قائمة الروابط

 

9 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد
المؤلف : محمد بن يوسف الصالحي الشامي
مصدر الكتاب : موقع يعسوب
http://www.yasoob.com/books/htm1/m025/29/no2903.html

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]
 

ذكر بعض ما قيل من الشعر في فتح مكة - زادها الله تعالى شرفا قال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - في غزوة الحديبية مشيرا إلى الفتح، وبعضها في الجاهلية، كما ورد ذلك عنه، وهو ما أسقطته منها في وصف الخمر: عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء إلى أن قال: عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء ينازعن الاعنة مصغيات * على أكتافها الاسل الظماء تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء فاما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعين الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدقوه * فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلظة فقد برح الجفاء بان سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء هجوت محمدا وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشر كما لخيركما الفداء هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء فان أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء فسوف يجبكم عنه حسام * يصوغ المحكمات كما يشاء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء
وقال كعب بن مالك - رضي الله عنه -: قضينا من تهامة كل إرب * وخيبر ثم أجملنا السيوفا 

(5/262)


نخبرها ولو نطلقت لقالت * قواطعهن دوسا أو ثقيفا فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة دار كم منا ألوفا وننتزع العروس ببطن وج * وتصبح داركم منكم خلوفا وياتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بايديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا كامثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مذوفا أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بانا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا * نقي القلب مصطبرا عزوفا رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا فان تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر * ولايك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * الى الاسلام اذعانا مضيفا نجالد لا نبالي من لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والانوفا بكل مهند لين صقيل، نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا وتنسى اللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا فامسوا قد أقروا واطمانوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا وقال أنس بن زنيم الديلي - رضي الله عنه -: يعتذر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما كان قال فيه عمرو بن سالم الخزاعي - رضي الله عنه: أأنت الذي تهدى معد بامره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند

(5/263)


وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لراس السابق المتجرد تعلم رسول الله أنك مدركي * وأن وعيدا منك كالاخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد تعلم بان الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد ونبوا رسول الله أني هجوته * فلا حملت سوطي إلي إذا يدي سوى أنني قد قلت ويل أم فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدي وإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا * بعبد بن عبد الله وابنة مهود ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فالا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حي كمثله * واخوته أو هل ملوك كأعبد فاني لا ذنبا فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد
ويرحم الله تعالى الامام أبا محمد عبد الله بن أبي زكرياء الشقراطسي حيث قال: ويوم مكة إذ أشرفت في أمم * تضيق عنها فجاج الوعث والسهل خوافق ضاق ذرع الخافقين بها * في قاتم من عجاج الخيل والابل وجحفل قذف الارجاء ذي لجب * عرمرم كزهاء السيل منسحل وأنت صلى عليك الله تقدمهم * في بهو إشرق نور منك مكتمل ينير فوق أغر الوجه منتجب * متوج بعزيز النصر مقتبل يسمو أمام جنود الله مرتديا * ثوب الوقار لامر الله ممتثل خشعت تحت بهاء العز حين سمت * بك المهابة فعل الخاضع الوجل وقد تباشر أملاك السماء بما * ملكت إذ نلت منه غاية الامل والارض ترجف من زهو ومن فرق * والجو يزهر إشراقا من الجذل والخيل تختال زهوا في أعنتها * والعيس تنثال رهوا في ثنى الجدل لو لا الذي خطت الاقلام من قدر * وسابق من قضاء غير ذي حول أهل ثهلان بالتهليل من طرب * وذاب يذبل تهليلا من الذبل الملك لله هذا عز من عقدت * له النبوة فوق العرش في الازل شعبت صدع قريش بعدما قذفت * بهم شعوب شعاب السهل والقلل قالوا محمد قد زادت كتائبه * كالاسد تزار في أنيابها العصل فويل مكة من آثار وطاته * وويل أم قريش من جوى الهبل فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم * تلمم ولا باليم اللوم والعذل

(5/264)


أضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم * طولا أطال مقيل النوم في المقل رحمت واشج أرحام أتيح لها * تحت الوشيج نشيج الروع والوجل عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف * مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل
أزكى الخليفة أخلاقا وأطهرها * وأكرم الناس صفحا عن ذوي الزلل زان الخشوع وقار منه في خفر * أرق من خفر العذراء في الكلل وطفت بالبيت محبورا وطاف به * من كان عنه قبيل الفتح في شغل والكفر في ظلمات الرجس مرتكس * ثاو بمنزلة البهموت من زحل حجزت بالامن أقطار الحجاز معا * وملت بالخوف عن خيف وعن ملل وحل أمن ويمن منك في يمن * لما أجابت إلى الايمان عن عجل وأصبح الدين قد حفت جوانبه * بعزة النصر واستولى على الملل قد طاع منحرف منهم لمعترف * وانقاد منعدل منهم لمعتدل أحبب بخلة أهل الحق في الخلل * وعز دولته الغراء في الدول أم اليمامة يوم منه مصطلم * وحل بالشام شؤم غير مرتحل تفرقت منه أعراف العراق ولم * يترك من الترك عظما غير منتثل لم يبق للفرس ليث غير مفترس * ولا من الجيش جيش غير منجفل ولا من الصين سور غير مبتذل * ولا من الروم مرمى غير منتضل ولا من النوب جدم غير منجدم * ولا من الزنج جزل غير منجدل ونيل بالسيف سيف البحر واتصلت * دعوى الجنود فكل بالجهاد صلى وسل بالغرب غرب السيف إذ شرقت * بالشرق قبل صدور البيض والاسل وعاد كل عدو عز جانبهم * قد عاد منكم ببذل غير مبتذل أصفى من الثلج إشراقا مذاقته * أحلى من اللبن المضروب في العسل تنبيهات الأول: لا خلاف أن هذه الغزوة كانت في رمضان، كما في الصحيح، وغيره، وعن ابن عباس قال: ابن شهاب كما عند البيهقي من طريق عقيل: لا أدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعد ما دخل ؟ ورواه البيهقي من طريق ابن أبي حفصة
عن الزهري باسناد صحيح.
قال: صبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان.
وروى الامام أحمد باسناد صحيح عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع

(5/265)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، وهذا يدفع التردد، الماضي، ويعين يوم الخروج، وقول الزهري يعين يوم الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يوما.
قال الحافظ: وأما ما قاله الواقدي أنه خرج لعشر خلون من رمضان فليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه، قلت: قد وافق الواقدي على ذلك ابن اسحاق وغيره، ورواه إسحاق بن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس، وعند مسلم أنه دخل لست عشرة، ولاحمد لثماني عشرة، وفي أخرى لثنتي عشرة، والجمع بين هاتين بحمل احداهما على ما مضى والاخرى على ما بقي، والذي في المغازي: دخل لتسع عشرة مضت وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر.
ووقع في أخرى: بالشك في تسع عشرة أو سبع عشرة وروى يعقوب بن سفيان من طريق الحسن عن جماعة من مشايخه: أن الفتح كان في عشرين من رمضان، فان ثبت حمل على أن مراده أنه وقع في العشر الاوسط قبل أن يدخل الاخير.
الثاني: اختلفت الروايات فيمن أرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لياتي بكتاب حاطب: ففي رواية أبي رافع عن علي قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد.
وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام، قال الحافظ: فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، وذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الاخر، ثم قال: والذي يظهر، أنه كان مع كل واحد منهما آخر تبعا له.
الثالث: جزم ابن إسحاق بان جميع من شهد الفتح من المسلمين عشرة الاف.
ورواه البخاري في صحيحه عن عروة، وإسحاق بن راهويه من طريق آخر بسند صحيح عن ابن عباس، وقال عروة أيضا والزهري وابن عقبة كانوا اثني عشر ألفا، وجمع بان العشرة آلاف خرج
بها من نفس المدينة.
ثم تلاحق الالفان.
الرابع: وقع في الصحيح من رواية معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس " وذلك على راس ثمان سنين ونصف من مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة " قال الحافظ: وهو وهم، والصواب على راس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون غزوة الفتح كانت في سنة ثمان، من أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، والتحرير أنها سبع سنين ونصف ويمكن توجيه رواية معمر: بانه بناء على التاريخ باول السنة من المحرم، فإذا دخل من السنة الثانية شهران أو ثلاثة أطلق عليها سنة مجازا، من تسمية البعض باسم الكل، ويقع ذلك في آخر ربيع الاول.
ومن ثم إلى رمضان

(5/266)


نصف سنة سواء، ويقال: كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف، أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعده نصف سنة.
الخامس: ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - أفطر بالكديد، وفي رواية بغير كما سبق في القصة، والكل في سفرة واحدة، فيجوز أن يكون فطره - صلى الله عليه وسلم - في أحد هذه المواضع حقيقة إما كديد، وإما كراع الغميم، وإما عسفان، وإما قديد، وأضيف إلى الاخر تجوزا لقربه منه، ويجوز أن يكون قد وقع منه - صلى الله عليه وسلم - الفعل في المواضع الاربعة، والفطر في موضع منها، لكن لم يره جميع الناس فيه، لكثرتهم، وكررة ليتساوي الناس في رؤية الفعل، فاخبر كل عن رؤية عين وأخبر كل عن محل رؤيته.
السادس: وقع في الصحيح: ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، أي عددا فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال القاضي - رحمه الله تعالى -: كذا لجميع رواة الصحيح بالقاف، وقد وقع في الجمع للحميدي " أجل " بالجيم بدل القاف - من الجلالة، قال القاضي: وهو أظهر انتهى.
وكل منهما ظاهر لاخفاء فيه ولا ريب كما في مصابيح الجامع للدماميني: أن المراد
قلة العدد لا الاحتقار، هذا ما لا يظن بمسلم اعتقاده وتوهمه، فهو وجه محيد عنه، ولا ضير فيه بهذا الاعتبار.
والتصريخ بان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في هذه الكتيبة التى هي أقل عددا مما سواها من الكتائب قاض بجلالة قدرها، وعظم شانها، ورجحانها على كل شئ سواها، ولو كان ملء الارض بل وأضعاف ذلك.
السابع: وقع في الصحيح عن عروة قال: وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء - أي بالمد - ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أسفل مكة من كدى، أي بالقصر.
وهذا مخالف للاحاديث الصحيحة.
ففي الصحيح وغيره أن خالد بن الوليد دخل من أسفل مكة، ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعلاها، وبه جزم ابن عقبة، وابن إسحاق وغيرهما.
الثامن: الحكمة في نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - وبني هاشم إلى شعب أبي طالب، وحصروا بني هاشم وبني المطلب فيه، كما تقدم ذلك في أبواب البعثة، ليتذكر ما كان فيه من الشدة فيشكر الله - تعالى - على ما أنعم عليه من الفتح العظيم، وتمكنه من دخول مكة ظاهرا على رغم من سعى في إخراجه منها، ومبالغة في الصفح عن الذين أساؤوا، ومقابلتهم بالمن والاحسان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

(5/267)


التاسع: قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله تعالى - إنما أنكر العباس على أبي سفيان ذكر الملك مجردا من النبوة، مع أنه كان في أول دخوله الاسلام، وإلا فجائز أن يسمى مثل هذا ملكا وإن كان لنبي، فقد قال الله سبحانه وتعالى في داود (وشددنا ملكه) [ ص 20 ] وقال سليمان (وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ ص 35 ] غير أن الكراهة أظهر في تسمية حال النبي - صلى الله عليه وسلم - ملكا، لما جاء في الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير بين أن يكون نبيا عبدا، أو نبيا ملكا، فالتفت إلى جبريل، فأشار إليه أن تواضع، فقال: بل نبيا عبدا، أشبع يوما وأجوع يوما ".
وإنكار العباس على أبي سفيان يقوي هذا المعنى، وأمر الخلفاء
الاربعة بعده أيضا يكره أن يسمى ملكا، لقوله - صلى الله عليه وسلم " تكون بعدي خلفاء، ثم تكون أمراء، ثم يكون ملوك، ثم يكون جبابرة ".
العاشر: الساعة التي أحل للنبي - صلى الله عليه وسلم - القتل فيها بمكة من صبيحة يوم الفتح إلى العصر كما رواه الامام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما.
الحادي عشر: لا مخالفة بين حديث نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالمحصب، وبين حديث أم هانئ، أنه - صلى الله عليه وسلم - نزل في بيت أم هانئ، لانه - صلى الله عليه وسلم - لم يقم في بيت أم هانئ وإنما نزل به حتى اغتسل وصلى، ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته عند شعب أبي طالب، وهو المكان الذي حصرت فيه قريش المسلمين قبل الهجرة كما تقدم بيان ذلك.
الثاني عشر: اختلف في قاتل ابن خطل، روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي: أن أبا برزة الاسلمي قتل ابن خطل، وهو متعلق باستار الكعبة وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في كتاب البر والصلة من حديث أبي برزة نفسه.
ورواه الامام أحمد من وجه آخر.
قال الحافظ: وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالاخبار.
وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام بان سعيد بن حريث وأبا برزة الاسلمي اشتركا في قتله، وقد قيل: قتله الزبير بن العوام.
وقيل شريك بن عبدة العجلاني.
الثالث عشر: وقع في حديث أم هانئ عند البخاري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل في بيتها، وفي حديثها عند مسلم: أنها ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو باعلى مكة، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره، ويجمع بينهما بان ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هانئ وفيه: أن أبا ذر ستره لما اغتسل، ويحتمل أن يكون نزل في بيتها باعلى مكة وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان، وأما المتستر فيحتمل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والاخر في أثنائه.

(5/268)


الرابع عشر: قال السهيلي: ولا يجهر فيها بالقراءة أي صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم هانئ في ثمان ركعات، وهي صلاة الفتح، تعرف بذلك عند أهل العلم، وكان الامراء يصلونها إذا فتحوا بلدا.
قال أبو جعفر بن جرير: صلى سعد بن أبي وقاص حين افتتح المدائن ثمان ركعات في إيوان كسرى، قال: وهي ثمان ركعات لا يفصل بينها، ولا تصلى بامام، قال السهيلي: ولا يجهر فيها بالقراءة.
الخامس عشر: وقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن ابن عمر: أنه سال أسامة وفي رواية أبي الشعثاء عن ابن عمر قال: أخبرني أسامة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه ههنا، وفي رواية خالد بن حارث عن ابن عوف عن نافع عن ابن عمر: فقلت: أين صلى ؟ فقالوا، ههنا.
قال الحافظ: فان كان محفوظا حمل على أنه ابتدا بلالا بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسال أسامة، وعثمان أيضا.
ويؤيد ذلك رواية ابن عوف عند مسلم: " ونسيت أن أسالهم كم صلى " بصيغة الجمع قال الحافظ: وهذا أولى من جزم القاضي بوهم الرواية التي عند مسلم، وكانه لم يقف على بقية الروايات.
السادس عشر: قول من زعم أن يحيى بن سعيد القطان غلط في قوله ركعتين لقول ابن عمر: نسيت وأن الوهم دخل عليه من ذكر الركعتين بعد خروجه - صلى الله عليه وسلم - " [ والمغلط ] هو الغالط، وكلامه مردود، فان يحيى ذكر الركعتين قبل وبعد، فلم يهم من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، بل تابعه من سبق ذكرهم في القصة، والعجب من الاقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، فقال بغير علم، ولو سكت لسلم.
السابع عشر: قال الحافظ: رحمه الله تعالى - جمع بين روايتي فليح، وأيوب، وابن عون عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " نسيت أن أسال بلالا " وفي لفظ: " أسالهم كم صلى " وبين رواية غير نافع عن ابن عمر أنه سال عن ذلك، فقيل له ركعتان باحتمال أن ابن عمر اعتمد في قوله في رواية مجاهد، وابن أبي مليكة وغيرهما عنه ركعتين على القدر المتحقق، وذلك أن
بلالا أثبت له أنه صلى، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تنفل في النهار باقل من ركعتين، وكانت الركعتان متحققا وقوعهما، لما عرف بالاستقراء من عادته - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا فقوله: ركعتين من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، قال الحافظ: ووجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر في هذا الحديث: " فاستقبلني بلال فقلت: ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ههنا ؟ فاشار بيده أن صلى ركعتين بالسبابة والوسطي "، فعلى هذا فيحمل قوله: " نسيت أن

(5/269)


أساله كم صلى على أنه لم يساله لفظا ولم يجبه لفظا وإنما استفاد منه صلاة ركعتين باشارته لا بنطقه، وأما قوله في رواية أخرى: ونسيت أن أساله كم صلى " فيحمل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين أو لا ؟، وقال شيخه الحافظ أبو الفضل العراقي: فيحتمل أن ابن عمر وإن كان سمع من بلال أنه صلى ركعتين لم يكتف بذلك في أنه لم يصلى غيرهما، لان من صلى أربعا أو أكثر، يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بان مفهوم العدد ليس بحجة كما هو المرجح في الاصول، فلعل الذي نسي أن يسال عنه بلالا في أنه هل زاد على ركعتين بشئ أم لا ؟.
قال الحافظ ابن حجر: وأما قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بان ابن عمر سال بلالا، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر من وجهين: أحدهما أن الذي يظهر أن القصة وهو سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة لم يتعدد، لانه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدا في وقت واحد.
ثانيهما أن راوي قول ابن عمر " نسيت " هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكانة النسيان، ولا يتعرض لحكاية التذكر لقدر صلاته - والله تعالى أعلم.
الثامن عشر: قال الحافظ: لا يعارض إثبات أسامة في رواية ابن عمر عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في البيت ما رواه ابن عباس عن أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في البيت لامكان الجمع بينهما، لان أسامة حين أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، وحيث نفاها
أراد ما في علمه بكونه لم يره - صلى الله عليه وسلم - حين صلى، وقال الحافظ في موضع آخر: تعارضت الرواية عن أسامة في ذلك فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره ناف، ومن جهة أنه لم يختلف عليه في الاثبات، واختلف على من نفى.
وقال الامام النووي وغيره: يجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة بانهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فراى أسامة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في ناحية، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده منه واشتغاله بالدعاء، ولان باغلاق الباب تكون ظلمة مع احتمال أن يحجبه بعض الاعمدة، فنفاها عملا بظنه.
وقال الامام المحب الطبري: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته - انتهى.
ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده باسناد جيد رجاله ثقات عن ابن أبي ذؤيب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة قال: " دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة فراى صورا، فدعا بدلو من ماء، فاتيته به، فضرب به الصور " قال القرطبي فلعله [ استصحب النفي ] بسرعة عوده انتهى قلت: هو مفرع على أن هذه

(5/270)


القصة وقعت عام الفتح، فان لم يكن فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق علي بن بذيمة بالموحدة، وزن عظيمة التابعي، قال: " دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة.
ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى، فاخذ بجبوته فحلها ".
الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الامر.
وبعض العلماء حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه الصحيحة: أنه صلى ركعتين، فظهر أن المراد الشرعية لا مجرد الدعاء.
وقال المهلب (1) شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين.
صلى في إحداهما ولم يصل في
الاخرى، وقال ابن حبان: الاشبة عندي في الجمع، أن يجعل الخبران في وقعتين، فيقال، لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها، لان ابن عباس نفاها وأسند ذلك إلى أسامة وأخيه الفضل، وابن عمر أثبتها، وأسند ذلك إلى أسامة، وإلى بلال وأسامة أيضا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض.
قال الحافظ: وهو جمع حسن لكن تعقبه النووي بانه لا خلاف أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما رواه الازرقي عن سفيان بن عيينة عن غير واحد من أهل العلم: أنه - صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها، وإذا كان الامر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة واحدة السفر لا الدخول، وقد قع عند الدار قطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع.
قلت: قال الدرا قطني في سننه: واعتمد القاضي عز الدين بن جماعة ذلك.
واستدل له أيضا بان الامام أحمد قال في مسنده: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد: دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم البيت فجلس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وهلله وكبره، وخرج ولم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني، فقام، ودعا ثم صلى ركعتين، ثم خرج فصلى ركعتين خارج البيت مستقبل وجه الكعبة، ثم انصرف، فقال: " هذه القبلة " ورواه أحمد بن منيع.
قلت: لم أقف على هذا الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي، ولا في إتحاف المهرة للابو صيري، لا في كتاب الصلاة، ولا في كتاب الحج فالله أعلم.
والذي في مجمع الزوائد عن ابن عباس قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة، فصلى بين الساريتين ركعتين، ثم خرج وصلى بين الباب وبين الحجر ركعتين، ثم قال: " هذه القبلة " ثم
__________
(1) هو المطلب بن أحمد بن أسيد الاسدي من تصانيفه شرح الجامع لصحيح البخاري توفي سنة 435، انظر معجم المؤلفين 13 / 32.
(*)

(5/271)


دخل مرة أخرى، فقام يدعو ولم يصل.
رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: فيه أبو مريم،
روى عن صغار التابعين، ولم أعرفه، وبقية رجاله موثقون، وفي بعضهم كلام.
وروى الازرقي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن أبيه قال: بلغني أن الفضل ابن عباس دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ - أي يوم الفتح - فقال: لم أره صلى فيها، قال أبي: وذلك فيما بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعانه في حاجة فجاء وقد صلى ولم يره.
قال عبد المجيد: قال أبي، وذلك أنه بعثه فجاء بذنوب من ماء زمزم يطمس به الصور التي في الكعبة، فلذلك لم يره صلى.
قلت: وأيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - أرسله وأسامة في ذلك - كما تقدم في أسامة - واعتمد الامام تقي الدين الفاسي في تاريخه من هذه الاجوبة ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة، وتعقب ما سواه بكلام نفس جدا فراجعه فانك لا تجده في غير كتابه، وذكره هنا ليس من غرضنا.
التاسع عشر: تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة، وأنه جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وفي رواية جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وفي أخرى عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وفي رواية بين العمودين اليمانيين، وفي أخرى بين العمودين تلقاء وجهه، وبين العمودين المقدمين، قال المحب الطبري في الاحكام الكبرى: وهذا يؤيد رواية من روى أنه جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره لان الباب قريب من الحجر الاسود، جانح إلى جهة اليمين، ويفتح في جهة المشرق فإذا دخل منه وصلى تلقاء وجهه بين العمودين المقدمين اليمانيين والبيت يومئذ على ستة أعمدة فقد جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وصلى إلى جهة المغرب، وقوله اليمانيين قد يشكل فانها ثلاثة صف وجعل اثنين منها يمانيين ليس باولى من جعلهما شاميين، والجواب: أنه إنما جعل اثنين منهما يمانيين لان مقر الثلاثة بصفة يماني وبصفة شامي، فمن وقف بين المتمحض يمانيا وبين المشترك بين اليمن والشام جاز أن يقال فيه: وقف بين اليمانيين باعتبار ما نسب منه إلى اليمن تجوزا ومن وقف بين المتمحض شاميا وبين المشترك جاز أن يقال فيه: وقف بين الشاميين لما ذكرناه، أو تقول لما وقف بينهما كان هو إلى جهة اليمن أقرب، فاطلق عليهما يمانيين اعتبارا به، والأول أظهر، ولا تضاد بين هذا وبين قوله عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره،
فان من ضرورة جعل عمودين عن يمينه أن يكون عمودا عن يمينه والاخر مسكوتا عنه، وليس في اللفظ ما ينفيه، وقال الحافظ: ليس بين رواية: جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره مخالفة، لكن قوله في رواية مالك: وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة مشكل، لانه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، ويمكن الجمع بين الروايتين بانه حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إلى ذلك

(5/272)


قوله: وكان البيت يومئذ، لان فيه إشعارا بانه تغير عن هيئته الاولى.
قال الكرماني: لفظ العمود جنس يشمل الواحد والاثنين فهو مجمل بينته رواية " وعمودين " ويحتمل أن يقال: لم تكن الاعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت، والثالث على غير سمتهما، ولفظ المقدمتين في الحديث السابق مشعر به قال الحافظ: ويؤيده رواية مجاهد عن ابن عمر عند البخاري في باب " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، " فان فيها بين الساريتين اللتين عن يسار الداخل " وهو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلى بينهما، فيحتمل أنه كان ثم عمود آخر عن اليمين، لكنه بعيد أو على غير سمت العمودين فيصح قول من قال: جعل عن يمينه عمودين، وقول من قال: جعل عمودا عن يمينه، وجوز الكرماني احتمالا آخر، وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إلى جنب الاوسط فمن قال: جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره لم يعتبر الذي صلى الى جنبه، ومن قال: عمودين اعتبره وجمع بعض المتأخرين باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث، وقد جزم البيهقي بترجيح رواية أنه جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره.
وقال المحب الطبري في صفوة الفرى إنه الاظهر.
العشرون: لا خلاف في دخوله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة يوم الفتح، وتقدم في التنبيه الثامن عشر: أنه دخل في ثاني الفتح، وذكر بعضهم أنه دخلها في عمرة القضية، والصحيح خلافه، فقد قال البخاري عن عبد الله بن أوفى - رضي الله عنه - أنه لم يدخلها، وذكر بعضهم أنه
دخلها في عمرة القضية وحجة الوداع، وسيأتي هناك تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى.
الحادي والعشرون: اختلف في قدر إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة كما تقدم في القصة، وجمع الامام البيهقي بين هذا الاختلاف بان من قال تسع عشرة عد يوم الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما.
وأما رواية خمس عشرة فضعفها النووي من الخلاصة.
قال الحافظ: وليس بجيد لان رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق كما تقدم بيانه في القصة، وإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظن أن الاصل سبع عشرة فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة، أرجح الروايات، ويرجحها أيضا أنها أكثر الروايات الصحيحة، قال الحافظ: وحديث أنس لا يعارض حديث ابن عباس أي السابق في آخر القصة، لان حديث ابن عباس في الفتح وحديث أنس كان في حجة الوداع، وبسط الكلام على بيان ذلك، وقال في موضع آخر: الذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع فانها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشرة أيام، لانه دخل اليوم الرابع وخرج اليوم الرابع عشر، ثم قال الحافظ: ولعل

(5/273)


البخاري أدخله في هذا الباب إشارة إلى ما ذكرت، ولم يفصح بذلك تشحيذا للاذهان، ووقع في رواية الاسماعيلي: فاقام بها عشرا يقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة، وكذا هو في باب قصر الصلاة عند البخاري، وهو يؤيد ما ذكرته، فان مدة إقامتهم في سفرة الفتح حتى رجعوا إلى المدينة أكثر من ثمانين يوما.
الثاني والعشرون: في بيان غريب ما سبق.
الاطناب: جمع طنب - بضم الطاء المهملة والنون حبل الخباء - بكسر الخاء المعجمة أي الخيمة.
الجوزاء - بفتح الجيم وسكون الواو، وبالزاي والمد: نجم يقال إنها تعرض في جوز السماء، أي وسطها.
الافواج والافاويج - جمع فوج: الجماعة من الناس.
الابتهاج: السرور.
خزاعة - بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وعين مهملة الدئل - بكسر الدال المهملة، وسكون الهمزة وتسهل.
رزن - براء تفتح وتكسر - كما ذكره صاحبا المحكم والباهر - فزاي ساكنة، وتفتح، كما في الاملاء، فنون.
ذؤيب: تصغير ذئب.
سلمى - بفتح السين المهملة.
كلثوم - بضم الكاف، وسكون اللام، وبالثاء المثلثة.
أنصاب الحرم - بالنون، والصاد المهملة: حجارة تجعل علامات بين الحل والحرم.
منخر بني كنانة - بنون، فخاء معجمة، فراء: أي المتقدمون منهم: لان الانف هو المتقدم من الوجه.
كنانة - بكسر الكاف.
يودون - بضم التحتية، وبالمهملة: من الدية.
بنو - بكر - بفتح الموحدة، وسكون الكاف.
حجز الاسلام: منع.
الحديبية: تقدم الكلام عليها في غزوتها.

(5/274)


الحلفاء: جمع حليف، وهو المحالف على النصرة.
السروات - بفتحات: جمع السراة، كذلك جمع سرى - وهو الرئيس.
ما أشرق: أي مدة إشراقه.
ثبير - بثاء مثلثة، فموحدة، فتحتية، وزن عظيم: جبل بمكة.
حراء - بكسر الحاء المهملة: تقدم الكلام عليه في المبعث.
السرمد: الدائم.
الحلف - بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام، والمحالفة: المؤامرة والمناصرة بالحلف على ذلك.
شرح غريب ذكر نقض قريش العهد قوله: " بني نفاثة ": بنون مضمومة، ففاء مخففة، فالف، فثاء مثلثة.
الثار - بالثاء المثلثة: طلب دم القتيل.
ناشدوهم بارحامهم: ذكروهم وسالوهم بها.
الكراع - بضم الكاف، وبالراء، والعين المهملة: جماعة الخيل خاصة.
الوتير: بفتح الواو، وكسر الفوقية، وسكون التحتية، وآخره راء: اسم موضع أو ماء في ديار خزاعة.
حويطب - بضم الحاء المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة، وبالموحدة.
مكرز - بكسر الميم، وحكى ابن الاثير فتحها، وسكون الكاف، وكسر الراء واخره زاي.
أجلبوا: استعانوا.
بيتوهم: قصدوهم ليلا من غير أن يعلموا فاخذوهم بغتة.
إلهك إلهك - بنصبهما محذوف، أي اتق.
عماية الصبح: بقية ظلمة الليل.
شرح غريب ذكر اعلامه - صلى الله عليه وسلم - بما حصل لخزاعة أترى - بفتح أوله، وضم ثانيه: أي أتظن.

(5/275)


تجترئ عليه: تسرع بالهجوم عليه من غير ترو.
خير: خبر مبتدإ محذوف، أي هو خير.
المتوضأ - بميم مضمومة، فمثناة فوقية، فهمزة فضاد معجمة مفتوحات: مكان الوضوء.
لبيك: ياتي الكلام عليه مبسوطا في حجة الوداع.
الراجز: قائل الرجز، وهو نوع من الشعر بنو كعب بن عمرو: بطن من خزاعة.
استصرخني: استغاثني.
وائل - بكسر التحتية.
شرح غريب ذكر قدوم عمرو بن سالم ظاهرت: عاونت.
بين ظهري الناس: أي بينهم.
عمرو بن سالم: يجوز في عمرو الضم، وفي ابن الفتح، ويجوز فتحهما وضمهما.
ناشد: طالب ومذكر.
الا تلدا - بفتح أوله، وسكون الفوقية، وفتح اللام وبالذال المهملة: القديم.
ولدا - بضم الواو، وسكون اللام: أي ولدا وذلك أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك أم قصي.
ثمت: حرف عطف، أدخل عليه تاء التأنيث.
أسلمنا - قال السهيلي: من السلم، لانهم لم يكونو أسلموا بعد، وقال غيره: إنه قال: ركعا وسجدا فدل على أنه كان فيهم من صلى فقتل، وقال غيره: إن قوله بعد " وقتلونا ركعا وسجدا " ينافيه إلا أن يحمل ذلك على المجاز، وقال بعضهم: مراده بقوله: " ركعا وسجدا " أنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون، قال الحافظ في الاصابة: ولا يخفى بعده.
لست - بفتح الفوقية على الخطاب، وبالضم، ووجهه ظاهر.
بيتونا: أخذونا بياتا، أي ليلا ونحن غافلون.
هجدا - بضم الهاء، وتشديد الجيم المفتوحة: جمع هاجد، وهو النائم هنا.
كداء - بفتح الكاف وبالمد: الثنية التي باعلى مكة.
الرصد: الطالب المراقب.

(5/276)


عتدا - بعين مهملة مفتوحة، ففوقية مكسورة، فدال مهملة: والعتيد الشئ الحاضر المهيأ، ويحتمل أن يكون من القوة، ويروى نصرا أبدا من التأبيد.
تجردا - من رواه بحاء مهملة أراد: غضب، ومن رواه بالجيم أراد شمر وتهيأ لحربهم.
سيم - بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وبالميم، وبالبناء للمفعول.
خسفا - بفتح الخاء المعجمة، وضمها، وسكون السين المهملة، وبالفاء: يقال سمته خسفا إذا أوليته ذلا، ويقال كلفته مشقة.
تربدا - بفوقية - مفتوحة، فراء فموحدة - يقال اربد وجهه: أي تغير إلى الغبرة.
الفليق - بفاء مفتوحة، فتحتية ساكنة، فلام مفتوحة، فقاف: العسكر الكثير.
مزبدا - بميم مضمومة، فزاي ساكنة، فموحدة مفتوحة، فمهملة.
القرم - بفتح القاف: السيد، وأصله الفحل من الابل الذي أقرم، أي ترك من الركوب والعمل وودع للفحلة.
الاصيد: الذي يرفع راسه كثيرا، ومنه قيل للملك أصيد، وأصله البعير يكون به داء في راسه يرفعه، وقيل إنما قيل للملك أصيد، لانه لا يلتفت يمينا وشمالا.
ما برح: ما زال.
عنانة: واحدة العنان - بفتح العين المهملة، ونونين بينهما ألف، وهو السحاب.
تستهل: تبشر.
بديل - بضم الموحدة، وفتح الدال، وسكون التحتية، وباللام.
مر - بفتح الميم، وتشديد الراء.
الظهران - بفتح الظاء المعجمة المشالة، وسكون الهاء، بلفظ تثنيه ظهر، اسم أضيف إليه مر: اسم مكان قرب مكة.
شرح غريب ذكر ما قيل - ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه خبر خزاعة تهمتكم: من تتهمونه.
ظنتكم: من تظنون، وهو بمعنى ما قبله.
قصرة - بضم القاف، وسكون الصاد المهملة: أي خاصة.
ننبذ إليه على سواء: نطرح عهده وننقضه.

(5/277)


الاندية: جمع ناد وهو متحدث القوم.
قرظة - بفتح القاف، والراء، والظاء المعجمة المشالة.
فيهم عرام - بضم العين المهملة: الشدة والقوة والشراسة، يقال رجل عارم خبيث شرير.
السبد - بسين، فموحدة مفتوحتين، فدال مهملة: الشعر.
اللبد - بفتح اللام والموحدة: أي الصوف، أي ما يبقى لنا شئ.
شرح غريب ذكر اخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بان أبا سفيان سيقدم قوله: الهدنة: الصلح.
يروعكم: يفزعكم.
الحجون - بحاء مفتوحة مهملة، فجيم: الجبل المشرف على مقبرة مكة.
الخندمة - بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة: جبل بمكة.
مليا: زمانا.
تحرجوا: وقعوا في الحرج، وهو الضيق، وفي لفظ: رهبوا - بكسر الهاء، خافوا.
عسفان: بعين مضمومة، فسين ساكنة، مهملتين، ففاء ونون.
تمور: جمع تمر.
تهامة - بالكسر.
قائلهم: اسم فاعل من قال، قيلا ومقيلا، وقيلولة: نام القائلة، وهي الظهيرة.
ائتمرت قريش: آمر بعضهم بعضا.
أم حبيبة: زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تاتي في تراجم الازواج - رضي الله عنهن.
مشرك تجس: أي نجس الاعتقاد، لا أنه نجس العين.
الذر: النمل الاصغار، وليس قول عمر: فو الله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم عليه بكذب وإن كان الذر لا يقاتل به لانه جرى في كلامهم كالمثل.
أخلقه الله - بالقاف: أبلاه ومحقه.
المتين: القوي.
أمس القوم بي رحما: أقربهم رحما.

(5/278)


البحيرة: من أسماء المدينة، تقدم بيانه فيها.
ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى التعجب والمدح، وهو منصوب على المصدر.
أجر بين الناس - بفتح الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الراء: من الاجارة.
يدب بكسر الدال المهملة، وتشديد الموحدة: يمشي على هينة.
أو ترى - بتحريك الواو على الاستفهام، ويجوز فتح الفوقية وضمها.
يخفرني - بالخاء المعجمة، والفاء: ينقض عهدي.
النجح: الفوز بالمطلوب.
إساف - بكسر الهمزة ونائلة: أي أسماء صنمين.
أبى: أي امتنع.
أدنى العدو: أقرب أعدائنا عداوة.
لعمر الله - بفتح اللام والعين، وضم الراء: بقاء الله تعالى.
الحجر: جمع حجرة وهي البيت.
شرح غريب ذكر جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتاب حاطب الجهاز - بفتح الجيم وكسرها.
بغتة: فجأة، تقول بغته الامر، وفجأه إذا جاءه ولم يعلم به.
الانقاب - جمع نقب: الطريق.
سلمة: سالمة لا حرس فيها.
المحجة: الطريق المسلوك.
الفلوق - كذا ذكره محمد بن عمر ولم أر له ذكرا في مختصر معجم البلدان، ولا في النهاية، والصحاح، وتاريخ المدينة، ومعجم الكبرى.
العقيق: واد من أودية المدينة.
أبو مرثد - بفتح الميم، والثاء المثلثة، وسكون الراء بينهما.
روضة خاخ - بخاءين معجمتين بينهما ألف: على بريد من المدينة، وصحفه أبو عوانة كما في الصحيح فقال: حاج بحاء مهملة وجيم، ووهم في ذلك.

(5/279)


الظعينة: الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن، والجمع الظعن بضمتين وتسكن [ العين ] وظعائن.
والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، وكل بعير يوطا للنساء ظعينة، وقال في النهاية: الظعينة المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة بلا هودج وللهودج بلا امرأة.
الخليقة - بالقاف كسفينة: منزل على اثني عشر ميلا من المدينة.
بطن رئم - بكسر الراء، وسكون التحتية، بالهمز وتركه: واد بالمدينة.
الجد - بكسر الجيم، وتشديد الدال المهملة: ضد الهزل.
قرون راسها: ضفائر شعر راسها، وفي رواية عقاصها - بكسر العين المهملة، وبالقاف والصاد المهملة المكسورة: وهو الخيط الذي يعتقص به أطراف الذوائب، والشعر المضفور، وفي رواية: أخرجته من حجزتها - بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم، وفتح الزاي: هو معقد الازار، قال في النور: وأيضا إن الكتاب كان في ضفائرها وجعلت الضفائر في حجزتها.
الملصق - بضم الميم وفتح الصاد المهملة: الرجل المقيم في الحي والحليف لهم.
اغرورقت عيناه: امتلاتا دموعا.
شرح غريب شعر حسان قوله عناني أهمني بطحاء مكة: ما بين الاخشبين.
تحز رقابها - بضم الفوقية وفتح الحاء المهملة، وبالزاي.
لم تجن - بالجيم والنون والبناء للمفعول: أي لم تستر، يريد أنهم قتلوا ولم يدفنوا.
ألا: حرف تنبيه واستفتاح.
ليت شعري: ليتني أعلم.
أو ليت علمي، هل يكون كذا.
حرها - بحاء مهملة مفتوحة فراء جمع للحرة بفتح الحاء: وهي الارض ذات حجارة سود نخره كالحرار، والحرات، والحرين والاحرين.
وعقابها - بعين مهملة مكسورة فقاف فموحدة: جمع عقبة، وهي مرقى صعبة من الجبال.
ابن أم مجالد: عكرمة بن أبي جهل.
أحتلبت - بسكون الحاء المهملة، وضم الفوقية، وكسر اللام.
الصرف - بكسر الصاد المهملة: اللبن الخالص هنا.
أعصل - بعين مهملة مفتوحة فلام: أعوج، والعصل اعوجاج الاسنان.

(5/280)


الناب - بنون، فالف فموحدة: السن خلف بالرباعية، مؤنث.
أبو رهم - بضم الراء، وسكون الهاء.
كلثوم - بضم الكاف، وسكون اللام.
حصين - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين في كل الاسماء إلا حصين بن المنذر بن سنان فانه بالضاد المعجمة، وهو فرد، والكنى بفتح الحاء وكسر الصاد.
شرح غريب ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة قوله - فما حل عقدة [ أي ما استراح ] الصلصل - بصادين مهملتين - مضمومتين، وسكون اللام الاولى بينهما: جبل معروف في أثناء البيداء، وهو الشرف الذي قدام ذي الحليفة.
يستهل بنصر بني كعب: قبيلة.
العرج - بفتح العين، وسكون الراء المهملتين، وبالجيم: قرية جامعة قريب مكة على نحو ثلاث مراحل من المدينة بطريق مكة.
الطلوب - بفتح الطاء المهملة: اسم ماء.
تهر: هرير الكلب: صوته، وهو دون النباح.
الجريدة: جماعة من الخيل جرددت من سائرها.
العين: الجاسوس.
قديد - بلفظ التصغير: قرية جامعة قريب مكة.
وكزهم - بفتح الواو، وسكون الكاف وبالزاي: طعنهم.
الحجفة - بضم الجيم - وسكون الحاء المهملة: قرية كبيرة على خمس مراحل وثلث مرحلة من المدينة.
شرح غريب ذكره فطره - صلى الله عليه وسلم - وأمره به
الكديد - بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة الاولى، بعدها تحتية فدال مهملة: موضع بين مكة والمدينة بين منزلتي أمج وعسفان، وهو اسم ماء، وهو أقرب إلى مكة من عسفان.
عسفان - بضم العين، وسكون السين المهملتين، وبفاء ونون، قرية جامعة على ثلاث مراحل من مكة.
أمج بفتح الهمزة والميم وبالجيم المخففة: اسم واد.

(5/281)


كراع الغميم - بضم الكاف من كراع وفتح الغين المعجمة [ من الغميم ] موضع بن رابغ والحجفة يضاف إليه كراع: وهو جبل أسود بطرف الحرة.
عزيمة: أمر واجب حق.
شرح غريب ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران عميت الاخبار - بفتح العين وكسر الميم، ويجوز ضم العين وكسر الميم المشددة.
يتحسب الاخبار: يتعرفها.
الاراك - بفتح الهمزة: شجر معروف.
خمشتها - الحرب - بالخاء المعجمة، والجيم، والشين المعجمتين المفتوحات: أحرقتها وهيجتها، ومن رواه بالحاء، والسين المهملتين، فمعناه: اشتدت عليها، من الحماسة وهي الشدة والشجاعة.
شرح غريب ذكر منام أبي بكر - رضي الله عنه تشخب: تدر وتسيل.
كلبهم - بفتح الكاف واللام: شدتهم.
درهم - بفتح الدال المهملة: لبنهم.
شرح غريب ذكر اعلام - صلى الله عليه وسلم - بان أبا سفيان في الادراك وارادة أبي سفيان الانصراف
خطم الجبل - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة، والعقبة، شئ يخرج منه ويضيق معه الطريق، وفي رواية في الصحيح: حطم - بالحاء المهملة - الخيل - بالخاء المعجمة والتحتية: وهو موضع ضيق تتزاحم الخيل فيه حتى يحطم بعضهم بعضا.
واصباح قريش: منادى مستغاث: يقال عند استنفار من كان غافلا عن عدوه العنوة - بفتح العين المهملة أخذ الشئ قهرا.
الشهباء: البيضاء.
حطابا بحاء فطاء مشددة مهملتين.
يشتد: يعدو.
أقتحمت: رميت بنفسي من غير روية.
أجرته - بالراء: أمنته، فهو في أماني.

(5/282)


لا يناجيه: لا يساره.
مهلا: يقال للمفرد والمثنى والجمع، يعني أمهل.
أرحها: اتركها.
ألم يان: يقرب.
الاوباش من الناس: الاخلاط.
الرحل بالحاء المهملة: المنزل والماوى.
أفرخ لروعتي بالفاء والخاء المعجمة: أذهب لخوفي.
أربأ بهم عن الشرك: أنزه مقامهم وأرفعه عن الاقامة على الشرك.
شرح غريب ذكر تعبئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ومن أمر بقتله أرحلت: أعدت رحلها.
الاداة: الالة.
الكتائب: جمع كتيبة وهي الطائفة من الجيش المجتمعة.
القادات: جمع قائد: وهو أمير الجيش.
على أثره بكسر أوله وسكون ثانيه، وبفتحهما.
أفناء العرب: جمع فنو، وهو الذي لا يعلم ممن هو.
الكتيبة الخضراء: سميت بذلك لغلبة الحديد على أهلها، شبه السواد بالخضرة، والعرب تطلق الخضرة على السواد.
سنابك الخيل: طرف حوافرها.
الحدق: العيون.
لعمر فيها زجل: صوت رفيع عال.
يزعها - بالزاي، يقال: وزعه يزعه وزعا فهو وازع: وهو الذي يكف الناس ويحمل أولهم على آخرهم.
رويدا: إسم فعل أمر، بمعنى أمهل.
اليوم يوم: برفع اليومين، ونصب الأول ورفع الثاني.

(5/283)


الملحمة: الحرب وموضع القتال، والجمع ملاحم، ماخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل هي من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيهما.
تستحل - بالبناء للمفعول.
الحرمة - بالرفع نائب الفاعل.
حبذا - بالحاء مهملة مفتوحة، فموحدة، فذال معجمة،: أي هو حبيب، جعل " حب " و " ذا " كشئ واحد، وهو اسم، وما بعده مرفوع به، ولزم " ذا " حب.
الذمار - بالذال المعجمة المكسورة، وتخفيف الميم، وبالراء: الهلاك أو حين الغضب للحريم والاهل، يعني الانتصار
لمن بمكة، قاله غلبة ومحجزا، وقيل: أراد حبذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من المكروه.
القصواء - كحمراء.
أنشدك الله - بفتح الهمزة، وضم الشين المعجمة - سألتك وأقسمت عليك به.
كذب سعد: أخطأ.
المرحمة: الرقة والتعطف.
صولة - بفتح الصاد المهملة، وسكون الواو: أي حملة.
شرح غريب شعر ضرار بن الخطاب - رضي الله عنه لجأ إليه بالهمز وتركه للوزن.
لات حين لجاء: أي ليس الوقت وقت لجاء.
سعة الارض - بفتح السين.
حلقتا: تثنية حلقة.
البطان - بكسر الموحدة - للقتب: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، يقال التقت حلقتا البطان للامر إذا اشتد.
نودوا - بالبناء للمفعول.
الصيلم - بصاد مهملة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فلام مفتوحة: الداهية.
الصلعاء - بصاد مهملة مفتوحة، فلام ساكنة، فعين مهملة ممدودة، قال في النور: كانه عطف الصلعاء على الصيلم، وحذف حرف العطف للنظم، وهو جائز في غير النظم أيضا.
قاصمة الظهر: كاسرته.

(5/284)


الحجون - بفتح الحاء المهملة، وضم الجيم المخففة: الجبل المشرف على مقبرة مكة.
البطحاء: الابطح.
النسر - بفتح النون: النجم المعروف، وهما نسران، النسر الطائر، والنسر الواقع.
العواء - بعين مهملة مفتوحة، فواو مشددة، ويقال بالعدوة من منازل القمر، وهي خمسة أنجم يقال لها ورك الاسد، ومن مدها فهي عنده من عويت الشئ إذا لويت طرفه.
وقال السهيلي: والاصح في معناها أن العواء من العوة، وهي الدبر، وكانهم أسموها بذلك لانها دبر الاسد من البروج.
وغر الصدر - بفتح الواو وكسر الغين المعجمة، وبالراء: إسم فاعل، والوغرة: شدة توقد الحر.
لا يهم - بفتح التحتية وضم الهاء.
تلظى: اصله تتلظى: تلهب.
جاءت: أخبرت.
هند: هي بنت عتبة.
بالسوءة السوءاء، بالخلة القبيحة.
ابن حرب: هو أبو سفيان بن حرب.
أقحم اللواء: الاقحام: إرسال في عجلة.
يا حماة الادبار: جمع دبر، والمراد به هنا الظهر.
ثابت - بثاء مثلثة وبعد الالف موحدة ففوقية ساكنة: أي رجعت.
البهم - بضم الموحدة، وفتح الهاء، قال أبو عبيدة البهمة بالضم: الفارس الذي لا يدري من أين يؤتي من شدة باسه، الجمع بهم، ويقال أيضا للجيش بهمة.
الهيجاء - بالمد وتقصر: الحرب.
الفقعة - بفاء مكسورة، فقاف، فعين مهملة مفتوحة، جمع فقع - بكسر الفاء وفتحها وسكون القاف ضرب من الكماة، وهي البيضاء الرخوة، يشبه به الرجل الذليل يقال هو فقع بقرقر (1)، لان الدواب تنجله بارجلها.
__________
(1) القرقر في الاراض المنخفضة اللينة، انظر المعجم الوسيط 2 / 736.
(*)

(5/285)


القاع: المكان الواسع المستوي في وطاة من الارض.
الاماء: جمع أمة، وهي خلاف الحرة.
إنهينه: فعل أمر من نهى أكد بالنون.
الاسد - بضم الهمزة وسكون المهملة جمع أسد بفتح المهزة والمهملة.
لدى: بمعنى عند.
الغاب، والغابات: جمع غابة، وهي هنا أجمة الاسد.
والغ - بالغين المعجمة: إسم فاعل من ولغ في الاناء.
الحية الصماء: التي لا تسمع.
صنو أبيه، الصنو: المثل.
أما والله - بفتح الهمزة، وتخفيف الميم.
ركبوها منه: [ أي فعلوها معه ] لاضر منها عليهم نارا: أشعلها عليهم.
استبطنتم: يقال استبطن الوادي وتبطنه: دخل بطنه.
أشهب بازل: أي رموا بامر صعب شديد لا طاقة لهم به يقال يوم أشعب وسنة شهباء، وجيش أشهب: أي قوي شديد، وأكثر ما يستعمل في الشدة والكراهة، وجعله بازلا لان بزول البعير نهايته في الشدة والقوة.
النجاء: السرعة، يقال هو ينجو نجاء إذا أسرع.
قبل - بكسر القاف وفتح الموحدة: أي طاقة وإنما عطفها عليه لتغاير اللفظ.
قاتله الله: أي قتله ولعنه، أو عاداه، وقد ترد بمعنى التعجب من الشئ، كقولهم: تربت يداه، ولا يراد بها وقوع الشئ.
الحميت - بفتح المهملة، وكسر التحتية، وبالفوقية - وهي في الاصل المتين من كل
شئ، والمراد هنا: زق السمن..بالسين والميم متن بالرب ولا يسعر عليه، شبهته بنحى السمن في لونه وسمنه.
الدسم - بدال فسين مكسورة مهملتين: الكثير الودك.
ما الاحمس: الشجاع.
قبح: القبح: ضد الحسن، وقد قبح قباحة فهو قبيح، ويقال قبحه الله، أي نحاه عن

(5/286)


الخير، فيجوز في لفظ الكثرة قبح - بفتح القاف، وضم الموحدة، وقبح بالبناء للمفعول.
الطليعة: الذي يحرس القوم.
شرح غريب من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله وشرح غريب ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأين نزل الساعي هنا: الذي ياخذ الزكاة، وفي رواية مصدقا - بفتح الصاد وتشديد الدال مع كسرها، ويجوز إسكان الصاد مع كسر الدال المخففة.
القينة - بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فنون فتاء تأنيث: الامة غنت أو لم تغن والماشطة، وكثيرا ما يطلق على المغنية من الاماء.
المغفر - بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، وبالراء: زرد ينسج منه الدروع على قدر الراس، يلبس تحت القلنسوة.
ذو طوى - بتثليث الطاء المهملة، والفتح أشهر: واد بمكة، مقصور منون، وقد يمد، يصرف ولا يصرف.
المدجج - بضم الميم، وفتح الدال المهملة والجيم الاولى المشددة.
شاك في السلاح تدجج في شكته وحد في سلاحه.
القناة: الرمح.
الافواه: جمع فوه: وهو الفم.
المزاد - بفتح الميم، والمزايد جمع مزادة، وهي شطر الرواية.
الخندمة - بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، فميم فتاء تأنيث: اسم جبل بمكة.
الرعدة - بكسر الراء.
فرس عاير - بعين مهملة فتحتية: ذاهب.
معتجرا، الاعتجار: التعمم بغير ذؤابة.
شقة برد: نصفه.
حبرة - بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة: ضرب من ثياب اليمن.
استشرفه الناس، قال في الصحاح: استشرفت الشئ: رفعت نظرك لتنظر إليه، وبسطت كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس.

(5/287)


العثنون - بضم العين المهملة والنون وبينهما ثاء مثلثة ساكنة: اللحية.
واسطة الرحل: مقدمته.
تمعج: تسير في كل اتجاه.
ثابت - بثاء مثلثة فالف، فموحدة ففوقية: رجعت.
عمامة خرقانية - بفتح الخاء المعجمة وضمها، وسكون الراء، وبالقاف، وكسر النون، وتشديد التحتية، قال في النهاية كانه لواها ثم كورها كما يفعله أهل الرساتق (1)، ورويت بالحاء المهملة.
المرط - بكسر الميم، وسكون الراء، وبالطاء المهملة: كساء من صوف، أو خز، أو كتان، والجمع مروط.
مرحل - بضم الميم، وفتح الراء والحاء المهملة المشددة: ضرب من برود اليمن، عليه تصاوير رحل وما أشبهه، وفي التكملة هو الموشى بالرحال، كما أن المسهم الموشى تشبيها
بالسهام.
تثير: ترفع.
النقع: الغبار.
الاعنة: جمع عنان - بكسر العين وهو سير اللجام.
مسرجات - بميم مضمومة، فسين مهملة فراء فجيم: مشدود عليها السرج.
الخمر - بضم الخاء المعجمة، وبالراء: جمع خمار، وهو ثوب تغطي به المرأة راسها، والخمر - بفتح الخاء المعجمة، والميم: ما واراك من شجر.
مجنبة الجيش - بميم مضمومة فجيم مفتوحة: فنون مكسورة مشددة فموحدة فهاء: وهي التي تكون في الميمنة والميسرة وهما مجنبتان، وقيل: هي الكتيبة تأخذ إحدى ناحيتي الطريق، والأول أصح.
سليم - بضم السين المهملة.
غفار - بكسر الغين المعجمة.
مزينة - بضم الميم، وفتح الزاي، وسكون التحتية، وبالنون.
الليط - بكسر اللام الثانية، وسكون التحتية، وآخره طاء مهملة.
__________
(1) الرساتق: فارسي معرب وهو السواد، انظر اللسان 3 / 1640.
(*)

(5/288)


الحسر - بضم الحاء، وفتح السين المشددة المهملتين وآخره راء: وهم الذين لا درع عليهم.
البياذقة بفتح الموحدة، وتخفيف التحتية، وبعد الالف ذال معجمة، فقاف، فتاء تأنيث: وفسر بالرجالة، وهي لفظة فارسية معربة.
أقبل بالصف من المسلمين...ينصب - بفتح التحتية، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، وتشديد الموحدة.
عنوة: يقال عنا عنوة: أخذ الشئ قهرا وصلحا، والمراد هنا الاول.
ضوى إليه: آوى إليه وانضم.
هذيل - بضم الهاء، وفتح الذال المعجمة، وسكون التحتية، وباللام.
الديل - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتية.
فمالي علة...وألة - بفتح الهمزة، وتشديد اللام المفتوحة، فتاء تأنيث: الحربة التي في نصلها عرض، وجمعها أل - بفتح الهمزة، وتشديد اللام، والال كجفنة وجفان.
ذو غرارين بغين معجمة مكسورة، وراءين بينهما ألف: شفرتا السيف وكل شئ له حد فحده غرره، والجمع أغرة.
السلة - بكسر السين المهملة، وتشديد اللام المفتوحة فتاء تأنيث: الحالة من السيف ومن أراد المصدر فتح.
قال في الصحاح: أتيناهم عند السلة، أي عند إسلال السيوف.
الحزورة: بحاء مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فواو مفتوحة فراء: كانت سوقا بمكة وأدخلت في المسجد لما زيد فيه.
لجة البحر - بضم اللام وتشديد الجيم: معظمه، ومنه بحر لجي، واسع اللجة.
نال...الفارسية...الشعار - ككتاب: العلامة في الحرب.
حماس - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم، وبعد الالف سين مهملة.
إنك - بكسر الكاف، خطاب المؤنث.
بويزيد: حذف همزته تخفيفا، لضرورة الشعر، وأراد به سهيل بن عمرو.

(5/289)


المؤتمة - بميم، فواو، ففوقية مفتوحة: التي قتل زوجها وبقي لها أيتام، ومن رواه بكسر
الفوقية: أراد لها أيتام، يقال منه أيتمت فهي مؤتمة.
الجمجمة: الراس.
تسمع - بالبناء للمفعول.
وفي كثير من النسخ تسمعي.
الغمغمة - بغينين معجمتين مفتوحتين بعد كل واحدة ميم، الاولى ساكنة، والثانية مفتوحة: أصوات غير مفهومة من اختلاطها.
قال في الروض، وقال في الاملاء هي الاصوات الابطال في الحرب.
النهيت - بفتح النون، وكسر الهاء، وسكون التحتية ففوقية: نوع من صياح الاسد كالزئير إلا أنه دونه.
همهمة: صوت في الصدر.
كرز - بكاف مضمومة، فراء ساكنة فزاي.
الفهري - بكسر الفاء وسكون الهاء.
البارقة: لمعان السيوف.
فضض المشركين - بفاء وضادين معجمتين: كل متفرق ومنتشر.
فاتي - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ببنائهما للمفعول.
وبشت: بفتح الواو وبالموحدة المشددة وبالشين المعجمة: جمعت الاوباش الجموع من قبائل شتى.
اهتف: صح والهاتف الصائح.
المناوشة في القتال: تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا.
احصدوهم - بهمزة وصل، فان ابتدات ضممت، وبالحاء والصاد المهملتين: أي اقتلوهم وبالغوا في استئصالهم.
أبيدت - بالبناء للمفعول: أهلكت، وفي رواية أبيحت - بالبناء للمفعول أي انتهبت وتم هلاكها، والاباحة كالنهب وما لا يرد عنه.
خضراء قريش - بخاء مفتوحة فضاد ساكنة معجمتين وبالمد: جماعتهم وأشخاصهم والعرب تكني بالسواد عن الخضرة، وبالخضرة عن السواد ومنه سواد العراق.
لا قريش بعد اليوم:...

(5/290)


تقاسموا: تحالفوا.
الخيف: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء.
كنانة - بكسر الكاف، ونونين.
رجع صوته - بفتح الراء، والجيم المشددة: ردده في القراءة، قال...مضطربا بالحجون: مقيما به.
شرح غريب ذكر اغتساله - صلى الله عليه وسلم - ورن ابليس وإسلام أبي قحافة وغريب خطبته - صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى - بضم السين المهملة، وسكون الموحدة، وبالحاء المهملة: من التسبيح كالسحرة من التسحير، وأكثر استعمالها في التطوع من الذكر والصلاة.
الرنة - بفتح الراء والنون: الصوت بحزن.
النوح - بفتح النون، وواو ساكنة، فحاء مهملة: البكاء.
الشرر - بشين معجمة مفتوحة فراءين أولاهما مفتوحة: ما تطاير من النار.
التامات: الكاملات فلا يدخلهن نقص ولا عيب، وقيل: النافعات الشافيات.
لا يجاوزهن - بمثناة تحتية مضمومة، ثم جيم وزاي، لا يخلفهن ويتخطاهن.
البر - بفتح الموحدة، والبار: الصادق أو التقي، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار، والثاني بررة.
الطارق: الذي ياتي ليلا.
حبشية: منسوبة إلى الحبشة.
شمطاء: خالط سواد شعرها بياض.
خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشا من باب ضرب: جرحت ظاهر البشرة، ثم أطلق الخمش على الاثر، والجمع خموش مثل فلس وفلوس.
الويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة أو بلية لا يترحم عليه.
إساف بكسر الهمزة، ونائلة - بنون فالف، فهمزة على صورة الياء: اسما صنمين.
أبو قحافة - بضم القاف، وبالحاء المهملة، والفاء، عثمان بن عامر والد أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما.
أشرفي بي، ارتفعي بي.

(5/291)


الوازع - بالزاي: الذي يكف الجيش، أي يقدم بعضه على بعض يقال وزعته عن كذا إذا كففته عنه.
الطوق هنا: القلادة.
الورق - بفتح الواو، وكسر الراء، الفضة.
الثغامة - بثاء مثلثة مفتوحة، فغين معجمة: شجرة إذا يبست أبيضت أغصانها يشبه بها الشيب.
أنشد الله رجلا: أذكره به واستعطفه أو أساله به مقسما.
أخية: تصغير أخت.
لم قاتلت: ما الاستفهامية دخلت عليها اللام الجارة فحذفت ألفها.
رشقونا: رمونا.
وضعوا فينا السلاح: حطوه.
خبطوهم - بخاء معجمة فموحدة فطاء مهملة: ضربوهم ضربا شديدا.
أبو أحيحة - بمهملتين - مصغر.
الجياد - بجيم مكسورة، فتحتية مفتوحة، فالف، فدال مهملة، جمع جيد: ضد الردئ.
متمطرات - بضم الميم، وفتح الفوقية، وكسر الطاء المهملة المشددة، وبالراء، يقال: تمطر به فرسه: إذا جرى وأسرع، وجاءت الخيل متمطرة، أي سبق بعضها بعضا.
المحجن - بميم مكسورة، فحاء مهملة ساكنة، فجيم مفتوحة فنون، وهو عصا مقنعة الراس كالصولجان.
ارتجت مكة: اضطرب أهلها.
الرصاص - بفتح الراء، والمفرد رصاصة.
هبل - بضم الهاء وفتح الموحدة، وباللام.
وجاه - بواو مكسورة فجيم: مقابل.
آخذ بمد الهمزة، وكسر الخاء، وبالذال المعجمتين: اسم فاعل.
سية القوس - بكسر السين المهملة، وفتح التحتية المخففة: وهو ما عطف من طرف القوس.
يطعن - بضم العين وفتحها.

(5/292)


الاستيلام: افتعال من السلام، كانه حياه بذلك، وقيل: هو افتعال من السلام بكسر السين، وهي الحجارة، ومعناه: لمسه.
الحجر - بفتح الحاء والجيم.
الملوح بضم الميم وفتح اللام، وتشديد الواو المفتوحة، فحاء مهملة.
إيه إيه...يستقسم: يضرب.
بالازلام، جمع زلم - بضم الزاي، ويقال: بفتحها، وهو السهم.
حمامة من عيدان - بفتح العين المهملة، وسكون التحتية، جمع عيدانة، وهي النخلة
الطويلة.
سطرين بسين مهملة، ووقع في رواية السهيلي بالشين المعجمة، وخطاه القاضي.
قوله: وعند المكان الذي صلي فيه مرمرة - بسكون الراء بين الميمين المفتوحين، واحدة المرمر، وهو جنس من الرخام لطيف نفيس معروف، وكان ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم غير بناء البيت بعد في زمن ابن الزبير كما تقدم.
برة - بموحدة مفتوحة، فراء مشددة فمثناة فوقية.
شرح غريب ذكر خطبته - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح استكف له الناس - بفتح أوله، وسكون السين المهملة، وفتح الكاف، وبالفاء: أي استجمع، من الكافة، وهي الجماعة، وقد يجوز أن يكون استكف هنا بمعنى نظروا إليه، وحدقوا أبصارهم فيه، كالذي ينظر في الشمس، من قولهم: استكف بالشئ إذا وضعت كفك على حاجبك ونظرت إليه، وقد يجوز أن يكون استكف هذا بمعنى استمد، قاله في الاملاء.
وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث " قال السهيلي، وابن حزم، البلاذري: كان لربيعة بن الحارث ابنا مسترضعا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل في الجاهلية، فاهدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمه في فتح مكة وسماه البلاذري، والزبير بن بكار، وابن حزم وغيرهم: ادم، وقيل: اسمه ثمام، وقيل إياس.
الاحزاب: وهم الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق من قريش وغيرهم.
لا تثريب: لا تعنيف ولا لوم.
الطلقاء - بطاء مهملة مضمومة، فلام مفتوحة فقاف: الذين خلى سبيلهم.

