2 - الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء
المؤلف / أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي
دار النشر / عالم الكتب - بيروت - 1417هـ
الطبعة : الأولى
عدد الأجزاء / 4
تحقيق : د . محمد كمال الدين عز الدين علي
 

بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب
فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار يوم بدر فقال له إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة قال وزميلي قال المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا بك وحدك
قال إذا والله لأموتن أنا وهو جميعا لا تحدث عني نساء مكة إني تركت زميلي حرصا على الحياة وقال يرتجز
لن يسلم ابن حرة زميله
حتى يموت أو يرى سبيله
ثم اقتتلا فقتله المجذر ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقاتلته فقتلته
هذا الذي ذكر ابن إسحاق في قتل أبي البختري
وقال موسى بن عقبة يزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختري ويأبى أعظم الناس إلا أن المجذر هو الذي قتله
ثم اضرب ابن عقبة عن القولين وقال بل قتله غير شك أبو داود المازني وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بني أبي البختري
وكان المجذر قد ناشده أن يستأسر وأخبره بنهي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن قتله فأبى أبو البختري أن يستأسر وشد عليه المجذر بالسيف وطعنه الأنصاري يعني أبا داود المازني بين ثدييه فأجهز عليه فقتله
ويومئذ قال المجذر فيما ذكروا
أما جهلت أو نسيت نسبي
فاثبت النسبة أني من بلي
الطاعنين برماح اليزنى
والضاربين الكبش حتى ينحني
بشر بيتم من أبوه البختري
أو بشرن بمثلها مني بني
أنا الذي يقال أصلي من بلي
أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعضب مشرفي
أرزم للموت كإرزام المري
فلا ترى مجذرا يفري فري
الرجز
وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو فلما أسلمت تسميت عبد الرحمن فكان يلقاني فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك فأقول نعم

(2/23)


فيقول فإني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف
فقلت له يا أبا علي اجعل ما شئت
قال فأنت عبد الإله
فقلت نعم
حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي آخذ بيده ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني قال يا عبد عمرو
فلم أجبه فقال يا عبد الإله
فقلت نعم
قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع قلت نعم
فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن يريد الفداء
وقال عبد الرحمن قال لي أمية وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قلت ذلك حمزة بن عبد المطلب
قال ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل
قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال وكان هو الذي يعذبه بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو
تفارق دين محمد
فيقول بلال أحد أحد
فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجوت قال قلت أي بلال أبأسيري
قال لا نجوت إن نجا
قلت أتسمع يا ابن السوداء قال لا نجوت إن نجا
ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا
فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت انج بنفسك ولا نجاء به فوالله ما أغني عنك شيئا فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما فكان عبد الرحمن يقول رحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري
وقاتلت الملائكة يوم بدر
قال ابن عباس ولم تقاتل في يوم سواه وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون وكانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا

(2/24)


وذكر ابن هشام عن علي رضي الله عنه في سيماهم يوم بدر مثل ما قال ابن عباس إلا جبريل فإن في حديث علي أنه كانت عليه عمامة صفراء
وقال ابن عباس حدثني رجل من غفار قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر لمن تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم
فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت
وقال أبو أسيد الساعدي بعد أن ذهب بصره وكان شهد بدرا لو كنت
اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى
وقال أبو داود المازني إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري
فلما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى وقال لهم انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فإني ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحشت في إحداهما جحشا لم يزل أثره به
وكان من حديث عدو الله يوم بدر أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة
فكان هو المستفتح وأقبل يرتجز وهو يقول
ما تنقم الحرب العوان مني
بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
السريع
وكان أول من لقيه فيما ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة قال سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة يقولون أبو الحكم لا يخلصن إليه

(2/25)


فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها وعاش بعد ذلك معاذ هذا رحمه الله إلى زمان عثمان رضي الله عنه
ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل
فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالتماسه في القتلى
قال عبد الله وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ثم قلت له أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم قلت لله ولرسوله
ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل
فقال آلله الذي لا إله غيره وكانت يمين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قلت نعم والله الذي لا إله إلا غيره
ثم ألقيت رأسه بين يديه فحمد الله
وخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف قال بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي قال أخبرت أنه يسب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا
قال فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال مثلها
قال فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه
فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته
فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله
وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح

(2/26)


والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقف يوم بدر على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده حتى عرف ذلك في وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال اللهم لا يعجزن فرعون هذه الأمة
فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا بينه وبين المعركة غير كبير مقنعا في الحديد واضعا سيفه على فخذيه ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا وهو مكب ينظر إلى الأرض فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله وهو خائف أن ينوء إليه فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحا فأراد أن يضربه بسيفه فخاف أن لا يغني شيئا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله وهو مكب لا يتحرك ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر في عنقه حدرا وفي يديه وكتفه مثل آثار السياط
فأتى ابن مسعود النبي {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بقتله والذي رأى به فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} زعموا ذلك ضرب الملائكة
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالقتلى أن يطرحوا في القليب فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة
ويقال إنهم لما ألقوا في القليب وقف عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس
يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا
فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى
فقال لهم لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق
قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقد علموا
وفي حديث أنس أن المسلمين قالوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين نادى أصحاب القليب يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا
فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني

(2/27)


وذكر ابن عقبة نحوا من ذلك عن نافع عن عبد الله بن عمر وقال حسان بن ثابت
عرفت ديار زينب بالكثيب
كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون
من الوسمي منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست
يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم
ورد حرارة الصدر الكئيب
وخبر بالذي لا عيب فيه
بصدق غير أخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر
لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء
بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع
كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه
على الأعداء في لقح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات
وكل مجرب ماضي الكعوب
بنو الأوس الغطارف آزرتها
بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا
وعتبة قد تركنا بالحبوب
وشيبة قد تركنا في رجال
ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقا
وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا
صدقت وكنت ذا رأي مصيب
الوافر
ولما أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب فنظر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما ذكر في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال يا أبا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شيء أو كما قال {صلى الله عليه وسلم}
قال لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت
أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك
فدعا له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخير وقال له خيرا

(2/28)


وكان في قريش فتية أسلموا ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة فلما هاجر إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا 97 النساء
وأولئك الفتية الحارث بن زمعة بن الأسود وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع
فاختلف فيه المسلمون فقال من جمعه هو لنا
وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم
وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مخافة أن يخالف إليه العدو
والله ما أنتم بأحق به منا لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا
فكان عبادة بن الصامت إذا سئل عن الأنفال قال فينا معاشر أصحاب بدر أنزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله {صلى الله عليه وسلم} فقسمه بيننا عن بواء
يقول على السواء
فكان في ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله وصلاح ذات البين
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خلفني عليها مع زوجها عثمان أن زيد بن حارثة قد قدم

(2/29)


قال فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الأسود وأبو البختري ابن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج
قلت يا أبه أحق هذا قال نعم والله يا بني
ثم أقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قافلا إلى المدينة ومعه الأساري من المشركين وفيهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث حتى إذا خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من مضيق الصفراء نزل على كثيب يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء
ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ما الذي تهنئوننا به فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال أي ابن أخي أولئك الملأ
حتى إذا كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط فقال عقبة حين أمر بقتله فمن للصبية يا محمد قال النار
فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح في قول ابن عقبة وابن إسحاق
وقال ابن هشام قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث لما بلغها مقتل أخيها
يا راكبا إن الأثيل مظنة
من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية
ما إن تزال بها الركائب تخفق
مني إليك وعبرة مسفوحة
حادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعني النضر إن ناديته
أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضئو كريمة
في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة
وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تشقق
الكامل
قال ابن هشام فيقال والله أعلم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما بلغه هذا الشعر قال لو بلغني هذا الشعر قبل مقتله لمننت عليه

(2/30)


ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى قدم المدينة قبل الأساري بيوم وقد كان فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بالأساري خيرا
وكان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأساري قال وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إياهم بنا ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها قال فأستحي فأردها عليه فيردها علي ما يمسها
قال ومر بي أخي مصعب ورجل من الأنصار يأسرني فقال له شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك فقال له أبو عزيز فيما ذكر ابن هشام يا أخي هذه وصاتك بي فقال له مصعب إنه أخي دونك فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي فقيل لها أربعة آلاف درهم فبعثت ففدته بها
وذكر قاسم بن ثابت في دلائله أن قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف
من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة
سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤي وأبرزت
خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد
لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
الطويل
فقال قائلهم من الحنيفيون فقالوا هو محمد وأصحابه يزعمون انهم على دين إبراهيم الحنيف ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين
وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأبو البختري بن هشام فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر والله أن يعقل هذا فسلوه عني قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال ها هو ذاك جالس في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا

(2/31)


وقال أبو رافع مولى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس وأم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزة وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس إلى طنب الحجرة ظهره إلى ظهري
فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم
فقال أبو لهب هلم إلي فعندك لعمري الخبر فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء
قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة
وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله
وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوى
فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه

(2/32)


وقال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه إنهم لم يحفروا له ولكن أسندوه إلى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه
ويروى أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها
وخرج البخاري في صحيحه أن أبا لهب رآه بعض أهله في المنام بشر حيبة أي حالة فقال ما لقيت بعدكم راحة غير أني سقيت في مثل هذه وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام بعتقي ثويبة
وثويبة هذه أرضعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأرضعت عمه حمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد
وروى غير البخاري أن الذي رأى أبا لهب من أهله هو أخوه العباس وأنه قال مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم ثم رأيته في شر حال فقال ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين
وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولد يوم الاثنين فبشرت أبا لهب بمولده ثويبة مولاته فقالت له أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله فقال لها اذهبي فأنت حرة فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واجتهاده في منعه ونصرته فهو أهون أهل النار عذابا
ويفعل الله ما يشاء مما يطابق سابق تقديره وقد قضى الله سبحانه بإحباط عمل الكافرين فمحال أن يقيم لهم يوم القيامة وزنا أو ينالوا عنده بشيء قدموه مما يتصور بصورة الأعمال الصالحة نعيما إلا أنه ربما جعل التفاوت بين جماهيرهم وبين من شاء منهم بمقدار العذاب فيضاعفه على قوم أضعافا ويضع من شدائده عن آخرين تخفيفا
وكل عذاب الله شديد فنعوذ برضا مولانا الكريم من سخطه وبمعافاته من عقوبته
وحدث محمد بن إسحاق بن يسار عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء

(2/33)


قال وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة وعقيل ابناه والحارث بن زمعة وهو ابن ابنه وكان يحب أن يبكي عليهم فسمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل أحل النحب هل
بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني زمعة فإن جوفي قد احترق
فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته
قال فذاك حين يقول الأسود
أتبكي أن يضل لها بعير
ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن
على بدر تقاصرت الجدود
الوافر
في أبيات ذكرها ابن إسحاق
وقد تقدم دعاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على الأسود بن عبد المطلب هذا بأن يعمى الله بصره ويثكله ولده فاستجيب له وفق دعائه سبق العمي أولا إلى بصره ثم أصيب يوم بدر بمن سمي آنفا من ولده فتمت إجابة الله سبحانه رسوله فيه
وكان في الأساري أبو وداعة السهمي فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب ابن أبي وداعة وهو الذي كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عني صدقتم لا تعجلوا
وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم
ثم بعثت قريش في فداء الأساري فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذي أسره مالك بن الدخشم أخو بني سالم بن عوف فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا هات الذي لنا قال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه
فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم فقال مكرز
فديت بأذواد ثمان سبا فتى
ينال الصميم غرمها لا المواليا
رهنت يدي والمال أيسر من يدي
علي ولكني خشيت المخازيا
وقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به
لأبنائنا حتى ندير الأمانيا
الطويل

(2/34)


وكان سهيل قد قام في قريش خطيبا عندما استنفرهم أبو سفيان فقال يا لغالب أتاركون أنتم محمدا والصبا من أهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم من أراد مالا فهذا مالي ومن أراد قوة فهذه قوة
فيروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما أسر سهيل يوم بدر يا رسول الله انزع ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه
فصدق الله ورسوله وكان لسهيل بعد وفاته {صلى الله عليه وسلم} في تثبيت أهل مكة على الإيمان مقام سيأتي ذكر حديثه في موضعه إن شاء الله
وكان عمرو بن أبي سفيان بن حرب أسيرا في يدي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من أساري بدر فقيل لأبي سفيان بن حرب أفد عمرا ابنك
فقال أيجمع علي دمي ومالي قتلوا حنظلة وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكونه ما بدا لهم
فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما في غنم له بالبقيع فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذي صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو
ثم قال
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه
تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة
لئن لم تفكوا عن أسيرهم الكبلا
الطويل
فأجابه حسان بن ثابت فقال
ولو كان سعد يوم مكة مطلقا
لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة
تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
الطويل
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ففعل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد

(2/35)


وكان في الأساري أيضا أبو العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس ختن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زوج ابنته زينب وكان {صلى الله عليه وسلم} يثني عليه في صهره خيرا وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وهو ابن أخت خديجة رضي الله عنها وهي سألت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن ينزل عليه الوحي أن يزوجه وكان لا يخالفها فزوجه وكانت تعدة بمنزلة ولدها
فلما أكرم الله رسوله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن ينزل عليه الوحي أن يزوجه وكان لا يخالفها فزوجه وكانت تعدة بمنزلة ولدها فلما أكرم الله رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته فصدقنه ودن بدينه وشهدن أن الذي جاء به هو الحق وثبت أبو العاص على شركه
فلما بادى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قريشا بأمر الله تبارك وتعالى وبالعداوة قالوا إنكم فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن
فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت
قال لا ها الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بها امرأة من قريش
ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد زوجه رقية أو أم كلثوم فقالوا له طلق ابنة محمد ونحن ننكحك أي امرأة من قريش شئت فقال إن زوجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص أو ابنة سعيد بن العاص وفارقها
فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقا ولم يكن دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له
وخلف عليها عثمان بن عفان بعده
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان
الإسلام قد فرق بين زينب ابنته وبين أبي العاص إلا أنه كان لا يقدر أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

(2/36)


فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص فأصيب في الأساري فكان بالمدينة عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بني بها فلما رآها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله
فأطلقوه وردوا عليها مالها
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه أو وعده أبو العاص بذلك أو شرطه عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيعلم ما هو
إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكانه زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها
فخرجا وذلك بعد بدر بشهر أو سبعة فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تتجهز
قالت زينب بينا أنا أتجهز بمكة لقيتني هند ابنة عتبة فقالت يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت ما أردت ذلك
قالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال
قالت زينب فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك وتجهزت
ولما فرغت بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من جهازها قدم إليها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودج لها وتحدث بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود الفهري فروعها هبار بالرمح
وهي في هودج لها وكانت حاملا فيما يزعمون فلما ريعت طرحت ذا بطنها وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما

(2/37)


فتكركر الناس عنه وأتى أبو سفيان بن حرب في جلة من قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك
فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك من ضعف ووهن ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك من ثؤرة ولكن أرجع المرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها
ففعل فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة فقالت لهم
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة
وفي الحرب أشباه النساء العوارك
الطويل
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسرية بعثها بتحريق هبار بن الأسود أو الرجل الذي سبق معه إلى زينب إن ظفروا بهما ثم بعث إليهم فقال إني كنت قد أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ثم رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله عز وجل فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما
وأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه فلما فرغ من
تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاستجار بها فأجارته وجاء في طلب ماله فلما خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع

