4 - الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء
المؤلف / أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي
دار النشر / عالم الكتب - بيروت - 1417هـ
الطبعة : الأولى
عدد الأجزاء / 4
تحقيق : د . محمد كمال الدين عز الدين علي
 

قال وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان من عظمائهم وخيارهم
قال كعب وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة وبكتب الأنبياء ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم فلما حضرته الوفاة دعاني فقال يا بني قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث وقد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما فلا تتعرضن لهما ولا تنظر فيهما زمانك هذا وأقرهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما فإن الله يزيدك بذلك خيرا
فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضني المأتم حتى أنظر في الورقتين فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجره بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال وتذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه يغسلون فروجهم بالماء ويأتزرون على أوساطهم وأناجيلهم في صدورهم ويأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم وهم السابقون المقربون المشفعون المشفع لهم فلما قرأت هذا قلت في نفسي والله ما علمني أبي شيئا هو خير لي من هذا فمكثت بذلك ما شاء الله حتى بعث النبي 

(3/295)


صلى الله عليه وسلم وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه وبلغني أنه خرج في مكة وهو يظهر مرة ويستخفي مرة فقلت هو هذا وتخوفت ما كان والدي حذرني وخوفني من الكذابين وجعلت أحب أتبين وأتثبت فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه قد أتى المدينة فقلت في نفسي إني لأرجو أن يكون إياه وجعلت ألتمس السبيل إليه فلم يقدر لي حتى بلغني أنه قد توفي صلوات الله عليه وسلامه فقلت في نفسي لعله لم يكن الذي كنت أظن ثم بلغني أن خليفته قام مقامه ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءنا جنوده فقلت في نفسي لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم وإلى ما تكون عاقبتهم فلم أزل أدفع ذلك وأوخره لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر ابن الخطاب فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر فحدثت نفسي بالدخول في الإسلام فوالله إني ذات ليلة فوق سطح لي إذا رجل من المسلمين يتلو كتاب الله تعالى حتى أتى على هذه الآية يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا 47 النساء
قال فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي فما كان شيء أحب إلي من الصباح فغدوت على عمر فأسلمت حين أصبحت
وقال كعب لعمر عند انصرافه عن الشام يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في كتاب الله إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين سره مثل علانيته وعلانيته مثل سره وقوله لا يخالف فعله والقريب والبعيد عنده في الحق سواء وأتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار متراحمون متواصلون متباذلون
فقال له عمر ثكلتك أمك أحق ما تقول قال أي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول إنه لحق 

(3/296)


فقال عمر رضي الله عنه فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا فرحمنا
بمحمد {صلى الله عليه وسلم} وبرحمته التي وسعت كل شيء

(3/297)


ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج زمان الجاهلية مع أناس من قريش في تجارة إلى الشام قال فإني لفي سوق من أسواقها إذا ببطريق قد قبض على عنقي فذهبت أنازعه فقيل لي لا تفعل فإنه لا نصف لك منه فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال انقل ما هاهنا فجعلت أنظر كيف أصنع فلما كان في الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه فقال أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي فقلت وا ثكل أمك يا عمر أبلغت ما أرى ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنثرت دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير فسرت بقية يومي وليلتي ومن الغد إلى الهاجرة فانتهيت إلى دير فاستظللت بفنائه فخرج إلي منه رجل فقال لي يا عبد الله ما يقعدك هنا فقلت اضللت أصحابي فقال لي ما أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف فادخل واصب من الطعام واسترح فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطفني ثم صعد في النظر وصوبه فقال قد علم أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو الكتب مني وإني لأرى صفتك الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه فقلت له يا هذا لقد ذهبت في غير مذهب فقال لي ما اسمك فقلت عمر بن الخطاب قال أنت والله صاحبنا فاكتب لي على ديري هذا وما فيه فقلت يا هذا إنك قد صنعت إلي صنيعة فلا تكدرها فقال إنما هو كتاب في رق فإن كنت صاحبنا فذاك وإلا لم يضرك شيء فكتبت له على ديره وما فيه فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلي ثم أو كف أتانا فقال أتراها قلت نعم قال سر عليها فإن لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلي قال فركبتها فكان كما قال حتى لحقت أصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز فضربتها مدبرة

(3/298)


وانطلقت معهم فلما وافى عمر الشام في خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العدس فلما رآه عرفه ثم قال قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال هل عندكم من نفع للمسلمين قال نعم يا أمير المؤمنين فوفى له عمر رضي الله عنه
وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال السلام عليك فاروق أنت صاحب إيلياء والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء
وعند سيف في أمر إيلياء أحاديث ربما خالفت بعض ما تقدم ونحن نورد منها ما يطيل الإمتاع مضمونا إلى ذلك ما ذكره من أمر قيسارية وغيره
فمن ذلك أن عمر رحمه الله كتب إلى يزيد بن أبي سفيان بعد مصالحة أهل الأردن واجتماع عسكر الروم بأجنادين وبيسان وغزة أن يسرح معاوية إلى قيسارية
وكتب عمر إلى معاوية
أما بعد فإني قد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا نعم المولى ونعم النصير
فسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيسارية فهزمهم وحصرهم ثم إنهم جعلوا يزاحفونه فلا يزاحفونه في مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم ثم زاحفوه آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم فاقتتلوا في حفيظة واستماتة فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف وبعث بالفتح مع
رجلين من بني الضبيب ثم خاف منهما الضعف فبعث آخرين بعدهما فلحقاهما فطوياهما وهما نائمان وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخير ليلا فجمع الناس وأباتهم على الفرح وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يجلس الأسرى عنده ويقول ما صنعوا بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله فمنع بذلك من العبث بأسرى المسلمين حتى افتتح قيسارية

(3/299)


وكان عمر لما أمر معاوية بالتوجه إلى قيسارية أمر عمرو بن العاص بصدم الأرطبون وكان على جمع الروم بأجنادين وأمر علقمة بن مجزز بصدم القيقار وكان على الروم بغزة فلما توجه معاوية إلى قيسارية صدم عمرو بن العاص إلى الأرطبون ومن بإزائه وخرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته وولى مجنبتيه ابنه عبد الله بن عمرو وجنادة بن تميم من بني مالك بن كنانة واستخلف ابا الأعور على الأردن وخرج حتى نزل على الروم بأجنادين وهم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطبون وكان أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكاها فعلا وكان وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما وكتب عمرو بالخبر إلى عمر فلما جاءه كتابه قال قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم تنفرج وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فولى ذلك بنفسه وتوجه فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه حتى عرف ما أراد وتأمل حصونه فقال أرطبون في نفسه والله إن هذا لعمرو أو إنه للذي يأخذ عمرو برأيه وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله ثم دعا حرسيا فساره فقال اخرج فقم بمكان كذا فإذا مر بك فاقتله وفطن له عمرو فقال له قد سمعت مني وسمعت منك وقد وقع ما قلت مني موقعا وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره فأرجع فآتيك بهم الآن فإن
رأوا مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر ورآه الأمير وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك قال نعم ودعا فساره وقال اذهب إلى فلان يعني ذلك الحرسي فرده إلي فرجع إليه الرجل وقال لعمرو انطلق فجيء بأصحابك فخرج عمرو ورأى أن لا يعود لمثلها وعلم الرومي أنه خدعه فقال هذا أدهى الخلق وبلغت عمر فقال غلبه عمرو

(3/300)


ثم ناهده عمرو وقد عرف مأخذه فالتقوا بأجنادين فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم ثم انهزم أرطبون في الناس فأوى إلى إيلياء ونزل عمرو أجنادين وانطلق علقمة بن مجزر فحصر القيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه أحد مما يريد فأتاه كأنه رسول علقمة فأمر القيقار رجلا أن يقعد له بالطريق فإذا مر قتله ففطن علقمة فقال إن معي نفرا شركائي في الرأي فانطلق فآتيك بهم فبعث إلى ذلك الرجل أن لا يعرض لعلقمة فخرج من عنده ولم يعد كما فعل عمرو بالأرطبون
ولما أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها ثم أزالهم إلى أجنادين وكتب إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع فلا تغر فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فأرسله إلى أرطبون وأمره أن يتنكر ويقرب ويستمع ما يقول حتى يخبره به إذا رجع وكتب إلى أرطبون
جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد وأستعدي عليك فلانا وفلانا وفلانا لوزرائه فأقرئهم كتابي ولينظروا فيما بيني وبينك
فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من أولئك النفر فاقترأه فضحكوا وتعجبوا وأقبلوا على أرطبون فقالوا من
أين علمت أنه ليس بصاحبها قال صاحبها رجل اسمه عمر ثلاثة أحرف فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر وكتب إلى عمر يستمده ويقول إني أعالج حربا كئودا وبلادا ادخرت لك فرأيك فلما جاء عمر الكتاب علم أن عمرا لم يقل إلا بعلم فنادى في الناس ثم خرج بهم حتى نزل الجابية
وعن عدي بن سهل قال لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين استخلف عليا وخرج ممدا لهم فقال علي أين تخرج بنفسك إنك تريد عدوا كلبا فقال إني أبادر بجهاد العدو موت العباس إنكم لو فقدتم العباس لا نتقض لكم الشر انتقاض الجبل

(3/301)


قالوا وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات أما الأولى فعلى فرس وأما الثانية فعلى بعير وأما الثالثة فقصر به عنها استعار الطاعون وأما الرابعة فدخلها على حمار فاستخلف عليها وخرج وفتحت إيلياء وأرضها كلها في ربيع الآخر سنة ست عشرة على يدي عمر بن الخطاب ما خلا أجنادين على يدي عمرو وقيسارية على يدي معاوية
وعن سالم بن عبد الله أن أهل إيلياء أشجوا عمر وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة قال فبينا عمر معسكرا بالجابية فزع الناس إلى السلاح فقال ما شأنكم فقالوا ألا ترى الخيل والسيوف فنظر فإذ كردوس يلمعون بالسيوف فقال عمر مستأمنة فلا تراعوا وأمنوهم وإذا هم أهل إيلياء فصالحوه على الجزية وفتحوا له إيلياء واكتتبوا منه عليها وعلى حيزها و الرملة وحيزها فصارت فلسطين نصفين نصفا مع أهل إيلياء ونصفا مع أهل الرملة وفلسطين تعدل الشام كله وهي عشر كور من غير هذا الحديث المتقدم
وهو مما ذكره سيف أيضا أن عمر رضي الله عنه فرق فلسطين على
رجلين فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرملة و علقمة بن مجزر على نصفها وأنزله إيلياء ونزل كل واحد منهما في عمله في الجنود التي كانت معه وكان سالم بن عبد الله في الجنود التي كانت مع عمرو وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية فلما انتهيا إليها وافقا عمر رضي الله عنه راكبا فقبلا ركبته وضم عمر ركل واحد منهما واحتضنه
وعن غير سالم أن عمر رضي الله عنه لما بعث بأمان أهل إيلياء وأسكنها الجند شخص إلى بيت المقدس من الجابية فرأى فرسه يتوجى فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فهزه فنزل فضرب وجهه بردائه ثم قال قبح الله من علمك هذا ثم دعا بفرسه بعدما أجمه أياما يوقحه فركب ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس وفي رواية أنه قال للبرذون لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء ولم يركب برذونا قبله ولا بعده

(3/302)


وعن أبي مريم مولى سلامة قال شهدت فتح إيلياء مع عمر رضي الله عنه فسار من الجابية فاصلا حتى يقدم إيلياء ثم مضى حتى يدخل المسجد ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه
وقال يزيد بن حنظلة يذكر بعض ما تقدم
تذكرت حرب الروم لما تطاولت
وإذ نحن في عام كثير نوازله
وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا
مسيرة شهر بينهن بلابله
وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده
يحاوله قرم هناك يساجله
فلما رأى الفاروق أزمان فتحها
سما بجنود الله كيما يصاوله
فلما أحسوه وخافوا صياله
أتوه وقالوا أنت ممن نواصله
وألقت إليه الشأم أفلاذ بطنها
وعيشا خصيبا ما تعد مآكله
أباح لنا ما بين شرق ومغرب
مواريث أعقاب بنتها قرامله
وكم مثقل لم يضطلع باحتماله
تحمل عبئا حين شالت شوائله
الطويل
وقال أيضا
وقد عضلت بالشأم أرض بأهلها
تريد من الأقوام ما كان ألحدا
سما عمر لما أتته رسائل
كأصيد يحمي صرمة الحي أغيدا
فلما أتاه ما أتاه أجابهم
بجيش ترى منه السنابك سجدا
وأقبلت الشام العريضة بالذي
أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا
فقط فيما بينهم كل جزية
وكل رفاد كان أهنى وأحمدا
الطويل
قال صاحب فتوح الشام ثم إن عمر رضي الله عنه خرج من الشام مقبلا إلى المدينة فلما دنا منها استقبله الناس يهنئونه بالنصر والفتح فجاء حتى دخل مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فصلى ركعتين عند المنبر ثم صعد المنبر واجتمع الناس إليه فقام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد {صلى الله عليه وسلم} وقال
يا أيها الناس إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه وقد أعز دعوتها وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها على الأعداء وشرفها ومكن لها في الأرض وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم فأحدثوا لله عز وجل
شكرا يزدكم واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم جعلنا الله وإياكم من الشاكرين
ثم نزل

(3/303)


قال فمكث المسلمون بالشام عليها أبو عبيدة بن الجراح ومكث فيها بعد خروج عمر منها ثلاث سنين ثم توفي رحمه الله في طاعون عمواس وكان طاعونا عم أهل الشام ومات فيه بشر كثير وكانت وفاة أبي عبيدة بالأردن وبها قبره ولما طعن رحمه الله دعا المسلمين فدخلوا عليه فقال لهم إني موصيكم بوصية فإن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم وبعدما تهلكون أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا وتصدقوا وحجوا واعتمروا وتواصلوا وتحابوا واصدقوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تلهكم الدنيا فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون إن الله قد كتب الموت على بني آدم فهو ميتون فأكيسهم أطوعهم لربه وأعلمهم ليوم معاده
ثم قال لمعاذ بن جبل يا معاذ صل بالناس فصلى معاذ بهم ومات أبو عبيدة رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه فقام معاذ في الناس فقال
يا أيها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحا فإن عبدا إن يلق الله تائبا من ذنبه كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه ومن كان عليه دين فليقضه فإن العبد مرتهن بدينه ومن أصبح منكم مصارما مسلما فليلقه فيصالحه إذا لقيه وليصافحه فإنه لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام والذنب في ذلك عظيم عند الله وإنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت منكم عبدا من عباد الله قط أقل غمرا ولا أبرأ صدرا ولا أبعد من الغائلة ولا أنصح للعامة ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه فترحموا عليه ثم احضروا الصلاة عليه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر والله لا يلي
عليكم مثله أبدا

(3/304)


فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة فتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتى به قبره دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما سفوا عليه التراب قال معاذ رحمك الله أبا عبيدة فوالله لأثنين عليه بما علمت والله لا أقولها باطلا وأخاف أن يلحقني من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرا ومن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ومن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وكنت والله ما علمت من المخبتين المتواضعين ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الجفاة المتكبرين
ولم يكن أحد من الناس أشد جزعا على فقد أبي عبيدة من معاذ ولا أطول حزنا عليه من معاذ
قال ثم صلى معاذ بالناس أياما واشتد الطاعون وكثر الموت في الناس فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال
يا أيها الناس إن هذا الطاعون هو الرجز الذي عذب الله به بني إسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وأمر الناس بالفرار منه
فأخبر معاذ بقول عمرو فقال ما أراد إلى أن يقول ما لا علم له به ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم ذكر الوباء فقال ليس كما قال عمرو ولكنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم اللهم أعط معاذا وآل معاذ منه النصيب الأوفر ثم صلى ورجع إلى منزله فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن فلما رآه قال يا أبت الحق من ربك فلا تكونن من الممترين قال يا بني ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلم يلبث إلا قليلا حتى مات يرحمه الله وصلى عليه معاذ ودفنه فلما رجع معاذ إلى منزله طعن فاشتد به وجعه وجعل أصحابه يختلفون إليه

(3/305)


فإذا أتوه أقبل عليهم فقال لهم اعملوا وأنتم في مهلة وحياة وفي بقية من آجالكم من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا وأنفقوا مما عندكم من قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك ميراثا لمن بعدكم واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم فأعطيتم فأمضيتم وما سوى ذلك فللوارثين فلما اشتد به وجعه جعل يقول رب اخنقني خنقك فأشهد أنك تعلم أني أحبك
قال وأتاه رجل في مرضه فقال له يا معاذ علمني شيئا ينفعني الله به قبل أن أفارقك فلا أراك ولا تراني ولا أجد منك خلفا ثم لعلي أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعني بعدك فلا أجد فيهم مثلك فقال له يا معاذ كلا إن صلحاء المسلمين والحمد لله كثير ولن يضيع الله أهل هذا الدين ثم قال له خذ عني ما آمرك به كن من الصائمين بالنهار ومن المصلين في جوف الليل ومن المستغفرين بالأسحار ومن الذاكرين الله كثيرا على كل حال ولا تشرب الخمر ولا تزني ولا تعق والديك ولا تأكل مال اليتيم ولا تفر من الزحف ولا تأكل الربا ولا تدع الصلاة الكتوبة ولا تضيع الزكاة المفروضة وصل رحمك وكن بالمؤمنين رحيما ولا تظلم مسلما وحج واعتمر وجاهد ثم أنا لك زعيم بالجنة
ولما حضر معاذا الموت قال لجاريته ويحك انظري هل أصبحنا فنظرت فقالت لا ثم تركها ساعة ثم قال لها انظري فنظرت فقالت نعم فقال أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار ثم قال مرحبا بالموت مرحبا بزائر جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكنني كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل وطول الساعات في النهار ولظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر

(3/306)


فلما اقترب أمره جاء عبد الله بن الديلمي فقال له يرحمك الله يا معاذ لعلنا لا نلتقي نحن ولا أنت ابدا فقال معاذ أجلسوني فأجلسوه وجلس رجل خلف ظهره ووضع معاذ ظهره في صدر الرجل ثم قال بئس ساعة الكذب هذه حدثني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حديثا فكنت أكتمكموه مخافة أن تتكلوا فأما الآن فإني لا أكتمكموه سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إنه لا يموت عبد من عباد الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور ويؤمن بالرسل وما جاءت به أنه حق ويؤمن بالجنة والنار إلا أدخله الله الجنة وحرمه على النار
ثم مات معاذ من ساعته يرحمه الله واستخلف عمرو بن العاص فصلى عليه عمرو ودخل قبره فوضعه في لحده ودخل معه رجال من المسلمين فلما خرج عمرو من قبره قال رحمك الله يا معاذ فقد كنت ما علمناك من نصحاء المسلمين ومن خيارهم وكنت مؤدبا للجاهل شديدا على الفاجر رحيما بالمؤمنين وأيم الله لا يستخلف من بعدك مثلك عمرو بن العاص
وكان مهلكه ومهلك أبي عبيدة رحمهما الله سنة ثمان عشرة وقد كان معاذ لما هلك أبو عبيدة كتب إلى عمر ينعاه
أما بعد فاحتسب امرأ كان لله أمينا وكان الله في نفسه عظيما وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزا أبا عبيدة بن الجراح غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله نحتسبه وبالله نثق له كتبت إليك وقد فشا الموت وهذا الوباء في الناس ولن يخطئ أحد أجله ومن لم يمت فسيموت جعل الله ما عنده خيرا لنا من الدنيا وإن أبقانا أو هلكنا فجزاك الله عن جماعة المسلمين وعن خاصتنا وعامتنا رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته والسلام عليك ورحمة الله

(3/307)


قال فو الله ما هو إلا أن أتى عمر الكتاب فقرأه حتى بكى بكاء شديدا ونعى أبا عبيدة إلى جلسائه فما رأيت جماعة المسلمين جزعوا على رجل منهم جزعهم على أبي عبيدة ثم ما مضى لذلك إلا أيام حتى جاء كتاب عمرو بن العاص ينعي فيه معاذ بن جبل يرحمه الله فلما أتت عمر وفاة هذا على أثر أبي عبيدة جزع عليه جزعا شديدا وبكى عمر والمسلمون وحزنوا عليه حزنا عظيما وقال عمر رضي الله عنه رحم الله معاذا والله لقد رفع الله بهلاكه من هذه الأمة علما جما ولرب مشورة له صالحة قد قبلناها منه ورأيناها أدت إلى خير وبركة ورب علم أفادناه وخير دلنا عليه جزاه الله جزاء الصالحين
وفرق عمر عند ذلك كور الشام فبعث عبد الله بن قرط الثمالي على حمص وعزل عنها حبيب بن مسلمة واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصاري واستعمل يزيد بن أبي سفيان على الجنود التي كانت بالشام ثم وجد عمر على عبد الله بن قرط بعد ان عمل له على حمص سنة فعزله عنها وبعث حين عزله عبادة بن الصامت أميرا عليها وقد كان بدريا عقيبا نقيبا ثم رضي بعد ذلك عن عبد الله بن قرط فرده على حمص
ولما قدم عبادة بن الصامت على أهل حمص قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم قال
أما بعد ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ألا وإنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 7 الزلزلة ألا وإن للدنيا بنين وإن للآخرة بنين فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة
ثم قال لشداد بن أوس قم يا شداد فعظ الناس وكان شداد مفوها قد أعطي لسانا وحكمة وفضلا بيانا فقام شداد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد أيها الناس راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس فإنكم لم

(3/308)


تروا من الخير إلا أسبابه ولا من الشر إلا أسبابه وإن الله جمع الخير كله بحذافيره فجعله في الجنة وجمع الشر كله بحذافيره فجعله في النار ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر ألا وإن النار حفت بالهوى والشهوة ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة ومن أشفى على الجنة كان من أهلها ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار ومن أشفى على النار كان من أهلها ألا فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق
وقام أبو الدرداء في أهل دمشق خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه {صلى الله عليه وسلم} ثم قال
أما بعد يا أهل دمشق فاسمعوا مقالة أخ لكم ناصح ما بالكم تجمعون ما لا تأكلون وتبنون ما لا تسكنون وتأملون ما لا تدركون وقد كان من قبلكم جمعوا كثيرا وبنوا مشيدا وأملوا بعيدا وماتوا قريبا فأصبحت أموالهم بورا ومساكنهم قبورا وآمالهم غرورا ألا وإن عادا وثمود وقد كانوا ملأوا ما بين بصري وعدن أموالا وأولادا ونعما فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين
ذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها اصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا حسب ما يوقف عليه في الموضعين إن شاء الله تعالى
ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى يزيد بن أبي سفيان بعد مهلك أبي عبيدة ومعاذ بن جبل رحمهما الله
أما بعد فقد وليتك أجناد الشام كله وكتبت إليهم أن يسمعوا لك ويطيعوا وأن لا يخالفوا لك أمرا فاخرج فعسكر بالمسلمين ثم سر بهم إلى قيسارية فانزل عليها ثم لا تفارقها حتى يفتحها الله عليك فإنه لا ينفعني افتتاح ما افتتحتم من أرض الشام مع مقام أهل قيسارية فيها وهم عدو لكم إلى جانبكم وإنه لا يزال قيصرا طامعا في الشام ما بقي فيها أحد من أهل طاعته ممتنعا ولو قد افتتحتموها قطع الله رجاءه من جميع الشام والله فاعل ذلك وصانع به للمسلمين إن شاء الله تعالى

(3/309)


فخرج يزيد فعسكر بالمسلمين وجاءه كتاب من عمر بنسخة واحدة إلى أمراء الأجناد
أما بعد فقد وليت يزيد بن أبي سفيان أجناد الشام كله وأمرته أن يسير إلى قيسارية فلا تعصوا له أمرا ولا تخالفوا له رأيا والسلام
وكتب يزيد إلى أمراء الأجناد نسخة واحدة
أما بعد فإني قد ضربت على الناس بعثا أريد أن أسير بهم إلى قيسارية فاخرجوا من كل ثلاثة رجلا وعجلوا إشخاصهم إلي إن شاء الله والسلام
فلم يمكث إلا قليلا حتى توافت عنده عساكر الأجناد كلها فلما اجتمعوا عنده قام يزيد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق أتاني يحثني على المسير إلى قيسارية وأن أدعوهم إلى الإسلام أو يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من أهل الشام فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن أبوا نزلت عليهم فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم وأسبي ذراريهم فسيروا رحمكم الله إليهم فإني أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة في الدنيا والأجر في الآخرة
ثم قال للناس ارتحلوا ووجه إلى حبيب بن مسلمة أن سر في المقدمة فقد جعلتك عليها ثم امض حتى تنزل بأهل قيسارية فإني أسرع شيء في أثرك لحاقا بك

(3/310)


فمضى حبيب في جماعة عظيمة من المسلمين إلى قيسارية وبها جموع من بطارقة الروم وفرسانهم وأشدائهم وكل من كان كره الدخول في دين الإسلام من النصارى ومن كان كره الجزية ومن بقي من أهل تلك المواطن التي كانوا يقاتلون المسلمين من الروم فكانت بها جموع كثيرة وحد وجد شديد فلما أقبل حبيب في المقدمة ودنا من الحصن خرج إليه من قيسارية فرسان ورجال فنضحوهم بالنشاب وحملت خيلهم على المسلمين فانحاز حبيب وخيله حتى انتهى إلى يزيد فنزل يزيد وجعل على ميمنته عبادة بن الصامت وعلى الميسرة الضحاك ن قيس ورد حبيبا على الخيل ومشى يزيد في الرجال فحمل عليهم فاقتتلوا طويلا قتالا شديدا ثم بعث إلى الضحاك أن أحمل على ميمنتهم فحمل عليهم فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وبعث إلى عبادة بن الصامت أن احمل على ميسرتهم فحمل عليهم فثبتوا له فقاتلهم طويلا
وقتل منهم مقتلة عظيمة ثم تحاجزوا وانصرف عبادة إلى موقفه فحرض أصحابه ووعظهم ثم قال يا أهل الإسلام إني كنت أحدث النقباء سنا وأبعدهم أجلا وقد قضى الله أن أبقاني حتى قاتلت هذا العدو معكم وإني أسأل الله أن يريني وإياكم أحسن ثواب المجاهدين والله الذي نفسي بيده ما حملت قط في عصابة من المؤمنين على جماعة من المشركين إلا خلوا لنا العرصة وأعطانا الله عليهم الظفر غيركم فما بالكم حملتم على هؤلاء فلم تزيلوهم

(3/311)


وإن عمر لما بلغه شدة قتال أهل اليرموك لكم قال سبحان الله أو قد واقفوهم ما أظن المسلمين إلا قد غلوا ولو لم يغلوا ما واقفوهم ولظفروا بغير مئونة والله إني خائف عليكم خصلتين أن تكونوا قد غللتم أو لم تناصحوا الله في حملتكم عليهم فشدوا عليهم يرحمكم الله معي إذا شددت فلا والله لا أرجع إلى موقفي هذا إن شاء الله ولا أزايلهم حتى يهزمهم الله أو أموت دونهم ثم حمل عليهم وحملت معه الميمنة على ميسرة الروم فصبروا لهم حتى تطاعنوا بالرماح واضطربوا بالسيوف واختلفت أعناق الخيل فلما رأى ذلك عبادة ترجل ثم نادى عمير بن سعد الأنصاري في المسلمين يا أهل الإسلام إن عبادة بن الصامت سيد المسلمين وصاحب راية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد نزل وترجل فالكرة الكرة إلى رحمة الله والجنة واتقوا عواقب الفرار فإنها تقود إلى النار
وأقبل المسلمون إلى عبادة وهو يجالدهم وقد كانوا أحاطوا به فحمل عليهم فقصف بعضهم على بعض فأزالوهم عن موقفهم ثم شدوا عليهم وحمل حبيب بن مسلمة على من يليه منهم ثم حمل يزيد بن أبي سفيان بجماعة المسلمين عليهم فانهزموا انهزاما شديدا ووضع المسلمون سلاحهم وسيوفهم حيث أحبوا منهم واتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا حتى حجزوهم في حصنهم وقد قتلوا من رؤسائهم وبطارقتهم وفرسانهم مقتلة عظيمة ثم أقاموا عليهم فحصروهم وقطعوا عنهم المادة وضيقوا عليهم وحاصروهم أشد الحصار فلما

(3/312)


طال عليهم البلاء تلاوموا وقال بعضهم لبعض اخرجوا بنا إليهم نقاتلهم حتى نظفر بهم أو نموت كراما فاستعدوا في مدينتهم وخرجوا على تعبئتهم والمسلمون غارون لا يشعرون ولا يعلمون أنهم يخرجون إليهم وقد كانوا أذلوهم وأجحروهم وضيقوا عليهم حتى جهدوا وظنوا أنهم أوهن أمرا وأضعف من أن يخرجوا عليهم فما راع المسلمين إلا وأهل قيسارية يضاربونهم بالسيوف بأجمعهم إلى جانب عسكرهم فجال المسلمون جولة منكرة ثم إن يزيد خرج مسرعا يمشي إليهم حتى إذا دنا منهم جالدهم طويلا وتتامت إليه خيل المسلمين ورجالتهم وخرج المسلمون على راياتهم وصفوفهم فلما كثروا عنده أمر الخيل فحملت عليهم ونهض بالرجال في وجوههم ثم حمل هو عليهم فانهزموا انهزاما قبيحا شديدا وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا وركب بعضهم بعضا فبعض دخل المدينة وبعض ذهبوا على وجوههم فلم يدخلوها وقتل الله منهم في المعركة نحوا من خمسة آلاف فلما رأى يزيد ما أنزل الله بهم من الخزي والقتل وما صيرهم إليه من الذل قال لمعاوية أقم عليها حتى يفتحها الله وانصرف يزيد عنها
فلم يلبث معاوية عليها إلا يسيرا حتى فتحها الله على يديه وذكل سنة تسع عشرة وكانت هي وجلولاء في سنة واحدة وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا لأنه لم يبق بالشام في أقصاها وأدناها عدو حينئذ وقد نفى الله المشركين عنها وصار الشام كله في أيدي المسلمين
وكتب يزيد إلى عمر
أما بعد فإن رأي أمير المؤمنين لأهل الشام كان رأيا أرشده الله وأرشد به من أخذ به وبارك له ولأهل طاعته فيه وإني أخبر أمير المؤمنين أنا التقينا نحن وأهل قيسارية غير مرة وكل ذلك يجعل الله جدهم الأسفل وكدهم الأخسر ويجعل لنا عليهم الظفر فلما رأوا أن الله قد أذهب ريحهم وأذلهم وأنزل عليهم الصغار والهوان وقتل صناديدهم وفرسانهم وملوكهم لزموا حصنهم وانحجزوا

(3/313)


في مدينتهم فأطلنا حصارهم وقطعنا موادهم وميرتهم وضيقنا أشد التضييق عليهم فلما جهدوا هزلا وأزلا فتحها الله علينا و الحمد لله رب العالمين
فكتب إليه عمر رحمه الله
أما بعد فقد أتاني كتابك وسمعت ما ذكرت فيه من الفتح على المسلمين والحمد لله رب العالمين فاشكروا الله يزدكم ويتم نعمته عليكم وإن الله قد كفاكم مؤنة عدوكم وبسط لكم في الرزق ومكن لكم في البلاد وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار والسلام عليك
فلما أتى يزيد هذا الكتاب قرأه على المسلمين فحمدوا الله على ما أنعم عليهم واصطنع عندهم وأقبل يزيد حتى نزل دمشق فلم يلبث إلا سنة حتى هلك رضي الله عنه وذلك في سنة تسع عشرة والشام كله مستقيم أمره ليس به عدو للمسلمين
وكان يزيد رحمه الله شريفا فاضلا حليما عاقلا رقيقا حسن السيرة محببا في المسلمين ولما ثقل رحمه الله وأشرف على الموت استخلف أخاه معاوية على الشام وكتب إلى عمر رضي الله عنه
أما بعد فإني كتبت إليك كتابي هذا وإني أظن أني في أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا فجزاك الله عنا وعن جميع المسلمين خيرا وجعل جناته لنا ولك مآبا ومصيرا فابعث إلى عملك بالشام من أحببت فأما أنا فقد استخلفت عليهم معاوية بن أبي سفيان
فلما أتى عمر كتابه مع خبر موته جزع عليه جزعا شديدا وكتب إلى معاوية بولايته على الشام ويقال إنه لما ورد البريد بموت يزيد على عمر كان أبوه أبو سفيان عنده فقال له عمر لما قرأ الكتاب بموت يزيد أحسن الله عزاءك في يزيد ورحمه فقال له أبو سفيان من وليت مكانه يا أمير المؤمنين
قال أخاه معاوية قال وصلتك رحم يا أمير المؤمنين
فأقام معاوية على الشام أربع سنين بقية خلافة عمر ثم أقره عليها عثمان اثنتي عشرة سنة مدة خلافته ثم كان منه بعد وفاة عثمان رضي الله عنه ما هو معلوم

(3/314)


ذكر فتح مصر
ذكر ابن عبد الحكم عمن سمى من شيوخه أنه لما قدم عمر رضي الله عنه الجابية خلا به عمرو بن العاص فاستأذنه في المسير إلى مصر وكان عمرو قد دخلها في الجاهلية وعرف طرقها ورأى كثرة من فيها
وكان سبب دخوله إياها أنه كان قدم بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش وكانت رعية إبلهم نوبا بينهم فبينا عمرو يرعاها في نوبته إذ مر به شماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية كان قدم للصلاة في بيت المقدس وللسياحة في جبالها فوقف على عمرو فاستسقاه وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر فسقاه عمرو من قربة له فشرب حتى روى ونام الشماس مكانه وكانت إلى جنبه حيث نام حفرة فخرجت منها حية عظيمة فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها فلما استيقظ الشماس ونظر إلى الحية سأل عمرا عنها فأخبره أنه رماها فقتلها فأقبل الشماس فقبل رأسه وقال قد أحياني الله بك مرتين مرة من شدة العطش ومرة من هذه الحية فما أقدمك هذه البلاد قال قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا فقال له الشماس وكم تراك ترجوا أن تصيب في تجارتك قال رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا فإني لا أملك إلا بعيرين فأملي أن أصيب بعيرا ثالثا فقال له الشماس كم الدية فيكم قال مائة من الإبل قال الشماس لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب

(4/5)


دنانير قال تكون ألف دينار فقال له الشماس إني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسي وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله عز وجل أحياني بك مرتين فقال له عمرو وأين بلادك قال مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو لا أعرفها ولم أدخلها قط فقال له الشماس لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها فقال عمرو وتفي لي بما تقول فقال له الشماس نعم لك علي العهد والميثاق أن أفي لك وأن أردك إلى أصحابك فقال عمرو كم يكون مكثي في ذلك قال شهرا ننطلق معي ذاهبا عشرا وتقيم عندنا عشرا وترجع في عشر ولك علي أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا فقال له عمرو أنظرني حتى أشاور أصحابي
فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهده عليه الشماس وقال لهم أقيموا علي حتى أرجع إليكم ولكم علي العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به فقالوا نعم وبعثوا معه رجلا منهم
فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر حتى انتهى إلى الإسكندرية فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال ما أعجبه ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال فازداد عجبا
ووافق دخول الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم ويتلقونها بأكمامهم وفيما اختبروا منها على ما وضعها من مضى منهم أنه من وقعت في كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم

(4/6)


وأكرم الشماس عمرا الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس معه في ذلك المجلس مع الناس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقونها بأكمامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة أترى هذا الأعرابي يملكنا هذا ما لا يكون أبدا
وإن ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم بأن عمرا أحياه مرتين وأنه ضمن له ألفي دينار وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ففعلوا ودفعوها إلى عمرو فانطلق هو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا وزودهما وأكرمهما حتى رجعا إلى أصحابهما فدفع إليهم عمرو فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا
قال فكان أول مال اعتقدته وتأثلته
فبذلك ما عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى فيها ما علم به أنها أفضل البلاد وأكثره مالا
فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية خلا به عمرو وقال يا أمير المؤمنين إيذن لي فأسير إلى أرض مصر فإنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرضين أموالا وأعجزه عن القتال فتخوف عمر وكره ذلك فلم يزل عمرو بن العاص يعظم أمرها في نفسه ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها حتى ركن لذلك عمر فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عك وقال سيروا وأنا مستخير الله في مسيرك وسيأتيك كتابي سريعا فإن لحقك كتابي آمرك فيه بالانصراف فانصرف وإن دخلتها قبل أن يأتيك كتابي ثم جاءك فامض لوجهتك واستعن بالله فاستنصره
فمضى عمرو من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس واستخار عمر

(4/7)


ربه فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك فكتب إلى عمرو بن العاص أن انصرف بمن معك من المسلمين إن أدركك كتابي قبل أن تدخل مصر فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح فتخوف إن هو أخذه فقرأه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر فلم يأخذ الكتاب من الرسول وسار كما هو حتى مر بقرية صغيرة فيما بين رفح والعريش فسأل عنها فقيل إنها من مصر فدعا بالكتاب فقرأه فإذا فيه أن انصرف بمن معك من المسلمين فقال لمن حوله ألستم تعلمون أن هذه من مصر قالوا بلى قال فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم ادخل أرض مصر أن أرجع ولم يلحقني كتابه حتى دخلت أرض مصر فسيروا على بركة الله
ويقال بل كان عمرو بن العاص بفلسطين فتقدم في أصحابه إلى مصر بغير إذن فكتب إليه عمر ينكر ذلك عليه فجاءه كتابه وهو دون العريش عريش مصر فلم يقرأ الكتاب حتى بلغ العريش فقرأه فإذا فيه
من عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص أما بعد فإنك سرت إلى مصر بمن معك وبها جموع الروم وإنما معك نفر يسير ولعمري لو كانوا ثكل أمك ما سرت بهم فإن لم تكن بلغت مصر فارجع
فقال عمرو الحمد لله أية أرض هذه قالوا من مصر فتقدم كما هو
ويقال بل كان عمرو في جنده على قيسارية مع كل من كان بها من أجناد المسلمين وعمر بن الخطاب إذ ذاك بالجابية فكتب سرا واستأذن إلى مصر وأمر أصحابه فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتجولوا من منزل إلى منزل قريب ثم سار بهم ليلا فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل ورأوا إنه قد غرر فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر
أما بعد فإنك قد غررت بمن معك فإن أدرك كتابي ولم تدخل مصر فارجع وإن أدرك كتابي وقد دخلت فامضي وأعلم أني ممدك

(4/8)


ويقال إن عمر كتب إلى عمرو بعدما فتح الشام أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر فمن خف معك فسر به وبعث به مع شريك بن عبدة فندبهم عمرو فأسرعوا إلى الخروج معه ثم أن عثمان بن عفان دخل على عمر فذكر له عمر ما كتب به إلى عمرو فقال عثمان يا أمير المؤمنين إن عمرا له جرأة وفيه إقدام وحب للإمارة فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري أتكون أم لا فندم عمر على كتابه إشفاقا مما قال عثمان فكتب إلى عمرو يأمره بنحو ما تقدم من الرجوع إن لم يكن دخل مصر والمضي لوجهه إن كان دخلها
فسار عمرو في طريقه قاصدا مصر فلما بلغ المقوقس ذلك توجه نحو الفسطاط يجهز الجيوش على عمرو وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبال الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم وأدركه النحر وهو بالعريش فضحى يومئذ عن أصحابه بكبش
وكان رجل ممن خرج معه قد أصيب بجمله فأتاه الرجل يستحمله فقال له عمرو تحمل مع أصحابك حتى نبلغ أوائل العامر فلما بلغوا العريش جاءه فأمر له بجملين ثم قال لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا
فتقدم عمرو فكان أول موضع قوتل فيه الفرما قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر ثم فتح الله على يديه
وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو ميامين فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم انه لا تكون للروم دولة وان ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقي عمرو فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا
ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر ثم تقدم لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح الله عليه ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين فقاتلوه بها قتالا شديدا وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف فقاتلهم

(4/9)


وجاء رجل من لخم إلى عمرو بن العاص فقال اندب معي خيلا حتى آتي من ورائهم عند القتال فأخرج معه خمسمائة فارس فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل قبل الصبح
ويقال كان على هذا البعث خارجة بن حذافة فلما كان في وجه الصبح نهض القوم فصلوا الصبح ثم ركبوا خيلهم وغدا عمرو بن العاص على القتال فقاتلوهم من وجههم وحملت الخيل التي كان وجه من ورائهم واقتحمت عليهم فانهزموا وكانوا قد خندقوا حول الحصن وجعلوا للخندق أبوابا فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن ففعل ذلك وفرض عليهم لكل رجل من أصحابه دينارا وجبة وبرنسا وعمامة وخفين
فجاء النفر من القبط يستأذنونه إلى قراهم وأهليهم وقد كان نفر منهم تحدثوا قبل ذلك ورجل من لخم يسمعهم فقال بعضهم لبعض ألا تعجبوا من هؤلاء القوم يعنون المسلمين يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس فجاءهم رجل منهم فقال إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا خيرهم فأنكر عليه اللخمي قوله وأراد حمله إلى عمرو فرغب إليه أصحابه وغيرهم حتى خلصوه فلما استأذن أولئك النفر عمرا قال لهم كيف رأيتم أمرنا قالوا لم نر إلا حسنا فقال ذلك الرجل لعمرو مثل مقالته تلك إنكم لن تزالوا تظهرون على كل من لاقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا فغضب عمرو وأمر به فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنه لا يدري ما يقول حتى
خلصوه فلما بلغ عمرا قتل عمر بن الخطاب عجب من قول ذلك القبطي وأرسل في طلبه فوجدوه قد هلك
وفي حديث غيره قال عمرو بن العاص فلما طعن عمر بن الخطاب قلت هو ما قال القبطي فلما حدثت انه انما قتله رجل نصراني قلت لم يعن هذا إنما عني من قتله المسلمون فلما قتل عثمان رضي الله عنه عرفت أن ما قال الرجل حق

(4/10)


قال ابن عبد الحكم وقد سمعت في فتح القصر وجها غير هذا ثم ذكر عن نفر سمي منهم قال وبعضهم يزيد على بعض في الحديث أن عمرو بن العاص حصرهم في القصر الذي يقال له باب اليون حينا وقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم فلما أبطأ عليه الفتح كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده فأمده عمر بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يقوم مقام ألف الزبير ابن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وقيل بل خارجة بن حذافة مكان مسلمة وقال عمر بن الخطاب
اعلم أن معك اثني عشر ألفا ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة
وذكر الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر رحمه الله إنما أمد عمرا حين استمده بالزبير بن العوام وبالمقداد بن عمرو وبخارجة بن حذافة
قال الليث بن سعد وبلغني عن كسرى أنه كان له رجال إذا بعث أحدهم في جيش وضع من عدة الجيش الذي كان سما ألفا مكانه وإذا احتاج إلى أحدهم وكان في جيش فجيشه زادهم ألف رجل فأنزلت الذي صنع عمر بن الخطاب حين أمد عمرا بالزبير والمقداد وخارجة نحو الذي صنع كسرى
وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشفق على عمرو حين بعثه

(4/11)


فأرسل الزبير في أثره في اثني عشر ألفا فشهد معه الفتح وكان عمرو قدم من الشام في عدة قليلة وكانت الروم قد خندقوا حول حصنهم وجعلوا للخندق أبوابا ورموا في أفنيتها حسك الحديد فكان عمرو يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم فلما انتهى إلى الخندق نادوه أن قد رأينا ما قد صنعت وإنما معك من أصحابك كذا وكذا فلم يخطئوا برجل واحد فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير فلما قدم المدد مع الزبير على عمرو بن العاص ألح على القصر ووضع عليه المنجنيق وقد كان عمرو دخل إلى صاحب القصر فتناظرا في شيء مما هم فيه فقال له عمرو أخرج وأستشير أصحابي فدس صاحب الحصن الوصية إلى الذي على الباب إذا مر به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله فأشعر بذلك عمرا رجل من العرب وهو يريد الخروج فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت فقال العلج في نفسه قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد فأرسل إلى الذي كان على الباب يأمره بالكف عن عمرو رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم فخرج عمرو ولم يعد
وفي حصار المسلمين هذا الحصن كان عبادة بن الصامت يوما في ناحية يصلي وفرسه عنده فرآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة فلما دنوا منه سلم من صلاته ووثب على فرسه ثم حمل عليهم فلما رأوه غير مكذب عنهم ولو راجعين وأتبعهم فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة فرجع ولم يعرض لشيء مما كانوا طرحوا من متاعهم حتى أتى موضعه الذي كان به فاستقبل الصلاة وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه

(4/12)


ولما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص قال الزبير إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين فوضع سلما إلى جانب الحصن ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن
ينكسر ولما اقتحم الزبير وتبعه من تبعه وكبر وكبر من معه وأجابهم المسلمون من خارج لم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموه جميعا فهربوا وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحمه المسلمون فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو بن العاص الصلح ودعاه إليه على ان يفرض للعرب على القبط دينارين على كل رجل منهم فأجابه عمرو إلى ذلك
وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر فيما روي عن الليث
قال ابن عبد الحكم وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين المتقدمين فالله أعلم
ثم أورد بإسناد يرفعه إلى جماعة من التابعين يزيد بعضهم على بعض أن المسلمين لما حاصروا باب اليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم بها شهرا فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل
وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج تخلف في الحصن بعد المقوقس وهو رجل من الروم كان واليا على الحصن تحت يدي المقوقس وكانت سفنهم ملصقة بالحصن فلما خاف الأعيرج فتح الحصن ركبها هو وأهل القوة والشرف ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة

(4/13)


قال أصحاب الحديث من التابعين فأرسل المقوقس إلى عمرو إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا وطال مكثكم في أرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم معهم العدة والسلاح وأحاط بكم هذا النيل وإنما أنتم أسارى في أيدينا فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي
الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس بهذا حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك في دينهم وإنما أراد عمرو أن يروا حال المسلمين ثم رد عمرو إلى المقوقس رسله وقال لهم إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال إما دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم مالنا وإما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين
فلما جاءوا إلى المقوقس قال لهم كيف رأيتم قالوا رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليه من الرفعة ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم يغسلون بالماء أطرافهم ويخشعون في صلاتهم
فقال عند ذلك المقوقس والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم
فرد إليهم المقوقس رسله أن ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم

(4/14)


فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت وأمره عمرو أن يكون مكلم القوم وأن لا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إلى إحدى هذه الخصال الثلاث
وكان عبادة أسود طويلا يقول ابن عفير أدرك الإسلام من العرب عشرة طول كل رجل منهم عشرة أشبار أحدهم عبادة بن الصامت فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة فهابه المقوقس لسواده فقال نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني فقالوا جميعا إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به وامرنا أن لا نخالفه
قال وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون دونكم
قالوا كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا وليس ينكر السواد فينا
فقال له المقوقس تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك وإن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة

(4/15)


فتقدم إليه عبادة فقال قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم أشد سوادا مني وأفظع منظرا ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي وأنا قد وليت وأدبر شبابي وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي ولو استقبلوني جميعا وكذلك أصحابي وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها إلا أن الله عز وجل قد أحل لنا ذلك وجعل ما غنمنا منه حلالا وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من الذهب أم كان لا يملك إلا درهما لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته لليله ونهاره وشملة يلتحفها فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى وأقتصر على هذا الذي يتبلغ به ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء وإنما النعيم والرخاء في الآخرة وبذلك أمرنا ربنا وأمرنا به نبينا وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته وتكون همته وشغله في رضى ربه وجهاد عدوه
فلما سمع المقوقس كلامه قال لمن حوله هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها ثم أقبل على عبادة فقال

(4/16)


أيها الرجل قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك ولعمري ما بلغتم إلا بما ذكرت وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا بحبهم الدنيا ورغبتهم فيها وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم يعرفون بالنجدة والشدة لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل وأنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار فتقبضوها وتنصرفوا إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قبل لكم به
فقال عبادة بن الصامت يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم فلعمري ما هذا بالذي يخوفنا ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالكم وأشد لحرصنا عليكم لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 249 البقرة ) وما منا من رجل إلا وهو يدعوا ربه صباحا ومساء أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلاده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده وليس لأحد منا هم فيما خلفه وقد استودع كل واحد منا ربه في

(4/17)


أهله وولده وإنما همنا ما أمامنا وأما قولك إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه فانظر الذي تريد فبينه لنا فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك بالباطل بذلك أمرني الأمير وبه أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من قبل إلينا إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته أمرنا أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه فإن فعل كان له مالنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الله فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ورجعنا عن قتالكم ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم وإن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد علينا وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينكم غيره فانظروا لأنفسكم
فقال له المقوقس هذا ما لا يكون أبدا ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا
فقال له عبادة هو ذلك فاختر ما شئت
فقال له المقوقس أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث فرفع عبادة يديه فقال لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض وربنا ورب كل شيء ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال قد فرغ القوم فماذا ترون فقالوا أو يرضى أحد بهذا الذل أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا

(4/18)


ما لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين غيره لا نعرفه وأما ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا
فقال المقوقس لعبادة قد أتى القوم فما ترى فراجع أصحابك على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفوا
فقام عبادة وأصحابه فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله مالكم بهم طاقة ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين
فقالوا وأي خصلة نجيبهم إليها
قال أنا أخبركم أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به وأما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم ولابد من الثالثة
قالوا فنكون لهم عبيدا أبدا
قال نعم إن تكونوا عبيدا منبسطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا من آخركم أو تكونوا عبيدا تباعون وتمزقون في البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم وذراريكم
قالوا فالموت أهون علينا وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة وبالقصر من القبط والروم جمع كثير
فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر حتى ظفروا وأمكن الله منهم فقتل منهم خلق كثير وأسر من أسر وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن
يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى والمقوقس يقول لأصحابه ألم أعلمكم هذا وأخفه عليكم ما تنتظرون فو الله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها فأطيعوني من قبل أن تندموا
فلما رأوا منهم ما رأوا وقال لهم المقوقس ما قال أذعنوا بالجزية ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه

(4/19)


فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص أني لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التي أرسلت إلي بها فأبي ذلك علي من حضرني من الروم والقبط فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم وقد عرفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم فرجعوا إلى قولي فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت أنا في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا وان لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه
فقال عمرو قد علمتم ما عهد إلي أمير المؤمنين في عهده فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم
فاجتمعوا على عهد بينهم واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين دينارين على كل نفس شريفهم ووضيعهم ومن بلغ الحلم منهم وليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا على النساء شيء وعلى أن للمسلمين عليهم النزل بجماعتهم حيث نزلوا ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يعرض لهم في شيء منها فشرط هذا كله على القبط خاصة
وأحصوا عدد القبط من بلغ منهم الجزية ومن فرض عليهم الديناران رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط أكثر من ستة آلاف ألف نفس فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف الف دينار في كل سنة
وعن يحيى بن ميمون الحضرمي قال لما فتح عمرو بن العاص مصر صالح عن جميع ما فيها من رجال القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي فأحصوا بذلك على دينارين دينارين فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف

(4/20)


وفي الحديث المتقدم الطويل أن المقوقس شرط للروم أن يخيروا فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام لازما له ذلك مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه
وكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بالأمر على وجهه فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه ويرد عليه ما فعل ويقول في كتابه
إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا وبمصر من عدد القبط ما لا يحصى فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم أذلاء في حال القبط ألا قاتلتهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظفر عليهم فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة فناهضهم القتال ولا يكن لك رأي غير ذلك
وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم

(4/21)


فقال المقوقس لما أتاه كتابه والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها فكيف نستقيم وهؤلاء وكيف صبرنا معهم واعلموا معشر الروم أني والله لا أخرج مما دخلت فيه وصالحت العرب عليه وأني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه ويحكم أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له إن الملك قد كره ما فعلت وعجزني وكتب إلي وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم ولم يأت من قبلهم نقض وأنا متم لك على نفسي والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم وأما الروم فأنا منهم بريء وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال
قال عمرو وما هن
قال لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم فقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه وهم متمون لك على ما تحب وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا فإنهم أهل لذلك لأني نصحتهم فاستغشوني ونظرت لهم فاتهموني وأما الثالثة أطلب إليك أن إذا مت أن تأمرهم يدفنوني في أبي يحنس بالإسكندرية

(4/22)


فانعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعا ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية ففعلوا
ويقال إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم وهو محاصر الإسكندرية وبعد أن حصر أهلها ثلاثة أشهر وألح عليهم وخافوه فسأله المقوقس الصلح عنهم كما صالحه على القبط على أن يستنظر رأي الملك وعلى أن يسير من الروم من أراد المسير ويقر من أراد الإقامة فأنكر ذلك هرقل لما بلغه أشد الإنكار وتسخط أشد التسخط وبعث الجيوش فأغلقوا الإسكندرية وآذنوا عمرو بن العاص بالحرب فخرج إليه المقوقس فقال أسألك ثلاثا وذكر نحو ما تقدم وزاد أن عمرا قال له في الثالثة التي هي أن يدفن في أبي يحنس هذه أهونهن علينا
ثم رجع إلى الحديث الأول قال فخرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج وخرج معه جماعة من رؤساء القبط قد أصلحوا لهم الطريق وأقاموا لهم الجسور والأسواق وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم وسمعت بذلك الروم فاستعدت واستجاشت وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم فيها جمع من الروم كثير بالعدة والسلاح فخرج إليهم عمرو بن العاص من الفسطاط متوجها نحو الإسكندرية فلم يلق منهم أحدا حتى بلغ ترنوط فلقي فيها طائفة من الروم فقاتلوه قتالا خفيفا فهزمهم الله ومضى عمرو بمن معه حتى لقي جمع الروم بكوم شريك فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين وولي الروم أكتافهم
ويقال بل أرسل عمرو بن العاص شريك بن سمي في آثارهم فأدركهم
عند الكوم الذي يقال له كوم شريك فقاتلهم شريك فهزمهم

(4/23)


ويقال بل لقيهم فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به وأحاطت به الروم فلما رأى ذلك شريك أمر أبا ناعمة الصدفي وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال له أشقر صدف وكان لا يجارى فانحط عليهم من الكوم وطلبته الروم فلم تدركه حتى أتى عمرا فأخبره فأقبل عمرو نحوه وسمعت به الروم فانصرفت وبهذا الفرس سميت خوخة الأشقر التي بمصر وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك فسمي المكان به
قال ثم التقوا بسلطيس فاقتتلوا بها قتالا شديدا فهزمهم الله ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما
وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو فأصابت عبد الله بن عمرو على المقدمة جراحات كثيرة فقال يا وردان لو تقهقرت قليلا لنصيب الروح فقال وردان الروح أمامك وليس هو خلفك فتقدم عبد الله وجاء رسول أبيه يسأله عن جراحه فأنشأ يقول
أقول إذا ما النفس جاشت ألا أصبري
عليك قليلا أن تحمدي أو تلامي
الطويل
فرجع الرسول فأخبره بما قال فقال عمرو هو ابني حقا
وصلى يومئذ عمرو صلاة الخوف فحدث شيخ صلاها معه بالإسكندرية أنه صلى بكل طائفة ركعة وسجدتين
قال ثم فتح الله على المسلمين وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة وأتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها وكانت عليهم حصون لا ترام حصن دون حصن فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم

(4/24)


ويروى أن عمرا أقام بحلوة شهرين ثم تحول إلى المقس فخرجت عليه الخيل من ناحية البحيرة حيث كانت مستترة بالحصن فواقعوه فقتل من المسلمين يومئذ بكنيسة الذهب اثنا عشر رجلا ولم يكن للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية فكان ملك الروم يعظم ظهور العرب عليها ويقول لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم وانقطع ملكها وتجهز للخروج إليها ليباشر قتالها بنفسه إعظاما لها وأمر أن لا يتخلف عنه أحد من الروم وقال ما بقاء الروم بعد الإسكندرية فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته وكفى المسلمين مؤنته وكان موته في سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين فكسر الله بموته شوكة الروم
ورجع جمع كبير ممن كان قد توجه إلى الإسكندرية واستأسدت العرب عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية فقاتلوهم قتالا شديدا وخرج طرف من الروم من باب حصنها فحملوا على الناس وقتلوا رجلا من مهرة فاحتزوا رأسه وانطلقوا به فجعل المهريون يتغضبون ويقولون لا ندفنه أبدا إلا برأسه فقال عمرو بن العاص تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالي بغضبكم احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا رجلا منهم وارموا برأسه يرموا برأس صاحبكم فخرجت الروم عليهم فاقتتلوا فقتل رجل من بطارقة الروم فاحتزوا رأسه فرموا به إلى الروم فرمت الروم برأس المهري إليهم فقال دونكم الآن فادفنوا صاحبكم وكان عمرو بن العاص يقول ثلاث قبائل في مصر أما مهرة فقوم يقتلون
ولا يقتلون وأما غافق فقوم يقتلون ولا يقتلون وأما بلى فأكثرها رجلا صحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأفضلها فارسا

(4/25)


وقاتل عمرو بن العاص الروم بالإسكندرية يوما من الأيام قتالا شديدا فلما استحر القتال بارز رجل من الروم مسلمة بن مخلد فصرعه الرومي وألقاه عن فرسه وأهوى إليه بسيفه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه وكان مسلمة لا يقام بسبيله ولكنها مقادير ففرحت بذلك الروم وشق ذلك على المسلمين وغضب عمرو بن العاص فقال وكان مسلمة كثير اللحم ثقيل البدن ما بال الرجل المسبه الذي يشبه النساء يتعرض فيداخل الرجال ويتشبه بهم فغضب مسلمة ولم يراجعه ثم اشتد القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية فقاتلهم العرب في الحصن ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلا أربعة نفر فيهم عمرو بن العاص ومسلمة بن مخلد أغلق الروم عليهم باب الحصن وحالوا بينهم وبين أصحابهم ولا يدرون من هم فلما رأى ذلك عمرو وأصحابه لجأوا إلى ديماس من حماماتهم فتحرزوا به فأمرت الروم روميا فكلمهم بالعربية فقال لهم إنكم قد صرتم بأيدينا أساري فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم فامتنعوا ثم قال لهم إن في أيدي أصحابكم منا رجالا أسروهم ونحن نعطيكم العهود أن نفادي بكم أصحابنا ولانقتلكم فأبوا عليهم فلما رأى الرومي ذلك منهم قال لهم هل لكم إلى خصلة وهي نصف فيما بيننا وبينكم أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله على ان يبرز منكم رجل ومنا رجل فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا وأمكنتمونا من أنفسكم وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم إلى أصحابكم فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه فبرز رجل من الروم قد وثقت الروم بنجدته وشدته وقالوا لعمرو وأصحابه وهم في الديماس ليبرز رجل منكم لصاحبنا فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال يا هذا تخطيء مرتين تشذ من أصحابك وأنت أميرهم وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلقة نحوك لا يدرون ما

(4/26)


أمرك ثم لا ترضى حتى تبارز وتتعرض للقتل فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك مكانك وأنا أكفيك إن شاء الله قال عمرو دونك فربما فرجها الله بك فبرز مسلمة والرومي فتجاولا ساعة ثم أعانه الله عليه فقتله فكبر مسلمة وأصحابه ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه ففتحوا لهم باب الحصن فخرجوا ولا تدري الروم أن أمير القوم فيهم حتى بلغهم ذلك فأسفوا وأكلوا أيديهم تغيظا على ما فاتهم فلما خرجوا استحيي عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب وسأله أن يستغفر له ففعل مسلمة وقال عمرو والله ما أفحشت قط إلا ثلاث مرات مرتين في الجاهلية وهذه الثالثة وما منها مرة إلا وقد ندمت واستحييت وما استحييت من واحدة منهن أشد مما استحييت مما قلت لك ووالله إني لأرجو أن لا أعود إلى الرابعة ما بقيت
قال ابن لهيعة وأخبرني بعض أشياخنا أن عبد العزيز بن مروان لما قدم الإسكندرية سنة ثمانين سأل هل بقي بالإسكندرية أحد ممن أدرك فتحها فأتوه بشيخ من الروم من أكابر أهل الإسكندرية يومئذ فأعلموه أنه أدرك فتحها وهو رجل فسأله عن أعجب ما رأى يومئذ من المسلمين فقال أخبرك أيها الأمير أنه كان لي صديق من أبناء بطارقة الروم يومئذ منقطع إلي وأنه أتاني فسألني أن أركب معه حتى ننظر إلى المسلمين وإلى حالهم وهيئتهم وهم إذ ذاك محاصرون الإسكندرية فخرجت معه وهو على برذون له كثير اللحم وأنا على برذون خفيف فلما خرجنا من الحصن الثالث وقفنا على كوم مشرف ننظر إلى العرب وإذا هم في خيام لهم وعلى باب كل خيمة فرس واقف ورمح مركوز ورأينا قوما ضعفاء فعجبنا من ضعفهم وقلنا كيف بلغ هؤلاء القوم ما بلغوا فبينا نحن وقوف ننظر إليهم ونعجب إذ خرج رجل منهم من بعض تلك الخيام فلما نظر إلينا اختلع رمحه ووثب على ظهر فرسه ثم أقبل نحونا فقلت لصاحبي والله إنه ليريدنا فلما رأيناه مقبلا إلينا لا يريد غيرنا ولينا

(4/27)


هاربين فما كان بأوشك من أن أدرك صاحبي فطعنه بالرمح فصرعه ثم تركه صريعا وأقبل في إثري وأنا خائف أن لا أفلت منه حتى دخلت الحصن الأول فنجوت منه ثم صعدت الحصن لأبصر ما يفعل فرجع وهو يتكلم بكلام يرفع به صوته فظننت أنه يقرأ ثم مضى حتى اعترض برذون صاحبي فأخذه ورجع إلى صاحبي وهو صريع فأخذ سيفه وترك سلبه فلم يأخذه تهاونا به وكانت ثيابه ديباجا كلها فلم يأخذها ولم ينزعها عنه
فقال عبد العزيز بن مروان للشيخ الرومي صف لي ذلك الرجل وشبهه ببعض من عندي
فأشار إلى رجل مخفف كوسج فقال هو يشبه هذا
قال عبد العزيز نخبرك أنه يمان
وأقام عمرو يحاصر الإسكندرية أشهرا فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه ذلك ما أبطأوا بفتحها إلا لما أحدثوا
وقال أسلم مولى عمر لما أبطأ على عمر فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص
أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر أنكم تقاتلونها منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت اعرف إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم في الصبر والنية وقدم أولئك النفر الأربعة في صدور الناس ومر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة وليضج الناس إلى
الله ويسألوه النصر على عدوهم
فلما أتى عمرا الكتاب جمع الناس وقرأه عليهم ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين ثم يرغبوا إلى الله ويسألوه النصر ففعلوا ففتح الله عليهم

(4/28)


ويقال إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد فقال له أشر علي في قتال هؤلاء فقال له مسلمة أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتعقد له على الناس فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه قال عمرو ومن ذلك قال عبادة بن الصامت فدعا عمرو عبادة فأتاه وهو راكب على فرسه فلما دنا منه أراد النزول فقال له عمرو عزمت عليك أن لا تنزل ناولني سنام رمحك فناوله إياه فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له وولاه القتال فتقدم عبادة مكانه فصاف الروم وقاتلهم ففتح الله على يديه الإسكندرية في يومه ذلك
ويروى عمرو بن العاص قال وقد أبطأ عليه الفتح فاستلقى على ظهره ثم جلس فقال إني فكرت في هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله يريد الأنصار فدعا عبادة بن الصامت فعقد له ففتح الله الإسكندرية على يديه من يومه ذلك
وقال جنادة بن أبي أمية دعاني عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية وكان على قتالها فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن بقتالهم فبعثني أحجز بينهم فأتيتهم فحجزت بينهم ثم رجعت إليه فقال أقتل أحد من الناس قلت لا قال الحمد لله الذي لم يقتل أحد منهم عاصيا
قالوا وكان فتح الإسكندرية يوم الجمعة مستهل شهر المحرم من سنة عشرين
ولما هزم الله الروم وفتحت الإسكندرية وهرب الروم في البحر والبر خلف عمرو بن العاص بالإسكندرية من أصحابه ألف رجل ومضى في طلب من
هرب في البر من الروم فرجع من كان هرب منهم في البحر ألى الإسكندرية فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من هرب

(4/29)


وبلغ ذلك عمرو بن العاص فكر راجعا ففتحها وأقام بها وكتب إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أن الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد فكتب إليه عمر يقبح رأيه ويأمره ألا يجاوزها وقال ابن لهيعة وهذا هو فتح الإسكندرية الثاني وكان سبب فتحها أن بوابا يقال له ابن بسامة سأل عمرا الأمان على نفسه وأرضه وأهل بيته ويفتح له الباب فأجابه عمرو إلى ذلك وفتح له ابن بسامة الباب فدخل عمرو من ناحية قنطرة سليمان وكان مدخله الأول من الباب الذي من ناحية كنيسة الذهب
وقد روى ابن لهيعة أيضا عن يزيد بن أبي حبيب أن فتحها الأول كان سنة احدى وعشرين ثم انتقضوا سنة خمس وعشرين
وجاءت الروم عليهم منويل الخصي بعثه هرقل في المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية فأجابهم من بها من الروم فخرج إليهم عمرو بن العاص في البر والبحر فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم الله وقتل منويل ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث
ويقال إن هذا انتقاض ثان للإسكندرية بعد انتقاضها الذي ذكره ابن لهيعة أولا وكان ذلك في زمان عمر وهذا الذي ذكر يزيد بن أبي حبيب في خلافة عثمان رضي الله عنهما وسيأتي ذكره في موضعه مستوفى إن شاء الله
وقيل إن جميع من قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان وعشرون رجلا
وبعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج وافدا إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح فقال له معاوية ألا تكتب معي فقال له عمرو ما أصنع بالكتاب ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة وما رأيت وحضرته
فلما قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية فخر عمر ساجدا وقال الحمد لله

(4/30)


ويروى عن معاوية بن حديج انه قال قدمت المدينة في الظهيرة فأنخت راحلتي بباب المسجد ثم دخلت المسجد فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب فرأتني شاحبا علي ثياب السفر فأتتني فقالت من أنت فقلت أنا معاوية بن حديج رسول عمرو بن العاص فانصرفت عني ثم أقبلت تشتد فقالت ثم قم فأجب أمير المؤمنين فتبعتها فلما دخلت إذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه فقال ما عندك فقلت خير يأمير المؤمنين فتح الله الإسكندرية فخرج معي إلى المسجد فقال للمؤذن أذن في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس ثم قال لي قم فأخبر أصحابك فقمت فأخبرتهم ثم صلى ودخل منزله واستقبل القبلة فدعا بدعوات ثم جلس فقال يا جارية هل من طعام فأتت بخبز وزيت فقال كل فأكلت على حياء ثم قال كل فإن المسافر يحب الطعام فلو كنت آكلا لأكلت معك فأصبت على حياء ثم قال يا جارية هل من تمر فأتت بتمر في طبق فقال كل فأكلت على حياء ثم قال ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد قال قلت أمير المؤمنين قائل قال بئس ما قلت أو بئس ما ظننت لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية
ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أما بعد فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها أربعة آلاف منيه بأربعة آلاف حمام وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية وأربعمائة ملهى للملوك
وعن أبي قبيل أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها اثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر
وعن غيره انه كان فيما أحصى من الحمامات اثنا عشر ديماسا أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس كل مجلس منها يسع جماعة نفر

(4/31)


قال وترحل من الإسكندرية في الليلة التي دخلها عمرو بن العاص أو الليلة التي خافوا دخوله سبعون ألف يهودي وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال فلحق بأرض الروم أهل القوة وركبوا السفن وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار يحمل فيها ثلاثون ألفا بما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل وبقي من بقي ممن يؤدي الخراج فأحصوا يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان
واختلف الناس على عمرو في قسمهم وكان أكثرهم يريدون القسم فقال عمرو لا أقدر على ذلك حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إليه في ذلك فكتب إليه عمر رضي الله عنه لا تقسمها وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم
فأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج فكانت مصر صلحا كلها بفريضة دينارين دينارين على كل رجل لا يزاد على أحد منهم في جزية رأسه على دينارين غير أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم لأن الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد ولم يكن لهم صلح ولا ذمة
ويقال إن مصر كلها فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد
قال سفيان بن وهب الخولاني لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال اقسمها يا عمرو فقال لا أقسمها فقال الزبير والله لتقسمنها كما قسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خيبر فقال عمرو والله لا أقسمها حتى اكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إليه فأجابه أقرها حتى يغدو منها حبل الحبلة
وفي حديث آخر أن الزبير صولح على شيء أرضى به
وحدث أبو قنان عن أبيه انه سمع عمرو بن العاص يقول يعني بمصر لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد إن شئت قتلت وإن شئت حبست وإن شئت بعت
ويروى عن ربيعة نحو ما تقدم من فتح مصر بغير عهد وأن عمر بن الخطاب حبس درها وصرها أن يخرج منه شيء نظيرا للإسلام وأهله

(4/32)


وقال زيد بن أسلم كان لممر بن الخطاب رضي الله عنه تابوت فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد
ويروى أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال للقبط إن من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه قتلته فذكر لعمرو أن قبطيا من أهل الصعيد يقال له بطرس عنده كنز فأرسل إليه فسأله فأنكر فحبسه عمرو وسأل هل تسمعونه يسأل عن أحد قفالوا سمعناه يسأل عن راهب بالطور فأخذ خاتم بطرس وكتب على لسانه بالرومية إلى ذلك الراهب أن ابعث إلي بما عندك وختم بخاتمه فجاء الرسول من عند الراهب بقلة شامية مختومة بالرصاص فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها يا بني إن أردتم مالكم فافتحوا تحت الفسقية الكبيرة فأرسل عمرو إلى الفسقية فحبس عنها الماء وقلع البلاط الذي تحتها فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مضروبة فضرب عمرو رأس القبطي عند باب المسجد فأخرج القبط كنوزهم خشية أن يقتلوا
وروى يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطي كان يظهر الروم على عورات المسلمين ويكتب إليهم بذلك فاستخرج منه بضعة وخمسين أردبا دنانير
وقال ابن شهاب كان فتح مصر بعضها بعهد وذمة وبعضها عنوة فجعل عمر بن الخطاب جميعها ذمة وحملهم على ذلك فجرى ذلك فيهم إلى اليوم

(4/33)


وفي كتاب سيف عمن سمى من أشياخه في فتح مصر مساق آخر غير ما تقدم وذلك أن عمرو بن العاص خرج إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة يعني رجوعه من الشام فانتهى عمرو إلى باب مصر واتبعه الزبير فاجتمعا فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف في أهل النيات بعثهم المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم عمرو لا تعجلونا لنعذر إليكم وتروا رأيكم بعد فكفوا أصحابهم فأرسل إليهم عمرو إني بارز فليبرز لي أبو مريم وأبو مريام فأجابوه إلى ذلك وآمن بعضهم بعضا فقال لهما عمرو أنتما راهبا أهل هذه البلدة فاسمعا إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به وأمرنا به محمد وأدى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى {صلى الله عليه وسلم} وقد قضى الذي عليه وتركنا على الواضحة وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه قبلنا منه وكان مثلنا ومن لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم وأوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم وإن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمة ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا فإن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أوصى بالقبطيين خيرا لأن لهم رحما وذمة يعني بالرحم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام منهم فقالا قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء واتباع الأنبياء وذكرا أن هاجر معروفة عندهم شريفة
قالا كانت ابنة ملكنا وكان من أهل منف والملك فيهم فأذيل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام
مرحبا بكم وأهلا أمنا حتى نرجع إليك
فقال عمرو إن مثلي لا يخدع ولكنني أأجلكما ثلاثا ولتناظرا قومكما وإلا ناجرناكم

(4/34)


قالا زدنا فزادهم يوما فقالا زدنا فزادهم يوما فرجعوا إلى المقوقس فهم يعني بالإنابة إلى الجزية فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم فقالا لأهل مصر أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم لا نرجع إليهم وقد بقيت أربعة أيام فلا تصابون فيها بشيء إلا رجونا أن يكون له أمان فلم يفجأ عمرا والزبير إلا البيات من فرقب وعمرو والزبير بعين شمس وبها جمعهم وبعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح فنزل عليها وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فنزل عليها فقال كل واحد منهما لأهل مدينته إن شئتم أن تنزلوا فلكم الأمان فقالوا نعم فراسلوهم وتربصوا بهم أهل عين شمس وسبي المسلمون من بين ذلك
وقال عوف بن مالك ما أحسن مدينتكم يا أهل الإسكندرية فقالوا إن الإسكندر قال إني أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية فبقيت بهجتها
وقال أبرهة لأهل الفرما ما أخلق مدينتكم يا أهل الفرما قالوا إن الفرما قال إني أبني مدينة عن الله غنية وإلى الناس فقيرة فذهبت بهجتها
قال الكلبي كان الإسكندر والفرما أخوين ثم حدث بمثل ذلك قال فنسبتا إليهما فالفرفا يتهدم كل يوم فيها شيء وأخلقت مرآتها وبقيت جدة الإسكندرية
قالوا ولما نزل عمرو على القوم بعين شمس وكان الملك بين القبط والنوب ونزل معه الزبير عليها قال أهل مصر لملكهم ما تريد إلى قوم فلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم صالح القوم واعتقد منهم ولا تعرضنا لهم
وذلك في اليوم الرابع فأبى وناهدوهم فقاتلوهم وارتقى الزبير سورها فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين فقبل منهم ونزل الزبير عليهم عنوة حتى خرج على عمرو من الباب معهم فاعتقدوا بعدما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما اخذوا عنوة مجرى ما صالحوا عليه فصاروا ذمة
وكان صلحهم
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبحرهم وبرهم لا يدخل عليهم في شيء من ذلك ولا ينتقض ولا يساكنهم النوب

(4/35)


وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف
وعليهم ما جني لصوصهم فإن أبى أحد أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم وذمتنا ممن أبا بريئة
وإذا نقص نهرهم من عادته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم ومن أبى فاختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث يريد من السنة جباية ثلث ما عليهم لهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله {صلى الله عليه وسلم} وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين
وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا معونة على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة
شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابنا عمرو وكتب وردان وحضر فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح
فمصر عمرو الفسطاط ونزله المسلمون وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلموا عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة فقال عمرو أولهم عهد وعقد ألم تحالفكما ويغر علينا من يومكما فطردهما فرجعا وهما يقولان كل شيء أصبتموه إلى أن نرجع إليكم ففي ذمة فقال لهما عمرو يغيرون علينا وهم في ذمة قالا نعم وقسم عمرو ذلك السبي على الناس وتوزعوه ووقع في بلاد العرب وقدم البشير إلى عمر بعد بالأخماس وقدم الوفود فسألهم عمر فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه فقال عمر ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون من قاتلكم فلا أمان له ومن لم يقاتلكم وأصابه منكم سبي من أهل القرى في الأيام الخمسة فله الأمان وكتب بذلك إلى عمرو بن العاص فجعل يجاء بهم من اليمن ومكة حتى ردوا

(4/36)


وعن عمرو بن شعيب قال لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس واقتتلت خيلاهما جعل المسلمون يجولون بعد البعد فزمرهم عمرو فقال رجل من أهل اليمن إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد فأسكته عمرو ثم لما تمادى ذلك نادى عمرو أين أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحضر من شهدها منهم فقال تقدموا فبكم ينصر المسلمون فتقدموا وفيهم يومئذ أبو بردة وأبو برزة وناهدهم الناس يتبعون الصحابة ففتح الله على المسلمين وظفروا أحسن الظفر وافتتحت مصر وقام فيها ملك الإسلام على رجل وجعل يفيض على الأمم والملوك
وعن محمد بن إسحاق عن رجل من أهل مصر اسمه القاسم بن قزمان أن زياد بن جزء الزبيدي حدثه وكان في جند عمرو بن العاص قال افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر فلما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية قرية قرية حتى انتهينا إلى بلهيت وقد بلغت سبايانا مكة
والمدينة واليمن فلما انتهينا إلى بلهيت أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو ابن العاص إني قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم يا معشر العرب لفارس والروم فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم من سبايا أرضي فعلت فبعث إليه عمرو إن ورائي أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه بالذي عرضت علي فإن قبل ذلك منك قبلت وإن أمرني بغير ذلك مضيت لأمره قال فقال نعم فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية قال وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به ثم وقفنا ببلهيب وفي أيدينا بقايا من سبيهم وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءه وقرأه علينا عمرو وفيه

(4/37)


أما بعد فإنه جاء في كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض عليك ان يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبايا أرضه ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيء يقسم ثم كأنه لم يكن فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل ذمته فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب وبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم ولا نحب أن نصالحه على أمر لانفي له به
قال فبعث عمرو بن العاص إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين فقال قد فعلت فجمعنا ما في أيدينا من السبايا واجتمعت النصارى فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ثم نخيره بين الإسلام وبين
النصرانية فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة لهي أشد من تكبيرتنا حين تقتحم القرية ثم نجوزه إلينا وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى وحازوه إليهم ووضعنا عليه الجزية وجزعنا من ذلك جزعا شديدا حتى كأنه رجل خرج منا إليهم فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم
وفيمن أتينا به أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن قال القاسم وقد أدركته وهو عريف بني زبيد قال ابن جزء الزبيدي فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية وأبوه وأمه وأخوته في النصارى فاختار الإسلام فحزناه إلينا ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا عليه حتى شققوا ثيابه ثم هو اليوم عريفنا كما ترى
ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها فمن زعم غير ذلك أن الإسكندرية وما حولها من القرى لم تكن لها جزية ولا لأهلها عهد فقد كذب
قال القاسم إنما أهاج هذا الحديث أن ملوك بني أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أنها إنما دخلت عنوة وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا ونضع ما شئنا وقد تقدم بعض ما وقع في هذا المعنى من الاختلاف

(4/38)


وكذلك اختلفوا في وقت فتح مصر فذكر ابن إسحاق أنها فتحت سنة عشرين وكذلك قال أبو معشر والواقدي
وقد روى عن أبي معشر أن الإسكندرية فتحت سنة خمس وعشرين ولعل ذلك فتحها الأخير إذ قد تقدم ذكر انتقاضها مرتين
وأما سيف فزعم أن مصر والإسكندرية فتحتا في سنة ست عشرة قال ولما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة وضع عمر رحمه الله مسالح مصر على السواحل وغيرها وكان داعية ذلك أن هرقل أغزى مصر والشام في
وقال سعيد بن عفير وغيره لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التي حول الفسطاط فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون مكانها حتى أتاهم رجل فذكرها لهم فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفي فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا فهموا بالإنصراف فقالوا لا تعجلوا سيروا فإن كان كذبا فما أقدركم على ما أردتم فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم فهجموا عليها فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم قال ويقال بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي وهو صاحب الأشقر ينفض المجابة على فرسه ولا علم له بما خلفها من الفيوم فهجم على الفيوم فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره
وقيل غير ذلك في وجه الإنتهاء إلى الفيوم مما لا كبير فائدة في ذكر ه والله تعالى اعلم
وعن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها هم بسكناها وقال مساكن قد كفينا بناءها فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في ذلك فسأل عمر الرسول هل يحول بيني وبين المسلمين ماء قال نعم إذا جرى النيل فكتب إلى عمرو
إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بيني وبينهم لا في شتاء ولا في صيف
فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط وإن ناسا من المسلمين حين

(4/39)


افتتحوا مصر مع عمرو بن العاص اختطوا بالجيزة وسكنوا بها فكتب عمرو بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر يقول ما كنت أحب أن ينزلوا منزلا يكون الماء دونهم فإذا فعلوا فابن عليهم حصنا فبني الحصن الذي خلف الجسرين
وبنى عمرو بن العاص المسجد وكان ما حوله حدائق وأعنابا فنصبوا الحبال حتى استقام لهم ووضعوا أيديهم فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة وضعها هو ومن حضر معه من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واتخذ فيه منبرا فكتب إليه عمر بن الخطاب
أما بعد فإنه بلغني انك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين أو ما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك فعزمت عليك لما كسرته
ولما اختط الناس المنازل بالفسطاط كتب عمرو بن العاص إلى عمر رضي الله عنه
إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع
فكتب إليه عمر
أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين وذكر الطبري أن القبط حضروا باب عمرو فبلغه أنهم يقولون ما أرث العرب وأهون أنفسهم وما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يستثيرهم ذلك فأمر بجزر فنحرت فبطحت في الماء والملح وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا هم وأصحابهم وجلس وأذن لأهل مصر وجيء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين فأكلوا أكلا عربيا انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعا وجرأة وتقدم إلى أمراء الأجناد في الحضور بأصحابهم من الغد وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا وأذن لأهل مصر فرأوا غير ما رأوا بالأمس وقام عليهم القوم بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر ونحوا نحوهم

(4/40)


فافترقوا وقد ارتابوا وبعث إليهم أن يتسلحوا غدا للعرض وغدا على العرض وأذن لأهل مصر فعرضهم عليهم ثم قال اني قد علمت أنكم أريتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريكم حالهم كيف كانت في أرضهم ثم حالهم في أرضكم ثم حالهم في الحرب فظفروا بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش اليوم الأول فتفرقوا وهم يقولون لقد رمتكم العرب برجلهم
وبلغ عمر رحمه الله ذلك فقال لجلسائه يعني عمرا والله إن حربه للينة مالها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره إن عمرا لعض ثم أمره عليها وأقام بها
وذكر ابن عبد الحكم أن عمر رضي الله عنه كتب أن يختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضا ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين في لبوسهم
قال ثم إن عمر بن الخطاب أمر أمراء الأجناد أن يتقدموا إلى الرعية بان عطاءهم قائم وأرزاق عيالهم جارية فلا يزرعون يعني الأجناد ولايزارعون
فأتى شريك بن سمي الغطيفي إلى عمرو بن العاص فقال إنكم لا تعطوننا ما يحسبنا أفتأذن لي بالزرع فقال له عمرو ما أقدر على ذلك فزرع شريك بغير إذنه فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب فأمره أن يبعث إليه

(4/41)