(5/293)


ماثرة - بهمزة ساكنة فثاء مثلثة مفتوحة: الخصلة المحمودة التي تؤثر ويتحدث بها.
سدانة البيت: بكسر السين، وبالدال المفتوحة المهملتين، وبعد الالف نون: خدمته.
النخوة: العظمة والكبر.
لا يعضد - بالعين المهملة، والضاد: لا يقطع.
عضاها، العضاة ككتاب شجر الشوك كالطلح والعوسج.
ولا يختلى - بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة: لا يقطع.
الخلى - بالقصر: الرطب من الحشيش، الواحدة خلاة.
وكان شيخا مجربا - بضم الميم، وفتح الجيم والراء: أي جربته الامور وأحكمته.
الاذخر - بكسر الهمزة وسكون الذال، وكسر الخاء المعجمتين: نبات معروف ذكي إذا جف ابيض.
القين - بفتح القاف، وسكون التحتية، وبالنون: الحداد، ويطلق على كل صانع، والجمع قيون، مثل عين وعيون.
وللعاهر الحجر: أي إنما ثبت الولد لصاحب الفراش وهو الزوج، وللعاهر الخيبة ولا يثبت له نسب، وهو كما يقال: وله التراب، أي الخيبة، لان بعض العرب كان يثبت النسب من الزاني، فابطله الشرع.
لا جلب - بفتح الجيم واللام، وبالموحدة، فسر بان رب الماشية لا يكلف جلبها إلى البلد لياخذ الساعي منها الزكاة، بل تؤخذ زكاتها عند المياه.
ولا جنب - بفتح الجيم والنون، وبالموحدة: أي إذا كانت الماشية في الافنية فتترك فيها ولا تخرج إلى المرعى، فيخرج الساعي لاخذ الزكاة لما فيه من المشقة.
فأمر بالرفق من الجانبين.
الافنية: جمع فناء ككتاب: الوصيد، وهو سعة أمام البيت، وقيل: ما امتد من جوانبه.
اشتمال الصماء: أي يجلل جسده كله بكساء أو إزار لا يرفع من جوانبه.
أخالكم: أظنكم.
خالدة: دائمة لكم.
تالدة - بالفوقية كصاحبة، والتالد: القديم، قال المحب الطبري - رحمه الله تعالى -: إنها
لكم من أول ومن آخر، وتكون تالدة إتباعا لخالدة بمعناه.

(5/294)


مضطبع بثوبه: اسم فاعل من الاضطباع: وهو أن يدخل ثوبه من تحت إبطه اليمنى ويلقيه على عاتقه الايسر، ويتعدى بالباء، فيقال: اضطبع بثوبه، قال الازهري: والاضطباع والتوشح والتابط سواء.
أما الرجل - بفتح الهمزة وتشديد الميم.
يقضى - بالبناء للمفعول، وكذلك قضي، والوحي، نائب للفاعل.
الضن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكسر الضاد المعجمة الساقطة، وتشديد النون، أي بخلا به، وشحا أن يشاركنا فيه أحد غيرنا.
يطئون عقبه: يتبعونه، وموطأ العقب: سلطان يتبع.
تفوهت: تلفظت.
قرن - بقاف مفتوحة، فراء ساكنة، وهي في الاصل: الجبل الصغير.
المسفلة - بميم مفتوحة فسين مهملة ساكنة ففاء، فلام مفتوحتين: موضع باسفل مكة.
يوضع فيه: يسرع.
الجعرانة - لا خلاف في كسر الجيم، وأهل الحديث يكسرون عينه، وأهل الادب يسكنون العين ويخففون الراء.
قال في المراصد: والصحيح أنهما لغتان، قال علي بن المدني: أهل المدينة يثقلون الجعرانة، وأهل العراق يخففونها، وهي منزل بين الطائف ومكة، وهي إليها أقرب.
عرنة - بضم العين المهملة وفتح الراء وبالنون: واد قرب عرفات.
شرح غريب ذكر اسلام عبد الله بن الزبعرى - رضي الله عنه الزبعري هو بزاي، فموحدة مكسورتين، فعين مهملة ساكنة، فألف مقصورة.
لا تعد بفتح الفوقية وسكون العين الهملة.
من حرف جر، وفي رواية لا تعد من من العدم، أكد بالنون.
ورجلا - عليها - مفعول.
نجران - بنون مفتوحة، فجيم ساكنة، فالف فنون: مدينة باليمن.
الاحذ - بالحاء المهملة، والذال المعجمة: القليل المنقطع، ومن رواه بالجيم والدال المهملة: فهو منقطع أيضا.
وقد يجوز أن يكون معناه في عيش لئيم جدا بليت من البلى وهو العدم والقدم.
القناة: الرمح.

(5/295)


خوارة - بخاء معجمة مفتوحة، فواو مشددة فراء: ضعيفة.
جوفاء - بجيم مفتوحة فواو ساكنة ففاء فالف فهمز -: واسعة.
ذات وصوم - بواو مضمومة فصاد مهملة فواو فميم: فتور وكسل وتوان أجلب عليه: جمع ما قدر عليه من جنده.
يجب ما قبله: يقطعه ويمحاه.
لساني راتق: ساد، تقول: رتقت الشئ إذا سددته.
ما فتقت: أحدثت من ذنب، فكل إثم فتق وتمزيق، وكل توبة رتق.
البور - بالموحدة: الهلاك..أباري: أعارض، وأجاري.
سنن الغي: طرقه.
المثبور: الهالك.
البلابل: الوساوس.
الهموم: الاحزان.
معتلج: مضطرب يركب بعضه بعضا.
الرواق: طائفة من الليل، وأرواقه: أثناء ظلمته.
البهيم: الذي لا ضياء فيه.
عيرانة: ناقة تشبه العير في شدته ونشاطه والعير - بفتح العين: حمار الوحش.
غشوم - بغين، فشين معجمة: ظلوم، يعني أن مشيها فيه خفاء، ومن رواه رسوم، فمعناه: أنها ترسم الارض وتؤثر فيها من شدة وطئها، والرسم: ضرب من سير الليل.
أسديت: صنعت وحكيت، يعني ما قاله من الشعر قبل إسلامه.
أهيم: أذهب على وجهي متحيرا.
اغوى بالغين المعجمة.
خطة - بضم الخاء المعجمة، وبطاء مهملة: أي باشر أمر وأقبحه.
سهم - بفتح السين المهملة، وسكون الهاء.
مخزوم - بالخاء والزاي المعجمتين.

(5/296)


أسباب الردى: طرق الهلاك.
الوشاة - بضم الواو: جمع واش وهو النمام.
الاواصر: قرابة الرحم من الناس.
الحلوم - بضم الحاء المهملة، واللام: العقول.
فدى - بكسر الفاء، وتفتح، وقال في الصحاح: إذا كسر يمد ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور انتهى والمفاداة: أن تدفع رجلا وتاخذ رجلا، فالفداء أن تشريه أو تنقذه بمال، وفديته بابي وأمي كانك اشتريته وخلصته بهما، إذا لم يكن أسيرا، فان كان أسيرا مملوكا قلت: فاديته، والمراد بالفداء هنا التعظيم، لان الانسان لا يفدي إلا من يعظمه.
فيذل نفسه، ومن يعز عليه به.
زللي: خطيئتي.
علم - بفتح العين واللام.
الجسيم: العظيم.
القرم - بفتح القاف، وسكون الراء: وأصله الفحل من الابل.
الذري - بضم الذال المعجمة: الاعالي.
الاروم: الاصول.
شرح غريب ذكر إسلام عكرمة وصفوان بن أمية وهند بنت عتبة ضوى إليه بفتح الضاد المعجمة: مال.
الشعيبة - بالشين المعجمة، والعين المهملة تصغير شعبة: مرفأ السفن بجدة.
والمرفأ - بميم فراء فهمز: الموضع الذي تشد فيه السفن.
عك - بفتح العين المهملة وتشديد الكاف: حي منسوب إلى عك بن عدنان - بضم العين، وسكون الدال المهملتين، وبالثاء المثلثة ابن عبد الله بن الازد.
تليح بمثناة فوقية فلام فمثناة تحتية فحاء مهملة: تبصر، يقال لحته أبصرته، والاستلاح التبصر.
النوتي: الملاح الذي يدبر أمر السفينة في البحر.
أغرب - بغين معجمة: أبعد.
الاعتجار بالعمامة: وهو أن يلفها على راسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه.

(5/297)


آمنه - بمد الهمزة وفتح الميم المخففة.
سيره شهرين - بفتح السين والتحتية المشددة.
شفير النار: جانبها.
القدوم - بقاف مفتوحة، فدال مضمومة تخفف وتشدد هنا: آلة النجار.
أفلذه - بهمزة مضمومة ففاء ساكنة فذال معجمة: أقطعه.
مرضوفين - بميم فراء [ فضاد ] فواو ففاء مفتوحة: مشويين على الرضف وهي الحجارة
المحماة.
قد - بقاف مفتوحة فدال مهملة: جلد السخلة.
شرح غريب ذكر خطبته - صلى الله عليه وسلم - ثاني يوم الفتح قوله غزي - بغين فزاي معجمتين، وتشديد التحتية: جماعة القوم الذين يغزون.
جنيدب بن الادلع.
هذيل - بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، وسكون التحتية، وباللام.
الغطيط: ما يسمع من صوت الادميين إذا ناموا، وهو صوت من الحلق.
الحاضر: القوم الذين ينزلون على الماء.
فمه: ما الاستفهامية أبدلت ألفها هاء في الوقف، والمعنى فما تريدون أن تضعوا [ يستجيش عليه: بمثناة فسين مهملة فمثناة فوقية فجيم فتحتية: أقبل إليهم يطلب سكون الجاش بهمز وقد لا يهمز.
وهو رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع وتنفس الانسان ].
هكذا عن الرجل: هي هنا اسم سمي به الفعل، ومعناه: تنحوا عن الرجل، وعن متعلقة بما في هكذا من معنى الفعل.
الحشوة - بالحاء المهملة المفتوحة: ما اشتمل عليه البطن من الامعاء وغيرها تسيل: تخرج.
تزنقان - بفوقية فزاي فنون فقاف أي قربتا أن تنغلقا، يقال زنقت الشمس إذا دنت للغروب وزنقه النعاس إذا ابتدأه قبل أن تنغلق عينه انجعف - بنون فجيم فعين مهملة ففاء: سقط سقوطا ثقيلا.

(5/298)


شرح غريب قصيدة حسان بن ثابت - رضي الله عنه عفت: درست وتغيرت.
ذات الاصابع، والجواء - بكسر الجيم، وتخفيف الواو، وعذراء بفتح العين المهملة،
وسكون الذال وراء وبالمد: الثلاثة مواضع بالشام، والاخيرة قرية بقرب دمشق.
منزلها خلاء: فارغ.
الحسحاس - بحاء مفتوحة فسين فحاء فالف فسين مهملات: حي من بني أسد.
قفر - بفتح القاف، وسكون الفاء، وبالراء: المفازة التي لا نبت فيها ولا ماء.
تعفيها - بضم الفوقية، وفتح العين المهملة، وكسر الفاء المشددة: تغيرها.
الروامس - بالراء والسين المهملتين: الرياح التي ترمس الآثار، أي تغطيها وتسترها.
السماء - هنا - المطر.
تثير - بضم الفوقية وكسر الثاء المثلثة، وسكون التحتية وبالراء: ترفع.
النقع - بفتح النون وإسكان القاف وبالعين المهملة: الغبار.
كداء - بفتح الكاف والمد.
الاعنة: جمع عنان - بكسر العين المهملة: وهو سير اللجام.
مصغيات: مستمعات.
الاسل - بفتح الهمزة والسين المهملة: الرماح.
الظماء بكسر الظاء المعجمة المشالة وبالمد: العطاش.
الجياد - هنا: الخيل.
متمطرات - بطاء مهملة مكسورة مشددة مصونات أو مسرعات يسبق بعضهن بعضا.
يلطمهن: يضربهن بالخمر - بضم الخاء المعجمة، والميم، جمع خمار.
إما - بكسر الهمزة، وتشديد الميم، أصله إن الشرطية وما زائدة.
تعرضوا - حذف النون للجازم.
الجلاد - بكسر الجيم: الضرب بالسيوف ونحوها في القتال.
ليس له كفاء - بكسر الكاف وبالمد: أي مثلا.
وقال الله قد أرسلت عبدا: أي قال الله - تعالى - معناه، وليس هذا اللفظ في القرآن وكذا
وقال الله قد سيرت جندا.

(5/299)


البلاء: الاختبار.
عرضتها - بضم العين المهملة، وسكون الراء وبالضاد المعجمة - اللقاء: عادتها تعرض للقاء عدوها.
نحكم بالقوافي من هجانا - بضم النون، وفتحها: أي نرد ونقدع، من حكمة الدابة بفتح المهملة وسكون الكاف وهو لجامها، والمعنى: نغمهم ونخزيهم فتكون قوافينا كالحكمات للدواب.
أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - قيل أسلم في السفر، وهذا مما يقوي أن بعض هذا القصيدة قالها قبل السفر للفتح.
مغلغلة - بغينين معجمتين، الاولى مفتوحة، والثانية مفتوحة أيضا وبعد كل منهما لام الاولى ساكنة والثانية مفتوحة وهي الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد.
برح.
زال.
الجفاء: الاعراض والتباعد.
برا - بفتح الموحدة والراء: وهو الكثير الخير.
الحنيف: المسلم، وسمي بذلك لانه مال عن الباطل إلى الحق، والحنف: الميل.
الشيمة - بكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية: الخلق بضم الخاء المعجمة، واللام وتسكن.
الكفو - بتثليث الكاف: المثل والنظير.
فشركما لخيركما الفداء: هذا نصف بيت قالته العرب، وهو من باب قوله - صلى الله عليه وسلم - شر صفوف الرجال آخرها، يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الاول، ولا يجوز أن يريد - صلى الله عليه وسلم - التفضيل في الشر.
قال سيبويه - رحمه الله تعالى - تقول مررت برجل شر منك إذا نقص عن أن
يكون مثله.
صارم: قاطع.
لا عيب - بالتحتية والموحدة - وهو الظاهر - ويروي بالفوقية أي لا لوم فيه.
الدلاء - بكسر الدال المهملة: جمع دلو بفتحها.
شبيه وقع في صحيح مسلم في مناقب حسان رضي الله تعالى عنه في هذا القصيدة أبيات.

(5/300)


أولها: هجوت محمدا إلى آخره، وثانيهما: هجوت محمدا برا تقيا، وثالثها: فان أبي ووالدتي وعرضي، ورابعها: ثكلت بنيتي إن لم تروها تثير النقع غايتها كداء، وخامسها: يبارين الاعنة مصعدات كذا في مسلم، وفي السيرة مصغيات، وسادسها تظل جيادنا إلى آخره، وسابعها: فان أعرضتم إلى آخره، وثامنها: وإلا فاصبروا لضراب يوم وتاسعها: قد أرسلت عبدا وقال الله يقول الحق ليس به خفاء.
وعاشرها: وقال الله قد سيرت جندا، وحادي عشرها: تلاقي كل يوم من معد، وثاني عشرها: فمن يهجو، وثالث عشرها: وجبريل رسول الله فينا.
شرح غريب ابيات أنس بن زنيم - رضي الله عنه وأبوه [ زنيم ] بضم الزاي، وفتح النون وسكون التحتية.
الذمة - بكسر الذال المعجمة: العهد.
أحث بالحاء المهملة، والثاء المثلثة: أسرع.
أسبغ - بالسين المهملة والموحدة والغين المعجمة: أكمل.
النائل: العطاء.
المهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
الخال - بالخاء المعجمة: ضرب من برود اليمن، سمي بالخال الذي بمعنى الخيلاء
قبل ابتذاله: [ أي بلاه ] السابق - هنا - الفرس.
المتجرد - بكسر الراء: اسم فاعل.
الذي يتجرد من الخيل فيسبقها.
تعلم - بفتحات واللام مشددة:: بمعنى إعلم.
الوعيد: التهديد.
الصرم - بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وبالميم: البيوت المجتمعة.
المتهمون: الذين يسكنون بتهامة، وهو ما انخفض من أرض الحجاز.
المنجد: من سكن بنجد، وهو ما ارتفع من الارض.
عويمر: تصغير عمرو، وهو بن سالم كذا في النور.
المخلفوا كل موعد - بجر كل باضافة اسم الفاعل إليها، ويجوز نسبها في لغة.
نبوا - بنون فموحدة مشددة: أخبروا.

(5/301)


الطلق - بفتح الطاء، وسكون اللام: الايام السعيدة، يقال يوم طلق إذ لم يكن فيه برد ولا حر ولا شئ يؤذي، وكذلك ليلة طلق.
عزت: اشتدت.
العبرة - بفتح العين المهملة: الدمعة.
التبلد: التحير تبلدي: تصبري، أخفرت: نقضت العهد أكمد: من الكمد وهو الحزن.
فتقت - بفاء ففوقية فقاف: أحدثت، أو خرجت.
شرح غريب ابيات الشقراطيسي - رحمه الله تعالى وهو بشين معجمة فقاف ساكنة فراء مفتوحة فطاء فسين مهملات فتحتية.
يوم مكة - جوز الامام أبو شامة - رحمه الله تعالى نصب يوم ورفعه وجره.
إذا: ظرف
زمان بدل من يوم.
أشرفت / علوت عليها وظهرت على أخذها.
الامم: جمع أمة، وهي جماعة الحيوان على الاطلاق، ومن الزمان وغير ذلك.
تضييق - بالفوقية والتحتية.
الفجاج - جمع فج: الطريق الواسع بين جبلين.
الوعث - بواو مفتوحة، فعين مهملة ساكنة، فثاء مثلثة: المكان الواسع.
الدهس - بدال مهملة فهاء مفتوحتين فسين مهملة: مالان من الارض وسهل، ولم يبلغ أن يكون رملا تغيب فيه الاقدام ويشق على من مشى فيه.
السهل - بسكون الهاء - وفتحها ضرورة - وفي بعض النسخ بضمتين، جمع سهل وهو ما لان من الارض، والمعنى أن جميع الطرق تضيق عن ذلك الجيش.
الخوافق - بالصرف للضرورة، وبالجر بدل من أمم، أي أشرفت في أمم خوافق، يقال خفقت الراية تخفق وتخفق - بكسر الفاء وضمها خفقا وخفقانا، وكذلك القلب إذا اضطرب، ويجوز أن تكون خوافق صفة لام لا بدل، وصفها بالمفرد بعد أن وصفها بالجملة، من قولهم خفق الارض بنعله خفقا وهو صوت النعل، وكل ضرب بشئ عريض خفق ومنه خفقه بالسيف، وخفق في البلاد خفوقا: ذهب، وخفق البرق خفقا: لمع، وخفقت الريح خفقانا: وهو خفقها أي دوي جريها، وخفق الطائر، أي طار، وصف تلك الامم بسرعة الطير والسير ولمعان

(5/302)


الحديد، وصوت وقع الحوافر، وما يناسب ذلك مما يليق بالمعنى المقصود المستنبط من هذه الالفاظ.
في اللغة، وفي بعض النسخ خوافق بالرفع جعل مبتدأ على تقدير لها خوافق يعنى رايات، أي خبرا أي هي خوافق، يعني الامم، ويجوز أن يكون التقدير في ذات خوافق وحذف المضاف، وكذا يجوز أن يكون التقدير على إعراب خوافق بالجر أي ذوي خوافق، فمهما قدرنا حذف مضاف، أو قلنا هي مبتدأ أو جررناها على البدل، فالمراد بخوافق الرايات، وإن
جررناها صفة لامم أو قلنا: التقدير هي خوافق فالخفق للامم لا الريات.
ضاق: ضعف.
ذرع الخافقين: وسعهما.
الخافقان: أفقا المشرق والمغرب، لان الليل والنهار يخفقان فيهما.
القاتم: المغبر والقتام: الغبار.
العجاج - بالعين المهملة وجيمين: الغبار.
الجحفل - بالجر: وهو الجيش العظيم، قال في المحكم: ولا يكون الجيش جحفلا حتى تكون فيه خيل.
قذف بفتح القاف والذال المعجمة، وبضمهما: أي متباعد.
الارجاء: النواحي والاطراف.
اللجب: الصوت والجلبة.
العرمرم: الكثير.
زهاء السيل - بضم الزاي: قدره.
المنسحل - بضم الميم، وسكون النون، وفتح السين، والحاء المهملتين: وهو الماضي في سيره، المسرع فيه.
يتبع بعضه بعضا كانه جار.
البهو: البناء العالي كالايوان ونحوه، شبه النور، الذي يغشاه - صلى الله عليه وسلم ببهو أحاط به.
مكتمل بضم الميم: تام.
ينير - بضم التحتية - أي النور المذكور ينير أي يضئ " أغر الوجه: أبيضه منتجب: متخير من أصل نجيب أي كريم.
المتوج: الذي لبس التاج وهو الاكليل الذي تلبسه الملوك، وهو شبه عصابة تزين بالجواهر، وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بانه أبدا متوج بعزة النصر - متقبل - بضم الميم، وسكون

(5/303)


القاف، وفتح الفوقية، وكسر الموحدة: من اقتبل أمره أي استانفه، واقتبل الخطبة أي ارتجلها، والاقتبال: الاستئناف.
يسمو - بالتحتية: يعلو.
أمام: قدام.
جنود: جمع جند.
مرتديا: حال من الضمير في يسمو.
ثوب الوقار: مفعول مرتديا على إسقاط الخافض والوقار العظمة.
ممتثل: أي منتهج على مثاله، يقال: امتثل فلان الامر إذا فعله على المثال الذي رسم له.
خشعت: خضعت - حسا ومعنى.
البهاء: الحسن.
سمت: ارتفعت.
المهابة: الهيبة، فكلاهما مصدر هابه، ومعناها الاجلال والمخافة.
الوجل: الخائف، جمع الناظم بينهما لاختلاف اللفظ تأكيدا للمعنى، أي فعلت في زمان نهاية عزك ما يفعله الخائف الوجل.
تباشر القوم: بشر بعضهم بعضا فرحا.
أملاك: جمع ملك مثل حمل وأحمال.
ملكت - بضم الميم، وكسر اللام المشددة، وفي بعض النسخ بفتحهما من غير تشديد، وكلاهما واضح.
نلت: حصلت [ غاية الامل ]: مطلوبك.
ترجف: تهتز.
الزهو: الخفة من الطرب، يقال: زهاه الشئ ازدهاء: إذا استخفه، والزهو أيضا: الكبر، وليس مرادا هنا.
الفرق: الفزع، يقال اهتزت الارض فرحا بهذا الجيش وفرقا من صولته، أي كادت تهتز كما قال تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر) [ الاحزاب 10 ] أي كادت تبلغ.
الجو: ما تحت السماء من الهواء.
يزهر: يضئ.

(5/304)


الاشراق: الاضاءة.
الجذل - بفتح الجيم، والذال المعجمة: السرور والفرح.
تختال: تتبختر في مشيتها.
زهوا: كبرا وإعجابا، وهذا غير معنى الزهو السابق، فليس بتكرار.
العيس - بكسر العين: الابل في ألوانها عيس - بفتح العين والتحتية، وهو بياض مخالط بحمرة.
تنثال - بفوقية مفتوحة فنون ساكنة فثاء مثلثة ولام: أي تنصب من كل جهة، يقال تناثل الناس إليه إذا انصبوا.
رهوا بالراء: أي ذات رهو، وهو السير السهل.
ثنى - بكسر الثاء المثلثة، وفتح النون، كانه جمع ثنى، لان كل أحد له ثنى إلا أن هذا الجمع غير مسموع، وفي بعض النسخ بضم المثلثة وكسرها كحلي وحلى.
الجدل - بضم الجيم، والدال المهملة: جمع حديل، وهو الزمام المجدول، أي المضفور المحكم الفتل، والزمام ما كان في الانف، والخطام غيره، وثنى الجدل ما أثني منها على أعناق هذه الابل، أي انعطف وانطوى.
الحول - بكسر الحاء المهملة، وفتح الواو: التحول، وهو الانتقال والتغير.
أهل - بفتحات واللام مشددة: أي رفع صوته.
ثهلان - بثاء مثلثة، جبل.
التهليل: مصدر هلل إذا قال: لا إله إلا الله.
ذاب - بفتح الذال المعجمة.
يذبل - بفتح التحتية، وسكون الذال المعجمة وضم الموحدة وباللام: جبل.
التهليل - هنا: الجبن والفزع، يقال هل الرجل عن الشئ إذا فزع منه فرقا وجبنا.
الذبل - بضم الذال المعجمة، والموحدة: الرماح الذوابل التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي جفت ويبست، وإذا قطعت كذلك كانت أجود، وأصله لو لا القدر الذي خطته الاقلام في اللوح المحفوظ، ولما سبق من قضاء الله فيه الذي لا يتحول أن الجماد لا ينطق ولا يعقل لرفع ثهلان صوته فهلل الله - تعالى - من الطرب، ولذاب يذبل من الجزع والفرق.
عقدت: بالبناء للمفعول.

(5/305)


الازل - بفتح أوله والزاي: القدم بكسر القاف.
شعبت - بفتح الشين المعجمة، والعين المهملة، وسكون الموحدة، وفتح الفوقية: أي جمعت وأصلحت.
الصدع: الشق.
قذفت: رمت.
شعوب، اسم علم على المنية لا ينصرف، لانه مشتق من شعب إذا تفرق، لانها تفرق الجماعات.
شعاب السهل، جمع شعب: الطريق في الجبل.
السهل: خلاف الجبل، وهو ما سهل ولان من الارض.
القلل: جمع قلة، وهي أعلى الجبل، وقلة كل شئ أعلاه.
زادت: من الزيادة.
الكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعة من الخيل.
الزئير - بالهمز: صوت الاسد في صدره.
العصل - بعين فصاد مهملتين: جمع أعصل، وهو الناب الشديد المعوج.
ويل: كلمة يعبر بها عن المكروه ويدعى بها فيه.
آثار وطئته: مصدر وطئ بقدمه يطأ وطأ ووطأة للمرة من ذلك، ويعبر بها أيضا عن موضع القدم، وعن الاخذة والوقعة، فالمعنى على الأول: من آثار وطأته الارض، وعلى الثاني من آثار نكايته.
الجوى - بفتح الجيم، في الاصل فساد الجوف، ثم سمي كل ما بطن من حزن أو هوى، أو هم جوى.
الهبل بفتح الهاء، والموحدة: الثكل، مصدر هبلته، أي ثكلته.
جدت عفوا - يقال أعطاني فلان كذا عفوا، أي سهلا من غير عناء ولا كد في السؤال والعفو: التجاوز عن الذنب، وترك العقوبة.
ولم تلمم من الممت بالشئ إذا دنوت منه ونلت منه نيلا يسيرا.
الاليم: الموجع.
اللوم والعذل - بفتح الذال المعجمة وسكونها متقاربان، فلما اختلف اللفظ حسن

(5/306)


التكرير - يعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقابل أهل مكة - ولم يعذلهم، بل عفا عنهم وصفح.
أضربت: أعرضت وتركت.
بالصفح: بالعفو.
صفحا: أي إعراضا.
الطوائل: جمع طائلة، أي عداوة، أي أعرضت عن نتاج طوئلهم وهي جنايتهم عليه - صلى الله عليه وسلم -.
طولا - بفتح الطاء: المن والانعام والتفضل.
المقيل في الاصل مصدر قال يقيل قولا ومقيلا وقيلولة: إذا نام في الظهيرة أو استراح، وإن لم ينم، واستعار ذلك هنا للنوم، وجعل له مقيلا في أعينهم، وكنى بذلك عن لبثه واستقراره بسبب العفو عنهم والصفح، وكان قبل ذلك نافرا عنهم بسبب الخوف من القتل والغم من الطرد.
المقل - بضم الميم، وفتح القاف، جمع مقلة، وهي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض.
واشج الارحام - بشين معجمة مكسورة، فجيم: مختلطها ومشتبكها، من قولهم وشجت العروق والاغصان أي اشتبكت وتداخلت والتفت وشجا ووشيجا.
أتيح - بضم أوله وكسر الفوقية، وسكون التحتية وبالحاء المهملة، قدر وقيض.
الوشيج - بفتح الواو، وكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبجيم، ما نبت من القنا والقضب ملتفا، وقيل: سميت بذلك لانها تنبت عروقها تحت الارض، وقيل: هي عامة الرماح.
النشيج - بفتح النون وكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبجيم: بكاء يخالطه شهيق وتوجع.
الروع: الفزع، والوجل: الخوف - وهما متقاربان أو مترادفان، عطف أحدهما على الآخر لما اختلف اللفظان، ومعنى البيت: إن القوم الذين رحمتهم فامنتهم قرابتهم شديدة الاتصال بك.
عاذوا - بذال معجمة: لجئوا بالجيم.
اللطف - بفتح اللام - والطاء المهملة، والفاء: اسم لما يبر به، يقال: ألطفه بكذا، أي بره به، أي لجئوا مما كانوا فيه من حر الخوف، والغم إلى ظل عفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
أزكى: أكثر وأوسع وأطهر الخليقة: الخلائق.

(5/307)


أخلاقا: جمع خلق - بضم الخاء المعجمة، واللام: وهي السجية.
الزلل: التنحي عن الحق.
زان - من الزينة.
الخشوع: الخضوع.
الوقار: الحلم والرزانة.
الخفر - بفتح الخاء المعجمة، والفاء: شدة الحياء.
العذراء: البكر.
الكلل - بكسر الكاف: جمع كلة: وهي الصومعة، وهي الستر الرقيق يخاط كالبيت.
محبورا: مسرورا منعما.
في شغل - بضم الشين والغين المعجمتين: ممنوع من الوصول إليه.
الخزي: الهوان والذل، ويروى الرجس - وهو القذر - موضع الخزي.
الركس: رد الشئ مقلوبا، ويروى منتكس، أي منقلب.
ثاو بثاء مثلثة، مقيم.
البهموت: الحوت الذي عليه قرار الارض.
زحل: نجم معروف.
حجزت: منعت.
الاقطار: النواحي، واحدها قطر - بضم القاف الحجاز ارض خاصة في جزيرة العرب حاجز بين نجد وتهامة.
معا: ظرف لازم الاضافة، بمعنى المصاحبة، وموضعها نصب على الحال، ولما أن قطعت عن الاضافة نونت تنوين العوض.
ملت بالخوف: أي أملته ونحيته، وفي نسخة بالحيف وهو الجور والظلم، والأول أحسن لمقابلة الامن ويجانس الخيف بالخاء المعجمة: وهو ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ومنه خيف منى الذي فيه مسجد الخيف، وخيف بني كنانة الذي نزل فيه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع، وهو الابطح.
ملل - بفتح الميم واللام الاولى: موضع بين مكة والمدينة على سبعة عشر ميلا من المدينة.

(5/308)


حل - بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام: نزل.
اليمن - بضم التحتية: البركة.
اليمن - بفتح التحتية: الاقليم المعروف.
حفت جوانبه - بالبناء للمفعول، يقال حفوا حوله، يحفون حفا: أي طافوا به واستداروا.
الملل - بكسر الميم، وفتح اللام الاولى: الاديان واحدها ملة.
أطاع: انقاد.
المنحرف: المائل عن دين الحق، وهو هنا الاسلام.
المعترف: المقر بالشئ.
المنعدل - بضم أوله، وسكون النون، وفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة، وباللام: الناكب عن طريق الهدى.
المعتدل - بوزنه لكن بعد العين مثناة فوقية، وهو المستقيم على طريق الهدى.
أحبب - بحاء مهملة وموحدتين.
الخلة - بضم الخاء المعجمة: المودة والصداقة، وجمعها خلل - أي ما أحبها من خلة إلينا.
وعز دولته، أي أحبب بعز دولته، أي ما أحبها عزة.
الدولة - بفتح الدال المهملة: بمعنى الادالة وهي الغلبة.
الغراء: البيضاء الشريفة.
الدول - بضم الدال: جمع دولة.

(5/309)


الباب الثامن والعشرون في غزوة حنين [ وتسمى أيضا غزوة هوازن، لانهم الذين أتوا لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال محمد بن عمر الاسلمي: حدثني ابن أبي الزناد عن أبيه: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب تجمعهم - ] انتهى.
قال أئمة المغازي: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة مشت أشراف هوازن، وثقيف بعضها إلى بعض، وأشفقوا أن يغزوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه، فحشدوا وبغوا وقالوا: والله إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال فاجمعوا أمركم، فسيروا في الناس وسيروا إليه قبل أن يسير إليكم، فاجمعت هوازن أمرها، وجمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النصري بالصاد المهملة - وأسلم بعد ذلك، وهو - يوم حنين - ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل.
قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، ولم يشهدها من قيس عيلان - أي بالعين المهملة - إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور وقال: والله لو ناوأوا محمدا من بين المشرق والمغرب لظهر عليهم.
وكان في جشم دريد بن الصمة وهو يومئذ ابن ستين ومائة.
ويقال عشرين ومائة سنة، وهو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا قد ذكر بالشجاعة والفروسية وله عشرون سنة، فلما عزمت هوازن على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سالت دريدا الرياسة عليها فقال: وما ذاك وقد عمي بصري وما استمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لان أشير عليكم برايي على أن لا أخالف، فان كنتم تظنون أني أخالف أقمت ولم أخرج قالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك بن عوف، وكان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه.
فقال له دريد: يا مالك إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إما قتلا وإما خروجا على ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدا له ما بعده.
قال مالك: إني لاطمع أن ترى غدا ما يسرك.
قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوي عنه أن يسير بالظعن والاموال مع الناس.

(5/310)


فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس فخرجوا معهم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، وجعلت الامداد تاتي من كل جهة، وأقبل دريد بن الصمة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الارض بيده وقال: باي واد أنتم ؟ قالوا: باوطاس.
قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس.
مالى أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وبعار الشاء وخوار البقر ؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني فقد خالفني فانا أرجع إلى أهلي وتارك ما هنا.
قيل: أفتلقى مالكا فتكلمه ؟ فدعى له مالك، فقال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام.
مالي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وبعار الشاء وخوار البقر ؟ ! قال: قد سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم، فانقض به دريد وقال: راعي ضأن والله، ما له وللحرب.
وصفق دريد باحدى يديه على الاخرى تعجبا وقال: هل يرد المنهزم شئ ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فارفع الاموال والنساء والذراري إلى عليا قومهم، وممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل والرجال بين أصفاف الخيل أو المتقدمة درية أمام الخيل فان كانت لك
لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك الفاك ذلك، وقد أحرزت أهلك ومالك.
فقال مالك بن عوف: والله لا أفعل ولا أغير أمرا صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، أو قال عقلك.
وجعل يضحك مما يشير به دريد، فغضب دريد وقال: هذا أيضا يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم، وممكن منكم عدوكم ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه، فسل مالك سيفه ثم نكسه، ثم قال: يا معشر هوازن ! ! والله لتطيعنني أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي - فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: والله - لئن عصينا مالكا ليقتلن نفسه وهو شاب، ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه، فاجمعوا رأيكم مع مالك، فلما راى دريد أنهم قد خالفوه قال: يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم: ثم قال دريد: ليتني فيها جذع يا معشر هوازن ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا: ما

(5/311)


شهدها منهم أحد.
قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة، وفي لفظ: لو كان ذكرا وشرفا ما تخلفوا عنه، يا معشر هوازن ارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء، فابوا عليه، قال: فمن شهدها منكم ؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان ولا يضران، قال مالك لدريد: هل من راي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم ؟ قال دريد: نعم تجعل كمينا، يكونون لك عونا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، وكررت أنت بمن معك، وان كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كمينا في الشعاب وبطون الاودية، فحملوا الحملة الاولى التي انهزم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال دريد - من مقدمة أصحاب محمد ؟ قالوا: بني سليم، قال: هذه
عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحى من سنن خيلهم، فنحي، بعيره موليا من حيث جاء.
ذكر استعماله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد أميرا على مكة ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - معلما لاهلها قالوا: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر هوازن وما عزموا عليه أراد التوجه لقتالهم، واستخلف عتاب بن أسيد أميرا على أهل مكة، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه، وكان عمر عتاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة.
ذكر استعارته - صلى الله عليه وسلم - أدرعا من صفوان بن أمية روى ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - وعن عمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم والزهري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أجمع السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا، فارسل إليه - وهو يومئذ مشرك - فقال: [ يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا ] فقال صفوان: أغصبا يا محمد ؟ قال: " لا بل عارية أعرنا مضمونة حتى نردها إليك " قال: ليس بهذا باس، فاعطي له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس.
ورواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي عن أمية بن صفوان، وسيأتي في أبواب معاملاته - صلى الله عليه وسلم - ويقال إنه - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أربعمائة درع بما يصلحها.
قال السهيلي: واستعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين من نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال - صلى الله عليه وسلم - كاني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين.

(5/312)


ذكر ارساله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي حدرد ليكشف خبر القوم روى ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم - رحمهم الله تعالى - أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمع بخبر هوازن بعث عبد الله بن أبي حدرد - رضي الله عنه - فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، وقال: " إعلم لنا علمهم " فأتاهم فدخل فيهم فاقام فيهم يوما وليلة أو يومين، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمع من مالك، وأمر هوازن وما هم عليه.
وعند محمد بن عمر أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف فيجد عنده رؤساء هوزان، فسمعه يقول لاصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم، فإذا كان السحر فصفوا مواشيكم ونساء كم من ورائكم، ثم صفوا، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعملوا أن الغلبة لمن حمل أولا.
انتهى.
ثم أقبل حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخبره الخبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب " ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد " ؟ فقال: عمر: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق.
فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد " كنت ضالا فهداك الله ".
ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقاء هوازن روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أراد حنينا " منزلنا غدا - إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر.
وفي رواية قال: منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر " (1).
قال جماعة من أئمة المغازي: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اثنى عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من المدينة وألفين من أهل مكة.
وروى أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي - رحمه الله تعالى - قال: كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة آلاف من الانصار، وألف من جهينة وألف من مزينة.
وألف من أسلم.
وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم، فكان معه
__________
(1) تقدم.
(*)

(5/313)


عشرة آلاف، وخرج باثني عشر ألفا، وعلى قول عروة والزهري وابن عقبة يكون جميع الجيش الذين سار بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر ألفا، لانهم قالوا: إنه قدم مكة باثني عشر ألفا، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء.
قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - غدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم السبت لست خلون من شوال.
وقال ابن إسحاق لخمس، وبه قال عروة، واختاره ابن جرير، وروي عن ابن مسعود.
قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - ثم بعد فتح مكة خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحنين وكان أهل حنين وفي رواية أهل مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مبادر بهوازن، وصنع الله لرسوله أحسن من ذلك، فتح له مكة وأقر بها عينه وكبت بها عدوه، فلما خرج إلى حنين خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا - ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وكان معه أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وكانت امراته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف أو متاع من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أعطنيه أحمله حتى أوقر بعيره.
قال محمد بن عمر: وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجتاه أم سلمة وميمونة فضربت لهما قبة.
ذكر قول بعض من أسلم، وهو حديث عهد بالجاهلية: اجعل لنا ذات أنواط روى ابن إسحاق، والترمذي - وصححه - والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي قتادة الحارث بن مالك - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين - ونحن
حديثو عهد بالجاهلية فسرنا معه إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة، وعند الحاكم في الاكليل سدرة خضراء - يقال لها " ذات أنواط "، ياتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، فراينا ونحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنباب الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا " ذات أنواط " كما لهم " ذات أنواط " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الله اكبر الله أكبر الله أكبر، قلتم - والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) [ الاعراف 138 ] إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ".

(5/314)


ذكر الاية في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له ان هوازن قد اقبلت عن سهل بن الحنظلية - رضي الله عنه - إنهم ساروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فأطنبوا في السير حتى إذا كان عشية حضرت صلاة الظهر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن قد جاءت عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " تلك غنيمة للمسلمين غدا إن شاء الله تعالى ".
ثم قال: " من يحرسنا الليلة ؟ " قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال " فاركب " فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة ".
فلما أصبحنا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى مصلاة فركع ركعتين ثم قال: " هل أحسستم فارسكم ؟ " قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال اني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما
أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل نزلت الليلة ؟ " قال: لا إلا مصليا، أو قاضي حاجة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها " رواه أبو داود والنسائي.
ذكر شعر عباس بن مرداس - رضي الله عنه - ناصحا لهوازن أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * مني رسالة نصح فيه تبيان إني أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان فيهم سليم أخوكم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان وفي عضادته اليمنى بنو أسد * والاجربان بنو عبس وذبيان تكاد ترجف منه الارض ترهبه * وفي مقدمه أوس وعثمان قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة.
ذكر الاية في حفظه - صلى الله عليه وسلم - ممن أراد الفتك به روى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا: قال أبو بردة - بضم الموحدة، وسكون الراء وبالدال المهملة - بن نيار - رضي الله عنه - لما كنا باوطاس نزلنا تحت شجرة ونظرنا إلى شجرة عظيمة فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحتها وعلق سيفه وقوسه، وكنت أقرب أصحابي إليه، فما

(5/315)


راعني إلا صوته: يا أبا بردة، فقلت: لبيك يا رسول الله، فاقبلت سريعا فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وعنده رجل جالس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا الرجل جاءني وأنا نائم، فسل سيفي، وقام به على راسى، فانتبهت وهو يقول: يا محمد من يمنعك مني ؟ فقلت: الله تعالى، قال أبو بردة: فسللت سيفي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: شم سيفك فقلت: يا رسول الله، دعني أضرب عنق عدو الله، فانه من عيون المشركين.
فقال لي: " اسكت يا أبا بردة ".
فما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ولا عاقبه.
قال: فجعلت أصيح به في العسكر لاشهره للناس فيقتله قاتل بغير أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما أنا فقد كفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتله، فجعل
النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " يا أبا بردة كف عن الرجل: فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا أبا بردة إن الله مانعي وحافظي حتى يظهر دينه على الدين كله " (1).
ذكر الآية التي حصلت لجواسيس المشركين في هذه الغزوة روى أبو نعيم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الارض، إن نقاتل إلا أهل السماوات وإن اطعتنا رجعت بقومك، فان الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا.
فقال: أف لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلوني على رجل شجاع، فاجمعوا له على رجل، فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبلة منهم، فقال: ما رأيت ؟ قال: رايت رجالا بيضا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو الله ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه (2)، وروى محمد بن عمر نحوه عن شيوخه.
ذكر تعبئة المشركين عسكرهم قال شيوخ محمد بن عمر: لما كان ثلثا الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين، وهو واد أجوف خطوط ذو شعاب ومضايق، وفرق الناس فيها، وأوعز إليهم أن يحملوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حملة واحدة.
وعبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 892.
(2) البيهقي في الدلائل 5 / 123.
(*)

(5/316)


وصفهم صفوفا في السحر، ووضع الالوية والرايات في أهلها، ولبس در عين والمغفر والبيضة،
وركب بغلته البيضاء، واستقبل الصفوف، وطاف عليهما بعضها خلف بعض ينحدرون فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، وقدم خالد بن الوليد في بني سليم وأهل مكة، وجعل ميمنة وميسرة وقلبا، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيه ذكر إعجاب المسلمين كثرتهم يوم حنين روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب من قلة: فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الهزيمة.
وروى ابن المنذر عن الحسن قال: لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا: الان نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قالوا مما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد على أحد.
وروى أبو الشيخ والحاكم - وصححه - وابن مردويه والبزار عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم فقال القوم: اليوم والله نقاتل، ولفظ البزار، فقال غلام من الانصار يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، لما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم، وولوا مدبرين (1).
وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزهري، قال رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة.
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل مكة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين فصل من مكة إلى حنين، وراى كثرة من معه من جنود الله تعالى: " لن نغلب اليوم من قلة "، كذا في هذه الرواية (2).
والصحيح أن قائل ذلك غير النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق.
قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قالها.
وروى محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة كذا في هذه الرواية، وبذلك جزم ابن عبد البر.
قال ابن عقبة: ولما أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض، أشرف أبو سفيان، وابنه
معاوية، وصفوان ابن أميه، وحكيم بن حزام على تل ينظرون لمن تكون الدائرة.
__________
(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 181 باب غزوة حنين.
(2) المغازي للواقدي 3 / 896.
(*)

(5/317)


ذكر كيفية الوقعة وما كان من اول الامر من فرار أكثر المسلمين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كانت العاقبة للمتقين، وما وقع في ذلك من الايات قال ابن سعد: أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.
روى ابن إسحاق، والامام أحمد وابن حبان عن جابر بن عبد الله، والامام أحمد من طريقين، وأبو يعلى.
ومحمد بن عمر عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنهما - لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعاب، وإنما ننحدر فيه انحدارا، وفي عماية الصبح، وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي فمكثوا في شعابه وأجنابه ومضايقه وتهيئوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وكانوا رماة.
قال أنس - رضي الله عنه - استقلبنا من هوازن شئ، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط، من كثرة السواد، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم ثم صفوا صفوفا، فجعلوا النساء فوق الابل وراء صفوف الرجال، ثم جاؤوا بالابل والبقر والغنم، فجعلوها وراء ذلك لئلا يفروا بزعمهم فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم، فلما انحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غبش الصبح إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة رجل واحد، فانكشفت أوائل الخيل - خيل بني سليم - موليه وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شئ وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفه (1).
وقال جابر: وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين، ثم قال: " أيها الناس هلم إلي أيها
الناس، هلم إلي أنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا محمد بن عبد الله " (2).
قال: فلا شئ وحملت الابل بعضها على بعض، فانطلق الناس.
وذكر كثير من أهل المغازي: أن المسلمين لما نزلوا وادي حنين تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب، وغالبهم من شبان أهل مكة، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة، فحملوا حملة رجل واحد والمسلمون غارون، فر من فر، وبلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد.
وفي الصحيح عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: عجل سرعان القوم - وفي
__________
(1) انظر مجمع الزوائد 6 / 181.
(2) انظر المجمع 6 / 182 - 183.
(*)

(5/318)


لفظة: شبان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فانا لما حملنا على المشركين انكشفوا، فاقبل الناس على الغنائم، وكانت هوازن رماة فاستقبلتنا بالسهام كأنما رجل جراد، لا يكاد يسقط لهم سهم (1) انتهى.
قال: وكان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء على رمح طويل أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته الناس، رفع رمحه لمن وارءه فاتبعوه.
فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الانصار يريدانه، فاتاه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الاسرى مكتفين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: لما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم منهم رجال بما في أنفسهم من الضغن.
قال أبو سفيان بن حرب وكان إسلامه - بعد - مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الازلام لمعه في كنانته، وصرخ
جبلة بن الحنبل - وقال ابن هشام: كلدة بن الحنبل - وأسلم بعد ذلك، وهو مع أخيه لامه صفوان بن أمية، وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا بطل السحر اليوم ! ! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك ! والله أن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وروى محمد بن عمر عن أبي بشير - ككريم - المازني - رضي الله عنهم - قال: لما كان يوم حنين صلينا الصبح، ثم رجعنا على تعبئه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما شعرنا - وقد كاد حاجب الشمس أن يطلع، وقد طلع - إلا بمقدمتنا قد كرب علينا، قد انهزموا، فاختلطت صفوفنا، وانهزمنا مع المقدمة، وأكر، وأنا يومئذ غلام شاب، وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقدم فجعلت أقول: يا للانصار، بابي وأمي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تولون ؟ وأكر في وجوه المنهزمين، ليس لي همة إلا النظر إلى سلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصيح: " يا للانصار " فدنوت من دابته، والتفت من ورائها، وإذا الانصار قد كروا كرة رجل واحد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على دابته في وجوه العدو، ومضت الانصار أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتلون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائر معهم يفرجون العدو عنه، حتى طردناهم فرسخا، وتفرقوا في الشعاب، حتى فلوا من بين أيدينا، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله وقبته، وقد ضربت له - والاسرى مكتفون حوله، وإذا نفر حول قبته، وفي قبته زوجاته أم
__________
(1) اخرجه البخاري 7 / 622 (4317).
(*)

(5/319)


سلمة وميمونة، حولها النفر الذين يحرسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم عباد بن بشر، وأبو نائلة، ومحمد بن مسلمة.
قال ابن عقبة: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجبرونها أبدا.
فقال صفوان: أتبشرني بظهور الاعراب " فوالله لرب من قريش أحب إلى من رب من الاعراب، وغضب صفوان لذلك، وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار
فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن يا بني عبيدالله، يا بني عبد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب (1).
وروى محمد بن عمر عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: مضى سرعان الناس من المنهزمين، حتى دخلوا مكة، ساروا يوما وليلة - يخبرون أهل مكة بهزيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعتاب بن أسيد بوزن أمير، على مكة ومعه معاذ بن جبل، فجاءهم أمر غمهم، وسر بذلك قوم من أهل مكة وأظهروا الشماتة، وقال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمد وتفرق أصحابه، فتكلم عتاب بن أسيد يومئذ فقال: إن قتل محمد، فان دين الله قائم - والذي - يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا من ذلك اليوم حتى جاء الخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوقع بهوازن، فسر عتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكبت الله - تعالى - من هناك ممن كان يسره خلاف ذلك.
فرجع المنهزمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلحقوه باوطاس وقد رحل منها إلى الطائف (2).
ذكر ارادة شيبة بن عثمان - قبل أن يسلم - الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما راه في نفر قليل، وما وقع في ذلك من الايات روى ابن سعد وابن عساكر عن عبد الملك بن عبيد، وأبو القاسم البغوي، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عكرمة - رحمهم الله تعالى - قالا: قال شيبة: لما كان عام الفتح دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة، وغزا حنينا، قلت أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة، وتذكرت أبي وقتله حمزة، وعمي وقتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثاري من محمد، وأكون أنا الذي قمت بثار قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 910.
(2) انظر المصدر السابق.
(*)

(5/320)


يزداد الامر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته، وأصلت السيف، ودنوت منه، أريد ما أريد - وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بابي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسورة سورة بالسيف إذ رفع إلي فيما بيني وبينه شواظ من نار كانه برق.
فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه "، ومشيت القهقرى، وعملت أنه ممنوع.
فالتفت إلى وقال: " يا شيب أدن مني " فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: " اللهم أذهب عنه الشيطان ".
فرفعت إليه راسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال: " يا شيبة قاتل الكفار " قال: فتقدمت بين يديه أحب - والله - أن أقيه بنفسي كل شئ، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه فقال: " الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت " (1) ثم حدثني بما هممت به - صلى الله عليه وسلم.
ذكر ارادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الايات قال محمد بن عمر: حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النضير من أحلم قريش.
وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالاسلام ومن علينا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولم نمت على ما مات عليه الاباء، فذكر حديثا طويلا، ثم قال: خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم - بعد - أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ونحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير، فلما تراءت الفئتان ونحن في حيز المشركين حملت هوازن حملة واحدة، ظننا أن المسلمين لا يجبرونها أبدا، ونحن معهم وأنا أريد بمحمد ما أريد.
وعمدت له فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء حولها رجال بيض الوجوه، فاقبلت عامدا إليه، فصاحوا بي: إليك، فارعب فؤادي وأرعدت جوارحي.
قلت: هذا مثل يوم بدر، إن الرجل لعلي حق، وإنه لمعصوم، وأدخل الله
تعالى في قلبي الاسلام وغيره عما كنت أهم به، فما كان حلب ناقة حتى كر اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرة صادقة، وتنادت الانصار بينها: الكرة بعد الفرة: يا للخزرج، يا للخزرج، فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، وتشتت أمرنا، وهمة كل رجل نفسه فتنحيت في غبرات الناس حتى هبطت بعض أودية أوطاس فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إلي أحد إلا أن يدله الله - تعالى - علي، فمكثت فيه أياما وما يفارقني الرعب مما رايت، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف، فاقام ما أقام، ثم رجع إلى الجعرانة، فقلت: لو صرت إلى الجعرانة، فقاربت رسول
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 188، والمغازي للواقدي 3 / 910.
(*)

(5/321)


الله - صلى الله عليه وسلم - ودخلت فيه المسلمون، فما بقي فقد رأيت عبرا، وقد ضرب الاسلام بجرانه، ولم يبق أحد، ودانت العرب والعجم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فعز محمد لنا عز، وشرفه لنا شرف، فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقاني بالجعرانة كنة لكنة فقال: " النضير ؟ " قلت: " لبيك، فقال: " هذا خير لك مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه " فاقبلت إليه سريعا، فقال: " قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع قلت: قد أرى أن لو كان مع الله - تعالى - إلها غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " اللهم زده ثباتا " قال النضير: فو الله الذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين وبصيرة في الحق، وذكر الحديث (1).
ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ورميه الكفار، ونزوله عن بغلته، ودعائه ربه سبحانه وتعالى، وما وقع في ذلك من الايات روى ابن إسحاق، والامام أحمد عن جابر بن عبد الله، وابن إسحاق، وعبد الرزاق، ومسلم عن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم، قال العباس: شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نفارقه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له شهباء، قال عبد الرزاق: وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة
الجذامي، قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: أكفها أن لا تسرع، وهو لا يالو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ، بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي رواية بغرزه، وفي رواية بثغره، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنع في الحديد، فقال: " من هذا " فقال: ابن عمك يا رسول الله، وفي حديث البراء: وأبو سفيان ابن عمه يقود به، قال ابن عقبة - رحمه الله تعالى: وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركابين، وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله - تعالى - يدعو يقول: " اللهم إني أنشدك ما وعدتني..اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا " انتهى.
قال العباس: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا عباس ! ! ناديا معشر الانصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة " (2).
قال العباس - وكنت رجلا صيتا - فقلت باعلى صوتي: أين الانصار، أين أصحاب
__________
(1) انظر المغازي للواقدي 3 / 911.
(2) أخرجه الطبراني في الكبير 10 / 188 وانظر المجمع 6 / 82، 8 / 619 والبيهقي في الدلائل 5 / 31 وعبد الرزاق في المصنف (9741) والحميدي (459) وابن سعد 2 / 1 / 112 واحمد 1 / 207.
(*)

(5/322)


السمرة، أين أصحاب سورة البقرة، قال: والله لكانما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
وفي حديث عثمان بن شيبة عند أبي القاسم البغوي، والبيهقي " يا عباس، اصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، وبالانصار الذين آووا ونصروا " قال: فما شبهت عطفة الانصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عطفة الابل على أولادها.
حتى ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانه في حرجة، فلرماح الانصار كانت أخوف عندي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رماح الكفار - انتهى.
فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبيك.
قال: فيذهب الرجل يثني بعيره ولا يقدر على ذلك،
أي لكثرة الاعراب المنهزمين - كما ذكره أبو عمر بن عبد البر - فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه وياخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، فيخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلوا الناس فاقتتلوهم والكفار، والدعوة في الانصار يا معشر الانصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركابيه، فنظر إلى مجتلدهم وهم يجتلدون وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا ورب محمد " فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا، فو الله ما رجع الناس إلا وأسارى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتفون، قتل الله تعالى - منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله تعالى على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم (1).
وروى ابن سعد، وابن أبي شيبة، والامام أحمد، وأبو داود، والبغوي في معجمة، والطبراني وابن مردويه، والبيهقي برجال ثقات عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري - يقال اسمه كرز - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حنين في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي، وركبت فرسي فاتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمته، الرواح قد حان، الرواح يا رسول الله، قال: " أجل " ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا بلال " فثار من تحت سمرة كان ظله طائر، فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك.
قال: " أسرج لي فرسي " فاتاه بسرج دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب فرسه، ثم سرنا يومنا، فلقينا العدو، وتشامت الخيلان، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول
__________
(1) اخرجه الطبراني في الكبير 7 / 358 وابن عساكر كما في التهذيب 6 / 351.
(*)

(5/323)


الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " يا عباد الله.
أنا عبد الله ورسوله، يأيها الناس إني أنا عبد الله ورسوله " فاقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم، وقال: " شاهت الوجوه " قال يعلى بن عطاء: وأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلات عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست، فهزمهم الله تعالى (1).
وروى أبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم حنين كفا من حصى أبيض فرمى به وقال: " هزموا ورب الكعبة " وكان علي - رضي الله عنه - يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه (2).
وروى أبو نعيم بسند ضعيف عن أنس - رضي الله عنه - والطبراني عن عكرمة - رحمه الله تعالى - قالا: لما انهزم المسلمون بحنين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته الشهباء - وكان اسمها دلدل - فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " دلدل البدي " فالزقت بطنها بالارض، فاخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: " حم لا ينصرون " فانهزم القوم، وما رمينا بسهم ولا طعنا برمح، كذا في هذه الرواية اسمها دلدل، والصحيح أن دلدل أهداها المقوقس فهي غير التي أهداها فروة بن نفاثة (3).
وروى أبو القاسم البغوي، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن شيبة بن عثمان - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: يا عباس ناولني من الحصباء قال: وأفقه الله - تعالى - البغلة كلامه، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الارض، فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم من البطحاء فحثا في وجوههم وقال: " شاهت الوجوه، هم لا ينصرون " (4).
وروى عبد بن حميد في مسنده، والبخاري في تاريخه، والبيهقي وابن الجوزي عن يزيد بن عامر السوائي - رضي الله عنه - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قبضة من الارض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها في وجوههم وقال: " ارجعوا، شاهت الوجوه " قال: فما من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى في عينيه
ويمسح عينيه (5).
__________
(1) أخرجه أبو داود (5233) وأحمد 1 / 255، 84، 3 / 438، 5 / 286، 372، 3881 وانظر الدر المنثور 5 / 205.
(2) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 180، 182 والمتقي الهندي في الكنز (30211، 30221).
(3) انظر المجمع 6 / 183.
(4) أخرجه ابن عساكر كما في التهذيب 6 / 351 والطبراني في الكبير 7 / 359، والجمع 6 / 184 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 61 والبيهقي في الدلائل 5 / 141.
(5) البخاري في التاريخ 8 / 316 والطبري في التفسير 10 / 73 وابن حجر في المطالب (4372)، والمجمع 6 / 182 والسيوطي في الدر 3 / 226.
(*)

(5/324)


وروى الامام أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي برجال ثقات عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فولى الناس عنه، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والانصار، فقمنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله - تعالى - عليهم السكينة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته لم يمض قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج، فقلت له ارتفع رفعك الله.
فقال: " ناولني كفا من تراب " فناولته، فضرب وجوههم فامتلات أعينهم ترابا، ثم قال: " أين المهاجرون والانصار ؟ " قلت: هم أولاء، قال: " اهتف بهم " فجاؤوا وسيوفهم بايمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم (1).
وروى ابن أبي شيبة والامام أحمد، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أنس - رضي الله عنه - قال: جاءت هوازن يوم حنين بالنساء والصبيان والابل والغنم فجعلوهم صفوفا، ليكثروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالتقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون مدبرين - كما قال الله تعالى - وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله " ونادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نداءين لم يخلط بينهما كلاما، فالتفت عن يمينه
فقال: " يا معشر الانصار أنا عبد الله ورسوله " فقالوا: " لبيك يا رسول الله، نحن معك " ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الانصار أنا عبد الله ورسوله، فقالوا: لبيك يا رسول الله نحن معك فهزم الله تعالى المشركين، ولم يضرب بسيف، ولم يطعن برمح (2).
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن أبي إسحاق السبيعي - رحمه الله تعالى - قال: جاء رجل من قيس إلى البراء بن عازب - رضي الله عنهما - فقال: أكنتم وليتم ؟ وفي رواية: أوليت ؟ وفي أخرى: أوليتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ وفي أخرى: أفررتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال: أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما ولى، وفي رواية: لا والله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين دبره، ولكنه خرج بشبان أصحابه وهم حسر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فاقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام كأنها رجل جراد لا يكادون يخطئون، وأقبلوا هناك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا واستنفر، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أنا
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 453 والطبراني في الكبير 10 / 209 وانظر المجمع 6 / 84، 183 والحاكم 2 / 117.
(2) أخرجه أحمد 3 / 190، 279، 5 / 286، وابن سعد 2 / 1 / 113 وابن أبي شيبة 14 / 530، 531 والبيهقي في الدلائل 5 / 141 وفي السنن 6 / 306 والدولابي في الكنز 1 / 42 وانظر الدر المنثور 3 / 224.
(*)

(5/325)


النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك " (1).
قال البراء: وكنا إذا أحمر الباس نتقي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن الشجاع منا الذي يحاذيه: يعني النبي - صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري، ومسلم، والبيهقي عن سلمة بن الاكوع - رضي الله عنه - قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنينا.
فلما واجهنا العدو تقدمت فاعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فارميه، بسهم، وتواري عني فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم طلعوا
من ثنية أخرى، فالتقوا هم وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فولى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرجع منهزما.
وعلي بردتان مؤتزرا باحداهما مرتديا بالاخرى، فاستطلق ازاري، فجمعتهما جميعا، ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا منهمزم - وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لقد رأي ابن الاكوع فزعا " فلما غشوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الارض، ثم إنه استقبل به وجوههم، وقال: شاهت الوجوه " فما خلى الله تعالى منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنائمهم بين المسلمين (2).
وروى أبو الشيخ عن عكرمة - رحمه الله تعالى - قال: لما كان يوم حنين ولى المسلمون، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أنا محمد رسول الله " ثلاث مرات، وإلى جنبه عمه العباس - الحديث (3).
وروى ابن سعد، والبخاري في التاريخ، والحاكم، والبيهقي عن عياض بن الحارث - رضي الله عنه - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا (4).
وروى البخاري في التاريخ، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان - رضي الله عنه - قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قبضة من الحصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا، فما خيل إلينا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا.
وروى ابن عساكر عن الحارث بن زيد مثله (5).
وروى ابن أبي شيبة، والامام أحمد - برجال الصحيح - عن أنس بن مالك - رضي الله
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 622 (4317)، ومسلم 3 / 1400 (78) والبيهقي في الدلائل 5 / 134.
(2) أخرجه مسلم 3 / 1402 (81)، والبيهقي في الدلائل 5 / 140، 141، وانظر الدر المنثور 3 / 221.
(3) انظر الدر المنثور للسيوطي 3 / 225.
(4) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 142.
(5) المصدر السابق 50 / 143 وابن كثير في البداية 4 / 332.
(*)

(5/326)


عنه - قال: كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: " اللهم إنك إن تشاء لا تعبد بعد اليوم " (1).
وذكر محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - قال: كان من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انكشف عنه الناس ولم يبق معه إلا المائة الصابرة " اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان " فقال له جبريل: " لقد لقنت الكلمات التي لقن الله - تعالى - موسى يوم فلق البحر، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه " (2).
ذكر ما قيل إن الملائكة قاتلت يوم حنين والرعب الذي حصل المشركين روى ابن أبي حاتم عن السدى الكبير - رحمه الله تعالى - في قول الله عز وجل: (وأنزل جنودا لم تروها) قال: هم الملائكة (وعذب الذين كفروا) [ التوبة 26 ] قال: قتلهم بالسيف.
وروى أيضا عن سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - قال: في يوم حنين أمد الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، ويومئذ سمى الله تعالى الانصار مؤمنين قال: " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (3).
وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير ابن مطعم - رضي الله عنه - قال: رايت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الاسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملا الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم.
وروى محمد بن عمر عن يحيي بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الانصار، قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاما، فنظرنا فإذا رمل مبثوت، فكنا ننفضه عن ثيابنا، فكان نصر الله - تعالى - أيدنا به.
وروى مسدد في مسنده، والبيهقي.
وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم، فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة
- وفي رواية - إذ غشينا، فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقتنا عنه، وفي رواية: إذ بيننا وبينه رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا - وكانت إياها (4).
__________
(1) أخرجه أحمد 3 / 152 وابن أبي شيبة 10 / 351، 14 / 522 وابن سعد 2 / 1 / 52، وهو عند مسلم 3 / 1363 (23 / 1743).
(2) الطبراني في الصغير 1 / 122 وانظر المجمع 10 / 183، والترغيب 2 / 618.
(3) انظر الدر المنثور 3 / 225.
(4) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 143 وابن كثير في التاريخ 4 / 332.
(*)

(5/327)


وروى ابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبي عن أبيه - رضي الله عنه - قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، والله ما خرجت إسلاما، ولكن خرجت أنفا أن تظهر هوازن على قريش، فاني لواقف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قلت: يا رسول الله إني لاري خيلا بلقا، قال: " يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر " فضرب بيده في صدري وقال: " اللهم اهد شيبة " فعل ذلك ثلاث مرات - فو الله ما رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله تعالى أحب إلي منه، فالتقى المسلمون فقتل من قتل، ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر آخذ باللجام، والعباس آخذ بالثغر، فنادى العباس: أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة - بصوت عال - هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقبل المسلمون والنبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " فجالدوهم بالسيوف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الآن حمي الوطيس ".
وروى عبد بن حميد، والبيهقي عن يزيد بن عامر السوائي - رضي الله عنه - وكان حضر يومئذ، فسئل عن الرعب فكان ياخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: أن كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
روى محمد بن عمر عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: حدثني عدة من قومي
شهدوا ذلك اليوم يقولون: " لقد رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرمية من الحصى فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطاس ما يهدأ ذلك الخفقان، ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا، على خيل بلق، عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين أكتافهم، بين السماء والارض كتائب كتائب ما يليقون شيئا، ولا نستطيع أن نتاملهم من الرعب منهم.
وروى أيضا عن ربيعة بن أبزي قال: حدثنى نفر من قومي، حضروا يومئذ قالوا: كمنا لهم في المضايق والشعاب، ثم حملنا عليهم حملة، ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، وحوله رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا.
فانهزمنا، وركب المسلمون أكتافنا، وكانت إياها، وجعلنا نلتفت وإنا لننظر إليهم يكدوننا فتفرقت جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرعدة تستخفنا حتى لحقنا بعلياء بلادنا، فان كنا ليحكى عنا الكلام ما ندري به، لما كان بنا من الرعب، وقذف الله - تعالى - الاسلام في قلوبنا.
وروى أيضا عن شيوخ من ثقيف أسلموا بعد ما كانوا حضروا ذلك اليوم قالوا: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبنا فيما نرى - ونحن مولون حتى إن الرجل ليدخل منا حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة.