(2/38)


فلما سلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم
ثم انصرف فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له
وبعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به
قالوا يا رسول الله بل نرده عليه فردوه عليه حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ويأتي الرجل بالشنة والإداوة حتى إن الرجل ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما
قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت
ثم خرج حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وحكي ابن هشام عن أبي عبيدة أن أبا العاص لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال فإنها للمشركين فقال بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي
ومن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على نفر من الأساري من قريش بغير فداء منهم أبو
عزة عمرو بن عبد الله الجمحي كان محتاجا ذا بنات فكلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله لقد عرفت مالي من مال وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي
فمن عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا فقال أبو عزة في ذلك يمدح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويذكر فضله على قومه
ومن مبلغ عني الرسول محمدا
بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى
عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة

(2/39)


لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حاربته لمحارب
شقي ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله
تأوب ما بي حسرة وقعود
الطويل
وذكر موسى بن عقبة أن المسلمين جهدوا على أبي عزة هذا عندما أسر ببدر أن يسلم فقال لا حتى أضرب في الخزرجية يوما إلى الليل
وما وقع في شعره ومحاورته رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما يقتضي التصريح برسالته فلا أعلم له مخرجا إن صح إلا أن يكون ذلك من جملة ما قصد به أبو عزة أن يخدع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فعاد على عدو الله ما ائتمر ولم يخدع إلا نفسه وما شعر وذلك أنه لما أخذت قريش قبل أحد في الإعداد لحرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} طلبا بثأرهم في يوم بدر قال صفوان بن أمية لأبي عزة هذا يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا
فقال إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه
قال بلى فأعنا بنفسك فلك الله علي إن رجعت أن أعينك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عز ويسر
فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول
أيا بني عبد مناة الرزام
أنتم حماة وأبوكم حام
لا تعدموني نصركم بعد العام
لا تسلموني لا يحل إسلام
الراجز
ثم كان من الأمر يوم أحد ما كان وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد الوقعة
مرهبا لعدوه حتى انتهى إلى حمراء الأسد فأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في وجهه ذلك أبا عزة الجمحي فقال يا رسول الله أقلني
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين اضرب عنقه يا زبير
فضرب عنقه
وذكر ابن هشام فيما بلغه عن سعيد بن المسيب أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه
وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه بمكة ويلقون منه عنتا وكان ابنه وهب بن عمير في أساري بدر فجلس عمير مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال له صفوان فوالله إن في العيش خير بعدهم

(2/40)


فقال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي فيهم علة ابني أسير في أيديهم
فاغتنمها صفوان فقال علي دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء ويعجز عنهم قال عمير فاكتم عني شأني وشأنك قال أفعل
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة
فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهذا الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر
ثم دخل عمر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه
قال فأدخله علي
فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال من الأنصار كانوا معه ادخلوا على رسول
الله {صلى الله عليه وسلم} فاجلسوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيث فإنه غير مأمون
ثم دخل به فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كذلك قال أرسله يا عمر أدن يا عمير
فدنا ثم قال أنعموا صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة قال أما والله إن كنت بها يا محمد لحديث عهد
قال فما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك فقال قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال اصدقني ما الذي جئت له قال ما جئت إلا لذلك
قال بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له والله حائل بينك وبين ذلك

(2/41)


قال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق
ثم شهد بشهادة الحق فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره ففعلوا
ثم قال يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله والى الإسلام لعل الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم
فأذن له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلحق بمكة
وكان صفوان حين خرج عمير يقول أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر
وكان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه ناس كثير
وعمير هذا أو الحارث بن هشام يشك ابن إسحاق هو الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر فقال أين أي سراق ومثل عدو الله فذهب
فأنزل الله تبارك وتعالى فيه وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم 48 الأنفال فذكر استدراج إبليس إياهم بتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بني بكر من الحرب يقول الله عز وجل فلما تراءت الفئتان ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون وصدق عدو الله الكذوب رأى ما لم يروا وقال إني أخاف الله والله شديد العقاب فذكر أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت
قومي الذين هم آووا نبيهم

(2/42)


وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هم سلف
للصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم
لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة
نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها
من كان جارهم دارا هي الدار
وقاسموهم بها الأموال إذ قدموا
مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم
لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم
إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إني لكم جار فأوردهم
شر الموارد فيه الخزي والعار
ثم التقينا فولوا عن سراتهم
من منجدين ومنهم فرقة غاروا
البسيط
ويروى أن قريشا رأوا سراقة المدلجي بعد وقعة بدر وهو الذي تمثل لهم
إبليس في صورته يوم بدر كما تقدم فقالوا له يا سراقة أخرمت الصف وأوقعت فينا الهزيمة فقال والله ما علمت بشيء من أمركم حتى كانت هزيمتكم وما شهدت معكم
فما صدقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله في ذلك فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم
ولما انقضى أمر بدر أنزل الله تبارك وتعالى فيه من القرآن الأنفال بأسرها
وكان جميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا ثلاثة منهم ضرب لهم بسهامهم وأجورهم ولم يشهدوا وهم عثمان بن عفان تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمرضها الذي توفيت فيه قبل أن يرجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بدر فضرب له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسهمه
قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك
وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد كانا بالشام فرجعا بعد رجوع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بدر فضرب لكليهما بسهمه
قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك
ومن الأوس واحد وستون اثنان منهم ضرب لهما بسهميهما عاصم بن عدي العجلاني رده رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد أن خرج معه وضرب له بسهمه وخوات بن جبير ضرب له أيضا بسهمه
ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا منهم الحارث بن الصمة كسر به بالروحاء فضرب له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسهمه

(2/43)


واستشهد يومئذ من المسلمين مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أربعة عشر رجلا ستة من قريش عبيدة بن الحارث بن المطلب وعمير بن أبي وقاص الزهري وذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بني زهرة وعاقل بن البكير حليف لبني عدي ومهجع مولى عمر بن الخطاب وصفوان بن بيضاء
ومن الأنصار ثمانية نفر خمسة من الأوس سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد
المنذر من بني عمرو بن عوف ويزيد بن الحارث الذي يقال له ابن فسحم من بني الحارث بن الخزرج وعمير بن الحمام من بني سلمة ورافع بن المعلى من بني جشم
وثلاثة من الخزرج من بني النجار حارثة بن سراقة وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة منهم وهما ابنا عفراء رحمة الله على جميعهم ورضوانه
وكان مع المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام وفرس مرثد بن أبي مرثد الغنوي وفرس المقداد بن عمرو البهراني
وذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصي له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا
وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة عن أبي عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا و الأسرى كذلك وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وفي كتاب الله تبارك وتعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها
يقول لأصحاب أحد وكان من استشهد منه سبعين رجلا يقول قد أصبتم يوم بدر مثلي من استشهد منهم يوم أحد سبعين قتيلا وسبعين أسيرا
وأنشدني أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك من قصيدة له ينعي قتلى بدر
( فأقام بالعطن المعطن منهم سبعون عتبة منهم والأسود والكامل
وكان مما قيل في يوم بدر من الشعر قول حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله ومن أهل العلم من ينكرها له
آلم تر أمرا كان من عجب الدهر
و للحين أسباب مبينة الأمر
وما ذاك إلا أن قوما أفادهم
فحانوا تواحي بالعقوق وبالكفر
عشية راحوا نحو بدر بجمعهم
فكانوا رهونا للركية من بدر
وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها
فساروا إلينا فالتقينا على قدر
فلما التقينا لم تكن مثنوية
لنا غير طعن بالمثقفة السمر
وضرب ببيض يختلي الهام حدها

(2/44)


مشهرة الألوان بينة الأثر
ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا
وشيبة في قتلي تجرجم في الجفر
وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم
فشقت جيوب النائحات على عمرو
جيوب نساء من لؤي بن غالب
كرام تفرعن الذوائب من فهر
أولئك قوم قتلوا في ضلالهم
وخلوا لواء غير محتضر النصر
لواء ضلال قاد إبليس أهله
فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر
وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا
برئت إليكم ما بي اليوم من صبر
فإني أرى ما لا ترون وإنني
أخاف عقاب الله والله ذو قسر
فقدمهم للحين حتى تورطوا
وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر
فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا
ثلاث مئين كالمسدمة الزهر
وفينا جنود الله حين يمدنا
بهم في مقام ثم مستوضح الذكر
فشد بهم جبريل تحت لوائنا
لدى مأزق فيه مناياهم تجري
الطويل
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم بدر ولم ير ابن هشام أحدا يعرفها من أهل العلم بالشعر
ألم تر أن الله أبلي رسوله
بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة
فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره
وكان رسول الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل
مبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذاك وأيقنوا
فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم
فزادهم ذو العرش خبلا على خبل
وأمكن منهم يوم بدر رسوله
وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف عصوا بها
وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل
فكم تركوا من ناشيء ذي حمية
صريع ومن ذي نجدة منهم كهل
تبيت عيون النائحات عليهم
تجود بإسيال الرشاش وبالوبل
نوائح تنعي عتبة الغي وابنه
وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل
وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم
مسلبة حري مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة
ذوي نجدات في الحروب وفي المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه
وللغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل
عن الشغب والعدوان في أشغل الشغل
الطويل
وقال كعب بن مالك أخو بني سلمة يذكر بدرا
عجبت لأمر الله والله قادر

(2/45)


على ما أراد ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا
بغوا وسبيل الغي في النار جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم
من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت إلينا لا تحاول غيرنا
بأجمعها كعب جميعا وعامر
وفينا رسول الله والأوس حوله
له معقل منهم عزيز وناصر
وجمع بني النجار تحت لوائه
يمشون في الماذي والنقع ثائر
فلما لقيناهم وكل مجاهد
لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره
وأن رسول الله بالحق ظاهر
وقد عريت بيض خفاف كأنها
مقاييس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أيدنا جمعهم فتبددوا
وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه
وعتبة قد غادرته وهو عاثر
وشيبة والتيمي غادرن في الوغى
وما منهما إلا بذي العرش كافر
فأمسوا وقود النار في مستقرها
وكل كفور في جهنم صائر
تلظى عليهم وهي قد شب حميها
بزبر الحديد والحجارة ساجر
وكان رسول الله قد قال أقبلوا
فولوا وقالوا إنما أنت ساحر
لأمر أراد الله أن يهلكوا به
وليس لأمر حمه الله زاجر
الطويل
ولضرار بن الخطاب الفهري في هذا الروي شعر ذكر ابن إسحاق أن كعب بن مالك أجابه عنه بهذا الشعر الذي كتبناه آنفا والأظهر من مقتضى الشعر أن ضرارا هو الذي أجاب كعب بن مالك ونقض عليه
وهذا شعر ضرار
عجبت لفخر الأوس والحين دائر
عليهم غدا والدهر فيه بصائر
وفخر بني النجار أن كان معشر
أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر
فإن تك قتلى غودرت من رجالنا
فإنا رجال بعدهم سنغادر
وتردي بنا جرد عناجيج وسطكم
بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر
ووسط بين النجار سوف نكرها
لها بالقنا والدارعين زوافر
فنترك صرعي تعصب الطير حولهم
وليس لهم إلا الأماني ناصر
وتبكيهم من أهل يثرب نسوة
لهن بهاليل عن النوم ساهر
وذلك أنا لا تزال سيوفنا
بهن دم ممن يحاربن مائر
فإن تظفروا في يوم بدر فإنما
بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر
وبالنفر الأخيار هم أولياؤه
يحامون في اللأواء والموت حاضر
يعد أبو بكر وحمزة منهم
ويدعى علي وسط من أنت ذاكر

(2/46)


أولئك لا من نتجت في ديارها
بنو الأوس والنجار حين تفاخر
ولكن أبوهم من لؤي بن غالب
إذا عدت الأنساب كعب وعامر
هم الطاعنون الخيل في كل معرك
غداة الهياج الأطيبون الأكاثر
الطويل
ومن شعر حسان بن ثابت يعرض بالحارث بن هشام وفراره عن يوم بدر
إن كنت كاذبة الذي حدثتني
فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم
ونجا برأس طمرة ولجام
الكامل
فأجابه الحارث بن هشام فيما ذكر فقال
الله أعلم ما تركت قتالهم
حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وعرفت أنى إن أقاتل واحدا
أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم
طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال حسان بن ثابت أيضا ويقال إنها لعبد الله بن الحارث السهمي يشبه أنها من قصيدة
مستشعري حلق الماذي يقدمهم
جلد النحيزة ماض غير رعديد
أعني رسول الإله الحق فضله
على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم
وماء بدر زعمتم غير مورود
ثم وردنا ولم نسمع لقولكم
حتى شربنا رواء غير تصريد
مستعصمين بحبل غير منجذم
مستحكم من حبال الله ممدود
فينا الرسول وفينا الحق نتبعه
حتى الممات ونصر غير محدود
البسيط
وقال حسان بن ثابت أيضا
ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة
إبادتنا الكفار في ساعة العسر
قتلنا سراة القوم عند مجالنا
فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر
فكم قد قتلنا من كريم مزرء
له حسب في قومه نابه الذكر
تركناهم للعاويات يتبنهم
ويصلون نارا بعد حامية القعر
لعمرك ما حامت فوارس مالك
وأشياعهم يوم التقينا على بدر
الطويل
وقال عبيدة بن الحارث بن المطلب في يوم بدر يذكر مبارزته هو وحمزة وعلي عدوهم وما كان من إصابة رجله يومئذ
قال ابن هشام وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له
ستبلغ عنا أهل مكة وقعة
يهب لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبة إذ ولي وشيبة بعده
وما كان فيها بكر عتبة راضيا
فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم
أرجي بها عيشا من الله دانيا
مع الحور أمثال التماثيل أخلصت
مع الجنة العليا لمن كان عاليا

(2/47)


وبعت بها عيشا تعرفت صفوه
وعالجته حتى فقدت الأدانيا
وأكرمني الرحمن من فضل منه
بثوب من الإسلام غطى المساويا
وما كان مكروها إلي قتالهم
غداة دعا الأكفاء من كان داعيا
لقيناهم كالأسد تعثر بالقنا
نقاتل في الرحمن من كان عاصيا
فما برحت أقدامنا من مقامنا
ثلاثتنا حتى أزيروا المنانيا
الطويل
قال ابن هشام لما أصيبت رجل عبيدة قال أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أني أحق منه بما قال حين يقول
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا
ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
الطويل
ولما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله قالت هند ابنة أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه وكانت وفاته بالصفراء وبها دفن يرحمه الله تعالى
لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا
وحلما أصيلا وافر اللب والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة
وأرملة تهوي لأشعث كالجذل
وبكيه للأقوام في كل شتوة
إذا احمر آفاق السماء من المحل
وبكيه للأيتام والريح زفزف
وتشتيت قدر طال ما أزبدت تغلي
فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها
فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل
لطارق ليل أو لملتمس القرى
ومستنبح أضحى لديه على رسل
الطويل
وقال طالب بن أبي طالب يمدح النبي {صلى الله عليه وسلم} ويبكي أصحاب القليب من قريش
ألا إن عيني أنفدت ماءها سكبا
تبكي على كعب وما إن ترى كعبا
ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا
وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا
وعامر تبكي للملمات غدوة
فيا ليت شعري هل أرى لهما قربا
هما أخواي لن يعدا لغية
تعد ولن يستام جارهما غصبا
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا
فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا
ولا تصبحوا من بعد ود وألفه
أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس
وجيش أبي يكسوم إذ ملأوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غيره
لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا
فما إن جنينا في قريش عظيمة
سوى أن حمينا خير من وطئ التربا
أخا ثقة في النائبات مرزأ
كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا

(2/48)


يطيف به العافون يغشون بابه
يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا
فوالله لا تنفك نفسي حزينة
تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا
الطويل
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من شهر رمضان وكان فراغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منها في عقبه أو في شوال بعده
فلما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى في إقامته تلك جل الأساري من قريش
وكان أبو سفيان بن حرب حين رجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا {صلى الله عليه وسلم} فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة على بريد أو نحوه من المدينة ثم خرج من الليل حتى أتي بني النضير تحت الليل فأتي حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى أتي أصحابه فبعث رجالا منهم فأتوا ناحية العريض فحرقوا بها أصوار نخل وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان بن حرب وأصحابه وطرحوا من أزوادهم يتخففون منها للنجاء وكان أكثر ما طرحوه السويق فهجم المسلمون على سويق كثير فسميت غزوة السويق فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا رسول الله أتطمع لنا أن تكون غزوة قال نعم
ثم غزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نجدا يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر فأقام بنجد ثم رجع ولم يلق كيدا
ثم غزا قريشا حتى بلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع ثم رجع منه إلى المدينة ولم يلق كيدا وذلك بعد مقامه به نحوا من شهرين ربيع الآخر وجمادى الأولى من سنة ثلاث
أمر بني قينقاع

(2/49)


وكان فيما بين ما ذكر من غزو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر بني قينقاع
وكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وحاربوا فيما بين بدر وأحد
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جمعهم في سوقهم ثم قال يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم
قالوا يا محمد إنك ترى أنا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس
فقال ابن عباس ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار آل عمران 12 - 13
وكان منشأ أمرهم أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان
يهوديا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع
فحاصرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأدخل يده في جيب درع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان يقال لها ذات الفضول فقال له أرسلني وغضب {صلى الله عليه وسلم} حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال ويحك أرسلني
قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هم لك

(2/50)


ولما حاربت بنو قينقاع تشبث عبد الله بن أبي بأمرهم وقام دونهم قال مشى عبادة بن الصامت وكان أحد بني عوف لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخلعهم إليه وتبرأ إلى الله والى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم
ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يريد عبد الله بن أبي يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين
ثم القصة إلى قوله إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا وتبريه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون المائدة 51 - 56
سرية زيد بن حارثة
ولما كان من وقعة بدر ما كان خافت قريش طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة وهي عظم تجارتهم وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة فلقيهم على القردة ماء من مياه نجد فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فذلك الذي يعني حسان بن ثابت بقوله في غزوة بدر الآخرة يؤنب قريشا في أخذهم تلك الطريق
دعوا فلجات الشام قد حال دونها
جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم
وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج
فقولا لها ليس الطريق هنالك
الطويل
مقتل كعب بن الأشرف

(2/51)


ولما بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من المشركين ببدر قال كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيء ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير حين بلغه هذا الخبر أحق هذا أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لي من ظهرها
فلما تبين عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فجعل يحرض على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من لي من ابن الأشرف فقال له محمد بن مسلمة الأشهلي أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله
قال فافعل إن قدرت على ذلك
فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه فذكر ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل افين لك به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله لا بد لنا من أن نقول
قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك
فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة أبو نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وكلهم من بني عبد الأشهل وأبو عبس بن جبر أخو بني
حارثة ثم قدموا إلى عدو الله ابن الاشرف سلكان بن سلامة وكان أخاه من الرضاعة فجاءه فتحدث معه ساعة ثم قال ويحك يا ابن الاشرف أني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني قال افعل قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس
فقال كعب أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول
فقال له سلكان أني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك
قال أترهنوني نساءكم قال كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم

(2/52)


قال أترهنوني أبناءكم قال لقد أردت أن تفضحنا يسب ابن أحدنا فيقال رهن في وسق شعير ثم قال له إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها
قال إن في الحلقة لوفاء
فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فمشى معهم {صلى الله عليه وسلم} إلى بقيع الغرقد في ليلة مقمرة ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم
ثم رجع إلى بيته
فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت إنك امرؤ محارب وإن أصحاب الحرب لا ينزلون هذه الساعة
قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني
فقالت والله إني لأعرف في صوته الشر
فقال لها كعب لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب
فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه فقالوا له هل لك يا ابن الأشرف إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه
قال إن شئتم
فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم
يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفود رأسه
ثم قال اضربوا عدو الله فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا

(2/53)


قال محمد بن مسلمة فتذكرت معولا كان في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثنيته ثم تحاملت عليه حتى بلغت غايته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو رأسه أصابه بعض أسيافنا فخرجنا حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا الحارث بن أوس صاحبنا ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا ثم رجعنا إلى أهلينا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه
وذكر ابن عقبة أن كعب بن الأشرف لما قدم على قريش يستنفرهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له أبو سفيان والمشركون نناشدك الله أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال
فقال ابن الأشرف أنتم أهدى سبيلا فأنزل الله فيه والله أعلم بما ينزل ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا النساء 51
وذكر ابن إسحاق أن هذه الآية إنما نزلت في حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وجماعة غيرهما من أحبار يهود ليس ابن الأشرف مذكورا فيهم وهم الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما قدموا
على قريش قالوا هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول فسلوهم أدينكم خير أم دين محمد فسألوهم فقالوا بل دينكم خير منا دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه
فأنزل الله تعالى فيهم الآية المذكورة
فالله تعالى أعلم
قال ابن إسحاق وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه

(2/54)


فوثب محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة من تجار يهود وكان يلابسهم ويبايعهم فقتله فلما قتله جعل أخوه حويصة بن مسعود ولم يكن أسلم يومئذ وكان أسن من محيصة يضربه ويقول أي عدو الله أقتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله فقال محيصة والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك قال فوالله إن كان لأول إسلام حويصة
قال أو الله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني قال نعم والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها قال والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب فأسلم حويصة وقال محيصة في ذلك
يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله
لطبقت ذفراه بأبيض قاضب
حسام كلون الملح أخلص صقله
متى ما أصوبه فليس بكاذب
وما سرني أني قتلتك طائعا
وأن لنا ما بين بصري ومأرب
الطويل
وذكر ابن هشام أن هذا عرض لمحيصة بعد غزوة بني قريظة وظفر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بهم وأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دفع إليه منهم كعب بن يهوذا
قال وكان عظيما فيهم ليقتله فقال له أخوه حويصة وكان كافرا أقتلت كعب بن يهوذا قال نعم
قال أما والله لرب شحم قد نبت في بطنك من ماله إنك للئيم
فقال له محيصة لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك
فعجب من قوله ثم ذهب عنه متعجبا فذكروا أنه جعل ينتفض من الليل فيعجب من قول أخيه محيصة حتى أصبح وهو يقول والله إن هذا لدين
ثم أتى النبي {صلى الله عليه وسلم} فأسلم
غزوة أحد
وكان من حديث أحد أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيرهم مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة من قريش وقالوا لهم إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينوا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب منا
ففعلوا

(2/55)


ففيهم يقال أنزل الله عز وجل إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون 36 الأنفال
فاجتمعت قريش لحرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير وحركوا لذلك من أطاعهم من القبائل وحرضوهم عليه وخرجوا بحدهم وجدهم وأحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وان لا يفروا فخرج أبو سفيان بن حرب وكان قائد الناس بهند بنت عتبة وكذلك سائر أشراف قريش وكبرائهم خرجوا معهم بنسائهم
وكان جبير بن مطعم قد أمر غلامه وحشيا الحبشي بالخروج مع الناس وقال له إن قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق
فكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت ويها أبا دسمة وهي كنيته اشف واشتف
فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة
فلما سمع بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال {صلى الله عليه وسلم} إني قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون وأما الثلم الذي في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يكره الخروج وكان عبد الله بن أبي يرى رأي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذلك فقال رجل من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم

(2/56)


فقال عبد الله بن أبي يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا
فلم يزل برسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو حتى دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو أخو بني النجار فصلى عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم خرج عليهم وقد ندم الناس فقالوا يا رسول الله استكر هناك ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد {صلى الله عليه وسلم}
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما ينبغي للنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل
فخرج في ألف من أصحابه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا
ها هنا أيها الناس
فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم
قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال
فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه
ومضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذبنه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان يحب الفأل ولا يعتاف
( يا صاحب السيف شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم )
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( من رجل يخرج بنا على القوم من كثب أي من قرب من طريق لا تمر بنا عليهم ) فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة أنا يا رسول الله

(2/57)


فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي
وذكر أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك
فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر
ومضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزل الشعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال
وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار أترعى زرع بني قيلة ولما نضارب
وتعبى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض
والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك
وظاهر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار
وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل
وقد كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفي من الأوس خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكان يعد قريشا أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى يا معشر الأوس أنا أبو عامر
قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق
وبذلك سماه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان يسمى في الجاهلية الراهب فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة

(2/58)


وقال أبو سفيان يومئذ لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا له وتواعدوه وقالوا أنحن نسلم إليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع
وذلك أراد أبو سفيان
فاقتتل الناس حتى حميت الحرب
وقاتل أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة حتى أمعن في الناس وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لسيف عنده من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة فقال وما حقه يا رسول الله قال أن تضرب به في العدو حتى ينحني
قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه
فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان إذا أعلم بعصابة
له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين الصفين فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين رآه يتبختر إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن
وكان الزبير بن العوام قد سأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك السيف مع من سأله منه فمنعه إياه فقال وجدت في نفسي حين سألته إياه فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركني والله لأنظرن ما يصنع فأتبعته فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها فخرج وهو يقول
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول
اضرب بسيف الله والرسول
السريع

(2/59)


فجعل لا يلقي أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها قال الزبير فقلت الله ورسوله أعلم
وقال أبو دجانة رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت إليه فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن أضرب به امرأة
وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أحد النفر الذين كانوا يحملون اللواء من بني عبد الدار وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق إن قتل حمزة بعمه طعيمة بن عدي المقتول يوم بدر قال وحشي فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا فلما
التقى الناس خرجت أنظر حمزة حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزي الغبشاني فلما رآه حمزة قال له هلم إلي يا ابن مقطعة البظور
وكانت أمه ختانة بمكة قال فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم تكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق

(2/60)


فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة هربت إلى الطائف فكنت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليسلموا تعيت علي المذاهب فوالله إني لفي ذلك إذ قال لي رجل ويحك إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أتشهد شهادة الحق فلما رآني قال أوحشي قلت نعم يا رسول الله قال أقعد فحدثني كيف قتلت حمزة فحدثته فلما فرغت قال ويحك غيب عني وجهك
فكنت أتنكبه {صلى الله عليه وسلم} حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله تعالى
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب خرجت معهم وأخذت بحربتي التي قتلت بها حمزة فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما في يده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف فربك أعلم أينا قتله فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد قتلت شر الناس
وذكر ابن إسحاق بإسناد له إلى عبد الله بن عمر وكان شهد اليمامة قال سمعت يومئذ صارخا يقول قتله العبد الأسود
قال ابن إسحاق فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان
فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة
قال ابن إسحاق
وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى قتل قتله ابن قميئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا
فلما قتل مصعب أعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللواء علي بن أبي طالب فقاتل علي ورجال من المسلمين
ولما اشتد القتال يومئذ جلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تحت راية الأنصار وأرسل إلى علي أن قدم الراية فتقدم فقال أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة قال نعم

(2/61)


فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه فقال له أصحابه أفلا أجهزت عليه فقال إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله
ويقال إن أبا سعد هذا خرج بين الصفين وطلب من يبارزه مرارا فلم يخرج إليه أحد فقال يا أصحاب محمد زعمتم أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم
فخرج إليه علي فاختلفا ضربتين فقتله علي
وقد قيل إن سعد بن أبي وقاص هو الذي قتل أبا سعد هذا
وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس ابن طلحة كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بني من أصابك فيقول سمعت رجلا يقول حين رماني خذها وأنا ابن أبي الأقلح
فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان
عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا فتمم الله له ذلك حيا وميتا حسب ما نذكره عند مقتل عاصم على الرجيع ماء لهذيل إن شاء الله تعالى
والتقى يوم أحد حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود بن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لذلك غسلته الملائكة
ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ونهكوكم قتلا
وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة وكانت الهزيمة لا شك فيها

(2/62)


فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله قد فتح لإخوانهم قالوا والله ما نجلس هنا لشيء قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين فتركوا منازلهم التي عهد إليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن لا يتركوها وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا ولم يكن نبل ينضحها ووجدت مدخلا عليهم فكان ذلك سبب الهزيمة على المسلمين بعد أن كانت لهم
قال الزبير بن العوام رضي الله عنه والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها منكشفات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من خلفنا وصرخ صارخ ألا أن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم
وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو ويقال إن الصارخ هو الشيطان
وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة
حتى خلص العدو إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج في وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل {صلى الله عليه وسلم} يمسحه وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم
فأنزل الله عليه في ذلك ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون آل عمران 128
وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبي وقاص وشجه عبد الله ابن شهاب الزهري في جبهته وجرح ابن قميئة وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع {صلى الله عليه وسلم} في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة ابن عبيد الله حتى استوى قائما
ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجهه ثم ازدرده فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من مس دمه دمي لم تصبه النار
وقال {صلى الله عليه وسلم} من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة

(2/63)


ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه {صلى الله عليه وسلم} فسقطت ثنيته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان ساقط الثنيتين
وكان سعد بن أبي وقاص يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص وهو أخوه وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه ولقد كفاني منه قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين غشيه القوم من رجل يشري لنا نفسه فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار وبعض الناس يقولون إنما هو
عمارة بن زياد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجلا ثم رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد أو عمارة فقاتل حتى أثبتته الجراحة ثم جاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أدنوه مني
فأدنوه منه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يومئذ قالت خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت من أصابك بهذا قالت ابن قميئة أقمأه الله لما ولى الناس عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا
فاعترضته أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان
وترس دون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل
ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال سعد فلقد رأيته يناولني النبل ويقول أرم فداك أبي وأمي حتى إنه ليناولني السهم ما له من نصل فيقول ارم به
ورمى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها

(2/64)


وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان فردها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما
وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج
وأتى أنس بن النضر عم أنس بن مالك وبه سمي إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قد قتل محمد رسول الله
قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا على ما مات عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى
وروي حميد عن أنس أن عمه أنس بن النضر هذا غاب عن قتال يوم بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المشركين لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين وأعتذر إليك مما جاء به هؤلاء يعني المسلمين ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد واها لريح الجنة
فقال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع
فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وقد مثلوا به حتى عرفته أخته ببنانه
قال أنس كنا نقول أنزلت هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الأحزاب 23 فيه وفي أصحابه
قال ابن إسحاق وكان أول من عرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد الهزيمة وتحدث الناس بقتله كعب بن مالك الأنصاري قال عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فأشار إلي أن أنصت
فلما عرف المسلمون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين
فلما أسند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا فقال
دعوه

(2/65)


فلما دنا تناول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحربة من الحارث بن الصمة يقول بعض القوم فلما أخذها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا
وكان أبي بن خلف يلقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة فيقول يا محمد إن عندي العوذ فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه
فيقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنا أقتلك إن شاء الله
فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد فقالوا له ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس
قال إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك
فوالله لو بصق علي لقتلني
فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما قاله يومئذ اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله
فسحقا لأصحاب السعير
ولما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس فجاء به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم فصب على رأسه وهو يقول اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله
فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذا علت عالية من قريش الجبل فقال اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل
ونهض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع وقد كان بدن وظاهر بين درعين فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فقال {صلى الله عليه وسلم} أوجب طلحة
وصلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر يومئذ قاعدا من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا

(2/66)


ولما خرج {صلى الله عليه وسلم} إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن قيس في الآكام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أب لك ما ننتظر فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعل الله يرزقنا شهادة معه فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما
فأما ثابت فقتله المشركون وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه وهم لا يعرفونه فقال حذيفة أبي قالوا والله إن عرفناه
وصدقوا قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
فأراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزاده عند رسول الله خيرا
وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق من أحبار اليهود وقد تقدم خبره وكيف قال - يومئذ - ليهود لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق
فتعللوا عليه بأنه يوم السبت فقال لهم لا سبت لكم
وأخذ سيفه وعدته فلحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء
وفيه قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مخيريق خير يهود
وكان عمرو بن ثابت بن وقش أصيرم بني عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له في الإسلام فأسلم ثم أخذ سيفه فغزا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله أن هذا للأصيرم ما جاء به لقد تركناه وانه لمنكر لهذا الحديث
فسألوه ما جاء بك يا عمرو احدب على قومك أم رغبة في الإسلام قال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني ثم لم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال انه لمن أهل الجنة
وكان أبو هريرة يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلي قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول أصيرم بني عبد الأشهل

(2/67)


وكان عمرو بن الجموح اعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له إن الله قد عذرك
فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك
وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يرحمه الله
ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الأذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة وبقرت عن كبد حمزة رضي الله عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري
شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري
حتى ترم أضلعي في قبري
السريع
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت
خزيت في بدر وبعد بدر
يا بنة وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر
بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري
حمزة ليثي وعلي صقر
أصابني ما أصابني ثم لم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال انه من أهل الجنة
وكان أبو هريرة يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلي قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول أصيرم بني عبد الأشهل
وكان عمرو بن الجموح اعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المشاهدة فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له أن الله قد عذرك
فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله أني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك

(2/68)


وقال لبنيه ما عليكم إلا أن تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل برحمة الله
ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الأذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة وبقرت عن كبد حمزة رضي الله عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري
شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري
حتى ترم أضلعي في قبري
السريع
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت
خزيت في بدر وبعد بدر
يا بنة وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر
بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري
حمزة ليثي وعلي صقر
إذ رام شيب وأبوك غدري
فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
السريع
وقد كان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول ذق عقق فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما
فقال ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة
ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت فعال إن الحرب سجال يوم بيوم بدر اعل هبل
أي ظهر دينك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قم يا عمر فأجبه
فقل الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار
وفي الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان قال إنه لنا العزي ولا عزي لكم
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} أجيبوه
قالوا ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم
وفيه أيضا أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال أفي القوم محمد فقال لا تجيبوه
فقال أفي القوم ابن أبي قحافة قال لا تجيبوه

(2/69)


قال أفي القوم ابن الخطاب فلما لم يجبه أحد قال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك
قال ابن إسحاق فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له هلم إلي يا عمر فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعمر ايته فانظر ما شأنه
فجاءه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا قال عمر اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن قال أنت أصدق عندي من ابن قميئه وأبر
لقول ابن قميئه لهم إني قد قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان إنه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت وما سخطت وما أمرت وما نهيت
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى إن موعدكم بدر العام القابل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرجل من أصحابه قل نعم هو بيننا وبينكم موعد
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم فخرج علي فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة
وفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبتغونهم فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان مع المشركين فتركوه له وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال قد تقدمت إليك في مصرعك هذا ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالدة
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات فقال رجل من الأنصار أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل

(2/70)


فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال فقلت له إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات قال أنا في الأموات فأبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما جزي نبيا عن أمته وأبلغ قومك السلام عني وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم أنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف
قال ثم لم أبرح حتى مات
فجئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبرته خبره
وفي سعد هذا يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد دخل عليه رجل وعلى صدره بنت لسعد جارية صغيرة يرشفها ويقبلها فقال الرجل من هذه فقال أبو بكر رضي الله عنه بنت رجل خير مني سعد بن الربيع كان من النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا واستشهد يوم أحد
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي
قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين رأى ما رأى لولا أن تخزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم
فلما رأى المسلمون حزن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب
فأنزل الله تعالى فيما قاله من ذلك رسوله {صلى الله عليه وسلم} وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون النحل 126 - 127 فعفا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وصبر ونهى عن المثلة
ويقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما وقف على حمزة قال لن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا
ثم قال جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله

(2/71)


ثم أمر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسجي ببرده ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لابنها الزبير بن العوام القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها
فقال لها يا أمه إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأمرك أن ترجعي
قالت ولم وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله
فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له خل سبيلها
فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له
ثم أمر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدفن
وزعم آل عبد الله بن جحش أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دفن عبد الله بن جحش مع حمزة في قبره وهو ابن أخته أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة إلا أنه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه فلذلك يقال له المجدع في الله
وكان في أول النهار قد لقي سعد بن أبي وقاص فقال له عبد الله هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته في دعائه وليؤمن الآخر
فقال سعد يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه سلبه
فأمن عبد الله بن جحش ثم قال اللهم ارزقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت لي يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذناك فأقول فيك يا رب وفي رسولك
فتقول لي صدقت
فأمن سعد على دعوته
قال سعد كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وإن أذنيه وأنفه معلقتان في خيط ولقيت أنا فلانا من المشركين فقتلته وأخذت سلبه
وذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عرجونا فعاد في يده سيفا قائمه منه فقاتل به فكان ذلك السيف يسمى العرجون ولم يزل هذا يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار

(2/72)


واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا
ولما أشرف {صلى الله عليه وسلم} يوم أحد على القتلى قال أنا شهيد على هؤلاء إن ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر
وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد
وقال يومئذ حين أمر بدفن القتلى انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد
وذكر مالك بن انس في موطئه أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش فلما لقيت الناس نعي لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن زوج المرأة منها لبمكان لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها وصياحها على زوجها
ومر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عيناه فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له
فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففعلن فلما سمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه فقال ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن
وقيل إنه لما سمع بكاءهن قال
رحم الله الأنصار فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة مروهن فلينصرفن

(2/73)


ومر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في انصرافه بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين
قالت أرونيه حتى أنظر إليه
فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل تريد صغيرة
فلما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله لقد صدقني اليوم وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال
وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة
وكان يقال لسيف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذو الفقار
ونادي مناد يوم أحد
لا سيف إلا ذو الفقار
ولا فتى إلا علي
الكامل
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعلي بن أبي طالب لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا
وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال
فلما كان الغد منه يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بطلب العدو وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس
فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال يا رسول الله كان أبي خلفني على أخوات لي سبع وقال يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على نفسي فتخلف على أخواتك
فتخلفت عليهن
فأذن له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخرج معه
وإنما خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم
وشهد مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم أحد أخوان من بني عبد الأشهل فرجعا جريحين قال أحدهما فلما أذن مؤذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالخروج في طلب العدو قلت لأخي أو قال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل
فخرجنا وكنت أيسر جرحا منه فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون

(2/74)


وانتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في خروجه ذلك إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة
فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة
وقد مر به هناك معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم
ومشركهم عيبة نصح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم
ثم خرج ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه وقالوا أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم
فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط
فقال ويحك ما تقول قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل
قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم
قال فإني أنهاك عن ذلك والله لقد حملني ما رأيت علي أن قلت فيه أبياتا من الشعر
قال وما قلت قال قلت
كادت تهد من الأصوات راحلتي
إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلة
عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الأرض ماثلة
لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم
إذا تغطمطت البطحاء بالخيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية
لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخشا قنابله
وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
البسيط
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه
ومر به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة
قال فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ إذا ما أتيتموها قالوا نعم

(2/75)


قال فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم
فمر
الركب برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل
ويقال إنهم لما هموا بالرجعة إلى المدينة ليستأصلوا كما زعموا بقية أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لهم صفوان بن أمية لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا
فرجعوا
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب
وأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في وجهه قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان أبا أمه وأبا عزة الجمحي وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أسره ببدر ثم من عليه وقد تقدم ذكر ذلك وذكر مقتله إياه في هذه الأخذة الثانية صدر غزوة أحد ولجأ معاوية بن المغيرة إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعدها وتواري
فبعث النبي {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال إنكما ستجدانه بموضع كذا
فوجداه فقتلاه
وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قلبه وأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته
وكان مما أنزل الله تبارك وتعالى من القرآن في شأن أحد ستون آية من آل عمران في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وصفة ما كان في يومهم وتعزية المؤمنين في مصيبتهم ومعاتبة من عاتب منهم
يقول الله تبارك وتعالى لنبيه {صلى الله عليه وسلم} وإذ غدوت من أهلك تبويء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم
أي سميع لما يقولون عليم بما يخفون
إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا أي تتخاذلا

(2/76)


والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما الجناحان يقول الله تبارك وتعالى والله وليهما أي المدافع عنهما ما همتا به من ذلك برحمته وعائذته حتى سلمتا ولحقتا
بنبيهما
وقيل إنه لما أنزل الله تعالى في هاتين الطائفتين قالتا ما نحب أنا لم نهم بما هممنا لتولي الله إيانا في ذلك
وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل علي وليستعن بي أعنه على أمره وأدفع عنه حتى أبلغ به وأقويه على نيته
ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة أقل عددا وأضعف قوة فاتقوا الله لعلكم تشكرون أي فاتقوني فإنه شكر نعمتي
إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين أي إن تصبروا لعدوي وتطيعوا أمري ويأتوكم من وجههم هذا أمددكم بهذا العدد من الملائكة مسومين أي معلمين
وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم أي ما سميت لكم من سميته من جنود ملائكتي إلا لتستبشروا بذلك وتطمئن قلوبكم إليه لما أعرف من ضعفكم وما النصر إلا من عند الله لسلطاني وقدرتي وذلك أن العزة والحكم لي لا إلى أحد من خلقي
ثم قال لمحمد {صلى الله عليه وسلم} ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم أو أتوب عليهم برحمتي فإن شئت فعلت أو أعذبهم بذنوبهم فبحقي فإنهم ظالمون أي عصوا فاستوجبوا ذلك بمعصيتهم إياي
ثم استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم والبلاء الذي أصابهم والتمحيص لما كان فيهم واتخاذه الشهداء منهم فقال تعزية لهم وتعريفا لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب برسلي والشرك في عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين فرأوا مثلات قد مضت

(2/77)


مني فيهم ولمن هو علي مثل ما هم عليه هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين أي نور وأدب لمن أطاعني وعرف أمري
ولا تهنوا ولا تحزنوا أي لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وأنتم الأعلون لكم تكون العاقبة والظهور إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم صدقتم نبيي بما جاءكم به عني
إن يمسسكم قرح أي جراح فقد مس القوم قرح مثله أي جراح مثلها وتلك الأيام نداولها بين الناس أي نصرفها للبلاء والتمحيص وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين أي حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا كرامة ثوابي ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي والصبر على ما أصابكم في
ولقد كنتم تمنون الموت أي الشهادة من قبل أن تلقوه يعني الذين استنهضوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الخروج بهم إلى عدوهم يوم أحد لما فاتهم من يوم بدر رغبة في الشهادة يقول فقد رأيتموه وأنتم تنظرون
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم أي لقول الناس قتل محمد
وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم
أفئن مات أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم وتركتم جهاد عدوكم وكتاب ربكم وما خلف نبيه من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم به عني أنه ميت عنكم ومفارق لكم ومن ينقلب على عقبيه أي يرجع عن دينه فلن يضر الله شيئا أي لن ينقص ذلك عز الله ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته وسيجزي الله الشاكرين أي من أطاعه وعمل بأمره
وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب

(2/78)


الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) أي من أراد الدنيا خاصة أتاه منها ما كتب له وما له في الآخرة من نصيب ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن آتاه منها ما وعد به مع ما يجري عليه في دنياه من رزقه المقدر له وذلك هو جزاء الشاكرين أي المتقين
وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا أي وكم من نبي أصابه القتل ومعه جماعات من أنصاره فما وهنوا لفقد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم وذلك هو الصبر والله يحب الصابرين
وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين أي فقولوا مثل ما قالوا واعلموا أن ذلك بذنوب منكم فاستغفروه كما استغفروا وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين وسلوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين
فكل هذا من قولهم كان وقد قتل نبيهم ولم يفعلوا كما فعلتم
فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم وحسن ثواب الآخرة الذي به وعدهم والله يحب المحسنين
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين أي عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم
بل الله مولاكم وهو خير الناصرين فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا عن قلوبكم فاعتصموا به ولا تنتصروا بغيره ولا ترجعوا كفارا على أعقابكم مرتدين عن دينه
سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي به كنت أنصركم عليهم جزاء لهم بما أشركوا بي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهورا عليكم ما
اعتصمتم بي واتبعتم أمري وإنما أصابكم منهم ما أصابكم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمري وعصيتم فيها نبيي

(2/79)


ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون أي لقد وفيت لكم ما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف أي تستأصلونهم قتلا بإذني وتسليطي أيديكم عليهم وكفي أيديهم عنكم حتى إذا فشلتم أي تخاذلتم وتنازعتم في الأمر اختلفتم فيه وعصيتم بترك أمر نبيكم يعني الرماة الذين عهد إليهم ألا يفارقوا مكانهم فخالفوا أمره حتى أتي المسلمون من قبلهم من بعد ما أراكم ما تحبون أي الفتح لا شك فيه وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم منكم من يريد الدنيا أي النهب ومنكم من يريد الآخرة أي الذين جاهدوا في الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين أي أنه سبحانه وإن عاقب من يشاء من عباده ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة فإنه غير مستوف كل ماله فيهم من الحق بما أصابوا من معصية فضلا من الله ورحمة
ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهو يدعوهم ولا يعطفون عليه فقال إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم أي كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم وعلو عدوكم عليكم وما وقع في أنفسكم حين سمعتم أنه قتل نبيكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الظهور على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم بما فرجت عنكم من الكرب بوقاية نبيكم وكشف كرب الشيطان في الصراخ بقتله بينكم فكان هذا هو الذي فرج الله به عنهم ما تابع عليهم من الغم فلما رأوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حيا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم والمصيبة التي أصابتهم فيمن قتل منهم
ثم قال تعالى بعد آيات ذكر فيها ما ذكر من قصة أحد وما أصابكم يوم