شريكا فأقرأ عمرو شريكا الكتاب فقال له شريك قتلتني يا عمرو قال ما أنا قتلتك قال أنت صنعت هذا بنفسك قال فإذا كان هذا من رأيك فأذن لي في الخروج إليه من غير كتاب ولك علي عهد الله أن أجعل يدي في يده فأذن له فلما وقف على عمر قال تؤمنني يا أمير المؤمنين قال ومن أي الأجناد أنت قال من جند مصر قال فلعلك شريك بن سمي الغطيفي قال نعم يا أمير المؤمنين قال لأجعلنك نكالا لمن خلفك قال أو تقبل مني ما قبل الله من العباد قال وتفعل قال نعم فكتب إلى عمرو بن العاص إن شريك بن سمي جاءني تائبا فقبلت منه
وعن الليث بن سعد قال سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار فعجب عمرو من ذلك وقال أكتب في ذلك أمير المؤمنين فأجابه عمر عن كتابه إليه في ذلك سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها فسأله عمرو فقال إنا لنجد صفتها في الكتب إن فيها غراس الجنة فكتب بذلك إلى عمر فأجابه إنا لانعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولاتبعه بشيء فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له عامر فقيل عمرت
قالوا ولما استقامت البلاد وفتح الله على المسلمين فرض عمرو بن العاص لرباط الإسكندرية ربع الناس يقيمون ستة أشهر ثم يعقب بعدهم ربعا آخر ستة اشهر وربعا في السواحل والنصف الثاني مقيمون معه
وقيل كان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من اهل المدينة ترابط بالإسكندرية وكانت الولاة لا تغفلها ويكثفون رابطتها ولا يأمنون الروم عليها
وكتب عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو خليفة إلى عبد الله بن سعد ابن أبي سرح بعد أن استعمله على مصر
قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية وقد نقضت مرتين فألزم الإسكندرية رابطتها واجر عليهم أرزاقهم وأعقب بينهم في كل ستة أشهر

(4/42)


وكان عمرو بن العاص يقول ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة وقال نيل مصر سيد الأنهار سخر الله له كل نهر من المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها وفجر له الأرض عيونا فإذا انتهت جريته إلى ما أراد سبحانه أوحى إلى كل ماء ان يرجع إلى عنصره
ولما فتح عمرو مصر أتاه أهلها حين دخل بؤنة من أشهر العجم فقالوا له أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال وما ذاك قالوا إنه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عهدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النهر فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا ذلك الشهر والشهرين اللذين بعده لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب به إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر رضي الله عنه
قد أصبت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل
فلما قدم الكتاب على عمرو وفتح البطاقة فإذا فيها
من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن
كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك
قألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله عز وجل ستة عشر ذراعا في ليلة وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر
ذكر فتح أنطابلس

(4/43)


قال ابن عبد الحكم كان البربر بفلسطين يعني زمان داود عليه السلام فخرجوا منها متوجهين إلى الغرب حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من ماء السماء ولا ينالهما النيل فتفرقوا هنالك فتقدمت زناته ومغيلة إلى الغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواته فسكنت أرض أنطابلس وهي برقة وتفرقت في هذا الغرب وانتشروا فيه حتى بلغوا السوس ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة مدينة صبرة وجلا من كان فيها من الروم من أجل ذلك وأقام الأفارق وكانوا خدما للروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم وهم بنو أفارق بن قيصر بن حام
فسار عمرو بن العاص في الخيل حتى قدم برقة فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أبنائهم في جزيتهم ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج وإنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها
ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة قال الطبري فافتتحها بصلح وسار مابين برقة وزويلة سلما للمسلمين وقال أبو العالية الحضرمي سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول لأهل أنطابلس عهد يوفي لهم به
ذكر فتح أنطابلس
قال ابن عبد الحكم كان البربر بفلسطين يعني زمان داود عليه السلام فخرجوا منها متوجهين إلى الغرب حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من ماء السماء ولا ينالهما النيل فتفرقوا هنالك فتقدمت زناته ومغيلة إلى الغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواته فسكنت أرض أنطابلس وهي برقة وتفرقت في هذا الغرب وانتشروا فيه حتى بلغوا السوس ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة مدينة صبرة وجلا من كان فيها من الروم من أجل ذلك وأقام الأفارق وكانوا خدما للروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم وهم بنو أفارق بن قيصر بن حام

(4/44)


فسار عمرو بن العاص في الخيل حتى قدم برقة فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أبنائهم في جزيتهم ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج وإنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها
ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة قال الطبري فافتتحها بصلح وسار مابين برقة وزويلة سلما للمسلمين وقال أبو العالية الحضرمي سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول لأهل أنطابلس عهد يوفي لهم به
فتح أطرابلس
قال ابن عبد الحكم ثم سار عمرو حتى نزل أطرابلس في سنة اثنتين وعشرين فنزل القبة التي على الشرف من شرقيها فحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شيء فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا في سبعة نفر فمضوا غربي المدينة حتى أمعنوا عن العسكر ثم رجعوا فأصابهم الحر فاخذوا على ضفة البحر وكان البحر لاصقا بسور المدينة ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور وكانت سفن الروم شارعة في مرساها إلى بيوتهم فنظر المدلجي وأصحابه فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي حسر عنه البحر فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة وكبروا فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم وأبصر عمرو وأصحابه السلمة في جوف المدينة فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم فلم يفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم وغنم عمرو ما كان في المدينة
وكان من بصبرة متحصنين وهي المدينة العظمى وسوقها السوق القديم فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وانه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا
فلما ظفر عمرو بمدينة أطرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته وأمرهم بسرعة السير فصبحت خيله مدينة صبرة وهم غافلون وقد فتحوا أبوابها لتسرح
ماشيتهم فدخلوها فلم ينج منهم أحد واحتوى أصحاب عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو

(4/45)


قال ثم أراد عمرو أن يوجه إلى المغرب فكتب إلى عمر بن الخطاب إن الله عز وجل قد فتح علينا أطرابلس وليس بينها وبين أفريقية إلا تسعة أيام فإن رأى أمير المؤمنين أن نغزوها ويفتحها الله على يديه فعل
فكتب إليه عمر
لا إنها ليست بإفريقية ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت
قال وأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس يذكر له أن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه وكان عمرو قد عاهد المقوقس على أن لا يكتمه أمرا يحدث فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه
قال وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون يعني من أطراف إفريقية
ذكر انتقاض الإسكندرية في خلافة عثمان رضي الله عنه
قال عبد الرحمن بن عبد الحكم وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر وولى عبد الله بن سعد وقد كانت الإسكندرية انتقضت وجاءت الروم عليهم منويل الخصي في المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية فأجابهم من بها من الروم ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث فلما نزلت الروم بالإسكندرية سأل أهل مصر عثمان رضي الله عنه أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم فإن له معرفة في الحرب وهيبة في العدو ففعل

(4/46)


فخرج إليهم عمرو في البر والبحر وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط فأما الروم فلم يطعه منهم أحد فقال خارجه بن حذافة لعمرو ناهضهم قبل أن يكثر مددهم ولا آمن أن تنتقض مصر كلها قال عمرو لا ولكن دعهم حتى يسيروا إلي فإنهم يصيبون من مروا به فيجزي الله بعضهم ببعض فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها ويأكلون أطعمتها وينتهبون ما مروا به فلم يعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس فلقوهم في البر والبحر فبدأت الروم والقبط فرموا بالنشاب في الماء رميا شديدا حتى أصاب النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته وهو في البر فعقر فنزل عنه ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين في البر فنضحوا المسلمين بالنشاب فاستأخر المسلمين عنهم شيئا وحملوا حملة ولى
المسلمون منها وانهزم شريك بن سمي في خيله
وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب فدعا إلى البراز فبرز إليه رجل من زبيد يقال له حومل ويكنى أبا مذحج فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه وكان يعرف بالنجدة وجعل عمرو يصيح أبا مذحج فيجيبه لبيك والناس على شاطيء النيل في البر على تعبئتهم وصفوفهم فتجاولا ساعة بالسيفين ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا ويخترط حومل خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه فيضرب به نحر العلج أو ترقوته فأثبته ووقع عليه فأخذ سلبه ثم مات حومل بعد ذلك بأيام رحمة الله عليه فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم
قال ثم شد المسلمون عليهم فكانت هزيمتهم وطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية ففتح الله عليه وقتل منويل الخصي

(4/47)


قال الهيثم بن زياد وقتلهم عمرو بن العاص حتى أمعن في مدينتهم فكلم في ذلك فأمر برفع السيف عنهم وبني في ذلك الموضع مسجد وهو الذي يقال له بالإسكندرية مسجد الرحمة سمي بذلك لرفع عمرو السيف هنالك
وكان عمرو حلف لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها حتى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان فلما أظفره الله هدم سورها كله
وجمع عمرو ما أصاب منهم فجاءه من أهل تلك القرى من لم يكن نقض فقالوا قد كنا على صلحنا ومر علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابنا وهو قائم في يديك فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة
وقال بعضهم لعمرو ما حل لك ما صنعت بنا وكان لنا عليك أن تقاتل عنا لأنا في ذمتك ولم ننقض فأما من نقض فأبعده الله فندم عمرو وقال
ياليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية
وكان سبب نقض الإسكندرية فيما ذكر ابن عبد الحكم أن صاحب اخناء قدم على عمرو بن العاص فقال أخبرنا ما علينا من الجزية فنصبر لها فقال له عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم فغضب صاحب اخناء فخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله وأسر ذلك النبطي فأتى به إلى عمرو فقال له الناس اقتله فقال لا بل انطلق فجئنا بجيش آخر
وقيل إنه لما أتى به سوره وتوجه وكساه برنسين أرجوان وقال له ايتنا بمثل هؤلاء فرضي بأداء الجزية
فقيل له لو أتيت ملك الروم فقال لو أتيته لقتلني وقال قتلت أصحابي

(4/48)


وذكر ابن عبد الحكم أيضا أن الروم مشت إلى قسطنطين بن هرقل في سنة خمس وثلاثين فقالوا تترك الإسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى فقال ما أصنع بكم وما تقدرون أن تتماسكوا ساعة إذا لقيتم العرب قالوا فاخرج على أن نموت فتبايعوا على ذلك وخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية فبعث الله عليهم ريحا عاتية فأغرقتهم إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بصقلية فسألوه عن أمره فأخبرهم فقالوا شأمت النصرانية وأفنيت رجالها فلو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم ثم صنعوا له الحمام ودخلوا عليه ليقتلوه فقال ويلكم تذهب رجالكم وتقتلون ملككم قالوا كأنه غرق معهم ثم قتلوه وخلوا من كان معه في المركب
ذكر غزو أفريقية وفتحها
قال ابن عبد الحكم ولما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وأمر عبد الله بن سعدبن أبي سرح كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل كما كانوا يفعلون في إمرة عمرو بن العاص فيصيبون من أطراف أفريقية ويغنمون فكتب عبد الله بن سعد في ذلك إلى عثمان وأخبره بقربها من حوز المسلمين واستأذنه في غزوها فندب عثمان الناس إلى ذلك بعد المشورة فيه فلما اجتمع الناس أمر عليهم الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا مصر على عبد الله ابن سعد فيكون إليه الأمر فخرج عبد الله إليها وكان عليها ملك يقال له جرجير كان هرقل استخلفه فخلعه وكان سلطانه ما بين اطرابلس إلى طنجة ومستقر سلطانه يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة فلقي عبد الله جرجير فقاتله فقتله الله وولي قتله عبد الله بن الزبير فيما يزعمون وهرب جيش جرجير فبعث عبد الله السرايا وفرقها فأصابوا غنائم كثيرة فلما رأى ذلك رؤساء أهل أفريقية سألوه أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر ولم يول على أفريقية أحدا ولا اتخذ بها قيروانا

(4/49)


ويروى أن جرجيرا لما نازله المسلمون القتال أبرز ابنته وكانت من أجمل النساء فقال من يقتل عبد الله بن سعد وله نصف ملكي وأزوجه ابنتي فبلغ ذلك عبد الله فقال أنا أصدق من العلج وأوفي بالعهد من يقتل جرجيرا فله ابنته فقتله عبد الله بن الزبير فدفع إليه عبد الله ابنته
وذكر ابن عبد الحكم عن أبيه وابن عفير أن ابنة جرجير صارت لرجل من الأنصار في سهمه فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له فجعل يرتجز
يا ابنة جرجير تمشي عقبتك
إن عليك بالحجاز ربتك
لتحملن من قباء قربتك
الرجز
فقالت ما تقول وسبته فأخبرت بذلك فألقت بنفسها عن البعير الذي كانت عليه فاندقت عنقها فماتت فالله أعلم أي ذلك كان
وكانت غنائم المسلمين يومئذ أنه بلغ سهم الفارس بعد إخراج الخمس ثلاثة آلاف دينار للفرس ألفا دينار ولفارسه ألف دينار وللراجل ألف وقسم لرجل من الجيش توفي بذات الحمام فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار
وكان جيش عبد الله بن سعد ذلك الذي وقع له القسم عشرين ألفا
وبعث عبد الله بالفتح إلى عثمان رضي الله عنه عقبة بن نافع ويقال بل عبد الله بن الزبير وهو أصح
وسار زعموا عبد الله بن الزبير على راحلته من أفريقية إلى المدينة عشرين ليلة ولما دخل على عثمان أخبره بلقائهم العدو وبما كان في تلك الغزوة فاعجب عثمان فقال له هل تستطيع أن تخبر الناس بهذا قال نعم فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم قال اقصص عليهم ما أخبرتني به فتلكأ عبد الله بدأ ثم تكلم بكلام أعجبهم
ويروى عن ابن شهاب أن عثمان لما قال لابن الزبير أتكلم الناس بهذا قال نعم يا أمير المؤمنين أنا أهيب لك مني لهم فأمر عثمان فجمع الناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وكان أكره شيء إليه الخطب وأحب
الأشياء إليه ما كفي ثم قال أيها الناس إن الله قد فتح عليكم أفريقية وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم بخبرها إن شاء الله ثم جلس على المنبر

(4/50)


وقام ابن الزبير إلى جانب المنبر وكان أول من قام إلى جانبه فقال
الحمد لله الذي ألف بيننا بعد الفرقة وجعلنا متحابين بعد البغضة والحمد لله الذي لا تجحد نعماؤه ولا يزول ملكه له الحمد كما حمد نفسه وكما هو أهله ابتعث محمدا {صلى الله عليه وسلم} فاختاره بعلمه وائتمنه على وحيه فاختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه فآمنوا به وعزروه ووقروه ونصروه وجاهدوا في الله حق جهاده فاستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح والبيع الرابح وبقي منهم من بقي لا يأخذهم في الله لومة لائم
أيها الناس رحمكم الله إنا خرجنا للوجه الذي قد علمتم فكنا مع خير وال ولي فحمد وقسم فعدل لم يفقد من بر أمير المؤمنين شيئا كان يسير بنا البردين يخفض بنا في الظهائر ويتخذ الليل حملا يعجل الترحل من المنزل الفقير ويطيل اللباث في المنزل المخصب الرحب فلم نزل على أحسن حالة يتعرفها قوم من ربهم حتى انتهى إلى أفريقية فنزل منها بحيث يسمع صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح فأقام أياما يجم كراعه ويصلح سلاحه ثم دعاهم إلى الإسلام والدخول فيه فبعدوا منه وسألهم الجزية عن صغار والصلح فكانت هذه أبعد فأقام فيها ثلاث عشرة ليلة يتأتى بهم وتختلف رسله إليهم فلما يئس منهم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر النبي {صلى الله عليه وسلم} وأكثر الصلاة عليه ثم ذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ثم نهد لعدوه فقاتلهم أشد القتال يومه ذلك وصبر الفريقان جميعا وكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة واستشهد الله رجالا من المسلمين فبتنا وباتوا للمسلمين بالقرآن دوي كدوي النحل وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس وزحف بعضنا إلى بعض فأفرغ

(4/51)


الله علينا الصبر ثم أنزل علينا النصر ففتحناها من آخر النهار فأصبنا غنائم كثيرة فبلغ فيها الخمس خمسمائة ألف دينار وتركت المسلمين قد قرت أعينهم وقد أغناهم النفل ووسعهم الحق وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين أبشره وإياهم بما فتح الله من البلاد وأذل من المشركين فأحمد الله على آلائه وما أحل بأعدائه من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين
ثم صمت ونهض إليه الزبير فقبل بين عينيه وقال يا بني إذا نكحت المرأة فانكحها على شبه أبيها أو أخيها تأتك بأحدهما والله ما زلت تنطق بلسان أبي بكر الصديق حتى صمت
ويروى عن الزبير لما أمر عثمان رحمه الله ابنه عبد الله بالقيام ليخبر الناس بما شهد من فتح أفريقية أنه قال وجدت في نفسي على عثمان وقلت يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذي يحق عليه والذي يجمل به فقام فتكلم فأبلغ وأصاب فما فرغ حتى ملأهم عجبا
وفي كتاب سيف أن عثمان لما وجه عبد الله بن سعد إلى أفريقية قال له إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله عليك خمس الخمس فلما انتهى إلى أفريقية فيمن معه لقيهم صاحبها فقاتلهم فقتله الله قتله عبد الله بن سعد وفتح الله أفريقية سهلها وجبلها واجتمعوا على الإسلام وحسنت طاعتهم وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم بعد أن أخرج الخمس فعزل منه لنفسه خمسه وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان وضرب فسطاطا في موضع القيروان ووفد وفد إلى عثمان فشكوه فيما أخذ من الخمس فقال عثمان أنا نفلته
وإنما النفل تبصرة وتدريب للرجال ثم كتب إلى عبد الله بن سعد باستصلاحهم
قال وكان عثمان قد أرسل معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله ابن نافع بن الحصين الفهريين وأمرهما بالمسير إلى الأندلس فيمن ندبه معهما من الرجال وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب أفريقية وبعد ذلك يسيران الى الأندلس فلما كان الاستيلاء على صاحب أفريقية سارا من فورهما إلى الأندلس وأتياها من قبل البحر

(4/52)


وكان عثمان رحمه الله تعالى قد كتب إلى من انتدب إلى الأندلس
أما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس وإنكم إن لم تفتحوها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام
وقال كعب يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة
ذكر صلح النوبة
قال ابن عبد الحكم ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الأساود وهم النوبة سنة إحدى وثلاثين فقاتلته النوبة قتالا شديدا وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وأبي شمر بن أبرهة وحيويل بن ناشرة فيومئذ سموا رماة الحدق فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم وفي ذلك اليوم يقول بعض من حضره
لم تر عيني مثل يوم دمقله
والخيل تغدو بالدروع مثقلة
الرجز
قال وكان الذي صولح عليه النوبة فيما ذكر بعض مشايخ المصريين ثلاثمائة رأس وستين رأسا في كل سنة ويقال بل على أربعمائة في كل سنة منها لفيء المسلمين ثلاثمائة وستون ولوالي البلد أربعون منها فيما زعم بعض المشايخ سبعة عشر مرضعا
ثم انصرف عبد الله بن سعد عنهم
قال وذكر بعض المتقدمين أنه وقف بالفسطاط في بعض الدواوين يعني على عهد لهم قرأه قبل أن يحرق فإذا هو يحفظ منه
إنا عاهدناكم وعاقدناكم أن توفونا في كل سنة ثلاثمائة رأس وستين رأسا وتدخلون بلادنا مجتازين غير مقيمين وكذلك ندخل بلادكم على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة وإن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة وعليكم رد أباق المسلمين ومن لجأ إليكم من أهل الذمة
وقال يزيد بن أبي حبيب وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق وإنما هي هدنة أمان بعضنا من بعض
قال ابن لهيعة وأبو حبيب والد يزيد واسمه سويد منهم

(4/53)


وقال الليث بن سعد وذكر له قول مالك بن أنس لا يشتري رقيق النوبة ولا يباعون فقال الليث لا علم لمالك بهذا نحن أعلم به منه إنما صولحوا على أن نكف عنهم حربنا فقط وعلى أنهم يعطونا منهم رقيقا في كل سنة وعلى أنا لا نمنع غزو غيرنا فبذلك نشتريهم إنما علينا الوفاء بأن لا نحاربهم فقط
قال ابن عبد الحكم ولم أر أحدا من أصحاب مالك يقول بقوله في النوبة وكلهم كان يشتريهم
قال واجتمعت لعبد الله بن سعد البجة في انصرافه من بلاد النوبة على شاطى ء النيل فسأل عنهم فأخبر بشأنهم فهان عليه أمرهم فنفذ وتركهم ولم يكن لهم عقد ولا صلح وأول من صالحهم عبيد الله بن أبي الحبحاب
ذكر البحر والغزو فيه
ذكر الطبري عن سيف عن أشياخه قالوا ألح معاوية على عمر بن الخطاب في غزو البحر وقرب الروم من حمص وقال إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر أحب أن يزود عنه فكتب إلى عمرو بن العاص صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وإني أشتهي خلافها فكتب إليه عمرو بن العاص إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير إن سكن خوف القلوب وإن تحرك راع العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق
فلما جاءه كتاب عمرو كتب إلى معاوية
لا والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا لا أحمل فيه مسلما أبدا
وفي رواية أنه كتب إليه
إنا قد سمعنا أن بحر الشام يشرف على أطول شيء في الأرض يستأذن الله في كل يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب والله لمسلم واحد أحب إلي مما حوت الروم فإياك أن تتعرض لي وقد تقدمت إليك
فلما ولي عثمان بن عفان لم يزل به معاوية حتى عزم على ذلك وقال له لا
تنتخب الناس ولا تقرع بينهم خيرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه

(4/54)


ففعل ذلك معاوية واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بني فزارة فغزا خمسين غزاة من بين صائفة وشاتية في البر والبحر ولم يغرق معه أحد في البحر ولانكب وكان يدعوا الله أن يرزقه العافية في جنده ولا يبتليه بمصاب أحد منهم ففعل الله ذلك له حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده خرج في قارب طليعة فانتهى إلى البر من أرض الروم وعليه سؤال يعبرون ذلك المكان فتصدق عليهم فرجعت امرأة من السؤال إلى قريتها فقالت للرجال هل لكم في عبد الله بن قيس قالوا وأين هو قالت في المرفأ قالوا أي عدوة الله ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس فوبختهم وقالت أنتم أعجز مني أو يخفى عبد الله على أحد فبادروا فهجموا عليه فقاتلوه وقاتلهم فأصيب وحده وأفلت الملاح حتى أتى أصحابه فجاءوا حتى أرفوا والخليفة فيهم سفيان بن عوف الأودي فخرج فقاتلهم فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم فقالت جارية عبد الله واعبد الله ما هكذا كان يقول حين يقاتل فقال سفيان وكيف كان يقول قالت الغمرات ثم ينجلين فجعل سفيان يقول ذلك وترك ما كان يقول وأصيب في المسلمين يومئذ وقيل لتلك المرأة بأي شيء عرفته فقالت بصدقته أعطى كما يعطي الملوك ولم يقبض قبض التجار
غزو معاوية بن أبي سفيان قبرس
وغزا معاوية بن أبي سفيان قبرس سنة ثمان وعشرين فيما ذكر الواقدي
قال وهو أول من غزا الروم وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد ابن أبي سرح حتى لقوا معاوية فكان على الناس
قال ابن عفير ومع معاوية امرأته فاخته بنت قرظه وكان معه أيضا في غزاته أبو الدرداء وشداد بن أوس وأبو ذر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عدة من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأم حرام الأنصارية فتوفيت هناك فقبرها يستسقي به أهل قبرس ويسمونه قبر المرأة الصالحة

(4/55)


وأم حرام هذه هي خالة أنس بن مالك رضي الله عنه وحديثها مشهور في نوم النبي ص في بيتها ثم استيقظ وهو يضحك فسألته ما يضحكه فقال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة فقالت يارسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك فسألته فقال ناس من أمتي عرضوا علي مثل مقالته الأولى فقالت يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم قال أنت من الأولين فكانت هذه الغزوة هي التي عرضت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أولا وخرجت أم حرام فيها فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت
قال ابن عمير وذلك العام بالشام عام قبرس الأول
وقيل إن معاوية توجه إليها من حصن عكا في مائتي مركب قال وظفر معاوية في هذه الغزاة وأخذ من الأموال والحلي ما لا يحصى
وقال جبير بن نفير لما سبيناهم يعني أهل قبرس نظرت إلى أبي الدرداء يبكي فقلت ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الكفر وأهله فضرب بيده على منكبي وقال ثكلتك أمك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى فسلط عليهم السباء وإذا سلط السباء على قوم فليس لله عز وجل بهم حاجة
وذكر الطبري أن معاوية لما غزا قبرس صالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين في كل سنة ويؤدون إلى الروم مثلها ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك على أن لا يغزوهم المسلمون ولا يقاتلوا هم من غزا من خلفهم يريد الخروج إلى أرض المسلمين وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم
وذكر الواقدي أيضا مصالحة معاوية أهل قبرس في ولاية عثمان رحمه الله وإن في العهد الذي بيننا وبينهم ألا يتزوجوا في عدونا من الروم إلا بإذننا

(4/56)


قال وفي هذه السنة يعني سنة ثمان وعشرين غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم
غزوة ذات الصواري
ذكر الواقدي أن أهل الشام خرجوا وعليهم معاوية بن أبي سفيان وعلى أهل البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بأفريقية فخرجوا في جمع لم ير الروم مثله قط منذ كان الإسلام فخرجوا في خمسمائة مركب فالتقوا هم وعبد الله بن سعد فأمن بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك
قال مالك بن أوس بن الحدثان كنت معهم فالتقينا في البحر فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط وكانت الريح علينا فأرسينا ساعة وأرسوا قريبا منا وسكنت الريح عنا فقلنا الأمن بيننا وبينكم قالوا ذلك لكم منا ولنا منكم قلنا إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل وإن شئتم فالبحر فنخروا نخرة واحدة وقالوا الماء فدنونا منهم فربطنا السفن بعضها ببعض حتى كنا بحيث يضرب بعضنا بعضا فقاتلنا أشد القتال ووثب الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف ويتواجئون بالخناجر حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما
وقال بعض من حضر ذلك اليوم أيضا رأيت الساحل وإن عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال وإن الدم للغالب على الماء
ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير وقتل من الكفار ما لا يحصى وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن قط مثله ثم أنزل الله نصره على أهل
الإسلام وانهزم القسطنطين مدبرا وأصابته يومئذ جراحات مكث فيها حينا جريحا

(4/57)


وعن حنش الصنعاني قال ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين مع عبد الله بن سعد فلما بلغوا ذات الصواري لقوا جموع الروم في خمسمائة مركب أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل فقال أشيروا علي قالوا انتظر الليلة فباتوا يضربون بالنواقيس وبات المسلمون يصلون ويدعون الله ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين فقربوا سفنهم وقرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض وصف عبد الله المسلمين على نواحي السفن وأمرهم بقراءة القرآن وبالصبر ووثبت الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها واقتتلوا على غير صفوف قتالا شديدا ثم إن الله نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد وأقام عبد الله بذات الصواري أياما بعد هزيمة القوم ثم أقبل راجعا
وذكر ابن عبد الحكم أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصواري أنزل نصف الناس مع بسر بن أبي أرطاه سرية في البر فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله فقال ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل في ألف مركب فافعله الساعة
قال وإنما مراكب المسلمين مائتا مركب ونيف فقام فقال أشيروا علي فما كلمه رجل من المسلمين فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم ثم استشارهم فما كلمه أحد ثم فقال الثالثة إنه لم يبق شيء فأشيروا علي فقال رجل من أهل المدينة كان متطوعا أيها الأمير إن الله تعالى يقول كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 249 البقرة )
فقال عبد الله اركبوا باسم الله فركبوا وإنما في كل مركب نصف شحنته قد خرج النصف الآخر مع بسر في البر فلقوهم فاقتلوا بالنبل والنشاب وتأخر ابن هرقل لئلا تصيبه الهزيمة وجعل تختلف القوارب إليه بالأخبار فقال ما فعلوا
قالوا اقتتلوا بالنبل والنشاب قال غلبت الروم ثم أتوه فقال ما فعلوا قالوا قد نفدت النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة قال غلبت الروم ثم أتوه فقال ما فعلوا قالوا نفذت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف قال غلبت الروم

(4/58)


قال يزيد بن أبي حبيب وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدو فكاد مركب العدو يجر مركب عبد الله إليهم فقام علقمة بن يزيد العطيفي وكان في المركب مع عبد الله فضرب السلسلة بسيفه فقطعها فسأل عبد الله بعد ذلك امرأته بسيسة ابنة جمرة بن ليشرح بن عبد كلال وكانت معه يومئذ وكان الناس فيما خلا يغزون بنسائهم من رأيت أشد الناس قتالا قالت علقمة صاحب السلسلة وكان عبد الله حين خطبها إلى أبيها قال له إن علقمة قد خطبها وله علي فيها رأي فإن يتركها أفعل فكلم عبد الله علقمة فتركها فتزوجها عبد الله ثم هلك عنها فتزوجها بعده علقمة ثم هلك عنها فتزوجها كريب بن أبرهة
وقال محمد بن الربيع إنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة المراكب التي اجتمعت فيها ابن هرقل في ألف مركب والمسلمون في مائتي مركب ونيف فكثرت الصواري في البحر فسميت ذات الصواري
وفي بعض ما تقدم من الأخبار ما يقتضي أن ذات الصواري موضع يسمى هكذا فالله تعالى أعلم
ذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمرو وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبري عنه وعن غيره

(4/59)


ذكروا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا حض الله المسلمين على عهد نبيه {صلى الله عليه وسلم} على الاستقامة على الدين وندبهم إلى فارس ووعدهم فتقدم إليهم في ذلك من قبل غزوهم ليحثهم وليدربهم فبدأ بالردة فقال وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ( 144 آل عمران ) فسمي من ثبت على دينه بعد موت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الشاكرين ثم عاد في وصف من ناهض منهم أهل الردة والمنافقون حشر في المؤمنين وإنما يكلم الله عز وجل المؤمنين بما يعني به المنافقين فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منك عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ( 54 المائدة ) فسماهم أحباء وأثابهم حيث كانوا أذلة أرقة على المؤمنين أعزة أشدة على الكافرين يجاهدون يعني جهادا بعد جهادهم أهل الردة يقاتلون من بعدهم أهل فارس ولا يخافون تخويف من يخوفهم هذا فضل الله يخص به من يشاء والله واسع عليم عالم بهم فهم الشاكرون وهم الفاضلون وهم المقربون وهم أحباء الله

(4/60)


وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم الآيتين إلى قوله وكان الله على كل شيء قديرا ( 20 - 21 الفتح ) مغانم فتوحا من لدن خيبر تلونها وتضمون ما فيها فعجل لكم هذه أي عجل لكم من ذلك خيبر وكف أيدي الناس عنكم أيدي قريش بالصلح يوم الحديبية ولتكون آية للمؤمنين شاهدا على ما بعدها ودليلا على إنجازها وأخرى لم تقدروا عليها أي على علم وقتها أفيئها عليكم فارس والروم قد أحاط الله بها قضى الله بها أنها لكم منها الأيام والقوادس والواقوصة والمدائن الحمر بالشام ومصر والضواحي فاجتمعت هذه الصفات فيمن قاتل فارس والروم وسائر الأعاجم ذلك الزمان
ذكر سيف قال كان أول ملوك فارس قاتله المسلمون شيري بن كسرى وذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حيث فرغ من أهل الردة وأقامت جنود المسلمين في بلدان من ارتد كتب إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن ائذن للمسلمين في القفل إلا من أحب المقام معك ولا تكرهن أحدا على القيام ولاتستعن في شيء من حربك بمتكاره وادع من يليك من تميم وقيس وبكر إلى موتان اليمامة فإن موات ما أفاء الله على رسوله لله ولرسوله فمن أحيا شيئا من ذلك فهو له لا يدخل ذلك في شيء من موات كل بلد أسلم عليه أهله ففعل خالد فأنزل اليمامة من هؤلاء الأحياء من أقرن ببني حنيفة ولما أذن خالد في القفل قفل الناس أهل المدينة ومن حولها وسائر من كان معه من أهل القبائل وبقي خالد في ألفين من القبائل التي حول المدينة من مزينة وجهينة وأسلم غفار وضمرة وأناس من غوث طيء ونبذ من عبد القيس
ولما قفل من قفل وجه المثنى بن حارثة الشيباني ومذعور بن عدى العجلي

(4/61)


وحرملة بن مريطة وسلمى بن القين الحنظليين وهما من المهاجرين والمثنى ومذعور ممن وفد على النبي {صلى الله عليه وسلم} فقدموا على أبي بكر رحمه الله فقال له حرملة وسلمى إنا معاشر بني تميم وبكر بن وائل قد دربنا بقتال فارس وأشجيناهم حتى اتخذوا الخنادق وغبقوا المياه واتخذوا المسالح في القصور المشيدة وتحصنوا بها منا فأذن لنا في حربهم فأذن لهما فولاهما على من تابعهما واستعملهما على ما غلبا عليه وكانا أول من قدم أرض فارس لقتال أهل فارس وكانا من المهاجرين ومن صالحي الصحابة فنزلا أطد ونعمان والجعرانة في أربعة آلاف من تميم والرباب وكان بإزائهما النوشجان والفيرمان بالوركاء فزحفوا إليهما فغلبوهما على الوركاء وغلبا على هرمزجرد إلى فرات بادلقي
وذكر سيف من طريق آخر أن المثنى ومذعورا لما قدما على أبي بكر أستأذناه في غزو أهل فارس وقالا إنا وإخواننا من بني تميم قد دربنا بقتالهم وأخذنا النصف من أحد وثني كل موسم فأذن لهما وولاهما على من تابعهما واستعملهما على ما غلبا عليه فسارا فجمعا جموعهما ثم سارا بهم حتى قدما بلاد فارس وكانا اول من قدمها لقتالهم هما وحرملة وسلمى وقدم المثنى ومذعور في أربعة آلاف من بكر بن وائل وعنزة وضبيعة فنزل أحدهما بخفان ونزل الآخر بالمهارق وعلى فرج الفرس مما يليهما شهربراز بن بندا فنفياه وغلبا على فرات بادقلي إلى السيلحين واتصل ما غلبا عليه وما غلب عليه سلمى وحرملة وفي ذلك يقول مذعور بن عدي
غلبنا على خفان بندا وشيحة
إلى النخلات السحق فوق المهارق )
وإنا لنرجوا ان تجول خيولنا بشاطي الفرات بالسيوف البوارق
الطويل
وقال المثنى في ذلك
ألا أبلغا شهرا وشهر مهاجر بأنا سنلقاه على الحدثان
فنحن سللنا شيحة يوم بارق إلى شر دار تنتوي ومكان
الطويل
ويروي أن أبا بكر رحمه الله لما بلغه ما كان من فتح حرملة وسلمى ومثنى ومذعور ما بين السيلحين إلى أسفل الفرات تمثل بقول الآخر

(4/62)


ومتى تسلف في قبيل خطة تلق المنال مضاعفا أو موعبا
وإذا عقدت بحبل قوم مرة ذربوا عليك فلم تجد لك مقضبا
حيان لاخطما بحبل هضيمة أنفا الزمام فلم يقرا مركبا
الكامل
وحكى عمر بن شبة عن شيوخه من أهل الأخبار أن المثنى بن حارثة كان يغير على أهل فارس بالسواد فبلغ أبا بكر والمسلمين خبره فقال عمر من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه فقال له قيس بن عاصم أما أنه غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا قليل العدد ولا ذليل العمارة ذلك المثنى بن حارثة الشيباني
ثم أن المثنى قدم على أبي بكر فقال له يا خليفة رسول الله ابعثني في قومي فإن فيهم إسلاما أقاتل بهم أهل فارس وأكفك أهل ناحيتي من العدو ففعل ذلك أبو بكر فقدم المثنى العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحي السواد حولا مجرما ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد ويقول
إنك إن أمددتني وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلي وأذل الله المشركين مع أني أخبرك يا خليفة رسول الله أن الأعاجم تخافنا وتتقينا فقال له عمر يا خليفة رسول الله أبعث خالد بن الوليد مددا للمثنى بن حارثة يكون قريبا من أهل الشام فإن استغنى عنه أهل الشام ألح على أهل العراق حتى يفتح الله عليه قال فهذا الذي هاج أبا بكر رحمه الله على أن يبعث خالد بن الوليد إلى العراق
وفي حديث آخر انه ولاه حرب العراق لما قضى ما أراد قضاءه من اليمامة وكتب إلى المثنى ومذعور وسلمى وحرملة بأن يسمعوا له ويطيعوا
أخبار الأيام في زمان خالد بن الوليد رضي الله عنه
وكانت لمن وليها الفضيلة والسابقة والقدمة لأنهم شركوا أهل القادسية والبويب وفضلوهم بولايتهم هذه

(4/63)


وهذا كما اجتمعت للمهاجرين النصرة مع الهجرة وفضلوا الأنصار بالهجرة فروى الشعبي وهشام بن عروة قالا لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة كتب إليه أبو بكر إني قد وليتك حرب العراق فاحشد من ثبت على الإسلام وقاتل أهل الردة ممن بينك وبين العراق من تميم وقيس وأسد وبكر ابن وائل وعبد القيس ثم سر نحو فارس واستنصر الله عز وجل وادخل العراق من أسفل العراق فابدأ بفرج الهند وهو يومئذ الأبلة وكان صاحبها يساجل أهل الهند والسند في البحر ويساجل العرب في البر
وقال له تألف أهل فارس ومن كان في مملكتهم من الأمم وأنصفوا من أنفسكم فإنكم كنتم خير أمة أخرجت للناس لنسأل الله أن يجعل من ألحقه بنا وصيره منا خير متبع بإحسان وإن فتح الله عليك فعارق حتى تلقى عياضا
وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين الحجاز والنباج أن سر حتى تأتي
المصيخ فاحشد من بينك وبينها ممن ثبت على إسلامه وقاتل أهل الردة فابدأ بهم ثم ادخل العراق من أعلاها فعارق حتى تلقى خالدا
فاستمد خالد أبا بكر قبل خروجه من اليمامة فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي واستمده عياض قبل تحركه فأمده أبو بكر بعبد بن عوف الحميري وقيل لأبي بكر أتمد خالدا برجل قد أرفض عنه الناس فقال لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع وسيحشر من بينه وبين أهل العراق
وكتب خالد إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور ليلحقوا به وأمرهم أن يغزوا جنودهم الأبلة ليوم سماه ثم حشد من بينه وبين العراق فحشد ثمانية آلاف من مضر وربيعة إلى ألفين كانا معه فقدم في عشرة آلاف إلى ثمانية آلاف ممن كان مع الأمراء الأربعة فلقي هرمز في ثمانية عشرة ألفا

(4/64)


وفيما ذكره سيف من مسير خالد وعياض إلى العراق أن أبا بكر أمرهما أن يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه وقال فإذا اجتمعتما بالحيرة وفضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردءا لصاحبه وللمسلمين بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم بالمدائن
وكتب إليهما استعينوا بالله واتقوه وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجمع الله لكم بطاعته الدنيا إلى الآخرة ولا تؤثروا الدنيا فتعجزكم ويسلبكم الله بمعصيته الدنيا والآخرة فما أهون العباد على الله إذا عصوه
قال ولما عزم خالد على المسير من اليمامة إلى العراق سأل عن الأدلة فأتى بنفر فسأل عن أسمائهم فتفاءل منهم إلى ثلاثة بأسمائهم ظفر بن عمرو السعدي ورافع بن عميرة الطائي ومالك بن عباد الأسدي
وجدد خالد التعبئة فعبأ الناس تعبئة مستأنفة غير التي دخل بها اليمامة ونصب لجنده أعلاما غير الذين كانوا أعلامهم وذلك أن أعلامهم الذين دخل

(4/65)


بهم اليمامة قفلوا فوضع رجالا مكانهم وتوخى الصحابة ثم توخى منهم الكماة فاستعمل على مضر القعقاع بن عمرو وعلى ربيعة فرات بن حيان وعلى قضاعة وضم إليهم أهل اليمن جرير بن عبد الله الحميري أخا الأقرع بن عبد الله رسول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى اليمن وجعل على القبائل دون ذلك على نصف خندق فارس أطلال بكير بن عبد الله الليثي وعلى النصف الآخر معقل بن مقرن المزني وعلى قيس عيلان وعلى غطفان ومن يلاقيهم إلى سعد بن قيس سعد بن عمارة التغلبي وعلى هوازن ومن يلاقيهم إلى خصفة أبا حنش بن ذي اللحية العامري وضم جديلة إليهم وهم عمرو بن قيس بن عيلان وعلي اللهازم من بكر بن وائل عتيبة بن النهاس واللهازم عجل وتيم اللات وقيس بن ثعلبة وعنزة وعلى الدعائم وهم شيبان بن ثعلبة وذهل بن ثعلبة وضبيعة بن ربيعة ويشكر بن ربيعة يشكر بن بكر بن مطر بن عامر الشيباني وعلى قضاعة الحارث بن مرة الجهني وعلى اليمن مالك بن مرة الرهاوي وابن زيد الخيل بن مهلهل وهؤلاء تحت أيدي أولئك الثلاثة
واستعمل على المقدمات المثنى بن حارثة وعلى المجنبات عدي بن حاتم وعاصم بن عمرو أخا القعقاع وعلى الساقة بسر بن أبي رهم الجهني صاحب جبانة بسر واستخلف على اليمامة وهوافي قيس وتميم سبرة بن عمرو العنزي وكل من أمر له صحبة وقدمة وخرج قاصدا الهرمز والأبلة
وقال المغيرة بن عتبة قاضي الكوفة فرق خالد مخرجه من اليمامة جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريقة واحدة فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر وسرح عديا وعاصما و دليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر أحدهما قبل صاحبه بيوم وخرج خالد ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا فيه وليصادموا به عدوهم
وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنا وأشده شوكة وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر
وعن الشعبي قال كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه وهرمز صاحب الثغر يومئذ

(4/66)


أما بعد أسلم تسلم أو اعقد لنفسك وقومك الذمة وأقر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة
ولما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيري بن كسرى وإلى أزدشير بن شيري وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدا وسبق حلبته فلم يجد طريق خالد وبلغه انهم تواعدوا الحفير فعاج يبادر خالدا إليه فنزله فعبأ به وجعل على مجنبتيه أخوين يلاقيان أزدشير وشيري آل أزدشير الأكبر يقال لهما قباذ وأنو شجان فاقترنوا في السلاسل فقال من لم ير ذلك لمن رآه قيدتم أنفسكم لعدوكم فلا تفعلوا فإن هذا طائر سوء فأجابوهم أما أنتم فتحدثوننا أنكم تريدون الهرب فلما أتى الخبر خالدا بمنزل هرمز أمال الناس إلى كاظمة وبلغ ذلك هرمز فبادره إليها فنزلها وهو حسير
وكان من أسوء أمراء ذلك الفرج جوارا للعرب فكل العرب عليه مغيظ وقد كانوا يضربونه مثلا في الخبث والمكر حتى قالوا أخبث من هرمز وأمكر من هرمز وتعبأ هو وأصحابه والماء في أيديهم
وقدم خالد فنزل على غير ماء فقالوا له في ذلك فأمر مناديه فنادى ألا أنزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين فحطت الأثقال والخيل وقوف وتقدم الرجل ثم زحف إليهم حتى لاقاهم فاقتتلوا وأرسل الله سبحانه سحابة فأغدرت ماء وراء صف المسلمين فقواهم بها وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترن
وأرسل هرمز أصحابه ليغدروا بخالد ثم خرج فنادى رجل أين خالد وقد عهد إلى فرسانه عهده فلما برز خالد نزل هرمز ودعاه إلى البراز فبرز خالد يمشي إليه فالتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد وحملت حامية هرمز وغدرت فاستلحموا خالدا فما شغله ذلك عن قتله
وحمل القعقاع بن عمرو واستلحم حماة هرمز فأتاهم وخالد يماصعهم فانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل وجمع خالد الرثاث والسلاسل فكان وقر بعير ألف رطل فسميت ذات السلاسل

(4/67)


قال وكان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم فمن تم شرفه فقيمة قلنسوتة مائة ألف وتمام شرف أحدهم أن يكون من البيوتات السبعة فكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمة قلنسوته مائة ألف فنفلها أبو بكر رحمه الله خالدا وكانت مفصلة بالجوهر
وقال حنظلة بن زياد بن حنظلة لما تراجع الطلب من ذلك اليوم نادى منادي خالد بالرحيل وسار بالناس وأتبعته الأثقال حتى نزل موضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم وقد أفلت قباذ وأنو شجان وبعث خالد بالفتح وما بقي من الأخماس وبالفيل وقرى ء الفتح على الناس فلما قرى ء فيه خرجت من اليمامة في ألفين وحشرت من ربيعة ومضر ثمانية آلاف فقدمت في عشرة آلاف على ثمانية آلاف مع الأمراء الأربعة المثني ومذعور وحرملة وسلمى تمثل أبو بكر رضي الله عنه
تمنانا ليلقانا بقوم
تخال بياض لامهم السرابا
فقد لاقيتنا فأريت يوما
عماسا يمنع الشيخ الشرابا
تبدل علقما منا بحلو
ينسيك الغنيمة والإيابا
إذا خرجت سوالفهن زورا
كأن على حواركهن غابا
عليها كل متصل بمجد
من الجهتين يلتهب التهابا
الوافر
ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الأخماس فطيف به في المدينة ليراه الناس
جعلت ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله ما نرى ورأينه مصنوعا فرده أبو بكر رضي الله عنه مع زر
وعن زياد بن حنظلة قال إني لبالمدينة وقد قدمتها وافدا من البحرين إذ أرسل إلي أبو بكر وقد قدم عليه الخبر بوقعة ذات السلاسل فقال لي ألم تعلم أنه كان من الشأن ذيت وذيت وأن خالدا ألقى هرمز فاستلحم وأن القعقاع استلحم فقتلهم وتنفل
قال زياد فأقبلت على نفسي أحدثها فقلت الخليفة وفراسته وذكرت قوله ولا يهزم جيش فيهم مثل هذا فما راعني إلا وأبو بكر يقول أين أنت يا زياد أما أن خالدا سيتغير له ويتنكر ثم يراجع ويعرف الحق فاستنكره القعقاع بعد ذلك ووقع بينهما ما يقع بين الناس حتى قال القعقاع يعاتبه ولم يكن إلا ذلك
منعتك من قرني قباذ وليتني

(4/68)


تركتك فاستذكت عليك المعاتب
عطفت عليك المهر حتى تفرجت
وملت من الطعن الدراك الرواجب
أجالدهم والخيل تنحط في القنا
وأنت وحيد قد حوتك الكتائب
وكائن هزمنا من كتيبة قاهر
وكم عجمتنا في الحروب العجائب
الطويل
ولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبصرة بعث المثنى بن حارثة في آثار القوم فمضى حتى انتهى إلى نهر المرأة وإلى الحصن الذي فيه المرأة فخلف المثنى بن حارثة عليها من حاصرها في قصرها ومضى المثنى واسلمت فتزوجها المثنى ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين في شيء من فتوحهم لتقدم أبي بكر فيهم وسبي أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم وأقر من لم ينهض من الفلاحين وجعل لهم الذمة
وبلغ سهم الفارس يوم ذات السلاسل والثني ألف درهم والراجل على الثلث من ذلك
حديث الثني والمذار
وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة ويومئذ قال الناس صفر الأصفار فيه يقتل كل جبار على مجمع الأنهار

(4/69)


ولما كتب هرمز إلى ملكهم بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه أمده بقارن بن قربانس فخرج من المدائن ممدا لهرمز حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة وانتهى إليه الفلال فتذامروا قال فلال الأهواز وفارس لفلال السواد والجبل إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبدا فاجتمعوا على العدو مرة واحدة فهذا مدد الملك وهذا قارن لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا ففعلوا وعسكروا بالمذار واستعمل قارن على مجنبتيه قباذ وأنوشجان فأرسل المثنى إلى خالد بالخبر فعند ذلك قسم خالد الفيء على من أفاء الله عليه ونفل من الخمس ما شاء الله وبعث مع الوليد بن عقبة ببقيته وبالفتح إلى أبي بكر وبالخبر عن القوم وباجتماع المغيث منهم والمغاث إلى الثني وهو النهر وخرج خالد سائرا إليهم حتى ينزل المذار فالتقوا وخالد على تعبئته فاقتتلوا على حنق وحفيظة وخرج قارن يدعوا للبراز فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش فابتداره فسبقه إليه معقل
فقتله وقتل عاصم أنو شجان وقتل عدي قباذ وكان شرف قارن قد انتهى ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه في الأعاجم
وقتلت فارس مقتلة عظيمة فضموا السفن ومنعت المياه المسلمين من طلبهم وأقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفيء ونفل من الأخماس ما نفل في أهل البلاء وبعث ببقيتها إلى أبي بكر رضي الله عنه
وعن الشعبي قال دفع خالد إلى أبيض الركبان سلب قارن وقيمته مائة ألف وإلى عاصم وعدي سلب أنو شجان وقباذ وقيمة سلب كل واحد منهما ثلاثة أرباع الشرف
وعن أبي عثمان قال قتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق ولولا المياه لأتي على آخرهم ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة أو أشباه العراة
قال الشعبي لم يلق خالد أحدا بعد هرمز إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التي قبلها

(4/70)


وأقام خالد بالثني يسبي عيالات المقاتلة ومن أعانهم وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعدما دعوا وكل ذلك أخذ عنوة ولكن دعوا إلى الجزاء فأجابوا وتراجعوا وصاروا ذمة صارت أرضهم خراجا وكذلك جرى ما لم يقسم فإذا اقتسم فلا ومن ذلك السبي كان حبيب أبو الحسن البصري وكان نصرانيا
وقال عزيز بن مكنف لم يدع خالد بعد هرمز أحدا من الأعاجم حتى هلك أزدشير إلا أن يدعوا قوما بعدما يغلبهم على أرضهم ويجليهم عنها إلى الجزاء والذمة فيرد عليهم أرضهم فيصيروا ذمة مالم تقتسم وبذلك جرت السنة
وأمر خالد على الجزاء سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول الحفير وأمره
ببث عماله ووضع يديه في الجباية وأقام لعدوه يتحسس الأخبار
وقال عاصم بن عمرو في ذلك من أبيات
فلم أر مثل يوم السيب حتى
رأيت الثني تخضبه الدماء
وألوت خيلنا لما التقينا
بقارن والأمور لها انتهاء
الوافر
حديث الولجة وهي مما يلي كسكر من البر
وكانت في صفر سنة اثنتي عشرة
قالوا لما وقع الخبر إلى أردشير بمصاب قارن وأهل المذار أرسل الأندرزعر وكان فارسيا من مولدي السواد وتنائهم ولم يكن ممن ولد في المدائن ولا نشأ بها وأرسل بهمن جاذوية في أثره وكان رافد فارس في يوم من أيام شهرهم وذلك أنهم بنوا شهورهم كل شهر على ثلاثين يوما فكان لأهل فارس في كل يوم رافد نصب لذلك يرفدهم عند الملك فكان بهمن أحدهم فخرج الأنذرزعر سائرا من المدائن حتى أتى كسكر ثم جازها إلى الولجة وخرج بهمن جاذوية في أثره فأخذ غير طريقة فسلك أوسط السواد وقد حشد الأنذرزعر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة فلما اجتمع له ما أراد واستتم له
أعجبه ما هو فيه وأجمع السير إلى خالد

(4/71)


ولما بلغ خالدا خبره ونزوله الولجة نادى بالرحيل وخلف سويد بن مقرن وأمره بلزوم الحفير وتقدم إلى من خلف بأسفل دجلة وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة وترك الاغترار وخرج سائرا في الجنود نحو الولجة حتى نزل على الأنذرزعر وجنوده ومن تأشب إليه فاقتتلوا قتالا شديدا هو أعظم من قتال الثني حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ واستبطأ خالد كمينه وكان قد وضع لهم كمينا في ناحيتين عليهم بسر بن أبي رهم وسعيد بن مرة العجلي فخرج الكمين من وجهين فانهزمت صفوف الأعاجم وولوا وأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه ومضى الأنذرزعر في هزيمته فمات عطشا وقام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب وقال ألا ترون إلى الطعام كالتراب والله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إليه ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن تثاقل عما أنتم عليه
وسار خالد في الفلاحين سيرته فلم يقتلهم وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم ودعا أهل الأرض إلى الجزاء والذمة فتراجعوا
وبارز خالد يوم الولجة رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغذائه
وقال خالد يذكر ذلك اليوم
نهكناهم بها حتى استجاروا
ولولا الله لم يرزوا قبالا
فولوا الله نعمته وقولوا
ألا بالله نحتضر القتالا
الوافر
وقال القعقاع في ذلك وأثنى على المسلمين
ولم أر قوما مثل قوم رأيتهم
على ولجات البر أحمى وأنجبا
وأقتل للرواس في كل مجمع
اذا صعصع الدهر الجموع وكبكبا
فنحن حبسنا بالزمازم بعدما
أقاموا لنا في عرصة الدار ترقبا
قتلناهم ما بين قلع مطلق
إلى القيعة الغبراء يوما مطنبا
الطويل
حديث أليس وهي على صلب الفرات

(4/72)


ولما أصاب خالد من أصاب يوم الولجة من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الأعاجم وكتابتهم الأعجمفاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الأسود العجلي وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلموا بني عجل عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات ابن حيان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدي
وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب فقدم بهمن أمامه جابان وأمره بالحث وقال له كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك فسار جابان نحو أليس وانطلق بهمن إلى أردشير ليحدث به عهدا ويستأمره فيما يريد أن يشير به فوجده مريضا فعرج عليه وأخلي جابان بذلك الوجه ومضى جابان حتى انتهى إلى أليس فنزل بها واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب وعبد الأسود في نصارى بني عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة وكان أبجر بن بجير نصرانيا فساند عبد الأسود وكان خالد بلغه بجمع عبد الأسود وأبجر وزهير فيمن تأشب إليهم فنهد إليهم ولا يشعر بدنو جابان وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم
ولما طلع خالد على أليس قالت الأعاجم لجابان أنعاجهم أو نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم بعد الفراغ فقال جابان إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا ولكن ظني أن سيعاجلوكم ويعجلوكم عن طعامكم فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة وتداعوا إليها وتوافوا عليها فلما انتهى خالد إليهم أمر بحط الأثقال فلما وضعت توجه إليهم ووكل خالد بنفسه حوامي يحمون ظهره ثم برز أمام الصف فنادى أين أبجر أين عبد الأسود أين مالك بن قيس رجل من خدره فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا فبرز له فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء
وقال
أنا ابن ذات الحسب الممذوق
إنك في ضيق أشد الضيق
الرجز

(4/73)


وضربه فقتله وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوه فقال لهم جابان ألم أقل لكم يا قوم لا والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم فقالوا تجلدا حيث لم يقدروا على الأكل ندعها حتى نفرغ منهم ثم نعود إليها فقال جابان وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون فالآن فأطيعوني وسموها فإن كانت لنا فأهون هالك وإن كانت علينا كنا قد صنعنا شيئا وأبلينا عذرا فقالوا لا إلا اقتدارا عليهم
وجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها فاقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن فصابروا المسلمين للذي كان في علم الله أن يصيرهم إليه وحرب المسلمون عليهم وقال خالد اللهم لك علي إن منحتنا أكتافهم أن لااستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم ثم إن الله عز وجل كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم فأمر خالد منادية فنادى في الناس الأسر لا تقتلوا إلا من امتنع فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون
سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثلاثة أيام وهم ثمانية عشر ألفا أو يزيدون
ولما رجع المسلمون من طلبهم ودخلوا عسكرهم وقف خالد على الطعام الذي كان المشركون قدموه لغدائهم فأعجلوا عنه فقال للمسلمين قد نفلتكموه فهو لكم وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أتى على طعام مصنوع نفله فقعد الناس على ذلك لعشائهم بالليل وجعل من لا يرد الارياف ولا يعرف الرقاق يقول ما هذا الرقاع البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحا هل سمعتم برقيق العيش فيقولون نعم فيقول هو هذا فسمي الرقاق

(4/74)


وعن خالد بن الوليد أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثليه
وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بني عجل وكان دليلا صارما فقدم على أبي بكر رضي الله عنه بالخبر وبفتح أليس وبقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاء من الناس فلما رأى أبو بكر صرامته وثبات خبره قال ما اسمك قال جندل فقال أبو بكر ويها جندل
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكر والإقداما
الرجز
وأمر له بجارية من السبي فولدت له
وكان خالد وجنده هم جند المسلمين وكتيبة الإسلام بهم فض الله أهل فارس ورعبهم وما زالت بعدها مرعوبة منتشرة لم يأتوا في وقعة بمثل ذلك الجد والصبر إلى أن فارقهم خالد إلى الشام
وبلغت قتلاهم يوم أليس سبعين ألفا جلهم من أمغيشيا وفي ذلك يقول الأسود بن قطبة
قتلنا منهم سبعين ألفا
بقية حربهم غب الإسار
سوى من ليس يحصى من قتيل
ومن قد غال جولان الغبار
الوافر
وقال خالد بن الوليد لما افتتح الحيرة لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس
حديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال
ولما فرغ خالد من وقعة أليس نهض فأتى على أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد فأمر خالد بهدمها وهدم كل شيء كان في حيزها وكانت مصرا كالحيرة وكان فرات بادلقي ينتهي إليها وكان أليس من مسالحها فأصابوا فيها ما لم يصيبوا قط قبله مثله
وبلغ سهم الفارس ألف وخمسمائة سوى الأنفال التي نفلها أهل البلاء
ولما بلغ ذلك أبا بكر قال يا معشر قريش عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله أعجز النساء أن ينسأن بمثل خالد
حديث يوم المقر وفم فرات بادلقي مع ما يتصل به من حديث الحيرة

(4/75)


ذكر أن الآزادبة كان مرزبان الحيرة من زمان كسرى إلى ذلك اليوم وكانوا لا يمد بعضهم بعضا إلا بإذن الملك فلما أخرب خالد أمغشيا علم أنه غير متروك فتهيأ لحرب خالد وقدم ابنه ثم خرج في أثره فعسكر خارجا من الحيرة وأمر ابنه بسد الفرات
ولما استقبل خالد من أمر أمغيشيا وحمل الرجل في السفن مع الأثقال والأنفال لم يفجأ خالد إلا والسفن جوانح فارتاعوا لذلك فقال الملاحون إن أهل فارس فجروا الأنهار فسلك الماء على غير طريقه فلا يأتينا الماء إلا بسد الأنهار فتعجل خالد في الخيل نحو الآذادبة فلقي على فم العتيق خيلا من خيلهم فجاهم وهم آمنون غارته تلك الساعة فأنا مهم بالمقر ثم سار من فوره وسبق الأخبار إلى ابن الآزادبه حتى يلقاه وجنوده بفم فرات بادقلي فاقتتلوا فأنامهم خالد وفجر الفرات وسد الأنهار فسلك الماء سبيله
ثم قصد خالد للحيرة واستلحق أصحابه وسار حتى ينزل بين الخورنق والنجف فقدم خالد الخورنق وقد قطع الآزادبه الفرات هربا من غير قتال وإنما جرأه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير وبمصاب ابنه وكان
عسكره بين الغريين والقصر الأبيض ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخورنق خرج منه حتى يعسكر في موضع عسكر الآزادبه بين الغربين والقصر الأبيض وأهل الحيرة متحصنون فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره وأمر بكل قصر رجلا من قواده أهله ويقاتلهم فكان ضرار بن الأزور محاصرا للقصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر الغريين وفيه عدي بن عدي المقتول وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة له محاصرا قصر بني مازن وفيه ابن أكال وكان المثنى محاصرا قصر بني بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما فأبى أهل الحيرة ولجوا فناوشهم المسلمون

(4/76)


وعهد خالد إلى أمرائه أن يبدءوا بالدعاء فإن قبلوا قبلوا منهم وإن أبوا أجلوهم يوما وقال لا تمكنوا عدوكم من آذانكم فيتربصوا بكم الدوائر ولكن ناجزوهم ولا ترددوا المسلمين عن قتال عدوهم
فكان أول القواد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور وكان على قتال القصر الأبيض فأصبحوا وهم مشرفون فدعاهم إلى إحدى ثلاث الإسلام أو الجزاء أو المنابذة فاختاروا المنابذة فقال ضرار ارشقوهم فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل فأعروا رءوس الحيطان ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم وصبح أمير كل قوم أصحابه بمثل ذلك فافتتحوا الدور والديران وأكثروا القتل فتنادى القسيسون والرهبان ياأهل القصور ما يقتلنا غيركم فنادى أهل القصور يا معشر العرب قد قبلنا واحدة من ثلاث فدعونا وكفوا عنا حتى تبلغونا خالدا
وكان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء ثم تتابعوا على ذلك فخرج

(4/77)


وجوه كل قصر إلى من كان عليه من أمراء خالد فأرسلوهم إليه مع كل رجل منهم ثقة من قبل مرسله فخلا خالد بأهل كل قصر منهم دون الآخرين وبدأ بأصحاب عدي بن عدي وقال ويحكم ما أنتم أعرب فما تنقمون من العرب أو عجم فما تنقمون من الإنصاف والعدل فقال له عدي بل عرب عاربة وأخرى متعربة فقال لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا فقال له عدي ليدلك على ما تقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية فقال صدقت اختاروا واحدة من ثلاث إما أن تدخلوا في ديننا فلكم مالنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم أو أقمتم في دياركم أو الجزية أو المنابذة والمناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم أحرى على الموت منكم على الحياة فقال بل نعطيكم الجزية فقال خالد تبا لكم ويحكم إن الكفر فلاة مضلة فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان أحدهما عربي فتركه واستدل الأعجمي فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا وتتابعوا على ذلك وأهدوا له الهدايا وبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر الصديق فقبلها أبو بكر رضي الله عنه من الجزاء وكتب إلى خالد أن حسب لهم هديتهم من الجزاء إلا أن تكون من الجزاء وخذ بقية ما عليهم من فقو بها أصحابك
وفي حديث مثله أو نحوه عن رجل من كنانة وغيره ان أهل الحيرة لما انتهوا إلى خالد كانوا يختلفون إليه ويقدمون في حوائجهم عمرو بن عبد المسيح فقال له خالد كم أتت عليك قال مئوسنين قال فما أعجب ما رأيت قال رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا فتبسم خالد وقال
هل لك من شيخك إلا عقله
خرفت والله يا عمرو
الرجز
ثم أقبل على أهل الحيرة وقال ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة مكرة فما لكم

(4/78)


تتناولون حوائجكم بخرف لا يدري من أين جاء فتجاهل له عمرو وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله ويستدل به على صحة ما حدثه به فقال وحقك أيها الأمير إني لأعرف من أين جئت قال فمن أين جئت قال أقرب أم أباعد قال ما شئت قال من بطن أمي قال فأين تريد قال ما أمامي قال وما هو قال الآخرة قال فمن أين أقصى أثرك قال صلب أبي قال ففيم أنت قال في ثيابي فقال خالد إنه ليعقل قال أي والله وأفند فوجده حين فره عضا وكان أهل قريته أعلم به
وقال خالد قتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها القوم أعلم بما فيهم فقال عمرو والنملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة
قالوا وكان مع ابن بقيلة منصف له متعلقا كيسا في حقوه فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته وقال ما هذا يا عمرو قال هذا وأمانة الله سم ساعة قال ولم تحتقبه قال خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت وقد أتيت على أجلي والموت أحب إلي من مكروه أدخله على قومي فقال خالد إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها وقال بسم الله خير الأسماء ورب الأرض والسماء الذي ليس يضر مع اسمه داء فأهووا إليه ليمنعوه فبادرهم وابتلع السم فقال عمرو والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن
وأقبل على أهل الحيرة وقال لم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد ذكر الحيرة وأنه أريها ورفعت له وكأن شرف قصورها أضراس الكلاب وأنها ستفتح على المسلمين فسأله رجل يقال له
شويل كرامة بنت عبد المسيح فقال له هي لك إذا فتحت عنوة يعني الحيرة فلما راوض أهل الحيرة خالدا على الصلح وأداء الجزية قام إليه شويل فذكر له ذلك وشهد له به فأبى خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة إلى شويل فثقل ذلك عليهم فقالت هونوا عليكم وأسلموني فإني سأفتدي ففعلوا وكتب خالد بينه وبينهم كتابا

(4/79)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابني عدي وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال وهم نقباء أهل الحيرة ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به و عاهدوهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسيهم وجماعتهم إلا من كان غيرذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وسائحاتاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم وإن غدروا بقول أو فعل فالذمة منهم بريئة وكتب في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة
فاستخف أهل الحيرة بهذا الكتاب وضيعوه فلما نقض أهل السواد بعد موت أبي بكر وكفروا فيمن كفر وغلب عليهم أهل فارس ثم افتتحها المثنى بن حارثة ثانية أدلوا بمقتضى ذلك الكتاب فلم يجبهم إليه ودعا بشرط آخر فلما غلب المثنى على البلاد كفروا فيمن كفر وأعانوا واستخفوا وأضاعوا الكتاب فلما افتتحها سعد أدلوا بذلك فسألهم واحدا من الشرطين فلم يجيبوا به فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم يطيقون فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الخرزة وهو رسم كان عليهم لكسرى في كل سنة أربعة دراهم على كل رأس
وفيما حكاه ابن الكلبي من حديث الحيرة أن الذي خرج منهم إلى خالد هو عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانى ء بن قبيصة الطائي مع من خرج إليه من أشرافهم وأن خالدا سأل عبد المسيح فذكر نحوا مما تقدم عن عمرو بن عبد المسيح إلى أن قال له ويحك تعقل قال نعم وأفيد قال خالد وأنا أسألك قال عبد المسيح وأنا أجيبك قال قال أسلم أنت أم حرب قال بل سلم قال فما
هذه الحصون التي أرى قال بنيناها للسفيه تمنعه حتى يأتي الحليم فينهاه ثم ذكر من مصالحته إياهم على الجزية نحوا مما تقدم
قال فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق ثم نزل على بانقيا فصالحهم بصهير بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان وكتب لهم كتابا

(4/80)


وعن أبن اسحاق أن اول شيء صالح عليه خالد حين سار يريد العراق قريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما وأليس نزل عليها خالد فصالحه عليها ابن صلوبا فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتابا
قال ثم أقبل خالد بمن معه حتى نزل الحيرة فجعل ابن إسحاق شأن تلك القريات مقدما على أمر الحيرة والأكثرون يقولون إنها كانت بعدها وإن أهلها وسائر دهاقين الملطاطين إنما كانوا يتربصون وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد على الصلح طلب جميعهم الصلح وسمحوا بالجزية واكتتبوا بها من خالد كتبا
وبين الرواة خلاف كثير في أسماء الرجال والأماكن ومقادير الجزاء فرأيت اختصار ذلك أولى
وعن الشعبي في حديث كرامة بنت عبد المسيح لمل اشتد على قومها دفعها إلى شويل وأعظم الخطر قالت لهم لا تخطروه ولكن اصبروا ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة إنما هذا رجل أحمق رآني في شيبتي فظن أن الشباب يدوم فدفعوها إلى خالد فدفعها خالد إليه فقالت ما أربك إلى عجوز كما قد ترى فأدني قال لا إلا على حكمي قالت فلك حكمك مرسلا فقال لست لأم شويل إن نقصتك من ألف درهم فاستكثرت ذلك لتخدعه ثم أتته بها فرجعت إلى أهلها فتسامع الناس بذلك فعنفوه فقال ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف وخاصمهم إلى خالد وقال كانت نيتي غاية العدد وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف فقال خالد أردت أمرا وأراد الله غيره ونأخذ بما ظهر وندعك ونيتك كاذبا كنت أو صادقا
ومما يروى من شعر ابن بقيلة
أبعد المنذرين أرى سواما
تروح بالخورنق والسدير )
وبعد فوارس النعمان أرعى قلوصا بين مرة والحفير
فصرنا بعد ملك أبي قبيس كجرب المعز في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد علانية كأيسار الجزور
وكنا لايرام لنا حريم فنحن كضرة الضرع الفجور
نودي الخرج بعد خراج كسرى وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال فيوم في مساءة أوسرور
الوافر
وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة

(4/81)


سقى الله قتلى بالفرات مقيمة وأخرى بأثباج النجاف الكوانف )
فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا
وبالثني قرني قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت
على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كاد عرشهم
يميل به فعل الجبان المخالف
مننا عليهم بالقبول وقد رأوا
عيون المنايا حول تلك المحارف
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا
إلى الريف من أرض العريب النفانف
الطويل
وقال أخوه عاصم بن عمرو في ذلك
صبحنا الحيرة الروحاء خيلا
ورجلا فوق أثباج الركاب
حصرنا في نواحيها قصورا
مشرفة كأضراس الكلاب
فبادوا بالعريب ولم يحاموا
فقلنا دونكم فعل العراب
فقالوا بل نؤدي الخرج حتى
تزل الراسيات من الضراب
صدفنا عنهم لما اتقونا
وأبنا حيث أبنا بالنهاب
الوافر
وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه لجباية الخراج وحماية البلاد وأمر أمراءه على الثغور بالغارة والإلحاح فنزلوا على السيب في عرض سلطانه وهناك كانت الثغور في زمانه فمهدوا له ما وراء ذلك إلى شاطى ء دجلة وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر وليس لأحدهم ذمة إلا اللذين كاتبوا خالدا واكتتبوا منه وسائر أهل السواد جلاء ومتحصنون ومحاربون وجني الخراج إلى خالد في خمسين ليلة وكان الذين ضمنوه وهم رءوس الرساتيق رهنا في يديه فأعطى ذلك كله المسلمين فقووا به على أمرهم
وقال أبو مفزر الأسود بن قطبة فيما فتح بعد الحيرة
ألا أبلغا عنا الخليفة أننا
غلبنا على نصف السواد الأكاسرا )
غلبنا على ماء الفرات وأرضه عشية حزنا بالسيوف الأكابرا
فدرت علينا جزية القوم بعدما ضربناهم ضرب يقط البواترا
الطويل
ولما غلب خالد على أحد جانبي السواد دعا برجلين أحدهما حيري والآخر نبطي وكتب معهما كتابين إلى أهل فارس أحدهما إلى الخاصة والآخر إلى العامة وهذا أحدهما

(4/82)


بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد لله الذي حك نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم لكان شرا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك على غلب وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كحبكم الحياة
والكتاب الآخر
بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فالحمد لله الذي فض حرمتكم وفرق كلمتكم وفل حدكم وكسر شوكتكم فأسلموا تسلموا وإلا فاعتقدوا مني الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون المت كما تحبون الحياة
ودعا خالد الرجل الحيري فقال له ما اسمك قال مرة قال خذ الكتاب لأحد الكتابين فأت به أهل فارس لعل الله يمر عليهم عيشهم أو يسلموا وينيبوا وقال للنبطي ما اسمك قال هزقيل قال خذ الكتاب اللهم ازهق نفوسهم
وكان أهل فارس إذ ذاك لموت أردشير مختلفين في الملك مجتمعين على قتال خالد متساندين إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببهر سير ومعه الآزادبه في أشباه له
ولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تكلم نساء آل كسرى فولى الفرخزاد ابن البندوان إلى ان يجتمع آل كسرى على رجل إن وجوه وأقام خالد في عمله سنة ومنزله الحيرة يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشام وأهل فارس يخلعون ويملكون ليس إلا للدفع عن بهرسير وكان شيري بن كسرى قد قتل كل من يناسب إلى كسرى بن قباذ ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه وقتلوا كل من بين كسرى قباذ وبين بهرام جور فبقوا لايقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه
وعن الشعبي قال أقام خالد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشام أكثر من سنة يعالج عمل عياض الذي سمى له فقال خالد للمسلمين لولا ما عهد إلي الخليفة ما كان دون فتح فارس شيء وكان عهد إليه وإلى عياض إذ وجههما أن يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه وقال فإذا اجتمعتما بالحيرة وفضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم

(4/83)


فليكن أحدكما رداءا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن حسب ما تقدم من كتاب أبي بكر إليهما بذلك قبل هذا
فكان خالد لا يستطيع أن يفارق مكانه للاقتحام على فارس ولا لإغاثة عياض وكان بدومة قد شجى وأشجى لأجل ما عهد إليه أبو بكر أن لا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم وكان بالعين عسكر لفارس وبالأنبار آخر وبالفراض آخر ثم إن خالدا لما استقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد فرق سواد الحيرة على رجال ممن كان معه وفعل في سواد الأبلة مثل ذلك وأقر أمر المسالح على ثغورهم واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو وخرج خالد في عمل عياض ليقضي ما بينه وبينه ولإغاثته فسار حتى نزل بكربلا وأقام عليها أياما وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب فقال له اصبر فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فتسكنها العرب فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم وتجيئنا العرب آمنة وغير متعتعة وبذلك أمرنا الخليفة ورأيه يعدل نجدة الأمة
وقال رجل من أشجع في مثل ما شكاه ابن وثيمة النضري من أمر الذباب
لقد حبست بكربلاء مطيتي
وبالعين حتى عاد غثا سمينها
إذا رحلت من منزل رجعت له
لعمر أبيها إنني لاأهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة
رفاق من الذبان زرق عيونها
الطويل
حديث الأنبار وهي ذات العيون

(4/84)


وخرج خالد في تعبيته التي خرج فيها من الحيرة على مقدمته الأقرع بن حابس فلما نزل الأقرع المنزل الذي يسلمه إلى الأنبار نتج قوم من المسلمين إبلهم فلم يستطيعوا العرجة ولم يجدوا بدا من الإقدام ومعهم بنات فخاض تتبعهم فلما نودي بالرحيل صروا الأمهات واحتقبوا المنتوجات لأنها لم تطق السير فانتهوا ركبانا إلى الأنبار وقد تحصن أهلها وخندقوا عليهم فأشرفوا من حصنهم وعلى الجنود التي قبلهم شيرزاد صاحب ساباط وكان أعقل أعجمي يومئذ وأسوده فتصايح عرب الأنبار وقالوا صبح الأنبار شر جمل يحمل جميلة وجمل تربه عوذ فقال شيرزاد وقد سأل عن ما يقولون فأخبر به أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم والله لئن لم يكن خالد مجتازا للأصالحنه فبينما هم كذلك قدم خالد على المقدمة فأطاف بالخندق وأنشب القتال وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به وتقدم إلى رماته فأوصاهم
وقال إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا ففقئت ألف عين يومئذ فسميت تلك الوقعة ذات العيون وتصايح القوم ذهبت عيون أهل الأنبار فراسل شيرزاد خالدا في الصلح على أمر لم يرضه خالد فرد رسله وأتى خالد أضيق مكان في الخندق فنحر رذايا الجيش ثم رمى بها فيه فأفعمه ثم اقتحموا الخندق والرذايا جسورهم فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق وأرز القوم إلى حصنهم وراسل شيرزاد في الصلح على مراد خالد فقبل منه خالد على أن يخيله ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ليس معهم من المتاع والمال شيء فخرج شيرزاد فلما قدم على بهمن جاذويه وأخبره الخبر لامه فقال له شيرزاد إني كنت في قوم ليست لهم عقول وأصلهم من العرب فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم ثم قاتلهم الجند ففقئوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين فعرفت أن المسالمة أسلم وأن قرة العين لهم وأن العيون لا تقر منهم بشيء

(4/85)


ولما اطمأن خالد بالأنبار والمسلمون وامن أهل الأنبار وظهروا رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها فسألهم ما أنتم فقالوا قوم من العرب نزلنا إلى قوم من العرب كانت أوائلهم أيام بختنصر حين أباح العرب فلم نزل عنها فقال ممن تعلمتم الكتابة فقالوا تعلمنا الخط من إياد وأنشدوا قول الشاعر
قوم إياد لو أنهم أمم
أو لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا
ساروا جميعا والخط والقلم
المنسرح
فصالح خالد من حولهم وبدأ بأهل البوازيج فبعث إليه أهل كلواذة ليعقد لهم وكاتبهم فكانوا عيبته من وراء دجلة
ثم أن الأنبار وما حولها نفضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدول ما خلا أهل البوازيج فإنهم ثبتوا كما ثبت أهل بانقيا
حديث عين التمر
ولما فرغ خالد من الأنبار واستحكمت له استخلف عليها الزبرقان بن بدر وقصد لعين التمر وبها يومئذ مهران بن سوسن في جمع عظيم من العجم وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا قال صدقت لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب وإنكم لمثلنا في قتال العجم فخدعه واتقى به وقال دونكموهم وإن احتجتم إلينا جئناكم فلما مضى عقة نحو خالد قالت الأعاجم لمهران ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب فقال دعوني فإني لم أرد إلا ماهو خير لكم وشر له إنه قد جاءكم من قتل ملوككم وفل حدكم ما اتقيته بهم فإن كانت لهم على خالد فهي لكم وإن كانت الأخرى لم يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء فاعترفوا له بفضل الرأي فلزم مهران العين ونزل عقة لخالد على الطريق وبينه وبين مهران روحة أو غدوة فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده فعبأ خالد جنده وقال لمجنبتيه اكفونا ما عندكم فإني حامل ووكل بنفسه حوامي ثم حمل وعقة يقيم صفوفه فاحتضنه فأخذه أسيرا وانهزم صفه من غير قتال فأتبعهم

(4/86)


المسلمون وأكثروا فيهم القتل والأسر ولما جاء الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن فلما انتهى فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به وأقبل خالد في الناس حتى نزل عليه ومعه عقة أسيرا وعمرو بن الصعق وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان يغير عليهم من العرب فلما رأوه يحاولهم سألوه الأمان فأبي إلا حكمه فسكنوا إليه فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين أسارى وأمر بعقة فضربت عنقه ليوئس الأسرى من الحياة فلما رأوه مطروحا على الجسر يئسوا ثم دعا بعمرو بن الصعق فضربت عنقه وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين وسبى كل من حوى حصنهم وغنم ما فيه ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل عليهم باب مغلق فكسره عنهم وقال ما انتم قالوا رهن فقسمهم في أهل البلاء فمن أولئك الغلمان أبو زياد مولى ثقيف وحمران مولى عثمان ونصير أبو موسى بن نصير وسيرين والد محمد بن سيرين وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر
وقال عاصم بن عمرو في ذلك يعير عقه
ألا أبلغا الوركاء أن عميدها
رهينة جيش من جيوش الزعافر
فبهلا لمن غرت كفالة عتقه
بني عامر أخرى الليالي الغوابر
أتيح له ضرغامة لايفله
قراع الكماة والليوث المساعر
أتيحت له نار تسيح وتلتوي
وترمي بأمثال النجوم العناهر
الطويل
حديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض
قالوا ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد إلى أبي بكر رضي الله عنه بما بعثه به إليه من الأخماس وجهه أبو بكر إلى عياض وأمده به فقدم عليه الوليد وهو يحاصر أهل دومة وهم محاصروه وقد أخذوا عليه الطريق فقال له الوليد الرأي في بعض الحالات خير من جند كثيف ابعث إلى خالد واستمده ففعل فقدم رسوله على خالد غب وقعة العين مستغيثا فعجل به خالد إلى عياض وكتب إليه معه إياك أريد
لبث قليلا تأتك الجلائب
يحملن آسادا عليها القاشب
كتائب يتبعها كتائب
رجز

(4/87)


ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويمر بن الكاهل الأسلمي وخرج في تعبئته التي دخل فيها العين يريد عياضا ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم وقبل ما أتتهم منهم طوائف فيهم وديعة الكلبي وابن الأيهم التنوخي وابن الحدرجان فأشجوا عياضا وأشجوا به فلما بلغهم دنو خالد وهم رئيسين أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة اختلفوا فقال أكيدر أنا أعلم الناس بخالد
لا أحد أيمن طائرا منه ولا أحد في حرب ولا يرى وجه خالد قوم قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه فأطيعوني وصالحوا القوم فأبوا عليه فقال لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم

(4/88)


فخرج لطيته وبلغ ذلك خالدا فبعث عاصم بن عمرو معاضا له فأخذه وقال إنما تلقيت الأمير خالدا فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه وأخذ ما كان معه من شيء ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة وعليهم الجودي ابن ربيعة فجعل خالد دومة بين عسكره وعسكر عياض وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن فلما اطمأن خالد خرج الجودي فنهض بوديعة فزحفا لخالد وخرج ابن الحدرجان وابن الأيهم إلى عياض فاقتتلوا فهزم الله الجودي ووديعة على يدي خالد وهزم عياض من يليه وركبهم المسلمون فأما خالد فإنه أخذ الجودي أخذا وأخذ الأقرع بن حابس وديعة وأرز بقية الناس إلى الحصن فلم يحملهم فلما امتلأ الحصن أغلق من في الحصن الحصن دون أصحابهم فبقوا حوله وقال عاصم ابن عمرو يا بني تميم حلفاؤكم كلب آسوهم وأجيروهم فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها ففعلوا وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بهم وأقبل خالد إلى الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن ودعا بالجودي فضرب عنقه وضرب أعناق الأسرى إلا أسير كلب فإن عاصما والأقرع وبني تميم قالوا قد أمناهم فأطلقهم لهم خالد وقال مالي ولكم أتحوطون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام فقال له عاصم لا تحسدهم العافية ولا تحرزهم الشيطان ثم أطاف خالد بباب الحصن فلم يزل عنه حتى اقتلعه واقتحموا عليهم فقتلوا المقاتلة وسبوا الشرخ فأقاموهم فيمن يزيد فاشترى خالد ابنة الجودي وكانت موصوفة بالجمال ثم أن خالدا رد الأقرع إلى الأنبار وثبت بدومة قليلا ثم ارتحل منها إلى الحيرة فلما كان قريبا منها حيث يصبحها
أخذ القعقاع أهلها بالتغليس فخرجوا يتلقونه وهم مغلسون وجعل بعضهم يقول لبعض مروا بنا فهذا فرج الشر

(4/89)


قالوا وقد كان خالد عندما أقام بدومة كاتب عرب الجزيرة الأعاجم غضبا لعقة فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبه يريدان الأنبار واتعدا حصيدا والخنافس فكتب بذلك الزبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة فبعث القعقاع أبا ليلى بن فدكي السعدي وأمره بحصيد وبعث عروة بن الجعد البارقي وأمره بالخنافس وقال لهما إن رأيتما مقدما فاقدما فخرجا فحالا بينهما وبين الريف وانتظر روزبة وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا فلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن كره خلاف أبي بكر وأن يتعلق عليه بشيء فعجل القعقاع وابن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين التمر وقدم على خالد كتاب امرى ء القيس الكلبي أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ ونزل ربيعة بن بجير بالثنى في عسكر غضبا لعقة يريدان زرمهر وروزبه فخرج خالد وعلى مقدمته الأقرع بن حابس واستخلف على الحيرة عياض بن غنم وأخذ خالد طريق القعقاع وأبي ليلى حتى قدم عليهما بالعين فبعث القعقاع إلى حصيد وأمره على الناس وبعث أبا ليلى إلى الخنافس وأمره على الناس وقال زجياهم ليجتمعوا ومن استشارهم وإلا فواقعاهم فأبى روزبه وزرمهر إلا المقام فلما رآهما القعقاع لا ايتحركان سار نحو حصيد وعلى من به من العرب والعجم روزبه ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر فأمده بنفسه واستخلف على عسكره المهبوذان فالتقوا حينئذ فاقتتلوا فقتل الله العجم مقتلة عظيمة وقتل القعقاع زرمهر وقتل أيضا روزبه قتله عصمة
ابن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف من بني ضبة وكان عصمة من البررة وكل فخذ هاجرت بأسرها تدعى البررة وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة فكان المسلمون خيرة بررة وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة وأرز فلال حصي إلى الخنافس فاجتمعوا بها