(5/328)


ذكر من ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين روى البيهقي عن حارثة بن النعمان - رضي الله عنه - قال: لقد حرزت من بقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أدبر الناس، فقلت: مائة واحد.
وروى ابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لقد رأينا يوم بدر وإن الفئتين لموليتان، وما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل.
وروى الامام أحمد، والحاكم، والطبراني، والبيقهي، وأبو نعيم، برجال ثقات عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلا من
المهاجرين والانصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما، ولم نولهم الدبر إلى آخره، وتقدم.
قال محمد بن عمر يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما انكشف الناس عنه يوم حنين - قال لحارثة " يا حارثة، كم ترى الناس الذين ثبتوا " قال: فما التفت ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله ! ! هم مائة فما علمت أنهم مائة حتى كان يوم مررت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يناجي جبريل عند باب المسجد، فقال جبريل: " يا محمد من هذا ؟ " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " حارثة بن النعمان " فقال جبريل: هو أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه، فاخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حارثة، قال: " ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك ".
وروى ابن أبي شيبة عن الحكم بن عتيبة - بلفظ عتبة الباب - رحمه الله تعالى - قال: لما فر الناس يوم حنين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يقول: " أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب " فلم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي بن أبي طالب، والعباس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الايسر، قال: فليس يقبل أحد إلا قتل، المشركون حوله صرعى، فمن أهل بيته عمه العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة أبناء عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس - قال في الزهر: وفيه نظر، لان المؤرخين قاطبة فيما أعلم عدوه فيمن توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير، فكيف شهد حنينا ! ! وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وأخوه لامه أيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ، ومن المهاجرين: أبو بكر - رضي الله عنه - وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -

(5/329)


وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - روى البزار عن أنس - رضي الله عنه -: أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - رضي الله تعالى عنهم - ضرب كل منهم يومئذ بضعة عشر ضربة - وابن مسعود - رضي الله عنه - ومن الانصار: أبو دجانة، وحارثة بن النعمان - قد ذكر في ذلك عند محمد بن عمر - وسعد بن عبادة، وأبو بشير - كما في حديثه عند محمد بن عمر - وأسيد بن الحضير، ومن أهل مكة: شيبة بن عثمان الحجبي - كما تقدم - ومن نساء الانصار: أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم الحارث جده عمارة بن غزية - بفتح العين، وكسر الزاي المعجمتين - وأم سليط بنت عبيد - قال محمد بن عمر: يقال ان المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وستة وستون من الانصار.
ذكر ثبات أم سليم بنت ملحان، وام عمارة نسيبة - بفتح النون، وكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وبالموحدة: بنت كعب - رضي الله تعالى عنها.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وقد خشيت أن يغر بها الجمل، فادنت راسه منها، وأدخلت يدها في خزامه (1) مع الخطام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أم سليم " ؟ قالت: نعم بابي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل المنهزمين عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فانهم لذلك أهل " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أو يكفي الله يا أم سليم ".
وعند محمد بن عمر: " قد كفى الله تعالى عافية الله تعالى أوسع ".
وروى ابن أبي شيبة، والامام أحمد، ومسلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: اتخذت أم سليم خنجرا أيام حنين، فكان معها، فلقي أبو طلحة أم سليم ومعها الخنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا ؟ قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم ؟ فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله أقتل من يعدونا من الطلقاء، انهزموا عنك فقال: " إن الله تعالى قد كفى وأحسن يا أم سليم " (2).
وروى محمد بن عمر عن عمارة بن غزية قال: قالت أم عمارة: لما كان يوم حنين والناس منهزمون في كل وجه، وكنا أربع نسوة، وفي يدي سيف لي صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث.
__________
(1) الخزام بكسر الخاء المعجمة حلقة تصنع من شعر وتجعل في أنف البعير، انظر اللسان (خزم).
(2) أخرجه مسلم في الجهاد (134)، وابن أبي شيبة 14 / 532 وأحمد 3 / 279، والبيهقي في السنن 6 / 307.
المغازي 3 / 904.
(*)

(5/330)


قال شيوخ محمد بن عمر: فجعلت أم عمارة تصيح يا للانصار: أية عادة هذه.
مالكم والفرار ؟ ! قالت: وأنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فاعترض له فاضرب عرقوب الجمل.
فيقع على عجزه وأشد عليه، ولم أزل أضربه حتى أثبته، وأخذت سيفا له.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم، مصلت السيف بيده، قد طرح غمده ينادي: " يا أصحاب سورة البقرة " فكر الانصار، ووقفت هوازن قدر حلب ناقة فتوح، ثم كانت إياها، فوالله ما رايت هزيمة قط كانت مثلها، قد ذهبوا في كل وجه، فرجع إلي أبنائي جميعا: حبيب وعبد الله أبناء زيد بأسارى مكتفين، فأقوم إليه من الغيظ فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس ياتون بالاسارى فرايت في بني مازن ابني النجار ثلاثين أسيرا، وكان المسلمون بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد وتراجعوا، فاسهم لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميعا، وكانت أم الحارث الانصارية آخذة بخطام جمل الحارث زوجها، وكان يسمى المجسار فقالت: يا حار أتترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يولون منهزمين ؟ ! وهي لا تفارقه، قالت: فمر علي عمر بن الخطاب فقلت: يا عمر ما هذا ؟ قال: أمر الله تعالى (1).
ذكر انهزام المشركين قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - لما نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الانصار كروا
راجعين فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، يا خيل الله.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سمى خيله خيل الله، وجعل شعار المهاجرين: بني عبد الرحمن، وجعل شعار الاوس: بني عبيد الله، وشعار الخزرج: بني عبد الله.
روى محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة: أن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ: يا للخزرج ثلاثا، وأسيد بن الحضير يصيح: يا للاوس - ثلاثا فثابوا من كل ناحية كأنهم النحل تاوى إلى يعسوبها، قال أهل المغازي فحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشركين.
فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية ! ألا لا تقتل الذرية، ألا لا تقتل الذرية " ثلاثا (2) - فقال أسيد بن الحضير: يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أليس خياركم أولاد المشركين ! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فابواها يهودانها أو ينصرانها ".
قال محمد بن عمر: قال شيوخ ثقيف، ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبنا، فيما نرى
__________
(1) المغازي 3 / 904.
(2) المغازي 3 / 905.

(5/331)


ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه على أثره، من رعب الهزيمة.
قال أنس بن مالك كما رواه الامام أحمد: كان في المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا فلما راى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل، فهزمهم الله - تعالى - فولوا، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين راى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل، فيبايعونه على الاسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن علي نذرا لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لاضربن عنقه فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجئ بالرجل فلما راى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا نبي الله تبت إلى الله، فامسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مبايعته ليوفي الاخذ بنذره، وجعل ينظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليامره بقتله، وهاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما راى رسول الله - صلى الله عليه وسلم الرجل لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا رسول الله نذري ؟ قال: " لم أمسك عنه إلا لتوفي بنذرك " فقال: يا رسول الله ألا أو مات الي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه ليس لنبي أن يومئ.
قالوا: وهزم الله تعالى أعداءه من كل ناحية، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله - تعالى - نساءهم وذراريهم وأموالهم، وفر مالك بن عوف حتى بلغ حصن الطائف.
هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة رأوا نصر الله - تعالى - رسوله وإعزاز دينه.
قال ابن إسحاق: ولما هزم الله تعالى المشركين من أهل حنين، وأمكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم، قالت امرأة من المسلمين - رضي الله عنها - وعنهم: قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات ويروى: وخيله أحق بالثبات.
زاد محمد بن عمر: إن لنا ماء حنين فخلوه * إن تشربوا منه فلن تعلوه هذا رسول الله لن تغلوه ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جهة المشركين بعد انهزامهم إلى العسكر، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه، وثاب من انهزم من المسلمين.
روى البزار بسند رجاله عن أنس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: " اجزروهم جزرا " وأومأ بيده إلى الحلق (1).
__________
(1) انظر المجمع 6 / 182.
(*)

(5/332)


قال محمد بن عمر: وذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا كان بحنين قاتل قتالا شديدا، حتى أشتدت به الجراح، قال: " إنه من أهل النار " فارتاب بعض الناس من ذلك، ووقع في قلوب بعضهم ما الله تعالى به أعلم، فلما آذته جراحته، أخذ مشقصا من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن ينادي: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله - تعالى - يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (1).
قال محمد بن عمر: وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطلب العدو وقال لخيله إن قدرتم على " بجاد " رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتن منكم، وقد كان أحدث حدثا عظيما، كان قد أتاه رجل مسلم فاخذه فقطعه عضوا عضوا ثم حرقه بالنار، وكان قد عرف جرمه فهرب فاخذته الخيل فضموه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، وأتعبوها في السياق، فتعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: إني والله أخت صاحبكم، فلا يصدقونها، وأخذها طائفة من الانصار، وكانوا أشد الناس على هوازن - فاتوا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا محمد ! ! إني أختك.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وما علامة ذلك ؟ فارته عضة بإبهامها، وقالت: عضة عضضتنيها وأنا متور كتك بوادي السرر ونحن يومئذ نرعى البهم، وأبوك أبي، وأمك أمي، وقد نازعتك الثدى، وتذكر يا رسول الله حلابي لك عنز أبيك أطلان، فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلامة، فوثب قائما، فبسط رداءه، ثم قال: " اجلسي عليه " ورحب بها، ودمعت عيناه، وسالها عن أمه وأبيه، فاخبرته بموتهما فقال: " إن أحببت فاقيمي عندنا محببة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك وصلتك ورجعت إلى قومك " (2) قالت: بل أرجع إلى قومي، فاسلمت، فاعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعبد وجارية وأمر لها ببعير أو بعيرين وقال لها: " ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فانا أمضي إلى الطائف " فرجعت إلى الجعرانة، ووافاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة فاعطاها نعما وشاء، ولمن بقي من أهل بيتها، وكلمته في بجاد أن يهبه لها ويعفو عنه ففعل - صلى الله عليه وسلم.
ذكر قتل دريد بن الصمة
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما: لما هزم الله - تعالى - هوازن أتوا للطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم باوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة بنو عيرة من ثقيف، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا تتبع من سلك نخلة ولم تتبع من سلك الثنايا، وأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة من بني سليم دريد بن الصمة، فاخذ بخطام جمله، وهو يظن
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 917.
(2) المغازي للواقدي 3 / 913.
(*)

(5/333)


أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا هو رجل، فاناخ به وهو شيخ كبير، ابن ستين ومائة سنة، فإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ما تريد ؟ قال: أقتلك.
قال: وما تريد إلى المرتعش الكبير الفاني ؟ قال الفتى: ما أريد إلا ذاك، قال له دريد: من أنت ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، قال: فضربه فلم يغن شيئا، فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي من وراء الرحل في الشجار، فاضرب به وارفع عن العظم واخفض عن الدماغ، فاني كذلك كنت أقتل الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعمت بنو سليم أن ربيعة لما ضربه فوقع تكشف للموت فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه قالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا في غداة واحدة، وجز ناصية أبيك فقال الفتى: لم أشعر.
ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا، وشبان أصحابه، فقال: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم وتلتئم إخوانكم.
فبصر بهم الزبير بن العوام - رضي الله عنه - فحمل عليهم حتى أهبطهم من الثنية، وهرب مالك بن عوف، فتحصن في قصر بلية، ويقال دخل حصن ثقيف (1).
ذكر من استشهد بحنين أيمن بن عبيدالله بن زيد الخزرجي وابن أم أيمن، وشراقة بن الحارث الأنصاري،
ورقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، وأبو عامر الأشعري أصيب بأوطاس، كما سيأتي في السريا، ويزيد بن زمعة بن الأسود جمح به فرس يقال له الجناح فقتل.
واستحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن الحارث، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل حتى قتل، ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قتله، قال: (أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا (2).
وروى البيهقي عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر.
ذكر عيادته - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد رضي الله عنه - من جرح أصابه وروى عبد الرزاق، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أزهر - رضي الله عنه - قال: كان
__________
(1) المغازي 3 / 914 - 915 (2) عبد الرزاق (19904) وابن أبي عاصم 2 / 638 وابن سعد 5 / 380، وابن أبي شيبة 12 / 173، والعقيلي في الضعفاء 4 / 350.
(*)

(5/334)


خالد بن الوليد جرح يوم حنين، وكان على خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرح يومئذ، فلقد رايت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما هزم الله تعالى الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم - يمشي في المسلمين ويقول: " من يدلني على رحل خالد بن الوليد ؟ " فاتي بشارب فامر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وحثا عليه التراب (1).
قال عبد الرحمن: فمشيت، أو قال: سعيت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد، حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى موخرة رحله، فاتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى جرحه، فتفل فيه فبرا - رضي الله تعالى عنه -.
ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم - في برء جرح عائذ بن عمرو - رضي الله عنه
روى الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عائذ بن عمرو - رضي الله عنه - قال: أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي، فسال الدم على وجهي وصدري، فسلت النبي - صلى الله عليه وسلم - الدم بيده عن وجهي وصدري الى ثندؤتي، ثم دعا لي.
قال حشرج والد عبد الله: فرأينا أثر يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى منتهى ما مسح من صدره، فإذا غرة سابلة كغرة الفرس.
ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم - في الماء بحنين روى أبو نعيم عن سلمة بن الاكوع - رضي الله عنه - قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوازن فأصابنا جهد شديد، فدعا بنطفة من ماء في إداوة، فامر بها فصبت في قدح فجعلنا نطهر به حتى تطهرنا جميعا.
ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء يوم حنين روى الامام أحمد، وأبو داود عن رباح بن ربيع - رضي الله عنه - أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امراة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني ويعجبون من خلقها - حتى لحقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فانفرجوا عنها.
فوقف عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ما كانت هذه لتقاتل " فقال لاحدهم: " الحق خالدا وقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا (2).
(1) أخرجه أحمد في المسند 4 / 88، 351، والحميدي (897) والبيهقي في الدلائل 5 / 140.
(2) أخرجه أحمد 3 / 488 وأبو داود 2 / 50 في الجهاد وابن ماجه (2842) والحاكم 2 / 122، والطبراني في الكبير 5 / 70 والطحاوي في المعاني 3 / 222.
(*)

(5/335)


ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين انا ابن العواتك روى الطبراني عن سيابة بن عاصم السلمي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: " أنا ابن العواتك " (1).
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه روى ابن شيبة، والامام أحمد، وابن حبان عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قتل قتيلا فله سلبه " قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ اسلابهم.
وقال أبو قتادة: يا رسول الله اني ضربت رجلا على حبل عاتقه، وعليه درع فاجهضت عنه فانظر في أخذها، فقام رجل قال محمد بن عمر: اسمه أسود بن خزاعي الاسلمي، حليف بني سلمة - كذا قال وفي الصحيح كما سيأتي: أنه قرشي، فقال: يا رسول الله: أنا أخذتها فارضه منها وأعطينها، قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسال شيئا إلا أعطاه، أو سكت، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: والله لا يغنها الله تعالى على أسد من أسد الله - تعالى - ويعطيكها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر " (2).
وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي قتادة الحارث بن ربعي - رضي الله تعالى عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة.
فرايت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين.
وفي رواية نظرت إلى رجل من المسليمن يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله فضربته من ورائه على حبل عاتقة بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة، وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فارسلني، فلحقت - وفي رواية - فلقيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الناس الذين لم يهزموا، فقلت: ما بال الناس ؟ قال: أمر الله تعالى، فرجعوا وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " فقمت فقلت: من يشهد لي ؟ ثم جلست، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله.
" فقمت فقلت: من يشهد لي ؟ ثم جلست، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله، فقال: " مالك يا أبا قتادة ؟ " فاخبرته (3).
__________
(1) أخرجه الطبراني في الكبير 7 / 201، وانظر المجمع 8 / 219 والبيهقي في الدلائل 5 / 135 وسعيد بن منصور (2840، 2841) وابن عساكر كما في التهذيب 1 / 289.
(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3973) وأحمد 1 / 245 وابن أبي شيبة 2 / 125، 14 / 531 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1671) والبيهقي 6 / 306 والطبراني في الكبير 12 / 216 والصغير 1 / 124.
(3) أخرجه البخاري 7 / 630 (4321) ومسلم 3 / 1370 (41 / 1751)، وأبو داود في الجهاد باب (146)، والبيهقي في السنن 6 / 306 والدلائل 5 / 148 والشافعي في المسند (223)، ومالك في الموطأ (454).
(*)

(5/336)


وذكر محمد بن عمر: أن عبد الله بن أنيس شهد له فقال رجل: صدق سلبه عندي فارضه مني - أو قال منيه - فقال أبو بكر: لا ها الله إذا، لا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله - تعالى - ورسوله فيعطيك سلبه ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق فاعطه إياه " فاعطانيه، وعند محمد بن عمر فقال لي حاطب بن أبي بلتعة: يا أبا قتادة، أتبيع السلاح ؟ فبعته بسبع أواق، فابتعت به مخرفا، وفي رواية: خرافا في بني سلمة، فانه لاول مال تاثلته، وفي رواية: اعتقبته - في الاسلام، زاد محمد بن عمر يقال له الرديني قال في البداية في الرواية السابقة عن أنس: إن عمر قال ذلك، وهو مستغرب، والمشهور أن قائل ذلك أبو بكر كما في حديث أبي قتادة، وقال الحافظ: الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، قالا: فلعل عمر قال ذلك متابعة لابي بكر ومساعدة له، وموافقة، فاشتبه على الراوي.
قال العلماء: لو لم يكن من فضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلا هذا لكفى فانه بثاقب علمه، وشدة صرامته، وقوة إنصافه، وصحة توفيقه، وصدق تحقيقه بادر إلى القول بالحق، فزجر، وأفتى، وحكم، وأمضى، وأخبر في الشريعة عن المصطفى بحضرته وبين يديه، وبما صدقه فيه وأجراه على قوله.
وروى البخاري عن سلمة بن الاكوع - رضي الله عنه - قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوازن فبينما نحن نتضحى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل على جمل أحمر، فاناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم فتغدى مع القوم وجعل ينظر
وفينا ضعفة ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فاتى الجمل فاطلق قيده، ثم أناخه ثم قعد عليه فاشتد به الجمل واتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقة ورقاء، وفي رواية: أتى عين من المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث.
انتهى.
ثم انفتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اطلبوه واقتلوه " قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فانخته، فلما وضع ركبته على الارض، اخترطت سيفي فضربت راس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس معه، فقال: " من قتل الرجل " ؟ قالوا: ابن الاكوع، قال: " له سلبه أجمع " (1).
__________
(1) أخرجه البخاري في الجهاد (3051)، وأحمد 4 / 51 وأبو داود (2653)، والطبراني في الكبير 7 / 29 والبيهقي في السنن الكبرى 9 / 6، 147، 306، والطحاوي في المشكل 4 / 140.
(*)

(5/337)


ذكر جمع غنائم حنين لما انهزم القوم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم بالغنائم أن تجمع، ونادى مناديه: من كانه يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل، وجعل الناس غنائهم في موضع حيث استعمل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وروى الحاكم بسند صحيح عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وبرة من بعير، ثم قال: " يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله - تعالى - عليكم قدر هذه إلاا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة " وذكر الحديث (1).
وكان عقيل بن أبي طالب دخل على زوجته وسيفه ملطخ بدم، فقالت: إني علمت أنك قاتلت اليوم المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم ؟ فقال: هذه الإبرة، تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، ثم خرج فسمع منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من أصاب شيئا من المغنم
فليرده، فرجع عقيل إلى امرأته وقال: والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت منك، فأخذها فألقاها في المغانم.
وجاء رجل بكبة من شعر فقال: يا رسول الله أضرب بهذه برذعة لي: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " (2).
وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس يوم حنين في قبائلهم يدعوهم وأنه ترك قبيلة من القبائل وجدوا في برذعة رجل منهم عقدا من جزع غلولا، فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر عليهم، كما يكبر على الميت.
وأصاب المسلمون يومئذ السبايا، فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهن ولهن أزواج فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فانزل الله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) [ النساء 24 ] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: " لا توطأ حامل من السبي حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض " (3).
ولما جمعت الغنائم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنحدر إلى الجعرانة، فوقف بها إلى أن انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حصار الطائف.
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 49 والبيهقي 6 / 303 والنسائي 7 / 131 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1693).
(2) أخرجه أحمد 2 / 184، 218 والنسائي 6 / 263.
(3) أخرجه أبو داود (2157) واحمد 3 / 62 والحاكم 2 / 95 والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 359، 7 / 449، 9 / 124، والدارمي 2 / 171 وانظر نصب الراية 3 / 233.
(*)

(5/338)


قال ابن سعد وتبعه في العيون: كان السبي ستة آلاف راس، والابل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين " ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
وروى الطبراني عن بديل - بموحدة مضمومة فدال مهملة فتحتية ساكنة فلام، بن ورقاء
- رضي الله تعالى عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تحبس السبايا والاموال بالجعرانة حتى يقدم فحبست (1).
قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري، وروى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: سبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ستة آلاف سبي بين امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب.
وقال البلاذري: بديل بن ورقاء الخزاعي - والله تعالى أعلم.
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - الظهر بحنين وحكومته بين عيينة بن حصن والاقرع بن حابس في دم عامر بن الاضبط الاشجعي الذي قتله محلم بن جثامة كما سيأتي في نقل محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر يوما بحنين ثم تنحى إلى شجرة فجلس إليها، فقام إليه عيينة بن حصن يطلب بدم عامر بن الاضبط الاشجعي وهو يومئذ سيد قيس ومعه الاقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فاختصما بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعيينة يقول: يا رسول الله، والله لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تأخذ الدية ؟ " فابى عيينة حتى ارتفعت الاصوات وكثر اللغط، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له مكيتل - قصير مجتمع عليه شكة كاملة ودرقة في يده فقال: يا رسول الله، إني لم أحد لما فعل هذا شبها في غرة الاسلام إلا غنما وردت فرمي أولها فنفر آخرها.
فاسنن اليوم وغيره غدا فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده وقال تقبلون الدية خمسين في فورنا هذا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة " فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقوم حتى قبلوا الدية وفي رواية: فقام الاقرع ابن حابس فقال: يا معشر قريش، سالكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفامنتم أن يغضب عليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيغضب الله - تعالى عليكم - لغضبه، أو يلعنكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فيلعنكم الله تعالى بلعنته، والله لتسلمنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لا ياتين بخمسين من بني
__________
(1) الطبراني في الكبير والاوسط والبزار قال الهيثمي 6 / 189 لم يسم ابن بديل وبقية رجاله ثقات.
(*)

(5/339)


ليث كلهم يشهدون أن القتيل قط فلابطلن دمه.
فلما قال ذلك قبلوها.
ومحلم القاتل في طرف الناس، فلم يزالوا يؤزونه ويقولون: إئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لك، فقام محلم وهو رجل ضرب طويل آدم.
محمر بالحناء عليه حلة قد كان تهيأ فيها للقتل للقصاص، فجلس بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، قد كان من الامر الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما إسمك " قال: أنا محلم بن جثامة.
فقال " أقتلته بسلاحك في غرة الاسلام ؟ اللهم لا تغفر لمحلم " بصوت عال ينفذ به الناس، قال فعاد محلم فقال: يا رسول الله، قد كان الذي بلغك، وإني أتوب إلى الله فاستغفر لي، فعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم لمقالته بصوت عال، ينفذ به الناس " اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة " حتى كانت الثالثة، فعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم لمقالته، ثم قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم " قم من بين يدي " فقام من بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه، فكان ضمرة السلمي يحدث - وقد كان حضر ذلك اليوم - قال: كنا نتحدث فيما بيننا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرك شفتيه بالاستغفار له، ولكنه أراد أن يعلم الناس قدر الدم عند الله تعالى (1).
ذكر البشير قدم المدينة بهزيمة هوازن روى محمد بن عمر عن داود بن الحصين قال: كان بشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل المدينة بفتح الله - تعالى - عليه وهزيمة هوازن، نهيك بن أوس الاشهلي، فخرج في ذلك اليوم ممسيا، فاخذ في أوطاس حتى خرج على غمرة، فإذا الناس يقولون هزم محمد هزيمة لم يهزم هزيمة مثلها قط، وظهر مالك بن عوف على عسكره، قال: فقلت الباطل يقولون، والله لقد ظفر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم وغنمه نساءهم وأبناءهم، قال: فلم أزل أطا الخبر حتى انقطع
بمعدن بني سليم أو قريبا منها، فقدمت المدينة وقد سرت من أول أوطاس ثلاث ليال وما كنت أمسي على راحلتي أكثر مما كنت أركبها فلما انتهيت إلى المصلى ناديت: أبشروا يا معشر المسلمين بسلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ولقد ظفره الله - تعالى - بهوازن، وأوقع بهم، فسبى نساءهم، وغنم أموالهم، وتركت الغنائم في يديه تجمع، فاجتمع الناس يحمدون الله - تعالى - على سلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ثم انتهيت إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فاخبرتهن، فحمدن الله - تعالى - على ذلك.
قال وكانت الهزيمة الاولى التي هزم المسلمون ذهبت في كل وجه حتى أكذب الله - تعالى - حديثهم.
__________
(1) انظر المغازي 3 / 920.
(*)

(5/340)


ذكر ما انزل الله تبارك وتعالى في شان هذه الغزوة قال الله عز وجل يذكر المؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم (لقد نصر كم الله في مواطن) [ التوبة 25: 27 ] للحرب " كثيرة " كبدر وقريظة والنضير (و) اذكر " يوم حنين " واد بين مكة والطائف، أي يوم قتالكم فيه هوازن، وذلك في شوال سنة ثمان " إذ " بدل من يوم، (أعجبتكم كثرتكم) - فقلتم: لن نغلب اليوم من قلة، وكانوا إثني عشر إلفا، والكفار أربعة آلاف - كذا جزم به غير واحد، وجزم الحافظ وغيره بانهم كانوا ضعف عدد المسلمين، وأكثر من ذلك كما سيأتي، فعلى هذا كان المشركون أربعة وعشرين ألفا، (فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت) ما مصدرية أي مع رحبها أي سعتها.
فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه لشدة ما لحقكم من الخوف " ثم وليتم مدبرين " منهزمين وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه، (ثم أنزل الله سكينته) طمانينته (على رسوله وعلى المؤمنين) فردوا إلى النبي لما ناداهم العباس باذنه وقاتلوا (وأنزل جنودا لم تروها) ملائكة (وعذب الذين كفروا) بالقتل والاسر (وذلك جزاء الكافرين.
ثم يتوب
الله من بعد ذلك على من يشاء) منهم بالاسلام (والله غفور رحيم).
ذكر ما قيل في هذه الغزوة من الشعر قال عباس بن مرداس السلمي يذكر قارب بن الاسود وفرازه من بني أبيه وذا الخمار وحبسه قومه للموت.
ألا من مبلغ غيلان عني * وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنما أهدى جوابا * وقولا غير قولكما يسير بأن محمدا عبدا رسول * لرب لا يضل ولا يجور وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى يخايره مخير وبئس الأمر أمر بني قسي * بوج إذا تقسمت الأمور أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير تؤم الجمع جمع بني قسي * على حنق نكاد له نطير وأقسم لو همو مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنا أسد لية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور من الأيام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور

(5/341)


فتلنا في الغبار بني حطيط * على راياتها والخيل زور ولم تك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الامور فافلت من نجا منهم جريضا * وقتل منهم بشر كثير ولا يغني الامور أخو التواني * ولا الغلق الصريرة الحصور
أمانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور بنو عوف تميج بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير فان يهدوا إلى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير وإن لم يسلموا فهم أذان * بحرب الله ليس لهم نصير كما حكت بني سعد وحرب * برهط بني غزية عنقفير كان بني معاوية بن بكر * إلى الاسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برئت من الترة الصدور كان القوم إذ جاؤوا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى: لولا الاله وعبده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان بالجزع يوم حيالنا أقراننا * وسوابح يكبون للاذقان من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنابك ولبان والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن والله أهلكهم وفرق شملهم * وأذلهم بعبادة الشيطان " قال ابن هشام ويروي فيها بعض الرواة ".
إذ قام عم نبيكم ووليه * يدعون يا لكتيبة الايمان أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان " وقال عباس بن مرداس: فاني والسوابح يوم جمع * وما يتلوا الرسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب

(5/342)


هم راس العدو من أهل نجد * فقتلهم الذ من الشراب هزمنا الجمع جمع بني قسي * وحكت بر كها ببني رئاب وصرما من هلال غادرتهم * باوطاس تعفر في التراب ولولا قين جمع بني كلاب * لقام نساؤهم والنقع كابي ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الاوراد تنحط بالذهاب بذي لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب " وقال عباس بن مرداس أيضا ": يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا إن الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا رجلا به درب السلاح كانه * لما تكنفه العدو يراكا يغشى ذوي النسب القريب وإنما * يبغي رضي الرحمن ثم رضاكا أنبيك أني قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الاشراكا طولا يعانق باليدين وتارة * يقري الجماجم صارما بتاكا [ يغشى به هام الكماة ولو ترى * منه الذي عاينت كان شفا كا ] وبنو سليم معنقون أمامه * ضربا وطعنا في العدو دراكا يمشون تحت لوائه وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا ما يرتجون من القريب قرابة * الا بطاعة ربهم وهواكا هذي مشاهدنا التي كانت لنا * معروفة وولينا مولاكا " وقال عباس بن مرداس أيضا ": عفا مجدل من أهله فمتالع * فمطلى أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا * رخي وصرف الدهر للحي جامع حبيبة ألوت بها غربة النوى * لتبن فهل ماض من العيش راجع فان تبتغي الكفار غير ملومة * فاني وزير للنبي وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالاخشبين وانما * يد الله بين الاخشبين نبايع فجسنا مع المهدي مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع

(5/343)


علانية والخيل يغشى متونها * حميم وان من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن * الينا وضاقت بالنفوس الأضالع صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الأعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع نذود أخانا عن أخينا ولو نرى * مصالا لكنا الأقربين نتابع ولكن دين الله دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لأمر حمه الله دافع " وقال عباس بن مرداس أيضا ": ما بال عينك فيها عائر سهر * مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمة * تقطع السلك منه فهو منبتر يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دونه الصمان فالحفر دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولي الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها * وفي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم همو نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم ولا تحاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الأخطار والعكر تدعى كفاف وعوف في جوانبها * وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والأرواح تبتدر حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر إذ دركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر في مأذق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تأفل منه الشمس والقمر وقد صبرنا باوطاس أسنتنا * لله تنصر من شئنا وننتصر حتى تاوب أقوام منازلهم * لو لا المليك ولو لا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا قد اصبح منا فيهم أثر

(5/344)


وقال عباس بن مرداس أيضا: يا أيها الرحل الذي تهوي به * وجناء مجمرة المناسم عرمس إما أتيت على النبي فقل له * حقا عليك إذا اطمان المجلس يا خير من ركب المطي ومن مشى * فوق التراب إذا تعد الانفس إنا وفينا بالذي عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس إذ سال من أفناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الاشوس
من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس يروي القناة إذا تجاسر في الوغى * وتخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد بها الرسول عرندس كانوا أمام المسلمين دريئة * والشمس يومئذ عليهم أشمس نمضي ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضي الاله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها: يا احبسوا تدعو هوازن بالاخاوة بيننا * ثدي تمد به هوازن أيبس حتى تركنا جمعهم وكانه * عير تعاقبه السباع مفرس وقال عباس بن مرداس أيضا: نصرنا رسول الله من غضب له * بالف كمي لا تعد حواسره حملنا له في عامل الرمح راية * يزود بها في حومة الموت ناصره ونحن خضبناها دما فهو لونها * غداة حنين يوم صفوان شاجره وكنا على الاسلام ميمنة له * وكان لنا عقد اللواء وشاهره وكنا له دون الجنود بطانة * يشاورنا في أمره ونشاوره دعانا فسمانا الشعار مقدما * وكنا له عونا على من يناكره جزى الله خيرا من نبي محمدا * وأيده بالنصر والله ناصره " وقال عباس بن مرداس أيضا ": من مبلغ الاقوام أن محمدا * رسول الاله راشد حيث يمما دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى إليه وأنعما

(5/345)


سرينا وواعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما تمادوا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الاتي عرمرما فان سراة الحي إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما وجند من الانصار لا يخذولونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما فان تك قد أمرت في القوم خالدا * وقدمته فانه قد تقدما بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برة لمحمد * فاكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبي المؤمنين تقدموا * وحب إلينا أن تكون المقدما وبتنا بنهي المستدير ولم تكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما يضل الحصان الابلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوامعه دما سمونا لهم ورد القطازفة ضحى * وكل تراه عن أخيه قد احجما إذا شئت من كل رايت طمرة * وفارسها يهوي ورمحا محطما وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب إليها أن نخيب ونخرما تنبيهات الأول: قال أهل المغازي: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين لست خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بانه بدأ بالخروج من أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره.
قال في زاد المعاد: كان الله - تعالى - قد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الوعد أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب باسرها، فلما تم له الفتح
المبين، اقتضت حكمة الله - تعالى - أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الاسلام وأن يتجمعوا ويتاهبوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ليظهر أمر الله - سبحانه وتعالى - وتمام إعزازه، لرسوله الله - صلى الله عليه وسلم - ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرا لاهل الفتح، ليظهر الله ورسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب.
ويتبين ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتاملين واقتضت حكمته

(5/346)


- تعالى - أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكبوة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم ليطأ من رؤوس رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا راسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه تواضعا لربه تبارك وتعالى، وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته أن أحل له حرمة بلده، ولم يحله لاحد قبله، ولا لاحد بعده، وليبين عز وجل لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه - تعالى - هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فانها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الج.
بر مع مزيد (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها) [ التوبة 26 ] وقد اقتضت حكمته - تبارك وتعالى - أن خلع النصر وجوائزه إنما تفضى على أهل الانكسار (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص 5، 6 ] الثاني: وافتتح الله - سبحانه وتعالى - غزو العرب بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، ولهذا يقرن هاتين الغزاتين بالذكر فيقال " بدر وحنين " وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بانفسها مع المسلمين بهاتين الغزاتين، والنبي - صلى الله عليه وسلم رمى وجوه المشركين بالحصا فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين،
فالاولى خوفتهم وكسرت من حدتهم.
والثانية: استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلت جمعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله - تعالى - وجبر الله تبارك وتعالى أهل مكة بهذه الغزوة، وفرحهم بما نالوا من النصر والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهم وقهرهم تمام نعمته عليهم بما صرفه عنهم من شر من كان يجاورهم من أشراف العرب من هوازن وثقيف، بما أوقع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من دخولهم في الاسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها.
ومن تمام التوكل استعمال الاسباب التي نصبها الله سبحانه وتعالى لمسبباتها قدرا وشرعا فان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق توكلا، فقد دخل مكة والبيضة على راسه، ولبس يوم حنين درعين، وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى (والله يعصمك من الناس) [ المائدة 67 ] وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا ويتكايس في الجواب، تارة بان هذا فعله - صلى الله عليه وسلم - تعليما لامته، وتارة بان هذا كان قبل نزول الاية ! ! لو تأمل أن ضمان الله - سبحانه وتعالى - له العصمة لا ينافي تعاطيه لاسبابها فان هذا الضمان له من ربه - تبارك وتعالى - لا ينافى احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله - عز وجل - له بانه يظهره على الدين كله ويعليه، لا يناقض أمره

(5/347)


بالقتال، وإعداد العدة والقوة، ورباط الخيل، والاخذ بالجد والحذر، والاحتراس من عدوه، ومحاربته بانواع الحرب، والتورية، فكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وذلك لانه إخبار من الله - تعالى - عن عاقبة حاله وماله فما يتعاطاه من الاسباب التي جعلها الله - تعالى - بحكمته موجبة لما وعده به من النصر والظفر، وإظهار دينه وغلبته عدوه انتهى.
الثالث: اختلف العلماء في العارية هل تضمن إذا تلفت، فقال الشافعي وغيره يضمن، وقال أبو حنيفة وغيره: لا يضمن، وفي بعض طرق الحديث " بل عارية مضمونة، وقد اختلفوا في هذا القيد وهو مضمونة، أنه صفة موضحة أو مقيدة، فمن قال بالأول قال: تضمن، ومن قال مقيدة قال: لا إلا بشرط، قاله في النور.
الرابع: تضمن قول السائل للبراء في الرواية الثانية أوليتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الثالثة أفررتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول البراء رضي الله عنه - فاشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يول، وقوله في الرواية الثانية " لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقر إثبات الفرار، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بظاهر الرواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك وختم حديثه بانه لم يكن أحد يومئذ أشد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن البراء فهم أن السائل اشتبه عليه حديث سلمة بن الاكوع، ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما، فلذلك حلف البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يول، ودل ذلك على أن منهزما حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى " ومررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما وهو على بغلته " فقال: لقد راى ابن الاكوع فزعا، ويحتمل أن يكون السائل أخذ العموم من قوله تعالى: (ثم وليتم مدبرين) [ التوبة 25 ] فبين البراء من العموم الذي أريد به الخصوص.
الخامس: يجمع بين قول أنس - رضي الله عنه -: بقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده وبين الاخبار الدالة أنه بقي معه جماعة بان المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة، ونحو ذلك.
السادس: لا تخالف بين قول ابن عمر، لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل، وبين قول ابن مسعود، ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانون من المهاجرين والانصار فان ابن عمر نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
وذكر النووي أن الذين ثبتوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلا، ووقع في شعر

(5/348)


العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط، وذلك لقوله:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر عنه فاقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه * لما مسه في الله لا يتوجع قال الحافظ: ولعل هذا هو الا ثبت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم.
السابع: البغلة البيضاء: وفي مسلم عن سلمة بن الاكوع الشهباء التي كان عليها يومئذ أهداها له فروة - بفتح الفاء، وسكون الراء، وفتح الواو، وبالهاء ابن نفاثة بنون مضمومة ففاء مخففة فالف فثاء مثلثة، ووقع في بعض الروايات عند مسلم فروة بن نعامة بالعين والميم، والصحيح المعروف الاول، ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن ألف في المغازي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان على بغلته دلدل، وفيه نظر، لان دلدل أهداها له المقوقس.
قال القطب: ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب يومئذ كلا من البغلتين، وإلا فما في الصحيح أصح.
الثامن: قال العلماء: ركوبه - صلى الله عليه وسلم - البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات، لان ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولى، وإذا كان راس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار والاخذ باسباب ذلك كان أدعى لاتباعه.
التاسع: وقع في الصحيح حديث البراء وأبو سفيان ابن عمه يقود به، وفي حديث العباس أنه كان آخذا بلجام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو سفيان آخذ بركابه، ويجمع بان أبا سفيان كان آخذا أولا بزمام البغلة، فلما ركضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جهة الكفار خشي العباس وأخذ بلجام البغلة يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لانه كان عمه.
العاشر: وقع في حديث ابن عبد الرحمن الفهري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتحم عن فرسه " فاخذ كفا من تراب " انتهى قلت: وهي رواية شاذة، والصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان حينئذ على بغلة.
الحادي عشر: في قوله - صلى الله عليه وسلم - " أنا النبي لا كذب " إشارة إلى صفة النبوة يستحيل
معها الكذب، وكانه - صلى الله عليه وسلم - قال: لانا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن أن الذي وعدني به الله من النصر حق فلا يجوز علي الفرار، وقيل معنى قول " لا كذب " أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك.
الثاني عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم - أنا النبي لا كذب " بسكون الموحدة من كذب وهذا وإن وقع موزونا لا يسمى شعرا لانه غير مقصود كما سيأتي بسط ذلك في الخصائص.

(5/349)


الثالث عشر: انتسب - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فانه مات شابا ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما في حديث حماد في الصحيح وقيل لانه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب.
رجل يدعوا الى الله ويهدى الله - تعالى - الخلق على يديه، ويكون خاتم الانبياء، فانتسب ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قيل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد - صلى الله عليه وسلم - تنبيه أصحابه بانه لابد من ظهوره، وإن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه - صلى الله عليه وسلم - ثابت غير منهزم.
الرابع عشر: في إشهاره - صلى الله عليه وسلم - نفسه الكريمة في الحرب غاية الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو.
الخامس عشر: في تقدمة - صلى الله عليه وسلم - قبل الكفار نهاية الشجاعة، وفي نزوله - صلى الله عليه وسلم - عن البغلة حين غشوة مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الارض من المسلمين.
السادس عشر: في حديث سلمة بن الاكوع وغيره " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب " إلخ.
وفي حديث ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له حين انهزم أصحابه " ناولني كفا من تراب " فناوله، وفي حديث ابن عباس عن البراء أن عليا ناول
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التراب فرمى به في وجوه الكفار، والجمع بين ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولا قال لصاحبه " ناولني " فناوله، فرماهم، ثم نزل عن البغلة فاخذ بيده فرماهم أيضا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين وفي الاخرى التراب، وأن كلا ممن ذكر ناوله.
السابع عشر: في رميه - صلى الله عليه وسلم - الكفار، وقوله: " انهزموا ورب الكعبة " إلخ، معجزتان ظاهرتان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحداهما فعلية، والاخرى خبرية، فانه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بهزيمتهم ورماهم بالحصى فولوا مدبرين.
وفي رواية استقبل وجوههم فقال " شاهت الوجوه ".
وهنا أيضا معجزتان فعلية وخبرية.
الثامن عشر: في قول العباس: فو الله لكان في عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
إلخ دليل أن فرارهم لم يكن بعيدا.
التاسع عشر: في عقر علي - رضي الله عنه - بعير حامل راية الكفار دليل على جواز عقر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونا على قتله.
العشرون: في انتظار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقسم غنائم هوازن إسلامهم جواز انتظار

(5/350)


الامام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة فيه ورده عليهم غنائمهم ومتاعهم.
الحادي والعشرون: اتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له.
ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفي به.
الثاني والعشرون: قال في العيون أخذا من الروض فرار من كان معه - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قد أعقبه رجوعهم إليه بسرعة وقتالهم معه حتى كان الفتح، وفي ذلك نزل (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) إلى قوله: (غفور رحيم) [ التوبة 25: 27 ] كما قال فيمن تولى يوم أحد - (ولقد عفى الله عنهم) إن اختلف الحال في الوقعتين.
وقال الحافظ: العذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك، وكذا جزم في النور بان هوازن كانوا أضعاف الذين كانوا معه - صلى الله عليه وسلم.
الثالث والعشرون: في بيان غريب ما سبق: حنين - بحاء مهملة ونون مصغر: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، قال أبو عبيد البكري سمي باسم حنين بن قانية بن مهلائيل.
والاغلب عليه التذكير، لانه اسم ماء.
وربما أنثته العرب، لانه اسم للبقعة.
فسميت الغزوة باسم مكانها.
هوازن - بفتح الهاء وكسر الزاي، قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون، وهي: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة - بخاء معجمة فصاد مهملة ففاء مفتوحتان - بن قيس عيلان - بعين مهملة، بن إلياس بن مضر أبو الزناد - بكسر الزاي، وبالنون، وبالدال المهملة.
ثقيف - بثاء مثلثة بوزن أمير: اسمه قسي - بفتح القاف وكسر السين المهملة وتشديد الياء - بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة - بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة، وبالفاء - ابن قيس عيلان.
أشفقوا: خافوا.
لا ناهية له: أي نهي: أي مانع.
حشدوا: اجتمعوا.
أجمعوا أمرا: أي عزموا عليه.
نصر - بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، وبالراء: اسم قبيلة.
جشم - بضم الجيم وفتح الشين المعجمة: لا ينصرف للعلمية والعدل عن جاشم: أبو قبيلة كبيرة، وهو معاوية بن بكر بن هوازن بن بكر بن هوازن بن قيس عيلان - بفتح المهملة، لقب قيس باسم عبد كان يملكه، وقيل باسم فرس له.

(5/351)


كعب وكلاب بن أبي براء - بفتح الموحدة وتخفيف الراء وبالمد.
وحكى القصر.
ناوأه: عاداه.
دريد - بضم الدال المهملة، وفتح الراء، وسكون التحتية وبالدال المهملة.
الصمة - بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - واسمه، الحارث بن بكر أو ابن الحارث بن بكر بن علقمة بن معاوية بن بكر هوازن الجشمي - بضم الجيم وفتح الشين - من بني محرب - بكسر الميم وإسكان الحاء المهملة ثم راء مفتوحة ثم موحدة يقال رجل محرب - بكسر الميم: صاحب حروب.
أوطأ العرب: علاهم وقهرهم.
أجلى يهود: أخرجهم.
الذل - بضم الذال المعجمة: الضعف والهوان.
الصغار - بفتح الصاد المهملة: الضيم.
يومك هذا له ما بعده.
طوى عنه الخبر: كتمه.
الظعن - بضم الظاء المعجمة المشالة، والعين المهملة.
أوطاس - بفتح أوله وسكون الواو وبالطاء والسين المهملتين: واد في ديار هوازن، والصحيح أنه غير وادي حنين، وسيأتي بيان ذلك في السرايا.
عسكر - موضع كذا: جمع عسكره به.
الامداد: جمع مدد بفتحتين، وهو الجيش.
الشجار - بكسر الشين المعجمة وبالجيم والراء: مركب مكشوف دون الهودج.
ويقال له شجر أيضا.
مجال الخيل - بفتح الميم، وبالجيم المخففة، وباللام.
الحزن - بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي، وبالنون: ما غلظ من الارض.
الضرس - بكسر الضاد المعجمة، وسكون الراء، وبالسين المهملة: الاكمة الخشنة، وفي الاملاء: هو الموضع فيه حجارة محدده.
السهل: ضد الحزن.
دهس - بفتح المهملة، والهاء، وبالسين المهملة.
والدهاس مثل الليث واللباث:

(5/352)


المكان السهل اللين الذي لا يبلغ أن يكون رملا وليس هو بتراب.
ولا طين، وفي الاملاء: لين كثير التراب.
رغاء الابل - بضم الراء وبالغين المعجمة والمد: صوتها.
نهاق الحمير بضم النون وتخفيف الهاء وبالقاف: صوتها.
بعار الشاء - بضم التحتية وبالعين المهملة المخففة وبالراء: صوتها.
خوار البقر - بضم الخاء المعجمة، وبالواو والراء: صوتها.
ولم - بفتح الميم: على الاستفهام.
فانقض به - بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح القاف، وبالضاد المعجمة الساقطة قال في الروض: صوت بلسانه من فيه، من النقيض وهو الصوت، وقيل: الانقاض بالاصبع الوسطى والابهام كانه يدفع بهما شيئا، وفي الاملاء، أي زجره كما تزجر الدابة، والانقاض للدابة أن تلصق لسانك بحنكك الاعلى وتصوت به.
راعي ضأن: يجهله بذلك.
فضح - بالبناء للمفعول.
البيضة هنا - الجماعة، وبيضة الثانية بالجر بدلا من الاولى.
عليا - بضم العين المهملة مقصور.
ممتنع - بضم الميم الاولى، وسكون الثانية وفتح الفوقية، وكسر النون وبالعين المهملة.
الصباء - بضم الصاد المهملة، وتشديد الموحدة، قال في الاماء: جمع صابئ، وهم المسلمون عندهم كانوا يسمونهم بهذا الاسم لانهم صبئوا من دينهم أي خرجوا وقال في النور: أي الذين يشتهون الحرب وحرب ويميلون إليها، ويحبون التقدم فيها والبراز: قاله في النهاية.
المتون - جمع متن: الظهر.
بين أضعاف الخيل: بين أثنائها أو متقدمة دريئة.
ألفاك ذلك - بالفاء أي وجدك أو صادفك.
كبر عقلك - بكسر الموحدة: يشير إلى أنه قد خرف.
الجذع - بفتح الجيم، والذال المعجمة، وبالعين: ما قبل الثنى، والجمع جذعان وجذاع مثل جبل وجبال، والانثى جذعة، والجمع جذعات - بضم الجيم وكسرها: أي يا ليتني في هذه الحرب جذع، أي شاب.

(5/353)


الخبب: ضرب من السير وهو خطو فسيح دون العنق.
الوضع: ضرب من السير وهو الاسراع، قال الفراء: هو مثل الخبب.
الوطفاء بفتح الواو وبطاء مهملة ساكنة وبالفاء والمد: الطويلة الشعر.
الزمع - بفتح الزاي، والميم، وبالعين المهملة: الشعر الذي فوق مربط قيد الدابة، يريد فرسا صفتها كذا، وهو محمود في وصف الخيل.
الشاة - هنا الوعل - بفتح الواو، وكسر العين المهملة، وتسكن، وباللام: ذكر الاروى وهي الشاة الجبلية والجمع: وعول مثل: فلس وفلوس، والانثى: وعلة - بكسر العين، وسكونها، والجمع: وعال، مثل كلبة وكلاب.
صدع - بفتح الصاد، والدال، وبالعين المهملات: وصف للوعل، وهو الوسط منها، وليس بالعظيم ولا الصغير، ولكنه وعل بين الوعلين.
الحد - بفتح الحاء وبالدال المهملة: المنع.
الجد - بجيم مكسورة: الشجاعة والجراة.
يوم علاء - بفتح العين المهملة وبالمد - الرفعة، وإنما عطفها عليه لاختلاف اللفظ.
ذانك: تثنية ذا اسم إشارة.
الجذعان: تثنية جذع، يريد أنهما ضعيفان في الحرب بمنزلة الجذع في سنه الكمين: الجيش المستخفي في مكمن - بفتح الميمين - بحيث لا يفطن به ثم ينهض على العدو وعلى غفلة منهم، وجمعه كمناء، كامير وأمراء، يقال كمن كمونا، من باب قعد
قعودا: توالى واستخفى.
كر - بفتح الكاف والراء المشددة: رجع.
الحملة لك: الغلبة.
لم يفلت - بضم التحتية وسكون الفاء.
مقدمة الجيش - بكسر الدال وقد تفتح: الجماعة تتقدمه.
بنو سليم: بالتصغير.
ينحى يعدل به.
السنن - بفتح السين المهملة والنون الاولى: الطريق.

(5/354)


شرح غريب استعماله - صلى الله عليه وسلم - عتابا، واستعارته من صفوان بن أمية أدرعا، وبعثه عبد الله بن أبي حدرد، وخروجه للقاء هوازن عتاب - بفتح العين المهملة، والفوقية المشددة، وبالموحدة.
أسيد - بالسين والدال المهملتين وزن أمير.
أجمع السير: عزم عليه.
ذكر له: بالبناء للمفعول.
أعرنا - بفتح أوله.
أبو حدرد - بهملات كجعفر، واسمه سلامة بن عمير.
الخباء - بكسر الخاء المعجمة ككتاب: واحد الاخبية من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت.
الاغمار - بفتح أوله، وبالغين المعجمة: جمع غمر بضمتين وتسكن الميم: وهو الرجل الذي لم يجرب الامور.
الجفون - بضم الجيم: جمع جفن - بفتح الجيم، وهو هنا غلافة السيف، وقد يجمع
على أجفان.
الخيف - بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية وبالفاء، وهو في الاصل المنحدر من غلظ الجبل، قد ارتفع من مسيل الماء، فليس شرفا ولا حضيضا.
كنانة - بكسر الكاف، وبنونين مخففا.
تقاسموا: تحالفوا وتعاهدوا جهينة - بالجيم: مصغر.
مزينة: مصغر، بالزاي والنون.
أسلم بهمزة مفتوحتة، فسين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فميم غفار - بكسر الغين المعجمة وبالفاء.
أشجع - بفتح أوله، وبالشين المعجمة، والعين المهملة: الجميع أسماء قبائل.
الطقاء - بضم الطاء المهملة، وفتح اللام: الذين أسلموا يوم فتح مكة من أهلها ممن غلبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأطلقهم أو خلى سبيلهم دنا: قرب.

(5/355)


بدا بكذا: قدمه.
كبت الله عدوك: أخزاه وأذله وصرفه وغاظه وأهلكه.
لم يغادر: لم يترك.
النظار - بضم النون: جمع ناظر.
الصدمة - بفتح الصاد المهملة.
أوقر بعيره: حمله.
ذات أنواط: شجرة عظيمة قرب مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظمها وتعلق عليها سلاحها ويذبح عندها.
يقال ناط الشئ ينوطه نوطا علقة، وكل ما علق من شئ فهو نوط - بفتح النون، والجمع: أنواط، وهي المعاليق.
يعكفون عليها: يلزمونها ويواظبون على خدمتها.
الحذو - بفتح الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة.
القدر - بفتح القاف، وسكون الدال.
القذة بالقذة - بكسر القاف فيها أخص من القد: وهو سير يقد من جلد غير مدبوع.
أطنبوا السير: بالغوا فيه.
عن بكرة أبيهم - بفتح الموحدة، وسكون الكاف: هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاؤوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع.
أبو مرثد - بفتح الميم، وسكون الراء، وبفتح الثاء المثلثة، وبالدال المهملة.
نغرن - بضم النون وفتح الغين المعجمة والراء المشددة.
قبلك - بكسر القاف، وفتح الموحدة، واللام: أي من جهتك.
ثوب بالصلاة: التثويب هنا إقامة الصلاة، والاصل في التثويب أن يجئ الرجل مستصرخا فيلوع بثوبه ليرى ويشتهر، فسمي الدعاء تثويبا لذلك، وكل داع مثوب، وقيل إنما سمي تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع - إلى الامر بالمبادرة إلى الصلاة، فان المؤذن إذا قال حي على الصلاة، فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده: الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.
خلال الشجرة: أي الفرج بينها.

(5/356)


أوجبت: أي عملت موجبا للجنة.
التبيان: البيان.
سليم - بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية.
غسان - بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، قال النووي، المسموع في كتب [ أهل ] الحديث ورواياتهم غير منصرف وذكره ابن فارس في باب غسن، وهذا تصريح بانه يجوز صرفه.
العضادة - بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة: جانب الشئ.
الاجربان: سماهم بذلك تشبيها بالاجرب الذي يغرب.
عبس - بفتح المهملة وسكون الموحدة: بطن من غطفان ومن الازد بن مراد.
ذبيان - بضم الذال المعجمة وكسرها من زبيت شفته أي ذبلت من العطش، وهو إذا فعلان ينصرف للعلمية والزيادة " شمر سيفك " أدخله في غمده " عيون المشركين " جمع عين وهو الجاسوس، يقال جس الاخبار وتجسسها تتبعها لانه يتبع الاخبار ويفحص عن بواطن الامور، ثم استعير لنظر العين " تفرقت أوصالهم ": أي مفاصلهم جمع وصل بالكسر، وهو كل عظم على حدة لا يكسر ولا يخلط به غيره " الذعر " بضم الذال المعجمة: الخوف.
لم يثنه الامر: لم يرده.
واد أجوف: متسع.
خطوط - بخاء مفتوحة فطاء مضمومة، فواو ساكنة فطاء أخرى مهملات منحدر، أو عز إليه بالعين المهملة والزاي: تقدم إليه ربيع بن أنس بلفظ اسم الشهرة.
بنو شيبان - بفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبالموحدة، والنون: هو شيبان بن ذهل، قبيلة من بكر بن وائل.
فصل من مكة: خرج.
حزام - بالزاي والد حكيم، وكذا كل مكى قرشي، وحرام بالراء في الانصار.
شرح غريب ذكر كيفية الوقعة مضايق - جمع مضيق.
عماية الصبح - بفتح العين المهملة وتخفيف الميم: بقية ظلمته.

(5/357)


شعابه - جمع شعب: وهو ما انفرج بين الجبلين.
أجنابه: جوانبه.
راعنا: أفزعنا.
الكتائب - بالفوقية جمع كتيبة: وهي الطائفة المجتمعة من الجيش شدوا علينا: حملوا يقتلوننا.
سواد العسكر: ما يشتمل عليه من الدواب والمضارب وغيرهما.
الغبش - بفتح الغين المعجمة، وسكون الموحدة، وبالمعجمة: ظلامه.
إن شعرنا: ما علمنا.
انكشف الخيل وتبعهم الناس منهزمين هذا مجاز، لم ينهزم كل الناس، ولا نعرف في موطن من المواطن أن كل الناس انهزموا.
ما يلوون على شئ: لا يبقون عليه.
النقع - بفتح النون، وسكون القاف: الغبار.
انحاز: إلى كذا تنحى إليه.
هلم إلى: إسم فعل في لغة الحجازيين فلا يبرز فاعلها، وفعل في لغة تميم فيقولون هلم وهلمي وهلموا وهلممن.
الشبان - بضم الشين: جمع شاب، وهو سن قبل الكهولة.
سرعان الناس - بفتح السين والراء: أوائلهم.
كأنها رجل جراد بكسر الراء وسكون الجيم، الجماعة الكثيرة من الجراد خاصته، وهو جمع على غير لفظ الواحد.
أطن قدمه بنصف ساقه، قطعها، يراد بذلك صوت القطع.
انجعف: وقع.
اجتلد الناس: تضاربوا بالسيوف.
الجفاة - جمع جاف: وهو الغليظ الطبع، والمراد هنا - والله أعلم - من كان غليظا على الاسلام.
ممن لم يتمكن الايمان في قلبه.
الضغن - بكسر الضاد، وإسكان الغين - المعجمتين - وبالنون - الضغينة بالفتح - وهما:
الحقد.

(5/358)


الازلام: القداح التي كانت في الجاهلية، واحدها زلم - بفتحات - عليها مكتوب الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، كان الرجل من المشركين يضعها في وعاء له، فإذا اراد سفرا أو زواجا أو امرا مهما ادخل يده واخرج منها زلما، فان خرج الامر مضى لشانه، وان خرج النهي كف عنه فلم يفعله.
الكنانة: جعبة السهام.
جبلة: كذا عند ابن اسحق، وهو تصحيف، وصوابه كلدة - بفتح الكاف واللام بن الحنبل بفتح الحاء المهملة وسكون النون وبالموحدة، ويقال: ابن عبد الله بن الحنبل، أسلم بعد ما قال بحنين ما قال.
فض الله فاه: اسقط اسنانه، والفض: الكسر بالتفرقة.
يربني - بضم الراء: يملكني ويدبر امري ويصير لي ربا أي سيدا.
المازني - بكسر الزاي والنون.
كاد: قرب.
حاجب الشمس: ناحيتها.
يا للانصار - بفتح اللام.
عباد - بفتح العين المهملة وبالموحدة المشددة.
بشر بكسر الموحدة، وسكون المعجمة.
أبو نائلة - بهمزة بعد الالف على صورة الياء.
لا يجبرونها: اي: لا مجبر منها.
الشعار - بكسر الشين المعجمة، والعين المهملة: العلامة التي كانوا يتعارفون بها.
شرح غريب ذكر ارادة شيبة بن عثمان والنظير بالتصغير بن الحرث
الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم الفتك: القتل على غفلة، أو القتل مطمئنا مجاهرة.
عنوة - بعين مهملة مفتوحة، فنون ساكنة، فواو مفتوحة، فتاء تأنيث: قهرا وغلبة.
المرصد - بكسر الصاد المهملة: اسم فاعل.
اقتحم عن بغلته: القي نفسه عنها.
اصلت السيف: سله من غمده.

(5/359)


أسوره - بفتح السين المهملة وكسر الواو المشددة: أعلوه.
سورة - بفتح السين المهملة، وسكون الواو، وفتح الراء، وسورة الخمر وغيره: حدتها، والمجد أثره وعلامته وارتفاعه، والبرد شدته، والسلطان شدته واعتداده.
الشواظ - بضم الشين المعجمة وكسرها: اللهب الذي لا دخان فيه.
يتمحشني - بتحتية ففوقية مفتوحتين، فميم مفتوحة، فحاء مشددة وشين معجمة: يحرقني.
مشيت القهقرى: المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه.
يا شيب: منادى مرخم، ويجوز فيه ضم الموحدة وفتحها.
شرحبيل - يضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وكسر الموحدة، وباللام.
العبدري، بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة، وآخره راء فياء نسب.
الدبرة - بفتح الدال المهملة وبالموحدة وتسكن: الهزيمة، وهو اسم من الادبار.
الفئتان - تثنية فئة بكسر الفاء وبالهمز: الفرقة من الناس جمعها فئون وفئات.
الحيز - بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية الساكنة وبالزاي الناحية.
عمدت له: قصدت.
إليك إليك: اسم فعل بمعنى الزم أو انتبه الرعب: الفزع.
حلب ناقة: أي قدر ذلك.
يا للخزرج - بفتح اللام.
أرعدت جوارحي: ارتعشت.
غبرات الناس بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة المشددة: جمع غبر كذفر: وهو جمع غابر، وهو هنا بمعنى الباقي.
خمر الشجر - بفتح الخاء المعجمة وميم وبالراء: ما وراك منه.
الجعرانه - بكسر الجيم وسكون العين - خفف الاكثر الراء وشددها غيرهم: موضع على سبعة أميال من مكة من جهة الطائف.
العبر - بكسر العين المهملة وفتح الموحدة جمع عبرة بفتح أوله وكسر ثانيه: وهي الاعتبار والتفكر في عواقب الامور.

