاء الذين طرقوا ونهجوا {لهم} أي للكفار , ويجوز أن يكون المعنى : شرع الكفار لشركائهم {من الدين} في العبادات والعادات التي تقرر في الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت به عوائدهم عن محاسبة من تحت أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق , وعدل عن أسلوب العظمة إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ما فيه مع العظمة من الإكرام الذي من جملته الحلم المقتضي لعدم معاجلتهم بالأخذ فقال تعالى : {ما لم يأذن به الله} أي يمكن العباد منه بأمرهم به وتقديرهم عليه الملك الذي لا أمر لأحد معه , وقد محقت صفاته كل صفة وتضاءل عندها كل عظمة , فأقبلوا عليه دون غيره لكونه معتداً به , فإن كان كذلك فليسعدوا من أقبل على الدنيا التي هي محط أمرهم فلا يعرفون غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من أراد الآخرة وسعى لها سعيها , ونسب الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت سبب الضلال في قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام {رب إنهن أظللن كثيراً من الناس} ويضاف الشركاء إليه تارة لأنهم متخذوها وتارة إلى الله تعالى لأنهم أشركوهم به , والعبارة تأتي بحسب المقام.

(6/926)


جزء : 6 رقم الصفحة : 620
ولما علم قطعاً أن التقدير : فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير إذن منه لا تنقص من ملكه سبحانه شيئاً , ولا تضر إلا فاعلها مع إنها بإرادته , فكانت لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها , عطف عليه قوله تعالى : {ولولا كلمة الفصل} التي سبق في الأزل أنها لا تكون ولما كان أمرهم هيناً , بني الفعل للمفعول , فقال : {لقُضي بينهم} أي بين الذين امتثلوا أمره فالتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت ولكنه قد سبق القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة , فهي تجري على حد لها ولا تقدم لشيء منها ولا تأخر ولا تبدل ولا تغير , وستنكشف لكم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق به القضاء بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم.

621
ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم عذاب , قال مؤكداً عطفاً على ما قدرته بما أرشد إليه السياق : {وإن الظالمين} بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره {لهم عذاب أليم*} أي مؤلم إيلامه.

ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل , وأن الفصل لا يكون إلا يوم القيامة , قال شارحاً للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم مقبلاً على خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق الإيقان غيره صلى الله عليه وسلم , أو يكون المراد كل من يصح أن يخاطب إشارة إلى أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد دون أحد فقال : {ترى} أي في ذلك اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة الفطرية الأولية والعقلية والنقلية {الظالمين} أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها {مشفقين} أي خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر.

(6/927)


ولما كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم , كان من المعلوم أن كل عملهم عليهم , فلذلك عبر بفعل الكسب مجرداً فقال : {مما كسبوا} أي عملوا معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم {وهو} أي جزاءه ووباله الذي هو من جنسه حتى كأنه هو {واقع بهم} لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذاباً في غمرات النيران , ذلك هو الخسران المبين , ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا {والذين آمنوا} يصح أن يكون معطوفاً على مفعول {ترى} وأن يكون معطفوفاً على جميع الجملة فيكون مبتدأ {وعملوا الصالحات} وهي التي أذن الله فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهعم في فعله وهو مغفور لهم ما فطروا فيه {في روضات الجنات} أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد الأقوال والأعمال والمعارف والأحوال , وفي الاخرة حقيقة بلا زوال {لهم ما يشاؤون} أي دائماً أبداً كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ والتربية والتنبيه على مثل هذا الحفظ لفت إلى صفة الإحسان , فقال : {عند ربهم} أي الذي لم يوصلهم إلى هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم , ولطف بره بهم على حسب ما رباهم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 620
ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال : {ذلك} أي الجزاء العظيم الرتبة الجليل القدر {هو} لا غيره {الفضل} أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلاً عن كفاية صاحبه , ولو بالغ في الإنفاق {الكبير*} الذي ملأ جميع جهات الحاجة وصغر عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام , فالآية كما ترى من الاحتباك : أثبت الإشفاق أولاً دليلاً على حذف الأمن ثانياً , والجنات ثانياً دليلاً على حذف النيران أولاً.

ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه , بين دوامه زيادة في تعظيمه فقال مبتدئاً : {ذلك} أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها , وأخبر عن المبتدأ بقوله : {الذي يبشر} أي مطلق
622

(6/928)


بشارة عند من خفف وبشارة كثيرة عند من ثقل , وزاد البشارة بالاسم الأعظم , فقال لافتاً القول إليه : {الله} أي الملك الأعظم والعائد وهو " به " محذوف تفخيماً للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة وبجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي , وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد مع الإضافة إلى ضميره سبحانه فأفهم حذفه أن الفعل واقع عليه واصل بغير واسطة إليه , فصار كأنه مذكور وظاهر ومنظور فقال : {عباده} ومن المعلوم أن كل أحد يعظم من اختصه لعبوديته.

ولما أشعر بالإضافة لصلاحهم , نص عليه بقوله : {الذين آمنوا} أي صدقوا بالغيب {وعملوا} تحقيقاً لإيمانهم {الصالحات} وذلك الذي مضى قلبه الذي ينذر به الذين كفروا.

ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له من حياء وإن لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال , قال كعب بن مالك رضي الله عنه : لما أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على رجليه , فأوفى على جبل سلع ونادى : يا كعب بن مالك أبشر , فقد تاب الله عليك , فكان الصوت أسرع من الفرس , فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ثوبي , فدفعتهما إليه , والله ما أملك يومئذ غيرهما , واستعرت ثوبين فلبستهما - إلى آخر حديثه , كان كأنه قيل : ماذا تطلب على هذه البشارة , فأمر بالجواب بقوله : {قل} أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين : {لا أسئلكم} أي الآن ولا في مستقبل الزمان {عليه} أي البلاغ بشارة ونذارة {أجراً} أي وإن قل {إلا} أي لكن أسألكم {المودة} أي المحبة العظيمة الواسعة.

(6/929)


ولما كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال : {في القربى} أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها , لا يخرج شيء من محبتكم عنها , فإنها يها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه , فإنكم إذا وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل , ولم تردوا ما جئتكم به من سعادة الدارين , فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى نموت ثم ندخل الجنة فتستمر ألفتنا دائماً أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ولم يكن بطن من قريش إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة , رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة , وروى عن سعيد بن جبير : إلا أن تؤدوني في قرابتي أي تبروهم وتحسنوا إليهم , قال ابن كثير : وقال السدي : لما جيء بعلي بن الحسين أسيراً فأقيم على درج
623
دمشق قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة , فقال له علي : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم قال : ما قرأت {قلا لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال : وإنكم لأنتم هم , قال : نعم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 620

(6/930)


وعن العباس رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله! إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها , فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباَ شديداً وقال : "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله" , وعنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث , فإذا رأونا سكتوا , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه , ثم قال : "والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي" وعبر في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقاً في النفي بالإعلام بأنه لا يستثني أجر اصلاً إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجراً , ويجوز أن تكون " إلا " بمعنى " غير " فيكون من باب :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أمن يراقب الله في قرابته تلك , فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما أمره الله به من ثواب أو عقاب , فكيف بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فانه قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحيلة عن أبي ذر رضي الله عنه : "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام , من ركب فيها نجا , ومن تخلف عنها هلك" وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم ".

قال الأصبهاني : ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة الصحيحة والنجوم الزارهة , فالسفينة حب الآل , والنجوم حب الصحب , فنرجو من الله السلامة والسعادة بحبهم في الدنيا والآخرة - والله أعلم.

624

(6/931)


ولما كان التقدير حتماً : فمن يقترف سيئة فعيله وزرها , ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه , عطف عليه قوله : {ومن يقترف} أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج {حسنة} أي ولو صغرت , وصرف القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا العظماء , وإلى أن الإحسان قد يكون سبباً لعظمة المحسن فقال : {نزد} على عظمتنا {له فيها حسناً} بما لا يدخل تحت الوهم , ومن الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً , وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم , فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن اهتدوا به , وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم لو اهتدوا , فإن عدم اهتدائهم ليس من تقصيره , بل قدر الله وما شاء فعل.

جزء : 6 رقم الصفحة : 620
ولما كانوا يقولون : إنا قد ارتكبنا من المساوئ ما لم ينفع معه شيء , قال نافياً لذلك على سبيل التأكيد معلىً مبيناً القول إلى الاسم الأعظم أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق : {إن الله} أي الذي لا يتعاظمه شيء {غفور} لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن شاء , فلا يصدن أحداً سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة.

ولما كان إثبات الحسنة فضلاً عن الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران , ولا يمكن أن يكون مع المناقشة , فذكر ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة , أفادها - أي الزيادة - بقوله : {شكور*} فهو يجزي بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه.

(6/932)


ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق , ودل على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بضمون الخبر , كان كأنه قيل إنكاراً عليهم وتوبيخاً لهم : هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السئيات وارتكاب الحسنات , والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان , فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من البرهان : {أم يقولون} عناداً : {افترى} أي تعمد أن يقطع , وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيهاً على أنه لا أفظع من الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال : {على الله} الذي أحاط بصفات الكمال , فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه {كذباً} حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين.

ولما كان التقدير قطعاً : إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولاً معلوم البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمه أنه له مثلاً ليعلم صحة قولهم فلم يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري
625

(6/933)


عاقل في بطلان منهم أيضاً منهم أن ينسوا ما يأتون به إلى اله على أنه لو طلب منهم ذلك لما كان عذراً , لأنه لا يتوقف أحد في أن الضرورات تبيح المحذورات , وأنه يرتكب أخف الضررين لدفع أثقلهما , فالإيتان بكلام يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب فيه سهل , والأمر يسير , فكان ذلك وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام وتفريق الكلمة لقتل النفوس وتخريب الديار وإتلاف الأموال دليلاً قاطعاً على أنهم إنما يتركونه عجزاً , تسبب عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب أن قال تعالى رداً عليهم ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صلى الله عليه وسلم من نور القلب اللازم عن استقامة القول : {فإن} وأظهر الجلالة ولم يضمر تعظيماً للأمر بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق من غير تقيد أصلاً فقال : {يشأ الله} أي الذي له الإحاطة بالكمال {يختم} وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب فقال معبراً بأداة الاستعلاء : {على قلبك} فيمنعه من قبول روح هذا الوحي كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك , فتستوي حينئذ معهم في دعم القدرة على الإيتان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانها , وكان الأصل في الكلام : أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك وأنار قلبك فلا تقول فولاً إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه , ولكنه ساق الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب , وذلك دالاً قطعاً على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها تقول ما الأدلة قائمة على كذبه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 620

(6/934)


ولما كان التقدير كما دل عليه السياق : ولكنه لم يشأ ذلك , بل شاء جعله قابلاً لروح الوحي واعياً لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف , ويهتف بتلقي أعاجيب اللطائف , ويثبت الله ذلك كله من غير مانع ولا صارف , عطف عليه قوله : {ويمحُ الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {الباطل} وهو قولهم " افترى " وكل كذب فلا يدع له أثراً , وهنالك يظهر خسران الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند , ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها استهانة به الإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف الأسباب وتارة بأعلى منه , وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً إيماء إلى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه , ومعناه تأكيداً
626
للبشارة يمحوه محواً لا يدع له عيناً ولا أثراً لمن ثبت لصولته : وصبر كما أمر لحولته , اعتماداً على صادق وعد الله إيماناً بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام , وفي الحذف أيضاً تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع , وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال : {ويحق} أي يثبت على وجه لا يمكن زواله {الحق} أي كل من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره , وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال : {بكلماته} أي التي {لو كان البحر مداداً} [الكهف : 109] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب , والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قول وصاب أمره , وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتاً مقروناً بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته , وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم.

(6/935)


ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل , وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء , بين ذلك بقوله معللاً على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم : {إنه عليم} أي بالغ {بذات الصدور*} أي ما هو فيها مما يعمله صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك {ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص : 88] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقول صلى الله عليه وسلم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه , ومن أصدق من الله قيلاً.

جزء : 6 رقم الصفحة : 620
ر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم , رغبهم رحمة منه لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم , فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلاً وأبداً {والذي يقبل التوبة} كلما شاء بالغة له أو متجاوزاً {عن عباده} الذين خالصون لطاعته , سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك.

ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال : {ويعفو عن السيئات}
627
أي التي كانت التوبة عنها صغيرة أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله.

ولما كانت تعدية القبول بـ " عن " مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة , فكان ربما اشعر بنقص في العلم , أخبر بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيباً وترهيباً بقوله : {ويعلم} أي والحال أنه يعلم كل وقت {ما تفعلون} أي كل ما يتجدد لهم عمله سواء كان عن عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتاً للقول عن غيب العباد لأنه أبلغ في التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقاً على العباد وهو , أعم وأوضح في المراد فعفوه عن سعة الحلم.

(6/936)


ولما رغب بالعفو زاد الإكرام فقال : {ويستجيب} أي يوجد بغاية العناية والطلب إجابة {الذين آمنوا} أي دعاء الذي أقروا بالإيمان في كل ما دعوه به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا , وعدى الفعل بنفسه تنبيهاً على زيادة بره لهم ووصلتهم به {وعملوا} تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} فيثيبهم النعيم المقيم {ويزيدهم} أي مع ما دعوا له ما يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان هذا وإن كان الأول فضلاً منه أبين في الفضل قال تعالى : {من فضله} على أنه يجوز تعليقه بالفعلين.

جزء : 6 رقم الصفحة : 627
ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر إكرامهم إذا أقبلوا عليه , رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال : {والكافرون} أي العريقون في هذا الوصف , الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان {لهم عذاب شديد*} ولا يجيب دعاءهم , فغيرهم من العصاة لهم عذاب غير لازم التقيد بشديد , والآية من الاحتباك : ذكر الاستجابة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً دليلاً على ضده أولاً , وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة والصاد عن المعصية.

ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كلن أكثر أهل الله مضيقاً عليهم , وكانت الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد , قال على سبيل الاعتذار لعباده وهو الملك الأعظم مبيناً أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث لما سألوه , وتارة تكون بدفع مثله من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار الآخرة {ولو} أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو {بسط} ولما كان هذا المقان عظيماً لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم
628

(6/937)


ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع , عبر بالاسم الأعظم فقال : {الله} أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيهاً على عظمة هذا المقام : {الرزق} لهم - هكذا كان الأصل , لكنه كره أن يظن خصوصيته ذلك بالتائبين فقيل : {لعباده} أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق حاجتهم {لبغوا في الأرض} أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه , فإن لم يفعل سعوا في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد , وقد تقدم في النحل من الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان.

ولما كان معنى أنه سبحانه لا يبسط ذلك بحسب ما يريدونه , بني عليه قوله سبحانه : {ولكن ينزِّل} أي لعباده من الرزق {بقدر} أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد غن تقدير دره ولا ينقصها {ما يشاء} من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر.

ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه : لو بسط إليّ الرزق لعملت الخير , وتجنبت الشر , وأصلحت غاية الإصلاح , قال معللاً ما أخبر به في أسلوب التأكيد : {إنه} وكان الأصل : بهم , ولكنه قال : {بعباده} لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم : {خبير بصير*} يعلم جميع ظواهر أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد وصلاح وبغي وعدل , ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 627

(6/938)


ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال , وكان من الناس ممن خذله الإضلال من يقول : إن ما الناس فيه من المطر والنبات وإخراج الأقوات إنما هو عادة للدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس المطر عن إبانه وإعادته في وقته وأوانه , حتى ييأس الناس منه ثم ينزل إن شاء , فقال معبراً بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب : {وهو} أي لا غيره قادر على ذلك فإنه هو {الذي ينزل الغيث} أي المطر الي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ظاهراً كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهراً وباطناً.

ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط , أدخل الجار فقال : {من بعد ما قنطوا} أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيلاه , ولا يقصد فيه سواه , ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بياناً ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - وهكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بياناً لأنه رحمةً , وتعميماً لأثره من النبات وغيره : {وينشر رحمته} أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما يملأ الأرض بحيث لو اجتمع
629
عليه الخلائق ما اطاقوا حمله , فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار , ونبات ونجم وأشجار , وحب وثمار , وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار , فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة , فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجماً هو في لينه ألين من الحرير , وفي لطافته ألطف من النسيم , ومن سوق الأشجار التي تثني فيها المناقير أغصاناً ألطف من ألسنة العصافير , فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور , أو يحيد من ذلك بنوع من الغرور.

(6/939)


ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى {أم اتخذوا من دونه أولياء} وأثبت أنه هو الولي , وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين أنواره , وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال , قال : {وهو} أي وحده لا غيره {الولي} أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء {الحميد*} أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائماً بحبله.

ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضة , وإنزال الغيث وحبسه.

من الآيات العظمية , عمم بذكر ما ذلك بعض منه , وهو دال على جميع ما ختم به الأية السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفاً على ما تقديره : فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره أخرى : {ومن آياته} العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق السماوات} التي تعملون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب {والأرض} أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات {وما بث} أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال , والقدور والهيئات والأخلاق وغير ذلك من النقص والكمال.

جزء : 6 رقم الصفحة : 627
ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه , فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه في كل منهما : الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى : {فيهما} أي السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منها تسبباً في ذلك بما أوعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر.

(6/940)


ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبراً وغلظاً في نفسه نظن أنه تام القدرة , أنث تحقيراً لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته فقلل {من دابة} أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأنواعهم اقطارهم
630
ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره , ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكنب.

ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى : {وهو} أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها , وما غاب عنا أكبر {على جمعهم} أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك.

(6/941)


ولما كان الجمع لا بد منه , عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع : {إذا} وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال : {يشاء قدير*} أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعههم الداعي وينفذهم البصر , ولما ذكرهم سبحانه بنعمه , وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها , كان الفكر جديراً بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد , قال شافياً لعي سؤاله عن ذلك ما فيه من نعمته على وجه دال على تمان قدرته , عاطفاً على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره : فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف , فلا نعمة عندكم ولا نقمة إلا منه , ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده {وما أصابكم} واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتكبيت العاصي , وعم بقوله : {من مصيبة} وأخبر عن المبتدأ بقوله : {فبما} أي كائن بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن عامر , وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا " فبما " لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي.

جزء : 6 رقم الصفحة : 627
ولما كانت النفوس مطبوعة النفوس مطبوعة على النقائض , فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة , وكان عملها كله أو جله عليها , فعبر بالفعل المجرد إشارة إشارة إلى ذلك فقال : {كسبت} ولما كان العمل غالبا باليد قال : {أيديكم} أي من الذنوب , فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير , روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه - والحاكم واللفظ له وقال : صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله :
631

(6/942)


" لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر , وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين تقصيره , فيبادر عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء تقصيره , فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة , وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار , ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى , ولا إلى هذه الكمالات البديعية , ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية.

ولما ذكر عدله , أتبعه فضله فقال : {ويعفو عن كثير*} ولولا عفوه وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم , وقيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزلوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ قال : لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ هذه الآية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 627
ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال : {وما أنتم بمعجزين} لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائناُ ما كان.

ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة ما دونه , أشار إلى ذلك بقوله : {في الأرض} ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت , ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء , لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت.

ولما نفى امتناعهم بأنفسهم , وكان له سبحانه من العلو ما تقصر
632

(6/943)


عنه العقول , فكان كل شيء دونه , فكان قادراً على كل شيء قال : {وما لكم} أي عند الاجتماع فكيف عند الانفراد.

ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته , أثبت الجار منبهاً على ذلك فقال : {من دون الله} أي المحيط بكل شيء عظمة وكبراً وعزة , وعم بقوله : {من ولي} أي يكون متولياً لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير *} يدفع عنكم شيئاً يريده سبحانه بكم.

ولما دل سبحانه على تمام قدرته واختياره وختم بنفسي الشريك اللازم للوحدانية التي اعتقادها أساس الأعمال الصالحة , دل عليها بأعظم الآيات عندهم وأوضحها في أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها فقال تعالى : {ومن آياته} أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته وعظيم سلطانه تسخيره وتذليله لسير الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها , وهو معنى قوله : {الجوار} أي من السفن , وهي من الصفات التي جرت مجرى الأعلام , ودل على الموصوف ما بعده فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم تخص الموصوف امتنع حذفه فنقول : مررت بمهندس , ولا تقول : مررت بماشٍ - إلا بقرينة كما هنا.

ولما كانت ثقيلة في أنفسها , وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال , وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء , كانت كأنها فيه لا عليه لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذراً من سطواته متعرفاً بجليل نعمته معرفاً بحقيقة الجواري : {في البحر كالأعلام *} أي الجبال الشاهقة بما لها من العلو في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها من الارتفاع , وقال الخليل : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 632

(6/944)


ولما كان كأنه قيل : وما تلك الآيات ؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ما أباحهم إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره فقال : {إن يشاء} أي الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة الفكر لها {يسكن الريح} التي يسيرها وانتم مقرّون أن أمرها ليس إلا بيده {فيظللن} أي فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أنيقمن ليلاً كان أول نهاراً , ولعله عبر به مع أن أصله الإقامة نهاراً لأن النهار موضع الاقتدار على الأشياء وهو المنتظر عند كل متعسر للسعي في إزالة عسره وتيسر أمره {رواكد} أي ثوابت مستقرات من غير سير {على ظهره} ثباتاً ظاهراً بما دل عليه إثبات اللامين وفتح لامه الأولى للكل.

633
ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا يقولون في مثل هذا الحال : اخلصوا فإن آلهتكم - أي من الأصنام وغيرها من دون الله - لا تغني في البحر شيئاً , وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلاً , فلذلك أكد قوله : {إن في ذلك} أي ما ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ما للنا سكافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه {لآيات} أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى , وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من الظهور بمكان لا يجهل.

(6/945)


ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ويتذامون بالجزع والكفران , وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوهولا يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم الإغمار , وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة , قال مشيراً إلى ذلك بصغتي المبالغة : {لكل صبار} أي في الشدة {شكور *} أي في الرخاء وإن كثر مخالفوه , وعظم نزاعهم له , وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي كل خمته بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر.

ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني في جلائل المباني , قال مكملاً لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب : {أو} أي أو أن يشاء في كل وقت أراده , واسند الإيباق إلى الجواري تأكيداً لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال : {يوبقهن} أي يهلكهن بالإغراق بإرسال الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره , وطاق في الماء وقعره , وقد تقدم تحقيق معنى " وبق " بجميع تقاليبه في سورة الكهف , ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً : هلك , والموبق كمجلس : المهلك وكل شيء حال بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره , ومنه قيل للموعد : موبق , وأوبقه : حبسه أو أهلكه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 632
ولما كان الإهلاك لهن إهلاكاً للركاب , قال مبيناً أنها المقصودون مجرداً الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثاً له على اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله : {بما كسبوا} أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيهواجتهادهم.

ولما كان التقدير تفصيلاً للإيباق : فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيراً منهم
634

(6/946)


إن شاء عطف عليه قوله : {ويعف} أي إن يشاء {عن كثير *} أي من الناس الذين في هذه السفن الموبقه , فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو غير ذلك , وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيسة , فالفعل كما ترى عطف على يوبق , وعطف بالواو لأنه قسم من حالي الموبقة , وهو بمعنى ما ورى عن أهل المدينة من نصب " يعفو " بتقدير " إن " ليكون المعنى : يوقع إيباقاً وعفواً.

ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم إخلاصه , ومن يرجع إلى العمى فلا يكون خلاصه , قال مبيناً بالنصب للصرف عن العطف على شيء من الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيزالشرط , فيصير العلم أيضاً مشروطاً : {ويعلم الذين يجادلون} أي عند النجاة بالعفو.

جزء : 6 رقم الصفحة : 632

(6/947)


ولما كان مقام العظمة شديد المنافاة للمجادلة , لفت القول إليه فقال : {في آياتنا} أيهذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايش جلالتها وعزتها رجوعاً إلى ما كانوا عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث , ومن واو الصرف يعرف أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير أن فيكون مبتدأ خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا : وعلمه سبحانه بالمجادلين عند هذا حاصل , والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد تعلق العلم بكل مجادل كلما حصل جدال , وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة على هذا , فإن التقدير : وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء , قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب في نواصب الفعل : والفاء - أي ناصبة - بشرطين : السببية , والثاني أن يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية , والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء نحو أن تأتني فتكرمني أو تكرمني أنت , أو بعد الشرط والجزاء : إن تأتني إنك فأكرمك أو وأكرمك , وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي , إذ تأتيني إنك فأكرمك أو وأكرمك , وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي , إذ الجزاء مشروط ووجوده بوجود الشرط , ووجود الشرط مفروض , فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة , وعليه حمل قوله تعالى {ويعلم الذين} في قراءة النصب , ثم قال : وكذا ويقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشداً من أول الأمر أنها ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوباً , فمعنى قم وأقوم : قم
635

(6/948)


وقيامي ثابت : أي في حال ثبوت قيامي , وأما بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها هنا مصاحبة الفعل للفعل منصوباً ما بعدها , فمعنى قم وأقوم : قم مع قيامي كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو , ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر متصيد من الفعل قبله النجاة , أي لم يكن منك قيام وقيام مني , لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع , والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه يكون ظاهراً فيما قصدوا النصوصية عليه , وإنا شرطوا في نصب ما بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء المذكورة أي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والرجاء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع , ويكون ما بعد الفاء كجزائها ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد الأشياء المذكورة على ما قبل فاء السببية التي هي أكثر استعمالاً من الواو في مثل هذا الموضع أعني في انتصاب المضارع بعدها , وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل العطف , وفي صرف ما بعدهما عن سنن العطف لقصد السببية في إحدهما والجمعية في الأخرى , ولقرب الجمعية من التعقب الذي هو لازم السببية ثم قال : وكذا ربما لم يصرف بعد واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت كما ذكرنا في باب الحال , نحو قمت وأضرب زيداً أي وأنا أضرب.

جزء : 6 رقم الصفحة : 632

(6/949)


ولما كان علم القادر بالمعصية موجباً لعذاب من عصاه , كان كأنه قيل : قد خسر من فعل ذلك فيا ليت شعري ما يكون حالهم ؟ أجاب بقوله : {ما لهم من محيص *} أي محيد ومفر أصلاً عن عذابه , ولا بشيء يسير , وإن تأخر في نظركم إيقاع العذاب بهم فإن عذابه سبحانه منه ما هو باطن وهو الاستدراج بالنعم وهذا لا يدركه إلا أرباب القلوب المقربون لدى علام الغيوب , ومنه ما هو ظاهر , ويجوز أن يكون " الذين " فاعل " يعلم " , وحينئذ تكون هذه الجملة في محل نصب لسدها مسد مفعول العلم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 632
ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره , ومن نشر الدواب براً وبحراً بمعرض من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقراً لدنياهم وما فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال , والأفوال والارتحال , ولهم بأنها مع ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهمبها , وأما هم فقوم ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز , فلو عقلوا لعلموا ولو علموا لعلمموا عمل العبيد ,
636
وأطاعوا القوي الشديد : {فما أوتيتم} أي أيها الناس {من شيء} أي من النعم الظاهرة , وأجاب " ما " الشرطية بقوله : {فمتاع الحياة الدنيا} أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته , وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله {وما} أي والذي , ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب من آثار النعوت الجلالية فقال : {عند الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من نعم الدارين {خير} أي في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع نفعها.

(6/950)


ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب الإنسان طول عمره فتسبب بذلك إلى البقاء قال : {وأبقى} أي من الدنيوية لأنه لا بد من نزعها منه بالموت , ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على خساسته على الباقي مع نفاسته.

ولما بين ما لها من النفاسة ترغيباً فيها , بين من هي له فقال : {للذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {وعلى} أي والحال أنهم صدقوها بأنهم على , ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء للمتوكل , وأحكم الأمر بالإضافة إشارة إلى " إنه إحسان " هو في غاية المناسبة لحالهم فقال : {ربهم} أي الذي لم يروا إحساناً قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص له {يتوكلون} أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلاً لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي , والتعبير بأداة الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن الحمل أبين في الراحة , وأظهر في البعد من الهم والمشقة , ولعل التعبير بالمضارع للتخفيف في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم , ومن كان كذلك كان الله ملم , فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم في أن ربهم سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها , بل ولهلم فيها الأجور الموجبة للنعمة والحبور , وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادّة لخلاتهم , ويزيدهم الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا.

جزء : 6 رقم الصفحة : 636

(6/951)


ولما كان كل من الإيمان والتوكل امراً باطناً فكان لا بد من دلائله من ظواهر الأعمال , وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل وكانت التخليات لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات التي هي جلب للمصالح قال عاطفاً على {الذين} : {والذين يجتبنون} أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا {كبائر الإثم} أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحثل بها دنس للنفس , فيوجب عقاباً لها مع الجسم , وعطف على {كبائر} قوله : {والفواحش} وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي
637
هي آيات الله الثلاث التي نصبها حجة على عباده وله الحجة الباغلة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه , وقرأ حمزة والكسائي : كبير , وهو للجنس , فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد.

(6/952)


ولما ذكر ما قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصرع قال منبهاً على عظمته معبراً بأداة التحقق دلالة على أنه لا به منه توطيناً للنفس عليه معلقاً بفعل الغفر : {وإذا} وأكد بقوله : {ما} وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره وتبريد حره فقال : {غضبوا} أي غضباً هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة , وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال : {هم يغفرون} أي الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفراً أي محواً للذنب عيناً وأثراً مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر , الكبر لا يصلح لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي , فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى الغفر معه , وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله , وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا أذا قدروا عفوا.

ولما أتم ما منه التحلي , أتبعه ما به التخلي , وذكر أوصافاً أربعة هي قواعد النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال : {والذين استجابوا} أي أوجدوا الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد {لربهم} أي الداعي لهم إلى إجابته إحسانه إليهم إيجاداً من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلباً عظيماً صادقاً لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه سبحانه لأنهم يعملون أنه ما دعاهم إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم , لأنه محيط العلم شديد الحرمة لا يتهم بوجه من الوجوه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 636

(6/953)


ولما كان هذا عاماً لكل خير دعا إليه سبحانه , خص أعظم عبادات البدن , وزاد في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال : {وأقاموا} أي بما لهم من القوة {الصلاة} فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها دائماً.

ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب للاتحاد في الأقوال والأفعال , والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان , ذكر الاتحاد بالأقوال الناشئ عنه عند أولي
638
الكمال الاتحاد في الأفعال , فقال معبراً بالاسمية حثاً على أن جعلوا ذلك لهم خلقاً ثابتاً لا ينفك : {وأمرهم} أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير {شورى} أي يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح , من الشور وهو العرض والإظهار {بينهم} أي بحيث إنهم لا فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منهم وصغير بل كل منها يصغي إلى الآخر وينظر في حصته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه , فلا يستبدل أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقاً , وسوق المشورة هذا السياق دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمه الله : ما تساور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد" وروى في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من أراد أمراً فشاور فيه أمرأ مسلماً وفقه الله لأرشد أمره ".

(6/954)


ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والافتاق في الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال , واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد في الحال والمال قال مسهلاً عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في تحصيلها راضياً منهم باليسير منها : {ومما} ولفت القول إلى مظهر العظمة تذكيراً بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال : {رزقناهم} أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة {ينفقون *} أي يديمون الإنفاق كرماً منهم وإن قل ما بأيديهم اعتماداً على فضل الله سبحانه وتعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين , وذلك الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة الله لا شهوة نفس.

جزء : 6 رقم الصفحة : 636
ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديماً لدرء المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد الغضب
639

(6/955)


لأنه قد يخطئ فيعاقب من أغضبه , وهو شريف الذات كريم الطبع على الهمة أبي النفس , ما وقع منه الذنب الذي أغضب إلا خطأ معفواً عنه أو كذب عليه فيه فيربي في نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر إلى خراب كبير , وكانت غدامة الغفر جالبة للفساد مجرئة على العناد , وكان البغي هو التمادي في السوء محققاً لقصد الذنب مجوزاً للإقدام على الانتقام , وكان الانتصار من الفجار ربما أحوج مع قوة الجنان إلى إنفاق المال , عقب الإنفاق بمدح الانتصار بقوله : {والذين} وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن شرطها لا بد من وقوعه بالفعل أو بالقوة فقال ناصباً بفعل الانتصار مقدماً لما من شأن النفس الاهتمام بدفعه لعدم صبرها عليه : {إذا أصابهم} أي وقع بهم وأثر فيهم {البغي} وهو التمادي على الرمي بالشر {هم} أي بأنفسهم خاصة لما لهم من قوة الجنان والأركان المعلمة بأن ما تقدم من غفرانه ما كان إلا لعلو شأنهم لا لهوانهم {ينتصرون *} أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله من سعة العقل وشدة البطش وقوة القلب النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي من زجر الباغي عن معاودتهم وعن الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر لهم فيكون ذلك من غصلاح ذات البين , ليسوا بعاجزين ولا في أمر جينهم متوانين , والتعبير في هذه الأفعال بالإسناد إلى الجمع إلى إلى أنه لا يكون تمام التممكن الرادع إلا مع الاجتماع , ومن كان فيها مفرداً كان همه طويلاً وبثه جليلاً , قال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق.

جزء : 6 رقم الصفحة : 636

(6/956)


ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغباً فيه مع ما للنفس من الداعية إليه , زجر عنه لمن كان قلب أولاً بكفها عن الاسترسال فيه وردها على حد المماثلة , وثانياً بيسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة , وثالثاً بالندب إلى العفو , فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة الله لا شائبة فيه للنفس اصلاً فقال : {وجزاء سيئة} أي أي سيئة كانت {سيئة مثلها} أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلاً , وقد كلفت هذه الجمل بالدعاء إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه , فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم , وبالنفقة
640
إلى العفة , وبالانتصار إلى الشجاعة , حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل , والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل , وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث , فإن من علم المماثلة كان عالماً , ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفاً , ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعاً , وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي.

ولما كان شرط المماثلة نادباً بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد , سبب عنه قوله : {فمن عفا} أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة {وأصلح} أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس , فيكون بذلك منتصراً من نفسه لنفسه {فأجره على الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم , وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم : "ما زاد عبداً بعفو إلا عزاً ".

جزء : 6 رقم الصفحة : 640

(6/957)


ولما كان هذا ندباً إلى العفو بعد المدح بالانتصار , بين أن علته كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله , فقال مضمراً إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكداً لكف النفس لما لها من عظم الاسترسال في الانتصار : {إنه لا يحب الظالمين*} أي لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقاً في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر.

ولما كان هذا ساداً لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل , قال مؤكداً نفياً لهذا الإشعار : {ولمن انتصر} أي سعى في نصر نفسه بجهده {بعد ظلمه} أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد.

ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه إحساناً إلى عباد الله من الرتبة العليا , بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه , فقال رابطاً للجزاء بفاء السبب بياناً لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه , ويجوز كون {من} موصولة والفاء لما للموصول من شبه الشرط.

ولما عبر أولاً بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم الفتنة , جمع
641
إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم لا في نصر المظلوم واحداً كان أو جماعة فقال : {فأولئك} أي المنتصرون لأجل دفع ظلم الظالم عنهم فقط {ما عليهم} وأكد بإثبات الجار فقال : {من سبيل*} أي عقاب ولا عتاب , وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما علمت حتى دخلت عليَّ زينب رضي اله عنها بغير إذن وهي غضبى ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : دونك فانتصري , فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها ما ترد عليّ شيئاً , فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجه.

(6/958)


ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى موضع ما أشعر به الكلام السابق من الظلم , بين ذلك فقال : {إنما السبيل} أي الطريق السالك الي لا منع منه اصلاً بالحرج والعنت {على} وجمع إعلاماً بكثرة المفسدين تجرئة على الانتصار منهم وإن كانوا كثيراً فإن الله خاذلهم فقال : {الذين يظلمون الناس} أي يوقعون بهم ظلمهم تعمداً عدواناً {ويبغون} أي يتجاوزن الحدود {في الأرض} بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعاً وفعلاً وعلماً وعملاً.

ولما كان الفعل قد يكون بغياً وإن كان مصحوباً بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال : {بغير الحق} أي الكامل ولما أثبت عليهم بهذا الكلام السبيل , كان السامع جديراً بأن يسأل عنه فقال : {أولئك} أي البغضاء البعداء من الله {لهم عذاب أليم*} أي مؤلم بما آلموا من ظلموه من عباد الله بحيث يعم إيلامه وأرواحهم بما لها من المشاعر الظاهرة والباطنة.

جزء : 6 رقم الصفحة : 640
ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير : فلمن صبر عن الانتصار أحسن حالاً ممن انتصر , لأن الخطأ في العفو أولى من الخطأ في الانتقام , عطف عليه مؤكداً لما أفهمه السياق أيضاً من مدح المنتصر : {ولمن صبر} عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى {وغفر} فصرح بإسقاط العقاب والعتاب فمحا عين الذنب وأثره : {إن ذلك} أي ذلك الفعل الواقع منه البالغ في العلو جداً لا يوصف {لمن عزم الأمور*} أي الأمور التي هي لما لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها دوات العزم أو متأهلة لأن تعزم على ما تريد , والعزم : الإقدام على الأمر بعد الروية والفكرة , قال أبو علي بن الفراء ؛ آيات العفو محمولة على الجاني النادم , وآيات مدح الانتصار على المصر , وذلك إنما يحمد مع القدرة على تمام النصرة كما قال يوسف
642

(6/959)


عليه الصلاة والسلام لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [الآية : 92] وقال : فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها الموقف الأعظم الذي وقفه يوم الفتح عند باب الكعبة وقال لقريش وهو تحته كالغنم المطيرة "ما تظنون أني فاعل بكم يا معشر قريش" قالوا : خيراً , أخ كيرم وابن أخ كريم , قال "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وروى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه فلما رد عليه قام صلى الله عليه وسلم ثم قال : "يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق ما من عبد مظلم مظلمة فعفى عنها لله إلا أعز الله بها نصره , وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة ".

ولما بان في هذا الكلام المقتصر على الصبر والجامع إليه الغفر والمقتضي بالنصر أدرجهم كلهم في دائرة الحق , أتبعه من خرج عن تلك الدائرة , فقال مخبراً أن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن عطفاً على نحو : فمن يهدي الله للوقوف عند هذه الحدود فما له من مضل , مبيناً بلفظ الجلال أن ما شرعه من الطريق في غاية الوضوح لا يزيغ عنه أحد إلا بطرد عظيم : {ومن يضلل الله} أي الذي له صفات الكمال إضلالاً واضحاً بما أفاده الفك بعدم البيان أو بعدم التوفيق لمطلق الصبر أعم من أن يكون الاقتصار على أخذ الحق وبتأخير الحق إلى وقت وبالعفو وبالغفر.

ولما كان الضال عن ذلك لا يكون إلا مجبولاً على الشر , سبب عنه قوله : {فما له} أي في ذلك الوقت {من ولي} أي يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله عنه أو التوفيق لما بينه له {من بعده} أي من بعد معاملة الله له معاملة البعيد من وكله إلى نفسه وغيره من الخلق في شيء من زمان البعد ولو قل.

جزء : 6 رقم الصفحة : 640

(6/960)


ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين , قال عاطفاً على نحو : فترى الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة عليهم , فهم لذلك لا يرجون حساباً ولا يخافون عقاباً : {وترى} وقال : {الظالمين} موضع " وتراهم " لبيان أن الضال لا يضع شيئاً في موضعه , ولما كان عذابهم حتماً , عبر عنه بالماضي فقال : {لما رأوا العذاب} أي المعلوم مصير الظالم إليه رؤية محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة {يقولون}
643
أي مكررين مما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل : {هل إلى مرد} أي رد إلى دار العمل وزمانه مخلص من هذا العذاب {من سبيل}.

جزء : 6 رقم الصفحة : 640
ولما أثبت رؤيتهم العذاب , أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو فقال : {وتراهم} أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف إلى العلم بحالهم بعينك حال كونهم {يعرضون} أي يجدد عرضهم ويكرر , وهو إلجاؤهم إلى أن يقارنوها بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها ايضاً بطولهم ليعلموا أنها مصيرهم فلا مانع لها منهم {عليها} أي النار التي هي دار العذاب مكرراً عرضهم في طول الموقف مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما عليهم من الأحمال الثقال حال كونهم {خاشعين} أي في غاية الضعة والإلقاء باليد خشوعاً هو ثابت لهم.

ولما كان الخشوع قد يكون محموداً قال : {من الذل} لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه.

(6/961)


ولما كان الذل ألواناً , صوره بأقبح صورة فقال معبراً بلفظ النظر الذي هو مماسة البصر لظاهر المبصر : {ينظرون} أي يبتدئ نظرهم المتكرر {من طرف} أي تحريك للأجفان {خفي} يعرف فيه الذل لأنه لا يكاد من عدم التحديق يظن أنه يطوف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى الإنسان ينظر إلى المكاره , والصبور ينظر إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث لا يحقق منظوراً إليه , بل ربما تخليه بأعظم مما هو عليه.

ولما صور حالهم وكان من أفظع الأشياء وأقطعها للقلوب شماتة العدو , قال مبشراً لجميع أصناف أهل الإيمان ورادعاً لأهل الكفران : {وقال} أي في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعبير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع {الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الراب أو أعلاها عند رؤيتهم إياهم على هذا الحال , مؤكدين لتحقيق مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام بما لهم من السرور بصلاح
644
حالهم , والحمد لمن من عليهم بحس منقلبهم ومآلهم , ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من الهيبة عندما تحققوا ههذ المواعظ : {إن الخاسرين} أي {وأهليهم} بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان.

جزء : 6 رقم الصفحة : 644
ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلاً لها , ويجوز أن يكون ظرفاً لهذا القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ويظهر الشماتة به , كان جديراً بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال : {يوم القيامة} أي الذي هو يوم فوت التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء.

(6/962)


ولما كان هذا نهاية الخسارة , أنتج قوله منادياً ذاكراً سبب هذه الخسارة المعينة مؤكداً لأجل إنكار الظالمين لها وإن كان من تتمه قول المؤمنين هناك , فالتأكيد مع ما يفيد الإخبار إنكار الظالمين لها من ردع المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما رأوا من سوء حالهم وتقطع أوصالهم ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع عن عصاة المؤمنين : {ألا إن الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف فهم بحيث لا ينفكون عن فعل الماشي في الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها {في عذاب مقيم*} لا يزايلهم أصلاً , فلذلك لا يفرغون منه في وقت من الأوقات , فلذلك كان خسرانهم لكل شيء.

ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد في الأغلب ولياً ينصره لأو سبيلاً ينجيه , قال عاطفاً على {وتراهم} أو " ألا إن " : {وما كان} أي صح ووجد {لهم} وأعرق في النفي فقال : {من أولياء} فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب الأولى.

ولما كان من يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادراً على النضرة قال : {ينصرونهم} أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا على إنفاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من العذاب.

ولما كان الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها قال : {من دون الله} أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره , وأما هو فيصح ذلك لمن اتصف بوصفهم كائناً من كان , فقال بناء على نحو : لأنه هو الذي أضلهم : {ومن يضلل الله} أي يوجد ضلاله إيجاداً بليغاً بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان :
645
{فما له} بسبب إظلال له جميع صفات الجلال والإكرام , وأعرق في النفي بقوله : {من سبيل*} أي تنجية من الضلال ولا مما تسبب عنه من العذب.

(6/963)


ولما كان هذا , أنتج قطعاً قوله : {استجيبوا} أي اطلبوا الإجابة وأوجدوها , ولفت القول إلى الوصف الإحساني تذكيراً بما يحث على الوفاق , ويخجل من الخلاف والشقاق , فقال : {لربكم} الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه فيما دعاكم إليه برسوله صلى الله عليه وسلم من الوفاء بعهده في أمره ونهيه , ولا تكونوا ممن ترك ذلك فتكونوا ممن علم أنه أضله فانسد عليه السبيل.

جزء : 6 رقم الصفحة : 644
ولما كان الخوف من الفوت موجباً للمبادرة , قال مشيراً بالجار إلى أنه يتعد بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل بالموت : {من قبل أن يأتي يوم} أي يكون فيه ما لا يمكن معه فلاح ؛ ثم وصفه بقوله لافتاً إلى الاسم الأعظم الجامع لأوصاف الإحسان والإنعام على المطعين والقهر والانتقام من العاصين : {لا مرد} أي لا رد ولا موضع رد ولا زمان رد {له} كائن {من الله} أي الذي له جميع العظمة وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن مرد من غيره , ومتى ذاك أنتج قوله : {ما لكم} وأعرق في النفي بقوله : {من ملجأ يومئذ} أي مكان تلجؤون إليه في ذلك اليوم وحصن تتحصنون فيه من شيء تكرهونه , وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغاً في التحذير فقال : {وما لكم من نكير*} أي من إنكار يمكنكم به من النجاة لأن الحفظة يشهدون عليكم فإن صدقتموهم وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم وجلودكم , ولا لكم من أحد ينكر شيئاً مما تتجاوزون به ليخلصكم منه.

(6/964)


ولما أنهى ما قدمه في قوله {شرع لكم من الدين} نهايته , ودل عليه وعلى كل ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء , كان ذلك سبباً لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال معرضاً عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب : {فإن أعرضوا} أي عن إجابة هذا الدعاء الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بنا تأيد به من الحجج , ولفت القول إلى مظهر العظمة دفعاً لما قد يوهم الإرسال من الحاجة فقال : {فما أرسلناك} مع ما لنا من العظمة {عليهم حفيظاً} أي نقهرهم على امتثال ما أرسلناك به.

ولما كان التقدير.

فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك مبلغاً , وضع موضعه : {إن} أي ما {عليك إلا البلاغ} لما أرسلناك به , وأما الهداية والإضلال فإلينا.

ولنا ضمن لهذه الآية ما أرسله له , أتبعه ما جبل عليه الإنسان بياناً لأنه صلى الله عليه وسلم لا
646
حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو الإسماع لا السماع , فقال عاطفاً على ما قبل آية الشرع من قوله {يبسط الرزق لمن يشاء} حاكياً له في أسلوب العظمة تنبيهاً على أنه الذي حكم عليهم بالإعراض عما هو جدير بأن لا يعرض عنه عاقل , وإيماء إلى أن الإنسان لغلبه جهله وقلة عقله يجترئ بأدنى تأنيس على من تجسد الجبال لعظمته وتندك الشوامخ من هيبته : {وإنا إذا أذقنا} بعظمتنا التي لا يمكن مخالفتها.

(6/965)


ولما كان من يفرح بالنعمة عند انفراده بها مذموماً , عبر بالجنس الصالح للواحد فما فوقه تنبيهاً على أن طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد الإخوان إلا من أقامه الله في مقام الإحسان فقال : {الإنسان} أي بما جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم التمالك {منا رحمة} أي نوعاً من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ونحو ذلك , وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك , وكذا عبر بالإنسان فقال : {فرح بها} أي ولو أن أهل الأرض كلهم على غير ذلك , وكذا عبر بالإنسان فقال : {فرح بها} أي ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ينفعه ليشكر , فكان ذلك لذلك كافراً للنعمة لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر فتوصل بالعافية إلى المخالفة , فأوقع نفسه في أعظم البلاء.

جزء : 6 رقم الصفحة : 644
ولما دل باداة التحقق على أن النعمة هي الاصل لعموم رحمته , وأنها سبقت غضبه , دل على أن السيئة قليلة بالنسبة إليها باداة الشك والمضارع فقال : {وإن} ولما كانت المشاركة في الشدائد تهون المصائب , فكان من يزيد غمه بخصوص مصيبته عند العموم مذموماً , نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال : {تصبهم سيئة} أي نقمة وبلاء وشدة.

ولما كانت الرحمة فضلاً منه , أعلمهم أن السيئة مسببة عنهم فقال : {بما قدمت أيديهم} وعبر باليد عن الجملة لأن اكثر العمل بها.