(4/90)


وقال القعقاع في ذلك اليوم
ألم ينه عنا غي فارس أننا
منعناهم من ريفهم بالصوارم
وأنا أناس قد تعود خيلنا
لقاء الأعادي بالحتوف القواصم
وروزا قتلنا حيث أرهف حده
وكل رئيس زاريا بالعظائم
تركنا حصيدا لاأنيس بجوه
وقد شقيت أربابه بالأعاجم
وإني لراج أن تلاقى جموعهم
غديا باحدى المنكرات الصوادم
ألا أبلغا أسماء أن خليلها
قضى وطرا من روزمهر الأعاجم
الطويل
وسار أبو ليلى ابن فدكي بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس وبها المهبوذان فلما أحسن بهم هرب هو ومن معه إلى المصيخ وبه الهذيل بن عمران فلما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبي ليلى وعروة وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها على المصيخ وهو بين حوران والقلت وخرج خالد من العين قاصدا للمصيخ على الإبل يجنب الخيل فلما كان في تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا معه
بالمصيخ فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوي إليهم وهم نائمون أتوهم بالغارة من ثلاثة أوجه فقتلوهم وامتلأ الفضاء قتلى فما شبهوا إلا غنما مصرعة وأفلت الهذيل في أناس قليل وقد كان حرقوص بن النعمان بن النمر ابن قاسط محضهم النصح وأجاد الرأي فلم ينتفعوا بتحذيره وذلك أن حرقوصا قال قبل الغارة
ألا فاسقياني قبل خيل أبي بكر
لعل منايانا قريب ولاندري
ألا فاسقياني في بالزجاج وكررا
علينا كميت اللون صافية تجري
أظن خيول المسلمين وخالدا
ستطرقكم عند الصباح إلى البشر
فهل لكم في السير قبل قتالهم
وقبل خروج المعصرات من الخدر
أريني سلاحي يا أميمة إنني
أخاف بيات القوم مطلع الفجر
الطويل

(4/91)


وكان حرقوص معرسا بامرأة من بني هلال تدعى أم تغلب فقتلت تلك الليلة وقد تقدم من حديث عدي بن حاتم فيما مضى من هذا الكتاب قال أغرنا على المصيخ وإذا رجل يدعى حرقوص بن النعمان بن النمر وإذا حوله بنوه وامرأته وبينهم جفنة من خمر وهم عليها عكوف فقال اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها خالد بالعين وجنوده بحصيد وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا
ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر
بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر
وقبل منايانا المصيبة بالقدر
لحين لعمري لايزيد ولا يحرى
الطويل
فسبق إليه وهو في ذلك بعض الخيل فضرب رأسه فإذا هو في جفنته
وأخذنا بناته وقتلنا بنيه
وأصاب جرير بن عبد الله بالمصيخ عبد العزى بن أبي رهم من النمر وإنما حضر جرير مما كان بالعراق ما كان بعد الحيرة وذلك أنه كان ممن خرج مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام فاستأذن جرير في القدوم على أبي بكر ليكلمه في قومه بجيلة وكانوا أوزاعا في العرب ليجمعهم ويتخلصهم فأذن له فقدم على أبي بكر فذكر له عدة من النبي {صلى الله عليه وسلم} وأتاه عليها بشهود وسأله إنجازها فغضب أبو بكر وقال ترى شغلنا وما نحن فيه من بعوث المسلمين لمن بإزائهم من الأشدين فارس والروم ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا يغني عني عما هو أرضى لله ولرسوله دعني وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين فسار جرير حتى قدم على خالد وهو بالحيرة فشهد معه ما كان بعدها من الأيام وأصاب يوم المصيخ كما ذكرنا عبد العزى بن أبي رهم وكان معه ومع رجل آخر من قومه يقال له لبيد بن جرير كتاب من أبي بكر رضي الله عنه بإسلامهما وسمي عبد العزى عبد الله وبلغ أبا بكر مع ذلك أن عبد العزى قال ليلة الغارة
وأقول إذا طرق الصباح بغارة
سبحانك اللهم رب محمد )
سبحان ربي لاإله غيره رب العباد ورب من يتودد
الكامل
فوداه أبو بكر لما بلغه هذا وودى لبيدا وقال أما إن ذلك ليس علي إذ نازلا أهل حرب وأوصى بأولادهما

(4/92)


وكان عمر رضي الله عنه يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك بن نويرة فيقول أبو بكر رضي الله عنه كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب
وقد كان ربيعة بن بجير التغلبي نزل الثني والبشر غضبا لعقة وواعد لذلك روزبه وزمهر والهذيل قبل أن يصيبهم ما أصابهم بالمصيخ فلما أصاب خالد أهل المصيخ بما أصابهم به تقدم إلى القعقاع وإلى أبي ليلى بأن يرتحلا أمامه وواعدهما ليلة ليفترقوا فيها للغارة على ربيعة ومن معه من ثلاثة أوجه كما فعل بأهل المصيخ ثم خرج خالد من المصيخ فنزل حوران ثم الرنق ثم الحماة ثم الزميل وهو البشر والثني معه وهما شرقي الرصافة فبدأ بالثني واجتمع هو وأصحابه فبيت من ثلاثة أوجه ربيعة بن بجير ومن اجتمع له وإليه ومن ناشب لذلك من الشبان فجرد خالد فيهم السيوف بياتا فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر واستبقى الشيوخ وبعث بخمس الله عز وجل إلى أبي بكر رضي الله عنه مع النعمان بن عوف الشيباني وقسم النهب والسبايا فاشتري علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ذلك السبي ابنة ربيعة التغلبي فاتخذها فولدت له عمر ورقية
وقال أبو مقرز في ذلك
لعمر بني بجير حيث صاروا
ومن آذاهم يوم الثني
لقد لاقت سراتهم فضاحا
وفينا بالنساء على المطي
الوافر

(4/93)


وكان الهذيل حيث نجا من المصيخ أوى إلى الزميل إلى عتاب بن فلان وهو بالبشر في عسكر ضخم فبيتهم خالد بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة وكانت على خالد يمين ليبغتن تغلب في دارها فقتل فيهم مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها وأصابوا منهم ما شاءوا وقسم خالد في الناس فيئهم وبعث الأخماس إلى أبي بكر رضي الله عنه مع الصباح بن فلان المزني ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب وبها هلال بن عقة وقد أرفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد فانقشع عنها هلال ولم يلق كيدا ثم قصد خالد بعدها إلى الفراض والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة فأفطر فيها في رمضان في تلك السفرة التي اتصلت له فيها هذه الغزوات والأيام ونظمن نظما إلى ما كان قبل ذلك منه
قالوا ولما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت واستعانوا ب من يليهم من مسالح أهل فارس وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب وإياد والنمر فأمدوهم بأجمعهم واجتمعوا كلهم على كلمة واحدة ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينه وبينهم قالوا إما أن تعبوا إلينا وإما أن نعبر إليكم قال خالد اعبروا إلينا قالوا فتنحوا حتى نعبر قال خالد لانفعل ولكن أعبروا أسفل منا فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض احتسبوا ملككم هذا رجل يقاتل عن دين وله عقل وعلم ووالله لينصرن ولتخذلن ثم لم ينتفعوا بذلك فعبروا أسفل من خالد فلما تتاموا قالت الروم امتازوا حتى يعرف اليوم ما كان من حسن أو قبح من أينا يجيء ففعلوا ثم اقتتلوا قتالا شديدا طويلا ثم هزمهم الله تعالى
وقال خالد للمسلمين ألحوا عليهم فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم فقتل يوم الفراض في المعركة وفي الطلب
مائة ألف وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا ثم أذن في القفل إلى الحيرة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم

(4/94)


وأظهر خالد أنه في الساقة وخرج من الفراض حاجا لخمس بقين من ذي القعدة مكتتما بحجه ومعه عدة ومن أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فقضى حجه ثم أتى الحيرة فوافاه بها كتاب أبي بكر رضي الله عنه يأمره فيه بالمسير إلى الشام ويعاتبه على ما فعل إذ لم يعلم أبو بكر بحجته هذه إلا بعد انصرافه إلى الحيرة
وقد تقدم هذا كله فيما رسم قبل من فتوح الشام مستوفى في بيانه وكيف كان مسيره إلى الشام وتركه المثنى بن حارثة بعده على العراق ومشاطرته إياه في الناس كل ذلك بأمر أبي بكر رضي الله عنه حسب ما تقدم ذكره
حديث المثنى بعد خالد
ولما انفصل خالد رحمه الله إلى الشام شيعه المثنى إلى قراقر ورجع من تشييعه إلى الحيرة فأقام بها في سلطانه ووضع في المسلحة التي كان فيها على السيب أخاه وسد أماكن كل من خرج مع خالد من الأمراء برجال أمثالهم من أهل الغناء ووضع مذعور بن عدي في بعض تلك الأماكن
واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد على الحيرة بعد خروجه إلى الشام بقليل وذلك سنة ثلاث عشرة على شهربراز بن اردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى ثم إلى سابور فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف ومعه فيل وكتبت المسالح إلى المثنى بإقباله فخرج المثنى من الحيرة نحوه وضم إليه أصحاب المسالح وجعل على مجنبتيه أخويه المعنى ومسعودا وأقام له ببابل وأقبل هرمز جاذويه وقد كتب شهربراز إلى المثنى بن حارثة
من شهربراز إلى المثنى إني قد بعثت إليك جندا من وخش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم فكتب إليه المثنى
من المثنى إلى شهربراز إنما أنت أحد رجلين إما صادق فذلك شر لك
وخير لنا وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفي الناس الملوك وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير

(4/95)


فجزع أهل فارس من كتابه وقالوا إنما أتى شهربراز من شؤم مولده ولؤم منشئه وكان يسكن ميسان وأن بعض البلدان شين على من يسكنه وقالوا له جرأت عدونا بالذي كتبت إليهم فإذا كاتبت أحدا فاستشر ثم التقوا ببابل فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا على الطريق الاول قتالا شديدا
ثم إن المثنى وفرسان من المسلمين اعتمدوا الفيل وكان يفرق بين الصفوف والكراديس فأصابوا مقتله فقتلوه وهزموا أهل فارس وأتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى جازوا به مسالحهم فأقاموا فيها وتتبع الطلب الفالة حتى انتهوا إلى المدائن ومات شهربراز منهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقي مادون دجلة وبرس من السواد في يد المثنى وأيدي المسلمين
ثم أن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز على دخت زنان ابنة كسرى فلم ينفذ لها أمر وخلعت وملك سابور بن شهربراز وقام بأمره الفرخزاد بن البندوان فقتلا جميعا وملكت آزر ميدخت وتشاغلوا بذلك وأبطأ خبر أبي بكر رضي الله عنه على المسلمين فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلي وخرج المثنى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين ولكي يستأذنه في الإستعانة بمن قد ظهرت توبته من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو وليخبره أنه لم يخلف أحدا أنشط إلى
قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم إذ كان أبو بكر رضي الله عنه قد منع من الاستعانة بهم رأسا وقال لأمرائه لاتستعينوا في حربكم بأحد ممن ارتد فإني لم أكن لأستنصر بجيش فيهم أحد ممن ارتد وبالجزاء إن فعلت أن لا تنصروا
وقال عروة بن الزبير أمران يعرف بهما حال من شهد الفتوح من ذكر أن أبا بكر رضي الله عنه استعان في حربه بأحد ممن ارتد فقد كذب وذكر من قول أبي بكر في ذلك ما بدأنا به

(4/96)


قال ومن زعم أن عمر رضي الله عنه حين أذن لمن ارتد في الجهاد أمر أحدا منهم فقد كذب وإنما تألف من تألف بالإمارة منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه رجاء ما رجاه منهم عمر حين استعان بهم فمن قبلهم ابتدأت الفتنة وعلق عثمان رضي الله عنه عند الذي بدا منهم يتمثل بقول الأول
وكنت وعمرا كالمسمن كلبه
فخدشه أنيابه وأظافره
الطويل
فقدم المثنى بن حارثة المدينة وأبو بكر مريض مرضه الذي توفاه الله تعالى منه وذلك بعد مخرج خالد إلى الشام وقد تقدم ذكر وفاة أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما في أول موضع احتيج إلى ذكر ذلك فيه من فتح الشام وتوفي أبو بكر وأحد شقي السواد في سلطانه والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة والمسالح بالسيب والغارات تنتهي بهم إلى شاطيء دجلة ودجلة حجاز بين العرب والعجم
فهذا حديث العراق في خلافة أبي بكر رضي الله عنه من مبتدئه إلى منتهاه
ذكر ما كان من خبر العراق في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه وذكر أبي عبيد بن مسعود على ما في ذلك كله من الإختلاف بين رواة الآثار
ذكر سيف عن شيوخه قالوا أول ما عمل به عمر رحمه الله أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الصبح من الليلة التي مات فيها أبو بكر رضي الله عنه ثم أصبح فبايع الناس وعاد فندب الناس إلى فارس وتتابع الناس على البيعة ففزعوا في ثلاث كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم
قالوا فلما كان في اليوم الرابع عاد ينتدب الناس إلى العراق فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود وسعد بن عبيد القاري حليف الأنصار وتتابع الناس

(4/97)


قال القاسم بن محمد وتكلم المثنى بن حارثة فقال يا أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه فإنا قد تبجحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأ من قبلنا عليهم ولها إن شاء الله ما بعدها
وقام عمر رضي الله عنه في الناس وقال إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك أين المهاجرون عن موعود الله عز وجل سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب بأن يورثكموها فإنه قال ليظهره على الدين كله والله مظهر دينه ومعز ناصره ومولى أهله مواريث الأمم أين عباد الله الصالحون
فلما اجتمع ذلك البعث وكان أولهم كما تقدم أبو عبيد ثم ثني سعد بن عبيد أو سليط بن قيس قيل لعمر رحمه الله أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار فقال لا والله لاأفعل إن الله تعالى إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولو الرياسة منكم من سبق إلى الدفع وأجاب الدعاء لا والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا ثم دعا أبا عبيد ودعا سليطا وسعدا فقال لهما أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتكما بها إلى مالكما من القدمة فأمر أبا عبيد على الجيش وقال له اسمع من أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} وأشركهم في الأمر ولا تجيبن مسرعا حتى تتبين فإنها الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف ثم قال له إنه لم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا تسرعه إلى الحرب وفي التسرع إليها إلا عن بيان ضياع والله لولا ذلك لأمرته ولكن الحرب لايصلحها إلا المكيث
ويروى أن عمر انتخب من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل أمر عليهم أبا عبيد فقيل له استعمل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال لاها الله ذا يا أصحاب النبي لا أندبكم فتبطئون وينتدب غيركم فأؤمركم عليهم إنما فضلتم بتسرعكم فإن نكلتم فضلوكم
وعجل عمر رضي الله عنه المثنى وقال النجاء حتى يقدم عليك أصحابك فخرج المثنى وقدم الحيرة في عشر ولحقه أبو عبيد بعد شهر

(4/98)


وفي كتاب المدائني أن تحرك عمر لهذا البعث إنما كان بكتاب المثنى إليه يستمده ويحرضه على أرض فارس فذكر باسناد له إلى جماعة من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ولي الله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه وليس ينصر اياهما فكتب إليه المثنى وهو بالحيرة أنا بأرض فارس وقد عرفناهم وغازيناهم وغلبناهم على بعض ما في أيديهم ومعي رجال من قومي لهم صلاح ونجدة وصدق بلاء عند الناس وجرأة على البلاد فإن رميتنا بجماعة من قبلك رجوت أن يفتح الله عليهم قالوا ولم تكن لعمر رحمه الله همة حين قام بأمر المسلمين إلا الروم وفارس فلما أتاه كتاب المثنى بن حارثة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وحثهم على الجهاد ورغبهم فيه وأنبأهم بما أعد الله للمجاهدين في سبيله وقال أنتم بين فتح عاجل وذخر آجل وقد أصبحتم بالحجاز بغير دار مقام وقد وعدكم الله كنوز كسرى وقيصر وأنزل على نبيه {صلى الله عليه وسلم} هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( 28 الفتح ) وقال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ( 33 التوبة ) فانهضوا لجهاد عدوكم من أهل فارس فإن لكم بها اخوانا ليسوا مثلكم في السابقة وقد لقوهم وقاتلوهم فاستعدوا للمسير إليهم رحمكم الله وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ( 60 الأنفال ) ولاتركنوا إلى الدنيا واستعينوا بالله واصبروا
فتثاقل الناس حين ذكر فارس فقال عمر ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ( 38 التوبة ) فقام أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفي فقال أنا أول من انتدب ثم قام سليط ابن قيس بن عمرو فقال يا أمير المؤمنين أنا ثان ثم قام رهط من الأنصار فسمي

(4/99)


منهم نفرا قال ثم تتابع الناس وكثروا وقالوا يا أمير المؤمنين أمر علينا رجلا فقال أؤمر عليكم أول من انتدب فاستعمل عليهم أبا عبيد وقال لم يمنعني من استعمال سليط بن قيس وهو من أهل بدر إلا عجلة فيه فخشيت أن يلقى المسلمين ملقى يهلكون فيه وكان فيمن انتدب سعد بن عبيد القاري ففر يوم الجسر فكان بعد ذلك يقول إن الله اعتد علي بغرة في أرض فارس فعسى أن يعيد لي فيها كرة
وفي حديث غير المدائني فكانت الوجوه تعرض عليه بعد ذلك فيأبى إلا العراق ويقول إن الله اعتد علي فيها بغرة وذكر نحو ما تقدم
واختلف ما ذكره سيف فيمن كان إليه أمر فارس عند قدوم أبي عبيد بحسب اختلاف أهل الأخبار عليه في ذلك
فمما ذكره أن بوران بنت كسرى كانت كلما أختلف الناس بالمدائن عدلا بينهم حتى يصطلحوا فلما قتل الفرخزاد وقدم رستم فقتل أرزميدخت كانت بوران عدلا إلى أن استخرجوا يزدجرد
قال فقدم أبو عبيد والعدل بوران وصاحب الحرب رستم
وذكر من طريق آخر أن بوران هي التي استحثت رستم في السير وكان على فرج خراسان لما قتل الفرخزاد فأقبل رستم في الناس حتى نزل المدائن لا يلقى جيشا لأرزميدخت إلا هزمه واقتتلوا بالمدائن فهزمهم سياوخش وهو قاتل الفرخزاد وحصر أرزميدخت ثم افتتح المدائن فقتل سيخاوخش وفقأ عين أرزميدخت ونصب بوران فدعته إلى القيام بأمر فارس وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم على أن تملكه عشر حجج ثم يكون الملك في آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحدا وإلا ففي نسائهم فقال رستم أما أنا فسامع مطيع غير طالب عوضا ولا ثوابا فإن شرفتموني وصنعتم إلي شيئا فأنتم أولياء ما صنعتم إنما أنا سهمكم وطوع أيديكم فقالت بوران أغد علي فغدا عليها ودعت مرازبة فارس فكتبت له بأنك على حرب فارس ليس عليك إلا الله
عن رضا منا وتسليم لحكمك وحكمك جائز فيهم ما كان حكمك في منع أرضهم وجمعهم عن فرقتهم وتوجته وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا ودانت له فارس بعد قدوم أبي عبيد

(4/100)


فهذا ما ذكره سيف في شأن مملكة فارس إذ ذاك
قال وكتب رستم إلى دهاقنة السواد أن يثوروا بالمسلمين ودس إلى كل رستاق رجلا ليثور بأهله فبعث جابان إلى البهقباذ الأسفل وبعث نرسي إلى كسكر وبعث المصادمة إلى وبلغ ذلك فضم إليه مسالحه وحذر وعجل جابان فنزل النمارق وتوالوا على الخروج فخرج نرسي فنزل زندورد وثار أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله وخرج المثنى بن حارثة في جماعة حتى ينزل خفان لئلا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه فأقام حتى قدم عليه أبو عبيد
وأما المدائني فلم يعرض لما عرض له سيف في شأن مملكة فارس بل بنى على أن يزدجرد هو كان الملك عليهم حينئذ فإنه قال بعقب ما نسب إليه قبل وبلغ يزدجرد أن ملك العرب يسير إليه فشاور أهل بيته ومرازبته فقالوا له وجه إلى أطرافك فحصنها وأخرج من فيها من العرب فوجه جالينوس ورستم وليس بالادزي ومرادن شاه ونرسي ابن خال ابرويز وكل واحد في خمسة آلاف وأمرهم أن ينزلوا متفرقين ويكون بعضهم قريبا من بعض كل رجل في أصحابه ويمد بعضهم بعضا إن احتاجوا إلى ذلك وأمرهم أن يقتلوا من قدروا عليه من العرب فخرجوا والمثنى بالحيرة فبلغه مسيرهم فخرج لينزل على البلاد فلقي على قنطرة النهرين خرزاذبه فقتله ومضى المثنى فنزل من وراء أليس ونزل العجم متفرقين فنزل نرسي كسكر ونزل مردان شاه فيما بين سوار وقبين ونزل رستم ببابل ونزل جالينوس بارسمي ووجه جالينوس جابان في ألف إلى أليس ووجه أزاذبه إلى الحيرة في ألف وفصل أبو عبيد بن مسعود من المدينة في ألف وثما نمائة من المهاجرين والأنصار وغيرهم فيهم من ثقيف

(4/101)


أربعمائة معهم أبو محجن كان مع خالد بن الوليد بالشام فلما أتتهم وفاة أبي بكر رجع إلى المدينة فخرج مع أبي عبيد وانضم إلى أبي عبيد في الطريق مائة من بني أسد ومائتان من طيء ومائة من بني ذبيان بن بغيض ومائة من بني عبس معهم خمسة وعشرون فرسا وخرج المثنى بن حارثة في ثلاثمائة وسبعين من بكر بن وائل وثلاثمائة من بني تميم حنظلة وعمرو وسعد والرباب فتلقى أبا عبيد ثم أقبل معه حتى نزل عسكره الذي كان فيه ووضع عيونا على المسلحة التي بأليس فأتوه فأعلموه فأخبر أبا عبيد فقال له إن أذنت لي سرت إليهم فأذن له وضم إليه ابنه جبر ابن أبي عبيد وقال لابنه جبر لا تخالفه فسار المثنى فصبح أليس وهم آمنون فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزموا فأصاب المسلمون سلاحا ومتاعا ليس بالكثير ورجع إلى أبو عبيد ونزل جابان فيما بين الحيرة والقادسية وكتب أبو عبيد إلى عمر رضي الله عنه بخبر أليس فسر المسلمون ونشطوا وخرج قوم من المدينة إلى أبي عبيد وتقدم أبو عبيد فلقي جابان فيما بين الحيرة والقادسية وجابان في ألفين معه ازاذبه فلم يطل القتال بينهم حتى انهزم المشركون

(4/102)


وفيما ذكره سيف من الأحاديث أن أبا عبيد لما نزل خفان مع المثنى أقام بها أياما ليستجم أصحابه وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير وخرج أبو عبيد بعدما جم الناس وطهرهم وجعل المثنى على الخيل فنزلوا على جابان بالنمارق فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله أهل فارس وأسر جابان أسره مطر بن فضة أحد بني تيم الله وأسر مردان شاه أسره أكتل بن شماخ العكلي فأما أكتل فإنه ضرب عنق مردان شاه وذلك أنه سأله ما اسمك فيما ذكره المدائني فقال له مردان شاه قال وما مردان شاه قال ملك الرجال قال لاجرم والله لأقتلنك فقتله وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه وهو لايعرفه وكان جابان شيخا كبيرا فقال لمطر إنكم معشر العرب أهل وفاء فهل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا قال نعم قال فأدخلني على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه فأدخله على أبي عبيد فتم له
على ذلك وأجاز ذلك أبو عبيد فعرفه ناس فقالوا لأبي عبيد هذا الملك جابان وهو الذي لقينا بهذا الجمع فقال أبو عبيد فما تأمرونني أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا معاذ الله من ذلك
وفي رواية إني أخاف الله إن قتلته وقد أمنه رجل من المسلمين في الذمة والتواد والتناصر كالجسد ما لزم بعضهم لزم كلهم فقالوا إنه الملك قال وإن كان لا اعذر به فتركه وقال له اذهب حيث شئت
وهرب أصحاب جابان حين أسر إلي كسكر ونرسي بأسفلها وكانت كسكر قطيعة له وكان النرسيان له يحميه لا يأكله بشر إلا ملك فارس أو من أكرموه فيه بشيء ولا يغرسه غيرهم فكان ذلك مذكورا من فعلهم في الناس وأن ثمرهم هذا حمي فقال رستم وبوران لنرسي اشخص إلى قطيعتيك فاحمها من عدوك وعدونا وكونن رجلا فلما انهزم الناس يوم النمارق ووجهت الفالة نحو نرسي ونرسي في عسكره نادى أبو عبيد بالرحيل وقال للمجردة اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسي أو تبيدوهم فيما بين النمارق إلى بارق دورني

(4/103)


ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسي بكسكر والمثنى في تعبئته التي قاتل فيها جابان وقد أتى الخبر رستم وبوران بهزيمة جابان فبعثوا إليه الجالينوس وبلغ ذلك نرسي وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزوابي فرجوا أن يلحق قبل الوقعة وعالجهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية فاقتتلوا في صحار ملس هناك قتالا شديدا ثم إن الله عز وجل هزم فارس وهرب نرسي وغلب المسلمون على
عسكره وأرضه وأخذ أبو عبيد ما حوى معسكرهم وجمع الغنائم فرأى من الأطعمة شيئا عظيما فبعث فيمن يليه من العرب فانتفلوا ما شاءوا لا يؤثرون فيه وأخذت خزائن نرسي فلم يكونوا بشيء مما خزن أفرح منهم بالنرسيان لأنه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم فاقتسمه المسلمون فجعلوا يطعمونه الفلاحين
قال المدائني وسار أبو عبيد إلى الجالينوس فلقيه بباروسما فهزمه فلحق بالمدائن وبلغ الذين كانوا ببابل هزيمة نرسي وجالينوس فرجعوا إلى المدائن ودخل أبو عبيد باروسما فصالحه ابن الأنذرزعر عن كل رأس بأربعة دراهم وهيئوا له طعاما فأتوه به فقال لاآكل إلا ما يأكل مثله المسلمون فقالوا فكل أصحابك يأكل مثل ما تؤتون به فأكل فلما راح المسلمون سألهم عن طعامهم فأخبروه فإذا الذي أكلوا مثل طعامه
وفي بعض ما أورده سيف من الأخبار أن ابن الأنذرزعر لما أعلم أبا عبيد بالطعام الذي صنعوا له وأتوا به قال لهم هل أكرمتم الجند بمثله وقريتموهم قالوا لا قال فردوه فلا حاجة لنا فيه بئس المرء أبو عبيد أن صحب قوما من بلادهم اهراقوا دماءهم دونه أولم يهريقوها فاستأثر عليهم بشيء يصيبه لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم

(4/104)


قال المدائني وبعث أبو عبيد من باروسما المثنى بن حارثة إلى زندورد وعاصم بن عمرو الأسدي إلى نهرجوير وعروة بن زيد الخيل إلى الزوابي فأما المثنى فإن أهل زندورد حاربوه فظفر بهم فقتل وسبى وأما أهل الزوابي ونهر جوبر فصالحوا على باروسما فبعث أبو عبيد بخمس ما أصاب من أليس وخفان وكسكر وزندورد وما صالح عليه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونزل أبو عبيد والمسلمون الحيرة
وذكر سيف أيضا أنهم بعثوا بخمس ما أصابوا من النرسيان إلى عمر رحمه الله وكتبوا إليه إن الله عز وجل أطعمنا مطاعم كانت
الأكاسرة يحمونها الناس فأحببنا أن تروها لتذكروا أنعم الله وأفضاله
وقال في ذلك عاصم بن عمرو
ضربنا حماة النرسيان بكسكر
عذاة لقيناهم ببيض بواتر
وفزنا على الأيام والحرب لاقح
بجرد حسان أو برود غرائر
وظلت فلال النرسيان وتمره
مباحا لمن بين الدبا والأصافر
أبحنا حمى قوم وكان حماهم
حراما على من رامه بالعساكر
الطويل
وقال أيضا يذكر ملتقى القوم بالنمارق
لعمري وما عمري علي بهين
لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
نجوسهم ما بين أليس غدوة
وبين قديس في طريق البرارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم
يجوسونهم ما بين درتا وبارق
الطويل وبين الرواة فيما تقدم من الأخبار اختلاف في أسماء الأعاجم والأماكن وفي التقديم والتأخير لم أر لذكر أكثر ذلك وجها إلا ما كان منه زائدا في الإمتاع ومحسنا انتظام الحديث
ومما ذكروا أن عمر رضي الله عنه تقدم به إلى أبي عبيد حين بعثه في هذا الوجه وأوصاه بجنده أن قال له إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية وتقدم على قوم جرءوا على الشر فعملوه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون واخزن لسانك ولا يفشون لك سر فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه وإذا ضيعه كان بمضيعة
حديث وقعة الجسر
ويقال لها وقعة القس قس الناطف ويقال لها المروحة

(4/105)


وقد جمعت الذي اوردت هنا من الحديث عن هذه الوقعة من احاديث متفرقة أوردها الخطيب أبو القاسم رحمه الله في كتابه عن سيف بن عمرو وغيره يزيد بعضها على بعض ومما وقع إلي أيضا عن أبي الحسن المدائني في فتوح العراق وحديثه أطول افتضاضا وأشد اتصالا وقد جعلت هذه الأحاديث كلها على اختلافها حديثا واحدا إلا أن يعرض فيها ما يتناقض فإما أن أسقط حينئذ أحد النقيضين بعد الإجتهاد فيه وفي الذي أوثر إثباته منهما وإما أن أذكرهما معا وأبين ذلك وأنسبه إلى من وقع ذكره في حديثه
وكثيرا ما مضى عملي في هذا الكتاب على هذا النحو وعليه يستمر إن شاء الله قصدا للتهذيب وحرصا على الجمع بين الإمتاع والإيجاز بحول الله سبحانه
وأفتتح بما افتتح به المدائني هذه القصة للذي ذكرته من حسن اتصال حديثه
قال ولما فتح أبو عبيد ما فتح وهزم تلك الجنود ونزل الحيرة ورجعت المرازبة إلى يزدجرد منهزمين شتمهم وأقصاهم ودعا بهمن ذا الحاجب فعقد
له على اثني عشر ألفا وقال له قدم هؤلاء الذين انهزموا فإن انهزموا فاضرب اعناقهم ودفع إليه درفش كايبان راية كانت لكسرى فكانوا يتيمنون بها وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية اذرع في طول اثنى عشر ذراعا واعطاه سلاحا كثيرا وحمل معه من أداة القتال وآلة الحرب أوقارا من الإبل ودفع إليه الفيل الأبيض فخرج في عدة لم يرمثلها
وفي كتاب سيف أن رستم هو صاحب ذلك وأنه الذي رجع إليه الجالينوس ومن أفلت من جنده بناء على ما قدمنا من الإختلاف في ملك فارس إلى من كان حينئذ قال فقال رستم إي العجم أشد على العرب فيما ترون قالوا بهمن جاذويه وهو ذو الحاجب فوجهه ومعه الفيلة ورد جالينوس معه وذكر بعض ما تقدم

(4/106)


وبلغ المسلمون مسيرهم فقال المثنى لأبي عبيد إنك لم تلق مثل هذا الجمع ولامثل هذه العدة ولمثل ما أتوك به روعة لا تثبت لها القلوب فارتحل من منزلك هذا حتى نعبر الفرات ونقطع الجسر وتصير الفرات بينك وبينهم فتراهم فإن عبروا إليك قاتلتهم واستعنت الله قال إني لأرى هذا وهنا ثم أخذ برأي المثنى فعبر الفرات ونزل المروحة وقطع الجسر وأقبل بهمن فنزل قس الناطف بينه وبين أبي عبيد الفرات وأرسل إلى أبي عبيد إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك فقال أبو عبيد نعبر إليكم فقال المثنى أذكرك الله والإسلام أن تعبر إليهم فحلف ليعبرون إليهم ودعا ابن صلوبا فعقد له الجسر فقال سليط بن قيس الأنصاري يا أبا عبيد أذكرك الله ألا تركت للمسلمين مجالا فإن العرب من شأنها أن تفر ثم تكر فاقطع هذا الجسر وتحول عن منزلك وانزل ادنى منزل من البر وتكتب إلى أمير المؤمنين فتعلمه ما قد أجلبوا به علينا ونقيم فإذا كثر عددنا وجاء مددنا رجعنا إليهم وبنا قوة وأرجو أن يظهرنا الله عليهم قال جبنت والله يا سليط قال والله إني لأشد منك بأسا
وأشجع منك قلبا ثم تقدم فعبر فقال المثنى لأبي عبيد والله ما جبن ولكن أشار بالرأي وأنا أعلم بقتال هؤلاء منك لئن عبرت إليهم في ضيق هذا المطرد ليجزرن المسلمين هذا العدو وقال والله لأعبرن إليهم وكان رسول بهمن قد قال إن أهل فارس قد عيروهم يعني المسلمين بالجبن عن العبور إليهم فازداد أبو عبيد محكا فقال المثنى للناس اجعلوا جبنها بي ولاتعبروا فقالوا كيف نصنع وقد عبر أميرنا وسليط في الأنصار وعبر الناس فقال المثنى إني لأرى ما تصنعون ولولا أن خذلاكم يقبح ولا أراه يحل ما صحبتكم ثم عبر فالتقى الناس في موضع ضيق المطرد

(4/107)


قال وكانت دومة امرأة أبي عبيد رأت وهي بالطائف كأن رجلا نزل من السماء معه إناء فيه شراب فشرب منه أبو عبيد ورجال من أهل بيته يأتي ذكرهم فقصتها على أبي عبيد فقال هذه الشهادة إن شاء الله فلما التقوا قال أبو عبيد إن قتلت فأميركم عبد الله بن مسعود بن عمرو يعني أخاه فإن قتل فأميركم جبر بن أبي عبيد يعني ولده فن قتل فأميركم حبيب بن ربيعة بن عمرو بن عمير فإن قتل فأميركم أبو الحكم بن حبيب بن ربيعة بن عمرو بن عمير فإن قتل فأميركم أبو قيس بن حبيب وهؤلاء الإخوة الثلاثة بنو عمه حتى عد كل من شرب الإناء ثم قال فإن قتل فأميركم المثنى بن حارثة وسير على ميمنته سليط بن قيس وعلى ميسرته المثنى وقدم ذو الحاجب جالينوس معه الفيل الأبيض وراية كسرى وقد أطافت به حماة المشركين معلمين أمامهم رجال يمشون على العمد فكانت بين الناس مشاولة يخرج العشرة والعشرون فيقتتلون مليا في النهار ثم حمل المشركون على المسلمين فنضحوهم بالنبل وجثت رجالهم فاستقبلوا بالرماح ولم يقدروا من المسلمين على شيء فانصرفوا عنهم ثم حملوا عليهم الثانية ففعلوا مثلها ثم انصرفوا وحملوا عليهم الثالثة فصبروا فلما رأوا أنهم لا يقدرون على ما يريدون

(4/108)


من المسلمين جاءوا بالنشاب فوضعوه كأنه آكام وتفرقوا ثلاث فرق فقصدت فرقة لأبي عبيد في القلب وفرقة لسليط في الميمنة وفرقة للمثنى في الميسرة ثم صاروا كراديس فجعل الكردوس يمر بهم معرضا بالمسلمين ويرميهم حتى كثرت الجراحات فيهم وعضلت الأرض بأهلها وأقبلت الفيلة عليها النخل والخيول عليها التجافيف والفرسان عليهم الشعر فلما نظرت إلى ذلك خيول المسلمين رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم لا تقوى لهم الخيل على نفار وخزقهم الفرس بالنشاب وعض المسلمين الألم وجعلوا لا يصلون إليهم فنادى سليط بن قيس يا أبا عبيد أرأيي أم رأيك أما والله لتعلمن أنك قد أضررت برأيك نفسك والمسلمين ثم قال يا معشر المسلمين علام نستهدف لهؤلاء المشركين من أراد الجنة فليحمل معي فحمل في جماعة أكثرهم من الأنصار فقتل وقتلوا وترجل أبو عبيد وترجل الناس ومشوا إليهم فتكافحوا وصافحوهم بالسيوف وحمى البأس حتى كثرت القتلى من الطائفتين جميعا وجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم فنادى أبو عبيد احتوشوا الفيلة فقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها وواثب هو الفيل الأبيض فتعلق ببطانه فقطعه ووقع الذين عليه وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه وقال أبو عبيد ما لهذه الدابة من مقتل قالوا بلى مشفرها إن قطع فضرب مشفره فقطعه وبرك عليه فاستدبره أبو محجن فضرب عرقوبيه فاستدار وسقط لجنبه وتعاور أبا عبيد المشركون فقتلوه وقيل بل اتقاه الفيل بيده لم نفح مشفره بالسيف

(4/109)


فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل وقام عليه فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم وأخذ اللواء الذي كان أمره من بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد فاجتره إلى المسلمين وأخذوا شلوه ثم تجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده دأب أبي عبيد وخبطه الفيل وقام عليه وتتابع أمراء أبي عبيد الذين عهد إليهم بأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت وصبر الناس حتى قتلوا وصارت الراية إلى المثنى بن حارثة فجاش بها ساعة ثم انهزم الناس وركبهم المشركون واقتطعوا زر بن خطم أو ابن حصن بن جوين الطائي في جماعة من المسلمين فنادى زر يا معشر المسلمين أنا زر إنه ليس بعار أن يقتل الرجل وهو مقبل على عدوه ومعه سيف يضرب به سبالهم وأنفهم وإنما العار أن يقتل الرجل وهو غير مقبل على عدوه فاثبتوا فرب قوم قد فروا ثم كروا ففتح الله عليهم فثاب إليه ناس من أهل الحفاظ حتى صاروا نحوا من ثلاثمائة وأحاط بهم المشركون حتى خافوا الهلاك ونظر إليهم المثنى بن حارثة فقال لناس من بكر بن وائل أرى إخوانكم قد أحسنوا القتال وصبروا لعدوهم فإن أمسكتم عنهم هلكوا وإن كررتم رجوت أن تفرجوا عنهم وأن يكشف الله لهم السبيل إلى الجسر فحمل على المشركين في سبعين من بكر بن وائل أصحاب خيل مقدحة كان يعدها للطلب والغارة في بلاد العدو فقاتلهم حتى ارتفع عنهم المشركون وانضموا إلى أخوانهم من المسلمين ونظر عروة بن زيد الخيل وقد أحيط به وهو في عشرين فرسا إلى خيل المسلمين تطارد المشركين فقال لمن معه أرى في المسلمين بقية فاحملوا على من بيننا وبين أصحابنا فحملوا وأفرجوا لهم حتى وصلوا إلى المسلمين وكان عروة يومئذ على فرس كميت أغر ذنوب فأبلى أحسن بلاء وكان يشد عليه المنسر من مناسر العجم وهو وحده فإذا غشوه كر عليهم فيتصدعون حتى عرف مكانه وتعجب الناس يومئذ من عروة لما رأوا من بلائه فقال المثنى إن البأس ليس بمستنكر ومضى الناس

(4/110)


نحو الجسر وحماهم المثنى وعروة بن زيد الخيل والكلح الضبي وعاصم بن عمرو الأسدي وعامر بن الصلت السلمى ونادى المثنى أيها الناس أنا دونكم فاعبروا على هيئتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزول حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تفرقوا أنفسكم فانتهى الناس إلى الجسر وقد سبق إليه عبد الله بن مرثد الثقفي أو غيره فقطعه وقال قاتلوا عن دينكم فخشع الناس واقتحموا الفرات فغرق من لم يصبروا وأسرع المشركون فيمن صبروا وأتاهم المثنى بن حارثة فأمر بالسفينة التي قطعت فوصلت بالجسر وعبر الناس وقال المثنى للرجل الذي قطع الجسر ما حملك على ما صنعت قال أردت أن يصبر الناس ويقال إن سليط ابن قيس كان من آخر من قتل عند الجسر
وأصيب يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة منهم ثلاثمائة من ثقيف فيهم ثمانون خاضبا واستحر القتل يومئذ ببني عوف بن عقدة رهط أبي عبيد فابيد منهم أبو عبيد وأمراءوه الذين أمر وغيرهم ويقال قتل يومئذ معه اثنان وعشرون رجلا مما هاجر وقتل من المشركين ألفان
وقتل أكثر من ذلك فيما ذكره سيف قال خبط الفيل أبا عبيد وقد أسرعت السيوف في أهل فارس وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة ولم يبق إلا الهزيمة فلما خبط أبو عبيد وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة ثم تموا عليها وركبهم أهل فارس
وقال أبو عثمان النهدي هلك يومئذ يعني من المسلمين أربعة آلاف بين قتيل وغريق وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف
ولما فرغ الناس بالعبور عبر المثنى وحمى جانبه واضطرب عسكره ورماهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم وقطع المسلمون الجسر بعد عبورهم فعبره المشركون
قالوا وخرج جابان ومردانشاه في ألف من الأساورة منتخبين ليسبقوا
المسلمين إلى الطريق وبلغ ذلك المثنى فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو وخرج يريدهما في جريدة خيل فاعترضاه يظنانه هاربا فأخذهما أسيرين فضرب أعناقهما وقال أنتما كذبتما أميرنا واستفززتماه

(4/111)


وخرج أهل أليس على أصحابها فأخذوهم فجاؤا بهم إلى المثنى فضرب أعناقهم وعقد بذلك لأهل أليس ذمة ثم رجع إلى عسكره
وقيل بل لقيهم المثنى فقتل مردانشاه في المعركة وأسر جابان فضرب المثنى رقبته وقد تقدم في ذكر ملتقى أبي عبيد بجابان بين الحيرة والقادسية أن أكتل ابن شماخ العكلي أسر مردانشاه ثم ضرب عنقه وأسر مطربن فضة جابان فخدعه وافتدي منه وأحد الأمرين هو الصحيح في قتل مردانشاه فالله أعلم
وانهزم المشركون ومضى المثنى إلى أليس وتفرق بنو تميم إلى بواديهم ومضى أهل المدينة وأسد وغطفان فنزلوا الثعلبية وكان لعروة بن زيد الخيل من حسن الغناء في يوم الجسر ما تقدم ذكره فقال له المثنى يا عروة أما والله لو أن معي مثلك ألف فارس من العرب ما تهيبت أن أصبح ابن كسرى في مدائنه وما كنت أكره أن ألقي مثل هذا الجمع الذي فل المسلمين مصحرا ولرجوت أن يظفرني الله بهم فهل لك في المقام معي لا أوثر عليك نفسي ولا أحدا من قومي قال لا إني كنت مع هذا الرجل يعني أبا عبيد وقد أصيب فارجع إلى عمر فيرى رأيه فلما نزل الناس الثعلبية سألوا عروة أن يأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكتابهم فكتبوا إليه إنا لقينا عدو الإسلام من أهل فارس بمكان يقال له قس الناطف فقتل أميرنا أبو عبيد وأمراء أمرهم أبو عبيد وسليط ابن قيس ورجال من المسلمين منهم من تعرف ومنهم من تنكر وتولى أمر الناس المثنى بن حارثة أخو بني شيبان فحماهم في فوارس جزاهم الله عن الإسلام خيرا فكتبنا إليك وقد نزلنا الثعلبية فرارا من الزحف لا نرى إلا أنا قد هلكنا وقد بعثنا إليك فارس المسلمين عروة يخبرك عنا ويأتينا بأمرك فلما قرأ عمر الكتاب فانتهى إلى قوله منهم من تعرف ومنهم من تنكر بكى وقال

(4/112)


ما ضر قوما عرفهم الله أن ينكرهم عمر لكن الله لا يخفى عليه من عباده المحسنون يا عروة ارجع إليهم فأعلمهم أنهم ليسوا بفرار وإنما انحازوا إلي وأنا لهم فئة وسيفتح الله عليهم تلك البلاد أن شاء الله يرحم الله أبا عبيد لو انحاز إلينا واعتصم بالحيف لكنا له فئة
وكتب عمر مع عروة إلى المثنى بن حارثة أما بعد فإن الله كتب القتل على قوم فلم يكن مماتهم ليكون إلا قتلا وكتب على قوم الموت فهم يموتون موتا فطوبى لمن قتل في سبيل الله محتسبا نفسه صابرا وقد بلغني عنك ما كنت أحب أن تكون عليه فالزم مكانك الذي أنت به وادع من حولك من العرب ولا تعجل إلى قتال إلا أن تقاتل أو ترى فرصة حتى تأتيك أمداد المسلمين وكأن قد أتتك على الصعبة والذلول
فقدم عروة بن زيد على المثنى بكتاب عمر ورجع أهل الحجاز وأسد وغطفان إلى بلادهم وأقام المثنى حتى قدمت الأمداد
ويقال إن أول خبر تحدث به عن أهل الجسر بالمدينة أن رجلا قدمها من الطائف فجلس إلى حذاء فقال مالي لا أسمع أهل المدينة يبكون قتلاهم فقال له الحذاء ومن قتل قال
قتل أبو عبيد بن مسعود وسليط بن قيس فأخذ الحذاء بتلابيبه حتى أتى به عمر فأخبره بما قال فقال له عمر ما تقول ويلك قال يا أمير المؤمنين إنا منذ ليال بفناء من أفنية الطائف إذ سمعنا أصوات نساء من ناحية باب شهار يقلن يا أبا عبيداه ويا سليطاه وسمعنا قائلا يقول
إن بالجسر فتية سعداء
صبرا صادقين يوم اللقاء
كم تقي مجاهد كان فيهم
خاشع القلب مستجاب الدعاء
يجأر الليل كله بعويل
ونحيب وزفرة وبكاء
الخفيف
قال فما انقضى حديثه حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمي وكان أول من قدم بخبر الجسر ممن شهده فمر بباب حجر عائشة ويقال أتى عمر وهو على المنبر فلما دخل المسجد ورآه عمر قال ما عندك يا ابن زيد قال أتاك الخبر يا أمير المؤمنين ثم صعد إليه فأخبره فقالت عائشة ما رأينا رجلا حضر أمرا فحدث عنه كان أثبت حديثا من عبد الله بن زيد ولا أخفي فزعا

(4/113)


ولما قدم أهل المدينة المدينة وأخبروا عمن سار منهم إلى البادية استحياء من الهزيمة اشتد ذلك على عمر رحمه الله فرق للناس ورحمهم وقال اللهم إن كل مسلم في حل مني انا فئة كل مسلم من لقي العدو ففظع بشيء من أمره فأنا له فئة يرحم الله أبا عبيد لو كان إنحاز إلي لكنت له فئة
وكان معاذ القارى ء ممن شهدها وفر يومئذ وكان يصلي بالناس في شهر رمضان على عهد عمر فكان بعد إذا قرأ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ( 16 الأنفال ) خنقته العبرة وبكى فكان عمر يقول أنا لكم فئة
وكان عمر رضي الله عنه قد رأى في النوم أن أبا عبيد وأصحابه انتهوا إلى ضرس من الحيرة فتحيروا ولم يجدوا مخرجا فرجعوا فلم يجدوا طريقا فرفعوا إلى السماء فقال عمر هذه شهادة فليت شعري ما فعل عدوهم فكان يتوقع الخبر حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمي فأخبره فبكى وقال ما وجهت أحدا وجها أكره إلي من الوجه الذي توجه إليه أبو عبيد
وقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عبيد يرثي أبا عبيد ومن أصيب معه وهو ابن عم أبي عبيد وأخو بني حبيب الثلاثة المقتولين معه من أمرائه
( أنى تهدت نحونا أم يوسف
ومن دون مسراها فياف مجاهل )
( إلى فتية بالطف نيلت سراتهم وغري أفراس بها ورواحل )
( وأضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم إلى جانب الأبيات حزم ونابل )
وأضحى أبو جبر خلا ببيوته
بما كان تعدوه الضعاف الأرامل
الاقد علت قلبي الهموم الشواغل
وراجعت النفس الأمور القواتل
سيعلم أهل الغي كيف عزيمتي
ويعلم ودادي الذين أواكل
غناي وأخذي بالذي أنا أهله
إذا نزلت بي المعضلات العضائل
فما رمت حتى خرقوا برماحهم
ثيابي وجادت بالدماء الأباجل
وما رمت حتى كنت آخر راجع
وصرع حولي الصالحون الأماثل
وقد غادروني في مكر جيادهم
كأني غادتني من الراح شامل
وأمسى على سيفي نزيف ومهرتي
لدى الفيل تدمى نحرها والشواكل
فما لمت نفسي غير أنها
إلى أجل لم يأتها وهو عاجل

(4/114)


مررت على الأنصار وسط رحالهم
فقلت لهم هل منكم اليوم قافل
ألا لعن الله الذين يسرهم
رداي وما يدرون ما الله فاعل
الطويل
وقال أبو محجن أيضا
يا عين جودي على جبر ووالده
إذا تحطمت الرايات والحلق
يوم بيوم أتى جبر وإخوته
والنفس نفسان منها الهول والشفق
يا خل سل المنايا ما تركن لنا
عزا ننوء به ما هدهد الورق
البسيط
وقال حسان بن ثابت يرثي سليط بن قيس ومن أصيب من قومه
لقد عظمت فينا الرزية أننا
جلاد على ريب الحوادث والدهر
لدى الجسر يوم الجسر لهفي عليهم
غداة إذا ما قد لقينا على الجسر
يقول رجال ما لحسان باكيا
وحق لي التبكاء بالنحب والغزر
أبعد أبي قيس سليط تلومني
سفاها أبي الأيتام في العسر واليسر
فقل للألى أمسوا أسروا شماتة
به كنتم يوم النزال على بدر
الطويل
وقالت امرأة من ثقيف
أضحت منازل آل عمرو قفرة
بعد الجزيل ونائل مبذول
وكأنما كانوا لموقف ساعة
قردا زفته الريح كل سبيل
الكامل
حديث البويب ووقعة مهران

(4/115)


ولما بلغ عمر رضي الله عنه أمر الجسر وأتاه كتاب المسلمين بالخبر استخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج فنزل بصرار يريد أرض فارس وقدم طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص فدخل عليه العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف فأشاروا عليه بالمقام وقالوا شاور الناس فكتب إلى علي وطلحة فقدما عليه فجمع الناس فقال إني نزلت منزلي هذا وأنا أريد العراق فصرفني عن ذلك قوم من ذوي الرأي منكم وقد أحضرت هذا الأمر من خلفت ومن قدمت فأشيروا علي فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أرى أن ترجع إلى المدينة وتكتب إلى من هناك من المسلمين أن يدعوا من حولهم ويحذروا على أنفسهم وقد قدم قوم من العرب يريدون الهجرة فوجههم إليهم فتكون دار هجرة حتى إذا كثروا وليت أمرهم رجلا من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من أهل السابقة والقدم في الإسلام فانصرف عمر إلى المدينة وكتب إلى المثنى بأن يدعو من حوله ولا يقاتل أحدا حتى يأتيه المدد وقدم من الأسد وبارق وغامد وكنانة سبعمائة أهل بيت فقال لهم عمر أين تريدون فقالوا سلفنا بالشام قال أو غير ذلك أرضا تبتذونها إن شاء الله ويغنمكم الله كنوزها أخوار فارس فقال مخنف بن سليم الغامدي مرنا بأحب الوجهين إليك قال العراق قال فامضوا على بركة الله فأمر عمر على الأزد رجلا منهم وعلى كنانة غالب بن عبد الله الليثي فشخصوا إلى
أرض الكوفة فقدموا على المثني بن حارثة فأقبل بهم حتى نزلوا العذيب

(4/116)


وفيما ذكره سيف أن الأزد وكنانة لما سألوا الشام قال لهم عمر ذلك وجهه قد كفيتموه العراق العراق إذروا بلدة قد فل الله شوكتها وعدوها واستقبلوا جهاد قوم قد حووا فنون العيش لعل الله أن يرث بكم قسطكم من ذلك فتعيشوا مع من عاش من الناس فقال غالب الليثي وعرفجة البارقي كل واحد منهما لقومه يا عشيرتاه أجيبوا أمير المؤمنين إلى ما أراد فقال كل فريق لصاحبهم انا قد اطعناك واجبنا امير المؤمنين الى ما أراد فدعا لهم عمر بخير وأمر على كنانة غالبا وسرحه فيهم وأمر على الأزد عرفجة بن هرثمة البارقي وعامتهم من بارق وفرحوا برجوع عرفجة إليهم فخرج هذا في قومه وهذا في قومه حتى قدما على المثني وكان عرفجة هذا حليفا في بجيلة لأمر عرض له في قومه أخرجه عنهم ومن قدمته هذه رجع إلى قومه ونسبه حسب ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى
وقدم بعدهم أربعمائة أهل بيت من كندة والسكون فيهم الأشعث بن قيس ومعاوية بن حديج وشرحبيل بن السمط فقالوا يا أمير المؤمنين قدمنا نريد سلفنا بالشام فنظر إليهم وعليهم الحلل فأعرض عنهم فكلموه أيضا فلم يأمرهم بشيء فقيل له ما يمنعك قال إني لمتردد فيهم منقبض عنهم لا ينزل هؤلاء بلدا إلا فتنوا أهله وما قدم أحد المدينة أكره إلي منهم فأمضي نصفهم إلى الشام عليهم معاوية بن حديج ونصفهم إلى العراق عليهم شرحبيل بن السمط
وقدم من مذحج المدينة ألف بيت فيهم ثلاثمائة أهل بيت من النخع فقال عمر سيروا إلى أرض فارس قالوا لا ولكنا نسير إلى الشام فقال يزيد بن كعب النخعي أنا أخرج فيمن أطاعني فخرج في ثلاثمائة أهل بيت من النخع وقال هند الجملي أنا أخرج فيمن أطاعني فخرج في
خمسائة أهل بيت من مراد فكان عمر يقول بعد ذلك سيد أهل الكوفة سمي المرأة هند الجملي
ثم قدم المدينة أهل ألف بيت من همدان فقالوا لعمر خر لنا قال أرض العراق قالوا بل الشام قال بل العراق فصرفوا ركابهم إلى العراق

(4/117)


وقد كانت قدمت بجيلة فيهم جرير بن عبد الله وسيدهم عرفجة بن هرثمة البارقي حليف لهم فقال عمر اخرجوا إلى العراق وأمر عليهم عرفجة فقال جرير لبجيلة أخبروا عمر أنه ولي عليكم رجلا ليس منكم وكانت بجيلة وقد غضبت على عرفجة في أمر عرض بينهم وبينه فكلموا عمر في ذلك واستعفوه منه فقال لاأعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاما وأعظمكم بلاء وإحسانا فلما أعلموه أنه ليس منهم قال لعرفجة إن هؤلاء استعفوني منك وزعموا أنك لست منهم فما عندك قال صدقوا لست منهم وما يسرني أنني منهم أنا أمرؤ من الأزد من بارق في كثف لا يحصى عدده وحسب غير مؤتشب فقال عمر نعم الحي الأزد يأخذون نصيبهم من الخير والشر
وقال عرفجة إنه كان من شأني أن الشر تفاقم فينا ودارنا واحدة وأصبنا الدماء ووتر بعضنا بعضا فاعتزلتهم لما خفتهم فكنت في هؤلاء أسودهم وأقودهم فحفظوا علي لأمر دار بيني وبين دهاقنتهم فحسدوني وكفروني فقال لا يضرك فاعتزلهم إذ كرهوك
وقيل إن عمر قال اثبت على منزلتك ودافعهم قال لست فاعلا ولا سائرا فأمر عليهم جرير بن عبد الله وقيل إن جريرا كان إليه من بجيلة بعضها فجمعها إليه عمر وقال له جرير يا أمير المؤمنين إن قومي متفرقون في العرب فأخرجهم وأنا أغزو بهم أرض فارس وكانوا متفرقين في هوازن وغطفان وتميم وفي أزد شنوءة والطائف وجرش فكتب عمر إلى القبائل التي فيها

(4/118)


بجيلة أي نسب تواصل عليه الناس قبل الإسلام فهو النسب ليس لأحد أن يدعه وليس له أن ينتقل إلى غير ما كان يعرف به فمن كان من بجيلة لم ينتسب إلى غيرهم حتى جاء الإسلام فلا تحولوا بينهم وبين الرجوع إلى قومهم فخرج قيس كبة وشحمة وعرينة من هوازن وغيرها من القبائل وخرج العتيل والفتيان من بني الحارث وخرج علي وذبيان من الأزد بالسراة ولما أعطى عمر رضي الله عنه جريرا حاجته في استخراج بجيلة من الناس فأخرجهم أمرهم بالموعد بين مكة والمدينة ولما تتاموا قال لجرير اخرج حتى تلحق بالمثنى فكره ذلك جرير ومال إلى الشام فقال له عمر قد علمتم ما لقي إخوانكم بأرض فارس فاخرجوا فإني أرجوا أن يورثكم الله أرضهم وديارهم ولك الربع من كل شيء بعد الخمس وقيل بل جعل له ولقومه ربع الخمس مما أفاء الله عليه في غزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه ومن أخرج له من القبائل استصلحهم عمر رضي الله عنه بذلك إذ كان هواهم الشام فأبى هو عليهم إلا العراق وقال لهم اتخذونا طريقا فقدموا المدينة وهم أربعة آلاف وقيل ألفان ثم فصلوا منها إلى العراق ممدين للمثنى فقال عمر لو ضممت إلى هؤلاء من الجبين من ابني نزار يعني تميما وبكرا فوجه معهم قوما منهم ثم تتابعت الأمداد
وكان أول من نزل العذيب بالعيال من قبائل اليمن والحجاز الأزد ثم حضرموت وكندة ثم النخع ومراد ثم همدان ثم بجيلة ثم جاءت قبائل الحجاز وأهل البوادي من تميم وبكر وجاءت طيء عليها عدي بن حاتم وجاءت أسد وجاءت قيس عليهم عبد الله بن المعتم العبسي وجاءت الرباب وعلى تيم وعدي هلال بن علفة وعلى ضبة المنذر بن حسان وجاءت حنظلة وعمرو وطوائف من سعد وجاءت النمر بن قاسط عليهم أنس بن هلال بن عقة وبعث عمر أيضا عصمة بن عبد الله الضبي فيمن تبعه من بني ضبة وكان قد كتب إلى أهل الردة يأذن لهم في الجهاد ويستنفرهم إليه فلم يوافقه أحد منهم إلا رمى به المثنى

(4/119)


وذكر المدائني أن يزدجرد وجه مهران بعد واقعة الجسر وأمره أن يبث
المسالح إلى أدانى أرض العرب ويقتل كل عربي قدر عليه
وفيما ذكره الطبري عن سيف أن رستم والفيرزان هما اللذان رأيا انفاذ مهران بعد أن طالعا برأيهما في ذلك بوران ابنة كسرى وذلك عندما علما بتوافي امداد العرب إلى المثنى فخرج مهران في الخيول وجاء يريد الحيرة وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ ما بين القادسية وخفان فاستبطن فرات بادقلي وأرسل إلى جرير ومن معه أنه جاءنا أمر لن نستطيع معه المقام حتى تقدموا علينا فعجلوا اللحاق بنا وموعدكم البويب وكتب إلى عصمة وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك وقال خذوا على الجوف فسلكوا القادسية وسلك المثنى وسط السواد فطلع على النهرين ثم على الخورنق وطلع عصمة ومن سلك معه طريقه على النجف وطلع جرير ومن سلك معه على الجوف فانتهوا إلى المثنى وهو على البويب ومهران من وراء الفرات بإزائه فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلي موضع الكوفة اليوم وعليهم المثنى وهم بإزاء مهران وعسكره فقال المثنى لرجل من أهل السواد ما يقال لهذه الرقعة التي فيها مهران وعسكره فقال بسوسا فقال أكدي مهران وهلك ونزل منزلا هو البسوس وأقام بمكانه حتى كاتبه مهران إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم فقال المثنى اعبروا فعبر مهران فنزل على شاطى ء الفرات معهم في الملطاط فقال المثنى لذلك السوادي ما يقال لهذه الرقعة التي نزلها مهران وعسكره فقال شوميا وذلك في رمضان فنادى المثنى في الناس انهدوا لعدوكم فتناهدوا ومهران في ثلاثة عشر ألفا معه ثلاثة فيلة فقدموا فيلتهم واستعدوا للحرب فأقبلوا إلى المسلمين في ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم وجاءوا ولهم زجل فقال المثنى للمسلمين إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت وائتمروا همسا والمسلمون أربعة آلاف ألفان وثمانمائة من اليمن وألف ومائتان من سائر الناس ويقال كانوا ستة آلاف ألف

(4/120)


ومائتان من تميم وقيس بكر وسائرهم من اليمن
وتنازع جرير والمثنى الإمارة يومئذ فقال له المثنى إنما بعثك أمير المؤمنين مددا لي وقال جرير بل استعملني فقيل صار الأمر بينهما إلى ما قال المثنى فكان هو الأمير وقيل صار جرير أميرا على من قدم معه والمثنى أميرا على من قدم قبل ذلك ومن قال هذا زعم ان المثنى قال لجرير عندما نهدوا للعدو خلني وتعبئة الناس ففعل جرير وعبأ ففعل جرير وعبأ المثنى الجيش فصير مضر وربيعة في القلب وصير اليمن ميمنة وميسرة وقال المثنى يا معشر المسلمين إني قد قاتلت العرب والعجم فمائة من العرب كانوا أشد علي من ألف من العجم ويقال إنه قال لهم قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد علي من ألف من العرب ولمائة من العرب اليوم أشد علي من ألف من العجم إن الله قد أذهب مصدوقتهم ووهن كيدهم فلا يهولنكم سوادهم إن للعجم قسيا لجا وسهاما طوالا هي أغنى سلاحهم عندهم فلو قد لقوكم رموكم بها وإذا أعجلوا عنها أو فقدوها فهم كالبهائم أينما وجهتموها توجهت فتترسوا والزموا مصافكم واصبروا لشدة أوشدتين ثم أنتم الظاهرون إن شاء الله تعالى

(4/121)


وركب يومئذ فرسا ذنوبا أدهم يدعى الشموس للين عريكته وطهارته وكان لا يركبه إلا لقتال ويدعه ما لم يكن قتال ومر على الرايات يحض القبائل فقال له شرحبيل بن السمط ما أنصفتنا يا مثنى جعلت معدك وسطا وجعلتنا ميمنة وميسرة قال إذا أنصفكم الله ما أريد لهم شيئا من الخير إلا وأنا أريد لكم مثله وما عهدي بمعد يدري بالناس من البأس ثم صير تميما مع الأزد في الميمنة وصير ربيعة مع كندة في الميسرة وصفوا صفوفهم وقال الزموا الصمت فإني مكبر ثلاث تكبيرات فإذا كبرت الثالثة فاحملوا فنظر إلى سعد ابن عبيد الأنصاري قد نصل من الصف فقال من أنت قال سعد بن عبيد فررت يوم الجسر من الزحف فأردت أن أجعل توبتي من فرتي أن أشري نفسي لله فقال له إن خيرا مما تريد أن تقف مع المسلمين فتناضل عن دينك
وقال جرير يا معشر بجيلة إن لكم في هذه البلاد إن فتحها الله لكم حظا ليس لغيركم فاصبروا التماس إحدى الحسنيين الشهادة فثوابها الجنة أو النصر ففيه الغنى من العيلة ولا تقاتلوا رياء ولا سمعة بحسب امرى ء من خساسته حظا أن يريد بجهاده وعدوه حمد أحد من الخلق

(4/122)


ومر المثنى على الرايات راية راية يحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم ولكلهم يقول إني لأرجو أن لا تؤتى العرب اليوم من قبلكم والله ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامتكم فيجيبونه بمثل ذلك وأنصفهم المثنى في القول والفعل وخالط الناس في المكروه والمحبوب فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا ووقف على أهل الميمنة فنظر إلى رجل من العنبر على فرس عتيق رائع فقال يا أخا بني العنبر إنك لمن قوم صدق في اللقاء أما والله يا بني تميم إنكم لميامين في الحرب صبر عند البأس إني لأرجو أن يعز الله بكم دينه وقال للأزد اللهم صبحهم برضوانك وادفع عنهم عين الحاسد أنتم والله الأنجاد الأمجاد الحسان الوجوه وإني لأرجو أن يأتي العرب اليوم منكم ما أعينهم ونظر إلى فوارس من قيس في القلب فقال نعم فتيان الصباح أنتم اللهم جللهم عافيتك وافرغ عليهم الصبر يوما كبعض أيامكم ونظر إلى ناس من طيء في القلب فقال جزاكم الله خيرا فنعم الحي أنتم في اللقاء وعند العطاء فإنه ليحضهم إذ شدت كتيبة من العجم على المسيرة وفيها بكر وكندة فقال المثنى إن الخيل تنكشف ثم تكر يا معشر طيء الزموا مصافكم وأغنوا ما يليكم واعترض الكتيبة التي كشفتهم بخيل كانت معه فمنعهم من اتباعهم وقاتلهم فثارت عجاجة بينهم ورجع أهل الميسرة وأقبلت الميمنة نحو المثنى وقد انكشف العدو عنه وسيفه بيده وقد جرح جراحات وهو يقول اللهم عليك تمام النصر هذا منك فلك الحمد فقال له مخنف بن سليم الغامدي الحمد لله الذي عافاك فقد كنت
أشفقت عليك قال كم من كربة قد فرجها الله هل منعم عليه يكافيء ربه بنعمة من نعمه

(4/123)


وكانت هزيمة المشركين فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى نهر بني سليم ثم كروا على المسلمين وركدت الحرب بينهم مليا فلا يسمع إلا هرير الرجال وقد كان انس بن هلال النمري قدم ممدا للمثنى في أناس من النمر نصارى وابن مردي الفهري الثعلبي في ناس من قومه كذلك وقالوا حين رأوا نزول العجم بالعرب نقاتل مع قومنا فلما طال القتال يومئذ واشتد عمد المثنى إلى أنس بن هلال فقال يا أنس إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا فإذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي وقال لابن مردي الفهري مثل ذلك فأجاباه فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل لا يستطيعون أن يفزعوا لنصر أميرهم لا المسلمون ولا المشركون وقد كان المثنى قال لهم إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف فالزموا مصافكم وأغنوا عنا من يليكم وأوجع قلب المسلمين قلب المشركين ووقف المثنى حتى أسفر الغبار وقد فني قلب المشركين والمجنبات قد هز بعضها بعضا فلما رآه المسلمون وقد أزال القلب وأفنى أهله قويت مجنبات المسلمين على المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم وجعل المسلمون والمثنى في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم إن المثنى يقول لكم عادتكم في أمثالهم انصروا الله ينصركم حتى هزم القوم
وكانت راية الأزد مع عبد الله بن سليم فجعل يتقدم بها فقال له رجل لو تأخرت قليلا فقال
أقسمت بالرحمن أن لا أبرحا
أو يصنع الله لنا فيفتحا
الرجز
وقاتل حتى قتل وتقدم أبو أمية عبد الله بن كعب الأزدي وهو يقول اللهم إليك أسعى لترضى وإياك أرجو فاغفر ذنبي ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله

(4/124)


فحمل أبو رملة بن عبد الله بن سليم وكانت عنده الرباب ابنة عبد الله بن كعب فقتل قاتل عبد الله بن كعب واحتز رأسه فأتى به ابنه وهو غلام مراهق فقال دونك رأس قاتل أبيك فعض الفتى بأنفه ومر به رجل من بكر بن وائل يقال له عجل فقال يا فتى ما أشجعك على الأموات فحمى الفتى واعترض العدو فأتبعه عمه جندب وهو يقول يا عجل قتلت ابن أخي فلحقه وقد قتل رجلا فرده وقتل حصين بن القعقاع بن معبد بن زرارة فأخذ الراية مولي لهم أو مولي للأزد يقال له خصفة فقاتل حتى قتل ودارت بينهم رحى الحرب وأخذت جرير الرماح فنادى واقوماه أنا جرير فقاتلت عنه جماعة من قيس ليس معهم غيرهم حتى خلص وشدت جماعة على مسعود بن حارثه وهو معلم بعصابة خضراء وهو يفري فريا فطعن رجلا فقتله وطعن آخر فانكسر رمحه فاختلفا بسيفيهما ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه فوقف عليه أخوه المثنى فقال هكذا مصارع خياركم وقيل إنه ارتث يومئذ فمات بعد في أناس من الجرحى من أعلام المسلمين ماتوا كذلك منهم خالد بن هلال فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الأسنان والقرآن وقال والله إنه ليهون علي وجدي أن شهدوا البويب أقدموا وصبروا ولم يجزعوا ولم يتكلموا وإن كان في الشهادة لكفارة لبحور الذنوب ولما ارتث مسعود بن حارثة يومئذ فتضعضع من معه رأى ذلك وهو دنف فقال يا معشر كعب بن وائل ارفعوا رايتكم رفعكم الله لا يهولنكم مصرعي وقتل جرير وغالب بن عبد الله الليثي وحنظلة بن ربيعة الأسدي وعروة بن زيد الخيل كل واحد منهم عشرة
وقال ربعي بن عامر وشهدها يومئذ مع أبيه احصي مائة رجل من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة في المعركة وذكر أن غالبا وعروة وعرفجة في الأزد كانوا من أصحاب التسعة فالله أعلم
وقال يومئذ لعروة رجل من قومة ورآه يقدم أهلكت قومك يا عروة فقال
يا قوم لا تعنفوني قومي
لا تكثروا عدلي ولا من لومي
( لا تعدوني النصر بعد اليوم ) الرجز
وسمع رجل يومئذ من مهران يرتجز وهو يقول

(4/125)


( إن تسألوا عني فإني مهران
أنا لمن أنكرني ابن باذان ) السريع
فعجب من أن يتكلم بالعربية فقيل له إنه ولد باليمن ويقال إنه عربي نشأ مع أبيه باليمن وكان أبوه عاملا لكسرى
وأبصر جرير بن عبد الله مهران يقاتل فحمل عليه جرير والمنذر بن حسان فقتلاه طعنه المنذر فأداره عن دابته وقد وقذه فنزل إليه جرير فاحتز رأسه وتنازعا سلبه ثم أخذ جرير سلاحه وأخذ المنذر حليته وثيابه وبرذونه وقيل في قتله غير هذا وهو مما حدثت به أم ولد لزيد بن صوحان أن زيدا أخرجها معه إلى العسكر حتى لقوا مهران صاحب كسرى فجعل الناس يحيدون عن مهران فقال زيد ما شأن الناس يحيدون عن هذا قيل كرهوه فنزل زيد فمشى إليه فاختلفا ضربتين فأطن مهران يده فرجع فأخذ عمامتي فشقها ثم لفها على يده ثم عاوده فنسف ساقيه بالسيف فقتله فابتدر المسلمون سلبه فلم يأخذ زيد من سلبه إلا السيف نفله إياه الأمير فكان زيد يقول من يشتري سيفا وهذا أثره ويخرج يده الجذماء فيريها وقد قيل إن غلاما نصرانيا من بني تغلب هو الذي قتل مهران فالله أعلم
وهزم المشركون فأتوا الفرات وأتبعهم المسلمون فانتهوا إلى الجسر وقد عبرت طائفة من المشركين الجسر فحالوا بين الباقين وبينه فأخذوا يمينا وشمالا فقاتلهم المسلمون حتى أمسوا واقتحم طائفة الفرات فغرق بعضهم ونجا بعض ورجع المسلمون عنهم حين أمسوا فعبر من بقي منهم الجسر ثم قطعوه فأصبح المسلمون فعقدوه واتبعوهم حتى بلغوا بيوت ساباط ثم انصرفوا وصلبوا مهران على الجسر
ويقال إن المثنى قطع الجسر أولا ليمنع أهل فارس العبور ثم ندم على ذلك وقال لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعه حتى أحرجتهم فإني غير عائد فلا تعودوا ولا تعتدوا بي أيها الناس فإنما كانت زلة لا ينبغي إخراج أحد إلا من لا يقوى على الامتناع

(4/126)


ولما افترق الأعاجم على شاطئ الفرات مصمدين ومصوبين واعتورتهم خيول المسلمين أكثروا القتل فيهم حتى جعلوهم جثاء فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أقوى رمة منها
حدث أبو روق قال والله إن كنا لنأتي البويب يعني بعد ذلك بزمان فنرى ما بين السكون وبني سليم عظاما بيضاء تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم نعتبر بها قال وحدثني بعض من شهدها أنهم كانوا يحرزونها مائة ألف
واقتسم المسلمون ما أفاء الله عليهم ونفلت بجيلة وجرير ما جعل لهم عمر بن الخطاب وحمل الخمس أو باقي الخمس وجلس المثنى للناس يحدثهم ويحدثونه لما فرغوا وكلما جاء رجل فتحدث قال له المثنى أخبرني عنك فقال قرط بن جماح العبدري قتلت رجلا فوجدت منه رائحة المسك فقلت مهران ورجوت أن يكون إياه فإذا هو شهريرار صاحب الخيل فوالله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئا وكان قرط قد قاتل يومئذ حتى دق قنى وقطع أسيافا
وقال ربعي وهو يحدث المثنى لما رأيت ركود الحرب واحتدامها قلت تترسوا بالمجان فإنهم شادون عليكم فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة فأجابوني فولي الله كفالتي
وقال ابن ذي السهمين محدثا قلت لأصحابي إني سمعت الأمير يقرأ ويذكر في قراءته الزحف فما ذكره إلا لفضل فيه فاقتدوا برايتكم ولتحمي خيلكم رجلكم وازحفوا فما لقول الله من خلف فأنجز الله لهم وعده كما رجوت
وقال عرفجة محدثا حزنا كتيبة منهم إلى الفرات ورجوت أن يكون الله قد
أذن في غرقهم وأن يسلينا بها عن مصيبة الجسر فلما حصلوا في حد الإحراج كروا علينا فقاتلناهم قتالا شديدا حتى قال بعض قومي لو أخذت رايتك فقلت علي اقدامها وحملت بها على حاميتهم فقتلته فولوا نحو الفرات فما بلغوه ومنهم أحد فيه الروح

(4/127)


وقد كان المثنى قال يومئذ من يتبع آثار المنهزمة حتى يبلغ السيب فقام جرير في قومه فقال يا معشر بجيلة إنكم وجميع المسلمين ممن شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة سواء وليس لأحد منهم في هذا الخمس غدا من النفل مثل الذي لكم منه نفلا من أمير المؤمنين فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه إلى ما ترجون فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين الشهادة والجنة او الظفر والغنيمة والجنة
ومال المثنى على الذين أرادوا أن يستنثلوا بالأمس من منهزمة يوم الجسر فقال أين المستنل بالأمس وأصحابه انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السيب وابلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به فهو خير لكم وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم
وكان هذا المستنثل أو هو إن شاء الله سعد بن عبيد الأنصاري قد أراد الخروج بالأمس من صف المسلمين الى العدو فقيل للمثنى ألا ترى إلى هذا الرجل الذي يريد أن يستنثل فركض إليه فقال يا أبا عبد الله ما تريد ان تصنع قال فررت يوم أبي عبيد فأردت أن تكون توبتي وانتصاري أن أمشي إليهم فأقاتل حتى أقتل قال إذن لاتضر عدوك ولا تنفع وليك ولكن أدلك على ما هو خير لك تثبت على صفك وتجزى قرنك وتواسي أخاك بنفسك وتنصره وينصرك فتكون قد نفعت المسلم وضررت العدو فأطاعة وثبت مكانه فكان يومئذ أول منتدب
فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر ثم أخرجهم في أثر القوم واتبعتهم بجيلة وخيول المسلمين بعد من كل فارس ولم يبق في العسكر جسري إلا خرج في الخيل فانطلقوا في طلب العدو حتى بلغوا السيب فأصابوا من البقر والسبي

(4/128)


وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه المثنى عليهم وفضل أهل البلاء من جميع القبائل ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية وبعث بثلاثة أرباعه إلى عمر رضي الله عنه وألقى الله الرعب في قلوب أهل فارس وكتب القواد الذين قادوا الناس في الطلب إلى المثنى وكتب إليه عاصم وعصمة وجرير إن الله قد كفى رستم ووجه لنا ما رأيت وليس دون القوم شيء فأذن لنا في الإقدام فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط وتحصن اهلها منهم واستباحوا القريات دونها وراماهم أهل الحصن عن حصنهم بساباط ثم انكفئوا راجعين إلى المثنى
قالوا وكان المثنى وعصمة وجرير أصابوا في أيام البويب على الظهر نزل مهران غنما ودقيقا وبقرا فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس وإلى عيالات أهل الأيام قبلهم وهن بالحيرة وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات اللواتي بالقوادس عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل تصايحن وحسبنها غارة فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد فقال عمرو هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش وبشروهن بالفتح
ولما أهلك الله عز وجل مهران استمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة فمخروها لايخافون كيدا ولا يلقون فيها مانعا وانتفضت مسالح العجم فرجعت إليهم واعتصموا بالساباط وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة ونزل جرير والمثنى الحيرة وبثا المسالح فيما بين الأنبار وعين التمر إلى الطف فمن كان أقام على صلحه قبلوا ذلك منه ومن نقض أغاروا عليه فكان أهل الحيرة وبانيقيا وغيرهم على صلحهم
وكانت وقعة البويب في رمضان من سنة ثلاث عشرة
وتنازع أيضا المثنى وجرير الإمارة وكان المثنى أحب إلى نزار وجرير أحب إلى اليمانية فكتب الى عمر رحمه الله في ذلك فكان من مشورته فيه
وعمله ما سيأتي بعد ذكره

(4/129)


وشخص المثنى عند ذلك فنزل أليس ويقال شراف وهو وجع من جراحات به وارتحل معه عامة النزارية فلما رأى ذلك جرير تحول فنزل العذيب مع العيال ومعه أخلاط الناس وهو الأمير عليهم في قول بعضهم وفي هذه الإمارات كلها اضطراب من نقلة الأخبار واختلاف بين القبائل فبنو شيبان تقول كان جرير الأمير يوم قتل مهران المثنى وبجيلة تقول كان الأمير يوم ذلك وقبل وبعد والأظهر مما تقدم من الأخبار أن المثنى كان الأمير في تلك الحرب إلا أن يكون جرير على من معه كما قد قيل فالله تعالى أعلم
وقد قال العور الشني فلم يذكر لغير المثنى يومئذ إمارة
هاجت عليك ديار الحرب أحزانا
واستبدلت بعد عبد القيس همذانا
وقد أرانا بها والشمل مجتمع
أدنى النخيلة قتلى جند مهرانا
كأن الأمير المثنى يوم راجفة
مهران أشجع من ليث بخفانا
أزمان سار المثنى بالخيول لهم
فقتل الزحف من رجلى وركبانا
سما لمهران والجيش الذي معه
حتى أبادهم مثنى ووحدانا
إذ لاأمير أراه بالعراق لنا
مثل المثنى الذي من آل شيبانا
البسيط
حديث غارة المثنى على سوقي الخنافس وبغداد

(4/130)


ذكر سيف عن شيوخه أن المثنى لما نزل أليس قرية من قرى الأنبار وهذه الغزاة تدعى غزاة الأنبار الآخرة وغزاة أليس الآخرة وقد مخر السواد وخلف بالحيرة بشير بن الخصاصية وأرسل جريرا إلى ميسان وهلال بن علقمة إلى دست ميسان وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبي وبالكلح الضبي وبعرفجة البارقي وأمثالهم من قواد المسلمين ألز به رجلان أحدهما أنباري والآخر حيري يدله كل واحد منهما على سوق فأما الأنباري فدله على سوق الخنافس وأما الحيري فدله على بغداد فقال المثنى أيتهما قبل صاحبتها فقالوا بينهما أيام فقال أيهما أعجل قالوا سوق الخنافس يتوافى إليها الناس ويجتمع إليها ربيعة وقضاعة يخفرونهم فاستعد لها المثنى حتى إذا ظن أنه يوافيهم يوم سوقها ركب نحوهم فأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة وهم الخفراء فانتسف السوق وما فيها وسلب الخفراء ثم رجع عوده على بدئه حتى تطرق دهاقين الأنبار طروقا في أول يومه فتحصنوا منه فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالأعلاف والزاد وأتوا بالأدلاء على بغداد وكان وجهه إلى سوق بغداد فصبحهم
وقال المثنى في غارته على خنافس
صبحنا في الخنافس جمع بكر
وحيا من قضاعة غير ميل
بفتيان الوغى من كل حي
تباري في الحوادث كل جيل
نسفنا سوقهم والخيل زور
من التطواف والشد البجيل
الوافر

(4/131)


وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي في تاريخه أن بغداد كانت في أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة التجار ويقوم بها للفرس سوق عظيمة فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد ذكر للمثنى بن حارثة أمر سوق بغداد ثم أورد بإسناد له عن أبن إسحق أن أهل الحيرة قالوا للمثنى وذكره سيف من طريق آخر أن رجلا من أهل الحيرة قال للمثنى واللفظ في الحديثين متقارب وقد دخل حديث أحدهما في حديث الآخر قالوا ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد ويجتمع بها في كل سنة من الناس مثل خراج العراق وهذه أيام سوقهم التي يجتمعون فيها فإن أنت قدرت على أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالا يكون غناء للمسلمين وقوة على عدوهم وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم فقال لهم فكيف لي بها قالوا إن أردتها فخذ طريق البر حتى تنتهي إلى الأنبار ثم تأخذ رءوس الدهاقين فيبعثون معك الأدلاء فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى
قال فخرج من النخيلة ومعه أدلاء الحيرة حتى دخل الأنبار فنزل بصاحبها فتحصن منه فأرسل إليه ما يمنعك من النزول فأرسل إليه إني أخاف فأرسل إليه انزل فإنك آمن على دمك وقريتك وترجع سالما إلى حصنك فتوثق عليه ثم نزل فأطعمه المثنى وخوفه واستكتمه وقال إني أريد أن أغير فابعث معي الأدلاء إلى بغداد حتى أغير منها إلى المدائن قال أنا أجيء معك قال المثنى لا أريد أن تجيء معي ولكن ابعث معي من يعرف الطريق ففعل وأمر لهم بزاد وطعام وعلف وبعث معهم دليلا فأقبل حتى إذا

(4/132)