(5/360)


لقيته كفة كفة - بكسر الكاف فيهما، أي كفاحا، وذلك إذا استقبلته مواجهة، وهما آسمان جعلا واحدا وبنيا على الفتح مثل خمسة عشر.
آن لك وحان أي قرب فيه.
توضع: تسرع.
شرح غريب ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم فروة: بلفظ اسم الملبوس.
نفاثة - بضم النون وتخفيف الفاء وآخره ثاء مثلثه.
الجذامي بضم الجيم، وبالذال المعجمة.
طفق: شرع.
قبل - بكسر القاف، وفتح الموحدة، تلقاءه أي جهته.
يركض: يسرع.
آخذ - بمد أوله، وكسر الخاء المعجمة.
الحكمة - بفتح الحاء المهملة، والكاف، والميم، وبتاء تأنيث: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس، وحنكيه تمنعه من مخالفة راكبه.
شجرتها - بشين معجمة، أي ضربتها بالحكمة حتى فتحت فاها.
المقنع - بضم الميم وفتح القاف، والنون المشددة، وبالعين المهملة: الذي على راسه البيضة.
انشدك ما وعدتني: أسالك ذلك.
لا يظهروا علينا: يغلبونا.
أصحاب السمرة، يشير بذلك إلى أصحاب بيعة الحديبية، لانهم بايعوا تحت الشجرة، وكانت سمرة.
يا أصحاب سورة البقرة: خصت بالذكر حين الفرار لتضمنها (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله) [ البقرة 249 ] أو لتضمنها (وأوفو بعهدي أوف بعهدكم) [ البقرة 40 ] (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) [ البقرة 207 ].
الحرجة - بفتح الحاء المهملة والراء، وبالجيم: مجتمع شجر ملتف كالغيضة، والجمع حرج وحراج.

(5/361)


يثني بعيره بفتح أوله: يدير رأسه صوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
الدرع من الحديد: مؤنثة، ولهذا قال فيقذفها، أي يرميها.
يؤم الصوت: يقصده.
صبر عند اللقاء - بضم الصاد المهملة، وتشديد الموحدة المفتوحة: أي أشداء أقوياء.
مجتلدهم - بميم مضمومة، فجيم ساكنة، فمثناة فوقية، فلام مفتوحتين: موضع
جلادهم، أي ضرابهم.
المتطاول: الذي مد عنقه لينظر إلى يبعد عنه.
الوطيس: هو شي كالتنور يخبز فيه شبه شدة الحرب به، وقيل: حجارة مدورة إذا حميت منعت الوطء عليها، فضرب مثلا للامر يشتد.
حدهم - بفتح الحاء: قوتهم.
كليلا: ضعيفا.
أفاء الله على رسوله أموالهم: غنمه ذلك.
الفهري - بكسر الفاء، وسكون الهاء.
كرز - بضم الكاف، وسكون الراء، وبالزاي.
قائظ: شديد الحر.
اللامة: الدرع.
الفسطاط - بضم الفاء وتكسر بيت من شعر: حان الرواح: قرب.
أجل: كنعم، وزنا ومعنى.
دفتاه: دف الرجل ودفته - بالفتح، وتشديد الفاء جانب كور البعير وهو سرجه، والدف والدفة: الجانب من كل شئ.
الاشر - بفتحتين: البطر وكفر النعة وعدم شكرها.
قال الراغب: الاشر: أبلغ من البطر، والبطر: أبلغ من الفرح، فان الفرح وإن كان في أغلب أحواله مذموما كما قال تعالى: (إن الله لا يحب الفرحين) [ القصص 76 ] فقد يحمد تارة إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب قال تعالى: (فبذلك فليفرحوا) [ يونس 58 ] وذلك أن الفرح قد يكون من سرور بحسب قضية العقل العقل فليس بمكروه، والاشر لا يكون إلا فرحا بحسب قضية الهوى.

(5/362)


تسامت الخيلان: [ تبلدت وتطاولت ] حثاها: ألقاها.
شاهت وجوههم: تشوهت وقبحت.
الصلصلة: صوت كل ذي صوت.
الطست: تقدم الكلام عليه في الرضاع وفي الكلام على شق صدره الشريف فراجعه.
دلدل - بضم الدالين المهملتين، وسكون اللام الاولى بينهما، وسيأتي الكلام عليها في ذكر بغاله - صلى الله عليه وسلم.
حم: أشبعت الكلام على الحروف المقطعة في أوائل كتاب " القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز " فراجعه.
السوائي - بضم السين المهملة، وتخفيف الواو والهمزة بعد الالف.
القذي - بالقاف والذال المعجمة: ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو طين أو وسخ أو غير ذلك: جمع قذاة، وجمع القذى أقذاء.
اهتف بهم: صح وادعهم.
الشهب: جمع شهاب.
السبيعي - بفتح السين المهملة وكسر الموحدة فتحتية فعين مهملة.
حسر - بضم الحاء وفتح السين المهملتين وبالراء.
الثنية: كل عقبة مسلوكة.
احمر البأس - بكسر أوله، وسكون الحاء المهملة، وفتح الميم، وتشديد الراء، اشتدت الحرب.
غشوه: ازدحموا عليه وكثروا.
شرح غريب ما قيل أن الملائكة قاتلت يوم حنين قوله مسومين: معلمين.
البجاد - بكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبالدال المهملة: الكساء، جمعه أبجد نمل مبثوت: متفرق.
أم برثن - بضم الموحدة، وسكون الراء، وضم الثاء المثلثة، وبالنون - وقيل بالميم كببناهم: قلبناهم راجعين.

(5/363)


تطن - بفوقية، فطاء مهملة، تصوت.
الخفقان: الاضطراب والتحرك.
الطساس - جمع طست وتقدم الكلام عليه في الكلام على شق صدره الشريف.
الكتائب - جمع كتيبة بفتح الكاف، وكسر الفوقية: وهي الطائفة المجتمعة من الجيش.
ما يليقون - بيائين تحتيين بينهما لام مكسورة فقاف، يقال: لا يليق بك: لا يعلق.
الرعدة - بالكسر: اسم من ارتعد إذا اضطرب.
شرح غريب ذكر من ثبت معه - صلى الله عليه وسلم - يومئذ حارثة بن النعمان - بحاء مهملة، فالف، فراء، فمثلثة.
نكص على عقبه بنون، فكاف، فصاد مهملة مفتوحات رجع.
الحكم - بفتحتين.
عتبة بن أبي لهب - بضم العين المهملة، وسكون الفوقية، وبالموحدة.
معتب - أخوه بضم الميم، وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة.
أبو دجانة - بضم الدال المهملة، وبالجيم المخففة، والنون.
أبو بشير المازني كامير.
الحضير - بضم الحاء المهملة، وكسر الضاد المعجمة، وسكون التحتية أم سليم - بضم أوله.
ملحان - بكسر الميم، وفتحها، قال في المطالع: والأول أشهر، وعليه اقتصر ابن الاثير والنووي.
نسيبة ككريمة وقيل بالتصغير.
يغربها الجمل بالغين المعجمة.
الخزام - بكسر الخاء المعجمة.
برة - بضم الموحدة، وتخفيف الراء: حلقة من صفر ونحوه يشد في أنف الناقة، يشد بها الزمام.
الخطام - بكسر الخاء المعجمة: ما يقاد به الجمل.
الخنجر - بفتح الخاء المعجمة وكسرها سكين كبير.

(5/364)


بعج بطنه: شقه.
جمل أورق: في لونه بياض إلى السواد، أو يضرب لونه إلى الخضرة.
يوضع به جمله: يسرع.
أثبته: أصاب مقتله.
مصلت السيف: مخرجه من غمده.
الغمد - بكسر الغين المعجمة: قراب السيف.
ناقة فتوح - بفتح الفاء، وضم الفوقية المخففة: واسعة الاحليل.
بنو مازن - بكسر الزاي.
الشعار: العلامة في الحرب.
صعصعة بمهملات وفتح أوله، وسكون ثانيه.
اليعسوب - بفتح التحتية، وسكون العين، وضم السين المهملتين وبالموحدة: ملك النحل.
النسمة - بفتحات: الانسان.
لن تعلوه: لن تشربوا منه مرة ثانية.
لن تغلوه: لن تعذبوه.
ثاب - بالمثلثة: رجع.
اجزروهم: استاصلوهم.
المشقص - بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف: سهم فيه نصل عريض.
الكنانة - بكسر الكاف: ما يجعل فيه السهام.
بجاد - بفتح الموحدة وبالجيم والدال المهملة، ولم أر له ذكرا في الصحابة وكأنه لم يسلم.
الشيماء: تقدم الكلام عليها في الرضاع.
وما علامة ذلك - بكسر الكاف: خطاب المؤنث.
متور كتك: أي جعلتك على وركي.
وادي السرر - بكسر السين المهملة وبضمها وفتح الراء: على أربعة أميال من مكة.

(5/365)


البهم بفتح الموحدة.
أطلان بفتح الطاء المهملة وباللام.
محببة - بضم الميم، والموحدة المشددة اسم مفعول وكذا مكرمة.
وافاها: [ لحق بها ] عسكروا بأوطاس: اجتمعوا.
نخلة - بالخاء المعجمة: اسم موضع.
بنو غيرة - بكسر الغين المعجمة، وفتح التحتية، وبالراء: بطن من ثقيف.
ربيعة - براء، فموحدة، فمثناة، فعين مهملة.
رفيع بالتصغير.
أهبان - بضم أوله.
العجان - بكسر العين المهملة، وبالجيم، والنون: ما بين الخصية وحلقة الدبر.
الثنية: الطريق في الجبل.
لية - بكسر اللام - وفتح التحتية المشددة: جبل بالطائف، كان به حصن مالك بن عوف.
سراقة - بضم السين المهملة.
رقيم - بضم الراء، وفتح القاف.
لوذان - بفتح اللام، وسكون الواو، وبالذال المعجمة.
زمعة - بفتح الزاي والميم وبسكونها، وبالعين المهملة.
جمح به فرسه: استعصى عليه.
الجناح - بلفظ جناح الطائر.
استحر القتل: اشتد وكثر.
وهو استفعل من الحر.
ذو الخمار: اسمه سبيع بن الحارث بن مالك لم يعلم له إسلام.
شرح غريب ذكر بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في برء جرح عائذ بن عمرو وفي الماء، ونهيه عن قتل النساء، وقوله: انا بن العواتك عائذ - بهمزة بعد الالف، فذال معجمة.
الثندؤة - بالثاء المثلثة، وسكون النون، وضم الدال المهملة ومن ضم الثاء: همز، ومن فتحها لم يهمز كالثدي للمرأة.

(5/366)


حشرج - بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وبالجيم.
سابلة: مستطيلة عريضة.
غرة الفرس: بياض في جبهته فوق الدرهم.
النطفة - بضم النون: والمراد بها هنا الماء الصافي القليل.
الاداوة بكسر أوله وبالدال المهملة: المطهرة.
رباح - بفتح الراء، وتخفيف الموحدة، وبالحاء المهملة.
ربيع بفتح الراء.
العسيف: الاجير لفظا ومعنى، وهو أيضا المملوك.
سيابة - بفتح السين المهملة وتخفيف التحتية وبالموحدة.
شرح غريب ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - من قتل قتيلا فله سلبه السلب - بفتح السين المهملة، واللام: ما يسلب، أي ينزع.
حبل العاتق: وهو الوريد، والعاتق: موضع الرداء من المنكب.
أجهضت عنه: غيبت عنه وأزيلت.
أسود بن خزاعي - بضم الخاء المعجمة.
ربعي بكسر الراء.
الجولة: حركة فيها اختلاط.
يختله - بفتح التحتية، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الفوقية: ياخذه على غرة.
فقطعت الدرع: أي التي كان لابسها، وخلصت الضربة إلى يده فقطعتها.
وجدت منها ريح الموت: أي شدتها.
أرسلني: أطلقني.
أمر الله: حكمه وقضاؤه.
لا ها الله - قال الجوهري: " ها " للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: ها الله ما فعلت كذا، قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله، أي لم يسمع لاها الرحمن، كما سمع لا والرحمن، قال: وفي النطق بها أربعة
أوجه، أحدها: هالله باللام بعد الالف، بغير إظهار شئ من الالفين، ثانيها مثله، لكن باظهار ألف واحدة بغير همز، ثالثها بثبوت الالفين وبهمزة قطع، رابعها بحذف الالف وثبوت همزة القطع، انتهى.
والمشهور في الرواية الثالث ثم الاول.

(5/367)


إذا - قال الحافظ أقوال كثيرة ممن تكلم على هذا الحديث: أن الذي وقع فيه بلفظ إذا خطأ، وإنما هو ذا تبعا لاهل العربية، ومن زعم أنه ورد في شئ من الروايات خلف ذلك فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض من قلد أهل العربية، قد ثبت في جميع الروايات المعتمدة والاصول المحققة من الصحيحين وغيرهما بكسر الالف، ثم ذال معجمة منونة، قال الطيبي: ثبت في الروايات " لاها الله إذن " والحديث صحيح " والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: أفعل كذا ؟ فقلت: لا والله إذن لا أفعل، فالتقدير: والله إذن لا يعمد إلى أسد..إلخ.
قال أبو العباس القرطبي: الذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صواب وليست بخطأ، وذلك أن الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك أن العرب تقول في القسم: آلله لافعلن، بمد الهمزة وبقصرها، فكأنهم عوضوا من الهمزة هاء فقالوا " هالله " لتقارب مخرجيها، وكذلك قالوا: " ها " بالمد والقصر، وتحقيقه أن الذي مد مع الهاء كانه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفا، إستثقالا لاجتماعهما، كما تقول: " آلله ".
والذي قصر كانه نطق بهمزة واحدة كما تقول: " الله ".
وأما إذا فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل الذي وقعت في قوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال " أينقص الرطب إذا جف " قالوا: نعم قال: " فلا إذن " فلو قال: فلا والله إذا كان مساويا لما وقع هنا - وهو قوله: " لاها الله إذا " من كل وجه، لكنه لم يحتج هنا إلى القسم فتركه، قال: فقد وضح تقدير الكلام ومناسبته واستقامته معنى ووضعا من غير حاجة إلى تكلف بعيد يخرج عن البلاغة، ولا سيما من ارتكب وأبعد وأفسد، فجعل " الهاء " للتنبيه " وذا للاشارة، وفصل بينهما بالمقسم به، قال: وليس هذا قياسا فيطرد، ولا فصيحا فيحمل عليه الكلام النبوي، ولا مرويا
برواية ثابتة.
قال: وما وجد للعذري والهروي في مسلم " لا ها الله ذا " فاصلاح ممن اغتر بما حكي عن بعض أهل العربية، والحق أحق أن يتبع.
وقال أبو جعفر الغرناطي نزيل حلب - رحمه الله تعالى - استرسل جماعة من القدماء في هذا الاشكال إلى أن جعلوا المخلص من ذلك أن اتهموا الاثبات في التصحيف فقالوا: الصواب " لا ها الله ذا " باسم الاشارة، قال: ويا عجبا من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة.
ويطلقون لها تأويلا، وجوابهم أن " ها الله " لا يستلزم اسم الاشارة.
كما قال ابن مالك، وأما من جعل لا يعمد جواب فارضه فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه وإنما هو جواب شرط مقدر يدل قوله " إن صدق فارضه " فكان " أبو بكر " قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب إذا لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا صحيح لان صدقه سبب الا يفعل ذلك، قال: وهذا واضح لا تكلف فيه، قال الحافظ: فهو توجيه حسن، والذي قبله أقعد ويؤيده كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الاحاديث.
وسردها الحافظ، وبسط الكلام على

(5/368)


هذا اللفظ هو والشيخ في شرح الموطأ، فمن أراد الزيادة على ما هنا فليراجع كلامهما رحمهما الله تعالى.
لا يعمد بالتحتية للاكثر، وللنووي بالنون: أي لا يقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى رجل كانه أسد في الشجاعة يقاتل يقاتل على دين الله ورسوله - فيأخذ حقه ويعطيكه بغير طيبة من نفسه.
كلا: حرف ردع وزجر.
أصيبغ بمهملة، ثم معجمة عند القابسي.
وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر، قال ابن التين: وصفه بالضعف والمهانة.
والاصيبغ نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف يقال له الصيغا إذا طلع من الارض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابي، وهذا على رواية القابسي، وعلى الرواية الثانية تكون تصغير الضبع على غير قياس، كانه لما عظم أبو قتادة " بانه أسد صغر خصمه وشبهه بالضبع لضعف افتراسه، وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك:
أضيبع - بمعجمة وعين مهملة - تصغير أضبع، ويكنى به عن الضعيف.
ويدع - بالرفع والنصب والجزم أي يترك.
صدق: أي القائل.
فاعطه - بصيغة الامر، يقول: اعترف بان السلب عنده.
المخرف - بفتح الميم، والراء، وسكون الخاء المعجمة بينهما، ويجوز كسر الراء، أي بستانا سمي بذلك لانه يخترف منه التمر أي يجتنى، وأما بكسر الميم فهو اسم الالة التي يخترف بها.
في رواية خرافا - بكسر الخاء: وهو التمر الذي يخترف أي يجتنى، وأطلقه على البستان مجازا فكأنه قال: بستان خراف.
في بني سلمة - بكسر اللام: بطن من الانصار، وهم قوم أبي قتادة.
تاثلته بالفوقية والثاء المثلثة: أي تاصلته، وأثلة كل شئ أصله.
اعتقدته جعلته عقدة، والاصل فيه من العقد لان من ملك شيئا عقد عليه.
نتضحى معه: ناكل وقت الضحى.
انتزع طلقا: قيدا من جلود.
من حقبه - بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ثيله.
رقة من الظهر: ضعف.

(5/369)


ناقة ورقاء في لونها بياض إلى السواد ويضرب لونها إلى الخضرة.
اخترط سيفه: سله من غمده، وهو افتعل من الخرط.
الوبرة من البعير - بفتح الواو والموحدة.
عيينة - بضم العين المهملة وكسرها وفتح التحتية الاولى وسكون الثانية.
حصن - بكسر الحاء، وسكون الصاد المهملتين، وبالنون.
ابن الاضبط - بوزن الاحمر بالضاد المعجمة، والموحدة، والطاء المهملة.
محلم - بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر اللام المشددة، وبالميم.
جثامة - بفتح الجيم، وتشديد الثاء المثلثة وبعد الالف ميم مفتوحة وتاء تأنيث واسمه زيد بن قيس.
خندف - بكسر الخاء المعجمة وسكون النون، وكسر الدال المهملة، وبالفاء.
مكيتل - بضم الميم، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وكسر الفوقية، واللام، ويروى بكسر الثاء المثلثة، وباللام.
الشكة بكسر الشين المعجمة: السلاح.
والرجل المجتمع: الذي بلغ أشده.
غرة الاسلام بالغين المعجمة أوله " فورنا " بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء هنا: الوقت الحاضر: الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها يؤزونه - بالزاي يغرون ويهيجون.
ضرب - بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء، وبالموحدة، وهو هنا الخفيف اللحم الممشوق المستدق.
آدم - بالمد: أسمر.
ينفذ به الناس - بالنون، والفاء، والذال المعجمة: يسمعهم.
الحصين - بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين مصغر.
نهيك - ككريم - آخره كاف.
غمرة - بغين - معجمة مفتوحة، فميم ساكنة: منهل من مناهل طريق مكة، يصل بين تهامة ونجد.
أطأ الخبر: أعلنه وأبينه.

(5/370)


معدن - بفتح الميم، وكسر الدال المهملة.
سليم - بضم السين.
المصلى - بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، واللام المشددة: موضع الصلاة، وهو موضع مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم في الاعياد خارج المدينة بالعقيق معروف.
شرح غريب شعر العباس بن مرداس رضي الله عنه الرابية: المكان المرتفع.
إخال - بالخاء المعجمة.
يخايره: يقول أنا خير منه.
المخير - بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة: يغلبه في الخير.
قسي - بفتح القاف، وكسر السين المهملة، وتشديد التحتية: تقدم.
وج - بفتح الواو وتشديد الجيم: موضع بالطائف.
الغابات - جمع غابة.
ضاحية - بالضاد المعجمة، والحاء المهملة: بارزة لا تخفى نؤم: نقصد.
الحنق - بالحاء المهملة والنون: الغضب.
يغوروا - بالغين المعجمة: يذهبوا.
لية - بكسر اللام تقدم.
ثم - بفتح الثاء المثلثة.
النصور - بضم النون، والصاد المهملة: يعني بني نصر.
تمور: تسيل.
ويروى قوله: بني خطيط بالخاء المعجمة والحاء المهملة، وبطاءين مهملتين بينهما تحتية.
زور - بضم الزاي: مائلة.
سنن المنايا - بفتح السين والنون: طرقها.
الجريض - بفتح الجيم، وكسر الراء، وسكون التحتية، وبالضاد المعجمة الساقطة: المنخنق بريقة.

(5/371)


التواني: الفترة، والابطاء والكسل.
الغلق - بفتح الغين المعجمة، وكسر اللام: الكثير الحرج كانه تنغلق عليه أموره.
الصريرة - تصغير صرورة: وهو الذي لا ياتي النساء وهو في الاسلام الذي لم يحج.
الحصور - بفتح الحاء، وضم الصاد المهملتين: وهو هنا العيي.
أحانهم: أهلكهم.
تميح: تمشي مشيا حسنا.
الفصافص - بفتح الفاء، وكسر الثانية بعد كل صاد مهملة جمع فصفصة: وهو النبات الذي تأكله الدواب.
عمموها - بضم العين وكسر الميم الاولى: أسندت إليهم وقدموا لها.
يمن بضم التحتية وسكون الميم.
الجدود: الحظوظ.
أنوف الناس: المقدمون فيهم.
ما سمر السمير: أي أهله، فحذف المضاف ويكون فيهم السمير، أسماء الجماعة السمار.
غزية - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد التحتية.
العنقفير - بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح القاف، وكسر الفاء، وسكون التحتية، وبالراء: من أسماء الداهية.
شرح غريب قصيدة العباس بن مرداس - رضي الله عنه - العينية عفا: درس.
المجدل - بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح الدال المهملة، وباللام: وهو هنا بلد طيب بالخابور إلى جانبه، عليه قصر، والاصل فيه اسم القصر، ويقال الحصن.
ومتالع - بضم الميم، وكسر اللام: جبل بنجد، وبناحية البحرين بين السودة والاحساء، وقيل: جبل لغني: وقيل: لبني عبيلة، وقيل: اسم ماء في شرقي الظهران عند الفوارة في جبل القنان.
المطلى - بكسر الميم، وسكون الطاء المهملة يمد ويقصر: أرض تقعد الرجل عن المشي.

(5/372)


أريك - بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون التحتية، وبالكاف: موضع في ديار غني أو ذبيان.
المصانع - بفتح الميم، وتخفيف الصاد المهملة، وبعد الالف نون، فعين مهملة: مواضع تصنع للماء، تشبه الصهاريج.
جمل - بجيم مضمومة، فميم ساكنة، فلام: اسم امرأة، لا ينصرف للعلمية والتانيث المعنوي.
جل - بضم الجيم: معظم.
الرخي: الواسع.
صرف الدهر: تغيره.
حبيبية - بضم الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتانية الاولى وكسر الموحدة، وفتح التحتية المشددة: منسوبة إلى بني حبيب بالتصغير، وحبيبة منسوبة إلى بني حبيب بوزن عليم وحبيبية تصغير حبيبة، وكلها روايات.
ألوت: ذهبت.
غربة - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح الموحدة، فتاء تأنيث: بعد.
النوى: الفراق.
ملومة - من اللوم: وهو العتاب.
خزيمة - بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي، وسكون التحتية بن جزئ بفتح الجيم وقيل بضمها وكسر الزاي، وآخره بعد المد همزة، أو تسهل فتصير الياء مدغمة كذا ذكر الحافظ في التبصير.
وقال في الاصابة: إنه بكسر الزاي.
وقال في التقريب: بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها همزة: صحابي.
والمرار - بفتح الميم، وتشديد الراء، وبعد الالف راء أخرى ابن صحابي.
وواسع: صحابي أيضا لم أقف على اسم أبويهما الثلاثة سليميون.
وفدوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
لبوس - بفتح اللام، وضم الموحدة المخففة.
رائع - براء، وبعد الالف تحتية، وبعين مهملة: معجب.

(5/373)


الاخشبان - بالخاء، والشين المعجمتين فموحدة، يضافان مرة إلى مكة، ومرة إلى منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس، والاخر قعيقعان، ويقال بل الجبل المشرق الاحمر هنالك وقال.
ابن وهب: الاخشبان: الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد.
يد الله - منصوب على التعظيم.
نبايع: نقدم عليه.
جسنا: وطئنا، قال تعالى (...فجاسوا خلال الديار...) [ الاسراء 5 ]: تخللوها فطلبوا ما فيها.
عنوة - بفتح العين المهملة: قهرا.
النقع - بفتح النون، وسكون القاف، وبالعين المهملة: الغبار.
كاب - بالموحدة: مرتفع.
ساطع: متفرق.
علانية - بعين مهملة مفتوحة فلام فالف فنون مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث: أي جهرا من غير استخفاء.
الخيل مبتدأ.
متونها: مفعول مقدم، والفاعل: حميم، وهو هنا العرق.
آن - بمد الهمزة: الدم المسخن الحار.
ناقع - بنون وبعد الالف قاف مكسورة فعين مهملة: طري، وقال أبو ذر: كثير.
الاضالع - جمع ضلع، بضاد معجمة مكسورة، فلام مكسورة وقد تسكن تخفيفا فعين مهملة سمي بذلك من الضلع وهو الاعوجاج.
الضحاك بن سفيان السلمي وليس الكلبي كما ذكره ابن البرقي.
لا يستفزنا: يستخفنا.
قراع الاعادي - بقاف مكسورة فراء فالف فعين: ضربهم.
أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدام.
يخفق: يضطرب.
الخذروف - بضم الخاء، وسكون الذال المعجمة فراء مضمومة، فواو ساكنة، ففاء: البرق اللامع المتقطع منها، وقال أبو ذر: خذروف السحابة طرفها، وأراد به هنا السرعة في تحرك هذا اللواء واضطرابه.

(5/374)


معتص بالسيف - بميم مضمومة، فعين مهملة ساكنة، ففوقية مفتوحة، فصاد مهملة، قال في الاملاء: أي ضارب، يقال: اعتصوا بالسيوف إذا ضاربوا بها، وفي الصحاح: العصى مقصور مصدر قولك عصي - بالكسر - بالسيف يعصى: إذ ضرب، وفلان يعتصى على عصى: أي
يتوكأ عليها، ويعتصي بالسيف: أي يجعله عصى.
كانع - بنون مكسورة، فعين مهملة: حاضر نازل، وفي الاملاء أنه يقال: كنع به عند الموت إذا دنا.
نذود أخانا من أخينا: أي يريد أنه من سليم، وسليم من قيس كما أن هوازن من قيس كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، والمعنى: نقاتل إخوتنا ونذودهم، أي نمنعهم عن إخوتنا من سليم.
ولو نرى: أي حكم الدين.
مصالا: بفتح الميم، وبالصاد المهملة: من الصولة.
لكنا الاقربين: يعني هوازن.
نتابع بنون ففوقية.
ولكن - بتشديد النون.
دين الله بالنصب - اسم لكن.
دين محمد بالرفع: خبرها.
حمه الله - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم فهاء حمه: أي قصده، يقال حمتت حمك، أي قصدت قصدك.
شرح غريب قصيدة العباس الرائية قوله: العائر - بعين مهملة وبعد الالف تحتية وبالراء: وجع العين.
سهر - بكسر الهاء: اسم فاعل من السهر، وهو امتناع النوم، وجعله سهرا، وإنما السهر أمر جميل لانه لم يفتر فكأنه قد سهر ولم ينم.
الحماطة - بفتح الحاء وتخفيف الميم وبعد الالف طاء مهملة فتاء تأنيث: وهي هنا بزة تكون في جفن العين، وقال في الروض: هي من ورق الشجر ما فيه خشونة.
أغضى - بالعين، والضاد المعجمتين وزن أعطى.
الشفر - بضم الشين المعجمة، والفاء.
قال في الاملاء: جفون العين.

(5/375)


تاوبها - بفوقية، فهمزة مفتوحة، فواو مشددة مفتوحة فموحدة،: جاءها مع الليل.
الشجو - بفتح الشين المعجمة، وسكون الجيم وبالواو: الحزن.
الارق - بفتح الهمزة والراء والقاف: السهر، وهو امتناع النوم.
والماء: المراد به هنا الدمع.
يغمره - بالغين المعجمة وضم الميم: يغطيه.
طورا: تارة.
السلك - بكسر السين المهملة، وسكون اللام، وبالكاف: الخيط الذي ينظم فيه.
منبتر - بميم مضمومة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة ففوقية مثناة: أي منقطع، ويروى منتثر - بالنون ففوقية فثاء مثلثة.
الصمان - بضم الصاد المهملة، وتشديد الميم، وبعد الالف نون: موضع إلى جنب أرض عالج، أي بالعين المهملة، فالف، فلام مكسورة فجيم: مكان بالبادية كثير الرمال.
الحفر - بفتح الحاء المهملة والفاء، كما ذكره أبو عبيد البكري، والحازمي وخلائق: اسم لعدة مواضع والله أعلم أيها أراد العباس.
وقول من قال يعني به: حفر الذي بالكوفة أو بالبصرة ليس ببين لان العباس قال هذه القصيدة في غزوة حنين، والبصرة والكوفة حدثتا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بدهر.
الزعر - بفتح الزاي والعين: قلة الشعر، وفي نسخة: الذعر - بالذال المعجمة والعين المهملة المضمومتين: وهو الفزع.
البلاء - بفتح الموحدة: الصنع.
سليم الاولى والثانية - بضم السين المهملة وفتح اللام.
مفتخر - بالخاء المعجمة.
مشتجر - بكسر الجيم.
لا يغرسون فسيل النخل - بفتح الفاء وكسر السين المهملة، فتحتية ساكنة، فلام والجمع فسلات، وهو الودي بفتح الواو، وكسر الدال وتشديد التحتية: النخل.
وسطهم - باسكان السين، وإن جاز فيه الفتح من حيث اللغة، لكنه ساكن لاجل الوزن مضموم الميم يعير بلك أهل المدينة الشريفة.
ولا تخاور - بفوقية، فخاء معجمة، فالف، فواو مفتوحة وبالراء من الخوار، وهو أصوات

(5/376)


البقر، ويروى: يجاور بالجيم والراء، ويحاوز بالحاء المهملة والزاي، وصوب في الاملاء الاول.
السوابح - بفتح السين المهملة وبعد الالف موحدة مكسورة: جمع سابح يقال: سبح الفرس في جريه فهو سابح.
العقبان - جمع كثرة للعقاب، وهو طائر من الجوارح، ولفظه مؤنث.
مقرب - بضم الميم، وسكون القاف وفتح الراء وبالموحدة، الفرس الذي يدنى ويكرم والانثى مقربة ولا تترك أن ترود وإنما يفعل ذلك بالاناث لئلا يقرعها فحل لئيم.
الدارة: أخص من الدار.
الاخطار - جمع خطر - بكسر الخاء المعجمة وإسكان الطاء المهملة والراء، وهو القطيع من الابل.
العكر - بفتح العين المهملة والكاف، ويجوز إسكانها، وهنا محركة لا غير للوزن: جمع عكرة: وهو القطيع الضخم من الابل ما بين الخمسين إلى المائة، وقيل: الخمسون إلى الستين إلى السبعين، وقيل إلى المائة، وقيل ما فوق الخمسمائة من الابل، يقال: أعكر الرجل إذا كان عنده عكرة.
خفاف - بضم أوله، وتخفيف الفاء - بن عمير بن الحارث بن رشيد السلمي المعروف بابن ندبة - وهو أمه، كان من فرسان قيس وشعرائها المذكورين، شهد حنينا، وثبت
على إسلامه في الردة.
وعوف بن مالك بن أبي عوف الاشجعي شهد الفتح وكانت معه راية أشجع - رضي الله عنه.
وحي ذكوان - بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف.
الميل: بكسر الميم وإسكان التحتية وباللام جمع أميل: وهو الذي لا سلاح معه.
الضجر - بضم الضاد المعجمة والجيم، جمع ضجور، والضجر: الحرج وسوء الاحتمال.
الضاربون: جمع ضارب.
جنود - بالنصب: مفعول اسم الفاعل.
ضاحية - بفتح الضاد المعجمة، وبعد الالف حاء مهملة مكسورة، فتحتية فتاء تأنيث: منكشفة بارزة.
الظاهر بالظاء المعجمة المشالة وهو من الارض ما غلظ منها.

(5/377)


منقعر: منقلع من أصله.
ينجاب - بفتح التحتية وسكون النون وبالجيم والموحدة: ينكشف.
الساطع هنا: الغبار.
كدر: متغير إلى السواد.
تحت اللواء مع الضحاك، يقدمنا: كذا في الرواية، وقال في الاملاء، ورواه الخشني: تحت اللوامع.
والضحاك هو ابن سفيان السلمي.
الليث - بالثاء المثلثة من أسماء الاسد.
الخدر: الداخل في خدره، والخدر هنا غابة الاسود.
المأزق - بهمزة ساكنة: بعد الميم، والزاي المكسورة وبالقاف: موضع الحرب، وأصله
الضيق.
الكلكل - بفتح الكافين وإسكان اللام الاولى: الصدر.
يكاد يقرب: يافل - بضم الفاء: يغرب.
تاوب - بتشديد الواو المفتوحة وبالموحدة: رجع.
منازلهم: بالنصب.
إلا قد أصبح بالنقل للوزن.
شرح غريب قصيدته السينية قوله: تهوي به: تسرع.
الوجناء - غليظة الوجنات بارزتها، وذلك يدل على غور عينيها، وهم يصفون الابل بغور العينين عند طول السفاد، ويقال في الوجنة من الآدميين رجال موجنة وامرأة موجنة، ولا يقال وجناء.
مجمرة: مجتمعة منضمة.
المناسم - جمع منسم، بفتح الميم، وسكون النون وكسر السين المهملة، وهو مقدم طرف خف البعير.
العرمس - بكسر العين المهملة، وسكون الراء، وكسر الميم وبالسين المهملة: الحجارة الصلبة، تشبه بها الناقة الشديدة الجلدة، وهي المراد هنا.
المطي - جمع مطية: البعير لانه يركب مطاه أي ظهره.

(5/378)


تقدع - بفتح الفوقية، وسكون القاف، وفتح الدال، وبالعين المهملة: تكف.
الكماة - بضم الكاف.
الشجعان واحدهم كمي.
تضرس - بضم الفوقية، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء، وبالسين المهملة، قال في الاملاء: تجرح، وقال في الروض: تضرب أطرافها باللجم، يقال ضرس أي أصيبت أضراسه،
كما تقول: راس أي أصبت راسه.
سال: ارتفع.
الافناء - كاحمال: هنا أخلاط الناس.
بهثة - بفتح الموحدة وسكون الهاء، وبالثاء المثلثة، وبتاء التأنيث: قبيلة من سليم.
المخارم - بالخاء المعجمة والراء: الطرق في الجبال، واحدها مخرم.
ترجس - بالجيم: تهتز وتتحرك.
الفيلق - بالفاء المفتوحة فالتحتية الساكنة، فاللام، فالقاف: الجيش.
شهباء: كثيرة السلاح.
الهمام - بضم الهاء: السيد.
الاشوس - بفتح أوله وسكون الشين المعحمة، وفتح الواو، وبالسين المهملة: الذي ينظر بمؤخر عينيه متكبرا.
الاغلب: الشديد الغليظ.
محكمة: متقنة.
الدخال - بكسر الدال المهملة وبالخاء المعجمة واللام: يعني نسيج الدروع.
القونس - بفتح القاف، وسكون الواو، وفتح النون وبالسين المهملة: أعلى بيضة الخوذة.
يروي - بضم التحتية، وسكون الراء.
القناة - بالقاف والنون: الرمح.
الوغى - بفتح الواو، والغين المعجمة: الحرب.
تخاله: تظنه.
العضب - بفتح العين المهملة، وسكون الضاد المعجمة الساقطة وبالموحدة: السيف القاطع.

(5/379)


لدن - بفتح اللام وسكون الدال المهملة اللين من كل شئ: مدعس: بكسر الميم وسكون الدال، وفتح العين وبالسين المهملتين - الشديد من الرماح الغليظ.
العرندس - بفتح العين وبالسين المهملتين الاسد الشديد.
دريئة - من روى دريئة بالهمز فمعناه: مدافعة، ومن رواه درية بتشديد التحتية فمعناه: تستر، وفي الروض الدرية: الحلقة التي يتعلم عليها الرمي: أي كانوا كالدرية للرماح.
والشمس يومئذ عليهم أشمس، يريد لمعان الشمس في كل بيضة من بيضات الحديد كأنها شمس، وهو معنى صحيح وتشبيه مليح.
كفت: قلبت ومنعت.
الاخاوة: مصدر أخا وآخى، والمعنى طلب اتخاد الأخوة.
العير - بفتح المهملة: حمار الوحش.
تعاقبه السباع: مفرس - بضم الميم، وفتح الفاء، والراء المشددة وبالسين المهملة: تعتور فرسته السباع.
شرح غريب قصيدته الهائية قوله: الحواسر: الجموع الذين لا درع عليهم، ويقال: رجل حاسر إذا لم يكن عليه درع.
عامل الرمح: أعلاه.
يذود - بالذال المعجمة، وبعد الواو المهملة: يطرد.
حومة الموت: معظمه.
شاجره: مخاصمه ومخالطه، ويحتمل أن يكون شاجره هنا مخالطه بالرمح، يقال شجرته بالرمح إذا طعنته به وشجرت الرماح إذا دخل بعضها في بعض.
بطانة الرجل: من كان حاط به مطلعا على سره.
الشعار: ما يلي جسد الانسان من الثياب، فاستعاره هنا.
شرح غريب قصيدته الميمية قوله قديدا: تصغير قد، اسم موضع.
تماروا بنا: شكوا فينا.

(5/380)


فتيان - جمع فتى.
الغاب بالمعجمة هنا: الرماح.
دفاع - بضم الدال المهملة وتشديد الفاء.
الاتي - بفتح أوله، وكسر الفوقية، وتشديد التحتية: السيل ياتي من بلد إلى بلد.
العرمرم: الكثير الشديد.
سراة: سادتهم.
تسلما - بتشديد اللام، يريد في سليم من اعتزى أي انتهى إليهم من حلفائهم فتسلم بذلك كما تقول تقيس الرجل إذا اعتزى إلى قيس.
وحب إلينا - بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة فعل ماض وأصله حبب - بضم الموحددة، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية.
النهي - بفتح النون، وكسرها، وسكون الهاء، وآخره تحتية: الغدير من الماء.
يلملما - بفتح التحتية، واللامين، وسكون الميم بينهما: اسم موضع.
الحصان - بكسر الحاء المهملة: الفرس العتيق، ثم كثر حتى سمي به كل ذكر من الخيل.
الورد - بلفظ المشموم، ما بين الكميت والاشقر.
يسوما - بضم التحتية وتشديد الواو: يعلم نفسه بعلامة يعرف بها.
لدن: ظرف مكان بمعنى عند.
غدوة - بالنصب والتنوين.
دوافعه: مجاري السيول فيها.
زفه - بالزاي، والفاء: ساقه سوقا رفيقا.
قد أحجما - بحاء مهملة، فجيم: رجع وانقبض.
وأحجم بالجيم فالحاء بمعناه.
الطمرة: الفرس السريعة الوثابة.
محطم: مكسر.
السرب - بفتح السين وسكون الراء: المال الراعي.

(5/381)


الباب التاسع والعشرون في غزوة الطائف
لما قدم فل ثقيف الطائف رموا حصنهم وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وتهيئوا للقتال، وكانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا وجمعوا حجارة كثيرة، وأعدوا سككا من الحديد وأدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل وغيرهم، وأمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يامنون فيه، وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فاتى خالد الطائف فنزل ناحية من الحصن، وقامت ثقيف على حصنها بالرجال والسلاح، ودنا خالد في نفر من أصحابه فدار بالحصن من كان متنحيا عنه، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى باعلى صوته: ينزل إلي بعضكم أكلمه وهو آمن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم، وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم.
قالوا: لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا، وقالوا: يا خالد إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا.
قال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر، وبعث رجلا واحدا إلى فدك فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، حصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياما، ثم
نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد ثم سبى الذرية، ثم دخل مكة فافتتحها وأوطأ هوازن في جمعها، وأنتم في حصن في ناحية من الارض، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم.
قالوا: لا نفارق ديننا، ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله.
وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خالد ولم يرجع إلى مكة، ولا بها عرج على شئ إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شئ وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم.
وكان مسيره في شوال سنة ثمان، وقال شداد بن عارض الجشمي - رضي الله عنه - في مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر ؟ إن التي حرقت فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - فسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني من حنين إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى، بها مسجدا فصلى فيه، وأقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الاسلام، أتي برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به.
وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم.
وصلى الظهر بلية.
ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة،

(5/382)


فلما توجه إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسال عن اسمها فقيل: عن اسمها فقيل: الضيقة، فقال: " بل هي اليسرى " فخرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، قد تمنع فيه، فارسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إما أن تخرج وإما أن نحرق عليك حائطك " (1) فابى أن يخرج فامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باحراقه.
ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بقبر أبي رغال،
وما وقع في ذلك من الايات روى ابن إسحاق، وأبو داود، والبيهقي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم " هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه " (2).
قال: فابتدره الناس فنبشوه فاستخرجوا منه الغصن.
ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - الطائف قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى -: ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب عسكره، وأشرفت ثقيف على حصنهم - ولا مثال له في حصون العرب - وأقاموا رماتهم، وهم مائة رام، فرموا بالسهام والمقاليع من بعد من حصنهم، ومن دخل تحت الحصن دلوا عليه سكك الحديد محماة بالنار يطير منها الشرر، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كانه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع - صلى الله عليه وسلم - إلى موضع مسجده اليوم، الذي بنتهه ثقيف بعد إسلامها، بناه أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم حتى يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما فبتين وكان يصلي بين القبتين طول حصار الطائف كله، وقال عمرو بن أمية الثقفي - وأسلم بعد ذلك، ولم يكن عند العرب أدهى منه - لا يخرج إلى محمد أحد إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، ودعوه يقيم ما أقام، وأقبل خالد بن الوليد ونادى: من يبارز ؟ فلم يطلع إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، فنادى عبد
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 925.
(2) أخرجه أبو داود (3088) وعبد الرزاق (20989) والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 156 وفي الدلائل 6 / 297، 7 / 497.
(*)

(5/383)


ياليل: لا ينزل إليك أحد، ولكنا نقيم في حصننا، خبانا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك باسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا.
فقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرمي عليهم وهو يقاتلونه بالرمي من وراء الحصن، فلم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات له من ثقيف بالنبل، وقتل جماعة من المسلمين.
ذكر بعثه مناديا ينادي: من نزول من العبيد فهو حر قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير: حدثني عبد الله بن المكرم الثقفي، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر " فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا: المنبعث، وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبعث حين أسلم، وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب، وكان جوادا روميا، والازرق بن عقبة بن الازرق وكان عبدا لكلدة - بفتح الكاف وسكون اللام، وبالدال المهملة - الثقفي ثم صار حليفا في بني أمية، ووردان وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة الثقفي، ويحنس - بضم التحتية وفتح الحاء المهملة والنون المشددة وبالسين المهملة - النبال وكان عبدا ليسار بن مالك الثقفي، وأسلم سيده بعد، فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه ولاءه، وإبراهيم بن جابر، وكان عبدا لخرشة - بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة الثقفي، ويسار، وكان عبدا لعثمان بن عبد الله.
وأبو بكرة نفيع - بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية - بن مسروح - بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء وبالحاء المهملة - وكان عبدا للحارث بن كلدة، وإنما كني بابي بكرة لانه نزل في بكرة من الحصن، ونافع أبو السايب وكان عبدا لغيلان بن سلمة، فاسلم غيلان بعد، فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولاءه إليه، ونافع بن مسروح، ومرزوق غلام لعثمان بن عبد الله.
وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الطائف " من خرج إلينا من العبيد فهو حر " فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فاعتقهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
وروى الشيخان عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة - وكان قد تسور حصن الطائف قالا: سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام " (2).
وفي رواية نزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة
__________
(1) أخرجه أحمد 1 / 248 وابن سعد 2 / 1 / 115، وانظر المجمع 4 / 245 والبداية 4 / 347.
(2) أخرجه البخاري 12 / 54 (6766)، ومسلم 1 / 80 (115 / 63).
(*)

(5/384)


وعشرون من الطائف - فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم - فاعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان الازرق، إلى خالد بن سعيد بن العاص، وكان وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص، وكان يحنس النبال إلى عثمان بن عفان، وكان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة، وكان إبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير وأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرئوهم القران، ويعلموهم السنن، فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، منهم الحارث بن كلدة يردونهم إلى الرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم " (1).
ذكر رميه - صلى الله عليه وسلم - حصن الطائف بالمنجنيق قال محمد بن عمر: قالوا: وشاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فقال له سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنينق على حصنهم، فانا كنا بارض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون.
وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن منجنيق طال الثواء، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف، وهو أول منجنينق رمي به في الاسلام.
وروى ابن سعد عن مكحول - رحمه الله تعالى - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق
على أهل الطائف أربعين يوما، ويقال: قدم به يزيد بن زمعة بن الاسود وبدبابتين، ويقال: الطفيل بن عمرو، ويقال: خالد بن سعيد قدم من جرش بمنجنيق وبدبابتين، ونثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسك، شقتين من حسك من عيدان حول حصنهم، ودخل المسلمون من تحت الدبابة، وهي من جلود البقر.
وذلك اليوم يقال له الشدخة لما شدخ فيه من الناس، ثم زحفوا بها الى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف بسكك الحديد المحماة بالنار، فحرقت الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال فامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها، قال عروة: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات، فقطع المسلمون قطعا ذريعا.
فنادت ثقيف: لم تقطع أموالنا ؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فاني أدعها لله وللرحم فتركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكان رجل يقوم على الحصن فيقول: روحوا رعاء الشاء روحوا جلا بيب محمد أتروننا نبتئس على أصبتموها من كرومنا ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم روح مروحا إلى النار ".
__________
(1) انظر نصب الرابة 3 / 281.
(*)

(5/385)


قال سعد بن أبي وقاص فأرميه بسهم فوقع في نحره فهوى من الحصن ميتا، فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
ذكر استئذان عيينة بن حصن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اتيان أهل الطائف يدعوهم إلى الاسلام، وما وقع في ذلك من الايات روى أبو نعيم والبيهقي عن عروة بن الزبير - رحمه الله تعالى - قال استاذن عيينة ابن حصن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ياتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله تعالى - أن يهديهم، فاذن له، فأتاهم ودخل في حصنهم، وقال بابي أنتم تمسكوا بمكانكم فو الله لنحن باذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به حدث ليملكن العرب عزا ومنعة، وإياكم أن تعطوا بايديكم، ولا يتكاثر
عليكم قطع هذا الشجر، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: " ما قلت لهم يا عيينة ؟ " قال: أمرتهم بالاسلام، ودعوتهم إليه، وحذرتهم النار، ودللتهم على الجنة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كذبت، بل قلت لهم كذا وكذا " (1) وقص عليه قوله، فقال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك.
ذكر اشتداد الامر وحثه - صلى الله عليه وسلم - على الرمي قال: وعن عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - حاصرنا قصر الطائف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعته يقول: " من بلغ بسهم فله درجة في الجنة " فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، وسمعته يقول: " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فان الله سبحانه وتعالى جاعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فان الله عز وجل جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها في النار " (2) رواه يونس بن بكير وأبو داود الترمذي وصححه النسائي.
ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن دخول المخنثين على النساء روى يونس بن بكير في زيادة المغازي، والشيخان عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كان عندي مخنث - وهو في عرف السلف: الذي لاهم له إلى النساء لا غير ذلك.
كما سيأتي:
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 157.
(2) اخرجه أبو داود (3965) وأحمد 4 / 384 والنسائي 7 / 104، والحاكم 3 / 50 واحمد 4 / 113، والبيهقي في الدلائل 5 / 159، وفي السنن 10 / 272.
(*)

(5/386)


فقال لعبد الله أخي: إن فتح الله عليكم الطائف غدا فاني أدلك على ابنه غيلان فانها تقبل باربع وتدبر بثمان.
فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله.
فقال: " لا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا
تدخلن هؤلاء عليكن " وكانوا يرونه من غير أولى الاربة من الرجال، قال ابن جريج: اسمه هيت.
قال ابن إسحاق: كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له ماتع يدخل على نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكون في بيته ولا يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يفطن لشئ من أمور النساء مما يفطن الرجال إليه، ولا يرى أن له في ذلك إربا، فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطائف فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان، فانها تقبل باربع وتدبر بثمان.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمع هذا منه " لا أرى الخبيث يفطن لما أسمع " ثم قال لنسائه " لا تدخلنه عليكن " فحجب عن بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
ذكر منام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على عدم فتح الطائف حينئذ واذنه بالرجوع واشتداد الرجوع على الناس قبل الفتح قال ابن إسحاق: وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابي بكر: " إني رأيت أنى أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك، فهراق ما فيها " فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا لا أرى ذلك ".
وروى محمد بن عمر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف، استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نوفل بن معاوية الديلي - رضي الله عنه - فقال: " يا نوفل ما ترى في المقام عليهم " قال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق: ثم إن خولة بنت حكيم السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله، اعطني، إن فتح الله عليك الطائف - حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل - وكانتا من أحلى نساء ثقيف - فروى: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: " وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة ؟ " فخرجت خولة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة ؟ " زعمت
أنك قلته ؟ قال " قد قلته " قال " أو ما أذن فيهم " قال: " لا " قال: أفلا أوذن الناس بالرحيل ؟ قال: " بلى " فاذن عمر بالرحيل.
__________
(1) أخرجه البخاري (4324، 4325)، ومسلم 3 / 1715 (32)، والبيهقي في السنن الكبرى 8 / 224، وفي الدلائل 5 / 161.
(*)

(5/387)


وروى الشيخان عن ابن عمرو أو ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: لما حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطائف ولم ينل منهم شيئا قال " إنا قافلون غدا إن شاء الله تعالى، فثقل عليهم، وقالوا: أنذهب ولا نفتح ؟ وفي لفظ فقالوا: لا نبرح أو نفتحها، فقال: " اغدوا على القتال " فغدوا فقاتلوا قتالا شديدا، فأصابهم جراح، فقال: " إنا قافلون غدا إن شاء الله تعالى " قال: فاعجبهم، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عروة - رحمه الله تعالى - كما رواه البيهقي - وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس أن لا يسرحوا ظهرهم، فلما أصبحوا، ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ودعا حين ركب قافلا وقال: " اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم " (1).
وروى الترمذي - وحسنه عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال يا رسول الله أحرقتنا نار ثقيف، فادع الله - تعالى - عليهم فقال: " اللهم اهد ثقيفا وأت بهم " (2).
قال ابن إسحاق في رواية يونس وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصر أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم وفدهم في رمضان فاسلموا، قلت: وسيأتي بيان ذلك في الوفود إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق في رواية زياد: " وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين يوما وقيل: بضع عشرة ليلة " قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك.
وروى الامام أحمد، ومسلم عن أنس أنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة واستغربه في البداية.
قال محمد بن عمر: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: " قولوا لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الاحزاب وحده " فلما ارتحلوا واستقبلوا قال: " قولوا آيبون، إن شاء الله تائبون عابدون لربنا حامدون ".
ذكر من استشهد من المسلمين بالطائف وهو اثنا عشر رجلا سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.
وعرفطة - بضم العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وبالطاء المهملة - ابن حباب - بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة.
ويزيد بن زمعة - بفتح الزاي - وسكون الميم - ابن الاسود - جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتلوه.
__________
(1) أخرجه البخاري (4325) ومسلم في الجهاد باب غزوة الطائف (82)، والبيهقي في الدلائل 5 / 169.
(2) أخرجه الترمذي (3942) وأحمد 3 / 343 وابن سعد 2 / 1 / 115 وابن أبي شيبة 12 / 201، 14 / 508 وانظر البداية 4 /، 350، 352.
(*)

(5/388)


وعبد الله بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - رمي بسهم فلم يزل جريحا حتى مات المدينة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غير شهيد عند الشافعية لانه توفي بعد انقضاء الحرب بمدة مديدة.
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، رمي في الحصن.
و عبد الله بن عامر بن ربيعة.
والسائب بن الحارث بن قيس السهمي، وأخوه عبد الله بن الحارث بن قيس.
وجليحة - بضم الجيم، وفتح اللام، وسكون التحتية، وبالحاء المهملة، ابن عبد الله.
وثابت بن الجذع - بفتح الجيم والذال المعجمة وبالعين المهملة، واسمه ثعلبة السلمي - بفتح السين، واللام.
والحارث بن سهل بن أبي صعصعة.
والمنذر بن عبد الله بن نوفل.
وذكر في العيون هنا: رقيم بن ثعلبة مع ذكره له فيمن استشهد بحنين، تبع هناك ابن إسحاق، وهنا ابن سعد.
ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة قالوا: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف فاخذ على دحنا، ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة، ثم خرج إلى الجعرانة وهو على عشرة أميال من مكة، قال سراقة بن جعشم رضي الله عنه: لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة فتخلصت إليه - والناس يمضون أمامه أرسالا - فوقفت في مقنب من خيل الانصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك، ما أنت ؟ وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع صوتي أحذت الكتاب الذي كتبه لي أبو بكر فجعلته بين إصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي به وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هذا يوم وفاء وبر، ادنوه فادنيت منه، فكاني أنظر إلى ساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غرزه كأنها الجمارة، فلما انتهيت إليه سلمت وسقت الصدقة إليه، وما ذكرت شيئا أساله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله أرأيت الضالة من الابل تغشى حياضي وقد ملاتها لابلى هل لي من أجر إن سقيتها ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نعم في كل ذات كبد حرى أجر " قال رواه قال محمد بن عمر: وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب لسراقة كتاب موادعة سال سراقة أياه، فامر به فكتب له أبو بكر، أو عامر بن فهيرة، وتقدم بيان ذلك في أبواب الهجرة إلى المدينة.

(5/389)


وروى محمد بن عمر عن أبي رهم الغفاري - رضي الله عنه - قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير وأنا إلى جنبه، وعلي نعلان غليظان، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأوجعته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أوجعتني أخر رجلك " وقرع رجلي بالسوط فاخذني ما تقدم من أمري وما تأخر، وخشيت أن ينزل في قران لعظم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة، خرجت أرعى الظهر وما هو يومي، فرقا أن ياتي
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله يطلبني، فلما روحت الركاب سالت: فقيل لي طلبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إحداهن والله، فجئت وأنا أترقب، فقال " إنك أوجعتني برجلك، فقرعتك بالسوط فاوجعتك، فخذ هذه الغنم عوضا عن ضربي " قال أبو رهم: فرضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما فيها.
وقال ابن إسحاق في رواية سلمة: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال والله إني لاسير إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاوجعته فقرع قدمي بالسوط، وقال: " أوجعتني فتأخر عني " فانصرفت، فلما كان من الغد إذا رسول الله ا - صلى الله عليه وسلم - يلتمسني، فقلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالامس، قال فجئته وأنا أترقب فقال " إنك أصبت رجلي بالامس فاوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لاعوضك منها " فاعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.
قال ابن إسحاق وغيره: ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجعرانة فيمن معه، ومعه سبئ هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الابل والشاء ما لا ندري عدته.
وذكر محمد بن عمر، وابن سعد، أن السبي كان ستة آلاف راس.
والابل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم لا يدري عدتها وقال ابن سعد: أكثر من أربعين ألفا، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبي لكي يقدم عليه وفدهم.
قدوم وفد هوازن ورد السبي إليهم قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عن ابن عمرو - رضي الله عنهما - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة، وهم أربعة عشر رجلا، وراسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة وقد أسلموا - فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك.
وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك.
ولو أنا ملحنا - وقيل: منحنا - للحرث بن أبي

(5/390)


شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت يا رسول الله خير المكفولين، ثم أنشأ يقول: فذكر بعض الشعر الآتي: أخبرنا الائمة المسندون، أبو فارس عبد العزيز.
الحافظ عمر بن فهد الهاشمي العلوي بقراءتي عليه بالمسجد الحرام، وأبو الفتح جمال الدين بن الامام أبو الفتح علاء الدين القلقشندي.
قرأه عليه وأنا أسمع بمنزله بحارة بهاء الدين من القاهرة، وأبو الفضل عبد الرحيم بن الامام محب الدين بن الاوجاقي في إجازة خاصة - الشافعيون رحمهم الله تعالى.
قال الأول: أخبرنا المشايخ الاربعة قاضي القضاء شهاب الدين أبو جعفر محمد بن شهاب الدين أحمد بن عمر بن الضياء القرشي الاموي الشهير بابن العجمي، وابن أمير الدولة محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عبد الغفور الحلبيان، وقاضي المسلمين عز الدين أبو محمد عبد الرحيم بن ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات الحنفي، والاصلية أم محمد سارة بنت عمر بن عبد العزيز بن جماعة المصريان مكاتبة في كل منهم، قالوا: أنبانا مسند الدنيا صلاح الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر الصالحي - زاد ابن الفرات وسارة فقالا: والنجم أحمد بن النحم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، البهاء حسن بن أحمد بن هلال بن الهبل، وزين الدين أبو حفص عمر بن حسن بن يزيد بن أمية المراغي، وزاد ابن الفرات فقال: وأم محمد ست العرب ابنة محمد بن علي بن البخاري، قالوا: أخبرنا رحالة الدنيا فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، قالت حفيدته: حضورا - وقال الاخرون: أجازة، قال في رواية حفيدته: أنبانا أبو جعفر محمد بن نصر الصيدلاني، وقال في رواية الاخرين: أنبانا أبو القاسم عبد الواحد بن القاسم
الصيدلاني، وأم هانئ عفيفة ابنة أحمد الاصبهانية، وقال شيخنا الثاني: أخبرنا المسند الرحالة زين الدين أبو زيد عبد الرحمن القباني إحازة مكاتبة وأم الحسن فاطمة ابنة الخليل بن أحمد وقريبتهما أم أحمد عائشة بنت علي بن أحمد الحنبليتان - إحازة، إن لم يكن سماعا، قالوا: أخبرنا أبو الحزم محمد بن محمد القلانسي قال الاولون إجازة، وقالت الاخيرة قراءة وأنا حاضرة، أنباتنا المسندة مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب قراءة عليها وأنا أسمع: أنبانا أبو الفخر سعد بن سعيد بن روح.
وأبو سعد أحمد بن محمد بن أبي نصر، وأم هانئ عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الفارقاني، وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن الفاخر، - إجازة - وقال شيخنا الثالث أخبرنا شهاب الواسطي - قراءة عليه وأنا أسمع - قال: أخبرنا مسند الوقت، الصدر أبو الفتح الميدومي عن أبي العباس أحمد بن عبد الدايم بن يحيى بن محمود أخبره - إن لم يكن سماعا فاجازة - قالوا: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد

(5/391)


الجوز دانية، زاد يحيى بن محمود ومحمد بن أحمد بن المظفر - حضورا - قالوا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن المظفر ريذة الضبي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني قال: حدثنا عبيد الله بن رماحس القيسي برمادة الرملة سنة أربع وسبعين ومائتين قال: حدثنا أبو عمر، وزياد بن طارق، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة قال: أبا جرول زهير بن صرد الجشمي - رضي الله عنه - يقول: لما أسرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ويوم هوازن وذهب يفرق السبي والشاء أتيته وأنشات أتيته وأنشات أقول هذا الشعر.
امنن علينا رسول الله في كرم * فانك المرء نرجوه وننتظر (1) امنن على بيضة قد عاقها قدر * مشتت شملها في دهرها غير أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركها (2) نغماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك مملؤة (3) من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فانا معشر زهر إنا لنشكر للنعما (4) إذا كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر فالبس العفو من قد كنت ترضعه * من أمهاتك إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت الجياد به * عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هادي البرية إن تعفوا وتنتصر فاعف عفا الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الشعر قال: " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " (1) وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله.
هذا حديث جيد الاسناد عال جدا، رواه الضياء المقدس في صحيحه ورجع الحافظ بن حجر أنه حديث حسن.
وبسط الكلام عليه في بستان الميزان.
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم ؟ " (2).
وفي الصحيح عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنهما - ومروان بن الحكم: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فيمن ترون ؟ وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختارو إحدى الطائفتين، إما
__________
(1) تقدم.
(2) أخرجه البيهقي في السنن 6 / 336، 9 / 75، وفي الدلائل 5 / 195 والبداية 4 / 353.
(*)

(5/392)


السبي، وإما المال وقد كنت إستانيت بكم " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير راد عليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا ؟ بل إبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو
لكم، وإذا أنا صليت بالناس فاظهروا إسلامكم، وقولوا: إنا إخوانكم في الدين، وإنا نستشفع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاني سأعطيكم ذلك، وأسال لكم الناس " وعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد، وكيف يكلمون الناس.
فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس الظهر قاموا فاستاذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكلام، فاذن لهم، فتكلم خطباؤهم بما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصابوا القول فابلغوا فيه ورغبوا إليهم في رد سبيهم، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغوا ليشفع لهم.
وفي الصحيح عن المسور ومروان: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فان إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رايت أن أراد عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول فئ يفيئه الله علينا فليفعل " فقال الناس قد طبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم ياذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " (1) فرجع الناس [ فكلمهم ] فرفاؤهم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله.
فقال الاقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا.
وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنوا سليم فلا.
فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال العباس بن مرداس: وهنتموني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من كان عنده منهن شئ فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فئ يفيئه الله فرد المسلمون الى الناس نساءهم وأبناهم، ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فانه أخذ عجوزا فابى أن يردها كما سيأتي ".
قال محمد بن عمرو بن سعد: وكسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السبي قبطية، قال ابن عقبة كساهم ثياب المعقد.
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 627 (4318، 4319).
(*)

(5/393)


ذكر دعائه - صلى الله عليه وسلم - على من أبي أن يرد شيئا من السبي أن يخيس روى أبو نعيم عن عطية السعدي - رضي الله عنه - أنه كان ممن كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبي هوازن، وكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فردوا عليهم سبيهم الا رجلا واحدا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم أخس سهمه " فكان يمر بالجارية فيدع ذلك حتى مر بعجوز، فقال آخذ هذه فانها أم حي فيفدونها عليه.
فكبر عطية وقال: خذها.
خذها والله ما فوها ببارد * ولا ثديها بناهد ولا زوجها بواحد * عجوز يا رسول الله ما لها أحد فلما رأى أنه لا يعرض لها أحد تركها.
وذكر ابن إسحاق ومحمد بن عمر واللفظ له: أن عيينة بن حصن حين أبي أن يرد حظه من السبي خيروه في ذلك، فنظر إلى عجوز كبيرة، فقال: هذه أم الحي، لعلهم أن يغلوا فداءها، فانه عسى أن يكون لها في الحي نسب، فجاء ابنها الى عيينة فقال: هل لك في مائة من الابل ؟ فقال عيينة: لا، فرجع عنه وتركه ساعة فقالت العجوز: ما أربك في، بعد مائة ناقة، أتركه فما أسرع أن يتركني بغير فداء، فلما سمعها عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة، قال: ثم مر عليه ابنها فقال له عيينة: هل لك في العجوز لما دعوتني إليه ؟ قال ابنها: لا أزيدك على خمسين.
قال عيينة: لا أفعل، قال: فلبث ساعة ثم مر به أخرى وهو يعرض عنه فقال له عيينة: هل لك في العجوز بالذي بذلت لي ؟ قال الفتى: لا أزيدك على خمس وعشرين فريضة هذا الذي أقوى عليه، قال عيينة: لا أفعل والله، بعد مائة فريضة خمس وعشرون ! ! فلما تخوف عيينة أن يتفرق الناس ويرتحلوا، جاء عيينة فقال: هل لك إلى ما دعوتني إليه إن شئت ؟ فقال الفتى: هل لك في عشر فائض أعطيكها، قال عيينة: والله لا أفعل، قال الفتى:
والله ما ثديها بناهد ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد، ولا صاحبها بواجد، فاخذتها من بين من ترى، قال عيينة: خذها لا بارك الله لك فيها، فقال الفتى: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كسا السبي فاخطأها من بينهم بالكسوة، فهل أنت كاسيها ثوبا ؟ فقال: لا والله ما ذلك لها عندي، قال: لا وتفعل، فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب، ثم ولى الفتى وهو يقول: والله إنك لغير بصير بالفرض.
وذكر محمد بن إسحاق إنه ردها بست فرائض.
وروى البيهقي عن الامام الشافعي - رضي الله عنه - أنه ردها بلا شئ.