(6/966)


ولما كان الجواب على نهج الأول : حزنوا فكفروا , وعدل عنه إلى ما يدل على أن جنس الإنسان موضع الكفران , ولما كانوا يدعون الشكر وينكرون الكفر , أكد قوله وسبب عن تلك الإصابة والإذاقة معاً إشارة إلى أنه لا اصل لغيرهما , فقال مظهراً موصع الضمير لينص على الحكم على الجنس من حيث هو : {فإن الإنسان} أي الآنس بنفسه المعرض من غيره بما هو طبع له بسبب مسه بضر {كفور*} أي يبلغ الستر للنعم نساء له , ينسى بأول صدمة من النقمة جميع ما تقدم له من النعم , ولا يعرف إلا الحالة الراهنة , فإن كان في نعمه أشر وبطر , وإن كان في نقمه أيس وقنط , وهذا حال الجنس من حيث هو , ومن وفقه الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم : " المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ".

وليس ذلك إلا المؤمن , والآية من الاحتباك : قكر الفرح أولاً دالاً على الحزن ثانياً , وذكر الكفران ثانياً دال على حذفه أولاً.

647
جزء : 6 رقم الصفحة : 644

(6/967)


ولما قدم سبحانه في هذه السورة أن له التصرف التام في عالم الخلق بالأجسام المرئية وفي عالم الأمر بالأرواح الحسية والمعنوية القائمة بالأبدان والمدبرة للأديان , وغير ذلك من بديع الشأن , فقال في افتتاح السورة {كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك} وأتبعه أشكاله إلى أن قال {أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم على قلبك} الآية {فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفكسم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً} - الآية {له مقاليد السماوات والأرض} {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء} {من كان يريد حرث الآخرة} - الاية , {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} , {ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام} - الاية إلى أن ذكر أحوال الآخرة في قوله {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون} - الآيات , وختم بتصرفه المطلق في الإنسان من إنعام وانتقام , وما له من الطبع المعوج مع ما وهبه له من العقل المقيم في أحسن تقويم , فدل ذلك على أن له التصرف التام ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً , أتبعه الدليل على أن تصرفه ذلك على سبيل الملك والقهر إيجاداً وإعداماً إهانة وإكراماً , فقال صارفاً القول عن أسلوب العظمة التي من حقها دوام الخضوع وإهلاك الجبابرة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم الجامع لمظهر العظمة ومقام اللطف والإحسان والرحمة نتيجة لكل ما مضى : {لله} أي الملك الأعظم وحده لا شريك له {ملك السماوات} كلها على علوها وارتفاعها وتطابقها وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها {والأرض} جميعها على تباينها وتكاثفها واختلاف اقطارها وسكانها واتساعها.

ولما أخبر بانفراده بالملك , دل عليه بقوله تعالى : {يخلق} أي على سبيل التجدد والاستمرار {ما يشاء} أي وأن كان على غير اختيار العباد , ثم دل على ذلك بما يشاهد من حال الناس فانه لما استوى البشر في الإنسانية والنكاح الذي هو سبب الولادة اختلفت أصناف أولادهم.

(6/968)


كان ذلك أدل دليل على أنه لا اختيار لأحد معه وأن الأسباب لا تؤثر أصلاً إلا به.

جزء : 6 رقم الصفحة : 648
ولما كانت ولادة الإناث أدل دليل على أنه لا اختيار الولد وكانوا يعدونه من البلاء الذي ختم به ما قبلها قدمهن في الذكر فقال : {يهب} خلقاً ومولداً {لمن يشاء} أولاداً {إناثاً} أي فقط ليس معهن ذكر كما في لوط عليه السلام , وعبر سبحانه فيهن بلفظ الهبة لأن الأوهام العادية قد تكتنف العقل فتحجبه عن تأمل محاسن
648
التدبيرات الإلهية , وترمي به في مهاوي الأسباب الدنيوية , فيقع المسلم مع إسلامه في مضاهاة الكفار في كراهة البنات وفي وادي الوأد بتضييعهن أو التقصير في حقوقهن وتنبيهاً على أن الأنثى نعمة , وأن نعمتها لا تنقص عن نعمة الذكر وربما زادت , وإيقاظاً من سنة الغفلة على أن التقديم وإن كان لما قدمته لا يقدم تأنيساً وتوصية لهن واهتماماً بأمرهن , نقل ابن مليق عن ابن عطية عن الثعلبي أن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث , ولذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الإحسان إليهن في أحاديث كثيرة ورتب على ذلك أجراً كبيراً ولأجل تضمين الهبة مع الخلق عداها باللام مع أن فعلها متعد بنفسه إلى مفعولين لئلا يتوهم أن الولد كان لغير الوالد ووهبه الله له.

ولما كان الذكر حاضراً في الذهن لشرفه وميل النفس إليه لا سيما وقد ذكر به ذكر الإناث , عرف لذلك وجبراً لما فوته من التقديم في الذكر تنبهاً على انه ما أخر إلا لما ذكر من المعنى فقال : {ويهب لمن يشاء الذكور*} أي فقط ليس بينهن أنثى كما صنع لإبراهيم عليه السلام وهو عم لوط عليه السلام.

(6/969)


ولما فرغ من القسمين الأولين عطف عليهما قسيماً لهما ودل على أنه قسم بأو فقال : {أو يزوجهم} أي الأولاء بجعلهم ازواجاً لأأي صنفين حال كونهم {ذكراناً وإناثاً} مجتمعين في بطن ومنفردين كما منح محمداً صلى الله عليه وسلم , ورتبها هنا على الأصل تنبيهاً على أنه ما فعل غير ذلك فيما مضى إلا لنكت جليلة فيجب تطلبها , وعبر في الذكر بما هو ابلغ في الكثرة ترغيباً في سؤاله , والخضوع لديه رجاء نواله.

ولما فرغ من أقسام الموهوبين الثلاثة , عطف على الإنعام بالهبة سلب ذلك , فقال موضع أن يقال مثلاً : ولا يهب شيئاً من ذلك لمن يشاء : {ويجعل من يشاء عقيماً} أي لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام - كذا قالوه , والظاهر أنه لا يصح مثالاً فإنه لم يتزوج , قال ابن ميلق , وأصل العقيم اليبس المانع من قابلية التأثر لما من شأنه أن يؤثر , والداء العقام هو الذي لا يقبل البرء - انتهى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 648
فهذا الذي ذكر أصرح في المراد لأجل ذكر العقم , وأدل على القدرة لأن شامل لمن له قوة الجماع والإنزال لئلا يظن أن عدم الولد لعدم تعاطي أسبابه , وذكروا في هذا القسم عيسى عليه السلاة والسلام.

ولا يصح لأنه ورد أنه يتزوج بعد نزوله ويوله له , وهذه القسمة الرباعية في الأصول كالقسمة الرباعية في الفروع , بعضهم لا من ذكر ولا أنثى كآدم عليه الصلاة والسلام , وبعضهم من ذكر فقط كحواء عليها السلام , وبعضهم من أنثى فقط كعيسى عليه السلام وبعضهم من ذكر وأنثى وهو أغلب الناس , فتمت الدلالة على أنه ما شاء
649
كان ولا راد له وما لم يشأ لم يكن , ولا مكون له ولا مانع أعطى ولا معطي لما منع.

(6/970)


ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما بينت الآية عليه من إثبات الملك له وحده مع ما زادت به من جنس السياق وعذوبة الألفاظ وإحكام الشك وإعجاز الترتيب والنظم , كانت النتيجة قطعاً لتضمن إشراكهم به الطعن في توحده بالملك مقدماً فيها الوصف الذي هو أعظم شروط الملك : {إنه عليم} أي بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها {قدير*} شامل القدرة على تكوين ما يشاء.

ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم والقدرة , والقدرة فيه أظهر وفاقاً لما ختمت به الآية , وكان قد يكون خلقه إياه إبداعاً من غير توسط سبب , وقد يكون بتوسيط سبب , أتبعه القسم الآخر الأعلى الذي العلم فيه أظهر وهو الوحي الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة التي هي سر التقدير في القسم الأول الكلام في قلبه قال : {وما} أي وهو سبحانه تام العلم شامل القدرة غرز في البشر غريزة العلم وأقدره على النطق به بقدرته وحياً منه إليه كما أوحى إلى النحل ونحوها والحال أنه ما {كان لبشر} من الأقسام المذكورة , وحل المصدر الذي هو اسم " كان " ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم وجوهه فقال : {أن يكمله} وأظهر موضع الإضمار إعظاماً للوحي وتشريفاً لمقداره بجلالة إيثاره قفال : {الله} أي يوجد الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاماً {إلا وحياً} أي كلاماً خفياً يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق العادة إما بإلبهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون قسماً لما بعده أولاً أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير {وأوحينا إلى أم موسى} [القصص : 7] {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل : 68] {وأوحى في كل سماء أمرها} [فصلت : 12] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع الإنسان قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - والله أعلم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 648

(6/971)


وهذا معنى قول القاضي عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز : وقد قيل في قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه اللع إلا وحيا} الآية أي ما يليقه في قلب دون واسطة , ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب السادس والعشرين من عوارفه : والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى الله ضرب من المكالمة.

650
ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه عن العيان , استعير لمطلق الخفاء فقال : {أو من} أي كلاماً بلا واسطة , لكنه مع السماع لعين كلام الله كائن صاحبه من {وراء حجاب} أي من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر , قال القشيري : والمحجوب العبد لا الرب , والحجاب أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية , وتعالى الله أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام - انتهى.

والآية يمكن تنزيلها على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانياً دليلاً على نفيه أولاً , وذكر الوحي الدال على الخفاء أولاً دليلاً على الجهر ثانياً , والحجاب ثانياً دليلاً على الرؤية أولاً , وسره أن ترك التصريح والدلالة عليها بالحجاب أولى بسياق العظمة.

ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه اخفى القسام ليس فيه صوت ولا ترتب في كلمات , عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد فقال : {أو يرسل} وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله {رسولاً} أي من الملائكة.

ولما كان الوحي مسبباً عن الإرسال ومرتباً عليه قال : {فيوحي} أي على سبيل التجديد والترتيب , وقرأ نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير : أو هو يرسل.

ولما كان ربما ظن أن للواسطة فعلاً يخرج عن فعله , رد ذلك بقوله : {بإذنه} أي بإقدار وتمكينه , فذلك المبلغ إنما هو آلة.

(6/972)


ولما كان رسوله لا يخرج عما وحده له بوجه قال : {ما يشاء} أي لا يتعدى مراده وإقداره أصلاً فهم المكلم في الحقيقة وقد بان أنها ثلاثة أقسام : أولها فيه قسمان , خص الأول بقسميه بالتصريح باسم الوحي لأنه كما مر أخفاها وهو أيضاً يقع دفعه , والوحي يدور معناه على الخفاء والسرعة.

ولما كانت الأقسام دالة على العظمة الباهروة , وكانت للروح البدني لأن روح الوحي يكسب الروح البدني حياة العلم كما أفاد الروح البدن حياة بالإرادة والحس , كانت النتيجة مؤكدة لتضمن طعنهم في الرسول والقرآن والتوحيد طعنهم في مضمون الجملة : {إنه} أي الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم {عليّ} أي بالغ العلو حداً مما لا يليق به من الأوصاف وبما يكون للخلق عن جنابه من السفول بما عليهم من الحجب فلا يلبس شيء مما يعبر به تقريباً للعقول فيحمل على ما يوهم نقصاً , فإن المجازات في لسان العرب شهيرة {حكيم*} يتقن ما يفعله إتقاناً ر تحيط العقول بإدراكه فيسكن روح العلم الذي هو من ألطف أسراره في روح البدن المدبر له فيكون سراً في سر كمات كان براً بعد بر , ويجعل ذلك تارة بواسطة وتارة بغير واسطة على حسب ما يقتضيه الحال , ويعبر عن كل معنى بما يقتضيه حاله في ذلك
651
السياق , ومهما أوهم شيء من ذلك نقصاً فرد المستبصر إلى المحكم من التأويل على ما يقتضيه الشائع من استعمالات رجع رجوعاً بيناً متقناً بحيث يصير في غاية الجلاء.

جزء : 6 رقم الصفحة : 648

(6/973)


ولما كان الوحي روحاً مدبراً للروح كما أن الروح مدبر للبدن , صرح به فقال : {وكذلك} أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى عبادنا {أوحينا إليك} صارفاً القول إلى مظهر العظمة تعظيماً لما أوحى إليه وأفاض من نعمه عليه على جميع تلك الأقساك , فالتفت في الروع مذكوراً غير منكور , والسماع من دون الحجاب أصلاً منقول في الإخبار عن ليلة المعراج ومعقول في السماع من وراء الحجاب أيضاً ذكر فيها في قوله : " أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " والوحي بواسطة الملك كثيراً جداً , وأعظم الوحي وشرفه بقوله منكراً تعظيماً لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي أبكم الفصحاء وأعجز البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة عنه , ويمكن أن يكون تنكير تعظيم وإجلال وتكريم {روحاً} أي من خالطه صار قلبه حياً ومن عري عنه كان قلبه ميتاً.

(6/974)


وزاد عظمه بقوله : {من أمرنا} أي بجعله من قسم الأمر وإظهاره مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل شامخ ويتحاقر إكباراً له كل مادح , والمراد بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له صلى الله عليه وسلم إلى الإفتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه بيد القدرة وأحياء بروح الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء , وأقرت بالعجز عن إدانتها ألباب العلماء , ودل على ذلك بقوله , نافياً مبيناً حاله صلى الله عليه وسلم قبل هذا الوحي : {ما كنت} أي فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك مساوياً لهم في كونك لا تعلم شيئاً ولا تتفوه بشيء من ذلك وهو معنى {تدري} وعبر بأداة الاستفهام إلى أن ما بعدها مما يجب الاهتمام به والسؤال عنه , وعلق بجملة الاستنفهام الدارية عن العمل وسدت مسد مفعولي الدارية {ما الكتاب} أي ما كان في جلبتك أن تعلم ذلك بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها {ولا الإيمان} أي بتفصيل الشرائع على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك , وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قبل النبوة مقراً بوحدانية الله تعالى وعظمته لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه ,
652
ولا شك ان الشهادة له نفسه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك , وكذا الملائكة واليوم الآخر فيصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه.

جزء : 6 رقم الصفحة : 652

(6/975)


ولما كان المعنى : ولكن نحن أدريناك بذلك كله , عبر عنه إعلاماً بأن الخلق كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفلعون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في الظلام بقوله : {ولكن جعلناه} أي الروح الذي هو الكتاب المنزل منا إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا من العظمة {نوراً يهدي} على عظمتنا {به من نشاء} خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا {من عبادنا} بخلق الهداية في قلبه , قال ابن برجان : فمن رزقه الفرقان الذي يفرق بين المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات , فذلك الذي أبصر شعاع النور وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور , وعلى قدر إقباله عليه والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به , وقال الأصبهاني في سورة النور : هو الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار مثلاً على اظلرض والجدار وغيرهما , يقال : استنارت اظلرض , وقال حجة الإسلام الغوالي ضي الله عنه : ومن المعلوم ان هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لن المرئيات على كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة وهي المدركة وبها الإدراك , فكان وصف االاظهار بالنور الباصر أحق بالنور المبصر فلا جرم اطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش : إن نور عينيه ضعيف , وفي العمى انه فقد نور البصر , غذا ثبت هذا فنقول : للأنسان بصر وبصيرة , وكل واحد من الإدراكين يقنضي نوراً , ونور العقل اثوى وأسد من نور العين , لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا إدراكها ولا آلاتها , والقوة العاقلة تدرك نفسها , وغدراكها وآلتها فتور العقل اكمل من نور البصر , والقوة العاقلة تدرك الكليات والقورة الباصرة لا تدركها , وإدراك الكليات أشرف لانه لا يتغير بخلاف الجزئيات , وغدراك العقل منتج وادراك الجزئي غير منتج , والقوة العاقلة تدرك ظاهر الأشياء وبطانها فان الباطن والظاهر من جسمه واللون القائم به , والقوة العاقلة نوراً بالنسبة إلى الظاهر والباطن , والقوة

(6/976)


الباصرة ظلمة بالنسبة إلى الباطن , ومدرك الفوة العاقلة هو الله وصفاته وأفعاله , ومدرك القوة هو الألوان والأشكال
653
فيكون نسبة شؤرف القوة العاقلة إلى شرف القفوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله إلى شرف الألوان والأشكال , والقوة الباصرة كالخدم والقوة العاقلة كالامبير , والامير أشرف من الخادم , والقوة الباصرة قد تغلط والقوة العاقلة لا تغلط , إن الإدراك العقلي أكمل وأقوى وأشرف من الإدراك البصري , وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور , فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نوراً , والإدراك العقلي قسمان : أحدهما واجب الحصول عند سلامة القوى والالات وهي التعقلات الفطرية , والثاني ما يكون مكتسباً , وهي التعقلات النظرية , ولا يكون منت لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالماً البتة , فهذه الأنورا إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من سبب , والفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ فلا بد مكن هاد ومرشد , ولا مرشد فوق كلام الله وأنبيائه , فتكون منزلة ىيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين , وبهذا يظهر معنى قوله تعالى :
جزء : 6 رقم الصفحة : 652

(6/977)


{فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} [التغابن : 8] {قد جاءكم برهان من ربكم} {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} [النساء : 74] وإذا ثبت أن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية اعظم في النوراينة من الشمس كما أن الشمس في علم الأجسام العقلية لسائر النفوس البشرية ولا تستفيد النور العقلي من شيء من النفوس البشرية , فلذلك وصف الله الشمس بأنها سراج , ووصف محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه سراج , قن قال : ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال , وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت الشمس , التي هي المعدن , وثانيهما في القمر , وثالثهما في المرآة , ورابعهما في الماء , وخامسها في السقف , وكل من كان أقرب إلى المعدن كان أقوى فكذا الأنوار السماوية لما كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد اشد غشراقاً , ثم تلك الانوار لا تزال مترتبة المراد بقوله {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ : 38] ثم نقول : إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كانوار النيران أو علوية كأنوار فإنها ممكنة لذواتها والممكن لذاته لا يستحق الوجود لذاته بل وجوده من غيره , والعدم هو الظلمة والوجود هو النور , فكل ما سوى الله زظلم مستنير بإنارة الله تعالى , وكذا جميع معارفها ودجودها حاصل من وجود الله تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن
654

(6/978)


كانت في ظلمات العدم , وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة , فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره , وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف , وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وإن إطلاق النور على غيره مجاز , وكل ما سوى الله من حيث هو هو ظلمة محضة لأنه من حيث هي هي ممكنات , والممكن من حيث هو هو معدوم , والمعدوم مظلم , فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم , فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه افاض عليها نور بنور , وأضاف النور إلى الخافقين في قوله {نور السماوات والأرض} لأنهما مشحونتان بالأنوار العقلية والأنوار الحسية , أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب وغيرها , وفي الأرض من الأشعة المنسبطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها الأكوان المختلفة , ولولاها لما كان للألوان ظهور بل وجود , وأما الأنوار العقلية فلعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة , والعالم الأدنى مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية , والنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم بأسره كما أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم العلوي , وإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار البصرية الظاهرة والعقلية الباطنة , ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض وإن بينها ترتيباً في الغايات , ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول , وذلك هو الله وحده لا شريك له , فإذا الكل نوره , ثم قال : قال الإمام الغزالي : قد بن أن القوة المدركة أنوار.

جزء : 6 رقم الصفحة : 652

(6/979)


ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة , أحدهما القوة الحساسة وهي التي تلتقي ما تورده الحواس الخمس , وكأنها اصل الروح الحواني إذ بها يصير الحيوان حيواناً , وهي موجودة للصبي والرضيع وثانيها القوة الخيالية وهي التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزوناً عندها لتعرضه عن القوة العقلية عند الحاجة إليه , وثالثهما القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية , ورابعهما القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفاً تستنتج منه علماً بالمجهول , وخامسها القوة القدسية التي يختص بها الأنباء وبعض الأولياء , وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت , إليه إشار قوله {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} الآية , وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات , وهذه المراتب الخمس يمكن تشبيهها
655

(6/980)


بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت , أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين , فأرتفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة , وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة : الأول أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز , ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة , والثاني أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازناً للمعارف العقلية ومؤدياً لأنوارها , ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس على الملك , وبالقمر على الوزير , وبختم فروج الناس وأفواهم على الأذان قبل الصبح , والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ولا تضطرب , وأنت لا تجد شيئاً في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء بالزجاج , واما الثالث وهو القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح , وأما الرابع وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها أنها تأخذ ماهية واحدة ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا : الموجود إما واجب وإما ممكن , ثم تجعل كل قسم قسمين , وهكذا إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة , ثم تنتهي بالاخرة إلى نتائج هي ثمرتها , فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم بشجرة السفرجل والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب الإشراق وقلة الدخان , وإذا كانت الماشية التب يكثر دجرها ونسلها والشجرة التي يكثر ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة مباركة , وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة مباركة ,

(6/981)


وإذا كانت شعب الإفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام , فبالحري أن لا تكون شرقية ولا غريبة , وأما الخامس وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء , فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما تحتاج إلى تعليم وإلى ما لا يحتاج إليه , ولا بد من وجود هذا القسم دفعاً للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسه نار , فهذا المثال موافق لهذه الأقسام , وهذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض , فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال , والخيال كالمقدمة للعقل - انتهى كلام الغزالي رحمه الله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره عنه - والله أعلم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 652
ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح الإلهي : فهديناك به , عطف
656
عليه قوله تعالى : {وإنك لتهدي} أي تبين وترسد , وأكده لإنكارهم ذلك {إلى صراط} أي طريق واضح جداً , وإن عانيت في البيان مشقة بنفسك وبالوسائط بما أفادته التعدية بـ " إلى " فيفهم من ذلك أنه يهدي للصراط بدون ذلك من العناية لمن يسر الله أمره ويهدي الصراط لمن هو أعظم توفيقاً من ذلك {مستقيم} أي شديد التقوم لأنه كأنه يريد أن يقوم نفسه فهو بعد وجود تقومه حافظ لها من أدنى خلل , وهو كل ما دعا إليه من خصال هذا الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام , ثم أبدل منه تعظيماً لشأنه قوله بدل كل معرفة من نكرة لافتاً القول من مظهر والنقمة ترغيباً وترهيباً : {صراط الله} أي الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال , ثم وصفه بأنه مالك لما افتتح هذا الكلام بأن له ملكه فقال : {الذي له} ملك {ما في السماوات} أي هو جميع السماوات التي هي في عرشه والأرض لأنها في السموات وما في ذلك من المعاني والأعيان {وما في الأرض}.

(6/982)


ولما أخبر سبحانه أنه المخترع لجميع الأشياء والمالك لعالمي الغيب والشهادة والخلق والأمر وأنه المتفرد بالعظمة كلها , وكان مركوزاً في العقول مغروزاً في الفطر أن من ابتدأ شيئاً وليس له كفوء قادر على إعادته وأن يكون مرجع أمره كله إليه , فلذلك كانت نتيجة جميع ما مضى على سبيل المناداة على المنكرين لذلك وعداً ووعيداً لأهل الطاعة والمعصية بناء على ما تقديره : كيف يكون له ما ذكر على سبيل الدوام ونحن نرى لغيره أشياء كثيرة تضاف إليه ويوقف تصريفها والتصرف فيها عليه : {إلا إلى الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل أو مدان وهو الكبير المتعالي , لا إلى أحد غيره {تصبر} أي على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له , قال أبو حيان : أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله : زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا يراد به حقيقة المستقبل : {الأمور} أي كلها من الخلق والأمر معنىّ وحساً خفياً في الدنيا بما نصب من الحكام وجعل بين الناس من الأسباب , وجلياً فيما وراءها حيث قطع ذلك جميعه وحده العزيز الحكيم العلي العظيم , فقد رجع آخر السورة على اولها , وانعطف مفصلها على موصلها , واتصل من حيث كونه في الوحي الهادي في أول الزخرف على أتم عادة لهذا الكتاب المنير من اتصال الخواتم فيه بالبوادي والروائح بالغوادي - والله أعلم بالصواب.

657
جزء : 6 رقم الصفحة : 652

(6/983)


سورة الزخرف
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
مقصدوها البشارة بإعلاء هذه الأمة بالعقل والحكمة حتى يكونوا أعلى الأمم في العلم وما ينشأ عنه شأناً لأن هدايتهم بأمر لدني هو من أغرب الغريب الذي هو للخواص , فهو في الرتبة الثانية من الغرابة وأن ذلك أمر لا بد لهم منه وإن اشتدت نفرتهم منه وإعراضهم عنهوأنه لذكر لك ولقومك حتى تكونوا أهلاً للجنة وفيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون , ولم يقل : وهم , وعلى ذلك دلت تسميتها بالزخرف لما في آيتها من أنه لو أراد أن يعم الكفر جميع الناس لعمهم بسبوغ النعم , ولكنه لم يعمهم بذلك , بل فاوت بينهم فأفقر بعضهم وأكثر بؤسهم وضرهم وفرق أمرهم , ليسهل ردهم عن الكفر الذي أدتهم إليه طبائعهم وحظوظهم ونقائصهم بما يشهدون من قباحة الظلم والعدوان إلى ما يرونه من محاسن الدين والإيمان , ولذة الخضوع للملك الديان , فتخضع لهم الملوك والأعيان , ويصير لهم الفرقان على جميع أهل العصيان {بسم الله} الذي له مقاليد الأمور كلها فهو يعلي من شاء وإن طال سفوله {الرحمن} الذي نال بره جميع خلقه على حسب منازلهم عنده {الرحيم} الذي يقبل بمن شاء إلى ما يقربه لديه زلفى وإن وصل في البعد إلى الحد الأقصى {حم} حكمة محمد التي أوحاها الله إليه.

ولما قدمن آخر تلك أنه جعل ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم نوراً يهدي به من يشاء , وكان قد تقرر في السورة الماضية ما له من الجلالة بأناه تنزيله , وختم بأنه لا أمر يخرج عنه سبحانه
3
إشارة إلى أنه يردهم عن غيبهم وكانوا يمكرون أن يرجعوا , فاقتضى الحال غاية التأكيد , وكان إقسام الله تعالى بالأشياء إعلاماً بجلالة ما فيها من الحكم وتنبيهاً على النظر فيما أودعها من الأسرار التي أهلها للإقسام بها , افتتح هذه بتعظيم هذا الوحي بالإقسام به حثاً على تدبر ما فيه من الوجوه التي أوجبت أن يكون قسما ًثم تعظيم أثره.

(7/3)


فقال : {والكتاب} أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته {المبين} أي البين في نفسه , المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع والسنن , واللطائف والمعارف والمنن , بياناً عظيماً شافياً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

(7/4)


ولما كانوا ينكرون أن يرجعوا به عما هم فيه , وأن يكون من عند الله , أكد ما يكذبهم من قوله فيما مضى آخر الشورى أنه نور وهدىً وروح معبراً بالجعل لذلك دون الإنزال لأنه قددل عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى بلفظ الوحي , فقال مقسماً بالكتاب على عظمة الكتاب , قال السمين : ومن البلاغة عندهم كون القسم والمقسم عليه من واد واحد , وهذا إن أريد بالكتاب القرآن فإن أريد به أعم منه كان بعض القئم به , وصرف القول إلى مظهر العظمة تشريفاً للكتاب : {إنا جعلناه} أي صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة لحاله بالتعبير عن معانيه بما لنا من العظمة {قرآناً} أي مع كونه مجموع الحروف والمعاني جامعاً , ومع كونه جامعاً فارقاً بين المتبسات {عربياً} أي جارياً على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات والمجاز فيه أغلب لأنه أبلغ ولا سيما اللكنايات والتمثيلات , وصرف القول عن تخصيص نبيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفاً له صلى الله عليه وسلم ولهم فيما يريده بهم وتنبيهاً على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال : {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من أن تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحداً علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه , وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه , فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة , ولا بد أن يقع هذا الفعل , فإن القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه , ليكون بين كلامه وكلام العاجز فرق , وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها , وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها , ونظم كل كلمة منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير , ولا أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه , كما أن ذلك في غاية الظهور في موازنة {في القصاص حياة} [البقرة : 179] مع " القتل أنفى للقتل " وذلك بعض آية فكيف

(7/5)


بآية فما فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم.

وتذل لعظزته شوامخ أفكاركم , فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله.

4
علماً منكم بأنه فخر لكم لا يقاربه فخر , وعز لا يدانيه عز , ثم يتأمل الإنسان منكم من خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له الخلائق , وتتصاغر لعظمته الجبال الشواهق , والآية ناظرة إلى آية فصلت {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا} الآية {فصلت : 44].

جزء : 7 رقم الصفحة : 3
ولما كانوا ينكرون تعظيمه عناداً وإن كانوا يقرون بذلك في بعض الأوقات , قال مؤكداً لذلك وتنبيهاً على أنه أهل لأن يقسم به , ويزاد في تعظيمه لأنه لا كلام يشبه , بل ولا يدانيه بوجه : {وإنه} أي القرآن , وقدم الظرفين على الخبر المقترن باللام اهتماماً بهما ليفيد بادئ بدء أن علوه وحكمته ثابتة في الأم وأن الأم في غاية الغرابة عنده {في أم الكتاب} أي كائناً في أصل كل كتاب سماوي , وهو اللوح المحفوظ , وزاد في شرفه بالتعبير بلدى التي هي لخاص الخاص وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال مرتباً للظرف على الجار ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده {لدينا} على ما هو عليه هناك {لعليّ}.

لوما كان العلي قد يتفق علوه ولاتصحبه في علوه حكمة , فلا يثبت له علوه , فيتهور بنيانه وينقص سفوله ودنوه , قال : {حكيم} أي بليغ في كل من هاتين الصفتين راسخ فيهما رسوخاً لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في عليّ لفظه , ولا يبارى في حكيم معناه , ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره , بل هناك مكتوب بأحرف وعبارات فائقة رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء , ولا يمكن بوجه أن يبلغها أنبل النبلاء , إلا بتفهيم العلي الكبير , الذي هو على كل شيء قدير.

(7/6)


وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير , لما أخر سبحانه بامتحان خلف بني إسرائيل في شكهم في كتابهم بقوله : {وإن الذين أورثوا الكتاب في بعدهم لفي شك منه مريب} [الشورى : 14] ووصى نبيه صلى الله عليه وسمل بالتبري من سيئ حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال {ولا تتبع أهواهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} الآية [الشورى : 15] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً} [الشورى : 7] وقوله {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى : 17] وقوله {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} - إلى آخر السورة , أعقب ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه فقال {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به , أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم وبكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال : {أفنضرب عنكم الذكر
5
صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين} ولما قدم في الشورى قوله {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً} فأعلم أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته , والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار , عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم} فكمل الواقع هنا بما تعلق به , وكذلك قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} وقوله في الزخرف {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة} إلى آخره - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

(7/7)


ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه , ويقدحون في بديع حلاه , فعل من يكره ويأباه , إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه , قال منكراً عليهم : {أفنضرب} أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين {عنكم} خاصة من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسلام {الذكر} أي الوعظ السمتلزم للشرف {صفحاً} أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه , فلا نرسل إليكم رسولاً , ولا ننزل معه كتاباً فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم , أو يكون ظرفاً بمعنى جانباً أي نضربه عنكم جانباً , قال الجامع بين العباب والمحكم , أضربت عن الشيء : كففت وأعرضت , وضرب عنه الذكر وأضرب عنه : صرفه , وقال الإمام عبد الحق في الواعي : والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة التي يريدها , فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل , قال الهروي : قال الأزهري : يقال : ضربت عنه وأضربت بمعنىّ واحد , ونقل النواوي عنه أنه قال : إن المجرد قليل , فالحاصل أن الضرب إيقاع الشيء على آخر بقوة , فمجرده متعد إلى واحد , فإن عدي إلى آخر بـ " عن " ضمن معنى الصرف , وإذازيدت همزة النقل فقيل : أضربت عنه , أفادت الهمزة قصر الفعل , وأفهمت إزالة الضرب , فمعنى الآية : أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحاً , أي معرضين إعراضاً شديداً حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضاً كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه , ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال : {إن} أي أنفعل ذلك لأن {كنتم قوماً مسرفين} أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقاً راسخاً , وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعاً , فإن المسرف أجدر بالتذكير وأحوج إلى الوعظ , هذا
6

(7/8)


إن كان مقرباً , وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر , بل لو أراد القرب طرد , وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر " إن " على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقاً على غاية ما يكون من الإنصاف , فيكون المعنى : أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف , يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف , وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدعف عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجون إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباه , بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره ل ايترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد , والجحد والعناد , فيدعوهم بأبلغ الحجة , وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذاالنبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3
ولما كان المعنى أن لا نترككم هملاً , كان كأنه قيل : هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام , فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولاً هو أشرفكم نسباً وأزكاكم نفساً وأعلاكم همة وأرجحكم عقلاً وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقاً وأوجهكم عشيرة , فعطف قوله تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية : {وكم أرسلنا} أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك.

(7/9)


ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال , ميزه بأن قال : {من نبي في الأولين} ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال : {وما} أي والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفس بقوله : {من نبي} أي في أمة بعد أمة بعد أمة وزمان بعد زمان {إلا كانوا} أي خلقاً وطبعاً وجبلة {به يستهزءون *} كما استهزأ قومك , وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3
7
ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به , وكانت المماليك إنما تقام بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة , فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به , سبب عن الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال : {فأهلكنا} وكان الأصل الإضمار , ولكنه أظهر الضمير بياناً لما كان في الأولين من الضخامة صارفاً أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالاً على نبيه صلى الله عليه وسلم تسلية له وإبلاغاً في وعيدهم فقال : {أشد منهم} أي من قريش الذي يستهزئون بك {بطشاً} من جهة العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في الاستهزاء برسول الله الأعلى.

ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عن الإهلاك كان أضعف حال حال ليعتبر هؤلاء فقال : {ومضى مثل الأولين *} أي وقع إهلاك الذي كان مثلاً يتمثل به من بعدهم , وذكر أيضاً في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا علهي مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم فكيف بهؤلاء , فإن الحال أدى إلى انهم أضعف من الأضعف من بين العنكبوت فينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك , بأيدي جند الله من البشر أو الملائكة.

(7/10)


ولما كان التقدير : فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق , عطف عليه قولهم مبيناً لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكداً له لما في اعترافهم به من العجب المنافي لحالهم : {ولئن سألتهم} أيضاً عما هو أكبر من ذلك وأدل على القدرة , وجميع صفات الكمال فقلت لهم : {من خلق السموات} على علوها وسعتها {والأرض} على كثرة عجائبها وعظمتها {ليقولن} أي من غير توقف.

جزء : 7 رقم الصفحة : 7
ولما كان السؤال عن المبتدأ , كان الجواب المطابق ذكر الخبر , فكان الجواب هنا : الله - كما في غيره من الآيات , لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية لافتاص القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء , وأنه تعالى يغلب كل شيء , ولا يغلبه شيء مكرراً للفعل تأكيداً لاعترافهم زيادة في توبيخهم وتنبيهاً على عظيم غلطهم , فقال معبراً بما هو لازم لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة وللإنابة التي هي مطلعها.

{خلقهن} الذي هو موصوف بأنه {العزيز العليم *} أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء وأن علمه محيط بكل شيء , فيقد على إيجاده على وجه من
8
البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له - هذا هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته , ونعوذ بالله من عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره , وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلاً , ولا علم له بشيء أصلاً , فقد كسر هذا السؤال بجوابه جحتهم , وبان به غلطهم وفضيحتهم , حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون.

(7/11)


ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان لاعترافهم تنبيهاً لهم على موضع الحجة , أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك قوله التفاتاً إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيراً لهم بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلاً للقدرة : {الذي جعل لكم} فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا {الأرض مهداً} أي فراشاً , قارة ثابتة وطية , ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال , أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار الماء , ولما جعل الأرض قراراً لأشباحكم جعل الأشباح قراراً لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه في الكون وتصريفه له حيث أراد , وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه , قال القشيري : فإذا انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله بخرابها , كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها , وأعاد الفعل تنبيهاً على تمكنه تعالى من إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب إعلاماً بأنه لا يعجزه شيء : {وجلع لكم فيها سبلا} أي طرقاً تسلكونها بين الجبال والأودية , ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك , ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك فقال : {لعلكم تهتدون} أي ليكون خلقنا لها كذلك جاعلاً حالكم حال من يرجى له الهداية إلى مقاصد الدنيا في الأٍفار وغيرها ظاهراً فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة والأقاليم الواسعة للأمور الرافقة النافعة , فإنها إذا تكرر سلوكها صار لها من الآثار الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلىالمقاصد الأخرى وحكمتها باطناً إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 7

(7/12)


ولما كان إنزال الماء من العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت دونه وقت , وكان إنبات النبات به أعجب , وكان دالاً على البعث ولا بد , وكان مقصود السورة أنه لا بد من ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان , والخضوع له بغاية الإذعان , قال دالاً على كمال القدرة على ذلك وغيره بالتنبيه على كمال الوصف بالعطف وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر بعظمته للتنبيه على أن الإعادة التي هذا
9
دليلها هي سر الوجود , فهي أشرف مما أريد من الآية الماضية بمهد الأرض وسلك السبل : {والذي نزل} أي بحسب التدريج , ولولا قدرته الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريباً منها {من السماء} أي المحل العالي {ماء} عذباً لزروعكم وثماركم وشربكم بأنفسكم وأنعامكم {بقدر} وهو بحيث ينفع الناس ولا يضر بأن يكون على مقدار حاجاتهم , ودل على عظمة الإنبات بلفت القول إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أنه الدليل الظاهر على ما وصل به من نشر الأموات فقال مسبباً عن ذلك : {فأنشرنا} أي أحيينا , والمادة تدور على الحركة والامتداد والانبساط {به} أي الماء {بلدة} أي مكاناً يجتمع الناس فيه للإقامة معتنون بإحيائه متعاونون على دوام إبقائه {ميتاً} أي كان قد يبس نباته وعجز أهله عن إيصال الماء إليه ليحى به , ولعله أنت البلد وذكر الميت إشارة إلى أن بلوغها في العضف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن إحيائه وقحط الزمان واضمحلال ما كان به من النبات.

(7/13)


ولما كان لا فرق بين جمع الماء للنبات من أعماق الأرض بعد أن كان تراباً من جملة ترابها وإخراجه كما كان رابياً يهتز بالحياة على هيئته وألوانه وما كان من تفاريعه أغصانه بأمر الله وبين جميع الله تعلى لما تفتت من أجساد الآدميين وإخراجه كما كان بروحه وجميع جواهره وأعراضه إلا أن الله قادر بكل اعتبار وفي كل وقت بلا شرط أصلاً , والماء لا قدرة له إلا بتقدير الله تعالى , كان فخراً عظيماً لأنتنتهز الفرصة لتقدير ما هم له منكرون وبه يكفرون من أمر البعث , فقال تعالى إيقاظاً لهم من رقدتهم بعثاً من موت سكرتهم : {كذلك} أي مثل هذا الخراج العظيم لما تشاهدونه من النبات {تخرجون} من الموت الحسي والمعنوي بأيسر أمر من أمره تعالى وأسهل شأن فتخرجون في زمرة الأموات من الأرض ثانياً {فإذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم : 20] وتخرجون من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان فإذا أنتم حكماء عالمون.

ولما انتهزت هذه الفرصة , وسوغ ذكرها ما أثره سوء اعتقادهم من عظيم الغصة , شرع في إكمال ما يقتضيه الحال من الأوصاف , فقال عائداً إلى أسلوب العزة والعلم للإيمان إلى الحث على تأمل الدليل على بعث الأموات بانتشار الموات معيداً للعاطف تنبيهاً على كمال ذلك الوصف الموجف التحقيق مقصود السورة من القدرة على ردهم بعد صدهم : {والذي خلق الأزواج} أي الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا الوجود {كلها} من النبات والحيوان , وغير ذلك من سائر الأكوان , لم يشاركه في شيء منها أحد.

10

(7/14)


ولما ذكر الأزواج , وكان المتبادر إلى الذهب إطلاقها على ما هو من نوع واحد , دل على أن المراد ما هو أعم , فقال ذاكراً ما تشاكل في الحمل وتباين في الجسم : {وجعل لكم} لا لغيركم فاشكروه {من الفلك} أي السفن العظام في البحر {والأنعام} في البر {ما تركبون *} وحذف العائد لفهم المعنى تغليباً للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 7
ولما ذكر النعمة الناشئة عن مطلق الإيجاد , ذكر بنعمة الراحة فيه فقال معللاً : {لتستووا} أي تكونوا مع الاعتدال والاستقرار والتمكن والراحة {على ظهوره} أي ظهور كل من ذلك المجعول , فالضمير عائد على ما جمع الظهر نظراً للمعنى تكثيراً للنعمة , وأفرد الضمير رداً على اللفظ دلالة على كمال القدرة بعظيم التصريف براً وبحراً أو تنبيهاً بالتذكير على قوة المركوب لأن الذكر أقوى من الانثى.

ولما أتم النعمة بخلق كل ما تدعو إليه الحاجة , وجعله على وجه دال على ما له من الصفات , ذكر ما ينبغي أن يكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم , فقال دالاً على عظيم قدر النعمة وعلو غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي : {ثم تذكروا} أي بقلوبكم , وصرف القول إلى وصف التربية حثاً على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال : {نعمة ربكم} الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونها من غيرها.

ولما كان الاعتدال عليه أمراً خارفاً للعادة بدليل ما لا يركب من الحيوانات في البر والجوامد في البحر وإن كان قد أسقط العجب فيه كثرة إلفه ذكر به فقال : {إذا استويتم عليه} ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال : {وتقولوا} أي بألسنتكم جمعاً بين القلب واللسان.

(7/15)


ولما كان الاستواء على ذلك مقتضياً لتذكر النقص بالاحتياج إليها في بلوغ ما ركبت لأجله وفي الثبات عليها وخوف العطب منها وتذكر أن من لا يزال يحسن إلى أهل العجز الذين هم في قبضته ابتداء وانتهاء من غير شيء يرجوه منهم لا يكون إلا بعيداً من صفات الدناءة وأن استواءه على عرشه ليس كهذا الاستواء المقارن لهذه النقائص وأنه ليس كمثله شيء , كان المقام للتنزيه فقال : {سبحان الذي سخر} أي بعلمة الكامل وقدرته التامة {لنا هذا} أي الذي ركبناه سفينة كان أو دابة {وما} أي والحال أنا ما {كنا} ولما كان كل من المركوبين في الواقع أقوى من الركاب , جعل عدم إطاقتهم له وقدرتهم عليه كأنه خاص به , فقال مقدماً للجار دلالة على ذلك : {له مقرنين} أي ما كان في جبلتنا إطاقة أن يكون قرناً له
11
وحده لخروج قوته من بين ما نعالجة ونعانيه عن طاقتنابكل اعتبار ولامكافئين في القوة غالبين ضابطين , مطيقين من أقرن الأمر : أطاقه وقوي عليه فصار بحث يقرنه بما شاء.

جزء : 7 رقم الصفحة : 7

(7/16)


ولما كان كل راكب شيئاً من هذين الصنفين مستحضراً كل حين أنه ينقل بطن شقة أسفاره إلى محل قراره , ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر هذه الأرض لهم مثل ظهور السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان وتصاريف الحدثان , هم على ظهرها مسافرون , ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون , وقليلاً ما يذكرون , وأنهم على خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء يوشك أن يكون سبب موتهم ومثير هلكهم وقتهم , فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن ربنا كان ابتداؤنا لا نعلم شيئاً ولا نقدر على شيء , والآن نحن متى شئنا ساكنون , ومهما أردنا منتشرون {وإنا إلى ربنا} المحسن إلينا بالبداءة والإقرار على هذه التنقلات على هذه المراكيب لا إلى غيره {لمنقلبون} أي لصائرون ومتوجهون وسائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلاباً لا إياب معه إلى هذه الدار , فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي , وأكد لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا مراقبين للمنعم عليهم , ويجوز أن يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب , عبر بالانقلاب تذكيراً بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده , أي وإنا بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال , روى أحمد وأبو داود والترمذي - وقال : حسن صحيح - والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه وضع رجله في الركاب وقال : بسم الله , فملا استوى على الدابة قال : الحمد لله الذي سخر لنا هذا - الآية , ثم حمد الله ثلاثاً وكبر ثلاثاً ثم قال : سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي , ثم شحك , وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثله , وقال : "يعجب الرب من عبده إذا قال : رب اغفر لي ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري" روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابة , فلما استوى عليها كبر ثلاثاً وحمد الله ثلاثاً وسبح ثلاثاً وهلل الله واحدة
12

(7/17)


ثم استلقى عليه فضحك ثم أقبل علي فقال : "ما من امرىء مسلم يركب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك" وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته ثلاثاً ثم قال : "سبحان الذي سخر لنا هذا الآية" , ثم يقول : "اللهم إني أسألك في سفري هذاالبر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد , اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل , اللهم اصبحنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا" , وكان إذا رجع إلى أهله قال : "آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربينا حامدون" وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه قال : يا رسول الله! ما نرى أن تحملنا هذه , فقال : "ما من بيعد إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله عز وجل ".

جزء : 7 رقم الصفحة : 12
ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن العالم كله متزاوج بتسخير بعضه لبعض , فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلاً أن يكون محتاجاً بوجه لأنه لا مثل له أصلا , كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه سبحانه : فقال لافتاً القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب : {وجعلوا} أي ولئن سألتهم ليقولن كذا اللازم منه قطعاً لأنه لا مثل {له} والحال أنهم نسبوا له وصيروا بقولهم قبل سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها حكماً لا يتمارون فيه كأنهم تمكنون من ذلك تمكن الجاعل فيه يجعله {من عباده} الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم {جزءاً} أي ولداً هو لحصرهم إياه في الأنثى أحد قسمي الأولاد , ولد فهو جزء من والده , ومن كان له جزء كان محتاجاً فلم يكن إلهاً وذكل لقولهم : الملائكة بنات الله , فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم.

ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر , قال مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم
13

(7/18)


كفر : {إن الإنسان} أي هذا النوع الذي هم بعضه {لكفور مبين} أي مبين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر بياناً لذلك لكل أحد هذا ما يقتضيه طبعه بما هو عليه من النقص بالشهوات والظهوظ ليبين فضل من حفظه الله بالعقل على من سواه من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين جنبيه مع ظهور قدرة الله الباهرة بذلك.

ولما كان كأنه قيل إنكاراً عليهم وتهكماً بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا لمن إليه الجعل من عباده جزءاً حتى جعلوه شر الجزئين الإناث , وهم أشد الناس نفرة منهن : أوهل له ذلك الجزء الذي جعلتموه إناثاً غيره قسراً بحيث لم يقدر أن ينفك عنه كما قدم في السورة التي قبله ن نفسه المقدس أنه يهب لمن يشاء إناثاً ولا يقدر على التقصير عنهن بوجه , عادله بقوله عائداً إلى الخطاب لأنه أعقد في التبكيت على اختيار الغي عن الصواب : {أم اتخذ} أي عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم {مما يخلق} أي يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم {بنات} فلم يقدر بعد التكليف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم , ونكر لتخصيصهم اتخاذه ببعض هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره , وعطف على قوله " اتخذ " ليكون منفياً على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار : {وأصفاكم} وهو السيد وأنتم عبيده {بالبنين} أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون دائماً مستحضراً في الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم لم يشاركهم في شيء منه , فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول للزيادة على مطلق الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في شيء من الأعلى , بل جعل لهم ذلك خالصاً صافياً عن أدنى ما يشوبه من كدر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 12
ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال من الأحوال.

(7/19)


وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن يقال : الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب , قال مرشداً إلى أن ما قالوه لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلاً عن أن يكون على التحقيق , عائداً إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد.

{وإذا} أي جعلوا ذلك والحال أنه إذا {بشر} من أي مبشر كان {أحدهم} أطلق عليه ذلك تنبيهاً على أنه مما يسر كالذكر سواء في أن كلاً منهما ولد وتارة يسر وتارة يضر وهو نعمة من الخالق لأنه خير من العقم {بما ضرب} وعدل عن الوصف بالربوبية لأنه قد يدعى المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال على عموم الرحمة , فتأمله بمجرده كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال : {للرحمن} أي الذي لا نعمة على شيء من الخلق إلا وهو منه {مثلاً} أي جعل له شبهاً وهو الأنثى , وعبر به دونه أن يقول : بما جعل , موضع " بما ضرب " تعليماً للأدب
14
في حقه سبحانه في هذه السورة التي مقصودها العلم الموجب للأدب وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا الحقيقة بالإشارة إلى أن الولد لا يكون إلا مثل الوالد , لا يتصور أصلاً أن يكون خارجاً عن شبهه في خاص أوصافه.

ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواء لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار , عبر بما هو حقيقة في الدوام نهاراً وإن كان المراد هنا مطلب الدوام : {ظل} أي دام {وجه مسوداً} أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى الحنق بهذه البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة {وهو كظيم} أي حابس نفسه على ما ملئ من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده فضلاً عن مكافيه فضلاً عن سيده - هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلاً عن أن يتفوه به.

(7/20)


ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة والمجادلة أو بإحداهما , نبه على إنكار آخر بأن الإنثا لا يصلحن لشيء من هذين الوصفين , فقال معبداً لإنكار الثالث تنبيهاً على أنه بالغ جداً في إثارة الغضب : {أو من} أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم.
.
.

لنفسه مع أنفتهم منه واتخذ من {ينشؤا} أي على ما جرت به عوائدكم على قراءة الجماعة , ومن تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء وتشديد الشين {في الحلية} أي في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح لحرب ولا معالجة طعن ولا ضرب {وهو} أي والحال أنه , وقدم لإفادة الاهتمام قوله : {في الخصام} إذا احتيج إليه {غير مبين} أي لا يحصل منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل وضعف الرأي بتدافع الحظوظ والشهوات وتمكن السعة , فلا دفاع عنده بيد ولا لسان.

جزء : 7 رقم الصفحة : 12
ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام إناثاً بقيد النسبة إليه سبحانه , نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقاً لدلالته على احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله : نسبة الولد إليه سبحانه ثم جعل أخص النوعين , فقال :
15

(7/21)


{وجعلوا} أي مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله {الملائكة الذين هم} متصفون بأشرف الأوصاف أنهم {عباد الرحمن} العامة النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه طرفه عين , فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحزوال , وقراءة " عند " بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه , وذلك أن أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء , وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال : {إناثاً} وذلك أدنى الأوصاف خلقاً وذاتاً وصفة , ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكماً بهم وتوبيخاً لهم وإنكاراً عليهم إظهاراً لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة : {أشهدوا} أي حضروا حضوراً هم فيه على تمام الخبرة ظاهراً وباطناً - هذا هو معنى قراءة الجماعة , وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل للمفعول تنبيهاص على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه , وهو الخالق لا غيره , ومدها في إحدى الرايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة , وسهل الثانية بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم , وجميع تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان {خلقهم} أي مطلب الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضوراً أوجب لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من ألأحوال الدالة على ذلك أعم من أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي بعقل أو سمع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 15

(7/22)


ولما كان الجواب قطعاًك لا , قال مهدداً لهم مؤكداً لتهديدهم بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال : {ستكتب} بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم به - هذا على قراءة التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ونصب الشهادة {شهادتهم} أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة , فهو قول ركيك سخيف ضعيف - بما أشار إليه التأنيث في قراءة الجماعة {ويسألون} عنها عند الرجوع إلينا , ويجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولاعلم لهم به , فإنه قد روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : "كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل , وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات , فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً , وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب
16
الشمال : دعه سبع ساعات , لعله يسبح الله أو يستغفر" رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن لقاسم نحوه وأبو نعيم في الحلية وابن مدويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عورة بن رويم عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه , وروى الحاكم وقال : صحيح الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال : "ما من مسلم يعمب ذنباً إلا وقف الملك ثلاث ساعات , فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة ".

(7/23)


ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة , نبه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم , فقال معجباً منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه , : {وقالوا} أي بع دعبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله : {لو شاء الرحمن} أي الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم فعبدناهم طوع مشيئته , فعبادتنا لهم حق , ولولا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا العقوبة.

ولما كان كأنه قيل : بماذا يجابون عن هذا , قال منبهاً على جوابهم بقوله دالاً على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع : {ما لهم بذلك} أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلاً على حقية عبادتهم لهم وهو أنه سبانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به , ومن أن الملائكة إناث , وأكد الاستغراق بقوله : {من علم} أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطرارياً لا اختيارياً فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال , ولكان أيضاً ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضياً عنهم لكونهم على حق , وذلك مؤد بلا ريب إلى كون النقيضين معاً حقاً , وهو بديهي الاستحالة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 15
ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافياً لذلك : {إن هم} أي
17

(7/24)


ما هم {إلا يخرصون} أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق , والذين جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر , فكان أكثر قولهم كذباً , فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح , وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال , مطابقاً لمقتضى الحال , وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات : ادعاء الولدية للغني المطلق , وكون الولد أدنى الصنفين , وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل , واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول , وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به.

(7/25)


ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين , وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلاً , وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى , أتبع ذلك أنهم عريئون أيضاً من صحيح النقل , فقال معادلاً لقوله {أشهدوا خلقهم} إنكاراً عليهم بعد إنكار , موجباً ذلك أعظم العار , لافتاً القول عن الوسف بالرحمة تنبيهاً بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال : {أم آتيناهم} بما لنا من العظمة {كتاباً} أي جامعاً لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه {من قبله} أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثاً وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به {فهم} أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم {به} أي وحده {مستمسكون} أي موجودون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله , وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة , وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة , وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلاً , والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم , وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في {ما لهم بذلك من علم} شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة.

18

(7/26)


ولما كان الجواب قطعاً عن هذين الاستفهامين : ليس لهم ذلك على مطلق ما قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل العلم بالأخبار الإلهية , نسق عليه قوله إرشاداً إليه : {بل قالوا} أي في جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهاراً جهلاً أو تجاهلاً لأن ذلك لم يعب عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه , فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل النزاع : {إنا وجنا آباءنا} أي وهم أرجح منا عقولاً وأصبح أفهاماً {على أمة} أي طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن يرحل إليه , وكذا قدوة ونحوه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 15
وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم {وإنا على آثارهم} أي خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عيناً نتحققها.

ولماعلم ذلك من حالهم , ولم يكن صريحاً في الدلالة على الهداية , بينوا الجار والمجرور , وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافاً لجواب من سأل : {مهتدون} أي نحن , فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار , فلا اعتراض علينا بوجه , هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك , ولو ظهر ألأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلاً وخالفه أي مخالفة , ما هذا إلا لمحض الهوى وقصور النظر , وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر , لا نفوذ لهم في المعاني بوجه.

ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظاً موجعاً ومنكئاً مولماً , قال يسليه صلى الله عليه وسلم عاطفاً على قوله : {وكذلك} أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ ثم فسر ذلك بقوله : {ما أرسلنا} مع ما لنا من العظمة.

(7/27)


ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم , وكان صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا بعده يسليه بها , سلاه بمن مضى , وقدم ذكر القبلية اهتماماً بالتسلية وتخليصاً لها من أن يتوهم أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير , وإفهاماً لأن المجد لشريعته إنما يكون مغيثاً لأمته وبشيراً لا نذير لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع النبيين فقال تعالى : {من قبلك} أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك جداً , فإن التسلية بالأقرب أعظم , وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم جميع الأزمنة وأسقط هذه القبلية في " سبأ " لأن المراد فيها التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم.

ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم , قال :
19
{في قرية} وأعرق في النفي بقوله : {من نذير} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف , وذلك موجب للقلة وهو موجب للراحة والبطالة الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد , وهو موجب لركون الهواء ولو بان الدليل , وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان , ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء : {إنا وجنا آباءنا} أي وهم أعرف منا بالأمور {على أمة} أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين , وأكدوا قطعاً لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك {وإنا على آثارهم} لا غيرها , ثم بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبراً ثانياً واستأنفوا لإتمام مرادهم قولهم إيضاحاً لأن سبب القص القدوة : {مقتدون} أي مستنون أي راكبون سنن طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم , وحالنا أطيب ما يكون في الاستقامة وأقرب وأسرع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 15

(7/28)


ولما كان كأنه قيل : فقال كل نذير : فما أصنع ؟ أجاب بقوله : {قل} أي يا أيها النذير - هذا على قراءة الجماعة , وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم يكون التقدير أن السامع قال : فما قال النذير في جوابهم ؟ فأجيب بقوله : قال إنكاراً عليهم : {أولو} أي أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ولو {جئتكم} والضمير فيه للنذير , وفي قراءة أبي جعفر : أو لو جئتكم للنذر كلهم {بأهدى} أي أمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة {ما وجدتم} أي أيها المقتدون بالآباء {عليه آباءكم} كما تضمن قولكم أنكم تقنفون في اتباعهم بالآثار في أعظم الأشياء , وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر الدنيا إذا وجدتم طريقاً أهدى من التصرف فيها من طريقهم ولو بأمر يسير , ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل , فيا له من نظر ما أقصره , ومتجر ما أخسره.

ولما كان من المعلوم أن النذر قالوا لهم ما أمروا به ؟ فتشوف السامع إلى جوابهم لهم , أجيب بقوله : {قالوا} مؤكدين رداً لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل : {إنا بما أرسلتم به} أي أيها
20
المدعون للإرسال من أي مرسل كان , ولو ثبت ما زعمتموه من الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى {كافرون} أي ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق.

ولما علم بهذا أن أمرهم وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج , سبب عنه قوله موعظة لهذه الأمة وبياناً لما خصها به من الرحمة : {فانتقمنا} أي بما لنا من العظمة التي استحقوا بها {منهم} أي بسبب التعرف لذلك وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو جدير لعظمه بخفاء سببه فقال : {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} أي إرسالنا فإنهم هلكوا أجمعون , ونجا المؤمنون أجمعون , فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 20

(7/29)


ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون عنه , ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم الآباء ولكونه مع الدليل , فقال عاطفاً على ما تقديره للإرشارة إلى تأمله وإمعان النظر فيه : اذكر لهم ذلك : {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال} أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم {إبراهيم لأبيه} من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم , ولما كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة , ذكر لهم حاله فيها بياناً لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن التقليد {وقومه} الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت : إنا لكم سواء ولما كانوا لا يتخيلون أصلاً أن أحداً يكون مخالفاً لهم , أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية فقال : {إنني} وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره لكونه مصدراً وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال : {براء} ومن ضمه جعله وصفاً محضاً مثل طوال في طويل {مما تعبدون} في الحال والاستقبال مهما كان غير من اشتبه , فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلاً , قال الإمام أبو علي الحسن بن حييى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ما حاصله : سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة باقية {لا إله إلا الله} أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا , وقوله {مما تعبدون} بمنزلة إله إذا كل معبود يسمى إلهاً فآل ذلك إلى : لا إله {إلا الذي فطرني} قال : فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك بالعبرة , ونبه
21

(7/30)


بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني منه ثم شق هذه المشاعر والمدرك , ومن كان بهذه الباهرة كان منفرداً بالعظمة.

ولما كان الله سبحانه - وله المنّ - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من العقل والحواس المهيئ , للهداية من غير طلب , فكان جديراً بأن يمنح قاصده بأعظم هداية قال مسبباً عن قطعه العلائق من سواه , مؤكداً لأجل من ينكر وصوله إلى حد عمي عنه أسلافه {فإنه سيهدين} أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه , لا مرية عندي في هذا الاعتقاد , وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد بقوله المحكي في الشعراء {فهو يهدين} الهداية في الحال وكأنه خص هذا بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه , فجعل هدايتهم هدايته {وجعلها} أي جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة التي هي التوحيد بدليله {كلمة باقية في عقبه} أي ذريته دعا وهو مجاب الدعوة في قوله : {وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام} وفي قوله {ومن ذريتي ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آيتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} : {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من ينظر إليهم إن حصل منهم مخالفة وأعوجاج حال من يرجى رجوعه , فإنهم إذا ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه , ويجوز أن يتعلق بما يتعلق به " إذ " أي اذكر لهم قول أبيهم ليكون حالهم عند من يجهل العواقب حال من يرجى رجوعه عن تقليد الجهلة من الآباء إلى اتباع هذا الأب الذي اتباعه لا يعد تقليداً لما على قوله من الأدلة التي تفوت الحصر فتضمن لمتبعها حتماً تمام النصر , وفي سوقه المترجي إشارة إلى أنهم يكونون صنفين : صنفاً يرجع وآخر لا يرجع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 20

(7/31)


ولما كان من المعلوم أن السامع يقول لمن أحاط علمه بهم ويعلم سرهم وعلنهم : يا رب‍ بل رجعوا , أجيب بقوله : {بل} أي لم يرجعوا بل استمروا لأجل إظهاري لقدرتي على القلوب بإقحام أربابها برضاهم واختيارهم في أقبح الخطوب وأفحش الذنوب على ترك الطريق المنيع والصراط الأقوم وزاغوا عنه زيغاً عظيماً , واستمروا في
22
ضلالهم وتيههم ولم أعاجلهم بالعقوبة لأني {متعت} بإفراده ضميرهم سبحانه لأن التمتيع يتضمن إطالة العمر التي لا يقدر عليها ظاهراً ولا باطناً سواه وأما الانتقام فقد يجعله بأيدي عباده من الملائكة وغيرهم فهو من وادي {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} [القلم : 45] {هؤلاء} أي الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين {وآباءهم} فمددت من الأعمار مع سلامة الأبدان ومتانة الأركان , وإسباغ النعم والإعفاء من البلايا والنقم , فأبطرتهم نعمي وأزهدتهم أيادي جودي وكرمي , وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل {حتى جاءهم الحق} بهذا الدين المتين {ورسول مبين} أي أمره ظاهر في نفسه , لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهية تنبئك بالخبر وهو مع ظهوره ف نفسه مظهر لكل معنىً يحتاج إليه , و{متعت} بالخطاب من لسان الرسول المنزل عليه هذا الكتاب لأنه يدعو انتهازاً للفرصة لعله يجاب بما يزيل الغصة يقول : يا رب‍ قد أقمتهم لمن يجهل العواقب في مقام من يرجى رجوعه فما قضيت بذلك بل متعت إلى آخره.

(7/32)


ولما كان التقدير : فلم يردهم التمتيع بإدرار النعم عليهم وإسراعنا بها إليهم مع وضوح الأمر لهم , بل كان الإنعام عليهم سبباً لبطرهم , وكان البطر سبباً لتماديهم على الاستعانة بنعمتنا على عصيان أمرنا وهم يدعون أنهم أتبع الناس للحق وأكفهم عن الباطل , عطف عليه قوله ؛ {ولما جاءهم الحق} أي الكامل في حقيته بمطابقة الواقع إياه من غير إلباس ولا اشتباه , الظاهر في كماله لكل من له أدنى لب بما عليه القرآن من الإعجاز في نظنه , وما عليه ما يدعو إليه من الحكمة من جميع حكمه , والتصادق مع ما يعلمونه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل أن يبدلوه ومن أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسالم من التوحيد , زادوا على تلك الغفلة التي أدى إليها البطر بالنعمة ما هو شر من ذلك وهو التكذيب بأن {قالوا} مكابرة وعناداً وحسناً وبغياً من غير وقفة ولا تأمل : {هذا} مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع , فلا شيء أثبت منه وهو القرآن وغيره مما أتى به من دلائل العرفان {سحر} أي خيال لا حقيقة له , ولما كان الحال مقتضياً من غير شك ولا وقفة لمعرفتهم لما جاء به وإذعانهم له قالوا مؤكدين لمدافعه ما ثبت في النفوس من ذلك : {وإنا به كافرون} أي عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 22
ولما أخبر عن طعنهم في القرآن أتبعه الإخبار عن طعنهم فيمن جاء به تغطية لأمره عملاً بأخبارهم في ختام ما قبلها عن أنفسهم بالكفر زيادة وإمعاناً فيما كانت النعم أدتهم إليه من البطر فقال : {وقالوا} لما قهرهم ما ذكروا به مما يعرفونه من أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام
23

(7/33)


من النبوة والرسالة , وكذا من بعده من أولاده فلم تيهيأ لهم الإصرار على العناد بإنكار أن يكون النبي من البشر قول من له أمر عظيم في التصرف في الكون والتحكم على الملك الذي لا يسأل عما يفعل , فأنكروا التخصيص بما أتوا به من التخصيص في قولهم : {لولا} أي هل لا ولولا.

ولما كان إنزال القرآن نجوماً على حسب التدريج , عبروا بما يوافق ذلك فقالوا : {نزل} أي من المنوزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا بقسر وغلظة كلمة على من يطلبهم لإصلاح حالهم {هذا القرآن} أي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير , ففيه إشارة إلى التحقير {على رجل من القريتين} أي مكة والطائف , ولم يقل : إحدى - اغتناء عنها بوحدة رجل {عظيم} أي بما به عندهم من العظمة والجاه والمال والسن ونحو ذلك وهم عالمون أن شأن الملك إنما هو إرسال من يرتضونه لا من يقترحه الرعية , ويعلمون أن للملك المرسل له صلى الله عليه وسلم الغني المطلق لكنهم جهلوا - مع أنه هو الذي أفاض المال والجاه - أنه ندب إلى الزهد فيهما والتخلي عنهما , وأنه لا يقرب إليه إلا إخلاص الإقبال عليه الناشئ عن طهارة الروح وذكاء الأخلاق وكمال الشمائل والتحلي بسائر الفضائل والتخلي عن جميع الرذائل , فقد جعلوا لإفراطهم في الجهل الحالة البهيمية شرطاً للوصول إلى الحالة الملكية المضادة لها بكل اعتبار.

(7/34)


ولما تضمن قولهم إثبات عظمة لأنفسهم بالاعتراض على الملك , قال منكراً عليهم موبخاً لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردوداً إليهم ولا موقوفاً عليهم بل هو الى الله وحده {والله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام : 124] {أهم} أي أهؤلاء الجهلة العجزة {يقسمون} أي على التجدد والاستمرار : ولفت القول عن إفراد الضمير إلى صفة الرحمة المضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً له وإظهاراً لعلي قدره : {رحمت ربك} أي إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه بأنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم بتأهيلهم للإنقاذ من الضلال , وجعلك وأنت ألفضل العالمين الرسول إليهم ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسباً وأفضلهم حسباً وأعظمهم عقلاً وأصفاهم لباً وأرحمهم قلباً ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر بحسب شهواتهم وهم لا يقدرون على التصرف المتاع الزائل بمثل ذلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 22
ولما نفى أن يكون لهم شيء من القسم قال جواباً لمن كأنه قال : فمن القاسم ؟ دالاً على بعدهم عن أن يكون إليهم شيء ن قسم ما أعد لأديانهم بما يشاهدونه من بعدهم عن قسم ما أعد لأبدانهم , لافتاً القوم عن صفة الإحسان إلى مظهر العظمة إشارة
24

(7/35)


إلى أنها تأبى المشاركة في شيء وتقتضي التفرد : {نحن قسمنا} أي بما من العظمة {بينهم} أي في الأمر الذي يعمهم ويوجب تخصيص كل منهم بما لديهم {معيشتهم} التي يعدونه رحمة ويقصرون عليها النعمة {في الحياة الدنيا} التي هي أدنى الأشياء عندنا , وإشار إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل , وأما الآخرة فعبر عنها بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتعاونوا على ذلك فلم يبق منهم أحد فكيف يدخل في الوهم أن يجعل إليهم شيئاً من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود , وبها سعادة الدارين : {ورفعنا} بما لنا من نفوذ الأمر {بعضهم} وإن كان ضعيف البدن قليل العقل {فوق بعض} وإن كان قوياً عزيز العقل {درجات} في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظر حال الوجود , فإنه لا بد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم , تفاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم ليقتسموا الصنائع , والمعارف والبضائع , ويكون كل ميسر لما خلق له , وجانحاً إلى ما هي له لتعاطيه , فلم يقدر أحد من دنيء أو غني أن يعدو قدره وترتقي فوق منزلته.

ولما ذكر ذلك , علله بما ثمرته عمارة الأرض فقال : {ليتخذ} أي بغاية جهده {بعضهم بعضاً} ولما كان المراد هنا الاستخدام دون الهزء لأنه لا يليق التعليل به , أجمع القراء على ضم هذا الحرف هنا فقال : {سخرياً} أي أن يستعمله فيما ينوبه أو يتعسر أو يتعذر عليه مباشرته ويأخذ للأآخر منه من المال ما هو مفتقر إليه , فهذا بماله , وهذا بأعماله , وقد يكون الفقير أكمل من الغني ليكمل بذلك نظام العالم لأنه لو تساوت المقادير لتعطلت المعايش , فلم يقدر أحد أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة , أيتصور عاقل أن يتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا , قال ابن الجوزي : فإذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة - انتهى.

(7/36)


وهذا هو المراد بقوله تعالى صارفاً القول عن مظهر العظمة والسلطان إلى الوصف بالإحسان إظهاراً لشرف النبي صلى الله عليه وسلم {ورحمة ربك} أي المربي لك ولمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمى غيرك رحمة {خير مما يجمعون} من الحطام الفاني فإنه وإن تأتي فيه خير باستعماله في وجوه البر بشرطه , فهذا بالنسبة إلى النبوة , وما قارنا مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش.

جزء : 7 رقم الصفحة : 22
25
ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء , وكان التقدير : فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار الآحاد من الأبرار لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأراذل ابتلاء للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد , ولولا ما اقتضته حكمتنا بترتيب هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام الوجود لساوينا بينهم , وعطف : عليه قوله مذكراً بلطفه بالمؤمنين وبره لهم برفعه ما يقضتي لهم شديد المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه الأقدام عن سنن الهدى من الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام المكنة والعظمة : {ولولا أن يكون الناس} أي أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم {أمة واحد} أي في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم الله {لجعلنا} أي في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا من جهة إعطائها للمبعد الممقوت , وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها سبحانه من الرفق بالمؤمنين.

(7/37)


ولما كان تزيين الظرف دائماً بحسب زينة المظروف , دل على ما لهم من ملابسهم ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم بزينة المنازل , فقال مبدلاً من {لمن} بدل الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال أروع : {لبيوتهم} أي التي ينزلونها {سقفاً} أي هذا الجنس في قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالموحدة بدليل قراءة الباقين بضمتين جمعاً {من فضة} كأنه خصها لإفادتها النور {ومعارج} أي من فضة , وهي المصاعد من الدرج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج {عليها يظهرون} أي يعلون ويرتقون على ظهورها إلى المعالي {ولبيوتهم أبواباً} أي من فضة أيضاً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 25
ولما كان إفراد السرير يوهم أنه واحد يدار به على الكل , جمع ليفهم أن لكل واحد ما يخصه من الأسرة بخلاف السقف فإنه لال يهوم ذلك فلعله قرئ بإفراد وجمعه , فقال : {وسرراً} بالجمع خاصة , ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم
26
وأحوالهم بقوله : {عليها يتكئون} ودل على ما لا يتناهى من غير ذلك بقوله : {وزخرفاً} أي هذباً وزينة عامة كاملة.

(7/38)


ولما كان لفظ الزخرف دالاً على كون ذلك أمراً ظاهرياً متلاشياً عند التحقيق , دل عليه بقوله مؤكداً لما تقرر في النفوس من أن السادة في مثل ذلك , وما كان مقرراً عندهم من أن السعيد في الأول سعيد في الآخرة على تقدير كونها : {وإن} أي وما {كل ذلك} أي الأمر البعيد عن الخير لكونه في الأغلب مبعداً مما يرضينا , ولأن صاحبه لا يزال فقيراً وإن استوسقت له الدنيا ملكاً وملكاً , لأنه لا بد أن يبقى في نفسه شيء لا تبلغه قدرته فهو لا يزال مغبوناً {لما} أي إلا - هذا على قراءة عاصم وحمزة بالتشديد : وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة بين النافية والمخففة , وما مؤكدة والخبر هو {متاع الحياة الدنيا} أي التي اسمعها دال على دناءتها وأن لها ضرة هي الآخرة , وهو منقطع بالموت , فلذلك اقتضت رحمته أن لا يضيق على المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ويطول الحساب {والآخرة} التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي.

ولما كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة إليه فقال : {عند ربك} وأشار بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة , وبالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم في أعلى الغايات {للمتقين} أي الذين هم دائماً واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم , وهذا ملا ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرى" ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة من الجبابرة من زخرفة الأبنية وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة بالكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول : الله , وفي الزمن الدجال من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنهم لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة , وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 25

(7/39)


ولما كان التقدير : ولكنا لم نجعل ذلك علماً منا بأن الناس كادوا يكونون أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على الخير على الإيمان لكن ينقصه ما أوتي في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من وسع عليه في دنياه اشتغل في الأغلب عن ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته الشياطين , فساقه ذلك إلى كل سوء , ومن يتق الله فيديم ذكره يؤيده
27
بملك فهو له معين , عطف عليه قوله معبراً عن غفلة البصيرة بالعشا الذي هو ضعف البصر تصوراً لم نينسى ذكر الله بأقبح صورة تنفيراً عن ذلك {من يعش} أي يفعل فعل المعاشي , وهو من شاء بصره بالليل والنهار أو عمي على قراءة شاذه وردت عن يعقوب بفتح الشين وركب الأمور متجاوزاً {عن ذكر الرحمن} الذي عمت رحمته , فلا رحمة على أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم حيث أبطرهم ذلك , وهو شيء يسير جداً , فأعرضوا عن الآية والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظراً ضعيفاً كنظر من عشي بصره {نقيض} أي نقرر ونسلط ونقدر عقاباً {له} على إعراضه عن ذكر الله {شيطاناً} أي شخصاً نارياً بعيداً من الرحمة يكون غالباً محيطاً به مضيقاً عليه مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل {فهو له قرين} مشدود به كما يشد الأسير , ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله , فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى , كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير , فذكر الله حصن حصين من الشطيان , متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث , قال في القاموس : العشى مقصور : سوء البصر بالليل والنهار أو العمى , عشى كرضى ودعا , والعشوة بالضم والكسر : ركوب الأمر على غير بيان , قال ابن جرير : وأصل العشو النظر بغير ثبت لعلة في العين , وقال الرازي في اللوامع : وأصل اللغة أن العين والشين والحرف المعتل يدل على ظلام وقلة وضوح في الشيء.

(7/40)


ولما كانت {من} عامة , وكان القرين للجنس , وأفرده لأنه نص على كل فرد , فكان التقدير : فإنهم ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب الرذائل والبلايا , ويحسنون لهم ارتكاب القبائح والرزايا , عطف عليه قوله مؤكداً لما في أنفس الأغلب.

كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه هو المهتدي.

جامعاً دلالة على كثرة الضال : {وإنهم} أي القرناء {ليصدونهم} أي العاشين {عن السبيل} أي الطريق الذي من حاد عنه هلك , لأنه لا طريق في الحقيقة سواه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 25
ولما كانت الحيدة عن السبيل إلى غير سبيل , بل إلى معاطب لا يهتدي فيها دليل , عجباً , أتبعه عجباً آخر فقال : {ويحسبون} أي العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ : {أنهم مهتدون} أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين.

28

(7/41)


ولما كان من ضل عن الطريق , ومن ظن أنه على صواب لا يكاد يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجباً ثالثاً بياناً له على ما تقديره : ونملي لهذا العاشي استدراجاً له وابتلاء لغيره ونمد ذلك طول حياته {حتى} وحقق الخبر بقوله : {إذا} ولما علم من الجمع فيما قيل أن المراد الجنس , وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد , فكان التعبير به أهول , وكان السياق دالاً على من الضمير له قال : {جاءنا} أي العاشي , ومن قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين {قال} أي العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل : {يا ليت بيني وبينك} أيها القرين {بعد المشرقين} أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب - قاله ابن جرير وغيره , أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعاً له أنواع المذام : {فبئس القرين} أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى بالغ , فكنت كالذي يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له في نفسه غاية الإيلام.

(7/42)


ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد , وكان التقدير حتماً بما هدى إليه السياق فيقال لهم : فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه منافرة بعضكم لبعض , عطف عليه قوله : {ولن ينفعكم اليوم} أي في الدنيا شيئاً من نفع أصلاً {إذ} حين {ظلمتم} حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه متناصرين فيه , واحد منكم يقول لصاحبه سروراً به وتقرباً إليه وتودداً : يا ليت أنا لا نفترق أبدالً فنعم القرين أنت , فيقال لهم توبيخاً : {أنكم في العذاب} أي العظيم , وقدمه اهتماماً بالزجر به والتخويف منه {مشتركون} أي اشتراككم فيه دائماً ظلمكم أنفسكم ظلماً باطناً بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو موجب للارتباك في أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذاباً ظاهراً محسوساً , وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها قطعاً , ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول أناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل نفس محرمة : لن ينفعكم اليوم إذا تتعاونون على قتله اشتراككم غداً في الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق , مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة فلا ينفعهم شيء منها - والله الموفق , فالآية من الحتباك , وبه زال عنها ما كان من إعراب المعربين لها موجباً للرتباك " فيا ليت " - إلى آخره , دال على تقدير ضده ثانياً " ولن ينفعكم " - إلى آخره , دال على تقدير مثله أولاً.

29
جزء : 7 رقم الصفحة : 25

(7/43)


ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الإرادة لإقبالهم يكاد يقتل نفسه أسفاً إدبارهم , وكان هذا الزجر الذي لا يسمعه من له أدنى عقل إلا خلع قلبه فرجع عن غيره وراجع رشده قد تلا عليهم فلم ينتفعوا به , فكان كأنه قيل : إن هؤلاء لصم عمي محيط بهم الضلال إحاطة لا يكادون ينفكون عنه من كل جانب , فلا وصول لأحد إلى إسماعهم ولا تبصيرهم ولا هدايتهم , قال بانياً عليه مسبباً عنه تخفيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي من الكرب في المبالغة في إبلاغهم حرصاً على إقبالهم والغم من إعراضهم بهمزة الأنكار الدالة على نفي ما سيقت له : {أفأنت} أي وحدك من غير إرادة الله تعالى {تسمع الصم} وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء {أو تهدي العمي} الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية البلادة والخسارة , فصار ما اختارون لأنفهسم من العشى عمياً مقروناً بصممهم {ومن كان} أي جبلة وطبعاً {في ضلال مبين} أي بين في نفسه أن ضال وأنه محيط بالضلال مظهر لكل أحد ذلك , فهو بحيث لا يخفى على أحد , فالمعنى : ليس شيء من ذلك إليك , بل هو إلى الله القادر على كل شيء , وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ.

(7/44)


ولما كان هذا كالمؤيس منهم , وكان اليأس من صلاح الخصم موجباً لتمني الراحة منه بموت أحدهما , سبب عن التقديرين قوله مبيناً أن الإملاء لهم ليس لعجز عنهم ولا لإخلاف في الوعد , مؤكداً بالنون و" ما " ثم " أنا " والاسمية لمن يظن خلاف ذلك , ولأنه صلى الله عليه وسلم مشرف عنده سبحانه وتعالى معظم لديه فذهابه به مما يستبعد , ومن حقه أن ينكر , وكذا إراءته ما توعدهم به لأن المظنون إكرامهم لأجله : {فإما نذهبن بك} أي من بين أظهرهم بموت أو غيره {فإنا منهم} أي الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لأنهم لن تنفعهم مشاعرهم {منتقمون} أي بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم {أو نرينك} وأنت بينهم {الذي وعدناهم} أي من العذاب وعبر فيه بالوعد ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه فيعم {فإنا} بما تعلم من عظمتنا التي أنت أعلم الخلق بهم {عليهم مقتدرون} على كلا التقديرين , وأكد بـ " أن " لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته , وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال , وأحد هذين التقديرين سبق العلم الأزلي بأنه لا يكون , فالآية من أدلة القدرة على المحال
30
لغيره وهي كثيرة جداً , وقد أكرم الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسمل عن أن يريه شيئاً يكرهه في أمته حتى قبض.

جزء : 7 رقم الصفحة : 30
ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان الاستبداد بعلم الغيب تغليباً للخوف , وأفهم السياق وإن كان شرطاً أن الانتقام منهم أمر لا بد منه , وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا الله , سبب عنه قوله : {فاستمسك} أي أطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال الإمساك {بالذي أوحي إليك} من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره.

(7/45)


ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجاً إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ويحملهم على حسن الابتاع , علل ذلك بقوله : {إنك على صراط} أي طريق واسع واضح جداً : {مستقيم} موصول إلى المقصود لا يصح أصلاً أن يلحقه شيء من عوج , فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم.

ولما أثبت حسنه في نفسه المتقضي للزومه , عطف عليه نفعه لهم.

وأكد لإنكارهم فقال : {وإنه} أي الذي أوحى إليك في الدنيا {لذكر} أي شرف عظيم جداً وموعظة وبيان , عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه : {لك ولقومك} قريش خصوصاً والعرب عموماً وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة نزوله على واحد منهم وبلسانهم , فكان سائر الناس تبعاً لهم ومن جهة إيراثه الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلى الله عليه وسلم : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين" فمن أقام هذا الدين كان شريفاً مذكوراً في ملكوت السماوات والأرض , قال ابن الجوزي : وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل : لمن هذا الأمر , من بعدك , لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية , فكان بعد ذلك إذا سئل قال : لقريش - وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن , وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم - انتهى.

ولما كان التقدير : فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون , عطف عليه قوله :
31

(7/46)


{وسوف تسألون} أي تصيرون في سائر أنواع العلم محط رحال السائلين دنياً ودنيا بحيث يسألكم جميع أهل الأرض من أهل الكتاب ومن غيرهم عما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم لما يعتقدون من أنه لا يوازيكم أحد في العلم بعد أن كنتم عندهم أحقر الأمم ضعفاً وجهلاً كما وقع لبني إسرائيل حيث رفعهم الله , وكان ذلك أبعد الأشياء عند فرعون وآله , ولذلك كانوا يتضاحكون استهزاء بتلك الآيات وينسبون الآتي بها إلى ما لا يليق بمنصبه العالي من المحالات , وتسأولن عن حقه وأداء شكره وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له , وهذا بوعد صادق لا خلف فيه أصلاً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 30
ولما أبطل سبحانه إلهية غيره التي أجى إليها الجهل , واستمر إلى أن ختم بالعلم الموجب لمعرفة الحق , فكان التقدير إبطالاً لشبهتهم الوهمية القائلة {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} : فاستحضر جميع ما اوحى إليك وتأمله غاية التأمل , هل ترى فيه خفاء في الإلهية لشيء دون الله , عطف عليه قوله نفياً لدليل سمعي كما أشير إليه بقوله {أم آتيناهم كتاباً} {واسأل من أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة.

(7/47)


ولما كان الممكن تعرفه من آثار الرسل إنما هو لموسى وعيسى ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام الحافظ لسنتهم من التوراة والإنجيل والزبور وسفر الأنبياء , قال مثبتاً للجار المفهم لبعض الزمان : {من قبلك} ولما كان أتباعهم قد غيروا وبدلوا فلم تكن بهم ثقة , عبر بالرسل فقال : {من رسلنا} أي بقراءة أتباعهم لكتبهم التي حرفوا بعضها , وجعلت كتابك مهيمنا عليها فإنهم إذا قرؤوها بين يديك وعرضوها عليك علمت معانيها وفضحت تحريفهم وببنت اتفاق الكتب كلها برد ما ألبس عليهم من متشاببها إلى محكمها , فالمراد من هذا نحو المراد من آية يونس {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} [رقم : 94] ومن آي الأنبياء {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} [رقم : 24] مع زيادة الإشارة إلى تحريفهم , فالمسؤول في الحقيقة القرآن المعجز على لسان الرسول الذي شهدت له جميع الرسل الذين أخذ عليهم العهد بالإيمان به والمتابعة له , وبهذا التقرير ظهر ضعف قول من قال : إن المراد سؤال الرسل حقيقة لما جمعوا له صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ليلة الإسراء , فإنه ليس المراد من هذا إلا تبكيت الكفار من العرب وممن عزهم من أهل الكتاب بقولهم : دينكم خير من دينه وأنتم أهدى سبيلاً منه , فإنهم إذا أحضروا كتبهم علمت دلالتها القطعية على اختصاصه سبحانه بالعبادة كما بينته في كتابي هذا يرد المتشابه منها إلى المحكم , وجعلها ابن جرير مثل قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء : 59] وقالك ومعلوم أن معنى
32
ذلك : فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , قال : فاستغنى بذكر الرسل عن ذكر الكتب.

وهو عين ما قلته , ولو كان المراد حقيقة السؤال وسؤال جميع الرسل لقال " قبلك " بإسقاط " من " ليستغرق الكل - والله أعلم.

(7/48)


ولما ذكر المسؤول مفخماً له مبا اقتضته العبارة من الإرسال والإضافة إليه , ذكر المسؤول عنه بقوله تعالى : {أجعلنا} أي أبحنا وأمرنا ورضينا على ما لنا من العظمة والقدرة التامة , مما ينافي ذلك , وقرر حقارة ما سواه بقوله : {من دون} وزاد بقوله : {الرحمن} أي الذي رحمته عمت جميع الموجودات {آلهة} ولما كان قد جعل لكل قوم وجهة يتوجهون في عبادتهم إلهاً , وشيئاً محسوساً بغلبة الأوهام على الأفهام يشهدونه وكان ربما تعنت به متعنت , قال محترزاً : {يعبدون} أي من عابد ما بوجه ما.

جزء : 7 رقم الصفحة : 30
ولما كان المترفون مولعين بأن يزدروا من جاءهم بالرد عن أغراضهم الفاسدة بنوع من الازدراء كما قال كفار قريش {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ولا يزالون يردون هذا وأمثاله من الضلال حتى يقهرهم ذو الجلال بما أتتهم به رسله إما بإهلاكهم أو غيره وإن كانوا في غاية القوة , أورد سبحانه قصة موسى عليه الصلاة والسلام شاهدة على ذلك بما قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام من نحو ذلك ومن إهلاكه على قوته وإنجاء بني إسرائيل على ضعفهم , وتسلية للنبي صلى عليه وسلم وترجية.

جزء : 7 رقم الصفحة : 30
ولما كان التقدير : فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف الخلق بالتوحيد الذي جئت به , وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده الأمم من جاه أو مال أو غير ذلك , فلا وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من التوحيد وغيره , ولا لمعاداتك فيه , عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم فقال مؤكداً أجل ما يعاندون به من إنكار الرسالة , وأتى بحرف التوقع لما اقتضاه من الأمر بسؤال الرسل عليهم الصلاة والسلام : {ولقد أرسلنا} أي بما ظهر من عظمتنا.

(7/49)


ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في الدنيا بما يراه أهلها كما قال هؤلاء {لولا نزل هذا القرآن} - الآية , قال مناقضاً لهم : {موسى} أي الذي
33
كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله {بآياتنا} أي التي قهر بها عظماء الخلق وبجابرتهم , فدل ذلك على صحة دعواه وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة.

ولما كان السياق لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن أمر التوحيد , كانت الآيات كافية , فلم يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة : {إلى فرعون} أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون : {وملأه} الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه {فقال} بسبب إرسالنا {إني رسول} وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة.

ولما كان الإحسان سبباً للإذعان قال : {رب العالمين*} أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم.

ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بها ما فعلته قريش , قال مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم ومهدداً لهم تسبيباً عما تقديره : فقالوا له ائت بآية , فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس بياناً وحسناً : {فلما جاءهم بآياتنا} بالإتيان بآيتي اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع الآيات {إذا هم} أي بأجمعهم استهزاء برسولنا , وطال ما يضحك عليهم هو ومن آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة {منها يضحكون} أي فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء.

جزء : 7 رقم الصفحة : 33

(7/50)


ولما كان ربما ظن ظان أن في الآية ما يقبل شيئاً من ذلك , بين حالها سبحانه بقوله : {وما} أي والحال أنا ما {نريهم} على ما لنا من الجلال والعلو والكمال , وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال : {من آية إلا هي أكبر} أي في الرتبة {من أختها} أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسياً ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه , أو أن هذا كناية عن أنها كلها ي نهاية العظمة كما قال شاعرهم :
" من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم "
أو أن بينها في الكبر عموماً وخصوصاً من وجه , وأحسن من ذلك ما أشار إليه ابن جرير من أن كل آية أوضح في الحجة عليهم وأوكد مما قبلها , لأنها دلت على ما دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة فصارت هي مع ما قبلها أكبر مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها.

ولما كان التقدير : فاستمروا على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم الضلال لعلمنا بحالهم , عطف عليه قوله : {وأخذناهم} أي أخذ قهر وغلبة {بالعذاب} أي كله لأنا واترنا عليهم ضرباته على وجه
34
معلم بأنا قادرون على ما نريد منه فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم {آيات مفصلات} والقطع : البرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهباً بالنار , وموت الأبكار , فكانت آيات على صدق موسى عليه الصلاة والسالم بما لها من الإعجاز , وعذاباً لهم في الدنيا موصولاً بعذاب الآخرة , فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة {لعلهم يرجعون} أي ليكون حالهم عند ناظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 33

(7/51)


ولما كان فرعون في كثير من الضربات التي كان يضربه بها سبحانه - كما مضى في الأعراف عن التوراة - يقول لموسى عليه الصلاة والسلام : قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار , فصلينا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة , فيصرف عني كذا , فإذا صرف الله ذلك عنهم عاد على ما كان عليه من الفجور , كان فعله ذلك فعل من لا يعتقد أنه موسى عليه الصلاة والسلام نبي حقيقة , بل يعتقد أنه ساحر , وأن أفعاله إنما هي خيال , فكذلك عبر عن هذا المعنى بقوله عطفاً على ما تقديره , فلم يرجعوا : {وقالوا} أي فرعون بالمباشرة وأتباعه بالموافقة له : {يا أيها الساحر} فنادوه بأداة البعد مع الإفهام بقالوا دون " نادوا " أنه حاضر إشارة إلى بعده من قلوبهم , والتعبير بهذا توبيخ لقريش بالإشارة إلى أنهم وغيرهم ممن مضى يرمون الرسول بالسحر ويقرون برسالته عند الحاجة إلى دعائه في كشف ما عذبهم ربهم به , وذلك قادح فيما يدعون من الثبات والشجاعة والعقل والإنصاف والشهامة , وذلك كما وقع لقريش لما قال النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف" فقحطوا , فلما اشتد عليهم البلاء أتى أبو سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الشريفة فقال : يا محمد‍ إنك قد جئت بصلة الأرحام وإن قومك قد هلكوا فادع اللهلهم , فدعا لهم فأغيثوا , فلا شك أن ترجمة حالهم هذا الذي ذكره الله من التناقض الذي لا يضاه لنفسه عاقل , وهو وصفه بالسحر وطلب الدعاء منه يمنع اعتقاد أنه ساحر , واعتقاد أنه ساحر يمنع طلب الدعاء منه عند العاقل {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراماً لك {بما} أي بسبب ما {عهد عندك} من أنه يفعل من وضعها ورفعها على ما تريد على ما أخبرتنا أنه إن آمنا أكرمنا , وغن تمادينا أهاننا , ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكداً تقريباً لحالهم البعيدة من الاعتداء بما يخبر به شاهد الوجود : {إننا لمهتدون} أي اهتداء ثابتاً يصير لنا

(7/52)


وصفاً لازماً عند كشف ذلك عنا.

35
ولما كان العاقل لا يخبر عن نفسه إلا بما هو صحيح , فكيف إذا كان عظيماً بين قومه فكيف إذا أكد ذلك بأنواع من التأكيد , فكان السامع لهذا الكلام يقطع بصدقه , بين تعالى ما يصحح أن حالهم حال من يعتقد أنه ساحر بأنهم أسرعوا الخيانة بالكذب فيه من غير استحياء ولا خوف , فقال معبراً بالفاء دلالة على ذلك : {فلما كشفنا} على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال {عنهم العذاب} أي الذي أنزلناه بهم {إذا هم ينكثون} أي فاجؤوا الكشف بتجديد النكث بإخلاف بعد إخلاف {ونادى فرعون} أي زيادة على نكثه {في قومه} أي الذين لهم غاية القيام معه , وأمر كلاً منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد كما تشمل القريب فتكون كأنها مناداة إعلاماً بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 33
ولما كان كأنه قيل : لم نادى ؟ أجاب بقوله : {قال} أي خوفاً من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوا من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ بالقلوب : {يا قوم} مستعطفاً لهم بإعلامهم بأنهم لحمة واحدة , ومستنهضاً بوصفهم بأنهم ذوو قوة على ما يحاولونه , مقرراص هلم على عذره في نكثه بقوله : {أليس لي} أي وحدي {ملك مصر} أي كله , فلا اعتراض على بني إسرائيل ولا غيرهم , لينتج له ذلك على زعمه أن غلبته على بني إسرائيل ومقاهرته على إخراجهم من تحت يده بغى على من له الملك فتكون فساداً فلا بأس عليه إذا خدع من فعل به ذلك بما عاهده عليه عند مس الضر , ولم يقرأ بالصرف ليكون نصاً على مراده من العلمية , ولأن المصر يطلق على المدينة الواحدة , والتنوين يأتي للتحقير وهو ضد مراده.

(7/53)


ولما كان قد حصل له مما رأى من الآيات وورد عليه من تلك الضربات بأنواع المثلات ما أدهشه بحيث صار في عداد من يشك أتباعه في ملكه , دل عليه بما بناه من الحال : {وهذه} أي والحال أن هذه {الأنهار} وكأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره , ونحو ذلك من أموره فقال : {تجري من تحتي} أي من أي موضع أردته بما لا يقدر عليه غيري , وزاد في التقرير بقوله : {أفلا تبصرون} أي الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني , وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 33
36

(7/54)


ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أفهذا الذي جاء يسلنا عبيدنا بني إسرائيل خير عندكم مني ؟ نسق عليه قوله : {أم أنا خير} مع ما وصفت لكم من صخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء , ونقل ابن الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأتساذه الخليل أنها معادلة لتقريرهم بالإبصار , فكأنه قال : أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم إبصاركم أنه خير مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون , وكان هو أحق بهذه النصيحة منهم فإنه أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال والموسلة إليه من غير مشقة ولا تعب بقوله : أفلا تبصرون أم أنتم بصراء , فيكون ذلك احتباكاً تقديره : أفلا تبصرون ما نبهتكم عليه , فذكر الإبصار أولاً دليلاً على حذف مثلها ثانياً والخيرية ثانياً دليلاً على حذف مثلها أولاً , وحقر من عظمة الآتي له بتلك الآيات صلى الله عليه وسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن آياته - لكونها من عند الله - كالشمس بهجة وعلواً وشهرة فقال : {من هذا} فكنى بإشارة القريب عن تحقيره , ثم وصفهم بما يبين مراده فقال : {الذي هو مهين} أي ضعيف حقير قليل ذليل , لأنه يتعاطى أموره بنفسه , وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهراً ولا ينفذ بها أمراً {ولايكاد يبين} أي لا يقرب من أن يعرب عن معنىً من المعاني لما في لسانه من الحبسة فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان يستجلب القلوب ويدهش الألباب فيكثر أتباعه ويضخم أمره , وقد كذب في جميع قوله , فقد كان موسى عليه الصلاة والسالم أبلغ أهل زمانه قولاً وفعلاً بتقدير الله الذي أرسله له وأمره غياه ولكن الخبث أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلاً لأتباعه لأن موسى عليه الصلاة والسام ما دعا بإزالة حبسته بل بعقدة منها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 36

(7/55)


ولما كان عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد الفهم وقوفاً مع الوهم أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الأعراض الدنيوية , والتحلي بحلي الملوك , سبب عن ادعائه لرسالته عن ملك الملوك اللازمة للقرب منه قوله : {فلولا} ولما كانت الكرامات والحبى والخلع تلقى على المكرم بها إلقاء , عبر به فقال : {ألقي} أي من أيّ ملق كان {عليه} من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة {أسورة} جمع أسورة - قاله الزجاج , وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية , والسوار : ما يوضع في العصم من الحلية {من ذهب} ليكون ذلك أمارة على صدق صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات {أو جاء معه} أي صحبته عندما أتى إلينا بهذا
37
النبأ الجسيم والملم العظيم {الملائكة} أي هذا النوع , وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله : {مقترنين} أي يقارن بعضهم بعضاً بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارناً لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولاً إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع , فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه , فأهلكه الله بها إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به , واستصغر موسى عليه الصلاة والسلام وعابه بالفقر والغي فسلطه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئاً إلا غلبه - أفاده القشيري.