بلغ المنصف قال له المثنى كم بيننا وبين هذه القرية قال أربعة فراسخ أو خمسة وقد بقي عليك ليل فقال لأصحابه من ينتدب للحرس فانتدب له قوم فقال لهم اذكوا حرسكم ثم نزل وقال للناس أنزلوا فاقضوا واطعموا وتوضأوا وتهيأوا وابعثوا الطلائع فلا يلقون أحدا إلا حبسوه ثم ساربهم فصبحهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف فقتل وأخذ الأموال وقال لأصحابه لا تأخذوا إلا الذهب والفضة ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته وهرب الناس وتركوا أمتعتهم وأموالهم وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شيء ثم كر راجعا ثم نزل بنهر السليحيين من الأنبار فقال للمسلمين أحمدوا الله الذي سلمكم وغنمكم وانزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القصب وعلقوا عليها وأصيبوا من أزوادكم فسمع القوم يهمس بعضهم إلى بعض أن القوم سراع الآن في طلبنا فقال تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان قبح الله من يتناجون به انظروا في الأمور وقدروها ثم تكلموا تحسبونهم الآن في طلبكم فو الله لو كان الصريخ قد بلغهم الآن إنه لكبير ولو كان الصريخ عندهم لبلغهم من رعب غارتنا عليهم إلى جنب مدائنهم ما يشغلهم عن طلبنا حتى نلحق معسكرنا وجماعتنا إن للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل ولو كان بهم من القوة ما يحملهم على طلبنا ثم جهدوا وجهدهم ما أدركونا نحن على الجياد العراب وهم على المقارف البطاء ولو انهم طلبونا فأدركونا لم نقاتلهم إلا التماس الثواب ورجاء النصر فثقوا بالله وأحسنوا به الظن فقد نصركم الله عليهم وهم أكثر منكم وأعز وسأخبركم عني وعن انكماشي والذي أريد من ذلك أن خليفة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا بكر أوصانا أن نقل العرجة ونسرع الكرة في الغارات ونسرع في غير ذلك الأوبة فأقبلوا ومعهم دليلهم حتى انتهوا إلى الأنبار فاستقبلهم صاحبها بالكرامة فوعده المثنى بالإحسان إليه لو استقام أمرهم ورجع المثنى إلى عسكره
حديث السرايا من الأنبار

(4/133)


قالوا لما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار سرح المضارب العجلي وزيدا إلى الكباث ثم خرج في أثرهم فقدم الرجلان الكباث وقد ارفض عنه أهله وأخلوه وكانوا كلهم من بني تغلب وكان عليهم فارس العناب التغلبي يحميهم فركب المسلمون آثارهم يتبعونهم فأدركوا أخرياتهم فحماهم فارس العناب ساعة ثم هرب وقتلوا في أخرياتهم فأكثروا ورجع المثنى إلى عسكره بالأنبار فسرح فرات بن حيان وكان خلفه في عسكره وسرح معه عتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين ثم أتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبي الهجيمي فلما دنوا من صفين فر أهلها فعبروا الفرات إلى الجزيرة وتحصنوا وفارق المثنى فراتا وعتيبة فأرمل المثنى وأصحابه من الزاد حتى نحروا رحلهم إلا ما لابد لهم منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودهها ثم ادركوا عيرا من أهل دياف وحوران فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بني تغلب خفراء فأخذوا العير وكان ظهرا فاضلا وقال لهم دلوني فقال له أحدهم أمنوني على أهلي ومالي وأدلكم على حي من بني تغلب غدوت من عندهم اليوم فآمنه المثنى وسار معه يومه حتى إذا كان العشي هجم عليهم فإذا النعم صادرة عن الماء والقوم جلوس بأفنية البيوت فبعث غارته فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية وانتسفوا الأموال وإذا هم بنو ذي
الرويحلة فاشترى من كان من ربيعة السبايا بنصيبهم من الفيء فأعتقوا سبيهم وكانت ربيعة لا تسبى إذ العرب يتسابون في جاهليتهم

(4/134)


وأخبر المثنى أن جمهورمن سلك البلاد قد انتجعوا شاطى ء دجلة فسرح في آثارهم حذيفة بن محصن وكان على مقدمته في غزواته كلها بعد البويب ثم أتبعه فأدركوهم دون تكريت يخوضون الماء فأصابوا ما شاءوا من النعم حتى أصاب الرجل خمسا من السبي وخمسا من النعم وجاء المثنى بذلك حتى نزل على الناس بالأنبار ومضى فرات وعتيبة في وجههما حتى أغارا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين فأغاروا عليهم ونقبوهم فرموا بطائفة منهم في الماء فناشدوهم وجعلوا ينادون الغرق الغرق فلم يقلعوا عنهم وجعل عتيبة والفرات يذمرون الناس وينادونهم تغريق بتحريق يذكرونهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض ثم انطلق المسلمون راجعين إلى المثنى وقد غرقوهم
فلما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافت بها البعوث والسرايا انحدر بهم المثنى إلى الحيرة فنزل بها وكانت لعمر رحمه الله في كل جيش عيون يتعرفون الأخبار من قبلهم فكتب إليه بما كان في تلك الغزاة وأبلغ الذي قال عتيبة والفرات يوم بني تغلب والماء فبعث إليهما فسألهما فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه المثل وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب بذحل في الجاهلية فاستحلفهما فحلفا ما أراد بذلك إلا المثل وإعزاز الإسلام فصدقهما وردهما إلى المثنى
ذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه
قالوا قال أهل فارس لرستم والقيرزان وهما عميدا أهل فارس أين يذهب بكما لم يبرح بكما الإختلاف حتى وهنتما أهل فارس وأطمعتما فيهم عدوهم وإن لم يبلغ من خطركما أن تقركما فارس على هذا الرأي وأن تعرضاها للهلكة ما تنتظرون والله ما تنتظرون إلا أن ينزل بنا ونهلك ما بعد ساباط وبغداد وتكريت إلا المدائن والله ما جرأ علينا هذا غيركم ولولا أن في قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم

(4/135)


قالوا فقال القيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى اكتبي لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم ففعلت وأخرجت ذلك إليهم في كتاب فأرسلوا في طلبهن فلم تبق امرأة منهن إلا أتوا بها فوضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من آل كسرى فلم يوجد عند واحدة منهن أحد منهم وقلن أو من قال منهن لم يبق منهم إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى وأمه من أهل داريا فأرسلوا إليها فأخذوها به فدلتهم عليه وكانت قد دفعته إلى أخواله في أيام شيري حين جمعهن في القصر الأبيض فقتل الذكور واعدتهم ثم دلته إليهم في زبيل فأرسلوا إليه
فجاءوا به وهو ابن إحدى وعشرين فملكوه واجتمعوا عليه واطمأنت فارس واستوثقوا وتبارى الرؤساء في طاعته ومناصحته ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين فكتبوا بذلك إلى عمر رحمه الله بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له منهم عهد ومن لم يكن له فخرج المثنى على حاميته حتى ينزل بذي قار وينزل الناس بذي الطف في عسكر واحد فكتب إليهم عمر
أما بعد فاخرجوا من بين ظهراني الأعاجم وتفرقوا في المياه التي تليهم على حدود أرضكم وأرضهم ولا تدعوا في ربيعة ومضر أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا اجلبتموه فإن جاء طائعا وإلا حشدتموه احملوا العرب على الجد إذا جد العجم لتلقوا جدهم بجدكم
فنزل المثنى بذي قار ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضي وغضي جبال البصرة وكان جرير بن عبد الله بغضي وسبرة بن عمرو العنبري ومن أخذ أخذهم فيمن معهم إلى سلمى فكانوا في أمواه العراق من أولها إلى آخرها مسالح ينظر بعضهم إلى بعض ويغيث بعضهم بعضا وإن كان كون وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة

(4/136)


وعادت مسالح كسرى وثغوره وهم في ملك فارس هائبون مشفقون والمسلمون يتدفقون قد ضروا بهم كالأسد يثأر عن فريسته ثم يعاود الكر وأمراؤهم يكفكفونهم لأن عمر رحمه الله كان أمرهم أن لا يقاتلوا إلا أن يقاتلوا حتى يأتيهم أمره وتصلهم أمداد المسلمين
تأمير عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية
ذكر المدائني بإسناده إلى رجال من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان يخير من قدم عليه من العرب بين الشام وبين العراق فكانت مضر تختار العراق وتختار أهل اليمن الشام فقال عمر اليمن أشد تعاطفا يحنون إلى سفلهم ونزار كلهم سلف نفسه ومضر لا تحن إلى سلفها ولم يكن أحد من العرب أشد إقداما على أرض فارس من ربيعة فبلغ عمر اختلاف المثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله في الإمارة فاستشار الناس فقال المغيرة بن شعبة يا أمير المؤمنين تداركهم برجل من المهاجرين واجعله بدريا فقال أشيروا علي برجل فقال عبد الرحمن بن عوف قد وجدته قال من هو قال سعد بن أبي وقاص قال هو لها فكتب عمر إلى المثنى لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكتب إلى جرير والمثنى إني موجه سعدا إليكما فاسمعا له وأطيعا

(4/137)


وذكر الطبري وغيره في هذا الموضع من تحرك عمر رضي الله عنه للخروج إلى العراق بنفسه واستدعائه وجوه المهاجرين والأنصار للمشورة عليه فيه بعد أن خرج بذلك الرسم فنزل صرارا وقدم بين يديه طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص وخلف بالمدينة علي بن أبي طالب واليا عليها وإشارة أولى الرأي عليه بالرجوع إلى المدينة والاستخلاف على ذلك الوجه واستنفار العرب له ما قد فرغنا من ذكره في صدر وقعة البويب من خبر الجسر حيث ذكره المدائني ولعل ذلك الموضع أولى به فإن يكن كذلك فقد ذكرناه حيث ينبغي وإن يكن موضعه هذا فقد نبهنا عليه ليعرف ما وقع فيه من الاختلاف بين المؤلفين في هذا الشأن بحسب ما تأدي إليهم من جهة النقل والأمر في ذلك قريب والاختلاف في المنقولات غير مستنكر والله تعالى أعلم
وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه استعمل سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن بنجد فأقره عمر عليها فلما أتاه اجتماع فارس وقيام يزدجرد في قول من جعل قيامه بعد وقعة البويب خلافا لما ذكره المدائني وآخرون معه من قيامه قبل ذلك حسب ما قدمناه كتب عمر إلى المسلمين بما عملوا به قبل انتهاء كتابه إليهم من الوقوف على حدود أرضهم وأن يستخرجوا كل دبي سلاح وفرس ممن له رأي ونجدة فيضموه إليهم حتى يأتيهم أمره وكتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجه إلى الحج يأمرهم أيضا بانتخاب الناس أولى الخيل والسلاح والنجدة والرأي ويستعجلهم في توجيههم إليه وكتب بمثل ذلك إلى سعد بن أبي وقاص فجاءه كتاب سعد
إني قد انتخبت لك ألف فارس مرد كلهم له نجدة ورأي يحوط حريم قومه ويمنع زمارهم إليهم انتهت أحسابهم وآراؤهم فشأنك بهم

(4/138)


فوافق وصول كتاب سعد بهذا مشاورة عمر الناس في رجل يوجهه إلى العراق فقالوا قد وجدته قال من قالوا الأسد عاديا سعد بن مالك فانتهى إلى رأيهم وأرسل إليه فقدم عليه فأمره على حرب العراق وأوصاه فقال يا سعد سعد بني وهيب عليك بتقوى الله فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن ولا يغرنك أن يقال صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فإن الله عز وجل ليس بينه وبين احد سبب إلا طاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعاقبة ويدركون ما عنده بالطاعة ألم تسمع لقول الله تبارك وتعالى من جاء بالحسنة فله خير منها ( 84 القصص ) و من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ( 90 النمل ) وقد رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مذ بعثه الله حتى قبضه إليه فالزم ما رأيته عليه وإني موجهك إلى أرض فارس فسر على بركة الله فقد استعملنك على من مررت به من القبائل ممن سقط إليكم من العرب فاندبهم إلى الجهاد ورغبهم فيه واعلمهم ما أعد الله لأهله فمن تبعك منهم فأحسن إليه وارفق بهم واجعل كل قبيلة على منزلها ومن لم يبلغ أن تستنفره بمن معه من قبيلة فاجعله مع من أحب وانزل فيدا حتى يأتيك أمري
وفي رواية أنه قال لما أراد أن يسرحه
إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا الحق فعود نفسك ومن معك الخير واستفتح به واعلم أن لكل عادة عتادا وعتاد الخير الصبر فالصبر الصبر تجتمع لك به خشية الله تجتمع لك في أمرين في طاعته واجتناب معصيته وإنما أطاعه من أطاعه بحب الآخرة وبغض الدنيا وعصاه من عصاه بحب الدنيا

(4/139)


وبغض الآخرة وللقلوب حقائق ينشئها الله عز وجل انشاء منها السر والعلانية فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس إليه فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم وإن الله تعالى إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه وإذا أبغض عبدا بغضه إليهم فاعتبر منزلتك عند الله عز وجل بمنزلتك عند الناس ممن يسرع معك في أمرك
وذكر المدائني أن عمر رضي الله عنه كتب لسعد مع ما أوصاه به عهدا يقول له فيه
أوصيك بتقوى الله والرغبة فيما عنده فادع الناس إلى الله فمن أجابك فهو أولى بماله وأهله وولده وليس لك منه إلا زاد بلاغ إن احتجت وعظ نفسك وأصحابك ولا تكثر عليهم فيملوا واجعلهم رفقاء أخوانا وألن لهم جناحك وحطهم بنفسك كنفسك واعلم أن المسلمين في جوار الله وأن المسلم أعظم الخلق عند الله حرمة ولا يطلبنك الله بخفرته في أحد منهم واحذر عليهم واحفظ قاصيتهم وعد مريضهم وانصف مظلومهم وخذ لضعيفهم من قويهم واصلح بينهم وألزمهم القرآن وخوفهم بالله وآمنهم من ذكر الجاهلية وما كان فيها فإنها تورث الضغينة وتذكرهم الدخول واعلم أن الله قد توكل من هذا الأمر بما لا خلف فيه فاحذر أن يصرف الله ذلك عنك بذنب ويستبدل بكم غيركم واحذر من الله ما حذركم من نفسه فإنك تجد ما قدمت يداك من خير محضرا وما علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا
ثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين فخرج سعد بن أبي وقاص من المدينة قاصدا للعراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن والسراة وألف من سائر الناس
قالوا وشيعهم عمر رحمه الله من صرار إلى الأعواص ثم قام في الناس خطيبا فقال

(4/140)


إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال وصرف لكم القول ليحيي بذلك القلوب فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله تعالى من علم شيئا فلينتفع به وإن للعدل أمارات وتباشير فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين وأما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل أمر باب بابا ويسر لكل باب مفتاحا فمتاحل فباب العدل الإعتبار ومفتاحه الزهد والإعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات والاستعداد له بتقديم الأعمال والزهد أخذ الحق إلى كل أحد له حق ولا يصانع في ذلك أحدا ويكتفي بما يكفيه من الكفاف فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء إني بينكم وبين الله وليس بيني وبين الله أحد وإن الله عز وجل قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع
فسار سعد في عام غيداق خصيب حتى نزل فيدا فأقام بها أشهرا وجعل عمر لا يأتيه أحد من العرب إلا وجهه إليه ثم كتب إليه أن يرتفع بالناس إلى زرود فاتاها وأقام بها واتاه من حولها من بني تميم من حنظلة وأتته سعد والرباب وعمرو فكان ممن أتاه عطارد ولبيد بن عطارد والزبرقان ابن بدر وحنظلة بن ربيعة الأسدي وربعي أبو شبيب بن ربعي الرياحي وهلال ابن علقمة التميمي والمنذر بن حسان الضبي فقالت رؤساء حنظلة يا بني تميم قد نزل بكم الناس وهم قبائل الحجاز واليمن وأهل العالية وقد لزمكم قراهم فشاطروهم الرسل ففعلوا فمن كان له منحتان قصر إحداهما عليهم ومن كان له أكثر فعلى حساب ذلك فقروهم شتوة بزورود

(4/141)


وكان عمر أمد سعدا بعد خرجه فيما ذكر سيف عن أشياخه بألفي يماني وألفي نجدي مرد من غطفان وسائر الناس فنزلوا معه زرود في أول الشتاء وتفرقوا فيما حولها وأقام سعد ينتظر اجتماع الناس وأمر عمر وانتخب من بني تميم والرباب أربعة آلاف منهم ألف من الرباب وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف وأمرهم أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة فأقاموا هنالك بين سعد بن أبي وقاص وبين المثنى بن حارثة والمثنى بذي قار ويقال بأليس وقال بعضهم بشراف وجرير ومن معه من أخلاط الناس متفرقون فيما بين العذيب إلى خصي ويقال غضي
وكان المثنى في ثمانية آلاف من ربيعة منهم ستة آلاف من بكر بن وائل وألفان من سائر ربيعة منهم أربعة آلاف ممن كان المثنى انتخبه بعد فصول خالد عنه إلى الشام وأربعة آلاف كانوا معه ممن بقي يوم الجسر وكان معه من أهل اليمن ألفان من بجيلة وألفان من قضاعة وطيء ممن انتخب إلى ما كان قبل ذلك على طيء عدي بن حاتم وعلى قضاعة عمرو بن وبرة وعلى بجيلة جرير بن عبد الله فبينا الناس كذلك سعد يرجوا أن يقدم عليه المثنى والمثنى يرجو أن يقدم عليه سعد انتقضت بالمثنى جراحاته التي كان أصيب بها يوم الجسر فمات رحمه الله ولما أحس بالموت استخلف على الناس بشير بن الخصاصية وكتب إلى سعد
كتبت إليك وأنا لا أراني إلا لما بي فإن اهلك أو أسلم فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وان الجنة مأوى المتقين وأن النار مثوى الكافرين ولا أخال العجم إلا سيجمعون على حربك فهم لاقوك بجمع لم يلقونا بمثله وقد أراني الله إن كان قضى بينك وبينهم حربا أن تقاتلهم على أدنى حجر من بلادك على حد أرضهم فإن ظفرتم فلكم ما وراءهم وإن كانت
الأخرى ولا أراها الله المسلمين كنتم أعلم بسبيلكم وأجرأ على طريقكم وأجرأ على أرضكم وانحزتم إلى فئتكم إلى أن يرد الله لكم الكرة عليهم

(4/142)


وكان مع بشير بن الخصاصية عندما استخلفه المثنى وجوه أهل العراق ومع سعد وجوه أهل العراق الذين قدموا على عمر رحمه الله فيهم فرات بن حيان العجلي وعتيبة بن النهاس فردهم مع سعد
فمن أجل ذلك اختلف الناس في عدد أهل القادسية فمن قال هم أربعة آلاف فلمخرجهم مع سعد من المدينة ومن قال ثمانية آلاف فلاجتماعهم بزرود ومن قال تسعة آلاف فللحاق القيسيين ومن قال اثنا عشر ألفا فلدفوف بني أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف وقدم عليه بعد ذلك ناس كثير مع الأشعث بن قيس وغيره
قالوا فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفا
وكتب سعد إلى عمر رحمه الله بموت المثنى فكتب إليه أن سر حتى تنزل بشراف وأحذر على من معك من المسلمين وعليك بالإصلاح ما استطعت
فارتحل سعد عن زرود ومعه تميم وقيس واليمن وغيرهم وفيهم رجالة فحمل بنو تميم ضعفاءهم حتى قدموا شراف فنزلها فاتاهم بشير بن الخصاصية وجرير ومن كان معه بفروع الحزن وقدم عليه المعنى بن حارثة أخو المثنى وقدمت معه زوج المثنى سلمى بنت خصفة من بني تيم اللات بوصيته إلى سعد وكان قد أوصى بها وأمرهم أن يعجلوها عليه بزرود فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر إلى أن انقضى ذلك كما نذكره بعد عند ذكر مقتل قابوس على ما ذكره المدائني فقدم حينئذ المعنى وسلمى على سعد بوصية المثنى ورأيه فترحم عليه سعد عندم تانتهى ذلك إليه وأمر أخاه المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا وخطب سلمى فتزوجها وبنى بها وبنى مسجدا
بشراف فقال بعض التميميين يذكر نفيرهم إلى سعد وقراهم له وحملانهم
فنفرنا إليهم باحتساب
لم نعرج ولم نذق تغميضا
وقريناهم ربيعا من الرسل
حقينا مثملا وغريضا
وحملنا رجالهم من زرود
إذ تعايوا فلم يطيقوا النهوضا
الخفيف

(4/143)


وكتب سعد إلى عمر حين نزل شراف يخبره بمكانه فقال لأرمين فارس وابناءها بالمهاجرين وأبناء المهاجرين فوجه ألفا ومائة منهم ممن شهد بدرا نيف وأربعون رجلا وسائرهم ممن شهد بيعة الرضوان إلى الفتح وحضهم عمر رحمه الله فقال إن أحب عباد الله إلى الله وأعظمهم عنده منزلة أتقاهم له وأشدهم منه رجلا فعليكم بتقوى الله والإصلاح ما استطعتم وما التوفيق إلا بالله الزموا الطاعة يجمع الله لكم ما تحبون من دينكم ودنياكم واوفوا بالعهد لمن عاهدتم وإياكم والغدر والغلول فإنه من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ومن غدر أدال الله منه عدوه ووهن كيده فافهموا ما توعظون به واعقلوا على الله أمره ولا تكونوا كالجفاة الجاهلية
وعن سيف أن عمر رحمه الله قال والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب فلم يدع رئيسا ولاذا رأي ولا ذا شرف ولا ذا سلطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به فرماهم بوجوه الناس وغررهم
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة وهو بالشام أن يمد سعدا بمن كان عنده من أهل العراق وكانوا ستة آلاف ومن اشتهى أن يلحق بهم وكتب إلى المغيرة بن شعبة أن يسير إلى سعد من البصرة وكتب إلى سعد بمثل رأي المثنى الذي أشار به على سعد
أما بعد فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين وتوكل على

(4/144)


الله واستعن به على أمرك كله واعلم أنك تقدم على أمة عددهم كثير وعدتهم فاضلة وبأسهم شديد وعلى بلد وإن كان سهلا كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه فإذا لقيتم القوم أو أحد منهم فابدءوهم الضرب والشد وإياكم والمناظرة لجموعهم ولا يخدعنكم فإنهم خدعة مكرة أمركم غير أمرهم إلا أن تجادوهم فإذا انتهيت إلى القادسية والقادسية باب فارس في الجاهلية وهي أجمع تلك الأبواب لما تريد ويريدون وهو منزل رحيب خصيب حصين دونه قناطر وانهار ممتنعة فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر والمدر على أقصى حجر من أرض العرب وأدنى مدرة من أرض العجم ثم الزم مكانك فلا تبرحه فإنهم إذا أحسوك أنقضتهم ورموك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم بقتالهم رجوت أن تنصروا عليهم ثم لا يجمع لكم مثلهم أبدا إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم وان تكن الأخرى كان الحجر في أدباركم فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى ادنى حجر من أرضكم ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم وكانوا عنها اجبن وبها أجهل حتى يأتيكم الله بالفتح ويرد لكم الكرة وليكن منزلك الذي تنزله رحيبا خصيبا وإذا نزلت منزلا فلا تستاخر عنه فإن ذلك وهن عليك وجرأة لعدوك وأذك العيون واتبع الغرض ولا تأمنن قريبا ولا بعيدا وصف لي منزلك الذي تنزله وكم بينك وبين أول عدوك وآخره وكيف مأتاهم وسم لي المنزل فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستفتحون فارس وأنكم الأعلون
وفي رواية أنه كتب إليه باليوم الذي يرتحل فيه من شراف وأين ينزل بالناس فيما بين عذيب والهجانات وعذيب والقوادس وأن يشرق بالناس ويغرب بهم فارتحل سعد عن شراف يريد ان ينزل منزلا على ما كتب به إليه عمر فانتهى إلى المغيثة فأقام وبنى مسجدا بين الفرعاء والمغيثة وقدم بين

(4/145)


يديه زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الجوية يرتاد له منزلا فأقبل زهرة حتى انتهى إلى العذيب وكتب إلى سعد فأقبل في أثره فنزل المسلمون ما بين العذيب إلى القادسية وهي أحساء فقال في ذلك النعمان بن مقرن المزني وتروى لغيره
نزلنا بأحساء العذيب ولم تكن
لنا همة إلا إختيار المنازل
لنحوي أرضا أو نناهب غارة
يضج لها ما بين بصرى وبابل
الطويل
ونزل زهرة القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس وهي يومئذ أسفل منها بميل وكتب سعد إلى عمر إنا نزلنا من القادسية والعذيب منزلا خصيبا رحيبا على أقصى حجر من أرضنا وأدنى مدرة من أرض عدونا فأما عن يسار القادسية فبحر أخضر لاج إلى الحيرة بين طرفين أما أحدهما فعلى الظهر وأما الآخر فعلى شاطى ء نهر يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة وأما عن يمين القادسية ففيض من فيوض مياههم وبيننا وبين أدنى عدونا منا خمسة عشر ميلا ولم يبلغني من الذي أسندوا إليه أمرهم إلى أن كتبت إليك ومتى يبلغني ذلك أكتب به إليك إن شاء الله ونحن متوكلون على الله راجعون له
ولما بلغ أهل فارس اجتماع العرب لهم وكثرة من انثال على سعد من رؤسائهم ووجوههم عظم ذلك عليهم ورعبهم وزادهم نزولهم القادسية رعبا وضيقا فعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار وأرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب وأن فعلهم منذ نزلوها لا يبقى عليه شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات فليس هنالك أنيس إلا في الحصون وقد ذهبت الدواب وكل شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة ولم يبق إلا أن يستنزلونا فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطف وأعانوهم عليه
ولما كثرت الإستغاثة من أهل السواد على يزدجرد خشعت نفسه واتقى

(4/146)


الحرب برستم فأرسل إليه فدخل عليه فقال إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للأمور على قدرها وأنت رجل أهل فارس اليوم وأنت لها وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم منذ ولى آل أردشير
فأراه رستم أن قد قبل منه وأثنى عليه فقال له الملك قد أحببت أن أنظر فيما لديك لأعلم ما عندك فصف لي العرب وفعلهم وصف لي العجم وما يلقون منهم فقال رستم صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال ليس كذلك إنما سألتك رجاء أن تعرف صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب فافهم عني إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفت على مرقب عند جبل تأوي في ذراة الطير تبيت في أوكارها فإذا أصبحت الطير تجلت فأبصرت العقاب ترقبها فخافتها فلم تنهض وطمعت العقاب فلم ترم وجعلت كلما شذ منها طائر انقضت عليه فاختطفتها حتى أفنتها فلو نهضت بأجمعها نهضة واحدة لنجت وأشد شيء يكون في ذلك أن تنجوا كلها إلا واحدا فهذا مثلهم ومثل الأعاجم فاعمل على قدر ذلك فإني أريد أن أوجه إلى هؤلاء القوم جمعا أستأصلهم به
فسجد له رستم وقال الملك أفضل رأيا وأيمن أمرا وأسعد جدا وإن أذن لي تكلمت
قال قل قال هزيمة جيش بعد جيش أمثل وأبقى من هزيمة الجماعة التي ليس بعدها مثلها فأبى عليه يزدجرد إلا أن يجمع له الناس ويوجهه بهم إلى العرب فقال له رستم أيها الملك دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بي ولعل دولة تكون فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبناه المكيدة ورأي الحرب فإن الرأي فيها والمكيدة انفع من بعض الظفر فألح يزدجرد وترك الرأي وكان ضيقا لجوجا وقال لرستم امض حتى يأتيك أمرى فخرج حتى ضرب عسكره بساباط ووجه إليه الملك المرازبة والقواد والأساورة واستحثه

(4/147)


في المسير فأعاد عليه رستم كلامه وقال أيها الملك إن هزيمتي لهم دونها ما بعدها وعليكم دونها ما بعدها ولقد اضطرني تضييع الرأي إلى اعظام نفسي وتزكيتها ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به فأنشدك الله في أهلك ونفسك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرج الجالينوس فإن تكن لنا فذاك وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون موفورون فأبى إلا ان يسير
ولما نزل رستم بساباط وجمع أداة الحرب وآلاتها بعث على مقدمته الجالينوس في أربعين ألفا وخرج هو في ستين ألفا وساقته في عشرين ألفا وعليها الفيرزان وعلى ميمنته الهرمزان وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازي وقال رستم ليشجع الملك إن فتح الله علينا هؤلاء القوم فهو وجهنا إلى ملكهم في داره حتى نشغلهم في أهلهم وبلادهم إلا أن يقبلوا المسالمة ويرضوا بما كانوا يرضون به
وقال سيف عن أشياخه خرج رستم في عشرين ومائة ألف كلهم متبوع فكانوا بأتباعهم أكثر من مائتي ألف ثم أن رستم رأى رؤيا فكرهها وأحس لها الشر وكره لها الخروج ولقاء القوم واختلف عليه رأيه واضطرب وسأل الملك أن يمضي الجالينوس ويقيم حتى ينظر ما يصنعون وقال إن غناء الجالينوس كغنائي وإن كان اسمي أشد عليهم من اسمه فإن ظفر فهو الذي نريد وإن تكن الأخرى وجهنا مثله ودافعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم ولا أزال مهيبا في صدور العرب ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم وإن باشرتهم اجترءوا آخر دهرهم وانكسر أهل فارس آخر دهرهم
قالوا ولما أبى الملك إلا مسير رستم كتب رستم إلى أخيه وإلى رءوس بلاده من رستم بن البندوان إلى مرزبان الباب وسهم أهل فارس الذي كان يعد لكل عظيمة فيفض الله به الجموع ويفتح به الحصون ومن قبله من عظماء أهل

(4/148)


فارس والمرازبة والأساورة فرموا حصونكم واعدوا واستعدوا فكأنكم بالعرب هذه الأمة الذليلة كانت عندكم الخسيسة المنزلة الضيقة المعيشة قد وردوا بلادكم وقارعوكم على أرضكم وأبنائكم وانتزعوا ما في أيديكم وكان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود نجومنا فأبى الملك
ويقال إن رستم عندما أمره يزدجرد بالنهوض إلى ساباط كتب إلى أخيه بنحو الكتاب الأول وزاد فيه أن السمكة قد كدرت الماء وان النعائم قد حبست وحسنت الزهرة واعتدل الميزان وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما قبلنا وأن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم بنفسي وأنا سائر إليهم
وكان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى وكان من أهل فرات بادقلي فأرسل إليه وقال ما ترى في مسير رستم وحرب العرب اليوم فخافه على الصدق فكذبه وكان رستم يعلم نحوا من علمه فثقل عليه مسيره لأجل ذلك وخف على الملك لما غره منه وقال الملك للغلام إني أحب أن تخبرني بشيء أراه أطمئن به إلى قولك فقال الغلام لزرنا الهندي أخبره فقال سلني فسأله فقال أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شيء في فيه هاهنا وخط دائرة فقال الغلام صدق والطائر غراب والذي في فيه درهم فيقع منه على هذا المكان
وبلغ جابان ان الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسب فقال صدق ولم يصب إنما الطائر عقعق والذي في فيه درهم فيقع منه على هذا المكان وكذب زرنا يندر الدرهم من هاهنا فيستقر هاهنا ودور دائرة أخرى فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق فسقط منه درهم في الخط الأول فنزا فسقط في الخط الآخر ونافر الهندي جابان حيث
خطاه فأتيا ببقرة نتوج فقال الهندي سخلتها غراء سوداء فقال جابان كذبت بل سوداء صبغاء فنحرت البقرة فاستخرجت سخلتها فإذا ذنبها أبيض وهو بين عينيها فقال جابان من هاهنا أتى وشجعاه على إخراج رستم فامضاه

(4/149)


ولما فصل رستم من ساباط لقيه جابان على القنطرة فشكا إليه فقال ألا ترى ما أرى فقال رستم أما أنا فأقاد بخشاش وزمام ولابد من الإنقياد وأمر الجالينوس بالتقدم إلى الحيرة فمضى نحوها حتى اضطرب عسكره بالنجف وخرج رستم بعده حيث ينزل بكوثى وأمر الجالينوس عندما قدمه أن يصيب له رجلا من العرب من جند سعد فخرج هو والآزاذمرد مرزبان الحيرة في سرية حتى انتهيا إلى القادسية فأصابا دون قنطرتها رجلا فاختطفاه ونفر الناس فاعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون في أخرياتهم فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم وهو بكوثي فقال له رستم ما جاء بكم وماذا تطلبون قال جئنا نطلب موعود الله عز وجل قال وما موعود الله عز وجل قال أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أنتم أبيتم أن تسلموا قال رستم فإن قتلتم قبل ذلك قال في موعود الله عز وجل من قتل منا قبل ذلك أدخله الله الجنة وانجز لمن بقي منا ما قلت لك فنحن من ذلك على اليقين فقال له رستم قد وضعنا إذا في أيديكم فقال ويحك يا رستم إن أعمالكم وضعتكم فاسلمكم الله بها فلا يغرنك ما ترى حولك فإنك لست تحاول الإنس إنما تحاول القضاء والقدر فاستشاط فأمر به فضربت عنقه رحمه الله
وارتحل رستم من كوثي وكأنه يقاد بزمام حتى إذا كان ببرس أفسد أصحابه وغصبوا الناس أموالهم ووقعوا على نسائهم فضج العلوج إلى رستم وشكوا إليه
ما يلقون من أصحابه فجمع المرازبة والرؤساء فقام فيهم فقال يا معشر أهل فارس والله لقد صدق العربي والله ما أسلمتنا إلا أعمالنا والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم إن الله عز وجل إنما كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بالعدل وحسن السيرة فأما إذ تحولتم عن ذلك فأظهرتم البغي وسارعتم في الفساد فلا ارى الله عز وجل إلا مغيرا ما بكم وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم فإنه لم يفعل هذا قوم إلا نزع عنهم النصر وسلط عليهم العدو

(4/150)


ثم بعث الرجال فلقطوا بعض الذين شكوا فضربت اعناقهم ثم نادى في الناس بالرحيل فسار حتى نزل بجبال دير الأعور ودعا أهل الحيرة وسرادقه إلى جنب الدير فأوعدهم وهم بهم وقال يا أعداء الله فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا وكنتم عيونا لهم علينا واعنتموهم بالأموال فاتقوا بابن بقيلة وقالوا له كن أنت الذي تكلمه فتقدم إليه ابن بقيلة فقال له لا تجمع علينا أمرين العجز عن نصرنا واللائمة لنا في الدفع عن أنفسنا وبلادنا أما قولك أنا فرحنا بمجيئهم وبأي ذلك من أمرهم نفرح إنهم يزعمون أنا عبيد لهم وما هم على ديننا وأنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار وأما قولك أنا كنا لهم عيونا فما احتاجوا إلى العيون لقد ترك أصحابك البلاد حتى كانت خيولهم تذهب حيث شاءت وأما أعانتهم بالأموال فإنا صانعناهم بها إذ لم تمنعونا مخافة أن نسى ونخرب وتقتل مقاتلتنا وقد عجز عنهم من لقيهم منكم فكنا نحن اعجز منهم ولعمري لأنتم أحب إلينا منهم فامنعونا نكن لكم فإنما نحن بمنزلة علوج السواد عبيد من غلبنا فقال لهم رستم صدقكم الرجل
قال الرفيل ورأى رستم بالدير أن ملكا هبط من السماء حتى دخل عسكر فارس فاخذ سلاحهم فختم عليها ثم رفعها فأصبح كئيبا وقد أيقن أن ملكهم قد ذهب ثم ارتحل حتى نزل النجف فعادت عليه الرؤيا فرأى ذلك الملك ومعه النبي {صلى الله عليه وسلم} وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فدفعه النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى
عمر فأصبح رستم وقد ازداد جزعا فلما رأى الرفيل ذلك رغبه في الإسلام فأسلم وما كان داعيته إليه إلا ذلك

(4/151)


وكان رستم قد أرسل إلى قابوس بن المنذر وقال بعضهم ابن النعمان بن المنذر اكفنا ما كانت آباؤك تكفينا من العرب وعقد له على أربعة آلاف وقدمه إلى العذيب فلما قدم سعد بن أبي وقاص بين يديه زهرة بن الجوية يرتاد له منزلا قدم زهرة أمامه بكر بن عبد الله الكناني وقال بعضهم عبد الله بن بكير فانتهى إلى العذيب ووافاه زهرة هنالك فطرقوا قابوس بياتا في حصن العذيب فقتلوه وتفرق أصحابه منهزمين حتى وصلوا إلى رستم هكذا ذكر المدائني
وفي كتاب سيف أن الآزادمرد بن الأزاذبة هو الذي بعث قابوس إلى القادسية وقال له ادع العرب فأنت على من أجابك وكن كما كان آباؤك فلما نزل القادسية كاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعدا فلما انتهى خبره إلى المعنى بن حارثة أسرى من ذي قار حتى بيته فأنامه ومن معه ثم رجع فخرج إلى سعد بن أبي وقاص بزوجة المثنى ووصيته وهذا الوجه الذي خرج إليه هو الذي شغله عن تعجيل القدوم على سعد بوصية أخيه حسب ما ذكرناه قبل
وعن كريب بن أبي كرب العكلي وكان في المقدمات أيام القادسية قال قدمنا سعد من شراف فنزلنا في عذيب الهجانات ثم ارتحل فلما نزل علينا وذلك في وجه الصبح خرج زهرة بن الجوية في المقدمات فلما رفع لنا العذيب وكانت من مسالحهم استبنا على بروجه ناسا فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شرفتين إلا رأيناه وكنا في سرعان الخيل فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف ونحن نرى أن فيها خيلا ثم أقدمنا على

(4/152)


العذيب فلما دنونا منه خرج منه رجل يركض نحو القادسية فانتهينا إليه فدخلنا فإذا ليس فيه أحد وإذا ذلك الرجل هو الذي تراءى لنا على البروج وبين الشرف مكيدة ثم انطلق بخبرنا فطلبناه فاعجزنا وسمع بذلك زهرة فلحق بنا وخلفنا وأتبعه وقال إن أفلت الذي أتاهم الخبر فلحق بالخندق فطعنه فجد له فيه وكان أهل القادسية يعجبون من شجاعة ذلك الرجل وعلمه بالحرب ولم تر عين قط اثبت منه ولا أربط جأشا لولا بعد غايته لم يلحق به زهرة ووجد المسلمون رماحا ونشابا وأسفاطا من جلود وغيرها انتفع المسلمون بها
ولما أمسى زهرة بن الجوية بعث سرية في جوف الليل وأمر عليهم بكير بن عبد الله الليثي وكانوا ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس وفيهم الشماخ القيسي الشاعر وأمرهم بالغارة على الحيرة فساروا حتى جازوا السيلحين وقطعوا جسرها يريدون الحيرة فسمعوا جلبة فأحجموا عن الإقدام وأقاموا كمينا حتى يتبينوا فما زالوا كذلك حتى جازت بهم خيول تقدم تلك الغوغاء فتركوها فنفذت لطريق الصين وإذا هم لم يشعروا بهم وإنما ينتظرون ذلك العين الذي قتله زهرة وإذا أخت الآزاذمرد مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصين وكان من أشراف العجم وتلك الخيل تبلغها مخافة ما هو دون الذي لقوا فلما انقطعت الخيل عن الزواف والمسلمين كمين في النخل وحاذت بهم الأثقال حمل بكير على شيراز بن الأزاذبة أخي الآزاذمرد وهو بين أخته وبين الخيل فقصم بكير صلبه وطارت الخيل على وجوهها وأخذوا الأثقال وابنة الآزاذبة في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة امرأة من التوابع ومعهم ما لا يدري قيمته ثم عاج واستاق ذلك كله فصبح سعدا

(4/153)


بعذيب الهجانات بما أفاء الله عز وجل على المسلمين فكبروا تكبيرة شديدة فقال سعد أقسم بالله لقد كبروا تكبيرة عرفت فيها العز فقسم ذلك سعد على المسلمين ونفل من الخمس وأعطى المجاهدين بقيتة فوقع منهم موقعا ووضع سعد بالعذيب خيلا تحوط الحريم وانضم إليها حاطة كل حريم وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي ونزل سعد القادسية فنزل في قديس ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم وكتب سعد إلى عمر رحمه الله يعلمه بقتل الآزاذبة على يدي بكير بن عبد الله وقال فيما كتب به إليه
وأنا مقيم بالقادسية على أمرك ومنزلنا خصيب الجناب ونحن ننتصف فيه من عدوان نزل بنا في الخصب ننال من ذلك أفضل الذي نريد وهو يوم كتبت لك مباح لنا لايدفعوننا عنه إلا بالاعتصام بمعاقلهم ولن يزال عندك منا كتاب بما يحدث إن شاء الله
فأقام سعد شهرا ثم كتب بمثلها إلى عمر رحمهما الله نحن وعدونا على ما كتبت إليك لم يوجهوا إلينا أحدا ولا أسندوا حربا إلى أحد علمناه ومتى يبلغنا ذلك نكتب به فاستنصروا الله لنا فإنا بمنحاة دنيا عريضة دونها بأس شديد وقد تقدم الله إلينا في الدعاء إليهم فقال تعالى ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ( 16 الفتح )
فكتب إليه عمر أما بعد فإن أبا بكر رحمه الله كان رشيدا موفقا محفوظا معانا أكرمه الله وأعانه حتى قبضه إليه راضيا مرضيا عنه وقد ابتلينا بالذي ولينا مما لاطاقة لنا بحفظه والقيام عليه إلا بتحنن القوى ذي العزة والعظمة وقد علمت ان فارس ستقبل إليك بمرازبتها وبأسها وعددها فأياك والمناظرة لجموعهم والقادسية على ما وصفت لي منزل جامع والجد الجد على الذي أنت عليه واكتب إلي بجمعهم الذي زحفوا إليك به ومن رأسهم الذي يسندون إليه أمرهم وكم بين ادنى عدوك منك وبين ملكهم واجعلني من أمرهم

(4/154)


على الجلية فإنك بحمد الله على أمر الله وليه وناصره والله ناصر من نصره وقد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له والله متم أمره ومن يرد الله به صلاحا يلهمه رشده فيما أعطاه ويبصره الشكر لنعمته والعمل بطاعته والعرفان لأداء حقوقه ومن يكن بتلك المنزلة يعنه الله على حسن نيته ويعطه أفضل رغبته وإنما يستوجب كرامة الله بتمام نعمته من عصم له دينه وإنما يصلح الله النية لمن رغب فيما عنده وأذعن لطاعة ربه وإن منازل عباد الله عنده على نياتهم فاكثر ذكر الله وكن منه على الذي رغبك إليه وفيه فإن في ذلك رواحا للمستريح ونجاحا تجد فيه غدا نفع ما قدمت فإنك ممن أرغب له في الخير ويعنيني أمره للمكان الذي أنت فيه من عدو الإسلام نسأل الله لنا ولك إيمانا صادقا وعملا زاكيا
فكتب إليه سعد وقد علم بأن رستم هو الذي تعين لحرب العرب وقود جيوش فارس وانه قد زحف إلى المسلمين ودنا منهم إذ كان سعد وجه عيونا إلى الحيرة فرجعوا إليه بالخبر فكتب به فيما أجاب به عمر رضي الله عنهما
أتاني كتابك بما ذكرت من أبي بكر رحمة الله عليه ولم يكن أحد يذكر من أبي بكر شيئا إلا وقد كان أفضل من ذلك فبواه الله غرف الجنة وعرف بيننا وبينه وإنك عامل من عمال الله فاستعن بالله وشمر وليس شيء أهم عندي ولا أنا أكثر ذكرا لما نحب أن نكون عليه من الذي أمرتنا به والله ولي العون على ذلك وقد قدم علينا عظيم من عظمائهم يقال له رستم بالخيل والفيول والعدد والعدة والقوة فيما يرى الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله وبيننا وبينه خمسة عشر ميلا وبينه وبين ابن كسرى بأبيض المدائن نيف على ثلاثين فرسخا ولنا من عدونا النصف إن شاء الله ولن يزال منا عندك كتاب يخبرنا إن شاء الله فاستنصروا الله لنا بالدعاء والتضرع خفية وجهرا فإن الله يعطي من سعة ويأخذ بقدرة ويفعل ما يشاء
وكان عمر رحمه الله قد أمر بموالاة الكتب إليه بكل شيء فكان سعد
يكتب إليه في كل يوم
وكتب إليه عمر

(4/155)


أتاني كتابك تذكر مكان عدوك ونزولك حيث نزلت ومسافة ما بينك وبين ابن كسرى وانه من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فأرسل إلى ابن كسرى من يدعوه إلى الإيمان أو إعطاء الجزية أو الحرب فإن أسلم عليه ما عليكم وإن اختار أعطاء الجزية ولم يسلم فله ما كسب وعليه ما اكتسب وقد حقن دمه وأحرز أرضه ولا سبيل عليه إلا في حق عليه فإن أبى الإسلام واعطاء الجزية فلا يعظم عندك حربه ولا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتوك به فاستعن بالله واستنصره وتوكل عليه وإذا لقيت عدوك فقدم أهل البأس والنجدة في غير إهانة لهم ولا تغرير بهم وعليكم بالصبر فإنه ينزل النصر فإذا ظهرت فأكثر القتل في دبر المشركين واقتل المقاتلة واستبق النساء والصبيان ثم لا تتركن أحدا من العدو وراءك وإن اعطوك الصلح فلا تصالح إلا على الجلاء إلا أن تترك فيها من لا كيد له ولا نكاية وأحط بأمري وخذ بعهدي
وفي رواية انه قال له فيما كتب به إليه وابعث أليهم رجالا من أهل المنظر والرأي والجلد يدعونهم فإن الله عز وجل جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم
ولما انتهى إلى سعد أمر عمر رضي الله عنه بالتوجه إلى يزدجرد جمع نفرا لهم نجار ولهم آراء ونفرا لهم منظر وعليهم مهابة
فأما الذين لهم نجار ولهم آراء واجتهاد فالنعمان بن مقرن وبسر بن أبي رهم وجبلة بن جوية الكناني وحنظلة بن الربيع الأسدي وفرات بن حيان العجلي وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب
وأما الذين لهم منظر لأجسامهم وعليهم مهابة ولهم آراء فعطارد بن حاجب والأشعث بن قيس والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو وعمرو
ابن معدي كرب وغيرهم ممن سماه سيف في كتابه
وخالفه المدائني في بعضهم فلم يذكرهم وذكر معهم ممن لم يذكره سيف طليحة بن خويلد وزهرة بن جوية ولبيد بن عطارد وشرحبيل بن السمط
قال المدائني فاتوا الحيرة فأرسل إليهم رستم أين تريدون قالوا نريد ابن كسرى فأرسل معهم أساورة فجوزوهم إلى المدائن فوقفوا ببابه

(4/156)


وقال سيف إنهم طووا رستم حتى انتهوا إلى باب يزدجرد فوقفوا على خيول عراب معهم جنائب وكلها صهال فاستأذنوا فحبسوا وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه ليستشيرهم فيما يصنع بهم ويقول لهم وسمع بهم الناس فحضروهم وهم ينظرون إليهم وعليهم المقطعات والبرود وفي أيديهم سياط رقاق وفي أرجلهم النعال فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فدخلوا عليه
قال بعض من حضر هذا اليوم ممن سبي في القادسية ثم حسن إسلامه لما كان هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب على يزدجرد ثاب إليهم الناس ينظرون إليهم فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم وخيلهم تخبط ويوغر بعضها بعضا وجعل اهل فارس يسؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس وكان سيء الأدب فكان أول شيء دار بينه وبينهم أن قال لترجمانه سلهم ما يسمون هذه الأردية فسأل النعمان بن مقرن وكان على الوفد ما تسمى رداءك قال البرد قال فتطير لموافقة هذا الاسم اسم شيء متطير به عندهم وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم ثم قال سلهم عن أحذيتهم فسأله فقال النعال فتطير أيضا لمثل ذلك ثم سأله عن الذي في يده فقال سوط والسوط بالفارسية الحريق فقال احرقوا فارس أحرقهم الله وكان تطيره على أهل فارس ثم قال لترجمانه سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا أمن أجل انا أجممناكم وتشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت

(4/157)


عنكم ومن شاء آثرته قالوا بل تكلم وقالوا للملك كلام هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة فلم يدع لذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاءنا به على ما كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوهم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون ما آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه وعلى أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم فإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا منكم ومنعناكم وإلا قاتلناكم
قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا نغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم
فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة النباش الأسدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف وتفخم الأشراف الأشراف وليس كل ما ارسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد احسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لأكون الذي

(4/158)


أبلغك ويشهدون على ذلك انك قد وصفتنا فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أحد أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعاما وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من اوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض فإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالتنا قبل اليوم على ما ذكرت لك وبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير احسابنا وبيته اعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا واجملنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب له كان الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقضنا فلم يقل شيئا إلا كان فقذف الله في قلوبنا اتباعه والتصديق له فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما امرنا به فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي وأنا خلقت كل شيء وإلي مصير كل شيء وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الله وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوهم مما تمنعون منه أنفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته الجنة ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وأن شئت فالسيف او تسلم فتنجوا بنفسك فقال أتستقبلني بمثل هذا فقال ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي وقال ائتوني بوقر

(4/159)


من تراب واحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن ارجعوا إلى صاحبكم واعلموه أني مرسل إليهم رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية ومنكل به وبكم من بعده ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور
ثم قال من أشرفكم فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو أراد لناخذ التراب أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحملنيه قال أكذلك قالوا نعم فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها فقال له أصحابه حملت ترابا قال نعم الفأل قد أمكنكم الله من أرضهم فلم يزل معه حتى قدم به على سعد فاخبره الخبر فقال سعد أبشروا فقد والله اعطانا الله أقاليد ملكهم وجعل المسلمون يزدادون في كل يوم قوة ويزداد عدوهم في كل يوم وهنا واشتد على جلساء الملك ما صنع وما صنع المسلمون من قبول التراب وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم وكيف رآهم فقال الملك ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي والله ما أنتم بأعقل منهم ولا احسن جوابا واخبره بكلام متكلمهم وقال لقد صدقني القوم لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه على أني وجدت أفضلهم أحمقهم لما ذكروا الجزية اعطيته ترابا يحمله على رأسه فخرج به ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أعلم
قال أيها الملك اخذ التراب أعقلهم وما أخذه إلا تطيرا وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان فبعث في أثر الوفد وقال لبعثه أن ادركتموهم تلا فينا أرضنا وإن اعجزوكم سلبكم الله أرضكم فرجع إليه من كان وجه أثرهم من الحيرة فأعلمه بفواتهم فقال ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك ما كان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظا واغار بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد إلى أن جاءوا صيادين قد اصطادوا سمكا وسار سواد بن مالك التميمي إلى

(4/160)


النجاد والفراض إلى جنبها فاستاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور فاوقروها سمكا واستاقوها فصبحوا بها العسكر فقسم سعد السمك بين الناس وقسم الدواب ونفل الخمس إلا ما رد منه على المجاهدين وأسهم على السبي وهذا يوم الحيتان وكان الآزاذمرد الازاذبة قد خرج في الطلب فعطف عليه سواد وفوارس معه فقاتلهم على قنطرة السيلحين حتى عرفوا أن قد نجت الغنيمة ثم أتبعوها حتى أبلغوها المسلمين وكانوا إنما يقرمون إلى اللحم وأما الحنطة والشعير والتمر فكانوا قد اكتسبوا منه ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا فكانت السرايا إنما تسري للحوم ويسمون أيامها بها كيوم الأباقر ويوم الحيتان وخرج أيضا مالك بن ربيعة بن خالد من تيم الرباب ومعه المسافر بن النعمان التميمي في سرية اخرى فأغاروا على الفيوم فأصابوا أبلا لبني تغلب والنمر فشلوها ومن فيها فغدوا بها على سعد فنحرت الإبل في الناس واخصبوا
ولما كتب سعد إلى عمر رحمه الله يخبره بأمر ابن كسرى واعداده للمصادمة وان من كان صالح المسلمين من أهل السواد قد صاروا إلبا عليهم لأهل فارس قال وأمر الله بعد ماض وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية كتب إليه عند ذلك عمر رحمه الله
قد جاءني كتابك وفهمته فاقم مكانك حتى ينغض الله لك عدوك واعلم أن لها ما بعدها فإن منحك الله أدبارهم فلا ينزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله
وجعل عمر يدعوا لسعد خاصة وللمسلمين عامة ويدعون له معهم
وفيما ذكر سيف عن رجاله قالوا كان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه عنها إلى أن لقي سعدا أربعة أشهر لايقدم ولايقاتل رجاء أن يضجروا بمكانهم وان يجهدوا فينصرفوا وكان يكره القتال مخافة أن يلقى ما لقي من قبله ويحب المطاولة له لولا أن الملك جعل يستعجله وينهضه ويقدمه حتى أقحمه
وكتب عمر رضي الله عنه إلى سعد

(4/161)


إنه قد ألقى في روعي أنكم إذا لقيتم العدو وهزمتموهم فاطرحوا الشك وآثروا عليه اليقين فمن لاحن منكم أحدا من العجم بامان بإشارة أو بلسان ولا يدري الأعجمي ما كلمتموه به وكان عندهم أمانا فاجروا ذلك مجرى الأمان وآثروا اليقين والنية على الشك وإياكم والمحك وعليكم بالوفاء فإن الخطأ مع الوفاء له بقية والخطأ بالغدر هلكة وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم وإياكم أن تكونوا شينا على المسلمين وسببا لتوهينهم
وكتب إليه سعد يستمده فكتب إليه عمر
أتستمدني وأنت في عشرة آلاف ومعك مالك بن عوف وحنظلة بن ربيعة وطليحة بن خويلد وعمرو بن معدى كرب في أمثالهم من فرسان العرب ومن معك من أهل الحسبة والرغبة في الجهاد فتوكل على الله واستعنه وناهض عدوك ولا تهيب الناس واستفتحوا بحسن النية والحسبة والزهد في الدنيا والإنصاف والصبر الصبر والصدق الصدق فإن النصر ينزل مع الصبر
والأجر على قدر الحسبة واحذر على المسلمين وتحرز من البيات واكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله واندب على الناس إلى القتال ونفل أهل البلاء ومن قتل قتيلا فنفله سلبه ونكل على المعصية واجعل الناس أسباعا واستعمل على كل سبع رجلا وقال بعضهم أعشارا وقد كتبت إلى المغيرة بن شعبة أن يشخص إليك في طائفة ممن قبله بالبصرة وكتبت إلى أبي عبيدة أن يمدك بجمع من الشام فإذا قدموا عليك فناهض عدوك وإن رأيت فرصة قبل ذلك فاغتنمها ولا تؤخر ذلك إن شاء الله ولا تستوحشن لقلة من معك ولا تهن لكثرة عدوك فكثيرا ما ينصر القليل ويخذل الكثير وقبلك طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب وحنظلة بن ربيعة وأوس بن معدان وابن زيد الخيل فلا تؤمرن أحدا منهم على اكثر من مائة وشاور عمرا وطليحة في الحرب ولا تولهما جمعا

(4/162)


فانتهى سعد رحمه الله إلى كل ما أمره به عمر رضي الله عنه من تهيئة الناس أسبعا أو أعشارا وقدم عليه المغيرة في ثمانمائة ويقال في ألف وخمسمائة والمسلمون في ضيق فقال المغيرة رحمه الله من آسى أخوانه بطعامه وزاده وبناقته وجمله فنحروا لهم واخرجوا أطعماتهم فأصابوا منها ووقوا وأشار المغيرة على سعد أن يوجه السرايا فيصيبوا الطعام والعلف فقبل سعد مشورته وبث السرايا فأصابوا من الأطعمة ما كانوا يكتفون به زمانا
وقد روي عن الشعبي أن عمر رحمه الله كتب إلى سعد مرتحله من زرود أن ابعث الى فرج الهند رجلا ترضاه يكون بحياله ردءا لك من شيء إن اتاك من تلك التخوم فبعث إليه المغيرة بن شعبة في خمسمائة فكان بحيال الأبلة من أرض العرب فاتى غضبا ونزل على جرير وهو يومئذ هنالك فلما نزل سعد بشراف كتب إلى عمر بمنزله ومنزل الناس فكتب إليه عمر
إذا جاءك كتابي هذا فعشر الناس وعرف عليهم وأمر على أجنادهم وعبئهم ومر رؤساء المسلمين أن يشهدوا وقدرهم وهم شهود ثم وجههم
إلى أصحابهم وواعدهم القادسية واضمم إليك المغيرة في خيله واكتب إلي بالذي يستقر عليه أمرهم
فبعث سعد إلى المغيرة فانضم إليه وإلى رؤساء القبائل فاتوه فقدر الناس وعبأهم بشراف فأمر أمراء الأجناد وعرف العرفاء على كل عشرة رجلا كما كانت العرافات أزمان النبي {صلى الله عليه وسلم} وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء وأمر على الرايات رجالا من أهل النباهة وأمر على الأعشار رجالا من الناس لهم وسائل في الإسلام وولى الحرب رجالا فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وركبانها وطلائعها فلم يخرج من شراف إلا عن تعبئة ولا فصل منها إلا بكتاب عمر وإذنه

(4/163)


قالوا فيما ذكر سيف عن رجاله وبعث عمر رحمه الله الأطبة وبعث على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي وجعل إليه الأقباض وقسمة الفيء وجعل داعيهم ورائدهم سلمان الفارسي فكان أمراء التعبئة يلون الأمير والذين يلون أمراء التعبئة أمراء الأعشار والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رؤساء القبائل فلما فرغ سعد من تعبئته وأعد لكل شيء من أمره جماعات ورؤساء كتب بذلك إلى عمر رحمه الله ولا خفاء بما بين مقتضى هذا الحديث وبين ما قبله من الاختلاف بالتأخر أو التقدم والله تعالى أعلم
وبعث سعد في مقامه بالقادسية إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى ميسان فطلب بقرا وغنما فلم يقدر عليها وتحصنوا منه في الأفدان وأوغلوا في الآجام فضرب حتى أصاب رجلا على طف أجمة فسأله واستدله على البقر والغنم فحلف له وقال ما أعلم وإذا هو راعي ما في تلك الأجمة فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياما وهذا اليوم هو يوم الأباقر
وذكر المدائني أن حنظلة بن الربيع الأسيدي هو صاحب هذه الغارة وأنه أتى أسفل الفرات فلم يصب مغنما ولم يلق كيدا فرجع فلقوا رجلا فقالوا له هل تعلم مكان أحد من عدونا بحضرتك قال لا قد رغبتموهم فخلوا عن مساكنهم قالوا فتعلم مكان طعام أو شاء أو بقر قال لا وسمعوا خوار ثور من غيضة فدخلوها فأصابوا بقرا وغنما

(4/164)


قال وقال الحجاج لرجل من بني أسد أشهدت القادسية قال نعم قرمنا إلى اللحم فخرجت في رجال من المسلمين نلتمس اللحم فأخفقنا فلما أنصرفنا إذا بصوت عن إيماننا ادخلوا الغيضة فإن فيها غنيمة وأجرا فدخلنا غيضة قريبا منا فإذا عشرة من الأعاجم وإذا طعام وبقر وغنم فقاتلونا عما في أيديهم فاستشهد منا رجلان وقتلنا منهم ثمانية وأسرنا رجلين فقتلناهما صبرا وحملنا الطعام واستقنا الشاء والبقر فقسم سعد ذلك بين المسلمين ونفل كل رجل منا قتل رجلا سلبه فقال الحجاج هذه بشرى من الله لأوليائه لا يكون ذلك حتى يكون الجمع برا تقيا فكيف كانوا قال لا تسأل عن صدق قول ووفاء بالعهد وأداء للأمانة وصبر عند البأس والله أعلم ما يسرون فأما الظاهر فإنا لم نر قوما قط أزهد في دنيا ولا أشد لها بغضا ما اعتد على رجل منهم في يوم بواحدة من ثلاث لا بجبن ولا بغدر ولا بغلول أشداء على الكفار رحماء بينهم قال الحجاج هذه صفة الأبرار
وكتب عمر إلى سعد رضي الله عنهما أخبرني عن الناس وبلائهم أتفاضلت القبائل فيه أو خرجوا على السواء فكتب إليه إن القبائل لم تزل إلى أن كتبت إليك متساوية في كل غارة ومناهبة في جميع ما أعدوا وقسم ما ناهبوا ولم يفترقوا إلا في ثلاث لما نزلنا بلاد القوم وعسكرنا بالقادسية قرمت العرب إلى طعامهم وعاموا إلى شرابهم فانتدب لهم من مضر عاصم بن عمرو سواد بن مالك ومالك بن ربيعة والمساور بن النعمان وغالب بن عبد الله وعبيد الله بن وهب وعبيد الله بن عمير الأشجعي وعمرو بن الهذيل الأسدي وعمرو بن ربيعة والحارث بن ذي البردين فألحموا الناس

(4/165)


وألبنوهم حتى تفرغوا لحربهم وانتدب من ربيعة عبد الله بن عامر بن حجية وأبجر بن جابر وخالد بن المعمر وعائذ بن أبي مرضية ويزيد بن مسهر وسمى آخرين فانكحوا الناس واخدموهم بنات فارس وبنيهم فرغبوا في حربهم وانتدب من أهل اليمن خولى بن عمرو والحارث بن الحارث وعمرو بن خوثعة والقاسم بن عقيل وخميصة بن النعمان وسمى غيرهم فحملوا الناس على خيول وبغال وحمير ودعوا الخيل العراب
وأقام سعد بالمسلمين في منزله من القادسية ورستم بالحيرة وكف رستم عن القتال وطمع أن يضجر المسلمون بمكانهم وكف سعد عنهم والمسلمون وصبروا رجاء ان يصالحوا عن بلادهم ويعطوا الجزية ويسلموا
وكان عمر رحمه الله قد عرف أن القوم سيطاولونهم فلذلك ما عهد إلى سعد والمسلمين أن ينزلوا على حدود أرضهم وأن يطاولوهم أبدا حتى ينقضوهم فحينئذ نزلوا القادسية وقد وطنوا أنفسهم على الصبر وأبى الله إلا أن يتم نوره وإذا أراد الله أمرا أصابه فأقاموا واطمأنوا فكانوا يغيرون على السواد فانتسفوا ما يليهم فحووه وأعدوا للمطاولة أو يفتح عليهم
وكان عمر رضي الله عنه يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون فلما رأى ذلك يزدجرد من أمرهم وعلم أنهم غير منتهين وأنه إن أقام لم يتركوه وشكا إليه عظماء أهل فارس من نزولهم القادسية وإخرابهم البلاد بالغارات ورستم كاف عنهم مقيم بإزائهم أمر رستم بالشخوص لمنا جزتهم ورأى رستم أن ينزل بينهم وبين العتيق ثم يطاولهم مع المنازلة ورأى أن ذلك أمثل ما هم عاملون حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم وتدور لهم سعود
وعن سيف عن رجاله قالوا وجعلت السرايا تطوف ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسيلحين وذو الحاجب بين رستم والجالينوس وقال
الناس لسعد قد ضاق بنا المكان فأقدم فزجر من كلمه بذلك وقال إذا كفيتم الرأي فلا تكلفوا فإنا لن نقدم إلا على رأي ذوي الرأي فاسكتوا ما سكتنا عنكم

(4/166)


وعن أبي عثمان النهدي أن سعدا رحمه الله لما نزل رستم النجف بعث الطلائع وأمرهم أن يصيبوا رجلا يسأله عن أهل فارس فأخرج طليحة في خمسة وعمرو بن معدي كرب في خمسة وذلك صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب وهم لا يشعرون بفصولهم من النجف فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الصفوف قد ملؤها فقال بعضهم ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر وقال بعضهم ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم فقال عمرو لأصحابه صدقتم وقال طليحة لأصحابه كذبتم ما بعثتم لتخبروا عن السرح أو ما بعثتم إلا للخبر قالوا فما تريد قال أريد أن أخالط عسكر القوم أو أهلك قالوا أنت رجل في نفسك غرر ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن فارجع معنا فأبى وأتى سعد الخبر برحيل فارس فبعث قيس بن هبيرة وأمره على مائة وعليهم أن لقيهم فانتهى إليهم وقد افترقوا وفارقهم طليحة فرجع بهم قيس فأخبروا سعدا بقرب القوم ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم فلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس لم ير في خيل القوم مثله وفسطاط أبيض لم ير مثله فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس ثم ضمه إلى مقود فرسه وحرك فرسه فخرج يعدو به ونذر به القوم فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول فخرجوا في طلبه فلحقه وقد أصبح فارس من الجند فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه فبدر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقسم ظهره بالرمح ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك ولحق به آخر وقد رأى مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه فازداد حنقا ففعل معه طليحة كما فعل معهما ثم كر عليه ودعاه إلى الإسار فعرف الفارسي أنه قاتله

(4/167)


فاستأسر وأمره طليحة ان يركض بين يديه ففعل ولحق الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث وقد شارف طليحة عسكر المسلمين فأحجموا ونكصوا وأقبل طليحة حتى غشى العسكر وهم على تعبئة فأفزغ الناس وجوزوه إلى سعد فلما انتهى إليه قال ويحك ما وراءك قال دخلت عساكرهم وجستها وقد أخذت أفضلهم توسما وما أدري أصبت أو أخطأت وها هو ذا فاستخبره فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسي فقال الفارسي أتؤمنني على دمي إن صدقتك قال نعم والصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب قال أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي باشرت الحرب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها مذ أنا غلام إلى ان بلغت ما ترى فلم أرى ولم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا يجترى ء عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون ذلك فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته وطلبناه فأدركه الأول وهو فارس الناس يعدل بألف فارس فقتله ثم أدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف وان الأتباع مثلهم خدام لهم وأسلم الرجل وسماه سعد مسلما وعاد إلى طليحة فقال لا والله ما تهزمون مادمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمواساة لا حاجة لي في صحبة فارس فكان من أهل البلاء يومئذ
وعن موسى بن طريف أن سعدا بعث طليحة وعمرو بن معدي كرب فأمر طليحة بعسكر رستم وأمر عمرا بعسكر الجالينوس فخرج في عدة وخرج طليحة وحده فبعث قيس بن هبيرة في آثارهما وقال إن لقيت قتالا فأنت عليهم فخرج حتى تلقى عمرا فسأله عن طليحة فقال لا علم لي به

(4/168)


فلما انتهيا إلى النجف قال له قيس ما تريد قال ان أغير على أدنى عسكرهم قال في هؤلاء قال نعم قال لا أدعك والله وذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال وما أنت وذاك قال إني أمرت عليك ولو لم أكن أميرا لم أدعك فقال عمرو بعد ان شهد لقيس نفر باستعمال سعد إياه عليه وعلى طليحة والله يا قيس إن زمانا تكون علي فيه أميرا لزمان سوء لأن أرجع عن دينكم هذا إلى ديني الذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلي من أن تؤمر علي ثانية ولئن عاد صاحبك الذي بعثك لمثلها لنفارقنه قال ذلك إليك بعد مرتك هذه فرده فرجع إلى سعد بالخبر وبأعلاج وأفراس وشكا كل واحد منهما صاحبه اما قيس فشكا عصيان عمرو وأما عمرو فشكا طاعة قيس فقال سعد يا عمرو الخير وسلامة مائة أحب إلي من مصاب مائة تقتل ألفا أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة إن كنت لأراك أعلم بالحرب مما أرى فقال له عمرو إن الأمر لكمات قلت وخرج طليحة حتى أتى النجف فدخل عسكر رستم في ليلة مقمرة فتوسم فيه فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه ثم خرج حتى مر بعسكر ذي الحاجب فهتك على آخر بيته وحل فرسه ثم دخل على الجالينوس عسكره فهتك عن آخر بيته وحل فرسه ثم خرج حتى أتى الخرار وأتبعه هؤلاء فكان أولهم لحاقا به الجالينوس ثم الحاجبي ثم النخعي فأصاب الأولين وأسر الآخر وأتى به سعدا فأخبره وأسلم فسماه سعد مسلما ولزم طليحة فكان معه في تلك المغازي كلها
وعن موسى بن طريف أيضا قال قال سعد لقيس بن هبيرة أخرج يا عاقل فإنه ليس وراءك من الدنيا شيء تحنوا عليه حتى تأتيني بخبر القوم فخرج وسرح معه عمرو بن معدي كرب وطليحة فلما جاز القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى انتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم وإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذي الحاجب وارتحل الجالينوس فنزل ذو الحاجب منزله

(4/169)


ونزل الجالينوس بطيز ناباذ وقدم تلك الخيل فقال قيس قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين فأنشب القتال وطاردهم ساعة ثم حمل عليهم فكانت هزيمتهم وأصاب منهم اثني عشر رجلا وأسر ثلاثة وأصاب أسلابا فأتوا سعدا بالغنيمة وأخبروه الخبر فقال هذه بشرى إن شاء الله إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم فلهم أمثالها ودعا عمرا وطليحة فقال كيف رأيتما قيسا فقال طليحة رأيناه أكيس منا وقال عمرو الأمير أعلم بالرجال منا فقال سعد إن الله أحيا بالإسلام قلوبا كانت ميتة وأمات به قلوبا كانت حية وإني أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على أمر الإسلام فتموت قلوبكما وأنتما حيان الزموا السمع والطاعة والإعتراف بالحقوق فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام
قالوا ولما انتهى رستم إلى العتيق وقف عليه بحيال عسكر سعد ونزل الناس فما زالوا يتلاحقونى وينزلهم فينزلون حتى اعتموا من كثرتهم
وقال المدائني مكثوا ليلتهم كلها يتحدرون ومن غد إلى قريب من نصف النهار بعده تجب منها القلوب
وقال قيس بن أبي حازم وكان شهد القادسية كان مع رستم ثمانية عشر فيلا ومع الجالينوس خمسة عشر فيلا
وقال غيره كان في جملتها فيل سابور الأبيض وكانت الفيلة تألفه وكان أعظمها وأقدمها
وقال الرفيل كانت ثلاثة وثلاثون في القلب ثمانية عشر وفي المجنبتين خمسة عشر
قال ولما نزل رستم العتيق وبات به أصبح غاديا على التصفح والتحرز

(4/170)


فساير العتيق نحو خفان حتى أتى على مقطع عسكر المسلمين ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة فتأمل القوم حتى أتى على تل يشرف عليهم فلما وقف على القنطرة أرسل زهرة بن جوية وكان هناك مسلحة لسعد فخرج إليه حتى واقفه فأراده على أن يصالحهم ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه وجعل يقول فيما يقول إنكم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا فكنا نحسن جواركم ونكف الأذى لا عنكم ونوليهم المرافق الكثيرة ونحفظهم في أهل باديتهم فنرعيهم مراعينا ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم التجارة في شيء من أرضنا فقد كان لهم في ذلك معاش يعرض له بالصلح ولا يصرح فقال له زهرة صدقت قدكان ما تذكر وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا طلبتهم إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طالبتنا وهمتنا الآخرة كنا كما ذكرت يدين لكم من قدم عليكم منا ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم ثم بعث الله عز وجل إلينا رسولا فدعانا إلى دينه فأجبناه فقال لنبيه {صلى الله عليه وسلم} إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فانا منتقم بهم منه وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ولا يعتصم به أحد إلا عز قال رستم وما هو قال عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى قال ما أحسن هذا وأي شيء أيضا
قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى
قال حسن وأي شيء أيضا
قال والناس بنو آدم وحواء أخوة لأب وأم
فقال ما أحسن هذا ثم قال له رستم أرأيت لو أني رضيت هذا الأمر وأجبتكم إليه ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون
قال أي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة
قال صدقتني والله أما أن أهل فارس منذ ولى أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم

(4/171)


فقال له زهرة نحن خير الناس للناس ولا نستطيع أن نكون كما تقولون نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا
فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا منه وأنفوا فقال أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أجزعنا وأجبننا
وعن سيف عن رجاله قالوا أرسل سعد إلى المغيرة وبسر بن أبي رهم وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محسن وربعي بن عامر وقرفة بن أبي زاهر التيمي الوائلي ومذعور بن عدي العجلي والمضارب بن يزيد وسعيد بن مرة وهما من بني عجل أيضا وكان سعيد من دهاة العرب فقال لهم سعد إني مرسلكم إلى هؤلاء فما عندكم
قالوا نتبع ما تأمرنا به وننتهي إليه فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثل ما ينبغي وأنفعه للناس فكلمناهم به
قال سعد هذا فعل الحزمة اذهبوا فتهيئوا
فقال ربعي بن عامر إن الأعاجم لهم آراء وأدب ومتى نأتهم جميعا يرون أنا قد أحتفلنا لهم فلا تزدهم على رجل فمالئوه جميعا على ذلك فقال فسرحني فسرحه فخرج ربعي بن عامر ليدخل على رستم عسكره فاحتسبه الذي على القنطرة وأرسل إلى رستم بمجيئه فاستشار عظماء أهل فارس فقال ما ترون أنباهي أم نتهاون فاجتمع ملؤهم على المباههاة فأظهروا الزبرج وبسطوا البسط والنمارق ولم يتركوا شيئا ووضعوا لرستم سرير الذهب وألبس زينته من

(4/172)


الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب وأقبل ربعي يسير على فرس له زباء قصيرة معه سيف له مشوف وغمده لفافة ثوب خلق ورمحه معلوب بقد معه حجفة من جلود البقر على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف ومعه فرسه ونبله فلما انتهى إلى أدنى البسط قيل له انزل فحمل فرسه عليها فلما استوت على البسط نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما ثم ادخل الحبل فيهما فلم يستطيعوا أن ينهوه وإنما أروه التهاون وعرف ما أرادوا فأراد استحراجهم وعليه درع له كأنه أضاة ويلمقة عباءة بعيره قد جابها وتدرعها وشدها على وسطه بسلب ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قيما كأنهن قرون الوعول وكان أكثر العرب شعره فقالوا له ضع سلاحك فقال إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أحببتم أن آتيكم كما أريد وإلا رجعت فأخبروا رستما فقال أئذنوا له هل هو إلا رجل فأقبل يتوكأ على رمحه وزجه نصل يقارب الخطو ويزج النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركها متهتكة مخرقة فلما دنا من رستم تعلق به الحرس وجلس على الأرض وركز رمحه في البساط فقالوا ما حملك على هذا قال أنا لا نستحب القعود على زينتكم فقال له رستم ما جاء بكم فقال الله ابتعثنا وجاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخر ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبله قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها

(4/173)


دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله قال وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي قال رستم قد سمعنا مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كم أحب إليك أيوم أم يومان قال لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا فقال إن مما سن لنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من بداتنا ولا نؤجلهم عند الإلتقاء أكثر من ثلاث فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل اختر الإسلام وندعك وأرضك أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل لك بذلك على جميع من ترى قال أسيدهم أنت قال لا ولكن المسلمين فيما بينهم كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على اعلاهم فخلص رستم برؤساء أهل فارس فقال ما ترون هل سمعتم كلاما قط أوضح نصرا ولاأعز من كلام هذا الرجل قالوا معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب أما ترى إلى ثيابه فقال ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ويزهدونه فيه فقال لهم هل لكم أن تروني فأريكم فأخرج سيفه من خرقة كأنه شعلة نار ثم رمى ترسا ورموا حجفته فخرق ترسهم وسلمت حجفته فقال ياأهل فارس إنكم عظمتم الطعام والشراب وأنا صغرناهما ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل فلما كان الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرجل فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن فأقبل في نحو ذلك الزي حتى إذا كان على أدنى البساط قيل له أنزل قال ذلك لو جئتكم في حاجتي فقولوا لملككم أله حاجة أم لي فإن قال لي فقد كذب ورجعت عنه وتركتكم وإن قال له لم آته إلا على ما أحب فقال

(4/174)


دعوه فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره
فقال له انزل قال لا أفعل فلما أبى سأله ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس قال إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء فهذه نوبتي قال ما جاء بكم قال الله عز وجل من علينا بدينه وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث فأيها أجابوا إليه قبلناه الإسلام وننصرف عنكم أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك أو المنابذة فقال أو الموادعة إلى يوم فقال نعم ثلاثا من أمس فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه فقال ويلكم ألا ترون ما أرى جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به فهو في يمن الطائر ذهب بأرضنا وما فيها إليهم مع فضل عقله وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا فهو في يمن الطائر سيقوم على أرضنا دوننا فراده أصحابه الكلام حتى أغضبوه وأغضبهم فلما كان من الغد أرسل ابعثوا إلينا رجلا فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة
قالوا فلما جاء إلى القنطرة يعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستما في إجازته فأذن في ذلك فأقبل المغيرة والقوم في زيهم في الأمس لم يغيرا شيئا من شارتهم تقوية لتهاونهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لايصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها غلوة وجاء المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره وشارته فوثبوا إليه فنتروه وأنزلوه ومغثوة فقال إنه كانت تبلغنا عنكم أحلام ولا أرى قوما أسفه منكم إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ولم آتكم ولكنكم دعوتموني زاد المدائني وليس ينبغي لكم إذا أرسلتم إلي

(4/175)


أن تمنعوني من الجلوس حيث أردت وما أكلمكم إلا وأنا جالس معه اليوم علمت أنكم مغلوبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول
فقالت السفلة صدق والله العربي وقالت الدهاقين والله لقد رمى بكلام لايزال خولنا والضعفاء منا ينزعون إليه قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين يصغرون أمر هذه الأمة فمازحه رستم ليمحو ما صنع به فقال له يا عربي إن الحاشية قد تصنع ما لايوافق الملك فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغي من ذلك والأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق وليس ما صنعوا بضائرك ولا ناقصك عندنا فاجلس حيث شئت فأجلسه معه ثم قال ما هذه المغازل التي معك يعني السهام قال ما ضر الجمرة أن لا تكون طويلة ثم رماهم ثم قال له رستم تكلم أو أتكلم فقال المغيرة أنت الذي بعثت إلينا فتكلم فأقام الترجمان بينهما وتكلم رستم فحمد قومه وعظم الملك والمملكة وقال لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم ليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم أو اليومين أو الشهر أو الشهرين لأجل الذنوب فإذا انتقم الله منا فرضي رد إلينا عزنا ثم إنه لم تكن في الناس أمة أصغر عندنا أمرا منكم كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئا ولا نعدكم وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استعنتم بناحية أرضنا فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلادكم فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل واحد منكم بوقر من تمر وبثوبين وتنصرفون عنا فإني لست أشتهي أن أقتلكم ولا آسركم
فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله سبحانه خالق كل شيء ورازقه يرفع من يشاء ويضع من يشاء فمن صنع شيئا فإن الله تبارك اسمه وتعالى هو يصنعه والذي صنعه وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل

(4/176)


بلادك من الظهور على الأعداء والتمكين في البلاد وعظم السلطان في الدنيا فنحن نعرفه ولا ننكره والله صنعه لكم ووضعه فيكم وهو له دونكم وأما ما ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب فنحن نعرفه والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه والدنيا دول ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه وأهل رخائها يتوقعون الشدة حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولو كنتم فيما آتاكم الله دوننا أهل شكر لكان شكركم يقصر عما أوتيتم ولأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه إن الله تعالى بعث فينا رسولا فكذبه مكذبون وصدقه منا آخرون وأظهر الله دعوته وأعز دينه على كره ممن كذبه وحاده حتى دخلوا في الإسلام طوعا وكرها فأمرنا أن ندعوا من خالفنا إلى ديننا فمن أباه قاتلناه
وذكر نحو ما تقدم من الكلام في الأحاديث المتقدمة من دعائه إلى الإسلام وقال له فإن أبيت فكن لنا عبدا تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر وإلا السيف إن أبيت
فنخر رستم عند ذلك نخرة واستشاط غضبا ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الضحى غدا حتى أقتلكم أجمعين
فانصرف المغيرة وخلص رستم بأشراف فارس فقال أين هؤلاء منكم ما بعد هذا ألم يأتكم الأولان فجسراكم واستخرجاكم ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا وسلكوا طريقا واحدا ولزموا أمرا واحدا هؤلاء والله الرجال صادقين أو كاذبين والله لئن كان بلغ من رأيهم وصونهم أمرهم أن لا يختلفوا ما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم وإن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء فلجوا وتجلدوا فقال والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم وإن هذا منكم رياء فازدادوا الجاجا

(4/177)


وفي بعض الروايات أن مما قال المغيرة لرستم وقد توعد المسلمين بأنهم مقتولون قال هو الذي نتمنى أن المقتول منا صائر في الجنة والهارب في النار وللباقي الصابر الظفر بحديث صادق ووعد لا خلف له وقد أصبنا في بلادكم حبة كأنها قطع الأوتار فأكلنا منها وأطعمنا أهالينا فقالوا لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد
قال رستم أما لنقرننكم في الجبال
قال المغيرة أما وبنا حياة فلا
قال رستم ارجع إلى أصحابك واستعدوا للحرب فليس بيننا وبينكم صلح ولنفقأن عينك غدا
فقال المغيرة وأنت ستقتل غدا إن شاء الله وإن ما قلت لي ليسرني لولا أن أجاهدكم بعد اليوم لسرني أن تذهبا جميعا
ورجع المغيرة فتعجبوا من قوله فقال رستم ما أظن هذا الملك إلا قد انقضى وأن أجمل بنا ألا يكون هؤلاء أصبر منا ولقد وعدوا وعدا ليموتن أو ليدركنه ولقد حذروا وخوفوا من الفرار خوفا لا يأتونه وقد رأيت ليلتي هذه كأن القوس التي في السماء خرت وكأن الحيتان خرجن من البحر وأن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فهل لكم أن تقبلوا بعض ما عرضوا عليكم قالوا لا
قال فأنا رجل منكم وكتب إلى يزدجرد بما كلمه به المغيرة فقال شاهين الأزدي لو لم يكن إلا ساسة دوابنا لأخذناهم بهم فكتب إليه يأمره بقتالهم وقال إذا لقيتهم فضع الرجال فيما بيني وبينك على كل ربوة رجلا فكلما حدث أمر نادى به بعضهم بعضا حتى يفضي الخبر إلي
وحدث سيف عن رجاله قالوا أرسل إليهم سعد بقية ذوي الرأي

(4/178)


جميعا وحبس الثلاثة فخرجوا حتى أتوه فقالوا له إن أميرنا يقول لك إن الحرب تحفظ الولاة وإني أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك وهي العاقبة بأن تقبل منا ما دعاك الله عز وجل إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض إلا أن داركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم واتق الله يا رستم ولا يكونن هلاك قومك على يديك فإنه ليس بينك وبين أن تغتبط إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك

(4/179)


فقال رستم إني قد كلمت منكم نفرا ولو أنهم فهموا عني رجوت أن تكونوا قد فهمتم وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم إنكم كنتم أهل جهد في المعيشة وقشف في الهيئة لا تمتنعون ولا تنتصفون فلم نسيء جواركم ولم ندع مواساتكم تقتحمون المرة بعد المرة فنميركم ثم نردكم وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن إليكم فلما تطعمتم طعامنا وشربتم شرابنا وأظلكم ظلنا وصفتم ذلك لقومكم ثم دعوتموهم فأتيتمونا بهم وإنما مثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال وما ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم فلما اجتمعت عليه سد عليها صاحب الكرم مدخلها فقتلها وقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والطمع مع الجهد فارجعوا عنا عامكم هذا وامتاروا حاجتكم ولكم العود كلما احتجتم فإني لا أشتهي أن أقتلكم وقد أصاب أناس كثير منكم ما أرادوا من أرضنا ثم كان مصيرهم القتل والمهرب ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم وخرج مما كان أصاب ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب وفي الجرة ثقب فدخل الأول فأقام فيها وجعلت الأخر ينقلن منها ويرجعون ويكلمنه في الرجوع فيأبى فانتهى سمن الذي في الجرة فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله فضاق عليه الجحر ولم يطق الخروج فشكى القلق إلى أصحابه وسألهم المخرج فقالوا ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل
أن تدخل فكف وجوع نفسه وبقي في الجرة حتى إذا عاد كما كان أتى عليه صاحب الجرة فقتله فاخرجوا أو ليكونن هذا لكم مثلا
وقال لهم أيضا فيما قال لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب ما خلاكم يا معشر العرب ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع ومثلكم في هذا مثل الذباب إذ رأى العسل طار وقال من يوصلني إليه وله درهمان حتى يدخله لا ينهاه أحد إلا عصاه فإذا دخله غرق ونشب وقال من يخرجني وله أربعة دراهم وضرب للقوم أمثالا غير هذه نحوا منها