(5/394)


ذكر قسمته - صلى الله عليه وسلم - أموال هوازن بعد ان رد عليهم سبيهم روى بن اسحاق في رواية يونس عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من رد سبايا هوازن، ركب بعيره وتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه، فقال: " يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نغما لقسمته عليكم ثم ما القيتموني بخيلا ولا كذبا "، ثم قام رسول الله - - الى جنب بعيره، فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين اصبعيه فقال: " ايها الناس والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة الا الخمس، والخمس مردود عليكم، فادوا الخياط والمخيط واياكم والغلول فان الغلول عار وشنار على اهله يوم القيامة " فجاء رجل من النصار بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله، اخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اما حقي منها فهو لك " فقال الرجل: أما إذ بلغ الامر فيها هذا فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده (1).
وروى عبد الرزاق في جامعه عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عقيل بن أبي طالب - رضى الله عنه - دخل يوم حنين على امراته فاطمة بنت شيبة وسيفه ملطخ دما، فقال: دونك هذه الابرة تخيطين بها ثيابك فدفعها إليها، فسمع منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أخذ شيئا فليرده
حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل وقال: ما أجد إبرتك إلا ذهبت منك، فاخذها فالقاها في المغنم.
وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين إلى جنب بعير من المغانم فلما سلم تناول وبرة بين أنملتين وفي رواية فجعلها بين إصبعية ثم قال: " أيها الناس، إن هذه من مغانمكم، وليس لي فيها إلا نصيبي معكم، الخمس، والخمس مردود عليكم فادوا الخيط والمخيط، وأكثر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فانه عار ونار وشنار على أهله في الدنيا والاخرة " رواه الامام أحمد وابن ماجة.
وروى عبد الرزاق والبخاري عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أنه بينما هو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه الناس مقفلة من حنين علقت الاعراب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسالونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " اعطوني ردائي فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا " (2).
__________
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6 / 337.
(2) أخرجه البخاري (2821)، وأحمد 4 / 82 والطبراني في الكبير 2 / 135، وانظر البداية والنهاية 4 / 354.
(*)

(5/395)


وعن أنس قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فادر كه أعرابي فجذبه جذبة شديدة ثم قال: مرلي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك، ثم أمر له بعطاء ورداء.
قالوا: وجمعت الغنائم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه أبو سفيان بن حرب وقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا، فتسبم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر إعطائه - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم قبل غيرهم قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرفا من أشراف العرب، يتالفهم ويتالف بهم قومهم.
قال محمد بن عمر، وابن سعد: بدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاموال فقسمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، قلت: فمنهم من أعطاه مائة بعير وأكثر، ومنهم من أعطاه خمسين، وجميع ذلك يزيد على الخمسين، وقد ذكرهم أبو الفرج ابن الجوزي في التلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح، والبرهان الحلبي في النور، وهو أحسنهم سياقا وأكثرهم عددا، وعند كل منهم ما ليس عند الاخر، ولم يتعرض أحد منهم لما أعطى كل واحد، وقد تعرض محمد بن عمر، وابن سعد، وابن إسحاق لبعض ذلك كما سانبه عليه وهم: أبي - بضم الهمزة، وتشديد التحتية وهو الاخنس - بالخاء المعجمة والنون والسين المهملة، بن شريق - بالشين المعجمة والقاف.
أحيحة - بمهملتين مصغر - بن أمية.
أسيد - بفتح أوله وكسر السين المهملة - بن جارية.
بالجيم والتحتية - الثقفي، أعطاه مائة.
الاقرع - بالقاف والراء - ابن حابس - بالحاء المهملة وبالموحدة والسين المهملة - التميمي، أعطاه مائة.
جبير - بالجيم والموحدة مصغر - بن مطعم - بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملتين.
الجد - بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة - بن قيس الهمي، كذا أورده التلقيح، ولم يذكره الحافظ في الفتح ولا في الاصابة، وإنما ذكره فيهما الجد بن قيس الانصاري، ولم يتعرض لكونه من المؤلفة ولم يذكر في النور أنه سهمي أو أنصاري، فان صح أنه سهمي فهو وارد على الاصابة.
الحارث بن الحرث بن كلدة - بفتح الكاف واللام وبالدال المهملة.
أعاطه مائة.
الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، أعطاه مائة.

(5/396)


حاطب بن عبد العزى العامري.
حرملة بن هوذة - بفتح الهاء وسكون الواو وبالذال المعجمة بن ربيعة بن عمرو بن عامر العامري.
حكيم - بوزن أمير - بن حزام - بكسر الحاء المهملة، وبالزاي - بن خويلد، أعطاه مائة، ثم ساله مائة أخرى، فاعطاه أياها.
روى الشيخان وغيرهما ومحمد بن عمر - واللفظ له - عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: سالت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحنين مائة من الابل فاعطانيها ثم سألته مائة من الابل فاعطانيها ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا حكيم إن هذا المال حلوة خضيرة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي ياكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدا بمن تعول " فقال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا، فكان عمر بن الخطاب يدعوه إلى عطائه فيابي، أن ياخذه، فيقول عمر: أيها الناس أشهدكم على حكيم بن حزام، أدعوه إلى عطائه فيابى أن ياخذه (1).
قال ابن أبي الزناد: أخذ حكيم المائة الاولى فقط وترك الباقي.
حكيم بن طليق - بوزن أمير - ابن سفيان.
حويطب - بضم المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة وبالموحدة - ابن عبد العزى القرشي العامري، أعطاه مائة.
خالد بن أسيد - بوزن أمير - ابن أبي العيص بن أمية.
خالد بن قيس السهمي.
خالد بن هوذة - بفتح الهاء وبالذال المعجمة - ابن ربيعة بن عامر العامري.
خلف بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه عن الصغاني، ثم قال في النور: أنا لا أعرفه في الصحابة قلت: لم يذكره الذهبي في التجريد، ولا الحافظ في الاصابة، فان صح فهو وارد عليه.
وذكر في العيون: رقيم بن ثابت بن ثعلبة، وتقدم أنه استشهد بحنين والله أعلم.
زهير بن أبي أمية بن المغيرة أخو أم المؤمنين أم سلمة.
زيد الخيل بن مهلهل الطائي، عزاه في الفتح لتلقيح ابن الجوزي، ولم أجده في نسختين.
السائب بن أبي السائب
__________
(1) أخرجه البخاري (1472).
(*)

(5/397)


صيفي بن عائذ - بهمزة بعد الالف فذال معجمة - المخزومي.
سعيد بن يربوع بن عنكثة - بفتح العين المهملة - وسكون النون وفتح الكاف، والثاء المثلثة، أعطاه خمسين.
سفيان - بالحركان الثلاث في سينه وبسكون الفاء وبالتحتية - بن عبد الاسد المخزومي.
سهل بن عمرو بن عبد شمس العامري وأخوه سهيل بن عمرو، أعطاه مائة.
شيبة بن عثمان القرشي العبدري.
صخر بن حرب أبو سفيان، أعطاه مائة من الابل وأربعين أوقية فضة.
صفوان بن أمية الجمحي، أعطاه مائة، وروى البخاري عن صفوان قال: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله - تعالى - شيئا هو أحب إلي منه.
وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة (1)، قال محمد بن عمر: يقال إن صفوان طاف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مملوء إبلا مما أفاء الله به على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فاعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب ؟ " قال: نعم.
قال: " هو لك بما فيه " فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما طابت بهذا نفس أحد قط
إلا نبي.
طليق بن سفيان والد حكيم السابق.
العباس بن مرداس - بكسر الميم وسكون الراء وبالدال المهملة.
قال ابن أسحاق: أعطاه أبا عر، وقال محمد بن عمر وابن سعد: أربعا من الابل فسخطها.
وروى الامام أحمد، ومسلم، والبيهقي عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الابل، فذكر الحديث فيه (2): وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، نقص من المائة ولم يبلغ به أولئك، فانشا العباس بن مرداس يقول: أتجعل نهبي ونهب العب * - يد بين عيينة والاقرع فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع
__________
(1) مسلم 2 / 737.
(2) أخرجه مسلم 2 / 737 (137 / 1060).
(*)

(5/398)


وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع فأتم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المائة، ورواه البيهقي (1) عن ابن إسحاق رحمه الله بلفظه: فقال العباس بن مرداس يعاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الاجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا * إذا أهجع الناس لم أهجع فاصبح نهبي ونهب العبي * - د بين عيينة والاقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرا * فلم أعط شيئا ولم أمنع وإلا أفائل أعطيتها * عديد قوائمها الاربع
وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاه وقال: " أنت القائل فاصبح نهبي، ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة ؟ " فقال أبو بكر الصديق: - رضي الله عنه - بابي أنت وأمي لم يقل كذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت برواية.
قال: " فكيف قال " ؟ فانشده أبو بكر - رضي الله عنه - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " اقطعوا عني لسانه " ففزع منها ناس، وقالوا: أمر بالعباس بن مرداس أن يمثل به، وإنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " اقطعوا عني لسانه " أي يقطعوه بالعطية من الشاء والغنم.
عبد الرحمن بن يربوع الثقفي.
عثمان بن وهب المخزومي أعطاه خمسين.
عدي بن قيس بن حذافة السهمي أعطاه خمسين.
عكرمة بن عامر العبدري.
عكرمة بن أبي جهل.
عمرو بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه عن ابن التين.
علقمة بن علاثة - بضم العين والتخفيف، وبالثاء المثلثة - بن عوف - بالفاء عمرو بن الاهتم - بالفوقية.
عمرو بن بعكك - بموحدة، فعين مهملة، فكافين، وزن جعفر، أبو السنابل - جمع سنبلة عمرو بن مرداس السلمي أخو عباس.
__________
(1) البيهقي في الدلائل 5 / 181.
(*)

(5/399)


بضم أوله، وفتح الميم، وسكون التحتية - بن ودقة - بفتح الواو والدال المهملة.
عمير بن وهب الجمحي، أعطاه خمسين.
العلاء بن جارية - بالجيم والتحتية - الثقفي أعطاه خمسين.
وقال ابن إسحاق: مائة.
عيينة - بضم العين المهملة، وكسرها، وفتح التحتية الاولى - بن حصن - بكسر الحاء، وبالصاد المهملتين وبالنون - الفزاري، أعطاه مائة.
قيس بن عدي السهمي، أعطاه مائة كذا ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر.
وقال بعضهم: صوابه عدي بن قيس - على العكس - وقال الحافظ: هما واحد فانقلب، أم اثنان ؟ قلت: وهو الظن، لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة - بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، والميم - ابن المطب بن عبد مناف.
كعب بن الاخنس نقله في النور عن بعض مشايخه، ثم قال: ولا أعرفه أنا.
قلت: لا ذكرته في التجريد، ولا في الاصابة.
لبيد - بوزن أمير - بن ربيعة العامري.
مالك بن عوف بالفاء - النصرى بالنون، والصاد المهملة - راس هوازن، أعطاه مائة.
مخرمة - بفتح الميم، والراء، وسكون الخاء المعجمة بينهما، - بن نوفل الزهري، أعطاه خمسين.
مطيع بن الاسود القرشي العدوي.
معاوية بن أبي سفيان.
أبو سفيان صخر بن حرب، أعطاه مائة من الابل وأربعين أوقية فضلة.
المغيرة بن الحارث أبو سفيان القرشي الهاشمي.
النضير - بالضاة المعجمة والتصغير - بن الحرث بن علقمة، أعطاه مائة من الابل.
نوفل بن معاوية الكناني.
هشام بن عمرو القرشي العامري أعطاه خمسين.
هشام بن الوليد المخزومي.
يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية.
أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.

(5/400)


أبو السنابل، اسمه عمرو، تقدم.
فهؤلاء بضع وخمسون رجلا لعلك لا تجدهم مجموعين محررين هكذا في كتاب غير هذا الكتاب والله الموفق للصواب.
وروى البخاري عن أبي موسى الاشعري (1) - رضي الله عنه - قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة - ومعه بلال - فاتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فقال: ألا تنجزني ما وعدتني ؟ فقال له: " أبشر " فقال: قد أكثرت علي من البشر.
فاقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: " رد البشرى فاقبلا أنتما، قالا قبلنا " ثم دعا بقدح فغسل يديه ووجهه، ومج فيه، ثم قال: " اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا " فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لامكما، فافضلا منه طائفة.
قالوا: ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت باحضار الناس والغنائم، ثم فضها على الناس فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الابل أو أربعون شاة، فان كان فراسا أخذ اثنتي عشرة من الابل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له.
ذكر بيان الحكمة في إعطائه - صلى الله عليه وسلم - اقواما من غنائم حنين ومنعه آخرين قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن قائلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه، قال محمد بن عمر: هو سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن، والاقرع بن حابس مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري ؟ ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الارض كلهم مثل عيينة بن حصن، والاقرع بن حابس، ولكني تالفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى
إسلامه ".
وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رهطا وأنا جالس فترك منهم رجلا هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت: مالك عن فلان والله إني لاراه مؤمنا ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أو مسلما " ذكر ذلك ثلاثا، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إني لاعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله - تعالى - في النار على وجهه " (2).
__________
(1) سيأتي في شرح الغريب أن الصواب بين مكة والطائف.
(2) البخاري 3 / 399 (1478).

(5/401)


وروى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: " إني أعطي أقواما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله - تعالى - في قلوبهم من الخبر والغنى، منهم عمرو بن تغلب " (1).
قال عمرو: فما أحببت أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم.
ذكر عتب جماعة من الانصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أعطى قريشا ولم يعط الانصار شيئا وجمعه إياهم واستعطافه لهم روى ابن إسحاق، والامام أحمد عن أبي سعيد الخدري، والامام أحمد، والشيخان من طريق أنس بن مالك، والشيخان عن عبد الله بن يزيد بن عاصم - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب غنائم حنين، وقسم للمتالفين من قريش وسائر العرب ما قسم، وفي رواية: طفق يعطي رجلا المائة من الابل، ولم يكن في الانصار منها شئ قليل ولا كثير، فوجد هذا الحي من الانصار في أنفسهم، حتى كثر فيهم القالة حتى قال قائلهم: يغفر الله - تعالى - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا لهو العجب يعطي قريشا، وفي لفظ الطلقاء والمهاجرين، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا وددنا أنا نعلم
ممن كان هذا، فان كان من أمر الله تعالى صبرنا، وإن كان من راي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعتبناه (2).
وفي حديث أبي سعيد: فقال رجل من الانصار لاصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الامور لقد آثر عليكم.
فردوا عليه ردا عنيفا.
قال أنس: فحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمقالتهم، وقال أبو سعيد: فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم.
قال: " فيم " قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شئ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فأين أنت من ذلك يا سعد " ؟ قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، وفي لفظ في هذه القبة، فإذا اجتمعوا فاعلمني "، فخرج سعد يصرخ فيهم حتى جمعهم في تلك الحظيرة.
وقال أنس: فارسل إلى الانصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع غيرهم، فجاء رجال من المهاجرين فاذن لهم فيهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق أحد من الانصار إلا اجتمع له.
أتاه فقال يا رسول الله: قد اجتمع لك هذا الحي من الانصار حيث أمرتني أن
__________
(1) أخرجه البخاري 6 / 288 (3145).
(2) أخرجه البخاري من حديث أنس (3147).
(*)

(5/402)


أجمعهم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " هل منكم أحد من غيركم " ؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أختنا، قال: " ابن أخت القوم منهم " فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " يا معشر الانصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله - تعالى - وعالة فاعناكم الله، وأعداء فالف بين قلوبكم، وفي رواية متفرقين فالفكم الله ؟ - قالوا: بلى يا رسول الله، الله ورسوله أمن وأفضل.
وفي رواية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا تجيبون يا معشر الانصار ؟ " قالوا: وما نقول يا
رسول الله ؟ وماذا نجيبك ؟ المن لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -: " والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فامناك، ومخذولا فنصرناك، ومكذبا فصدقناك " فقالوا: المن لله - تعالى - ورسوله، فقال: " وما حديث بلغني عنكم ؟ " فسكنوا، فقال: " ما حديث بلغني عنكم " ؟ فقال فقهاء الانصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا يغفر الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم ! ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني لاعطي رجالا حديثي عهد بكفر لا تالفهم بذلك " (1).
وفي رواية إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتالفهم، أوجدتم يا معشر الانصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تالفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله - تعالى - لكم من الاسلام، أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم تحوزونه إلى بيوتكم، فو الله لمن تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار.
وفي رواية لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا - أنتم الشعار والناس دثار، الانصار كرشي وعيبتي، ولو لا أنها الهجرة لكنت امرأ من الانصار، اللهم ارحم الانصار، وأبناء الانصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله حظا وقسما.
وذكر محمد بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد حين إذا دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الارض، فقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " وكان حسان بن ثابت - رضي الله عنه - قال قبل جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الانصار.
__________
(1) أخرجه البخاري (3146، 3147، 3528، 3778، 3793، 4331، 4332، 4333، 4334).
(*)

(5/403)


زاد الهموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا ذنن فيها ولا خور دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر وائت الرسول فقل يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد البشر علام تدعى سليم وهي نازحة * قدام قوم هموا آووا وهو نصروا سماهم الله أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا * للنائبات وما خافوا وما ضجروا والناس إلب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القنا وزر نجالد الناس لا نبقي على أحد * ولا نضيع ما توحي به السور ولا تهر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر كما رددنا ببدر - دون ما طلبوا - * أهل النفاق ففينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القسمة العادلة، وما وقع في ذلك من الايات روى الشيخان والبيهقي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا هوازن يوم حنين آثر أناسا من أشراف العرب، قال رجل من الانصار: هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لاخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخبرته، فتغير وجهه حتى صار كالصرف وقال: " فمن يعدل إذا لم يعدل ورسوله، رحمة الله على موسى قد أوذي باكثر من هذا فصبر " (1).
والرجل المبهم: قال محمد بن عمر هو معتب بن قشير.
قصة أخرى: وروى ابن إسحاق عن ابن عمرو، والامام والشيخان عن جابر، والشيخان
والبيهقي عن أبي سعيد - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينا هو يقسم غنائم هوازن إذ قام إليه رجل - قال ابن عمر وأبو سعيد: من تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال: يا محمد قد رايت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أجل، فكيف رايت ؟ " قال: لم أرك عدلت، اعدل.
فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " شقيت إن لم
__________
(1) البخاري (1138) ومسلم 2 / 739 (140).
(*)

(5/404)


أعدل، ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، دعوه فانه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد فيه شئ، ثم في القدح فلا يوجد فيه شئ، ثم في الفوق فلا يوجد فيه شئ، وفي لفظ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نصيبه وهو قدحه، فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر ألى قذذه فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم " ولفظ رواية جابر: " إن هذا وأصحابه يقرؤون القران لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم أن فيهم رجلا أسود، إحدى عضديه مثل ثدى المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس " وفي رواية " على حين فرقة ".
قال أبو سعيد: فاشهد أني سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس حتى أتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي نعت.
ذكر قدوم مالك بن عوف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن يذكر معه قالوا: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوفد هوازن: " ما فعل مالك بن عوف " قالوا يا رسول
الله: هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الابل " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بحبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد الله بنت أبي أمية، فقال الرفد: يا رسول الله - أولئك سادتنا وأحبنا إلينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنما أريد بهم الخير " فوقف مال مالك فلم يجر فيه السهام، فلما بلغ مالكا ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه وما وعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن أهله وماله موفور وقد خاف مالك ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له ما قال، فيحبسونه، فامر راحلته فقدمت له حتى وضعت لديه بدحنا، وأمر بفرس له فاتي به ليلا فخرج من الحصن فجلس على فرسه ليلا، فركضه حتى أتى دحنا فركب بعيره حتى لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فادركه بالجعرانة - أو بمكة - فرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهله وماله، وأعطاه مائة من الابل وأسلم فحسن إسلامه، فقال مالك حين أسلم: ما إن رايت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا احتذي * ومتى تشأ يخبرك عما في غد

(5/405)


وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهري وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد فاستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من أسلم من قومه، ومن تلك القبائل من هوازن وفهم وسلمة وثمالة.
وكان قد ضوى إليه قوم مسلمون، واعتقد له لواء، فكان يقاتل بهم من كان على الشرك ويغير بهم على ثقيف فيقاتلهم بهم، ولا يخرج لثقيف سرح إلا أغار عليه، وقد رجع حين رجع - وقد سرح الناس مواشيهم، وأمنوا فيما يرون حين انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم، وكان لا يقدر على سرح إلا أخذه، ولا على رجل إلا قتله، وكان يبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخمس مما يغنم، مرة مائة بعير، ومرة ألف شاة، ولقد أغار على سرح لاهل الطائف فاستاق لهم ألف شاة في غداوة واحدة.
ذكر مجئ أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيه وأخيه من الرضاعة روى أبو داود، وأبو يعلي، والبيهقي، عن أبي الطفيل - رضي الله عنه - قال: كنت غلاما أحمل نضو البعير ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقيم بالجعرانة وامرأة بدوية، فلما دنت من النبي - صلى الله عليه وسلم - بسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هذه ؟ فقالوا: أمه التي أرضعته.
وروى أبو داود في المراسيل عن عمر بن السائب - رحمه الله تعالى - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا يوما، فجاء أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الاخر فجلست عليه ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجلسه بين يديه.
ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة قال محمد بن عمر وابن سعد: انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فاقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وأمر ببقايا السبي فحبس بمجنة بناحية مر الظهران.
قال في البداية والظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما استبقى بعض المغنم ليتالف به من يلقاه من الاعراب بين مكة والمدينة: فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الاربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فاحرم بعمرة من المسجد الاقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، ودخل مكة فطاف وسعى ماشيا، وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته، وكانه كان بائتا بها، واستخلف عتاب - بالمهملة وتشديد الفوقية وبالموحدة - ابن أسيد بالدال - كأمير - على مكة - وكان عمره حينئذ نيفا وعشرين سنة - وخلف معه معاذ بن جبل - زاد محمد بن عمر والحاكم: وأبا موسى الاشعري - رضي الله عنهم يعلمان الناس القران

(5/406)


والفقه في الدين، وذكر عروة بن عقبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف عتابا ومعاذا بمكة قبل خروجه إلى هوازن، ثم خلفهما حين رجع إلى المدينة.
قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم - رحمه الله تعالى - أنه قال: لما استعمل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عتابا على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: " أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم ! ! فقد رزقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درهما كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد ".
قلت: ترجمته وبعض محاسنه في تراجم الامراء.
قال محمد بن عمر وابن سعد: فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمره غدا يوم الخميس راجعا إلى المدينة، فسلك في وادي الجعرانة، حتى خرج على سرف، ثم أخذ في الطريق إلى مر الظهران، ثم إلى المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة - فيما زعمه - أبو عمرو المدني.
قال أبو عمرو: وكانت مدة غيبته - صلى الله عليه وسلم - من حين خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها، وواقع هوازن، وحارب أهل الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وستة عشر يوما.
ذكر بعض ما قيل من الشعر في هذه الغزوة قال بجير بن زهير بن أبي سلمى - بضم أوائل الثلاثة - رضي الله عنه - يذكر حنينا والطائف: كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الابرق جمعت باغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا حبارهم وبطن الخندق ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فتحصنوا منا بباب مغلق ترتد حسرانا إلى رجراحة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حصنا لظل كانه لم يخلق مشي الضراء على الهراس كاننا * قدر تفرق في القياد وتلتقي في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق
وقال كعب بن مالك - رضي الله عنه - في مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف.
قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخبرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن دوسا أو ثقيفا

(5/407)


فلست بحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا وياتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا بايديهم قواضب مرهفات * يزدن المصطلين بها الحتوفا كامثال العقائق أخلفتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا تخال جدية الابطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا أجدهم أليس لهم نصيح * من الاقوام كان بنا عريفا يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنحت الطروفا وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النبي وكان صلبا * نقي القلب مصطبرا عزوفا رشيد الامر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤوفا فان تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تابوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الاسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي من لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء * فجذعنا المسامع والانوفا بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا لامر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا ونفني اللات والعزى وودا * ونسلبها القلائد والشنوفا فامسوا قد أقروا واطمانوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا تنبيهات الأول: الطائف بلد كثير الاعناب والنخيل على ثلاث مراحل من مكة من جهة المشرق، قال في القاموس: سمي بذلك لانه طاف بها في الطوفان، أو لان جبريل - صلى الله عليه وسلم - طاف بها على البيت، أو لانها كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أو لان رجلا من الصدف أصاب دما بحضرموت ففر إلى وج، وحالف مسعود

(5/408)


بن معتب، وكان معه مال عظيم، فقال: هل لكم أن أبني لكم طرفا عليكم يكون لكم ردءا من العرب ؟ فقالوا: نعم.
فبناه بماله وهو الحائط المطيف به.
الثاني: اقتضت حكمة الله تعالى - تأخير فتح الطائف في ذلك العام لئلا يستاصلوا أهله قتلا، لانه تقدم في باب سفره إلى الطائف أنه - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى الطائف دعاهم إلى الله - تعالى - وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه تبارك وتعالى، وذلك بعد موت عمه أبي طالب فردوا عليه ردا عنيفا، وكذبوه ورموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهموما فلم يستفق من همومه إلا عند قرن الثعالب (1) فإذا هو بغمامة وإذ فيها جبريل - صلى الله عليه وسلم - ومعه ملك الجبال - صلى الله عليه وسلم - فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد إن الله - تعالى - يقرئك السلام، وقد سمع قولة قومك وما ردوا عليك فان شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فعلت "، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بل أستاني بهم لعل الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله - تعالى - وحده لا يشرك به شيئا " فناسب قوله: بل أستاني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم، وإن يؤخر
الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام القابل كما سيأتي في الوفود.
الثالث: لما منع الله سبحانه وتعالى - الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، وكانوا قد فتحوها بانجاب الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاجه الجيش من أسباب القوة، حرك الله - سبحانه وتعالى - قلوب المشركين في هوازن لحربهم، وقذف في قلب كبيرهم مالك بن عوف إخراج أموالهم ونعمهم وشابهم وشيبهم معهم نزلا وكرامة وضيافة لحرب الله - تعالى - وجنده، وتمم تقديره تعالى بأن أطمعهم في الظفر، وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
ولو لم يكن يقذف الله - تعالى - في قلب رئيسهم مالك بن عوف أن سوقهم معهم هو الصواب لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان ذلك سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل الله تعالى نصره على رسوله وأوليائه وردت الغنائم لاهلها وجرت فيها سهام الله - تعالى - ورسوله، قيل لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله - تعالى - إلى قلوبهم التوبة فجاءوا مسليمن.
فقيل من شكران إسلامكم وإتيانكم أن ترد عليكم نساؤكم وأبناؤكم وسبيكم و (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) [ الانفال 70 ].
الرابع: اقتضت حكمة الله - تعالى - أن غنائم الكفار لما حصلت قسمت على من لم يتمكن الايمان من قلبه من الطبع البشرى من محبة المال، فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم،
__________
(1) وقرن المنازل، وهو قرن الثعالب: ميقات أهل نجد تلقاء مكة، على يوم وليلة.
مراصد الاطلاع 3 / 1082.
(*)

(5/409)


وتجتمع على محبته، لانها جبلت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من كبار المجاهدين ورؤساء الانصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لانه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم بخلاف قسمة على المؤلفة لان فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الاسلام ولتقوية قلب من
دخل إليه قبل، تبعهم من دونهم في الدخول، فكان ذلك مصلحة عظيمة.
الخامس: ما وقع في قصة الانصار، اعتذر رؤساؤهم بان ذلك من بعض أتباعهم وأحداثهم، ولما شرح لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنعوا رجعوا مذعنين، وعلموا أن الغنيمة: ما حصل لهم من عود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بلادهم.
فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا بما حازوه من الفوز العظيم ومجاوره النبي الكريم حيا وميتا، وهذا داب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه.
السادس: رتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من الله - تعالى - به على الانصار على يديه من النعم ترتيبا بالغا، فبدا بنعمة الايمان التي لا يوازنها شئ من أمور الدنيا، وثنى بنعمة الايمان وهي أعظم من نعمة المال، لان الاموال قد تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، فقد كانت الانصار في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك بالاسلام كما قال تعالى: (لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) [ الانفال 103 ].
السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - " لو لا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ".
قال الخطابي: أراد بهذا الكلام: تأليف الانصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما منعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ونسبة الانسان تقع على وجوه: الولادة والاعتقادية والبلادية والصناعية، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لانه ممتنع قطعا، وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال عنه فلم يبق إلا القسمان الاخيران، كانت المدينة دار الانصار والهجرة إليها أمرا واجبا، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم.
وقال القرطبي: معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها.
الثامن: قوله - صلى الله عليه وسلم - " لسلكت وادي الانصار " أو " شعب الانصار " أراد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا أو ما بعده التنبيه على جزيل ما حصل للانصار من ثواب النصرة والقناعة بالله

(5/410)


ورسوله عن الدنيا، ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله.
قال الخطابي: لما كانت العادات أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه - وأرض الحجاز كثيرة الاودية والشعاب - فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا، فاراد أنه مع الانصار قال: ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في واد وأنا في واد.
التاسع: في شرح غريب ما سبق: الفل - بفتح الفاء وتشديد اللام: القوم المنهزمون.
رموا - بتشديد الميم المضمومة.
عقيل - بضم العين.
السرح - بفتح السين المهملة، وسكون الراء: المال السائم.
خيابر - لغة في خيبر، وتقدم ذلك في غزوتها.
فدك - بفتح الفاء والدال المهملة - مكان، قال ابن سعد: على ستة أميال من المدينة.
أرضنا هوازن: دخل أرضهم قهرا.
لم يعرج عليه: لم يمل.
عرش - بضم العين والراء والشين المعجمة: جمع عريش..بيوت مكة سميت بذلك لانها كانت عيدانا تنصب ويظلل عليها.
عارض - بالعين المهملة والضاد المعجمة بينهما راء مكسورة.
هرقت - بهاء مهملة فراء فقاف مفتوحات.
الهدر: الباطل الذي لا يؤخذ بثاره.
يظعن - بالظاء المعجمة المشالة: يرحل.
نخلة - بلفظ واحدة النخل بالخاء المعجمة: موضع على ليلة من مكة.
قرن - بفتح القاف وسكون الراء، وغلطوا من فتحها، وهو قرن الثعالب والمنازل يبعد عن مكة نحو مرحلتين.
المليح - بالحاء المهملة والتصغير واد بالطائف.
بحرة - بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة.
وبالراء.
الرعاء - براء مكسورة، فعين مهملة، فالف ممدودة: جمع راع.
لية: تقدم.
أقاد من القاتل: قتله بمقتوله.

(5/411)


الضيقة: ضد الواسعة.
نخب - بفتح النون وكسر الخاء المعجمة، وقيل بسكونها، فموحدة: واد بالطائف قيل بينه وبينه ساعة.
الصادرة - بصاد ودال مهملتين بينهما ألف فراء فتاء موضع.
أبو رغال - بكسر الراء وبالغين المعجمة واللام.
الغصن - بضم الغين المعجمة: واحد الاغصان، وهي أطراف الشجر، والمراد به هنا قضيب من ذهب.
شرح غريب ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - الطائف وذكر بعثه - صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادي: من نزل من العبيد فهو حر وذكر رميه - صلى الله عليه وسلم - حصن الطائف بالمنجنيق رجل جراد - بكسر الراء وإسكان الجيم وهو الجراد الكثير، وتقدم بزيادة في غريب ألفاظ غزوة حنين.
السارية: الاسطوانة.
النقيض - بفتح النون وكسر القاف، وسكون التحتية وبالضاد المعجمة: الصوت.
عبد ياليل - بتحتيتين وكسر اللام الاولى.
معتب - بضم الميم وفتح المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة.
النبال - بفتح النون وتشديد الموحدة وباللام.
البكرة - بفتح الموحدة: وبالكاف وتسكن آلة يستقى عليها.
الغيظ - بالظاء المعجمة المشالة: الغضب.
يمونه: يقوم بامره.
المنجنيق - بفتح الميم وقد تكسر، يؤنث وهو أكثر، ويذكر، فيقال: هي المنجنيق، وعلى التذكير: هو المنجنيق: ويقال: المنجنوق ومنجليق، وهو معرب، وأول من عمله قبل الاسلام إبليس حين أرادوا رمي سيدنا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وهو أول منجنيق رمي به في الاسلام، أما في الجاهلية فيذكر أن جذيمة - بضم الجيم، وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية ابن مالك المعروف بالابرش أول من رمى بها، وهو من ملوك الطوائف.
الثواء - بفتح الثاء المثلثة: الاقامة.

(5/412)


ابن زمعة - بفتح الزاي والميم وبسكونها، فعين مهملة.
الدبابة - بالدال المهملة: فموحدة مشددة، وبعد الالف موحدة فتاء تأنيث: آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيندفعون بها الى الاسوار لينقبوها.
جرش - بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة: من مخاليف اليمن من جهة مكة.
الحسك - بحاء فسين مهملتين فكاف مفتوحات: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم وورقه كورق الرجلة وأدوره وعند ورقه شكوك ملوز صلب ذو ثلاث شعب.
والشدخة - بفتح الشين المعجمة وسكون الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة فتاء تأنيث، والشدخ: كسر الشئ.
الحبلات - بحاء مهملة، فباء فلام مفتوحات فألف فتاء جمع حبلة بفتحات وربما
سكنت الباء: الاصل أو القضيب من شجر الاعناب.
النفر: ما دون العشرة من الرجال.
الذريع - بالذال المعجمة: السريع.
الجلابيب - بالجيم [ فالام فألف ] فموحدة فتحتية فموحدة - وزن دنانير - الغرباء.
يدعها الله - بفتح الدال: يتركها.
تبتئس: تحزن.
أحبل - بفتح أوله وسكون الحاء المهملة وضم الموحدة: جمع حبلة - بفتح الحاء والموحدة: شجر العنب.
تسور حصن الطائف: صعد الى أعلاه ثم تدلى منه.
ثالث ثلاثة وعشرين بنصب ثالث.
شرح غريب ذكر اشتداد الامر وما يذكر معه عبسة بفتح العين المهملة والموحدة والسين المهملة.
عدل - بفتح العين وسكون الدال المهملة - مثل الاجر.
المحرر: المعتق.
المخنث - بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، والنون المشددة - وكسرها أفصح، وفتحها أشهر - فمثلثة: وهو من فيه انخناث أي تكسر وتثن كالنساء.
غيلان بن سلمة - بفتح الغين المعجمة، أسلم بعد فتح الطائف.

(5/413)


تقبل بأربع: أي من العكن - بضم العين المهملة جمع عكة وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن، سمنا، والمراد أطراف العكن التي في بطنها.
تدبر بثمان في جنبيها لم يقل ثمانية، والاطراف مذكرة لانه لم يذكرها كما يقال هذا الثوب سبع في ثمان أي سبعة أذرع في ثمانية أشبار، فلما لم يذكر أشبار أنث لتأنيث الأذرع
التي قبلها، قال الدماميني في المصابيح: أحسن من هذا أنه جعل كلا من الاطراف عكنة تسمية للجزء باسم الكل، فأنث بهذا الاعتبار.
من غير أولي الاربة: الحاجة الى النكاح.
جريج - بضم الجيم وفتح الراء وسكون التحتية وبالجيم.
هيت: بهاء وياء تحتية ففوقية، وضبطه ابن درستويه بهاء مكسورة فنون ساكنة فموحدة، وزعم أن ما سواه تصحيف.
عائذ - بالهمز والذال المعجمة.
ماتع - بميم فألف ففوقية فعين مهملة.
أرى - بضم أوله: أظن.
فلا تفلتن - تطلقن - بالبناء للمفعول فيهما.
بادية - بموحدة فالف فدال مهملة مكسورة فتحتية، وقيل: بالنون بدل التحتية - أسلمت.
الخبيث: خلاف الطيب.
شرح غريب ذكر منام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدال على عدم فتح الطائف وما يذكر معه أهديت - بالبناء للمفعول.
القعبة: كالقصعة (1).
هراق - بفتح الهاء.
الديلي - بكسر الدال المهملة وسكون التحتية.
الجحر - بضم الجيم وسكون الحاء المهملة.
__________
(1) القعب: القدح الضخم الغليظ الجافي، انظر اللسان (قعب).
(*)

(5/414)


خوله: بالخاء المعجمة.
حكيم - وزن أمير.
مظعون - بالظاء المعجمة المشالة -.
حلي - بضم الحاء المهملة وكسر اللام.
الفارعة - بالفاء وكسر الراء.
عقيل - بوزن أمير.
زعمت - بزاي فعين مهملة فميم فتاء: تحدثت بما لا يوثق به.
أؤذن الناس: أعلمهم بالرحيل.
قافلون: راجعون إلى المدينة.
اغدوا على القتال، سيروا أول النهار لاجل القتال.
سرح الظهر: أرسله.
آيبون: راجعون.
الاحزاب: أهل الخندق الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قريش وغيرهم، أو أحزاب الكفر.
جمح به فرسه: أسرع به نحو عدوه.
شرح غريب ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف وما يذكر معه / قوله - دحنا - بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين وبالنون، وبالقصر والمد: أرض بين الطائف والجعرانة.
الجعرانة - بكسر الجيم وسكون العين المهلمة وقد تكسر وتشدد الراء.
سراقة - بضم السين المهملة.
جعشم - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة.
المقنب - بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون وبالموحدة، جماعة الخيل والفرسان، وقيل: هي دون المائة.
إليك إليك - اسم فعل أمر: معناه تنح وابعد.
الغرز - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والزاي، ركاب الابل.

(5/415)


الجمارة - بضم الجيم: قلب النخلة.
الضالة من الابل: الضائعة.
تغشى: تاتي.
كبد حرى: بتشديد الراء: تأنيث حران، وهما للمبالغة من الحر، يريد أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش، والمعنى أن في سقي كل ذي كبد حرى أجرا.
أبو رهم - بضم الراء وسكون الهاء " الغفاري " بكسر الغين المعجمة.
الفرق - بفتحتين: الخوف.
روحت - بفتح الراء والواو المشددة والحاء المهملة.
الركاب: الابل.
أترقب: أنتظر.
السبي: ما غنم من النساء والاولاد.
الذراري: الاولاد.
أستاني بهم: انتظر مجيئهم.
زهير - بضم الزاي وفتح الهاء وسكون التحتية.
صرد - بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالدال المهملة، وهو مصروف وليس معدولا.
أبو برقان - بفتح الموحدة وسكون الراء وبالقاف والنون، وهو عمه - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة.
إنا أصل وعشيرة - بعين مهملة مفتوحة فشين مكسورة فتحتية فراء: بنو الاب الادنون أو القبيلة، والجمع: عشائر.
الحظائر - بالظاء المعجمة المشالة: جمع حظيرة وهو الزرب الذي يصنع للابل والغنم ليكنها، وكان السبي في حظائر مثلها.
عماتك وخالاتك: أي من الرضاع.
حواضنك: يعني اللاتي أرضعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحضنه من بني سعد هوازن.
ملحنا - بفتح الميم واللام وسكون الحاء المهملة: أرضعنا، والملح: الرضاع.
الحارث بن أبي شمر: ملك الشام من العرب.
النعمان بن المنذر: ملك العراق من العرب.

(5/416)


عائديهما: فضلهما ونيلهما وشفقتهما.
الاوجاقي (1).
الهبل (2): ابن يزيد بالزاي والدال المهملة وزن أمير.
أمينة - بوزن عظيمة.
عفيفة بعين مهملة وفائين وزن عظيمة.
الصيدلاني (3) بفتح الصاد المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة وبالنون.
القبابي - بكسر القاف وتخفيف الموحدة وبعد الالف موحدة أخرى.
مؤنسة روح - بفتح الراء.
الفارقاني: بالفاء وسكون الراء وفاء أخرى.
معمر - بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة.
الفاخر - بالفاء والخاء المعجمة.
الجوزدانية - بجيم مضمومة فواو ساكنة فزاي فدال مهملة فالف فنون.
ريذة - بكسر الراء وسكون التحتية وفتح الذال المعجمة فتاء تأنيث.
الضبي - بفتح الضاد وبالموحدة المشددة.
رماحس - بضم الراء وتخفيف الميم وبعد الالف حاء فسين مهملتين.
قال في النور: الذي يظهر أنه غير منصرف للعلمية والعجمة وليس فيما يظهر من أسماء العربية.
القيسي.
بالقاف المفتوحة والتحتية الساكنة.
رمادة الرملة - بفتح الراء: قرية بقربها.
__________
(1) 127 - (محمد) بن محمد بن أحمد بن عز الدين المحب أبو عبد الله القاهري الشافعي والد الرضى محمد وعبد الرحيم وأحمد المذكورين، ويعرف بابن الاوجاقي.
ولد سنة سبعين وسبعمائة أو التي قبلها بالدرب المعروف بوالده في خط باب اليانسية خارج باب زويلة من القاهرة ونشابها فاخذ الفقه عن البلقيني والملقن وغيرهما.
الضوء اللامع 9 / 549 / 50.
(2) الحسن بن أحمد بن هلال بن سعد بن فضل الله الصرخدي ثم الصالحي المعروف بابن هبل الطحان ولد سنة ثلاث وثمانين وستمائة وسمع من الفخر بن البخاري ومن التقي الواسطي وأجازا له وسمع بنفسه من التقي سليمان وأخيه وفاطمة بنت سليمان والدمشقي وعثمان الحمصي وعيسى المغاري وغيرهم وحدث بالكثير ورحل إليه الناس وتوفي في صفر، الشذرات 6 / 261، 262.
(3) الصيدلاني [ بفتح الصاد المهملة، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح الدال المهملة، وبعدها اللام ألف، والنون...هذه النسبة لمن يبيع الادوية والعقاقير.
] واشتهر بهذه النسبة جماعة كثيرة، منهم: الانساب 3 / 573.
(*)

(5/417)


زياد بن طارق [ بالزاي المكسورة والياء التحتية والالف الممدودة ] والدال المهملة.
أبو جرول - بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الواو ولام.
زهير - بالزاي والتصغير.
الجشمي - بضم الجيم وفتح الشين المعجمة.
امنن - بهمزة مضمومة فميم ساكنة فنون مضمومة وأخرى ساكنة، أي أحسن إلينا من
غير طلب ثواب ولا جزاء.
المرء - بفتح الميم وبالراء والهمز: الرجل، وأل هنا لاستغراق أفراد الجنس، أي أنت المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في الرجال.
البيضة هنا: الاهل والعشيرة.
الغير - بكسر الغين المعجمة: تغيير الحال وانتقالها عن الصلاح إلى الفساد.
هتافا - بفتح الهاء وبالفوقية وبالفاء: أي ذا هتف، أي صوت.
الغماء - بفتح الغين المعجمة وتشديد الميم.
الحزن: سمي بذلك لانه يغطي السرور.
الغمر - بغين معجمة مفتوحة وتكسر، فميم فراء: الحقد.
يختبر بالبناء للمفعول.
ترضعها - بضم الفوقية.
إذ: حرف تعليل.
فوك: فمك.
المحض - بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وبالضاد المعجمة الساقطة، اللبن الخالص.
الدرر - بكسر الدال المهملة وفتح الراء الاولى: جمع درة، وهي كثرة اللبن وسيلانه.
يزينك - بتحتية مفتوحة فزاي مكسورة فتحتية فنون.
تذر: تترك.
ولا تجعلنا - بفوقية مفتوحة فجيم ساكنة فعين فلام مفتوحة فنون مشددة فالف.
شالت نعامته: أي هلكت والنعامة باطن القدم، وشالت: ارتفعت، ومن هلك ارتفعت رجلاه وسكن راسه فظهرت نعامة قدامه.

(5/418)


استبق: بسين مهملة فمثناة فتحتية موحدة فقاف.
زهر بضم الزاي والهاء.
نعماء - بنون مفتوحة فعين ساكنة فميم فالف ممدودة: النعمة.
كفرت - بضم الكاف وكسر الفاء وفتح الراء.
مدخر - بميم مضمومة فدال مشددة فخاء معجمة مفتوحتين أصله مذتخر، فلما أرادوا الادغام ليخف النطق قلبو التاء إلى ما يقاربها من الحروف، وهي الدال المهملة لانهما في مخرج واحد فصارت متخر مدخر، والاكثر أن تقلب الذال المعجمة دالا مهملة ثم تدغم فيها فتصير دالا مشددة.
فالبس - بفتح الهمزة وكسر الموحدة.
مشتهر - بميم مضمومة فشين معجمة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فهاء مكسورة فراء: ظاهر.
مرحت - بفتح الميم والراء والحاء المهملة: نشطت وخفت.
الكمت - بضم الكاف وسكون الميم ومثناة فوقية جمع كميت، وهو من الخيل.
يستوى فيه المذكر والمؤنث من الكمتة وهي حمرة خالطتها قنوة، قال الخليل: إنما صغر لانه بين السواد والحمرة كانه لم يخلص له واحدة منهما فارادوه بالتصغير لانه منها قريب.
الجياد تقدم تفسيره.
الهياج - بكسر الهاء وتخفيف التحتية وبالجيم: القتال.
استوقد بالبناء للمفعول.
الشرر: تقدم تفسيره.
نؤمل: نرجو.
تلبسه - بضم الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة.
راهبة - بالموحدة خائفة.
يهدى - بالبناء للمفعول.
الظفر: الفوز.
المسور - بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو.
مخرمة - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء.

(5/419)


البضع - في العدد بكسر الموحدة، وبعض العرب يفتحه: من الثلاثة الى التسعة، يقال بضع رجال وبضع نسوة ومن ثلاثة عشر بضعة مع المذكر وبضع مع المؤنث.
قفل - بفتح القاف والفاء: رجع.
الاحساب: جمع حسب بفتحتين: الشرف.
قال الازهري: له ولآبائه من الحساب.
وهو عد المناقب لانهم كانوا إذا تفاخروا عد كل واحد مناقبه ومناقب آبائه.
العرفاء - جمع عريف وهو مدبر أمر القوم والقائم بأمر ساستهم.
يفئ الله علينا - بضم التحتية وكسر الفاء، وهمز آخره.
سليم - بضم أوله وفتح اللام.
وهنتموني: ضعفتموني.
فسبيل ذلك - بفتح اللام على أنه مفعول بفعل مقدر وبضمها على أنه خبر مبتدأ محذوف.
الفرائض - جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لانه فرض، على رب المال، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة.
المعقد - بضم الميم وفتح العين وتشديد القاف، وهو ضرب من برود هجر.
شرح غريب ذكر دعائه - صلى الله عليه وسلم - على من أبى أن يرد شيئا من السبي أن يخيس سهمه قال في الصحاح: خاست الجيفة أي أروحت، ومنه قيل خاس البيع والطعام كأنه كسد حتى فسد.
السهم هنا: النصيب.
قبطية - بضم القاف: ثياب بيض رقاق من كتان وقطن.
هل لك في كذا [ هل تريد كذا ].
بناهد - بنون فألف فهاء فدال: يقال نهد الثدى: كعب.
بواجد - من الوجد وهو الحزن: أي لا يحزن زوجها عليها لانها عجوز كبيرة.
الدر: اللبن.
المالد: القربة هنا.
السمل - بفتح السين المهملة والميم وباللام: الخلق - بفتح الخاء وكسر اللام.

(5/420)


الفرص - بضم الفاء وفتح الراء وبالصاد المهملة جمع فرصة، وهي اسم من تفارص القوم الماء القليل لكل منهم نوبة وأطلق على النهزة - بضم النون وسكون الهاء وبالزاي.
شرح غريب - ذكر قسمه - صلى الله عليه وسلم - أموال هوازن انتزعت رداءه: اقتلعته.
تهامة - بكسر الفوقية: ما انخفض من الارض.
النعم - بفتح النون والعين: المال الراعي، وأكثر ما يقع على الابل.
ألفيتموني: وجدتموني.
السنام: أعلى ظهر البعير.
الوبرة: واحدة الوبر.
الخياط والمخيط: الابرة.
الشنار - بفتح الشين المعجمة وبالنون: أقبح العار.
الكبة من الشعر ونحوه - بضم الكاف وتشديد الموحدة.
عبادة - بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة.
الانملة - بتثليث الهمزة مع تثليث الميم: العقد من الاصابع أو رؤوسها.
علقت به الاعراب: لزموه وجبذوا أثوابه.
اضطروه إلى شجرة: ألجأوه إليها وأحوجوه.
السمرة - بفتح السين وضم الميم من شجر الطلح.
العضاة - ككتاب: شجر الشوك كالطلح والعوسج، والهاء أصلية، الواحدة عضة بالهاء والتاء، والاصل عضهة كعنبة.
برد نجراني - منسوب إلى نجران - بفتح النون وسكون الجيم وبالنون: إقليم معروف.
جذبه - بفتح الجيم وبالذال المعجمة: شدة إلى نفسه: أي سحبه إليه.
شرح غريب ذكر إعطائه - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم وقول العباس بن مرداس كانت: أي الابل والماشية.
النهاب بكسر النون وبالهاء وبعد الالف موحدة جمع نهب - وهو ما ينهب ويغنم.
تلافيتها: تركتها.
الكر - بفتح الكاف وتشديد الراء: عود الفارس للقتال.

(5/421)


المهر - بضم الميم وسكون الهاء: ولد الخيل.
الاجرع - بفتح أوله وسكون الجيم وفتح الراء وبالعين المهملة: المكان السهل.
الايقاظ: مصدر أيقظه من نومه إذا نبهه.
القوم - بالفتح مفعول.
هجع هنا: نام.
العبيد - بلفظ تصغير عبد - اسم فرسه.
ذو تدرأ - بضم الفوقية وسكون الدال المهملة وبالراء وبالهمز، أي ذو دفع من قولك
درأه إذا دفعه.
الافائل - جمع أفأل - بفتح أوله وسكون الفاء وبالهمز وهي الصغار من الابل.
عديد قوائمها الاربع - بعين فدالين مهملات بينهما تحتية كالعدد اسمان للعد.
وهو الاحصاء.
وما كان حصن: والد عيينة.
ولا حابس: والد الاقرع.
يفوقان - بتحتية ففاء فواو فقاف، يعلوان شرفا.
شيخي: يعني أباه مرداس، ومن قال شيخي تثنية شيخ فيعني أباه وجده، ويروى يفوقان مرداس.
بين مكة والمدينة كذا في الصحيح.
والصواب بين مكة والطائف، وبه جزم النووي.
ألا تنجز لي ما وعدتني من غنيمة حنين، وكان ذلك وعدا خاصا به.
أبشر - بقطع الهمزة أي بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل على الصبر.
فاقبلا بفتح الموحدة.
مج فيه: بميم مفتوحة فجيم مشددة: رمى.
وأفرغا بقطع الهمزة وكسر الراء: صبا.
أفضلا - بقطع الهمزة وكسر الضاد المعجمة.
لامكما: تعني نفسها.
طائفة: بقية.

(5/422)


شرح غريب ذكر بيان الحكمة في عطائه - صلى الله عليه وسلم - أقواما جعيل - بالتصغير.
سراقة - بضم السين.
طلاع الارض - بكسر الطاء: ما ملاها حتى يطلع عنها ويسيل.
الرهط - بفتح الراء وسكون الهاء وفتحها.
ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، أو منها إلى الاربعين.
مالك عن فلان: [ ما صرفك عنه ].
تغلب - بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر الموحدة لا ينصرف.
الهلع: اشد الجزع.
الجزع كالتعب: ضد الصبر.
حمر النعمر [ خيارها ].
شرح غريب ذكر عتب جماعة من الانصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائر الناس - هنا باقيهم، ويكون بمعنى جميعهم كما ذكره الجوهري وابن الجواليقي وابن بري، وغلط من غلط الجوهري، واستشهد له قال ابن ولاد: سائر توافق بقية: نحو أخذت من المال وتركت سائره لان المتروك بمنزلة البقية وتفارقها من حيث أن السائر - لما كثر والبقية لما قل - لهذا نقول: أخذت من الكتاب بقيته وتركت سائره، ولا نقول تركت بقيته.
وجدوا - بفتح الواو والجيم: حزنوا.
وفي رواية وجد بضم الواو والجيم جمع واحد، ووجد عليه في نفسه: غضب.
القالة: الكلام الردئ.
يغفر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قالوه توطئة وتمهيدا لما يرد بعده من العتاب لقوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [ التوبة 43 ] الطلقاء بضم الطاء المهملة وفتح اللام وبالقاف والمد: جمع طليق، فعيل بمعنى مفعول - منقول وهم من من عليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة ولم ياسرهم ولم يقتلهم.
وسيوفنا تقطر من دمائهم: جملة في محل النصب على الحال مقررة لجهة الاشكال،
وهو من باب عرضت الناقة على الحوض.

(5/423)


إذا كانت شديدة - بالرفع والنصب.
استعتبناه: طلبنا منه العتبى - بضم العين وسكون التاء وفتح الباء: طلب الرضى.
فحدث - بضم الحاء وكسر الدال مبنيا للمفعول، أي أخبر بمقالتهم.
أين أنت من ذلك.
الحظيرة - بالحاء المهملة والظاء المعجمة المشالة، يشبه الزرب للماشية والابل.
في قبة من أدم - بفتح الهمزة المقصورة والدال المهملة: جلد بلا دبغ.
فجاء رجل من المهاجرين.
ضلالا بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الاولى: أي بالشرك.
عالة - بعين مهلمة فلام مخففة: فقراء لا مال لكم.
الله ورسوله أمن: من المنة وهي النعمة.
المخذول: الذي ترك قومه نصره.
حديثو عهد بجاهلية ومصيبة من نحو قتل أقاربهم وفتح بلادهم.
أجبرهم - بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الموحدة: من الجبر عند الكسر.
وفي رواية أجيزهم - بضم الهمزة وكسر الجيم بعدها تحتية ساكنة فزاي: من الجائزة.
اللعاعة - بضم اللام وبعينين مهملتين، بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها في قلة بقائها.
القسم - بكسر القاف: الحظ والنصب.
الرحل هنا: منزل الرجل ومسكنه وبيته الذي فيه أثاثه، ذكرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما غفلوا عنه من عظم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية.
الشاة والبعير اسما جنس يقع يقع كل منهما على الذكر والانثى.
يحوزونه - بالحاء المهملة.
الشعب - بكسر الشين المعجمة وسكون العين: الطريق في الجبل.
الوادي: المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء، والمراد بلدهم.
لو سلك الانصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الانصار أو شعبهم، أشار - صلى الله عليه وسلم - بذلك إلى ترجيحهم بحسن الجوار والوفاء بالعهد لا وجوب متابعته إياهم إذ هو - صلى الله عليه وسلم - المتبوع المطاع لا التابع المطيع، فما أكثر تواضعه - صلى الله عليه وسلم -.

(5/424)


الشعار - بكسر الشين المعجمة: الثوب الذي يلي الجسد.
الدثار - بكسر الدال المهملة وبالثاء المثلثة المفتوحة: ما يجعل فوق الشعار، أي أن الانصار بطانته وخاصته وأنه أحق به أقرب إليه من غيرهم، وهو تشبيه بليغ.
أخضلوا لحاهم - بفتح أوله وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين: بلوها بالدموع.
أثرة - بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله مع إسكان ثانيه، أي يستاثر عليكم بما لكم فيه اشتراك في الاستحقاق.
فاصبروا حتى تلقوني على الحوض يوم القيامة فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم على الثواب الجزيل على الصبر.
شرح غريب شعر حسان - رضي الله عنه السح - بفتح السين وتشديد الحاء المهملتين: يقال: سح المطر إذا صب.
حفلته - بفتح الحاء المهملة والفاء واللام وسكون الفوقية: أي جمعته، ومنه المحفل وهو مجتمع الناس.
العبرة - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة: الدمع.
درر - بدال مهملة ورائين: سائلة الوجد: الحزن.
شماء - بشين معجمة مفتوحة فميم مشددة [ فالف ] فهمز: اسم امرأة.
البهكنة - بتفح الموحدة وسكون الهاء وفتح الكاف وبالنون: المرأة ذات الشباب غضة، وقال في الاملاء كثيرة اللحم.
هيفاء: ضامرة الخاصرة، ومن روى قوله لا دنن بالدال المهملة فمعناه: تطامن الصدر وغوره، ومن رواه بالمعجمة فمعناه: القذر بالقاف المفتوحة والذال المعجمة المكسورة، ومنه الذنين وهو ما يسيل من الانف، ومن رواه لا أذن فمعناه: [ الذي يسيل منخراه جميعا ].
الخور - بفتح الخاء المعجمة والواو وبالراء: الضعف.
دع: أترك.
النزر: القليل.
علام - حذفت ألف ما الاستفهامية لدخول حرف الجر عليها.
نازحة بالنون والزاي والحاء المهملة: بعيدة.

(5/425)


الحرب العوان: هي التي قوتل فيها مرة بعد مرة.
تستعر: تلتهب وتشتعل.
اعترفوا: صبروا.
النائبات: ما ينوب الانسان وما ينزل به من المهمات والحوادث.
وما خاموا - بالخاء المعجمة ما جبنوا وما ضجروا، أي ما أصابهم حرج ولا ضيق.
الناس ألب - بهمزة مفتوحة فلام ساكنة فموحدة، أي مجتمعون على التدبير للعدو من حيث لا نعلم.
القنا - بالقاف والنون: الرماح.
الوزر - بفتح الواو والزاي: الملجأ.
نجالد الناس: نقاتلهم.
توحي - بمثناة فوقية مضمومة فواو ساكنة فحاء مهملة مفتوحة فتحتية من الوحي.
لا تهر - بفوقية مفتوحة فهاء مكسورة فراء: لا تكره.
جناة الحرب - بجيم مضمومة فنون فالف فتاء تأنيث: جمع جان.
النادي - بالنون: المجلس.
تلظى - بفوقية فلام فظاء معجمة مفتوحات فتحتية.
تلتهب وتضطرم، وهو من لظى من أسماء النار لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
نسعر: نوقد الحرب ونشعلها.
النعف - بفتح النون وسكون العين وبالفاء: أسفل الجبل.
حزبت - بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي: أجمعت وأعان بعضها بعضا.
ما ونينا - بواو مفتوحة فنون فتحتية ساكنة فنون ما فترنا.
وما خمنا: تقدم.
شرح غريب ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق وما يذكر معه قوله: الشقاق - بكسر الشين: الخلاف والمعاندة.
الصرف - بكسر الصاد، وهو هنا صبغ يصبغ به الاديم.
معتب - بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة.

(5/426)


قشير - بقاف وشين معجمة وبالتصغير.
ذو الخويصرة - بالخاء المعجمة تصغير خاصرة.
أجل: كنعم وزنا ومعنى.
شقيت - بشين معجمة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية فتاء، روي ضمها وفتحها.
معاذ الله: أي أعوذ بالله معاذا، يقال: معاذ الله ومعاذة الله وعوذ الله وعياذة الله بمعنى واحد، أي أستجير بالله.
شيعة الرجل - بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية فعين مهملة: أتباعه.
يتعمقون: يتبعون أقصاه، وعمق الشئ بعد قعره، وهو بعين مهملة.
الرمية - براء مفتوحة فميم مكسورة فتحتية مشددة فتاء تأنيث: الصيد: الذي ترميه فتصيده وينفذ فيه سهمك، وقيل: هي كل دابة مرمية.
النصل - حديدة السهم.
القدح - بكسر القاف: السهم، قبل أن يراش ويركب نصله.
الفوق - بضم الفاء يذكر ويؤنث: طرف السهم الذي يباشر الوتر.
الرصاف - بكسر الراء وبالصاد المهملة والفاء عقب بفتحتين - يلوى على مدخل النصل في السهم.
النضى - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة الساقطة: نصل السهم، وقيل: هو السهم قبل أن ينحت إذا كان قدحا.
قال أبو موسى المديني وابن الاثير: وهو أولى، لانه قد جاء في الحديث ذكر النصل بعد النضي، وقيل: هو من السهم ما بين الريش والنصل قالوا سمي نضيا لكثرة البري والنحت، فكأنه جعل نضوا أي هزيلا.
القذذ - بفتح القاف وفتح الذال المعجمة وآخره [ ذال ] أخرى: ريش السهم واحدتها قذذة.
الفرث: ما يوجد في كرش ذي الكرش.
الحناجر - جمع حنجرة: الحلقوم.
يمرقون من الدين يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه كما يخرق السهم الشئ المرمي به ويخرج منه.
آيتهم: علامتهم.