(7/56)


ولما كان كلامه هذا واضعاً له عند من تأمل لا رافعاً , وكان قد مشى على أتباعه لأنهم مع المظنة دون المنة , فهم أذل شيء لمن ثبتت له رئاسته دنيوية وإن صار تراباً , وأعصى شيء على من لم تفقه له الناس وإن فعل الأفاعيل العظام , تشوف السامع إلى ما يتأثر عنه فقال : {فاستخف} أي بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب {قومه} الذين لهم قوة عظيمة , فحملهم بغروره على ما كانوا مهيئين له في خفة الحلم {فأطاعوه} بأن أقروا بملكه وأذعنوا لضخامته واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه الصلاة والسلام.

ولما كان كلامه كما مضى أعظم موهن لأمره وهو منقوض على تقدير متانته بأن موسى صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم أتى بما يغني عما قاله من الأساورة وظهور الملائكة بأنه مهما هددهم فعله ومهما طلبوه منه أجابهم إليه , فلم يكن للقبط داع إلى طاعة فرعون بعدما رأوا من الآيات غلا المشاكلة في خباثة الأرواح , علل ذلك سبحانه بقوله مؤكداً لما يناسب أحوالهم فيرتضي أفعالهم وهم الأكثر : {إنهم كانوا} أي بما في جبلاتهم من الشر والنفاق لأنهم كانوا {قوماً} أي عندهم قوة شكائم توجب لهم الشماخة إلا عند من يقهرهم بما يألفون من أسباب الدنيا {فاسقين} أي عريقين في الخروج عن طاعة الله إلى معصية , قد صار لهم ذلك خلقاً ثانياً , وكأن مدة محاولة الكليم عليه الصلاة والسلام لهم كانت قريبة , فلذلك عبر بالفاء في قوله : {فلما آسفونا} أي فعلوا معناه ما يغضب إغضاباً شديداً بإغضاب أوليائنا كما في الحديث القدسي "مرضت فلم تعدني" لنكثرهم مرة بعد مرة وكرة في إثر كرة {انتقمنا منهم} أي أوقعنا بهم على وجه المكافأة لما فعلوا برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة
38

(7/57)


مكروهة كأنها بعلاج {فأغرقناهم} في اليم {أجمعين} إهلاك نفس واحدة لم يفلت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم , وهذا لا يكون في العادة إلا بعد علاج كثر أو اعتناء كبير.

جزء : 7 رقم الصفحة : 36

(7/58)


ولما كان إهلاكهم بسبب إغضابهم لله وبالكبر على رسله , كانوا سبباً لأن يتعظ بحالهم من يأتي بعدهم فلذلك قال تعالى : {فجعلناهم} أي بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه {سلفاً} متقدماً لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وقدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال سبحانه عز من قائل وتبارك وتعالى {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص : 41] : {ومثلاً} أي حديثاً عجيباً سائراً مسير المثل {للآخرين} الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالاً لآخرين , فمن قضى أن يكون على مثل حالهم عمل مثل أعمالهم , ومن أراد النجاة مما نالهم تجنب أفعالهم , فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه , ومن أريد به الشر , وجعل له منهم مثلاً يجترئ به على شره , ويقوى على خبثه ومكره , فيجعل الشرير ما أوتوه من الدنيا من النعمة والحبرة الرفاهية والنصرة مثلاً له في التوصل إليه مما كانوا عليه من الظلم , ويجعل الخير إهلاكهم مثلاً له فيبعد عن أفعالهم لينجو من مثل نكالهم , يقول أحدهم : أخذ الفلانيون أخذ آل فرعون , أي لم يفلت منهم إنسان ونحو ذلك من أمثالهم في جميع أحوالهم , ونقول نحن : إنا نهلك من ظلم وتمادى في ظلمه بعد تحذيرنا له وغشم وإن عظم آله وأتباعه , وظن عزه وامتناعه , كدأب آل فرعون , ويقول من أريد به الشر : ليس على ظهرها أحد يبقى إن خاف العواقب فأحجم عن شهواته وانهمك في رياض أهويته وإرادته وشهي طيباته وكذا ذاته كما وقع لفرعون فإنه لم يرجع لشيء عن رئاسته , وبلوغ النهاية منه صلفه ونفاسته إلى أن ذهب به كما ذهب بغيره سواء سار بسيره أو بغير سيره , ولقد ضل به قوم وأضلوا , وحلوا لمن داناهم عرى الدين فزلوا , وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أنه من أعز المقربين لأن الذي كان آخر كلامه الإيمان , فجب ما كانا قبله ولم يتدنس بعده فمات

(7/59)


طاهراً مطرهاً ليس فيه شيء من الدنس مع أن ذلك ما كان إلا عند اليأس حيث لا نفع فيه , وغروا الضعفاء بأن قالوا : إنه لا صريح في القرآن بعذابه بعد الموت تعمية عن الدليل القطعي المنتظم من قوله تعالى {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} [يونس : 83] {وإن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر : 43] المنتج من غير شك أن فرعون من أصحاب النار , وقوله تعالى {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم
39
جزء : 7 رقم الصفحة : 36

(7/60)


فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين} [القصص : 40] {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون}{وأبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} وقوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} إلى أن قال {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} [ص : 14] غير ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات البينات , وكذا غير فرعون وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفاً ومثلاً للآخرين , فمن أراد به خيراً يسر له مثل خير الحتذى به , ومن أراد به شراً أضله بمثل سوء الأشياء به , فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسلام مثلاً لتمام قدرته على اختراع الاشياء بأسباب وبغير أسباب , وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأزهدهم وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر , فاقتدى به من أراد الله به الخير في مثل ذلك فاهتدى به , وضل به آخرون وضربوا به لأنفسهم أمثال الآلهة , وصاروا يفرحون بما لا يا رضاه عاقل ولا يراه , وضربه قومك مثلاً لآلهتهم لما أخبرنا أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا أنهم فازوا وغلبوا : {ولما ضرب ابن مريم} أي ضربه ضارب منهم مثلاً لآلهتهم {إذا قومك} أي الذين أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه {منه} أي ذلك المثل يصدون أي يضجون ويعلون أصواتهم سروراً بأنهم ظفروا على زعمهم بتناقض , فيعرضون به عن إجابة دعائك , يقال : صد عنه صدوداً : أعرض , وصد يصد ويصل : ضج - قاله في القاموس , فلذلك قال ابن الجوزي : معناهما جميعاً - أي قراءة ضم الصاد وقراءة كسرها - يضجون , ويجوز أن يكون معنى المضمومة : يعرضون , قال ابن برجان : والكسر أعلى القراءتين - انتهى.

(7/61)


وذلك أن قريشاً قالوا كما مضى في الأنبياء {إنا وما نعبد في جهنم} مقتض أن يكون عيسى كذلك , وأن نستوي نحند وآلهتنا به , فإنه مما عبد ونحن راضون بمساواته لنا - إلى آخر ما قالوا وما رد عليهم سبحانه به من الآية من العام الذي أريد به الخصوص كما هو مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل في " ما " لما لا يعقل , وذلك هو المراد من قوله تعالى حاكياً عنهم : {وقالوا آلهتنا} التي نعبدها من الأصنام والملائكة {خير أم هو} أي عيسى فنحن راضون بأن نكون معه.

ولما اشتد التشوف إلى جوابهم , وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء , قدم عليه هنا أن مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة فقال تعالى : {ما ضربوه} أي ما ضرب الكفار : ابن الزبعري حقيقة وغيره من قومك مجازاً , المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام {لك إلا جدلاً} أي لإرادة أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير لازم ولم يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان
40
إلا في أصنامهم , ولأن الخصوص في كلامهم شائع , ولأنه قد عقب بما يبين الخصوص ويزيل اللبس على تقدير تسليمه , فلم يقتدروا قط بما ألزموا به أنه لازم {بل هم قوم} أي أصحاب قوة على القيامة بما يحاولونه {خصمون} أي شديدو الخصام قادرون على اللدد , روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي إمامة رضي الله عنهم , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل , " ثم قرأ الآية "
جزء : 7 رقم الصفحة : 36

(7/62)


ولما تضمن هذا أنه غير مهان , صرح به على وجه الحصر قصر قلب لمن يدعي أنه مقصور على الإلهية فقال : {إن} أي ما {هو} أي عيسى عليه الصلاة والسلام {ألا عبد} وليس هو بإله {أنعمنا} أي بما لنا من العظمة والإحسان {عليه} أي بالنبوة والإقدار على الخوارق {وجعلناه} بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته {مثلا} أي أمراًعجيباً مع وضوحه وجلائه فيه خفاء وموضع شبهة بأن جعلناه من أنثى فقط بلا واسطة ذكر ليض بذلك من يقف مع المحسوسات , ودللنا على الحق فيه بما منحنا به من الخوارق وزكاء الأخلاق وطيب الشيم والإعراق إسعاداً لمن أعليناه بنور قلبه وصفاء لبه إلى إحسان النظر في المعاني {لبني إسرائيل} الذين هم أعلم الناس به , بعضهم بالمشاهدة وبعضهم بالنقل القريب , فلما جاءهم على تلك الحالة الجلية في كونها حقاً بما كان على يديه ويدي أمه من الكرامات , آمن به من بصره الله منه بالحق من أمره بما كان فيه من الكرامات , وكان كلما رأى رجلاً منهم على منهاجه في أعماله وكرامته اهتدى إلى الحق من أمره , وقال : هذا مثله عيسى عليه الصلاة والسلام فانتفع بالنبي ومن تبعه بإحسان , فنال من الله الرضوان , وقال أيضاً هذا الموفق مستبصراً في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام : مثله في ذلك مثل أبيه آدم عليه الصلاة والسلام في إخراجه من أنثى بلا ذكر , بل آدم عليه الصلاة والسلام أعجب , ومثل ابن خالته يحيى
41

(7/63)


وجده إسحاق عليهما الصلاة والسلام في إخراج كل منهما بسبب هو في غاية الضعف , هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به الضلال منهم غير ذلك من المحال , فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة , وقال ابن برجان : خصهم - أي بني إسرائيل - بالذكر لأنهم المفتونون بالدجال المسارعون إليه , ثم قال : وإنما المثل في ذلك متى جاء الدجال بتلك الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء الموتى وتأييده بروح القدس , أي فيضل عن الأمر الواضح من أراد الله فتنته - انتهى , والأحسن أن يكون معنى كونه مثلاً أنه جعل أمره واضحاً جداً بحيث أنه يمثل به فيكون موضحاً لغيره , ولا يحتاج هو إلى مثل يوضحه عند من له أدنى بصيرة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 41

(7/64)


ولما كان التقدير : فلو شئنا لجعلنا الناس كلهم من أنثى بلا ذكر , ولو شئنا لساويناكم بهم في ذلك الذي ضربناه عليهم من الذل عندما جعلوا له مثل السوء فزدنا ما أنتم فيه من الذل والحقارة عن سائر الأمم بأن سلطانهم عليكم حتى استباحوكم , ولو شئنا لمحوناكم أجمعين عن وجه الأرض فتركناها بيتاً ؟ لا أنيس بها , عطف عليه قوله : {ولو} معبراً بصيغة المضارع إشارة إلى دوام قدرته على تجديد الإبداع فقال : {نشاء لجعلنا} أي على ما لنا من العظمة ما هو أغرب مما صنعناه في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {منكم} أي جعلا مبتدئاً منكم , إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى من غير ذكر وجعلنا آدم عليه الصلاة والسلام من تراب من غير أنثى ولا ذكر وإما بالبدلية {ملائكة في الأرض يخلفون *} أي يكونون خلفاً لكم شيئاً بعد شيء بعد إعدامكم فجعلناهم مثلاً لكم كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام مثلاً لبني إسرائيل , ويجوز أن يكون المعنى : لجعلنا بعضكم ملائكة بأن نحول خلقتهم فنجعلهم خلفاً لمن تحولوا عنهم ونخلف بعضهم بعضاً , فإنهم من جملة عبادنا أجسام تقبل التوليد كما تقبل الإبداع , وعلى كلا التقديرين فذلك إشارة إلى أن الملائكة ذوات ممكنة من جملة عبيده سبحانه , يصرفهم في مراده إن شاء في السماء , وإن شاء في الأرض , لا شيء منكم إلا وهو بعيد جداً عن رتبة الإلهية إرشاداً لهم إلى الاعتقاد الحق في أمره سبحانه بشمول قدرته وكمال علمه اللازم منه أنه لا إله إلا هو.

ولما ذكر سبحانه الإعدام والخلافة بسببه فرضاً , ذكر أن إنزاله إلى الأرض آخر الزمان أمارة على إعدام الناس تحقيقاً , فقال مؤكداً لأجل إنكارهم : {وإنه} أي عيسى عليه الصلاة والسلام {لعلم للساعة} أي نزوله سبب للعلم بقرب الساعة التي هي إعدامه الخلائق كلهم بالموت , وكذا ما نقل عنه من أنه كان يحيى وكذا إبراؤه الأسقام سبب
42

(7/65)


عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة , فهو سبب للعلم بالأمرين : عموم الإعدام وعموم القيام.

ولما كان قريش يستنصحون اليهود يسألونهم - لكونهم أهل الكتاب - عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم , وكان النصارى مثلهم في ذلك , وكان كون عيسى عليه الصلاة والسلام من أعلام الساعة أمراً مقطوعاً به عند الفريقين , أما النصارى فيقولون : إنه الذي أتى إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا , وأما اليهود فيقولون : إنه إلى الآن لم يأت , ويأتي بعد , فثبت بهذا أمر عيسى عليه الصلاة والسلام فيما أخبر الله تعالى عنه من إنعامه عليه , ومن أنه من أعلام الساعة بشهادة الفرق الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتاً عظيماً جداً , فصارت كأنها مشاهدة , فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام , لافتاً القول إلى مواجهتهم مؤكداً في مقابلة إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة : {فلا تمترن} أي تشكوا أدنى شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد وتجادلوا أدنى جدل {بها} أي بسببها , يقال : مرى الشيء وامتراه : استخرجه , ومراه مائة سوط : ضربه , ومراه حقه , أي جحده , والمرية بالضم والكسر : الجدل والشك {واتبعون} أي أوجدوا تبعكم بغاية جهدكم {هذا} أي كل ما أمرتكم به من هذا وغيره {صراط} أي طريق واسع واضح {مستقيم} أي لا عوج فيه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 41

(7/66)


ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح الرؤوف الرحيم , حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد , فقال دالاً على عظيم فتنته بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل والتغطية للخوف بالتأكيد , لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد : {ولا يصدنكم} أي عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي {الشياطين} ولما كان كأنه قيل ما له يصدنا عن سبيل ربنا ؟ ذكر العلة تحذيراً في قوله : {إنه لكم} أي عامة , وأكد الخبر لأن أفعال التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته : {عدو مبين} أي واضح العداوة في نفسه مناد بها , وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب , عداوة ناشئة عن الحسد , فهي لا تنفك أبداً.

ولما قدم سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسلام وجعله مثلاً لبني إسرائيل , ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به , وحذر من اقتدى بهم في نحو ذلك الضلال , وأمر باتباع الهادي , ونهى عن اتباع المضل , صرح بما كان من حالهم حين أبرزه الله لهم على تلك الحالة الغريبة , فقال عاطفاً على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى {وجعلناه مثلاً} : {ولما جاء عيسى} أي إلى بني إسرائيل بعد
43
موسى عليهما الصلاة والسلام : {بالبينات} أي من الآيات المسموعة والمرئية , {قال} منبهاً لهم : {قد جئتكم} ما يدلكم قطعاً على أنه آية من عند الله وكلمة منه أيضاً {بالحكمة} أي الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه ولا يدفع إلا بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال.

(7/67)


ولما كان المراد بالحكمة ما نسخ من التوراة وغيره من كل ما أتاهم به , فكان التقدير : لتتبعوه وتتركوا ما كنتم عليه أمراً خاصاً هو من أحكم الحكمة فقال : {ولأبين لكم} أي بياناً واضحاً جداً {بعض الذي تختلفون} أي الآن {فيه} ولا تزالون تجددون الخلافة بسببه , وهذا البعض الظاهر بما يرشد إليه ختام الآية أنه المتشابه الذي كفروا بسببه بينه بياناً يرده إلى المحكم , ويحتمل أن يكون بعض المتشابه , وهو ما يكون بيانه كافياً في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه , فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه , فالمحكم ما لا لبس فيه , والمتشابه ما يكون ملبساً , وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة الةتي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب فالصادق الذي رسخ علماً وإيماناً يرد المتشابه منه إلى المحكم , أو يعجز فيقول : الله أعلم , ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا , ولا يتزلزل , والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره فيشبه كأهل الاتحاد الجوامد المفتونين بالمشاهدة ويؤول بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن.

جزء : 7 رقم الصفحة : 41
ولما صح بهذا أن الذي أرسله الملك الأعلى الذي له الأمر كله , فهو فعال لما يشاءن وكان الحامل على الانتفاع بالرسل عليهم الصلاة والسلام التقوى , سبب عنه قوله تعالى : {فاتقوا الله} أي خافوه لما له من الجلال بحيث لا تقدموا على شيء إلا ببيان منه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم , ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجوه إلا بإذنه {وأطيعوا} فيما أنقلكم إليه وأبينه لكم مما أبقيكم عليه , فإني لا آخذ شيئاً إلا عنه , ولا أتلقى إلا منه , فطاعتي لأمره بما يرضيه هي ثمرة التقوى , ولكما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 41
44

(7/68)


ولما أمرهم بطاعته , علل ذلك بما أزال تهمته ما يطاع فيه , فقال مؤكداً لما في أعمالهم من المجاملة المؤذنة بالتكذيب : {إن الله} أي الذي اختص بالجلال والجمال , فكان أهلاً لأن يتقى {هو} أي وحده {ربي وربكم} نحن في العبودية بإحسانه إلينا وسيادته لنا على حد سواء , فلولا أنه أرسلني لما خصني عنكم بهذه الآيات البينات {فاعبدوه} بما آمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباع ما ظهر على يدي فصار هو الآمر لا أنا ولما كان دعاؤه إلى الله بما لا حظ له عليه الصلاة والسلام فيه دل قطعياً على صدقه ولا سيما وقد اقترن بالمعجزات مع كونه في نفسه في غاية الخفية لا يستطاع بعضه بوجه , أشار إلى ذلك كله على وجه الاستنتاج مما مضى مرغباً فيه دالاً على اقتضائه الطاعة {هذا} أي الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه {صراط أي طريق واسع جداً وضاح {مسقتيم} لا عوج له.

جزء : 7 رقم الصفحة : 44

(7/69)


ذكر ما يدل على أنه أتبى بالحكمة من الإنجيل : قال متى أحد مترجميه الأربعة وقد خلطت تراجمهم وأغلب السياق لمتى : فلما خرج يسوع وجاء إلى نواحي صور وصيدا إذا بامرأة كنعانية - وقال مرقس : يونانية - خرجت من تلك التخوم تصيح وتقول : ارحمني يا رب يا ابن داود ابنتي بها شيطان رديء , فمل يجبها بكلمة , فجاء تلاميذه وسألوه قائلين : اصرف هذه المرأة لأنها تصيح خلفنا , أجاب وقال لهم : لم أرسل إلا إلى الخراف من بيت إسرائيل , فأتت وسجدت له قائلة : يا رب أعني فأجاب : ليس هو جيداً أن يؤخذ خبز البنين فيعطى للكلاب , فقالت : نعم! يا رب , والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها , حينئذ أجاب يسوع وقال لها : يا امرأة عظيمة أمنتك يكون لك كما أردت , فبرئت ابنتها منه تلك الساعة , وقال مرقس : فقال لها من أجل هذه الكلمة اذهبي , قد خرج الشيطان من ابنتك , فهذبت إلى ابنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها , فجاؤوا إليه بأخرس أصم فطلبوا إليه أن يضع يده عليه , فأخرجوه وحده من الشعب , وترك أصابعه في أذنيه , وتفل ثم مس لسانه ونظر إلى السماء وشهد وقال : الفاثاً الذي هو التفتح , وللوقت انفتح سمعه وسمع , وانحل رباط لسانه وتكلم مستوياً , ووصاهم أن لا يقولوا لأحد شيئاً فأتاهم فكانوا ينكرون كثيراً ويبهتون جداً , قائلين : ما أحسن كل شيء! يصنع الخرس يتكلمون والصم يسمعون , وقال مرقس : ثم جاء إلى بيت صيدا فقدموا إليه أعمى , وطلبوا منه أن يلمسه , فأخذ بيد الأعمى ثم أخرجه خارجاً من القرية , وتفل
45

(7/70)


في عينيه ووضع يده عليه وسأله : ما ينظر ؟ قال : أنظر الناس مثل الشجر يمشون , فوضع يده أيضاً على عينيه , فأبصر حيناً ونظر إلى كل شيء ظاهراً , قال : ثم جاء إلى ناحية قيسارية فيلقس فسأل تلاميذه : ماذا يقول الناس في ابن الإنسان ؟ فقال قوم : يوحنا المعمدان , وآخرون : إليا , وآخرون : إرميا , وواحد من الأنبياء , فقال لهم : فأنتم ماذا تقولون ؟ أجاب سمعان بطرس - وقال : أنت هو المسيح , أجاب يسوع وقال له : طوبى لك يا سمعان ابن يونان لأنه ليس جسد يعسى وأبواب الجحيم لا تقوى عليه ولك أعطي ملكوت السماوات , وما ربطته الأرض يكون مربوطاً في السموات , وما حللته على الأرض يكون محلولاً في السموات , وبدأ يسوع من ذلك الوقت يخبر تلاميذه أنه ينبغي أن يمضي إلى يروشلين ويقبل الآماً كثيرة من المشايخ ورؤساء الكهنة والكتبة , وقال : من أراد أن يخلص نفسه فليهلكها , وهن أهلك نفسه من أجلي وجدها , وما ينع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟ وماذا يعطي الإنسان فداء لنفسه , وقال لوقا : وكان جمع كثير ينطلق فالتفت لهم وقال لهم : من يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وبينه وإخوته وأخواته نعم حتى نفسه , فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً , من منكم يريد أن يبني برجاً ولا يجلس أولاً ويحسب نفقته ؟ وهل له ما يكمله لكيما يستهزىء به كل من ينظره إذا وضع الأساس ولم يقدر على إكماله , وأي ملك يخرج إلى محاربة ملك آخر فلا يجلس أولاً ويفكر هل يستطيع أن يلقي بعشرة آلاف الموافي إيه في عشرين ألفاً إلا فما دام بعيداً منه يرسل رسلاً رسل سلامة , وهكذا كل منكم إن لم يرفض كل شيء له لا يقدر أن يكون لي تلميذاً , وذكر لوقا أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام كان في وليمة فقال مثلاً لأنهم كانوا يتخيرون المتكآت فقال لهم : متى دعاك أحد إلى عرس فلا تجلس في أول الجماعة , فلعله قد دعا هناك أكرم منك عليه فيأتي الذي دعاه فيقول له : يا حبيب! ارتفع إلى فوق , حينئذ يكون لك مجداً قدام المتكئين معك

(7/71)


لأن كل من يرتفع يتضع , وكل من يتضع يرتفع , وقال للذي دعاه : وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك ولا إخوتك ولا أقاربك ولا إغنياء جيرانك لعلهم أن يدعوك أيضاً فيكون لك مكافأة , لكن إذا صنعت طعاماً فادع المساطكين والعور والضعفاء والعميان , وطوباك لأنه ليس لك ما يكافئونك , ومجازاتك تكون في قيامة الصديقين , فسمع واحد من المتكئين ذلك , فقال له : طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله , وقال متى : وجاء تلاميذ يسوع إليه وقالوا له : من هو العظيم في ملكوت السماوات , فدعا طفلاً وأقامه بينهم وقال : الحق أقول : إن لم ترجعوا وتكونوا مثل الصبيان لا تدخلوا ملكوت السماوات , ومن اتضع مثل هذا الصبي فهو العظيم في ملكوت السماوات , ومن قبل صبياً مثل هذا باسمي فقد قبلني ,
46
جزء : 7 رقم الصفحة : 44
قال مرقس : ومن قبلني فليس يقبلني فقط بل والذي أرسلني , وقال لوقا : ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني , والذي هو الصغير فيكم هو الأكبر , قال متى : ومن شك أحد هؤلاء الصغاؤ الؤمننين فخير أن يعلق حجر الرحى في رقبته , ويغرق في البحر , الويل للعالم من الشكوك لكمن الويل للأإنسان الذي يأتي منه الشكوك , إن شكتك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك , فخير لك أن تدخل الحياة وأنت أعرج أو أعشم من أن يكون لك يدان أو رجلان وتلقى في نار الأبد , وقال مرقس : وتذهب إلى جهنم حتى لا تطفأ نارها ولا يموت دورها - انتهى.

(7/72)


وإن شكتك عينك فاقلعها وألقها عنك فخير لك أن تدخل الحياة بعين واحدة من أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم , وقال مرقس : وكل شيء بالنار يملح وكل ذبيحة تملح بالملح جيد هو الملح , فإن فسد الملح فبما ذا يملح فليكن فيكم الملح , ويكون سلام بعضكم بعضاً , وقال لوقا : ثم قال : من أجل أقوام يقولون : إنهم صديقون ويحقرون البقية , هذا المثل رجلان صعدا إلى الهيكل ليصليا , أحدهما فريسي والآخر عشار , فأما الفريسي فإنه كان يصلي بهذا في نفسه : اللهم إني أشكرك لأني لست مثل سائر الناس العاصين الظلمة الفجار , ولا مثل هذا العشار , فكان قائماً من بعيد ولا يرى أن يرفع عينيه إلى السماء , وكان يضرب على صدره ويقول : اللهم اغفر لي فإني خاطئ , أقول لكم : إن هذا نزل إلى بيته أمر من ذلك لأن كل من يرفع نفسه يتضع , ولك من يضع نفسه يرتفع , ثم قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم , فلما نظرهم التلاميذ نهروهم فقال : دعوا الصبيان يأتوا إليّ ولا تمنعوهم لأن ملكوت الله لمثل هؤلاء , الحق أقول لكم , إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها , وقال متى : انظروا لا تحقروا أحد هؤلاء الصغار , لم يأت ابن الإنسان إلا ليطلب ويخلص من كان ضالاً , ماذا تظنون إذا كان الإنسان مائة خروف فضل منها واحد ليس يترك التسعة والتسعين في الجبل , ويمضي يطلب الضال ؟ وقال لوقا : حتى يجده , الحق أقول لكم , إنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل , هكذا ليس مشيئة ربي الذي في السموات أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار , وقال لوقا : ودنا منه العشارون والخطأة ليسمعوا منه فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين : هذا يقبل الخطأة ويأكل معهم , فقال لهم : أي رجل منكم له مائة خروف فيتلف واحد
47

(7/73)


منها ليس يترك التسعة والتسعين في البرية ويمضي إلى الضال حتى يجده , فإذا وجده حمله على منكبيه فرحاً , ويأتي به إلى بيته ويدعو أصدقاءه وجيرانه ويقول لهم : افرحوا معي لوجودي خروفي الضال , أقول لكم : إنه يكون فرح في السماء بخاطىء واحد يتوب أكثر من التسعة والتسعين الصديق الذين لا يحتاجون إلى توبة , وأي امرأة لها عشر دراهم يتلف واحد منها أليس توقد سراجاً وتكنس بيتها وتطلبه مجتهدة حتى تجده , فإذا وجدته دعت أحبابها وجاراتها قائلة : افرحوا لي لوجودي درهمي الضال , هكذا أقول لكم : يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب , وقال : إنسان له ابنان فقال الأصغر يا أبتاه! أعطني نصيبي من مالك فقسم بينهما ماله , وبعد أيام قليلة جمع الأصغر كل شيء له وسافر إلى كورة بعيده , وبذر ماله هناك بعيش بذخ , فملا نفد كل شيء له حدث جوع شديد في تلك الكورة فافتقر وانقطع إلى رجل منها فأرسله إلى حقله يرعى خنازير , وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله , فلا يعطى ذلك , ففكر في نفسه وقال : كم من أجراء أبي يفضل عنهم الخبز وأنا ههنا أهلك جوعاً , أقوم أمضي إلى أبي وأقول : يا أبتاه! أخطأت في السماء وبين يديك , ولست بمستحق أن أدعى لك ابناً لكن اجعلني كأحد أجرائك فجاء إليه فنظره أبوه فتحنن وأسرع واعتنقه وقبله فقال : يا أبتاه! أخطأت في السماء وقدامك , ولست بمستحق أن ادعى لك ابناً , فقال أبوه لعبيده : قدموا الحلة الأولى وألبسوه وأعطوه خاتماً في يده , وحذاء في رجليه , وائتوا بالعجل المعلوف واذبحوه ونأكل ونفرح لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش , سمع المزاهر واتفاق الأصوات والرقص , فدعا واحداً من الغلمة وسأله فقال له : إن أخاك قدم , وذبح أبوك العجل المعلوف , فغضب ولم يرد أن يدخل , فخرج أبوه وطلب إليه فقال : كم لي من سنة أخدمك ولم أخالف لك وصية قط ولم تعطني جدياً واحد أتنعم به مع أصدقائي , فلما جاء ابنك هذا الذي أكل مالك مع الزناة ذبحت له

(7/74)


العجل المعلوف , فقال له : يا بني! أنت معي في كل حين وفي كل شيء هو لي , وينبغي لك أن تسر وتفرح لأن أخاك هذا كان متياً فعاش , وضالاً فوجد.

جزء : 7 رقم الصفحة : 44
وقال : رجل كان عنياً يلبس الأرجوان وكان يتنعم كل يوم ويلذ , ومسكين كان اسمه العازر مطروحاً عند بابه مضروباً بقروح , وكان يشتهي أن يشبع من الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك الغني , وكانت الكلام تأتي وتلطع قروحه , فلما مات ذكل المسكين أخذته الملائكة إلى حصن إبراهيم , ومات ذلك الغني وقبو فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب , فنظر إبراهيم من بعيد والعازر في حصنه , فنادى : يا أبتاه إبراهيم! ارحمني وأرسل العازر ليبل طرف إصبعه بما يبرد لساني لأني معذب في اللهب , فقال له إبراهيم : يا ابني اذكر أنك قد قتلت جيرانك في حياتك والعازر في بلائه والآن فهو يستريح ههنا وأنت تعذب , ومع ذلك فبيننا وبينكم أهوية عظيمة نائية لا يقدر أحد على العبور من ههنا إليكم , ولا من هنا إلينا , قال له : أسألك يا أبتاه أن ترسله إلى بيت أبي , فإن خمسة أخوة لكي يناشدهم
48
لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب , قال له إبراهيم : عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم , فقال له : يا أبتاه إبراهيم! إن لم يمض إليهم واحد من الأموات ما يتوبون ؟ فقال له : إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن قام واحد من الأموات يصدقونه , وقال لتلاميذه : سوف تأتي الشكوك والويل , الذي تأتي الشكوك من قبله خير له لو علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر من أن يشك أحداً من هؤلاء الضعفاء - والله أعلم.

ولما كان الطريق الواضح القديم موجباً للاجتماع عليه , والوفاق عند سلوكه , بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق بهما بقوله : {فاختلف} وبين أنهم أكثروا الاختلاف بقوله : {الأحزاب} أي إنهم لم يكونوا فرقتين فقط , بل فرقاً كثيرة.

(7/75)


ولما كانت العادة أن يكون الخلاف بين أمتين وقبيلتين ونحو ذلك , وكان اختلاف الفرقة الواحدة عجباً , بين أنهم من أهل القسم فقال : {من بينهم} أي اختلافاً ناشئاً ابتدأ من بين بني إسرائيل الذين جعلناهم مثلاً لهم : وقال لهم : قد جئتكم بالحكمة , فسبب عن اختلافهم قوله : {فويل} وكان أن يقال : لهم , ولكنه ذكر الوصف الموجب للويل تعميماً وتعليقاً للحكم به.

ولما كان في سياق الحكمة , وهو وضع الشيء في أتقن مواضعه , جعل الوصف الظلم الذي أدى إليه الاختلاف فقال : {للذين ظلموا} أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة لما أتاهم صلى الله عليه وسلم به من الحكمة {من عذاب يوم أليم} أي مؤلم , وإذا كان اليوم مؤلماً لما الظن بعذابه.

ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش وغيرهم , أتبعه ما هو كالتعليل مبرزاً له في سياق الاستفهام لأنه اهول فقال : {هل} وجرد الفعل إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه يمرأى فقال : {ينظرون} أي ينتظرون {إلا الساعة} أي ساعة الموت العام والبعث والقيام , فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 44
ولما قدم الساعة تهويلاً تنبيهاً على أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها مرئية بالعين هزاً لهم إلى تقليب أبصارهم لتطلب رؤيتها , أبدل منها زيادة في التهويل قوله تعالى : {أن تأتيهم} وحقق احتمال رؤيتها بقوله : {بغتة} ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل من بعض الوجوه , أزال هذا الاحتمال بقوله : {وهم لا يشعرون} أي لا يحصل لهم بعين الوقت الذي يجيء نوع من أنواع العلم , ولا بما كالشعرة منه.

ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة , بين ما يكون في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاسئتناف في جواب من يقول : هل يقومون على ما هم عليه الآن ؟ فقال : {الأخلاء} أي في الدار {يومئذ} أي
49

(7/76)


إذ تكون الساعة وهي ساعة البعث التي هي بعض مدلول الساعة {بعضهم لبعض عدو} ولما ينكشف لهم من أن تأخيرهم في الحياة هو السبب في عذابهم , فيقول التابع للمتبوع : أنت غررتني فضررتني , ويقول المتبوع : بل أنت كبرتني فصغرتني , ورفعتني فوضعتني , ونحو هذا من الكلام المؤلم أشد الإيلام {إلا المتقين} الذين تقم أمرهم بالتوقى وحثهم عليها.

ولما أفعهم هذا أنهم لا عداوة بينه , بل يكونون في التواد على أضعاف ما كانوا عليه في الدنيا لما ظهر لهم من توادهم فيها وتناصرهم هو أفضى بهم إلى الفوز الدائم برضوان الله , وصل به حالاً بين فيها ما يتلقاهم به من تواد فيه سبحانه تشريفاً لهم وتسكيناً لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال : {لعباد} أي مقولاً لهم هذا , فخص بالإضافة إليه كما خصوه بالعبادة {لا خوف} أي بوجه من الوجوه ه {عليكم اليوم} أي في الآخرة مما يحويه ذلك اليوم العظيم من الأهوال والأمور الشداد والزلازل {ولا أنتم تحزنون} أي لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به.

ولما ناداهم بما يطمع فيه سائر أهل الموقف لأن كل حزب يقولون : نحن عباده , خص المرادين بما يوئس غيرهم ولئلا يكون الوصف بالتقوى موقفاً لمن سمعه اليوم من الكفار عن الدخول وكانوا لا يستطيعون ذلك , فوصف سبحانه المتقين بما يهون الوصول إلى درجتهم على غيرهم فقال : {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {بآياتنا} الظاهر عظمتها في نفسها أولاً وبنسبتها إلينا ثايناً {وكانوا} أي دائماً بما هو لهم كالجبلة والخلق {مسلمين} أي منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد , فبذلك يصلون إلى حقيقة التقوى التامة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 44

(7/77)


ولما ذكر ما لهم بشارة لهم وترغيباً لغيرهم في اللحاق بهم على وجه فيه إجمال , شرح ذلك بقوله : {ادخلوا الجنة} ولما كانت الدار لا تكمل إلا بالرفيق السار , قال تعالى : {أنتم وأزواجكم} أي نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات , وأما
50
قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله {كانوا مسلمين} {تحبرون} أي تكرمون وتزينون فتسرون سروراً يظهر أثره عليكم مستمراً يتجدد أبداً.

ولما كان هذا أمراً سائقاً إلى حالهم سابقاً لمن كان واقفاً عنهم إلى وصالهم , أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو مال محركاً لما جهل منه , ومنبهاً على ما غفل عنه , فقال عائداً إلى الغيبة ترغيباً في التقوى : {يطاف عليهم} أي المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ملوكاً {بصحاف} جمع صحفة وهي القصعة {من ذهب} فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم.

ولما كانت آنية الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل , جرى على ذلك المعهود , فعبر بجمع القلة في قوله : {وأكواب} جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له , قد تفوق عن شيء منه اليد أو الشفقة أيو يلزم منها بشاعة في شيء من دائر الكوز , وإيذاناً بأنه لا حاجة أصلاً إلى تعليق شيء لتزيد أوصافه عن أذى أو نحو ذلك.

ولما رغب فيها بهذه المغيبات , أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة إلى الدخول فيما يخصها فقال : {وفيها} أي الجنة.

ولما كانت اللذة محصورة في المشتهى قال تعالى : {ما تشتهيه الأنفس} من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا , ولما كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم , خصها فقال : {وتلذ الأعين} من الأشيء المبصرة التي أعلاها النظر إلى جهه الكريم تعالى , جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق.

جزء : 7 رقم الصفحة : 50

(7/78)


ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام , قال عائداً إلى الخطاب لأنه أشرف وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب , والملتفت إليهم بالترغيب في هذا الثواب , بشارة لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بما قدمه في أول السورة وأثنائها من بلوغ قومه نهاية العقل والعلم والموصلين إلى أحسن العمل الموجب للسعادة : {وأنتم فيها خالدون} لبقائها وبقاء كل ما فيها , فلا كلفة عليكم أصلاً من خوف من زوال ولا حزن من فوات.

ولما كان التقدير : الجنة التي لمثلها يعمل العاملون , عطف عليه قوله مشيراً إلى فخامتها بأداة البعد : {وتلك الجنة} أي العالية المقام {التي} ولما كان الإرث أمكن للملك.

وكان مطمح النفوس إلى المكنة في الشيء مطلقاً لا يبعد , بني للمفعول قوله تعالى : {أورثتموها} ولما كان ما حصله الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسرورة بالتمتع به وبالعمل الذي كان من سببه , قال تعالى : {بما} وبين أن العمل كان لهم كالجبلة التي
51
جبلوا عليها , فالمنّة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم بقوله : {كنتم تعملون} أي مواظبين على ذلك لا تفترون.

ولما كان الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات , قال تعالى مبيناً أن جميع أكلهم تفكه ليس فيه شيء تقوتاً لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ بالأكل ولا ضعف {لكم فيها فاكهة} أي ما يؤكل تفكهاً وإن كان لحماً وخبزاً.

ولما كان ما يتفكه في الدنيا قليلاً قال تعالى : {كثيرة} ودل مع الكثرة على دوام النعمة بقصد التفكه بكل شيء فيها بقوله : {منها} أي لا من غيرها مما يلحظ فيها التقوت {تأكلون} فلا تنفد أبداً ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء النابع , لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله أو أكثر منه في الحال.

(7/79)


ولما ذكر ما للقسم الثاني من الإخلاء وهم المتقون ترغيباً لهم في التقوى , أتبعه ما لأضدادهم اهل القسم الأول تحذيراً من مثل أعمالهم , فقال استئنافاً مؤكداً في مقابلة إنكارهم : {إن المجرمين} أي الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل {في عذاب جهنم} أي النار التي من شأنها لقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى {خالدون} لأن إجرامهم كان طبعاً لهم لا ينفكون عنه أصلاً ما بقوا.

ولما بين إحاطته بهم إجاطة الظرف بمظروفه , وكان من المعلوم أن النار لا تفتر عمن لابسته إلا بمفتر بمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو غير ذلك خرقاً للعادة , بين أن لا يعتريها نقصان أصلاً كما يعهد في عذاب الدنيا لأنهم هم وقودها فقال تعالى : {لا يفتر عنهم} أي يقصد إضعافه بنوع من الضعف , فنيف التفتير نفي للفتور من غير عكس , قال البيضاوي : وهو من فترت عنه الحمى - إذا سكنت , والتركيب للضعف.

جزء : 7 رقم الصفحة : 50
ولما كان انتظار الفرج مما يخفف عن المتضايق , نفاه بقوله : {وهم فيه مبلسون} أي ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج.

ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر وأكثر مما يستحقونه , أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على نفسوهم ووقوعهم في منادمات الندامات : {وما ظلمناهم} نوعاً من الظلم لأنه تعالى مستحيل في حقه الظلم {ولكن كانوا} جبلة وطبعاً وعملاً وصنعاً دائماً {هم} أي خاصة {الظالمين} لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك بقوا , والأعمال بالنيات , ولو كانوا يقدرون على أن لا يموتوا لما ماتوا.

52

(7/80)


ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت , أعلم بأن سكوتهم ليس دائماً لأن الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف عنه بعد الألم , فقال مبيناً أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب الملك , وأنهم مع علمهم باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين للمحالات في الدنيا ليكون ذلك زيادة في المهم : {ونادوا} ثم بين أن المنادي خازن النار فقال مؤكداً لبيان البعد بأداته : {يا مالك} وقراة " يا مال " للإشارة إلى أن العذاب أوهنهم عن إتمام الكلام , ولذا قالوا : {ليقض علينا} أي سله سؤالاً حتماً أن القضاء الي لا قضاء مثله , وهو الموت على كل وحد منا , وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا : {ربك} أي المحسن إليك فلم يروا لله عليهم إحساناً وهم في تلك الحالة , فلا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلاً , وأقل ذلك أنه لا يعذب أحداً منهم فوق استحقاقه , ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة درجات , ويجوز أن تكون عبارتهم بذلك تغييظاً له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير فيه , ونداؤهم لا ينافي إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس , فسكوتهم المقيد باليأس دائم , فلذلك سألوا الموت , والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج بل هم ساكتون أبداً عن ذلك.
.
.

اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين.

ولما ذكر نداءهم , استأنف ذكر جوابهم بقوله : {قال} أي مالك عليه الصلاة والسلام مؤكداً لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة بغيرهم {إنكم ماكثون}.

جزء : 7 رقم الصفحة : 50

(7/81)


ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال {وإنه لعلم للساعة} وأكد أمرها وشرح بعه أحوالها إلى أن ختم بمادل على انحلال عزائمهم ولين شكائمهم , وكانوا غير مقريب بذلك , قال مؤكداً جواباً لمن يبصر بعض البصر فيقول : أحق هذا ؟ ويتوقع الجواب : {لقد جئناكم} أي في هذه السورة خصوصاً وجميع القرآن عموماً , سمى مجيء الرسل مجيئاً لهم لما لمجيئهم من العظمة التي أشارت إليها النون {بالحق} الكامل في الحقية , ولما كان ظهور حقيته بحيث لا يخفى على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب تريان الأشياء على غير ما هي عليه , قال إشارة إلى
53
ذلك : {ولكن أكثركم} أي أيها المخاطبون {للحق كارهون} لما فيه من المنع عن الشهوات فلذلك أنتم تقولون : إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط , لا لأجل أن في حقيته نوعاً من الخفاء.

ولما كان هذا خبراً لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا الرجوع , وكان من لا يرجع إنما يريد بمحاربة الإله الأعظم , قال عادلاً عن الخطاب إنزالاً لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه معادلاً لما {أمراً} تقديره : أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر {أم أبرموا} أي أحكموا {أمراً} في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم.

ولما كان سبحانه مطلعاً بطية أمرهم وغائب سرهم , سبب عما سأل عنه من إبرامهم ما دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما يزيله ويعدمه ويحيله , على سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال : {فإنا مبرمون} أي دائماً للأمور لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا , تلك صفتنا التي لا تحول بوجه : العلم والقدرة والإرادة , لم يتجدد لنا شيء لم يكن.

(7/82)


ولما كان إصرارهم بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته وهو عليم بالمساترة والممكارة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة قال تعالى : {أم يحسبون أنا} على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات الكمال {لا نسمع} ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي والجلي , نسبة كل منهما إليه على السواء , ذكرهما وقدم من شأنه أن الخفي ولو كان في الضمائر فيما يعصينا , ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعم ما في الضمائر وهي مما يعلم , حقق أن المراد به حقيقته بقوله : {ونجواهم} أي كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان عال , فعلم أن المراد حقيقة السمع , وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ولو لم يكن في قدرتنا نحن سماعه , فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه نحن من الجهر ولا يسمعه هو لفقد قوة السمع فيه , لا لأنه مما من حقه ألا يسمع.

جزء : 7 رقم الصفحة : 53
ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع , صرح به فقال : {بلى} أي نسمع الصنفين كليهما على حد سواء {ورسلنا} وهم الحفظة من الملائكة على ما لهم من الظمة بنسبتهم إلينا.

ولما كان حضور الملائكة عمعنا وكتابتهم لجميع أعمالنا على وجه لا نحس به نوع أحساس أمراً هو في غاية الغرابة , قال معبراً بلدى التي يعبر بها عند
54
اشتداد الغرابة : {لديهم يكتبون} أي يجددون الكتابة كلما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد , لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته.

(7/83)


ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعاءهم لله ولداً من الملائكة وهددهم بقوله {ستكتب شهادتهم ويسألون} وذكر شبههم في قولهم {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} وجهلهم فيها بقوله {ما لهم بذلك من علم} ونفى أن يكون لهم على ذلك دليل سمعي بقوله منكراً موبخاً {أم آتيناهم كتاباً} ومر في توهية أمرهم في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضاً على ما تقدم إلى ما تمم نفي الدليل السمعي على طريق النشر المشوش بقوله تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} , ونظم به ما أتى به رسول أهل الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا من التوحيد وما هدد به من أعراض عنه إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال أصلاً لشيء منه , وأن رسله سبحانه تكتب جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة وغيرها , أعاد الكلام في إبطال شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعةى لم يشأها الذي له عموم الرحمة لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو محرم , فقال بعد أن نفى قوله {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} أن يكون لهم دليل سمعي على أحد من رسله عليهم الصلاة والسلام.

{قل إن كان للرحمن} أي العام الرحمة {ولد} على ما زعمتم , والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة , وغيرهم في غيرهم , وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة الكثرة.

(7/84)


ولما كان المعنى : فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده , ولو شاء الرحمن ما تركت عبادته , ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها , فإحداهما قطعاً مشيئة للباطل , وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقاً باطلاً في حال واحد من وجه واحد , وهو بديهي الاستحالة , فبطلت شبهتكم بدليل قطعي - هكذا كان الأصل , ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصاً ولا يعبد غيره , أنه لا يستحق اسم العبادة لإا ما كان له خالصاً , فقال : {فأنا} أي في الرتبة {أول العابدين} للرحمن , العبادةَ التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة , أي فأنا لا أعبد غيره لا ولداً ولا غيره , ولم يشأ الرحمن لي أن أعبد الولد , أو يكون المعنى : أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص , لم أشرك به شيئاً أصلاً في وقت من الأوقات مما سميتموه ولداً أو شريكاً أو غيره , ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص , ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمة , فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاء لي , ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي , ولو أن له ولداً لشاء لي عبادته , فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه
55
وخصوصها بي لكوني عبده خالصاً له يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له , فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها , وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن " أن " نافية بمعنى : ما ينبغي أي ما كان له ولد , فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولداً , ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقرباً إليه بعبادة ولده.

جزء : 7 رقم الصفحة : 53

(7/85)


ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان , وعلى آخر بشبهة أقوى منها , وظهر الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء وفعل ضده أو نقيضه , ومن المعلوم قطعاً أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين في آن واحد حقاً من وجه واحد , فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته , وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء منعباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء , كان موضع التنزيه عما نسبوه إليه من الباطلن فقال منزهاً على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد أصلاً : {سبحان رب} أي مبدع ومالك {السموات} ولما كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر , لأنه أبعد عن النقص والنقيض , ولم يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر الجاثية , فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال : {والأرض} أي اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإجاد والتربية.

ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلاً , قال محققاً لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له , ولم يعد العاطف لأن العرش من السماوات : {رب العرش} أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السموات والأرض {عما يصفون} من أنه له ولد أو شريك.

ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان أغلوطتهم , عرف أنهم فاعلون بوضع الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب , فقال مسبباً عن ذلك : {فذرهم} أي اتركهم على أسوأ أحوالهم {يخوضوا} أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه , وقد لا ينقصه ولا يزيده {حتى يلاقوا} أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا {يومهم الذي يوعدون} بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق تهديدهم.