(4/180)


قالوا فتكلم القوم فقالوا أما ما ذكرت من سوء حالنا فيما مضى وانتشار أمرنا فلم نبلغ كنهه يموت الميت منا إلى النار ويبقى الباقي منا في بؤس فبينا نحن في أسواء ذلك بعث الله عز وجل فينا رسولا من أنفسنا إلى الأنس والجن رحمة رحم بها من أراد رحمته ونقمه ينتقم بها ممن رد كرامته فبدأبنا قبيلة قبيلة فلم يكن أحد أشد عليه ولا أشد إنكارا لما جاء به ولا أجهد على قتله ورد ما جاء به من قومه ثم الذين يلونهم حتى طابقناه على ذلك كلنا فنصبنا له جميعا وهو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطى الظفر علينا فدخل بعضنا طوعا وبعضنا كرها ثم عرفنا جميعا الحق والصدق لما أتى به من الآيات المعجزة وكان مما أتى به من عند ربنا عز وجل جهاد الأدنى فالأدنى فصرنا في ذلك فيما بيننا نرى أن الذي قال لنا ووعدنا لا نخرج عنه ولا ننقص منه حتى اجتمعت العرب على هذا وكانوا من الاختلاف فيما لا يطيق الخلائق بالتفهم معه ثم أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله وننفذ لأمره ونستنجز موعوده وندعوكم إلى الإسلام وأحكامه فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا فيكم كتاب الله عز وجل وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزاء فإن فعلتم وإلا فإن الله عز وجل قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم فاقبلوا نصيحتنا فو الله لإسلامكم أحب إلينا

(4/181)


من غنائمكم ولقتالكم بعد أحب إلينا من صلحكم وأما ما ذكرت من رثاثتنا وقلتنا فإن إرادتنا الطاعة وقتالنا الصبر وأما ما ضربتم لنا من الأمثال فإنكم ضربتم للرجال وللأمور الجسام وللجد الهزل ولكنا سنضرب لكم مثلا إن مثلكم مثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب وأجرى لها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها فخلفه الفلاحون في القصور بما لا يحب وفي الجنان بمثل ذلك فأطال نظرتهم فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه فدعا إليهم غيرهم فأخرجهم منها فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم ويسومونهم الخسف أبدا ووالله لو لم يكن ما نقول لكم حقا ولم تكن إلا الدنيا لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عشيكم ورأينا من زبرجكم من صبر ولقارعناكم أو نغلبكم عليه
فقال رستم أتعبرون إلينا أو نعبر إليكم فقالوا بل اعبروا إلينا فخرجوا من عنده عشيا فأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم وأرسل إليهم شأنكم والعبور فأرادوا القنطرة فأرسل إليهم لا ولا كرامة أما شيء قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم تكلفوا معبرا غير القناطر فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم
وذكر المدائني أن رستم وجه الجالينوس ليعبر القنطرة فوقف بحيال زهرة بن جوية وكان عليها وقال ليخرجن إلي الموكل بهذا الموضع فخرج زهرة على فرس كميت أغر ذنوب معه رمح معلوب وسيف رث الجفن فقال له الفارسي إنك لم توضع هذا الموضع إلا وأنت ركن من أركان أصحابك وأرى سيفك رث الجفن قال إن يكن رث المنظر فإنه حديد الضربة وقرب إليه الفارسي بالصلح ولم يصرح ومناه وقال نحسن جواركم ونرفقكم في معايشكم فقال زهرة إنا لم نأتكم نطلب الدنيا بغير آخرة إنما أتيناكم ندعوكم إلى ديننا فإن أبيتموه فدنياكم التي تعرضون علينا لنا إن شاء الله فقال له الفارسي فخلوا لنا الطريق فنعبرإليكم فنناجزكم قال لا قال ولم وأنتم تمنون

(4/182)


لقاءنا قال نكره أن نرد عليكم شيئا قد غلبناكم عليه فرجع إلى رستم فأخبره فأعظم ذلك فانصرف الجالينوس فجلس رستم يفكر فيما أخبره وغلبته عيناه فنام فانتبه ويده في كتف جارية قاعدة بين يدي فراشه فقال مالك قالت مالت يدك فرفعتها فقال أشفقت أن سقطت من فراش ديباج علي بساط ديباج فكيف بها غدا إذا انعفرت في التراب ووطئتها الخيل قالت وما يضطرك إلى ذلك وقد اعطوك مالك فيه نصف ونجاة إما أن تدخل في دينهم فتكون مثلهم وإما أن تفتدي منهم بشيء تعطيهم ويبقى لك أمرك وإما أن تذهب إلى مأمنك من الأرض فقال إن في عنقي حبلا أقاد به إلى مصرعي لا أقدر على الإمتناع
وبات الأعاجم ليلتهم يسكرون العتيق بالقصب والتراب والبراذع حتى جعلوه طريقا واستتم بعدما ارتفع النهار من الغد
قالوا ورأى رستم من الليل أن ملكا نزل من السماء فأخذ قسى أصحابه فختم عليها ثم صعد بها إلى السماء فاستيقظ مهموما حزينا فدعا خاصته وقصها عليهم وقال إن الله عز وجل ليعظنا لو أن فارس تركوني أتعظ أما ترى النصر قد رفع عنا وترى الريح مع عدونا وأنا لا نقوم لهم في فعل ولا منطق
يوم أرماث
ولما تم السكر عبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم وجلس رستم على سريره وضربت عليه طيارة وعبأ في القلب ثمانية عشر فيلا عليها الصناديق والرجال وفي المجنبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته والبيزران بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين

(4/183)


وأخذ المسلمون أيضا مصافهم وكانت التعبئة التي تقدم بها سعد قبل انفصاله عن شراف بإذن عمر رضي الله عنه أن جعل على المقدمة زهرة بن الجوية وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم وكان من أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} وأحد التسعة الذين قدموا عليه فتممهم طلحة بن عبيد الله عشرة في العرافة وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي وكان شابا قد قاتل أهل الردة على الردة ووفي الله عز وجل فعرف ذلك له وعلى الساقة عاصم بن عمرو السعدي وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمي وعلى المجردة سلمان بن ربيعة الباهلي وعلى الرجال حمال بن مالك الأسدي وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي فلما تصافوا يومئذ جعل سعد زهرة وعاصما بين عبد الله بن المعتم وبين شرحبيل بن السمط ووكل صاحب الطلائع بالطرد وخلط بين الناس في القلب والمجنبات ونادى مناديه ألا إن الحسد لا يحل إلا على الاجتهاد في أمر الله تعالى يا أيها الناس فتحاسدوا وتغايروا على الاجتهاد وذكر المدائني أنه كان على الميمنة يوم القادسية شرحبيل بن السمط وعلى
الميسرة هاشم بن عتبة وعلى الخيل قيس بن مكشوح وعلى الرجل المغيرة بن شعبة فالله تعالى أعلم
وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس كان به عرق النسا ودماميل وإنما هو على وجهه وفي صدره وسادة وهو مكب عليها مشرف على الناس من القصر يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة وهو أسفل منه وكان الصف إلى جانب القصر وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدا مشرفا
وقيل بل استخلفه على الناس لأجل شكواه فاختلف عليه الناس فقال سعد احملوني فأشرفوا به على الناس فارتقوا به فأكب مطلعا عليهم والصف في أصل حائط قديس حيث كان سعد يأمر خالدا فيأمر خالد الناس وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس فهم بهم سعد وشتمهم وقال أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالا لغيركم فحبسهم في القصر وقيدهم منهم أبو محجن الثقفي

(4/184)


وقال جرير يومئذ أما أني بايعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أن أسمع وأطيع لمن ولي الأمر وإن كان عبدا حبشيا
وقال سعد والله لايعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويساغبهم وهم بإزائهم إلا سننت فيه سنة يؤخذ بها من بعدي وذكر المدائني أنه أتى رستما رجل من أهل الحيرة ليلا فقال له أمير المسلمين وجع وهو في قصر العذيب مع العيال ولو طرقته خيل لقتل لا يشعر به أصحابه فانتخب رستم خمسمائة فارس فوجههم إليه فترفعوا عن العسكرين وقطعوا الوادي وأخذوا في خفض من الأرض وجاء رجل من العجم إلى المسلمين مستأمنا فأخبرهم فانتدب حنظلة بن الربيع الأسيدي في خمسمائة من تحت الليل فسار إلى العذيب وقال لأصحابه إنه ليطيب نفسي أن عبد الله بن سبرة بن سعد فانتهى إلى سعد عند طلوع الفجر ولم تصل إليهم الفرس
فأنذروه وأصبحوا فإذا الأساورة متحدرون من ناحية وادي السباع فتلقاهم عبد الله بن سبرة الواقفي أحد بني حرملة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة في سرعان الناس معه عشرة فوارس وغلام له رومي يقال له يزيد كان أصابه يوم اليرموك وأتبعهم حنظلة في أصحابه فقتل عبد الله بن سبرة قبل أن تتام إليه الخيل اسوارين
وقال مرة الهمداني وكان مع حنظلة لما دنونا من معتركهم سمعنا صوتا منكرا شديدا فقال حنظلة صوت ابن الكندية ورب الكعبة بعض هنات أبي قيس فانتهينا إليهم فإذا عبد الله بن سبرة يذمر أصحابه وهو يقول لغلامه يا يزيد ثكلتك أمك إن فاتك أحد وقد انكسر رمحه وهو يضربهم بعمود ما يضرب به رجلا إلا قتله ولا دابة إلا عقرها وإن غلامه ليذودهم عليه بالرمح فلما غشيهم حنظلة وأصحابه انهزموا فما تشاء أن تجد الخمسة والستة من المسلمين يخفقون أسوارا بأسيافهم إلا وجدته فقتل منهم ثلاثون ويقال مائة وأفلت الآخرون أكثرهم جريح فرجعوا إلى رستم فطلب الحيري ليقتله وظن أنه عين دس له فلم يقدر عليه وتحول سعد فنزل مع جماعة الناس

(4/185)


وفيما حكاه سيف عن رجاله أن سعدا رحمه الله بعدما تهدم على الذين اعترضوا على خالد بن عرفطة خطب من يليه يومئذ فحمد الله وأثنى عليه وقال إن الله وهو الحق وقوله الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خلف قال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( 105 الأنبياء إن هذا ميراثكم وهو موعد ربكم وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج وأنتم تطعمون منها وتأكلون وتقتلون أهلها وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منه أصحاب الأيام منكم وقد جاءكم منهم هذا الجمع وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعزمن وراءكم فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة يجمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله وأن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم
وكتب سعد إلى أهل الرايات إني قد استخلفت عليكم خالد بن عرفطة وليس يمنعني أن أكون مكانه إلا وجعي الذي كان يعودني وما بي من جبون وإني مكب على وجهي وشخصي لكم باد فاسمعوا له وأطيعوا فإنه إنما يأمركم بأمري ويعمل برأي فقريء على الناس فزادهم خيرا فانتهوا إلى رأيه وقبلوا منه وتحاثوا على السمع والطاعة واجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع
قالوا وأرسل سعد للذين انتهى إليهم رأي الناس والذين انتهت إليهم نجدتهم وأصناف الفضل منهم إلى الناس فقال انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم وعليهم عند مواطن البأس فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به وانتم شعراء العرب وخطباؤهم وذووا رأيهم ونجدتهم وسادتهم فسيروا فيهم وحرضوهم على القتال فساروا فيهم
فقال قيس بن هبيرة أيها الناس احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدكم واذكروا آلاء الله وارغبوا إليه في عادته فإن الجنة والغنيمة أمامكم وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء والأرض القفر والظراب الخشن والفلوات التي لا تقطعها الأدلة

(4/186)


وقال غالب بن عبد الله الليثي أيها الناس احمدوا الله على ما أبلاكم وسلوه يزدكم وادعوه يجبكم يا معشر معد ما علتكم اليوم وانتم في حصونكم يعني الخيل ومن لا يعصيكم معكم يعني السيوف فاذكروا حديث الناس في غد فإنه بكم غدا يبدأ وبمن بعدكم يثني
وقال ابن الهذيل الأسدي يا معشر معد اجعلوا حصونكم السيوف وكروا عليهم كأسود الأجم وتربدوا إليهم تربد النمور وادرعوا العجاج
وثقوا بالله تعالى وغضوا الأبصار فإذا كلت السيوف فإنها مأمورة فأرسلوا عليهم الجنادل فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه
وقال بسر بن أبي رهم احمدوا الله وصدقوا قولكم بفعل لا تموتن إلا وانتم مسلمون انصروا الله ينصركم ولا يكونن شيء بأهون عليكم من الدنيا فإنها تأتي من تهاون بها ولا تميلوا إليها فتهرب منكم
وقال عاصم بن عمرو يا معشر العرب إنكم أعيان العرب وقد صمدتم لأعيان العجم إنما تخاطرون بالجنة ويخاطرون بالدنيا فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم لا تحدثن اليوم أمرا تكونون به شينا على العرب غدا
وقال ربيع السعدي يا معشر العرب قاتلوا للدين والدنيا سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ( 133 آل عمران ) فإن عظم الشيطان عليكم الأمر فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل
وتقدم كل واحد من أولئك الذين بعثهم سعد من وجوه الناس بمثل هذا الكلام وتواثق الناس وتعاهدوا واهتاجوا لكل ما ينبغي لهم
وفعل أهل فارس فيما بينهم مثل ذلك وتعاهدوا وتوصوا واقترنوا بالسلاسل وكان المقترنون ثلاثين ألفا

(4/187)


وقال سعد للناس الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئا حتى نصلي الظهر فإذا صليتم الظهر فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا واعلموا ان التكبير لم يعطه أحد قبلكم وإنما أعطيتموه تأييدا فإذا سمعتم الثانية فكبروا ولتستتموا عدتكم فإذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا ويطاردوا فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم
ويروى أنه لما نادى منادي سعد بالظهر نادى رستم أكل عمر كبدي أحرق الله كبده علم هؤلاء حتى علموا
وقيل إن رستم قال نحوا من هذا عندما نزل بين الحصن والعتيق وقد أذن مؤذن سعد الغداة ورأى الناس يتخشخشون فنادى في أهل فارس أن اركبوا فقيل له ولم قال أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتخشخشوا لكم فقال له رجل قد كان رستم بعثه قبل ذلك عينا إلى عسكر المسلمين فانغمس فيهم وعرف حالهم وانصرف إليه فأخبره ان ذلك تخشخشهم للصلاة فقال رستم بالفارسية ما تفسيره أتاني صوت عند الغداة وإنما هو عمر الذي يعلم الكلاب العقل فلما سمع الأذان بالصلاة قال أكل عمر كبدي
قالوا ولما صلى سعد الظهر أمر غلاما كان عمر رحمه الله ألزمه إياه وكان من القراء بقراءة سورة الجهاد وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها فقرأها على الكتيبة التي تليه وقرئت في كل كتيبة فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها
قال مصعب بن سعد وكانت قراءتها سنة يقرأها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عند الزحوف ويستقرئها فعمل الناس بذلك
قالوا ولما فرغ القراء كبر سعد فكبر الذين يلونه وكبر بعض الناس بتكبير بعض فتخشخش الناس ثم ثنى فاستتم الناس ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال وخرج أمثالهم من فارس فاعتوروا الطعن والضرب وخرج غالب بن عبد الله الليثي وهو يقول
قد علمت واردة المسالح
ذات البنان واللبان الواضح
أني سمام البطل المشايح
وفارج الأمر المهم الفادح
الرجز

(4/188)


فخرج إليه هرمز وكان من ملوك الباب وكان متوجا فأسره غالب أسرا فجاء به فأدخل إلى سعد وانصرف غالب للمطاردة
وذكر المدائني أن رستم أمر هرمز فتقدم في كتيبة فشد عليه غالب وزهرة ابن جوية فسبق إليه غالب في خيل فقتله
قالوا وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول
قد علمت صفراء بيضاء اللبب
مثل اللجين يتغشاه الذهب
أني أمر الأمر إمرارا السبب
مثلي على مثلك يعديه الكثب
الرجز
فطارد رجلا من أهل فارس فهرب منه وأتبعه حتى إذا خالط صفهم والتقى بفارس معه بغل فترك الفارس البغل واعتصم بأصحابه فحموه واستاق عاصم البغل والرحل حتى آوى به إلى الصف وإذا الفارس خباز الملك وإذا الذي كان معه لطف الملك الأخبصة والعسل المعقد فنفل ذلك سعد أهل موقف عاصم وبعث إليهم ليأكلوه وهم في موقفهم
وجال عمرو بن معدي كرب بين الصفين يحرض الناس ويقول إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقي من فرسه فإنما هو تيس
قال قيس بن أبي حازم فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الأعاجم فوقف بين الصفين فرماه بنشابة فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها
فالتفت إليه ثم حمل عليه فاعتنقه ثم أخذ بمنطقته فاحتمله فوضعه بين يديه فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه ثم ألقاه وقال هكذا فافعلوا بهم فقلنا من يستطيع يا أبا ثور أن يصنع كما تصنع وقال بعضهم وأخذ سواريه ومنطقته ويلمق ديباج كانت عليه ثم تكتبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء

(4/189)


وذكر المدائني أن رستم ظاهر يومئذ بين درعين وقرب له فرس فنزا عليه ولم يمسه بيده وقال اليوم ندق العرب دقا فقال له رجل قل إن شاء الله قال إن شاء وإن لم يشأ وقدم كتيبة عليها الدروع والمغافر والأداة الكاملة فدفعوا إلى جعفي وهم حديثوا العهد بالشرك فنازلوهم فلم تحك سيوفهم في جنبهم فظنوا أن الحديد لا يحك فيهم حتى حمل رجل منهم على أسوار فطعنه فقتله ونادى يا آل جعفي السلاح تنفذ فيهم فشأنكم بهم ونحو هذا قول عمرو بن معدي كرب في ذلك اليوم وقد رماه رجل من أهل العجم بنشابة فوقعت في كتفه وعليه درع حصينة فلم تنفد وحمل هو على الرجل فعانقه ثم صرعه فقتله وقال
أنا أبو ثور وسيفي ذو النون
أضربهم ضرب غلام مجنون
يا زيد إنهم يموتون
السريع
ولم يكن عمرو ولا قومه يجهلون أن القوم يموتون ولكن الشعر تحسن فيه هذه المآخذ ويملح بهذه المقاصد
ومثله قول الآخر
القوم أمثالكم لهم شعر
في الرأس لاينشرون أن قتلوا
المنسرح
ويفوق هذا كله قول الله سبحانه ولكتابه المثل الأعلى ولا تهنوا في
ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) ( 104 النساء )
وقد بعدنا عما كنا بسبيله فلنعد إليه
قالوا لما تكتبت الكتائب بعد الطراد وتزاحف الناس صرفت الأعاجم فيولها نحو المسلمين فوجهت إلى الوجه الذي فيه بجيله ثلاثة عشر فيلا وصفوا على سائر الناس سبعة عشر ولما حمل أصحاب الفيلة تفرقت الكتائب وابذعرت الخيل وكادت بجبيلة تؤكل فرت خيلها نفارا فأرسل سعد بن بني أسد يا بني أسد ذببوا على بجيلة ومن لافها من الناس فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك الأسدي وغالب بن عبد الله والرفيل بن عمرو في كتائبهم فباشروا الفيلة حتى عزلها ركبانها وإن على كل فيل يومئذ عشرين رجلا

(4/190)


وقال موسى بن طريف قام طليحة في قومه حين استصرخهم سعد فقال يا عشيرتاه إن المنوه بإسمه الموثوق به أنتم وإن هذا يعني سعدا لو علم أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم لا ستغاثهم ابدؤهم الشدة وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعلهم شدوا ولا تصدوا وكروا ولا تفروا لله در ربيعة أي فري يفرون وأي قرن يغنون هل يوصل إلى مواقفهم فاغنوا عن مواقفكم أعانكم الله شدوا عليهم باسم الله فقام المعرور بن سويد وشقيق فشدوا والله عليهم فما زالوا يضربونهم ويطعنونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه فما ألبثه طليحة أن قتله
قالوا وقام الأشعث بن قيس فقال يا معشر كندة لله در بني أسد
أي فري يفرون وأي هذ يهذون عن موقفهم منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم وانتم تنظرون من يكفيكم البأس أشهد ما أحسنتم اسوة أخوانكم من العرب وأنهم ليقتلون ويقتلون وانتم جثاة على الركب فوثب إليه منهم عشرة فقالوا عثر جدك إنك لتؤبسنا يا هذا نحن احسن الناس موقفا فمن أين خذلنا قومنا العرب واسأنا أسوتهم فها نحن معك فنهد ونهدوا فأزالوا الذين بإزائهم

(4/191)


ولما رأى أهل فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة بني أسد رموهم بحدهم وبدر المسلمون الشدة عليهم وهم ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد فاجتمعت حلبة فارس فيهم ذو الحاجب والجالينوس على بني أسد ومعهم تلك الفيلة وقد ثبتوا لهم وكبر سعد التكبيرة الرابعة فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على بني أسد وحملت الفيول في الميمنة والميسرة على الخيول فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد وألح فرسانهم على الرجل وجد المقاتلة مع الفيلة فقال بعض الأسديين والله لأموتن أو لأطعنن عيني بعض هذه الفيلة فقصد لأعظمها فيلا فقاتل حتى وصل إليه وعلى كل فيل قوم يقاتلون فطعن في عين ذلك الفيل بسيفه وضربه سائس الفيل بعمود فهشم وجهه وأدبر الفيل فخبط من حوله واشتد القتال عند فيل منها فقال حبيش الأسدي لبشر بن أبي العوجاء الطائي أرى القتال قد أشتد عند هذا الفيل فتبايعني على الموت فنحمل على حماته فنكشفهم أو نقتل دونه قال نعم فحملا فضرب حبيش رجلا من الفرس من حماة الفيل فقتله ودنوا من الفيل فضرب حبيش مشفره فرمى به وضرب الطائي ساقه فبرك الفيل وانطوت الفرس على بني أسد فقتل حبيش
وأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو فقال يا معشر بني تميم ألستم أصحاب

(4/192)


الإبل والخيل أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة قالوا بلى والله ثم نادى عاصم في رجال من قومه رماة وأخر أهل ثقافة فقال يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنا ويا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها وخرج يحميهم والرحى دائرة على بني أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد وأقدم أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها وذباب توابيتها فقطعوا وضنها فما بقي لهم يومئذ فيل إلا أعرى وقتل أصحابها وتقاتل الناس ونفس عن بني أسد وردوا عنهم الفرس إلى مواقفهم فاقتتلوا حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل ثم رجع هؤلاء وهؤلاء وأصيب من بني أسد تلك العشية خمسمائة وكانوا ردءا للناس وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم فهذا يوم القادسية الأول وهو يوم أرماث
وقال عاصم بن عمرو التميمي في ذلك
ألم يأتيك والأنباء تسري
بما لاقيت في يوم النزال
ولما أن تزايل مقرفوهم
عصينا القوم بالاسل الطوال
وعريت الفيول من التوابي
وعطلت الخيول من الرجال
ولولا ذبنا عمن يلينا
للج الجمع فعل الضلال
حمينا يوم أرماث حمانا
وبعض القوم أولى بالحمال
الوافر
وقال عمرو بن ساس الأسدي
( فلا وأبيك لا ينفك فينا من السادات حظ ما بقينا
ألسنا المانحين لدى قديس
جموع الفرس مرداة طحونا
ولسنا مثل من لاطرق فيه
ولكن غثنا يلفى سمينا
ونحن إذا يريح الليل أمرا
يهم الناس عصمة من يلينا
ومرقصة منعناها إذا ما
رأت دون المحافظة التقينا
نذكرها إذا ولهت بنيها
ونحميها إذا نحمي بنينا
إذا افترش النواحي بالنواجي
و كان القوم في الأبدان جونا
إذا ثار الغبار كأن فيه
إذا اصطفت عجاجته طحينا
وقد علمت بنو أسد بأنا
نضارب بالسيوف إذا غشينا
( ونحن فواري الهيجا إذا مارأيت الخيل مسندة عرينا ) الوافر

(4/193)


وذكر المدائني خبر هذا اليوم وقد أورد كثيرا مما أورده في تضاعيف الأخبار المتقدمة وفي بعض ما ذكره أن المسلمين هم الذين عبروا إلى الفرس خلافا لما تقدم ذكره أنه لما عزم الفريقان على اللقاء أرسل سعد إلى جرير والمغيرة وحنظلة فقال إنكم قد أصبحتم في دار قد أذل الله لكم أهلها فأنتم تطئونهم منذ سنتين وقد أتوكم في جمع لا أظنهم يريدون أن يزايلوكم حتى يفصل بينكم ولستم وهم سواء في دنيا تقاتلون عنها وقد خلفوا مثلها فإن فروا فروا إلى مثلها وأنتم تقاتلون عن دينكم فإن فررتم فررتم عنه إلى فيافي لا خير فيها وأنتم غرر قومكم إنكم إن ظهرتم عليهم كان لكم أبناؤهم ونساؤهم وإن تواكلتم لم يبقوا منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم والأرض من وراءكم قفر بسابس ليس لكم فيها معقل ولا ملجأ فاتقوا الله واصبروا وحضوا المسلمين وواسوهم وتنجزوا موعود الله فإنه قال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( 105 الأنبياء ) وقد وليت الحرب خالد بن عرفطة فالزموا السمع والطاعة ولاتهنوا ولاتفشلوا فتذهب ريحكم فخرجوا من عند سعد وقد استعد المشركون لقتالهم وهم وقوف يهابون العبور والإقدام فأرسل سعد إلى الناس لا تعبروا حتى آذن لكم وقد أخذ الناس العدة للقتال فوقفوا ينتظرون الإذن من سعد وحض رؤساء القبائل عشائرهم فلما طال وقوفهم ولم يأتهم إذن سعد قال جرير بن عبد الله أيها الناس ما تنتظرون أما تريدون أن تقاتلوهم إن لم يقاتلوكم وعبر النهر في بجيله فقال قيس بن مكشوح يا معشر مذحج قد تقدمكم أخوانكم فسابقوهم فوالله لا يسبق أحد اليوم إلا

(4/194)


أعطاه الله غدا على قدر سبقه في الدنيا وعبر قيس وعبر بعده عمرو بن معدي كرب وقال زهرة بن جوية يا بني تميم ما تنتظرون وقد مضى أخوانكم وعبروا واتبع الناس بعضهم بعضا فقال سعد اللهم أنهم عبروا ولم يستأمروني فاقض لهم بالنصر فصف المسلمون على ميمنتهم شرحبيل بن السمط وعلى ميسرتهم هاشم بن عتبة وعلى الخيل قيس بن مكشوح وعلى الرجالة المغيرة بن شعبة والمسلمون عشرة آلاف ويقال ما بين السبعة الآلاف إلى الثمانية عامة جثهم براذع الرحال قد عرضوا به الجريد يستترون بها وعلى رؤوسهم أنساع الرجال يطوي الرجل نسعة رحله على رأسه والمشركون ستون ألفا وقيل أكثر
وظاهر رستم بين درعين وقدم كتيبة عليهم الدروع والمغافر والأداة الكاملة فدفعوا إلى جعفي وقد تقدم خبرهم وأخرج رستم بعد ذلك كتيبة فيها الجالينوس فتقدم الجالينوس وقد اعتصب بعصابة ديباج معه ترس مذهب فتلقاه طليحة واختلفا ضربتين فوقعت ضربة الجالينوس في جحفة طليحة ووقع سيف طليحة في رأس الجالينوس قهشم البيضة وندرت عن رأسه وقد جرحه فولوا منهزمين إلى رستم فعظموا أمر العرب ليعذرهم وأخذ طليحة البيضة فنفلها فكانت قيمتها أربعمائة مثقال وأقبل قيس بن مكشوح يومئذ فوقف على المغيرة فقال ما رأيت كاليوم عديدا ولاحديدا فقال المغيرة إن هذا زبد من زبد الشيطان والله جاعل بعضه على بعض وحض المغيرة الناس وقال إن الكلام عند القتال فشل فالزموا الصمت ولا يزولن أحد منكم عن مركزه فإذا حركت رايتي فاحملوا فقال له رجل ما تنتظر قال اجلس فقال له رجل من بني مجاشع الله أكبر إني لأرى الأرض من خلل صفهم فكبروا واحملوا فقال له المغيرة اجلس وأقبل المغيرة على قيس بن مكشوح فقال احمل يا قيس فإني حامل ونكبني خيلك لا

(4/195)


أعرفنك إذا غلبت رجالي فيهم إن تجاوزها خيلك فإذا عضك السلاح رددتها على أعقابها في وجوه رجالي فيكون أشد عليهم من عدوهم وهز المغيرة رايته وحمل وأتبعه قيس فما وصلوا كتيبته حتى رجع فيهم طعنتين فقال طليحة يا بني أسد ما تستحيون الناس يقاتلون وانتم وقوف فحمل فقلت امرأة من بني أسد لبنيها وهم أربعة يا بني والله ما نبت بكم دار ولا أفحمتكم سنة ولقد أسلمتم طائعين وهاجرتم راغبين وجئتم بأمكم عجوزا كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس فقاتلوا عن دينكم وأمكم فوالله إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة فاشهدوا أشد القتال فحملوا فقالت اللهم احفظ في بني
وروى الشعبي أن هذه المرأة كانت من النخع وذكر حديثها بنحو ما تقدم إلى قولها كما أنكم بنو امرأة واحدة وزاد هاهنا ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره فأقبلوا يشتدون فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهي تقول اللهم ادفع عن بني فرجعوا إليها وقد احسنوا القتال فما كلم رجل منهم كلما
قال الشعبي فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء فيأتون أمهم فيلقونه في حجرها فترده عليهم وتقسمه فيهم على ما يصلحهم
وقد ذكر الزبير بن بكار نحو هذا عن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية في بنين لها أربعة شهدت معهم حرب القادسية فقالت لهم من أول الليل يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وذكرت من صونها لنسبهم نحو ما ذكر قبل ثم قالت لهم وقد تعلمون ما اعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظالها على سباقها وجللت نارا على أرواقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام

(4/196)


حميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة فخرج بنوها قابلين لنصحها فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وأنشأ أولهم يقول
يا اخوتي إن العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحه
فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنما تلقون عند الصالحه
من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه
وأنتم بين حياة صالحه
أو موتة تورث غنما رابحه
الرجز
وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله ثم حمل الثاني وهو يقول
إن العجوز ذات حزم وجلد
والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد
نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد
إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
الرجز
فقاتل حتى استشهد رحمه الله ثم وحمل الثالث وهو يقول
والله لانعصي العجوز حرفا
قد أمرتنا حدبا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا
وتكشفوهم عن حماكم كشفا
الرجز
فقاتل حتى استشهد رحمه الله وحمل الرابع وهو يقول
لست لخنساء ولا لاخزم
ولا لعمر وذي السناء الأقدم
حميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة فخرج بنوها قابلين لنصحها فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وأنشأ أولهم يقول
يا اخوتي إن العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحه
فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنما تلقون عند الصالحه
من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه
وأنتم بين حياة صالحه
أو موتة تورث غنما رابحه
الرجز
وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله ثم حمل الثاني وهو يقول
إن العجوز ذات حزم وجلد
والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد
نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد
إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد
الرجز
فقاتل حتى استشهد رحمه الله ثم وحمل الثالث وهو يقول

(4/197)


والله لانعصي العجوز حرفا
قد أمرتنا حدبا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا
وتكشفوهم عن حماكم كشفا
الرجز
فقاتل حتى استشهد رحمه الله وحمل الرابع وهو يقول
لست لخنساء ولا لاخزم
ولا لعمر وذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش العجم
ماض على الهول خضم خضرم
أما لفوز عاجل ومغنم
أو لوفاة في السبيل الأكرم
الرجز
فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه وعلى أخوته فبلغ الخبر أمهم فقالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجوا من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته فكان عمر رضي الله عنه يعطي الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد مائتي درهم حتى قبض رحمه الله
فهذا ما ذكره الزبير بن بكار والذي قبله ذكره المدائني رحمهما الله ولعل الخبرين صحيحان والله أعلم أي ذلك كان
ثم ذكر المدائني بعد من حسن بلاء بني أسد وانطواء الفرس عليهم في مجال الفيلة ما قد ذكرناه قبل في موضعه
وذكر أيضا أن الأشعث بن قيس قال عندما اشتد قتالهم لله در بني أسد أي فري يفرون وأنتم تنظرون يا معشر كندة
وقال زهرة بن جوية يا بني تميم قد صبر إخوانكم من بني أسد وأحسنوا فذودوا عنهم الفيلة وحماتها فحمل زهرة في بني تميم وجرير في بجيلة فكشفوا المشركين عن بني أسد وقد استشهد منهم خمسون رجلا وتحاجزوا قريبا من العصر فجمعوا بين الصلاتين ثم عاودوا القتال مطاردة ومشاولة حتى غابت الشمس
والتقى حنظلة بن الربيع الأسيدي وذو الحاجب فاختلفا طعنتين فصارا جميعا إلى الأرض فضرب حنظلة ذا الحاجب على رأسه فصرعه فحامت عنه الأساورة حتى ركب وحامى عن حنظلة القعقاع بن عمرو أحد بني يربوع وذريح أحد بني تيم اللات حتى ركب فقال ذريح
لما رأيت الخيل شك نحورها
رماح ونشاب صبرت جناحا
على الموت حتى أنزل الله نصره
وود جناح لو قضى فأراحا
كأن سيوف الهند حول لبانه
بوارق غيث من تهامة لاحا
الطويل

(4/198)


قال وأصيبت يومئذ عين المغيرة بن شعبة وتحاجزوا حين أمسوا فرجع المسلمون إلى عسكرهم ورجع رستم إلى عسكره هذا ما ذكره المدائني
ويقال إن القعقاع لم يشهد يوم أرماث هذا وإنما قدم من الشام بعد انقضائه فشهد سائر الأيام وأبلى فيها وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله
وذكر سيف عن بعض رجاله أن سعدا كان قد تزوج سلمى بنت خصيفة امرأة المثنى بن حارثة كما تقدم فنزل بها القادسية فلما كان يوم أرماث وجال الناس جعل سعد يتململ ويجول جزعا فوق القصر وكان لا يطيق جلوسا إلا على بطنه فلما رأت سلمى ما يصنع أهل فارس قالت وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم وهي عند رجل قد أضجره ما يرى من أصحابه ومن نفسه فلطم وجهها وقال أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحى يعني أسدا وعاصما وبجيلة فقال أغيرة وجبنا قال والله لا يعذرني أحد اليوم إذا أنت لم تعذريني وأنت ترين ما بي فالناس أحق ألا يعذروني
فلما ظهر المسلمون لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه وكان غير جبان ولا علوم رضي الله عنه
وكانت القادسية في شوال سنة خمس عشرة وإبتداء أيامها يوم الاثنين لثلاث ليال خلون من شوال أو لأيام بقين منه وقيل كانت في المحرم سنة أربع عشرة والأول أصح وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى
ذكر اليوم الثاني من أيام القادسية وهو يوم أغواث
قالوا ولما أصبح الناس من الغد يعنون الغد من يوم أرماث أصبحوا على تعبئة وقد وكل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب ونقل الرثيث فأما الرثيث فأسلموا إلى النساء يقمن عليهم حتى يقضي الله فيهم قضاءه وأما الشهداء فليدفنونهم هنالك على مشرق واد بين العذيب وبين عين شمس في عدوتيه جميعا وفي ذلك يقول سعد رحمه الله
جزى الله أقواما بجنب مشرق
غداة دعا الرحمن من كان داعيا
جنانا من الفردوس والمنزل الذي
يحل به ذو الخير ما كان باقيا
الطويل

(4/199)


وانتظر الناس بالقتال حمل الرثيث والأموال فلما استقلت بهم الإبل موجهة نحو العذيب طلعت عليهم نواصي الخيل من نحو الشأم وكان عمر رضي الله عنه قد أمر أبا عبيدة بن الجراح لما انقضى شأن اليرموك وفتح دمشق بصرف أهل العراق أصحاب خالد الذين قدم بهم عليه إلى العراق ولم يذكر له عمر خالدا فضن أبو عبيدة بخالد فحبسه وقد قيل إن عمر أمر بحبسه فأمسكه وسرح الجيش وهم ستة آلاف ألف من أبناء العرب من أهل الحجاز وسائرهم من ربيعة ومضر وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو أي التميمي فعجله أمامه وجعل على إحدى مجنبتيه قيس بن مكشوح المرادي ولم يكن شهد الأيام وإنما أتاهم وهم باليرموك حين صرف أهل العراق فصرف معهم وعلى المجنبة الأخرى الهزهاز بن
عدي العجلي فطوى القعقاع وتعجل فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث وقد عهد إلى أصحابه أن ينقطعوا أعشارا وهم ألف فكلما بلغ عشرة مد البصر سرح في آثارهم وتقدم هو في عشرة فأتى الناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود وقال يا أيها الناس إني قد جئتكم في قوم والله لو كانوا بمكانكم ثم احسوكم لحسدوكم حظوتها وحاولوا أن يطيروا بها دونكم فاصنعوا كما أصنع فتقدم ثم نادى من يبارز فسكن الناس إليه وقالوا لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يهزم جيش فيهم مثل القعقاع فخرج إليه ذو الحاجب فقال له القعقاع من أنت فقال أنا بهمن جاذوية فنادى بالتارت أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر فاجتلدا فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد قطعا وما زالت إلى الليل وتنشط الناس وكأن لم تكن بالناس مصيبة وكأنما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبي وبلحاق القطع وانكسرت الأعاجم لذلك

(4/200)


وكان أول القتال قبل ان يقدم القعقاع المطاردة فلما قدم قال أيها الناس اصنعوا كما أصنع فنادى من يبارز فبرز له ذو الحاجب فقتله وآخر فقتله وخرج الناس من كل ناحية وبدأ الضرب والطعان ونادى القعقاع أيضا من يبارز فخرج إليه رجلان أحدهما البيزران والأخر البندوان فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان أحد بني تيم اللات فبارز القعقاع البيزران فضربه فأذرى رأسه وبارز ابن ظبيان البندوان فضربه فأذرى رأسه وحمل بنو عم القعقاع يومئذ عشرة عشرة من الرجال على إبل قد ألبسوها فهي مجللة مبرقعة وأطافت بهم خيولهم وأمروا أن تحمل تلك الإبل على خيل الفرس يشبهون بالفيلة التي أرسلت عليهم الفرس بالأمس فجعلت تلك الإبل لاتصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم وركبتهم خيول المسلمين فاستنوا بهم فلقي أهل فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث
ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس واستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان من الغد ولم ير اهل فارس في هذا اليوم شيئا يعجبهم وأكثر المسلمون فيهم القتل
وقالوا قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة كلما حمل حملة قتل فيها وآزر القعقاع يومئذ ثلاثة من بني يربوع وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون وقدم ذلك اليوم رسول لعمر رضي الله عنه بأربعة أفراس وأربعة أسياف ليقسمها سعد فيمن انتهى إليه البلاء إن كان لقى حربا فدعا حمال بن مالك والرفيل بن عمرو بن ربيعة الوالبين وطليحة بن خويلد الفقعسي وكلهم من بني أسد وعاصم بن عمرو التميمي فأعطاهم الأسياف ودعا القعقاع بن عمرو التميمي واليربوعيين وهم نعيم بن عمرو بن عتبان وعتاب بن نعيم بن عتاب وعمرو بن شبيب بن زنباع أحد بني زيد فحملهم على الأفراس فأصاب ثلاثة من بني يربوع ثلاثة أرباعها وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف فقال الرفيل في قطعة يذكر السيوف

(4/201)


لقد علم الأقوام أني أحقهم
إذا حصلوا بالمرهفات البواتر
الطويل
وقال القعقاع في شأن الخيل
ولم تعرف الخيل العراب سواءنا
عشية أغواث بجنب القوادس
الطويل
وذكر المدائني حرب هذا اليوم فخالف بعض ما تقدم وقال إن الناس لما اصبحوا غداة الثلاثاء عبر رستم إلى المسلمين بجنوده وفيلته من حين طلعت
الشمس إلى قريب من نصف النهار وأخذوا عدة الحرب وصافهم المسلمون وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم وعلى الميسرة هاشم بن عتبة وعلى الخيل المغيرة ابن شعبة وعلى الرجالة سلمة بن حديم فقال سعد بن عبيد الأنصاري يا أيها الناس إن الدنيا دار زوال وفتنة وأنتم منقلبون إلى دار الجزاء فلا يكونن شيء أحب إليكم من فراقها فإن ما عند الله خير للأبرار وتقدم أمام الناس فبرز له شهريار السجستاني فقتل كل واحد منهما صاحبه ثم طاردت الفرسان واقتتلوا حتى زالت الشمس وتحاجزوا وصلى المسلمون ثم عادوا إلى مصافهم فنصل من عسكر المشركين رجل يسأل المبارزة فبرز له زهرة بن جوية فقتله وحمل فوارس من المشركين على زهرة فعقروا به وندر سيفه من يده فقاتلهم راجلا يحثو في وجوههم التراب حتى توافت إليه خيل المسلمين فكشفوهم عنه وقد ذهبوا بسيفه فقال
فإن تأخذوا سيفي فإني محرب
خروج من الغلماء محتضر النصر
وإني لحام من وراء عشيرتي
أطاعن فيهم بالمثقفة السمر
الطويل
وقد روى غير المدائني هذا الشعر والخبر للأعرف بن الأعلم العقلي في هذا اليوم

(4/202)


وقال عمرو بن معدي كرب لقومه يا بني زبيد إني مخالط الجمع فانظروني قد نحر جزور وتعسيرها ثم اطلبوني فإنكم تجدوني وسيفي في يدي أقاتل به قدما لاأزول وفي رواية فإن تأخرتم عني فقد فقدتم أبا ثور وأين لكم مثل أبي ثور وحمل حتى خالطهم فستره الغبار فقال بعض الزبيديين أيا بني زبيد علام تدعون صاحبكم وقد توسط جمع المشركين والله ما أرى أن تدركوه حيا وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم فحملوا وحمل الناس حملة واحدة فانتهوا إليه وقد رمى فرسه بنشابة فسب فصرعه وعار وأخر عمرا
عنه المشركون وذلك بعدما طعنوه وإن سيفه لفي يده يضاربهم به فلما رأى أصحابه أخذ برجل فرس اسوار فاحتبسه وإن الفارسي ليضرب فرسه فما يتحرك فلما غشيه الجمع رمى بنفسه وخلا فرسه فركبه عمرو وقال أنا أبو ثور كدتم تفقدونني وثبت عمرو يقاتل فارسا وراجلا إذا قاتل راجلا شد مقود فرسه في وسطه وقاتل
وتزاحف الناس فقال رجل من المسلمين لرجل من الأنصار أعرني ترسك قال ما بي عنه غنى ولكن أي أتراس العجم تريد أتيتك به إن شاء الله فأشار له إلى ترس مذهب فحمل فلم يزل يقاتل حتى خلص إلى صاحب الترس فقتله واستلب ترسه فأتى به صاحبه فقال دونك
وصار الناس إلى السيوف فقاتلوا حتى أعتموا وتحاجزوا عند العتمة عن قتلى وجرحى كثير في الفريقين وقتل يومئذ رجل من طيء يكنى أبا كعب رجلا من المشركين وأخذ قلنسوته فلبسها وأقبل يعدو به فرسه وهو يقاتل فنظر إليه رجل من بجيلة يقال له مضرس وهو يقاتل فظن أنه من الفرس فطعنه فقال بسم الله قتلتني فقال مضرس إنا لله وعانقه فقال غفر الله لك يا أخي فبكى مضرس واحتمل أبو كعب فقال سعد الشهادة لا تقاد ولا كل ميتة مظنون غيرها ولكن من أحب أخذ الدية فكان مضرس يأتيه يعوده فيبكي حتى تبل دموعه لحيته ويقول أبو كعب غفر الله لك يا أخي
وقال أبو كعب
لعمري لقد ثارت رماح مضرس
بعلج هوى في الصف من آل فارس
الطويل

(4/203)


ثم مات أبو كعب بعد أيام من تلك الطعنة وصفح وليه عن الدية
ويروى أنه عرض مثل هذا بعينه لرجل آخر من طيء أيضا يقال له
بجير بن عميرة وكان أحمر شبيها بالعجم فاستلب رجلا من أهل فارس رايته فأقبل بها فبصر به رجل من كندة يدعى فروة فحمل عليه فطعنه فأصاب مقتله فنادى بجير بسم الله فاعتنقه فروة فأتيا سعدا فقال لهما أن الشهادة لا ثواب لها في الدنيا ولكن كفوا العجلات
وخرج يومئذ رجل من أهل فارس ينادي من يبارز فبرز له علباء بن جحش العجلي فبعجه علباء فأصاب سحره وبعج الفارسي علباء فخرق أمعاءه وخرا جميعا فأما الفارسي فمات من ساعته وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه فلم يستطع القيام فعالج ادخالها فلم يتأت له حتى مر به رجل من المسلمين فقال له يا هذا أعني على بطني فأدخله له فأخذ بصفاقيه ثم زحف نحو صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صف فارس فقال
أرجو بها من ربنا الثوابا
قد كنت ممن يحسن الضرابا
الرجز
قالوا وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف الليل فكانت ليلة أرماث تدعى ليلة الهدأة وليلة أغواث تدعى ليلة السواد والنصف الأول يدعى السواد ثم لم يزل المسلمون يرون في يوم أغواث الظفر على فارس وقتلوا فيه عامة أعلامهم وجالت خيل القلب وثبت رجلهم فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا فلما ذهب السواد تفايأ الناس وباتوا على مثل ما بات القوم عليه ليلة أرماث ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا إلى أن تفايأوا فلما امسى سعد وسمع ذلك نام وقال لبعض من عنده إن تم الناس على الإنتماء فلا توقظوني فإنهم أقوياء على عدوهم وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظوني فإنهم على التساوي فإن سمعتم ينتمون فأيقظني فإنما إنتماؤهم من السوء

(4/204)


قالوا ولما اشتد القتال بالسواد وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر صعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره سعد ورده فنزل وأتى سلمى بنت خصفة فقال لها يا بنت خصفة هل لك إلي خير قالت وما ذاك قال تخلين عني وتعيرنني البلقاء فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي وإن أصبت وخشيت هذا فما أكثر من يفلت ويجرب صاحبه فقالت وما انا وذاك فرجع يرسف في قيوده ويقول
كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا
وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت
مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وأخوة
فقد تركوني واحدا لا أخا ليا
ولله عهد لا أخيس بعهده
لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا
الطويل
فقالت سلمى إني استخرت الله ورضيت بعهدك فأطلقته وقالت أما الفرس فلا اعيرها ورجعت إلى بيتها فاقتاد أبو محجن الفرس فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها قيل بسرجها وقيل عريا ثم ذبب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبرز أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين صفين برمحه وسلاحه وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا ويعجب الناس منه وهم لايعرفونه ولم يروه من النهار فقال بعضهم أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أوهاشم نفسه

(4/205)


وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر والله لولا محبس أبي محجن الثقفي لقلت إن هذا أبو محجن وهذه البلقاء وقال بعض الناس إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن أن صاحب البلقاء الخضر وقال آخرون والله لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا ملك بيننا ولا يذكر الناس أبا محجن ولا يأبهون له لمبيته في محبسه فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس وتراجع المسلمون وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج فوضع عن نفسه وعن دابته واعاد رجله في قيده وقال
لقد علمت ثقيف غير فخر
بأنا نحن أكثرهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات
وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وانا وفدهم في كل يوم
فإن عيوا فسل بهم عروفا
وليلة قادس لم يشعروا بي
ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي
وإن أترك أذيقهم الحتوفا
الطويل فقالت له سلمى في أي شيء حبسك هذا الرجل قال اما والله ما حبسني لحرام أكلته ولا شربته ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا أمرؤ شاعر يدب الشعر في لساني وينبعث على شفتي فيساء لذلك ثنائي فعلى ذلك حبسني قلت
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لاأذوقها
الطويل
ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية أرماث وليلة الهدأة وليلة السواد حتى إذا أصبحت أتته فصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن فدعا به فأطلقه وقال اذهب فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله قال لاجرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا
حديث يوم عماس وهو اليوم الثالث من أيام القادسية

(4/206)


قالوا وأصبح المسلمون من اليوم الثالث وهم على مواقفهم وأصبحت الأعاجم كذلك وبين هؤلاء وهؤلاء قدر ميل في عرض ما بين الصفين وقد قتل من المسلمين ألفان بن رثيث وميت ومن المشركين عشرة آلاف وقال سعد من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث ومن شاء فليدفنهم بدمائهم وجعلهم المسلمون وراء ظهورهم وأقبل الذين يحملونهم إلى القبور يتبعون القتلى ويبلغون الرثيث إلى النساء وكان النساء والصبيان يحفرون المقابر في اليومين يوم أرماث ويوم أغواث بعدوتي مشرق وكان في الطريق أصل نخلة بين القادسية والعذيب ليس بينهما يومئذ نخلة غيرها فكان الرثيث إذا انتهى بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تختها يستروح إلى ظلها فمر حاجب بن يزيد وكان على الشهداء بتلك النخلة مع بعض الشهداء وولاتهم ورجل من الجرحى من طيء يدعى بجيرا يقول وهو مستظل بظلها
ألا يا آسلمى يا نخلة بين قادس
وبين العذيب لا يجاورك النخل
الطويل
وآخر من بني ضبة أو من بني ثور يدعى غيلان وهو يقول
ألا يا آسلمى يا نخلة فوق جرعة
يجاورك الجمان والرمث والرغل
الطويل
قالوا وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه بالأمس ثم قال إذا طلعت لكم الشمس فأقبلوا مائة مائة وكلما توارث عنكم مائة فليتبعها مائة فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا ففعلوا ولا يشعر بذلك أحد وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل طلعت نواصيها فكبر وكبر الناس وقالوا جاء المدد

(4/207)


وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها فجاءوا من قبل خفان فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب فاختلف الطعن والضرب ومدد المسلمين متتابع فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى إنتهى إليهم هاشم وقد طوى في سبعمائة فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يومه فعبأ أصحابه سبعين سبعين فلما نجز آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه فيهم قيس بن هبيرة المرادي وهو ابن المكشوح فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقد أخذوا مصافهم وقال هاشم أول القتال المطاردة ثم المراماة فأخذ قوسه فوضع سهما ثم نزع فرفعت فرسه رأسها فخل أذنيها فضحك وقال وأسوأتاه من رمية رجل ينتظره كل من رآه أين ترون سهمي كان بالغا فقيل العتيق فنزقها وقد نزع السهم عن أذنيها ثم ضربها فأقبلت تخرقهم حتى عاد إلى موقفه وقيل إنه نزل عن فرسه وفعل ذلك راجلا فالله أعلم
وما زالت مقانبة تطلع وقد بات المشركون في علاج توابيتهم حتى أعادوها على الفيلة فأصبحوا على مواقفهم وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها ومع الرجالة فرسان يحمونهم إذا أرادوا كتيبة دلفوا إليها بفيل
واتباعه لينفروا بهم خيلهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه احد كان أوحش وإذا طافوا به كان آنس فكان الفيل كذلك حتى عدل النهار
ولما قدم قيس بن المكشوح مع هاشم قام فيمن يليه فقال يا معشر العرب إن الله عز وجل قد من عليكم بالإسلام وأكرمكم بمحمد {صلى الله عليه وسلم} فأصبحتم بنعمتة أخوانا دعوتكم واحدة وأمركم واحد بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد ويختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب فانصروا الله ينصركم وتنجزوا من الله تعالى فتح فارس فإن أخوتكم من أهل السام قد أنجز الله تعالى لهم فتح الشام وانتثال القصور الحمر والحصول الحمر

(4/208)


وخرج يوم عماس رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشق ونادى من يبارز فخرج إليه رجل من المسلمين يقال له شبر بن علقمة وكان قصيرا دميما فقال يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرجل فلم يجبه أحد ولم يخرج إليه أحد فقال أما والله لولا أن تزدروني لخرجت إليه فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وجحفته ثم تقدم فلما رآه الفارسي هدر ثم نزل إليه فاحتمله فألقاه ثم جلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه ومقود فرسه مشدود بمنطقته فلما استل السيف حاص الفرس حيصه فجذبه المقود فقلبه عنه فقام إليه وهو يسحب فافترسه فجعل أصحابه المسلمون يصيحون به فقال صيحوا ما بدا لكم فوالله لا أفارقه حتى أقتله ثم أسلبه فذبحه وسلبه ثم أتى سعدا بالسلب فنفله إياه فباعه باثنى عشر ألفا
قالوا ولما رأى سعد الفيلة تفرق الناس وعادت لفعلها يوم أرماث سأل هل لها مقاتل فقيل له نعم المشافر والعيون لا تنتفع بها بعدها فأرسل إلى القعقاع وأخيه عاصم أن اكفياني الفيل الأبيض وكان بإزائهما فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين لينين ودنوا في خيل ورجل وقالا اكتنفوه لتحيروه وفعل الآخران مثل ذلك فلما اكتنف الفيلان نظر كل واحد منهما يمنة ويسرة وهما يريدان أن يتخبطا فحمل القعقاع وعاصم والفيل الأبيض متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معا في عينيه وقبع ونفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره فنفحه القعقاع ورمى به ووقع لجنبه وقتلوا كل من كان عليه وقال حمال لصاحبه وقد قصدا إلى الفيل الأجرب إما أن تضرب المشفر وأطعن في عينهأو طعن في عينه وأضرب مشفره فاختار صاحبه الضرب فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه لا يخاف سائسه إلا على بطانه فطعنه في عينه فأقعى ثم استوى فنفحه الآخر فأبان مشفره وبصر به السائس ففقر أنفه وجبينه بفأسه

(4/209)


ويروى أن الفيلين صاحا عند ذلك صياح الخنزير ثم ولى الأجرب الذي عور فوثب في العتيق فأتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم فعبرت العتيق في أثره فبيتت المدائن في توابيتها وهلك من فيها
وقيل إنه بقي منها الفيل الأبيض لم يبق في المعركة غيره وإن الناس رشقوا مشافر الفيلة فعند ذلك انبعث الفيل الآخر فلم تنته عن المدائن وكانت تفعل بالناس الأفاعيل فاستقام للناس بعدها وجه القتال وخلصوا بأهل فارس فاجتلدوا على جرد بالسيوف حتى أمسوا وهم في ذلك على السواء
فكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا العرب والعجم فيه على السواء
ولايكون بينهم لفظة إلا تقاولها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرد بالمدائن إذ كان أمر رستم بأن يرتب الرجال على الطريق بينهما ليبلغه بالتنادي ما يطرأفي العسكر من حينه فيرسل إليهم أهل النجدات ممن بقي عنده فيتقوون بهم وأصبحت عنده للذي لقى بالأمس الأمداد على البرد فلولا الذي صنع الله للمسلمين في الذي ألهم إليه القعقاع في اليومين وما أتاح لهم بهاشم لكسر ذلك المسلمين
وأصيب يومئذ مؤذن سعد بن أبي وقاص فتشاح الناس على الأذان حتى كادوا يجتلدون بالسيوف فأقرع بينهم سعد
قالوا ولما أمسى الناس من يومهم ذلك وأطعنوا إلى الليل واشتد القتال فصبر الفريقان فخرجا على السواء فلم يسمع إلا الغمائم من هؤلاء وهؤلاء فسميت ليلة الهرير لم يكن بعدها قتال بليل في القادسية

(4/210)


وجدد المشركون في تلك الليلة تعبئة وأخذوا في أمر لم يكونوا عليه في الأيام الثلاثة وبقي المسلمون على تعبئتهم فخرج مسعود بن مالك الأسدي وقيس بن هبيرة المرادي وهو ابن المكشوح وأشباههم فطاردوا القوم وحركوهم للقتال فإذا هم فيه أمة لايشهدون ولا يريدون إلا الزحف فقال قيس بن مكشوح لمن يليه ولم يشهد شيئا من لياليها إلا تلك الليلة إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة والرأي رأي الأمير وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجال فإن القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم فتيسروا للحملة
قال دريد بن كعب النخعي وكان معه لواء النخع إن المسلمين قد تهيئوا للمزاحفة فاسبقوا المؤمنين الليلة إلى الله والجهاد فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه فنافسوهم في الشهادة وطيبوا بالموت أنفسا فإنه لا
نجاء من الموت إن كنتم تريدون الحياة وإلا فالآخرة ما أردتم
وقال الأشعث بن قيس يامعشر العرب إنه لاينبغي ان يكون هؤلاء أجرأ على الموت ولا أسخى أنفسا عن الدنيا منكم تنافسوا ولا تجزعوا من القتل فأنة أماني الكرام ومنايا الشهداء وترجل
وقال حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار ترجلوا أيها الناس وافعلوا كما نفعل ولا تجزعوا مما لابد منه فالصبر أنجى من الجزع
وفعل طليحة وغالب أهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك
وقال أنس بن الجليس ليلة الهرير فكان صليل الحديد فيها كضرب القيون ليلتهم حتى الصباح أفرغ عليهم الصبر افراغا
وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها ورأى العرب والعجم أمرالم يروا مثلة قط وانقطعت الأصوات والأخبار عن سعد ورستم فبعث سعد في تلك الليلة نجادا وهو غلام إلى الصف إذ لم يجد رسولا فقال انظر ماذا ترى من حالهم فرجع إليه فقال ما رأيت يابنى فقال رأيتهم يلعبون فقال أويجدون فأقبل سعد على الدعاء حتى إذاكان في وجه الصبح انتمى الناس فاستدل سعد بذلك على أنهم الأعلون وأن الغلبة لهم

(4/211)


قال بعضهم أول شى ء سمعه سعد ليلتئذ ممايستدل به على الفتح في نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهويقول
نخن قتلنا معشرا وزائدا
أربعة وخمسة وواحدا
تحسب فوق البلد الأساودا
حتى إذا ماتوا دعوت واحدا
الله ربي واحترزت جاهدا
الرجز
فاستدل سعد بهذا وربما سمع معه من غير القعقاع من الإنتماء واتسع له الرجاء فسمع عمرو بن معدي كرب يقول أنا ابن أسلة وطليحة يقول أنا ابن ليلى وسعد بن عمارة يقول أنا ابن أروى ثم سمع الانتساب من كل ناحية خذها وأنا الغلام الجرمي من النخع خذها وأنا الغلام المالكي من بني أسد خذها وأنا الغلام الأسعدي من عجل فأصبحوا والناس على مواقفهم متحاجزين فصلى المسلمون الغداة وقضوا من شأنهم
خبر اليوم الرابع من أيام القادسية
وهذا هو آخر أيامها ويسمى من بينها يوم القادسية وفية قتل الله رستم وأتم الفتح للمسلمين
قالوا وأصبح الناس ذلك اليوم حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها فسار القعقاع في الناس فقال إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ اليوم فاصبروا واحملوا فإن النصر مع الصبر فاجتمع إليه هلال بن علفة ومالك بن ربيعة والكلح الضبي وضراربن الخطاب وابن الهذيل وغالب وطليحة وعاصم بن عمرو ابن ذي البردين وأمثالهم ممن اختصر ذكره ومعهم عشائرهم ثم صمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح
ولما رأت ذلك القبائل قام فيهم رجال منهم فقالوا لايكونن هؤلاء أجد في أمرالله تعالى منكم ولا أسخى نفسا عن الدنيا تنافسوها فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين باءزائهم
وقام في ربيعة عتبة بن النهاس وفرات بن حيان والمعنى بن حارثة وسعيد بن مرة في امثالهم فقالوا أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم

(4/212)


واقتتل الناس إلى أن انفرج قلب المشركين حين قام قائم الظهيرة ؤقد ركد عليهم النقع واشتد الحر وسقفتهم الشمس فهبت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم عن سريرة فهوت في العتيق فانتهى القعقاع وأصحابة إلى السرير فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قدمت عليه يومئذ
بمال فهي واقفة فاستظل في ظل بغل منها وحمله وضرب هلال بن علفة العدل الذي على البغل الذي رستم تحتة فقطع حباله فوقع عليه أحد العدلين ولا تراه هلال ولا يشعر به فأزال من ظهره فقارا ويضربه ضربة فنفحت مسكا ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه فاقتحمه عليه هلال فتناوله وقد عام فأخرجه ثم ضرب جبينه بالسيف حتى قتله ثم جاء به فرمى به بين أرجل البغال وصعد السرير ثم نادى قتلت رستما ورب الكعبة إلي إلي فأطافوا به ما يحسون السرير وما يرونه وكبروا وتنادوا وانبت قلب المشركين عندها وانهزموا وقام الجالينوس على الردم ونادى أهل فارس إلى العبور وانسفى الغبار فأما المقترنون فإنهم خشعوا فتهافتوا في العتيق فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر وهم ثلاثون الفا

(4/213)


وأخذضرار بن الخطاب درفش كابيان راية كسرى فعوض عنها ثلاثين ألفا وكانت قيمتها ألف ألف ومائتي ألف وقتلوا في المعركة من الليل يعني ليلة الهرير عشرة آلاف سوى من قتلوا في تلك الثلاثة الأيام وأكب المسلمون على من ثبت لهم وعلى من سفل منهم عن الردم ومن ارتفع عنه فقتلوا منهم ستين ألفا فقتلوا يوم القادسية مائة ألف سوى من قتلوا في الأيام قبلة قالوا فلما انكشف أهل فارس فلم يبق منهم بين الخندق والعتيق أحد وطبقت القتلى ما بين قديس والعتيق أمر سعد زهرة بن جوية باتباعهم فنادى زهرة في المقدمات وساروا وأمر سعد القعقاع بمن سفل وشرحبيل بمن علا وأمر خالد بن عرفطة بسلب القتلى وبدفن الشهداءفدفن شهداءليلة الهرير ويوم القادسية ألفين وخمسمائة وقيل ثلاثة آلاف من وراء العتيق بحيال مشرق ودفن شهداءالأيام الثلاثة قبل ذلك على مشرق ويقال كانوا ألفين وخمسمائة وجمعت الأسلاب والأموال فجمع منها شيءلم يجمع قبله ولابعده
وأرسل سعد إلى هلال بن علفة فدعا له فقال أين صاحبك يعني رستما قال رميت به تحت بغل فقال أذهب فجيء به فذهب فجاء به فقال له سعد جرده إلا ما شئت فخذ سلبه فلم يدع عليه شيئا ويقال إنه باع الذي سلبه بسبعين ألفا وكان قد تخفف حين وقع في الماء ولم توجد قلنسوته وكانت قيمتها مائة ألف

(4/214)


وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد فرأوا رستما ببابه مطروحا فقالوا أيهالأمير رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره وكان الضرب قد شوهه فضحك سعد وخرج زهرة في آثار أهل فارس فانتهى إلى الردم وقد تبعوه ليمنعوهم به من الطلب فقال زهرة لبكير بن عبد الله الليثي وهوالذي يقال له فارس أطلال وهو اسم فرس له كان يعرف بها يابكير أقدم وكان يقاتل على الإناث فضرب فرسه وقال ثبي أطلال فتجمعت وقالت وثبا وسورة البقرة ثم وثبت ووثب زهرة وكان على حصان وتتابع ذلك ثلاثمائة فارس فلحق زهرة بالقوم والجالينوس في آخرهم يحميهم فشاوله زهرة فاختلفا ضربتين فقتله زهرة وأخذ سلبه وقتل أولئك الفرار ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف ورجع زهرة في أصحابه حين أمسوا فباتوا في القادسية ولما رجع القعقاع وشرحبيل إلى سعد قال لشرحبيل أغد في طلب القعقاع وقال القعقاع أغد في طلب شرحبيل فعلا هذا وسفل هذا حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية قال الشعبي خرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب من ارتفع وسفل فقتلوهم في كل قرية وأجمة وشاطئ نهر ورجعوا فوافوا صلاة الظهر وهنأ الناس أميرهم و أثنى على كل حي خيرا وذكره منهم وقال في ذلك هلال بن علفة
جدعت أنوف العجم يوم لقيتهم
برستم والجمعان في أشغل الشغل
فضضت به رض الصفوف فقوضت
صفوفهم والحرب جامحة تغلي
الطويل
وقال الشماخ في قصيدة يرثي بكير بن عبد الله فارس أطلال ويذكر ما كان من فرسه في وثبتها المذكورة قبل
وغيب عن خيل بموقان أسلمت
بكير بني الشداخ فارس أطلال
غداة اقتحام القوم من بعد نطقها
وحلفتها عرض العتيق بادلال
الطويل
ولما قتل زهرة الجالينوس وأخذ سلبه جاء به إلى سعد فعرفه الأسارى الذين كانوا عند سعد وقالوا هذا سلب الجالينوس وكان سيدا من ساداتهم وعظيما من عظمائهم فقال سعد لزهرة هل أعانك عليه أحد قال نعم قال من قال الله عز وجل فنفله إياة

(4/215)


وقيل إنما جاء بالسلب وقد لبسه فانتزعه منه سعد وقال ألا انتظرت إذني وكتب فيه إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر أن يمضي لزهرة ذلك السلب وعاتب سعدا في كتابه وقال له تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وبقي عليك مابقي من حربك تكسر قرنه وتفسد قلبه
ويروى ان سعدا استكثر له السلب فكتب فيه إلى عمر فكتب إليه إني قد نفلت من قتل رجلا سلبه فدفعه إليه سعد فباعه بسبعين ألفا
وقال زهرة في قتل الجالينوس
تبعنا جيوش الجالينوس وقد رأى
بعينه أمرا ذا إياس منكرا
لحقنا به نرمي الكرانيف سادرا
ويعجب إذخلى الجموح وشمرا
فوليته لما التقينا مصمما
أراه محياالموت أحمر أصفرا
الطويل
وقال سيف عن رجاله ثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة استحيوا من الفرارفصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين لكل كتيبة منها رأس
من رؤساء المسلمين فأباد الله تلك الكتائب يومئذ
وقال سعيد بن المرزبان أصاب أهل فارس يومئذ بعدما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم قتلوا حتى أن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه وحتى أنه ليأخذ سلاحه فيقتله به وحتى أنه ليأمر أحدالرجلين منهم بقتل صاحبه
وقال بعض من شهدها أبصر سلمان بن ربيعه الباهلي أناسامن الأعاجم تحت راية لهم قدحفروا لهاوجلسواتحتها وقالوا لا نبرح حتى نموت فحمل عليهم فقتلهم وسلبهم وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية وأحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت وكذلك أخوه عبد الرحمن بن ربيعة ذو النور مال على آخرين قد تكتبوا ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله وقال الشعبي كات يقال لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور
وقال بعض بني معرض مارأينا مثل أهل القادسية هزمناهم فأتبعناهم وهم على خيولهم كأنها في طين ونحن على أرجلنا كأنا ظباءولقد أدركنا رجلا يعدو بة فرسه فصحنا به فلم يتحرك فأخذناه أسيرا

(4/216)


قال أبو وائل وشهدها لقد سمعت الفرس يقولون ما تقطع سيوفنا الشعر ولقد نزع منا النصر وقال الأسود النخعي شهدت القادسية فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أوثمانين رجلا من أبناء الأحرار وأتى رجل سعدا فقال تجعل لي ثلث ما أجيئك به قال نعم فأتاه بأساورة قد أسرهم فقال له سعد كيف
أخذت هؤلاء وحدك قال صحت بهم وهم منهزمون فوقفوا لم يمتنع منهم أحد فجعل سعد يتعجب
وكان سعد أجرأ الناس وأشجعهم إنه نزل قصرا غير حصين يشرف منه على الناس ويرى قتالهم وصف المسلمين إلى أصل حائط القصر ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذوا برمته فوالله ما كربه هول تلك الأيام ولا أغلقه ودخل إليه في اليوم الرابع رجل من بجيلة فقال أبا إسحاق إن الناس قد جبنوك وقالوا لم يمنعك من الخروج الوجع قال ما أخاف ذلك على نفسي أوما ترى ما بي وسأخرج وكان به حبون ودماميل لا يستطيع أن يقر لها إلا مكب على صدره فركب فرسا فانتهى إلى باب القصر وقد تبوأ فيه حمام فطرنا فنفر الفرس فشب فانفجر ما كان من قروحه وخرج فوقف وحض المسلمين وقال لا تكون هذه الأعاجم أصبر على المقارعة منكم واعلموا ان القوم ملوا إن كنتم مللتم فنشط الناس وفي حديث غير هذا أن جريرا البجلي قال في ذلك اليوم
أنا جرير كنيتي أبو عمرو
قد نصر الله وسعد في القصر
الرجز
وقال رجل من المسلمين أيضا
نقاتل حتى أنزل الله نصره
وسعد بباب القادسية معصم
فأبنى وقد أمت نساء كثيرة
ونسوة سعد ليس فيهن أيم
الطويل
فلما بلغ ذلك من قولهما سعدا خرج إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في فخذيه فعذره الناس وقال سعد يجيب جريرا من أبيات
وما أرجوا بجيلة غير أني
أؤمل أجرهم يوم الحساب
الوافر

(4/217)


وفي حديث يروى عن قيس بن أبي حازم وكان شهد تلك الحرب أن الفرس لما إنهزموا لحقوا بدير قرة وما وراءه ونهض سعد بالمسلمين حين نزل بدير قرة على من هناك من الفرس وقدم عليه بالدير عياض بن غنم في ألف رجل من الشام مددا لهم فأسهم لهم سعد مع المسلمين في ما أصابوا بالقادسية ثم أن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرنت والحرير والسلاح وثياب كسرى وخلوا ما سوى ذلك وأتبعهم سعد الطلب فبعث خالد بن عرفطة ووجه معه عياض بن غنم في أصحابه وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة وعلى ميمنتهم جرير بن
عبد الله وعلى الميسره زهرة بن جوية وتخلف سعد لما به من الوجع فلما أفاق من وجعه أتبع الناس بمن بقي معهم من المسلمين حتى أدركهم دون دجلة فلما وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن فقال أدلكم على طريق تدركونهم قبل ان يمنعوا فخرج بهم على مخاضة بقطربل فكان أول من خاضها هاشم واتبعه خيله ثم جاز خالد بن عرفطة بخيله وتتابع الناس فخاضوا حتى جاوزوا فزعموا أنه لم يهتدي لتلك المخاضة بعد ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو فتردد الناس وجبنوا عنه فكان أول من دخله بجيشه هاشم فلما جاز الاح للناس بسيفه فعرف الناس أن ليس به شيء يخافونه فأجاز بهم خالد بن عرفطة ثم لحق سعد بالناس حين انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس فكانت وقعة جلولاء بها فهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها أفضل مما أصابوا بالقادسية وأصيبت إبنة لكسرى يقال لها من جانت ويقال ابنة ابنه وقال شاعر من المسلمين
يارب مهر حسن مطهم
يحمل أثقال الغلام المسلم
ينجو إلى الرحمن من جهنم
يوم جلولاء ويوم رستم
ويوم زحف الكوفة المقدم
ويوم لافي حدفه مهزم
وخر دين الكافرين للفم
الرجز

(4/218)


وفي كتاب المدائني عن أبي وائل قال هزمناهم يعني يوم القادسية حتى انتهوا إلى الفرات فقاتلونا عليه فهزمناهم حتى انتهوا إلى الصراة فقاتلونا عليها فهزمناهم حتى انتهوا إلى المدائن فدخلوها ونزل المسلمون دير السباع فجعلنا
نغاديهم فنقاتلهم فقال المسلمون هؤلاء في البيوت ونحن في الصحراء اعبروا إليهم فعبرنا إليهم فحصرناهم في الجانب الشرقي حتى أكلوا الكلاب والسنانير فخرجوا على حامية معهم الأثقال والعيال حتى نزلوا جلولاء الوقعية وتبعناهم فقاتلوا بها قتالا شديدا عن العيال والذراراي فجال المسلمون جولة فناداهم سعد يا معشر المسلمين أين أين أما رأيتم ما خلفكم أتأتون عمر منهزمين فعطفوا وهزم الله المشركين وسميت جلولاء الوقعية فتح الفتوح وسيأتي عبد ذكر فتح جلولاء والمدائن على التمام بعد انقضاء بقايا الأخبار عن شأن القادسية ومغانمها إن شاء الله تعالى
قال الشعبي بلغ الفيء بالقادسية ستمائة ألف ألف وكان خمسها عشرين ومائة ألف ألف وكان الملك يزدجرد بن كسرى قد حمل نصف الأموال إلى أهل فارس بالقادسية ليتوردوا بها بلاد العرب وليغزوا عمر رضي الله عنه في داره وقراره فعل مقتدر مغرور وأمر الجنود أن يحضروا الحرب بأموالهم وأن يختلفوا ليكون أجد لهم في الامتناع والمخاطرة لدنياهم فاجتمعت معهم من الأموال والزين والشارات على قدر أحسابهم مالا يحصى وكان سبب ذلك ما قضى الله عز وجل للمسلمين فساقه إليهم وكان يزدجرد قد استبقى النصف من الأموال وأقره في بيت المال على حاله فأفاءه الله على المسلمين يوم المدائن
وذكر المدائني أن المسور بن مخرمة أصاب يوم القادسية إبريق ذهب عليه يا قوت فقال له بعض الفرس آخذه منك بعشرة آلاف فأبى وأتى به سعدا فباعه بمائة ألف

(4/219)


وقال مخنث بن سليم إني لفي طلب المشركين يومئذ إذ لحقت رجلين أحدهما على فرس والآخر على بغل ثم ذكر حديثا إنتهى فيه إلى أن فاته صاحب الفرس ولحق بصاحب البغل فأخذه قال وأنا أريد ان آتي به سعدا وما من رأي أن انظر إليه فجاء مولى لي وأنا أصلي فحط الثقل واستخرج سفطا فنظر إليه وقال
لي أتدري ما معك قلت لا قال بعض كنوز كسرى فنظرت فإذا ناقة ذهب عليها رجل ذهب وبطان ذهب وزمام ذهب وإذا ذلك كله مكلل بالجوهر عليه مثال رجل من فضة فأتيت بها سعدا فقال ابشر بأفضل منه من ثواب الله وولاني مغانم القادسية ومعي غيري فجاء رجل بسفط آخر فألقاه في المغانم وقال أما والله لولا خوف الله ما أديته فإذا الذي جئت به لا يقارب ما جاء به الرجل فقلت من أنت قال والله ما اخبرك لتحمدني أنت ولا أحد من الناس وأصاب الناس رثة ومتاعا كبيرا
وقال طلحة بن مصرف أمروا مما وجدوا من الطيب للنساء ببعضه فأصاب كل إمرأة مع الناس يومئذ ثلاثة وثلاثون مثقالا من عنبر ومثلها من مسك وأشرك صبيان الذين استشهدوا في ذلك فأما الكافور فلم يعبأوا به شيئا وبعضهم استبدل منه بالملح كيلا بكيل وأصاب الرجل من المسلمين خمسة آلاف ونيف من سهمه وصير الله عز وجل العدة والأداة إلى المسلمين فلم يبق أحد إلا أردى وركب وفضل عنهم حتى جنبوا الجنائب
وذكر سيف عن رجاله قالوا وقسم سعد الفيئ بالقادسية على تسعة وثلاثين ألفا أو يزيدون وكان من شهدها أكثر من تسعة وثلاثين ألفا وأقل من الأربعين فأصيب منهم خمسة آلاف ومائتان وقيل وخمسمائة ثم لحق في الأيام الثلاثة بعد الوقعة عدد من استشهد فقسم الفيء على تلك العدة التي هي أقل من أربعين ألفا قالوا وأعطى الناس المتاع بالقيمة في سهم الرجل
قال إبراهيم بن يزيد كانوا ليقومون الشيء الثمين بالشيء اليسير

(4/220)


وقال الشعبي لم يقسم يومئذ لأكثر من فرسين ولا يقسم لأكثرمن هما قالوا فبلغ سهم الفرسين وصاحبهما سبعه وعشرين ألفا للرجل خمس ذلك وللفرسين سائر ذلك وللفرس الواحد بحساب ذلك عشرة آلاف ونيف وسهم الرجل الواحد خمسة آلاف ونيف وسهم الرجل الفارس ذي الفرس الواحد خمسة عشر
ألفا ونيف وكان القاسم بين الناس والمميز للخيل والذي يلي الأقباض سلمان بن ربيعة الباهلي
قال المدائني فجاء عمرو بن معدي كرب بفرسين يقودهما فقال سلمان لأحد الفرسين هذا هجين فقال عمرو الهجين يعرف الهجين فأغلظ له سعد عند ذلك وهدده فقال عمرو
إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد
قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطي السوية من طعن فهل نهل
ولا سوية إذ تعطى الدنانير
ونحن في الصف قد تدمى حواجبنا
نعطى السوية مما أخلص الكير
البسيط
قالوا وكتب سعد بالفتح إلى عمر رحمه الله وبعدة من أصيب من المسلمين جملة وسمى له منهم من كان عمر يعرفه وكان كتابه إليه
أما بعد فإن الله عز وجل نصرنا على أهل فارس ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهوها فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونفله عنهم إلى المسلمين وأتبعهم المسلمون يقتلونهم على الأنهار وعلى صفوف الآجام وفي الفجاج وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاريء وفلان وفلان ورجال من المسلمين لاتعلمهم الله بهم عالم كانوا إذا جن عليهم الليل يدوون بالقرآن دوي النحل وهم آساد من الناس لا تشبههم الأسود ولم يفضل من مضى منهم على من بقي إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم
ولما أتى عمر الكتاب بالفتح قام في الناس فقرأه عليهم وكان رضي الله عنه

(4/221)


لما أتاه الخبر بنزول رستم القادسية يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى بيته فلما لقيه البشير سأله من أين جاء فأخبره فقال يا عبد الله حدثني قال هزم الله العدو وعمر رضي الله عنه يخب معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته وهو لايعرفه حتى دخل المدينة فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين فقال الرجل فهلا أخبرتني رحمك الله أنك أمير المؤمنين وجعل عمر يقول له لا عليك يا أخي
وقال عمر للناس عندما قرى ء عليهم الفتح إني حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض فإذا عجز ذلك عنا تأسينا حتى نستوي في الكفاف إني والله ما أنا بملك فاستعبدكم ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم وأتبعتكم حتى تشبعوا وترووا في بيوتكم سعدت وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت ففرحت قليلا وحزنت طويلا وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب
وكتب سعد أيضا إلى عمر في ثلاثة أصناف من المسلمين اجتمعوا إليه يسأله عنهم عمن أسلم بعدما فتح الله تعالى عليهم ممن كان له عهد ومعونة وعمن أعتق الجند من رقيقهم بعد الفتح وعمن جاء بعدما فتح الله عليهم وأخبره أنه ممسك عن القسم حتى يأتيه رأيه
قالوا وكانت طائفة من الديلم ورؤساء أهل المسالح قد استجابوا للمسلمين واختاروا عهودهم على عهد فارس وقاتلوا مع المسلمين على غير الإسلام وكان حشوة فيمن أسلم منهم فلما فتح الله تعالى على المسلمين قال أولئك الذين لم يكونوا أسلموا إخواننا الذين سبقونا دخلوا في هذا الأمر من أول الشأن خير وأصوب رأيا والله لايفلح أهل فارس بعد رستم إلا من دخل في هذا الأمر منهم فأسلموا فهم الصنف الأول من الذين سأل عنهم سعد عمر رضي الله عنهما قالوا وتتابع أهل العراق من أصحاب الأيام الذين شهدوا اليرموك

(4/222)


ودمشق ورجعوا ممدين لأهل القادسية فتوافوا بها من الغد ومن بعد الغد جاء أولهم يوم أغواث وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح وقدمت أمداد فيها مراد وهمدان ومن أبناء الناس فهذا الصنف الثاني من ممن كتب فيهم سعد
وأقام المسلمون في انتظار أمر عمر رضي الله عنه يقومون أقباضهم ويحزرون جندهم ويرمون أمورهم ويجددوون حربهم حتى جاءهم جواب عمر
أما بعد فالغنيمة لمن شهد الوقعة والمواساة لمن أغاث في ثلاث بعد الوقعة فاشركوهم ومن أعانكم في حربكم من أهل عهدكم ثم أسلم بعد الحرب في ثلاث ومن شهد حربكم من مملوك ثم عتق في ثلاث بعدها فأشركوا هؤلاء الاصناف الثلاثة فيما أفاء الله عليكم
وكانوا كتبوا إليه - أيضا - يسألونه عمن احتلم بعد الوقعة ممن شهدها فأجابهم عن ذلك أما بعد فمن أدرك الحلم ممن شهد الوقعة في ثلاث بعدها فأشركوهم وألحقوهم وأقسموا لهم ولمن لحق في ثلاث أو أسلم في ثلاث فإن الله لن يزيدكم بذلك ألا فضلا وليست في الفيوء أسوة بعد الخمس ألا هؤلاء الطبقات
وكتبو إلى عمر ايضا أن أقواما من أهل السواد ادعو عهودا ولم يقم على عهد ألايام لنا ولم يف به أحد علمناه ألا أهل بانقيا وبسما وأهل أليس الأخيرة وادعى سائر أهل السواد أن فارس أكرهوهم حشروهم فلم يخالفوا إلينا ولم يذهبوا في الأرض
وكتبوا إليه أيضا في كتاب آخر أن أهل السواد جلوا فجاءنا من تمسك بعهده ولم يجلب علينا فتممنا لهم على ما كان بين المسلمين وبينهم قبلنا وزعموا أن أهل الأرض قد لحقوا بالمدائن فأحدث إلينا فيمن أقامو فيمن جلا وفي من ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل أو استسلم فإنا بأرض رغيبة
والأرض خلاء من أهلها وعددنا قليل وقد كثر أهل صلحنا وإن اعمر لها وأوهن لعدونا تألفهم

(4/223)


فلما انتهى ما كتبوا به إلى عمر رضي الله عنه قام في الناس فقال إنه من يعمل في بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه ومن يتبع السنة وبينه إلى الشرائع ويلزم السبيل النهج ابتغاء ماعند الله لأهل طاعته أصاب أمره وظفر بحظه وذلك أن الله عز وجل يقول ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحد ( 49 الكهف ) وقد ظهر أهل الأيام والقوادس بما يليهم وجلا أهله وأتاهم من أقام على عهدهم فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا وفيمن أقام ولم يدع شيئا ولم يجل وفيمن استسلم
فأجمعوا على ان الوفاء لمن أقام وكف وأن من ادعى وصدق بمنزلتهم ومن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم وأن يجعل أمر من جلا إلى المسلمين فإن شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمة وإن شاءوا أتموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال وأن يخيروا من أقام واستسلم بين الجزاء والجلاء وكذلك الفلاح
فكتب عند ذلك عمر رضي الله عنه جوابا عما كتبوا إليه في ذلك
أما بعد فإن الله عز وجل أنزل في كل شيء رخصة في بعض الحالات إلا في أمرين العدل في السيرة والذكر فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة ولم يرضى منة إلا بالكثير وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد ولا في شدة ولا رخاء والعدل وإن رئي لنا فهو اقوى وأطفاء للجور وأقمع للباطل من الجور وإن رئي شديدا فهو انكس للكفر فمن تم على عهده من أهل السواد ولم يعن عليكم بشيء فله الذمة وعليهم الجزية وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم أو يذهب في الأرض فلا تصدقوهم بما ادعو من ذلك إلا أن تشاءوا وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم وأبلغوهم مأمنهم ومن أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل الذمة بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة والفلاحون إذا فعلوا ذلك وكل من ادعى شيئا فصدق فلهم الذمة وإن كذبوا نبذ إليهم وأما