(5/427)


العضد بتثليث العين كرجل - ويسكن وكبد وحمل، وبضمتين ويسكن: ما بين المرفق الى الكتف.
الثدي - بمثلثة مفتوحة فدال مهملة ساكنة.
البضعة - بفتح الموحدة: القطعة.
تدردر - بفتح الفوقية والدال المهملة، وسكون الراء وبالدال المهملة آخره [ راء ] تترجرج.
مضارع مرفوع حذفت منه التاء.
يخرجون على حين - بالحاء والنون.
فرقة - بضم الفاء: أي افتراق من المسلمين، وروي على خير بالمعجمة والراء، فرقة بالكسر: وهو علي وأصحابه.
شرح غريب ذكر قدوم مالك بن عوف - رضي الله عنه - الموفور: الكثير.
دحنا - بضم الدال وتفتح وسكون الحاء المهملتين، بالقصر والمد: أرض بين الطائف والجعرانة.
ركضه: استحثه الجري.
العطاء الجزيل: العطاء الكثير.
إذا اجتدى - بضم أوله وسكون الجيم وضم الفوقية وكسر الدال المهملة: أي طلبت منه العطية.
الكتيبة - بالفوقية: الطائفة المجتمعة من الجيش.
عردت - بعين مهملة فراء فدال مهملة مفتوحات فتاء: اعوجت.
أنيابها - جمع ناب: السن خلف الرباعية، مؤنث.
السمهري - بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح الهاء وبالراء: الرماح المنسوبة الى سمهر: قرية بالهند.
المهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
الليث: الاسد.
الاشبال: جمع شبل وهو: ولد الاسد.

(5/428)


الهباءة: الغيرة، ويروى المباءة، بفتح الميم والموحدة والهمز: منزل القوم في كل موضع.
الخادر: الداخل في خدره، والخدر هنا غابة الاسد.
المرصد: الموضع الذي يرصد منه ويترقب.
فهم - بفتح الفاء وسكون الهاء.
سلمة - بكسر اللام.
ثمالة - بضم الثاء المثلثة.
قد ضوى: [ أي انضم ].
اعتقد لواء: عقده.
السرح: [ المال يسام في المرعي من الانعام ].
شرح غريب ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المدينة قوله مجنة - بفتح الميم والجيم والنون المشددة.
مر - بفتح الميم وتشديد الراء مضاف الى الظهران تثنية ظهر الحيوان: موضع على مرحلة من مكة.
سرف - بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالفاء: موضع.
شرح غريب شعر بجير بجير - بموحدة مضمومة فجيم فتحتية ساكنة فراء.
زهير بالتصغير ابن أبي سلمى - بضم السين المهملة وسكون اللام وفتح الميم.
العلالة: بضم العين المهملة " من العلل "، وهو الشرب بعد الشرب، وأراد به هنا معنى التكرار.
وقال في الاملاء وفي الروضة: العلالة جرى بعد جرى، أي قتال بعد قتال، يريد أن
هوازن جمعت جمعها علالة في ذلك اليوم، وحذف التنوين من علالة ضرورة وأضمر في كانت اسمها وهو ضمير القصة.
يوم - بالخفض في عدة نسخ صحيحة من السيرة، وجاز على هذا في علالة النصب خبر كان، ويكون اسمها عائدا على شئ تقدم ذكره، ويجوز الرفع في علالة مع اضافتها الى اليوم على أن تكون كان تامة مكتفية باسم واحد، ويجوز أن تجعل اسما على المصدر مثل برة وفجار، وبنصب يوما على الظرف.

(5/429)


أوطاس: اسم موضع يأتي ذكره في السرايا.
الابرق: موضع، وأصله الجبل الذي فيه ألوان من الحجارة والرمل.
الاغواء - بالغين المعجمة: من الغي الذي هو خلاف الرشد.
حسرانا: يعني الذين أعيوا منا من الحسير وقد يجوز أن يكون الحسرى هنا الذين لا درع لهم.
الرجراجة - بفتح الراء وسكون الجيم الاولى: الكتيبة التي يموج بعضها في بعض.
المنايا - جمع منية: وهي الموت.
الفيلق - بفتح الفاء وسكون التحتية وفتح اللام وبالقاف: الجيش الكثير الشديد.
ملمومة: مجتمعة.
خضراء: يعني من لون السلاح.
حضن - بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبالنون: اسم جبل.
الضراء - بكسر الضاد المعجمة الساقطة وبالراء: الاسود الضارية.
الهراس - بفتح الهاء والراء والسين المهملة: نبات به شوك.
فدر - بضم أوله والدال المهملة وتسكن وبالراء، فمن رواه بالقاف عنى خيلا تجعل أرجلها في موضع أيديها إذا مشت، ومن رواه بالفاء عنى الوعول، واحدها فادر.
القياد - بقاف مكسورة فتحتية فألف فدال مهملة.
السابغة بالغين المعجمة: الدرع الكاملة.
استحصنت: احتمت بالحصن.
النهي - بكسر النون وسكون الهاء: الغدير من الماء.
المترقرق: المتحرك.
جدل - بضم الجيم والدال المهملة وباللام: جمع جدلاء: وهي: الدرع الجيدة النسج.
فضولهن: ما انجر منهن.
محرق: لقب عمرو بن هند ملك الحيرة.
شرح غريب شعر كعب بن مالك - رضي الله عنه - تهامة: ما انخفض من أرض الحجاز.

(5/430)


الريب: الشك.
أجممنا: بالجيم: أرحنا.
الحاضن: المرأة التي تحضن ولدها.
ساحة الدار: وسطها، ويقال فناؤها.
العروش بالشين المعجمة: وهي هنا سقف بيوت مكة.
وج - بفتح الواو وتشديد الجيم: اسم موضع.
الخلوف - بضم الخاء المعجمة واللام وبالفاء: الغائبون، وفي غير هذا الموضع بمعنى الحاضرين، وهو من الاضداد.
السرعان - بفتح السين والراء وبالعين المهملات: المتقدمون.
الكثيف - بالثاء المثلثة: الملتف، ومن رواه كشيفا بالشين المعجمة، فمعناه [ مكشوف، أو منكشف، والكشف: رفعك الشئ عما يواريه ويغطيه ].
الرجيف - براء مفتوحة فجيم مكسورة فتحتية ففاء: الصوت الشديد مع زلزال ماخوذ من الرجفة، ومن رواه: وجيفا بالواو والباقي كما تقدم: عنى سريعا يسمع صوت سرعته.
قواضب - بالقاف والضاد المعجمة والموحدة: السيوف القاطعة.
المرهفات: جمع مرهف وهو السيف المرقق الحواشي القاطع.
المصطلون: المبشرون لها.
العقائق - جمع عقيقة: وهي شعاع البرق هنا.
القيون - بالقاف: جمع قين، وهو الحداد.
الكتيف - بالفوقية - جمع كتيفة: وهو صفائح الحديد تضرب للأبواب وغيرها.
تخال - بالخاء المعجمة: تظن.
الجدية - بفتح الجيم وكسر الدال وتشديد التحتية: الطريقة من الدم.
الجادي - بالجيم والدال المهملة المكسورة: الرعفران.
مدوفا - بالدال المهملة وتعجم: مختلطا.
أجدهم - بفتح الهمزة وفتح وكسر الجيم وتشديد الدال المهملة، أي: العريف هنا - بمعنى عارف.
النجب: جمع نجيب، وهو العتيق الكريم من الخيل.

(5/431)


الطروف - بضم الطاء المهملة: جمع طرف.
وهو الكريم من الخيل أيضا.
الروع: الفزع.
الزحف: دنو الناس بعضهم من بعض.
العزوف - بالعين المهملة والزاي وبالفاء: الصابر.
النزق - بفتح النون وكسر الزاي: الخفيف الطائش.
الريف - بكسر الراء وبالفاء: الموضع الخصب الذي على الماء.
الرعش: المتقلب غير الثابت.
الاذعان - بكسر أوله وبالذال المعجمة: الانقياد.
المضيف - بضم الميم وكسر الضاد المعجمة وبالفاء وهو هنا: المشفق الخائف، يقال أضاف من الامر إذا أشفق منه وخاف.
التالد - بالفوقية وكسر اللام وبالدال المهملة: المال القديم.
الطريف - بفتح الطاء المهملة وبالفاء: المال المحدث.
باء: رجع.
ألبوا - بتشديد اللام، وبالموحدة جمعوا.
الصميم - مفعول ألبوا: وهو خلاصة الشئ.
الجذم - بجيم مفتوحة وذال معجمة ساكنة: الاصل.
الجذع - بالجيم والذال المعجمتين: القطع، وأكثر ما يستعمل في الانوف، ويقال في المسامع صلمتا، فلما جمعهما، أعمل فيهما فعلا واحدا.
لين: مخفف لين بتشديد التحتية.
عنيف - بفتح العين وكسر النون وسكون التحتية وبالفاء: ليس برقيق.
الشنوف بضم الشين المعجمة والنون جمع شنف: وهو القرط الذي يكون في الاذن.
الخسوف: الذل.

(5/432)


الباب الثلاثون في غزوة تبوك ويقال إنها غزوة العسرة والفاضحة:
اختلف في سببها، فقيل إن جماعة من الانباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة ذكروا للمسلمين أن الروم جمعوا جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من
متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء ولم يكن لذلك حقيقة، ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ندب الناس إلى الخروج - نقله محمد بن عمر ومحمد بن سعد.
وروى الطبراني بسند ضعيف عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل /: إن هذا الرجل الذي قد خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم.
فان كنت تريد أن تلحق دينك فالان، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالجهاد (1).
وقيل: إن اليهود قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فانها أرض الانبياء، فغزا تبوك لا يريد الشام.
فلما بلغ، تبوك أنزل الله تعالى الايات من سورة بني إسرائيل: (وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) [ الاسراء 76 ] رواه ابن أبي حاتم، وأبو سعد، النيسابوري، والبيهقي باسناد حسن.
وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لما منع المشركين من قربات المسجد الحرام في الحج وغيره قالت قريش: لتقطعن عنا المتاجر والاسواق وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله تعالى - عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون) [ التوبة 28، 29 ] وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين) [ التوبة 123 ] وعزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم، لانهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة الى الحق لقربهم الى الاسلام رواه ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، وابن جرير عن سعيد بن جبير.
__________
(1) انظر المجمع 6 / 194 وقال فيه العباس بن الفضل الانصاري وهو ضعيف.
(*)

(5/433)


ذكر عزمه - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم وبيان ذلك للناس لما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم عام تبوك، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس، يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على تلك الحال من الزمان الذي هم عليه، وبين - صلى الله عليه وسلم - للناس مقصده، وكان - صلى الله عليه وسلم - قل أن يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك، فانه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتاهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، ودعا من حوله من أحياء العرب للخروج معه، فأوعب معه بشر كثير، وبعث إلى مكة، وتخلف آخرون، فعاتب الله - تعالى - من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ووبخهم وبين أمرهم، فقال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير) [ التوبة 38، 39 ] ثم قال تعالى (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) [ التوبة 41، 42 ] إلى آخر الايات.
وروى ابن شيبة، والبخاري، وابن سعد عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قيظ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، وغزى وعددا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريده (1).
ذكر حثه - صلى الله عليه وسلم - على النفقة والحملان
في سبيل الله تبارك وتعالى في حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما - عند الطبراني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس كل يوم على المنبر فيدعو فيقول: " اللهم أن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الارض.
فلم يكن للناس قوة (2).
__________
(1) أخرجه البخاري (2948).
(2) أخرجه مسلم 3 / 1383، 1384 واحمد 1 / 32.
(*)

(5/434)


قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - حض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصدقات فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل أبقيت لاهلك شيئا ؟ " (1) فقال: أبقيت لهم الله ورسوله.
وجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بنصف ماله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل أبقيت لاهلك شيئا ؟ " قال: نعم مثل ما جئت به، وحمل العباس، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن عبادة - رضي الله عنهم - وحمل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - مائتي أوقية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتصدق عاصم بن عدي - رضي الله عنه - بسبعين وسقا من تمر، وجهز عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ثلث ذلك الجيش حتى أنه كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شيق أسقيتهم.
قلت: كان ذلك الجيش زيادة على ثلاثين ألفا، فيكون - رضي الله عنه - جهز عشرة آلاف.
وذكر أبو عمرو في الدرر، وتبعه في الاشارة: أن عثمان حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها، وقال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
ونقل ابن هشام عمن يثق به: أن عثمان - رضى الله عنه - أنفق في جيش العسرة ألف
دينار قلت غير الابل والزاد وما يتعلق بذلك.
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم ارض عن عثمان فاني عنه راض ".
وروى الامام أحمد، والترمذي وحسنه، والبيهقي عن عبد الرحمن بن سمرة - رضى الله عنه - قال: جاء عثمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالف دينار في كمه حين جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة، فصبها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلبها بيده ويقول: " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم " (2) يرددها مرارا.
وروى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند، والترمذي، والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب - بالمعجمة وموحدتين - رضى الله عنه - قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحث على جيش العسرة، فقال عثمان - رضى الله عنه - علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر فحث فقال عثمان - رضي الله عنه -: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان - رضى الله عنه -: علي مائة أخرى
__________
(1) الواقدي في المغازي 3 / 991.
(2) أخرجه الترمذي (3701) والحاكم 3 / 102 وابن أبي عاصم 2 / 587 (592) والبيهقي في الدلائل 5 / 215، وانظر البداية والنهاية 5 / 4.
(*)

(5/435)


بأحلاسها وأقتابها.
، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بيده - هكذا - يحركها كالمتعجب " ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم " أو قال: - بعدها - (1).
وروى الطيالسي، والامام أحمد، والنسائي عن الاحنف بن قيس - رحمه الله تعالى - قال: سمعت عثمان رضى الله عنه - يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم (2).
ويأتي في ترجمة عثمان - رضي الله عنه - أحاديث كثيرة في ذلك.
قال محمد بن عمر - رحمه الله: وحمل رجال، وقوى ناس دون هؤلاء من هم أضعف
منهم، حتى ان الرجل ليأتي بالبعير الى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بيننا نعتقبه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج حتى أن كان النساء يبعثن بما يقدرن عليه، وحمل كعب بن عجرة واثلة بن الاسقع، وروى أبو داود، ومحمد بن عمر عن واثلة بن الاسقع، - رضي الله عنه - قال: نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فخرجت الى أهلي - وقد خرج أول أصحابه - فطفت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلا وله سهمه ؟ فإذا شيخ من الانصار - سماه محمد بن عمر: كعب بن عجره - فقال: سهمه على أن تحمله عقبة وطعامه معنا ؟ فقلت: نعم، فقال: سر علي بركة الله تعالى، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا.
قال محمد بن عمر: بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد الى أكيدر دومة.
قال: فأصابني قلائص - قال محمد بن عمر: ستة - فسقتهن حتى أتيته بهن، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال: سقهن مقبلات.
قسقتهن، ثم قال: سقهن مدبرات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراما، فقلت: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا.
ذكر بعض ما دار بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض المنافقين وتثبيطهم الناس عن الخروج معه روى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - وابن عقبة، ومحمد بن إسحاق،
__________
(1) أخرجه الترمذي (3700) وأحمد 4 / 75 وابن سعد 7 / 55، وأبو نعيم في الحلية 1 / 99، والدولابي في الكني 2 / 17، والبخاري في التاريخ 5 / 247.
(2) أخرجه البيهقي 6 / 167 أو الدار قطني 4 / 200 والنسائي في الاحباس باب (4) والبيهقي في الدلائل 5 / 215.
(*)

(5/436)


ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - عن شيوخهم (1) زاد ابن عقبة: أن الجد بن قيس أتى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد معه نفر، فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود، فاني ذو ضبعة وعلة فيها عذر لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تجهز فانك موسر "، ثم اتفقوا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تجهز تجهز فانك موسر، لعلك تحقب من بنات بني الاصفر ؟ " قال الجد: أو تأذن لي ولا تفتني، فو الله لقد عرف قومي ما أحد أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رايت نساء بني الاصفر ألا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم - وقال: (قد أذنا لك) زاد محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - فجاءه ابنه عبد الله بن الجد - وكان بدريا - وهو أخو معاذ بن جبل لأمه، فقال لأبيه: لم ترد على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مقالته فوالله ما في بني سلمة أحد أكثر مالا منك، فلا تخرج ولا تحمل ؟ ! فقال: يا بني ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر، فوالله ما آمن - خوفا - من بني الأصفر وأنا في منزلي، أفأذهب إليهم أغزوهم ؟ ! إني والله يا بني عالم بالدوائر، فأغلظ له ابنه وقال: لا والله ولكنه النفاق، والله لينزلن على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيك قرآن يقرأ به، فرفع نعله فضرب به وجه ولده، فانصرف ابنه ولم يكلمه، وأنزل الله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) [ التوبة 49 ] أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: وإن جهنم لمن ورائه.
وجعل الجد وغيره من المنافقين يثبطون المسلمين عن الخروج، قال الجد لجبار بن صخر ومن معه من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون.
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانو يكسبون) [ التوبة 81، 82 ].
وروى ابن هشام - رحمه الله تعالى - عن عبد الله بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - قال: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون
الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم اليهودي ففعل طلحة، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا.
__________
(1) أخرجه البيهقي في السنن 9 / 33 وفي الدلائل 5 / 225 وانظر الدر المنثور 3 / 248.
(*)

(5/437)


وجاء أهل مسجد الضرار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، ونحب أن ياتينا فتصلي فيه، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنا في شغل السفر، وإذا انصرفت سيكون ".
ذكر خبر المخلفين والمعذرين والبكائين قال ابن عقبة - رحمه الله تعالى -: وتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرجع إليهم أبدا، فاعتذروا.
وتخلف رجال من المسلمين بامر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر.
قال محمد بن عمر: وجاء ناس من المنافقين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستاذنوه في القعود من غير علة، فاذن لهم - وكانوا بضعة وثمانين رجلا.
وروى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - استدار برسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجال من المنافقين حين أذن للجد بن قيس يستاذنون يقولون: يا رسول الله ائذن لنا فانا لا نستطيع أن نغزو في الحر، فاذن لهم، وأعرض عنهم (1).
وجاء المعذرون من الاعراب فاعتذروا إليه يعذرهم الله، قال ابن إسحاق: وهم نفر من بني غفار: قال محمد بن عمر، كانوا اثنين وثمانين رجلا، منهم، خفاف ابن أيماه.
وروى ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنه - وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن الزهري، ويزيد بن رومان،
وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن محمد بن عمر بن قتادة وغيرهم: أن عصابة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءوه يستحملونه، وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا أجد ما أحملكم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون "، وهو سبعة، واختلفوا في أسمائهم، فالذي اتفقوا عليه سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف الاوسي وعلبة - بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة - بن زيد - وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب.
وهرمي - ويقال باسقاط التحتية - ابن عبد الله - وهو بها - والذي اتفق عليه القرظي، وابن إسحاق، وتبعهم ابن سعد، وابن حزم، وأبو عمرو، والسهيلي ولم يذكر الاخير، والواقدي.
عرباض - بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالضاد المعجمة بن سارية بالمهملة وبالتحتية، وجزم بذلك ابن حزم، وأبو عمرو، ورواه أبو نعيم عن ابن عباس، والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة وابن إسحاق.
عبد الله بن مغفل - بميم
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 318، والدر المنثور 3 / 268.
(*)

(5/438)


مضمومة فغين معجمة ففاء مشددة مفتوحتين - المزني، وفي حديث ابن عباس: عبد الله بن مغفل فيهم، وروى ابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن أبي حاتم عن ابن مغفل قال: إني لاجد الرهط الذين ذكر الله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) [ التوبة 92 ] الاية.
والذين اتفق عليهم القرظي وابن عمر: سلمة بن صخر، ولفظ القرظي سلمان، والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة: عمرو بن عنمة بفتح العين المهملة والنون - ابن عدي - وعبد الله بن عمرو المزني - حكاه ابن إسحاق قولا بدلا عن ابن مغفل، وانفرد القرظي بذكر عبد الرحمن بن زيد أبي عبلة من بني حارثة، وبذكر هرمي بن عمرو من بني مازن.
قال محمد بن عمر: ويقال إن عمرو بن عوف منهم.
قال ابن سعد: وفي بعض الروايات من يقول فيهم: معقل - بالعين المهملة والقاف ابن يسار، وذكر فيهم الحاكم حرمى بن مبارك بن النجار كذا في المورد ولم أر له ذكرا في كتب
الصحابة التي وقفت عليها.
وذكر ابن عائذ فيهم: مهدي بن عبد الرحمن، كذا في العيون، ولم أر له ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة، وذكر فيهم محمد بن كعب: سالم بن عمرو الواقفي، قال ابن سعد: وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة انتهى، وهم: النعمان، وسويد، ومعقل، وعقيل، وسنان وعبد الرحمن والسابع لم يسم، قيل اسمه عبد الله، وقيل النعمان، وقيل ضرار، وقيل [...] وحكى ابن فتحون - قولا - أن بني مقرن عشرة فيتعين ذكر السبعة منهم.
وذكر ابن إسحاق في رواية يونس وابن عمر: أن عبلة بن زيد لما فقد ما يحمله ولم يجد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يحمله خرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله تعالى، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرتنا بالجهاد ورغبت فيه، واني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بهها في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أين المتصدق هذه الليلة " فلم يقم أحد، ثم قال: " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فاخبره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أبشر، فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ".
قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: لما خرج البكاءون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه لقي يامين بن عمرو النضري أبا ليلي وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما ؟، قالا: جئنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعطاهما ناضحا له، وزود كل واحد منهما صاعين من تمر، زاد محمد بن عمر:

(5/439)


وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين، وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة نفر بعد الذي جهز من الجيش.
ذكر حديث أبي موسى في حلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
انه لا يحملهم ثم حملهم روى الشيخان عن أبي موسى الاشعري - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من الاشعريين ليحملنا، وفي رواية: أرسلني أصحابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أساله لهم الحملان، فقلت: يا رسول اله إن أصحابي أرسلوني لتحملهم، فقال: " والله لا أحملكم على شئ، وما عندي ما أحملكم عليه " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن مخافة أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد في نفسه، فرجعت إلى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنهب إبل فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس ؟ فاجبته، فقال: أجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوك، فلما أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد، وفي رواية: فأمر لنا بخمس ذود غر الذري، فقال " انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله - أو قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحملكم على هؤلاء فاركبوا " قال أبو موسى فانطلقت إلى أصحابي فقلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سألته لكم ومنعه في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك، لا تظنوا إني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منعه إياهم ثم إعطائه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى، قال أبو موسى، ثم قلنا: تغفلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمينه، والله لا يبارك لنا، فرجعنا فقلنا له، فقال " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " قال: " إني والله لا أحلف على يمين فارى غيرها خيرا منها إلا أتيت التي هي خير وتحللتها " فقال: " كفرت عن يميني " (1).
ذكر مجئ المعذرين من الاعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لياذن لهم فلم يعذرهم
قال محمد بن عمر، وابن سعد: وهما اثنان وثمانون رجلا من بني غفار، وأنزل الله
__________
(1) أخرجه البخاري 11 / 601 (6718)، ومسلم 3 / 1269 (7 / 1649).
(*)

(5/440)


- تبارك وتعالى - في ذلك كله (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استاذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين.
رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون.
لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا باموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون.
أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم.
وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم.
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم.
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.
إنما السبيل على الذين يستاذنونك وهو أغنياء رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) [ التوبة 86: 93 ].
ذكر من تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صحيح الايمان غير شاك قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر رحمه الله تعالى: وكان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة، وأبو ذر الغفاري.
وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم - انتهى - وسيأتي أن أبا خيثمة، وأبا ذر لحقا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وستاتي قصة الثلاثة.
ذكر من استخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهله، ومن استخلفه على المدينة
قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على أهله، وأمره بالاقامة فيهم، فارجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه وخرج حتى لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بالجرف، فاخبره بما قالوا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ الا أنه لا نبي بعدي " فرجع علي إلى المدينة - وهذا الحديث رواه الشيخان (1)، وله طرق تاتي في ترجمة سيدنا على - رضي الله عنه.
__________
(1) أخرجه البخاري 7 / 71 (3706) ومسلم 4 / 1870 (30 / 2404).
(*)

(5/441)


واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة محمد بن سلمة الانصاري - رضي الله عنه - قال: وذكر الدراوردي: أنه استخلف عام تبوك سباع بن عرفطة، زاد محمد بن عمر - بعد حكاية ما تقدم - ويقال ابن أم مكتوم، وقال: والثابت عندنا محمد بن مسلمة، ولم يتخلف عنه في غزوة غيرها، وقيل: علي بن أبي طالب، قال أبو عمرو وتبعه ابن دحية: وهو الا ثبت، قلت: ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بي أبي وقاص - رضي الله عنه - ولفظه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وذكر الحديث.
وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل بطن من الانصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء ورواية، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشه من الاستكثار من النعال، وقال " إن الرجل لا يزال راكبا مادام منتعلا " (1) وأمر أبا بكر - رضي الله عنه - أن يصلى بمن تقدمه - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأين عسكر ؟ وخروج عبد الله بن أبي معه مكرا ومكيدة، ورجوعه أخزاه الله تعالى قالوا: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجب سنة تسعة فعسكر - صلى الله عليه وسلم - في ثنية الوداع
ومعه زيادة على ثلاثين ألفا، قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، ورواه محمد بن عمر ونقله ابن الامين عن زيد بن ثابت، وروى الحاكم في الاكليل عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا، ونقل الحاكم في الاكليل عن أبي زرعة قال: كانوا بتبوك سبعين ألفا، وجمع بين الكلامين بان من قال: ثلاثين ألفا لم يعد التابع.
ومن قال سبعين ألفا عد التابع والمتبوع.
وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وقيل بزيادة ألفين.
وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك يوم الخميس، وكانت آخر غزوة غزاها، وكان يستحب أن يخرج يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبي معه على حدة، عسكره أسفل منه نحو ذباب، قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد: وكان فيما يزعمون ليس باقل العسكرين.
قال ابن حزم: وهذا باطل، لم يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، فاقام ابن أبي ما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعا إلى المدينة، فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بن الاصفر مع جهد الحال والحر
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب اللباس (66).
(*)

(5/442)


والبلد البعيد الى ما لا طاقة له به، يحسب محمد ان قتال بني الاصغر معه اللعب، والله لكأني انظر الى أصحابه مقرنين في الحبال، ارجافا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وباصحابه.
قال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: خرج المسلمون في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد.
رواه البيهقي، وخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناس من المنافقين لم يخرجوا الا رجاء الغنيمة.
ولما رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثنية الوداع عقد الاولوية والرايات، فدفع لواءه الاعظم الى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ورايته العظمى الى الزبير بن العوام، ودفع راية الاوس
الى أسيد بن الحضير، وراية الخزرج الى أبي دجانة، ويقال الى الحباب بن المنذر، وأمر كل بطن من الانصار أن يتخذ لواء، ورأى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - برأس الثنية عبدا متسلحا، فقال العبد: أقاتل معك يا رسول الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ارجع الى سيدك لا تقتل معي فتدخل النار "، ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج معنا الا مقو فخرج رجل على بكر صعب فصرعه بالسويداء، فقال الناس: الشهيد الشهيد فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا: لا يدخل الجنة عاص.
وكان دليله - صلى الله عليه وسلم - الى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي - رضي الله عنه -.
ذكر تخلف أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - لما عجز بعيره، وما وقع في ذلك من الايات وروى ابن اسحاق عن ابن مسعود - رضى الله عنه - قال: لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى تبوك جعل بتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول " دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه " حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه " (1) وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشيا، قال محمد بن عمر: قالوا: وكان أبو ذر الغفاري يقول: أبطأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك من أجل بعيري.
وكان نضوا أعجف، فقلت أعلفه أياما ثم ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلفته أياما، ثم
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 221.
(*)

(5/443)


خرجت فلما كنت بذي المروة أذم بي فتلومت عليه يوما فلم أر به حركة، فأخذت متاعي فحملته.
قال ابن مسعود: وأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض منازله، قال محمد بن عمر: قال
أبو ذر: فطلعت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصف النهار وقد أخذ مني العطش، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، ان هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ويبعث وحده " فكان كذلك كما سيأتي في المعجزات في أبواب اخباره - صلى الله عليه وسلم - بأحوال رجال، فلما قدم أبو ذر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره خبره، فقال " قد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا الى أن بلغتني " (1) ووضع متاعه عن ظهره، ثم استقى فأتي باناء من ماء فشربه.
قصة أبي خيثمة - رضى الله عنه - روى الطبراني عن أبي خيثمة - رضي الله عنه - وابن اسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخهما قالوا: لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياما دخل أبو خيثمة على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، وقد رشت كل منهما عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى امرأتيه وما صنعتا له فقال: سبحان الله ! رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسنة، في ماله مقيم ؟ ! ! ما هذا بالنصف ! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحى في الطريق يطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: ان لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كن أبا خيثمة " فقال رجل: هو والله يا رسول الله أبو خيثمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أولى لك يا أبا خيثمة " ثم أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خيرا، ودعا له بخير،
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما
__________
(1) أخرجه مسلم في التوبة باب 9 (53) والطبراني في الكبير 6 / 38، 19 / 43، 85 والبيهقي في الدلائل 5 / 223، 226، وانظر البداية لابن كثير 5 / 8 والطبري 11 / 43.
(*)

(5/444)


وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب اثما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما وكنت إذا شك المنافق اسمحت * الى الدين نفسي شطره حيث يمما ذكر اخباره - صلى الله عليه وسلم - بما قاله جماعة من المنافقين الذين خرجوا معه قال محمد بن اسحاق، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - كان رهط من النافقين يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجوا الا رجاء الغنيمة منهم: وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف.
والجلاس بن سويد بن الصامت.
ومخشن بالنون - قال أبو عمرو وابن هشام مخشي بالتحتية - ابن حمير من أشجع، حليف لبني سلمة، زاد محمد بن عمر: وثعلبة بن حاطب.
فقال بعضهم لبعض، عند محمد بن عمر: فقال ثعلبة بن حاطب: أتحسبون جلاد بني الاصفر كجلاد العرب بعضهم بعضا، لكأني بكم غدا مقرنين في الحبال، ارجافا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارهابا للمؤمنين.
وقال الجلاس بن عمرو، وكان زوج أم عمير، وكان ابنها عمير يتيما في حجره: والله لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير، فقال عمير: فأنت شر من الحمير، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق وأنت الكاذب، فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، واننا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه ! !.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار بن ياسر -: " أدرك القوم فانهم قد اخترقوا، فاسألهم عما قالوا، فان أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا " (1) فانطلق عمار إليهم فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته وقد أخذ وديعة بن ثابت بحقبها ورجلاه تسفيان الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم) [ التوبة 65، 66 ] وحلف الجلاس ما قال من ذلك شيئا، فأنزل الله سبحانه وتعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) [ التوبة 74 ].
__________
(1) انظر المغازي للواقدي 3 / 1003، والدر المنثور للسيوطي 3 / 254.
(*)

(5/445)


وقال مخشن: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن أو عبد الله، وكان الذي عفي عنه في هذه الآية، وسأل الله تعالى أن يقتل شهيدا ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يعرف له أثر.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي المروة، وما وقع في ذلك من الايات روى الطبراني عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما مر بالخليجة في سفره إلي تبوك قال له أصحابه: المبرك يا رسول الله الظل والماء - وكان فيها دوم وماء، فقال " إنها أرض زرع نفر "، دعوها فانها مأمورة - يعني ناقته - فأقبلت حتى بركت تحت الدومة التي كانت في مسجد ذي المروة (1).
ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بوادي القرى قال أبو حميد الساعدي - رضي الله عنه - خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاصحابه " اخرصوا " فخرص
القوم وخرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة أوسق، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة " احفظي ما يخرج منها حتى أرجع اليك ان شاء الله تعالى " ولما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك الى وادي القرى قال للمرأة " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) رواه ابن أبي شيبة، والامام أحمد، ومسلم.
قال محمد بن عمر: ولما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وادي القرى أهدى له بنو عريض اليهودي هريسة فأكلها وأطعمهم أربعين وسقا، فهي جارية عليهم الى يوم القيامة قال محمد بن عمر: فهي جارية عليهم الى الساعة.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر، وما وقع في ذلك من الآيات روى الامام مالك، وأحمد، والشيخان عن عبد الله بن عمر، والامام أحمد عن جابر بن عبد الله، الامام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الانماري، وابن اسحاق عن رواية ابن يونس عن الزهري، والامام أحمد عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما مر بالحجر تقنع بردائه وهو على الرحل، فاتضع راحلته حتى خلف أبيات ثمود، ولما نزل هناك سارع الناس الى أهل الحجر يدخلون عليهم، واستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا أن
__________
(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 196، وقال فيه راو لم يسم.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة 14 / 540، ومسلم 4 / 1785 (11)، وأحمد 5 / 424 والبيهقي 4 / 22 وفي الدلائل 4 / 239.
(*)

(5/446)


تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ولا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة، واعلفوا العجين الابل " ثم ارتحل بهم حتى نزل على العين كانت تشرب منها الناقة، وقال: " لا تسألوا الايات.
فقد سالها قوم صالح، سألوا نبيهم أن تبعث آية، فبعث الله تبارك وتعالى لهم الناقة، فكانت ترد هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب مياههم
يوما، ويشربون لبنها يوما، فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد الله تعالى من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله تعالى، قيل: من هو يا رسول الله ؟ قال " أبو رغال " فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل منهم: تعجب منهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم فينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فان الله تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشئ، وإنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، ومن كان له بعير فليوثق عقاله، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له "، ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته والاخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فانه خنق على مذهبه - أي موضعه - وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طئ اللذين يقال لاحدهما أجا ويقال للاخر سلمى، فاخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الاخر طيئا أهدته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رجع إلى المدينة (1).
ذكر استسقائه - صلى الله عليه وسلم - ربه حين شكوا إليه العطش، وما وقع في ذلك من الايات روى البيهقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب رحمه الله - تعالى - قال: خرج المسلمون إلى تبوك في حر شديد فأصابهم يوم عطش حتى جعلوا ينصرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظهر (2) وروى الامام أحمد وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان الرجل يذهب يلتمس
__________
(1) أخرجه البخاري 8 / 125 (4419) ومسلم 4 / 2286 (38، 39 / 2980، وأحمد 2 / 9، 58، 72، 74، 113،
137، والبيهقي في الدلائل 5 / 233، وفي السنن 2 / 451 والحميدي (653) وعبد الرزاق (1625) والطبراني في الكبير 12 / 457 وانظر الدر المنثور 4 / 104.
(2) البيهقي في الدلائل 5 / 227.
(*)

(5/447)


الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع حتى أن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله تعالى لنا، قال " أتحب ذلك ؟ " قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فاظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (1)، وروى ابن أبي حاتم عن ابن حرزة - رحمه الله تعالى - قال: نزلت هذه الاية في رجل من الانصار في غزوة تبوك.
ونزلوا الحجر فامرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن لا يحملوا من مائها شيئا ثم ارتحل، ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام فصلى ركعتين، ثم دعا فارسل الله سبحانه وتعالى سحابة فامطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الانصار لاخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فامطر الله علينا السماء، فقال: إنما أمطرنا بنو كذا وكذا، فانزل الله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) [ الواقعة 82 ] ذكر ابن إسحاق أن هذه القصة كانت بالحجر، وروى عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل من المنافقين معروف نفاقه يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعا فارسل الله تعالى السحابة فامطرت حتى ارتوى الناس، قالوا أقبلنا عليه نقول ويحك، هل بعد هذا شئ ؟ قال: سحابة مارة (2).
ذكر إضلال ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الايات قال محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر - رحمه الله تعالى: ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
سار حتى إذا كان ببعض الطريق متوجها إلى تبوك فاصبح في منزل فضلت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال محمد بن عمر: هي القصوا - فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، قتل يوم اليمامة شهيدا، وكان في رحله زيد بن اللصيت، أحد بني قيقاع، كان يهوديا فاسلم فنافق وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لاهل النفاق، فقال زيد وهو في رحل عمارة بن حزم، وعمارة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: محمد يزعم أنه نبي وهو يخبركم عن خبر السماء أين ناقته ! ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: " أن منافقا قال هذا محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بامر السماء ولا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله تعالى، وقد دلني الله عز وجل عليها، وهي في
__________
(1) أخرجه البيهقي 9 / 357 والدلائل 5 / 231 وابن خزيمة (101) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1707) وانظر المجمع 6 / 195.
(2) المغازي (3 / 1009).
(*)

(5/448)


الوادي في شعب كذا وكذا - لشعب أشار لهم إليه حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها " فذهبوا فجاءوا بها.
قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - الذي جاء بها الحارث بن خزيمة الاشهلي، فرجع عمارة إلى رحله فقال: والله، العجب لشئ حدثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنفا عن مقالة قائل أخبرها الله تعالى، عنه، قال كذا وكذا للذي قال زيد، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة - قال محمد بن عمر: وهو عمرو بن حزم أخو عمارة - ولم يحضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد - والله - قائل هذه المقالة، قبل أن تطلع علينا، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: يا عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر، أخرج يا عدو الله من رحلي فلا تصحبني.
قال ابن اسحاق: زعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حتى هلك.
ذكر اقتدائه - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن بن عوف في صلاة الصبح
روى ابن سعد بسند صحيح عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: كنا فيما بين الحجر وتبوك ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاجته وكان إذا ذهب أبعد، وتبعه بماء بعد الفجر وفي رواية قبل الفجر فأسفر الناس بصلاتهم، وهي صلاة الفجر حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف - رضى الله عنه - فصلى بهم فحملت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أداوة فيها ماء، وعليه جبة رومية من صوف، فلما فرغ صببت عليه فغسل وجهه، ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: " دعهما فانني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما، فانتهينا الى عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع ركعة، فسبح الناس لعبد الرحمن بن عوف حين رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه، فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أثبت، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، فلما سلم عبد الرحمن تواثب الناس، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي الركعة الباقية ثم سلم بعد فراغه منها، ثم قال: " أحسنتم، أو - قد أصبتم - فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها - انه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته " ورواه مسلم بنحوه (1).
ذكر حكومته - صلى الله عليه وسلم - في رجل عض آخر فانتزع ثنيته عن يعلي بن أمية - رضي الله عنه - أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأجير له قد نازع رجلا من العسكر فعضه ذلك الرجل فانتزع الاجير يده من فم العاض فانتزع ثنيته.
فلزمه العاض فبلغ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمت مع أجيري لانظر ما يصنع، فأتى بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1012.
(*)

(5/449)


" أيعمد أحدكم فيعض أخاه كما يعض الفحل " فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أصاب من ثنيته، وقال " أفيدع يده في فيك تقضمها كأنها في فم فحل يقضمها ؟ " (1) رواه البخاري وغيره.
ذكر اردافه - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن بيضاء
عن سهيل بن بيضاء - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أردفه على رحله في غزوة تبوك، قال سهيل ورفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته " يا سهيل " كل ذلك يقول سهيل: يا لبيك يا رسول الله - ثلاث مرات - حتى عرف الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدهم فانثنى عليه من أمامه ولحقه من خلفه من الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من شهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له حرمه الله على النار " (2) رواه الامام أحمد والطبراني ومحمد بن عمر.
ما ذكر أن حية عظيمة عارضت الناس في مسيرهم ان صح الخبر ذكر محمد بن عمر، وأقره أبو نعيم في الدلائل، وابن كثير في البداية، وشيخنا في الخصائص الكبرى قال: عارض الناس في مسيرهم حية - ذكر من عظمها وخلقها فانصاع الناس عنها، فاقبلت حتى واقفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على راحتله طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتذلت الطريق، فقامت قائمة فأقبل الناس حتى لحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " هل تدرون من هذا ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا الي يستمعون القرآن، فرأى عليه من الحق - حين ألم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام، فسلموا عليه فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته (3).
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك وما وقع في ذلك من الايات روى الامام مالك، وابن إسحاق، ومسلم عن معاذ بن جبل والامام أحمد برجال الصحيح عن حذيفة - رضي الله عنهما - قال معاذ: إنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك قال: فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فاخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: " إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى " وفي حديث حذيفة " بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن في الماء قلة، فامر مناديا ينادي في الناس أن لا يسبقني إلى الماء أحد "، قال فجئناها وقد سبق إليها رجلان
__________
(1) أخرجه البخاري (4417).
(2) أخرجه أحمد 5 / 318، 236، 318، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد، وانظر المجمع 6 / 252.
(3) المغازي للواقدي 3 / 1015.
(*)

(5/450)


والعين مثل الشراك تبض بشئ من مائها، فسألهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هل مسستما من مائها شيئا " قالا: نعم.
فسبهما وقال لهما " ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شن، ثم غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير.
ولفظ ابن إسحاق فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إن له حسا كحس الصواعق وذلك الماء فوارة تبوك.
انتهى، فاستسقى الناس، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا معاذ يوشك أن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا ملي جنانا ".
وروى البيهقي وإبو نعيم عن عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزل تبوك - وكان في زمان قل ماؤها فيه فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلات.
فهي كذلك حتى الساعة (1).
وروى الخطيب في كتاب الرواة عن الامام مالك عن جابر - رضي الله عنه - قال: انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وعينها تبض بماء يسير مثل الشراك فشكونا العطش، فامرهم فجعلوا فيها ما دفعها إليهم فجاشت بالماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: " يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا " (2).
ذكر نومه - صلى الله عليه وسلم - حتى طلعت الشمس قبل وصوله إلى تبوك روى البيهقي عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فلما كان منها على ليلة استرقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر " فقال يا رسول الله ذهب بي النوم،
وذهب بي مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منزله غير بعيد، ثم صلى، وسار مسرعا بقية يومه وليلته فاصبح بتبوك.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - تبوك واتخاذه مسجدا قال شيوخ محمد بن عمر: لما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك وضع حجرا قبلة مسجد تبوك وأومأ بيده إلى الحجر وما يليه ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: " ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن ".
__________
(1) البيهقي في الدلائل 5 / 226.
(2) أخرجه مسلم 4 / 1784 - 1785 حديث (10 / 706) وأحمد 5 / 238 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (549)، والبيهقي في الدلائل 5 / 236 وابن خزيمة (968) ومالك في الموطأ 144، وانظر كنز العمال (35398).
(*)

(5/451)


وروى الامام أحمد: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا يحمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى ياتيه الموت.
وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شئ منه " (1).
وروى البيهقي عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أصبح بتبوك حمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أيها الناس أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث الحديث ذكر الله، وأحسن القصص القرآن، هذا وخير الامور عوازمها، وشر الامور محدثاتها وأحسن الهدى هدى الانبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع وشر العمى عمى القب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة،
ومن الناس من لا ياتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وراس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من أعمال الجاهلية، والغلول من جثى جهنم، والسكركة من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر الماكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والامر إلى الاخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله عز وجل، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتال على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ ياجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله.
اللهم اغفر لي ولامتي - قالها ثلاثا - استغفر الله لي ولكم " (2).
وذكر ابن عائد - رحمه الله تعالى - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل تبوك في زمان قل ماؤها
__________
(1) أخرجه أحمد في المسند 3 / 37، 58، 414، والحاكم 2 / 67 والنسائي 6 / 12.
(2) البيهقي 5 / 241 قال الحافظ ابن كثير في البداية 5 / 13، 14 هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وفي اسناده ضعيف.
(*)

(5/452)


فيه، فاغترف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غرفة بيده من مائها فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت حتى امتلات، فهي كذلك حتى الساعة.
ذكر من استعمله - صلى الله عليه وسلم - على الحرث بتبوك قال شيوخ محمد بن عمر: استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حرسه بتبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد - بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة - ابن بشر - بكسر الموحدة - رضي الله عنه - فكان عباد يطوف في أصحابه على العسكر، فغدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يوما فقال: يا رسول الله، ما زلنا نسمع صوت تكبير نم ورائنا حتى أصبحنا، فوليت أحدنا يطوف على الحرس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما فعلت، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب " فقال سلكان - بكسر السين المهملة وسكون اللام - ابن سلامة: يا رسول الله، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا فكنا نحرس الحرس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " رحم الله حرس الحرس في سبيل الله، ولكم قيراط من الاجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة ".
ذكر أكله - صلى الله عليه وسلم - من جبن أهداه له أهل الكتاب بتبوك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبنة في تبوك فدعا بالسكين فسمى وقطع (1)، رواه أبو داود.
ذكر دعائه - صلى الله عليه وسلم - على غلام مر بينه وبين القبلة وهو في الصلاة روى الامام أحمد، وأبو داود عن يزيد بن نمران - بكسر النون وسكون الميم - قال: رايت رجلا بتبوك مقعدا، فقال: مررت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على حمار، وهو يصلى - فقال " اللهم اقطع أثره " فما مشيت عليها بعدها.
وروى أيضا عن سعيد بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد قال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بتبوك إلى نخلة فقال: " هذه قبلتنا "، ثم صلى إليها، فاقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: " قطع صلاتنا قطع الله أثره " فما قمت عليها إلى يوم هذا (2).
__________
(1) الطبراني في الكبير 11 / 303.
(2) أخرجه أبو داود (701) و (705)، وأحمد 4 / 64، والبيهقي في السنن 2 / 275، والدلائل 5 / 234 والبداية 5 / 14، والبخاري في التاريخ 8 / 366.
(*)

(5/453)


ذكر الاية في التمر والاقط الذي جاء بهما بلال بتبوك روى محمد بن عمر (1) عن شيوخه قالوا: قال رجل من بني سعد هذيم: جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس بتبوك في نفر فقال " يا بلال أطعمنا ".
فبسط بلال نطعا ثم جعل يخرج من حميت له فاخرج خرجات بيده من تمر معجون بسمن وأقط، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كلوا " فاكلنا حتى شبعنا، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لاكل هذا وحدي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الكافر ياكل في سبعة أمعاء والمؤمن ياكل في معاء واحد "، ثم جئت في الغد متحينا لغدائه لازداد في الاسلام يقينا، فإذا عشرة نفر حوله فقال: " هات أطعمنا يا بلال " فجعل يخرج من جراب تمرا بكفه قبضة قبضة فقال: " أخرج ولا تخش من ذي العرش إقلالا " فجاء بالجراب ونشره.
فقال: فحزرته مدين، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على التمر وقال: " كلوا باسم الله " فاكل القوم وأكلت معهم، وأكلت حتى ما أجد له مسلكا.
قال: وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال كانا لم ناكل منه تمرة واحدة.
قال: ثم غدوت من الغد وعاد نفر فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو رجلين.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا بلال أطعمنا " فجاء بلال بذلك الجراب بعينه، أعرفه، فنثره، ووضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده عليه وقال: " كلوا باسم الله " فأكلنا حتى نهلنا ثم رجع مثل الذي صب ففعل ذلك ثلاثة أيام.
قصة أخرى: روى محمد بن عمر، وأبو نعيم، وابن عساكر عن رياض بن سارية - رضي الله عنه - قال: كنت ألزم باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحضر والسفر، فرأيتنا ليلة ونحن بتبوك وذهبنا لحاجة فرجعنا إلى منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تعشى ومن معه من أضيافه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يدخل قبته - ومعه زوجته أم سلمة - فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة ؟ فاخبرته، فطلع جعال بن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني فكنا ثلاثة كلنا جائع إنما نغشى باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت فطلب شيئا ناكله فلم يجده، فخرج إلينا فنادى: " يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النفر " فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا وحمتنا، قال: " انظر عسى أن تجد شيئا "، فاخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع
التمرة والتمرتان حتى رايت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها، ثم وضع يده على التمرات، وسمى الله - تعالى - فقال: " كلوا باسم الله " فاكلنا، فحصيت أربعا وخمسين تمرة، أعدها عدا ونواها في يدي الاخرى، وصاحباي يصنعان مثل ما أصنع، وشبعنا، فاكل كل واحد منا خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي.
فقال: " يا بلال ارفعها فانه لا ياكل منها أحد إلا نهل شبعا " فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1017.
(*)

(5/454)


ثم انصرف إلى فناء قبته فجلس وجلسنا حوله، فقرأ من " المؤمنون " عشرا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هل لكم في الغذاء ؟ " قال عرباض: فجعلت أقول في نفسي أي غداء، فدعا بلالا بالتمرات، فوضع يده عليهن في الصحفة، ثم قال: " كلوا بسم الله فاكلنا - فو الذي بعثه بالحق - حتى شبعنا وإنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعا وإذا التمرات كما هي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو لا أني أستحي من ربي لاكلنا من هذا التمر حتى نرد المدينة عن آخرنا "، وطلع عليهم غلام من أهل البدو فاخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التمرات فدفعها إليه فولى الغلام يلوكهن (1).
ذكر طوافه - صلى الله عليه وسلم - على الناس بتبوك قال شيوخ محمد بن عمر: كان رجل من بني عذرة يقال له عدي يقول: جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك فرأيته على ناقة حمراء يطوف على الناس، يقول " يا أيها الناس، يد الله فوق يد المعطي ويد المعطي الوسطى، ويد المعطي السفلى، أيها الناس فتغنوا ولو بحزم الحطب اللهم هل بلغت " ثلاثا فقلت: يا رسول الله إن امرأتي اقتتلتا، فرميت إحداهما فرمي في رميتي - يريد أنها ماتت - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تعقلها ولا ترثها " فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موضع مسجده بتبوك فنظر نحو اليمين، ورفع يده يشير إلى أهل اليمن فقال " الايمان يمان " ونظر نحو الشرق فأشار بيده إن الجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر من نحو المشرق
حيث يطلع الشيطان قرنيه (2).
ذكر إخباره - صلى الله عليه وسلم - بموت عظيم من المنافقين لما هبت ريح شديدة قال محمد بن عمر رحمه الله تعالى: وهاجت ريح شديدة بتبوك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هذا لموت منافق عظيم النفاق " (3) فقدموا المدينة فوجدوا منافقا عظيم النفاق قد مات.
وروى محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: " قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفر من سعد هذيم فقالوا: يا رسول الله، إنا قدمنا إليك وتركنا أهلنا على بئر لنا قليل ماؤها، وهذا القيظ، ونحن نخاف إن تفرقنا أن نقتطع، لان الاسلام لم يفش حولنا بعد، فادع الله تعالى لنا في مائها، فانا ان روينا به فلا قوم أعز منا لا يعبر بنا أحد مخالف لديننا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبغوا لي
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1017.
(2) المغازي 3 / 1017.
(3) أخرجه أحمد في المسند 3 / 341.
(*)

(5/455)


حصيات فتناول بعضهم ثلاث حصيات فدفعهن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففركهن بيده ثم قال: " اذهبوا بهذه الحصيات إلى بئركم فاطرحوها واحدة واحدة وسموا الله تعالى " (1) فانصرف القوم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلوا ذلك، فجاشت بئرهم بالرواء، ونفوا من قاربهم من أهل الشرك ووطئوهم فما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة حتى أوطئوا من حولهم غلبة ودانوا عليه بالاسلام.
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد قبلي روى محمد بن عمر عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك، فقام من الليل يصلي، وهو كثير التهجد من الليل ولا يقوم إلا استاك - فقام
ليلة فلما فرغ أقبل على من كان عنده فقال: " أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: بعثت إلى الناس كافة - وكان النبي يبعث إلى قومه - وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت، وكان من قبلي لم يعطوا ذلك، وكانوا لا يصلون الا في الكنائس والبيع وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يحرمونها، والخامسة هي ما هي، هي ما هي، هي ما هي، " ثلاثا - قالوا: يا رسول الله، وما هي ؟ قال: " قيل لي سل فكل نبي قد سال، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله " (2).
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على معاوية بن معاوية المزني في اليوم الذي مات فيه بالمدينة روى الطبراني - في الكبير والاوسط - من طريق نوح بن عمر الطبراني في الكبير - من طريق صدقة بن أبي سهيل عن معاوية بن أبي سفيان، وبن سعد والبيهقي من طريق العلاء أبو محمد الثقفي، وابن سعد وابن أبي يعلي والبيهقي عن طريق عطاء بن أبي ميمونة كلاهما عن أنس - رضي الله عنهم - قالوا كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك، قال أنس: فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى فاتى جبريل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثلهم فيما مضى " قال: " ذلك معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة اليوم، فبعث الله تعالى سبعين ألف ملك يصلون عليه، فهل لك في الصلاة عليه ؟ قال: " نعم "، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي، فقال جبريل بيده هكذا يفرج له عن الجبال والاكام، ومع جبريل سبعون
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1034.
(2) المصدر السابق.
(*)

(5/456)


ألف ملك، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف الملائكة خلفه صفين، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل " بم بلغ هذه المنزلة " قال: " بحبه (قل هو الله أحد) يقرؤها قائما أو
قاعدا، أو راكبا أو ماشيا وعلى كل حال " قال الحافظ في لسان الميزان في ترجمة محبوب بن هلال: هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وله طرق يقوي بعضها ببعض، وقال في فتح الباري، في باب الصفوف على الجنازة: إنه خبر قوي بالنظر إلى مجموع طرقه، وقال في اللسان في ترجمة نوح بن عمر طريقة أقوى طرق الحديث - انتهي.
وأورد الحديث النووي في الاذكار في باب " الذكر في الطريق " فعلم من ذلك رد قول من يقول: إن الحديث موضوع لا أصل له (1).
ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - دحية إلى هرقل يدعوه إلى الاسلام وقدوم [ رسول ] هرقل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الايات لما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك كان هرقل بحمص، ولم يكن يهم بالذي بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه من جمعه، ولا حدثته نفسه بذلك.
وروى الحارث بن أبي أسامة عن بكر بن عبد الله المزني - رحمه الله تعالى - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة " ؟ فقال رجل: وإن لم يقبل ؟ قال: " وإن لم يقبل " فانطلق الرجل فاتاه بالكتاب، فقرأه فقال: اذهب إلى نبيكم فاخبره أني متبعه، ولكن لا أريد أن أدع ملكي، وبعث معه بدنانير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع فاخبره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كذب " وقسم الدنانير (2).
وروى الامام أحمد.
وأبو يعلى بسند حسن لا باس به عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل الى رسول الله - صلى الله صلى الله عليه وسلم - بحمص، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ المائة أو قرب، فقلت: ألا تحدثني عن رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ؟ فقال: بلى، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك، فبعث دحية الكلبي الى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال: أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه مالنا على
أرضنا والارض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب.
والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب لياخذن
__________
(1) انظر البداية والنهاية 4 / 14.
(2) انظر الطبراني في الكبير 12 / 442 والمجمع 5 / 306.
(*)

(5/457)


أرضنا فهلم فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز ؟ فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقاهم ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم، ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال.
ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاءني فدفع إلي هرقل كتابا، فقال: اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال هل يذكر صحيفته التي كتب بشئ ؟ وانظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل ؟ وانظر في ظهره هل فيه شئ يريبك ؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم ؟ قيل ها هو ذا، قال فاقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال: " ممن أنت ؟ " فقلت: أنا أخو تنوخ، فقال: " هل لك في الاسلام.
الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " فقلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم [ لا أرجع عنه ] حتى أرجع إليهم.
فضحك وقال (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) [ القصص 56 ] يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، والله ممزقه وممزق ملكه.
وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فامسكها فلن يزال الناس يجدون منه باسا ما دام في العيش خير قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فاخذت سهما من جعبتي فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية.
فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والارض
أعدت للمتقين، فاين النار ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل " قال: فاخذت سهما من جعبتي فكتبته في جفن سيفي، فلم فرغ من قراءة كتابي قال: " إن لك حقا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال قتادة فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الانصار: أنا، فقام الانصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " تعال يا أخا تنوخ " فاقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال: " ها هنا امض لما أمرت له، فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة " (1)
__________
(1) قال الحافظ ابن كثير 5 / 16 " هذا حديث غريب وإسناده لا باس به، تفرد به الامام أحمد ".
(*)

(5/458)


قال محمد بن عمر: فانصرف الرجل إلى هرقل فذكر ذلك له.
فدعا قومه إلى التصديق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأبو حتى خافهم على ملكه، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف، وكان الذي خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعبئة أصحابه ودنوه إلى وادي الشام لم يرد ذلك ولا هم به.
وذكر السهيلي رحمه الله تعالى: أن هرقل أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية - فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديته وفرقها على المسلمين.
ثم إن هرقل أمر مناديا ينادي: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه، فدخلت الاجناد في سلاحها وطافت بقصره تريد قتله، فارسل إليهم: إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم، فرضوا عنه.
ثم كتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا مع دحية يقول فيه: إني معكم ولكني مغلوب على أمري، فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابه قال: " كذب عدو الله، وليس بمسلم بل هو على نصرانيته ".
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على ذي البجادين رضي الله عنه
روى ابن إسحاق، وابن مندة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: كان عبد الله ذو البجادين من مزينة، مات أبوه وهو صغير فلم يورثه شيئا، وكان عمه ميلا فاخذه فكفله حتى كان قد أيسر، وكانت له إبل وغنم ورقيق، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الاسلام ولا يقدر عليه من عمه، حتى مضت السنون والمشاهد كلها، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة راجعا إلى المدينة، فقال عبد الله ذو البجادين لعمه: يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدا، فائذن لي في الاسلام، فقال: والله لئن اتبعت محمدا لا تركت بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلا انتزعته منك حتى ثوبيك، فقال: وأنا والله متبع محمدا ومسلم وتارك عبادة الحجر والوثن، وهذا ما بيدي فخذه، فأخذ كل ما أعطاه حتى جرده من إزاره، فجاء أمه فقطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد وارتدى بالاخر، ثم أقبل إلى المدينة فاضطجع في المسجد، ثم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فانكره، فقال " من أنت ؟ " فانتسب له، فقال: " أنت عبد الله ذو البجادين " ثم قال: " أنزل مني قريبا " فكان يكون في أضيافه ويعلمه القران، حتى قرأ قرآنا كثيرا، وكان رجلا صيتا فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته في القراءة، فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع هذا الاعرابي يرفع صوته بالقران حتى قد منع الناس القراءة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " دعه يا عمر: فانه قد خرج مهاجرا إلى الله تعالى والى رسوله " فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى تبوك قال: يا رسول الله.
ادع الله تعالى لي بالشهادة، فقال: أبلغني بلحاء سمرة فأبلغه بلحاء سمرة، فربطها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

(5/459)


على عضده، وقال: " اللهم إني أحرم دمه على الكفار " فقال: يا رسول الله، ليس هذا أردت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنك إذا خرجت غازيا في سبيل الله فاخذتك الحمى فقتلتك فانت شهيد.
وإذا وقصتك دابتك فانت شهيد لا تبالي باية كان " فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياما، ثم توفي عبد الله ذو البجادين، فكان بلال بن الحارث المزني يقول: حضرت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفا بها، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، وإذا أبو بكر وعمر يدليانه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: " أدنيا لي أخاكما " فلما هيأه لشقه في اللحد قال: " اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه " فقال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللحد (1).
وروى الطبراني برجال وثقوا، وأبو نعيم عن محمد بن حمزة بن عمرو الاسلمي عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك، وكنت على خدمته ذلك، فنظرت إلى نحي السمن قد قل ما فيه، وهيات للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما فوضعت النحي في الشمس، ونمت فانتبهت بخرير النحي، فقمت فاخذت راسه بيدي.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورآني: " لو تركته لسال الوادي سمنا " (2).
ذكر مصالحته - صلى الله عليه وسلم - ملك أيلة وأهل جربا وأذرح وهو ميقم بتبوك قبل رجوعه لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أكيدر بدومة - كما سيأتي بيان ذلك في السرايا - أشفق ملك أيلة يحنة بن رؤبة أن يبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما بعث إلى أكيدر، فقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدم معه أهل جربا وأذرع ومقنا وأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلة.
قال أبو حيمد المساعدي - رضي الله عنه - قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء، وكساه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بردا وكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببحرهم.
رواه ابن أبي شيبة والبخاري.
روى محمد بن عمر عن جابر - رضي الله عنه - قال: رايت يحنة بن رؤبة يوم أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه صليب من ذهب، وهو معقود الناصية فلما راى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر وأومأ برأسه فأومأ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده أن ارفع راسك، وصالحه يومئذ، وكساه
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1014.
(2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (155).
(*)

(5/460)


بردا يمنية فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار وأمر له بمنزل عند بلال انتهى.
قالوا: وقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية جزية معلومة ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل، وكتب لهم بذلك كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب أمنة من الله تعالى ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة لسفنهم وسائرهم السارح في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولمن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، ومن أحدث حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر.
هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة باذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاهل أذرح كتابا قال محمد بن عمر: نسخت كتابهم فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لاهل أذرح وجربا، إنهم آمنون بامان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والاحسان الى المسلمين، ومن لجأ من المسلمين من المخافة والتعزير إذا خشوا على المسلمين فهم آمنون، حتى يحدث إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه " قالوا: وأتى أهل جربا وأذرح بجزيتهم بتبوك فاخذها.
وصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل مقنا على ربع ثمارهم وربع غزولهم.
وروى ابن أبي شيبة، والامام أحمد، ومسلم عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: جاء ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهدى له بردا (2).
ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في مجاوزة تبوك إلى نحو دمشق قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى: شاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في المقدم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إن كنت أمرت بالمسير فسر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لو أمرت بالمسير لما استشرتكم فيه " فقال: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1032.
(2) أخرجه مسلم 3 / 1011 (503 / 1392).
(*)

(5/461)


أحد من أهل الاسلام، وقد دنونا منهم، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله لك أمرا.
وروى البيهقي وغيره بسند جيد عن عبد الرحمن بن غنم: أن اليهود أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فان الشام أرض المحشر وأرض الانبياء، فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة (وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) [ الاسراء 76، 77 ] فأمره الله تعالى بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث.
فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره جبريل فقال: اسأل ربك عز وجل، فان لكل نبي مسالة - وكان جبريل له ناصحا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مطيعا، قال: " فما تأمرني أن أسال " قال: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [ الاسراء 80 ] (1) فهؤلاء الايات أنزلت عليه في مرجعه من تبوك.
وفي هذه الغزوة قال - صلى الله عليه وسلم - ما رواه عكرمة عن أبيه أو عن عمه عن جده - رضي الله
عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة تبوك: " إذا وقع الطاعون بارض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها " (2) رواه الامام أحمد والطبراني من طرق قال في بذل الطاعون يشبه - والله أعلم - أن يكون السبب في ذلك أن الشام كانت قديم الزمان ولم تزل معروفة بكثرة الطواعين، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - تبوك غازيا الشام لعله بلغه أن الطاعون في الجهة التي كان يقصدها، فكان ذلك من أسباب رجوعه من غير قتال - والله أعلم.
انتهى.
قلت: قد ذكر جماعة أن طاعون شيرويه أحد ملوك الفرس، كان في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان بالمدائن.
ذكر إرادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الانصراف من تبوك إلى المدينة، وما وقع في ذلك من الايات، وقدر إقامته - صلى الله عليه وسلم - بتبوك روى مسلم عن أبي هريرة.
وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ومحمد بن عمر عن شيوخه قال شيوخ ابن عمر: ولما
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 254.
(2) أحمد 1 / 175، 3 / 416، 5 / 373، والطبراني في الكبير 1 / 90 وانظر المجمع 2 / 315 والدولابي في الكني 1 / 100، والطحاوي في المعاني 4 / 306.
(*)

(5/462)


أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير من تبوك أرمل الناس إرمالا، فشخص على ذلك من الحال.
انتهى.
قال أبو هريرة: فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فاكلنا وادهنا ؟ قال شيوخ محمد بن عمر: فلقيهم عمر بن الخطاب وهو على نحرها فامرهم أن يمسكوا عن نحرها، ثم دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خيمة له ثم اتفقوا فقال يا رسول الله أأذنت للناس في نحر حمولتهم ياكلونها ؟ قال شيوخ محمد: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " شكوا إلي ما بلغ منهم
الجوع فاذنت لهم ينحر الرفقة البعير والبعيرين ويتعاقبون فيما فضل منهم فانهم قافلون إلى أهليهم " - انتهى.
فقال عمر: يا رسول الله لا تفعل، فان يك في الناس فضل من الظهر يكن خيرا، فالظهر اليوم رقاق انتهى.
ولكن يا رسول الله ادع بفضل أزوادهم، ثم اجمعها، وادع الله تعالى فيها بالبركة لعل الله تعالى أن يجعل فيها البركة.
زاد شيوخ محمد كما فعلت في منصرفنا من الحديبية حين أرملنا، فان الله تعالى مستجيب لك انتهى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نعم " فدعا بنطع فبسط - قال شيوخ محمد: بالانطاع فبسطت - ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان عنده فضل من زاد فليات به - انتهى فجعل الرجل ياتي بكف ذرة، ويجئ الاخر بكف تمر، ويجئ الاخر بكسرة.
وقال شيوخ محمد: وجعل الرجل ياتي بالدقيق أو التمر أو القبضة من الدقيق والسويق والتمر والكسر فيوضع كل صنف من ذلك على حدة وكل ذلك قليل وكان جميع ما جاءوا به من السويق والدقيق والتمر ثلاثة أفراق حزرا - والفرق ثلثة آصع.
انتهى قال: فجزأنا ما جاءوا به فوجدوه سبعة وعشرين صاعا.
قال شيوخ محمد: ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ وصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى أن يبارك فيه.
قال عمر: فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه فدعا فيه بالبركة، ثم قال: " أيها الناس خذوا ولا تنتهبوا " فاخذوه في الجرب والغرائر، حتى جعل الرجل يعقد قميصه فيأخذ فيه، قال أبو هريرة - رضي الله عنه وما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة.
قال شيوخ محمد بن عمر: قال بعض من الصحابة: لقد طرحت كسرة يومئذ من خبز وقبضه من تمر، ولقد رايت الانطاع تفيض، وجئت بجرابين فملات أحدهما سويقا والاخر خبزا، وأخذت في ثوبي دقيقا كفاني إلى المدينة - قال: فاخذوا حتى صدروا.
وإنه نحو ما كانوا يحرزون - قالوا كلهم: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا ياتي بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " وفي لفظ (لا ياتي بها عبد محق إلا وقاه الله حر النار) (1)، وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كما رواه ابن سعد أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1038.
(*)

(5/463)


وعلى ذلك جرى محمد بن عمر وابن حزم وغيرهم، وقال ابن عقبة، وابن اسحاق: بضع عشرة ليلة.
والله أعلم.
ذكر بعض آيات وقعت في رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك الى المدينة روى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: بينا نحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجيش ليلا وهو قافل وأنا معه إذ خفق خفقة - وهو على راحلته فمال على شقة فدنوت منه فدعمته فانتبه، فقال: " من هذا ؟ " فقلت: أبو قتادة يا رسول الله، خفت أن تسقط فدعمتك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " حفظك الله كما حفظت رسوله " ثم سار غير كثير ثم فعل مثل ذلك هذا فدعمته فانتبه فقال: يا أبا قتادة، هل لك في التعريس ؟ " فقلت: ما شئت يا رسول الله، فقال: " انظر من خلفك " فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة، فقال " ادعهم " فقلت: أجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءوا فعرسنا - ونحن خمسة - برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعي اداوة فيها ماء وركوة لي أشرب فيها، فنمنا فما انتبهنا إلا بحر الشمس، فقلنا: إنا لله فاتنا الصبح، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لنغيظن الشيطان كما غاظنا " فتوضأ من ماء الاداوة ففضل فضلة فقال: " يا أبا قتادة احتفظ بما في الاداوة والركوة، فان لهما شانا " وصلى - صلى الله عليه وسلم - بنا الفجر بعد طلوع الشمس، فقرأ بالمائدة، فلما انصرف من الصلاة قال: " أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر وعمر لرشدوا " وذلك أن أبا بكر وعمر أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فابوا ذلك عليهما، فنزلوا على غير ماء بفلاة من الارض، فركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه.
وقد كادت أعناق الخيل والرجال والركاب تقطع عطشا، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالركوة فافرغ ما في الاداوة فيها.
ووضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا وفاض الماء حتى رووا، ورووا خيلهم، وركابهم، وكان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل اثنا عشر ألف فرس، فذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " احتفظ بالركوة والاداوة ".
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: قالوا: وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلا حتى إذا كان بين تبوك وواد يقال له: وادي الناقة - وابن إسحاق: يقال له وادي المشقق - وكان فيه وشل يخرج منه في أسفله قدر ما يروي الراكبين أو الثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من سبقنا إلى ذلك الوشل فلا يستقين منه شيئا حتى ناتيه " فسبقه إليه أربعة من المنافقين: معتب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي حليف في بني عمرو بن عوف، ووديعة بن ثابت، وزيد بن اللصيت، فلما أتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه فلم ير فيه شيئا.
فقال " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل يا رسول الله فلان وفلان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألم أنهكم ؟ " فلعنم ودعا

(5/464)


عليهم، ثم نزل ووضع يده تحت الوشل، ثم مسحه باصبعيه حتى اجتمع منه في كفه ماء قليل، ثم نضحه به، ثم مسحه بيده، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق منه الماء - قال معاذ بن جبل: والذي نفسي بيده لقد سمعت له من شدة انخراقه مثل الصواعق - فشرب الناس ما شاءوا، واستقوا ما شاءوا، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس " لئين بقيتم.
أو من بقي منكم " - لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب مما بين يديه ومما خلفه " (1) قال سلمة بن سلامة بن وقش: قلت لوديعة بن ثابت: ويلك أبعد ما ترى شئ ؟ أما تعتبر ؟ قال: قد كان يفعل بهذا مثل هذا قبل هذا، ثم سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن جماعة من أهل المغازي قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير منحدرا إلى المدينة، وهو في قيظ شديد، عطش العسكر بعد المرتين الاوليين عطشا شديدا حتى لا يوجد للشفة ماء قليل ولا كثير، فشكوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارسل أسيد بن الحضير في يوم صائف، وهو متلثم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " عسى أن تجد لنا ماء " فخرج أسيد وهو فيما بين تبوك والحجر في كل وجه فيحد راوية من ماء مع امرأة من بلي، فكلمها أسيد، وأخبرها خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: فهذا الماء، فانطلق به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد وصفت له الماء وبينه وبين الطريق هنيهة، فلما جاء
أسيد بالماء دعا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا فيه بالبركة، ثم قال: " هلم أسقيتكم " فلم يبق معهم سقاء إلا ملئوه، ثم دعا بركابهم وخيولهم، فسقوها حتى نهلت، ويقال إنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بما جاء به أسيد فصبه في قعب عظيم من عساس أهل البادية فادخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه يده، وغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم صلى ركعتين، ثم رفع يديه مدا، ثم انصرف وإن القعب ليفور، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس " ردوا " فاتسع الماء وانبسط الناس حتى يصنف عليه المائة والمائتان فارتووا، وإن القعب ليجيش بالرواء، ثم راح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبردا مترويا (2).
وروى الطبراني بسند صححه الشيخ وحسنة الحافظ - خلافا لمن ضعفه - عن فضالة ابن عبيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا غزوة تبوك فجهد الظهر جهدا شديدا فشكوا ذلك إليه، ورآهم يزجون ظهرهم، فوقف في مضيق والناس يمرون فيه، فنفخ فيها وقال: " اللهم احمل عليها في سبيلك فانك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر " فاستمرت فما دخلنا المدينة إلا وهي تنازعنا أزمتها (3).
__________
(1) المغازي للواقدي 3 / 1039.
(2) المصدر السابق.
(3) الطبراني في الكبير 11 / 301 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1706) وانظر المجمع 6 / 193 والبيهقي في الدلائل 6 / 155، وابن كثير في البداية 6 / 186.
(*)

(5/465)


ذكر ارادة بعض المنافقين الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة التي بين تبوك والمدينة واطلع الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك روى الامام أحمد عن ابي الطفيل، والبيهقي عن حذيفة، وابن سعد عن جبير بن مطعم - رضي الله عنهم - وابن ابي حاتم وابو الشيخ عن الضحاك والبيهقي عن عروة، والبيهقي عن ابن اسحاق.
ومحمد بن عمر عن شيوخه - رحمهم الله تعالى - ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان
ببعض الطريق مكر به ناس من المنافقين وائتمروا بينهم ان يطرحوه من عقبة في الطريق.
وفي رواية كانوا قد اجمعوا ان يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يلتمسون غرته، فلما اراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان يسلك العقبة ارادوا ان يسلكوها معه، وقالوا: إذ اخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فاخبر الله تعالى رسوله بمكرهم، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك العقبة نادى مناديه للناس: ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اخذ العقبة فلا ياخذها احد، واسلكوا بطن الوادي، فانه اسهل لكم واوسع: فسلك الناس بطن الوادي الا النفر الذين مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا، وسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة، وامر عمار بن ياسر ان ياخذ بزمام الناقة ويقودها وامر حذيفة بن اليمان ان يسوق من خلفه، فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير من العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فنفروا ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سقط بعض متاعه وكان حمزة بن عمرو الاسلمي لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة، وكانت ليلة مظلمة، قال حمزة: فنور لي في أصابعي الخمس، فأضاءت حتى جمعت حتى جمعت ما سقط من السوط والحبل وأشباههما، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم، وقد رأى غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه محجن يضرب وجوه رواحلهم وقال: اليكم اليكم يا أعداء الله تعالى، فعلم القوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اطلع على مكرهم، فانطحوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استوى باعلاها، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقبة ينتظر الناس وقال لحذيفة: هل عرفت أحدا من الركب، الذين رددتهم ؟ قال: يا رسول الله قد عرفت رواحلهم، وكان القوم متلثمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل.
قال: " هل علمتم ما كان من شأنهم وما أرادوا " ؟ قالوا: لا والله يا رسول الله.
قال: " فانهم مكروا ليسيروا معي فإذا طلعت العقبة زحموني فطرحوني منها - أن شاء الله تعالى - قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبركم بهم ان شاء الله تعالى " قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاء الناس أن تضرب أعناقهم ؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: ان محمدا قد وضع يده في أصحابه فسماهم
لهما ثم قال: " اكتماهم " فانطلق إذا أصبحت فاجمعهم لي، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال

(5/466)


له أسيد بن الحضير: يا رسول الله، ما منعك البارحة من سلوك الوادي ؟ فقد كان أسهل من العقبة ؟ فقال: " أتدري يا أبا يحي أتدري ما أراد بي المنافقون وما هموا به " ؟ قالوا: نتبعه من العقبة، فإذا أظلم عليه الليل قطعوا أنساع راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي فقال أسيد: يا رسول الله، قد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا، فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله، وان أحببت - والذي بعثك بالحق - فنبئني بأسمائهم فلا أبرح حتى آتيك برؤوسهم.
قال " يا أسيد اني أكره أن يقول الناس ان محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم ".
وفي رواية " اني أكره أن يقول الناس ان محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه " فقال: يا رسول الله، فهؤلاء ليسوا بأصحاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أليس يظهرون شهادة أن لا اله الا الله ؟ " قال: بلى [ ولا شهادة لهم ] قال: " أليس يظهرون أني رسول الله ؟ " قال: بلى.
ولا شهادة لهم، قال: " فقد نهيت عن قتل أولئك " (1).
وقال ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير: فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لحذيفة: " ادع عبد الله " قال البيهقي (2): أظن ابن سعد بن أبي سرح، وفي الاصل: عبد الله بن أبي سعد بن أبي سرح، لم يعرف له اسلام كما نبه إليه في زاد المعاد، قال ابن اسحاق: وأبا حاضر الاعرابي، وعامرا وأبا عمر، والجلاس بن سويد بن الصامت وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة، ولئن كان محمد وأصحابه خيرا منا انا إذا لغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا وهو العاقل، وأمره أن يدعوا مجمع بن جارية، وفليح التيمي وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الاسلام، وانطلق هاربا في الارض فلا يدري أين ذهب، وأمره أن يدعو حصين بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ويحك، ما حملك على هذا ؟ " قال: حملني عليه أني ظننت أن الله تعالى لم يطلعك عليه أما إذا أطلعك عليه فانى
أشهد اليوم أنك لرسول الله، فاني لم أؤمن بك قط قبل الساعة، فأقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعفا عنه بقوله الذي قاله، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة أن يأتيه بطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لاصحابه: اشهدوا هذه الليلة تسلموا الدهر كله، فو الله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت يا عدو الله ؟ " فقال عدو الله: يا نبي الله، والله ما تزال بخير ما أعطاك الله تعالى النصر على
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 257، وانظر المغازي للواقدي 3 / 1043، 1044، والدر المنثور 3 / 259 وابن كثير في البداية 5 / 19.
(2) البيهقي في الدلائل 5 / 258.
(*)

(5/467)


عدوك، فانما نحن بالله وبك فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لحذيفة " ادع مرة بن الربيع " وهو الذي ضرب بيده على عاتق عبد الله بن أبي ثم قال: تمطى، أو قال: تمططي والنعيم كائن لنا بعده، نقتل الواحد المفرد فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ويحك، ما حملك على أن تقول الذي قلت ؟ " فقال: يا رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك فانك العالم به، وما قلت شيئا من ذلك.
فجمعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو اثنا عشر رجلا الذين حاربوا الله تعالى ورسوله، وأرادوا قتله، فاخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم، وأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك يعلمه، وذلك قوله عز وجل: (وهموا بما لم ينالوا) [ التوبة 74 ] ومات الاثنا عشر منافقين محاربين الله تعالى ورسوله.
قال حذيفة - كما رواه البيهقي: ودعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " اللهم ارمهم بالدبيلة " قلنا: يا رسول الله.
وما الدبيلة ؟ قال: " شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " (1).
وروى مسلم عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " في أصحابي اثنا عشر رجلا منافقا لا
يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية يكفيهم الدبيلة: سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم " (2).
قال البيهقي: وروينا عن حذيفة - رضي الله عنه - أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر (3).
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا إلا كانوا معكم روى البخاري وابن سعد عن أنس، وابن سعد عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا: يا رسول الله، وهم في المدينة ؟ قال: " وهم بالمدينة حبسهم العذر " (4).
__________
(1) انظر المصدر السابق.
(2) اخرجه مسلم في صفات المنافقين (9)، وأحمد 5 / 390 والبيقهي في الدلائل 5 / 261 وفي السنن 8 / 198 وانظر البداية 5 / 20.
(3) انظر الدلائل المصدر السابق.
(4) أخرجه البخاري 6 / 46 في الجهاد باب من حبسه العذر عن الغزو وفي المغازي (4423) وأبو داود (2508) وأحمد 3 / 103، 106، 182، 300 وابن ماجه 2 / 923 (2764) والبيهقي في الدلائل 5 / 267.
(*)

(5/468)


ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على المدينة " هذه طابة " روى الامام أحمد والشيخان عن أبي حميد الساعدي، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما، والامام أحمد والبخاري عن انس والامام أحمد ومسلم عن جابر، وابن أبي شيبة في مسنده عن أبي قتادة - رضي الله عنهم - قالوا: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك حتى أشرفنا على المدينة قال: " هذه طابة - وزاد ابن أبي شيبة: أسكننيها ربي - تنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد " انتهى.
فلما رأى أحدا قال " هذا أحد جبل يحبنا ونحبه،
ألا أخبركم بخير دور الانصار " قلنا بلى يا رسول الله، قال " خير دور الانصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الاشهل، ثم دار بني ساعدة " فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير دور الانصار فجعلنا آخرها دارا ؟ فادرك سعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله خيرت دور الانصار فجعلتنا آخرها دارا.
فقال: " أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار ؟ " (1).
ذكر ملاقاة النساء والصبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى البخاري وأبو داود والترمذي عن السائب بن زيد - رضي الله عنه - قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثنية الوداع مقدمة من تبوك (2).
وروى البيهقي عن ابن عائشة - رحمه الله تعالى - قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع (3) وروى الطبراني، والبيهقي عن خريم بن أوس بن لام - رضي الله عنه - قال: هاحرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منصرفه من تبوك فسمعت العباس ابن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أمتدحك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل لا يفضض الله فاك " فقال: من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم مضى طبق
__________
(1) أخرجه البخاري 8 / 125 (4422)، ومسلم في الحج (503) والبيهقي في الدلائل 5 / 266 وفي السنن 6 / 372، وانظر الكنز (34993) وابن عساكر كما في التهذيب 7 / 226.
(2) أخرجه البخاري 6 / 191 (3082)، وأبو داود 3 / 90 (2779).
(3) البيهقي في الدلائل 50 / 226 وابن كثير في البداية 5 / 33.
(*)

(5/469)


وردت نار الخليل مكتتما * في صلبه أنت كيف يحترق حتى احتوى بيتك المهيمن من * حندق علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض فضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي * النسور وسبل الرشاد نخترق ولما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة بدأ بالمسجد بركعتين، ثم جلس للناس كما في حديث كعب بن مالك.
قال ابن مسعود: ولما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال: " الحمد لله الذي رزقنا في سفرنا هذا أجرا وحسنة " (1) وكان قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة في رمضان وكان المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبرون عنه أخبار السوء، ويقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا.
فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فساءهم ذلك، فانزل الله تعالى: (إن تصبك حسنة تسؤهم) [ التوبة 50 ].
ذكر بيع المسلمين أسلحتهم وقولهم: قد انقطع الجهاد قال ابن سعد: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم وقال: " لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال " (2).
ذكر أمر مسجد الضرار عند رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك روى ابن إسحاق عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق آخر.
والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس - رضي الله عنه - وابن أبي حاتم وابن مردويه عن طريق آخر عن ابن عباس، وابن المنذر عن سعيد بن جبير ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان - رحمه الله تعالى - أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا فبعثو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ياتيهم فيصلي فيه، فلما رأى ذلك ناس من بني غنم بن عوف
فقالوا: نبني نحن أيضا مسجدا كما بنوا، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه الى الشام: ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من قوة وسلاح فاني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فاتي بجيش من الروم فاخرج محمدا وأصحابه، فكانوا يرصدون قدوم أبي عامر الفاسق، وكان خرج من المدينة محاربا لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أن يصلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله تبارك وتعالى
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 267، 268، وابن كثير في البداية 5 / 27، 28.
(2) أخرجه ابن سعد 2 / 1 (120).
(*)

(5/470)


رسوله - صلى الله عليه وسلم - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة فيه، فاتى جماعة منهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلية المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه قال: " إني على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا لكم فيه " (1) فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ونزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - أنزل الله سبحانه وتعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) [ التوبة 107 ] الاية.
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) هم أناس من الانصار، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح فاني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فاتي بجند من الروم فاخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: فرغنا من بناء مسجدنا [ نحن نحب ] أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فانزل الله عز وجل: (لا تقم أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) - يعني مسجد قباء - (أحق أن تقوم فيه رجال) إلى قوله: (إلى جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين) [ التوبة 109 ] قال الحافظ بن حجر: والجمهور على أن المسجد
المراد به الذي أسس على التقوى مسجد قباء، وقيل هو مسجد المدينة.
قال: والحق أن كلا منها أسس على التقوى.
وقوله تعالى - في بقية الاية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) يؤكد أن المسجد مسجد قباء.
قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلاف، فان كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي وزاد أن قوله: (من أول يوم) يقتضي مسجد قباء، لان تأسيسه كان من أول يوم وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - بدار الهجرة.
وروى ابن أبي شيبة، وابن هشام عن عروة عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها ليه كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضرار: نحن نصلى في مربط حمار ليه ؟ لا لعمر الله، لكنا نبني مسجدا فنصلي فيه، وكان أبو عامر برئ من الله ورسوله، ولحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فانزل الله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) [ التوبة 109 ].
قال ابن النجار: هذا المسجد بناه المنافقون مضاهيا لمسجد قباء، وكانوا مجتمعين فيه يعيبون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستهزئون به،
__________
(1) أخرجه البيقهي في الدلائل.
(*)

(5/471)


وقال ابن عطية: روي عن ابن عمر أنه قال: المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد بقوله (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله) وهو مسجد قباء، وأن البنيان الذي أسس على شفا جرف هار فهو مسجد الضرار بالاجماع.
قال ابن إسحاق، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الازعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية، ونفيل بن الحرث من بني ضبيعة، وبحزج بن عثمان من بني
ضبيعة، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن عبد المنذر.
وقال بعضهم: إن رجالا من بني عمرو بن عوف وكان أبو عامر المعروف بالراهب - وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاسق - منهم، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي - زاد البغوي: وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة، زاد الذهبي في التجريد: سويد بن عباس الانصاري - فقال: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فهدموه وحرقوه " فخرجوا مسرعين حتى أتو بني سالم بن عوف، فقال مالك لرفيقيه: أنظراني حتى أخرج إليكما، فدخل إلى أهله وأخذ سعفا من النخيل فاشعل فيه نارا، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا المسجد بين المغرب والعشاء، وفيه أهله وحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالارض وتفرق عنه أصحابه، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة عرض على عاصم بن عدي المسجد يتخذوه دارا، فقال عاصم يا رسول الله: ما كنت لاتخذ مسجدا - قد أنزل الله فيه ما أنزل - دارا، ولكن أعطه ثابت بن أقرم فانه لا منزل له، فاعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن أقرم.
فلم يلد في ذلك البيت مولود قط.
ولم ينعق فيه حمام قط ولم تحضن فيه دجاجة قط.
وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة، وابن المنذر عن ابن جريج - رحمهم الله تعالى - قالوا: ذكر لنا أنه حفر في مسجد الضرار بقعة فابصروا الدخان يخرج منها.
ذكر ملاقاة الذين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عقبة: لما دنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاصحابه " لا تكلموا رجلا منهم ولا تجالسوهم حتى آذن لكم " (1) فاعرض
__________
(1) أخرجه البيقهي في الدلائل 5 / 280.
(*)

(5/472)


عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون حتى أن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه، وحتى إن المرأة
لتعرض عن زوجها، فمكثوا كذلك أياما حتى ركب الذين تخلفوا، وجعلوا يعتذرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجهد والاسقام، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم.
ذكر حديث كعب بن مالك وأصحابه - رضي الله عنهم - روى ابن إسحاق، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والامام أحمد، والشيخان عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر - وفي رواية: وإن كانت بدر أكثر ذكرا في الناس منها.
كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورى بغيرها، وكان يقول: " الحرب خدعة " حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعددا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة غزوهم - وفي لفظ أهبة عدوهم - فاخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرون - وعند مسلم يزيدون على عشرة آلاف (1).
وروى الحاكم في الاكليل عن معاذ - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا (2)، وقال أبو زرعة الرازي: لا يجمعهم كتاب حافظ - قال الزهري: يريد الديوان، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى.
وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والغلال في قيظ شديد، في حال الخريف والناس خارفون في نخليهم، وتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجهز المسلمون معه، فخرج في يوم الخميس وكان يحب إذا خرج في سفر جهاد أو غيره أن يخرج يوم الخميس،
فطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم فارجع ولم أقض شيئا، فاقول في نفسي: أنا قادر عليه، وفي رواية: وأنا أقدر شيئا في نفسي على الجهاد وخفة الجهاد، وأنا في ذلك أصبوا إلى الظلال
__________
(1) أخرجه البخاري 8 / 113 (4418) ومسلم 4 / 2120 - 2128 (53)، والبيهقي في الدلائل 5 / 273، والمغازي للواقدي 3 / 997 والبداية 5 / 23.
(3) انظر البداية 5 / 23.
(*)

(5/473)


والثمار، ولم يزل يتمادى بي الحاذ حتى اشتد بالناس الجد، فاصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاديا والمسلمون معه يوم الخميس، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز فرجعت ولم أقض شيئا.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أمعن القوم وأسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فادركهم - وليتني فعلت - ! ! فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه بالنفاق، أو رجلا ممن عذر الله - تعالى - من الضعفاء - وعند عبد الرزاق: وكان جميع من تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة وثمانين رجلا - ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك.
فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب ابن مالك ؟ " فقال رجل من بني سلمة، وفي رواية من قومي - قال محمد بن عمر: هو عبد الله بن أنيس السلمي - بفتح اللام - لا الجهني: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه.
فقال معاذ بن جبل - قال محمد بن عمر: وهو أثبت، ويقال: أبو قتادة: بئس ما قلت ! والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيرا.
فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال كعب بن مالك: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أعد عذرا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهيئ الكلام، وأقول: بماذا أخرج من سخطه - صلى الله عليه وسلم - غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي راي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أطل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه،
وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق، وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادما، قال ابن سعد: في رمضان، قال كعب: وكان إذا قدم من سفر لا يقدم إلا في الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم يدخل على فاطمة ثم على أزواجه، فبدأ بالمسجد فركعهما، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسم المغضب، فقال: " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه - وعند ابن عائذ: فاعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، لم تعرض عني ؟ فو الله ما نافقت، ولا ارتبت، ولا بدلت - قال كعب: فقال لي: " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت: بلى إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني - والله - لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله تعالى أن يسخطك على، ولئن حدثتك اليوم حديث صدق تجد علي فيه، إني لارجو فيه عفو الله عني، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أما هذا فقد صدق، فقم

(5/474)


حتى يقضي الله تعالى فيك ما يشاء " فقمت، فمضيت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا: ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك.
فو الله ما زالوا يؤنبوني، حتى أردت أن أرجع فاكذب نفسي، فقلت: ما كنت لاجمع أمرين: أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكذبه، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما ؟ قالونا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي.
وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن أن سبب تخلف الأول أنه كان له حائط حين
زها، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا ؟ ! فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك.
وأن الثاني كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام عندهم.
فلما تذكر قال: اللهم لك على أن لا أرجع إلى أهلي ولا مالي.
قال كعب: فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا - وعند ابن أبي شيبة.
فطفقنا نغدو في الناس لا يكلمنا أحد، ولا يسلم علينا أحد، ولا يرد علينا سلاما، وعند عبد الرزاق وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذي نعرف وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالتي نعرف انتهي.
ما من شئ أهم إلي من أموت فلا يصلي علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد ولا يصلي علي - حتى تنكرت في نفسي الارض حتى ما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف الاسواق فلا يكلمني أحد، ولا يرد علي سلاما وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مجلسه بعد الصلاة فاسلم عليه وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فاسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي، فإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي: أي أنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخو أبيه الاقرب، قال كعب: وهو أحب الناس إلي، فسلمت عليه فو الله ما رد علي، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت [ فعدت له فنشدته ] فلم يكلمني، حتى إذا كان في الثالثة أو الرابعة قال: الله ورسوله أعلم.
ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من

(5/475)


أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس
يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان، وعند ابن أبي شيبة: من بعض من بالشام كتب إلي كتابا في سرقة حرير فإذا فيه: أما بعد فانه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك فاقصاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فان تك متحولا فالحق بنا نواسيك.
فقلت: لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، قد طمع في أهل الكفر، فتيممت بها التنور فسجرته بها.
وعند ابن عائذ: أنه شكا قدره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما زال إعراضك عني حتى رغب في أهل الشرك، قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ياتيني.
قال محمد بن عمر: وهو خزيمة بن ثابت، وهو الرسول إلى مرارة وهلاك بذلك.
قال كعب: فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يامرك أن تعتزل امراتك: أي عمرة بنت حمير ابن صخر بن أمية الانصارية أو خيرة - بفتح الخاء المعجمة فالتحتانية - فقلت: أطلقها أو ماذا أفعل ؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك.
فقلت لامراتي الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر.
قال كعب: وجاءت امرأة هلال بن أمية، أي خولة بنت عاصم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم - وعند ابن أبي شيبة: إنه شيخ قد ضعف بصره - انتهى.
فهل تكره أن أخدمه ؟ قال: " لا، ولكن لا يقربك " قالت: إنه والله ما به حركة إلى شئ ! ! والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استاذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امراتك كما أذن لهلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستاذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يدريني ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استاذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا.
وعند عبد الرزاق: وكانت توبتنا نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلث الليل - فقالت أم سلمة: يا نبي الله ألا نبشر كعب بن مالك ؟ قال: إذا يحطمكم الناس ويمنعونكم النون سائر الليلة قال: وكانت أم سلمة تجيئه في ثاني عشرة بامري فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الذي ذكره الله تعالى قد ضاقت علي نفسي
وضاقت علي الارض بما رحبت، سمعت صوتا صارخا أوفى على جبل سلع يقول باعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر - وعند محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - أن الذي أوفى على سلع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فصاح: قد تاب الله - تعالى - على كعب، يا كعب: أبشر.
وعند ابن عقبة أن رجلين سعيا يريدان كعبا يبشرانه، فسبق أحدهما، فارتقى المسبوق على سلع فصاح يا كعب، أبشر بتوبة الله - تعالى - وقد أنزل الله - تعالى - عز وجل فيكم القران، وزعموا أن اللذين أبو بكر وعمر، قال كعب: فخررت ساجدا أبكي فرحا بالتوبة،

(5/476)


وعرفت أن قد جاء فرج فرج، واذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله - تعالى - علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض الي رجل على فرس - وعند محمد بن عمر: هو الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال كعب: وسعى ساع من أسلم حتى أوفى على الجبل وعند محمد بن عمر: أنه حمزة بن عمرو الاسلمي: قال كعب: وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته، وهو حمزة الاسلمي يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوته اياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ.
واستعرت ثوبين من أبي قتادة - كما عند محمد بن عمر - فلبستهما.
قال: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، فما ظننت أنه يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، أي من الجهد، فقد كان امتنع عن الطعام حتى كان يواصل الايام صياما لا يفتر عن البكاء، وكان الذي بشر مرارة بن الربيع بتوبته سلكان بن سلامة أو سلامة بن وقش.
قال كعب: وانطلقت الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله - تعالى - عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس حوله الناس، فقام الي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صاحفني وهنأني.
والله ما قام الى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور [ أبشر بخير يوم مر
عليك منذ ولدتك أمك ] فقلت: يا رسول الله، امن عندك أم من عند الله ؟ قال: " لا بل من عند الله، انكم صدقتم الله فصدقكم الله " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك: منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، ان من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقه الى الله - تعالى - والى رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: نصفه ؟ قال " لا " قلت: ثلثة ؟ قال: " نعم " قلت: فاني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله انما نجاني الله - تعالى - بالصدق وان من تويتي الا أحدث الا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله - تعالى - في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومي هذا كذبا، واني لأرجوا أن يحفظني الله - تعالى - فيما بقيت، فانزل الله - تبارك وتعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار) الى قوله: (وكونوا مع الصادقين) [ التوبة 117، 119 ] فوالله ما أنعم الله علي من نعمة - بعد أن هداني للاسلام - أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فان الله تعالى قال في الذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد، فقال تبارك وتعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا

(5/477)


انقلبتم إليهم) الى قوله: (فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) [ التوبة 95، 96 ].
قال كعب: وكنا قد تخلفنا ايها الثلاثة عن امر اولئك الذين قبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا حتى قضى الله سبحانه وتعالى فيه بذلك قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) [ التوبة 118 ] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما تحليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.
وروى ابن عساكر عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما نزلت توبتي قبلت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر أقوام تخلفوا من غير عذر روى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والبيهقي عن سعيد بن المسيب رحمه الله - في قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) [ التوبه 102 ] قال ابن عباس كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك منهم: أبو لبابة، وسمى قتاده منهم: جد بن قيس وجذام بن أوس - رواه ابن أبي حاتم.
فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رجع من السمجد عليهم، فلما راهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من هؤلاء الموثقون أنفسهم " قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يارسول الله، فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فترضى عنهم وتعذرهم، وقدا اعترفوا بذنوبهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وأنا أقسم بالله أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " (1) فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يطلقنا، فانزل الله تبارك وتعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم) [ التوبة 102 ] وعسى من الله واجب، (إنه هو التواب الرحيم) [ البقرة 37 ] فلما نزلت أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فاطلقهم وعذرهم.
قال ابن المسيب: فارسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي لبابة ليطلقه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطلقه بيده، فجاءوا باموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما أمرت أن آخذ أموالكم " فانزل الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم) يقول: استغفر لهم (إن صلاتك سكن لهم) [ التوبة 103 ]
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 272.
(*)

(5/478)


يقول: رحمة لهم فاخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فارجئوا سنة لا يدرون يعذبون أو يتاب عليهم، فانزل الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) [ التوبة [ 114 ] إلى آخر الاية.
وقوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) إلى قوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) [ التوبة 118 ] يعني استقاموا فانزل الله تبارك - وتعالى - في شان هذه الغزوة كثيرا من سورة براءة تقدم كثير من ذلك في محاله.
قال البيهقي: وزعم ابن إسحاق أن ارتباط أبي لبابة كان في وقعة بني قريظة، وقد روينا عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ما دل على أن ارتباطه كان بتخلفه في غزوة تبوك.
تنبيهات الأول: تبوك - بفتح الفوقية وضم الموحدة وهو أقصى أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي في طرف الشام من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة المشرفة اثنتا عشرة مرحلة.
قال في النور: وكذا قالوا، وقد سرناها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة.
والمشهور ترك صرفها للعلمية والتانيث.
وفي حديث كعب السابق: ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوكا كذا في جميع النسخ في صحيح البخاري وأكثر نسخ صحيح مسلم تغليبا للموضع، وكذا قال النووي والحافظ وجمع.
قال في التقريب: وهو سهو لان علة منع كونه على مثال الفعل " تقول " فالمذكر والمؤنث في ذلك سواء.
قال في الروض تبعا لابن قتيبة: سميت الغزوة بعين تبوك، وهو العين التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يمسوا من مائها شيئا فسبق إليها رجلان، وهي تبض بشئ من ماء فجعلا يدخلا فيها سهمين ليكثر ماءها، فسبهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما زلتما تبوكانها منذ اليوم، فلذلك سميت العين تبوك.
البوك كالنقش والحفر في الشئ، ويقال: منه باك الحمار الاتان يبوكها إذا نزا عليها.
قال الحافظ: وقعت تسميتها بذلك في الاحاديث الصحيحة " إنكم ستأتون غدا عين تبوك ".
رواه مالك ومسلم.
قلت: صريح الحديث دال على أن تبوك اسم على ذلك الموضع الذي فيه العين المذكورة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا القول قبل
أن يصل تبوك بيوم.
وذكرها في المحكم في الثلاثي الصحيح، وذكرها ابن قتيبة والجوهري وابن الاثير وغيرهم في المعتل في بوك.
الثاني: وقع في الصحيح ذكرها بعد حجة الوداع.
قال الحافظ: وهو خطأ، ولا خلاف أنه قبلها ولا أظن ذلك إلا من النساخ، فان غزوة تبوك كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف.
وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر،

(5/479)


وليس مخالفا لقول من قال إنها في رجب إذا حذفنا الكسور لانه - صلى الله عليه وسلم - قد دخل المدينة من رجوعه إلى الطائف في ذي الحجة.
الثالث: قول أبي موسى: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذ هذين القرينين وهذين القرينين، أي الجملين المشدودين أحدهما إلى الاخر " لستة أبعرة، لعله قال: هذين القرينين ثلاثا، فذكر الرواة مرتين اختصارا.
ولابي ذر عن الحموي والمستملي: وهاتين القرينتين وهاتين القريتنين، أي الناقتين.
وفي رواية في باب قدوم الاشعريين وأهل اليمن في الصحيح: فامر لنا بخمس ذود.
وفي باب الاستثناء في الايمان بثلاثة ذود.
والرواية الاولى تجمع بين الروايات، فلعل رواية الثلاثة باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية الخمس باعتبار أن أحد الازواج كان قرينة تبعا فاعتد به تارة ولم يعتد به أخرى، ويمكن أن يجمع بينهما بانه أمر لهم بثلاثة ذود أولا ثم زادهم اثنين، فان لفظ زهدم أحد رواة الحديث: ثم أتي بنهب ذود غر الذرى فاعطانا خمس ذود فوقعت في رواية زهدم جملد ما أعطاهم، ورواية غيلان: مبدأ ما أمر لهم به ولم يذكر الزيادة، وأما رواية: خذ هذين القرينين ثلاث مرار، وفي رواية: ستة أبعرة، فعلى ما تقدم أن تكون السادسة كانت تبعا فلم تكون ذودتها موصوفة بذلك، قال الحافظ في رواية: ستة أبعرة إما أن يحمله على تعدد القصة أو زاداهم على الخمس واحدا.
الرابع: في رواية أبي موسى قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنهب إبل فامر لنا بخمس ذود.
وفي رواية بعد قوله " خذ هذين القرينين " ابتاعهن من سعد ولم ينبه الحافظ على الجمع
بين الروايتين فيحتمل - والله أعلم - أن يكون ما جاء من النهب أعطاه لسعد ثم اشتراه منه لاجل الاشعريين، ويحتمل على التعدد.
الخامس: قال الحافظ: إنما غلظ الامر على كعب وصاحبيه وهو جروا، لانهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر لان الامام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد، أي لو تخلف قال ابن بطال: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الانصار خاصة فرض عين لانهم بايعوا على ذلك، ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا وكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لانها كالنكث لبيعتهم / قاله ابن بطال: قال السهيلي: ولا أعرف له وجها غير الذي قاله ابن بطال.
قال الحافظ: قد ذكرت وجها غير الذي ذكره، ولعله أقعد ويؤيده قوله سبحانه وتعالى: (ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) الاية.
وعند الشافعية: أن الجهاد كان فرض عين في

(5/480)


زمنه - صلى الله عليه وسلم - فعلى هذا فيتوجه العتاب على كل من تخلف مطلقا.
السادس: قول أبي قتادة لم ساله كعب: الله ورسوله أعلم.
قال القاضي: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه، لانه منهى عن كلامه.
وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده، فقال أبو قتادة مظهرا لاعتقاده لا ليسمعه.
السابع: قول كعب: قال لي بعض أهلي.
قال في النور: الظن أن القائل له من بعض أهل امرأة، وذلك أن النساء لم يدخلن في النهي، لان في الحديث " ونهى المسلمين عن خطابنا " وهذا الخطاب لا يدخل فيه النساء، وأيضا فان امراته ليست داخلة في النهي، فدل على ان المراد الرجال، وقال الحافظ: لعل القائل بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللائي في بيوتهن أو أن الذي كلمه كان منافقا أو الذي يخدمه.
ولم يدخل في النهي.
الثامن: قال في النور: لعل الحكمة في هجران كعب وصاحبيه خمسين ليلة أنها كانت مدة غيبته - صلى الله عليه وسلم - لانه خرج في رجب على ما قاله ابن إسحاق، وقدم في رمضان، وقال بعضهم: في شعبان، وتقدم أنه أقام في تبوك بضعة عشر يوما، ويقال عشرين، هذا ما ظهر لى وأنت من روائها للبحث والتنقيب.
التاسع: دل صنع كعب بكتاب ملك غسان على قوة ايمانه ومحبته لله - تبارك وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والاعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أنه من الملك الذي استدعاه إليه، لانه لا يكرهه على فراق دينه لكن لما احتمل عنده أنه لا يامن من الافتنان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب، هذا مع كونه من البشر الذين طبعت نفوسهم على الرغبة ولا سيما مع الاستدعاء والحث على الوصول إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبة، ومع ذلك فغلب عليه دينه، وقوى عنده يقينه، ورجع ما فيه من النكر والتعذيب على ما دعى إليه من الراحة والتنعيم حبا في الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال - صلى الله عليه وسلم - " وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ".
العاشر: قال بعضهم: سبب قيام طلح لكعب رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان آخي بينهما لما آخى بين المهاجرين والانصار، والذي ذكره أهل المغازي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أخا الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه.
الحادي عشر: استشكل إطلاق قوله - صلى الله عليه وسلم - " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " بيوم إسلامه، فانه مر عليه بعد أن ولدته أمه، وهو خير ما مر فقيل هو مستثنى تقديرا، وإن لم ينطق به لعدم خفائه، قال الحافظ: " والاحسن في الجواب أن يوم توبته يكمل يوم إسلامه

(5/481)


فيوم اسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها، فهو خير من جميع أيامه، وان كان يوم اسلامه خيرها فيوم توبته المضاف الى اسلامه خير يوم من يوم اسلامه المجرد عنها ".
الثاني عشر: في بيان غريب ما سبق: العسرة - بمهملتين الاولى مضمومة والثانية ساكنة، مأخوذ من قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) [ التوبة 120 ] أي الشدة والضيق.
الانباط: نسبة الى استنباط الماء واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، ويقال: ان النبط ينسبون الى نبيط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح.
الروم - جيل من الناس معروف كالعرب والفرس، وهم الذين يسميهم أهل بلادنا الفرنج، من ولد روم بن عيص بن اسحاق، غلب عليهم اسم أبيهم فصار كالاسم للقبيلة، وان شئت قلت: هو جمع رومي منسوبا الى الروم بن عيص.
هرقل - بكسر الهاء وفتح الراء وبالقاف هذا هو المشهور، ويقال بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، وهو اسم علم له، ولقبه قيصر، وهو أعجمي تكلمت به العرب.
أجليت - بالجيم، والبناء للمفعول.
لخم نائب الفاعل بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة.
جدام - بضم الجيم وبالدال المهملة.
البلقاء - بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد.
حصين - والد عمران - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون التحتية وبالنون.
السنون جمع سنة - بفتح السين المهملة، وهو الجذب ضد الخصب.
يستفزونك: يزعجونك ويقتلونك.
والارض هنا أرض المدينة.
قربان المسجد - بضم القاف وكسرها فراء ساكنة فألف فنون: الدنو منه.
لتقطعن: بضم الفوقية.
والمتاجر نائب الفاعل.
عن يد: قهر واذلال.
صاغرون: ذليلون مهانون.
زمان عسرة: شدة.
الجدب - بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وبالموحدة: القحط.
المقام - بضم الميم وفتحها: الاقامة وعدم السفر.
الشخوص - بضم الشين والخاء والمعجمتين: الذهاب، يقال شخص من بلد الى بلد شخوصا إذا ذهب.
الشقة - بضم الشين المعجمة وتشديد القاف: وهو هنا السفر البعيد.

(5/482)


الجهاز - بكسر الجيم وفتحها ما يحتاجه المسافر في قطع المسافة.
أوعب معه: خرجوا بأجمعهم.
انفروا: اسرعوا.
اثا قلتم الى الارض: اضطجعتم واطمأننتم، وأصله اتثاقلتم.
متاع الحياة الدنيا: المتاع كل شئ ينتفع به ثم يفني، وأضيف الى الحياة الدنيا اشارة الى عدم بقائه.
خفافا: جمع خفيف.
وثقالا: جمع ثقيل، أي شبانا وشيوخا، أو ركبانا ومشاة وأغنياء وفقراء، وقيل غير ذلك.
عرضا قريبا - بفتح العين والراء: ناحية قريبة.
وسفرا قاصدا: قريبا أو غير شاق.
الشقة - بضم الشين المعجمة المشددة هي في الاصل السفر البعيد، والمراد هنا الناحية التي ندبوا إليها.
ورى بغيرها: سترها، وكنى عنها وأوهم أنه يريد غيرها، وأصله من الورى، أي ألقى البيان وراء ظهره شرح غريب حثه - صلى الله عليه وسلم - على النفقة والحملان الحملان - بضم الحاء المهملة وسكون الميم: أي الشئ الذي يركبون عليه ويحملهم.
العصابة - بكسر العين المهملة - هنا: الجماعة من الناس.
الاحلاس: جمع حلس - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وبالسين المهملة: كساء يكون تحت البرذعة.
المرقاة والمرقى والمرتقى: موضع الرقي - بفتح الميم وكسرها.
يقول بيده هكذا: تقدم في شرح غريب غزوة الفتح.
الطيالسي - بفتح الطاء المهملة وكسر اللام.
الخطام - بكسر الخاء المعجمة: كل ما يقاد به البعير.
العقال - بكسر العين المهملة وبالقاف والالف واللام، يقال عقلت البعير أعقله - بالكسر: ثنيت ضبعه أي خفه مع ذراعه فشددتهما معا في وسط الذراع بحبل.
الاحتساب: ادخار أجر العمل وأن يحسبه العامل في حسناته.

(5/483)


شرح غريب بعض ما دار بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض المنافقين الجد بن قيس - بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة.
النفر - بفتح النون والفاء: جماعة الرجال من ثلاثة الى عشرة أو الى سبعة.
الضبعة - بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية: واحدة الضباع.
تحقب: تردف خلفك.
بنات بني الاصفر: يعني الروم، قال في الاملاء، يقال انهم من أولاد عيص بن اسحاق، وكان فيما يقال مصفر اللون، وأما الروم القديمة فهم بزنان.
لجلاد - بكسر اللام وبكسر الجيم: الضراب بالسيوف.
الدوائر: جمع دائرة، وهي النائبة التي تنزل بالانسان فتهلكه.
محيطة بالكافرين: مهلكتهم وجامعتهم.
ثبطة عن أمره: عوقه عنه.
جبار - بفتح الجيم وتشديد الموحدة.
صخر - بفتح الصاد المهملة وبالخاء المعجمة وبالراء.
الارجاف: الخوض في الاخبار الكاذبة في الفتنة ليضطرب الناس.
عبد الله بن حارثة بالحاء المهملة وبالثاء المثلثة.
سويلم - بسين مهملة مضمومة فواو فتحتية ساكنة فلام مكسورة فميم.
اقتحم: ألقى نفسه.
مسجد الضرار - بكسر الضاد المعجمة، وفي الاصل فعال من الضر - بفتح المعجمة: أي مجازي من أضره بمثل فعله.
على جناح سفر: أي نريده.
شرح غريب خبر المخلفين والمعذرين والبكائين المعذرون - جمع معذر بتشديد الذال المعجمة، وقد يكون صادقا، وقد يكون كاذبا.
فالصادق أصله المعتذر ولكن التاء قلبت ذالا فادغمت في الذال، والكاذب معذر على أصله وهو المعرض المقصر الذي يتعلل بغير عذر صحيح.
القرظي بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة المشالة.

(5/484)


هرمي - بفتح الهاء وكسر الراء ويقال هرم.
علبة - بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة وتاء تأنيث.
عرباض - بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالموحدة وبالضاد المعجمة.
سارية - بالسين المهملة وكسر الراء وبالتحتية.
حمام - والد عمرو - بضم الحاء المهملة والتخفيف.
الجموح - بفتح الجيم وضم الميم وبالحاء المهملة.
عنمة: والد عمر بفتح العين المهملة والنون والميم.
مغفل: والد عبد الله - بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة وباللام.
معقل بن يسار - بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف، وأبوه بالتحتية والمهملة.
بنو مقرن - بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة.
ابن يامين - كذا في نسخة من السيرة الهشامية، والعيون " ابن يامين " وصوابه " يامين " باسقاط ابن.
النضري - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة.
الناضح - بنون وبعد الالف ضاد معجمة فحاء مهملة، وهو من الابل الذي يستقي عليه الماء.
شرح غريب حديث أبي موسى الاشعري - رضي الله عنه - وما بعده لا أشعر: لا أعلم.
وجد عليه: حزن.
جئ - بالبناء للمفعول: أتي بضم الهمزة.
نهب إبل: بتنوين الموحدة واللام.
البث: امكث.
سويعة: تصغير ساعة من الزمان.
القرينين: الجملين المشدودين أحدهما إلى الآخر، وقيل النظيرين المتساويين، وفي رواية: هاتين القرينتين: أي الناقتين.
بخمس ذود - بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة: ما بين الستة إلى التسعة من الابل، وهي مؤنثة.

(5/485)


غر - بضم الغين والراء.
الذرى - بضم الذال المعجمة وفتح الراء: جمع ذروة، وهي أعلى كل شئ: أي بيض الاسنمة.
الجرف - بضم الجيم والراء وبالفاء على ثلاثة أميال من المدينة إلى جهة الشام.
سباع - بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة.
عرفطة - بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء وبالطاء المهملة.
شرح غريب ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: عسكر - بعين فسين مهملة فكاف فراء: جمع.
ثنية الوداع - تقدم الكلام عليها مبسوطا في أبواب دخوله - صلى الله عليه وسلم - المدينة.
على حدة - بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين: أي منفردا وحده بعسكره لم يختلط بعسكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ذباب - بذال معجمة وزن كتاب وغراب - لغتان: جبل بقرب المدينة.
مقرنين: مجعولين قرنا باليدين.
السويداء - تصغير سوداء: موضع على ليلتين من المدينة.
الفغواء - بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة وبالواو.
الخزاعي - بضم الخاء المعجمة - وبالزاي.
أسيد - بضم أوله وفتح ثانية وسكون ثالثة وبالدال المهملة.
وحضير - بالحاء المهملة والضاد المعجمة كذلك.
دجانة - بضم الدال المهملة وتخفيف الجيم وبالنون.
شرح غريب قصة تخلف أبي ذر وأبي خيثمة - رضي الله عنهما وإخباره صلى الله عليه وسلم - بما قاله جماعة من المنافين نضو - بنون مكسورة فضاد معجمة فواو: الدابة التي اهتزلتها الاسفار، وأذهبت لحمها.
أعجف: ضعيف.
أذم بي - بفتح أوله والذال المعجمة وتشديد الميم: حبسني.
التلوم - بفتح الفوقية واللام وتشديد الواو وبالميم: الانتظار والمكث.

(5/486)


أبطا - بهمز أوله وآخره.
يتبع - بالتخفيف والتشديد.
أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبكسر الهمزة وسكون الثاء، وحكى بتثليث الهمزة.
يمشي وحده، وكذا الباقي: أي منفردا.
كن أبا ذر - بلفظ الامر، ومعناه الدعاء، كما تقول اسلم، أي سلمك الله.
العريش - بفتح العين وكسر الراء: كل ما استظل به.
الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط.
الضح بكسر الضاد المعجمة وتشديد الحاء المهملة، قال في الاملاء: الشمس، وفي النهاية هو ضوء الشمس إذا استمكن من الارض وهو كالقمر، وهذا أصل الحديث ومعناه، وهو أشبه مما فسره به الهروي فقال: أراد كثرة الخيل والجيش، يقال: حافلان بالضح والريح، أي لما طلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح يعنون المال الكثير.
النصف - بفتح بنون والصاد المهملة وبالفاء.
أن تخلف عني - بحذف إحدى التاءين وتشديد اللام المفتوحة.
أولى لك - قال في الاملاء: كلمة فيها معنى التهديد، وهي اسم سمي به الفعل، ومعناها فيما قاله المفسرون دين من الهلكة.
الرهط: ما دون العشرة من الرجال.
وديعة - بفتح الواو وكسر الدال وبالعين المهملة.
ثابت - بالثاء المثلثة وبالموحدة والفوقية.
الجلاس - بضم الجيم والتخفيف وآخره سين مهملة.
مخشي - بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين بعدها ياء كياء النسبة.
ابن حمير: بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة وتشديد التحتية.
فليات - بهمزة مفتوحة قبل تاء التأنيث الساكنة.
أقاضي - بضم الهمزة وفتح الضاد المعجمة بالبناء للمفعول.
حقب الناقة: عجزها.
فتسفان التراب: ترفعانه.

(5/487)


عفي عنه: بالبناء للمفعول.
ولا يعلم مكانه: كذلك.
اليمامة - بفتح التحتية: بلد باليمن.
شرح غريب ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالمروة ونزوله بوادي القرى ذي المروة بلفظ أخت الصفا من أعمال المدينة على ثمانية برد منها الخليجة.
الدوم - بفتح الدال المهملة: جمع دومة كذلك وهي ضخم الشجر، وقيل هو شجر المقل.
وادي القرى - بضم القاف وفتح الراء: جمع قرية.
الحديقة: كل ما أحاط به البناء من البساتين، ويقال للقطعة من النخل حديقة وإن لم تكن محاطا بها.
الخرص - بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وبالصاد المهملة، وهو هنا الحزر الذي حزر ما على النخل من الرطب تمرا.
الوسق - بفتح الواو وكسرها: ستون صاعا.
بنو العريض - بفتح العين المهملة وكسر الراء وبالضاد المعجمة.
شرح غريب ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر [ الحجر ] بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء: اسم ديار ثمود، بين المدينة
والشام.
أبو كبشة - بفتح الكاف وسكون الموحدة وبالشين المعجمة.
الانماري بفتح أوله وبالنون.
أبو حميد - بضم الحاء المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة.
تقنع برادئه - بفتحات والنون مشددة: أي ستر راسه.
أوضع راحلته - بالضاد المعجمة والعين المهملة: أسرع بها.
ثمود - إن أريد به اسم القبيلة لم ينصرف للعلمية والتانيث المعنوي، وإن أريد به اسم الاب انصرف.
أن يصيبكم - بفتح الهمزة مفعول له، أي كراهة الاصابة.
أهريقوها: صبوا ما فيها.

(5/488)


الفج - بفتح الفاء وتشديد الجيم: الطريق الواسع، والجمع فجاج بكسر الفاء.
تصدر: ترجع بعد ورود مياههم.
" عتوا عن أمر ربهم ": جاوزوا الحد في التكبر والتجبر وركوب البهتان.
أهمده الله تعالى: أهلكه.
أبو رغال - بكسر الراء وبالغين المعجمة واللام.
من أنفسكم: منكم.
لا يعبا بعذابكم: ما يصنع به، أو ما يبالي به.
خنق - بضم الخاء المعجمة وبالنون والبناء للمفعول.
مذهبه - بفتح الميم والهاء وسكون الذال المعجمة بينهما: وهو الموضع الذي يتغوط فيه.
جبلي طيئ: هما أجأ بفتح الهمزة والجيم وهمز آخره، وبالقصر، وسلمى - بفتح السين
المهملة وسكون اللام وبالقصر.
شرح غريب استسقائه - صلى الله عليه وسلم - حين شكوا إليه العطش وأخباره باضلال ناقته، وما بعد ذلك قوله: القيظ: بفتح القاف وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة: شدة الحر.
الفرث - بفتح الفاء وسكون الراء وبالثاء المثلثة: السرجين في الكرش.
أبو حرزة الانصاري - بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها زاي فتاء تأنيث.
النوء - بفتح النون وبالهمز: مصدر ناي النجم ينوء نوءا، والمراد سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق، وكانوا يعتقدون أنه لا بد عند ذلك من مطر أو ريح فمنهم من يجعله للطالع.
لانه ناء ومنهم من ينسبه للمغارب، فنفى - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ونهى عنه، وكفر من اعتقد أن النجم فاعل ذلك، ومن جعله دليلا فهو جاهل بمعنى الدلالة، قال في النهاية: ومن أسند ذلك للعادة التي يجوز إنخرامها فقد كرهه قوم وجوزه قوم.
القصواء: كحمراء.
عقبيا: شهد بيعة العقبة.
اللصيت: والد زيد، تصغيرا لصت بتثليث اللام وسكون الصاد وبالفوقية: وهو اللص في لغة طئ.

(5/489)


قينقاع: تقدم في غزوتها.
الشعب - بكسر الشين وسكون العين المهملة: ما انفرج بين الجبلين.
الزمام - بكسر الزاي: المقود الذي تقاد به الدابة.
آنفا - بفتح أوله وكسر النون وبالفاء " والمد والقصر ": قريبا.
يجأ في عنقه: يطعن.
الاداوة - بكسر أوله: المطهرة.
نكص على عقبيه نكوصا، أي من باب قعد: رجع، قال ابن فارس: والنكوص الاحجام عن الشئ.
تواثب الناس: قاموا.
الغبطة: أن تحب أن يكون لك مثل ما أعجبك من أمر أخيك دون أن يسلبه.
الفحل: الذكر من الحيوان، والمراد هنا ذكر الابل.
في في فحل - في الاولى حرف جر، والثانية اسم للفم.
يقضمها - بفتح الضاد المعجمة وضمها: أي يعضها، والقضم في الاصل الاكل بأطراف الاسنان، فاستعير هنا للعض.
انصاع الناس عنها - بكسر أوله وسكون النون وبالصاد وبالعين المهملتين: تفرقوا مسرعين.
شرح غريب ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بقرب تبوك وغريب نزوله بتبوك، وما بعد ذلك قوله الشراك: للنعل - بكسر الشين المعجمة: سيرها الذي على ظهر القدم.
تبض: بفتح الفوقية وكسر الموحدة وبالضاد المعجمة وتهمل: تسيل.
الشن بفتح الشين: القربة الخلق.
الجنان - بكسر الجيم جمع جنة بتفحها، سميت بذلك لجنها أي سترها الارض بالشجر.
جاش الماء: ارتفع وجرى.

(5/490)


استرقد: رقد، أي نام.
قيد رمح - بكسر القاف وبالدال المهملة: قدره.
اكلالنا: احفظنا وارصد لنا الصبح.
أوثق: أحكم.
العرى - بضم العين المهملة: وفتح الراء: جمع عروة وهذا ماخوذ من قوله تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى) [ البقرة 256 ] تأنيث الاوثق أي المحكمة، قال الزجاج: معناه فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا.
كلمة التقوى: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
الملل - بكسر الميم: جمع ملة.
السنن: جمع سنة، وهي الطريقة.
خير الامور عوازمها: فرائضها التي عزم الله تعالى عليك بفعلها.
والمعنى ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل، هي ما وكدت رايك وعزمك عليه ووفيت بعهد الله فيه، والعزم: الجد والصبر.
لا ياتي الجمعة إلا ذبرا - بفتح الذال المعجمة وضمها وسكون الموحدة وضمها منصوب على الظرف: أي بعد ما يفوت وقتها.
إلا هجرا - بفتح الهاء وسكون الجيم: يريد الترك له والاعراض عنه.
وقر الشئ: تمكن وثبت.
الارتياب: الشك.
جثى جهنم - بضم الجيم وفتح الثاء المثلثة: جمع جثوة بتثليث الجيم وسكون الثاء المثلثة، وهي الشئ المجموع.
السكركة بضم السين المهملة والكاف الاولى وسكون الراء نوع من الخمور، يتخذ من الذرة.
حبالة الشيطان - بكسر الحاء المهملة والجمع حبائل - بفتح الحاء: أي مصيدته التي يصيد بها.

(5/491)


الشباب شعبة من الجنون: الشعبة - بضم الشين وسكون العين المهملة: الطائفة.
من الشئ والقطعة منه، وإنما جعل الشباب شعبة منه لان الشباب يزيل العقل وكذلك الشباب قد يسرع إلى قلة العقل لما فيه من كثرة الميل إلى الشهوات والاقدام على المضار.
من يتال على الله يكذبه - بفتح أوله.
وبعد الفوقية همزة فلام مشددة: أي من حكم عليه ويحلف، كقولك: فلان في الجنة وفلان في النار.
لا يرعوي بشئ منه: لا ينفك لا ينزجر، من رعا يرعو إذا كف عن الامور، وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواء.
سعد هذيم - باضافة سعد إلى هذيم - بضم الهاء - وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وبالميم.
النطع: المتخذ من الاديم معروف، وفيه اربع لغات: فتح النون وكسرها ومع كل واحد فتح الطاء وسكونها، والجمع أنطاع ونطوع.
الحميت - بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وسكون التحتية وبالفوقية: زق السمن.
الأقط ككتف - ويسكن، مثلث الهمزة: شئ يتخذ من اللبن المخض، قال ابن الاعرابي: من ألبان الغنم خاصة.
الامعاء: جمع معا بالقصر مثل عنب وأعناب، وبالمد جمعه أمعية مثل حمار وأحمرة: وهو المصران، قوله: ياكل في معاء واحد: مثل ضرب لزهد المؤمن وحرص الكافر، وهو خاص في رجل بعينه كان ياكل كثيرا، فاسلم كما في هذه القصة.
تحينا لفدائه: طلبنا حينه وهو وقته.
الجراب - بالكسر: وعاء من جلد، وقد يفتح، ومنعه ابن السكيت، وعزاه الجوهري للعامة، والجمع جرب مثل كتاب وكتب وأجربة.
نثره نثرا - من بابي قتل وضرب: رمي به متفرقا.
تهجد: قام، وصلى، والاخير المراد هنا.
بعثت إلى الناس كافة: تقدم الكلام عليه في الاسماء الشريفة في حرف الكاف.
هل لك [ أي هل تريد ].
الاكام: جمع أكم مثل جبل وجبال، وهو وأكمات جمع أكمة، مثل قصبة وقصبات وجمع آكام أكم ككتب وجمعه آكام كأعناق: تل، وقيل شرفه كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ.

(5/492)


شرح غريب ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - دحية إلى هرقل دحيه - بكسر الدال المهملة وفتحها.
التنوخي - بفتح الفوقية وضم النون المخففة وبالخاء المعجمة.
قسيسى الروم بكسر القاف: جمع قسيس كذلك حذفت النون للاضافة، وهو عالم النصارى، ويجمع بالواو والنون تغليبا لجانب الاسمية، والقس - بالفتح لغة فيه وجمعه قسوس مثل فلس وفلوس.
البطارقة - بتفح الموحدة وكسر الراء: جمع بطريق - بكسر الموحدة، وهو كالقائد من العرب.
نخروا - بالخاء المعجمة: تكلموا وكانه كلام مع غضب ونفور، ونخر الحمار وغيره - ينخر بالضم - بخياشيمه.
رقاهم: من الرقي - بضم الراء وهو الصعود.
لم يكد: لم يقرب.
تجيب - بفتح الفوقية وهو أكثر، وبضمها: قبيلة من كندة.
يريبك - بفتح التحتية وتضم: ما تشك فيه.
كسرى - بفتح الكاف وكسرها: وهو أفصح، وهو لقب من يملك من ملوك الفرس مزق الكتاب يمزقه - بالكسر - شقه، ومزقه مشددا، ومزقهم الله كل ممزق: أهلكهم.
خرقت الثوب: قطعته، وخرقته بالتشديد تخريقا مبالغة.
الباس: القوة.
الجعبة للنشاب - بفتح الجيم والجمع جعاب مثل كلبة وكلاب، وجعبات مثل سجدات.
سفر - بفتح السين المهملة وسكون الفاء: جمع مسافر كراكب وركب.
مرملون: بالراء: فرغ زادنا.
الحلة - بضم الحاء المهملة: برد من برود اليمن لا يكون إلا ثوبين من جنس واحد.
صفورية - بصاد مهملة مضمومة ففاء فراء فمثناة تحتية مشددة: جنس من النبات فكان الحلة صبغت به.
أهوى: أقصد.
الغضروف - بضم العين - وسكون الضاد الساقطة المعجمتين: راس لوح الكيف.
المحجمة والمحجم - بالكسر: قاروة الحجام.
الضخمة: العظيمة.