56

(7/86)


جزء : 7 رقم الصفحة : 53
ولما نزهه سبحانه عن الولد ودل على ذلك بأنه مالك كل شيء وملكه , وكان ذلك غير ملازم للألوهية , دل على أنه مع ذلك هو الإله لا غيره في الكونين بدليل بديهي يشترك في علمه الناس كلهم , وقدم السماء ليكون أصلاً في ذلك يتبع لأن الأرض تبع لها في غالب الأمور , فقال دالاً على أن نسبة الوجود كله إليه على حد سواء لأنه منزه عن الاحتياج إلى مكان أو زمان عاطفاً على ما تقديره : تنزه عما نسبوه إليه الذي هو معنى {سبحان} : {وهو الذي} هو {في السماء إله} أي معبود لا يشرك به شيء {وفي الأرض إله} توجه الرغباب إليه في جميع الأحوال , ويخلص له في جميع أوقات الأضطرار , فقد وقع الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذا الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في مثل هذا الاستحقاق , فعبادة غير باطلة , قال في القاموس : أله - أي بالفتح - إلاهة وألوهة وألوهية : عبد عبادة , ومنه : لفظ الجلالة - وأصله : إله بمعنى معبود وكل ما اتخذ معبوداً فهو إله عند متخذه , وأله كفرح : تحير , فقد علم من هذا جزاز تعلق الجار بإله.

(7/87)


ولما كان الإله لا يصلح للألوهية إلا إذا كان يضع الأشياء في محلها بحيث لا يتطرق إليه فساد , ولا يضرها إفساد مفسد , وكان لا يكون كذلك إلا بالغ العلم قال : {وهو الحكيم} أي البليغ الحكمة , وهي العلم الذي لأجله وجب الحكم قال تعالى : {العليم} أي البالغ في علمه إلى حد لا يدخل في عقل العقلاء أكثر من وصفه به على طريق المبالغة ولو وسعوا أفكارهم وأطالوا أنظارهم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفة من صفاته ليقاس به , وكل من ادعى فيه أنه شريك له لا يقدر من أشرك به أن يدعي له ما وصف به من الإجماع على ألوهيته ومن كمال علمه وحكمه , فثبت قطعاً ببطلان الشركة بوجه يفهمه كل أحد , فلا خلاص حينئذ إن خالف كائناً من كان , وإذا قد صح أنه الإله وحده وأنه منزه عن شريك وولد وكل شائبة نقص كان
57
بحيث لا يخاف وعيده , فلا يخوض ولا يعلب عبده , ومن خاض منهم أو لعب فلا يلومن إلا نفسه , فإن عمله محفوظ بعلمه فهو مجاز عليه بحكمته.

جزء : 7 رقم الصفحة : 57
ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من خلقه بما ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم , أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات كل كمال بما تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحاً بالملك فقالك {وتبارك} أي ثبت ثباتاً لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال , فلا تشبيه له حتى يدعي أنه ولد له أو شريك , ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه بالإلهية فقال : {الذي له ملك السموات} أي كلها {والأرض} كذلك {وما بينهما} وبين كل اثنين منها , والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار.

(7/88)


لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالماً بملكه وكان ربما ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم , قطع الأطماع بقوله : {وعنده} أي وحده {علم الساعة} سائقاً له مساق ما هو معلوم الكون , لا مجال للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطرة الأولى فكيف يما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع , ولأن من ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته , وخوفاً من سطواته , ورجاء في بركاته {وإليه} أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة {ترجعون} بأيسر أمر تحقيقاً لملكه وقطعاً للنزاع في وحدانيته , وقراءة الجماعة وهم من عدا ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديداً من قراءة الباقين بالغيب , وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب.

ولما أرشد السياق قطعاً إلى التقدير : فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على مدافعة قضائه وقدره , عطف عليه قوله : {ولا يملك} أي بوجه م الوجوه في وقت ما {الذين يدعون} أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم , وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى : {من دونه} من أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم {الشفاعة} أي فلا يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم {إلا من شهد} أي منهم {بالحق}.

أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلاً لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام , والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى.

ولما كان ذلك مركوزاً حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا إلى
58

(7/89)


الله , ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك , فكأنه لا علم لهم قال : {وهم} أو والحال أن من شهد {يعلمون} أي على بصيرة مما شهدوا به , فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلاً منهم بتحقيق معنى التوحيد , فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشكروا , أو يكون المعنى : وهم من أهل العلم , والأصنام ليسوا كذلك , وكأنه أفرد أولاً إشارة إلى أن التوحيد فرض عين عل ىكل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير , وجمع ثانياً إيذاناً بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به , وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله , قال الرازي في اللوامع : وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا معنى الواحد على الوجه الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد , وقد يكون مخالطاً للعدد , وقد يكون ملازماً للعدد , والله تعالى منزه عن هذه الواحدات - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 57
ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات , فغذا أنجاهم الذي وحدوه جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به , ومنع لهم من ادعاء هذه الرتبة , وهي الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم , وأن الملائكة لا تشفع لهم لأن ذكل يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ما تعلم , وذلك ينتج الانسلاخ من العلم المؤهل للشفاعة , وقال ابن الجوزي : وفي الآية دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالماً بما يشهد به.

(7/90)


ولما كان التقدي رلتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع : فلئن سألتهم من ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن : اللهن ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل , فقال عطفاً عليه : {ولئن سألتهم} أي الكفار {من خلقهم} أي العابدين والمعبودين معاً , أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه والمطبوع بطابع الحكمة الإلهية عليه , ولم يصدقوا في جواب مثله بقوله : {إذ سألتهم} : {ليقولن الله} الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ليس لمن يدعوه منه شيء , ولذلك سبب عنه قوله : {فأنّى} أي كيف ومن أي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر {يؤفكون} أي يقلبون عن وجوه الأمور إلى أقفائها من قالب ما كائناً من كان , فيدعون أن له شريكاً تارة بالولدية , وتارة بغيرها , مع ما ركز في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له لأن له الخلق والأمر كله.

جزء : 7 رقم الصفحة : 57
ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم وادعائهم الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه السورة , وأقام حجج الحق , ونصب براهين الصدق , وأُبت ما ينفعهم , وحذرهم ما يضرهم , حتى ختم ذلك بقوله مقسماً مع جلالة قدره وعظم أمره {لقد جئناكم بالحق} ثم حصر أمرهم في رد
59

(7/91)


ذلك إن ردوه إلى قسمين في حالين : حال مجاهرة وحال مماكرة , وأخبر أ , ه لا نجاة لهم على حالة منهما , وأخبر أن رسله تعالى يكتبون جميع أمورهم , ذلك مع غناه عن ذلك لعلمه بما يكتبونه من ذلك وغيره مما لا يطلعون , عليه , فكان ذلك فخراً عظيماً ملاحماً أشد الملاحمة لما قدمه من شبهتهم في ادعاء الولد فأكد إبطالها وحقق زوالها , وختم بالعتجيب من حالهم في تركهم وجوه الأمور واتباعهم أقفائها , وكان من جملة ذلك عملهم عمل من يظن أن الله سبحانه لا يسمع قولهم الموجب لأخذهم وقول رسوله : الموجب لنصره , عطف على ما مضى من إنكارهم عليهم عدم سماعه لقولهم , ولما كان اشتدادهم في تكذيبهم ومباعدتهم وعنادهم لا يزداد بمرور الزمان إلا قوة أوقع في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أسفاً ورقة وشفقة عليهم وعطفاً , وصار يشكا أمرهم إلى ربه شكوى المضطر سراً وعلناً إرادة التيسير في أمرهم والتهوين لشأنهم , فاختير للتعبير عن هذا المعنى مصدر " قال " المشترك لفظه مع لفظ الماضي المبني للمجهول إشارة إلى أن شكواه بذلك كأنها صارت أمراً ضرورياً له لا اختيار له في قوله فكأنه صار قولاً من غير قائل أو من غير قصد , لأنه صار حالاً من الأحوال , ووصل به الضمير من غير تقدم على سرهم المقدر بعد {بلى} في قوله تعالى : {إنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى} أو وهو قراءة عاصم له وحمزة بالجر فإنه ظاهر في تعلقه بذلك لعطفه على لفظ {الساعة} , وقرئ شاذاً بالرفع , ووجهه أن الواو للحال , أي كيف يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا بالخلق والحال أن قيله كذا في شكايتهم , أفيظنون أنا لا ننصره وقد أرسلناه : {وقيله} الذي صار في ملازمته وعدم انفكاكه حالاً من الأحوال , الدال على وجه ثيله وانكسار نفسه بما دلت عليه كسرة المصدر وياؤه المجانسة لها , والتعبير بقوله : {يا رب} دال على ذلك بما تفيده " يا " الدالة على بعد , أو تقديره , والرب الدال على الإحسان والعطف

(7/92)


والشفقة والتدبير والسيادة الاختصاص والولاية , وذلك على غير العادة في دعاء المقربين , فإنها جارية في القرآن بإسقاط أداة النداء.

جزء : 7 رقم الصفحة : 57
ولما كان الإرسال إليهم - والمرسل قادر - مقتضياً لإيمانهم , أكاد ما ظهر له من حالهم بقوله زيادة في التحسر وإشارة إلى أن تأخير أمرهم يدل على أن إيمانهم مطموع فيه : {إن هؤلاء} لم يضفهم إلى نفسه بأن يقول : قومي , ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم لما ساءه من حالهم , وأتى بهاء المنبهة قبل اسم على غير عادة
60
الأصل إشارة إلى أن استشعر من نفسه بعداً استصغاراً لها واحتقاراً {قوم} أي أقوياء على الباطل {لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم هذا الفعل.

ولما كان هذا قولاً دالاً على غاية ما يكون من بلوغ الجهد , تسبب عنه ما يسره بإيمانهم وبلوغهم الرتب العالية التي هي نتيجة ما كان مترجى لهم أول السورة , وذلك كله ببركته صلى الله عليه وسلم في سياق ظاهره التهديد وباطنه - بالنسبة إلى علمه - البشارة بالتشديد فقال : {فاصفح عنهم} أي اعف عمن أعرض منهم صفحاً فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ {وقل} أي لهم : {سلام} أي شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم {فسوف يعلمون} بوعد لا خلف فيه , فهذا ظاهره تهديد كبير , وقراءة المدنيين وابن عامر بالخطاب أشد تهديداً , وباطنه من التعبير بالصفح عنهم والسلام بشارة لأنهم يصيرون علماء فيفوقون الأمم في العلم بعد أن يفوقهم في العقل - بما أفهمه أول السورة - فيعلون الأمم في المشي على مناهيج العقل , فللّه دره من آخر عانق الأول , ومقطع رد إلى المطلع تنزل , يا ناظم اللآلئ! أين تذهب عن هذا البناء العالي , وتغفل عن هذا الجوهر الرخص الغالي , وتضل عن هذا الضياء اللامع الملألىء , ثم أعلاه فأنزله , وأغلاه بدر المعاني وفضله.

61
جزء : 7 رقم الصفحة : 57

(7/93)


سورة الدخان
جزء : 7 رقم الصفحة : 61
مقصودها الإنذار من الهلكة لمن لم يقبل ما في الذكر الكريم الحكيم من الخير والبركة رحمة جعلها بين عامة مشتركة , وعلى ذلك دل اسمها الدخان إذا تؤملت آياته وإفصاح ما فيها وإشاراته {بسم الله} الملك الجبار الواحد القهار {الرحمن} الذي عم بنعمة النذارة {الرحيم} الذي خص أهل وداده برحمة البشارة.

تقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها.

ولما ختمت الزخرف ببشارة باطنة ونذارة ظاهرة , وكان ما بشر به سبحانه من علم العرب وسلامتهم من غوائل ما كانوافيه مستبعداً , افتتح هذا بمثل ذلك مقسماً عليه.

فقال : {والكتاب} أي الجامع لكل خير {المبين} أي البين في نفسه , الموضح لما تقدم من دقيق البشارة لأهل الصفاء والبصارة , واضح النذارة بصريح العبارة , وغير ذلك من كل ما يراد منه , ولأجل ما ذكر من الاستبعاد أكد جواب القسم وأتى به في مظهر العظمة فقال : {إنا} أي بما لنا من العظمة {أنزلناه} أي الكتاب إما جميعاً إلى بيت العزة في سماء الدنيا أو ابتدأنا إنزاله إلى الأرض {في ليلة مباركة} أي ليلة القدر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما أو النصف من شعبان , فلذلك يتأثر عنه من التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين والدنيا , قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان جبريل عليه السلام ينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك السنة وسماها {مباركة} لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة يكون العبد فيها
62
حاضراً بقلبه مشاهداً لربه , يتنعم فيها بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم القربة , وقال الرازي في اللوامع : وأعظم الليالي بركة ما كوشف فيها بحقائق الأشياء.

(7/94)


ولما كان هذا موضحاً لما لوح به آخر تلك من البشارة في ظاهر النذارة , علل الإنزال أو استأنف ما فيه من واضح النذارة الموصل إلى المعاني المقتضية للبشارة , فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم : {إنا} أي على ما نحن عليه من الجلال {كنا} بما لنا من العظمة دائماً لعبادنا {منذرين} لا نؤاخذهم من غير إنذار , فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم وهم أرق الناس طبعاً وأصفاهم قلوباً وأوعاهم سمعاً نوصلهم بما هيأناهم به من ذلك إلى ما لم يصل غيرهم إليه ولم قاربه من المالي في الأخلاق والشمائل والاكتساب لجميع الفضائل.

جزء : 7 رقم الصفحة : 62

(7/95)


وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء منه , وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وكونه قرآناً عربياً إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} [الزخرف : 44] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة , افتتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض , وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا فقال تعالى : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم ذكر من فضلها فقال {فيها يفرق كل أمر حكيم} فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل , وتأخر التعريف بوقت إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم , ثم وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} وما تقدمه من قوله {أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون} وقوله سبحانه {أم يحسبون أنا نسمع سرهم ونجواهم} وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم الشريك والولد - إلى آخر السورة , ففصل بعض ما أجملته هذا الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} وقوله تعالى {يوم نبطش البطشة الكبرى} , والإشارة إلى يوم بدر , ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلا واعتبروا , ثم عرض بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم , ثم ذكر تعالى : {شجرة الزقوم} إلى قوله : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} والتحم هذا كله التحاماً يبهر العقول , ثم اتبع بذكر حال المتقين جرياً على المطرد من شفع الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين وينتج علم الواضح من الطريقين , ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وقد
63

(7/96)


أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه {إنما يتذكر من يخشى} ثم قال {فارتقب} وعدك ووعيدهم {إنهم مرتقبون}.

ولما وصف ليلة إنزال هذا القرآن بالبركة , وأعلم أن من أعظم بركتها النذارة , وكانت النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمراً عظيماً موجباً لفرقان ما بين المحاسن والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن أتباع ذوي البركة من العماء , وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم , قدموا أمر الظالم لما يخافون من نذارته , وأهملوا أمر العالم وإن عظم الرجاء لبشارته , قال معللاً لبركتها بعد تعليل الإنزال فيها , ومعمماً لها يحصل فيها من بركات التفضيل : {فيها} أي الليلة المباركة سواء قلنا : إنها ليلة القدر أو ليلة النصف أصالة أو مآلاً {يفرق} أي ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر حكيم} أي محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من الكتب وغيرها والرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئياً في أوقاتها وأماكنها , ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيماناً , قال البغوي رحمه الله : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر , والأرزاق والآجال , قال : وروى أبو الضحى عنه أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان فيسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 62
وقال الكرماني : فيسلمها إلى إلى أربابها وعملها من الملائكة ليلة السابع والشعرين من شهر رمضان.

(7/97)


ولما كان هذا مفهماً لأمور لا حصر لها , بين أنه لا كلفة عليه سبحانه فيه , ولا تجدد عنده في وقت من الأوقات لشيء لم يكن قبل إلا تعليق القدرة على وفق الإرادة , فقال مؤكداً لفخامة ما تضمنه وصفه بأنه حكيم : {أمراً} أي حال كون هذا كله مع انتشاره وعدم انحصاره أمراً عظيماً جداً واحداً لا تعدد فيه دبرناه في الأزل وقررناه وأتناه واخترناه ليوجد في أوقاته بتقدير , ويبرز على ما له من الإحكام في أحيانه في في أقل من لمح البصر , ودل على أنه ليس مستغرقاً لما تحت قدرته سبحانه بإثبات الجار فقال : {من عندنا} أي من العاديات والخوارق وما وراءها.

ولما بين حال الفرقان الذي من جملته الإنذار , علله بقوله مؤكداً ملا هلم من الإنكار : {إنا} أي بما لنا من أوصاف الكمال وكمال العظمة {كنا} أي أزلاً وأبداً {مرسلين} أي لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح العباد , لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس , فلا يكون لأحد على الله حجة بعد الرسل , وهذا الكلام المنتظم والقول الملتحم بعضه ببعض , المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال
64

(7/98)


دال على أنه لم تنزل صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة , فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها كما بينته في كتابي " مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور " وكذا قوله في سورة القدر {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمور الحكيمة , وبين سبحانه حال الرسالات بقوله : {رحمة} وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله " منا " إلى قوله : {من ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك , فإن رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد , وتمهيد الشرائع في العباد , حتى استنارت القلوب , واطمأنت النفوس , بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان , فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق , فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق.

ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع والعلم , قال : {إنه هو} أي وحده {السميع} أي فهو الحي المريد {العليم} فهو القدير البصير المتكلم , يسمع ما يقوله رسله وما يقال لهم , وكل ما يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا يسمعه غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما تسمعه من الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس كأسماعنا , بل هو متعلق بالمسموعات على ما هي عليه قبل وجودها كما أن علمه متعلق بالمعلومات كما هي قبل كونها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 62

(7/99)


ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال , وبين أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار لما للمرسل إليهم من أنفسهم من التوراة , دل على ذلك من التدبير المحكم الذي اقتضته حكمة التربية فقال : {رب} أي مالك ومنشئ ومدبر {السماوات} أي جميع الأجرام العلوية {والأرض} وما فيها {وما بينهما} مما تشاهدون من هذا الفضاء , وما فيه من الهواء وغيره , مما تعلمون من اكتساب العباد , وغيرهما مما لا تعلمون , ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله.

ولما كانوا مقرين بهذا الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم غير محققين لشيء يعترفون به , أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا كما يزعمون من التحقيق فقال : {إن كنتم موقنين} أي إن كان لكم إيقان بأنه الخالق لما ركز في غرائزكم وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب الأكدار من حظوظ النفوس وعوائق العلائق ,
65
فأنتم تعلمون أنه لا بد لهذه الأجرام الكثيفة جداً المتعالي بعضها عن بعض بلا ممسك تشاهودنه مع تغير كل منها بأنواع الغير من رب , وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا وهو كامل العلم شامل القدرة , مختار في تدبيره , حكيم في شأنه كله وجيمع تقديره , وأنه لا يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين هم خلاصة ما فيهما هملاً يبغي بعضهم على بعض منغير رسول معلم بأوامره , وأحكامه وزواجره , منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم , ليحذروا سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته.

ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته , وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان وحدانيته , وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار وقدرته , صرح أي وإلا منبهاً لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلم ولا بد فقال تعالى : {لا إله إلا هو} أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع , أو أمكن أن ينازع فيكون محتاجاً لا محالة.

(7/100)


وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له وخلافه إياه , فلا يكون صالحاً للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء لكل من يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر , وحال ثابت مستقر.

ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره , ثبت قوله تعالى : {يحيى ويميت} لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير , وهو تنبيه على تمام دليل الوحدانية لأنه لا شيء مما فيهما يبقى ليسند التدبير إليه , ويحال شيء من الأمور عليه , فهما جملتان : الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة , والثانية مثبتة لما نفوه من البعث.

جزء : 7 رقم الصفحة : 62
ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب , وكان السلب إدل على القهر , ذكرهم ما لهم من ذلك ي أنفسهم فقال سبحانه : {ربكم} أي الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها {ورب آبائكم} ولما كانوا يشاهدون من ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون لأنفسهم , رقي نظرهم إلى النهاية فقال : {الأولين} أي الذين أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون , فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 62
66

(7/101)


ولما كان أكثرهم منكراً لما لزمه القطع به بهذا البرهان الزاهر والسلطان الظاهر القاهر عناداً ولدداً وإن كان باطنه على غير ذلك , فكان فعله فعل الشاك اللاعب , كان التقدير لأجل ما يظهر من حالهم : لكنكم غير موقنين لعلم من العلوم , بنى عليه قوله مع الصرف إلى الغيبة إعراضاً عنهم أيذاناً بالغضب , وأنهم أهل للمعاجلة بالعطب : {بل هم} أي بضمائرهم {في شك} لأنهم لا يجردون أنفسهم من شوائب المكدرات لصفاء العلم , ثم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن الشاغل لهم عن هذا المهم حال الصبيان مع ادعائهم الكمال بأخلاق الأجلاء من الرجال فقال : {يلعبون} أي فعلون دائماً فعل التارك لما هو فيه من أجد الجد الذي لا مرية فيه اللعب الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه بعد فعل الشاك بالإعراض وعدم الإسراع إلى التصديق والإيقاظ.

(7/102)


ولما كان هذا موضع أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من السياق : فماذا صنع فيهم بعد هذا البيان , الذي لم يدع لبساً لإنسان ؟ سبب عن ذلك قوله تسلية له وتهديداً لهم : {فارتقب} أي انتظر بكل جهد عالياً عليم نظاراً لأحوالهم نظر من هو حارس لها , متحفظاً من مثلها بهمة كهمة الأسد الأرقب , والفعل متعد ولكنه قصر تهويلاً لذهاب الوهم في مفعوله كل مذهب , ولعل المراد في الأصل ما يحصل من أسباب نصرك وموجبات خذلانهم {يوم تأتي السماء} أي فيما يخيل للعين لما يغشي البصر من شدة الجهد بالجوع إن كان المراد ما حصل لهم من المجاعة الناشئة عن القحط الذي سببه قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" وروي في الصحيح أن الرجل منهم كان يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان , وفي الواقع أن المراد عند قرب الساعة وعقب قيامها , فإنه ورد أنه يأتي إذ ذاك فيغشي الناس ويحصل للمؤمن منه كهيئة الزكان , ويجوز أن يكون المراد أعم من ذلك كله وأوله وقت القحط وكان آية على ما بعده , أو منه ما يأتي عند خروج الدخان من القحط الذي يحصل قبله أو غيره كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني قد خبأت لك خبأ فما هو ؟" قال : الدخ , ففسر بالدخان , فلذلك قال تعالى : {بدخان مبين} أي واضح لا لبس فيه عند رائية ومبين لما سواه من الآيات للفطن {يغشى الناس} أي المهددين بهذا , وهم الذين رضوا بحضيض النوس والاضطراب عن أوج الثبات في رتبة الصواب , روى مسلم في صحيحه عن أبي
67
هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بادروا بالأعمال ستاً : الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 66

(7/103)


ولما كان من المعلوم أنهم يقولون عند إتيانه جرياً على عادة جهلهم : ما هذا ؟ أجيبوا بقوله تعالى حكاية عن لسان الحال , أو قول بعضهم أو بعض أولياء الله : {هذا عذاب أليم} يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه بما كنتم تؤلمون دعائكم إلى الله برد مقولهم والاستخفاف باغتراركم بكثرة العدد والقوة والمدد.

ولما كان كأنه قيل : فما قالوا حين تحققوا ذلك ؟ قيل : قالوا وقد انحلت عرى تلك الغزائم , ووهت تلك القوى من كل عازم , وسفلت بعد العو تلك الشوامخ من الهمم مدعين أنهم لغاية الإذعان من أهل القرب والرضوان : {ربنا} أي أيها المبدع لنا والمحسن إلينا {اكشف عنا العذاب} ثم عللوا ذلك بما علموا أنه الموجب كشفه , فقالوا مؤكدين لما لحالهم من المنافاة لخبرهم : {إنا مؤمنون} أي عريقون في وصف الإيمان واصلون إلى رتبة الإيقان , وهذا يصح أن يراد به بعد طلوع الشمس من مغربها , روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تقوم الساعة حتى تطلع اشمس من مغربها , فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون , وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها" ثم قرأ الآية , وإن كان المراد بالعذاب ما حصل من القحط كان هذا الإيمان على سبيل الوعد.

ولما كان كشف الآيات وإظهار العذاب لا يفيد في الدلالة على الحق أكثر مما أفاده الرسول صلى الله عليه وسلم بما أقامه من المعجزات بل إفادة الرسول أعظم , أجيب من كأنه سأل عن حالهم عند ذلك بقوله معرضاً عن خطابهم , إيذاناً بدوام مصابهم , لئلا يظن أنه ما كشف عنهم العذاب إلا لظن أنهم صادقون : {أنى} أي كيف ومن أين {لهم الذكرى} أي هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به أنفسهم {وقد} أي والحال أنه قد {جاءهم} ما هو أعظم من ذلك بما لا يقاس {رسول مبين} أي ظاهر غاية الظهور أنه رسولنا , وموضح غاية الإيضاح لما جاء به عنا بما أظهر من الآيات , وغير ذلك من الدلالات.

(7/104)


ولما كان الإعراض عنه مع ماله من العظمة بالبيان استخفافاً به وبمن جاء من
68
بعده , أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : {ثم} أي بعد ما له من عليّ الرتبة في نفسه وبالإضافة إلى من أرسله.

ولما كانت الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الحق , نازعة إلى الانقطاع إلى الله والعكوف ببابه , واللجاء إلى جنابه , إلا بجهد من النفس في النفور وعلاج دواعي الثبور , أشار إلى ذلك بالتعبير بصيغة التفعل فقال : {تولوا عنه} أي أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ {وقالوا} أي زيادة على إساءتهم بالتولي : {معلم} أي علمه غيره من البشر {منون} فلم يبالوا باتناقض البين الأمر , وهذا يدل على أن من لا يبالي بعرضه ولا حياء له لا طيب لدائه لأنه لا وجود لدوائه , وأنه إذا مس بما يلينه ويرده ويهينه لا يؤمن من رجوعه إلى الحال السيىء عند كشف ذلك الضر عنه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 66
ولما لفت سبحانه الخطاب عنهم إهانة لهم , بين أن سببه أن داءهم عضال , فليس به أبداً زوال , فقال مؤكداً لاستبعادهم زوال ما هم فيه : {إنا} أي على ما لنا من العظمة بالعلم المحيط وغيره {كاشفوا العذاب} أي عنكم بدعاء رسولكم صل الله عليه وسلم في القول بأن الدخان ما كانوا يرونه بسبب الجوع من القحط {قليلاً} إقامة للحجة عليكم لا لخفاء ما في ضمائركم علينا.

(7/105)


ولما كانوا قد أكدوا الإخبار بإيمانهم , وهو باطل , أكد سبحانه الإخبار بكذبهم , ومن أصدق منه سبحانه قيلاً , فقال تحقيقاً لقوله تعالى {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}{وإنهم لكاذبون} [الأنعام : 28] : {إنكم عائدون} أي ثابت عودكم بعد كشفنا عنكم في ذلك الزمن القصير إلى الكفران وإن أكدتم حصول الإيمان بأكيد الإيمان لما في جبلاتكم من العوج ولطباعكم من المبادرة إلى الزلل , فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل , وإن كان هذا في آخر الزمان فلا يدع أن يكون الخطاب لهم على حقيقته بملك أو غيره ممن يرده الله تعالى لأن ذلك زمان خرق العادات ونقض المطردات إقامة للحجة عليهم وله الحجة البالغة , وتأديباً لنا وتعليماً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 66
ولما كان اليوم قد يراد به المن المجتمع في حكم من الأحكام , وكان زمان الدخان إن كان المراد به القحط الذي كان قبل يوم بدر أو ما يقرب من الساعة يسمى يوماً واحداً لاتحاد ذلك الحكم , أبدل من {يوم الدخان} قوله تهديداً بشق الأكباد : {يوم نبطش} أي بما لنا من العظمة , والبطش : الأخذ بقوة {ابطشة الكبرى} أي التي تنحل لها عراهم وتنخل بها عزائمهم وقواهم ولا يحتملها حقائقهم ولا مناهم , سواء
69
كانت البطشة يوم بدر أو غيره فيخسر هنالك من كشف حال الابتلاء عن طغيانه , وتمرده على ربه وعصيانهن ويجوز أن يكون هذا ظرفاً لعائدون.

ولما كان ما له سبحانه من الحلم وطول الإمهال موجباً لأهل البلادة والغلظة الشك في وعيده , قال مؤكداً {إنا منتقمون} أي ذلك سفة ثابتة لم نزل نفعلها بأعدائنا لنسر أضدادهم في أوليائنا.

(7/106)


ولما كان التقدير : لفقد فتناهم بإرسالك إليهم ليكشف ذلك لمن لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه عما نعلمه في الأزل , وفيما لا يزال ولم يزل , من بواطن أمورهم , فتقوم الحجة على من خالفنا على مقتضى عاداتكم , عطف عليه محذراً لقريش ومسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم قوله : {ولقد فتنا} أي فعلنا على ما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الشيء بالإملاء والتمكين ثم الإرسال.

ولما كان من المعلوم أن قوم فرعون لم يستغرقوا الزمان ولا كانوا أقرب الناس زماناً إلى قريش , نزع الجار قبل الظرف لعدم الإلباس أو أنه عظم فتنتهم لما كان لهم من العظمة والمكمنة , فجعلها لذلك كأنها مستغرقة لجميع الزمان فقال : {قبلهم} أي قبل هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم وعظة.

ولما كان فرعون من أقوى من جاءه رسول قبلهم بما كان له من الجنود والأموال والمكنة , وكان الرسول الذي أتاه قد جمع له - صلى الله عليه وسلم - الآيات التي اشتملت على التصرف في العناصر الأربعة.

فكان فيها الماء والتراب والنار والهواء , وكانوا إذا أتتهم الآية قالوا : يا أيها الساحر! ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون , فإذا كشف عنهم ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه كما أخبر تعالى عن هؤلاء عند مجيء الدخان - إلى غير ذلك أجمعين , فكانوا أجلى مثل لقوله تعالى في التي قبلها {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} [الزخرف : 8] خصهم بالذكر من بين المفتونين قبل فقال : {قوم فرعون} أي مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا , وسيأتي التصريح به في آخر القصة {وجاءهم} أي المضافين والمضاف إليه في زيادة فتنتهم {رسول كريم} أي يعلمون شرفه نسباً وأخلاقًا وأفعالاً , ثم زاد بيان كرمه بما ظهر لله به من العناية بما أيده به من المعجزات.

جزء : 7 رقم الصفحة : 69

(7/107)


ولما أخبر بمجيئه إليهم بالرسالة التي لا تكون إلا بالقول , فسر ما بلغهم منها بقوله : {أن أدوا} أي أوصلوا مع البشر وطيب النفس , وأبرز ذلك في صيغة الأمر الذي لا يسوغ مخالفته ولما كان بين موسى عليه الصلاة والسلام وبين تصرفه في قومه حائل كثيف منظلم فرعون وقومه , أشار إليه بحرف الغاية فقال : {إليّ} ونبهه على أنه
70
لا حكم له عليهم بقوله {عباد الله} أي بني إسرائيل الذين استعبدتموهم ظلماً وليست عليهم عبودية إلا للذي أظهر في أمورهم صفات جلاله وجماله بما صنع مع آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده وما سيظهر مما ترونه وما يكون بعدكم.

ولما كان لهم به من النفع إن تبعوا ما جاءهم به والضر إن ردوه ما ليس لغيرهم , وكان لا يقدر على تأدية بني إسرائيل إليه من أهل الأرض غيرهم لاحتوائهم عليهم كان تقديم الجار في أحكم مواضعه فلذلك قال مؤكداً فإنكارهم لرسالته عليه الصلاة والسلام : {إني لكم} أي خاصة بسبب ذلك {رسول} أي من عند من لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه , ولما كان الإنسان لا يأتمن على السياسة إلا ثقة كافياً , قال واصفاً لنفسه بما يزيل عذهرم ويقيم الحجة عليهم : {أمين} أي بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 69
ولما كان استبعاد عبد الغير بغير حق في صورة العلو على مالك العبد قال : {وأن لا تلعوا} أي تفعلوا باستعبادكم لبني إسرائيل نبي الله ابن خليل الله فعل العالي {على الله} الذي له مجامع العظمة ومعاقد العزة بنفوذ الكلمة وجميع أصاف الكمال فإنكم إن فعلتم ذلك أخذكم بعزته ودمركم بعظمته.

(7/108)


ولما كان علو من يتصرف في العبد على مالك العبد لا يثبت إلا بعد ثبوت أنه ملكه وأنه لا يحب التصرف فيه , علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل أن ما أتى به بصدد أن ينكروه لأن النزوع عما استقر في النفس ومضى عليه الإلف بعيد : {إني آيتكم} وهو يصح أن يكون سام فاعل وأن يكون فعلاً مضارعاً.

ولما كان فعلهم فعل العالي على السلطان , قال : {بسلطان} أي أمر باهر قاهر من عند مالكهم , لا يسوغ لأحد الاستعلاء عليه فكيف بالاستعلاء على من هو بأمره {مبين} أي وضاح في نفسه سلطنته ومظهر لغيره ذلك.

ولما كان من العجائب أن يقتل منهم نفساً ثم يخرج فاراً منهم ثميأتي إليهم لا سيما إتيناً يقاهرهم فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم وبينه ما يمحو ما تقدم منه , نبههم على إتيانه هذا على هذا الحال آية أخرى دالة على السلطان , فقال مؤكداً تكذيباً لظنهم أنه في قبضتهم : {وإني عذت} أي اعتصمت وامتنعت {بربي} الذي رباني على
71
ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إليّ {وربكم} الذي أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إيه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم {أن ترجمون} أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي , ما أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك , فإني قلت {إني اخاف أن يقتلون} فقال {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا} [القصص : 38] فهو من أعظم ياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني.

ولما كان التقديرك فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم , عطف عليه قوله : {وإن لم تؤمنوا لي} أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به {فاعتزلون} أي وإن لم تعتزلوني هلكتم , ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء العذاب , وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي , فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض بسببي وسفك الدماء في شأني , ومنعه الله من أن يصل إليّ منه سوء قبل أن أعوذ به , فكيف به بعد أن أرسلني وعذب به فأعاذني , واستجرت به فأجارني.

(7/109)


جزء : 7 رقم الصفحة : 71
ولما كان التقدير : لم يؤمنوا به ولا لأجله ولم يتعزلوه , بل بغوا له الغوائل وراموا أن يواقعوا به الدواهي والقواصم , فلم يقدروا على ذلك وآذوا قومه وطال البلاء , سبب عنه قوله : {فدعا ربه} الذي أحسن إليه وضمن له سياسته وسياسة قومه , ثم فسر ما دعا به قوله : {أن هؤلاء} أي الحقيرون الأراذل الذليلون {قوم} أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه {مجرمون} أي عريقون في قطع ما أمرت به أن يوصل , وذلك متضمن وصل ما أمرت به أن يقطع , فكان المعنى : فدعا بهذا المعنى , ولذلك أتى " بأن " الدالة على المصدرية.

ولما كان ممن يستجيب دعاءه ويكرم نداءه , سبب عن ذلك قوله : {فأسر} أي فقلنا له : سر عامة الليل - هذا على قراءة المدنيين وابن كثير بوصل الهمزة وعلى قراءة غيرهم بالقطع المعنى : أوقع السرى وهو السير عامة الليل {بعبادي} الذين هم أهل لإضافتهم إلى جنابي , قومك الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي لا لعبادة غيري.

ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في الليلة التي أمر بالسرى فيها بحيث لا يكون لأحد منهم عاقة أصلاً كما تقدم بيانه في الأعراف عن التوراة , بين تأكيده لذلك بقوله : {ليلاً} فصار تأكيداً بغير اللفظ , وإنما أمره بالسير في الليل لأنه أوقع بالقبط موت الأبكار ليلاً , فأمر فرعون موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج بقومه في ذلك خوفاً من أن يموت القبط.

72

(7/110)


ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت , منعوهم الخروج , وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر فيقتلوهم , علل هذا الأمر بقوله مؤكداً له لأن حال القبط عندما أمروهم بالخروج كان حال من لا يصدق له ترجع في قوله : {إنكم متبعون} أي مطلوبون بغاية الشهوة والجهد من عدوكم , فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسب وقوع الموت الفاشي فيهم , فإن القلوب بيد الله , فهو يقسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بهم , فلم أكلفكم لمباشرة شيء من أمرهم.

ولما أمره بالإسراء وعلله , أمره بما يفعل فيه وعلله فقال : {واترك البحر} أي إذا أسريت بهم وتبعك العدو ووصلت إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجوتم {رهواً} بعد خروجكم منه بأجمعكم أي منفرجاً واسعاً ساكناً بحيث يكون المرتفع من مائه مرتفعاً والمنخفض منخفضاً كالجدار , وطريقه الذي سرتم به يابساً ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها ليدخل فيه عدوكم فنمجد بإغراقهم كما وعدناكم , وقال البغوي : راهياً أي ذي رهو فسمي بالمصدر - وعزاه إلى مقاتل - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 71
ولما كانت هذه أسباباً لدخول آل فرعون فيه , علل لما يكون عنها تسكيناً لقلوبهم في ترك البحر طريقاً مفتوحاً يدخله العدو , فقال مؤكداً لأجل استبعاد بني إسرائيل مضمون الخبر لأنه من خوارق العادات مع ما لفرعون وآله في قلوبهم من الهيبة الموجبة لأن يستبعدوا معها عمومهم بالإهلاك {إنهم جند مغرقون} أي متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو في الأمور.

(7/111)


جزء : 7 رقم الصفحة : 71
ولما أرشد السياق ولا بد إلى تقدير : فأسرى موسى بعباد الله كما أمره الله فتعبهم آل فرعون كما أخبر سبحانه , ففتح الله البحر بباهر قدرته وأمسك ماءه كالجدران بقاهر عظمته وتركه بعد طلوعهم منه على حالته فتبعهم عباد الشيطان بما فاض عليهم من
73
شقاوته فأغرقهم الله بعزته لم يفلت منهم أحد , عبر سبحانه عن هذا كله بقوله على طريق الاستئناف : {كم تركوا} أي الذي سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا {من جنات} أي بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يسر المهموم ويستر الهموم , ودل على كرم الأرض بقوله : {وعيون وزروع} أي مما هو دون الأشجار.

ولما كان ذلك لا يكمل إلا بمنازل ومناظر في الجنان غيرها فقال : {ومقام كريم} أي مجلس شريق هو أهل لأن يقيم الإنسان فيه , لأن النهاية فيما يرضيه.

ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه , دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في غاية الترف , وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم إلى الغرق قال : {ومقام كريم} أي مجلس شريف هو أهل لأن يقيم الإنسان فيه , لأن النهاية فيما يرضيه.

ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه , دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في غاية الترف , وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم إلى الغرق قال : {ونعمة} هي بفتح النون اسم للتنعم بمعنى الترفه والعيش اللين الرغد , وأما التي بالكسر فهي الإنعام {كانوا فيها} أي دائماً {فاكهين} أي فعلهم في عيشهم فعل المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة نفسه.

ولما كان هذا أمراً عظيماً لا يكاد يصدق أن يكون لأحد , دل على عظمه وحصوله لهم بقوله : {كذلك} أي الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه , فلا يغترن أحد بما ابتليناه به من النعم لئلا يصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم.

(7/112)


ولما أفهم سوق الكلام هكذا إغراقهم كلهم , زاده إيضاحاً بالتعبير بالإرث الذي حقيقته الأخذ عن الميت أخذاً لا منازع فيه فقال عاطفاً على ما تقدم تقديره بعد اسم الإشارة : {وأورثناهم} أي تلك الأمور العظيمة {قوماً} أي ناساً ذوي قوة في في القيام على ما يحاولونه , وحقق أنهم غيرهم تحقيقاً لإغراقه بقوله : {آخرين} قال ابن برجان , وقال في سورة الظلمة : " وعيون وكنوز " مكان " وزروع " لما كان المعهود من الزرع الحصد في أقرب المدة أورث زروعها وجناعها وما فيها من مقام كريم قوماً بآل فرعون فإنهم أهلكوا ولا نبي إسرائيل فإنهم قد عبروا البحر , ولما توطد ملكهم في الأرض المقدسة اتصل بمصرن فورثوا الأرض بكنوزها وأموالها ونعمتها ومقامها الكريم - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 73
ولما كان الإهلاك يوجب أسفاً على المهلكين ولو من بعض الناس ولا سيما إذا كانوا جمعاً فكيف إذا كانوا أهل مملكة ولا سيمنا إذا كانوا في نهاية الرئاسة , أخبر بأنهم كانوا لهوانهم عنده سبحانه وتعالىعلى خلاف ذلك , فسبب عما مضى قوله : {فما بكت عليهم} استعارة لعدم الاكتراث لهم لهوانهم {السماء والأرض} وإذا لم يبك السكن فما ظنك بالساكن الذي هو بعضه , روى أبو يعلى في مسنده والترمذي في
74
جامعه - وقال : غريب والربذي والرقاشي يضعفان في الحديث - عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من مسلم إلا وله في السماء بابان , باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه" وتلا هذه الآية , وقال علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء.

(7/113)


ولما جرت العادة بأن العدو قد يستمهله عدوه في بعض الأوقات لمثل وصية وقضاء حاجة فيمهله , أخبر تتميماً لعدم الاكتراث بهم أنهم كانوا دون ذلك فقال : {وما كانوا} ولما كان هذا لكونه خيراً عنهم بعد مضيهم المقصود منه تحذير من بعدهم فقط , لم يذكر التقييد بذلك الوقت بإذن ونحوها دلالة على أن ما كانوا فيه من طويل الإمهال كان كأنه لم يكن لعظم هذا الأخذ بخلاف ما مر في في الحجر من التخويف من إنزال الملائكة عليهم , فإن تقييد عدم الإنظار بذلك الوقت لرد السامعين عن طلب إنزالهم فقال تعالى : {منظرين} أي ممهلين عما أنزلنا بهم من المصيبة من ممهل ما لحظه فما فوقها يتداركوا بعض ما فرطوا فيه وينظروا في شيء مما يهمهم بل كان أخذهم لسهولته علينا في أسرع من اللمح , لم يقدرا على دفاع , فنالهم عذاب الدنيا وصاروا إلى عذاب الآخرة فخسروا الدارين وما ضروا غير أنفسهم.

ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمراً باهراً لا يكاد يصدق فضلاً عن أن يكون بإهلاك أعدائهم , أكد سبحانه الإخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيهاً على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالاً وأنهم في قبضتهم فقال : {ولقد نجينا} أي بما لنا من العظمة " تنجية عظيمة " مع كونها بسبب الآيات المتفرقات كانت على التدريج {بني إسرائيل} عبدنا المخلص لنا {من العذاب المهين} بسبب أنهم كانوا عندهم في عداد العبيد يتسخدمون الرجال والنساء بل أذل للزيادة على التصرف العبيد بالتذبيح للأبناء ولما تشوف السامع إلى صاحب ذلك العذاب قال مبدلاً مما قبله إفهاماً لأن فرعون نفسه كان عذاباً لإفراطه في أذاهم : {من فرعون} ثم علل ذلك بما يعرف منه صحة الوصف للعذاب فقال مؤكداً لأن حال قريش في استذلال المؤمنين حل من يكذب بأن
75

(7/114)


الله أنجى بني إسرائيل على ضعفهم فهو ينجي غيرهم من الضعفاء أو يكذب أن فرعون كان قوياً {إنه كان عالياً} في جبلته العراقة في العلو {من المسرفين} أي العريقين في مجاوزة الحدود.

جزء : 7 رقم الصفحة : 73
ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور من الزينة والغرور ويعدونه تعظيماً من الله ويعدونضعف الحال في الدنيا شقاء وبعداً من الله , رد عليهم قولهم بما أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل فرعون بعذاب الاستئصال , فقال مؤكداً لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من الدنيا : {ولقد} اخترناهم أي فعلنا بما لنا من العظمة في جعلنا لهم خياراً فعل من اجتهد في ذلك , وعظم أمرهم بقوله بانياً على ما تقديره : اختياراً مستعلياً {على علم} أي منا بما يكون منهم من خير وشر , وقد ظهر من آثاره أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام عمنا ينوبكم وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم وتضربون إليه أكباد الإبل , وهكذا المفضل عليه فقال : {على العالمين} أي الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل.

ولما أعلم باختيارهم , بين آثار الاختيار فقال : {وآتيناهم} أي على ما لنا من العظمة {من الآيات} أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين يحيله إلى غير ما كان عليه , وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات الستع , وفي هذا ما هو رادع للعرب عن بعض أقوالهم من خوف التخطف من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك {مبين} أي بين لنفسه موضح التخطف من العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك {مبين} أي بين لنفسه موضح لغيره , وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم " ولد فتنا قبلهم قوم فرعون ".

(7/115)


ولما ثبت بما مضى أنه سبحانه متصف بالإحياء والإماتة , وكان إنكار ذلك عناداً لا يستطيع أحد يثبت الإله أن ينكره , وكان الإقرار بذلك في بعض وإنكاره في بعض تحكماً ومخالفاً لحاكم العقل وصارم النقل , وكان من الآيات التي أوتوها إحياؤهم بعد إماتتهم حين طلبوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة , وحين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر
76
الموت , وكان ذلك هو البعث بعينه , وكان العرب ينكرونه ويبالغون في إنكارهم له ولا يسألونهم عنه , قال موبخاً لهم شيراً بالتأكيد إلى أنه لا يكاد يصدق أن أحداً ينكر ذلك لما له من الأدلة : {إن} وحقرهم بقوله : {هؤلاء} أي الأدنياء الأقلاء الأذلاء {ليقولون} أي بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار في نظير تأكيد الإثبات : {إن} أي ما.

جزء : 7 رقم الصفحة : 76

(7/116)


ولما كان قد تقدم قوله تعالى {يحيي ويميت} وهم يعلمون أن المراد به أن يتكرر منه ألحياء للشخص الواحدن وكان تعالى قد قال ولا يخاطبهم إلا بما يعرفونه {وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة : 28] أي بالانتشار بعد الحياة وقال {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر : 11] قالوا : ما {هي إلا موتتنا} على حذف مضاف أي ما الحياة إلا حياة موتتنا {الأولى} أي التي كانت قبل نفخ الروح - كما سيأتي في الجاثية {إن هي إلا حياتنا الدنيا} وعبروا عنها بالموتة إشارة إلى أن الحياة في جنب الموت المؤبد على زعمهم أمر متلاش لا نسبة لها منه , وساق سبحانه كلامهم على هذا الوجه إشارة إلى أن الأمور إذا قيس غائبها على شاهدها , كان الإحياء بعد الموتة الثانية أولى لكونه بعد حياة من الإحياء بعد الموتة الأولى , فحط الأمر على أن الأبتداء كان من موت لم يتقدمه حياة , أكدوه بما يفهمه تصريحاً فقالوا برد ما أثبته الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : {وما نحن} وأكدوا النفي فقالوا : {بمنشرين} أي من منشر ما بالبعث بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت , يقال : نشره وأنشره - إذا أحياه.

ولما كانوا يزعموه أن دعوى الإحياء لا يصح إلا إذا شاهدوا أحداً من الأموات الذين يعرفونه حياً بعد أن تمزق جلده وعظامه , سببوا عن إنكارهم مخاطبين للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه : {فأتوا} أي أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت إيذاناً بأنهم لا يصدقون بذلك وغن كثر معتقدوه من جنس بشرهم وتبعهم {بآبائنا} أي لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم فلا نشك في أن ذلك إحياء لمن مات ليكون ذلك آية لنا على البعث , وأكدوا تكذيبهم بقوله : {إن كنتم صادقين} أي ثابتاً صدقكم.

(7/117)


ولما أخبروا على هذه العظمة تنطعاً لأنها لو وقعت لم يكن بأدل على ثبوت النبوة المستلزمة لتصديق كل ما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتيهم به من الآيات , غير خائفين من الله وهم يعلمون قدرته وإهلاكه للماضين لأجل تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام , وكأنهم يدعون خصوصيته في مكنة من عين أو معنى ينجون بها من مساواة من قبلهم في ذلك فقال تعالى منكراً عليهم : {أهم خير} أي في الدين والدنيا {أم قوم تبع}
77
أي الذين ملك بهم تبع الأرض بطولها والعرض وحيرة الحيرة وبنى قصر سمرقند وكان مؤمناً , وقومه حمير ومن تبعهم أقرب المهلكين إلى قريش زماناً ومكاناً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 76
وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار , وقال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق.

وقال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة الشريفة وما وعظته به اليهود في الكف عن إخراب المدينة لأنها مهاجر نبي من قريش : فصدقهم وتبع دينهم , وذلك قبل نسخه , وقال عن الرقاشي : آمن تبع بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام , وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً.