(4/224)


من أعان وجلا فذلك أمر جعله الله إليكم فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقوموا لكم في أرضكم ولهم الذمة وعليهم الجزية فإن كرهوا ذلك فاقتسموا ما أفاء الله عليكم منهم
فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى من أهل السواد أن يتراجعوا ولهم الذمة وعليهم الجزية وتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده إلا أن خراجهم أثقل وأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم وانزلوا من اقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلاحون ولم يدخل في الصلح ما كان لآل كسرى ولا كان لمن خرج معهم ولم يجب إلى الأسلام ولا إلى الجزية فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه كالصوافي في الأول وسائر السواد لهم ذمة وأخذوهم بخراج كسرى وكان على رءوس الرجال وما بأيديهم من الحصة والأموال وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى ومن صوب معهم وعيالهم وعيال من قاتل معهم وماله وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه وما كان للسكك فلم يتأت قسم ذلك الفيء الذي كان لآل كسرى ومن صوب معهم لأنه كان متفرقا في كل السواد فكان يليه لأهل الفيءمن وثقوا به وتراضوا عليه
قالوا وأدلى جرير وبجيلة يوم القادسية بمثل ما كان عمر جعل لهم من ربع الخمس مما أفاء الله يوم البويب فكتب سعد إلى عمر بذلك فأجابه قد ضللت إذا وما أنامن المهتدين إني إنما كنت جعلت لهم ربع الخمس مما أفاء الله على المثنى حين أمددته بهم في وجههم ذلك إلى البويب نفلا فقد أخذوه أيام البويب ثم ولم يمضوا ولكن رجعوا إلى أرض العرب فعنفهم بما ادعوا مما ليس لهم ولا لي وقل لهم والله لولا أني قاسم مسئول لبلغت منكم فلما بلغ الكتاب سعدا أمر جريرا بجمع بجيلة فجمعهم له فقرأ عليهم سعد الكتاب فقال جرير صدق والله عمر وأسأنا وتتابع على ذلك قومه إلا امرأة يقال لها أم

(4/225)


كرز فإنها قالت كذبت والله يا جرير وجعل جرير يقول لها حلا يا أم كرز فتعود له بالتكذيب فلا يزيد على أن يقول حلا يا أم كرز
وخالف المدائني ما ذكره سيف في قصة جرير وقومه وقال إن سعدا لما جمع الغنائم وعزل الخمس وأراد قسمة الباقي قال له جرير إن أمير المؤمنين جعل لنا الربع وقال بعضهم الثلث بعد الخمس من كل شيء فبعث سعد بالخمس إلى عمر كتب إليه بقول جرير فقال عمر صدق جرير قد جعلت له ولقومه ما كان من السواد فخيروهم فإن شاءوا اعطوا وكان قتالهم للجعالة وإن شاءوا فلهم سهم المسلمين وقتالهم فخيرهم سعد فاختاروا سهام المسلمين فالله أعلم أي ذلك كان
وذكر المدائني أيضا أنه كان فيمن قدم على عمر مع الخمس الأسدي الذي طعن الفيل فضربه سائسه على وجهه فهشم وجهه فقال له عمر من أنت وما هذا يعني الضربه التي في وجهه قال أصابني قدر من قدر الله فأخبر القوم عمر خبره فعانقه عمر وقال أبشر فهي نور لك يوم القيامة فهل لك من حاجة قال تكتب إلى سعد يعطيني محتلما يخدمني وفرسي فكتب إلى سعد أعطه محتلمين ففعل ذلك سعد
قال الشعبي وأمر عمر رضي الله عنه في الأعشار بخمسمائة فرس نفلا من خيل فارس لتقسم في أهل البلاء فأصاب كل عشر خمسون فرسا فأصاب النخع عشرون وقيل خمسة وعشرون وأصاب سائرهاسائر مذحج
قالوا وكتب عمر رحمه الله إلى سعد أنبئني أي فارس كان يوم القادسية أفرس وأى راجل كان أرجل وأى راكب كان أثبت فكتب إليه إني لم أر فارسا مثل القعقاع بن عمرو حمل في يوم ثلاثينحملة فقتل في كل حملة كميا ولم أر راجلا مثل يعفور بن حسان الذهلي إنه جاء في يوم بخمسة
فوارس يختل الفارس منهم حتى يردفه ثم يغلبه على عنانه حتى يأتي به سلما ولم أر راكبا مثل الحارث بن قرم البهزي إنه جاء ببعيره يرفعه ثم ركب الكراديس ففرق بينها فإذا نفر بالفارس انحط عنه فعانقه ثم قتله ثم يثب على بعيره من قيام

(4/226)


وكتب عمر إلى سعد أيضا انبئني من وجدت أصبر ليلة الهرير فكتب إليه إن الحسن سكن عني حتى إذا كان وجه الصبح سمعت انتماء في مضر وانتماء في ربيعة ثم انتسابا في اليمن فوجدت المنتمين من تميم وأسد وقيس والنتمين من بكر وحلفائها والمنتسبين في أهل اليمن من مذحج وكندة
وفي كتاب المدائني أن عمر كتب إلى سعد يسأله أي الناس كان أصبر بالقادسية فكتب إليه سعد أن الحرب ركدت ليلة فلم أسمع إلا هماهم الرجال وهريرهم ووقع الحديد فلما كان قبيل الفجر سمعت الانتماء من كل أنا ابن معدي كرب أنا الجاذمي أنا المالكي من أسد أنا الأشعري ثم صار الأنتماء قصره في جذيمة فلما انجلت الحرب رأيت جماعة قتلى في ربضة فقلت من هؤلاء قالوا من جذيمة النخع اصيبوا من آخر لليل وهم ينتمون فنفلهم عمر خمسة وعشرين فرسا يعني بني جذيمة
وحكى المدائني عن الشعيبي قال كان السبي بالقادسية وجلولاء مائة ألف رأس وقد قيل أقل من هذا وقول الشعبي أكثر وأشهر
ويروى أنه لما كان العطاء فضل من أهل البلاء بالقادسية بخمسمائة خمسمائة في أعطياتهم خمسة وعشرون رجلا منهم زهرة بن الجوية وعصمة الضبي والكلح الضبي وأما أهل البلاء قبلهم ففرض لهم العطاء على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية
وذكر سيف بن عمر عن رجاله قالوا كانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس في القادسية يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها وكانت في كل بلدة
مصيخة إليها تنظر ما يكون من أمرهاحتى ان كان الرجل ليريد الأمرفيقول لا انظر فيه حتى أرى ما يكون من أمر القادسية فلما كانت وقعتها سارت بها الجن إلى ناس من الإنس فسبقت أخبار الإنس إليهم قالوا فبرزت امرأة ليلا على جبل بصنعاء لايدري من هي وهي تقول
حييت عنا عكرم ابنة خالد
وما خير زاد بالقليل المصرد
وحيتك عني الشمس عند طلوعها
وحياك عني كل ناج مفرد
وحيتك عني عصبة حنفية
حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده
بكل رقيق الشفرتين مهند
الطويل

(4/227)


وسمع أهل اليمامة مجتازايغني بهذه الأبيات
وجدنا الأكثرين بني تميم
غداة الروع أصبرهم رجالا
هم ساروا بأرعن مكفهر
إلى لجب يوازنهم رعالا
بحور للأكاسر من رجال
كأسد الغاب تحسبهم جبالا
هم تركوا بقادس عز فخر
وبالنجفين أياما طوالا
مقطعة اكفهم وسوق
بمردى حيث قابلت الجبالا
الوافر
وسمع أهل البحرين راكبا يقول
ألاحييا أفناء بكر بن وائل
فقد تركوا جمع الأعاجم واجما
هم صدقوا يوم القوادس فارسا
بأسيافهم ضربا يبل القوائما
( أناخوا لهم في عرصة الدار وانتموا
إلى باذخ يعلو الذرى والجماجما الطويل
وسمع سامع بعمان قائلا
ألا إن عبد القيس كانوا بأسرهم
غداة قديس كالأسود الشداقم
وإذا هم من تغلب إبنة وائل
كتائب تردى بالقنا والقوائم
هم فرقوا جمع الأعاجم وابتنوا
قرارهم بالمقربات السواهم
فقولا لعبد الله أهلا ومرحبا
وتغلب إذ فضوا هوادي الأعاجم
وأشقوا رؤوس العجم بالبيض وانتموا
لأكرم أنساب العريب الأكارم
الطويل
وذكر الرواة أنهم سمعوا نحو هذا بالمدينة ومكة ونجران وأنشدوا ما سمع في كل موضع منها تركت ذكر ذلك إختصارا
ومما قيل أيضا في فتح القادسية من الشعر الذي لم يزل العلماء قديما يروونه قول بشر بن ربيعة الخثعمي
تذكر هداك الله وقع سيوفنا
بباب قديس والمكر ضرير
عشية ود القوم لو أن بعضهم
يعار جناحي طائر فيطير
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة
برزنا لأخرى كالجبال تسير
ترى القوم منها واجمين كأنهم
جمال بأحمال لهن زفير
وعند أبي حفص عطاء لراحل
وعند المعنى فضة وحرير
الطويل
وقال القعقاع بن عمرو يذكر شدة ذلك اليوم وما لقيت الفيول فيه وتأثيره فيها
حضض قومي مضر حي بن يعمرو
فلله قومي حين هزوا العواليا
وما خام عنها يوم سادة جموعنا
لأهل قديس يمنعون المواليا
فإن كنت قاتلت العدو بنية
فإني لألقى في الحروب والدواهيا
فويلا أراها كالليوث مغيرة
أسمل أعيانا لها ومآقيا
الطويل
وقال حمال الأسدي في مثل ذلك
ألا هل أتاها يوم أعماس إنني

(4/228)


أمارس آسادآ لها وفيولا
أمارس فيلا مثل كعبة أبهر
ترى دونه رجراجة وخيولا
طعنت برمحي عينه فرددته
يرشح بولا خشية وجفولا
الطويل
وقال الشماخ بن ضرار
ويوم بجو القادسية إذ سموا
فعجت بقصاب من الهند نافح
أجالدهم والحي حولي كأنهم
رجال تلاقوا بينهم بالسوافح
وإني لمن قوم على أن ذممتهم
إذا أولموا لم يولموا بالأنافح
وإنك من قوم تحن نساؤهم
إلى الجانب الأقصى حنين المنائح
الطويل
وقال أيضا
فليت أبا حفص رآنا ووقعنا
بباب قديس بعدما عدل الصف
حملنا على الآساد آساد فارس
كحملة هرماس يحربه الصرف
الطويل
وقال عاصم بن عمرو
شاب المفارق والأعراض فالتمعت
من وقعة بقديس جرها العجم
جاب الكتائب والأوزاع وانشمرت
من صكة صكها ديانها الحكم
بينا بجيلة قد كدت سراتهم
سالت عليهم بأيدي الناصر العصم
سرنا إليهم كأن عارض برد
تزجي تواليه الأرواح والديم
كان العتيق لهم مثوى ومعركة
فيها الفرائص والأوصال واللمم
البسيط
وقال أبو بجيد نافع بن الأسود التميمي يمدح قومه ويذكرهم أثرهم في الجاهلية والإسلام
وقال القضاة من معد وغيرها
تميمك أكفاء الملوك الأعاظم
هم أهل عز ثابت وأرومة
وهم من معد في الذرى والغلاصم
وهم يضمنون المال للجار ماثوى
وهم يطعمون الدهر ضربة لازم
سديف الذرى من كل كوماء بازل
مقيما لمن يعفوهم غير جارم
فكيف تناحيها الأعاجم بعدما
علوا لجسيم المجد أهل المواسم
وبذل الغدى للسائلين إذا إعتفوا
وكب المتالي في السنين الأوازم
ومدهم الأيدي إلى غاية العلا
إذا أقصرت عنها أكف الألائم
وإرسالهم في النابئات تلادهم
لفك العناة أو لكشف المغارم
وقودهم الخيل العتاق إلى العدى
ضواري تردى في لجاج المخارم
مجنبة تشكو النسور من الوجى
يعاندن أعناق المطي الرواسم
لتنقض وترا أو لتحوي مغنما
كذلك قدماهم حماة المغانم
وكائن أصابوا من غنيمة قاهر
حدائق من نخل بقران ناعم
وكان لهذا الحي منهم غنيمة
كما أحرزوا المرباع عند المقاسم
كذلك كان الله شرف قومنا

(4/229)


بها في الزمان الأول المتقادم
وحين أتى الإسلام كانوا أئمة
وقادوا معدا كلها بالجزائم
إلى هجرة كانت سناء ورفعه
لباقيهم فيهم وخيرا مراغم
إذا الريف لم ينزل عريف بصحبه
وإذ هو تكفيه ملوك الأعاجم
فجائت تميم في الكتائب نصرة
يسيرون صفا كالليوث الضراغم
على كل جرداء السراة وملهب
بعيد مدى التقريب عبل القوائم
عليهم من الماذي زعف مضاعف
له حبك من شكة المتلازم
فقيل لكم مجد الحياة فجاهدوا
فأنتم حماة الناس عند العظائم
فصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا
وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم
فما برحوا يعصونهم بسيوفهم
على الهام منهم والأنوف الرواغم
لدن غدوة حتى تولوا تسوقهم
رجال تميم ذحلها غير نائم
من الراكبين الخيل شعثا إلى الوغى
بصم القنا والمرهفات القواصم
فتلك مساعي الأكرمين ذوي الندى
تميمك لا مسعاة أهل الألائم
الطويل
ذكر فتح المدائن وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور

(4/230)


والمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقا وغربا ودجلة تشق بينها ولذلك سميت المدائن المدينة الغربية منهاتسمى بهرسير والمدينة الشرقية تسمى العتيقة وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلهم وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة ملك بني ساسان ويقال أن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه وهو من أكابر ملوكهم وقد بنى ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة ذكرها أبو بكربن ثابت الخطيب في صدر كتابه في تاريخ بغداد قال وكان الأسكندر أجل ملوك الأرض وقيل أنه ذو القرنين الذي ذكره الله في كتابه فقال إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيءسببا فأتبع سببا ( 84 - 85 الكهف ) حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر فبنى في المغرب الأسكندرية وبخراسان العليا على ما يقال سمرقند ومدينة الصد وبخراسان السفلى مرو وهراة وبناحية الجبل جي ومدينة أصبهان وبنى مدنا
أخرى كثيرة في نواحي الأرض وأطرافها وجال الدنيا كلها ووطئها فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها وبنى بها مدينه عظيمه وجعل عليها سورا أثره باق وهي المدينه التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي وأقام بالإسكندرية راغبا عن بقاع الأرض كلها وعن بلاده ووطنه
وذكر بعض أهل العلم إنها لم تزل مستقره منذ نزلها حتى مات بها وحمل منها فدفن بالإسكندريه لمكان ولدته فإنها كانت إذ ذاك باقيه هناك
وقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر في الممالك واختيار المنازل فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها واجتماع مصب دجلة والفرات بها

(4/231)


ويذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبين في بدنه قوة وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين في عقله زياده وفي فطنته ذكاء وحدة وذلك الذي أورث أهل بغداد الإختصاص بحسن الأخلاق والتفرد بجميل الأوصاف وقل ما إجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغدادي إلا كان هو المقدم في لطف الفطنه وحسن الحيلة وحلاوة القول وسهولة البذل ووجد إلينهما جانبا وأجملهما معاشرة
وكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم ولم تزل دار مملكة الأكاسرة ومحل كبار الأساورة ولهم بها آثار عظيمه وأبنيه قديمه منها الإيوان الذي لم ير في معناه أحسن منه صنعة ولا أعجب عملا وقد أحسن في وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في قصيدة له على ما روي السين يقال إنه ليس للعرب سينية مثلها ووصف ايضا معه القصر الأبيض وما كان مصورا فيه من الصور العجيبة والتماثيل البديعة والصنائع الغريبة فأبدع في وصف ذلك وأحسن ما شاء فقال
حضرت رحلي الهموم فوجهت
إلى أبيض المدائن عنس
أتسلى عن الحظوظ وآسى
لمحل من آل ساسان درس
أذكرتنيهم الخطوب التوالي
ولقد تذكر الخطوب وتنس
وهم خافضون في ظل عال
مشرف يحسر العيون ويخس
حلل لم تكن كأطلال سعدا
في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني
لم تطقها مسعاة عنس وعبس
لم تراه علمت أن الليالي
جعلت فيه مأتما بعد عرس
هو ينبيك عن عجائب قوم
لا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطاكية
إرتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنو شروان
يزجى الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أصفر
يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه
في خفوت منهم وإغماض جرسي
من مشيح يهوى بعامل رمح
ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جدوا أحياء
لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم إرتيابي حتى
تتقراهم يداي بلمس
حلم مطبق على الشك عيني
أم أمان غيرن ظني وحدس
وكأن الإيوان من عجب الصنعة
جوب في حنب أرعن جلس

(4/232)


يتظنى من الكآبة إذ يبدوا
لعيني مصبح أو ممس
مزعجا بالفراق عن أنس ألف
عز أو مرهق بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات المشتري
فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدا وعليه
ككل من كلاكل الدهر مرس
لم يعبه أن بز من بسط الديباج
واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلوا له شرفات
رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لابسات من البيض فما تبصر
منها إلا جلائل برس
لست تدري أصنع إنس لجن
صنعوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم
يك بانيه في الملوك بنكس
الخفيف
ولا أعلم أحد من الشعراء وصف القصر الأبيض وهذا الإيوان بأبدع من هذا الوصف ولا أشجى ولا أوقع
ويروى أن أبا جعفر المنصور رحمه الله لما أفضت إليه الخلافه هم بنقض هذا الإيوان واستشار في ذلك جلسائه وذوي الرأي عنده من رجاله فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك فإنه قال له لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه آية الإسلام وإذا رآه من يأتي في مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من عند الله وبتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم وبقائه فخر لكم وذكر ومع هذا فالمؤونة في هدمه أكثر من العائد عليه فاستغشه المنصور في ذلك وقال له يا خالد أبيت إلا ميلا مع العجمية ثم أمر بنقض الإيوان فبلغت النفقه في نقض الشيء اليسير منه مبلغا عظيما فكتب إليه بذلك فعزم على تركه وقال لخالد بن برمك قد صرنا على رأيك فقال له خالد إن رأيي الآن أن تبلغوا به الماء فقال له المنصور وكيف ذلك قال لأني آنف لكم أن يكون أولئك بنو بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء ففكر المنصور في قوله فعلم أنه قد صدق ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه وكان بعد يقول لقد حبب إلي هذا البناء إن لا أبني إلا بناء جليلا يصعب هدمه

(4/233)


وقد بشر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصحابه بالإستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بإفتتاح المدائن فضرب يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة إعتاصت عليهم في الخندق فكسر ثلثها بضربه وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني
لأبصر قصورها الحمر الساعه ثم ضرب الثانيه فكسر ثلثها الثاني وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة فصدق الله وعده وأنجز لمحمد {صلى الله عليه وسلم} ما بشرهم به واستأصل بهم مملكة فارس وفتح عليهم المدائن في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما نذكره إن شاء الله تعالى

(4/234)


وذكر سيف بن عمر عمن سماه من رجاله وربما زدت في تضاعيفه من حديث غيره قالوا عهد عمر رضي الله عنه إلى سعد حين أمره بالمسير إلى المدائن أن يخلف النساء والعيال بالعتيق ويجعل معهم كثفا من الجند ففعل وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم قالوا وكان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين في مكاتبة عمر رضي الله عنه في العمل بما ينبغي فقدم سعد زهرة بن جوية نحو اللسان وهو لسان البحر الذي أدلعه في الريف وعليه الكوفة اليوم وكانت عليه قبل اليوم الحيره وكان النخيرجان معسكرا به فأرفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه ولحق بأصحابه ثم أمر سعد عبد الله بن المعتم ان يتبع زهرة وأمر شرحبيل بن السمط أن يتبع عبد الله ثم أتبعهم هاشم بن عتبة وولاه خلافته التي كان عليها قبل خالد ابن عرفطة وجعل خالدا على الساقة ثم ارتحل سعد يتبعهم بعد فراغه من أمر القادسية كله وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل الله عز وجل إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكراع ومال فسار زهرة حتى ينزل الكوفة الكوفة كلها حصباء ورملة حمراء مختلطتين ثم نزل عليه عبد الله وشرحبيل فارتحل زهرة عند ذلك نحو المدائن لما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهري في جمع فناوشهم زهرة فهزمهم وهربوا إلى بابل وبها فالة القادسية

(4/235)


وبقايا رؤسائهم وكان زهرة قطعنا بصبهري يوم برس فمات من طعنته بعدما لحق ببابل وأقبل عند ذلك بسطام دهقان برس فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور وآتاه بخبر الذين جتمعوا ببابل وقدموا على أنفسهم الفيرزان فكتب بذلك زهرة إلى سعد فأتاه الخبر وقد نزل بالكوفة على من بها مع هاشم بن عتبة فقدمهم ثم أتبعهم حتى نزل برس فقدم منها زهرة وأتبعه الآخرين ثم أتبعهم حتى نزلوا على الفيرزان ببابل فاقتتلوا فهزموا المشركين في أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجهين ولم تكن لهم همة إلا الإفتراق فخرج الهرمزان نحو الأهواز وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند وبها كنوز كسرى فأخذها وأكل الماهين وصمد النخيرجان ومهران الرازي للمدائن حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر ثم قطعا الجسر وخلفا شهريار دهقانا من دهاقين الباب في جمع بكوثى فقدم سعد زهرة بن جوية ثم إتبعه الجنود فساروا إليه فلما التقى بأطراف كوثى جيش شهريار وأوائل خيل المسلمين خرج شهريار فنادى ألا رجل ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلي حتى أنكلكم به فقال زهرة وكايده لقد أردت أن أبارزك فأما إذ سمعت قولك فإني لا أخرج إليك إلا عبدا فإن أقمت له قتلك وإن فررت منه فإنما فررت من عبد ثم أمر أبا نباته نائلا الأعوجي وكان من شجعان بني تميم فخرج إليه مع كل واحد منهما الرمح وكلاهما وثيق الخلق إلا أن شهريار مثل الجمل فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه وألقى نائل الرمح ليعتنقه وانتضيا سيفيهما فاجتلدا ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما فوقع شهريار على نائل كأنه بيت فضعضعه بفخذه وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه فوقعت إبهامة في فم نائل فمضغها فحطم عظمها وأحس منه فتورا فثاوره فجلد به الأرض ثم قعد على صدره وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه فطعن في بطنه وجنبه حتى مات فأخذ فرسه وسواريه وسلبه وانكشف

(4/236)


أصحابه فذهبوا في البلاد وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد فغنم سعد نائلا ذلك السلب كله وقال له عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته فانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه في سلاحه على دابته فقال له سعد اخلع سواريك إلا أن ترى حربا فالبسهما وكان اول رجل من المسلمين سور بالعراق
قالوا فأقام سعد بكوثى أياما وأتى المكان الذي حبس فيه إبراهيم عليه السلام بكوثى والبيت الذي كان فيه محبوسا فنظر إليه وصلى على رسول الله وعلى إبراهيم وعلى أنبياء الله صلوات الله على جميعهم وقرأ وتلك الأيام نداولها بين الناس ( 140 آل عملاان ) ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى من كوثى في المقدمات وتبعته المجنبات وخرج هاشم وخرج سعد في أثره وقد فل زهرة كتيبة كسرى التي كانت تدعى بوران حول المظلم مظلم ساباط وكان رجالها يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا ولما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به فلما نزله قال أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال ( 44 إبراهيم ووافق ذلك رجوع المقرط أسد كان كسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد فنزل إليه هاشم فقتلة فقبل سعد رأسه وقبل هاشم قدميه
وقال المدائني فنظر هاشم إلى الناس وقد أحجموا ووقفوا فقال ما لهم فقيل له أسد قد منعهم ففرج هاشم الناس وقصد له فثاوره الأسد وضربه هاشم فقطع موصله كأنما اجتلم به غصنا ووقعت الضربة في خاصرته وقال بعضهم على هامته فقتله
قالوا وقدم سعد هاشما إلى بهرسير ثم ارتحل سعد فنزل على الناس بها وجعل

(4/237)


المسلمون المتقدمون إليها كلما قدمت عليهم خيل وقفوا ثم كبروا حتى نجز آخر من كان مع سعد ولمانزل سعد على بهرسير بث الخيول فأغار على ما بين دجلة إلى من له عهد من أهل الفرات فأصابوا مائة ألف فلاح فقال شيرزاذ دهقان ساباط وكان قد تلقى زهرة في طريقه بالصلح وتأدية الجزية فقال لسعد عندما أتى بالفلاحين فخندق لهم إنك لاتصنع بهؤلاء شيئا إنما هؤلاء علوج لأهل فارس فدعهم إلي حتى يفرق لك الرأى فيهم فكتب عليه بأسمائهم ودفعهم إليه فقال لهم شيرزاذ انصرفوا ألى قراكم وكتب سعد إلى عمر رحمهما الله إنا وردنا بهرسير بعد الذي لقينا بين القادسية وبهرسير فلم يأتنا أحد لقتال فبثثت الخيول فجمعت الفلاحين من القرى والآجام فرأيك فأجابه عمر إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم ومن لم يأتكم ولم يهرب فهو أمانهم ومن هرب فأدركتموهفشأنكم به
فلما جاء سعدا الكتاب خلى عنهم وراسله الدهاقين فدعاهم إلى الإسلام أو الجزاء ولهم الذمة والمنعة فرضيوا بالجزية والمنعة ولم يبق في غربي دجلة إلى أرض العرب سوادي إلا أمن واغتبط بملك الإسلام واستقبلوا الخراج
وأقام سعد بالناس على بهرسير شهرين يرمونهم بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات ويقاتلونهم بكل عدة
قال بعضهم وكان سعد عندما نزلها وعليها خنادقها وحرسها وعدة الحرب استصنع شيرزاذ المجانيق فنصب على أهلها عشرين منجنيقا فشغلهم بها

(4/238)


وكان الأعاجم والعرب مطيفين بهم وربما خرجوا يمشون على المسنيات المشرفة على دجلة في جماعتهم وعدتهم لقتال المسلمين فلا يقومون لهم فكان آخر ما خرجوا في رجالة وناشبة وتجردوا للحرب وتتابعوا على الصبر فقاتلهم المسلمون فكذبوا وتوالوا وكانت على زهرة بن الجوية يومئذ درع مفصومه فقيل له لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال ولم فقالوا إنا نخاف عليك منه فقال إني لكريم على الله أن ترك سهم فارس الجند كلهم ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت في فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة فثبتت فيه من ذلك الفصم فقال بعضهم إنزعوها عنه فقال دعوني فإن نفسي معي ما دامت في لعلي أن أصيب فيهم بطعنة أو بضربة أو خطوة فمضى نحو العدوفضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر فقتله وأحيط به فقتل وانكشفوا وسيأتي بعد من أخبار زهرة بن الجوية وآثاره في الوقائع التي لاشك في كونها بعد هذه ما يوهن خبر قتله المذكور آنفا والأولى بحسب هذا إن شاء الله أن يكون غير زهرة هو صاحب هذه القصة إذ قد ذكر المدائني أن هاشم بن عتبة قال لزهير بن سليم الأزدي قال ويقال لغيره ورأى في درعه فصما إني لا آمن أن تصيبك نشابة في هذا الموضع فلو سردته قال لئن تركت نشابة الفارسي جسدي كله إلاهذا الموضع إني إذالسعيد ثم ذكر نحو ماتقدم فالله أعلم
وقال أنيس بن الحليس بينا نحن محاصرون بهرسيربعد زحفهم وهزيمتهم أشرف علينا رسول فقال إن الملك يقول لكم هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلها ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم فبدر الناس أبو مفزر الأسود بن قطبة وقد أنطقه

(4/239)


الله عز وجل بما لا يدري ما هو ولا نحن فأجابه بالفارسية ولا يعرف منها شيئا هو ولا نحن فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن فقلنا يا أبا مفزر ما قلت له قال لا والذي بعث محمدا بالحق ما أدري ما هو وإلا أني علتني سكينة وأرجو أن أكون أنطقت بالذي هو خير وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد فجاءنا فقال يا أبا مفزر ما قلت له فوالله إنهم لهراب فحدثه بمثل حديثه إيانا فنادى في الناس ثم نهد بهم فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه فقال ما بقي أحد فيها فما يمنعكم فتسورها الرجال وافتتحناها فما وجدنا فيها شيئا ولاأحدا إلا أسارى أسرناهم خارجا منها فسألناهم وذلك الرجل لأي شيء هربوا فقال بعث إليكم الملك يعرض عليكم الصلح فأجبتموه أنه لايكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذون بأترج كوثى فقال الملك واويلة ألا أرى الملائكة تكلم على ألسنتهم ترد علينا وتجيبنا عن العرب ووالله لئن لم يكن كذلك ما هو إلا شيء ألقي علي في هذا الرجل لننتهي فأرزوا إلى المدينة القصوى
قالوا ولما دخل سعد والمسلمون بهرسير أمر بها فثلمت وتحول العسكر إليها ولاح لهم وذلك في جوف الليل القصر الأبيض فقال ضرار بن الخطاب الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعد الله رسوله وتابعوا التكبير حتى أصبحوا
وقال القعقاع بن عمرو
ألم يأتيك والأخبار تنمي
وتصعد في الملمعة الفياف
توافينا ومنزلنا جميعا
أمام الخيل بالسمر الثقاف
قسمنا أرضهم قسمين حتى
نزلنا مثل منزلهم كفاف
دعاء ما دعونا آل كسرى
وقد هم المرازب بانصراف
وما أن طبهم جبن ولكن
رميناهم بداعية ذعاف
فتحنا بهرسير بقول حق
أتانا ليس من سجع القوافي
وقد طارت قلوب القوم منا
وملوا الضرب بالبيض الخفاف

(4/240)


الوافر ولما نزل سعد بهرسير وهي المدينة الدنيا من المدائن طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها فلم يقدر على شيء ووجدهم قد ضموا السفن فأقاموا أياما يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين ودجلة قد طما ماؤها يتدفق جانباها فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلا قائلا يقول يا معشر المسلمين هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر فندب سعد الناس إلى العبور فأتاه قوم من العجم ممن قد اعتقد منه ذمة فقالوا ندلك على موضع أقل غمرا من هذا فدلوه على ديلمايا
وقيل إن سعدا رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها وقد أقبلت من المد بأمر عظيم فعزم على تأويل رؤياه على العبور وفي سنة جود صيبها متتابع فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه فقد كفاكموهم أهل الأيام واعطوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعا عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل فقال من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات

(4/241)


واستعمل عليهم عاصما فسار فيهم حتى وقف على شاطيء دجلة فقال من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعوم الخيل ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم وقد شدوا على خيولهم حزمها وألبابها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلا مثلها فاقتحموا إليهم دجلة فلقوا عاصما في السرعان وقد دنا من الفراض فقال الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون فالتقوا فاطعنوا في الماء وتوخى المسلمون عيونهم فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيلهم حتى ما يملكون منها شيئا فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم ونجا باقيهم عورانا ونزلت بالمسلمين خيولهم حتى انتقضت على الفراض وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين
ويروى أن أولئك الستين خرجوا يومئذ من دجلة منقطعين زمرا الزمرة الأولى تسعة فيهم عاصم والثانيه ثمانيه عشر والثالثه ثلاثة وثلاثون ويومئذ سميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال لما رأى منهم في الماء والفراض
ولما رأى سعد عاصما على الفراض وقد منعها أذن الناس في الاقتحام وقال قولوا نستعين بالله ونتوكل على الله حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وأعترضوا دجلة وإنها لمسودة تزخر لها حدب يقذف بالزبد فكان أول من اقتحم سعد ابن أبي وقاص ثم اقتحم الناس وقد قرنوا أنثى بكل حصان يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض وطبقوا دجلة خيلا ودواب ورجالا حتى ما
ا يرى الماء من الشاطئ أحد وسلمان الفارسي يساير سعدا يحدثه ووالماء يطفوا بهم والخيل تعوم فإذا أعيا فرس استوى قائما يستريح كأنه على الأرض فقال قيس بن أبي حازم إني لأسير في دجلة في أكثر مائها إذنظرت إلى فارس وفرسه كأنه واقف ما يبلغ الماء حزامه

(4/242)


وقال بعضهم لم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك فقال سعد ذلك تقدير العزيز العليم ( 14 فصلت )
وفي روايه أنه قال لسلمان وهو يسايره في الماء والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات فقال سلمان يا أبا إسحاق الإسلام جديد ذلل الله لكم البحر كما فرقه وذلله لبني إسرائيل والذي نفس سلمان بيده لتخرجن منه أفواجا كما دخلتموه أفواجا فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئا ولم يغرق فيه أحد
قال أبو عثمان النهدي إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة زل عن ظهر فرس له شقراء كأني أنظر إليها عريا تنفض عرفها والغريق طاف فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه فجره حتى عبر فقال البارقي وكان من أشد الناس أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع وكانت للقعقاع فيهم خؤوله
وقال بعض رجال سيف بن عمر إنه لم يذهب للمسلمين يومئذ في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثة فانقطعت فذهب به الماء فقال الرجل
الذي كان يعاوم صاحب القدح معيرا له أصابه القدر فطاح فقال إني لأرجوا والله أن لا يسلبني الله قدحي من بين أهل العسكر وإذا رجل من المسلمين ممن تقدم ليحمي الفراض قد سفل حتى طلعت عليه أوائل الناس وقد ضربت الرياح والأمواج القدح حتى وقع إلى الشاطيء فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر فعرفه فعرفه صاحبه فأخذه وقال لصاحبه الذي كان يعاومه ألم أقل لك فيروى أن عمر رحمه الله بلغه ما كان قال له صاحبه أولا فأنكره وأرسل إليه أنت القائل أصابه القدر فطاح تفجع مسلما
وقال الأسود بن قطبة أبو مفزر يرتجز يومئذ
يا دجل إن الله قد أشجاك
هذي جنود الله في قراك
فلتشكري الذي بنا حباك
ولا تروعي مسلما أتاك
الرجز
وقال عاصم بن عمرو في ذلك
ألا هل أتاها ان دجلة ذللت
على ساعة فيها القلوب تقلب
ترانا عليها حين عب عبابها
تباري إذا جاشت بموج تصوب
نفينا بها كسرى عن الدار فانتوى
لأبعد ما ينوي الركيك المرقب
الطويل

(4/243)


قال وفجأ المسلمون أهل فارس من هذا العبور بأمر لم يكن في حسبانهم فأجهضوهم وأعجلوهم عن حمل أموالهم وخرجوا هرابا وقد كان يزدجرد خرج قبلهم إلى حلوان فنزلها بعد ان قدم إليها عياله حين أخذت بهرسير وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم وخفيفه وبالنساء والذراري وما قدروا عليه من بيت المال وتركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والألطاف والأدهان ما لا يدري ما قيمته وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار
من البقر والغنم وكل الأطعمه والأشربه فدخل المسلمون المدائن واستولوا على ذلك كله فكان أول من دخلها كتيبة الأهوال ثم تبعتها الخرساء كتيبة سعد فأخذوا في سككها لايلقون أحدا ولا يحسونه إلا ما كان في القصر الأبيض فأحاطوا بهم ودعوهم فاستجابوا لسعد على الجزاء والذمة ويرجع إليها أهل المدائن على مثل عهدهم ليس في ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم ونزل سعد القصر الأبيض وسرح زهرة في آثار القوم إلى النهروان فانتهى إليها وسرح مقدار ذلك في طلبهم من كل وجه
وقال حبيب بن صبهان لما عبر المسلمون دجلة جعل أهل فارس وهم ينظرون إليهم يعبرون يقول بعضهم لبعض بالفارسية ما تفسيره بالعربية إنكم والله ما تقاتلون الإنس وإنما تقاتلون الجن

(4/244)


قالوا وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على ماء الفراض يمنعون المسلمين من العبور حتى ناداهم مناد علام تقتلون أنفسكم فوالله ما في المدائن من أحد فأنهزموا وأقتحمتها الخيول عليهم ولما دخلها سعد فرأى خلوتها وانتهى إلى إيوان كسرى أقبل يقرأ كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمه كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ( 25 - 28 الدخان ) وصلى فيه صلاة الفتح ولا تصلى جماعة فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن واتخذ الإيوان مسجدا وفيه تماثيل الجص رجال وخيل فلم يمتنع هو ولا المسلمون يعني من الصلاة فيه لأجلها وتركوها على حالها واتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها وبالمدائن كانت أول جمعة جمعت بالعراق في الصفر سنة ست عشرة ووكل سعد بالأقباض من يجمعها وأمره بجمع ما في القصر والإيوان ومنازل كسرى وسائر الدور وإحصاء ما يأتيه به
الطلب وقد كان اهل المدائن تأهبوا عند المدائن للغارة ثم طاروا في كل وجه فما أفلت أحد منهم بشيء ولا بخيط ألح عليهم الطلب فتنفذوا ما في أيديهم ورجعوا بما أصابوا من الأقباض فضموها إلى ما قد جمع
وقال حبيب بن صهبان دخلنا المدائن أتينا على قباب تركيه مملوءه سلالا مختمة بالرصاص فما حسبناها إلا طعاما فإذا هي آنية الذهب والفضة وقسمت بعد بين الناس
قال ولقد رأيت الرجل يطوف ويقول من معه بيضاء بصفراء وأتينا على كافور كثير فما حسبناه إلا ملحا فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز

(4/245)


وعن الرفيل بن ميسور قال خرج زهرة يعني ابن الجوية في المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان وهم عليه فازدحموا فوقع بغل في الماء وعجلوا عنه ثم كلبوا عليه فقال زهرة أقسم بالله إن لهذا البغل لشانا ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك بعدما أرادوا تركه إلا لشيء فترجل حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه فاحتملوا البغل بما عليه حتى أدوه إلى الأقباض ما يدرون ما عليه وإذا الذي عليه حلية كسرى ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر وكان يجلس فيها للمباهاة
وقال الكلج الضبي كنت فيمن خرج للطلب فإذا أنا ببغالين قد ذبا الخيل عنهما بالنشاب فما بقي معهما غير نشابتين فلتظظت بهما فاجتمعا وقال أحدهما لصاحبه إرمه وأحميك أو أرميه وتحميني فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بهما ثم إني حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما حتى بلغتهما صاحب الأقباض فإذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال وما كان في الخزائن والدور فقال على رسلك حتى ننظر ما معك فحططت عنهما فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا وكان لاتحمله إلا
أسطوانتان وفيهما الجوهر وعلى الآخر صفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما

(4/246)


قالوا وخرج القعقاع يومئذ في الطلب فلحق بفارسي يحمي الناس فاقتتلا فقتله القعقاع وإذا معه جنبية عليها عيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف وفي الآخر ستة وفي العيبتين أدراع درع كسرى ومغافره وساقاه وساعداه ودرع هرقل ودرع خاقان ودرع النعمان ودرع داهر ودرع سياوخش ودرع بهرام شوبين وكانوا استلبوا ما لم يرثوا منها مما استلبوا أيام غزاتهم خاقان وهرقل وداهر وأما النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى وفي أحد الغلافين سيف كسرى وهرمز وكسوتي قباذ وفيروز وفي الآخر سيوف سائر من نسبت إليه دروع من تلك الدروع فجاء القعقاع بذلك كله إلى سعد فقال له إختر أحد هذه الأسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه إياه معه درع بهرام ونفل سعد سائر ذلك في الخرساء كتيبته إلا سيف كسرى والنعمان فإنه بعث بهما إلى عمر في الأخماس مع حلي كسرى وتاجه وثيابه ليرى ذلك المسلمون ولتسمع به العرب لمعرفتهم بها
وقال عصمة الضبي خرجت فيمن خرج يطلب فأخذت طريقا مسلوكا فإذا عليه حمار فلما رآني حث حماره فلحق آخر قدامه فمالا وحثا حماريهما فانتهينا إلى جدول قد كسر جسره فثبتا حتى أتيتهما ثم تفرقا ورماني أحدهما فألظظت به حتى قتلته وأفلت الآخر فرجعت إلى الحمارين فأتيت بهما صاحب الأقباض فنظر فيما على أحدهما فإذا سفطان في أحدهما فرس من ذهب مسروج بسرج من فضة على ثغره ولببه الزمرد والياقوت منظومين على
على الفضة ولجام كذلك وفارس من فضة مكلل بالجوهر وإذا في الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب وبطان من ذهب وزمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر كان كسرى يضعهما إلى إسطوانتي التاج

(4/247)


وعن أبي عبيدة العنبري قال لما هبط المسلمون بالمدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال هو والذين معه لما نظروا إلى ما فيه ما رأينا مثل هذا قط ثم قالوا له هل أخذت منه شيئا فقال أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا من أنت فقال لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني ولكني أحمد لله وأرض بثوابه فأتبعوه رجلا حتى أتى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر ابن عبد قيس
ويروى أن سعدا رحمه الله قال حين رأى ما رأى من ورع الناس وكونهم لم يتعلق على أحد منهم بغلول فيما جمعوا من الغنائم والله إن هذا الجيش لأهل أمانة ولولا ما سبق لأهل بدر ما فضلتهم عليهم ولقد نالت الدنيا من رجال من أهل بدر حين أصابوها
وقال جابر بن عبد الله والله الذي لاإله إلا هو ما أطلعنا على أحد من اهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة
قال بعضهم ولقد كانوا يخافون قيس بن مكشوح وعمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وأشباههم على الغلول فما تعلق على أحد منه بشيء يكرهونه ولا أرادوا الدنيا
ولما قدم على عمر رحمه الله بسيف كسرى ومنطقته وزبرجه قال إن
أقواما أدوا هذا لذووا أمانة فقال علي رضي الله عنه إنك عففت فعفت الرعية
قالوا ولما اجتمعت الغنائم وتراجع الطلب قسم سعد بين الناس فيئهم بعدما خمسه فأصاب الفارس إثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل وكانت الجنائب في المدائن كثيرة ويقال كانوا بين أهل الأيام وأهل القادسية الذين لم يشهدوا الأيام وبين من لحق بهم في ثلاث من غير أهل الأيام بالقادسية وبين أهل الروادف ستين ألفا وقسم سعد دور المدائن بين الناس واوطنوها وكان الذي ولي القبض عمرو بن عمرو المزني والذي ولي القسم سلمان بن ربيعة
وقال الشعبي بعث سعد إلى العيالات فأنزلهم الدور لما قسمها وفيها المرافق فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل ثم تحولوا إلى الكوفة بعد

(4/248)


قالوا وجمع سعد الخمس وأدخل فيه كل شيء أراد أن يعجب به عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه ونحو ذلك ونفل من الأخماس في أهل البلاء ولم يجهدها وفضل بعد القسم بين الناس وإخراج الخمس القطف فلم يعتدل فقال للمسلمين هل لكم في أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه ونبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى فإنا لا نراه يتفق وهو بيننا قليل وهو يقع من أهل المدينة موقعا فقالوا نعم فبعث به على ذلك الوجه والقطف هو بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به فتركوه بالمدائن فأصابه المسلمون وكان بساطا واحدا ستين ذراعا في ستين ذراعا فيه طرز كالسور وفصوص كالأنهار وفي خلال ذلك كالدير في حافاته كالأرض المزروعة والأرض
المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين فكان إذا أرادوا الشراب شربوا عليه فكانهم في رياض وكانت العرب تسميه القطف فبعث به سعد مع الأخماس إلى عمر رضي الله عنه مع بشير بن الخصاصية فلما قدم عليه نفل من الخمس اناسا وقال إن الأخماس ينفل منها من شهدها ومن غلب من أهل البلاء فيما بين الخمسين ولا أرى القوم جهدوا الخمس ثم قسم الخمس في مواضعه ثم قال أشيروا علي في هذا القطف فأجمع ملؤهم على أن قالوا قد جعلوا ذلك لك فراء رأيك إلا ما كان من علي رضي الله عنه فغنه قال يا أمير المؤمنين الأمر كما قالوا ولم يبق إلا التروية إنك إن تقبله اليوم على هذا لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له قال صدقتني ونصحتني
وفي رواية أن عمر رضي الله عنه استشارهم فيه فمن بين مشير بقبضه وآخر مفوض إليه وآخر مرفق فقام علي رضي الله عنه حين رأى عمر تأنى حتى انتهي إليه فقال لم تجعل علمك جهلا ويقينك شكا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت قال صدقتني فقطعه فقسمه بين الناس فأصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا وما هي بأجود تلك القطع

(4/249)


وذكر المدائني أن عمر حين قال له علي إن قبلته لم تعدم بعدك من يستحق مأثما بك صرفه إلى سعد وكتب إليه أن بعه واقسم ثمنه على من أفاءه الله عليهم
قال رجال سيف ولما أتى عمر بحلى كسرى وزيه في المباهاة وفي غير ذلك وكانت له عدة أزياء لكل حالة زي قال علي بمحلم وكان أجسم عربي يومئذ بأرض المدينة فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب
وصب عليه أوشحته وقلائده وثيابه وأجلس للناس فنظر إليه عمر ونظر إليه الناس فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها ثم قام عن ذلك فألبس زيه الذي كان يلبسه فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع حتى أتى على الأزياء كلها ثم ألبسه سلاحه وقلده سيفه فنظروا إليه في ذلك ثم وضعه ثم قال والله غن أقوما ادوا لذووا أمانة ونقل سيف كسرى محلما هكذا وقع ذكر محلم في هذا الحديث ولا أعرف ولا أعلم في ذلك الصدر من اسمه محلم إلا محلم بن جثامة ويقال إنه توفي على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقصته في الدم الذي أصابه والعفو عند وجوب القود ودعاء النبي {صلى الله عليه وسلم} لما مثل بين يديه قصة مشهورة
وقد قيل إنه عاش بعد النبي {صلى الله عليه وسلم} فالله أعلم
وكذلك قيل إن الذي ألبسه عمر سواري كسرى هو سراقة بن مالك المدلجي
وروى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لسراقة بن مالك كيف بك إذا لبست سواري كسرى قال فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه إياهما وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين وقال له ارفع يديك فقل الحمد لله الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب الناس وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بني مدلج ورفع بها عمر صوته
وذكر أبو الحسن المدائني في فتوح العراق خبر المدائن فخالف فيه كثيرا مما تقدم وزاد ونقص وسأذكر من ذلك ما يحسن ذكره على سبيل الإختصار والتوخي لحذف ما يكون ذكره تكرارا إلا ما يعتاض فضله من الحديث للحاجة إليه

(4/250)


فمن ذلك أن يزدجرد لما غلب سعد على مدينة نهرسير واعتقد أهل غربي دجلة منه الذمة نقل خزائنه وأمواله ودواوينه إلى حلوان وأقام في الإيوان في
مقاتلته وسعد والمسلمون في دير المنازل فبينما هم به ودجلة قد طماها ماؤها يتدفق جانباها إذ سمعوا ليلا قائلا يقول يا معشر المسلمين هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون فربكم الذي يحملكم في البر يحملكم في البحر فندب سعد الناس إلى العبور ثم ساق الحديث في ركوبهم دجلة على ظهور خيلهم نحوا مما تقدم ثم قال ونظر ضرار بن الخطاب والمسلمون فرأوا بناء أبيض فقال ضرار الله أكبر أبيض المدائن ورب الكعبة وهرب أهل المسالح حين عبر المسلمون واعروها وقالوا هؤلاء من السماء وخرج أهل الرومية ومن كان فيها من الأساورة معهم الفيلة فقاتلهم المسلمون فكانت الفيلة تهم في وجوه الخيل والمسلمون قليل ليست لهم رجالة تقاتل عن خيلهم فكانت الخيل تنفر فأتى رجل سعدا فقال تؤمنني على نفسي وأهلي ومالي وأدلك على ما ترد به الفيلة قال نعم قال الخنازير قال وأنى لي بها قال انا أجيئك بها فجاءه بخنازير فضربت فجعلت تقيع في وجوه الفيلة فولت وانهزم المشركون فوقف رجل يحميهم واعترض الطريق فلما دنا منه المسلمون ضرب فرسه ليقدم عليهم فاعتاص وضربه ليهرب فاعتاص فطعنه رجل من المسلمين فقتله ودخل الآخرون الرومية ومضى الأساورة إلى يزدجرد بالإيوان فهرب هو وأساورته ومقاتلته وسمعوا صوتا من ورائهم علام تقتلون أنفسكم وقد ذهبت مدة ملككم

(4/251)


ومضى سعد إلى المدينة العتيقة فمر المسلمون بمجلس لكسرى كان يسمى بهشت إيوان فوقفوا ينظرون إليه وقد تقدم سعد فانطوى عليه فظن أنهم اقتطعوا فسأل عنهم فأخبر فقال لبعض من معه من العجم ما هذا المجلس قالوا بهشت إيوان قال وما تفسيره قالوا الجنة فأرسل سعد قوما فأحرقوه وخرج أهل المدائن إلى سعد فتلقوه بجامات الذهب والفضة مملؤة دنانير ودراهم يسألونه الأمان على أن يعطوا الجزية فقبل ذلك منهم ونزل القصر الأبيض وأمر أهل المدائن فعقدوا الجسر فعبر المسلمون جميعا وأثقالهم
وإبلهم وتحول سعد فعسكر في مكانين على الناقوس وعلى نهر أبغش بين العسكرين ميل وكان أكثر العسكرين أهلا الذين على نهر أبغش واتخذ سعد مسجدا على الناقوس فهو إلى اليوم يسمى مسجد العسكر وصلى فيه علي بن أبي طالب حين قدم المدائن وهو يريد صفين
ولم يأخذ سعد من المدينة ومن أهلها إلاما كان للملك وأهل بيته ولمن هرب وأصابوا في خزائنهم ما عجزوا عن حمله من المتاع وصنوف الأطعمة ما لايوصف كثرة فأمر سعد بجمع ذلك فجمع وولاه النعمان بن مقرن ثم تلا أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ( 44 - 45 إبراهيم )
وكتب سعد إلى عمر بفتح المدائن وبهرب ابن كسرى فكتب إليه عمر

(4/252)


أوصيك بتقوى الله الذي بتقواه سعد من سعد وبترك تقواه شقي من شقي وقد عرفت بلاء الله عندنا أيها الرهط أنه استقذنا من الشرك وأهله وأخرجنا من عبادة أوثانهم وهدانا من ضلالتهم وعرفت مخرجنا من عندهم كيف خرجنا وأن الرهط على بعير عليه أنفسهم وزادهم يتعاور اللحاف الواحد العدة منا من بلغ مأمنه منا بلغ مجهودا ومن أقام في أرضه أقام مفتونا في دينه معذبا في بدنه أشد أهله عليه أقربهم منه ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقسم بالله لتأخذن كنوز كسرى وقيصر يعجب من ذلك من سمعه فأبقاك الله حتى وليت ذلك بنفسك فأعرض عن زهرة ما أنت فيه حتى تلقى الخماص الذين ذهبوا في شمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم ليس بينهم وبين الله حجاب لم تفتنهم الدنيا ولم يغتروا بها فاقتدوا بهديهم ولا تضللن أنفسكم وكونوا الأمة الممدوحة
المباركة التي قال الله تبارك وتعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ( 73 ألأنبياء )
قال وحصر سعد الرومية تسعة أشهر حتى أكل السنانير والكلاب بعضهم فأتى سعدا رجل مستأمن فسأله الأمان لنفسه وأهله على أن يدله على عورة المدينة فأمنه فدله على مجرى الماء إلى المدينة وكان يأتيهم الماء في قناة من دجلة فغورها المسلمون فارتحل أهل الرومية حين انقطع الماء عنهم من ليلتهم وحملوا ما خف من أموالهم وخرجوا على حامية معهم أتقالهم فأخذوا طريق خراسان فأتت امرأة منهم سعدا فسألته الأمان فأمنها فقالت لم يبق في المدينة أحد من المقاتلة ولامن عيالاتهم بقي قوم ضعفاء فدخلها سعد فأصابوا متاعا كثيرا وسلاحا وسبيا قليلا فبعث بخمس ما أصاب من الرومية وما صالح عليه أهل المدائن إلى عمر مع بشير بن الخصاصية
وذكر من حديث البساط الذي مر ذكره نحوا مما تقدم

(4/253)


وذكر أيضا عن حرملة بن صدقة بإسناده إليه قال غزوت خراسان فرأيت رجلا من العجم يشبه الروم فسألني عن مسكني فقلت المدائن قال أيها قلت الرومية قال فأين منزلك منها فوصفته له قال هذه داري إني أحدث أصحابي عنها وعن حالي وما كنت فيه فيكذبونني ولقد دفنت حين حصرنا العرب في الدكان التي على باب الدار عشرة آلاف درهم وآنية ذهب وفضة كثيرة فأغضيت على ما قال واتاذنت أميري في القمل فإذن لي فقدمت فاحتفرت ذلك الموضع فأصبحت ما قال على ما قال فأحرزته ورجعت إلى مركزي
قال المدائني واقتسم المسلمون الرومية أرباعا فنزلوها ونسبت الأرباع إلى قبائل ومعهم فيها غيرهم غير أنه قيل ربع عبد القيس وربع بجيلة وأسد وربع خزاعة وربع بقي على ما كان يسمى في الجاهلية طسوج هندوان
وكان كسرى أنزله قوما من الزط فهو يسمى بذلك الإسم إلى اليوم واتخذ آل صوحان مسجدا بالرومية واختطت القبائل فيما حول الإيوان ونزلوا المدينة العتيقة ولم ينزلوا إلا ما كان للملك ولأهل بيته ولمن هرب مما لم يصالح عليه فاختط حول الإيوان والرومية تميم وسليم وعبس وبكر ومزينة وجهينة وهمدان وثقيف والأنصار ومراد ونزل بنو أسد الفارقين ونزل المسلمون الإيوانات وبيوت النيران والمرابط والسكك ودور الضرب والدواوين وصار بستان الملك الذي كان يدخله إذا فرغ من الزمزمة مقابر للمسلمين ونزل حذيفة مربط يزدجرد ونزل سعد القصر الأبيض والمسجد الذي يجتمعون فيه مسجد العسكر على الناقوس فلم يزل المسلمون بالمدائن وما حولها حتى تحولوا إلى الكوفة فتركوا خططهم على حالها تعرف بهم وأقام قوم اتخذوا الضياع بالسواد فلم يتحولوا وكان مقامهم بعد الحرب سنتين

(4/254)


وذكر أيضا أن سعد بن أبي وقاص كان حين سار إلى المدائن خلف قوما بأرض الكوفة فقسم لهم مع من شهد المدائن حين فتحها فقام إليه رجل من هذيل فقال له عمدت إلى فيئنا فأعطيته من لم يشهد وركب إلى عمر فشكا سعدا فأرسل عمر عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال إن وجدتماه بالكوفة فلا تبيتن بها وإن وجدتماه خارجا عن الكوفة فلا تدعاه يدخلها وخذا الخاتم من يده فلقياه بفيين فأخذ أحدهما الخاتم من يده فنظر إلى الآخر فقال أمر بذلك فقال سعد
خذيني فجريني ضباع وأبشري
بلحم امريء لم يحضر اليوم ناصره
الطويل
قال دعوني أدخل الكوفة قالا لا فقطعا به الفرات من دير الأعور فلما قدم على عمر قال أين الهذلي فقام فقال ما يقول هذا قال سعد صدق قال ارجع فخذه منهم ثم أقسمه
وذكر عن عبد الله بن سليم وغيره قالوا اجتمع الأساورة بحلوان عند

(4/255)


يزدجرد فذكروا العرب ورثاثة سلاحهم وسوء عدتهم وظهورهم عليهم فتلاوموا وقالوا أسلمنا ملكنا وما كنا فيه إلى عصابة لم تكن في الأرض أمة أصغر أمرا عندنا منهم فقال بعضهم لا تعجبوا من هذا فإنها دولة جاءت قوما ومدة انقضت عنكم وهذا أمر أراده الله والله لا يغلب فقال رجل منهم ارفعوا لي كرة فرفعوها فرماها بنشابات فلم يخطئها قال هذا ما ترون من رميي ولقد رأيتني مرة في بستان أرمي الزنانير بجلاهق فما أخطأت بواحدة فقدم العرب فهربت وأتبغي رجل فرميته بخمس نشابات فما أصبته ودعا رجل بقوسه فرما بنشابة في حائط لبن فغيبها إلى قريب من الريش ثم اعترض ساقا من شجرة بسيفه فاجتمه ثم قال ترون رميي وضربي قالوا نعم قال فإني رميت رجلا يعني من المسلمين ليس عليه سلاح ولا ثوب يقيه فأصبت بطنه فما خدشه ولقد ضربت رجلا حاسرا أصلع بسيفي هذا فخرج من رأسه شبه الدقيق وحدث بعض العجم قال كنت فيمن انهزم عن العرب فإني لأسير في عشرة من الأساورة إذ إنتهينا إلى نهر ورجل من العرب يسقي فرسه فلما رآنا شد حزام فرسه وألجمه وركبه وحمل علينا فولينا وانفردت من أصحابي دهشا وطمع في فأتبعني حتى صرت في مؤخر النهر وفرسي أقوى من فرسه فزجرت فرسي فطغى بي النهر ووقف ينظر إلي لا يقدر على العبور فالتفت إليه فقال أولى لك فلم أدر ما قال لي حتى سألت بعد وعلمت فما خرج رعب تلك الكلمة من قلبي
وذكر بإسناد له إلى عبد الله بن معقل بن مقرن المزني قال اصطفى عمر من مال العجم أصنافا مال من هرب ومن قتل وكل مال لكسرى أو لأحد من أهل بيته وكل مسيل ماء وكل دير يريد فكان خراج ما اصطفى سبعة آلاف ألف حتى كان يوم دير الجماجم أحرق الديوان فأخذ كل قوم ما يليهم
قال المدائني وكان المغنم بالمدائن والرومية قريبا من مغنم القادسية
ومما قيل في ذلك من الشعر قول أبي بجيد نافع بن الأسود التميمي يفخر بقومه
بنو تميم عتاد الحرب قد علموا
والناهضون إذا فرسانها ركبوا

(4/256)


والحاملون إذا ما أزمة أزمت
ثقل العشائر إن جموا وإن ندبوا
والفاصلون إذا ما خطة جهلت
عند الجموع وفيهم تفصل الخطب
والمانعون من الأعداء دارهم
عند الهياج إذا ما اهتزت الطنب
والواردون على كسرى مدائنه
قسرا ومن دونها بحر له لجب
نحوى نهابهم والخيل مشعلة
وسط الديار ومنها حولهم عصب
شعث عليها ليوث ما يهجهجها
عند الصياح بها عجم ولا عرب
شمس بأيديهم سمر مثقفة
وكل عضب له في متنه شطب
إذا جلوها على الأعداء في فزع
لاحت كأن فوق أيديهم بها شهب
البسيط
وقال أيضا
ونحن صبحنا يوم دجلة أهلها
سيوفا وأرماحا وجيشا عرمرما
نراوح بالبيض الرقاق رءوسهم
إذ الرمي أغرى بيننا فتضرما
أذقناهم يوم المدائن بأسنا
صراحا وأسعطنا الألائم علقما
سقيناهم لما تولوا إلى الردى
كؤوسا ملأناهن صابا وشبرما
أبيتم علينا السلم ثم رجعتمو
إلى السلم لما أصبح السلم محرما
ويوم يطير القلب من نعراته
ربطنا له جأشا وهجنا به دما
دعونا إليه من تميم معاشرا
يجيبون داعيهم وإن كان مجرما
يحلون في اليوم الشديد قيامه
عن الشمس والآفاق أغبر مظلما
ألا أيها ذا السائل عن عشيرتي
ستخبر عنهم إن سألت لتعلما
فمهما عقدنا جاز في الناس حكمنا
وننقضه منهم وإن كان محكما
الطويل
وقال أيضا
أي يوم لنا كيوم قديس
قد تركنا به القنا مرفوضا
كم سبينا من تاج ملك وأسوار
ترى في نطاقه تفضيضا
وقربنا خير الجيوش شتاء
وربيعا مجملا وغريضا
ونفرنا في مثلهم عن تراض
لم نعرض ولم نذق تغميضا
ثم سرنا من فورنا نحو كسرى
ففضضنا جموعه تفضيضا
وأملنا على المدائن خيلا
بحرها مثل برهن أريضا
وانتثلنا خزائن المرء كسرى
يوم ولي وحاص منا جريضا
الخفيف
وقال النابغة الجعدي من كلمة يذكر أيامهم تلك مع كسرى وغيره
فمضت كتائبنا إليه عنوة
حتى حللنا حيث ينخرق الصبا
نرمي مدينته ونحطم جمعه
ونصك رأس عموده حتى انشطا
ولقيصر أخرى رمينا رمية
قطعت قرينته كما انقطع السدا
والخيل تخفق بين دجلة عنوة

(4/257)


بالسفح من أقر إلى وادي القرى
لا قيصر أبدا ولا كسرى بها
قضى الحديث وكان شيئا فانقضى
الكامل
حديث وقعة جلولاء
ذكر سيف عن قيس بن أبي حازم قال أقمنا بالمدائن حين هبطناها واقتسمنا ما فيها فأتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء وخندق عليه وأن اهل الموصل قد عسكروا بتكريت فكتب سعد بذلك إلى عمر فأجابه أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفا واجعل على مقدمته القعقاع ابن عمرو
وروى من سماه سيف من رجاله أن عمر كتب أيضا إلى سعد لئن هزم الله الجندين جند مهران وجند الأنطاق فقدم القعقاع حتى يكون على حد سوادكم بين السواد والجبل
قالوا وكان من حديث جلولاء أن الأعاجم لما انتهوا إليها بعد الهرب من المدائن وتفرقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا وهذا مكان يفرق بيننا فهلموا
فلنجتمع به للعرب ولنقاتلهم فإن كان لنا فهو الذي نريد وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا ما علينا وأبلينا عذرا فاحتفروا الخندق واجتمعوا فيه على مهران ونفذ يزدجرد إلى حلوان فنزل بها ورماهم بالرجال وخلف فيهم الأموال فأقاموا في خندقهم وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم فضل هاشم بالناس من المدائن في اثني عشر ألفا فيهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب فسار إلى جلولاء أربعا حتى قدم عليهم فحاصرهم وأحاط بهم فطاولهم أهل فارس وجعلوا لايخرجون عليهم إلا إذا أرادوا وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفا كل ذلك يعطيهم الله الظفر على المشركين وغلبوهم على حسك الخشب فاتخذوا حسك الحديد

(4/258)


وعن بعض الرواة ان هاشما لما نزل على مهران بجلولاء جعل يقوم في الناس ويقول إن هذا منزل له ما بعده وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كانوا أخيرا قال بعضهم لبعض أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم واعلموا لله فإنكم ردء المسلمين فالتقوا فاقتتلوا وبعث الله عليهم ريحا أظلت عليهم البلاد ولم يستطيعوا إلا المحاجزة فتهفتت فرسانهم في الخندق فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم تصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم وبلغ ذلك المسلمين فنظروا إليه فقالوا ننهد إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه فلما نهدوا الثانية خرج القوم فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيول وتركوا للمجال وجها فخرجوا منه على المسلمين فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل وانتهى القعقاع في الوجه الذي زحف منه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله وإنما
فعل القعقاع ذلك ليقوي المسلمين فحملوا حملة لم يقم لها شيء حتى انتهوا إلى باب الخندق ولايشكون أن هاشما به فإذا هم بالقعقاع قد أخذ به وأخذ المشركون في الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء لما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة
وقال بعضهم كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الري كانوا بها حماة أهل فارس ففني أهل الري يوم جلولاء

(4/259)


وفي حديث عن محفز بن ثعلبة وكان شهدها أن أهل فارس لما رأوا أمداد المسلمين بادروا بقتالهم توا في عددهم ثم وصف من شدة قتالهم قال حتى أنفذوا النبل وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات وكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهيرة ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة من كتائب المشركين وجاءت أخرى فوقفت مكانها فأقبل القعقاع على الناس فقال أهالتكم هذه قالوا نعم نحن مكلون وهم مريحون والكال يخاف العجز إلا أن يعقب فقال إنا حاملون عليهم ومجادوهم وغير كافين عنهم ولا مقلعين عنهم حتى يحكم الله بيننا فاحملوا حملة رجل واحد حتى تخالطوهم ولا يكذبن أحد منكم فحمل فانفرجوا فما نهنه أحد عن باب الخندق وألبسهم الليل رواقه فأخذوا يمنة ويسرة ونادى منادي القعقاع أين تحاجزون وأميركم في الخندق فحمل المسلمون فأدخل الخندق فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب وإذا ترس على
إنسان فأنبشه فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس فأخذها وثيابها فاديت الثياب وطلبت الجارية حتى صارت إلي فاتخذتها أم ولد
قالوا وأمر هاشم القعقاع بالطلب فطلبهم حتى بلغ خانقين وأدرك بها مهران فقتله وأدرك الفيرزان فنزل فتوقل في الظراب وخلى فرسه وأصاب القعقاع سبايا فبعث بهن إلى هاشم فكن مما اقتسم واتخذن فولدن في المسلمين فذلك السبي ينسب إلى جلولاء ومنه كانت أم الشعبي ويقال من القادسية
ويروى أن عمر رضي الله عنه قال وقد بلغه ما أصيب من هؤلاء السبايا اللهم إني أعوذ بك من أبناء الجلوليات قالوا ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار في حلوان نحو الجبل فنزل القعقاع بحلوان في جند فلم يزل بها إلى أن تحول سعد بالناس من المدائن إلى الكوافة فلحق به

(4/260)


قالوا وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في اتباعهم فأبى وقال لو وددت أن بين السواد والجبل سدا لايخلصون إلينا ولا نخلص إليهم حسبنا من الريف السواد إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال
وساق المدائني خبر جلولاء مساقا بينه وبين ما تقدم بعض اختلاف وأسنده عن جماعة سمي منهم قال وبعضهم يزيد على بعض فسقت حديثهم أن يزجرد هرب إلى حلوان فلما فتح سعد الرومية كتب إلى عمر يستأذنه في البعثة إلى ابن كسرى فكتب إليه الحمد لله الذي أذل ابن كسرى وشرده فأقم بمكانك واحذر على من معك من المسلمين فأقام سعد بالمدائن سنتين لم يوجه

(4/261)


أحدا وكتب ابن كسرى إلى الجبال فجمع المقاتلة فوجههم إلى جلولاء وأمر الأساورة والجنود فنزلوها فاجتمع بها جمع عظيم عليهم خرزادين خرمهر فكتب سعد إلى عمر بجمعهم فكتب إليه أقم بمكانك ووجه إليهم جيشا فإن الله ناصرك ومتم وعده الذي وعد نبيه {صلى الله عليه وسلم} فعقد سعد لهاشم بن عتبة وندب الناس فانتدب معه أربعة آلاف فيهم طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب وفرسان المسلمين فسار فلما كان بمهروذ آتاه دهقانها فصالحه على أن يفرش له جريبا دراهم فقبل منه ومضى إلى جلولاء فقدم على قوم قد أعدوا عدة عظيمة وتحرزوا بالخنادق فقاتلوهم قتالا شديدا عن العيال والذراري وكتب هاشم إلى سعد يستمده وأتى المشركون أهل أذربيجان مددا فعاجلوهم القتال وكثروهم فجال المسلمون وانكشفوا فناداهم هاشم يا معشر المسلمين أين أما رأيتم ما خلفتم أتأتون عمر منهزمين فعطف الناس وعلى الميمنة حجر بن عدي وعلى الميسرة عمرو بن معدي كرب وعلى الخيل زهرة بن جوية وعلى الرجال طليحة بن خويلد فاشتد القتال بينهم حتى مضى وقت الظهر فصلى المسلمون يومئون إيماء وألح المشركون عليهم وطلعت كتيبة للمشركين حامية فجازت الخندق ثم طلعت أخرى فقال طليحة وعمرو بن معدي كرب يا معشر الفرسان الأرض واقرنوا خيولكم ففعلوا وجفوا وأشرعوا الرماح فرجعت الخيل عنهم ورموهم بالنشاب فتترسوا فمكثوا بذلك مليا وأشفق المسلمون فحضهم طليحة وزهرة وعمرو فبينا هم على ذلك إذ سمعوا تكبيرا للمسلمين وراءهم فإذا قيس بن مكشوح قد جاءهم في ألف وأربعمائة فارس وستمائة راجل فانهزم المشركون قبل أن يصل إليهم وهاجت ريح شديدة أظلمت لها الأرض فتهافت المشركون في الخندق وأتبعهم المسلمون فانتهوا إلى خنادقهم وقد انجلت عنهم الظلمة فركبوا أكتافهم فقتلوا منهم مقتله عظيمة وحووا عسكرهم فأصابوا شيئا لم يصيبوا مثله من الأموال والسلاح والمتاع والسبايا والدواب فجمع ذلك كله إلى هاشم فجاء رجل من آل خارجه بن الصلت بتمثال ناقة من

(4/262)


ذهب موشحه بالدر وألقاها في المغنم وجاء
مجفر بن ثعلبة بجارية وجاء كل رجل بما صار في يديه فحمل هاشم ذلك كله إلى سعد فكتب سعد إلى عمر بالفتح وبما أصاب من السبايا واستأذنه في اتباع العجم والمسير إلى الجبال فكتب إليه عمر رحمه الله أقم مكانك عامك هذا حتى ننظر واحذر على المسلمين واترك أهل الجبال ما تركوك فوددت أن بيننا وبين الجبال سدا من نار لايخلصون إلينا ولانخلص إليهم حسبنا من الريف السواد فأقم ولا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدوا بقربك وأقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم
وكانت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف فبلغت السهام ثلاثة آلاف للفرس سهمان وللراجل سهم وقال قوم كانت الغنائم ستة وثلاثين ألف ألف وكانت السهام ستة آلاف وثمانية من الدواب للفرس سهمان وللراجل سهم فحمل سعد الخمس مع زياد بن أبي سفيان
وفي كتاب سيف عمن سمي من رجاله قالوا ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها ومن أعظمه ممن كان ثابتا بالمدائن وبعث بالأخماس مع قضاعي بن عمرو الدؤلي من الذهب والورق والآنيه والثياب وبعث بالسبي مع أبي مفزر الأسود بن قطبة قال بعضهم وبعث بالحساب مع زياد بن أبي سفيان وكان الذي يكتبه للناس ويدونهم فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء به ووصف له فقال له عمر هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به فقال والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك فكيف لاأقوى على هذا في غيرك فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا وبما يستأذنون فيه من الإنسياح في البلاد فقال عمر رضي الله عنه هذا الخطيب المصقع فقال زياد إن جندنا أطلقوا بأفعالهم لساني

(4/263)


وعن أبي سلمة قال لما قدم على عمر رحمه الله بالأخماس من جلولاء قال عمر والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد فلما أصبح جاء في الناس وكشف عنه جلابيبه وهي الأمطاع فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى فقال له عبد الرحمن ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا إلا موطن شكر فقال عمر والله ما ذاك يبكيني وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم ثم دعا الحسن فيما ذكر المدائني فحثا له ثم دعا الحسين فحثا له ثم قال ما ترى أن أنحثي لهم حثيا أم نكيل بالصاع قال بل احث لهم ففعل ثم دون الدواوين وفرض وقسم
وذكر المدائني أيضا ان سعدا كتب إلى عمر رحمه الله مع زياد يستأذنه في اتباع المشركين ويصغر أمرهم عنده فكتب إليه عمر جاءني كتابك تستأذنني في إتباع المشركين وسيأتي فيهم أمري وذلك من حق إمامك عليك وإنما حق المسلم على المسلم بحق الله وإن أعظم اهل الإسلام حقا عليهم إمامهم وذلك انه لا تجد احدا من الناس صلاح أهل الأرض في صلاحه إلا نبي أو خليفه فالأمر إليك في إتباعهم في غير تغرير بالمسلمين وانظر ما أجلب الناس به عليك في العساكر من مال أو كراع أو سلاح أو متاع فأقسمه بين من حضر واترك الأرضين والأنهار فتكون في أعطية المسلمين فإنك إن قسمتها بين من حضرك لم يكن لمن بعدهم شيء ولا طوطن ولدا من والده ولا تمسن أنثى من السبي حتى يطيب رحمها ولاتتخذن مشركا أمينا على المسلمين فإنهم يأخذون الرشوة في دينهم ولا رشوة في دين الله وادع الناس فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال فهو رجل من المسلمين وله سهم في الإسلام ومن أسلم بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام والأسير إذا أسلم في أيدي المسلمين فقد أمن على دمه وهو فيء للمسلمين وأقر الفلاحين على حالهم

(4/264)


إلا من حاربك أو هرب أو ترك أرضه وخلاها فهي لكم فإن رجع فقبلتم منه الجزية فهو ذمة
وذكر سيف عن رجاله قالوا كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة أنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة وأن سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا وعلى عمر منعهم وبرى ء عمر إلى كل ذي عهد من معرة الجيش
قال بعضهم فكان الفلاحون للطرق والجسور الأسواق والحرث والدلالة مع الجزي عن أيديهم على قدر طاقتهم وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين
قال المدائني وشهد عبد الله بن عمر جلولاء واشترى من المغنم متاعا بأربعين ألفا فلما قدم المدينة أتاه عمر في منزله فقال لإمرأته يا صفية احتفظي بما جاء به عبد الله ولا يصلن منه إلى شيء ثم قال لعبد الله يا عبد الله إشتريت من غنائم المسلمين فقالوا ابن عمر وصاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلأن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم لك فيما اشتريت ربحا لدرهم درهم فدعا عمر التجار فعرضه عليهم وقال اشتروا فإنه للمسلمين فتزايدوا حتى بلغ مائة ألف فباعه وأعطى عبد الله ثمانين ألفا وبعث بالباقي إلى سعد وكتب إليه اقسمه فيمن شهد سنة تسع عشرة
وعن رجال سيف قالوا ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم وصار السواد ذمة لهم إلى ما أصفاهم الله به من مال الأكاسره ومن لج معهم
وقال القعقاع بن عمرو يذكر نزوله بجلولاء
من مبلغ عني القبائل مالكا
وقد أحسنت عند الهياج القبائل
فلله جاهدنا وفي الفرس بغية
ونحن على الثغر المخوف نساجل
وانتم عتاد إن ألمت ملمة
وجلت علينا في الثغور الجلائل
وهل تذكرون إن نزلنا وأنتم
منازل كسرى والأمور حوائل
فصرنا لكم ردئا لحلوان بعدما
نزلنا جميعا والجموع نوازل
فنحن الأولى فزنا بحلوان بعدما
أرنت على كسرى الإما والحلائل
الطويل
وقال أبو بجيد في ذلك
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت
كتائبنا تردى بأسد عوابس

(4/265)


فضضت جموع الفرس ثم أتمهم
فتبا لأجساد المجوس النجائس
وأفلتهن الفيرزان بجرعة
ومهران أردت يوم حز القوانس
أقاموا بدار للمنية موعد
ولترب تحثوها خجوج الروانس
الطويل
حديث يوم تكريت
وكان سعد رحمه الله لما كتب إلى عمر رضي الله عنه بأمر جلولاء وأجابه بما ذكر قبل كتب إليه أيضا باجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله بهم إلى تكريت حتى نزل بها وخندق عليه ليحمي أرضه فأمر عمر سعدا أن يسرح عبد الله بن المعتم إلى الأنطاق وعين لمقدمته وميمنته وميسرته وساقته رجالا سماهم له ففصل عن ذلك عبد الله من المدائن في خمسة آلاف فسار إلى تكريت حتى ينزل على الأنطاق ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر وقد خندقوا فحصرهم أربعين يوما وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا في كلها هزم المشركون ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم فلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن وقد كان عبد الله بن المعتم وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالا من تغلب وإياد والنمر فكانوا لا يخفون عليه شيئا فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلت الروم وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا فأرسل إليهم إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقروا بما جاء به من عند الله ثم أعملوا بما نأمركم فردوا إليه رسلهم بالإسلام فأرسل إليهم إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه فانطلقوا حتى واطؤوهم على ذلك ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب
وإياد والنمر وقد أخذوا بالأبواب فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم فابتدروا الأبواب التي أمامهم فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبلتهم وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر

(4/266)


وقال سيف كان عمر رضي الله عنه قد عهد إلى سعد إن هزم أهل تكريت أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ربعي بن الإفكل العنزي إلى الحصنين وربعي هو الذي كان عمر رسم أن يكون على مقدمة عبد الله في هذا الوجه فسرحه عبد الله إلى الحصنين وقال له اسبق الخبر وسر ما دون القيل وأحي الليل وسرح معه تغلب وإياد والنمر فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل أحد بني سعد بن جشم وذو القرط وأبو وداعة بن أبي كرب وابن ذي السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الأيادي وبشر بن أبي حوط متساندين فساروا يسبقون إلى الحصنين خبر الهزيمة ليغزوا أهلها فلما كانوا قريبا منها قدموا عتبة بن الوعل فادعى الظفر والنفل والقفل ثم الرجال المسمون آنفا واحدا بعد آخر كلما وصل واحد منهم ذكر مثل ما ذكر عتبة فوقفوا بالأبواب وقد أخذوا بها وأقبلت سرعان الخيل مع ربعي بن الإفكل حتى اقتحمت الحصنين على أهلهما فكانت إياها فنادوا بالإجابة إلى الصلح فأقام من استجاب وهرب من لم يستجب إلى ان أتاهم عبد الله بن المعتم فدعا من لج وهرب ووفى لمن أقام فتراجع الهارب واغتبط مع المقيم وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء الله عليهم على ان لكل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف وبعثوا بالأخماس مع فرات ابن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان وولي حرب الموصل ربعي بن الأفكل والخراج عرفجة بن هرثمة
ذكر يوم ما سبذان ويوم قرقيسيا

(4/267)


ذكروا انه لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين ابن الهرمزان جمع جمعا فخرج بهم إلى السهل وأن أهل الجزيرة بعثوا جندا إلى هيت فكتب سعد بذلك إلى عمر فكتب إليه أن يبعث ضرارا بن الخطاب في جند إلى ابن الهرمزان ويبعث عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند إلى هيت ورسم لكلا الجندين صاحب مقدمتيه ومجنبتين وساقه وسماهم فخرج ضرار في الجند وقدم صاحب مقدمته حتى انتهى إلى سهل ما سبذان فالتقوا بمكان يدعى بهندف فاقتتلوا به فأسرع المسلمون في المشركين وأخذ ضرار آذين بن الهرمزان سلما فأسره فانهزم عنه جيشه فقدمه فضرب عنقه ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان فأخذ ما سبذان عنوة فتطاير أهلها في الجبال فدعاهم فاستجابوا له وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه فنزل الكوفة واستخلف على ما سبذان وكانت إحدى فروج الكوفة
وخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت وقدم الحارث بن يزيد العامري وهو المعين لمقدمته حتى نزل بهيت وقد خندقوا عليهم فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم استطال أمرهم فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا في عرة فأخذها عنوة فأجاب أهلها إلى الجزاء وكتب إلى الحارث في أهل هيت إن هم استجابوا فخل عنهم وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيي فسمحوا بالإستجابة وانضم الجند إلى عمر بن مالك والأعاجم إلى أهل بلدهم وقال ضرار بن الخطاب يذكر ملئقاهم بهندف
ولما لقينا في بهندف جمعهم
تنادوا وقالوا يا صبر وايال قارس
فقلنا جميعا نحن أصبر منكم
وأكرم في يوم الوغى والتمارس
ضربناهم بالبيض حتى إذا انثنت
أقمنا لها ميلا بضرب القوانس
فولوا سراعا نحو دار أبيهم
وقد خومروا يوم الوغا بالوساوس
فما برحت خيلي تقص طريقهم
وتقتلهم بين اشتباك الحنادس
الطويل

(4/268)


ذكر الحديث عن تمصير الكوفة البصرة وتحول سعد بن أبي وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة
ذكروا أنه جاء عمر رضي الله عنه فتح جلولاء وما ذكر بعدها ونزول المسلمين حيث ذكر قبل نزولهم منها ولما قدمت الوفود بذلك عليه أنكرهم حين رآهم وقال والله ما هيئتكم بالهيئة التي بدوتم بها ولقد قدمتم وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما بدوا فما غيركم قالوا وخومة البلاد
فنظر في حوائجهم وعجل سراحهم وكتب إلى سعد أنبئني مالذي غير ألوان العرب ولحومهم فكتب إليه إن العرب خددهم وغير ألوانهم وخومة المدائن ودجلة فكتب إليه عمر إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان فابعث سلمان رائدا وحذيفة وكانا رائدي الجيش فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر ولم يكن بقي من أمر الجيش شيء إلا وقد أسنده عمر إلى رجل فبعث سعد حذيفة وسلمان فخرج سلمان حتى أتى الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرى شيئا حتى أتى الكوفة وخرج
حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة فأتي عليها وفيها ديارات ثلاث دير حرقة ودير أم عمرو ودير سلسله وأخصاص خلال ذلك فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا وقال كل واحد منهما اللهم رب السموات وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب الريح وما أذرت والنجوم وما هوت والبحار وما جرت والشياطين وما أضلت والخصاص وما أجنت بارك لنا في هذه الكوفة واجعله من منزل ثبات فرجعا إلى سعد بالخبر
وذكر المدائني أن الناس اجتووا المدائن بعد ان رجعوا من جلولاء فشكوا ذلك إلى عمر فقال عمر هل تصبر بها الإبل قالوا لا لأن بها بعوضا قال فإن العرب لا تصبر ببلاد لا تصبر بها الإبل اخرجوا فارتادوا بها منزلا

(4/269)