(5/493)


شرح غريب ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - على ذي البجادين - رضي الله عنه - وما بعده ميلا: بميم فتحتية مشددة فلام مفتوحات فالف: ذا مال.
لتتوق نفسه إلى كذا - بمثناتين فوقيتين فواو فقاف: تشتاق.
البجاد - بكسر الموحدة فالجيم والدال المهملة، الكساء الغليظ الجافي.
يتصفح الناس: ينظر في صفحات وجوههم وهي جلدة بشرتها.
لحاء شجر - بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد والقصر: ما على العود من قشر، ولحوت العود لحوا من باب قال، ولحيته لحيا من باب باع: قشرته.
سمرة - بفتح السين المهملة وضم الميم، ويجوز إسكانها.
وقصته دابته وقصا من باب وعد: رمت به فدقت عنقه، فالعنق موقوصة.
النحي - بكسر النون وسكون الحاء المهملة والتحتية: سقاء السمن، والجمع أنحاء.
مثل حمل وأحمال، ونحاء أيضا مثل بئر وبئار.
الخرير - بالخاء المعجمة: صوت الماء، واستعير هنا للسمن.
شرح غريب ذكر مصالحته - صلى الله عليه وسلم - ملك أيلة وغريب ما بعده قوله: أكيدر - تصغير أكدر.
دومة بضم الدال المهملة وفتحها وسكون الواو فيهما.
أشفق: بفتح أوله وسكون الشين المعجمة وفتح الفاء وبالقاف: خاف.
أيلة - بفتح الهمزة وإسكان التحتية: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة على ساحل البحر.
يحنة - بضم التحتية وفتح الحاء المهملة والنون المشددة وتاء تأنيث، ويقال: يحنا بالالف بدل التاء، ولم أعلم له إسلاما، وكانه مات على شركة.
روبة - بضم الراء وسكون الهمزة وبالموحدة.
جربا - بجيم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة، تقصر وتمد: بلد بالشام تلقاء السراة.
أذرح - بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء وبالحاء المهملة: مدينة بالشام، قيل هي فلسطين، قال في القاموس: يجنب جربا، وغلطه من قال بينهما ثلاثة أيام.
مقنا: قرية قرب أيلة.

(5/494)


البحر - هنا بلدهم وأرضهم.
الامنة - بفتح الهمزة والميم والنون فتاء تأنيث: الامان لسفنهم وسائرهم.
يمنعوا - بالبناء للمفعول.
جهيم - بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية.
الصلت - بفتح الصاد المهملة وسكون اللام وبالفوقية.
شرحبيل - بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة.
حسنة: ضد سيئة.
وافية: كاملة تامة.
شخص: رجع.
النواضح - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: جمع ناضح، وهو البعير الذي يستقى عليه الماء، ثم استعمل في كل بعير.
الحمولة - بفتح الحاء المهملة: الابل التي تحمل.
رقاق: ضعاف.
الحديبية: تقدم في غزوتها.
أرملنا - بالراء: أنفد زادنا، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل.
أفراق - بالفاء والقاف: جمع فرق بفتح الفاء والراء وتسكن: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا وثلاثة آصع.
آصع - بفتح أوله وضم الصاد المهملة جمع صاع: مكيال، وهو أربع أمداد، وهي خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
صدروا: رجعوا، والصدر الانصراف عن الورد وكل شئ.
شرح غريب ذكر بعض آيات وقعت في رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك قوله: قافل - بالقاف والفاء المكسورة: راجع.
خفق - بفتح الخاء المعجمة والفاء والقاف: أخذته سنة من النعاس فمال براسه دون سائر جسده.
دعمته - بفتح الدال والعين المهملتين وسكون الميم: أسندته لئلا يميل.

(5/495)


التعريس: النزول ليلا.
الفلاة: البرية التي لا ماء بها.
المشقق - بضم الميم وفتح الشين المعجمة فقافين الاولى مفتوحة: اسم ماء أو واد.
الوشل: بفتح الواو والشين المعجمة وباللام: الماء القليل، ووشل الماء وشلا إذا قطر وفي الاملاء: الوشل حجارة جبل يقطر منه الماء قليلا، والوشل أيضا القليل من الماء.
سبقنا - بفتح الموحدة.
معتب - بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية وبالموحدة.
قشير - بالقاف والشين المعجمة.
نضحه - بالضاد المعجمة وبالحاء المهملة: رشه.
امرأة من بلي بموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية.
هنيهة - بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية وفتح الهاء وبتاء تأنيث: أي قليل من الزمان.
نهلت: رويت.
القعب - بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالموحدة: قدح من خشب.
العساس - بعين فسين فالف فسين مهملات وزن سهام، والاعساس وزن أقفال: جمع عس - بضم العين وتشديد السين: وهو القدح الكبير.
يجيش: يفور.
الرواء - ككتاب جمعه ريان وريا.
فضالى - بفتح الفاء - وبالضاد المعجمة المخففة.
يزجون ظهرهم - بالزاي والجيم: يعوقون.
فاستمرت: قويت وسارت.
شرح غريب ذكر إرادة بعض المنافقين الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: الفتك: القتل غفلة.
يلتمسون: يطلبون.
غرته - بكسر الغين المعجمة: غفلته.

(5/496)


إليكم إليكم: اسما فعل بمعنى تنحوا.
سرح: بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة.
أبو حاضر: ضد غائب.
الجلاس - بضم الجيم وبالسين المهملة والتخفيف.
مجمع - بالجيم بلفظ اسم الفاعل.
جارية: والد مجمع - بالجيم والتحتية.
مليح - تصغير ملح.
حصين - بضم الحاء وفتح الصاد المهملة.
نمير - بوزنه.
أقاله عثرته: جبر زلته وسميت الزلة عثرة لانها سقوط في الاثم.
طعمة - بضم الطاء المهملة وسكون العين المهملة.
أبيرق تصغير أبرق.
عيينة - والد عبد الله بلفظ تصغير عين.
مرة بن الربيع - بلفظ ضد حلوة.
الدبيلة - بضم الدال المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية: خرج أو دمل كبير يظهر
في الجوف تقتل صاحبها غالبا.
نياط القلب - بكسر النون: عرق علق به القلب من الوتين إذا قطع مات صاحبه.
شرح غريب أمر مسجد الضرار قوله: أبو رهم - بضم الراء وسكون الهاء.
كلثوم - بضم الكاف - وبالثاء المثلثة.
الحصين - بلفظ تصغير حصن.
الغفاري - بكسر الغين المعجمة.
ابن عوف - بالفاء.
بني غنم - بفتح الغين المعجمة وسكون النون.
يرصدون قدومه: ينتظرونه.

(5/497)


العلة: المرض.
جناح سفر: أي مفارقة الاوطان.
ذو أوان - بفتح الهمزة وتخفيف الواو وبالنون: موضع قريب من المدينة.
الدخشم - بضم الدال المهملة وسكون الخاء وضم الشين المعجمتين وبالميم، ويقال بالنون بدلها، ويقال كذلك بالتصغير.
أنظرني - بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الظاء المعجمة المشالة: أي أخرني ولا تعجلني، هكذا الرواية، ويصح أن يقرأ بضم الهمزة أن انتظرني.
السعف - بضم السين والعين المهملتين وبالفاء: أغصان النخل مادامت بالخوص، فان زال الخوص عنها قيل جريدة، الواحدة سعفة.
شرح غريب ذكر حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - لم يعاتب - بكسر الفوقية، ولم يعاتب الله تعالى أحدا، وفي رواية لم يعاتب بفتح الفوقية.
العير - بكسر العين، الابل التي تحمل الميرة.
حين تواثقنا - بفوقية وثاء مثلثة فقاف: تعاهدنا وتعاقدنا.
وإن كانت بدر أذكر: أعظم ذكرا.
ورى بغيرها - بفتح الواو والراء المشددة: أي أوهم غيرها، والتورية، أن يذكر لفظا يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الاخر فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد.
المفازة - بفتح الميم والفاء وبالزاي: الفلاة التي لا ماء فيها.
فجلى - بالجيم واللام المشددة، ويجوز تخفيفها: أوضح.
الاهبة - بضم الهمزة والهاء: ما يحتاج إليه في السفر والحرب.
كتاب - بالتنوين - حافظ: كذلك، وفي مسلم بالاضافة.
الديوان: بكسر الدال المهملة وتفتح.
يتغيب: يستخفي.
خارفون - بالخاء المعجمة: يقيمون في الحيطان وقت اختراف الثمار، وهو الخريف هنا.
طفقت - بكسر الفاء أفصح من فتحها: أخذت وشرعت.

(5/498)


أغدو - بالغين المعجمة.
يتمادى - بتحتية ففوقية فميم مفتوحات فالف فدال مهملة.
الحاذ - بحاء مهملة وبعد الالف ذال معجمة: الحال وزنا ومعنى.
الجد - بكسر الجيم والرفع فاعل وهو الجهد في الشئ والمبالغة فيه، وفي رواية: حتى اشتد الناس الجد وضبطوا الناس بالرفع على أنه فاعل، والجد بالنصب على نزع الخافض.
أو نعت لمصدر محذوف أي اشتد الناس الاشتداد الجد.
أصبوا: بصاد مهملة فباء موحدة: أميل.
جهازي - بفتح الجيم وكسرها.
غدوت - بالغين المعجمة.
فصلوا - بصاد مهملة: خرجوا.
تفارط - بالفاء فالراء والطاء المهملتين: فات وسبق.
يقدر - بالبناء للمفعول.
أني لا أرى - بفتح همزة إن، وهي وصلتها فاعل أحزنني خلافا لمن قال للتعليل.
مغموصا - بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها ميم أخرى مضمومة فواو فصاد مهملة، متهما أي يظن به النفاق.
بني سلمة - بكسر اللام.
السلمي بفتحتين.
برداه: تثنية برد.
عطفيه - بكسر العين المهملة تثنية عطف: أي جانبه، كناية عن كونه معجبا في نفسه ذا زهو وتكبر، أو يكنى به عن مسيرته لتعجبه، والقريب الرداء وسمي عطفا لوقوعه على عطف الرجل.
قافلا: راجعا.
قد أظل - بالظاء المشالة المعجمة: دنا.
زاح - بالزاي والحاء المهملة: زال.
أجمعت صدقة: جزمت به وعقدت عليه قصدي.
بضعة - بكسر الموحدة وسكون الضاد المعجمة: ما بين الثلاث إلى التسع على المشهور.

(5/499)


بدا - بفتح الهمزة.
المخلفون: الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم عن غزوة تبوك.
ووكل - بفتحات مع التخفيف.
المغضب - بفتح الضاد المعجمة.
خلفك تشديد اللام المفتوحة.
ابتعت ظهرك: شريته.
أن - بفتح الهمزة مخففة من الثقيلة.
سأخرج - بالضم.
جدلا - بفتح الجيم والدال المهملة: فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما نسب إلي مما يقبل ولا يرد.
يوشكن - بضم التحتية وكسر الشين المعجمة: يسرعن.
تجد - بكسر الجيم: تغضب.
أما هذا - بفتح الهمزة وتشديد الميم.
ثار رجال: وثبوا.
سلمة - بكسر اللام.
عجزت - بفتح الجيم أفصح من كسرها.
كافيك: خبر كان.
ذنبك: مفعول كافيك.
استغفار: اسم كان، وذكر بعضهم أن ذنبك منصوب بنزع الخافض، أي من ذنبك.
يؤنبونني بهمزة مفتوحة فنون مشددة فموحدة مضمومة ونونين: يلومونني لوما عنيفا.
مرارة - بضم الميم وتخفيف الراءين.
الربيع - بفتح الراء.
العمري - بفتح العين المهملة وسكون الميم، نسبة إلى عمرو بن عوف.
الواقفي، بتقديم القاف على الفاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن أوس.

(5/500)


أسوة - بكسر الهمزة وضمها.
أيها الثلاثة - بالرفع، ومحله النصب على الاختصاص، أي خصوصا، الثلاثة، كقولهم اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وقال أبو سعيد السيرافي: إنه مفعول فعل محذوف أي أريد الثلاثة أي أخص الثلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: إنه منادي، والثلاثة صفة له، وإنما أوجبوا ذلك لانه في الاصل كان كذلك فنقل إلى الاختصاص، وكل ما نقل من باب إلى باب فاعرابه بحسب أصله كافعال التعجب.
اجتنبنا [ بهمزة وصل وجيم ساكنة وفوقية مفتوحة ونون وباء ونون مفتوحات: بعد عنا ].
الناس: فاعل اجتنب.
استكان: رجع.
أجلدهم: أقواهم.
أطوف: أدور.
أسارقة - بالسين المهملة والقاف - النظر: أنظر إليه في خفية.
جفوة الناس - بفتح الجيم وسكون الفاء: إعراضهم.
تسورت: علوت.
أنشدك - بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة: أسالك.
فنشدته - بفتح المعجمة: سألته به.
نبطي - بفتح النون والموحدة وكسر الطاء: فلاح، وكان نصرانيا، ولم يسم.
من أنباط الشام - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة.
يشيرون - بضم أوله.
غسان - بفتح الغين وتشديد السين المهملة.
جبلة بن الايهم، وهو الحرث بن أبي شمر.
السرقة - بسين مهملة فراء فقاف مفتوحات فهاء تأنيث: الابيض من الحرير، أو الحرير عامة.
دار هوان: [ ذلة ومهانة ].
مضيعة - بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة، وفتح التحتية وبكسر الضاد وسكون التحتية: أي حيث يضيع حقك.

(5/501)


متحولا - بالحاء المهملة وفتح الواو مكان تتحول فيه بفتح الحاء المهملة.
نواسيك - بضم النون وكسر السين المهملة من المواساة.
تيممت: قصدت.
التنور - بفتح الفوقية: الذي يخبز فيه.
سجرته - بسين مهملة مفتوحة: أو قدته.
وأرسل إلى صاحبي - بتشديد التحتية.
الحقي باهلك - بفتح الحاء.
حتى كملت - بفتح الميم.
ضاقت علي نفسي [ ضد اتسعت، كناية عن ما يعانيه من الشدة والحزن وضيق الصدر ].
ضاقت علي الارض بما رحبت: أي بما هي عليه من السعة.
صارخ - بالخاء المعجمة.
أوفى - بالفاء مقصورا: صعد.
سلع - بفتح السين المهملة وسكون اللام.
يا كعب بن مالك - بفتح كعب وابن، وضم كعب وفتح ابن وضمها.
أبشر - بهمزة.
قد جاء فرج - بالجيم.
آذن بالمد: أعلم.
وذهب قبل - بكسر القاف وفتح الموحدة: جهة.
صاحبي: مرارة وهلال.
ركض إلي - بتشديد التحتية: استحث.
ثوبي: تثنية ثوب.
فوجا فوجا: جماعة جماعة.
لتهنك: بكسر النون.
توبة الله - بالرفع.
فقام إلي - بتشديد التحتية.
يهرول: يسر بين المشي والعدو.
ولا أنساها لطلحة: أي هذه الخصلة، وهي بشارته إياي بالتوبة، أي لا أزال أذكر إحسانه إلى بذلك وكنت رهين مسرته.

(5/502)


يبرق - بفتح أوله.
إذا سر - بضم السين وتشديد الراء، مبنيا للمفعول.
كأنه قطعة قمر: تقدم الكلام عليه في الصفات النبوية.
أن أنخلع: أخرج من مالي صدقة.
قال الزركشي والحافظ والبرماوي هي مصدر، فيجوز انتصابه بأنخلع، لان معنى انخلع أتصدق، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، وتعقب ذلك الشيخ بدر الدين الدماميني: بأنا لا نسلم أن الصدقة مصدر وانما هي اسم لما يتصدق به
على الفقراء، فعلى هذا نصبها على الحال من مالي.
ما بقيت - بكسر القاف.
أبلاه الله - بالموحدة الساكنة: أنعم الله عليه.
أحسن مما أبلاني: أنعم علي، وفيه نفي المساواة، لانه شاركه في ذلك هلال بن أمية.
أن لا أكون كذبته - بتخفيف الذال وسكون الموحدة، ولا زائدة كقوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد) [ الاعراف 12 ] أي حدثته حديث كذب.
فأهلك بكسر اللام وفتح الكاف.
شر ما قال لاحد: أي قال قولا شرا - ما قال بالاضافة، أي شر القول الكائن لاحد من الناس.
أرجأ أمرنا - بالجيم والهمزة: أخر.
مما خلفنا - بضم الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة - وسكون الفاء.
ارجاؤه: تأخيره وتركه.
شرح غريب ذكر أقوام تخلفوا من غير عذر أبو لبابة - بضم اللام وتخفيف الموحدة الاولى.
جد بن قيس - بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة.
جذام بن أوس...قفل - بفتح القاف والفاء واللام: رجع.

نجز الجزء الثاني من كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد
يتلوه الجزء الثالث " جماع أبواب سراياه "
أحسن الله تعالى عاقبتنا آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين آمين، والحمد الله رب العالمين - على يد الفقير الراجي عفو الله علي بن ابراهيم الباجي غفر الله له ولوالديه ولمشايخه آمين.

(5/503)


سبل الهدى والرشاد

الصالحي الشامي

ج 6

(6/)


سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي
المتوفي سنة 942 هـ

تحقيق وتعليق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الشيخ علي محمد معوض

الجزء السادس

دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

(6/1)


الطبعة الاولى 1414 هـ.
1993 م

(6/2)


بسم الله الرحمن الرحيم

جماع أبواب سراياه وبعوثه وبعض فتوحاته صلى الله عليه وسلم

الباب الأول في عدد سراياه وبعوثه ومعنى السرية
وفيه نوعان الأول: قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى: السرايا والبعوث ثمانيا وثلاثين وذكرها أبو عمر رحمه الله تعالى في اول باب الاستيعاب سبعا وأربعين.
وذكرها محمد بن عمر رحمه الله تعالى ثمانيا واربعين، وأبو الفضل ستا وخمسين.
ونقل المسعودي عن بعضهم أنها ستون.
وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة، وذكر فيها أن الامام الحافظ محمد بن نصر (1) اوصلها إلى السبعين، وان الامام الحافظ ابا عبد الله الحاكم
رحمه الله تعالى قال: انه ذكر في الاكليل انها فوق المائة.
قال العراقي: ولم أجد هذا القول لاحد سواه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لعل الحاكم أراد بضم المغازي إليها.
قلت عبارة الحاكم كما رواها عنه ابن عساكر بعد أن روى عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين.
قال الحاكم: هكذا كتبناه.
واظنه اراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في كتاب الاكليل على الترتيب بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة.
قال: (واخبرني الثقة من اصحابنا ببخارى انه قرأ في كتاب ابي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب بنفسه نيفا وسبعين).
انتهى.
قال في البداية: وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر فقد روى الامام أحمد (عن ازهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائي) عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث واربعون: اربعة وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة.
قلت والذي وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين كما سيأتي بيان ذلك مفصلا ان شاء الله تعالى.
__________
(1) محمد بن نصر المروزي، أبو عبد الله: امام في الفقه والحديث.
كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم في الاحكام.
ولد ببغداد.
ونشأ بنيسابور، ورحل رحلة طويلة استوطن بعدها بسمرقند وتوفي بها.
له كتب كثيرة، منها (القسامة) في الفقه، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يكن له غيره لكان من أفقه الناس، (والمسند) في الحديث، وكتاب (ما خالف به أبو حنيفة عليا وابن مسعود).
الاعلام 7 / 125.
(*)

(6/3)


الثاني: في معنى السرية.
قال ابن الاثير في النهاية: (السرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها اربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا سموا بذلك لانهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشئ السري النفيس.
وقيل سموا بذلك لانهم ينفذون سرا وخفية، وليس بالوجه الن لام السر راء وهذه ياء.
انتهى.
وقال الامام شهاب الدين أحمد بن علي الشهير بابن خطيب الدهشة رحمه الله تعالى
في كتابه المصباح (1): (السرية: قطعة من الجيش، فعلية بمعنى فاعلة لانها تسري في خفية والجمع سرايا وسريات مثل عطية وعطايا وعطيات) انتهى.
فقوله: (خفية) احسن من قول من قال (سرا) لما ذكره ابن الاثير من ان لام السرراء وهذه ياء.
وقال الحافظ: السرية: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر بالنون والسين المهملة أي بفتح الميم وكسر السين وبعكسهما.
فان زاد على الثمانمائة سمي جيشا، وما بينهما يسمى هيضلة، فان زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، فان زاد فجيش جرار، بفتح الجيم وبراءين مهملتين الاولى مشددة.
والخميس أي بلفظ اليوم: الجيش العظيم.
وما افترق من السرية يسمى بعثا.
فالعشرة فما بعدها حضيرة.
والاربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون وموحدة أي بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون.
فان زاد سمي جمرة بجيم مفتوحة وسكون الميم.
والكتيبة - بفتح الكاف فتاء مكسورة وتحتية ساكنة فموحدة فتاء تأنيث - ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الاصحاب أربعة.
وخير السرايا اربعمائة، وخير الجيوش، اربعة آلاف، وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا).
رواه أبو يعلى وابن حبان وأبو داود والترمذي، دون قوله (إذا صدقوا وصبروا) (1).
__________
(1) اخرجه أحمد في المسند 1 / 299 والبيهقي في السنن 9 / 156 والدارمي 2 / 215 وذ كره الهيثمي في المجمع 5 / 258.
(*)

(6/4)


الباب الثاني في اي وقت كان يبعث سراياه ووداعه بعضهم ومشيه مع بعضهم وهو راكب إلى خارج المدينة ووصيته صلى الله عليه وسلم لامراء السرايا
وفيه أنواع: الأول: في أي وقت كان يبعث سراياه، عن صخر - بصاد مهملة فخاء معجمة - ابن وداعة - بفتح الواو والدال المهملة - الغامدي - بغين معجمة فألف فميم مكسورة فدال مهملة فياء نسب - رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لامتي في بكورها (1).
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها اول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان لا يبعث غلمانه الا من أول النهار فكثر ماله حتى لا يدري أين يضع ماله.
رواه الامام أحمد والثلاثة وحسنه الترمذي.
وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية أغزاها اول النهار وقال: (اللهم بارك لامتي في بكورها).
رواه الطبراني.
الثاني: في وداعة صلى الله عليه وسلم بعض سراياه.
روى الامام أحمد عن البراء بن عازب، والامام أحمد وأبو يعلى باسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى مع الذين وجههم لقتل كعب بن الاشرف إلى بقيع الغرقد.
ثم وجههم وقال: (انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم) (2) ثم رجع.
البقيع بفتح الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة، والغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة.
من شجر العضاة أو العوسج أو العظام منه.
وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شيع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: (استودع الله تعالى دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم) (3) الحديث رواه ابن ابي شيبة رحمه الله.
الثالث: في مشيه صلى الله عليه وسلم مع بعض أمراء سراياه، وذلك البعض راكب.
عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت ظل راحلته، فلما فرغ قال: (يا معاذ انك عسى ألا تلقاني بعد
__________
(1) اخرجه الترمذي (1212) وأبو داود (2606) وابن ماجه (236) واحمد في المسند 3 / 416 - 417 والطبراني في الكبير 8 / 28، 10 / 257.
(2) اخرجه أحمد في المسند 1 / 66 والحاكم 2 / 9 والطبراني في الكبير 11 / 221 وانظر البداية والنهاية 4 / 7.
(3) اخرجه أبو داود (2601) والحاكم 2 / 97 وذكره ابن حجر في المطالب (3194) والمتقي الهندي في الكنز (18136).
(*)

(6/5)


عامي هذا ولعلك ان تمر بمسجدي وقبري) فبكى معاذ رضي الله عنه جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث (1)، رواه الامام أحمد ويعلى برجال ثقات وسيأتي بتمامه في موضعه من السرايا والبعوث.
جشعا بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة أي جزعا لفراقه صلى الله عليه وسلم.
ورى ابن عساكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معه ميلا ومعاذ راكب لامره صلى الله عليه وسلم بذلك.
النوع الرابع: في وصيته صلى الله عليه وسلم لامراء السرايا.
عن بريدة بالموحدة والتصغير رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أو صاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا (ولا تمثلوا) ولا تقتلوا وليدا.
وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فايتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنه وادعهم إلى الاسلام، فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، واخبرهم، انهم ان فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فان أبوا أن يتحولوا منها فاخبرهم ان يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ الا أن يجاهدوا مع المؤمنين، فان هم أبوا فسلهم الجزية، فان هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فان هم أبوا فاستعن عليهم بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فارادوك ان تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فال تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه.
ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة اصحابك فانكم وان تخفروا ذممكم وذمم اصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك ان تنزلهم على
حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن انزلهم على حكمك فانك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا.
ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم) (2).
رواه مسلم وأبو داود والترمذي واللفظ لمسلم ورواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه
__________
(1) اخرجه أحمد في المسند 5 / 235 والبيهقي في الدلائل 5 / 404 وابن حبان (2504) وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 36.
(2) اخرجه مسلم في كتاب الجهاد (3) وأبو داود (2613) وابن ماجه (2858) والترمذي (1408) واحمد في المسند 4 / 240 والبيهقي في السنن 9 / 49 والحاكم في المستدرك 4 / 541 وعبد الرزاق (9428) وابن ابي شيبة في المصنف 12 / 362.
(*)

(6/6)


قال: (اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوالدين ولا اصحاب الصوامع) (1).
رواه ابن ابي شيبة والامام وأبو يعلى.
وعن عبد الرحمن بن عائذ - رحمه الله تعالى - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: تألفوا الناس وتأتوهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم إلى الاسلام فما على الارض من أهل بيت مدر ولا وبر الا تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تقتلوا رجالهم وتأتوني بنسائهم) (2).
رواه مسدد والحارث بن أبي أسامة مرسلا.
وعن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وجها، ثم قال لرجل الحقه ولا تدعه من خلفه فقل له: ان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تنتظره وقل له: (لا تقاتل قوما حتى تدعوهم) (3).
رواه اسحقاق بن راهويه بسند فيه انقطاع.
وعن ابي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث احدا من اصحابه في بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) (4) رواه مسلم.
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: (انطلقوا
باسم الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (5) رواه أبو داود والترمذي.
وعن ابن عصام المزني - بالزاي والنون - رضي الله عنه عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية يقول: (إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا) (6).
رواه أبو داود والترمذي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل معإذا وأبا موسى فقال: (تشاورا وتطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا (7) رواه البزار.
__________
(1) اخرجه أبو يعلى في المسند 4 / 423 (222 - 2549) واحمد في المسند 1 / 300 وا لبيهقي 9 / 90 والبزار (1677) والطحاوي في شرح معاني الاثار 3 / 220 وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 316 وعزاه لاحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني في الكبير والاوسط وقال: وفي رجال البزار وابراهيم بن اسماعيل بن حبيبة وثقه أحمد وضعفه الجمهور.
(2) ذكره ابن حجر في المطالب (1962 - 1963).
(3) اخرجه ابن ابي شيبة في المصنف 12 / 363 والبخاري في التاريخ 3 / 377 وذكره في المجمع 5 / 305.
(4) اخرجه البخاري 1 / 27 ومسلم في كتاب الجهاد (6) وأبو داود (4835) واحمد في المسند 4 / 399.
(5) اخرجه أبو داود (2614) والبيهقي في السنن 9 / 60 وعبد الرزاق (9430).
(6) اخرجه أبو داود (2635) والترمذي (1549) واحمد في المسند 3 / 448 وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 210.
(7) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 260 وعزاه البزار وقال: فيه عمرو بن أبي خليفة العبدي ولم اعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، والحديث في مسلم بنحوه.
(*)

(6/7)


تنبيه: في بيان غريب ما سبق: لا تغدروا بكسر الدال المهملة.
ذمة الله بكسر المعجمة: أمانه وعهده.
الوليد بفتح الواو: الصبي.
على حكم الله: قضاؤه.
المدر: قطع الطين.

(6/8)


الباب الثالث في اعتذاره عن تخلفه عن صحبة السرايا صلى الله عليه وسلم واعطائه سلاحه لمن يقاتل به
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله ابدا، ولكن لا أجد سعة فاحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشق عليهم ان يقعدوا بعدي) - وفي لفظ: (ولا تطيب أنفسهم ان يتخلفوا عني - (والذي نفسي بيده لوددت اني أغزو في سبيل الله وأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا) (1) بتكريره ست مرات، رواه الامامان مالك واحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة.
وعن (جبلة بن حارثة) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز أعطى سلاحه عليا أو أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (2)، رواه أحمد وأبو يعلى.
تنبيهات
الأول: الحكمة في بيان ايراد قوله: (والذي نفسي بيده) مرة ثانية عقب الاولى ارادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: الوجه الذي تسيرون فيه له من الفضل ما أتمنى لاجله ان أقتل مرات، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع.
وقد خرج صلى الله على يه وسلم في بعض المغازي، وتخلف عن المشار إليهم وكان ذلك حيث (رجحت) مصلحة خروجه على مراعاة حالهم.
الثاني: استشكل صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل، وأجيب بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وددت لو أن موسى صبر) (3)، فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه.
الثالث: قال النووي رحمه الله تعالى: (في هذا الحديث حسن النية وبيان شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واستحباب القتل في سبيل الله تعالى، وجواز قول وددت
__________
(1) اخرجه الترمذي 6 / 20 (2797) والبيهقي في السنن 9 / 24.
(2) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 286 وعزاه لاحمد والطبراني في الكبير والاوسط ورجال أحمد ثقات.
(3) اخرجه البيهقي في الاسماء والصفات (117) واخرجه البخاري بنحوه 4 / 190.
(*)

(6/9)


حصول كذا من الخير، وان علم انه لا يحصل، وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أ و أرجح، أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمني ما يمتنع في العادة).
الرابع: قال الطيبي رحمه الله تعالى ثم في قوله: (ثم أقتل) إلى آخره، وان حملت على التراخي في الزمان هنا لكن الحمل على التراخي في الرتبة هو الوجه، لان التمني حصو ل درجات بعد القتل، والاحياء لم يحصل من قبل، ومن ثمة كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى المقام الاعلى منه.

(6/10)


الباب الرابع في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه إلى سيف البحر من ناحية العيص في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة في ثلاثين رجلا من المهاجرين والانصار
قال ابن سعد: (والمجمع عليه انهم كانوا جميعا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم احدا من الانصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا، وذلك انهم كانوا شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم. وهذا الثبت عندنا). وصححه في المورد. وعقد له لواء أبيض حمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، وهو أ ول لواء عقد في الاسلام كما قال عروة وابن عقبة ومحمد بن عمر وابن سعد وابن عائذ والبيهقي وابن الاثير والدمياطي والقطب وغيرهم وصححه أبو عمر رحمهم الله تعالى. وذكر ابن اسحاق رحمه الله تعالى ان اول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء عبيدة بن الحارث. ثم قال: (واختلف الناس في راية عبيدة وحمزة فقال بعض الناس كانت راية حمزة قبل راية عبيدة وقال بعض الناس راية عبيدة كانت قبل راية حمزة، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعهما جميعا فأشكل ذلك على بعض الناس). انتهى. فخرج حمزة رضي الله تعالى عنه بمن معه يعترض عير قريش التي جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل في ثلثمائة ر جل وقيل في مائة وثلاثين، فبلغ سيف البحر ناحية العيص من أرض جهينة. فما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين جميعا فأطاعوه وانصرفوا ولم يقتتلوا فتو جه أبو جهل في اصحابه وعيره إلى مكة وانصرف حمزة واصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى المدينة. ولما عاد حمزة بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبره بما حجز بينهم مجد ي بن عمرو وانهم رأوا منه نصفة. وقدم رهط مجدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساهم وقال صلى الله عليه وسلم فيما ذكره محمد بن عمر عن مجدي أيضا: ((انه - ما) علمت - ميمون النقيبة مبارك الامر) أو قال : (رشيد الامر). تنبيهات الأول: ذكر ابن سعد هذه السرية والتي بعدها قبل غزوة الابواء، وذكرهما ابن اسحاق قبل غزوة بواط. الثاني: اختلف في أي شهر كانت ؟ فقال المدائني: في ربيع الاول سنة اثنتين، وقال أبو عمرو: بعد ربيع الاخر.

(6/11)


الثالث: في بيان غريب ما سبق: سيف البحر: بكسر السين المهملة، ساحله العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية فصاد مهملة.
عبيدة: بضم اوله وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالهاء.
جهينة: بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وبالنون.
حجز: بفتح المهملة والجيم والزاي: فصل.
مجدي: بفتح الميم وسكون الجيم فدال مهملة فياء كياء النسب، لا يعلم له اسلام.
حليفا: أي محالفا ومسالما.
أبو مرثد: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة، واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي.
الغنوي: بفتح الغين المعجمة والنون وبالواو.
الحصين: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين.
مأمون النقيبة: منجح الافعال مظفر المطالب، والنقيبة: بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالهاء.
الخليقة والطبيعة أو النفس.

(6/12)


الباب الخامس في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، رضي الله تعالى عنه إلى بطن رابغ في شوال من السنة الاولى في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم انصاري وكان لواؤه أبيض حمله مشطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه.
فخرج فلقي أبا سفيان بن حرب، في أناس من اصحابه على ماء يقال له أ حياء من بطن رابغ (على عشرة أميال من الجحفة وانت تريد قديدا على يسار الطريق، وانما) نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم.
وأبو سفيان في مائتين وعلى المشركين أبو سفيان، قال محمد بن عمر:
وهو الثبت عندنا، وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل.
فكان بينهم الرمي، ولم يسلوا سيفا ولم يصطفوا للقتال، وانما كانت بينهم المناوشة الا ان سعد بن أبي وقا ص رضي الله تعالى عنه رمي بسهم في سبيل الله فكان اول سهم رمي به في الاسلام فنثر كنا نته وتقدم امام اصحابه وقد تترسوا عنه فرمي بما في كنانته وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم الا ويجرح انسانا أو دابة.
ولم يكن بينهم يومئذ الا هذا، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم.
وفر من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني حليف (بني نوفل) بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالمشركين.
تنبيهان الأول: كذا ذكر غير واحد من أهل السير ان هذه السرية كانت في السنة الاولى.
وذكر أبو الاسود في مغازيه، ووصله ابن عائذ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الابواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا، فذكر القصة، فتكون في السنة الثانية، وصرح به بعض أهل السير، فالله تعالى أعلم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن رابغ: بالموحدة المكسورة والغين المعجمة.
مشطح: بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبالحاء المهملات.
أثاثة: بضم أوله وثاءين مثلثتين مخففتين.
عباد: بفتح اوله وتشديد الموحدة.
أحياء: جمع حي ماء اسفل ثنية المرة بكسر الميم وتشديد الراء وخففها ياقوت.

(6/13)


مكرز: بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء: لا يعلم له اسلام، وانفرد ابن حبان بذكره في الصحابة، فانه قال: يقال له صحبة، فان صح ذلك فقد أسلم والا فلا.
الاخيف: بالخاء المعجمة والتحتية وبالفاء وزن أحمد.
المناوشة في القتال تداني الفريقين واخذ بعضهم بعضا.
الكنانة: بكسر الكاف جعبة السهام من أدم.
على حاميتهم: أي جماعتهم، والحامية الرجل يحمي القوم، وهو على حامية القوم أي آخر من يحميهم في مضيهم.
المقداد: بكسر الميم وسكون القاف وبدالين مهملتين.
البهراني: بفتح الموحدة وسكون الهاء فراء فنون.
بنو زهرة: بضم الزاي وسكون الهاء.
عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة.
غزوان: بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي وبالواو والنون.
المازني: بكسر الزاي والنون.

(6/14)


الباب السادس في سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في عشرين رجلا من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم وقيل: في ثمانية إلى الخزاز في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة.
وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني، وعهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجاوز الخزاز، يعترض عيرا لقريش تمر بهم، فخرجوا على اقدامهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى صبحوا صبح خمس الخزاز من الجحفة قريبا من خم فوجدوا العير قد مرت بالا مس فانصرفوا إلى المدينة.
تنبيهان الأول: ذكر محمد بن عمر وابن سعد هذه السرايا جميعها في السنة الاولى من الهجرة
وجعلها ابن اسحاق في السنة الثانية.
الثاني: في بيان غريب ما سبق: الخزاز: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي الاولى، واد يصب في الجحفة.
في ذي القعدة: بكسر القاف وفتحها.
يكمنون: بضم الميم: يستترون.
الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء قرية كبيرة على خمس مراحل من مكة ونحو ثلثي مرحلة من المدينة الشريفة.
خم: بضم الخاء المعجمة اسم غدير أو واد بقرب الجحفة.

(6/15)


الباب السابع في سرية فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه
روى الامام أحمد عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: انك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وقومنا.
فأوثق لهم فأسلموا.
قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب (أي من السنة الثانية) ولا نكمل مائة.
وأ خبرنا ان نغير على حي من كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، فكانوا كثيرا، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون ؟ فقال بعضنا: نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره.
وقال قوم: لا بل نقيم ههنا.
وقلت أنا في أناس معي: لا، بل نأتي عير قريش فنقتطعها.
فانطلقنا إلى العير (وكان الفئ إذ ذاك من أخذه فهو له) وانطلق اصحابنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمرا وجهه فقال: أذهبتم من عندي جميعا وقمتم متفرقين وانما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش) (1).
فبعث علينا عبد الله بن جحش أميرا فكان أول أمير في الاسلام.

الباب الثامن في سرية أمير المؤمنين المجدع في الله تعالى عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في رجب من السنة الثانية إلى بطن نخلة
دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العشاء فقال: (واف مع الصبح، معك سلاحك، أبعثك وجها).
قال: فوافيت الصبح وعلي قوسي وسيفي وجعبتي ومعي درقتي.
فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالناس، ثم انصرف، فيجدني قد سبقت واقفا عند بابه، وأجد نفرا من قريش.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فدخل عليه، فأمره فكتب كتابا، ثم دعاني فأعطاني صحيفة من أديم خولاني وقال: (قد استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى إ ذا سرت ليلتين فانظر كتابي هذا ثم امض لما فيه).
قلت: يارسول الله: أي ناحية ؟ قال: (اسلك النجدية تؤم ركبة).
قال ابن اسحاق وأبو عمرو: وأرسل معه ثمانية رهط من المهاجر ين، ليس فيهم أنصاري وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن ابي وقاص، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الليثي، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء.
__________
(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 69 وعزاه لاحمد وقال: ورواه ابنه عنه وجادة ووصلة عن غير أبيه ورواه البزار وفيه المجالد بن سعيد وهو ضعيف عند الجمهور ووثقه النسائي في رواية رجال أحمد رجال الصحيح.
(*)

(6/16)


وذكر ابن عائذ فيهم: سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة.
وذكر ابن سعد فيهم المقداد بن عمرو - وهو الذي أسر الحكم بن كيسان - وقال ابن سعد: كا نوا اثني عشر (من المهاجرين) كل اثنين يعتقبان بعيرا.
وروى الطبراني بسند حسن عن ز ر (بن حبيش) رحمه الله تعالى قال: أول راية رفعت في الاسلام راية عبد الله بن جحش).
فانطلق عبد الله بن جحش حتى إذا كان مسيرة يومين فتح الكتاب فإذا فيه: (سر با سم الله وبركاته ولا تكرهن احدا من اصحابك على السير معك، وامض لامري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد غير قريش وتعلم لنا أخبارهم).
فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة.
وقرأه على اصحابه وقال: (قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر) وقد نهاني أن استكره احدا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها
فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع.
(فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم)) فقالوا أجمعون: (نحن سامعون مطيعون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولك، فسر على بركة الله).
فسار ومعه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وسلك على على الحجاز، حتى إذا كان بمكان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه يومين، ولم يشهدا الموقعة، وقدما المدينة بعدهم بأيا م.
ومضى عبد الله بن جحش في بقية أصحابه حتى نزل بنخلة.
فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش جاؤوا بها من الطائف، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي واخوه نوفل بن عبد الله، وقيل بل أخوهما المغيرة، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم اصحاب العير هابوهم وأنكروا امرهم، وقد نزلوا قريبا منهم.
فحلق عكاشة بن محصن رأسه، وقيل واقد بن عبد الله، ثم وافى ليطمئن القوم.
فلما رأوه قالوا: لا بأس عليكم منهم، قوم عمار.
فأمنوا وقيدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعاما.
فاشتور المسلمون في أمرهم وذلك في آخر يوم من رجب ويقال أول يوم من شعبان وقيل في آخر يوم من جمادى الاخرة.
فشكوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام ؟ أم لا.
فقالوا: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام.
فتردد القوم وهابوا (الاقدام عليهم).
ثم شجعوا أنفسهم.
واجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم.
فرمى واقد بن عبد الله (التميمي) عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وشد المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، أسره المقداد بن عمرو،

(6/17)


وأعجز القوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، عند من يقول انه كان معهم، ومن قال ا ن نوفلا لم يكن معهم جعل الهارب المغيرة.
وحاز المسلمون العير، وعزل عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس تلك الغنيمة، وقسم سائرها بين أصحابه، فكان أول خمس خمس في الاسلام، واول غنيمة، واول قتيل بأيدي المسلمين عمرو بن الحضرمي، واول أسير كان في الاسلام عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان.
وذلك قبل أن (يفرض الخمس من المغانم، فلما أحل الله تعالى الفئ بعد ذلك وأ مر بقسمه وفرض الخمس فيه) وقع على ما كان صنع عبد الله بن جحش في تلك العير، وقال بعضهم: بل قدموا بالغنيمة كلها.
وروى الطبراني بسند حسن عن زر (بن حبيش) رضي الله تعالى عنه قال: أول مال خمس في الاسلام مال عبد الله بن جحش.
ثم سار عبد الله بالعير والاسيرين إلى المدينة، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام).
فأوقف العير والاسيرين وأبى ان يأخذ من ذلك شيئا.
ويقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف غنائم أهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم.
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا انهم قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.
وقالت قريش: (قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدماء، واخذ وا فيه الاموال، وأسروا فيه الرجال).
فقال: (من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة، انما أصابوا ما أصابوا في شعبان) ؟ وقال يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب).
فجعل الله تعالى ذلك عليهم لا لهم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل اله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) (البقرة 217).
أي ان كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به
وعن المسجد الحرام واخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم.
(والفتنة أكبر من القتل) وقد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد ايمانه فذلك أكبر عند الله من القتل.
فلما نزل القرآن بهذا الامر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة أو خمسها والاسيرين.

(6/18)


وبعثت إليه قريش في فداء الاسيرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فانا نخشاكم عليهما فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم).
فقدم سعد وعتبة، فأفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسيرين عند ذلك بأربعين أوقية كل أسير، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن اسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا.
وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات كافرا.
فلما تجلى عن عبد الله بن جحش واصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الاجر فقالوا: (يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين) ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: (ان الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجوه رحمة الله والله غفور رحيم) (البقرة 218) فوضعهم الله تعالى من ذلك على أعظم الرجاء.
تنبيهات الأول: في هذه الغزوة سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين كما ذكره ابن سعد، والقطب وجزم أبو نعيم بانه اول أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيده ما سبق عن سعد (بن أبي وقاص) في الباب قبله.
الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن نخلة.
الاديم: بوزن عظيم الجلد.
أنشر كتابي: أفتحه.
النجدية: منسوبة إلى نجد، وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى العراق، وهو مذكر.
يؤم: يقصد.
ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة.
ابن عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة.
محصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون.
البكير بالتصغير.
سهيل: بالتصغير ووقع في بعض نسخ العيون مكبرا والصواب الاول.

(6/19)


تعلم بمعن اعلم.
الحجاز ما بين نجد والسراة.
الفرع: بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة من أضخم أعراض المدينة.
بحران: بضم الموحدة وسكون الحاء المهملة وبالراء والنون.
الحضرمي: بالحاء المهملة والضاد المعجمة.
واف: أشرف.
واقد: بالقاف والدال المهملة بلفظ اسم الفاعل.
كيسان: بفتح الكاف وسكون التحتية وبالسين المهملة وبالنون.
أمنوا: بفتح اوله وكسر الميم.
أفلت: بفتح الهمزة، القوم بالنصب مفعول أفلت.
نوفل: مرفوع فاعل.
عمار: بضم العين المهملة وتشديد الميم.
سقط في أيديهم: بالبناء للمفعول، أي ندموا، يقال ذلك لكل من ندم.
وقال يهود تفاءل بذلك: بالفوقية المفتوحة وحذفت التاء الثانية، وبالفاء والهمزة من
الفأل.
عمرت الحرب: بضم العين المهملة وكسر الميم (المشددة وبالراء والتاء المفتوحة تاء الخطاب).
والله تعالى أعلم.

(6/20)


الباب التاسع في بعث عمير بن عدي الخطمي رضي الله تعالى عنه لخمس ليال بقين من رمضان من السنة الثانية إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد، زوجة يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الاسلام وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحرض عليه وتعيب الاسلام وتقول الشعر وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة.
فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها فنذر عمير بن عدي لئن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة ليقتلنها، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، جاء عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من تر ضعه في صدرها، فحبسها بيده وكان ضرير البصر، فنحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها.
وروى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن أحمد البلخي، من تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا رجل يكفنا هذه).
فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تمارة.
فقال لها: أعندك أجود من هذا التمر ؟ قالت: نعم، (فدخلت إلى بيت لها، وانكبت لتأخذ شيئا فالتفت يمينا وشمالا فلم أر أحدا فضربت رأسها حتى قتلتها).
انتهى.
ثم أتى المسجد فصلى الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أقتلت ابنة مروان ؟) قال: نعم، فهل علي في ذلك شئ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينتطح فيها عنزان) فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: (إذا أحببتم ان تنظروا إلى رجل نصر الله عز وجل ورسوله فانظروا إلى عمير بن عدي).
فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (انظروا إلى هذا الاعمى الذي يسري في طاعة الله تعالى).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقل الاعمى ولكن البصير).
فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عميرا البصير.
فلما رجع عمير وجد بنيها في جماعة يدفنونها.
فقالوا: يا عمير أنت قتلتها ؟ قال: (نعم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظر ون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم).
فيومئذ ظهر الاسلام في بني خطمة وكان يستخفي باسلامه فيهم من أسلم فكان أول من أسلم من بني خطمة عمير بن عدي، وهو الذي يدعى القارئ.

(6/21)


تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الخطمي: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة (وبالميم وياء النسب).
عصماء: بفتح العين وسكون الصاد المهملتين.
جسها: لمسها بيده.
تمارة: أي تبيع التمر.
لا ينتطح فيها عنزان: (لا يعارض فيها معارض) يعني أن قتلها هين.

(6/22)


الباب العاشر في بعثه صلى الله عليه وسلم سالم بن عمير رضي الله تعالى عنه في شوال من السنة الثانية إلى أبي عفك اليهودي
من بني عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لي بهذا الخبيث) (1).
فقال سالم بن عمير، وكان قد شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأحد البكائين وتوفي في خلافة معاوية: (علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه).
فأمهل يطلب له غرة.
فلما كانت ليلة صائفة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم به سا لم ن عمير، فأقبل ووضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن نجم نفاقهم وهم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، فقالت امامة المريدية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدالعمر الذي أمناك ان بئس ما يمني حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك خذها على كبر السن تنبيهات الأول: ذكر هذه القصة محمد بن عمر وابن سعد، وتبعهما في المورد والامتاع بعد التي قبلها.
وقدمها ابن اسحاق وأبو الربيع.
الثاني: في بيان غريب ما سبق: أبو عفك: بفتح العين المهملة والفاء الخفيفة وبالكاف، يقال رجل أعفك بين العفك أي أحمق.
أحد البكائين: تقدم الكلام عليهم في أوائل غزوة تبوك.
الغرة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة: الغفلة.
بفناء المنزل: بكسر الفاء وبالنون والمد، ما امتد من جوانبه.
صائفة: حارة.
__________
(1) انظر البداية والنهاية 5 / 221.
(*)

(6/23)


خش في الفراش: دخل فيه.
ثاب: بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة: أي اجتمع.
نجم: بفتح النون والجيم أي ظهر وطلع.
أمامة: بضم أوله ويقال فيه أسامة.
المريدية: بضم الميم وكسر الراء كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الانساب بفتحها، وعليه جرى ابن الاثير، وبسكون التحتية وبالدال المهملة بعدها تحتية مشدد ة، بطن من بلي.
لعمر زيد: أي وحياته.
حباك: بفتح المهملة والموحدة أي أعطاك.
حنيف: مسلم.
على كبر السن: تقدم انه بلغ مائة وعشرين سنة.

(6/24)


الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى كعب بن الاشرف وذلك لاربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة
كان كعب يهوديا.
قال ابن عقبة هو من بني النضير، يكنى أبا نائلة.
وقال ابن اسحاق وأبو عمر هو من بني نبهان من طيئ، وامه من بني النضير.
وكان شاعرا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويهجو الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحرض عليهم الكفار.
وروى ابن سعد عن الزهري في قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) (آل عمران 186) قال هو كعب بن الاشرف فانه كان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعني في شعره يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ولما قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بالبشارة من بدر بقتل المشركين وأسر من أسر منهم، قال كعب: (أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذي يسمي هذان الرجلان ؟ - يعني
زيدا وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها).
فلما تيقن عدو الله الخبر، ورأى الاسرى مقرنين كبت وذل.
ثم قال لقومه: (ما عندكم ؟) قالوا: (عداوته ما حيينا).
قال: (وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم.
ولكن اخرج إلى قريش فأحرضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم).
فخرج حتى قدم مكة، فوضع رحله عند المطلب بن أبي وداعة (بن ضبيرة) السهمي، وعنه عا تكة بنت أسيد بن أبي العيص، وأسلمت هي وزوجها بعد ذلك.
فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الاشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر.
قال محمد بن عمر رضي الله تعالى عنه: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وأخبره بنزول كعب على من نزل عليه فقال حسان: ألا أبلغن عني أسيدا رسالة فخالك عبد بالشراب مجرب لعمرك ما أوفى أسيد لجاره ولا خالد وابن المفاضة زينب وعتاب عبد غير موف بذمة كذوب شئون الرأس قرد مدرب

(6/25)


وذكر ابن عائذ ان كعبا حالف قريشا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين.
وروي عن عروة أن قريشا قالت لكعب: أديننا أهدى أم دين محمد ؟ قال: دينكم.
فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: مالنا ولهذا اليهودي ألا ترى ما يصنع بنا حسان ؟ فتحول، فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانا فقال: (ابن الاشرف نزل على فلان).
فلا يزال يهجوهم حتى ينبذ رحله.
فلما لم يجد مأوى قدم المدينة.
انتهى.
قال ابن اسحاق: ثم رجع كعب بن الاشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم.
وروى عبد الله بن اسحاق الخراساني في فوائده عن عكرمة ان كعبا صنع طعاما وواطأ
جماعة من اليهود ان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى وليمة، فإذا حضر فتكوا به.
ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه.
فأعلمه جبريل عليه السلام بما أضمروه فرجع فلما فقدوه تفرقوا.
انتهى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اكفني بن الاشرف بما شئت في اعلانه الشر) (1).
وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (فقد آذانا وقوى المشركين علينا).
فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا اقتله.
قال: (أنت له فافعل ان قدرت على ذلك).
(وفي رواية عروة عند ابن عائذ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان قلت (بهذا) احتمل ان يكون سكت اولا ثم أذن).
فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب الا ما تعلق به نفسه.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال له: (لم تركت الطعام والشراب ؟) فقال: يارسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا ؟ فقال: (انما عليك الجهد).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شاور سعد بن معاذ في أمره) فشاوره فقال له: توجه إليه واذكر له الحاجة وسله ان يسلفكم طعاما.
فاجتمع (في قتله) محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس بن معاذ، بعثه عمه سعد بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، فقالوا: (يارسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل شيئا فانه لابد لنا من أن نقول).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك).
فخرج أبو نائلة كما قال جل ائمة المغازي وكان أخا كعب من الرضاعة.
وفي الصحيح خرج إليه محمد بن مسلمة.
فلما رآه كعب انكر شأنه وذعر منه.
فقال أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: حدثت حاجة.
__________
(1) اخرجه البيهقي في الدلائل 3 / 191.
2) اخرجه البخاري 7 / 390 (4037) ومسلم في كتاب الجهاد (119) وأبو داود (2768).
(*)

(6/26)


فقال كعب وهو في نادي قومه وجماعتهم: ادن إلى فخبرني بحاجتك.
فتحدثنا ساعة، وأبو نائلة أو محمد بن مسلمة يناشده الشعر.
فقال كعب: ما حاجتك، لعلك تحب ان تقو م من عندنا.
فلما سمع القوم قاموا.
فقال محمد بن مسلمة أو أبو نائلة: (ان هذا الرجل قد سألنا صدقة، ونحن لا نجد ما نأكل، وانه قد عنانا).
قال كعب: وايضا والله لتملنه).
وفي غير الصحيح: فقال أبو نائلة: (اني قد جئتك في حاجة اريد ان اذكرها لك فاكتم عني).
قال: (افعل).
قال: كان قدو م هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا).
فقال كعب بن الاشرف: (أما والله لقد كنت اخبرك يا ابن سلامة ان الامر سيصير إلى ما أقول، ولكن اصدقني ما ا لذي تريدون من أمره ؟) قال: (خذلانه والتنحي عنه).
قال: (سررتني ألم يأن لكم ان تعرفوا ما عليه من الباطل ؟).
فقال له أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: (معي رجال من اصحابي على مثل رأيي، وقد اردت ان آتيك بهم فنبتاع منك تمرا وطعاما وتحسن الينا، ونرهنك ما يكون ذلك فيه ثقة).
وفي صحيح مسلم (1): (وو اعده ان يأتيه بالحارث وابي عبس بن جبر، وعباد بن بشر.
قال (كعب): (أما والله ما كنت احب يا أبا نائلة أن ارى بك هذه الخصامة وان كنت من أكرم الناس، على مإذا ترهنوني ؟ (أترهنوني) أبناءكم ؟) قال: (انا نستحي ان يعير أبناؤنا فيقال، هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين).
قال: (فارهنوني نساءكم).
قال: (لقد أردت ان تفضحنا وتظهر أمرنا، أنت أجمل النا س ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنا نرهنك من السلاح والحلقة ما ترضى به، ولقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم).
قال كعب: (ان السلاح لوفاء).
وأراد أبو نائلة الا ينكر السلاح إذا جاؤوا به.
فسكن إلى قوله وقال: (جئ به متى شئت).
فرجع أبو نائلة من عنده على ميعاد.
فأتى اصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده.
ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء فأخبروه فمشى (معهم).
وروى ابن اسحاق والامام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الفرقد، ثم وجههم وقال: (انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم) وعند ابن سعد: (امضوا على بركة الله وعونه).
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة
مقمرة مثل النهار، ليلة اربع عشرة من شهر ربيع الاول.
__________
(1) اخرجه مسلم في الموضع السابق في باب قتل كعب بن الاشرف.
(*)

(6/27)


فمضوا حتى انتهوا إلى حصن ابن الاشرف.
وفي الصحيح: فقال محمد بن مسلمة - وفي كتب المغازي أبو نائلة - لاصحابه: (إذا ما رأكم كعب فاني قائل بشعره فأسمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه).
فهتف أبو نائلة، وكان ابن الاشرف حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: (انك امرؤ محارب وان اصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة).
فقال: (انه ميعاد علي وانما هو أخي أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني).
فقالت: (والله اني لاعرف في صوته الشر).
فكلمهم من فوق البيت.
وفي رواية: (أسمع صوتا كأنه يقط ر منه الدم).
قال: فقال لها كعب: (ان الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب).
ثم نزل إليهم متوشحا بملحفة وهو ينفح منه ريح الطيب.
فجاءهم ثم جلس فتحدث معهم ساعة حتى انبسط إليهم.
فقالوا: (هل لك يا ابن الاشرف ان نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ؟) فقال: (ان شئتم).
فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة.
فقال أبو نائلة: (نجد منك ر يح الطيب).
قال: (نعم تحتي فلانة من أعطر نساء العرب).
قال: (أفتأذن لي أن أشم (رأسك) ؟) قال: نعم.
فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شم يده فقال: (ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط).
وانما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد في صدغيه وكان جعدا جميلا.
ثم مشى أبو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها (حتى اطمأن إليه وسلسلت يده في شعره) فأخذ بقرون رأسه وقال لاصحابه: (اضربوا عدو الله).
فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا ورد بعضها بعضا.
ولصق أبو نائلة.
قال محمد بن سلمة: (فذكرت مغولا كان في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله عند أول ضربة صيحة لم يبق حولنا
حصن من حصون يهود الا أوقدت عليه نار).
قال: (فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله).
وعند ابن سعد: فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة (بالسيف) وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رجله، أصابه بعض أسياف القوم.
فلما فر غوا حزوا رأس كعب ثم خرجوا يتسترون، وهم يخافون من يهود، الارصاد حتى سلكوا على بني أمية بن زيد، ثم على قريظة، وان نيرانهم في الحصون لعالية، ثم على بعاث، حتى إذا كانوا بحرة العريض تخلف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم: (اقرئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام).
فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغوا بقيع الفرقد كبروا.
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرهم بالبقيع

(6/28)


كبر وعرف ان قد قتلوه.
ثم أتوه يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على باب المسجد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلحت الوجوه).
فقالوا: (ووجهك يا ر سول الله.
ورموا برأسه بين يديه.
فحمد الله تعالى على قتله.
ثم أتوا بصاحبهم الحارث، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرحه فلم يؤذه، فرجعوا إلى منازلهم.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلو ه) (1).
فخافت اليهود، فلم يطلع عظيم من عظمائهم وخافوا ان يبيتوا كما بيت ابن الاشرف.
وعند ابن سعد: فأصبحت اليهود مذعورين فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه، وما كان يحض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم.
ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا (أحسبه).
فكان ذلك الكتاب مع علي ر ضي الله تعالى عنه بعد.
تنبيهات الأول: قال العلماء رحمهم الله تعالى (في حديث كعب بن الاشرف دليل على جواز
قتل من سب سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انتقصه أو آذاه، سواء أكان بعهد أم بغير عهد، ولا يجوز ان يقال ان هذا كان غدرا وقد قال ذلك رجل كان في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فضرب عنقه.
وانما يكون الغدر بعد أمان، وهذا نقض العهد، وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبه.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهده ألا يعين عليه أحدا، فنقض كعب العهد، ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ولا رفقته بحال، وانما كلمه في أمر البيع والرهن إلى أن تمكن منه.
الثاني: وقع في صحيح مسلم في قول كعب بن الاشرف: (انما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة) (2).
قال القاضي (عياض) قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقول: (انما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه أبو نائلة) أي باسقاط الواو، كذا ذكر أ هل السير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة).
ووقع في صحيح البخاري: (ورضيعي أبو نائلة) (3).
قال: (وهذا له عندي وجه ان صح انه كان رضيعا لكعب.
الثالث: وقع في الصحيح ان الذي خاطب كعبا هو محمد بن مسلمة وجل أهل المغازي على أنه أبو نائلة وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، قال الحافظ: ويحتمل بجمع أن يكون
__________
(1) اخرجه البيهقي 3 / 256 والحاكم 3 / 434 وعبد الرزاق (5382) وانظر البداية والنهاية 4 / 139.
(2) اخرجه مسلم في باب قتل كعب بن الاشرف في الموضع السابق.
(3) في البخاري في كتاب المغازي باب قتل كعب بن الاشرف (4037).
(*)

(6/29)


كل منهما كلمه في ذلك لان ابا نائلة اخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة هو ابن اخت كعب كما رواه عبد الله بن اسحاق الخراساني في فوائده.
الرابع: وقع في الصحيح عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ان محمد بن مسلمة جاء معه برجلين، قال سفيان.
وقال غير عمرو: وأبو عبس بن جبر، والحارث بن أو س، وعباد بن بشر.
قال الحافظ: فعلى هذا كانوا خمسة وهو أولى من رواية من روى انهم كانوا ثلاثة
فقط ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة وفي أخرى خمسة.
الخامس: في بيان غريب ما سبق: الاشرف: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وبالفاء.
النضير: بالضاد المعجمة وزن عليم.
نائلة: بنون وبعد الالف تحتية.
طيئ: بفتح الطاء وتشديد التحتية وآخر همزة.
اليقين: العلم وزوال الشك.
مقرونين: مجعولين قرنا بالشد والاثبات، يقال قرنهما تقرينا أي جعلهما قرنين.
كبت: بضم أوله وكسر الموحدة: أذله الله وصرفه عن مراده.
أبو وداعة: اسمه الحارث بن صبيرة بضم الصاد المهملة.
السهمي: بفتح السين المهملة وسكون الهاء.
العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة، واد من ناحية ذي المروة على أربع ليال من المدينة.
القليب: البئر.
فشبب بنساء المسلمين: تقول فيهن وذكرهن بسوء.
من لكعب ؟: أي من الذي ينتدب لقتله ؟.
يعلق به نفسه: مأخوذ من العلقة والعلاق أي بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء يعني ما يسد به رمقه من الغذاء.
ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالبناء للمفعول.
الجهد: بفتح الجيم وضمها: الطاقة.
عباد: بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة.
ابن بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.

(6/30)


سلكان: بكسر السين المهملة واسكان اللام.
أبو عبس: بفتح العين المهملة وبعد الموحدة الساكنة سين مهملة واسمه: عبد الرحمن ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة والجبر ضد الكسر.
من أن نقول: حقه ان يقول، يريد نفتعل قولا نحتال به، قال السهيلي: يعني الكذب أباحه له لانه من خدع الحرب.
مابدا لكم، بلا همز: أي ظهر.
عنانا: بمهملة وتشديد النون الاولى من العناء وهو التعب.
وأيضا: أي وزيادة على ذلك وقد فسره بقوله ولتملنه: بفتح الفوقية والميم وتشديد اللام من الملال وهو السآمة.
الوسق: بفتح الواو وكسرها.
ارهنوني: ادفعوا إلى شيئا يكون رهنا على الشئ الذي تريدونه.
نرهنك: بفتح اوله وثالثه من الثلاثي، ويجوز من الرباعي نرهنك فيضم اوله ويكسر ثالثه.
قائل: باللام.
بشعره: بفتحتين من اطلاق القول على الفعل.
هتف: صاح.
محارب: بفتح الراء وكسرها.
ينفح: بالفاء والحاء المهملة.
المغول: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة فواو مفتوحة قال في الاملاء.
الحلقة: السلاح كله وأصله في الدرع، ثم سمي السلاح كله حلقة.
اللأمة: بتشديد اللام وسكون الهمزة: قال ابن عيينة كما في الصحيح: يعني السلاح، وقال أهل اللغة الدرع.
بعاث: بضم الموحدة وبالعين المهملة بثاء مثلثة.
العريض: بعين مهملة فتحتية فضاد معجمة تصغير عرض اسم واد شامي بالحرة الشرقية قرب قناة أبطا بفتح همز أوله وآخره.

(6/31)


الباب الثاني عشر في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه إلى القردة في اول جمادى الاخرة سنة ثلاث
وهي اول سرية خرج فيه زيد أميرا.
وسببها ان قريشا لما كانت وقعة بدر خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكونه إلى الشام، فسلكوا طريق العراق.
فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، وخرج صفوان بن أمية بمال كثير نقر فضة وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم، وأرسل معه أبو زمعة ثلاثمائة مثقال ذهب ونقر فضة، وبعث معه رجال من قريش ببضائع، وخرج معه عبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزي في رجال من