ولما كان ذلك في سياق التهديد بالإهلاك لأجل مخالفتهم , وكان الإهلاك لذلك إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع الخلق , أدخل الجار فقال : {والذين من قبلهم} أي من مشاهير الأمر كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد.

(7/118)


ولما كان كأنه قيل : ما لهؤلاء الأمم ؟ قيل : {أهلكناهم} أي بعظمتنا وإن كانوا عظماء لا يشعرهم هؤلاء فيما لهم من المكنة لقطعهم من أمر الله به أو يوصل من الرسل وأتباعهم , وتكذيبهم بما أتوا به , ولذلك علل الإهلاك تحذيراً للعرب بقوله مؤكداً لظنهم أن هلاكهم إنما هو على عادة الدهر : {إنهم كانوا} أي جبلة وطبعاً {مجرمين} أي عريقين في الإجرام , فليحذر هؤلاء إذا ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم وأن يحل بهم ما حل بهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 76
ولما كان التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل بجميع أنحائه يوم القيامة : فإنا ما خلقنا الناس عبثاً يبغي بعضهم على بعض ثم لا يؤاخذون , عطف عليه ما هو أكبر في الظاهر منه فقال : {وما خلقنا السماوات} أي على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها , وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة بما فيها من الكواكب , ووحد في سورة الأنبياء تخصيصاً بما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته لما ذكر هناك من اختصاص " لدن " بما بطن.

78

(7/119)


ولما كان الدليل على تطابق الأرضي دقيقاً وحدها فقال : {والأرض} أي على ما فيها من المنافع {وما بينهما} أي النوعين وبين كل واحدة منها وما يليها {لاعبين} أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص , ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعباً , بل اللعب أخف منه , ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة القدوسية , فإنه " لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع " - رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر , وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم رفعوه , وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل حكم الدنيا , فكان هذا برهاناً قاطعاً على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل بالعدل والفضل.

ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان قطعياً بديهيّاً.

{ولكن أكثرهم} أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون : {إن هي إلا موتتنا الأولى} وكذا من نحا نحوهم {لا يعلمون} أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً , ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهن لعلموا علماً ظاهراً أنه الحق الذي لا معدل عنه كما يتولى حكمها المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم , ويشرطون الحكم بالحق , ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 78
ولما كان كأنه قيل : إنا نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين , وأكثر الظالمين يذهبون ظافرين بمطالبهم مسرورين , فمتى يكون هذا الحق ؟ قال جواباً لذلك مؤكداً لأجل
79

(7/120)


تكذبيهم : {إن يوم الفصل} عند جمع الأولين والآخرين من جميع المكلفين الذين ينتظره كل أحد للفرق بين كل ملبس , فلا يدع نوعاً منه حتى أنه يميز بين المكاره المحاب ودار النعيم وغار الجحيم , وبين أهل كل منهما بتمييز المحق من المبطل بالثواب والعقاب وهو بعد البعث من الموت {ميقاتهم} أي وقت جمع الخلائق للحكم بينهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت به الكتب على ألسنة الرسل {أجمعين} لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات.

ولما ذكر هذا اليوم الذي دل على عظمته بهذه العبارة إفراداً وتركيباً , ذكر من وصفه ما يحمل على الخوف والرجاء , أو رق من أعلى أو أسفل {عن مولى} أريد أخذه بما وقع منه {شيئاً} من الإغناء.

ولما كان الإغناء تارة يكون بالرفق وأخرى بالعنف , صرح بالثاني لأنه أعظمها والسياق للإهلاك والقهر فقال : {ولا هم} أي القسمان {ينصرون} أي من ناصر ما لو أراد بعضهم نصرة بعض , أو أراد غيرهم لو فرض أن ينصرهم , وعبر بالجمع الذي أفاده الإبهام للمولى ليتناول القليل والكثير منه لأن النفي عنه نفي عن الأفراد من باب الأولى.

ولما نفى الإغناء استثنى منه فقال : {إلا من رحم الله} أي أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه بقبول شفاعته ويكرمه بقبوله الشفاعة فيه.

ولما كان ما تقدم دالاً على تمام القدرة في الإكرام والانتقام , وكان الإكرام قد يكون عن ضعف , قال نافياً لذلك ومقرراً لتمام القدرة اللازم منه الاختصاص بذلك مؤكداً له تنبيهاً على أنه ما ينبغي أن يجعل نصب العين وتعقد عليه الخناصر , ولأن إشراكهم وتكذيبهم بالبعث يتضمن التكذيب بذلك : {إنه هو} أي وحده {العزيز} أي المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب , بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد.

(7/121)


ولما كان العزيز قد لا يرحم قال : {الرحيم} أي الذي لا تمنع عزته أن يكرم من يشاء.

ولما كان السياق للانتقام , أخبر عن حال الفجار على سبيل الاستئناف , فقال مؤكداً لما يكذبون به : {إن شجرة الزقوم} التي تقدم من وصفها ما يقطع القلوب من أنها تخرج من أصل الجحيم , وأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين , وغيره مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى والذي تعرفونه من ذلك في الدنيا أنها شجرة صغيرة الورق ذفرة أي شديد النتن - مرة , من الزقم , أي اللقم الشديد والشوب والمفرط , وقال عبد الحق في كتابه الواعي : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها ذفرة لها كعابر في
80
سوقها أي عقد كالأنابيب ولها ورد تجرسه النحل , ورأس ورقها قبيح جداً , وهي مرعى , ومنابتها السهل , قال ابن برجان : وهي في النار في مقابلة شجرة طوبى في الجنة , يضطرون إلى أكلها وإلى شرب الغسلين كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب {طعام الأثيم} أي المبالغ في اكتساب الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى الكفر {كالمهل} أي القطران الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد أو دردية , روى أحمد والترمذي - وقال : لا نعرفه إلا من حديث رشدين - وابن حبان في صحيحه والحاكم من وجه آخر - وقال الحاكم : صحيح الإسناد - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {كالمهل} قال : "كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".

{
جزء : 7 رقم الصفحة : 78
تغلي} أي الشجرة - على قراءة الجماعة بالتأنيث , والطعام على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على المهل لأنه مشبه به {في البطون} أي من شدة الحر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 78

(7/122)


ولما كان للتذكير بما يعرف شأن عظيم من الإقبال أو التنفير وإن كان دون ما شبه به قال : {كغلي} أي مثل غلي {الحميم} أي الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته , فهو يثبت كأنه يريد أن يتخلص مما هو فيه من الحر , روى - وقال حسن صحيح - والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال صحيح على شرطهما - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم فكيف بمن يكون هذا طعامه ".

81
ولما كان كأنه قيل : ما للأثيم يأكل هذا الطعام , وما الحامل له عليه وعلى مقاربة مكانه , أجيب بأنه مقهور عليه , يقتضيه صفة العزة فيه الرحمة لإعادته بأن يقال اللزبانية : {خذوه} أي أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئاً {فاعتلوه} أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول , وقال الرازي في اللوامع : والعتل أن يأخذ بمجامع ثوبه عند صدره يجره , وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة الكسر {إلى سواء} أي وسط {الجحيم} أي النار التي في غاية الاضطرام والتوقد , وهي موضع خروج الشجرة التي هي طعامه.

ولما أفهم هذا صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب , بين أن له نوعاً آخر من النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي فقال : {هم صبوا} أي في جميع الجهة التي هي {فوق رأسه} ليكون المصبوب محيطاً بجميع جسمه {من عذاب الحميم} أي العذاب الذي يغلي به الحميم أو الذي هو الحميم نفسه , والتعبير عنه بالعذاب أهول , وهذا في مقابلة ما كان لهم من البركة بما ينزل من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم والباطن بالزقوم.

(7/123)


ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً , بل وصل إلى غاية الهوان , دل عليه بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي يترفع بها في الدنيا على أوامر الله , فقيل بناء على ما تقديره : يفعل به ذلك مقولاً له : {ذق} أي من هذا أوصلك إليه تغررك على أولياء الله.

جزء : 7 رقم الصفحة : 81
ولما كان أولياء الله منالرسل وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه.

لإبائه أمر الله - هو الذليل , وكان هذا الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته لإحراق أكباد الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في تذعيبه بالتوبيخ والتقريع معللاً للأمر بالذوق : {إنك} وأكد بقوله : {أنت} وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك {العزيز} أي الذي يغلب ولا يغلب {الكريم} أي الجامع إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء , فلا تنفعك عن ستر مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس الإباء , فهو كناية عن مخاطبته بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه من المهالك , وقراءة الكسائي بفتح " إن " دالة على هذا العذاب قولاً وفعلاً على ما كان يقال له من هذا الدنيا ويعتقد هو أنه حق.

ولما دل على أنه يقال هذا لكل من الأثماء ويفعل به على حدته , دل على ما يعمون به , فقال مؤكداً رداً لتكذيبهم سائقاً لهم على وجه مفهم أنه علة ما ذكر من عذابهم : {إن هذا} أي العذاب قولاً وفعلاً وحالاً {ما كنتم} أي جبلة وطبعاً طبعناكم عليه لتظهر قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى {به تمترون} أي تعالجون أنفسكم
82
وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لا سيما لمن جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك.

(7/124)


ولما وصف سبحانه ما للمبالغ في المساوئ وأفرده أولاً إشارة إلى قليل في قوم هذا النبي الكرمي الذي تداركهم الله بدعوته تشريفاً له وإعلاء لمقدالره , وجمع آخراً ذاكراً من آثار مناستحق به ذلك من مشاركة في أوزاره , ففهم أن وصفه انقضى , ومر ومضى , فتاقت النفس إلى تعرف ما لأضداده الذين خالفوه في مبدئه ومعاده , قال مؤكداً لما لهم من التكذيب : {إن المتقين} أي العريقين في هذا الوصف {في مقام} أي موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولاً عنه {أمين} أي يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه.

ولما كان الوصف بعد الوصف شديد الترغيب في الشيء , قال مبدلاً من " مقام " : {في جنات} أي بساتين تقصر العقول عن إدراك وصفها كل وصفها {وعيون} كذلك بحيث تقر بها العيون , ولما كان قد أشار إلى وصف ما للباطن من لذة النظر ولباس الأكل والشرب , أتبعه كسوة الظاهر وما لكل من القرب فقال : {يلبسون} ولما وصف ما أعد لهم من اللبس في الجنة , دل على الكثرة جداً بقوله : {من سندس} وهو ما رق من الحرير يعمل وجوهاً , وزاد صنفاً آخر فقال : {وإستبرق} وهو ما غلظ منه يعمل بطائن , وسمي بذلك لشدة بريقه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 81
ولما كان وصف الأثماء بما لهم من القبض الشاغل لكل منهم عن نفسه وغيره بعد ما تقدم في الزخرف في آية الأخلاء ما أعلم بكونهم مدابرين وصف أضدادهم بما لهم من البسط مع الاجتماع فقال : {متقابلين} أي ليس منهم أحد يدابر الآخر لا حساً ولا معنى , وود أن كلاًّ منهم يقابل الآخر ناظراً إليه , فإذا أرادوا النساء حالت الستور بينهم.

ولما كان هذا أمراً يبهر العقل , فلا يكاد يتصوره , قال مؤكداً له : {كذلك} أي الأمر كما ذكرنا سواء لا مرية فيه.

(7/125)


ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال : {وزوجناهم} أي قرناهم كما تقرن الأزواج , وليس المراد به العقد لأنه فعل متعد بنفسه وهو لا يكون في الجنة لأن فائدته الحل , والجنة ليست بدار كلفة من تحليل أو تحريم , وذكر مظهر العظمة تنبيهاً على كمال الشرف {بحور} أي على حسب التوزيع بجواري بيض حسان نقيات الثياب {عين} أي واسعات الأعين.

جزء : 7 رقم الصفحة : 81
83
ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات , وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال : {يدعون} أي يطلبون طلباص هو بغاية المسرة {فيها بكل} لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان , ولا غير ذلك من الشأن , وقال : {فاكهة} إيذاناً بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة وإنما هو للفتكه ومجرد التلذذ.

ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه غوائل جمة قال : {آمنين} أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف.

ولما ذكر الأمان , وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت , قال : {لا يذوقون فيها} أي الجنة {الموت} أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك.

(7/126)


ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه , وكان الاستثناء معيار العموم , وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده , قال معللاً معلقاً على هذا المحال : {إلا الموتة} ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليه لا يلبس لأن ما قبل نفخ الروح ليس مذوقاً , عبر بقوله : {الأولى} وقد أفهم التقييد بالظرف أن النار يذاق فيها الموت , والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية , فكان كأنه قيل : لكن غير المتقين ممن كان عاصياً فيدخل النار المتقين أعم من الراسخين وغيرهم , فيكون الحكم على المجموع , أي أن الكل لا يذوقون , وبعضهم - وهم من أراد الله من العصاة - يذوقونه في غيرها وهو النار , ويجوز أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقاً بمحال , وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا مجازاً بما له من التسبب وبما سبق من حكم الله له بها , قال صلى الله عليه وسلم : "المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" , قيل : وما خرفة الجنة ؟ قال : "جناها " " وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة , ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه النضر رضي الله عنه
84
قال يوم أحد : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد , ثم قاتل حتى قتل.

جزء : 7 رقم الصفحة : 83
ثم يكون تمام ذلك النعيم بالجنة بعد البعث , قال ابن برجان : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياهم فيها وقربه منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم إياه وشغلهم به وهو معهم أنهما كانوا.

(7/127)


ولما كان السياق للمتقين قال : {ووقاهم} أي جملة المتقين في جزاء ما اتقوه {عذاب الجحيم} أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها , وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلاًّ منهم على قدر ذنوبه ثم يمتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة , روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه والدرامي في صفة الجنة والنار من سننه المشهور بالمسند , وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما أهل النار الذين هم أهلها" - وقال الدارمي : الذين هم للنار - "فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون , ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم" - أو قال : "بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة" وقال الإمام أحمد : "فيميتهم إماتة" وقال الدرامي : "فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم" وقال الدرامي : "فيخرجون من النار ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة , ثم قيل : يا أهل الجنة , أفيضوا عليهم , فينبتون" وقال الدرامي فتنبت لحوهم نبات الحبة في حميل السيل.

(7/128)


الضبائر قال بعد الغافر الفارسي في مجمع الرغائب : جمع ضبارة مثل عمارة عمائر : جماعات الناس , وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحماً أدخلوا الجنة , فيقول أهل الجنة : من هؤلاء ؟ , فيقال : هؤلاء الجهنميون" ولأحمد بن منيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يوضع الصراط" فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط وإذن الله لهم في إخراجهم , قال : "فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة فينبتون نبات الزرع في غثاء السيل" , ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
85
"يخرج الله قوماً من النار بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحماً فيلقون في نهر على باب الجنة يسمى نهر الحياة , فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل - أو كما تنبت الثعارير - فيدخلون الجنة , فيقال : هؤلاء عتقاء الرحمن ".

جزء : 7 رقم الصفحة : 83
الثعاير - بالثاء المثلثة والعين والراء المهملتين : نبات كالهليون , وروى الترمذي - وقال : حسن صحيح - وروي من غر وجه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمماً ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة.

(7/129)


" ولما كان السياق للمتقين , فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا بد ولا محيد عنه , بين أن الأمر على غير ذلك , وأنه سبحانه لو واخذهم ولم يعاملهم بفضله وعفوه لهلكوا , فقال : {فضلاً} أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل , ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى : {من ربك} أي المحسن إليك بكمال إحسانه إلى اتباعك إحساناً يليق بك , قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع الأحوال , ولما عظمه تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه صلى الله عليه وسلم , زاد في تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال : {ذلك} أي الفضل العظيم الواسع {هو} أي خاصة {الفوز} أي الظفر بجميع المطالب {العظيم} الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها.

ولما قدم سبحانه في هذه السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من البشارة والندارة والجمع والفرق , وذكرهم بما يقرون به من أنه مبدع هذا الكون مما يستلزم إقرارهم بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما يشاء من إرسال وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك , وهددهم بما لا يقدر عليه غيره من الدخان والبطشة , وفعل بعض ذلك , وذكرهم بما يعرفون من أخبار من مضى من قروم القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث , ثم ذكر ما يقتضي التحذير والتبشير - كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى , فأعجزت جميع القوى , مع ما لها من المعاني الباهرة , والبدائع الزاهرة القاهرة , سبب عن قوله فذلكة للسورة : {فإنما يسرناه} أي جعلنا له يسراً عظيماً وسهولة كبيرة.

ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته , كان كلامه أبين وقوله أعذب وأرصن وأرشق وأمتن , وكان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبعدهم لذلك من التكلف , أضافه إليه فقط فقال : {بلسانك} أي هذا العربي المبين وهم عرب تعجبهم الفصاحة
86

(7/130)


{لعلهم يتذكرون} أي ليكونوا عند من يراهم وهو عارف بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن يتذكروا أن هذا القرآن شاهد بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة , وأنه حكيم بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم بالمعجزات , ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن يطعن أحد في كبريائه ولا أن يترك من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي بعضهم على بعض ثم لا ينصر المظلوم منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي المحسن بالمسيء , فإذا تذكروا ذلك مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه وحكمته علموا قطعاً أنه لا بد من البعث للتمييز بين أهل الصلاح والفساد , والفصل بين جميع العباد , فتسبب عن ذلك قوله : {فارتقب} أي ما رجيتك به من تذكرهم الستلزم لهدايتهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 83
ولما كانوا يظهرون تجلداً ولدداً أنهم لا يعبؤون بشيء من القرآن ولا غيره مما يأتي به ولا يعدون شيئاً منه آية , أخبر عما يبطنون من خوفهم وانتظارهم لجميع ما يهددهم به مؤكداً لأجل ظن من حمل تجلدهم على أنه جلد فقال : {إنهم} وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على الثبات والدوام فقال : {مرتقبون} أي تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم أفكارهم في ذلك دائم لا يزايلهم بل قد قطع قلوبهم وملأ صدورهم , فقد انطبق آخر السورة على أولها , بل وعلى المراد من مجملها ومفصلها , بذكر الكتاب والأرتقاب لأنواع العذاب - والله الهادي إلى الصواب , إنه الكريم الوهاب.

87
جزء : 7 رقم الصفحة : 83

(7/131)


سورة الجاثية
جزء : 7 رقم الصفحة : 87
مقصودها الدلالة على أن منزل هذا الكتاب - كما دل عليه في الدخان - ذو العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء , والحكمة لأنه لم يضع شيئاً إلا في أحكم مواضعه , فعلم أنه المختص بالكبرياء , فوضع شرعاً هو في غاية الاستقامة لا تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه , أمر فيه ونهى , ورغب ورهب ثم بطن حتى أنه لا يعرف , ثم ظهر حتى أنه لا يجهل , فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع , ومنه من تبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وأضاع فاقتضت الحكمة ولا بد أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ويدبن عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي , وينشر العدل ويظهر الفضل , ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه , وعلى ذلك دل اسمها الشريعه , واسمها الجاثية واضح الدلالة فيه إذا تؤمل كل من آيتهما - والله سبحانه وتعالى الهادي.

{بسم الله} الذي تفرد بتمام العز والكبرياء {الرحمن} الذي أحكم رحمته البيان العام للسعداء والأشقياء {الرحيم} الذي خص بملابس طاعته الأولياء {حم *} أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله من أم
88

(7/132)


الكتاب جملة إلى بيت العزة , ودل على بركته مما دل على حكمة منزله وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها راجعة إلى الحسن لمن ألقى السمع , وهو شهيد , وأشار إلى سهولتها على من تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم , ابتداء هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسراً وسهولة بإنزاله منجماً بحسب الوقائع مطابقاً لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم الكتاب ثم مرتباً لما أنزل منه ترتيباً يفهم علوماً ويوضح أسراراً غامضة مهمة فقال : {تنزيل الكتاب} أي إنزال الجامع لكل خير مفرقاً لزيادة التسهيل في التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم وزاده عظماً بقوله : {من الله} أي كائن من المحيط بصفات الكمال.

جزء : 7 رقم الصفحة : 88
ولما كان - كما مضى - للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال : {العزيز الحكيم *} فكان كتابه عزيزاً حكيماً لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث لتبس أمره بأمره هذا الكتاب المحيط بدائرة الحكمة والصواب , ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكداً لأجل من ينكر ذلك ولو بالعمل , وترغيباً في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها.

(7/133)


وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها {إن في} ولما كانت الحواميم - كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس رضي الله عنهما - لباب القرآن , حذف ما ذكر في البقرة من قوله " خلق " ليكون ما هنا أشمل فقال : {السماوات} أي ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة ما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب {والأرض} كذلك وبما حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون {لآيات} أي دلائل على وحدنيته وجميع كماله , فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك {للمؤمنين *} أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة , وأدلة الإلهية فيهما واضحة , ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع من تقدم الإيمان , وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 88
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور , كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا شتوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة , أتبع ذلك تعالى تنبيهاً لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه , ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله , فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان
89

(7/134)


{أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بنيهما إلا بالحق وأجل مسمى} {الروم : 8] فملا نبه بخلق السماوات والأرض , أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال {وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الّيل والنهار} أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقاً بحط القياس فقال {وما أنزل الله من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها} ثم قال {وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطاً يطول , ثم قال {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} أي علاماته ودلائله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ثم قال {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب , فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر , ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال {ويل لكل أفاك أثيم} الآيات الثلاث , ثم قال {هذا هدى} وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته , ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائداً في توبيخهم , والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعاً وتوبيخاً ووعيداً وتهديداً إلى آخر السورة - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 88

(7/135)


ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق , أتبعها آيات الأنفس فقال : {وفي خلقكم} أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار {وما يبث} أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثاً على سبيل التجد والاستمرار {من دآبة} مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والمنافع والطبائع ونحوها {آيات} أي على صفات الكمال ولا سيمنا العزة والحكمة , وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا , وفي الذي بعده عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر , فلهذه الآية نظر إلى التأكيد , وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على " إن " وما في حيزها , وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب الصنع ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد , فهو غني عن التأكيد , ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك : حذف أولاً الخلق بما دل عليه ثانياً , وثانياً ذوات الأنفس بما دل عليه من ذوات السماوات أولاً.

90
ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف , قال : {لقوم} أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه {يوقنون *} أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان , فلا يخالطهم شك في وحدانيته ؛ قال الحرالي في تفسير {أو كالذي مر على قرية} : آية النفس منبهة على آية الحس , وآية الحس منبهة على آية النفس , إلا أن آية النفس أعلق , فهي لذلك أهدى , غاية آية الآفاق الإيمان , وغاية آية النفس اليقين.

(7/136)


ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس , ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة , أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال : {واختلاف الّيل والنهار} بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره , وجر " اختلاف " بتقدير " في " فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من رفع " آيات " , ومناب " إن " عند من نصب , فلم يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي " إن " في النصب.

ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة , لأن الشيء كلما قل الإلف له كان أمكن للتأمل فيه , أولاه إياه فقال : {وما أنزل الله} أي الذي تمت عظمته فنفذت كلمته.

جزء : 7 رقم الصفحة : 88
ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي وإن لم يكن حسياً , بين أن المراد هنا الأمران فقال : {من السماء} ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال : {من رزق} أي مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق {فأحيا به} أي بسببه وتعقبه {الأرض} أي الصالحة للحياة , ولذلك قال : {بعد موتها} أي يبسها وتهشم ما كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها تراباً , فإذا نزل عليها الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله , ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل.

(7/137)


ولما ذكر ما يشمل الماء , ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال : {وتصريف الرياح} في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من الأسباب , ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة بها الحواميم , ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف , وتوحيد حمزة والكسائي أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثير أعجب {آيات} قراءة الرفع أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف , والماء بما يحدث عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على
91
البعث , ولاجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال : {لقوم يعقلون *} وقال القالي : والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا , فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيماناً فأيقنوا , فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 88
ولما ذكر هذه الآيات العظيمات , وكانت كلها مشتركة في العظم , بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها , قال مشيراً إلى علو رتبها بأداة البعد : {تلك} أي الآيات الكبرى {آيات الله} أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها.

(7/138)


ولما كان كأنه قيل : ما لها ؟ قال , أو يكون المراد : نشير إليها حال كوننا {نتلوها} أي نتابع قصها {عليك} سواء كانت مرئية أو مسموعة , متلبسة {بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب , فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعاً في إيمانهم في قوله تعالى : {فبأي حديث} أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به , واستغرق كل حديث فقال : {بعد الله} أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى {وآياته} أي والحديث عن دلالاته العظيمة {يؤمنون *} من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله " وفي خلقكم " وهو أقوى تبكيتاً , وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {نتلوها عليك بالحق}.

ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلاً عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد , قال على وجه الاستنتاج مهدداً : {ويل} أي مكان معروف في جهنم {لكل أفاك} أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه {أثيم *} أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب , وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب , وفسر هذا بقوله : {يسمع آيات الله} أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها {تتلى} أي
92
يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحلا من أيّ تال كان , عالية {عليه} بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق.

جزء : 7 رقم الصفحة : 92
ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعداً كونه قال : {ثم يصر} أي يدوم دوماً عظيماً على قبيح ما هو فيه حال كونه {مستكبراً} أي طالباً الكبر عن الإذعان وموجداً له.

(7/139)


ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها , خفف من مبالغته في الكفر , بين أنها لم تؤثر فيه نوعاً من التأثير , فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال : {كأن} أي كأنه {لم يسمعها} فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء , وقد علم بهذا الوصف أن كل منلم ترده آيات الله تعالى كان مبالغاً في الإثم والإفك , فكان له الويل.

ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم , لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان , قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما , أصر على الذنب والمكروه : أقام , وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع : أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه , وقال ابن فارس في المجمل : والإصرار : العزم على الشيء والثبات عليه , وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه ونقله عن عبد الحق في واعيه , وأصل الصر الإمساك , ومنه يقال : أصر فلان على كذا , أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقهد لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده , والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه , ثم قال : من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه , وقال الأصفهاني تبعاً لصاحب الكشاف : وأصله من أصر الحمار على العانة , وهو أن ينحني عليها صاراً أذنيه.

ولما أخبر عن ثباته على الخبث , سببب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلاً فقال تعالى : {فبشره} أي على هذا الفعل الخبيث {بعذاب} لا يدع له عذوبة أصلاً {أليم *} أي بليغ الإيلام.

(7/140)


ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات , أتبعه ما هو أعم منه فقال : {وإذا علم} أي أيّ نوع كان من أسباب العلم {من آياتنا} أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا {شيئاً} وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن منه , قال مبيناً للعذاب : {جهنم} أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها , ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك , وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو
93
ماش أبداً إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره , ويستعمل , " وراء " في الإمام , فيكون حينئذ مجاراً عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون , فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطراً وأشراً , ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات.

جزء : 7 رقم الصفحة : 92
ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية , قال : {ولا يغني عنهم} أي في دفع ذلك {شيئاً} أي من إغناء.

ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم , قال مصرحاً بها : {ولا ما اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها.

ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك , فكانوا يقولون " الله " أيضاً , قال معبراً بما يفهم سفول ما سواه : {من دون الله} أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم {أولياء} أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب والدفع {ولهم} مع عذابه بخيبة الأمر {عذاب عظيم *} لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولا عضواً من أعضائهم إلا ملأه.

(7/141)


ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال , قال مشيراً إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه : {هذا} أي التنزيل المتلو عليكم {هدى} أي عظيم جداً بالغ في الهداية كامل فيها , فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلاً فاستعملوا عقولهم فآمنوا به لهم نعيم مقيم {والذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به - هكذا كان الأصل , ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله , بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال : {بآيات ربهم} أي وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر الفاني {لهم عذاب} كائن {من رجز} أي عقاب قذر شديد جداً عظيم القلقلة وةالاضطراب متتابع الحركات , قال القزاز , الرجز والرجس واحد {أليم *} أي بليغ الإيلام , الآية من الاحتباك : ذكر الهدى أولاً دليلاً على الضلال ثانياً , والكفر والعذاب ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً , وسره أنه ذك رالسبب المسعد ترغيباً فيه , والشمقى ترهيباً منه.

ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية , ذكر بعض آثارها وما فيها من أياته , فقال مستأنفاً دالاً على عظمتها بالاسم الأعظم : {الله} أي الملك الأعلى المحيط بجميع
94
صفات الكمال.

ولما كان آخر الآيات التي قدمها الرياح , ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال : {الذي سخر} أي وحده منغير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه {لكم} أيها الناس بربكم وفاجركم {البحر} بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القبلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفوا عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد {لتجري الفلك} أي السفن {فيه بأمره} ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها.

(7/142)


جزء : 7 رقم الصفحة : 92
ولما كان التقدير : لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به , عطف عليه قوله : {ولتبتغوا} أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك {من فضله} لم يصنع شيئاً منه سواه.

ولما كان التقدير : لتظهر عليكم آثار نعمته , عطف عليه قوله تعالى : {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكونوا بحيث يرجوا منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 92
ولما ذكر آية البحر لعظمتها , عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله , على عظمه إلا لنا , تنبيهاً على أن الأمر عظيم فقال تعالى : {وسخر لكم} أي خاصة ولو شاء لمنعه {ما في السماوات} بإنزاله إليكم منبهاً على أنها يحث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه , وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم , وأفعالهم أفعال من ينكره , فقال : {وما في الأرض} وأوصالكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه , وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله : {جميعاً} حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها {منه} لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك , قال الرازي في اللوامع : قال أبو يعقوب النهر جوري : سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء , وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى , فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه , وقال القشيري : ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به انتفاع , فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك.

95

(7/143)


ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني , حسن جداً قوله , مؤكداً لأن عملهم يخالفه : {إن في ذلك} أي الأمر العظيم وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون {لآيات} أي دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا {لقوم} أي ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم {يتفكرون *} أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئاً.

ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه طائعهم وعاصيهم , فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة , وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه , أنتج قوله مخاطباً لأفهم خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي له من شدة طواعته تكوين لا تكليف : {قل} أي بقالك وحالك {للذين آمنوا} أي ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله : اغفروا تسنناً به من أساء إليكم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 95
ولما كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه , كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة المسيء , فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه الانتقام منه فهو يكفي أمره , ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله : {يغفروا} أي يستروا ستراً بالغاً.

(7/144)


ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه , وكان الأذى لعباد الله مظنة لتوقع الغضب منه وقادحاً فيما يرجى من إحسانه قال : {للذين} وعبر في موضع {أساؤوا إليهم} بقوله تعالى : {لا يرجون} أي حقيقة ومجازاً , والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف , وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة : {أيام الله} أي مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية بإدلة الدول تارة لهم وأخرى عليهم , وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران للموافق في الدين , وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من أعرض عنه , فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن في الأيام والليالي , وعبر بالاسم الشريف تنبيهاً على ما له من الجلال والجمال في معاملة كل منهما , قال ابن برجان : وهذه الآية وشبهها من النسي المذكور في قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة : 106] وليس بنسخ بل هو حكم ضعف , ونزل بعد الهجرة آية الجهاد والأمر بالمعروف , وتركت هذه وأمثالها مسطورة
96
في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيهاً للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم ربهم.

ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا , سقط عنه أمرها في الآخرة , وكان المسلط للجاني ف يالحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة , علل الأمر بالغفران مهدداً للجاني ومسلياً للمجني عليه : {ليجزي} أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل , ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون , وبناه أبو جعفر للمعفول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 95

(7/145)


ولما كان ربما جوزي جميع الجناة , وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلاً لحكم أخرى ويثاب المظلوم عل ىظلامته لمثل ذلك قال : {قوماً} أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف {بما} أي بسبب الذي {كانوا} أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج {يكسبون *} أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر , والحاصل أنه تعالى يقول : أعرض عمن ظلمك وكل أمره إليّ فإني لا أظلمك ولا أظلم أحداً , فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على بغيه وأنا قادر , وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم , وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسنداً إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه , فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى {وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً} [الدهر : 12] ليجزي الملك الأعظلم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوماً , فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولاً كما جعل " زيد " فاعلاً في مات زيد وإن كان مفعولاً في المعنى : تنبيهاً على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكناً من المجزي تمكن المجزي من جزائه ومحيصاً به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له , قال الله تعالى {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام : 139] بما كانوا يعملون , ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير " الذين " بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى : سجيزي الذين آمنوا ناساً كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلاًّ منهم فداء لكل منهم من النار , وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا , روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً , وما
97
تواضع أحد إلا رفعه الله عز وجل ".

(7/146)


ولأحمد والترمذي اللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه : ما نقص مال عبد من صدقة , وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً , ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر" - أو كلمة نحوها , وروى الحاكم وصحح إسناده , قال المنذري : وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : "من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه ".

جزء : 7 رقم الصفحة : 95
ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء , زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحاً للحزاء : {من عمل صالحاً} قال أو جل {فلنفسه} أي خاص عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة {ومن أساء} أي كذلك إساة قلت أو جلت {فعليها} خاصة إساءته كذلك , وذلك في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة.

ولما كان سبحانه قادراً لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود : {ثم} أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ {إلى ربكم} أي المالك لكم وحده لا إلى غيره {ترجعون *}
جزء : 7 رقم الصفحة : 95
98

(7/147)


ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم , فكان التقدير فذلكة لذلك : لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من أجله , عطف عليه مسلياً قوله : {ولقد آتينا} أي على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {بني إسرائيل} نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام {الكتاب} الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم {والحكم} أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل , وللعمل من الإتقان بالعلم {والنبوة} التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم , فأكثرنا فيهم من الأنبياء {ورزقناهم} بعظمتنا لإقامة أبدانهم {من الطيبات} من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها {وفضلناهم} بما لنا من العزة {على العالمين} وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق , وكل ذلك فضيلة ظاهرة {وآتيناهم} مع ذلك {بينات من الأمر} الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات , ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته , وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 98

(7/148)


ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملاً , فصله فقال تعالى : {فما اختلفوا} أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم , ولما لم يكن اختلافهم مستغرقاً لجميع الزمن الذي بعد الإيتاءن أثبت الجار فقال : {إلا منبعد ما جاءهم العلم} الذي من شأنه الجمع على المعلوم , فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز.

ولما كان هذا عجباً , بين علته نحذراً من مثلها فقال : {بغياً} أي للمجاوزة في الحدود التي اتقضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس.

ولما كان البغي على البعيد مذموماً , زاده عجباً بقوله : {بينهم} واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم , وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل , ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم , مؤكداً لأجل إنكارهم.

{إن ربك} أي المحسن
99
إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بياناً لم يبينه على لسان أحد ممن سلف {يقضي بينهم} بإحصاء الأعمال والجزاء عليها , لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة {يوم القيامة} الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره {فيما كانوا} أي بما هو لهم كالجبلة {فيه يختلفون *} بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلاً أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيماً إلا بالعدل , وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك , وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس ناس , فهو يقتضي بينكم أيضاً كذلك , ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب مضافاً إليه صلى الله عليه وسلم.

(7/149)


ولما كان معنى هذا أنه سبحانه وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها , فكان تهديدهم تهديداً لنا , قال مصرحاً بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبهاً على علو شريعتنا : {ثم} أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم {جعلناك} أي بعظمتنا {على شريعة} أي طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدئة {من الأمر} الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباحز ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها , سبب عنه قوله موجهاً الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم , فإن أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين : {فاتبعها} أي بغاية جهدك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 98
ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي , كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى , ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى العقو عن هفواتهم بقوله تعالى : {ولا تتبع} أي تتعمدا أن تتبعوا {أهواء الذين لا يعلمون *} أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم , فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام , ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله : مؤكداً تنبيهاً على أن من خالف أمر الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه : {إنهم} وأكد النفي فقال تعالى : {لن يغنوا عنك} أي لا
100
يتجدد لهم نوع إناء مبتدىء {من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً واصل إليه , وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم {شيئاً} من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم.

(7/150)


ولما كان التقدير : فإنهم ظلمة لا يضعون شيئاً في موضعه , ومن ابتعهم فهو منهم قال تعالى عاطفاً عليه : {وإن} وكان الأصل : وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال : {الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف الذميم {بعضهم أولياء بعض} فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلاً لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافاً لمن يظن بها غير ذلك تقيداً بالأمور الظاهرة في هذه الدار {والله} أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال {ولي المتقين *} الين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ولا ولاية بينه وبين الظالمين.

جزء : 7 رقم الصفحة : 98
ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان , الفائت لقوى الإنسان , قال مترجماً عنه : {هذا} أي الوحي المنزل.

ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء , جعله نفس البصيرة , مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحاً فقال : {بصائر للناس} أي الذين هم في أدنى المراتب , يبصرهم بما يرضهم وما ينفعهم , فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم.

ولما بين ما هو لأهل السفول , بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى : {وهدى} أي قائد إلى كل خير , مانع من كل زيغ {ورحمة} أي كرامة وفوز ونعمة {لقوم يوقنون *} أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبداً.

(7/151)


ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم يدع لبساً في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء : أعلم هؤلاء المخاطبون - لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيص الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين
101
المحسنين الذين نحن أولياؤهم , عطف عليه سبحانه وتعالى قوله : {أم} قال الأصبهاني : قال الإمام : كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على آخر سواء كان المعطوف مذكوراً أو مضمراً - انتهى.

وكان الأصل : حسبوا , ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال : {حسب الذين اجترحوا} أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم {السيئات أن نجعلهم} مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة {كالذين آمنوا وعملوا} تصديقاً لإفرارهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلانية {الصالحات} بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء.

جزء : 7 رقم الصفحة : 101
ولما كانت المماثلة مجملة , بينهما اشتئنافاً بقوله مقدماً ما هو عين المقصود من الجملة الأولى : {سواء} أي مستو استواء عظيماً {محياهم ومماتهم} أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه ف يالارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني.

ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا يغيره , قال معبراً بمجمع الذم : {ساء ما يحكمون *} أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء , فهو مما يتعجب منه , لأنه لا يدري الحامل عليه , وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده.

(7/152)


ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها , أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزاً ولا حكيماً , فقال دالاً على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها , عاطفاً على ما تقديره : فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع , وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين , عطف عليه قوله : {وخلق الله} أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص {السماوات والأرض} اللتين هما ظرف لكم وابتدئت باطلاص , فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد , ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه انتفى , لا يتخلف ذلك أصلاً , ولذلك جملة ما وقع من خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما عليها , فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله , هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم , ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا , ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين.

102
ولما كان التقدير : ليكون كل مسبب مطابقاً لأسبابه , عطف عليه قوله : {ولتجزى} بأيسر أمر {كل نفس} أي منكم ومن غيركم {بما} أي بسبب الأمر الذي.

(7/153)


ولما كان السياق للعموم , وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه وقصد ليكتب في أعماله , عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال : {كسبت} أي كسبها من خير أو شر , فيكون ما وقع الوعد به مطابقاً لكسبها {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون *} أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه , وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل , ولو وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ظلماً منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم , فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر , فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 101
ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات الكمال , وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من الحكمة والقدرة , وحقر الهوى ونهى عن اتباعه , وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه معبوداً , فلزم من ذلك تحقيرهم الإله , ولم يرجعوا عن ضلالهم , تسبب عن ذلك التعجيب ممن يظن أنه يقدر على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال : {أفرءيت} أي أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس {من اتخذ} أي بغاية جهده واجتهاده {إلهه هواه} أي حول وصف الإله حتى صار هوى لنفسه , فهو تابع لهواه ليس غير , فهو في أودية الضلال يهيهم على غير سنن فهو معرّض لكل بلاء , فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل , ولدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة , قال : كنا نعبد الحجر , فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر , فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به - انتهى.

(7/154)


ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية , ولك متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم {وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}
103
[الزمر : 3] ولو قدم الهوى لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى , ولم يبق إلا ما ينسب إلى الإلهية كما اضمحل الطين في : اتحدث الطين حرقاً , فصار المعنى أن العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب , ولو كان التقديم في هذا لحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول " رأى " الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام {فمن يهديه} تقديره : أيمكن أحداً غير الله دايته ما دام هواه موجوداً , وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 103
ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء , أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها.

فهو في سفول ما دام تابعاً له لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن , فلذلك هو يوجب الهوان , قال الأصبهاني : سئل ابن المقفع عن الهوى , فقال : هوان سرقة نونه , فنظمه من قال :
نون الهوان من الهوى مسروقة وأسير كل هوى أسير هوان
وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد :
إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا
{وأضله الله} أي بما له من الإحاطة {على علم} منه بما فطر عليه من أنه لا يكون أثر بلا مؤثر , ومن أنه لا يكون منفرداً بالملك إلا وهو مستحق للتفرد بالعبادة , وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم , وأن الحكيم لا يدع من تحت يده يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها , أو على علم من المضل بأن الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر.

(7/155)


ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره , وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال : {وختم} أي زيادة على الإضلال الحاضر {على سمعه} فلا فهم له في الآيات المسموعة.

ولما كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال : {وقلبه} أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه.

ولما كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال : {وجعل على بصره غشاوه} فصار لا يبصر الآيات المرئية , وترتيبها هكذا لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة.

ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني لينتفع بما تقدم له علمه , ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة الحيوان , قال تعالى منكراً مسبباً للإنكار عما تقدمه : {فمن يهديه} وأشار إلى قدرة الله عليه بقوله :
104
{من بعد الله} أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء.

ولما كان من المعلوم قطعاً أنه لا هادي له غير , سبب عنه الإنكار لعدم التذكر حثاً على التذكر فقال مشيراً بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر : {أفلا تذكرون *} أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور , وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته.

جزء : 7 رقم الصفحة : 103

(7/156)


ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم , فقد قالوا مع اعترافهم بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية : إن له شركاء , عطف عليه قوله : {وقالوا} أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق بحكيم أصلاً أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم : {ما هي} أي الحياة {إلا حياتنا} أي أيها الناس {الدنيا} أي هذه التي نحن فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى بُعدى كافٍ في إثبات البعث.

ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا : {نموت ونحيا} أي تنزع الروح من بعض فيموت , وتنفخ في بعض آخر فيحيى , وليس وارء الموت حياة أخرى للذي مات , فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات , ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له , عدوا الحياة في جنبه عدماً فلم يذكروها وقالوا بجهلهم : {وما يهلكنا} أي بعد هذه الحياة {إلا الدهر} أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا , من دهره - إذا غلبة.

ولما أسند إليهم هذا القول الواهين بين حالهم عند قوله فقال تعالى : {وما} أي قالوه والحال أنه ما {إن} أي ما {هم إلا يظنون *} بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف , وأنه لم يرجع أحد من الموتى.

ولما كان هذا من قولهم عجباً , زاده عجباً بحالهم عند سماعهم للبراهين القطعية ,
105

(7/157)


فقال عاطفاً على " قالوا " : {وإذا تتلى} أي تتابع بالقراءة من أيّ تال كان {عليهم آياتنا} أي على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها {بينات} أي في غاية المكنة في الدلالة على البعث , فلا عذر لهم في ردها {ما كان} أي بوجه من وجوه الكون {حجتهم} أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة , وهو لا يستحق أن يسمى شبهة {إلا أن قالوا} قولاً ذميماً ولم ينظروا إلى مبدئهم {ائتوا} أيها التالون للحجج البينة من النبي - صل الله عليه وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه {بآبائنا} الموتى , وحاصل هذا أنه ما كان لهم كفاهم مناداتهم على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب فقالوا : {إن كنتم صادقين *} أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه سبحانه وتعالى يبعث الخلق بعد موتهم , وذلك استبعاد منهم لأن يقدر المعلوم قطعاً أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادةه بطريق الأولى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 105

(7/158)


ولما كان سبحانه وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره , وذلك إذا كان بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراماً لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية , فرفعهم عن الحس إلى التدريب على قدرة وعلماً وحكمة {يحييكم} أي يجدد هذا تجديداً لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة {ثم يميتكم} بأن يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع " شيئاً " منها في شيء من الجسد وما ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون , ومن قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة كان المخبر عنه بأنه يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق , فلذلك قال من غير تأكيد : {ثم يجمعكم} أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد , منتهين {إلى يوم القيامة} أي القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق الذين أماتهم.

ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى , أنتج قوله : {لا ريب} أي شك بوجه من الوجوه {فيه} بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً {ولكن أكثر الناس} بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على غريزة العقل فردوا بها
106
أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى الإيمان {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل , فهم واقفون مع المحسوسات , لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور التظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق عند من هديناه لعلم ذلك.

(7/159)


ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره : فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم , عطف عليه دليلاً آخر جامعاً فقال تعالى : {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ملك السموات} كلها {والأرض} التي ابتدأكم منها , ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء , كان قادراً على مثله ما دام ملكاً.

ولما كان التقدير : له ملك ذلك أبداً , فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا , فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان , فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون , بنى عليه قوله تعالى : {ويوم تقوم الساعة} أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما يريد , وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله : {يومئذ} أي إذا تقول يخسرون - هكذا كان الأصل , ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف : {يخسر المبطلون *} أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به , الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به , ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصلوهم إليها فيه , فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم , وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسروا لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري , خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون.

جزء : 7 رقم الصفحة : 105
ولما كان ذلك من ِأن اليوم مهولاً , عم في الهول بقوله مصوراً لحاله : {وترى} أي في ذلك اليوم {كل أمة} من الأمم الخاسرة فيها والفائزة {جاثية} أي مجتمعة لا
107
يخلطها غيرها , وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً واستيفازاً ملا لعلها تؤمر به , جلسة المخاصم بين يدي الحاكم , ينتظروا القضاء الحاتم , والأمر الجازم اللازم , لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم.

(7/160)


ولما كان كأن قيل : هم مستوفزون , قال : {كل أمة} أي من الجاثين {كنتم} بما هو لكم كالجبلات {تعملون *} أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر.

ولما أخبر بالجزاء , بين كيفي ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب الأعمال , فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال , فقال مشيراً إلى كتاب الإنزال بأداة القريب لقبه وسهولة لهمه : {هذا كتابنا} أي الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا {ينطق} أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق {عليكم بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم , ذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو كافر , ومن عمل كذا فو عاص , ومن عمل كذا فهو مطيع , فيطبق ذلك على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا نقص , كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم , فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة , وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه , فهو حق لأن الواقع طابقه , هذا نطقه عليكم , وأما نطقه لكم فالفضل : الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك.

ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق , وكانوا كأنهم يقولون : من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان , وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل , أكد قوله مجيباً بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك : {إنا} على ما لنا من القدرة والعظمة الغنية عن الكتابة {كنا} على الدوام {نستنسخ} أي نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل {ما كنتم} طبعاً لكم وخلقاً {تعلمون *} قولاً وفعلاً ونية , فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح , وإن كان النقل من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ما يفعله العامل , ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما يلقاه من خير أو شر.

(7/161)


جزء : 7 رقم الصفحة : 107
ولما صرح بالمطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم , وأشار إلى المحقين ,
108
صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم , فقال بادئاً بهم على طريق النشر المشوش مفصلاً : {فأما الذين آمنوا} أي من الأمم الجاثية {وعملوا} تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات فيدخلهم} أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله {ربهم} الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة {في رحمته} أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب , وتقول لهم الملائكة تشريفاً : سلام عليكم أيها المؤمنون , ودل على عظيم الرحمة بقوله : {ذلك} الإحسان العالي المنزلة {هو} أي لا غيره {الفوز}.

ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى : {المبين *} الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره , لأنه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص , بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا , فإنها - مع كونها كانت فوزاً - كانت خفية جداً على غير الموقنين {وأما الذين كفروا} أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان , فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته.

ولما كان هذا الستر سبباً واضحاً في تبكيتهم قال : {أفلم} أي فيقال لهم : ألم يأتكم رسلي , وأخلق لكم عقولاً تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي يأتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم {تكن آياتي} على ما لها من عظمة الإضافة إليّ وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي.