قال أبو وائل فخرجنا فأردنا أن ننزل الحيرة فقال رجل من أهلها يا معشر المعذبين ألا أدلكم على ما ارتفعت عن البعوضة وتطأطأت عن الثلجة وطعنت في البرية وخالطت الريف قلنا بلى فدلنا على الكوفة فاختط الناس ونزلوا الكوفة فكتب إلى عمر بذلك
وذكر سيف عمن سماه من رجاله قالوا مصر المسلمون المدائن وأوطنوها حتى إذا فرغوا من جلولاء وتكريت وأخذوا الحصنين كتب عمر إلى سعد أنت ابعث عتبة بن غزوامن إلى فرج الهند فليرتد منولا يمصره وابعث معه سبعين رجلا من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وابعث بعده عرفجة بن هرثمة واجعل مكانه الحارث بن حسان وابعث عاصم بن عمرو وحذيفة بن محصن ومجزأة ابن ثور والحصين بن القعقاع فخرج عتبة في سبعمائة من المدائن وأتبعه عرفجة في سبعمائة ثم عاصم ثم حذيفة ثم مجزأة ثم الحصين كل واحد منهم في سبعمائة ثم سعد بن سلمى في سبعمائة فساروا حتى أتوا على البصرة اليوم فنزلوها وثبتوا بها والبصرة كل أرض حجارتها جص
قالوا ولما نزل أهل الكوفة الكوفة واستقرت بأهل البصرة الدار عرف القوم أنفسهم وثاب إليهم ما كانوا فقدوا ثم إن أهل المصرين استأذنوا في بنيان القصب فقال عمر رضي الله عنه العسكرة أجد لحربكم وأذكى لكم وما أحب أن أخالفكم وما القصب قالوا العكرش إذا روي قصب فصار قصبا قال فشأنكم فابنوا بالقصب ثم وقع الحريق في المصرين وكانت الكوفة أشدهما حريقا فاحترق ثمانون عرشا ولم يبق فيها قصبة فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه في البنيان باللبن ويخبرونه عن الحريق وما بلغ منهم وكانوا لايدعون شيئا ولا يأتونه إلا أمروه فيه فقال ابنوا ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة فرجع القوم بذلك إلى الكوفة
وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك وعهد عمر إلى الوفد وتقدم إلى الناس ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم من القصد

(4/270)


فأول شيء خط بالكوفة وبني حين عزموا على البناء المسجد فاختط ثم قام رجل شديد النزع فرمى عن يمينه ومن بين يديه ومن خلفه وعن شماله وأمر من شاء أن يبني وراء مواقع تلك السهام وبنوا لسعد دارا بحياله بينهما الطريق وجعل فيها بيوت الأموال وهي قصر الكوفة اليوم وبنى سعد في الذي خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم وجعل فيه بيت المال وسكن ناحيتة ثم إن بيت المال نقب عليه منه فأخذ من المال وكتب سعد بذلك إلى عمر ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن فكتب إليه عمر أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جانب الدار واجعل الدار قبالته فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل وفيهم حصن لمالهم فنقل المسجد وأراع بنيانه فقال له
دهقان من أهل همذان يقال له روزبة بن بزرجمهر أنا أبنيه لك وأبن لك قصرا وأصلهما ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه ثم أنشأه من بعض آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكنائس لكسرى بغير مجنبات فلم يزل على ذلك حتى بنى زمن معاوية بنيانه اليوم على يدي زياد ولما اراد زياد بناءه دعا بناءين من بنائي الجاهلية فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يزيد من طوله في السماء وقال أشتهي من ذلك شيئا لاأقع على صفته فقال له بناء قد كان بني لكسرى لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال الأهواز تنقر ثم تثقب وتحشى بالرصاص وبسافيد الحديد فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء ثم تسقفه ثم تجعل له مجنبات ومواخر فيكون أثبت له فقال هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها
قال عطاء مولى إسحاق بن طلحة كنت أجلس في المسجد الأعظم من قبل أن يبنيه زياد وليست له مجنبات ولا مواخر فأرى منه دير هند وباب الجسر

(4/271)


وذكر الطبري عن المدائني أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن عزوان إلى البصرة سنة أربع عشرة وذكر عن الشعبي قال قتل الخطاب مهران في صفر سنة أربع عشرة فقال عمر لعتبة قد فتح الله على إخوانكم الحيرة وما حولها وقتل عظيم من عظمائها ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس فأنا أريد أن أوجهك إلى أرض الهند والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند لتمنع أهل ذلك الحيز من إمداد إخوانكم على إخوانكم وتقاتلهم لعل الله أن يفتح عليكم فسر على بركة الله واتق الله ما استطعت واحكم بالعدل وصل الصلاة لوقتها وأكثر ذكر الله
دهقان من أهل همذان يقال له روزبة بن بزرجمهر أنا أبنيه لك وأبن لك قصرا وأصلهما ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه ثم أنشأه من بعض آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكنائس لكسرى بغير مجنبات فلم يزل على ذلك حتى بنى زمن معاوية بنيانه اليوم على يدي زياد ولما اراد زياد بناءه دعا بناءين من بنائي الجاهلية فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يزيد من طوله في السماء وقال أشتهي من ذلك شيئا لاأقع على صفته فقال له بناء قد كان بني لكسرى لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال الأهواز تنقر ثم تثقب وتحشى بالرصاص وبسافيد الحديد فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء ثم تسقفه ثم تجعل له مجنبات ومواخر فيكون أثبت له فقال هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها
قال عطاء مولى إسحاق بن طلحة كنت أجلس في المسجد الأعظم من قبل أن يبنيه زياد وليست له مجنبات ولا مواخر فأرى منه دير هند وباب الجسر

(4/272)


وذكر الطبري عن المدائني أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن عزوان إلى البصرة سنة أربع عشرة وذكر عن الشعبي قال قتل الخطاب مهران في صفر سنة أربع عشرة فقال عمر لعتبة قد فتح الله على إخوانكم الحيرة وما حولها وقتل عظيم من عظمائها ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس فأنا أريد أن أوجهك إلى أرض الهند والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند لتمنع أهل ذلك الحيز من إمداد إخوانكم على إخوانكم وتقاتلهم لعل الله أن يفتح عليكم فسر على بركة الله واتق الله ما استطعت واحكم بالعدل وصل الصلاة لوقتها وأكثر ذكر الله
فأقبل عتبة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وضوى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادي فقدم البصرة في خمسمائة يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا
وذكر من طريق آخر أنه قدمها في ثلاثمائة فلما رأى منبت القصب وسمع نقيق الضفادع قال إن أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البر من أرض العرب وأدنى أرض الريف من أرض العجم فهذا حيث وجب علينا طاعة إمامنا فنزل الخريبة
وفي حديث الشعبي وليس بها يعني بالبصرة يومئذ إلا سبع دساكر فكتب إلى عمر ووصف له منزله فكتب إليه عمر أجمع الناس موضعا واحدا ولا تفرقهم وأقام عتبة أشهرا لايغزو ولا يلقى أحدا

(4/273)


وفي حديث آخر أن عتبة أقبل بمن كان معه حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان قالوا هذه البصرة فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير فإذا حلفاء وقصب نابتة فقالوا هاهنا أمرتم فنزلوا دون صاحب الفرات فأتى فقيل له إن هاهنا قوما معهم راية وهم يريدونك فأقبل في أربعة آلاف أسوار فقال ما هم إلا ما رأى اجعلوا في أعناقهم الحبال وأتوني بهم فجعل عتبة يوجل ويقول إني شهدت القتال مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعني فكان لايقاتل حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر حتى إذا زالت الشمس قال عتبة لأصحابه احملوا فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين إلا صاحب الفرات أخذوه أسيرا فقال عتبة ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا وكان يوم عكاك فرفعوا له منبرا فقام يخطب فقال إن
الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة الإناء ألا وأنكم منتقلون منها إلى دار القرار فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ولقد ذكر لي أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملأنه أفعجبتم ولقد ذكر لي أن مابين مصراعين من مصاريع الجنة ميسرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم له وكظيظ من الزحام ولقد رأيتني وإني لسابع سبعة مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار وستجربون الأمراء بعدنا

(4/274)


وفي بعض ما ذكره الطبري من الأحاديث عن مقدم عتبة البصرة وأنه نزل الخريبة قال وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها وكان مرفأ السفن من الصين وما دونها فسار عتبة فنزل دار الإجانة فأقام نحوا من شهر ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة وجعل قطبة بن قتادة السدوسي وقسامة بن زهير المازني في عشرة فوارس وقال لهما كونا ظهورنا فتردا المنهزم وتمنعا من أرادنا من ورائنا ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها حتى منحهم الله أكتافهم وولوا منهزمين حتى دخلوا المدينة ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله في قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف لهم وعبروا إلى الفرات وخلوا المدينة فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا فاقتسموا العين فأصاب كل رجل منهم درهمان
وولي نافع بن الحارث أقباض الأبلة فأخرج خمسه ثم قسم الباقي بين من أفاء الله عليه وكتب بذلك مع نافع بن الحارث
وقال داود ابن أبي هند أصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائة درهم فأخذ كل رجل درهمين ففرض عمر لأصحاب الدرهمين في ألفين من العطاء
وقال الشعبي شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون فيهم أبو بكرة نفيع بن الحارث وشبل بن معبد والمغيرة بن شعبة ومجاشع بن مسعود وأبو مريم البلوي
وفي حديث يروى عن عمرة ابنة قيس انه لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة وكانوا حيالها قالوا للعدو نعبر إليكم أو تعبرون إلينا قال اعبروا إلينا فأخذوا خشب العشر فأوثقوه وعبروا فقال المشركون لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة ثم كبروا الثانية فقامت دوابهم على أرجلها ثم كبروا الثالثة فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض وجعلنا ننظر إلى رءوس تندر ما نرى من يضربها وفتح الله على أيديهم المدينة

(4/275)


وقال سلمة بن المحبق شهدت فتح الأبلة فوقع في سهمي قدر نحاس فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال وكتب في ذلك إلى عمر فكتب أن تصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها يوم أخذها وهي عنده نحاس فإن حلف سلمت إليه وإلا قسمت بين المسلمين قال فحلفت فسلمت لي
قال المثنى بن موسى بن سلمة فأصول أموالنا اليوم منها
وقال عباية بن عبد عمرو شهدت فتح الأبلة مع عتبة فبعث نافعا إلى عمر وجمع لنا أهل دست ميسان فقال عتبة أرى أن نسير إليهم فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان فقاتلناه فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا فأخذه قباؤه ومنطقته فبعث بها عتبة مع أنس بن حجية اليشكري
قال أبو المليح الهذلي فسأله عمر كيف المسلمون قال انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة فأتوها
وعن علي بن زيد قال لما فرغ عتبة من الأبلة جمع له مرزبان دست ميسان فسار إليه عتبة من الأبلة فقتله ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة ووفد عتبة إلى عمر وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلي بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات فإذا قدم فهو الأمير فظفر مجاشع بأهل الفرات ورجع إلى البصرة وجمع الميلكان عظيم من عظماء الأعاجم للمسلمين فخرج إليه المغيرة فلقيه بالمرغاب فظفر به فكتب إلى عمر بالفتح فقال عمر لعتبة من استعملت على البصرة فقال مجاشع بن مسعود قال تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر تدري ما حدث قال لا فأخبره بما كان من أمر المغيرة وأمره ان يرجع إلى عمله فمات عتبة في الطريق واستعمل عمر المغيرة
وفي رواية أن أهل ميسان هم الذين جمعوا فلقيهم المغيرة وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات وبعد أن شخص عتبة إلى عمر أثر ما قتل مرزبان دست ميسان

(4/276)


وذكر الطبري بسنده عن قتادة قال جمع أهل ميسان للمسلمين فسار إليهم المغيرة وخلف الأثقال فلقيهم دون دجلة فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم فاعتقدت لواء من خمارها واتخذ النساء من خمرهن رايات وخرجن يردن المسلمين فانتهين إليهم والمشركون يقاتلونهم فلما رأى المشركون الرايات مقبلة ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا وأتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة
أردة بنت الحارث بن كلدة
هذه كانت تحت شبل بن معبد البجلي وكانت أختها صفية عند عتبة بن غزوان فلما ولي عتبة البصرة انحدر معه اصهاره أبو بكر ونافع وشبل وانحدر معهم زياد فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسما يقسم بينهم فكان زياد قاسمهم وهو ابن أربع عشرة سنة له ذؤابة فأجروا عليه كل يوم درهمين
قال الطبري وكان ممن سبي من ميسان يسار أبو الحسن البصري وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان
والأخبار في شأن هذين المصرين يوهم ظاهرها الاختلاف المتباين في وقت عمارة المسلمين لهما فأكثرها على أن ذلك كان بعد المدائن وبعد جلولاء وقد ذكرنا ما ذكر الطبري في بعض ما أورده أن عمر وجه الناس مع عتبة إلى البصرة في سنة أربع عشرة وهذا يقتضي أنه قبل القادسية فضلا عن المدائن وكذلك ذكر المدائني من حديث حميد بن هلال أن خالد بن عمير العدوي حدثه قال لما كان أيام القادسية كتب إلينا أهل الكوفة يستمدوننا فأمدهم أهل البصرة بألف وخمسمائة راكب كنت فيهم فقدمنا على سعد بالقادسية وهو مريض وذكر بقية الحديث
ولعل نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدما على تمصيرهما وبنيانهما بزمان ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف في ذلك بين الأخبار كل الإرتفاع والله تعالى أعلم

(4/277)


وكان عمر رضي الله عنه قد امر سعدا بعدما وجهه إلى العراق أن يجعل الناس أعشارا فلما كان بعد ذلك رجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم فكتب إليه أن عدلهم فأرسل سعد إلى قوم من نساب العرب وعقلائهم وذوي الرأي منهم كسعيد بن نمران ومشعلة بن نعيم فعدلوهم فجعلوهم أسباعا فلم يزالوا كذلك عامة إمارة معاوية حتى ولي زياد فربعهم
ذكر الجزيرة وذكر السبب الذي دعا عمر إلى الأمر بقصدها
وذلك أن هرقل أغزى حمص في البحر بعد أن غلب عليها المسلمون واستمد أهل الجزيرة على أبي عبيدة ومن فيها من المسلمين فأجابوه وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا سوى امداد قنسرين من تنوخ وغيرهم فبلغوا من المسلمين كل مبلغ فضم أبو عبيدة مسالحه وعسكروا بفناء مدينة حمص وخندقوا عليها وكتبوا إلى عمر واستصرخوه وكان عمر رضي الله عنه قد اتخذ في كل مصر على قدرها خيولا من فضول اموال المسلمين عدة لما يعرض فكان من ذلك بالكوقة أربعة آلاف فرس يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته بمكان يسمى لأجل ذلك الآري ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الأعاجم آخر الشاهجان يعنون معلف الأمراء وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يصنع سوابقها ويجريها في كل يوم وبالبصرة نحو منها وقيمه عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الأمصار على قدره فلما وقع إلى عمر كتاب أبي عبيدة يستصرخه كتب إلى سعد بن أبي وقاص أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص فإن أبا عبيدة قد أحيط به وتقدم إليهم في الجد والحث
وكتب إليه أيضا أن سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص وإن أهل

(4/278)


قرقيسيا لهم سلف وسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم لينفضا حران والرها وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرح عياض بن غنم فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي آتاهم فيه الكتاب نحو حمص وحديثهم مذكور في أمر حمص من فتح الشام وإنما أعيد منه هنا هذا القدر تطريقا لحديث الجزيرة وتمهيدا له وخرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها فتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة ولم يدروا الجزيرة يريدون أم حمص تفرقوا إلى بلدانهم خوفا عليها وخلوا الروم فأتى سهيل بن عدي حتى انتهى إلى الرقة وقد حصر فيها أهلها الذين ارفضوا عن حمص فنزل عليهم وأقام محاصرهم حتى صالحوه وذلك أن قالوا فيما بينهم إنكم بين أهل العراق وأهل الشام فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء فبعثوا بذلك إلى عياض وهو في منزل واسط بالجزيرة فقبل منهم وعقد لهم عن أمرة سهيل بن عدي وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل عبر إلى البلد ثم أتى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة وخافوا مثل الذي خافوا فعقد لهم عبد الله عن أمر عياض وأجروا ما أخذوه عنوة من الرقة ونصيبين ثم أجابوا مجرى أهل الذمة ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبد الله إليه فسار بالناس إلى حران فأخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم وأجرى من أجاب بعد غلبته مجرى أهل الذمة ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية فقبل ذلك عياض منهم وأجرى من دونهم مجراهم فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا
وقال سهيل بن عدي في ذلك
وصادمنا الفرات غداة سرنا
إلى أهل الجزيرة بالعوالي
ولم نثن الأعنة حين سرنا

(4/279)


بجرد الخيل والأسل النهال
فأجهضنا الأولى قادوا لحمص
وقد منوا أماني الضلال
أخذنا الرقة البيضاء لما
رأينا الشهر لوح بالهلال
وازعجت الجزيرة بعد خفض
وقد كانت تخوف بالزوال
وصار الخرج صافية إلينا
بأكناف الجزيرة عن تغال
الوافر
وقال في ذلك عبد الله بن عتبان
ألا من مبلغ عني بجيرا
فما بيني وبينك من بعاد
فأن تقبل تلاق العدل فينا
وتنسى ما عهدت من الجهاد
وإن تدبر فما لك من نصيب
نصيبي فيلحق بالعباد
وقد ألقت نصيبين إلينا
سواد البطن بالخرج السداد
لقد لقيت نصيبين الدواهي
بدهم الخيل والجرد الوراد
ونفست الجياد عن أهل حمص
جنود الروم أصحاب الفساد
وعاين عامر منهم عديدا
ودهما مثل سائمة الجراد
الوافر
وخرج الوليد بن عقبة حتى قدم على بني تغلب وعرب الجزيرة فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا إياد بن نزار فإنهم ارتحلوا بكليتهم فاقتحموا أرض الروم فكتب الوليد بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إلى ملك الروم إنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فوالله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم فتم منهم على الخروج أربعة آلاف وخنس بقيتهم فتفرقوا مما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف وأبى الوليد أن يقبل من بني تغلب إلا الإسلام وكتب فيهم إلى عمر فأجابه إنما ذلك لجزيرة العرب لايقبل منهم فيها إلا الإسلام فدعهم على أن لا ينصروا وليدا وأقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على أن لاينصروا وليدا ولا يمنعوا أحد منهم من الإسلام وأبى بعضهم إلا الجزاء ورضي منهم بما
رضي به من العباد وتنوخ

(4/280)


وفي حديث عن أبي سيف التغلبي أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان عاهد وفد بني تغلب على أن لاينصروا وليدا فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم ولم يكن على غيرهم فلما كان زمان عمر قال مسلموهم لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فإنهم يغضبون من ذكر الجزاء على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم فخرج وفدهم في ذلك إلى عمر رحمه الله
ولما بعث الوليد إليه برءوس النصارى وبديانيهم فأمرهم عمر بأداء الجزية قالوا له أبلغنا مأمننا فوالله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم ووالله لتفضحنا من بين العرب فقال لهم أنتم فضحتم أنفسكم وخالفتم أمتكم والله لتؤدنها وأنتم صغرة قمأة ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم ثم لأسبينكم قالوا فخذ منا شيئا ولا تسميه جزاء فقال أما نحن فنسميه الجزاء وسموه أنتم ما شئتم فقال له علي بن أبي طالب وأصغى إليه عمر يا أمير المؤمنين ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة قال بلى قال فرضي به منهم جزاء ورضي القوم بذلك فبنو تغلب تسمي جزيتهم صدقة واما تنوخ فلم تبال أي ذلك كان فهم يسمونها الجزية وكان في بني تغلب عز وامتناع فلا يزالون ينازعون الوليد فيهم بهم ويقول
إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ
فغيك مني تغلب ابنة وائل
الوافر
وبلغت عمر رحمه الله فخاف أن يخرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم فعزله وأمر عليهم فرات بن حيات وهند بن عمرو الجملي
ذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير

(4/281)


ذكر سيف عن شيوخه قالوا لما انهزم الهرمزان بالقادسية جعل وجهه إلى أمته فملكهم وقاتل بهم من أرادهم فكان يغير على ميسان ودست ميسان من وجهين من مناذر ونهرتير فاستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يكونا بين أهل ميسان ودست ميسان وبين نهرتير ووجه عتبة سلمى بن القين وحرملة بن مريطة الحنظليين فنزلا على حدود أرض ميسان ودست ميسان بينهم وبين مناذر ودعوا بني العم بن مالك فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكلبي فتركا نعيما ونعيما وأتيا سلمى وحرملة وقالا أنتما من العشيرة وليس لكما منزل فإذا كان يوم كذا فانهدوا للهرمزان فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهرتير فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم فليس دون الهرمزان شيء إن شاء الله
فلما كانت ليلة الموعد خرج سلمى وحرملة صبيحتها في تعبئة وأنهضا نعيما ونعيم وسلمى على أهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهرتير فاقتتلوا فبينا هم في ذلك أقبل المدد من قبل

(4/282)


غالب وكليب وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتير فكسر الله في ذرعه وذرع جنده وهزمه وإياهم فقتل المسلمون منهم ما شاءوا وأصابوا ما شاءوا واتبعوهم حتى وقفوا على شاطيء دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الأهواز وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها وصار دجيل بينه وبين المسلمين ورأى الهرمزان ما لا طاقة له به فطلب الصلح وكتبوا إلى عتبة يستأمرونه فيه وكاتبه الهرمزان فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان قذق ما خلا نهرتير ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنا لا نرد عليهم ما تنقذنا وجعل عتبة على مناذر سلمى بن القين مسلحة وأمرها إلى غالب وحرملة على نهرتير وأمرها إلى كليب فكانا على مسالح البصرة وهاجرت طوائف بني العم فنزلوا البصرة وجعلوا يتبايعون على ذلك وكتب عتبة بذلك إلى عمر رحمه الله ووفد وفدا منهم سلمى وحرملة وأمرهما أن يستخلفهما على عمليهما وغالب وكليب ووفد يومئذ من البصرة وفودا فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم فكلهم قال أما العامة فأنت صاحبها فلم يبق إلا خواص أنفسنا فطلبوا لأنفسهم إلا ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال يا أمير المؤمنين إنه لكما ذكروا ولقد يغرب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخير ويسمع بآذانهم وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ثمارهم غضة لم تخضد وإنا معاشر أهل البصرة نزلنا بسبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف لها في الفلاة

(4/283)


وطرف لها في البحر الأجاج يجر إليها ما جر في مثل مرى ء النعامة دارنا مفعمة ووظيفتنا ضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير ودرهمنا كبير وفقيرنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا وظيفة تطوف علينا ونعيش بها فنظر عمر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفلهموها وأقطعهم إياها وكان ذلك مما كان لآل كسرى فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر فاقتسموه وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا ويقتسمونه بينهم لا يستأثرون به على بدء ولا ثني بعدما يرفعون خمسة إلى الوالي فكانت قطائع أهل البصرة نصفين نصفها مقسوم ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا فألحق عمر أعدادهم بأهل البصرة حتى ساواهم بهم ألحق جميع من شهد الأهواز ثم قال هذا الغلام سيد أهل البصرة يعني الأحنف وكتب إلى عتبة أن يسمع منه ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهرتير فكانوا عدة فيها لما يعرض
حديث فتح الأهواز ومدينة سرق

(4/284)


واتصل ما بين أهل البصرة وبين أهل ذمتهم على ما ذكر إلى أن وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا فحالا بينه وبينهما فكفر الهرمزان ومنع ما قبله واستعان بالأكراد فكثف جنده وكتبوا ببغيه وكفره إلى عتبة فكتب بذلك إلى عمر فأمدهم عمر بحرقوص ابن زهير السعدي وكانت له صحبة وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه فنهدوا معه ونهد الهرمزان بمن معه حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز عبر الهرمزان فوق الجسر بعد أن خيرهم فقالوا له أعبر فاقتتلوا هنالك فهزم الله الهرمزان ووجه نحو رامهرمز وافتتح حرقوص سوق الأهواز فأقام بها ونزل الجبل واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر فحمد الله ودعا له بالثبات والزيادة
وكان عمر رضي الله عنه قد عهد إلى حرقصوص إن فتح الله عليهم أن يبعث جزء بن معاوية في أثر الهرمزان وهو متوجه إلى رامهرمز فما زال يقاتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر وأعجزهم بها الهرمزان فمال منها جزء إلى دورق ومدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها فأخذها صافية ودعا من هرب إلى الجزاء والمنعة فأجابوه وكتب بذلك كله إلى عمر وإلى عتبة فكتب عمر رحمه الله إلى جزء وإلى حرقوص بلزوم ما غلبا عليه والمقام
حتى يأتيهما أمره ففعلا وأستأذنه جزء في عمران ما دثر فاذن له فشق الأنهار وعمر الموات
ولما نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز بالمسلمين طلب الصلح وراسل فيه حرقوصا وجزءا فكتب فيه حرقوص إلى عمر فكتب إليه وإلى عتبة يأمر بقبول صلح الهرمزان على ما لم يفتتحوا من البلاد على رامهرمز وتستر والسوس وجندي سابور والبنيان ومهرجان نقذق فقبل ذلك الهرمزان وأجابهم إليه فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم عمر وأقام الهرمزان على صلحه يجبي إليهم ويمنعونه وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه

(4/285)


وكتب عمر إلى عتبة يوفد عليه عشرة من صلحاء جند البصرة فوفد إليه منهم عشرة فيهم الأحنف بن قيس فلما قدموا عليه قال للأحنف إنك عندي مصدق وقد رأيتك رجلا فأخبرني أظلمت الذمة المظلمة نفروا أم لغير ذلك فقال بل لغير مظلمة والناس على ما تحب قال فنعم إذا أنصرفوا إلى رحالكم
وكتب عمر إلى عتبة أن أصرف الناس عن الظلم واتقوا الله واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغي فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم فأوفوا بعهد الله وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا
وبلغ عمر رحمه الله حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه والجبل كئود يشق على من رامه فكتب إليه بلغني أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتي فيه إلا على مشقة فأسهل ولا تشقن به على مسلم ولا معاهد وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ولا تدركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك
ذكر غزو المسلمين أرض فارس
قالوا وكان المسلمون بالبصرة وأرضها يومئذ سوادها والأهواز على ما هم عليه ما علبوا عليه منها ففي أيديهم وما صالحوا عليه ففي أيدي أهله يؤدون الخراج ولا يدخل عليهم ولهم الذمة والمنعة وعميد صلح الهرمزان
وقد قال عمر رحمه الله حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا كما قال لأهل الكوفة وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم

(4/286)


وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين رده إليها عمر بعد أن عزله عنهما بقدامة بن مظغون وكان العلاء يناويء سعد بن أبي وقاص لصدع صدعه القضاء بينهما فطار العلاء على سعد في الردة بالفضل فلما ظفر سعد بالقادسية وأزاح الأكاسرة واستعلى بأعظم مما كان جاء به العلاء أسر العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم ورجاء أن يدال كما قد كان أديل ولم يقدر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة وفضل المعصية وعواقبها فندب اهل البحرين إلى أهل فارس فتسرعوا إلى ذلك ففرقهم أجنادا على أحدها الجارود بن المعلى وعلى الآخر السوار بن همام وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى وهو مع ذلك على جماعة الناس فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر وكان
عمر رحمه الله لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا يكره التغرير بجنده استنانا يالنبي {صلى الله عليه وسلم} وبأبى بكر إذا لم يغزيا فيه أحدا فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في اصطخر وبإزائهم أهل فارس قد اجتمعوا على الهربذ فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فقال إن الله إذا قضى لأحد أمرا جرت به المقادير حتى يصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم لحربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ( 45 البقرة ) فأجابوه فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع يدعى طاووس وجعل السوار يحض ويذكر قومه عبد القيس حتى قتل وقتل الجارود ويومئذ ولى عبد الله بن المسور والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا وجعل خليد بن المنذر يومئذ يقول للمسلمين انزلوا فنزلوا فقاتلوا القوم فقتل أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها ثم خرج المسلمون يريدون البصرة إذ غرفت سفنهم ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا فوجدوا شهرك قد أخذ عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا

(4/287)


ولما بلغ عمر رحمه الله ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر يعني قبل أن يبلغه ما عرض لهم ألقى في روعه نحو من الذي كان فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه بتأمر سعد عليه وقال الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك فخرج نحوه بمن معه
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان أن العلاء بن الحضرمي حمل جندا من

(4/288)


المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني وأظنه لم يرد الله بذلك فخشيت عليهم ألا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا فاندب الناس إليهم واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور والأحنف بن قيس وصعصعة بن معاوية وآخرون من رءوس المسلمين وفرسانهم فخرجوا في اثني عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي والمسالح على حالها بالأهواز والذمة وهم ردء الغازي والمقيم فسار أبو سبرة بالناس وساحل لا يلقاه أحد ولا يعرض له حتى التقى بخليد وأصحابه بحيث أخذ عليهم الطريق وكان أهل اصطخر حيث اخذوا عليهم الطريق وأنشبوهم استصرخوا عليهم أهل فارس كلهم فضربوا إليهم من كل وجه وكورة فالتقوا هم وأبو سبرة وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركون أمدادهم وعلى المشركين شهرك وهو الذي كان أخذ عليهم الطريق غب وقعة القوم بطاووس فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركون وأصا بالمسلمون المنهم ما شاءوا وهي الغزاة التي شرفت بها نابتة البصرة فكانوا أفضل المصرين نابتة ثم إنكفأوا بما أصابوا وقد عهد إليهم عتبة وكاتبهم بالحث وقلة العرجة فانضموا إليه بالبصرة فرجع أهلها إلى منازلهم منها وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم والذين تنفذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فدعا الله ثم انصرف فمات

(4/289)


في بطن نخلة فدفن بها ومر به عمر زائرا لقبره فقال أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم وأثنى عليه بفضله ومات عتبة وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم وعماله على حالهم ومسالحه على نهرتير ومناذر وسوق الأهواز وسرق وأمر عمر أبا سبرة على البصرة بقية السنة التي مات فيها عتبة ثم عزله واستخلف عبد الرحمن بن سهل ثم استعمل المغيرة بن شعبة فعمل عليها بقية تلك السنة التي ولاه فيها والسنة التي تليها لم ينتقض عليه أحد في عمله وكان مرزوق السلامة
ذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان
ذكر سيف عن أصحابه قالوا لم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج عنهم فكتب إليهم وهو بمرو يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم أن قد رضيتم يا أهل فارس أن غلبتكم العرب على السواد وما والاه وعلى الأهواز ثم لم يرضوا بذلك حتى يوردوكم في بلادكم وعقر داركم فخرجوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب فكتبوا إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل وابعث سويد بن مقرن وعبد الله بن ذي السهمين وجرير بن عبد الله الحميري وجرير بن عبد الله البجلي فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتيقنوا أمره وكتب إلى أبي موسى وهو على البصرة أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهيل بن عدي وابعث معه البراء بن مالك وعاصم بن عمرو ومجزأة بن ثور وكعب بن سور وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وعبد الرحمن بن سهل والحصين بن معبد وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم وكل من أتاه فمدد له
وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة

(4/290)


بحيال ميسان ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل وانتهى إلى نهرتير فجازها وجاز مناذر ثم شق الأهواز وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة ثم سار نحو الهرمزان وهو برامهرمز فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره ورجا أن يقتطعه وقد طمع في نصر أهل فارس وقد أقبلوا نحوه ونزلت أوائل أمدادهم بتستر فالتقى النعمان والهرمزان بأزبك فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله هزم الهرمزان وأخلى رامهرمز ولحق بتستر وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز ثم صعد لايذج فصالحه عليها تيرويه فقبل منه وتركها ورجع إلى رامهرمز فأقام بها
وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا سوق الأهواز فأتاهم بها خبر الوقعة التي أوقعها النعمان بالهرمزان حتى لحق بتستر فمالوا نحوه من سوق الأهواز فكان وجههم منها إلى تستر ومال النعمان إليها من رامهرمز وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء فنزلوا جميعا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال وأهل الأهواز في الخنادق فكتبوا بذلك إلى عمر رحمه الله واستمده أبو سبرة فأمده بأبي موسى فساجلوهم وعلى أهل الكوفة النعمان وعلى أهل البصرة أبو موسى وعلى الفريقين أبو سبرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مبارزة مائة سوى من قتل في غير المبارزة وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك وقتل كعب بن سور وأبو تميمة كل واحد منهما مثل ذلك وهؤلاء في عدة من أهل البصرة وفعل مثل ذلك من الكوفيين رجال منهم حبيب بن قرة وربعي بن عامر وعامر بن عبد الأسد وكان من الرؤساء في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا تكون عليهم مرة ولهم أخرى حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم

(4/291)


لنا فقال البراء بن مالك اللهم اهزمهم لنا واستشهدني فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم فارزوا إلى مدينتهم فأحاط المسلمون بها فبينا هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم وطالت حربهم خرج رجل إلى النعمان فاستأمنه على أن يدله على مدخل يوصل منه إلى المدينة ويكون منه فتحها فأمنه النعمان فقال انهدوا من قبل مخرج الماء ورمى رجل آخر غير ذلك الرجل من ناحية أبي موسى بسهم يستأمنهم فيه على أن يدلهم على ذلك فأمنوه في نشابة فرمى إليهم بأخرى ودلهم على مخرج الماء فندب الأميران أصحابهما فانتدب لأبي موسى كعب بن سور ومجزأة بن ثور وبشر كثير وانتدب للنعمان أيضا بشر كثير منهم سويد بن المثعبة وعبد الله بن بشر الهلالي فنهدوا فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج وقد تسرب سويد وعبد الله فأتبعهم الفريقان حتى إذا جتمعوا فيها والناس على رجل من خارج كبروا فيها وكبر المسلمين من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل وأرز الهرمزان إلى القلعة فأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم ما شئتم قد ترون ضيق ما انا فيه وأنتم وإن معي في جعبتي مائة نشابة ووالله لا تصلون إلي ما دامت معي نشابة وما يقع لي سهم إلا في رجل وما خير أسارى إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح قالوا فتريد ماذا قال أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء قالوا فذلك لك فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه فشدوه وثاقا واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألفا وجاء الرجل الذي خرج بنفسه إلى النعمان والآخر الذي رمى بالسهم في ناحية أبي موسى فقالا للمسلمين من لنا بالأمان الذي طلبنا علينا وعلى من مال معنا قالوا ومن مال معكم قالوا من أغلق عليه بابه مدخلكم فأجازوا ذلك لهم وقتل ليلتئذ من المسلمين ناس كثير منهم مجزأة بن ثور والبراء بن مالك قتلهما الهرمزان

(4/292)


وخرج أبو سبرة من تستر في أثر الفل وقد قصدوا السوس وأخرج معه النعمان وأبا موسى ومعهما الهرمزان حتى نزلوا على السوس وكتبوا بذلك إلى

(4/293)


عمر فكتب إلى أبي موسى برده على البصرة فانصرف عليها وأمر عمر على جند البصرة المقترب وهو الأسود بن ربيعة وكتب إلى زر بن عبد الله ابن كليب الفقيمي أن يسير إلى جندي سابور فسار حتى نزل عليها وكان الأسود وزر من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من المهاجرين إليه الوافدين عليه فقال له الأسود لما وفد عليه جئت لأقترب إلى الله بصحبتك فسماه المقترب وقال له زر يا رسول الله فني بطني وكثر إخوتنا فادع الله لنا فقال اللهم أوف لزر عمارته فتحول إليهم العدد ووفد أبو سبرة وفدا فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس وأرسل الهرمزان معهم فقدموا مع أبي موسى البصرة ثم خرجوا نحو المدينة حتى إذا دخلوها هيئوا الهرمزان في هيئته فألبسوه كسوته من الديباج ووضعوا على رأسه تاجا مكللا بالياقوت كما يراه عمر والمسلمون في هيئته ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل لهم جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة فانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه فلما انصرفوا مروا بغلمان يلعبون فقالوا لهم ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين فإنه نائم في ميمنة المسجد متوسد برنسه وكان عمر رحمه الله قد جلس لوفد الكوفة في برنس فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره والدرة في يده فقال الهرمزان أين عمر قالوا هو ذا وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه فقال لهم الهرمزان أين حرسه وحجابه فقالوا ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان فقال ينبغي له أن يكون نبيا قالوا بل يعمل عمل الأنبياء وكثر الناس فاستيقظ عمر رحمه الله بالجلبة فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان فقال الهرمزان قالوا نعم فتأمله وتأمل ما عليه وقال اعوذ بالله من النار وأستعين الله ثم قال الحمد لله الذي أذل

(4/294)


بالإسلام هذا وأشباهه يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدى نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة فقال الوفد هذا ملك الأهواز فكلمه فقال لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء فرمى عنه بكل شيء كان عليه إلا شيئا يستره وألبسوه ثوبا صفيقا فقال عمر هي يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله فقال يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم فلما كان معكم غلبتمونا فقال عمر إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا ثم قال عمر ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة فقال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك واستسقى ماء فأتى به في قدح غليظ فقال لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا فأتى به في إناء يرضاه فجعلت يده ترعد وقال إني أخاف أن أقتل وانا أشرب فقال عمر لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه فقال عمر أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش فقال لا حاجة لي في الماء إنما أردت أن أستأمن به فقال عمر إني قاتلك فقال قد أمنتني قال كذبت قال أنس صدق يا أمير المؤمنين قد أمنته قال ويحك يا أنس أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء بن مالك والله لتأتين بمخرج وإلا عاقبتك قال قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وقلت له لا بأس عليك حتى تشربه وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال خدعتني والله لا أنخدع إلا أن تسلم فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة
ويروى أن المغيرة بن شعبة كان الترجمان يومئذ بين عمر وبين الهرمزان إلى أن جاء المترجم وكان المغيرة يفقه من الفارسية شيئا فقال له عمر ما أراك بها حاذقا ما أحسنها أحد منكم إلا خب ولا خب إلا دق إياكم وإياها فإنها تنقص الإعراب
ذكر فتح السوس

(4/295)


والأخبار التي نذكرها بعد ذلك شديدة الخلاف لبعض ما تقدم وكذلك قال أبو جعفر الطبري إن اهل السير اختلفوا في أمرها قال فأما المدائني فإنه قال لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان دعا بخاصته وبالموبذ فقال إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه فما ترون فقال الموبذ نرى ان نخرج فننزل اصطخر فإنها بيت المملكة وتضم إليك خزائنك وتوجه الجنود فأخذ برأيه وسار إلى أصبهان ودعا سياه فوجهه في ثلاثمائة فيهم سبعون من عظمائهم وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب فمضى سياه واتبعه يزدجرد حتى نزلوا اصطخر وأبو موسى محاصر السوس فوجه سياه إلى السوس والهرمزان إلى تستر فنزل سياه منزلا تحول عنه حين سار أبو موسى إلى تستر فنزل سياه بينها وبين رامهرمز ودعا الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان وقد عظم أمر المسلمين عنده فقال قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات اصطخر ومصانع الملوك ويشدون خيولهم بشجرها وقد غلبوا على ما رأيتم وليس يلقون جندا إلا فلوه ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه فانظروا لأنفسكم قالوا رأينا رأيك قال فليكفني كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه فإني أرى أن ندخل في دينهم فوجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى فقدم عليه فقال إنا قد رغبنا في دينكم فنسلم على أن نقاتل العجم
معكم وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم وننزل حيث شئنا ونكون فيمن شئنا منكم وتلحقونا بأشرف العطاء ويعقد لنا بذلك الأمير الذي هو فوقك فقال أبو موسى بل لكم ما لنا وعليكم ما علينا فقال لا نرضى

(4/296)


وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأمرهم فأجابه أعطهم ما سألوك فكتب لهم أبو موسى فأسلموا وشهدوا معه حصار تستر فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية فقال لسياه يا أعور ما أنت وأصحابك كما كنا نرى قال لسنا مثلكم في هذا الدين ولا بصائرنا كبصائركم وليس لنا فيكم حرم نحامي عنهم ولم تلحقونا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك فكتب إليه أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شيء أخذه أحد من العرب ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين ولستة منهم في ألفين وخمسمائة لسياه وخسرو وابنه مقلاص وشهريار وشهرويه وأفريذون وإياهم عنى الشاعر بقوله
ولما رأى الفاروق حسن بلائهم
وكان بما يأتي من الأمر أبصرا
فسن لهم ألفين فرضا وقد رأى
ثلاثمئين فرض عك وحميرا
الطويل قال فحاصروا حصنا بفارس فمشى سياه في آخر الليل في زي العجم حتى رمى بنفسه إلى جانب الحصن ونضح ثيابه بالدم وأصبح أهل الحصن فرأوا رجلا في زيهم صريعا فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به ففتحوا باب الحصن ليدخلوه وثار فقاتلهم حتى دخلوا عن باب الحصن وهربوا ففتح الحصن وحده ودخله المسلمون وقوم يقولون فعل هذا الفعل سياه بتستر وحاصروا
حصنا آخر فمشى خسروا إلى الحصن فأشرف عليه رجل منهم فكلمه فرماه خسرو بنشابة فقتله

(4/297)


أما سيف فإنه ذكر بإسناد له قال لما نزل أبو سبرة في الناس على السوس وأحاط المسلمون بها وعليهم شهريار أخو الهرمزان ناوشهم مرات كل ذلك يصيب أهل السوس من المسلمين فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالا يا معشر العرب إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا أنه لايفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها وإن لم يكن معكم فلا تعنوا بحصارنا وجاء صرف أبي موسى إلى البصرة وعمل مكانه على جندها الذين بالسوس المقترب والنعمان على أهل الكوفة فحاصر السوس مع أبي سبرة فجاء كتاب عمر بصرف النعمان إلى أهل نهاوند لاجتماع الأعاجم بها فتهيأ للمسير ثم استقبل في تعبئته فناوش أهل السوس قبل مضيه فعاد الرهبان والقسيسون وأشرفوا على المسلمين وغاظوهم وصاف ابن صياد يومئذ مع النعمان في خيله فأتى باب السوس غضبان فدقه برجله وقال انفتح فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون فألقى المشركون بأيديهم ونادوا الصلح الصلح فأجابهم المسلمون إلى ذلك بعدما دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ثم افترقوا
فتح جندي سابور

(4/298)


قالوا ولما فرغ أبو سبرة من السوس خرج في جنده حتى ينزل على جندي سابور وزر بن عبد الله محاصرهم فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال فلم يفجأ المسلمين يوما إلا وأبوابها تفتح ثم خرج السرح وخرجت الأسواق وانبث أهلها فأرسل إليهم المسلمون أن مالكم قالوا رميتم لنا بالأمان فقبلناه وأقررنا لكم الجزاء على أن تمنعونا فقال المسلمون ما فعلنا فقال أهل جندي سابور ما كذبنا فسأل المسلمون فيما بينهم فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم أمانا فرمى به إليهم من عسكر المسلمين فقالوا إنما هو عبد فقال المشركون إنا لا نعرف حركم من عبدكم وقد جاءنا أمان فنحن عليه قد قبلناه ولم نبدل فإن شئتم فاغدروا فأمسكوا عنهم وكتبوا بذلك إلى عمر فأجابهم إن الله عظيم الوفاء فلا تكونون أوفياء حتى توفوا ما دمتم في شك أجيزوهم وفوا لهم ففعلوا وانصرفوا عنهم
وقال عاصم بن عمرو في ذلك
لعمري لقد كانت قرابة مكنف
قرابة صدق ليس فيها تقاطع
أجارهم من بعد ذل وقلة
وخوف شديد والبلاء بلاقع
فجاز جواز العبد بعد اختلافنا
ورد أمورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالي المصيب حكومة
فقال بحق ليس فيه تخادع
فلله جندي ساهبور لقد نجت
غداة منتها بالبلاء اللوامع
الطويل
حديث وقعة نهاوند
والاختلاف فيها بين أهل الأخبار كثير ولكن الذي ذكره أبو الحسن المدائني من حديثها أحسن ما وقفت عليه من الأحاديث منساقا وأطوله اقتصاصا فلذلك آثرت الإبتداء به وربما أدرجت في تضاعيفه من حديث غيره ما يحسن إدراجه فيه ثم أذكر بعد انقضائه ما اختار ذكره من الأخبار التي أوردها سواه عن هذه الوقعة إن شاء الله

(4/299)


ذكر المدائني عن رجال من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الهرمزان فقال له أما إذ فتني بنفسك فأشر علي أبفارس أبدا أم بالجبال أذربيجان وأصبهان قال فارس الرأس والجبال جناحان فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس قال عمر بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح ولا رجل فكتب عمر إلى عثمان بن أبي العاص وهو بتوج أن سر إلى اصطخر وقدم عليه أبو موسى فأمره ان يرجع إلى البصرة ويسير إلى ابن كسرى مع عثمان بن أبي العاص وقال كل واحد منكم أمير على جنده فقدم أبو موسى البصرة فسار إلى يزدجرد باصطخر وسار

(4/300)


إليه عثمان من توج فلما ألحوا على يزدجرد كتب إلى أهل الري وأهل الجبال أصبهان وهمدان وقومس أن العرب قد ألحوا علي فاشغلوهم عني وردوهم إلى بلادهم فكتب بعضهم إلى بعض أن صاحب العرب الذي جاء بدينهم وأظهر أمرهم هلك وملك بعده رجل لم يلبث إلا قليلا حتى هلك وإن صاحبهم هذا عمر وطال سلطانه وأغزى جنوده بلادكم فليس بمنته حتى تخرجوه من بلادكم وتغزوه في بلاده فأجمعوا على ذلك وتمالوا عليه وتعاقدوا وأنفذوا أن يجتمعوا بنهاوند وبلغ ذلك أهل الكوفة فكتبوا به إلى عمر فخرج يمشي حتى قام على المنبر فقال أين المسلمون أين المهاجرون والأنصار فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال إن عظماء أهل الري وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها وقد تعاهدوا ان يخرجوا إخوانكم من بلادهم وأن يغزوكم في بلادكم فأشيروا علي وأوجزوا ولا تطنبوا فتفشع بكم الأمور فقام طلحة وكان من خطباء قريش وذوي رأيهم ومن عليه أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا أمير المؤمنين قد حنكتك الأمور وجربتك الدهور وعجمتك البلايا وأحكمتك التجارب فأنت ولي ما وليت لا ينبثر في يديك ولا يحل عليك فمرنا نطع واحملنا نركب وقدنا ننقد فإنك مبارك الأمر ميمون النقيبة وقد أخبرت وخبرت وجربت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار
قال تكلموا فقال عثمان اكتب إلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم وإلى أهل اليمن فليسيروا من يمنهم وسر بنفسك في أهل الحرمين إلى أهل المصرين فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين فيتعال في عينك ما قد كثر عندك وتكون أعز منهم إنك لن تستبقي من نفسك باقية بعد العرب ولن تمتنع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز وهذا يوم له ما بعده فاحضرهم برأيك واشهدهم بمقدرتك
قال تكلموا فقال علي بن أبي طالب يا أمير المؤمنين إن كتبت إلى أهل

(4/301)


الشام فساروا من شامهم أغارت الروم على بلادهم وإن سار أهل اليمن من يمنهم خلفتهم الحبش في عيالاتهم وإن سرت باهل الحرمين انتقضت الأرض عليك من أقطارها حتى يكون ما تخلفه من العورات في العيالات أهم إليك مما بين يديك وأما ما ذكرت من مسيرهم فالله لمسيرهم أكره وهو أقدر على تغيير ما كره وأما كثرتهم فإنا لم نلق عدونا بالكثرة ولكنا كنا نلقاهم بالصبر إنك إن نظر إليك الأعاجم قالوا هذا أمير العرب فكان أشد لحربهم وكلبهم ولكن اكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا على ثلاث فرق فلتقم فرقة في ديارهم وفرقة في أهل عهدهم وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة
قال هذا رأي وقد كنت أحب أن أتابع عليه لعمري لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إلي الأعاجم لتنقضن الأرض وليمدنهم من لم يمدهم وليقولن أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب فأشيروا علي برجل أوليه واجعلوه عراقيا قالوا أنت أفضل رأيا وأعلم بأهل العراق وهم عمالك وقد وفدوا عليك وعرفتهم قال لأولينها رجلا يكون لأول أسنة يلقاها النعمان بن مقرن وكان النعمان بكسكر قد كتب إلى عمر يا أمير المؤمنين إنما مثلي ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون له كل يوم وتعطر وإني أذكرك الله إلا بعثتني في جيش إلى ثغر غازيا ولا تبعثني جابيا فندب عمر أهل المدينة فانتدب منهم جمع فوجههم إلى الكوفة وكتب إلى عمار بن ياسر أن يستنفر ثلث أهل الكوفة وأن يسيروا إلى العجم بنهاوند فقد وليت عليهم النعمان بن مقرن المزني وكتب إلى أهل الكوفة بذلك وكتب إلى أبي موسى أن يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند وكتب إلى النعمان إني وجهت جيشا من أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة إلى نهاوند فأنت على الناس ومعك في الجيش طليحة ابن خويلد وعمرو بن معدي كرب فأحضرهما الناس وشاورهما في الحرب فإن حدث بك حدث فأمير الناس حذيفة فإن قتل فجرير بن عبد الله فإن قتل فالمغيرة ابن شعبة فإن قتل فالأشعث بن قيس وذكر الأشعث في هذا غريب فإن

(4/302)


المعروف من عمر رضي الله عنه أنه لم يستعمل أحدا ممن ارتد ولكن هذا وقع في هذا الحديث والله أعلم

(4/303)


وبعث عمر بالكتاب مع السائب بن الأقرع بن عوف وقال له وإن سلم الله ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم فلا ترفعن إلا باطلا ولا تمنعن أحدا حقه وإن هلك ذلك الجند فاذهب فلا أرينك أبدا فقدم السائب الكوفة فيمن نفر من أهل المدينة وبعث بكتاب أهل البصرة مع عمرو بن معدي كرب فاستنفرهم أبو موسى فنفر ثلثهم وخرجوا إلى الكوفة عليهم مجاشع بن مسعود وعلى أهل الكوفة حذيفة بن اليمان ثم ساروا جميعا مع من قدم من أهل المدينة إلى نهاوند وسار النعمان بن مقرن فتوافوا بنهاوند والأعاجم بها ستون ألفا عليهم ذو الفروة وهو ذو الحاجب وهم بمكان يقال له الاسفيذهان بقرية يقال لها فيديسجان دون مدينة نهاوند بفرسخين وقد خندق الأعاجم وهالوا في الخندق ترابا قد نخلوه فبعث النعمان طليحة بن خويلد وبكير بن الشداخ فارس أطلال ليعلما علم القوم فأما بكير فانصرف فقيل له ما درك قال أرض العجم ولم يكن لي بها علم فخفت أن يأخذ على مضيق أو بعض جبالها ومضى طليحة فأبطأ حتى ساء ظن الناس به فعلم علمهم ثم رجع فلم يمر بجماعة إلا كبروا فأنكر ذلك منهم وقال ما لكم تكبرون إذا رأيتموني قالوا ظننا أنك فعلت كفعلتك قال لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وأقام النعمان أياما حتى استجم الناس أنفسهم وظهرهم فلما كان يوم الأربعاء من بعض تلك الأيام دنا من عسكر المشركين وقال إن أمير المؤمنين كتب إلي أن لا أقاتلهم حتى أدعوهم فمن رجل يأتيهم بكتابه ومعه في عسكره ممن قدم من المدينة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرأو الزبير وابنه عبد الله فتواكل الناس فقام المغيرة بن شعبة يتذيل في مشيته وكان آدم طويلا ذا ضفيرتين أعور فأخذ الكتاب فأتاهم فقال القوا إلي شيئا فألقوا له ترسا فجلس عليه فقال الترجمان ما أقدمكم فذكر ماكانوا فيه من ضيق المعيشة وقال كنا

(4/304)


أهل جهد وجفاء بين شوك وحجر ومدر وحية وعقرب يغير بعضنا على بعض فأتينا بلادكم فأصبنا مطعما طيبا وشرابا عذبا ولبوسا لينا وطلا باردا فلسنا براجعين إلى ما كنا فيه حتى نصيب حاجتنا أو نموت فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا صدق فقالوا إنكم معشر العرب أرجاس أنجاس وإنما غركم مناخر نبد جوى الأهواز وعوران المدائن الذين لقوكم وإنه ليس ممن ترى إلا فارسي محض اسوار ولولا فساد الأرض لقتلناكم فما حاجتكم التي تريدون أن تصيبوها فقرأ عليهم المغيرة كتاب عمر إنا ندعوكم إلى ما دعاكم الله إليه ورسوله أن تدخلوا في السلم كافة فإن فعلتم فأنتم إخواننا لكم مالنا وعليكم ما علينا فإن أبيتم الإسلام فالجزية فإن أبيتم الجزية استنصرنا الله عليكم
قالوا الآن حين نقرنكم في الجبال فرجع المغيرة فقال للنعمان حبست الناس حتى طمحت أبصارهم أما والله إن لو كنت صاحبها قال ربما كنت فلم يخزك الله ولم تخب ونهض المسلمون للحرب فأقبل ذو الحاجب على برذون أمام العجم فقالوا انزلوا بالطائر الصالح الذي نصرتم به على الأمم وتهزمون به العرب فبرز له رجل من المسلمين فقتله ذو الحاجب وتهايجوا واقتتلوا حتى كثرت بينهم القتلى والجرحى ثم تحاجزوا وغدا المشركون غداة الخميس من غد يجرون الحديد ويسحبون الدروع وغدا المسلمون على راياتهم فتقدم رجل من العجم قد أعلم بعصابة فيها جواهر أمام أصحابه فحمل عليه أوفى بن سبرة القشيري فقتله وسلبه فنقلة النعمان وسلبه وحمل المشركون فتلقاهم المسلمون فاقتتلوا حتى صبغت الدماء ثنن الخيل وتحاجزوا عند المساء فبات المسلمون يوقدون النيران ويعصبون بالخرق لهم أنين من الجراح ودوي بالقرآن كدوي النحل وبات المشركون في المعازف والخمور وبهم من الجراح مثل ما

(4/305)


بالمسلمين وأصبحوا يوم الجمعة فأقبل النعمان معلما ببياض على برذون قصير عليه قباء أبيض مصقول وقلنسوة بيضاء فوقف على الرايات فحضهم وقال يا معشر المسلمين إن هؤلاء قد أخطروا لكم دنيا وأخطرتم لهم أخطارا اخطورا لكم دنيا وأخطرتم لهم الإسلام فالله الله في الإسلام أن تخذلوه فإنكم أصبحتم بابا بين المسلمين والمشركين فإن كسر الباب دخل على الإسلام ليشغل كل امرى ء منكم قربه ولا يخلفه على صاحبه فإنه لوم وخذلان ووهن وفشل إني هاز الراية فإذا هززتها فليأخذ الرجال همايينها في احقيتها وشسوعها في نعالها وليتعهد أصحاب الخيل أعنتها وحزمها فإذا هززتها الثانية فليعرف كل امرى ء منكم مصوب رمحه وموضع سلاحه ووجه مقاتله فإذا هززتها الثالثة وكبرت فكبروا واستنصروا الله واذكروه فإذا حملت فاحملوا فقال رجل من أهل العراق قد سمعنا مقالتك أيها الأمير فنحن واقفون عند قولك منتهون إلى رأيك فأي النهار أحب إليك أوله ام آخره قال آخره حين تهب الرياح وتحل الصلاة وينزل النصر لمواقيت الصلاة فأمهل الناس حتى إذا زالت الشمس هز الراية فقضى الناس حوائجهم وشدت الرجال مناطقها ونزع أصحاب الخيل المخالي عن خيلهم وقرطوها وأعنتها وشدوا حزمها وتأهبوا للحرب ثم امهل حتى إذا كان في آخر الوقت هزها فصلى الناس ركعتين وجال أصحاب الخيل في متونها وصوبوا رماحهم فوضعوها بين آذان خيولهم وأقبلت الأعاجم على براذينهم عليهم الرايات المدبجة والمناطق المذهبة ووقف ذو الحاجب على بغلة فلقد رأى الأعاجم وهم في عدتهم وإن لإقدامهم في ركبهم لزلزلة وإن الأسوار ليأخذ النشابة فما يسدد الفوق للوتر وما يتمالك أن يضعها على قوسه فقال النعمان يا معشر المسلمين إني هاز الراية وحامل فاحملوا ولا يلوي احد على أحد وإن قيل قتل النعمان فلا يلوين علي أحد وأنا داع بدعوة فعزمت على كل رجل منكم إلا أمن ثم قال اللهم اعط النعمان اليوم الشهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم ثم نثل درعه

(4/306)


وهز الراية وكبر فكبر الأدنى فالأدني ممن حوله حتى غشيهم التكبير من السماء وصوب رايته كأنها جناح

(4/307)


طائر وحمل وحمل الناس فكان أول صريع رحمه الله ومر به معقل بن يسار فذكر عزمته ألا يلوي أحد علي فجعل علما عنده ومر أخوه سويد بن مقرن أو نعيم فألقى عليه ثوبا لكي لا يعرف ونصب الراية تقطر دما قد قتل بها قبل ان يصرع وسقط ذو الحاجب عن بغلته فانشق بطنه وانهزم المشركون فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا فقال بعض من حضر ذلك اليوم إني لفي الثقل فثارت بيننا وبين القوم عجاجة قسطلانية فجعلت أسمع وقع السيوف على الهام ثم كشفت فإذا المسلمون يتبعونهم كالذباب يتبع الغنم فأتبعتهم طائفة من المسلمين حتى دخلوا مدينتهم ثم رجعوا وحوى المسلمون عسكرهم ورجع معقل بن يسار إلى النعمان بعد انهزام المشركين ومعه أداوة فيها ماء فغسل التراب عن وجهه فقال من أنت قال معقل بن يسار قال ما فعل الناس قال فتح الله عليهم قال الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر وفاضت نفسه فاجتمع الناس وفيهم ابن الزبير وابن عمر فأرسلوا إلى أم ولده فقالوا أعهد إليك عهدا فقالت هاهنا سفط فيه كتاب فأخذوه فإذا كتاب عمر إلى النعمان إن حدث بك حدث فالأمير حذيفة فإن قتل ففلان فإن قتل ففلان فتولى أمر الناس حذيفة فأمر بالغنائم فجمعت ثم سار إلى مدينة نهاوند وقد حملت الغنائم إلى عسكرهم وحصر أهل المدينة وقاتلوهم فبيناهم يطاردونهم إذ لحق سماك بن عبيد عظيما من عظمائهم يقال له دينار فسأله الأمان فأمنه وأدخله على حذيفة فصالحه عن البلد على ثمانمائة ألف وشيء من العسل والسمن وقال إن لكم لوفاء بالعهد وأخاف عليكم خمسة أشياء الخب والبخل والغدر والخيلاء والفجور وأخاف أن يأتيكم الخب من قبل النبط والخيلاء من قبل الروم والبخل من قبل فارس والفجور والغدر من قبل أهل الأهواز وأتى السائب ابن الأقرع دهقان وقد جمعت الغنائم فقال له أتؤمنني على دمي ودماء قرابتي وأدلك على كنز النخيرجان ثم تجلبوا عليه في الحرب فيقسم وتجري عليه السهام ولم يحرزوه بجزية أقاموا عليها وإنما هو دفين دفنوه

(4/308)


وفروا عنه فتأخذه لصاحبكم يعني عمر رضي الله عنه تخصه به قال أنت آمن إن كنت

(4/309)


صادقا قال فانهض معي فنهض معه فانتهى إلى قلعة فرفع صخرة ودخل غارا فاستخرج سفطين فإذا قلائد منظومة بالدرر والياقوت وقرطة وخواتم وتيجان مكللة بالجوهر فأمنه ثم أتى به حذيفة فأخبره فقال اكتمه فكتمه حتى قسم الغنائم بين الناس وعزل الخمس ثم خرج السائب مسرعا فقدم على عمر فقال له عمر ما وراءك فوالله ما نمت هذه اليلة إلا تغررا وما أتت علي ليلة بعد الليلة التي أصبح فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ميتا أعظم من هذه الليلة قال أبشر بفتح الله ونصره وحسن قضائه لك في جنودك ثم اقتص الخبر حتى انتهى إلى قتل النعمان فقال إنا لله يرحم الله النعمان ثم مه قال ثم والله ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه قال لا أم لك ولا أب قتل الضعفاء الذين لا يعرفهم عمر ابن أم عمر وأكب طويلا وبكى ثم قال أصيبوا بمضيعة قال لا ولكن أكرمهم الله بالشهادة وساقها إليهم فقال ويحك أغلبتم على أجساد إخوانكم أم دفنتموهم قال دفناهم قال فأعطيت الناس حقوقهم قال نعم قال فنهض عمر فأخذ السائب بثوبه وقال حاجة قال ما حاجتك إذ أعطيت الناس حقوقهم قال حاجة لك وإليك فجلس فجر السائب الغرارة فأخرج السفطين ففتحهما ونظر إلى ما فيهما كأنه النيران يشب بعضها بعضا فقال عمر ما هذا فأخبره فدعا عليا وعبد الله بن أرقم وغيرهما فختموا على السفطين وقال له اختم معك فختمه وقال لعبد الله بن أرقم ارفعه ورجع السائب فرأى عمر ليالي كالحيات يردن نهشه فسرح رجلا وكتب إلى السائب إن صادفك رسولي في الطريق فلا تصلن إلى أهلك حتى تأتيني وإن وصلت إلى أهلك فعزمة مني إليك إذا قرأت كتابي أن تشد على باب راحلتك وتقبل إلي وكتب إلى عمار لا تضعن كتابي حتى ترحل إلى السائب وأمر الرسول أن يعجله فقدم الرسول فقال له السائب أبلغه عني شيء أم به على سخطة قال ما رأيت ذلك ولا أعلمه بلغه عنك خير ولا شر وركب فقدم على عمر فقال له يا ابن أم مليكة يا ابن الحميرية ما لي ولك أم مالك ولي ثكلتك أمك مالذي جئتني به فلقد

(4/310)


بت مما جئتني به مروعا أظن
الحيات تنهشني أخبرني عن السفطين قال والله لئن أعدت عليك الحديث فزدت حرفا أو نقصت حرفا لأكذبن قال إنك لما انصرفت فأخذت مضجعي لمنامي أتتني الملائكة فأوقدوا علي سفطيك جمرا ودفعوهما في نحري وأنا أنكص وأعاهدهم أن أردهما فأقسمهما على من أفاءهما الله عليه فكاد ابن الخطاب يحترق ثم لم أزل مروعا أظن الحيات تنهشني فأردد هذين السفطين فبعهما بعطاء الذرية والمقاتلة أو بنصف ذلك وأقسم ثمنهما على من أفاءهما الله عليه
وقال بعضهم قال له بعهما واجعل ثمنهما في أعطية المسلمين بالبصرة والكوفة فإن خرج كفافا فذاك وإن فضل فاجعله في بيت مال المسلمين
فقدم السائب بهما فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء الذرية والمقاتلة وقال بعضهم اشتراهما بأعطية أهل المصرين فباع أحدهما من أهل الحيرة بما أخذهما به واستفضل الآخر وقال بعضهم استفضل مائة ألف دينار فكان أول مال أعتقده
قال وكان النخيرجان تحصن في قلعة من قلاع نهاوند ومعه مائة امراة من نساء الأساورة ومعه حلية كثيرة من كنز كسرى فصالحه حذيفة على ما كان معه وافتتح حذيفة رساتيق مما يلي أصبهان
وكان أهل نهاوند قد حفروا خندقا وهالوا فيه ترابا متحولا فلما انهزموا جعلوا يسقطون لك الخندق ويغرقون في ذلك التراب
وكان يقال لفتح نهاوند فتح الفتوح
وذكر المدائني أيضا عن موسى بن عبيدة عن أخيه قال قدمت البصرة فرأيت بها شيخا أصم فقلت ما أصابك قال أنا من أهل نهاوند فنزل المسلمون يعني عندما نزلوا عليها فكبروا تكبيرة ذهب سمعي منها

(4/311)


وذكر الطبري فيما ذكره من الأخبار المختلفة في هذه الوقعة عن سيف عن أبي بكر الهذلي نحوا من هذا الحديث وزاد فيه أشياء وخالفه في أماكن منه منها أن النعمان بن مقرن عندما أمره عمر رضي الله عنه على هذه الحرب في هذا الوجه كان يومئذ بالبصرة ومعه قواد من قواد أهل الكوفة قد أمد بهم عمر رحمه الله أهل البصرة عند انتقاض الهرمزان فافتتحوا رامهرمز وايذج واعانوهم على تستر وجندي سابور والسوس فكتب إليه عمر إني قد وليتك حربهم يعني الأعاجم الذين اجتمعوا بنهاوند فسر من وجهك هذا حتى تأتي ماه فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها فإذا اجتمع إليك جندك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم واستنصر الله وأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله وإن حدث بك حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن
وفي حديثه أنه لما استحث أهل الكوفة كان أسرعهم إلى ذلك الوجه الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظا وأن حذيفة بن اليمان خرج بأهل الكوفة أميرا عليهم بأمر عمر حتى ينتهي إلى النعمان وخرج معه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان بالطرز وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسيسر وكتب عمر رحمه الله إلى سلمى بن القين وحرملة بن مريطة ورز بن كليب والمقترب بن ربيعة والقواد الذين كانوا بين فارس والأهواز ان اشغلوا فارس عن إخوانكم وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز حتى يأتيكم أمري وبعث مجاشع بن مسعود إلى الأهواز وقال له أفصل منها على ماه ففعلوا ما أمرهم به وقطعوا بذلك على أهل نهاوند أمداد فارس
وفيه أن النعمان لما أتاه طليحة بخبر نهاوند وأعلمه انه ليس بينه وبينها

(4/312)


أحد ولا شيء يكرهه وقد توافى إليه أمداد المدينة نادى عند ذلك بالرحيل وبعث إلى مجاشع أن يسوق الناس وسار النعمان على تعبئته وعلى مقدمته أخوه نعيم وعلى مجنبتيه أخوه سويد وحذيفة بن اليمان وعلى المجردة القعقاع وعلى الساقة مجاشع فانتهوا إلى الأسبيذهان والفرس به وقوف على تعبئتهم أميرهم الفيرزان وقد توافى إليه بنهاوند كل من غاب عن القادسية والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلام من أعلامهم ليسوا بدون من شهد الأيام والقوادس فلما رآهم النعمان كبر ثلاثا وكبر الناس معه فزلزلت الأعاجم وأمر النعمان وهو واقف بحط الأثقال وبضرب الفسطاط فضرب وهو واقف بحط الأثقال وبضرب الفسطاط وهو واقف وابتدره أشراف أهل الكوفة وأعيانهم فسبق إليه عدة منهم سابقوا أكفاءهم فسبقوهم وهم أربعة عشر رجلا حذيفة بن اليمان وعقبة بن عمرو والمغيرة بن شعبة وبشير بن الخصاصية وحنظلة بن الربيع الكاتب وابن الهدير وربعي بن عامر وعامر بن مطر وجرير بن عبد الله الحميري وجرير البجلي والأشعث ابن قيس والأقرع بن عبد الله الحميري وسعيد بن قيس الهمداني ووائل بن حجر فلم ير بناة فسطاط بالعراق كهؤلاء وأنشب النعمان القتال فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم في ذلك سجال ثم انحجزوا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله والأعاجم بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم وأحبوا المناجزة فتجمع أهل الرأي من المسلمين وأتوا النعمان في ذلك فوافقوه تروي في الذي رووا فيه فقال على رسلكم لا تبرحوا ثم بعث إلى من بقي ممن لم يأته من أهل النجدات والرأي في الحرب فتوافوا إليه فتكلم النعمان فقال قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن وأنهم لا يخرجون إلا إذا شاءوا ولا يقدر المسلمون على

(4/313)


إنغاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم وهم يرون ما المسلمون فيه من التضايق فما الرأي الذي به نحمشهم ونستخرجهم إلى المناجزة
فقال بعض المسلمين التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم
فردوا جميعا عليه رأيه وقالوا إنا لعلى يقين من إنجاز ربنا موعده فما لنا وللمطاولة حتى لا نجد منها بدا
وتكلم عمرو بن معدي كرب يومئذ فلم يوافقهم قوله الذي قال وردوه عليه
وقال طليحة أما انا فأرى أن نبعث خيلا مؤدية فيحدقوا بهم ثم يراموهم ليحمشوهم وينشبوا القتال فإذا استحمشوا واختلطوا بهم أرزت إلينا خيلنا تلك استطرادا فإنا لم نستطردلهم في طول ما قاتلناهم وإنا إذا فعلنا ورأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكوا فيها فخرجوا فجادونا وجاددناهم حتى يقضي الله فينا وفيهم ما أحب
فأمر النعمان القعقاع صاحب المجردة بذلك ففعل وأنشب القتال فأنغضهم فلما خرجوا نكص ثم نكص ثم نكص فاغتنمتها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وخرجوا فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب وجعلوا يركبون القعقاع حتى أرزا إلى الناس وانقطع القوم من حصنهم بعض الانقطاع والنعمان والمسلمون على تعبئتهم في يوم الجمعة وفي صدر النهار وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم ان يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي وأقبل المشركون عليهم يثفنونهم حتى

(4/314)


أفشوا فيهم الجراحات وشكا الناس ذلك بعضهم إلى بعض ثم قالوا للنعمان ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما لقي الناس فما تنتظر بهم أئذن للناس في قتالهم فقال النعمان رويدا رويدا تروا أمركم فقال المغيرة لو أن هذا الأمر إلي علمت ما أصنع فقال النعمان رويدا ترى أمرك فقد كنت تلي الأمر فتحسن ولا يخذلنا الله وإياك ونحن نرجوا من المكث مثل الذي ترجوا في الحث وجعل النعمان ينتظر بالكتائب أحب الساعات كانت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في القتال أن يلقى فيها العدو وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الأرواح فلما كان قريبا من تلك الساعة تحشحش النعمان وسار في الناس على برذون أحوى قريب من الأرض فجعل يقف على كل راية فيحمد الله عز وجل ويثني عليه ويقول قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور وقد أنجز لكم هوادي ما وعدكم وصدروه وإنما بقيت اعجازه وأكارعه والله منجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله واذكروا ما مضى إذ أنتم أذلة وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة فأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة والذي لهم في ظفركم وعزكم والذي عليهم في هزيمتكم وذلكم وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم وما أخطرتم وما أخطروا لكم فأما ما أخطروا لكم فهذه الزينة وما ترون من هذا السواد واما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم ولا سواء ما أخطرتم وأخطروا فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم وأتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء فإنكم بين خيرين تنتظرون إحدى الحسنيين من بين شهيد حي مرزوق أو فتح قريب وظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه ولم يكل قرنه إلى أخيه فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الأولى فليتهأ من لم يكن تهيأ فإذا كبرت الثانية فليجمع عليه رداءه

(4/315)


وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معا اللهم أعز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان اول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك
وفي رواية انه قال اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل يذل به الكفار ثم اقبضني بعد ذلك على الشهادة أمنوا يرحمكم الله فأمنا وبكينا
فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف رجع إلى موقفه فكبر الأولى والثانية والثالثة والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضة ينحى بعضهم بعضا عن سننه وحمل النعمان وحمل الناس وراية النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب فالتقوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعه يوم قط كانت أشد منها قتالا فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والاعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء منهم النعمان أميرهم زلق فرسه في الدماء فصرعه فأصيب عند ذلك رحمه الله وتناول الراية منه قبل أن تقع أخوه نعيم بن مقرن وسجى النعمان بثوب وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه وكان اللواء مع حذيفة وقال المغيرة اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس فاقتتلوا حتى إذا أظلم الليل عليهم انكشف المشركون وذهبوا والمسلمون مظلون بهم فعمى على المشركين قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب وهو الخندق الذي كانوا انزلوا دونه فوقعوا فيه فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل منهم في المعركة وهم أعداد الذين هووا ولم يفلت إلا الشريد ونجا الفيرزان من بين الصرعى في المعركة فهرب نحو همدان في ذلك الشريد فأتبعهم نعيم بن مقرن وقدم القعقاع فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان والثنية مشحونة من بغال وحمير موقورة عسلا فحبسه

(4/316)


على أجله فقتله على الثنية بعدما امتنع لم يزل يتوقل في الجبل لما غشيه إذ لم يجد مساغا وتوقل القعقاع في أثره حتى أخذه واستاق العسل وما خالطه من سائر الأحمال فأقبل به وسميت تلك الثنية بذلك ثنية العسل وقال القعقاع في ذلك
قولا لأصرام بأكناف الجبل
بأن لله جنودا من عسل
تقتل أحيانا بأسياف الأجل
الرجز
ومضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همدان فدخلوها والخيل في آثارهم فنزلوا عليها وحووا ما حولها فلما رأى ذلك خسروشنوم استامنهم على ان يضمن لهم همدان ودستبي وأن لايؤتي المسلمون منهم فقبل المسلمون ذلك وأجابوا إليه وآمنوهم فأقبل كل من كان هرب ولما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همدان قد أخذت ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا فأجمعوا على إتيانه فخدعهم دينار وكان ملكا إلا انه كان دون أولئك الملوك وأتى إلى المسلمين في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم واحتمل لهم ما أرادوا فعاقدوه عليهم ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره فقيل لأجل ذلك ماه دينار فنسبت إليه وذهب حذيفة بها وكان النعمان بن مقرن قد عاهد بهراذان على مثل ذلك فقيل ماه بهراذان فنسبت إليه لأجل ذلك ووكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فحاصرها فافتتحها فنسبت إلى النسير
وفي غير هذا الحديث أن أهل نهاوند خرجوا ذات يوم على المسلمين فلم

(4/317)


يلبثهم المسلمون أن هزموهم وتبع سماك بن عبيد العنسي رجلا منهم معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم فلم يبرز له أحد منهم إلا قتله حتى أتى عليهم ثم حمل الفارسي الذي كانوا معه فأسره سماك وأخذ سلاحه ووكل به رجلا فقال اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض وأؤدي إليه الجزية واسألني أنت عن أسارك ما شئت وقد مننت علي إذ لم تقتلني وإنما انا عبدك الآن وإن أدخلتني على الملك فأصلحت ما بيني وبينه وجدت لي شكرا وكنت لي أخا فخلى سبيله وآمنه وقال من أنت قال أنا دينار والبيت يومئذ في آل قارن فأتى به حذيفة فحدثه دينار عن نجدة سماك وما قتل وصالحه على الخراج فنسبت إليه ماه فكان بعد يواصل سماكا ويهدي له ويوافي الكوفة فقدمها في إمارة معاوية مرة فقال للناس يا معشر أهل الكوفة إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع بخل وخب وغدر وضيق ولم تكن فيكم واحدة منهن فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتى ذلك وإذا الخب من قبل النبط والبخل من قبل فارس والغدر من قبل خراسان والضيق من قبل الأهواز

(4/318)


وقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة وغيره ولأهل المسالح جميعا من فيء نهاوند مثل الذي قسم لأهل المعركة لأنهم كانوا ردءا للمسلمين وكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين ونفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء ودفع ما بقي منها إلى السائب فخرج بها إلى عمر وتململ عمر رضي الله عنه تلك الليلة التي كان قدر لملاقاتهم وجعل يخرج ويلتمس الخبر فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا لحق به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة فقال له الرجل يا عبد الله من أين أقبلت فقال من نهاوند فقال الخبر قال فتح الله على النعمان واستشهد واقتسم المسلمون فيء نهاوند فأصاب الفارس منه ستة آلاف وطواه الراكب حتى انغمس في المدينة فلما أصبح الرجل تحدث بحديثه
ونمى الخبر حتى بلغ عمر رحمه الله وهو فيما هو فيه فأرسل إليه فسأله فأخبره فقال صدق وصدقت هذا غيثم بريد الجن وقد رأى بريد الإنس فقدم بعد ذلك عليه بالفتح طريف بن سهم أخو ربيعة بن مالك وقدم السائب على أثره بالأخماس
وذكر من حديث السفطين قريبا مما تقدم في الحديث الآخر إلا انه ذكر فيه أنه صرف معه السفطين من فوره وقال له النجاء النجاء عودك على بدئك حتى تأتي حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه وانه أصاب الفارس منها لما باعهما حذيفة وقسم ثمنهما أربعة آلاف

(4/319)


وفي بعض ما ذكره الطبري عن سيف عن شيوخه أن انبعاث الأعاجم للاجتماع بنهاوند كان بدؤه في زمان سعد بن أبي وقاص بالكوفة وإليه بلغ الخبر فأعلم به عمر ثم انبري لسعد قوم تشكوا منه ظالمين له إلى عمر أحدهم الجراح بن سنان الأسدي فاستقدمه عمر مع محمد بن مسلمة بعد ان وجه محمدا لسؤال أهل الكوفة عنه والطواف به على مساجدها فكلهم يقول إذا سئل لا نعلم إلا خيرا ولا نشتهي به بدلا إلا الجراح وأصحابه فإنهم كانوا يسكتون يتعمدون ترك الثناء ولا يسوغ لهم قول الشر حتى انتهوا إلى بني عبس فقال محمد أنشد الله رجلا علم حقا إلا قاله فقال أسامة بن قتادة اللهم إذ نشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في الرعية ولا يغزو في السرية فقال سعد اللهم إن كان قالها كاذبا رياء وسمعة فأعم بصره وأكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن فعمي واجتمع عنده عشر بنات وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها فإذا غير عليه يقول دعوة سعد الرجل المبارك ثم أقبل سعد يدعو على أولئك النفر الذين انبروا له وخرجوا إلى عمر متشكين به فقال اللهم إن كانوا خرجوا اشرا وبطرا وكذبا فأجهد بلاءهم ففعل الله ذلك
بهم فقطع جراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن علي ليغتاله بساباط وشدخ قبيصه بالحجارة وقتل أربد بالوجء وبنعال السيوف وقال سعد والله إني لأول رجل هراق دما في المشركين ولقد جمع لي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبويه وما جمعهما لأحد قبلي ولقد رأيتني خمس الإسلام وبنو أسد تزعم أني لاأحسن أصلي وأن الصيد يلهيني وخرج محمد بن مسلمة به وبهم حتى قدموا على عمر فقال يا سعد ويحك كيف تصلي فقال أطيل الأوليين وأحذف الأخريين فقال هكذا الظن بك ثم قال لولا الاحتياط لكان سبيلهم بيننا ثم قال من خليفتك يا سعد على الكوفة فقال عبد الله بن عبد الله بن عتبان فأقره عمر واستعمله
قال فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد وأما الوقعة ففي زمان عبد الله

(4/320)


وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد فتوافوا إلى نهاوند مائة وخمسين ألف مقاتل واجتمعوا على الفيرزان وإليه كانوا توافوا ثم قالوا إن محمدا الذي جاء العرب بالدين لم يغرض غرضا يريدون النبي ص قالوا ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض غرض فارس إلا في غارة تعرض لهم فيها وإلا فيما يلي بلادهم من السواد ثم ملك عمر فطال ملكه وغرض حتى تناولكم وانتقضكم السواد والأهواز وأوطأها ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس في عقر دارهم وهو آتيكم إن لم تأتوه وقد أخذ بيت مملكتكم فاقتحم بلاد ملككم وليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده وتقلعوا هذين المصرين ثم تشغلوه في بلاده وقراره فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا وكتبوا بينهم به كتابا
وبلغ الخبر سعدا فكتب به إلى عمر ثم لقيه بالخبر مشافهة لما شخص إليه
وقال إن اهل الكوفة يستأذنونك في الإنسياح إليهم ومبادرتهم الشدة وكان عمر منعهم من الإنسياح في الجبل ثم كتب إليه عبد الله بن عبد الله بمن اجتمع منهم وقال إن جاؤنا قبل أن نبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة وإن نحن عاجلناهم كان لنا ذلك عليهم وبعث بكتابه مع قريب بن ظفر العبدي

(4/321)


فلما قرأعمر الكتاب قال للرسول ما إسمك قال قريب قال ابن من قال ابن ظفر فتفاءل إلى ذلك وقال ظفر قريب إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ونودي في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس وحينئذ وافاه سعد فتفاءل أيضا إلى سعد بن مالك وقام عمر على المنبر خطيبا فأخبر الناس الخبر واستشارهم وقال هذا يوم له ما بعده من الأيام ألا وإني قد هممت بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أجيبوني وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ولا تكثروا ولا تطيلوا فتفشع بكم الأمور ويلتوي عليكم الرأي أفمن الرأي أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا واسطا بين المصرين فأستنفرهم ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب فقام عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا لا نرى ذلك ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأمرك وبإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم وقتل ملوكهم وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذا وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك فأذن لهم واندب إليهم وادع لهم فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأي وفهموا ما كتب به إليك وإن هذا الأمر لم يبن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا لقلة هو دينه الذي أظهر وجنده الذي أعز وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ ونحن على موعود من الله سبحانه والله منجز وعده وناصر جنده ومكانك منهم مكان النظام
من الخرز يجمعه ويمسكه فإن إنحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم تجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم ومن لم يحفل بمن هو أجمع من هؤلاء وأحد وأجد فليأتهم الثلثان وليقم الثلث واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم
فسر عمر رحمه الله بحسن رأيهم وأعجبه ذلك منهم وقام سعد فقال خفض عليك يا أمير المؤمنين فإنهم إنما جمعوا لنقمة نازلة بهم

(4/322)


وبالوقوف على ما أثبتناه من الأخبار عن هذه الوقعة يعرف ما اتفقت عليه وما اختلفت فيه وقد حذفنا منها ما قدرنا الاستغناء عن إيراده مما لعل في بعضه زيادة في الخلاف
وذكر المدائني أن وقعة نهاوند كانت في سنة إحدى وعشرين وذكر الطبري أنها كانت في أول سنة تسع عشرة لست سنين من إمارة عمر رضي الله عنه
وذكر أيضا عن سيف عن شيوخه ما كتب به النعمان بن مقرن من الأمان لأهل ماه بهراذان وحذيفة لأهل ماه دينار وكلا الكتابين موافق للآخر لفظا ومعنى وكتاب النعمان
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى نعمان بن مقرن أهل ماه بهراذان أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم لا يغيرون على ملتهم ولا يحال بينهم وبين شرائعهم ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى من وليهم على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته وما أرشدوا ابن السبيل
وأصلحوا الطرق وقروا جنود المسلمين ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة ووفوا ونصحوا فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة شهد عبد الله بن ذي السهمين والقعقاع بن عمرو وجرير بن عبد الله وكتب في المحرم سنة تسع عشرة قالوا وألحق عمر رضي الله عنه من شهد نهاوند من الروادف فأبلى بلاءا حسنا فاضلا في ألفين ألحقهم بأهل القادسية
وقال القعقاع بن عمرو في ذلك
جذعت على الماهات آناف فارس
لكل فتى من صلب فارس حادر
هتكت بيوت الفرس لما لقيتهم
وما كل من يلقى الحروب بثائر
حبست ركاب الفيرزان وجمعه
على قتر من حرها غير فاتر
هدمت به الماهات والدرب بغتة
إلى غاية أخرى الليالي الغوابر
الطويل
وقال أبو بجيد في ذلك
لو أن قومي في الحروب أذلة
لأخنث عليهم فارس في الملاحم
ولكن قومي أحرزتهم سيوفهم
فأبوا وقد عادوا حواة المكارم
أبينا فلم نعط الظلامة فارسا
ولكن قبلنا عفو سلم المسالم
ونحن حبسنا في نهاوند خيلنا
لشر ليال أنتجت للأعاجم
نتجن لهم فينا وعضل سخلها
غداة نهاوند لإحدى العظائم
ملأن شعابا في نهاوند منهم

(4/323)


رجالا وخيلا أضرمت في الضرائم
وأركضهن الفيرزان على الصفا
فلم ينجه منا إنفساح المخارم
الطويل
ذكر الإنسياح في بلاد فارس وعمل المسلمين به بإذن عمر رضي الله عنه فيه بعد منعه إياهم وما تبع ذلك من الفتوح في بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم
ولم يزل عمر رضي الله عنه ينهى المسلمين عن الإنسياح في بلاد فارس ويأمرهم بالإقتصار على ما في أيديهم والجد في القتال من قاتلهم نظرا للإسلام واحتياطا على أهله وإشفاقا ولا يزال أهل فارس يجهدون بعد كل نيل منهم وهزيمه تأتي على جموعهم في إنباعث جموع آخر رجاء الإستدراك لما قد أذن الله في إقامته والإبقاء من أمرهم لما سبقت المشيئة بزواله واستيلاء الإسلام عليه وعلى سواه تتميما لنوره وإنجازا لموعود رسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
وكان بعض أهل الذمة الذين قهرهم الإسلام على الصلح وأقرهم على الجزية ينتقضون عند تحرك اهل فارس فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفد أهل البصرة ع - ن ذلك وهل يفضي المسلمون إلى اهل الذمة بأذى أو بأمور لها ينتقضون فقالوا لا نعلم إلا وفاء وحسن ملكه قال كيف هذا فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به ما يقولون إلا ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال يا أمير المؤمنين أخبرك انك نهيتنا عن الإنسياح في البلاد وامرتنا بالإقتصار على ما كان في أيدينا وان ملك فارس حي بين أظهرهم وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا

(4/324)


بانبعاثهم وإن ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعن أمته فهناك ينقطع رجاء أهل فارس فقال صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه وأذن عمر عند ذلك في الإنسياح وانتهى إلى رأي الأحنف وعرف فضله وصدقه ورأى أن يزدجرد يبعث عليه في كل عام حربا إن لم يأذن للناس في الإنسياح في أرض العجم ورأى أن يزدجرد على ما كان في يدي كسرى فوجه عمر رضي الله عنه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة وأمر على كلا المصرين أمراء أمرهم بأمرهم وأذن لهم في الإنسياح فنساح وبعث بألويه من ولي مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الأشهل فقدم سهيل البصرة بالألوية فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس ولواء أردشير خرة وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ولواء اصطخر إلى عثمان بن أبي العاص ولواء فساودر ابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان مع سهيل بن عدي ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو ولواء مكران إلى الحكم بن عمرو التغلبي فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور وذلك في سنة سبع عشرة في بعض ما ذكره الطبري عن سيف عن شيوخه قالوا فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثماني عشر
وذكر الطبري أيضا عن سيف أن إذن في الإنسياح إنما كان فتح نهاوند وهذا لا يكون إلا في سنة تسع عشرة أو بعدها على ما ذكرنا من الإختلاف في فتح نهاوند
وذكر أيضا أنه قدمت الألوية من عند عمر رحمه الله إلى نفر بالكوفة فقدم لواء منها على نعيم بن مقرن وأمره بالمسير نحو همدان وكان أهلها كفروا بعد الصلح الذي تقدم ذكره بعد هزيمة فارس بنهاوند

(4/325)


وقال له إن فتح الله عليك فما وراءك لك في وجهك كذلك إلى خراسان وبعث عقبة بن فرقد وبكير بن عبد الله وعقد لهما على أذربيجان وفرقها بينهما وامر أحدهما ان يأخذ إليها من حلوان على ميمنتها والآخر أن يأخذ إليها من الموصل على ميسرتها فتيامن هذا عن صاحبه وتياسر هذا وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان بلواء وأمره أن يسير إلى أصبهان وكان شجاعا بطلا من أشراف الصحابه ومن وجوه الأنصار وأمده بأبي موسى من البصرة وأمر مكانه على البصرة عمر بن سراقة وكان عبد الله خليفة سعد على الكوفة عندما توجه إلى عمر فأقره عمر مستعملا عليها ثم صرفه عنها بزياد بن حنظلة وكتب إليه عندما أراد توجيهه إلى أصبهان أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن فاندبهم ولا تنتخبهم ثم اكتب إلي بذلك فلما أتى إلى عمر إنبعاث عبد الله بعث حينئذ زياد بن حنظلة على الكوفة فلما آتاه إنبعاث الجنود وإنسياحهم أمر عمار بن ياسر على الكوفة وقرأ قول الله تعالى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( 5 القصص )
ويروى ان زيادا ألح على عمر في الإستعفاء بعد ان عمل قليلا فأعفاه وولي عمارا وكان زياد من المهاجرين
ولما بعث عمر رضي الله عنه عمارا على الكوفة بعث عبد الله بن مسعود ليعلم الناس وكتب إلى أهل الكوفة إني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وجعلت عبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم}
وفي رواية ووليت حذيفة بن اليمان ما سقت دجلة وما وراءها ووليت عثمان ابن حنيف الفرات وما سقى

(4/326)


وسنذكر إن شاء الله الجهات والكور التي عقد عليها عمر رضي الله عنه الألوية لمن ذكر قبل من أمرائه جهة جهة وبلدا بلدا غير متقلدين في ذلك تاريخا ولا متبرئين فيه من عهده الخطأ في تقديم مؤخر أو تأخير مقدم لكثرة ما بين أهل الأخبار في ذلك من الإختلاف الذي لا يتحصل معه حقيقة سوى المقصود من صنع الله لأوليائه في إظهار كلمة الإسلام ونصره إياهم على كل من ناوأهم من الأمم تتميما لأمره وإنجازا لموعوده وتصديقا في كل زمان ومكان لقوله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ( 40 التوبة )
ذكر الخبر عن أصبهان
فأما أصبهان فإن عبدلله بن عبدلله بن عتبان خرج إليها بأمر عمر رضي الله عنه وعلى مقدمته عبد الله بن ورقاء الرياحي وعلى مجنبتيه عبد الله بن بديل بن ورقاء الأسدي وليس الخزاعي وعصمه بن عبد الله وسار عبد الله في الناس نحو جي وقد اجتمع له أهل أصبهان عليهم الأستندار وعلى مقدمته شهر براز جاذوية شيخ كبير في جمع عظيم فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق من رساتيق أصبهان فاقتتلوا قتالا شديدا ودعا الشيخ إلى البراز فبرز له عبد الله بن ورقاء فقتله وانهزم أهل أصبهان وسمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ فما زال ذلك اسمه بعد ودعى عبد الله من يليه فسارع الأستندار إلى الصلح فصالحه عبد الله ثم سار من رستاق الشيخ نحو جي فانتهى إليها وبها ويومئذ ملك أصبهان الفاذوسفان في جمعه فحاصرهم عبد الله وخرجوا إليه فلما التقوا قال له ملكهم لاتقتل أصحابي ولا أقتل أصحابك ولكن ابرز إلي فإن قتلتك رجع أصحابك وإن قتلتني سالمك أصحابي وأن كان أصحابي لا تقع لهم نشابه إلا في رجل فبرز له عبد الله وقال إما أن تحمل علي وإما أن أحمل عليك فقال أحمل عليك فوقف له عبد الله فحمل عليه الفاذوسفان فطعنه فأصاب قربوس السرج فكسره وقطع اللبد والحزام وزال اللبد والسرج فوقع عبد الله قائما ثم استوى على

(4/327)


الفرس عريا وقال له اثبت فحاجزه وقال ماأحب أن أقاتلك فإني قد رأيتك رجلا كاملا ولكن ارجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع إليك المدينه على أن من شاء أقام وأدى الجزية وقام على ماله وعلى أن تجري مجراهم من أخذتم ماله عنوة ويتراجعون ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ولكم أرضه
فقال له عبد الله لكم ذلك فرجع القوم إلى جي إلا ثلاثين رجلا من أصبهان خالفوا قومهم فخرجوا فلحقوا بكرمان ودخل عبد الله وأبو موسى جيا مدينة أصبهان وإنما وصل إليه أبو موسى من ناحية الأهواز بعد الصلح واغتبط من أقام وندم من شخص
وكتب عبد الله بالفتح إلى عمر فأمره أن يلحق بسهيل بن عدي فيجتمع معه على قتال من بكرمان وأن يستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع ففعل عبد الله ما أمره به وخرج في جريدة خيل فلحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان وسيأتي ذكر فتحها بعد أن شاء الله
والكتاب الذي كتبه عبد الله لأهل أصبهان
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وما حواليها إنكم آمنون ما أديتم الجزية وعليكم من الجزية على قدر طاقتكم كل سنة تؤدونها إلى الذي يلي بلادكم عن كل حالم ودلالة المسلم وإصلاح طريقة وقراه يوما وليلة وحملان الراجل إلى مرحلة ولا تسلطوا على مسلم وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم ولكم الأمان ما فعلتم فإذا غيرتم شيئا أو غيره مغير منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم ومن سب مسلما بلغ منه فإن ضربه قتلناه وكتب وشهد عبد الله بن قيس وعبد الله بن ورقاء وعصمة بن عبد الله
ذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم

(4/328)


وقد كان حذيفة اتبع فالة نهاوند نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو فبلغا همذان فصالحهم خسروشنوم على همذان ودستبي فرجعوا عنه ثم أن أهل همذان كفروا بعد ونقضوا ذلك الصلح فكتب عمر رحمه الله إلى نعيم ابن مقرن أن سر حتى تأتي همذان وابعث على مقدمتك سويد بن مقرن وعلى مجنبتيك ربعي بن عامر ومهلهل بن زيد هذا طائي وذاك تميمي فخرج نعيم في تعبئته فسار حتى نزل مدينة همذان وقد تحصنوا فحاصرهم وأخذ ما بينها وبين جرميذان واستولى على بلاد همذان كلها فلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصلح على أن يجريهم ومن استجاب له مجرى واحدا ففعل وقبل منهم الجزاء على المنعة وفرق دستبي بين النفر من أهل الكوفة وبين عصمة بن عبد الله الضبي ومهلهل بن زيد الطائي وسماك بن عبيد العبسي وسماك بن مخرمة الأسدي وسماك بن خرشة الأنصاري فكان هؤلاء أول من ولى مسالح دستبي وقاتل الديلم
فبينا نعيم في مدينة همذان قي توطئتها في اثني عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم وأهل الري وأهل أذربيجان ثم خرج موثا في الديلم حتى ينزل بواج الروذ وأقبل أبو الفرخان في أهل الري حتى انضم إليه وأقبل أخو رستم في أهل أذربيجان حتى انضم إليه وتحصن أمراء مسلح دستبي وبعثوا إلى نعيم بالخبر

(4/329)


فاستخلف يزيد بن قيس وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ فاقتتلوا بها قتالا شديدا وقتل القوم مقتلة عظيمة لم تكن دون وقعة نهاوند ولا قصرت ملحمتهم عن الملاحم الكبار وقد كانوا كتبوا إلى عمر رحمه الله باجتماعهم ففزع عمر واهتم لحربهم وتوقع ما يأتيه عنهم فلم يفجأه الا البريد بالبشارة فقال أبشير فقال بل عروة فلما ثنى عليه أبشير فهم عنه ما أراد فقال بشير فقال عمر رسول نعيم قال رسول نعيم قال الخبر قال البشرى بالفتح والنصر وأخبره الخبر فحمد الله وأمر بالكتاب فقرى ء على الناس فحمدالله تعالى ثم قدم عليه بالأخماس سماك بن مخرمة وسماك بن عبيد وسماك بن خرشة في نفر من أهل الكوفة فنسبهم فانتسبوا له فقال بارك الله فيكم اللهم أسمك بهم الإسلام وأيدهم بالإسلام ثم كتب إلى نعيم
أما بعد فاستخلف على همذان وآمد بكير بن عبد الله بن سماك بن خرشة وسر حتى تقدم الري فتلقى جمعهم ثم أقم بها فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد
فأقر نعيم يزيد بن قيس على همذان وسار بالناس من واج الروذ إلى الري
وقال نعيم يذكر قتالهم في واج الروذ من أبيات
صدمناهم في واج روذ بجمعنا
غداة رميناهم باحدى القواصم
فما صبروا في حومة الموت ساعة
لجد الرماح والسيوف الصوارم
أصبنا بها موثا ومن لف جمعه
وفيها نهاب قسمها غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم
نقتلهم قتل الكلاب الحوائم
كأنهم عند انثياب جموعهم
جدار تشظى لبنه للهوادم
الطويل
وقال سماك بن مخرمة الأسدي بعد تلك الأيام
برزت لأهل القادسية معلما
وما كل من يلقى الكريهة يعلم
وقومي بنو عمرو بن نصر كأنهم
أسود بتوج حين شبوا وأسلموا
ويوم بأكناف النخيلة قبلها
لججت فلم ابرح أدمى وأكلم
وأقعص منهم فارسا بعد فارس
وما كل من يغشى الكريهة يسلم
فنجاني الله الأجل وجرأتي
وسيف لأطراف المآرب مخذم
وحولي بنو ذودان لايبرمونني
إذاسرحت صاحوا بهم ثم صمموا
وأيقنت يوم الديلمين أنه

(4/330)


متى ينصرف قومي عن الناس يهزم
محافظة إني امرؤ ذو حفيظة
إذا لم أجد مستأخرا أتقدم
الطويل
فتح الري
وخرج نعيم بن مقرن إلى الري فلقيه أبو الفرخان مسالما ومخلفا بالري يومئذ سياوخش بن مهران بن بهرام وكان سياوخش قد استمد أهل دنباوند وطبرستان وقرمس وجرجان وقال قد علمتم أن هؤلاء إن حلوا بالري إنه لا مقام لكم فاحتشدوا له فناهد بهم المسلمين فالتقوا بسفح جبل الري الذي إلى جانب مدينتها فاقتتلوا به وقد كان أبو الفرخان قال لنعيم إن القوم كثير وأنتم في قلة فابعث معي خيلا أدخل مدينتهم من مدخل لا يشعرون به وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك فبعث معه نعيم من الليل خيلا عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو فأدخلهم المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فاقتتلوا مقتلة عدو فيها بالقصب وأفاء الله على المسلمين بالري نحوا من فيء المدائن وصالح أبو الفرخان نعيما على أهل الري فلم يزل بعد شرف الري في آله وسقط آل بهرام وأخرب نعيم مدينة الري وهي التي يقال لها العتيقة وأمر أبا الفرخان فبنى مدينة الري الحدثاء وكتب لهم نعيم كتابا أعطاهم فيه الأمان لهم ولمن كان معهم من غيرهم على أن على كل حالم من الجزية طاقته في كل سنة وعلى أن ينصحوا ولا يغلوا ولا يسلوا ويدلوا المسلم ويقروه يوما وليلة ويفخموه فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة ومن ضربه قتل
ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعته
وأرسل عند ذلك نعيما مردانشاه مصمعان نهاوند في الصلح على شيء يفتدى به من غير أن يسأله النصر والمعونة ففعل ذلك نعيم وكتب له به ولأهل موضعه كتابا على أن يتقي من ولي الفرج من بمائتي ألف درهم في كل سنة
وقال أبو بجيد في يوم الري
ألا هل أتاها أن بالري معشرا
شفوا سقما لما استجاشوا وقتلوا
لها موطنان عاينوا الهلك فيهما
بأيد طوال لم يخنهن مفصل

(4/331)


وخيل تعادي لا هوادة عندها
وزاد وكمت تمتطى ومحجل
ودهم وشقر تنشر البلق بينها
إذا ناهبت قوما وتولوا وأوهلوا
قتلناهم بالسفح مثنى وموحدا
وصار لنا فيها مداد ومأكل
قتلنا سيا وخشا ومن مال ميله
ولم ينج منهم بالسفوح مؤمل
جزا الله خيرا معشرا عصبوهم
وأعطاهم خير العطاء الذي ولوا
الطويل
وقال أيضا
وبالري إن سألت بنا أم جعفر
فمنا صدور الخيل والخيل تنفر
إذا حذر الأقرام منهن قارح
تفخمه في الموت أغيد أزهر
أخو الهيج والروعات إن زفرت به
أناخ إليها صابرا حين يزفر
فتسفر عنها الحرب بعد إنصبابها
وفينا البقايا والفعال المسهر
قتلنا بني بهرام لما تتابعوا
على أمر غاويهم وغاب المسور
وبالسفح موتى لا تطير نسورها
لها في سواء السفح مثوى ومغبر
ولولا إلتقاء القوم بالسلم أقفرت بلادهم أو يهربون فيعذروا
خلفناهم بالري والري منزل له جانب صعب هناك معور
الطويل
ذكر فتح قومس وجرجان
فاما قومس فإن عمر رحمه الله كان كتب إلى نعيم بن مقرن حين أعلمه بفتح الري أن قدم سويد بن مقرن إلى قومس ففصل إليها سويد من الري في تعبئته فلم يقم له أحد فأخذها سلما وعسكر بها وكاتب الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز يدعوهم إلى الصلح والجزاء وكتب لهم بذلك كتابا
وأما جرجان فإن سويدا سار إليها فكاتبه ملكها وبدأه بالصلح على أن يؤدي له الجزاء ويكفيه حرب جرجان فإن غلب أعانه فقبل سويد ذلك منه ثم تلقاه قبل أن يدخل جرجان فدخلها معه وعسكر سويد بها حتى جبى إليه خراجها وسمى فروجها فسدها بترك دهستان ورفع الجزاء عمن أقام بمنعها وأخذ الخراج من سائر أهلها وكتب سويد بذلك كتابا لملكها رزبان صول وأهل دهستان وسائر أهل جرجان
ذكر فتح طبرستان
وراسل الأصبهذ سويدا في الصلح على ان يتواعدا ويجعل له شيئا على غير نصرة ولا معونة على أحد فقبل ذلك منه وكتب له

(4/332)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان أصبهبذ خراسان على طبرستان وجبل جيلان إنك آمن بآمان الله على أن تكف نصرتك وأهل حواشي أرضك ولا تؤوي لنا بغية وتتقي من ولي فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا ان يغير عليك ولا أن يتطوف أرضك ولا يدخل عليك إلا بإذنك سبيلنا عليكم بالإذن آمنة وكذلك سبيلكم ولا تسألون لنا إلى عدو ولا تغلون فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم
فتح أذربيجان
ولما إفتتح نعيم همذان ثانية وسار إلى الري كتب إليه عمر أن يبعث سماك بن خرشة الأنصاري وليس بأبي دجانة ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان وكان عمر قد فرق أذربيجان بين بكير وبين عتبة بن فرقد وأمر كل واحد منهما بطريق غير طريق صاحبه فسار بكير حين بعث إليها حتى إذا طلع بحيال جرميذان طلع عليه أسفندياذ بن الفرخازاد مهزوما من واج روز فكان أول قتال لقيه باكير بأذربيجان فاقتتلوا فهزم الله جند أسفندياذ وأخذه بكير أسيرا فقال له الصلح أحب إليك أم الحرب فقال بكير بل الصلح قال فأمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم وأراضي لم يقيموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم ومن كان في حصن تحصن إلى يوم ما فأمسكه عنده وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن وقدم سماك على بكير وأسفندياذ في إساره وقد إفتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه وتشوفت نفس باكير إلى المضي قدما فقال لسماك إن شئت كنت معي وإن شئت أتيت عتبة فإني لا أراني إلا تارككما وطالبا وجها هو أكره من هذا فاستأذن عمر فكتب إليه بالإذن على أن يتقدم نحو الباب وأمره أن أن يستخلف على عمله فاستخلف عتبة على ما افتتح منه ودفع إليه أسفندياذ

(4/333)


فأمر عتبة سماكا على ما استخلفه عليه بكير وجمع عمر رحمه الله أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وكان بهرام بن الفرخزاذ قد أخذ بطريق عتبة وأقام له في عسكره حتى لحق عتبة فاقتتلوا فهزمهم عتبة وهرب بهرام فلما بلغ الخبر اسفندياذ وهو بعد في إسار بكير قال الآن تم الصلح وطفئت الحرب فصالح بكير وأجاب إلى ذلك جميعهم وعادت أذربيجان سلما وكتب عتبة بينه وبين أهلها كتابا إذ جمع له عمل بكير إلى عمله
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشعاريها وأهل ملكها كلهم من الأمان على أنفسهم وأموالهم وملتهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم ليس ذلك على صبي ولا على إمرأة ولا زمن ليس في يده من الدنيا شيء ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا لهم ذلك ولمن سكن معهم وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته ومن حشر منهم في سنة رفع عنه جزاء تلك السنة ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه
حديث فتح الباب

(4/334)


وبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه سراقة بن عمرو إلى الباب بعد أن رد أبا موسى مكانه إلى البصرة وكان سراقة يدعى ذا النور وجعل عمر على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة وكان ايضا يدعى ذا النور وجعل على إحدى مجنبتية حذيفة بن أسيد الغفاري وسمى للأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه وكتب إليه أن يلحق به وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة فقدم سراقة عبد الرحمن وخرج في الأثر حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب قدم عليه بكير في أدنى الباب فاستدفأ ببكير ودخل بلاد الباب على ما عباه عمر رحمه الله وكان ملك الباب يومئذ شهربراز رجل من آل شهر براز الملك الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى منهم الشام فلما أطل عليه عبد الرحمن بن ربيعة بالباب كاتبه شهربراز واستأمنه على أن يأتيه فأمنه عبد الرحمن على ذلك فأتاه فقال إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينسبون إلى أحساب وليس ينبغي لذي العقل والحسب أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان ولست من الفتح في شيء ولا من الأرض وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا اليوم منكم يدي مع أيديكم وصبري معكم فمرحبا بكم وبارك الله لنا ولكم وجزيتنا إليكم ولكم
النصر والقيام بما تحبون ولا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم فقال عبد الرحمن فوقي رجل قد أظلك فسر إليه فجوزه فسار إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك فقال له سراقة قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه ولا بد من الجزاء على من يقيم ولا ينهض فقبل ذلك شهربراز وصارت سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين وفيمن يستنفر من أهل الجزية فتوضع عنه جزية تلك السنة التي استنفر فيها

(4/335)


وكتب سراقة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك فأجازه وحسنه وليس في تلك البلاد التي في ساحة الجبال نبك لم يقم الأرمن بها إلا على أوفاز وإنما بها سكان ممن حولها ومن الطراء إستؤصلت الغارات نبكها من أهل القرار وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم وجلوا عن قرار أرضهم فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم
واكتتبوا من سراقة بن عمرو كتابا بالأمان لشهر براز وسكان أرمينية والأرمن على أنفسهم وأموالهم وملتهم لا يضارون ولا ينتقضون وعلى أهل أرمينية والأبواب الطراء منهم والتناء ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة وينفروا ولكل أمر رآه الوالي صلاحا ناب أو لم ينب على ان توضع على من أجاب إلى ذلك الجزاء ومن استغنى منهم فقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدلالة والنزول يوما كاملا فإن حشروا وضع ذلك عنهم وإن تركوا أخذوا به
ثم ان سراقة بن عمرو وجه بعد ذلك بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وكان عمر أمد به سراقة وحذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية فوجه بكيرا إلى موقان وحبيبا إلى تفليس وحذيفة إلى من بجبال اللان وسلمان إلى وجه آخر
وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجه فيه هؤلاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاتى عمر أمرا لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه سريعا بغير مؤونة وكان فرجا عظيما به جند عظيم إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم ثم يضعون الحرب أو يبعثونها
فلما استوثقوا واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة رحمه الله واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة وقد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكيرا فإنه فض موقان ثم تراجع أهلها على الجزية فقبل منهم وكتب لهم بها وبأمانهم عليها

(4/336)


ولما بلغ عمر رحمه الله موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن أقره عمر وأمره بغزو الترك فخرج بالناس حتى قطع الباب فقال له شهربراز ما تريد أن تصنع قال أريد بلنجر فقال شهر براز إنا لنرضى منهم ان يدعونا من وراء الباب فقال عبد الرحمن لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم وبالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الردم قال وما هم قال أقوام صحبوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودخلوا في هذا الأمر بنية وكانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية قازداد حياؤهم وتكرمهم ولا يزال هذا الأمر دائما لهم والنصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى ينقلوا عن حالهم فغزا عبد الرحمن بلنجر غزاة في زمان عمر رضي الله عنه لم تئم فيها امرأة ولم ييتم صبي وبلغت خيله في غزاته البيضاء على رأس ما أتيت فرسخ من بلنجر ثم غزا فسلم ثم غزا غزوات في زمان عثمان رضي الله عنه ثم أصيب عبد الرحمن حين تبدل أهل الكوفة في إمارة عثمان لإستعماله من كان إرتد إستصلاحا لهم فلم يصلحهم ذلك وزادهم فسادا أن سادهم من طلب الدنيا وعضلوا بعثمان رضي الله عنه ورحمه حتى جعل يتمثل
وكنت وعمرا كالمسمن كلبه
فخدشه أنيابه وأضافره
الطويل

(4/337)


وقال سلمان بن ربيعة لما دخل عبد الرحمن بن ربيعة عليهم يعني على الترك حال الله بينهم وبين الخروج عليه وقالوا ما إجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت فتحص نوا منه فرجع بالغنم والظفر وذلك في إمارة عمر ثم لما غزاهم غزوات في زمان عثمان ظفر بهم كما كان يظفر حتى إذا تبدل أهل الكوفة وذكر بعض ما تقدم من استعمال من إرتد وغزاهم بعد ذلك تذمرت الترك وقالوا انظروا وكانوا يقولون أنهم لا يموتون قال فاختفوا لهم في الغياض فرما رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا فاشتد قتالهم وناد مناد من الجو صبرا آل عبدالرحمن وعدكم الجنة فقاتل حتى قتل عبد الرحمن وانكشف المسلمون وأخذ سلمان بن ربيعة الراية فقاتل بها وناد مناد من الجو صبرا آل سلمان فقال سلمان أو ترى جزعا ثم خرج بالناس وخرج سلمان الفارسي وأبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن فما زالوا بعد يستسقون به
وجعل عثمان رحمه الله يغزيها مع حبيب بن مسلمة
وحدث مطر بن ثلج التيمي قال دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده فأقبل رجل عليه شحوب حتى جلس إلى شهربراز فتساءلا ثم أن شهربراز قال لعبد الرحمن أيها الأمير أتدري من أين جاء هذا الرجل إني بعثته منذ سنتين نحو السند لينظر لي ما حاله ومن دونه وزودته مالا عظيما وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه وزودته لكل ملك هدية ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حين انتهى إليه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه فكتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه فذكر انه أحسن إلى البازيار وقال فتكشر لي

(4/338)


البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعدما استوى بهما وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار على رسلك أكافئك إنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمى به في هذا اللهب فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهوى وانقضت عليها العقاب وقال إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء فخرجت علينا العقبان باللحم في مخالبها وإذا فيها ياقوته فأعطانيها وهي هذه فتناولها منه شهر براز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهر براز لهذه خيرمن هذه البلد يعني الباب وأيم الله لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى ولو كنت في سلطانهم ثم لغهم خبرها لانتزعوها مني وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أووفى ملككم الأكبر
فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال ما حال الردم وما شبهه فقال هذا الثوب الذي على هذا الرجل وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود أو وشيه احمر وأرضه سوداء فقال مطر صدق والله الرجل لقد نفذ ورأى قال عبد الرحمن أجل ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ آتوني زبر الحديد إلى آخر الآية ( 96 الكهف ) وقال عبد الرحمن لشهر براز كم كانت هديتك قال قيمة مائة ألف في بلادي هذه وثلاثة آلاف ألف وأكثر في تلك البلدان
ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا

(4/339)


ذكروا ان يزدجرد لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الري وقد جعل له محمل يطيق ظهر بعيره وكان إذا سار نام ولم يعرس بالقوم فانتهى به إلى مخاضه وهو نائم في محمله فأنبهوه ليعلم ولئلا يفزع إن هو استيقظ إذا خاض البعير به فعنفهم على إنباهه وقال بئس ما صنعتم والله لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الأمة إني رأيت أني ومحمدا يعني النبي {صلى الله عليه وسلم} تناجينا عند الله تعالى فقال له أملككم مائة سنة فقال زدني فقال عشرا ومائة فقال زدني فقال عشرين ومائة سنة فقال زدني فقال لك وأنبهتموني ولو تركتموني لعلمت
فما انتهى إلى الري وثب عليه آبان جاذويه وكان على الري حينئذ فاخذه فقال له يزدجرد يا أبان جاذوية تغدربي فقال لا ولكن قد تركت ملكك وصار في يدي غيرك فأحببت ان أكتتب على ما كان لي من شيء وما أردته من غير ذلك وأخذ خاتم يزدجرد ووصل الأدم واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه ثم ختم عليها ورد الخاتم ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه

(4/340)


ولما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع خرج يزدجرد من الري إلى أصبهان وكره جوار آبان ولم يأمنه ثم عزم على كرمان فأتاها ومعه النار فأراد أن يضعها في كرمان ثم عزم على خراسان فأتى مروفنزلها وقد نقل النار فبنى لها بيتا وأتخذ بستانا وبنى أزجا فرسخين من مرو إلى البستان فاطمأن في نفسه وأمن أن يؤتى وكاتب من مرو من بقي من الأعاجم حيث لم يفتتحه المسلمون فدانوا له حتى إذا ثار أهل فارس والفيرزان فنكثوا وثار أهل الجبال والفيروزان فنكثوا وصار ذلك داعية إلى إذن عمر رضي الله عنه في الانسياح فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الأرض فخرج الأحنف إلى خراسان فأخذ على مهرجان نقذف ثم خرج على أصبهان وأهل الكوفة محاصروجي فدخل خراسان من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ثم سار نحو مرو الشاهجان وأرسل إلى نيسابور وليس دونها قتال مطرف بن عبد الله بن الشخير وإلى سرخس الحارث بن حسان فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزلها ونزل الأحنف مرو الشاهجان وكتب يزدجرد إلى خاقان وملك الصغد وصاحب الصين يستمدهم ويستعين بهم وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثه بن النعمان الباهلي بعدما لحقت به أمداد الكوفة على أربعة أمراء علقمة بن النضر النضري وربعي بن عامر التميمي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال الهمداني وبلغ يزدجرد خروج الأحنف سائر انحوه فخرج إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ وأتبعهم الأحنف والتقى أهل الكوفة ويزدجردببلخ فهزمه الله بهم وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبروا ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم وتتابع أهل خرسان ممن شذ وتحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى
طخارستان وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها واستخلف على طخارستان ربيعي بن عامر وهو الذي يقول له النجاشي وينسبه إلى أمه وكان من أشراف العرب

(4/341)


ألا رب من تدعو فتى ليس بالفتى
ألا إن ربعي بن كأس هو الفتى
طويل قعود القوم في قعر بيته
إذا شبعوا من ثفل جفنته سقى
الطويل وكتب الاحنف بفتح خراسان إلى عمر رحمه الله فقال لوددت إني لم أكن بعثت إليها جندا ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار فقال علي رضي الله عنه ولم يا أمير المؤمنين قال لأن أهلها سينقضون ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين وكتب عمر إلى الاحنف أما بعد فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه وقد عرفتم بأي شيء دخلتم خراسان فدوموا على الذي دخلتم به يدم لكم النصر وإياكم وإياكم أن تغيروا فتنقضوا
ولما بلغ رسول يزدجرد إلى خاقان لم يستتب له إنجاده حتى عبر إليه النهر مهزوما وقد استتب له ذلك والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك فأقبل في الترك وحشر أهل فرغانة والصغد ثم خرج بهم وخرج يزدجرد راجعا إلى خرسان حتى عبر النهر إلى بلخ وعبر معه خاقان فأرز أهل فارس إلى الأحنف بمرو الروذ وجاء المشركون حتى نزلوا بها عليه وكان حين بلغه عبورهم قاصدين له خرج ليلا في عسكره يتسمع في ليلة مظلمة هل يسمع برأي ينتفع به فمر برجلين ينقيان علفا إما تبنا وإما شعيرا وأحدهما يقول لصاحبه لو أن الأمير اسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا والجبل في ظهورنا لئلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد

(4/342)


رجوت أن ينصرنا الله عز وجل فرجع الأحنف واجتزأ بها فلما أصبح جمع الناس وقال إنكم قليل وإن عدوكم كثير فلايهولنكم فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيره بإذن الله والله مع الصابرين ارتحلوا من مكانكم هذا فاسندوا إلى هذا الجبل فاجعلوه في ظهوركم واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم وقاتلوهم من وجه واحد ففعلوا وقد أعدوا ما يصلحهم والأحنف في عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم واقبلت الترك ومن اجتلبت حتى نزلوا بهم فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل حتى علم علمهم ثم خرج ليلة طليعه لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف فلما كان في وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه وضرب طبله ثم وقف من العسكر موقفا مثله فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز
إن على كل رئيس حقا
أن يخضب الصعدة أو تندقا
إن لها شيخا بها ملقا
سيف أبي حفص الذي تبقى
الرجز
ثم وقف موقف التركي وأخذ طوقه ثم خرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز
إن الرئيس يرتبي ويطلع
ويمنع الخلاء إذا ما أرتعوا
الرجز
ثم وقف موقف التركي الثاني وأخذ طوقه ثم خرج ثالث من الترك ففعل فعل صاحبيه ووقف دون الثاني منهما فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز
جري الشموس ناجزا بناجز
محتفلا في جريه مشارز
الرجز

(4/343)


ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ولا يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجوا بعد خروج الثالث فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين فتشائم خاقان وتطير وقال قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء بمكان لم يصب بمثله قط أحد منا فما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير فانصرفوا بنا فكان وجههم راجعين وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا فأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ فقال المسلمون للأحنف ما ترى في إتباعهم فقال أقيموا بمكانكم ودعوهم
وكان يزدجرد لما نزل خاقان بمرو الروذ خرج إلى مرو الشاهجان فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه فحاصرهم واستخرج خزائنه من مواضعها وخاقان ببلخ مقيم له فلما جمع يزدجرد ما كان في يده مما وضع بمرو فأعجل عنه وأراد أن يستقل منها إذا أمر عظيم من خزائن أهل فارس فقال له أهل فارس أي شيء تريد أن تصنع فقال أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين فقالوا له مهلا فإن هذا رأي سوء إنك إنما تأتي قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك ولكن أرجع إلى هؤلاء القوم يعنون المسلمين فنصالحهم فإنهم أوفياء وأهل دين وهم يلون بلادنا وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا ملكه من عدو يلينا في بلاده لا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم فأبا عليهم وأبوا عليه فقالوا فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ولا تخرجها من بلادنا إلى غيرها فأبى فقالوا إنا لاندعك فاعتزلوه وتركوه في حاشيتة فاقتتلوا فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وكتبوا إلى الأحنف

(4/344)


 

 

بالخبر فاعترضهم المسلمون والمشركون يثفنونه فقاتلوه وأصابوا في آخر القوم وأعجلوه عن الأثقال ومضى مزايلا حتى يقطع النهر إلى فرغانة والترك فلم يزل مقيما بقية زمان عمر رضي الله عنه يكاتبهم ويكاتبونه أو من شاء الله منهم إلى أن كان زمن عثمان رضي الله عنه فكفر أهل خراسان فأقبل حتى نزل مرو فكان من أمره إلى حين مقتله ما نذكره بعد في موضعه إن شاء الله
وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة فكانوا كأنهم في ملكهم إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم فاغتبطوا وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية
ولما سمع خاقان وهو والترك ببلخ ما لقي يزدجرد وأن الأحنف خرج من المسلمين من مرو الروذ نحوه ترك بلخ وعبر النهر وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها وكتب بالفتح الذي صنع الله في خاقان ويزدجرد إلى عمر رحمه الله وبعث إليه بالأخماس ووفد الوفود
ولما عبر خاقان النهر وعبرت معه حاشية آل كسرى أو من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد لقوا رسول يزدجرد الذي كان بعثه إلى ملك الصين وأهدى إليه معه ومعه جواب كتاب يزدجرد من ملك الصين فسألوه عما وراءوه فقال لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون وأراهم هديته وأجاب يزدجرد بهذا الكتاب بعد أن كان قال لي قد عرفت أن حقا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر منهم قلة وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل

(4/345)


الذي تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلا لخير عندهم وشر فيكم فقلت أسألني عما أحببت فقال أيوفون بالعهد قلت نعم قال وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم قلت يدعوننا إلى واحدة من ثلاث إما دينهم فإن أحبناهم أجرونا مجراهم أو الجزية والمنعة أو المنابذة قال فكيف طاعتهم أمراءهم قلت أطوع قوم لمرشدهم قال فيما يحلون وما يحرمون فأخبرته فقال أيحرمون ما حلل لهم أو يحلون ما حرم عليهم قلت لا قال فإن هؤلاء القوم لا يهلكون ابدا حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم ثم قال أخبرني عن لباسهم فأخبرته وعن مطاياهم فقلت الخيل العراب ووصفتها فقال نعمت الحصون هذه ووصفت له الإبل بركها وانبعاثها بحملها فقال هذه صفة دواب طوال الأعناق
وكتب معه إلى يزدجرد أنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلى لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف فسالمهم وأرض منهم بالسلامة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك
فأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة على عهد من خاقان ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من قبل الأحنف جمع الناس وخطبهم وأمر بكتاب الفتح فقرى ء عليهم وقال في خطبته إن الله تبارك وتعالى ذكر رسوله وما بعثه به من الهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال عز وجل هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( 33 التوبة ) فالحمد لله الذي انجز وعده ونصر جنده ألا وإن الله قد اورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون ألا أن المصرين اليوم من مسالحها كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد وقد وغلوا في

(4/346)


البلاد والله بالغ أمره ومنجز وعده ومتبع آخر ذلك أوله فقوموا في أمره على رجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده ولا تغيروا فيستبدل الله بكم قوما غيركم فإني لا أخاف على هذه الأمة أن يؤتوا إلا من قبلكم
وسيأتي بعد إن شاء الله ما كان من انتقاض خراسان وغيرها في خلافة عثمان رضي الله عنه
ونذكر الآن بقية فتوح أهل البصرة الذين عقد لهم عمر رضي الله عنه عند الإذن لهم في الإنسياح على ما تقدم
فتح توج
قالوا وخرج أهل البصرة الذين وجهوا أمراء على فارس ومعهم سارية ابن زنيم ومن بعث معهم الى ما وراء ذلك وأهل فارس مجتمعون بتوج فلم يصمدوا بجمعهم ولكن قصد كل أمير منهم قصد إمارته وكورته التي أمر بها وبلغ ذلك أهل فارس فتفرقوا إلى بلدانهم ليمنعوها كما تفرق المسلمون في القصد إليها فكانت تلك هزيمة أهل فارس تشتت أمورهم وتفرقت جموعهم فتطيروا من ذلك كأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه فقصد مجاشع بن مسعود فيمن معه من المسلمين لسابور وأردشير خره فالتقوا بتوج مع أهل فارس فاقتتلوا ما شاء الله عز وجل ثم إن شاء الله عز وجل سلط المسلمين على أهل توج فهزموهم وقتلوهم كل قتلة وبلغوا منهم ماشاءوا وغنمهم ما في عسكرهم فحووه
وهذه توج الآخرة لم يكن لها بعدها شوكة والأولى التي تنقذ فيها جنود العلاء بن الحضرمي أيام طاووس والوقعتان متساجلتان
ثم دعوا بعد هزيمتهم هذه الآخرة إلى الجزية والذمة فتراجعوا وأقروا وخمس مجاشع الغنائم وبعث بخمسها ووفد وفدا وقد كانت البشرى والوفود يجازون وتقضي لهم حوائجهم لسنة جرت بذلك من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وحدث عاصم بن كليب عن أبيه قال خرجنا مع مجاشع غازين توج

(4/347)


فحاصرناها وقاتلناهم ما شاء الله فلما افتتحناها حوينا نهبا كثيرا وقتلنا قتلى عظيمة فكان علي قميص قد تخرق فأخذت إبرة وسلكا فجعلت أخيط قميصي بها ثم إني نظرت إلى رجل من القتلى عليه قميص فنزعته فأتيت به الماء فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه فلبسته فلما جمعت الرثة قام مجاشع خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لا تغلوا فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس
وفي ذلك يقول مجاشع
ونحن ولينا مرة بعد مرة
بتوج أبناء الملوك الأكابر
لقينا جنود الماهيان بسحرة
على ساعة تلوي بأيدي الخطائر
فما فتئت خيلي تكر عليهم
ويلحق منها لاحق غير جائر
لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم
وقد عولجوا بالمرهفات البواتر
وكان كذاك الدأب في كل كورة
أجابت لإحدى المنكرات الكبائر
الطويل
حديث اصطخر
قالوا وقصد عثمان بن أبي العاص لاصطخر فالتقى هو وأهلها بجور فاقتتلوا ما شاء الله ثم فتح الله على المسلمين جور واصطخر فقتلوا ما شاء الله وتفرق من تفرق ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة فراسلوه وراسلهم فأحابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى فتراجعوا وباحوا بالجزاء وجمع عثمان حين هزمهم ما أفاء الله عليهم فخمسه وبعث بالخمس إلى عمر رحمه الله وقسم الباقي في الناس وعف الجند عن النهاب وأدوا الأمانة واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان ثم قام فيهم وقال إن هذا الأمر لا يزال مقبلا وأهله معافون مما يكرهون ما لم يغلوا فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم
وعن الحسن قال قال عثمان بن أبي العاص يوم اصطخر إن الله عز وجل إذا أراد بقوم خيرا كفهم ووفر أمانتهم فاحفظوها فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة فإذا فقدتموها جدد لكم في كل يوم فقدان شيء من أموركم

(4/348)


ثم إن شهرك خلع في آخر إمارة عمر أو أول إمارة عثمان رحمهما الله ونشط أهل فارس ودعاهم إلى النقض فوجه إليه عثمان بن أبي العاص
ثانية وبعث معه جنودا أمد بهم عليهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد فالتقوا بفارس فقال شهرك لابنه وهو في المعركة وبينهم وبين قرية لهم تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخا يا بني أين ترى أن يكون غداؤنا هنا أو بريشهر فقال يا أبت إن تركونا فلا يكون غداؤنا هنا ولا بريشهر ولا يكون إلا في المنزل ولكن والله ما أراهم يتركوننا فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل فيه شهرك وابنه وقتل من المشركين مقتله عظيمة وولي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان بن أبي العاص
وذكر الطبري عن أبي معشر أن اصطخر الآخرة كانت سنة ثمان وعشرين وذلك وسط إمارة عثمان بن عفان رضي الله عنه
وذكر ايضا بسنده إلى عبيد الله بن سليمان قال كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى البحرين فأرسل أخاه الحكم في ألفين إلى توج وكان كسرى قد فر عن المدائن ولحق بجور من أرض فارس
قال الحكم فقصد إلى شهرك وكان كسرى أرسله فهبطوا من عقبة عليهم الحديد فخشيت ان تغشى أبصار الناس فأمرت مناديا فنادى أن من كانت له عمامة فليلقها على عينيه ومن لم يكن له عمامة فليغمض بصره وناديت أن حطوا عن دوابكم فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت أن اركبوا وصففنا لهم وركبوا فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة يعني أبا المهلب على الميسرة فحملوا على المسلمين فهزموهم حتى ما أسمع لهم صوتا فقال لي الجارود أيها الأمير الجند فقلت إنك سترى أمرك فما لبثنا أن رجعت خيلهم ليس عليها فرسانهم والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم فنثرت الرءوس بين يدي وأتيت برأس ضخم وكان معي

(4/349)


بعض ملوكهم فارق كسرى ولحق بي فقال هذا رأس الأزدهاق يعنون شهرك فحوصروا في مدينة سابور فصالحهم الحكم وكان ملكهم آذربيان فاستعان به الحكم على قتال أهل اصطخر
وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص يذكر اصطخر الآخرة
أنا ابن عظيم القريتين كليهما
نتمني إلى العليا الفروع الفوارع
لنا مجد بطحاوي ثقيف وغالب
إذا عد بطحاواهما والد سائع
لنا الحسب العود الذي لا تناله
عيون العدى والحاسدات الدواسع
أبي سلب الجبار بيضة ملكه
فخر وأطراف الرماح شوارع
بمعترك ضنك به قصد القنى
وهام وأيد تختليها القواطع
بأيدي سراة كلهم باع نفسه
فأوفوا بما باعوا وأوفى المبايع
هم المؤمنون الواردو الموت في الوغى
كما ترد الماء العطاش النوائع
نجاهد في نصر لخير شريعة
إذا ذكرت يوم الحساب الشرائع
سمونا لزحف المشركين بوقعة
بها در مال الجزية المتتابع
تركنا من القتلى نثارا تعودها
نسور تراماها الضباع الجوامع
جثى من عظام المشركين كأنها
تلوح من الرأي البعيد صوامع
تركنا سباع الأرض والطير منهم
شباعا وما فيها إلى الحول جائع
الطويل
حديث فساودار ابجرد

(4/350)


وقالوا وقصد سارية بن زنيم لفساودارابجرد حتى أفضى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله ثم إنهم استمدوا فتجمعوا وتجمعت اليهم أكراد فارس فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير فرأى عمر رضي الله عنه في تلك الليلة معركتهم وعددهم في ساعة من النهار فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم وكان أريهم والمسلمين بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثم قام فقال أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين وأخبر بحالهما ثم قال يا سارية الجبل الجبل ثم أقبل عليهم فقال إن لله عز وجل جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم ولما كان تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد فهزمهم الله لهم وكتبوا بذلك إلى عمر رحمه الله وباستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم
وعن رجل من بني مازن قال كان عمر رحمه الله قد بعث سارية بن زنيم الدؤلي إلى فساودارابجرد فحاصرهم ثم إنهم تداعوا فأصحروا له وكثروه وأتوه من كل جانب فقال عمر رضي الله عنه وهو يخطب في يوم جمعة يا سارية بن زنيم الجبل الجبل
وفي غير هذا الحديث ثم عاد عمر في خطبته فعجب الناس لندائه سارية على بعده فقضى الله سبحانه أن كان سارية وأصحابه في ذلك الوقت موافقين للمشركين وقدضايقهم المشركون من كل جانب وإلى جانب المسلمين جبل إن لجأوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد فسمعوا صوتا يقول يا سارية بن زنيم الجبل الجبل كما قال عمر رضي الله عنه وفي ذلك الوقت بعينه فلجأوا إلى الجبل فنجوا وهزموا عدوهم وأصابوا مغانم كثيرة

(4/351)


قال المازني في حديثه إن سارية أصاب في المغانم سفطا فيه جوهر فاستوهبه المسلمون لعمر فوهبوه له فبعث به وبالفتح رجلا وقال له استقرض ما تبلغ به وما تخلفه في أهلك على جائزتك وكان الرسل والوفد يجازون فقدم الرجل البصرة ففعل ثم خرج فقدم على عمر رحمه الله فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره فقصده فأقبل عليه بها فقال اجلس فجلس حتى إذا أكل انصرف عمر وقام الرجل فأتبعه فظن عمر أنه رجل لم يشبع فقال حين انتهى إلى باب داره أدخل فلما جلس في البيت أتى بغذائه خبز وزيت وملح وجريش فوضع له ثم قال للرجل أدن فكل فأكلا حتى إذا فرغ قال له الرجل رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين فقال مرحبا وأهلا ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته ثم سأله عن المسلمين ثم سأله عن سارية فأخبره بقصة الدرج فنظر إليه ثم صاح به وقال لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجيش فتقسمه بينهم وطرده فقال يا أمير المؤمنين إني قد أنضيت إبلي واستقرضت على جائزتي فأعطني ما أتبلغ به فما زال عنه حتى أبدله بعيرا ببعيره من إبل الصدقة وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة ورجع الرجل مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة فنفذ لما أمره به عمر رحمه الله وقد كان أهل المدينة سألوه عن سارية وعن الفتح وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة فقال نعم سمعنا يا سارية الجبل الجبل وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا
حديث فتح كرمان

(4/352)


قالوا وقصد سهيل بن عدي إلى كرمان ولحقه عبد الله بن عبد الله ابن عتبان وعلى مقدمته سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وقد حشد له أهل كرمان واستعانوا بالقفس فاقتتلوا في أدنى أرضهم ففضهم الله تعالى فأخذوا عليهم بالطريق وقتل النسير مرزبانها ودخل سهيل من قبل طريق القرى إلى جيرفت وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير فأصابوا ما شاءوا من بعير أو شاة فقدموا الإبل والغنم فتحاصوها وأخروا البخت لعظم البخت على العرب وكرهوا أن يزيدوا وكتبوا إلى عمر فأجابهم إن البعير العربي إنما قوم ببعير اللحم وذلك مثله فإذا رأيتم أن للبخت فضلا فزيدوا
وذكر المدائني أن الذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بن الخطاب ثم أتى الطبسين من كرمان ثم قدم على عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما فأراد أن يفعل فقيل لعمر إنهما رستاقان عظيمان فلم يقطعه إياهما وهما بابا خراسان
فتح سجستان

(4/353)


قالوا وقصد عاصم بن عمرو لسجستان ولحقه عبد الله بن عمير فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم فهزموهم ثم أتبعوهم حتى حصروهم بزرنج ومخر المسلمون أرض سجستان ما شاء الله ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين فأعطاهم ذلك المسلمون وكان فيما اشترطوا من صلحهم أن فدافدها حمى فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروها خشية أن يصيبوا منها فيخفروا فتم أهل سجستان على الخراج فكانت سجستان على الخراج فكانت سجستان أعظم من خراسان شأنا وأبعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ فلم تزل أعظم البلدين وأصعب الفرجين وأكثرها عددا وجندا حتى كان زمن معاوية فهرب الشاه من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل ودانوا لسلم بن زياد وهو يومئذ على سجستان ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم تلك البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يرى أنه قد فتح عليه فقال معاوية إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له ان يحزنه قالوا ولم يا أمير المؤمنين قال لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق وهؤلاء قوم غدر نكر فيضطرب الجبل غدا فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها
وتم لهم على عهد ابن زياد فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر معاوية الشاه وخلت آمل وخافه أخوه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به ولم يرضه ذلك حين تشاغل
الناس عنه حتى طمع في زرنج فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة
قالوا وسار رتبيل والذين جاءوا معه فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم وقد كانت البلاد مذللة إلى ان مات معاوية رحمه الله
فتح مكران

(4/354)


قالوا وقصد الحكم بن عمرو التغلبي لمكران حتى انتهى إليها ولحق به شهاب بن مخارق بن شهاب فانضم إليه وأمده سهيل بن عدي وعبد الله بن عتبان بأنفسهما فانتهوا إلى دوين النهر وقد انفض أهل كرمان إليه حتى نزلوا على شاطئه فعسكروا وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند فازدلف بهم يستقبل المسلمين فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام فهزم الله راسلا وسلبه وأباح المسلمين عسكره وقتلوا في المعركة من المشركين مقتلة عظيمة وأتبعوهم يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى النهر
ثم رجعوا فأقاموا بمكران وكتب الحكم إلى عمر بالفتح وبعث بالأخماس مع صحار العبدي واستأمره في الفيله فقدم صحار على عمر رحمه الله فسأله عن مكران وكان لايأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل وماؤها وشل وتمرها دقل وعدوها بطل وخيرها قليل وشرها طويل والكثير بها قليل والقليل بها ضائع وما وراءها شر منها فقال عمر رحمه الله أسجاع أنت أم خير فقال بل مخبر فقال لا والله لايغزوها لي جيش ما أطعت وكتب إلى الحكم وإلى سهيل أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما واقتصرا على ما دون النهر وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه
حديث بيروذ

(4/355)


قالوا لما فصلت الجنود إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم وكان عمر رحمه الله قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى حد ذمة البصرة كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم وخشي أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف أو يخلف في أعقابهم فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذي تجمع بها وذلك في رمضان فنزل على جمع لهم منعه فالتقوا بين نهر تيري ومناذر وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا المسلمين أو ليصيبوا منهم عورة ولم يشكوا في واحدة من اثنتين فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقتل فقال لأبي موسى أقسم على كل صائم الإرجع فأفطر فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم وذلك الذي أراد المهاجر أن يرجع أخوه لئلا يمنعه من الاستقتال وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله وفرق الله عز وجل المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة وأقبل الربيع بن زياد أخو المهاجر فاشتد حزنه عليه ورق له أبو موسى للذي رآه دخله من مصاب أخيه فخلفه عليهم وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان فلقي بها جنود أهل الكوفه محاصرين جي ثم أنصرف إلى البصرة وقد فتح الله على الربيع بن زياد أهل بيروذ من نهر تيري فهزمهم وجمع السبي والأموال فتنقى أبو موسى ستين غلاما من أبناء الدهاقين وعزلهم وبعث بالفتح إلى عمر رحمه الله ووفد وفدا فجاءه رجل من عنزة

(4/356)


يقال له ضبة بن محصن فقال اكتبني في الوفد فقال قد كتبنا من هو أحق منك فانطلق مغاضبا مراغما وكتب أبو موسى إلى عمر بقصة الرجل فلما قدم الكتاب بالفتح والوفد على عمر قدم العنزي فأتى عمر فسلم عليه فقال من أنت فأخبره فقال لا مرحبا ولا أهلا فقال أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل فاختلف إليه ثلاثا يقول هذا ويرد عليه هذا حتى إذا كان اليوم الرابع فدخل عليه فقال له مانقمت على أميرك فقال تنقي ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وله جارية تدعى عقيلة تغذى جفنة وتعشى جفنة وليس منا رجل يقدر على ذلك وله قفيزان وله خانان وفوض إلى زياد وكان زياد هو ابن أبي سفيان يلي أمور البصرة وأجاز الحطيئة بألف
فكتب عمر رحمه الله كل ما قال وبعث إلى أبي موسى فلما قدم حجبه أياما ثم دعى به ودعا ضبة بن محصن ودفع إليه الكتاب فقال إقرأ ما كتبت فقرأ أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم فأخذته فقسمته بين المسلمين فقال ضبة والله ما كذب ولا كذبت وقرأ له قفيزان فقال أبو موسى قفيز لأهلي أقوتهم به وقفيز في أيديهم للمسلمين يأخذون به أرزاقهم فقال ضبة والله ما كذب ولا كذبت فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر وعلم أن ضبة قد صدقه قال وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي فقال أبو موسى وجدت له نبلا ورأيا فأسندت إليه عملي قال وأجاز الحطيئة بألف قال سددت فمه بمالي أن يشتمني فقال قد فعلت ما فعلت فرده عمر رحمه الله وقال إذا قدمت فأرسل إلي زيادا وعقيلة ففعل فقدمت عقيلة قبل زياد وقدم زياد فأقام بالباب فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بيض كتان فقال ما هذه الثياب فأخبره فقال كم أثمانها فأخبره بشيء يسير وصدقه فقال له

(4/357)


كم عطاؤك قال ألفان قال ما صنعت بأول عطاء خرج لك فقال اشتريت به والدتي فأعتقتها واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته فقال وفقت وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده فقيها فرده وأمر أمراء البصرة أن يستعينوا برأيه وحبس عقيلة بالمدينة
وقال عمر رضي الله عنه ألا إن ضبة بن محصن غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا فصدق عليه وكذب فأفسد كذبه صدقه فأياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى النار
وكان الحطيئة قد لقيه في غزاة يبروذ وكان أبو موسى ابتدأها فحاصرهم حتى فلهم ثم جازاهم ووكل بهم الربيع ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم
ومن مدح الحطيئة في أبي موسى
وغارة كشعاع الشمس مشعلة
تهوى بكل صبيح الوجه بسام
قب البطون من التعداء قد علمت
أن كل عام عليها عام الجام
مستحقبات رواياها جحافلها
يسمو بها أشعري طرفه سامي
لايزجر الطير أن مرت به سنحا
ولا يفاض له قسم بأزلام
جمعت من عامر فيها ومن أسد
ومن تميم وذبيان ومن حام
وما رضيت لهم حتى رفدتهم
من وائل رهط بسطام بإصرام
في متلف طائعا لله محتسبا
يرجو ثواب كريم العفو رحام
البسيط
غزوة سلمة بن قيس الأشجعي الأكراد

(4/358)


ذكر الطبري من طريقين كلاهما ينمى إلى سليمان بن بريدة واللفظ في الحديثين متقارب وربما كان في أحدهما زيادة على الآخر وأحدهما عن سيف ابن عمر وفيه أن سليمان بن بريدة قال لقيت رسول سلمة بن قيس الأشجعي فقال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتمع له جيش من العرب بعث عليهم رجلا من أهل العلم والفقه فاجتمع إليه جيش فبعث عليهم سلمة بن قيس فقال سر باسم الله قاتل في سبيل الله من كفر بالله فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال ادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا واختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة وليس لهم في فيء المسلمين نصيب وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم وإن أبوا فسلوهم الخراج فإن أعطوكموه فقاتلوا عدوكم من ورائهم وفرغوهم لخراجهم ولا تكلفوهم فوق طاقتهم فإن أبوا فقاتلوهم فإن الله ناصركم عليهم وإن تحصنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تعطوهم على حكم الله ورسوله فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله وأعطوهم ذمم أنفسكم فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا قال فلقينا عدونا من المشركين

(4/359)


من الأكراد فدعوناهم إلى ما امر به أمير المؤمنين من الإسلام فأبوا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا فقاتلناهم فنصرنا عليهم فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة فوجد فيها سلمة حقي جوهر فجعلهما في سفط ثم قال إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا فإن طابت أنفسكم به لأمير المؤمنين بعثت به إليه فإن له بردا ومؤونة فقالوا نعم قد طابت أنفسنا فبعثني سلمة يعني بالخبر والسفط إلى أمير المؤمنين قال فدفعت إليه ضحى والناس يتغدون وهو متكى ء على عصا كهيئة الراعي في غنمه يطوف في تلك القصاع يقول يا يرفاء زد هؤلاء لحما زد هؤلاء خبزا زد هؤلاء مرقة فلما دفعت إليه قال إجلس فجلست في أداني الناس فإذا طعام فيه خشونه وغلظ طعامي الذي معي أطيب منه فلما فرغ الناس قال يا يرفاء إرفع قصاعك ثم أدبر واتبعته فدخل داره ثم دخل حجرته فاستأذنت وسلمت فأذن لي فإذا هو جالس على مسح متكى ء على وسادتين من أدم محشوتين ليفا فنبذ إلي إحداهما فجلست عليها فقال يا أم كلثوم غداءنا فجاؤا إليه بقصعة فيها خبز وزيت في عرضها ملح لم يدق فقال لي كل فأكلت قليلا وأكل حتى فرغ ما رأيت رجلا أحسن أكلا منه ما يتليس طعامه بيده ولا فمه ثم قال اسقونا فجاؤا بفس فقال اشرب فشربت قليلا شرابي الذي معي أطيب منه فأخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته وقال إنك لضعيف الأكل والشرب ثم قال الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا وسقانا فأروانا قال قلت قد أكل أمير المؤمنين فشبع وشرب فروي حاجتي يا أمير المؤمنين قال وما حاجتك قلت أنا رسول سلمة بن قيس فقال مرحبا بسلمة وبرسوله وكأنما خرجت من صلبه قال حدثني عن المهاجرين كيف هم قلت كما تحب من السلامة والظفر على العدو قال كيف أسعارهم قلت أرخص أسعار قال كيف اللحم فيهم فإنه شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها قلت البقرة

(4/360)


بكذا والشاه بكذا ثم قلت يا أمير المؤمنين سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة وخرج له عن الحديث كله حتى انتهى إلى السفط وأخرجه إليه قال فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر وثب وجعل يديه في خاصرتيه وقال لا أشبع الله إذن بطن عمر وظن النساء أني قد إغتلته فكشفن الستر فقال يا يرفاء جأ عنقه فوجأ عنقي وأنا أصيح فقال النجاء وأظنك ستبطى ء أما والذي لا إله غيره لإن تفرق الناس إلى مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك فاقرة قلت يا امير المؤمنين ابدع بي فاحملني قال يا يرفاء أعطه راحلتين من الصدقة فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه قلت نعم وارتحلت حتى أتيت سلمة فقلت ما بارك الله لي فيما إختصصتني به اقسم هذا في الناس قبل أن أفضح والله وتفضح قال فقسمه فيهم قبل التفرق إلى مشاتيهم والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم وهو خير من عشرين ألفا
وقد تقدم قبل في فتح فساودرابجرد خبر لرسول سارية بن زنيم شبيه بهذا الخبر فالله تعالى أعلم
وذكر الطبري غزوة سلمة بن قيس هذه في سنة ثلاث وعشرين وهي السنة التي قتل عمر رضي الله عنه في آخرها على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى حين مقتله

(4/361)


لم يزل عمر رضي الله عنه قائما على امر الله مجتهدا فيه مجاهدا لأعدائه متعرفا منه سبحانه من المعونة والتأييد وجميل الكفاية والعناية والصنع ما وطأ له البلاد ودوخ الممالك وألقى إليه مقاليد الأمم من الفرس والروم والترك والأكراد وغيرهم من الأمم والأجيال الذين تقدم ذكرهم وأنجز الله في مدة خلافته معظم ما وعد به رسوله {صلى الله عليه وسلم} من الفتوح وجمع إليه أكثر ما زواه له من الأرض وتغلغلت جنوده في الآفاق عندما أذن لها في الإنسياح حتى أمرهم آخر إمارته بالإقصار والكف احتياطا على المسلمين ونظرا للإسلام وأقبل عندما أذن لهم في ذلك على الدعاء وتتبع آثار العمال بالعيون والنصحاء في السر والعلانية وتفقد الناس في الشرق والغرب إلى ان أتته منيته المحتومة بالشهادة المقدرة له في مصلاه على ما يأتي الذكر له إن شاء الله تعالى
وقد ورد في غير موضع من الآثار ذكر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لاستشهاده مخبرا وداعيا وهو الداعي المجاب والصادق المصدوق صلوات الله وبركاته عليه
وروي عن عوف بن مالك الأشجعي انه رأى في المنام على عهد أبي بكر رحمه الله تعالى كأن الناس جمعوا فإذا فيهم رجل قد علاهم فهو فوقهم بثلاثة أذرع قال فقلت من هذا قالوا عمر قلت ولم قالوا لأن فيه ثلاث خصال لا يخاف في الله لومة لائم وإنه خليفة مستخلف وشهيد مستشهد قال فأتى أبا بكر فقصها عليه فأرسل أبو بكر إلى عمر ليبشره قال فجاء فقال لي أبو بكر أقصص رؤياك فلما بلغت خليفة مستخلف
زبرني عمر وانتهرني وقال اسكت تقول هذا وأبو بكر حي قال فلما كان بعد وولي عمر مررت بالشام وهو على المنبر فدعاني فقال أقصص رؤياك فقصصتها فلما قالت إنه لا يخاف في الله لومة لائم قال إني لأرجوا أن يجعلني الله منهم فلما قلت خليفة مستخلف قال قد استخلفني فأسأله ان يعينني على ما ولاني فلما ذكرت شهيد مستشهد قال أنى لي الشهادة وانا بين أظهركم تغزون ولا أغزو ثم قال بلى يأتي الله بها أنى شاء يأتي الله بها أنى شاء

(4/362)


وكان عمر رحمه الله ملازما للحج في سني خلافته كلها وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة في موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية ويحجر عليهم الظلم ويتعرف أحوالهم في قرب وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم فيه فلما كانت السنة التي قتل منسلخها رضي الله عنه خرج إلى الحج على عادته وأذن لأزواج النبي {صلى الله عليه وسلم} فخرجن معه فلما وقف عمر رحمه الله يرمي الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه وثم رجل من بني لهب قبيلة من الأزد تعرف فيها العيافة والزجر وإياها عنى القائل
تيممت لهبا أبتغي العلم عندهم
وقد رد علم العالمين إلي لهب
فقال اللهبي عندما أدمى عمر رحمه الله أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدهم
ويروى عن عائشة رضي الله عنها وحجت مع عمر تلك الحجة انه لما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم قلت فقال وأنا أسمع أين كان منزل أمير المؤمنين فقال قائل هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى
عليك سلام من أمير وباركت
يد الله في ذلك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة
ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها
بوائق في أكمامها لم تفتق
الطويل
قالت عائشة فقلت لبعض أهلي إعلموا لي من هذا الرجل فذهبوا فلم يجدوا في مناخه أحد قالت عائشة فو الله إني لأحسبه من الجن فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد
وقال سعيد بن المسيب لما صدر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من منى أناخ بالأبطح ثم كوم كومة بطحاء ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السماء فقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا وضرب بإحدى يديه على الأخرى
قال سعيد فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل رحمه الله

(4/363)


وروى عن عمر رحمه الله أنه لما انصرف من حجته هذه التي لم يحج بعدها وانتهى إلى ضجنان وقف فقال الحمد الله ولا إله إلا الله يعطي من يشاء ما يشاء لقد كنت بهذا الوادي أرعى أبلا للخطاب وكان فظا غليظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه ثم تمثل
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه
والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له
والإنس والجن فيما بينها برد
أين الملوك التي كانت نوافلها
من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب
لابد من ورده يوما كما وردوا
الطويل

(4/364)


ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن قدم المدينة من حجه خرج يوما يطوف بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا فقال يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة فأن علي خراجا كثيرا قال وكم خراجك قال درهمان في كل يوم قال وإيش صناعتك قال نجار نقاش حداد قال فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال قال وبلغني أنك تقول لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت قال نعم قال فاعمل لي رحا قال لئن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب ثم انصرف عنه فقال عمر لقد توعدني العلج آنفا ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال يا أمير المؤمنين اعهد فأنك ميت في ثلاثة أيام قال وما يدريك قال أجده في كتاب الله التوراة فقال عمر آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة قال اللهم لا ولكن أجد صفتك وحليتك بأنه قد فنى أجلك وعمر لايحس وجعا ولا ألما فلما كان من الغد جاءه كعب فقال يا أمير المؤمنين ذهب يوم وبقي يومان ثم جاء من بعد الغد فقال ذهب يومان وبقي يوم وليلة وهي لك إلى صبحها فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت أخبروه فكبر ودخل أبو لؤلؤة في الناس في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه وضرب به عمر ست ضربات
إحداهن تحت سرته هي التي قتلته فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال دونكم الكلب فإنه قتلني وماج الناس وأسرعوا إليه فجرح منهم ثلاثة عشر رجلا حتى جاء رجل منهم فاحتضنه من خلفه وقيل ألقي عليه برنسا فقيل أنه لما أخذ قتل نفسه

(4/365)


وقال عمر رضي الله عنه عندما سقط أفي الناس عبد الرحمن بن عوف قالوا نعم يا أمير المؤمنين هو ذا قال تقدم فصل بالناس قال فصلى عبد الرحمن بن عوف وحمل عمر إلى منزله فدعا عبد الرحمن بن عوف فقال إني أريد أن أعهد إليك قال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أتشير على بذلك قال اللهم لا قال والله لا أدخل فيه أبدا قال فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو عنهم راض ادعو لي عليا وعثمان والزبير وسعدا قال وانتظروا أخاكم طلحه ثلاثا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم أنشدك الله يا علي إن وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس وأنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب وأمرهم أن يحضر معهم عبد الله بن عمر على أن لا يكون له في الأمر شيء ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فقال قم على بابهم لا تدع أحدا يدخل إليهم وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب فإنها مادة الإسلام أن تؤخذ صدقات أغنيائهم فتوضع في فقرائهم وأوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يوفي لهم بعهدهم اللهم هل بلغت تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر من قتلني فقال يا أمير المؤمنين قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة

(4/366)


واحدة يحاجني بلا إله إلا الله يا عبد الله إن اختلف القوم فكن مع الأكثر وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف يا عبد الله أئذن للناس فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ويقول لهم أعن ملأ منكم كان هذا فيقولون معاذ الله ودخل في الناس كعب فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول
وأوعدني كعب ثلاثا أعدها
ولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بي حذار الموت إني لميت
ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب
الطويل فقيل له لو دعوت الطبيب فدعى له طبيب من بني الحارث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج مشكلا فقال اسقوه لبنا فخرج اللبن أبيض فقال له الطبيب لا أرى أن تمسي فما كنت فاعلا فافعل وفي رواية أنه قيل له عند ذلك يا أمير المؤمنين اعهد قال قد فرغت وقال لعبد الله أبنه يا عبد الله أذهب إلى عائشة فاسألها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر وفي رواية أنه قال له أذهب إلى عائشة فقل لها أن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ولا تقل أمير المؤمنين فأني لست اليوم بأمير المؤمنين فذهب إليها عبد الله فوجدها تبكي فذكر لها ذلك فقالت نعم قد كنت أردته لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فرجع إليه عبد الله وهو متطلع إليه فقال ما قالت لك قال أذنت قال الحمد لله ما كان علي أمر أهم من هذا فإذا أنا مت فاغسلني ثم احملني وأعد عليها الاستئذان فأن أذنت وإلا فاصرفني إلى مقابر المسلمين
فلما توفي رحمه الله ورضي عنه خرجوا به فصلى عليه صهييب ودفن في بيت عائشة رضي الله عنه وعنها ويروى أنه لما أحتضر قال ورأسه في حجر ابنه عبد الله رضي الله عنهما
ظلوم لنفسي غير إني مسلم
أصلي الصلاة كلها وأصوم
الطويل
وكان مقتله لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين وقيل لثلاث بقين منه وقيل إن وفاته كانت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين

(4/367)


ونزل في قبره عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص وقيل صهيب وابنه عبد الله بن عمر عوضا من الزبير وسعد
واختلف في مبلغ سنه يوم توفي وأشهر ما في ذلك أنه توفي ابن ثلاث وستين سنة وإنه استوفى عدة خلافة سن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} التي توفي لها وسن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما
ويروى عن عامر الشعبي أنه لما طعن عمر رضي الله عنه دخل عليه عبد الله بن عباس فقال يا أمير المؤمنين أبشر بالجنة فقال ما تقول قال اللهم نعم أسلمت حين كفر الناس وقاتلت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين خذله الناس ومات نبي الله {صلى الله عليه وسلم} وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك رجلان ثم قتلت شهيدا فقال عمر والله إن من تغرونه لمغرور والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء لأفتديت به من هول المطلع
وعن ابن عباس أيضا قال لما وضع عمر في أكفانه إكتنفه الناس يصلون عليه ويدعون فإذا أنا برجل قد زحمني من خلفي فنظرت فإذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقام فدعا له وترحم عليه ثم قال والله ما أصبح أحد أحب إلي من أن ألقى الله بمثل صحيفته منك وإني لأرجوا أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرا ما سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول خرجت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وفعلت أنا وأبو بكر وعمر فإني أرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك
وذكر عبد الله بن مسعود يوما عمر رضي الله عنه فهملت عيناه وهو قائم حتى بل الحصى ثم قال إن عمر كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه فلما مات عمر إنثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون وما من أهل بيت من المسلمين لم تدخل عليهم مصيبة من موت عمر إلا أهل بيت سوء فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر
وروى انس بن أبي طلحة أنه قال والله ما أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم لموت عمر رضي الله عنه نقص في دينهم وفي دنياهم
وعن أبي وائل قال خرج حذيفة إلى المدائن وهم يذكرون الدجال فأخبرنا مسروق أنه سأله عن ذلك فقال نجب تجيء من ها هنا تنعي عمر

(4/368)


وعن حذيفة أيضا قال كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا
قربا فلما قتل عمر رضي الله عنه كان كالرجل المدبر لايزداد إلا بعدا
وقالت عاتكة إبنة زيد بن عمرو بن نفيل إمرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترثيه
وفجعني فيروز لا در دره
بأبيض تال للكتاب منيب
رءوف على الأدنى غلظ على العدا
أخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله
سريع إلى الخيرات غير قطوب
الطويل
ومما ينسب إلى الشماخ بن ضراروإلى اخيه مزرد بن ضرار أنه قاله في عمر ابن الخطاب ويروى عن عائشة أن الجن بكت به على عمر رحمه الله قبل أن يقتل بثلاث وقد تقدم ذكر بعض هذا الشعر
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت
له الأرض تهتز العضاة بأسوق
جزى الله خيرا من إمام وباركت
يد الله في ذاك الأديم الممزق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته
بكفي سبنتى أزرق العين مطرق
الطويل
وقبل هذا البيت ببيتان قد تقدما قبل فلذلك حذفناهما الآن هنا اختصارا
ذكر خلافة ذي النورين أبي عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين رضي الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر رضي الله عنه
ولما مضى عمر رحمه الله لسبيله تفاوض أهل الشورى فيما بينهم ثلاثا بعد وفاته وانصرف أمر جميعهم إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فبايع لعثمان رحمه الله فبايعه بقيه أهل الشورى وكافة الصحابة رضي الله عن جميعهم وذلك يوم السبت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين

(4/369)


وذكر سيف بإسناد له أنه لما بايع أهل الشورى عثمان رحمه الله خرج وهو أشدهم كآبة فآنى منبر النبي {صلى الله عليه وسلم} فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه {صلى الله عليه وسلم} ثم قال إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ( 33 لقمان ) اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ألم تلفظهم ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فإن الله ضرب لها مثلها والذي هو خير فقال واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على
كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) ( 44 - 45 الكهف )
وذكر سيف أن أول كتاب كتبه عثمان رضي الله عنه إلى عماله
أما بعد فإن الله عز وجل أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم في أن يكونوا جباة وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة فإذا عادوا كذلك أنقطع الحياء والأمانة والوفاء إلا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور الناس وفيما عليهم فتعطوهم مالهم وتأخذوهم بما عليهم ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء
قال وأول كتاب كتبه إلى أمراء الجنود في الفروج
أما بعد فإنكم حماة المسلمين وذادتهم وقد وضع لكم عمر رحمه الله مالم يغب عنا بل كان عن ملأ منا فلا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم فانظروا كيف تكونون فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه

(4/370)


وكتب رحمه الله إلى عمال الخراج أما بعد فإن الله تعالى خلق الخلق بالحق ولا يقبل إلا الحق خذوا الحق وأعطوا الحق به والأمانة الأمانة قوموا عليها ولا تكونوا أول من سلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فإن الله ورسوله خصم لمن ظلمهم
وكان كتابه إلى العامة
أما بعد فإنكم بلغتم ما بلغتم بالإقتداء والإتباع فلا تلفتنكم الدنيا عن
أمركم فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الإبتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن فان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال الكفر في العجمة فاذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا
وزاد عثمان رضي الله عنه الناس في أعطياتهم مائة مائة وهو أول خليفة زاد الناس في العطاء وكان عمر رحمه الله يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهما في كل يوم وفرض لأزواج النبي {صلى الله عليه وسلم} درهمين درهمين فقيل له لو وضعت لهم طعاما فجمعتهم عليه فقال أشبع الناس في بيوتهم فأقر عثمان الذي صنع عمر وزاد فوضع طعام رمضان للمتعبد الذي يبيت في المسجد ولابن السبيل وللمثوبين بالناس في رمضان
وكان في مدة خلافته رحمه الله فتوح عظام في البر والبحر وهو أول من أغزى فيه وقد تقدم ذكر كثير من ذلك كأفريقية وغزوة ذات الصواري في البحر على يدي عبد الله بن سعد وغزوة قبرس على يدي معاوية بن أبي سفيان وغير ذلك مما سلف في هذا الكتاب
ونذكر الآن من ذلك ما تيسر ذكره إن شاء الله تعالى مما لم نذكر قبل وأكثر من ذلك مما كان قد افتتح على عهد عمر رحمه الله وانتقض بعد وفاته فوجه اليه عثمان رحمه الله فاسترده حتى استوثق الأمر وانتظمت الفتوح
ذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب
ويقال إنها كانت في السنة التي بويع فيها عثمان وقيل في سنة خمس وعشرين بعدها وقيل في سنة ست ذكر ذلك كله الطبري

(4/371)


وحكى أيضا عن أبي مخنف عن قرة بن لقيط الأزدي ثم العامري أن مغازي أهل الكوفة كانت الري وأذربيجان وكان بالبحرين عشرة الآف مقاتل من أهل الكوفة ستة آلاف بأذربيجان وأربعة آلاف بالري وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل وكان يغزو هذين المصرين منهم عشرة آلاف كل سنة فكان الرجل تصيبه في كل أربع سنين غزوة فغزا الوليد بن عقبة في أزمانه على الكوفة في سلطان عثمان أذربيجان وأرمينية فدعى سلمان بن ربيعة الباهلي فبعثه أمامه مقدمة له وخرج الوليد في جماعة الناس يريد أن يمعن في أرض أرمينية فمضى حتى دخل أذربيجان فبعث عبد الله بن شبل بن عوف الأحمسي في أربعة آلاف فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان فأصاب من أموالهم وغنم وسبى سبيا يسيرا وتحرز القوم منه فأقبل بذلك إلى الوليد
ثم أن الوليد صالح أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم حبسوها بعد وفاته فلما وطئهم الوليد بالجيش انقادوا وطلبوا إليه أن يتم لهم على ذلك الصلح ففعل وقبض منهم المال وبث الغارات فيمن حولهم من أعداء الإسلام فبعث سلمان بن ربيعة إلى أرمينية في اثني عشر ألفا فسار في أرضها فقتل وسبى وغنم وانصرف مملوء اليدين إلى الوليد فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته فلما دخل الموصل راجعا أتاه كتاب من عثمان رحمه الله
أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع كثيرة عظيمة وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وسخاءه وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام

(4/372)


فقام الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن الله قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا فرد عليهم بلادهم التي كفرت وفتح بلادا لم تكن افتتحت وردهم سالمين غانمين مأجورين والحمد الله رب العالمين وقد كتب إلي أمير المؤمنين أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى ثمانية آلاف تمدون إخوانكم من أهل الشام فإنهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الأجر العظيم والفضل المبين فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة فانتدب الناس فلم يمض ثلاثة أيام حتى خرج في ثمانية آلاف من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم فشنوا عليهم الغارات وأصابوا ما شاءوا من سبي وملأوا أيديهم من المغانم وافتتحوا بها حصونا كثيرة
وكان على أهل الشام حبيب بن مسلمة وسلمان على أهل الكوفة وزعم
الواقدي ان سعيد بن العاص هو الذي أمد حبيبا بسلمان وإن سبب ذلك أن عثمان رضي الله عنه أمر معاوية بإغزاء حبيب في أهل الشام أرمينية فوجهه إليها معاوية فبلغ حبيبا أن الموريان الرومي قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم والترك فأعلم بذلك معاوية فكتب معاوية إلى عثمان فكتب عثمان إلى سعيد بإمداد حبيب فأمده بسلمان في ستة آلاف وكان حبيب صاحب كيد فأجمع على أن يبيت الموريان فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية يذكر ذلك فقالت له فأين موعدك قال سرادق الموريان أو الجنة ثم بيتهم فقتل من إشرأب له وأتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق ثم مات عنها حبيب فخلف عليها الضحاك بن قيس الفهري فهي أم ولد
ذكر انتقاض فارس ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها

(4/373)


ولما ولي عثمان رحمه الله أقر أبا موسى الأشعري على البصرة ثلاث سنين وعزله في الرابعة وأمر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد وعلى سجستان عبيد الله بن عمير الليثي من بني ثعلبة فأثخن فيها إلى كابل وأثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيمي فأثخن فيها حتى بلغ النهر وبعث على كرمان عبيد الله بن عنيس وبعث إلى فارس والأهواز نفرا وأبو موسى في كل ذلك على البصرة فلما كان في السنة الثالثة كفر أهل ايذج والأكراد فنادى أبو موسى في الناس وحضهم وذكر من فضل الجهاد في الرجلة حتى حمل نفر على دوابهم وأجمعوا على ألا يخرجوا إلا رجالة ثم نشأ بينه وبين أهل البصرة في هذا الإستنفار ما نفرهم عنه وطلبوا إلى عثمان أن يديلهم عنه فدعا عثمان عند ذلك عبد الله بن عامر فأمره على البصرة وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس واستعمل مكانه عمير بن عثمان بن سعد واستعمل على خراسان أمين بن أحمر اليشكري وعلى سجستان عمران بن الفضل البرجمي وعلى كرمان عاصم ابن عمرو فمات بها فجاشت فارس فانتقضت بعبيد الله بن معمر واجتمعوا له باصطخر فالتقوا على بابها فقتل عبيد الله وبلغ الخبر عبد الله بن عامر فاستنفر أهل البصرة إليهم وخرج في الناس وعلى مقدمته عثمان بن أبي العاص فالتقى هو وأهل فارس باصطخر فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها في ذل
وكتب بذلك إلى عثمان بن عفان فكتب إليه يأمره أن يولي على كور فارس نفرا سماهم له وفرق خراسان بين ستة نفر منهم الأحنف بن قيس على المورين
ذكر انتقاض خراسان وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها

(4/374)


ذكر الطبري أن أداني أهل خراسان وأقاصيهم اعترضوا زمان عثمان رضي الله عنه لسنتين خلتا من إمارته فبدأ بنو كناري وهم أخوال كسرى فأنثروا في نيسابور وألجأوا عبد الرحمن بن سمرة وعماله إلى مرو الروذ وثنى أهل مرو الشاهجان وثلث بنيزل فاستولى على بلخ وأرز من بها إلى مروالروز وعلها بن سمرة فكتب إلى عثمان بخلع أهل خراسان فأرسل إلى ابن عامر أن يسير في جند البصرة فخرج ابن عامر في الجنود حتى يدخل خراسان على الطبسين من قبل يزدجرد وبث الجنود في كورها وأمرهم أن يطأوا فيهم ووطأ هو في أهل هراة بعدما وهنهم الجزاء وصالحوه ثم ثنى بنيسابور ففعلت فعل هراة ولقيت الكور من الجنود مثل ذلك فذلوا لهم واكتتب منهم أهل مرو الشاهجان وسائر خراسان وسار ابن عامر إلى نيزل فقتل تركه قتل الكلاب ولحق هو بترك بلاد الشام وستأتي بعد هذه المجملات مفصلة بعد
وذكر الطبري بإسناد له قال غزا سعيد بن العاص وهو على الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن الزبير وخرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل ابرشهر وبلغ ذلك سعيدا فنزل قرمس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد
نهاوند فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان متاخمة لجرجان وهي مدينة على ساحل البحر فقاتله أهلها حتى صلى يومئذ صلاة الخوف وهم يقتتلون بعد أن سأل حذيفة فأخبره كيف صلاة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وضرب يومئذ سعيد رجل من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من مرفقه وحاصرهم فطلبوا الأمان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا وحوى ما كان في الحصن

(4/375)


وذكر الطبري من طريق آخر أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان ثم امتنعوا وكفروا فلم يأتي جرجان بعد سعيد أحد ومنعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان
وعن بشر بن حنظلة العمي أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان فكانوا يجبون أحيانا مائة ألف ويقولون صلحنا وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلاثمائة ألف وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه ثم امتنعوا وكثروا فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص
ذكر مقتل يزدجرد
قال الطبري اختلف في سبب قتله كيف كان فذكر عن ابن إسحاق أن يزدجرد هرب من كرمان في جماعة ليسير إلى مرو فسأل مرزبانها مالا فمنعه فخافوا على