(7/162)


ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها , بني للمعفول قوله : {تتلى} أي تواصل قراءتها من أيّ تال كان , فكيف إذا كانت بواسطة الرسل , تلاوة مستعلية {عليكم} لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء يرضاه منصف {فاستكبرتم} أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي {وكنتم} خلقاً لازماً {قوماً} أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه {مجرمين *} أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل , وذلك هو الخسران المبين , والآية من الاحتباك : ذكر الإدخال في الرحمة أولاً دليلاً على الإدخال في اللغنة ثانياً , وذكر التبكيت ثانياً دليلاً على التشريف أولاً , وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة العدو {وإذا} أي وكنتم إذا {قيل} من أيّ قائل كان ولو على سبيل التأكيد : {إن وعد الله} الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال {حق} أي ثابت لا محيد عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف
109
فيه مناقضاً للحكمة {والساعة} التي هي مما وعد به وهي محط الحكمة فهي أعظم ما تعلق به الوعد {لا ريب فيها} بوجه من الوجوه لأنها محل إظهار الملك لما له من الجلال والجمال أتم إظهار {قلتم} راضين لأنفسكم بحضيض الجهل : {ما ندري} أي الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه {ما الساعة} أي نعرف حقيقتها فضلاً عما تخبروننا به من أحوالها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 107

(7/163)


ولما كان أمرها مركوزاً في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر , بما يعلم كل أحد من تمام قدرة الله تعالى , فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى القلب علمها , سموا ذلك ظناً عناداً واستكباراً , فقالوا مستأنفين في جواب من كأنه يقول : أفلم تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علماً بها : {إن} أي ما {نظن} أي نعتقد ما تخبروننا به عنها {إلا ظناً} وأما وصوله إلى درجة العلم فلا.

ولما كان المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان الظن الأول بمعنى الاعتقاد , ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيداً لمعنى الحصر , ولذلك عطفوا عليه - تصريحاً بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم - قولهم : {وما نحن} وأكدوا النفي فقالوا : {بمستيقنين *} أي بموجود عندنا اليقين في أمرها ولا بطالبين له - هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في الآفاق وفي أنفسكم وما يبث من دابة وما ينبهكم على ذلك من الآيات المسموعة , وهذا لا ينافي آية {إن هي إلا حياتنا الدنيا} لأن آخرها مثبت للظن , فكأنهم كانوا تارة يقوى عندهم ما في جبلاتهم وفطرهم الأولى من أمرها فيظنونها , وتارة تقوى عليهم الحظوظ مع ما يقترن بها من الشبهة المبنية على الجهل فيظنون عدمها فيقطعون به لما للنفس إليه من الميل , أو كانوا فرقتين - والله أعلم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 107

(7/164)


ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد , التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضاً عنهم إيذاناً بشديد الغضب فقال تعالى : {وبدا} أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال , والزلازل والأهوال , وظهر {لهم} غاية الظهور {سيئات ما} ولما كان السياق للكفرة , وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم فإنه ليس لهم أساس صالح يكون سبباً لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق خصوصاً مثل الزمر , عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال : {علموا} فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك {وحاق بهم} أي أحاط على حال القهر والغلبة ,
110
قال أبو حيان : ولا يستعمل إلا في إلا في المكروه.

{ما كانوا} جبلة وخلقاً {به يسهزءون *} أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك {وقيل} أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولاً لا معقب له , فكأنه بلسان كل قائل : {اليوم ننساكم} أي نفع لمعكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر {لقاء يومكم هذا} أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له , ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى , وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له , وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقال لا عبرة لهم ولا وزن لهم , وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم , وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار , وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتاً ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه.

(7/165)


ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب , صرح به إيضاحاً له لئلا يظن غير ذلك , فقال مبيناً لحالهم : {ومأواكم النار} ليس لكم براح عنها أصلاً , لأن أعمالكم أدخلتكموها , ولا يخرج منها إلا من أذنا من إخراجه , نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون م نقبلنا لكم فرج {وما لكم} في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي {من ناصرين *} ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 110
ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل , علله بما لزم على أعمالهم فقال : {ذالكم} أي العذاب العظيم {بأنكم اتخذتم} أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل , وجاءت به الرسل , وساعدت عليه الفطر الأول {آيات الله} أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم منه {هزواً} أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه {وغرتكم} لضعف عقولكم {الحياة الدنيا} أي الدنية فآثرتمها لكونها حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب , ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى.

ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة , سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذاً لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتاً لهم بهم : {فاليوم} بعد إيوائهم فيها {لا يخرجون} بمخرج ما {منها} لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك {ولا هم} خاصة {يستعتبون *} أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب , وهو الاعتذار بما يثبت لهم
111
العذر ويزل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل.

جزء : 7 رقم الصفحة : 110

(7/166)


ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل شيء قدرة وعلماً , تسبب عن ذلك حتماً قوله تعالى : {فللّه} أي الذي له الأمر كله {الحمد} أي الإحاطة بجميع صفات الكمال.

ولما أبان سبحانه أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر , أثبت أنه لا بالإحسان والتدبير فقال تعالى : {رب السماوات} أي ذات العلو والاتساع والبركات.

ولما كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال , وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في الهوى , أعاد ذكر الرب تأكيداً وإعلاماً أن له في كل واحد من الخافقين أسراراً غير ما له في الآخر , فالتربية متفاوتة بحسب ذلك , وأثبت العاطف إعلاماً بأن كمال قدرته في ربوبيته للأعلى والأسفل على حد سواء دفعاً لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى : {ورب الأرض} أي ذات القبول للواردات.

ولما خص الخافقين تنبيهاً على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها , عم تنبيهاً على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا لله سبحانه وتعالى فقال مسقطاً العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة , وذلك لا يخرج عنه شيء من الخلق لأنه إما أن يكون علوياً أو سفلياً {رب العالمين *} فجمع ما مفرده يجل على جميع الحوادث لأن العالم ما سوى الله.

تنبيهاً على أصنافه وتصريحاً بها وإعلاماً بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا البعض بدلالة التضمن , وأعاد ذكر الرب تنبيهاً على أن حفظه للخلق وتربيته لهم ذو ألوان بحسب شؤون الخلق , فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء آخر , وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه لكل جزء على حدته , مع أن الكل بالنسبة إلى تمام القدرة على حد سواء.

(7/167)


ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفوء له , عطف عليه بعض اللوازم لذلك تنبيهاً على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال : {وله} أي وحده {الكبرياء} أي الكبر الأعظم الذي لا نهاية
112
له : {في السماوات} كلها {والأرض} جميعها اللتين فيهما آيات للمؤمنين , روى مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار" , وفي رواي : عذبته , وفي رواية : قصمته.

{
جزء : 7 رقم الصفحة : 112
وهو} وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها ولا يضع شيئاً إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه , وأحكم نظم هذا القرآن جملاً وآيات , وفواصل وغايات , وبعد أن حرر معانيه وتنزيله جواباً لما كانوا يعتنون به , فصار معجزاً في نظمه ومعناه وإنزاله طبق أجوبة الوقائع على ما اقتضاه الحال , فانبق آخرها على أولها بالصفتين المذكورتين , وبالحث على الاعتبار بآيات الخافقين , والتصريح بما لزم ذلك من الكبرياء المقتضية لإذلال الأعداء وإعزاز الأولياء.

والله الهادي إلى الصواب وإله المرجع والمآب - والله أعلم بمراده.

113
جزء : 7 رقم الصفحة : 112

(7/168)


سورة الأحقاف
جزء : 7 رقم الصفحة : 113
مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين بما يضاد حال بلادهم وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع لأن فعل ذلك لا شريك له فهو المستحق للإفراد بالعبادة , وعلى ذلك دلت تسميتها بالأحقاف الدالة على هدوء الريح وسكون الجو بما دلت عليه قصة قوم هود عليه الصلاة والسلام من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما عبدوه عنهم ولا يصح تسميتها بهود ولا تسمية هود بالأحقاف لما ذكر من المقصود بكل منهما {بسم الله} الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى {الرحمن} الذي سبقت رحمته غضبه بزواجر الإنذار {الرحيم *} الذي يخص حزبه بعمل الأبرار للفوز في دار القرار بدخول الجنة والنجاة من النار.

{حم *} حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد.

ولما بنيت الجاثية على النظر في آيات الخافقين خطاباً لأهل الإيمان استدلالاً على يوم الفصل المدلول عليه في الدخان بآية {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} [الأنبياء : 16] والتي بعدها , فأنتجت العلم بأن الكبرياء لخالقهما بما يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من غير مبالاة بأحد وبينت - بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة لأن عادة من كان بهذا الوصف ألا يكون كلامه إلا بحسب الحاجة.

أن الكتاب منزل نجوماً لبيان ما يحاولون به مدحض لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته , فثبت الحشر وحق النشر , وختم بصفتي العزة والحكمة , ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيداً لأمر البعث وتحقيقاً لليوم الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم
114

(7/169)


واعتبارات لأنه أثبت أنه كله حق , ونفى عنه كل باطلب , فقال خطاباً لأهل الأوثان من سائر الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسف الجامع لهم الموجب لكفرهم : {تنزيل الكتاب} أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح {من الله} أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته , وختم بقوله : {العزيز الحكيم *} تقريراً لأنه لم يضع شيئاً إلا في أوفق محاله , وأنه الخالق للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الافعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 114
ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم , أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالاً على عزته وحكمته : {وما خلقنا} أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء {السموات والأرض} على ما فيهما من الآيات التي فصل بعثها في الجاثية.

ولما كان من المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقاً لغير الله قال : {وما بينهما} أي من الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم , وقال ابن برجان في تفسيره : جميع الوجوه.

أوله وآخره نسخة لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود , وبعضه يعطي من الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما , غير أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة وأبين إشارة , وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى التثبت وتدقيق النظر والبحث - انتهى.

(7/170)


{إلا بالحق} أي الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق , فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه , وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم دلالة على وجود الحق سبحانه , وأنه واحد لا شريك له , ودل على قهره بقوله : {وأجل مسمى} أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار , وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار.

ولما كان التقدير : وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم عليها جنان النعيم , فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون , ومن غوائله مشفقون , فهم بطاعتنا عاملون , عطف عليه من السياق له من قوله : {والذين كفروا} أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم لذلك {عما أنذروا}
115
ممن هم عارفون بأن إنذاره لا يتخلف {معرضون *} ومن غوائله آمنون , فهم بما يغضبنا فاعلون , شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 114

(7/171)


وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى : لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه , وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة , ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيىء محالهم , أردفت بسورة الأحقاف تسجيلاً بسوء مرتكبهم وإعلاماً باليم منقلبهم فقال تعالى {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} ولو اعتبرا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثاً , ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريرعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال {أفرأيتم ما تدعون من دون الله} - إلى قوله : {وكانوا بعبادتهم كافرين} ثم ذكر عنادهم عن سماع الآيات فقال : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} الآيات , ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة - انتهى.

(7/172)


ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل والحرمة بالبعث للفصل , وكانوا يقولون : إنهم أعقل الناس , وكان العاقل لا يأمن غوائل الإنذار إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع المتوعد إلا من يساوه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها , وكانوا يدعون في أصنامهم أنها شركاء , بنى على ذلك الأصل فتاريعه , وبدأ بإبطال متمسكهم فقال سبحانه وتعالى آمراً له صلى الله عليه وسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم أعرضوا عما قد يضرهم من غير احتراز منه دالاً على عدم إلهية ما دعوه آلهة بعدم الدليل على إلهيتها من عقل أو نقل , لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت وله من الشرف ما هو معلوم بغير دليل قاطع : {قل} أي لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطر منكراً عليهم تبكيتاً وتوبيخاً : {أرءيتم} أي أخبروني بعد تأمل ورؤية باطنة {ما تدعون}
116
أي دعاء عبادة , ونبه على سفولهم بقوله تعالى : {من دون الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه , فلا كفوء له.

جزء : 7 رقم الصفحة : 116
ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح إلى بتأويل أنه عن بعض الأحوال , وكان التقدير : أهم شركاء في الأرض , استأنف قوله : {أروني ما} وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى : {ماذا خلقوا} أي اخترعوه {من الأرض} ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزي.

ولما كان معنى الكلام وترجمته : أروني أهم شركاء في الأرض ؟ عادله بقوله : {أم لهم} أي الذين تدعونهم {شرك في السماوات} أ] نوع من أنواع الشركة : تدبير - كما يقول أهل الطبائع , أو خلق أو غيره , أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه.

فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولاً دليلاً على حذفه ثانياً , والشركة ثانيةً دليلاً على حذفها أولاً.

(7/173)


ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل , قال تعالى : {ائتوني} أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أ , ها خلقت شيئاً , أو أنها تستحق أن تعبد {بكتاب} أي واحد يصح التمسك به , لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد.

ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاماً لجميع ما سلف من الزمان , أدخل الجابر فقال تعال : {من قبل هذا} أي الذي نزل عليّ كالتوراة والإنجيل والزبور , وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية , لو أتى بها آت لشهدت عليه.

ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به , وهو النقل القاطع , سهل عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل , وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثراً لا عيناً فقال : {أو أثارة} أي بقية رسم صالح للاحتجاج , قال ابن برجان : وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلق عن سلف يتحدثون بها في آثارهم , قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية.

{من علم} أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظناً يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة.

ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم , أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا دليلاً على دعواهم بقوله تعالى : {إن كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {صادقين *} أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم.

ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل , أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعاً أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أًول الدني - بما لا دليل عليه أصلاً ,
117

(7/174)


فقال تعالى منكراً أن يكون أحد أضل منهم , عاطفاً على ما هدى السياق حتماً إلى تقديره وهو : فمن أضل ممن يدعي شيئاً من الأشياء وإن قل بلا دليل : {ومن أضل ممن} يدعي أعظم الأشيء بغير دليل ما عقلي ولا نقلي , فهو {يدعوا} ما لا قدرة له ولا علم , وما انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل , وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى : {من دون الله} أي من أدنى رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال والجمال والكمال , فهو سبحانه يعلم كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء , ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به , ويريد العبد في كثير من الأشيء ما لو وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى طلبته كان فيه حتفه , فيدبره سبحانه بما تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن أنه لم يكن له فرج إلا فيه {من لا يستجيب له} أي لا يوجد الإجابة ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها لأنه لا أهلية له لذلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 116
ولما كان أقل الاستجابة مطلق الكلام , وكانوا في الآخرة يكلمونهم في الجملة وإن كان بما يضرهم , غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلاً ولا يغني أحد عن أحد أبداً فقال تعالى : {إلى يوم القيامة} أي الذي صرفنا لهم من أدلته ما هو أوضح من الشمس ولا يزيدهم لك إلا إنكاراً وركوناً إلى ما لا دليل عليه أصلاً وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب الغواية.

(7/175)


ولما كان من لا يستجيب قد يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى معه إجابته يوماً ما , فنى ذلك بقوله زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء في نفعه : {وهم عن دعائهم} أي دعاء المشركين إياهم {غافلون *} أي لهم هذا الوصف ثابت لا يفكون عنه , لا يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم , وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليباً إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافاً إن كان المراد الأصنام خاصة , أو تهكماً كأنه قيل : هم علماء فإنكم أجل مقاماً من أن تعبدوا ما لا يعقل , وإنما عدم استجابتهم لكم دائماً غفلة دائمة كما تقول لمن كتب كتاباً كله فاسد : أنت عالم لكنك كنت ناعساً.

ونحو هذا.

ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه , بين ما يحاورونهم به إذ ذاك فقال : {وإذا حشر} أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر {الناس} أي كل من يصح منه الّنوس - أي التحرك - يوم القيامة {كانوا} أي المدعوون {لهم} أي للداعين {أعداء} ويعطيهم الله قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه {وكانوا} أي المعبودون {بعبادتهم} أي الداعين , وهم المشركون - إياهم {كافرين *}
118
لأنهم كانوا عنها غافلين كما قال سبحانه وتعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام {وقال شركاؤوهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس : 28].

جزء : 7 رقم الصفحة : 116

(7/176)


ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما لا دليل بوجه على عبادته , أتبعه بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه , فقال عاطفاً على {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} : {وإذا تتلى} أي تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة {عليهم آياتنا} أي التي لا أعظم منها ف يأنفسها وبإضافتها إلينا {بينات} لا شيء أبين منها قالوا - هكذا كان الأصل ولكنه بين الوصف الحامل لهم على القول فقال : {قال الذين كفروا} أي ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها - هكذا كان الأصل ولكنه قال : {للحق} أي لأجله {لما} أي حين {جاءهم} بيانها لأنها مع بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها دون تفكر : {هذا} أي الذي تلي {سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين *} أي ظاهر في أنه خيال , فدل قولهم هذا - بمبادرتهم إليه من غير تأمل أصلاً , وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه - على أنهم أكثر الناس عناداً وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في الإنصاف وألزمهم للصدق.

ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها , على أن ما يدينون به أوهى من الخيال , وأن هذاالكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت من الجبال , فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا : رجعنا عما كنا فيه وآمنا , كان موضع أن يقال : هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله , فعادله بقوله دليلاً عليه : {أم يقولون} مجددين لذلك متابعين له {افتراه} أي تعمد كذبه , فيكون ذلك من قولهم عجباً لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله كما يأتي في تقريره.

ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك , وقد قرحوا القلوب به فماذا يردهم عنه ؟ قيل : {قل} ما هو أشد عليهم من وقع النبل , وهو ما يرد ما رموك به عليهم بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحواً ليس دونها سحاب.

جزء : 7 رقم الصفحة : 119
ولما كان من عادة الملوك أنه
119

(7/177)


متى كذب عليهم أحد عاجلوه بالعقوبة قال : {إن افتريته} أي تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم , فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلاً , وذلك هو معنى قوله : {فلا تملكون} أي أيها المنصوحون في وقت من الأوقات بوجه من الوجوه {لي من الله} أي الملك الأعظم العزيز المتكبر الحكيم {شيئاً} مما يدر عني انتقامه مني لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب , فكيف بمن يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة ويلازمه مساء وصباحاً غدواً وراحاً , فأي حامل لي حينئذ عل ىافترائه , والمقصود به لا ينفعني , والمكذوب عليه لا يتركني ؛ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله : {هو أعلم} أي منكم ومن كل أحد {بما تفيضون فيه} من نسبتي إلى الكذب , فلو أنه كما تقولون ما ناظرني فضالاً عن أنه يؤيدني وينصرني , وفيه على ذلك تهديد لهم وتسلية له وتفريج عنه.

(7/178)


ولما كان الإملاء وحده ليس قاطعاً في ذكل وإن كان ظاهراً فيه , فكان لا بد في دعوى الصدق من دلي لقاطع وبرهان ساطع , وكانت شهادة الملك الذي الكلام فيه أعظم الأدلة لأنه الأعلم , ومدار الشهادة العلم , فأنتج الكلام قطعاً قوله : {كفى} وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقاً للفعل ونفياً للمجاز فقال : {به شهيداً} أي شاهداً بليغ الشهادة لأنه الأعلم بجميع أحوالنا {بيني وبينكم} يشهد بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى الكاذب , وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين وأنتم عرب مثلي , بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة والذين خالطوا العلماء وسمعوا أحاديث الأمم وضربوا - بعد بلاد العجم - في بلاد العرب , فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون {وهو الغفور} الذي من شأنه أن يمحو الذنوب كلها أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {الرحيم *} الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل بالتوفيق لما يرضيه , ففي هذا الختام ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في افتتاحها من الافتراء , وندب إلى الإحسان إليهم , وترغيب لهم في التوبة , ومنع من أن يقولوا : فلم لا يعاجلنا بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت صادقاً بأنه يجوز أن يمهل الكاذب , وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم منه أنه يزيد فيه فلا يجوز , لأن ذلك قادح ف يالحكمة وفي الكبرياء وفي الملك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 119
ولما كان من أعظم الضلال أن ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء لم يبتدعه , بل تقدمه بمثله ناس قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه الأزمان وتقرر غاية التقرر في القلوب والأذهان , قال تعالى : {قل} أي لهؤلاء الذين نسبوك إلى
120

(7/179)


الافتراء : {ما كنت} أي كوناً ما {بدعاً} أي منشئاً مبتدعاً محدثاً مخترعاً بحيث أكون أجنبياً منقطعاً {من الرسل} لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت به , وهو الحرف الذي طال النزاع بيني وبينكم فيه وعظم الخطب وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ودعوا إليه كما دعوت وصدقهم الله بمثل ما صدقني به , فثبتت بذلك رسالاتهم وسعد بهم من صدقهم من قومهم , وشقي بهم من كذبهم , فانظروا إلى آثارهم , واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم , قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : والبدعة الاسم لما ابتدع وضد البدعة السنة , لأن السنة ما تقدم له إمام , والبدعة ما اخترع على غير مثال , وفي الحديث "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" معنا - والله أعلم - أن يبتدع ما يخالف السنة إذ كانت البدعة ضد السنة , فإذا أحدث ما يخالفها كان بغحداثه لها ضالاً مشركاً , وكان من أحدث في النار , ولم يدخل تحت هذا ما يخترع الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكرنا إن كان له نظير في الأصول , وهو الحض على كل أفعال البر ما علم منها وما لم يعلم , فإن أحدث محدث منذلك شيئاً فكأنه زيادة فيما تقدم من البر وليس بضد لما تقدمه من السنة , بل هو باب من أبوابها , ويقولون : ما فلان ببدعة في هذا الأمر أي ليس هو بأول من أصابه ولكن سبقه غيره أيضاً , قال الشاعر :
ولست ببدع من النائبات ونقض الخطوب وإمرارها

(7/180)


ويقال : أبدع بالرجل - إذا كلت راحلته , وأبدعت الركاب إذا كلت وعطبت , وقيل : كل من عطبت ركابه فانقطع به فقد أبدع به , وقال في القاموس : والبدعة الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال , وأبدع بالرجل : عطبت ركابه , وبقي منقطعاً به , وأبدع فلان بفلان : قطع به وخذله , ولم يقم بحاجته , وحجته بطلت , وقال الصغاني في مجمع البحرين : وشيء بدع - بالكسر أي مبتدع , وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع , وقوم أبداع , عن الأخفش : والبديع المبتدع والبديع المبتدع أيضاً , وأبدعت حجة فلان - إذا بطلتب وأدبعت : أبطلت - يتعدى ولا يتعدى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 119
ولما أُبت بموافقته صلى الله عليه وسلم للرسل أصل الكلام وبقي أن يقال : إن التكذيب في أن الله أرسله به , قام الدليل على صدقه في دعواه , وذلك بأنه مماثل لهم في أصل الخلقة ليس له من ذاته من العلم إلا ما لهم , وليس منهم أحد يصح له حكم على المغيبات , فلولا
121

(7/181)


أن الله أرسله لما صح كل شيء حكم به على المستقبلات ولم يتخلف من ذلك شيء فقال : {وما أدري} أي في هذا الحال بنوع حيلة وعمل واجتهاد {ما} أي الذي {يفعل} أي من أيّ فاعل كان سواء كان هو الله تعالى بلا وساطة أو بواسطة غيره {بي} وأكد النفي ليكون ظاهراً في الاجتماع وكذلك في الانفراد أيضاً فقال : {ولا} أي ولاأدري الذي يفعل {بكم} هذا في أصل الخلقة وأنتم ترونني أحكم على نفسي بأشياء لا يختل شيء منها مثل أن أقول : إني آتيكم من القرآن بما يعجزكم , فلا تقدرون كلكم على معارضة شيء منه فيضح ذلك على سبيل التكرار لا يتخلف أصلاً , فلولا أن الله أرسلني به لم أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه كلكم , وإن قدرت على شيء كنتم أنتم أقدر مني عليه , وفي الآية بعمومها دليل على أن لله أن يفعل ما يشاء , فله أن يعذب الطائع وينعم العاصي , ولو فعل ذلك لكان عدلاً وحقاً وإن كنا نعتقد أنه لا يفعله.

ولما سوى نفسه الشريفة بهم في أصل الخلقة , وكان قد ميزه الله عنهم بما خصه من النبوة والرسالة , أبرز له ذلك - سبحانه وتعالى على وجه النتيجة فقال : {إن} أي ما {أتبع} أي - بغاية جهدي وجدي {إلا ما} أي الذي {يوحى} أي يجدد إلقاؤه ممن لا يوحي بحق إلا هو {إليّ} على سبيل التدريج سراً , لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري , ومنه ما أخبر فيه عن المغيبات فيكون كما قلت , فلا يرتاب في أني لا أقدر على ذلك بنفسي فعلم أنه من الله.

ولما نسبوه إلى الافتراء تارة والجنون أخرى , وكان السبب الأعظم في نسبتهم له إلى ذلك صدعهم بما يسوءهم على غير عادته السالفة وعادة أمثاله , قال على سبيل القصر القلبي : {وما أنا} أي بإخباري لكم عما يوحى إليّ {إلا نذير} أي لكم ولكل من بلغه القرآن {مبين *} أي ظاهر أني كذلك في نفسه مظهر له - أي كوني نذيراً - ولجميع الجزيئات التي أنذر منها بالأدلة القطعية.

جزء : 7 رقم الصفحة : 119
122

(7/182)


ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة , قبح عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم عنه من أهل الكتاب فقال تعالى : {قل أرءيتم} أي أخبروني وبينوا لي وأقيموا ولو ببعض حجة أو برهان {إن كان} أي هذا الذي يوحى إليّ وآتيكم به وأنذركم وأعلمكم أنه من الله فإنه {من عند الله} أي الملك الأعظم.

ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم , بل شأنهم تغطية المعارف والعلوم , عطف بالواو الدالة على مطلق الجميع الشامل لمقارنة الأمرين المجموعين من غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال : {وكفرتم به} أي على هذا التقدير {وشهد شاهد} أي واحد وأكثر {من بني إسرائيل} الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم {على مثله} أي مثل ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن , ومن أشرك فقد كفرن وأن الله أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم , فطابقت عليه كتبهم , وتظافرت به رسلهم , وتواتر على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام , ثم سبب عن شهادته وعقب وفصل فقال : {فآمن} أي هذا الذي شهد هذه الشهارة بهذا القرآن عندما رآه مصدقاً لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم , فاهتدى إلى وضع الشيء في محله فوضعه ولم يستكبر.

ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو الشماخة والأنفقة قال : {واستكبرتم} أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة , فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة أصلاً فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير موضعه فانسد عليكم باب الهداية.

جزء : 7 رقم الصفحة : 122

(7/183)


ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم , وكان من رد شهادة الخالق والخلق ظالماً شديد الظلم , فكان ضالاً علىعلم , قال الله تعالى مستأنفاً دالاً على أن تقدير الجواب : أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ظلماً عظيماً بوضع الكفرن موضع الإيمان , فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل على عمد {إن الله} أي الملك الأعظم ذا العزة والحكمة {لا يهدي القوم} أي الذين لهم قدرة على القيام بما يريدون محاولته {الظالمين *} أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير مواضعها , فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه ضلالكم , أما من كان منكم عالماً فالأمر فيه واضح , وأما من كان منكم جاهلاً فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى , وقال الحسن - كما نقله البغوي - الجواب : فمن أضل منكم كما قال في
123
" فصلت " {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} [فصلت : 52] فالآية من الاحتباك : ذكر الإيمان أولاً دليلاً على ضده ثانياً , والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانياً دليلاً على أضدادها أولاً , وسره أنه شكر سببي السعادة ترغيباً وترهيباً.

ولما دل على أن تركهم للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكباراً , عطف على قولهم {إنه سحر} ما دل على الاستكبار فقال تعالى : {وقال الذين كفروا} أي تعمدوا تغطية الحق {للذين} أي لأجل إيمان الذين {آمنوا} إذ سبقوهم إلى الإيمان : {لو كان} إيمانهم بالقرآن وبهذا الرسول {خيراً} أي من جملة الخيور {ما سبقونا إليه} ونحن أشرف منهم وأكثر أموالاً وأولاداً وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها , لكنه ليس بخير , فلذلك سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم فيما هو محسوس من أمورهم في المال والجاه.

(7/184)


ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم , أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض عنه فقال : {وإذ} أى وحين {لم يهتدوا به} يقولون عناداً وتكبراً : لو كان هدى لأبصرناه ولم يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.

ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم , أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض ولما كان التقدير : فإن قيل لهم : فما هو ؟ أجابه بقوله مسبباً عن هذا المقدر علماً من أعلام النبوة : {فسيقولون} بوعد لا خلف فيه لأن الناس أعداء ما جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيراً لسبقوا غيرهم إليه دليلاً : {هذا} أي الذي سبقتم إليه {إفك} أي شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه {قديم *} أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله.

جزء : 7 رقم الصفحة : 122
ولما كان هذا الكلام ساقطاً في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة على صدق القرآن وكان الوقوف مع المحسوسات غالباً عليهم لعدم نفوذهم في المعقولات , دل على بطلانه لموافقة القرآن لأعظم الكتاب القديمة التوراة التي اشتهر أنها من عند الله وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها بما لم يأت به قبله من المعجزات والآيات البينات وهم يستفتون أهلها , فقال على وجه التبكيت لهم والتوبيخ : {ومن} أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من {قبله} أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل مشكلاته وأعجزهم فصاحته {كتاب موسى} كلم الله وصفوته عليه الصلاة والسام وهو التوراة التي كلمه الله بها تكليماً حال كون كتابه {إماماً} أي يستحق أن يؤمه كل من سمع به في أصول الدين مطلقاً وفي جميع ما فيه قبل تحريفه
124

(7/185)


ونسخه وتبديله {ورحمة} لما فيه من نعمة الدلالة على الله والبيان الشافي فهبهم طعنوا في هذ االقرآن وهم لا يقدرون على الطعن في كتاب موسى الذي قد سلموا لأهله أنهم أهل العلم وجعلوهم حكماء يرضون بقولهم في هذا النبي الكريم , وكتابهم مصادق لكتابهم فقد صروا بذلك مصدقين بما كذبوا به , ولذلك قال الله تعالى : {وهذا} أي القرآن المبين المبيّن {كتاب} أي جامع لجميع الخيرات.

ولما أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية , حذف المتعلق فقال : {مصدق} أي لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءةت به الرسل ناطقة بتوحد الله وأن هذا الكتاب لميخرج عن هذا فأنّى يضح فيهما هذا شأنه أن يكون إفكاً , إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه وتواثها أولياؤه.

ولما كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان المكذب به فيكون في التكذيب أقل ملامة , احترز عن ذلك بقوله : {لساناً} أي أشير إلى هذا المصدق القريب منكم زماناً ومكاناً وفهماً حال كونه {عربياً} في أعلى طبقات اللسان العربي مع كونه أٍهل الكتب تناولاً وأبعدها عن الكليف , ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة المعاني وعلو النظم ورصافة السبك ووجازة العبارة , وظهور المهاني ودقة الإشارة مع سوهلة الفهم وقرب المتناول بعد بعد المغزى.

(7/186)


ولما دل على أن الكتاب حق , بين ثمرته فقال : {لينذر} أي أشير إلى الكتاب في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه {الذين ظلموا} سواء كانوا عريقين في الظلم أم لا , فأما العريقون فهو لهم نذري كاملة , فإنهم لا يهتدون كما تقدم , وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد بعبارته وإشارته , وليبشر الذين أحسنوا في وقت ما {ما} هو {بشرى} كاملة {للمحسنين *} لا نذارة لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة , فالآية من الاحتباك : أثبت أولاً {ينذر} و{الذين ظلموا} دلالة على حذف نحوه ثانياً , {وبشرى} و{للمحسنين} ثانياً دلالة على {نذري} {وللظالمين} أولاً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 122
ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفاً في جواب من سأل عنهم وعن بشراهم : {إن الذين قالوا ربنا} أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا {الله} سبحانه وتعاللى لا غيره.

ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ما يرضي الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة , وكانت ف يالغالب لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة , أشار إلى كل من بعدها وعلو رتبتها بأداة التراخي فقال : {ثم} أي بعد قولهم ذلك الذي وحدوا به {استقاموا} أي طلبوا القوم طلباً عظيماً وأوجدوه.

125
ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين , عد أعمالهم أسباباً فأخبر عنهم بقوله : {فلا خوف عليهم} أي يعلوهم بغلبة الضرر , ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي , ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه جلالاً ورفعة وكمالاً , فاملنفي خوف يقلق النفس {ولا هم} في ضمائرهم ولا في ظواهرهم {يحزنون *} أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلاً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 122

(7/187)


ولما نفى عنهم المحذور , مدهم بإيثار السرور , فقال تعالى : {أولائك} أي العلو الدرجات {أصحاب الجنة} ولما دلت الصحبة على الملازمة , صرح بها بقوله تعالى : {خالدين فيها} خلوداً لا آخراً له , جوزوا بذلك {جزاء} ولما كانوا محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسباباً أولاً وثانياً , فقال مشيراً إلى دوامها لأنها في جبلاتهم {بما كانوا} أي طبعاً وخلقاً {يعملون *} على سبيل التجديد المستمر.

ولما تفضل سبحانه وتعالى على الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره عليها ووفقه لها أسباباً قرن بالوصية بطاعته - لكونه المبدع - الوصية بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب الإيجاد , فقال في هذا السياق الذي عد فيه الأعمال لكونه سياق الإحسان التي أفضلها الصلاة على ميقاتها , وثانيها في الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح , وفي الترمذي : "رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما" وعلى هذا المنوال جرت عادة القرآن يوصي بطاعة الوالدين بعد الأمر بعبادته {وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً} [البقرة : 83] {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} [النساء : 36] وكذاما بعدهما عاطفاً على ما قدرته أو السورة من نحو أن يقال : وأمرنا الناس أجميعن أن يكونوا بطاعتنا في مهلة الأجل عاملين ولمعصيتنا مجتنبين : {ووصينا الإنسان} أي هذا النوع الذي أنس بنفسه {بوالديه} ولما
126
استوفى {وصى} مفعوليه كان التقدير : ليأتي إليهما حسناً , وقرأ الكوفيون : {إحساناً} وهو أوفق للسياق.

جزء : 7 رقم الصفحة : 126

(7/188)


ولما كان حق الأب ظاهراً لا له من الكسب والإنفاق والذب والتأديب لم يذكره , وذكر ما للأم لأن أمده يسير , فربما استهين به فقال مستأنفاً أو معللاً : {حملته أمه} أي بعد أن وضعه أبوه بمشاركتها في أحشائها , حملاً {كرهاً} بثقل الحبل وأمراضه وأوصابه وأعراضه {ووضعته} أي بعد تمام مدة حمله {كرهاً} فدل هذا - مع دلالته على وجوب حق الأم - على أن الأمر في تكوينه لله وحده , وذكر أوسط ما للأم من مدة التعب بذكر أقل مدة الحمل وأنهى مدة الرضاع لانضباطها فقال تعالى : {وحمله وفصاله} أي ومدة حمله وغاية فطامه من الرضاع , وعبر بالفصال لإرادة النهاية لأن الفطام قد يكون قبل النهاية لغرض ثم تظهر الحاجة فتعاد الرضاعة {ثلاثون شهراً} فانصرف الفصال إلى الكامل الذي تقدم في البقرة فعرف أن أقل مدة الحمل ستة أشهر , وبه قال الأطباء , وربما أشعر بأن أقل مدة الرضاع سنة وتسعة أشهر لأن أغلب الحمل تسعة أشهر.

(7/189)


ولما كان ما بعد ذلك تارة يشترك في مؤنته الأبوان وتارة ينفرد أحدهما , طوي ذكرهما , وذكر حرف الغاية مقسماً للموصي إلى قسمين : مطيع وعاصي , ذاكراً ما لكل من الجزاء بشارة ونذارة , إرشاداً إلى أن المعنى : واستمر كلاًّ على أبويه أو أحدهما {حتى إذا بلغ أشده} قال في القاموس : قوته , وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين , واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما , أوجمع لا واحد له من لفظه , أو واحده شدرة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل , أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب , وما هما بمسموعين بل قياس - انتهى , وقد مضى في سورة يوسف ما ينفع هنا جداً , وروى الطبراني في ترجمة ابن أحمد بن لبيد البيروتي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الأشد ثلاث وثلاثون سنة , وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم - قال الهيثمي : وفيه صدقة بن يزيد وثقة أبو زرعة وأبو حاتم وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله ثقات , قال الزمخشري : وهو أول الأشد وغايته الأربعون : ولما كانت أيام الصبى والشباب وإن كانت صفوة عمر الإنسان وأوقات لذاذته ومجتمع شمله وراحاته فيها يظهِر له سر عمره في الغالب لغلبة الأنفس الخبيثة عليه البهيمية والسبعية
127

(7/190)


لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات , عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيهاً على ذلك , فقال شارحاً للستواء ومعبراً عنه : {وبلغ أربعين سنة} فاجتمع أشده وتم حزمه وجده , وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل , ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء , وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين {قال} إن كان محسناً قابلاً لوصية ربه : {رب} أي أيها المحسن إليّ بالإجياد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره {أوزعني} أي اجعلني أطيق {أن أشكر نعمتك} أي وازعاً للشكر أي كافاً مرتبطاً حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات , وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق , ووحدها تعظيماً للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس.

جزء : 7 رقم الصفحة : 126
ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى : أن أشكر لك لكونك قادراً على الإنعام , قال : {التي أنعمت عليّ} أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي {وعلى والديّ} ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن , لأن النعمة عليهما نعمة عليّ , وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد , أتبعها تمام الشكر فقال , {وأن أعمل} أي أنا في خاصة نفسي {صالحاً}.

ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال : {ترضاه} والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر الله حق قدره أحد.

(7/191)


ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه , لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه , حثاً على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال : {وأصلح} أي أوقع الإصلاح , وقال : {لي في ذريتي} لأن صلاحهم يلحقه نفعه , والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفاً له أن يكون ثابتاً راسخاً سراياً فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين.

ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان إغلبه ضائعاً فدعا , وكان من شرط قبول الدعاء التوبة , علله بقوله : {إني تبت} أي رجعت {إليك} أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك , وأكده إعلاماً بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به , وكذا قوله : {وإني من المسلمين *} أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه.

ولما وصف هذا المؤمن بادئاً به لكونه في سياق الإحسان , وكان المراد بالإنسان
128

(7/192)


الجنس , قال مادحاً له بصيغة الجمع منبهاً على أن قبول الطاعات مشروط ببر الوالدين لأن ما ظهر دليل ما بطن , ومن لا يشكر من كان من جنسه لا سيما وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده لم يشكر الله كما في الحديث "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ومن صلح ما بينه وبني الله صلح ما بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب نسباً أو مكاناً لا سيما الوالدين : {أولائك} أي العالو الرتبة {الذين نتقبل} بأسهل وجه {عنهم} وأشار سبحانه بصيغة التفعل إلى أنه عمل في قبوله عمل المعتني , وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيه وفي الذي بعده , ويدل على ذلك قوله تعالى : {أحسن} ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو الطاعات ويكون ما دون الأحسن مقبولاً , قبولاً مطلقاً على مقدار النية فيه , وتكون التعدية بعن إشارة إلى أن جبلاتهم مبنية على الترقي في معارد الكمال في كل وقت إلى غير نهاية , فتكون هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم مجبولون على أعلى منها في نهاياتهم والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى : {ما علموا} ولم يقل : أعمالهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 126
ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسناً , نبه على ذلك وعلى أن شرط تكفير السيئات التوبة بقوله تعالى : {ونتجاوز} أي بوعد مقبول لا بد من كونه , وهو معنى قراءة حمزة والكسائي بالنون في الفعلين {عن سيئاتهم} أي فلا يعابهم عليها.

ولما كان هذا مفهمهماً لأنهم من أهل الجنة , صرح به زيادة في مدحهم بقوله : {في أصحاب الجنة} أي أنه فعل بهم ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا فيه لأنهم ما برحوا بعين الرضا.

ولما كان هذا وعداً , أكد مضمونه بقوله : {وعد الصدق} لكونه مطابقاً للواقع {الذين كانوا} بكون ثابت جداً {يوعدون *} أي يقطع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم , وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.

جزء : 7 رقم الصفحة : 126

(7/193)


ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئاً به لكون المقام للأحسان , أتبعه المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحاً في مطلعها فقال تعالى : {والذي قال لوالديه} مع اجتماعهما كافراً فنعمهما نابذاً لوصيتنا بهما فكان كافراً بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقاً , والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبداً ,
129
لأن العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولو كان واحداً , وأن الاجتماع مطلقاً له تأثير فكيف إذا كان والداً : {أف} أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني ولغاتها أربعون - حكاها في القاموس , والمتواتر منها عن القرء ثلاث : الكسر بغير تنوين وهو قراءة الجمهور , والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن بسفول ثابت , ومع التنوين وهو قراءة المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول عظيم سائر معالدهر بالغلبة والقهر , والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب , والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعو والانتشار مع الدوام , وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن التأفيف أنهى الأذى وأشده , فإن معناه أن المؤفف به لاخطر له ولا وزن أصلاً , ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 129

(7/194)


ولما كان كأنه قيل : لمن هذا التأفيف ؟ قال : {لكما} ولما كانا كأنهما قالا له : لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به , قال مبكتاً موبخاً منكراً على تقدير كونه وعداً : {أتعدانني} أي على سبيل الاستمرار بالتجديد في كل وقت {أن أخرج} أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت تراباً أحيى كما كنت أول مرة {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} أي تقدمت وسبقت ومضت على سنن الموت {القرون} أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم , وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدرة طويلة , فالانخرام في ذلك غير مستغرق للزمان فقال : {من قبلي} أي قرناً بعد قرن وأمة بعد أمة وتطاولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب , وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم {وهما} أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبول كلامهما , قائلين لولدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء : {ويلك} كما يقول المشفق إذا زاد به الكرب وبلغ منه الغم , إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك {آمن} أي أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره , وهو الذي ينقذ من كل هلكة , ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله , ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا : {إن وعد الله} أي الملك الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة {حق} أي ثابت أعظم ثبات لانه لو لم يكن حقاً لكان نقصاً من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل العرب فكيف وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضم على بعض {فيقول} مسبباص عن قولهما ومعقباً له : {ما هذا} أي
130

(7/195)


الذي ذكرتماه لي من البعث {إلا أساطير الأولين *} أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم الأعمار جيلاً بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة , بل يحمله التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر , وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر , والطبر وأفعال الشر , ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهو لا ينفي أنه متحتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها باريها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 129
ولما كان هذا الكلام , ومع بلوغ النهاية في حسن الانتظام , وقد حصر الإنسان هذين القسمين مثلاً بليغاً لكفار العرب ومؤمنيهم , فالأول للمؤمنين التابعين لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام , الآتي بها أعظم أنيائه الكرام محمد عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلاً يتوارثونه من آبائهم , وق {آناً معجزاً كأنهم سمعوه من خالقهم أناه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله , وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا السوءتين , خزي الدنيا وعذاب الآخرة , أخبر عنهم بما أنتجه نقلاً يتوارثونه من آبائهم , وقرآناً معجزاً كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله , وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحوا كلتا السوءتين , خزي الدنيا وعذاب الآخرة , أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعد ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أو تعليماً بقوله : {أولائك} أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير {الذين حق} أي ثبت ووجب.

(7/196)


ولما كان هذا وعيداً , دل عليه بأداة الاستعلاء فقال : {عليهم القول} أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين , وهذا يكذب من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما , فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين , فحقت له الجنة.

ولما أثبت لهم هذه الشنيعة , عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال : {في} أي كائنين في {أمم} أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضاً {قد خلت} تلك الأمم.

ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين , أدخل الجار فقال : {من قبلهم} فكانوا قدوتهم {من الجن} بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم , وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهملهم وتسلطهم عليهم ظاهراً وباطناً إلا القرآن , فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره {والإنس} وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم , ثم علل حقوق الأمر عليهم أو استأنف بقوله مؤكداً تكذيباً لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع الأكثر : {إنهم} أي كلهم {كانوا} أي جبلة وطبعاً وخلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه {خاسرين *} أي عريقين في هذا الوصف.

131
جزء : 7 رقم الصفحة : 129
ولما قسمهم في الأعمال , جمعهم في العدل والإفضال فقال : {لكل} أي من فريقي السعداء والبعداء من القبيلتين : الجن والإنس , في الدنيا والآخرة {درجات} أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين فيها {من} أجل {ما عملوا} أو من جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة.

(7/197)


ولما كان التقدير : ليظهر ظهوراً بيناً أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوته بين العقلاء ويظهر بيناً لا وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم في الدنيا , فإن حجب المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه , عطف عليه قوله في قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه : {وليوفيهم} أي ربهم الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له , وقراءة الباقين بالنون أنسب لمطلع السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم الفصل.

ولما كان سبحانه يعلم مثاقيل اذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على حسبها في المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن الجزاء هو العمل قال : {أعمالهم} أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ظاهر , أو نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان , وسورة الرحمن كلها خطاب للثقلين بالثواب لأهل الطاعة , والعقاب لأهل المعصية من كل من القبيلتين ؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه , ويجزى مطيعهم بالثواب كما يجازى عاصيهم بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك وغيرهم كما نقله البغوي {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون *} أي لا يتجدد لهم شىء من ظالم ما من ظلم في جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص من ثواب , بل الرحمانية كما كانت لهم في الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا يظلم ربك أحداً بأن يعذبه فوق ما يستحقه من العقاب , أو ينقصه عما يستأهل من الثواب.

جزء : 7 رقم الصفحة : 132
ولما كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها , قال ذاكراً بعض ما يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية جزاء الأعمال , عاطفاً على ما تقديره : اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن يكونوا المسيئين فيكونوا من المحسنين : {ويوم} أي واذكر لهم يوم يعرضون - هكذا كان الأصل ولكنه أظهر
132

(7/198)


الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن الأمر كان ظاهراً لهم ولكنهم ستروا , أنوار عقولهم فقال : {يعرض الذين كفروا} أي من الفريقين المذكورين {على النار} أي يصلون لهبها ويقلبون فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى , مقولاً لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والشتنيع لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها مع مخالفة أمره سبحانه ونهيه : {أذهبتم} في قراءة نافع وأبي عمرو والكوفيين بالإخبار , وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ {طيباتكم} أي لذاتكم باتباعكم الشهوات {في حياتكم} ونفر منها بقوله تعالى : {الدنيا} أي القريبة الدنية لأجلها حتى نلتموها {واستمتعتم} أي طلبتم وأوجدتم انتفاعكم {بها} وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم.

ولما كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء , سبب عنه قوله تعالى : {فاليوم تجزون} أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون التقصي من جزائه بأيسر أمر منه {عذاب الهون} أي الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي فيه ذلك وخزي {بما كنتم} جبلة وطبعاً {تستكبرون} أي تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار {في الأرض} التي هي لكونها تراباً وموضوعة على الزوال والخراب , أحق شيء بالتواضع والذل والهوان.

ولما كان الاستكبار يكون بالحق لكونه على الظالمين فيكون ممدوحاً , قيده بقوله : {بغير الحق} أي الأمر الذي يطابقه الواقع وهو أوامرنا ونواهينا , ودل بأداة الكمال على أنه لا يعاقب على الاستكبار مع الشبهة {وبما كنتم} على الاستمرار {تفسقون *} أي تجددون الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو إليه الفطرة الأولى العقل إلى نوازع المعاصي.

(7/199)


ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية , وستر الأمر بالتذكير بها لكونها مستورة وهم بها يكذبون في قوله " ويوم " , وختم بالعذاب على الاستكبار المذموم والفسق , عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة لأنهم متقيدون بها مصرحاً بالأمر بالذكر فقال تعالى : {واذكر} أي لهؤلاء الذين لا يتعظون بمحط الحكمة الذي لا يخفى على ذي لب , وهو البعث.

جزء : 7 رقم الصفحة : 132
ولما كان أقعد ما يهددون به في هذه السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى الناس أبداناً وأعتاهم رقاباً وأشدهم قلوباً وأوسعهم ملكاً وأعظمهم استكباراً بحيث كانوا يقولون {من أشد منا قوة} وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا يفنى , فلا يعمله إلا من نسي الموت أو رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه الأرض لأن ملكهم عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ومعرفتهم
133
بأخبارهم ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم بدعاء من دعا منهم , ذكر أمرهم على وجه دل على مقصود السورة , وعبر بالأخوة تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون مناقبه ومفاخره أنكأ فقال : {أخا عاد} وهو أخو هود عليه الصلاة والسلام الذي كان بين قوم لا يعشرهم قومك في قوة ولا مكنة , وصدعهم مع ذلك بمر الحق وبادأهم بأمر الله , لم يخف عاقبتهم ونجيته منهم , فهو لك قدوة وفيه أسوة , ولوقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة.

(7/200)


ولما ذكره عليه الصلاة والسلام لمثل هذه المقاصد الجليلة , أبدل منه قصته زيادة في البيان , فقال مبيناً أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة : {إذ} أي حين {أنذر قومه} أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه {بالأحقاف} قال الأصبهاني : قال ابن عباس : واد بين عمان ومهرة , قال : وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة , إليه ينسب الإبل المهرية , وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع , فإذاهاج العود رجعوا إلى منازلهم , وكانوا من قبيلة إرم.

وقال قتادة : كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر , والأحقاف جمع حقف بالكسر , وهو رمل الربيع , فإذا هاج العود رجعوا إلى منازله , وكانوا من قبيلة إرم.

وقال قتادة : كانوا مستطيل مرتفع فيه انحناء , وقال ابن زيد : هو ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً , وقال في القاموس : وهو الرمل العظيم المستدير , وأصل الرمل , واحقوقف الرمل والظهر والهلال : طال واعوج.

ومن الأمر الجلي أن هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها غالبة شديدة لأنه لو كان ذلك انسف الجبل نسفاً بخلاف بلاده الجبال كمكة المشرفة , فإن الريح تكون بها غاية في الشدة لأنها إما أن تصك الجبل فتنعكس راجعة بقوة شديدة , أو يكون هناك جبال فتراد بينها أو تنضغط فتخرج مما تجد من الفروج على هيئة مزعجة فينبغي أن يكون أهل الجبال أشد من ذلك حذراً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 132
ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم لما ذكر من المقاصد , ذكر أنهم أعرضوا عنه ولم يكن بدعاً من الرسل ولا كان قومه جاهلين بأحوالهم , فاستحقوا العذاب تحذيراً من مثل حالهم , فقال : {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} أي مرت ومضت وماتت {النذر} أي الرسل الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار.

(7/201)


ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقاً لجميع الأزمنة , أدخل الجار فقال : {من بين يديه} أي قبله كنوح وشيث وآدم عليه الصلاة والسلام فما كان بدعاً منها {ومن خلفه} أي الذين أتوا من بعده فما كنت أنت بدعاً منهم.

ولما أشار إلى كثرة الرسل , ذكر وحدتهم في أصل الدعاء , فقال مفسراً للإنذار معبراً بالنهي : {ألا تعبدوا} أي أيها العباد المنذرون , بوجه من الوجوه , شيئاً من الأشياء {إلا الله} الملك الذي لا ملك
134
غيره ولا خالق سواه ولا منعم إلا هو , فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم , والملك لا يقر على مثل هذا.

ولما أمرهم ونهاهم , علل ذلك فقال محذراً لهم من العذاب مؤكداً لما لهم من الإنكار لاعتمادهم على قوة أبدانهم وعظيم شأنهم : {إني أخاف عليكم} لكونكم قومي وأعز الناس علي {عذاب يوم عظيم *} لا يدع جهة إلا ملأها عذابه , إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 132
ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة , أجيب بقوله تعالى : {قالوا} أي منكرين عليه : {أجئتنا} أي يا هود {لتأفكنا} أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه {عن آلهتنا} فلا نعبدها ولا نعتد بها.

ولما كان معنى الإنكار النفي , فكان المعنى : إنا لا ننصرف عنها , سببوا عنه قولهم {فأتنا بما تعدنا} سموا الوعيد وعداً استهزاء به.

ولما كان ذلك معناه تكذيبه , زادوه وضوحاً بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال : {إن كنت} أي كما يقال عنك.

كوناً ثابتاً {من الصادقين *} في أنك رسول من الله وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا.

(7/202)


ولما تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم عليه الصلاة والسلام إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه , وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما اللازم منه أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون , وكانوا كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل : بم أجابهم ؟ فقيل : {قال} مصدقاً لهم في سلب علمه بذلك وقدرته عليه , مكذباً لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع : {إنما العلم} أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره {عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال , فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ولاعلم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة.

ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة , فكان التقدير : فليست القدرة على الإتيان بعذابكم إلا له سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري , وليس عليّ إلا البلاغ كما أوحى إليّ ربي بقوله سبحانه {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى : 48] وقد أبلغتكم ما أرسلت به
135
إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه فهو يحث يخشى عليه الأخذ , عطف عليه قوله : {وأبلغكم} أي أيضاً في الحال والاستقبال {ما أرسلت} أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره , فإنه يقدر على نصر رسوله {به} أي من التوحيد وغيره , سواء كان وعداً أو وعيداً أو غيرهما لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 135

(7/203)


ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس عليّ إلا ذلك , وكان معنى قصر العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك , حسن قوله مستدركاً علمه بجهلهم : {ولكني أراكم} أي أعلمكم علماً هو كالرؤية {قوماً} غلاظاً شداداً عاسين {تجهلون *} أي بكم مع ذلك صفة الجهل , وهو الغلظة في غير موضعها مع قلة العلم , تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن يحترز منه , وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على العذاب ونحوه.

(7/204)


ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود , استمروا على جهلهم وعادتهم في الأمرن وعدم تجويز الانتقام , وكأن إتيانه كان قريباً من استعجالهم به , فلذلك أتى بالفاء في قوله مسبباً عن تكذيبهم مبيناً لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات , مفصلاً لما كان من حالهم عند رؤية البأس : {فملا رأوه} أي العذاب الذي يعدهم به {عارضاً} أي سحاباً أسود بارزاً في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر , حال كونه قاصداً لعارضاً فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافاً إلى معرفة , وكذا " ممطرنا " {قالوا} علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل , لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم : {هذا عارض} أي سحاب معترض في عرض السماء أي ناحيتها {ممطرنا} لكونهم رأوه أسود مرتاداً فظنوه ممتلئاً ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم , علماً منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئاً , غافلين عن ذنوبهم الموجبة لعذابهم , فلذلك قال الله تعالى مضرباً عن كلامهم , والظاهر أنه حكاية لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب كلامهم : {بل هو} أي هذا العارض الذي ترونه {ما استعجلتم به} أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من العذاب.

136

(7/205)


ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال : {ريح} أي ركمت هذا السحاب الذي رأيتموه {فيهاعذاب أليم *} أي شديد الإيلام , كانت تحمل الظعينة في الجو تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة , وكانوا يرون ما كان خارجاً عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ثم تقذف بهم {تدمر} أي تهلك إهلاكاً عظيماً شديداً سريعاً تأتي بغتة على طريق الهجوم {كل شيء} أي أتت عليه , هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه الصلاة والسلام ومن آمن به رضي الله عنهم فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق للعادة , والجملتان يحتمل أن تكونا وصفاً لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز للنفس وأعجب أن تكونا استئنافاً , ولما كان ربما ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها قال : {بأمر ربها} أي المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام بها من أعدائه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 135

(7/206)


ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل , وكان التقدير : جاءتهم فدمرتهم لم تترك منهم أحداً , سبب عن ذلك زيادة في التهويل قوله : {فأصبحوا} ولما اشتد إصغاء السامع إلى كيفية إصباحهم , قال مترجماً لهلاكهم : {لا ترى} أي أيها الرائي , فلما عظمت روعة القلب وهول النفس قال تعالى : {إلا مساكنهم} أي جزاء على إجرامهم , فانطبقت العبارة على المعنى , وعلم أن المراد بالإصباح مطلق الكون , ولكنه عبر به لأن المصيبة فيه أعظم , وعلم أنه لم يبق من المكذبين ديار ولا نافخ نار , وهذا كناية عن عموم الهلاك لهم سواء كان الرمل دفنهم أو على وجه الأرض مرتبين كما في الآية الأخرى {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} [الحاقة : 7] وروي أن هوداً عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح اعتزل بمن آمن معه في حظيرة فأمالت الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا لعبوا , فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام , ثم كشفت عنهم فاحتملتهم فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم فيه روح ولم يصب هوداً عليه الصلاة والسلام ومن معه رضي الله عنهم منها إلا ما لين أبشارهم ونعش أرواحهم , والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم يصبح الصباح ومنهم أحد يرى.

ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب , قال تعالى منبهاً على زبدة المراد بطريق الاستئناف : {كذلك} أي مثل هذا الجزواء الهائل في أصله أو جنسه أو نوعه أو شخصه من الإهلاك {نجزي} بعظمتنا دائماً إذا شئنا {القوم} وإن كانوا أقوى ما يكون {المجرمين *} أي العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع , وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع , فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا.

137
جزء : 7 رقم الصفحة : 135

(7/207)


لوما كان هذا محلاً يتوقع فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا الدفع لمانع فيهم أو لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه , قال ذاكراً حرف التوقع مخوفاً للعرب مقسماً لأن قريشاً قد قال قائلهم : إنهم يدفعون العذاب بدفع الزبانية , ونحوها : {ولقد} أي فعل بهم ذلك والحال أنا وعزتنا قد {مكناهم} تمكيناً تظهر به عظمتنا {فيما إن} أي الذي ما {مكناكم فيه} من قوة الأبداء وكثرة الأموال وغيرها , وجعل النافي " أن " لأنها أبلغ من " ما " لأن " ما " تنفي تمام الفوت لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك و" أن " تنفي أدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه من تمامه لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف والنون لمطلق الإظهار - هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار إلى غير ذلك من بدائع الأسرار.

(7/208)


ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فرمبا ظنت أنها فيالعقل ومقدماته من الحواس أمكن منهم , وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فيهمهم , قال تعالى : {وجعلنا} أي جعلاً يليق بما " زدناهم عليكم " من المكنة على ما اقتضته عظمتنا {لهم سمعاً} بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ما في الآيات المرئيات من المواعظ , المرئيات من مطابقة واقعها لأخبار السمع , وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار , وكذا في قوله : {وأفئدة} أي قلوباً ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم , وختم بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى , وعبر بما هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء {فما أغنى عنهم} في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود عليه الصلاة واسلام ثم النقمة بيد الريح {سمعهم} وأكد النفي بتكرير النافي فقال : {ولا أبصارهم} وكذا في قوله : {ولا أفئدتهم} أي لما أردنا إهلاكهم , وأكد بإثبات الجار فقال : {من شيء} أي من الإغناء , وإن قلّ لا في دفع العذاب , ولا في معرفة الصواب , بل صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبغي
138
تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل :
جزء : 7 رقم الصفحة : 138
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولما ذكر نفي الإناء , ذكر ظفره على وجه يفهم التعليل , فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال : {إذ كانوا} أي طبعاً لهم وخلقاً {يجحدون} أي يكررون على مر الزمان الجحد {بآيات الله} أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم {وحاق} أي أحاط على جهة الأحراق والعظم بأمور لكونه خلقاً وجه المخلص منها {بهم ما} أي عقاب الذي {كانوا} على جهة الدوام لكونه خلقاً لهم {به يستهزءون *} أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه.

(7/209)


ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم , أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك , فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه , {ولقد أهلكنا} بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد {ما حولكم} أي يا أهل مكة {من القرى} كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر , ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً , فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات فقال عاطفاً بالواو التي لا يمنع معوطفها التقدم على ما عطف عليه : {وصرفنا الآيات} أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات , خالصة عن كل شبهة.

ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه , بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال : {لعلهم} أي الكفار {يرجعون *} أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا , فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم.

ولما كانوا قد جعلوا محط الهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت , وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة , وكان أددنى الأمور التسوية بينه وبين عذاب الدنيا , سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم :
139

(7/210)


{فلولا} أي فهل لا ولم لا {نصرهم} أي هؤلاء المهلكين {الذين اتخذوا} أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا , وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال : {من دون الله} أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم {قرباناً} أي لأجل القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله {آلهة} أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 138
ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم , أضرب عنه فقال : {بل ضلوا} أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا {عنهم} وقت بروك النقمة وقروع المثلة حساً ومعنى.

ولما كان التقدير : فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل جداً البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا , عطف عليه قوله : {وذلك} أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون : إن أثوانهم آلهة , وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده {إفكهم} أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها , ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب , أي وهذا العذاب جزاؤهم في مقابلة إفكهم {وما كانوا} أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم {يفترون *} أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى.

(7/211)


ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان معتصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين , قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتواً وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصاً , فقال جواباً عما وقع له صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف , دالاً على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه صلى الله عليه وسلم وتوبيخاً لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفاً على ما تقدره : اذكر هذه الأخبار : {وإذ} أي واذكر حين {صرفنا إليك} أي وجهنا توجيهاً خالصاً حسناً متقناً فيه ميل إليك وإقبال عليك , وإعراض عن غيرك , بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك رداً تكاد تنشق منه المرائر , وتسل من تذكاره النواظر.

جزء : 7 رقم الصفحة : 138
ولما كان استعطاف من جل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في النعمة , عبر بما يدل على ذلك فقال : {نفراً} وهو اسم يطلق على ما دون العشرة , وهو المراد هنا , ويطلق على الناس كلهم , وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم {من الجن} من أهل نصيبين من الناحسة التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به لسيديه عتبة وشيبة ابني
140

(7/212)


ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا لنفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق , وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس , ثم وسفهم بقوله : {يستمعون القرآن} أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير , الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك , ودل على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلاً لحالهم : {فلما حضروه} أي صاروا بحيث يسمعونه {قالوا} أي قال بعضهم ورضي الآخرون : {أنصتوا} أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظاً للأدب على بساط الخدمة , وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضاً مع معلمه , قال القشيري : فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار , والثورات والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيفظ ونقصان من الاطلاع , ودل على أن ما استمعوه كان يسيراً وزنه قصيراً , وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى : {فلما} أي فأنصتوا فحين {قضي} أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أيّ قارئ كان {ولوا} أي أوقعوا التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم {إلى قومهم} الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه , ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى : {منذرين *} أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال ابن عباس رضي الله عنهما : جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 138
141
الكامل في جميع ذلك {وإلى طريق} موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله {مستقيم *} فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة , لا يمكن أن يكون فيه عوج , فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقاً يكون وتراً لما تقوس منه.

(7/213)


ولما أخبروهم بالكتاب وينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إيه , فكان قومهم جديرين بأن يقولوا : فما الذي ينبغي أن نفعل ؟ أجابوهم بقوله : {يا قومنا} الذين لهم قوة العلم والعمل {أجيبوا داعي الله} أي الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال , فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق , فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره.

ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم , عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا : {وآمنوا به} أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر , فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب , أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم : {يغفر لكم} : فإنه يستر ويسامح {من ذنوبكم} أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله
142
تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا " من " إعلاماً بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات ولنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} [الشورى : 30] {ويجركم} أي يمنعكم " إذاأجبتم " منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه {من عذاب أليم *} واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه السورة {ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام : 132] في إثبات الثواب , ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها.

جزء : 7 رقم الصفحة : 141

(7/214)


ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم , أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه فقالوا : {ومن لا يجب} أي لا يتجدد منه أن يجيب {داعي الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم جميع الخلق.

ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم الرسالة , وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصياً مستحقاً للعذاب , عبر عن عذابه , بما دل على تحتمه فقال تعالى : {فليس بمعجز} أي لما يقضي به عليه {في الأرض} فإنه آ]ة سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به {وليس له من دونه} أي الله الذي لا يجير إلا هو {أولياء} يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله.

ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه , وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي واحداً أو أكثر , أنتج قوله سبحانه وتعالى معبراً بالجمع لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع : {أولائك} أي البعيدون من كل خير {في ضلال مبين *} أي ظاهر في نفسه أنه ضلال , مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به , قال القشيري : ويقال : الإجابة على ضربين : إجابة الله , وإجابة الداعي , فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم , وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته صلى الله عليه وسلم على لسان السفير , وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب , فمستجيب بنفسه , ومستجيب بقلبه , ومستجيب بروحه , ومستجيب بسره , ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان يخاطب به.

143
جزء : 7 رقم الصفحة : 141

(7/215)


ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أًول الدين وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته , وختم بضلالة من لم يجب الداعي , نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلا والجمال وقدرته على الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين , فقال مبكتاً لهم على ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكراً عليهم وموبخاً لهم مرشداً بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : ألم ير هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من أعلام الدلائل وواضح الرسائيل في المقاصد والوسائل , عطفاً عليه قوله تعالى رداً لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين بالحق : {أو لم يروا} أي يعلموا علماً هو في الوضوح كالرؤية {أن الله} ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله : {الذي خلق السموات} على ما احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر {والأرض} على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر {ولم يعي} أي يعجز , يقال : عيي بالأمر - إذ لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه , قال الزجاج : يقال : عييت بالأمر - إذ لم تعرف وجهه , وأعييت : تعبت , وفي القاموس : وأعيى بالأمر : كل {بخلقهن} أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى نقصان فيهما أو في إحدهما , وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز " إن " فقال تعالى : {بقادر} أي قدرة عظيمة تامة بليغة {على أن يحيي} أي على سبيل التجديد مستمراً {الموتى} والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيراً منها ذكر اختراعه أصغر شأناً وأسهل صنعاً.

(7/216)


ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي , أجابه بقوله تعالى {بلى} قد علموا أنه قادر على ذلك علماً هو في إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك , وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم , ولكنهم عن ذلك , غافلون لأنهم عنه معرضون , ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة القدرة , علل ذلك مؤكداً له بقوله مقرراً للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا
144
الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به {إنه على كل شيء} أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به {قدير *}.

جزء : 7 رقم الصفحة : 144
ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيراً منه , فقال عاطفاً على ما تقديره : اذكر لهم هذا القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر {ويوم} أي واذكر يوم {يعرض} بأيسر أمر من أوامرنا {الذين كفروا} أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليه هذه الأدلة الظاهرة {على النار} عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحداً يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته.

ولما كان كأنه قيل : ماذا يصنع بهم في حال عرضهم ؟ قيل : يقال على سبيل التبكيت والتقريع ولتوبيخ : {أليس هذا} أي الأمر العظيم الذي كنتم به توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع , فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر , فلا تبالون بوروده.

(7/217)


ولما اشتد تشوف السمامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى جوابهم , قال في جوابه مستأنفاً : {قالوا} أي مصدقين حيث لا ينفع التصديق : {بلى} وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعداً للإقرار , وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان {وربنا} أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء , وليس فيه شيء مما يقارب السحر , ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى : {قال} مبكتاً لهم بياناً لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسبباً عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيباً معبراً بما يفهم غاية الاستهانة لهم : {فذوقوا العذاب} أي باشروه مباشرة الذائق باللسان ثم صرح بالسبب فقال : {بما كنتم} أي خلقاً وخلقاً مستمراً دائماً أبداً {تكفرون *} في دار العمل.

ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم , سبب عنه قوله رداً على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعد : {فاصبر} أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة , قال القشيري : والصبر هو الوقوف بحكمِ الله والثبات من غير بث ولا استكراه.

{كما صبر أولوا العزم} أي الجد في الأمر والجحزم في الجد والإرادة والمقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه , الذين مضوا في أمر الله مضياً كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد
145
الشجاع المحفوف بقبيلته , قال الرازي في اللوامع : فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقاً لاتفاق النفس القلب على البذل.

جزء : 7 رقم الصفحة : 144

(7/218)


ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال : {من الرسل} عليهم الصلاة والسلام , وقيل وهو ظاهر جداً : أن " من " للتبعيض , والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها , ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله :
أولو العزم نوح والخليل بن آزر وموسى وعيسى والحبيب محمد
والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه , وكله مبني على أن " من " للتبعيض وهو الظاهر , والقول بأنهم جميع الرسل - قال ابن الجوزي - قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال : " من " للتجنيس لا للتبعيض , وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس عليه الصلاة والسلام - قال ابن الجوزي : حكاه الثعلبي.

ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل , نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل , ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال : {ولا تستعجل لهم} أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوهم في غير حينه الأليق به.

ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة , سهله بقوله مستأنفاً : {كأنهم يوم يرون} أي في الدنيا عند الموت مثلاُ أو في الآخرة والتحذير منه لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة , فأما هذه الطائفة فإذا رأوا {ما يوعدون} من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة , وبناه للمفعول لأن المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين {لم يلبثوا} أي في الدنيا حيث كانوا عالين {إلا ساعة}.

ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل , حقق أمرها وحقرها بقوله : {من نهار} ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من الحجج الظاهرة.

(7/219)


والبراهين الباهرة ببيان ما هو مقصودها بحيث لم يبق فيه لبس , وكان مقصودها آئلاً إلى سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام , وهو التوحيد اللام منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لباباً , حذف المبتدأ ومتعلق الخبر وقيل : {بلاغ} أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم المقيم , ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في شفائه من عظيم دائه , ولذلك سبب عن كونه بلاغاً قوله زيادة على ختام إبراهيم ما يناسب
146
مطلعها : {فهل يهلك} بني للمفعول من أهلك , لأن المحذور الهلاك وإن لم يعين المهلك , وللدالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه وتعالى يسير جداً {إلا القوم} الذين فيهم أهليه القيام بما يحاولنه من اللدد {الفاسقون *} أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي عنها واعقل , وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ويوصلهم إلى المقصود , فهذا الآخر نتيجة قوله أولها {والذين كفروا عما أنذرووا معرضون} وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ما خلقا إلا بالحق.

جزء : 7 رقم الصفحة : 144

(7/220)


وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه على العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة , فقد التحم هذا الآخر بذاك الأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام , لكونه صفة الملك العلام , منزلاً على خاتم الرسل الكرام , ورسول - الملك العلام - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليماً كثيراً.

147
جزء : 7 رقم الصفحة : 144

(7/221)


سورة محمد
جزء : 7 رقم الصفحة : 147
مقصودها التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين بإدامة الجهادة للكفار , حتى يلزموهم الصغار , أو يبطلوا ضلالهم كما أصل الله أعمالهم , لا سيما أهل الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال المبين , والتزام هذا الخلق الشريف إلى أن تضع الحرب أوزارها بإسلام أهل الأرض كلهم بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام , وعلى ذلك دل اسمها {الذين كفروا} لأن من المعلوم أن من صدك عن سبيلك قاتلته وأنك إن لم تقاتله كن مثله , واسمعها محمد واضح في ذلك لأن الجهاد كان خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله تعالى وهو نبي الرحمة بالملحمة لأنه لا يكون حمد وثم نوع ذم كما تقدم تحقيقه في سورة فاطر وفي سبإ وفي الفاتحة , ومتى كان كف عن أعداء الله كان الذم , وأوضح أسمائها في هذا المقصد القتال , فإن من المعلوم أنه لأهل الضلال {بسم الله} الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه {الرحمن} الذي عمت رحمته تارة بالبيان وأخرى بالسيف والسنان {الرحيم *} الذي خص حزبه بالحفظ في طريق الجنان.

لما أقام سبحانه الأدلة في الحواميم حتى صارت كالشمس , لا يزيغ عنها إلا هالك , وختم بأنه يهلك بعد هذه الأدلة القوم الفاسقون , افتتح هذه بالتعريف بهم فقال سبحانه وتعالى : {الذين كفروا} أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم {وصدوا} أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر {عن سبيل الله} أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم {أضل} أي أبطل إبطَّالاً عظيماً يزيل العين والأثر
148
{أعمالهم *} التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أو وفر سيئاتهم وأفسد بالهم , ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم بهل أنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم في غاية الاجتراء عليهم , فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم , فإنه قد علم أن لا صلاح لهم والمؤذي طبعاً يقتل شرعاً , فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره , محتوم بخيبته وخسره.

جزء : 7 رقم الصفحة : 148

(7/222)


وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر وفجر , وافتتحت السورة بإعراضهم , ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم , فقال تعالى : {ألم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة , ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} فلما ختم بذكر هلاكهم , اففتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى : {فإذا لقيتم الذين كفرا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق , فإما منّاً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} الآية بعد ابتداء السورة بقوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده , فنبه على الطريقين بقوله {أضل أعمالهم} وقوله في الآخر {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختباراً , ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال : {إن تنصروا الله ينصركم} ثم التحمت الآي - انتهى.

ولما ذكر أهل الكفر معبراً عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم , ذكر أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى : {والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان باللسان {وعملوا} تصديقاً لدعواهم ذلك {الصالحات} أي الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان.

ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم , خصهم بقوله تعالى : {وآمنوا} أي مع ذلك.

(7/223)


ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجماً مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك , وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال : {بما نزل} أي ممن لا منزل إلا هو منجماً مفرقاً ليجددوا بعد الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم , ولما كان هذا
149
معلماً بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به صلى الله عليه وسلم لم يعتد به , اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثاً عليه وتأكيداً له فقال تعالى : {وهو} أي هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم مختص بأنه {الحق} أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائناً {من ربهم} المحسن إليهم بإرساله , أما إحسانه إلى أمته فواضح , وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة , وأمته هي الشاهدة لهم.

جزء : 7 رقم الصفحة : 148
ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق , بين ما أثمر لهم ذلك دالاً على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره , فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى : {كفر} أي غطى تغطية عظيمة {عنهم} في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان {سيئاتهم} أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم.

ولما كان من يمل سوءاً يخاف عاقبته فيتفرق فكره , إذ لا عشية لخائف قال تعالى : {وأصلح بالهم *} أى موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الداري , قال ابن برجان : وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه , وإذا فسد فبالضد من ذلك.

(7/224)


ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء , وقد علم أن الآية من الاحتباك : ذكر ضلال الكفار أولاً دليلاً على إرادة الهدى للمؤمنين ثانياً , وإصلاح البال ثانياً دليلاً على حذف إفساده أولاً.

ولما كان الجزاء من جنس العمل , علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله : {ذلك} أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين {بأن} أي بسبب أن {الذين كفروا} أي ستروا مرائي عقولهم {اتبعوا} أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى {الباطل} من العمل الي لا حقيقة له في الخارج يطابقه , وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثاراً للحظوظ فضلوا {وأن الذين آمنوا} أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان {اتبعوا} أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها {الحق} أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه {من ربهم} الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا.

ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل , وباطن حال الذين آمنوا الحق , وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة , فيكون ألطف من الشيء المحسوس , وأن ذلك هو وجه الشبه , علم أن مثل كل منالفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق ,
150

(7/225)


فلذلك قال سبحانه استئنافاً جواباً لمن كأن قال لما أدركه من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال : هل يضرب مثل مثل هذا : {كذلك} أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن {يضرب الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {للناس} أي كل من فيه قوة الاضطراب والحركة {أمثالهم *} أي أمثال أنفسهم وأمثال الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشيء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها مبيناً لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ذلك جزاء حاله , فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله , ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائناً من كان , وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما.

جزء : 7 رقم الصفحة : 148
ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم , سبب عنه قوله : {فإذا لقيتم} أي أيها المؤمنون {الذين كفروا} ولو بأدنى أنواع الكفر في أيّ مكان كان وأيّ زمان اتفق.

ولما كان المراد القتل المجهر بغاية التحقق , عبر عنه مؤكداً له من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل مصوراً له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار والاستهانة بهم فقال تعالى : {فضرب الرقاب} أي عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن تضربوا رقابهم ضرباً بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم , فإن ذلك انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط , وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية , قال القشيري : فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها.

(7/226)


ولما كان التقدير : ولا يزال ذلك فعلكم , غياه بقوله : {حتى} وبشرهم بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى : {إذا أثخنتموهم} أي أغلظتم القتل فيهم وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه ؛ فجعل ذلك شرطاً للأسر كما قال تعالى {وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال : 67] ثم قال تعالى مبيناً لما بعد الثخن : {فشدوا} أي لأنه لا مانع لكم الآن من الأسر {الوثاق} أي الرباط الذي يستوثق به من الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء والقهر.

ولما كان الإمام مخيراً في أسراهم بين أربعة أشياء : القتل والإطلاق مجاناً والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضاً عن رقابهم والاسترقاق , عبر عن ذلك بقوله
151

(7/227)


مفصلاً : {فإما منّاً} أي أن ينعموا عليهم إنعاماً {بعد} أي في جميع أزمان ما بع الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجاناً {وإما فداء} بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك , فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز , ودخل في الإبقاء ثلاث صور : الاسرقاق والإطلاق مجاناً وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ على وجه أن قسيم للمن , فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجاناً وهو واضح والسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل , وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجباً كان حقاً لا نعمة , فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي , وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصللحة , قال القشيري : كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 151

(7/228)


وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير : والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير راً كان أو فاجراً , لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله , وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى : {حتى} أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن {تضع الحرب أوزارها} وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه , وذلك لا يكون وفي الأرض كافر , وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام حين تخرج الأض بركاتها , وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمينن فيتخذ الناس حديد السلاح سككاً ومناجل وفؤوساً ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث : "الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" - رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه "الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر" رواه داود عن أبي هريرة رضي الله عنه.

152
ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة , أكد أمرها بما معناه : إن هذا أمر قد فرغ منه , فقال تعالى : {ذلك} أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير.

ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به , أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقالك {ولو} ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق , عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده فقال : {يشاء الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن {لانتصر منهم} أي بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً بأن لا يبقى منهم أحداً {ولكن} أوجب ذلك عليكم {ليبلوا}.

(7/229)


ولما كان الابتلاء ليس خاصاً بفريق منهم بل عاماً للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم , قال تعالى : {بعضكم} من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء {ببعض} أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما تألفونه من العوائد.

ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد , قال عاطفاً على ما تقديره : فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم : {والذين قتلوا} وفي قراءة البصريين وحفص {قتلوا} وهي أكثر ترغيباً والأولى أعظم ترجية {في سبيل الله} أي لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال.

جزء : 7 رقم الصفحة : 151
ولما كان في سياق الترغيب , قرن الخبر بالفاء إعلاماً بأن أعمالهم سبببه فقال تعالى : {فلن يضل} أي يضيع ويبطل {أعمالهم *} لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهكم باللأدلة ويوفقهم لاتباعها , وهو معنى قوله تعالى تعليلاً : {سيهديهم} أي في الدارين بوعد لا خلق فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجدداً ذلك على سبيل الاستمرار {ويصلح بالهم} أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيداً عن كل شر آمناً من المخاوف مطمئناً بالإيمان بما فيه من السكينة , فإذاقتل احد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حياً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 151
ولما كان هذا ثواباً عظيماً ونوالاً جسيماً , أتبعه ثواباً أعظم منه فقال تعالى : {ويدخلهم الجنة} أي دار القرار الكاملة في النعيم , وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية
153

(7/230)


إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى : {عرفها لهم *} أي بتعريف الأعمال الموصلة إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا وأيضاً بالتبصير بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في الدنيا , وطيب رائحتها وجعل موضعها عالياً وجدرانها عالية وهي ذات أغراف وشرف , وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل , ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن فضلاة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "للإسلام ثلاث أبيات : سفلى وعليا وغرفة , فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا تسأل أحداً منهم إلا قال : أنا مسلم , وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفل من بعض , وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم ".

ولما ذكر القتال , تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب بما يعرف بشرط النصر فقال : {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك وإن كان في أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد والصلة بالماضي {إن تنصروا الله} أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل وقتالهم , ويكون ذكل خالصاً له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل وغير ذلك {ينصركم} فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم.

ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم من ذلك فقال : {ويثبت أقدامكم *} أي تثبيتاً عظيماً بأن يملأ قلوبكم سكينة واطمئناناً وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال , وعند مباشر جميع الأعمال , فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازاً به وإن تملأ عليكم أهل الأرض.

(7/231)


جزء : 7 رقم الصفحة : 153
ولما ذكر أهل الإيمان , بين ما لأهل الكفران , فقال سبحانه : {والذين كفروا} أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى , وبين أن سوء أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء.

فقال مؤكداً بجعل الخبر مفعولاً مطلقاً لأجل استبعادهم بما لهم من القوة
154
بكثرة العدد والملاءة بالعدد : {فتعساً} أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم : تعساً لا قيام معه , كما يقال لمن عثر وأريد قيامه : تعساً لك , والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق.

ولما كان كأنه قيل : لمن هذا ؟ قيل : {لهم} فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت من الأعمال.

ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له : تعساً , ويقوم ذلك , ولا يبطل عمله , بين أن قوله ليس كذلك , بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلاً , فقال معبراً بالماضي إشارة إلى التحتم فيه , وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفاً على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك : {وأضل أعمالهم *} وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان.

(7/232)


ولما بين ما صنع بهم ليجترئ به حزبه عليهم , بين سببه ليجتنب فقال : {ذلك} الأمر البعيد من الخير {بأنهم} أي بسب بأنهم {كرهوا} بغضوا وخالفوا وأنكروا {ما أنزل الله} أي الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه , والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه , فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبتها أشباحهم , وهو معنى قوله مسبباً بياناً لمعنى إضلال أعمالهم : {فأحبط} أي أبطل إبطالاً لا صلاح معه {أعمالهم *} بسب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح , لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه , وهذا وعيد للأمةبأنها إن تخلت عن نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها , ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 153
ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة , ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى , وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على
155
حدوده , قال منكراً عليهم وموبخاً لهم تقدماً إليهم بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته , مسبباً تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس {في الأرض} أي التي فيها آثار الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله {فينظروا} عقب سيرهم وبسبه.

(7/233)


ولما كانت وقائعه خلعة للقلوب بما فيها من الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال , ساق ذلك بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقاً منبهاً على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان للعناية بالسؤال عنه فقال : {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان ميمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين , نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم بل بعض المكذبين للرسل , وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى : {من قبلهم} ولما كان كأنه قيل : ما لهم ؟ قال : {دمر الله} أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغي إذن , الهاجم بغتة {عليهم} بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو مقالهم , وعدل عن أن يقول : " ولهؤلاء " إلى قوله : {وللكافرين} تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وهو العارقة في الكفر , فكان فيه بشارة بأن بعضهم سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه ليس عريقاً في الكفر , لأنه لم يطبع عليه {أمثالها *} أي أمثال هذه العاقبة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 155
ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه , بين علته فقال : {ذلك} أي الأمر العظيم الذي فعله بالفريقين {بأن الله} أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال {مولى الذين آمنوا} أي القريب من المصدقين به المرضين له , فهو يفعل معهم بما له من اللال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له , قال القشيري : ويصح أن يقال : أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل : الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد.

يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان.

(7/234)


{وأن الكافرين} أي العريقين في هذا الوصف {لا مولى لهم *} بهذا المعنى , لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو , فلا ينفعهم قرب قريب أصلاً وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ومالكهم , وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقاً في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور.

ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية , قال شافياً لعيّ سؤالهم مؤكداً لأجل كثرة المكذبين : {إن الله} أي الذي له جميع الكمال {يدخل الذين آمنوا} أي أوقعوا التصديق {وعملوا} تصديقاً لما ادعوا أنهم أوقعوه {الصالحات} فتمتعوا بما
156

(7/235)


رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها , وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتاً لا تمتعاً {جنات} أي بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها {تجري} وبين قرب الماء من وجهها بقوله : {من تحتها الأنهار} أي فهي دائمة النمو والبهجة والنصارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة مناه أدنى إثارة جرى منها نهر , فأنساهم دخولهم عصص ما كانوا فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة الشدائد , وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلاً , وهي مأواهم لا يبغون عنها حولاً , وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حباً لهم وتشريفاً لمقاديرهم {والذين كفروا} أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال الفاسدة المبعدة عن جناب الله {يتمتعون} أي ف يالدنيا بالملاذ لكونها ملاذ كما تتمتع الأنعام , ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت أصلاً بل يكون ذكر الموت حاثاً لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلاً منهم بالله {ويأكلون} على سبيل الاستمرار {كما تأكل الأنعام} أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء , أي في جميع بطونهم من غير تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هواناً بهم وبغضاً لهم لأنه علم حالهم قبل أن يوجدهم فيدخلهم ناراً وقودها الناس والحجارة {والنار} أي والحال أن ذات الحرارة العطمى والإحراق الخارج عن الحد {مثوى} أي منزل ومقام {لهم *} تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما أصلاً , بل لا ينفك عنهم العذاب وقتاً ما , فالآية من الاحتباك , ذكر الأعمال الصالحة ودخول الجنات أولاً دليلاً على حذف الفاسدة ودخول النار ثانياً ,

(7/236)


والتمتع والمثوى ثانياً دليلاً على حذف التعلل والمأوى أولاً , فهو احتباك في احتباك واشتباك مقارن لاشتباك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 155
ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته , ويخذل من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته , كان التقدير دليلاً على ذلك : فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبتهم , فلا خاذل لهم , فعطف عليه قوله : {وكأين} ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم , وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد قال : {من قرية} أي كذبت رسولها {هي أشد قوة} وأكثر عدة {من قريتك} ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة , عين فقال : {التي أخرجتك} أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع الأذى
157
على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأننصار نصراً جارياً على ما تألفونه وتعتادونه {أهلكناهم} بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظتنا , وحكى حالهم الماضية بقوله : {فلا ناصر لهم *}.

ولما كان هذا دليلاً شهودياً بعد الأدلة العقللية على ما تقدم الوعد به , سبب عنه الإنكار عليهم فقال : {أفمن كان} أي في جميع أحواله {على بينة} أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق {من ربه} المربي المدبر له المحسن إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئاً فاجتنبه مخالفاً لهواه , قال القشيري : العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم.

{كمن زين له} بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر {سوء عمله} من شرك أو معصية دونه.

(7/237)


ولما كان التقدير : فرآه حسناً فعمله ملازماً له , فكان على عمى وضلال , وكان قد أفرد الضمير لقبول " من " له من جهة لفظها , جمع رداً على معناها بتعميم القبح مثنى وفرادى , وإشارة إلى أن القبيح يكون أولاً قليلاً جداً , فمتى غفل عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفاً على ما قدرته : {واتبعوا أهواءهم *} فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلاً عن دليل , والآية من الاحتباك ذكر البينة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً , والتزيين واتباع الهوى ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً , وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيباً والأًل الجامع للشر ترهيباً.

جزء : 7 رقم الصفحة : 155
ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين , فهدى سياقها إلى أن التقدير : أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين , ومن تبع هواه أراده فيها , أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم إليها الهدى , والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم للردى , فقال : {مثل الجنة} أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها.

ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها
158

(7/238)


بالضمير العائد إليه , صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسله أمر , وفرغ منه إلى أن صار حاضراً لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهور أعلى لأمره فقال : {التي وعد المتقون} أي الذي حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : مقبل عليه بكليته فهو متبع , ومعرض عنه جملة , وسمتمع غير منتفع.

ولما كان التقدير : مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة , وكان ما هو بههذ الصفة إنما هو موهوم لنا ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافاً : {فيها} أي الجنة الموعودة.

ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل والامتنان , فقال : {أنهار من ماء} ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة : حلو وعذب وملح , مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار , وقد يكون آسناً أي متغيراً عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال : {غير آسن} أي ثابت له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه.

جزء : 7 رقم الصفحة : 158

(7/239)


ولما كان أكثر شرابه بعد الماء اللبن , ثنى به فقال سبحانه : {وأنهار من لبن} ولما كان التغير غير محمود , وكانوا يعهدون ف يالدنيا أن اللبن كله على جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال والأنواع والمقادير والأمزجة , ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى , وأنه إنما يتغير بعد حلبه , عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال : {لم يتغير طعمه} أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر , وهذا يفهم أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير , وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في الدنيا متنوعاً.

ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال : {وأنهار من خمر} ولما كانت الخمر يكثر طعمها , وإنما يشربها شاربوها لأثرها , وأنه متى تغير طعمها زال اسمها , عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال : {لذة} أي ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده {للشاربين *} في طيب الطعم وحسن العاقبة.

159
ولما كان العسل أعزها وأقلها , أخره وإن كان أجلها فقال : {وأنهار من عسل} ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطاً بالشمع وغيره من القذى قال : {مصفى} أي هو صاف صفاء ما أجتهد في تصفيته من ذلك , وهذا الوصف ثابت له دائماً لا انفكاك له عنه في وقت ما , فقد حصل بهذا غاية التشويق إلى الجنة بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذكل مجرداً عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي : قال كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة , ونهر الفرات نهر لبنهم , ونهر مصر نهر خمرهم , ونهر سبحان نهر عسلهم.

وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر.

(7/240)


وقال ابنعبد لحكم في فتوح مصر : حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار رضي الله عنه : هل تجد لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبراً ؟ قال : أي والذي فلق البحر لموسى , إني لأجده ف يكتاب الله أن الله عز وجل يوحي إليه في كل عام مرتين , ويحي إليه عن جريه أن الله يأمرك أن تجري , فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك : يا نيل غر حميداً.

حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول : أربعة أنها من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا.

فالنيل نهر العسل في الجنة , والفرات نهر الخمر في الجنة.

وسيحان نهر الماء في الجنة.

جزء : 7 رقم الصفحة : 158
وجيحان نهر اللبن في الجنة.

حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعباً يقول : النيل في الآخرة عسلاً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , ودجلة في الآخرة لبناً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , والفرات خمراً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : "سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة" وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ما تقدم : إنه بدئ بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات , ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات
160
في كثير من أقوات العرب وغيرهم , ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به , ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى.

(7/241)


وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم إليها , ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه , ولما كان اللبن أقل فكان جريه أنهاراً أغرب , ثنى به , ولما كان الخمر أعز ثلث به , ولما كان العسل أشرفها وأقلها ختم به , ونبه - مع هذا التذكير متمحض للشرابية كالخمر وبعضها في غذائية وهي فيه أغلب , وهو العسل , وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقاً وأثراً في الغذاء والدواء وغير ذلك , فإن لماء أصل النبات , ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب , وأما الآخرة فغنيه عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها , وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها , وتلاه بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع : اللبن , ثم بما هو أقرب إلى اللبن من جهة أنه شراب فقط , ثم بالعسل لأنه أبعدها منه.

ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى : {ولهم فيها} ولما كان أهلها متفاوين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال : {من كل الثمرات} أي جميع أصنافها على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع.

ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب , قال مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره , لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه : {ومغفرة من ربهم} أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب.

جزء : 7 رقم الصفحة : 158
لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من الشكر سبحانه.

(7/242)


ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير : أفمن هو في هذا النعيم الأكبر المقيم , بنى عليه قوله : {كمن هو خالد} أي مقيم إقامة لا انقطاع معها , ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء {في النار} أي التي لا يطفأ لهيبها , لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها.

ولما كان كل واحد من داخليها له سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحداً.

كان المؤثر لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين , بني للمجهول قوله مسنداً إلى ضمير الجمع قوله تعالى : {وسقوا} أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة {ماء حميماً} أي في غاية الحرارة {فقطع أمعاءهم *} ويمكن أن
161
تكون الآية من الاحتباك , وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار , وأن الكافرين مأواهم النار , وكان التقدير إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيهاً على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ إنكاره : أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار , ومن هوخالد في الجنة كمن هو خالد في النار - والله الموفق للصواب.

جزء : 7 رقم الصفحة : 158
ولما كان التقدير بعد هذا التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول : فمن الناس من يسمع منك بغاية المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه واعتقاده والعمل به واعتماده وهم المتقون الذين وعدوا الجنة , عطف عليه قوله تعالى : {ومنهم من يستمع} أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعناً يشك به على الضعفاء , وبين تعالى بعدهم بقوله : {إليك} ولما أفرد المستمع نظراً إلى لفظ " من " إشارةإلى قلة المستمع جمع نظراً إلى معناه إشارة إلى كثرة المعرضين الجامدين المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال تعالى : {حتى} أي واستمر إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى {إذا خرجوا} أي المستمعون والسامعون جميعاً {من عندك قالوا} أي الفريقان عمى وتعاميا واستهزاء.

(7/243)


ولما كان مجرد حصول العلم النافع مسعداً , أشار إلى تعظيمه ببنائه لما لم يسم فاعله فقال تعالى : {للذين أوتوا العلم} أي بسبب تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء الأفهام لتجردهم عن النفوس والحظوظ وانقيادهم لما تدعوا إليه الفطرة الأولى : {ماذا قال} أي النبي صلى الله عليه وسلم {آنفاً} أي قبل افتراقنا وخروجنا عنه من ساعة - أي أول وقت - تقرب منه , من أنفة الصلاة - بالتحريك , وهو ابتداؤها وأولها , قال أبو حيان : حال , أى مبتدئاً , أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه.

ورد كونه ظرفاً بأنه تفسير معنى , وأنه لا يعلم أحداً من النحاة عده في الظروف.

وقال البغوي : ائتنفت الأمر : ابتدأته , وأنف الشيء أوله , قال مقاتل : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين , فإذاخرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه استهزاء : ماذا قال محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال ابن عباس رضي الله عنه : وقد سئلت فيمن سئل.

162
ولما دل هذا من المصغي ومن المعرض على غاية الجمود الدال على غاية الشقاء , أنتج قوله : {أولئك} أي خاصة هؤلاء البعداء من الفهم ومن كل خير {الذين طبع الله} أي الملك الأعظم الذي لا تناهي لعظمه جل وعلا {على قلوبهم} أي فلم يؤمنوا ولم يفهموا فهم الانتفاع لأن مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك.

جزء : 7 رقم الصفحة : 162
ولما كان التقدير : إنهم ضلوا حتى صاروا كالبهائم , عطف عليه ما هو من أفعال البهائم فقال : {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {أهواءهم *} أي مجانبين لوازع العقل وناهي المروءة , فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ويقبلون على جمع الحطام , فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية " مثل الجنة " بأنهم زين لهم سوء أعمالهم.

(7/244)


ولما ذكر ما هم عليه وشنع عليهم أقبح الذكر , ذكر الذين آتاهم العلم فقال : {والذين اهتدوا} أي اجتهدوا باستماعهم منك في مطاوعة داعي الفطرة الأولى إلى الوقوع على الهدى بالصدق في الإيمان والتسليموالإذعان بأنواع المجاهدات {زادهم} أي الله الذي طبع على قلوب الجهلة {هدى} بأن شرح صدورهم ونورها بأنوار المشاهدات فصارت أوعية للحكمة " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم " {وآتاهم تقواهم *} أي بين لهم ما هو أهل لأن يحذر ووفقهم لاجتنابه مخالفة للهوى , فهم القسم الأول من آية توطئة المثل {الذين هم على بينة من ربهم} ومعنى الإضافة أنه آتى كلاًّ منهم منها بحسب ما يقتضيه حاله , قال ابن برجان : التقوى عمل الإيمان كما ان أعمال الجوارح عمل الإسلام - انتهى.

جزء : 7 رقم الصفحة : 162
ولما كان أشد ما يتقى القيامة التي هم بها مكذبون , سبب عن اتباعهم الهوى قوله تعالى : {فهل ينظرون} أي ينتظرون , ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها {إلا الساعة} ولما كان كأنه قيل : ما ينتظرون من أمرها ؟ أبدل منها قوله : {أن تأتيهم} أي تقوم عليهم , وعبر بالإتيان زيادة في التخويف {بغتة} أي فجاءة من غير شعور بها ولا استعداد لها.

163
ولما دل ذلك على مزيد القرب , وكان مجيء علامات الشيء أجل على قربه مع الدلالة على عظمته , قال معللاً للبغتة : {فقد} ودل على القوة بتذكير الفعل فقال : {جاء أشراطها} أي علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك , وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره.

(7/245)


ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر , وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء , سبب عن مجيئها قوله تعالى : {فأنّى} أي فكيف ومن أين {لهم إذا جاءتهم} أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها {ذكراهم *} لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها , وهو العمل على الإيمان بالغيب , وهكذا ساعة الإنسان التي تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك , ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة.

ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها , سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم صلى الله عليه وسلم تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال تعالى : {فاعلم أنه} أي الشأن الأعظم الذي {لا إله إلا الله} أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم , فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة , وإنما تكون عالماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف , وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده.

جزء : 7 رقم الصفحة : 163

(7/246)