(2/80)


التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) يعني عبد الله بن أبي والراجعين عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين سار إلى عدوه من المشركين
يقول الله تبارك وتعالى هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين
ثم قال لنبيه {صلى الله عليه وسلم} يرغب المؤمنين في الجهاد ويهون عليهم القتل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزدهوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تبارك وتعالى فأنا ابلغهم عنكم فانزل الله عز ذكره على رسوله {صلى الله عليه وسلم} هذه الآيات ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله إلى آخرها
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا
وسئل عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا فقال أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا انه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فيطلع الله إليهم اطلاعة
فيقول يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا

(2/81)


ثم يطلع الله إليهم اطلاعة فيقول يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث نشاء ثم يطلع إليهم اطلاعة فيقول يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم فيقولون ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا ثم تردنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لجابر بن عبد الله ألا أبشرك يا جابر قال قلت بلى يا رسول الله قال إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن افعل بك قال أي رب احب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار وان له الدنيا وما فيها إلا الشهيد فانه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في الله فيقتل مره أخرى
واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلا أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار وقتل الله من المشركين يومئذ اثنين وعشرون
وكان مما قيل من الشعر في يوم أحد قول كعب بن مالك الأنصاري رحمه الله
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم
من الأرض خرق سيره متتعتع
صحار وأعلام كأن قتامها
من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس درجا
ويحلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسري يلوح صليبها
كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة
وبيض نعام قيضة يتقلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة
مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت في الصوان كأنها
إذا لبست نهي من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم
من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها
سوانا لقد أجلوا بليل فأقشع
إذا جاء منا راكب كان قوله
أعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع
ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا
علام إذا لم يمنع العرض نزرع
وفينا رسول الله نتبع أمره
إذا قال فينا القول لا نتطلع

(2/82)


تدلى عليه الروح من عند ربه
ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصدنا
إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا
ذروا عنكم هول المنيات واطمع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا
على الله إن الأمر لله أجمع
وكونوا كمن يشري الحياة تقربا
إلى ملك يحيا لديه ويرجع
فسرنا إليهم جهرة في رحالهم
ضحيا علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنور والقنا
إذا ضربوا أقدامها لا تروع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه
أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نضية
ثلاث ميين إن كثرنا وأربع
نغاورهم تجري المنية بيننا
نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادي قسي النبع فينا وفيهم
وما هو إلا اليثربي المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية
يذر عليها السم ساعة تصنع
وخيل تراها بالفضاء كأنها
جراد صبا في قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى
وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم
كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية
كأن ذكاها حر نار تلفع
وراحوا سراعا موجعين كأنهم
جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا
أسود على لحم ببيشة ظلع
فنلنا ونال القوم منا وربما
فعلنا ولكن ما لدي الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم
وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة
على كل من يحمي الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا ترى
على هالك عين لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله
ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش
ولا نحن من أظفارها نتوجع
الطويل
وقال حسان بن ثابت يجيب عبد الله بن الزبعري عن كلمة له على روي هذا الجواب يفخر فيها بيوم أحد وكلتا الكلمتين ينكرها بعض أهل العلم لمن نسبت إليه
أشاقتك من أم الوليد ربوع
بلاقع ما من أهلهن جميع
عفاهن ضيفي الرياح وواكف
من الدلو زحاف السحاب هموع
فلم يبق إلا موقد النار حوله
رواكد أمثال الحمام كنوع
فدع ذكر دار بددت بين أهلها
نوى لمتينات الجبال قطوع

(2/83)


وقل إن يكن يوم بأحد يعده
سفيه فإن الحق سوف يشيع
فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم
وكان لهم ذكر هناك رفيع
وحامى بنو النجار فيه وصابروا
وما كان منهم في اللقاء جزوع
أمام رسول الله لا يخذلونه
لهم ناصر من ربهم وشفيع
وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم
ولا يستوي عبد وفي ومضيع
بأيديهم بيض إذا حمي الوغى
فلا بد أن يودي بهن صريع
كما غادرت في النقع عتبة ثاويا
وسعدا صريعا والوشيج شروع
وقد غادرت تحت العجاجة مسندا
أبيا وقد بل القميص نجيع
بكف رسول الله حيث تنصبت
على القوم مما قد يثرن نقوع
أولئك قوسم سادة من فروعكم
وفي كل قوم سادة وفروع
بهن نعز لله حتى يعزنا
وإن كان أمر يا سخين فظيع
فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم
قتيل ثوى الله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزلة له
وأمر الذي يقضي الأمور سريع
وقتلاكم في النار أفضل رزقهم
حميم معا في جوفها وضريع
الطويل
وقال كعب بن مالك يجيب ابن الزبعري وعمرو بن العاص عن كلمتين قالاها في ذلك
أبلغ قريشا وخير القول أصدقه
والصدق عند ذوي الألباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم
أهل اللواء ففيما يكثر القيل
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد
فيه مع النصر ميكال وجبريل
إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا
والقتل في الحق عند الله تفضيل
وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها
فرأي من خالف الإسلام تضليل
فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا
إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها
وعندنا لذوي الأضغان تنكيل
إن ينج منها ابن حرب بعدما بلغت
منه التراقي وأمر الله مفعول
فقد أفادت له حلما وموعظة
لمن يكون له لب ومعقول
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم
ضرب لشاكلة البطحاء ترعيل
تلقاكم عصب حول النبي لها
مما يعدون للهيجا سرابيل
من جذم غسان مسترخ حمائلهم
لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما
يمشي المصاعبة الأدم المراسيل
أو مثل مشي أسود الطل ألثقها
يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
في كل سابغة كالنهي محكمة

(2/84)


قيامها فلح كالسيف بهلول
ترد حد قران النبل خاسئة
ويرجع السيف عنها وهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم
وللحياة ودفع الموت تأجيل
ما زال في القوم وتر منكم أبدا
تعفو السلام عليه وهو مطلول
البسيط
وقال كعب أيضا في يوم أحد من قصيدة يفخر فيها بقومه
فإن كنت عن شأننا سائلا
فسل عنه ذا العلم ممن يلينا
بنا كيف نفعل إن قلصت
عوانا ضروسا عضوضا حجونا
ألسنا نشد عليها العقاب
حتى تدر وحتى تلينا
ويوم له رهج دائم
شديد التهاول حامي الأرينا
طويل شديد أوار القتال
يبغي حواقزه المقر فينا
تخال الكماة بأعراضه
ثمالي على لذة منزفينا
تعاور أيمانهم بينهم
كؤوس المنايا بحد الظبينا
شهدنا وكنا أولى بأسه
وتحت العصابة والمعلمينا
بخرس الحسيس حسان رواء
وبصريه قد أجمن الجفونا
فما ينفللن وما ينحنين
وما ينتهين إذا ما نهينا
كبرق الخريف بأيدي الكماة
يفجعن بالطل هاما سكونا
وعلمنا الضرب آباؤنا
وسوف نعلم أيضا بنينا
جلاد الكماة وبذل التلاد
عن جل أحسابنا ما بقينا
إذا مر قرن كفي نسله
وأورثه بعده آخرينا
نشب وتهلك آباؤنا
وبينا نربي بنينا فنينا
المتقارب
وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
أتعرف الدار عفا رسمها
بعدك صوب المسبل الهاطل
بين السراديح فأرمانة
فمدفع الروحاء في حائل
سألتها عن ذاك فاستعجمت
لم تدر ما مرجوعة السائل
دع عنك دارا قد عفا رسمها
وابك على حمزة ذي النائل
المالئ الشيزي إذا أعصفت
غبراء في ذي الشبم الماحل
والتارك القرن لذي لبدة
يعثر في ذي الخرص الذابل
واللابس الخيل إذا أحجمت
كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من هاشم
لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم
شلت يدا وحشي من قاتل
أي امرئ غادر في ألة
مطرورة مارنة العامل
أظلمت الأرض لفقدانه
واسود نور القمر الناصل
صلى عليه الله في جنة
عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة حرزا لنا
من كل أمر يأتنا نازل
وكان في الإسلام ذا تدرء
يكفيك فقد القاعد الخاذل

(2/85)


لا تفرحي يا هند واستجلبي
دمعا وأذري عبرة الثاكل
وابكي على عتبة إذ قطه
بالسيف تحت الرهج الحائل
إذ خر في مشيخة منكم
من كل عات قلبه جاهل
أرداهم حمزة في أسرة
يمشون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له
نعم وزير الفارس الحامل
الرجز
وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة وتروي أيضا لكعب بن مالك رضي الله عنهم أجمعين
بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا
أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا
هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلي لك الأركان هدت
وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان
مخالطها نعيم لا يزول
الوافر
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة رضي الله عنهما
أسائله أصحاب أحد مخافة
بنات أبي من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى
وزير رسول الله خير وزير
دعاه الإله الحق ذو العرش دعوة
إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجي ونرتجي
لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله ما أنساك ما هبت الصبا
بكاء وحزنا محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها
يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوي عند ذاك وأعظمى
لدى أضبع تعتادني ونسور
أقول وقد أعيي النعي عشيرتي
جزي الله خيرا من أخ ونصير
الطويل
وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكي زوجها شماسا وأصيب يوم أحد
يا عين جودي بفيض غير إبساس
على كريم من الفتيان لباس
صعب البديهة ميمون نقيبته
حمال ألوية ركاب أفراس
أقول لما أتى الناعي له جزعا
أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لما خلت منه مجالسه
لا يبعد الله منا قرب شماس
البسيط
فأجابها أخوها يعزيها فقال
اقنى حياءك في ستر وفي كرم
فإنما كان شماس من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته
في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري
فذاق يومئذ من كأس شماس
البسيط
وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد
رجعت وفي نفسي بلابل جمة
وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي

(2/86)


من أصحاب بدر من قريش وغيرهم
بني هاشم منهم ومن آل يثرب
ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن
كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
الطويل
وهذه هند أم معاوية بن أبي سفيان وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس وأنفة وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد فأصابها من ذلك ما يصيب من مثله النفوس الشهمة والقلوب الكافرة فخرجت إلى أحد مع زوجها أبي سفيان تبتغي الانتصار وتطلب الأوتار فهذا قولها يرحمها الله والوتر يقلقها والكفر يحنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها
ثم إن الله سبحانه هداها إلى الإسلام وأخذ بحجزتها عن سواء النار فصلحت حالها وتبدلت أقوالها حتى قالت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما قالت له والله يا رسول الله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك وما أصبح اليوم على الأرض خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك
أو نحو هذا من القول
فالحمد لله الذي هدانا برسوله أجمعين وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه لا مبدلين ولا مغيرين
غدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد أحد رهط من عضل والقارة وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة فقالوا له يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام
فبعث معهم ستة من أصحابه مرثد بن أبي مرثد الغنوي وأمره عليهم وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق
فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدر الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم

(2/87)


فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا
وقال عاصم
ما علتي وأنا جلد نابل
والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل
الموت حق والحياة باطل
وكل ما حم الإله نازل
بالمرء والمرء إليه آيل
إن لم أقاتلكم فأمي هابل
الرجز
ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه رحمهم الله
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد بمكة وكانت حين أصاب ابنيها يوم أحد نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعه الدبر فقالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه
فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به
وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا وألا يمسه مشرك أبدا تنجسا
فكان عمر بن الخطاب يقول يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران
وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعث به مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم فأخرجوه من الحرم ليقتلوه واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان لما قدم ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي
يقول أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا

(2/88)


ثم قتله رحمه الله نسطاس مولى صفوان
قال ابن عقبة وزعموا أنهم رموه بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزده إلا إيمانا ويقينا
وأما خبيب بن عدي فجلس بمكة في بيت ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب فكانت تخبر بعد ما أسلمت قالت لقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه ووالله ما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل
قالت وقال لي حين حضره القتل ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل فأعطيت الموسى غلاما من الحي فقلت ادخل بها على هذا الرجل قالت فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه فقلت ماذا صنعت أصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل
فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي ثم خلى سبيله
ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاءوا به التنعيم ليصلبوه قال لهم إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا
قالوا له دونك فاركع
فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم فقال أما والله لولا تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة
فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين
ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا
ثم قال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا
ثم قتلوه
فكان معاوية بن أبي سفيان يقول حضرت يومئذ فيمن حضره مع أبي أبي سفيان فلقد رأيته يلقيني في الأرض فرقا من دعوة خبيب وكانوا يقولون الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه
وكان ممن حضره يومئذ سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي ثم أسلم بعد ذلك واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على بعض الشام فكانت تصيبه غشية بين ظهري القوم فذكر ذلك لعمر وقيل إن الرجل مصاب

(2/89)


فسأله عمر رحمه الله في قدمة قدمها عليه فقال يا سعيد ما هذا الذي يصيبك قال والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا وغشي علي فزادته عند عمر خيرا
وذكر ابن عقبة أن خبيبا وزيدا قتلا في يوم واحد قال وزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال وهو جالس في ذلك اليوم الذي قتلا فيه وعليكما أو وعليك السلام خبيب قتلته قريش لا ندري أذكر ابن الدثنة معه أم لا
وقال خبيب يرحمه الله لما اجتمع القوم لصلبه
لقد جمع الأحزاب حولي وآلبوا
قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم
وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي
وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي
فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وان يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه
وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت
ولكن حذاري جحم نار ملفع
ولست أبالي حين أقتل مسلما
على أي جنب كان في الله مضجعي
فلست بمبد للعدو تخشعا
ولا جزعا إني إلى الله مرجعي
الطويل
وقال حسان بن ثابت يبكي خبيبا
يا عين جودي بدمع منك منسكب
وابكي خبيبا مع الفتيان لم يؤب
صقرا توسط في الأنصار منصبه
سمح السجية محضا غير مؤتشب
قد هاج عيني على علات عبرتها
إذ قيل نص إلى جذع من الخشب
يا أيها الراكب الغادي لطيته
أبلغ إليك وعيدا ليس بالكذب
بني كهينة إن الحرب قد لقحت
محلوبها الصاب إذ تمري لمحتلب
فيها أسود بني النجار يقدمهم
شهب الأسنة في معصوصب لجب
البسيط
وقال حسان أيضا يهجو هذيلا
لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك
أحاديث كانت في خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحها
ولحيان جرامون شر الجرائم
أناس هم من قومهم في صميمهم
بمنزلة الزمعان دبر القوائم
هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت
أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدرا ولم تكن

(2/90)


هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوما عليهم
بقتل الذي يحميه دون المحارم
أبابيل دبر شمس دون لحمه
حمت لحمك شهاد عظام الملاحم
لعل هذيلا أن يروا بمصابه
مصارع قتلى أو مقاما لمأتم
ويوقع فيها وقعة ذات صولة
يوافي بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله إن رسوله
رأي رأي ذي حزم بلحيان عالم
قبيلته ليس الوفاء بهمهم
وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم
بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلهم دار البوار ورأيهم
إذا نابهم أمر كرأي البهائم
الطويل
غزوة بئر معونة
وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد
وكان من حديثهم أن أبا براء ملاعب الأسنة واسمه عامر بن مالك بن جعفر قدم المدينة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فعرض عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال يا محمد لو بعث رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إني أخشى عليهم أهل نجد قال أنا لهم جار فابعثهم فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء وعامر بن فهيرة في رجال مسمين من خيار المسلمين
فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرة بني سليم أقرب
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلما أتاهم لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه وقالوا لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا

(2/91)


فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم رحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار يرحمه الله فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف قيل إنه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله إن لهذا الطير لشأنا
فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة
فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ما ترى
قال أرى أن نلحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنخبره الخبر
فقال الأنصاري لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرني عنه الرجال
ثم قاتل القوم حتى قتل
وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فخرجة عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه فسألهما ممن أنتما فقالا من بني عامر
فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر في ما أصابوه من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان مع العامريين عقد من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية فلما قدم عمرو على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره الخبر قال لقد قتلت قتيلين لأدينهما
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا
وكان فيمن أصيب يومئذ عامر بن فهيرة فكان عامر بن الطفيل يقول من
رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه قالوا هو عامر بن فهيرة
وذكر ابن عقبة أنه لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يومئذ فيرون أن الملائكة هي وارته رحمة الله عليه

(2/92)


وكان جبار بن سلمى فيمن حضرها يومئذ مع عامر بن الطفيل ثم أسلم فكان يقول إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا منهم بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول فزت والله فقلت في نفسي ما فاز ألست قد قتلت الرجل حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة
فقلت فاز لعمر الله
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شهرا يدعو في صلاة الغداة على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله وأنزل فيمن قتل هنالك قرآن ثم رفع بلغوا عنا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه
ذكر غزوة بني النضير والسبب الذي هاج الخروج إليهم
وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرج إليهم يستعينهم في دية العامريين اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عقد لهما فقالوا له لما كلمهم في ذلك نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك
فجلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى ظل جدار من جدر بيوتهم معه نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ينتظرون أن يصلحوا أمرهم
فخلا بعضهم ببعض والشيطان معهم لا يفارقهم فائتمروا بقتل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقالوا إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه
فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك
وصعد ليفعل
فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الخبر من السماء بما أراد القوم فقام راجعا إلى المدينة وترك أصحابه في مجلسهم فلما استلبث النبي {صلى الله عليه وسلم} أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال لقيته داخلا المدينة فأقبلوا حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم ثم سار بالناس ونزل بهم فتحصنوا منه في الحصون

(2/93)


وعرض عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الجلاء عن أوطانهم وأن يسيروا حيث شاءوا فراسلهم أولياؤهم من المنافقين عبد الله بن أبي في رهط من قومه حين سمعوا ما يراد منهم أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم إن قاتلتم قاتلنا معكم وإن خرجتم خرجنا معكم
فغرتهم أماني المنافقين ونادوا النبي {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه إنا والله لا نخرج ولئن قاتلتنا لنقاتلنك
فمضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأمر الله فيهم فلما انتهى إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال في دورهم وحصونهم فحفظ الله له أمره وعزم له على رشده فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم وبالنخيل أن تحرق وتقطع وكف الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصرونهم وألقى الله في قلوب الفريقين كليهما الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها فلما كادوا يبلغون آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين ويتربصون من نصرهم ما كانوا يمنونهم به حتى يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الذي كان عرض عليهم قبل ذلك
فقاضاهم {صلى الله عليه وسلم} على أن يجليهم ويكف عن دمائهم وعلى أن لهم ما استقلت به الإبل من أموالهم إلا الحلقة فقط
فطاروا بذلك كل مطير وتحملوا بما أقلت إبلهم حتى إن الرجل ليهدم بيته عن نجاف بابه في فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به
فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وكان أشرافهم بنو أبي الحقيق وحيي بن أخطب فيمن سار إلى خيبر فلما نزلوها دان لهم أهلها
وخلي بنو النضير الأموال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكانت له خاصة بحكم الله له بها ليضعها حيث شاء فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منها
وكانت اليهود قد عيروا المسلمين حين يهدمون الدور ويقطعون النخل

(2/94)


فنادوا أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها وما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون في الأرض فأنزل الله سبحانه في قصتهم وما ذكروه من قولهم وبيان وجه الحكم في أموالهم سورة الحشر بأسرها
فقال عز من قائل
سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار للذي كان منهم من الهدم من أدبار بيوتهم وهدم المسلمين لما يليهم منها
ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا أي بالسيف ولهم في الآخرة عذاب النار أي مع ما لقوه في الدنيا من النقمة
ثم قال تعالى فيما عابوه من قطع النخيل وعدوه من ذلك فسادا ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله أي فبأمر الله قطعت لم يكن ذلك فسادا بل نقمة أنزلها بهم وليخزي الفاسقين
ثم بين تعالى لرسوله الحكم في أموالهم وأنها نفل له لا سهم لأحد فيها معه فقال عز ذكره وجل قوله وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير فقسمها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيمن أراه الله من المهاجرين الأولين كما تقدم وأعطى منها الرجلين المسميين من الأنصار
وقال علي بن أبي طالب يذكر إجلاء بني النضير وما تقدم قبل ذلك من قتل كعب بن الأشرف ويقال بل قالها رجل من المسلمين غير علي
عرفت ومن يعتدل يعرف
وأيقنت حقا ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من
لدى الله ذي الرأفة الأرأف
وسائل تدرس في المؤمنين
بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا
عزيز المقامة والموقف
فيا أيها الموعدوه سفاها
ولم يأت جورا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب
وما آمن الله كالأخوف

(2/95)


وأن تصرعوا تحت أسيافه
كمصرع كعب أبي الأشرف
غداة رأي الله طغيانه
وأعرض كالجمل الأحنف
فأنزل جبريل في قتله
بوحي إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له
بأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولات
متى ينع كعب لها تذرف
وقلن لأحمد ذرنا قليلا
فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا
دحورا على رغم الأنف
وأجلى النضير إلى غربة
وكانوا بدار ذوي زخرف
إلى أذرعات ردافي وهم
على كل ذي دبر أعجف
المتقارب
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما خوفا على أموالهما فأحرزاها وحدث بعض آل يامين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ليامين ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون
غزوة ذات الرقاع
ثم أقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادي ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا
وهي غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم وقيل لأجل شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع
وقيل لما كانوا يعصبون على أرجلهم من الخرق إذ نقبت أقدامهم
فلقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هنالك جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وخاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ بالناس صلاة الخوف ثم انصرف بهم
وفي هذه الغزوة عرض له رجل من محارب يقال له غورث وقد قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف تقتله قال أفتك به
فأقبل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو جالس وسيفه في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا قال نعم
فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله ثم قال يا محمد أما تخافني قال لا والله ما أخاف منك
قال أما تخافني وفي يدي السيف قال بلى يمنعني الله منك
ثم عمد إلى سيف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرده عليه

(2/96)


فأنزل الله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون المائدة 11
وقيل إنها إنما نزلت في عمرو بن جحاش وما هم به من إلقاء الحجر على رسول
الله {صلى الله عليه وسلم} يوم وصل إلى بني النضير مستعينا بهم في دية العامريين
فالله أعلم أي ذلك كان
وحدث جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما أخبر الخبر حلف أن لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع أثر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منزلا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا قال فانتدب رجل من المهاجرين قيل هو عمار بن ياسر ورجل من الأنصار قيل هو عباد بن بشر فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره قال بل اكفني أوله فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي وأتي الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه قال فانتزعه عنه وثبت قائما ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أثبت
قال فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها
وقال جابر بن عبد الله خرجت إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ما لك يا جابر قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي

(2/97)


قال أنخه فأنخته وأناخ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال أعطني هذه العصار من يدك أو اقطع
لي عصا من شجرة ففعلت فأخذها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنخسه بها نخسات ثم قال اركب فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة وتحدثت معه فقال لي أتبيعني جملك هذا يا جابر قلت يا رسول الله بل أهبه لك
قال لا ولكن بعنيه
قلت فسمنيه
قال قد أخذته بدرهم
قلت لا إذن تغبنني يا رسول الله
قال فبدرهمين
قلت لا
فلم يزل يرفع لي حتى بلغ الأوقية فقلت أقد رضيت قال نعم
قلت فهو لك
قال قد أخذته
ثم قال يا جابر هل تزوجت بعد قلت نعم يا رسول الله قال أثيبا أم بكرا قلت بل ثيبا
قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قلت يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعة تجمع رءوسهن وتقوم عليهن
قال أصبت إن شاء الله أما إنه لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها
قلت والله يا رسول الله مالها من نمارق
قال إنها ستكون
فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا
قال فلما جئنا صرارا أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم فلما أمسى دخل ودخلنا فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قالت فدونك فسمع وطاعة
فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم جلست في المسجد قريبا منه وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرأى الجمل فقال ما هذا فقالوا يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر
قال فأين جابر فدعيت له
فقال يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك
ودعا بلالا وقال اذهب بجابر فأعطه أوقية
قال فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا فوالله ما زال ينمي عندي ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة
قال ابن إسحاق ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادي الأولى وجمادي الآخرة ورجب
ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله فأقام عليه ثماني ليال ينتظره

(2/98)


وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران وبعض الناس يقول غسفان ثم بدا له في الرجوع فقال يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن فإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا
فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشى بن عمرو الضمري وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بني ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك
قال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك من حاجة
ومر برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو هناك ينتظر أبا سفيان معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال وناقته تهوى به وقد رأى مكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
قد نفرت من رفقتي محمد
وعجوة من يثرب كالعنجد
تهوى على دين أبيها الأتلد
قد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد
الرجز
وقال عبد الله بن رواحة في ذلك ويقال إنها لكعب بن مالك
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد
لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا
لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا بها أوصال عتبة وابنه
وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم
وأمركم السيئ الذي كان غاويا
فإني وإن عنفتموني لقائل
فدا لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره
شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
الطويل
وقال حسان بن ثابت في ذلك
دعوا فلجات الشام قد حال دونها
جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم
وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج
فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرس النروع ثمانيا
بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه
وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامي تذري أصوله
مناسم أخفاف المطي الرواتك
فإن تلق في تطوافنا والتماسنا

(2/99)


فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده
يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة
فإنك من غر الرجال الصعالك
الطويل
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وهي سنة أربع من مقدمة المدينة ثم غزا دومة الجندل ثم رجع قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا {صلى الله عليه وسلم}
غزوة الخندق
وكانت في شوال من سنة خمس في قول ابن إسحاق
وكان من الحديث عن الخندق أنه لما أجلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بني النضير خرج نفر من اليهود سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان في نفر من بني النضير وبني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين قدموا مكة على قريش فاستفزوهم واستنفروهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودعوهم إلى حربه وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله
فقالت لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا النساء 51 - 52
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاجتمعوا لذلك واتعدوا له
ثم خرج أولئك النفر حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه قريشا وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك
وجعلت يهود لغطفان تحريضا على الخروج نصف تمر خيبر كل عام
فزعموا أن الحارث بن عوف أخا بني مرة قال لعيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر ولقومه من غطفان يا قوم أطيعوني دعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوه من العرب فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع ونفذوا لأمر عيينة على قتال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

(2/100)


وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طليحة الأسدي فيمن اتبعه من بني أسد وهما الحليفان أسد وغطفان
وكتبت قريش إلى رجال من بني سليم أشراف بينهم وبينهم أرحام استمدادا لهم فأقبل أبو الأعور بمن اتبعه من سليم مددا لقريش
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة والحارث بن عوف في بني مرة ومسعر بن رخيلة الأشجعي فيمن تابعه من قومه من أشجع وتكامل لهم ولمن استمدوه فأمدهم جمع عظيم هم الذين سماهم الله الأحزاب
فلما سمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخروجهم وبما اجمعوا له من الأمر اخذ في حفر الخندق وضربه على المدينة فعمل فيه {صلى الله عليه وسلم} ترغيبا للمسلمين في العمل والأجر وعمل معه المسلمون فدأب فيه ودأبوا حتى أحكموه
وأبطأ عنهم في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا إذن وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له فأنزل الله في أولئك من المؤمنين إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شانهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم
الله إن الله غفور رحيم ) النور 62
فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الحرب والطاعة لله ولرسوله
ثم قال تبارك وتعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي {صلى الله عليه وسلم} لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم 63 النور

(2/101)


وكانت في حفر الخندق أحاديث فيها من الله عبرة في تصديق رسوله وتحقيق نبوته عاين ذلك المسلمون
فمنها أنه اشتد عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة
ودعت عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير ابنة لها من بشير فأعطتها حفنة من تمر في ثوبها ثم قالت أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما
قالت فأخذتها فانطلقت فمررت برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا التمس أبي وخالي فقال تعالي يا بنية ما هذا معك قالت قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه
قال هاتيه
قالت فصببته في كفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء
فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب
وقال جابر بن عبد الله عملنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الخندق وكنا نعمل فيه
نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا فكانت معي شويهة غير جد سمينة فقلت والله لو صنعناها لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما أمسينا وأراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الانصراف عن الخندق قلت يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي
وإنما أريد أن ينصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معي وحده
فلما قلت له ذلك قال نعم
ثم أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بيت جابر بن عبد الله

(2/102)


قال قلت إنا لله وإنا إليه راجعون فأقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والناس معه فجلس وأخرجناها إليه فبرك وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها
وحدث سلمان الفارسي قال ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} قريب مني فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب قال أوقد رأيت ذلك يا سلمان قلت نعم
قال أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب وأما الثالثة فإن الله فتح بها علي المشرق
فكان أبو هريرة يقول حين فتحت الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} مفاتيحها قبل ذلك
ولما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم
من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام
وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتي كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قومه وعاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي ويحك يا كعب افتح لي
فقال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لي أكلمك

(2/103)


قال ما أنا بفاعل
قال والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها
فاحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جنب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه
فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء
فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن ادخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك
فنقض كعب بن أسد عهده وبريء مما كان بينه وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والى المسلمين بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سعد ابن معاذ وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم فإن كان حقا فالحنوا إلي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به للناس
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم نالوا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقالوا من رسول الله لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا أربي من المشاتمة
ثم أقبلا ومن معهما إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة
أي كعذر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين

(2/104)


وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين وحتى قال قائل منهم كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط
وأقام عليه المشركون قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمياء
بالنبل والحصار
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينها المراوضة في الصلح حتى كتبوا
الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمرا تحبه فتصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا قال بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما
فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيكم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأنت وذلك
فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتب ثم قال ليجهدوا علينا
فأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم

(2/105)


ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وكان عمرو بن عبد ود قد
قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز فبرز علي بن أبي طالب فقال له يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه فقال له أجل فقال له علي فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام
قال لا حاجة لي بذلك
قال فإني أدعوك إلي النزال
قال له ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك
قال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي
وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة
وذكر ابن إسحاق في غير رواية البكائي أن عمرا لما نادى يطلب من يبارزه قام علي رضي الله عنه وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله
فقال له اجلس إنه عمرو ثم ذكر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إلي رجلا فقام علي فقال أنا له يا رسول الله
قال اجلس إنه عمرو
ثم نادى الثالثة وقال
ولقد بححت من النداء
بجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع
وقفة الرجل المناجز
وكذاك أني لم أزل
متسرعا نحو الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى
والجود من خير الغرائز
الكامل
فقام علي رضي الله عنه فقال أنا له يا رسول الله
فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمرا
فأذن له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فمشى إليه علي وهو يقول
لا تعجلن فقد أتاك
مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة
والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيم

(2/106)


عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى
ذكرها عند الهزاهز
الكامل
فقال عمرو من أنت قال أنا علي قال ابن عبد مناف قال أنا علي بن أبي طالب
فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك
فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك
فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا
ويقال إنه كان على فرسه فقال له علي كيف أقاتلك وأنت على فرسك ولكن انزل معي
فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي على حبل العاتق فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} التكبير فعرف أن عليا قد قتله فثم يقول علي رضي الله عنه
أعلى تقتحم الفوارس هكذا
عني وعنه أخبروا أصحابي
فاليوم يمنعني الفرار حفيظتي
ومصمم في الرأس ليس بنابي
أدى عمير حين أخلص صقله
صافي الحديدة يستفيض ثوابي
فغدوت ألتمس القراع بمرهف
عضب مع النتراء في إقراب
قال ابن عبد حين شد ألية
وحلفت فاستمعوا من الكذاب
أن لا يفر ولا يهلل فالتقى
أسدان يضطربان كل ضراب
نصر الحجارة من سفاهة رأيه
ونصرت دين محمد بصواب
فصددت حين تركته متجدلا
كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني
كنت المجدل بزني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه
ونبيه يا معشر الأحزاب
الكامل
وكان شعار أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم الخندق وبني قريظة حم لا ينصرون
وكانت عائشة رضي الله عنها يوم الخندق في حصن بني حارثة وكان من
أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد وعليه درع له مقلصة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد بها أي يسرع بها في نشاط وهو يقول
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل
لا بأس بالموت إذا حان الأجل
الرجز
فقالت أمه الحق أي بني فقد والله أخرت
قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي

(2/107)


قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بسهم فقطع منه الأكحل رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة
فقال له سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة
وكان عبد الله بن كعب بن مالك يقول ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقال في ذلك شعرا يخاطب به عكرمة بن أبي جهل
أعكرم هلا لمتني إذ يقول لي
فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدا مرشة
لها بين أثناء المرافق عائد
قضي نحبه منها سعيد فأعولت
عليه مع الشمط العذاري النواهد
الطويل
في أبيات ذكرها ابن إسحاق
ويقال إن الذي رمى سعدا خفاقة بن عاصم بن حبان
فالله أعلم أي ذلك كان
وكانت صفية بنت عبد المطلب في فارع أطم حسان بن ثابت قالت
وحسان معنا فيه مع النساء والصبيان
قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت قالت قلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه فانزل إليه فاقتله
قال يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد علمت ما أنا بصاحب هذا
فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت لحسان انزل فاسلبه فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل
قال مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب

(2/108)


وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة
فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم
قالوا صدقت فلست عندنا بمتهم
فقال لهم إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم فلا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا
تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه
قالوا لقد أشرت بالرأي
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من رجالهم قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا وإنه قد بلغني أمر رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني
قالوا نفعل
قال تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم فأرسل إليهم نعم
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهمونني
قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني
قالوا نفعل
ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم

(2/109)


فلما كانت ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله لرسوله {صلى الله عليه وسلم} أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان والله إن
الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق
فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم
فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا
فأبوا عليهم
وخذل الله بينهم وبعث عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم
فلما انتهى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم فحدث حذيفة رحمه الله وقد قال له رجل من أهل الكوفة يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي
قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد
قال الرجل والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا

(2/110)


فقال حذيفة يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا
فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه
قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت من أنت قال فلان بن فلان
وذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلي جانبيه يمينا ويسارا قال وبدرهم بالمسألة خشية أن يفطنوا له
قال حذيفة ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل
ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم
ولولا عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم
فرجعت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم
ولما أصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون معه وقد عضهم الحصار فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح
فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج

(2/111)


ويقولون فيما ذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان في المغتسل عندما جاءه جبريل وهو يرجل رأسه قد رجل أحد شقيه
فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز وإن على وجه جبريل لأثر الغبار فخرج إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له جبريل غفر الله لك أقد وضعتم السلاح قال نعم
قال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مؤذنا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة
وقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس فسار علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرجع حتى لقى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابيث
قال لم أظنك سمعت منهم لي أذى قال نعم
قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا
فلما دنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا
ومر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنفر من أصحابه في طريقه قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم أحد قالوا يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم
وتلاحق الناس برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة فصلوا العصر بها من بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسوله
وذكر ابن عقبة أن الناس لما حانت العصر وهم في الطريق ذكروا الصلاة فقال بعضهم ألم تعلموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة
وقال آخرون هي الصلاة

(2/112)


فصلى منهم طائفة وأخرت الصلاة طائفة حتى صلوها في بني قريظة بعد أن غابت الشمس فذكروا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عجل الصلاة ومن أخرها فذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم يعنف واحدة من الطائفتين
وحاصر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بني قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب
وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم
قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب بن أسد يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا آيها شئتم فقالوا و ما هي قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم انه نبي مرسل وانه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء
قالوا أنقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد واصحابه قد آمنوا فيها فأنزلوا لعلنا نصيب من محمد واصحابه غره
قالوا أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة واحدة من الدهر
ثم انهم بعثوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن ابعث إلينا أبا لبابه بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في امرنا فأرسله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم
وأشار بيده إلى حلقه انه الذبح

(2/113)


قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده
وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله أن لا أطأ بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا
فلما بلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خبره وكان قد استبطأه قال أما انه لو كان جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه
فنزلت توبته على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو في بيت أم سلمه قالت سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من السحر وهو يضحك قلت مم تضحك أضحك الله سنك قال تيب على أبي لبابة
قالت قلت أفلا ابشره يا رسول الله
قال بلى أن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابه ابشر فقد تاب الله عليك
قالت فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هو الذي يطلقني بيده
فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه
وذكر ابن هشام أن أبا لبابه أقام مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته في كل وقت صلاه فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط بالجذع
والآية التي نزلت في توبته وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم أن الله غفور رحيم التوبة 102 وأنزل الله في أبي لبابة فيما روي عن عبد الله بن قتادة
يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون الأنفال 27

(2/114)


ثم إن ثعلبة بن سعيه وأسيد بن سعيه وأسد بن عمير وهم نفر من بني هدل ليسوا من بني قريظة ولا بني النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأحرزوا دماءهم وأموالهم وكان إسلامهم فيما زعموا عما كان ألقاه إليهم من أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ابن الهيبان القادم عليهم قبل الإسلام متوكفا لخروج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومحققا لنبوته فنفع الله هؤلاء الثلاثة بذلك واستنقذهم به من النار
وقد تقدم ذكر خبره فيما مضى من هذا الكتاب
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي
فمر بحرس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعليه محمد بن مسلمة فلما رآه قال من هذا قال أنا عمرو بن سعدي
وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال لا أغدر بمحمد أبدا
فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام ثم خلي سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا
فذكر شأنه لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ذلك رجل نجاه الله بوفائه
وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأصبحت رمته ملقاة ولا يدري أين يذهب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيه تلك المقالة
فالله أعلم أي ذلك كان ولما نزل بنو قريظة على حكم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثواثبت الأوس فقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت يريدون بني قينقاع وما كان من حصار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لهم ونزولهم على حكمه وكيف سأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له
فلما كلمته الأوس قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ

(2/115)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد قال لقومه حين أصابه السهم في الخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب
فلما حكمه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة
من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم
فلما أكثروا قال لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم
فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعي لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي سمع منه
فلما انتهى سعد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمين قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قوموا إلى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد الأنصار
وأما الأنصار فيقولون قد عم بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المسلمين
فقاموا إليه فقالوا يا أبا عمرو إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم
فقال سعد بن معاذ عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت قالوا نعم
قال وعلي من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو معرض عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إجلالا له
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
قال سعد فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة
ثم استنزلوا فحسبهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المدينة في دار امرأة من بني النجار ثم خرج {صلى الله عليه وسلم} إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليها أرسالا
وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر يقول كانوا بين الثمان المائة والتسع المائة

(2/116)


وقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أرسالا يا كعب ما تراه يصنع بنا قال أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون أن الداعي لا ينزع وأن من ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل
فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأتي بعدو الله حيي بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال أما والله ما لمت
نفسي في عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه
فقال في ذلك جبل بن جوال الثعلبي
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه
ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها
وقلقل يبغي العز كل مقلقل
الطويل
بل ابتغي عدو الله ذل الأبد فوجده وجاهد الله فجهده فأصبح برأيه القائل وسعيه الخاسر من الذين لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار
وقتل من نساء بني قريظة امرأة واحدة لم يقتل من نسائهم غيرها قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها والله إنها لعندي تحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قلت لها ويلك مالك قالت أقتل
قلت ولم قالت لحدث أحدثته
فانطلق بها فضربت عنقها
فكانت عائشة تقول والله لا أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد علمت أنها تقتل
قال ابن هشام هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته
وكان الزبير بن باطا القرظي قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية أخذه يوم بعاث فجز ناصيته ثم خلي سبيله
فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلي مثلك
قال فإني أردت أن أجزيك بيدك عندي
قال إن الكريم يجزي الكريم

(2/117)


ثم أتى ثابت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إنه كان للزبير علي منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هو لك
فأتاه فقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد وهب لي دمك فهو لك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال بأبي أنت وأمي
يا رسول الله امرأته وولده
قال هم لك
فأتاه فقال قد وهب لي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أهلك وولدك فهم لك
قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتي ثابت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله ماله
قال هو لك
فأتاه ثابت فقال قد أعطاني رسول الله مالك فهو لك فقال أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذاري الحي كعب بن أسد قال قتل
قال فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب قال قتل
قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال
قال قتل
قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة
قال ذهبوا فقتلوا
قال فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة
فقدمه ثابت فضرب عنقه
فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله ألقي الأحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أمر بقتل كل من أنبت منهم
قال عطية القرظي وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي
وكان رفاعة بن شموال القرظي رجلا قد بلغ فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد صلت القبلتين معه وبايعته بيعة النساء فقالت يا نبي الله بأبي أنت وأمي هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل
فوبه فوهبه لها فاستحيته

(2/118)


ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل من ليس له فرس
سهم
وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بني عمرو بن قريظة فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه وكان عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها
وكانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ووجد في نفسه لذلك من أمرها فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن سعيه يبشرني بإسلام ريحانة
فجاءه فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة
فسره ذلك من أمرها
وأنزل الله عز وجل في أمر الخندق وبني قريظة القصة في سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل بهم من البلاء ويذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم حتى فرج عنهم ذلك
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا الأحزاب 9 - 12 في آيات استوفى فيها تعالى ذكر ما شاء من قصتهم

(2/119)


ثم قال سبحانه ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا الأحزاب 24 - 27
فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا يرحمه الله
فذكروا أن جبريل أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين قبض سعد من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش فقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات
وقد كان سعد رجلا بادنا فلما حمله الناس وجدوا له خفة فقال رجال من المنافقين والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه
فبلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال إن له حملة غيركم والذي نفس محمد بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش
وقالت عائشة رضي الله عنها لأسيد بن حضير وهو قافل معها من مكة وبلغه موت امرأة له فحزن عليها بعض الحزن يغفر الله لك أبا يحيى أتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك وقد اهتز له العرش تعني سعدا
وقال جابر بن عبد الله لما دفن سعد ونحن مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسبح الناس معه وكبر فكبر الناس معه فقالوا يا رسول الله مم سبحت قال لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره حتى فرجه الله عنه
ويروى أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ
ولسعد يقول رجل من الأنصار
وما اهتز عرش الله من موت هالك
سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
وقالت أم سعد حين احتمل نعشه وهي تبكيه
ويل أم سعد سعدا
صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا
وفارسا معدا
سد به مسدا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ
وقال حسان بن ثابت يبكي سعدا
لقد سجمت من فيض عيني عبرة
وحق لعيني أن تفيض على سعد
قتيل ثوي في معرك فجعت به

(2/120)


عيون ذواري الدمع دائمة الوجد
على ملة الرحمن وارث جنة
مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودعتنا وتركتنا
وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد
فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد
كريم وأثواب المكارم والحمد
بحكمك في حبي قريظة بالذي
قضي الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم
ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى
شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا
إلى الله يوما للوجاهة والقصد
الطويل
وقال حسان يبكي سعدا ورجالا من الشهداء من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ألا يا لقومي هل لما حم دافع
وهل ما مضى من صالح العيش راجع
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت
بنات الحشا وانهل مني المدامع
صبابة وجد ذكرتني إخوة
وقتلى مضي فيها طفيل ورافع
وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت
منازلهم فالأرض منهم بلاقع
وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم
ظلال المنايا والسيوف اللوامع
دعا فأجابوه بحق وكلهم
مطيع له في كل أمر وسامع
فما نكلوا حتى تولوا جماعة
ولا يقطع الآجال إلا المصارع
لأنهم يرجون منه شفاعة
إذا لم يكن إلا النبيين شافع
فذلك يا خير العباد ملاذنا
إجابتنا لله والموت ناقع
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا
لأولنا في ملة الله تابع
ونعلم أن الملك لله وحده
وأن قضاء الله لا بد واقع
الطويل
ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر كلهم من الأنصار سعد ابن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك وعبد الله بن سهل الأشهليون والطفيل ابن النعمان وثعلبة بن غنمة الجشميان
ومن بني دينار بن النجار كعب بن زيد أصابه سهم غرب فقتله رحمة الله عليهم
واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين خلاد بن سويد من بني الحارث بن الخزرج طرحت عليه رحي فشدخته شدخا شديدا فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن له لأجر شهيدين
ومات أبو سنان بن محصن أخو عكاشة بن محصن ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} محاصر بني قريظة

(2/121)


ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم
فكان كذلك لم تغزهم قريش بعد ذلك وكان هو {صلى الله عليه وسلم} يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة
وقال حسان بن ثابت في يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعري شاعر قريش عن كلمة قالها في ذلك
هل رسم دارسة المقام بباب
متكلم لمحاور بجواب
قفر عفارهم السحاب رسومه
وهبوب كل مظلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم
بيض الوجوه ثواقب الأحساب
فدع الديار وذكر كل خريدة
بيضاء آنسة الحديث كعاب
واشك الهموم إلى الإله وما ترى
من معشر ظلموا الرسول غضاب
ساروا بجمعهم إليه وألبوا
أهل القرى وبوادي الأعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم
متخطمين بحلية الأحزاب
حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا
قتل الرسول ومغنم الأسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم
ردوا بغيظهم على الأعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم
وجنود ربك سيد الأرباب
وكفى الإله المؤمنين قتالهم
وأثابهم في الأجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم
تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه
وأذل كل مكذب مرتاب
عاتي الفؤاد موقع ذي ريبة
في الكفر ليس بطاهر الأثواب
علق الشقاء بقلبه ففؤاده
في الكفر آخر هذه الأحقاب
الكامل
وقال كعب بن مالك في ذلك أيضا يجيب ابن الزبعري عن كلمته
أبقي لنا حدث الحروب بقية
من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرقة الذري ومعاطنا
حم الجذوع غزيرة الأحلاب
كاللوب يبذل جمها وحفيلها
للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعا مثل السراج نمى بها
علف الشعير وجزة المقضاب
عري الشوى منها وأردف نحضها
جرد المتون وسار في الآراب
قودا تراح إلى الصياح إذا غدت
فعل الضراء تراح للكلاب
وتحوط سائمة الذمار وتارة
تردي العدى وتؤوب بالأسلاب
يعدون بالزغف المضاعف شكه
وبمترصات في الثقاف صياب
وصوارم نزع الصياقل غلبها
وبكل أروع ماجد الأنساب
يصل اليمين بمارن متقارب
وكلت وقيعته إلى خباب
وكتيبة ينفي القران قتيرها
وترد حد قواجز النشاب

(2/122)


أعيت أبا كرب وأعيت تبعا
وأبت بسالتها على الأعراب
ومواعظ من ربنا نهدي بها
بلسان أزهر طيب الأثواب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها
من بعد ما عرضت على الأحزاب
حكما يراها المحرمون بزعمهم
حرجا ويفهمها ذوو الألباب
جاءت سخينة كي تغالب ربها
وليغلبن مغالب الغلاب
الكامل
ولما قال كعب بن مالك هذا البيت جاءت سخينة إلى آخره
قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا
لقد علم الأحزاب حين تألبوا
علينا وراموا ديننا ما نوادع
أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت
وخندف لم يدروا بما هو واقع
يذودوننا عن ديننا ونذودهم
عن الكفر والرحمن راء سامع
إذا غايظونا في مقام أعاننا
على غيظهم نصر من الله واسع
وذلك حفظ الله فينا وفضله
علينا ومن لم يحفظ الله ضائع
هدانا لدين الحق واختاره لنا
ولله فوق الصانعين صنائع
الطويل
وقال كعب أيضا
ألا أبلغ قريشا أن سلعا
وما بين العريض إلى الصماد
نواضح في الحروب مدربات
وخوص بقيت من عهد عاد
رواكد يزجر المران فيها
فليست بالجمام ولا الثماد
بلاد لم تثر إلا لكيما
نجالد إن نشطتم للجلاد
أثرنا سكة الأنباط فيها
فلم نر مثلها جلهات وادي
قصرنا كل ذي حضر وطول
على الغايات مقتدر جواد
أجيبونا إلى ما نجتذيكم
من القول المبين والسداد
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
لكم منا إلى شطر المذاد
نصبحكم بكل أخي حروب
وكل مطهم سلس القياد
وكل طمرة خفق حشاها
تدف دفيف صفراء الجراد
وكل مقلص الآراب نهد
تميم الخلق من أخر وهاد
خيول لا تضاع إذا أضيعت
خيول الناس في السنة الجماد
ينازعن الأعنة مصغيات
إذا نادى إلى الفزع المنادي
إذا قالت لنا النذر استعدوا
توكلنا على رب العباد
وقلنا لن يفرج ما لقينا
سوى ضرب القوانس والجهاد
ولم نر عصبة فيمن لقينا
من الأقوام من قار وباد
أشد بسالة منا إذا ما
أردناه وألين في الوداد
إذا ما نحن أشرجنا عليها
جياد الجدل في الأرب الشداد
قذفنا في السوابغ كل صقر
كريم غير معتلث الزناد
ليظهر دينك اللهم إنا

(2/123)


بكفك فاهدنا سبل الرشاد
الوافر
وقال حسان بن ثابت يذكر بني قريظة
تفاقد معشر نصروا قريشا
وليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه
وهم عمي من التوراة بور
كفرتم بالقران وقد أتيتم
بتصديق الذي قال النذير
فهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير
الوافر
ولما سمع ذلك أبو سفيان بن الحارث قال
أدام الله ذلك من صنيع
وحرق في طوائفها السعير
الوافر
في أبيات ذكرها ابن إسحاق لم يأل قائلها أن صدق حسان
وقال في ذلك أيضا جبل بن جوال الثعلبي وبكى النضير وقريظة ونعى على سعد بن معاذ إسلامه مواليه منهم خلاف ما فعل عبد الله بن أبي في بني قينقاع
ألا يا سعد سعد بني معاذ
لما لقيت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بني معاذ
غداة تحملوا لهو الصبور
فأما الخزرجي أبو حباب
فقال لقينقاع لا تسيروا
الوافر
ويقول في آخرها
تركتم قدركم لا شيء فيها
وقدر القوم حامية تفور
فقال سعد حين بلغه هذا الشعر من لقيهم فليحدثهم أنهم خانوا الله ورسوله فأخزاهم الله
مقتل سلام بن أبي الحقيق
وكان سلام بن أبي الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عناء إلا قالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفي الإسلام
فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك
وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتحريضه عليه فقالت الخزرج والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا

(2/124)


فتذاكروا بعد أن انقضى شأن الخندق وبني قريظة من رجل لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} في العداوة كابن الأشرف فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في قتله فأذن لهم فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث بن ربعي وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم
فخرجوا وأمر عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة
فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا فلم يدعوا لهم بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله وكان في علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم فقالوا أناس من العرب نلتمس الميرة
قالت ذاكم صاحبكم فادخلوا إليه
قال فلما دخلنا
أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه
قال وصاحت امرأته فنوهت بنا وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة
قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيكف يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني أي حسبي حسبي
قال وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك رجلا سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا قال ابن هشام ويقال رجله وحملناه حتى نأتي منهرا من عيونهم فندخل فيه
قال وأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي بينهم
فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم
فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدتها ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت وقلت أني ابن عتيك بهذه البلاد

(2/125)


ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت فاظ وإله يهود
فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها
قال ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله كلنا ندعيه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
هاتوا أسيافكم
فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر الطعام
وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق
لله در عصابة لاقيتهم
يا بن الحقيق وأنت يابن الاشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم
مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم
فسقوكم حتفا ببيض ذفف
مستنصرين لنصر دين نبيهم
مستصغرين لكل أمر مجحف
الكامل
ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما
حدث عمرو بن العاص رحمه الله قال لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني فقلت لهم تعلموا والله إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا وإني قد رأيت أمرا فما ترون فيه قالوا وماذا رأيت قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير
قالوا إن هذا لرأي
قلت فاجمعوا ما نهدي له وكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري بعثه إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في شأن جعفر وأصحابه قال فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد قال فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال لي مرحبا بصديقي أهديت لي من بلدك شيئا قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا

(2/126)


ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطينيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا
قال فغضب ثم مد يده وضرب به أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه ثم قلت له أيها الملك والله لو ظننت انك تكره
هذا ما سألتكه قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله قلت أيها الملك أكذلك هو قال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده
قلت أفتبايعني له على الإسلام قال نعم
فبسط يده فبايعته على الإسلام
ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إسلامي ثم خرجت عامدا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين يا أبا سليمان قال والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي أذهب والله فأسلم حتى متى قلت والله ما جئت إلا لأسلم
فقدمنا المدينة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها قال فبايعته وانصرفت
وذكر ابن إسحاق عمن لا يتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار كان معهما أسلم حين أسلما
وذكر غيره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال حين رآهم رمتكم مكة بأفلاذ كبدها
وحدث الواقدي بإسناد له قال قال عثمان بن طلحة لقيني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام فقلت يا محمد العجب لك حين تطمع أن أتبعك وقد خالفت قومك وجئت بدين محدث ففرقت جماعتهم وألفتهم وأذهبت بهاءهم

(2/127)


فانصرف وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فغلظت عليه ونلت منه وحلم عني ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث
شئت
فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بل عمرت وعزت يومئذ
ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال فأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرا شديدا ويزرون برأيي فأمسكت عن ذكره فلما هاجر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة جعلت قريش تشفق من رجوعه عليها فهم على ما هم عليه حتى جاء النفير إلى بدر فخرجت فيمن خرج من قومنا وشهدت المشاهد كلها معهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة عام القضية غير الله قلبي عما كان عليه ودخلني الإسلام وجعلت أفكر فيما نحن عليه وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر وأنظر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه وظلف أنفسهم عن الدنيا فيقع ذلك مني فأقول ما عمل القوم إلا على الثواب لما يكون بعد الموت
وجعلت أحب النظر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أن رأيته خارجا من باب بني شيبة يريد منزلة بالأبطح فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم عليه فلم يعزم لي على ذلك وانصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} راجعا إلى المدينة ثم عزم لي على الخروج إليه فأدلجت إلى بطن يأجج فألقى خالد بن الوليد فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة فما شعرنا إلا بعمرو بن العاص فانقمعنا عنه وانقمع منا ثم قال أين يريد الرجلان فأخبرناه فقال وأنا أريد الذي تريدان
فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبايعته على الإسلام وأقمت حتى خرجت معه في غزوة الفتح ودخل مكة فقال لي يا عثمان ايت بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف

(2/128)


قال عثمان فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال ألم يكن الذي قلت لك فذكرت قوله لي قبل الهجرة بمكة لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت بلى أشهد أنك رسول الله
قال الواقدي فهذا أثبت الوجوه في إسلام عثمان
غزوة بني لحيان
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة
فلما انتهى إلى منازلهم بغران وهو واد بين أمج وعسفان وجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال
فلما أخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأي أهل مكة أنا قد جئنا مكة
فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قافلا
فكان جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول حين وجه راجعا آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال
غارة عيينة بن حصن على سرح المدينة وخروج النبي {صلى الله عليه وسلم} في أثره وهي غزوة ذي قرد
ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة من غزوة بني لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليال قلائل حتى أغار عيينة بن حصن في جبل من غطفان على لقاح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالغابة وفيها رجل من بني غفار وامرأة له فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غدا يريد الغابة متوشحا سيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ واصباحاه
ثم خرج يشد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمي
خذها وأنا ابن الأكوع
اليوم يوم الرضع
الرجز
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال
خذها وأنا ابن الأكوع
اليوم يوم الرضع
فيقول قائلهم أأكيعنا هو أول النهار

(2/129)


وبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع
فترامت الخيل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو وهو الذي يقال له المقداد بن الأسود
ثم كان أول فارس وقف على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان
وأسيد بن ظهير الحارثي يشك فيه وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمي وأبو عياش الزرقي
فلما اجتمعوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر عليهم سعد بن زيد وقال اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس
وقال لأبي عياش يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالناس
قال أبو عياش فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس
ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول لو أعطيته أفرس منك وأقول أنا أفرس الناس فأعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرس أبي عياش هذا فيما زعموا معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص فكان ثامنا
فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة الأخرم ويقال له أيضا قمير ولما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط وهو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صنيعا جاما فقال بعض نساء بني عبد الأشهل يا قمير هل لك في أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى ثم تلحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبالمسلمين قال نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بز الخيل بجمامه حتى أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار وحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية في بني عبد الأشهل
فقيل إنه لم يقتل من المسلمين يومئذ غيره وقد قيل إنه قتل معه وقاص بن محرز المدلجي

(2/130)


ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه بردة ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسلمين فإذا حبيب مسجي ببرد أبي قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده ليعرفوا أنه صاحبه
وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد
فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح
وسار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزل بالجبل من ذي قرد وتلاحق به الناس وأقام عليه يوما وليلة وقال له أبو سلمة بن الأكوع يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنهم الآن ليغبقون في غطفان
فقسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في أصحابه في كل مائة رجل جزورا
وأقاموا عليها ثم رجع قافلا إلى المدينة
وأفلتت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر فلما فرغت قالت يا رسول الله إني قد نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين إنما هي ناقة من إبلي ارجعي إلى أهلك على بركة الله
فهذا حديث ابن إسحاق عن غزوة ذي قرد
وخرج مسلم بن الحجاج رحمه الله حديثا في صحيحه بإسناده إلى سلمة بن الأكوع فذكر حديثا طويلا خالف به حديث ابن إسحاق في مواضع منه فمن ذلك أن هذه الغزوة كانت بعد انصراف الرسول {صلى الله عليه وسلم} من الحديبية وجعلها ابن إسحاق قبل ذلك وكذلك فعل ابن عقبة
وفيه أن سلمة بن الأكوع استنقذ سرح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجملته قال سلمة فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة
قال فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من

(2/131)


ظهر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا خلفته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضخون أي يتغدون وجلست على رأس قرن
قال الفزاري ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا
قال فليقم إليه نفر منكم أربعة قال فصعد إلي منهم أربعة في الجبل فلما أمكنوني من الكلام قلت هل تعرفونني قالوا لا ومن أنت قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد {صلى الله عليه وسلم} لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبني فيدركني
قال أحدهم أنا أظن ذلك فرجعوا
فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يتخللون الشجر فإذا أولهم الأخرم الأسدي على أثره أبو قتادة الأنصاري وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين قلت يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه قال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة
قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن قال فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه
ولحق أبو قتادة فارس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعبد الرحمن فطعنه فقتله فوالذي كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى من ورائي من أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلي أعدو وراءهم فحلأتهم عنه
فما ذاقوا منه قطرة ويخرجون فيشتدون في ثنية فأعدو فألحق رجلا منهم فأمسكه بسهم في نغض كتفه قلت
خذها وأنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع
قال يا ثكلته أمه أأكوعه بكرة قلت نعم يا عدو نفسه أكوعه بكرة

(2/132)


قال وأردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو على الماء الذي حلأتهم عنه قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وكل بردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم وإذا هو يشوي لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} من كبدها وسنامها قلت يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته
فضحك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى بدت نواجذه في ضوء النار قال يا سلمة أتراك كنت فاعلا قلت نعم والذي أكرمك قال إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان
قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا إياكم القوم فخرجوا هاربين
فلما أصبحنا قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالنا سلمة
ثم أعطاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا
وذكر الزبير بن أبي بكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر في غزوة ذي قرد هذه على ماء يقال له بيسان فسأل عنه فقيل اسمه يا رسول الله بيسان وهو مالح
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا بل اسمه نعمان وهو طيب
فغير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الاسم وغير الله تعالى الماء
فاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به وجاء إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أنت يا طلحة إلا فياض
فسمي طلحة الفياض
وكان مما قيل من الشعر في يوم ذي قرد قول حسان بن ثابت
أظن عيينة إذ زارها
بأن سوف يهدم منها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته
وقلتم ستغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها
وآنست للأسد فيها زئيرا
وولوا سراعا كشد النعام
ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك
أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول نصدق ما جاءه
ونتلو كتابا مضيئا منيرا
المتقارب
وقال كعب بن مالك
أيحسب أولاد اللقيطة أننا
على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة
ولا ننثني عند الرماح المداعس

(2/133)


وإنا لنقري الضيف من قمع الذري
ونضرب رأس الأبلج المتشاوس
نرد كماة المعلمين إذا انتحوا
بضرب يسلي نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد
كريم كسرحان الغضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وتلادهم
ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم
بما فعل الإخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم
ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر
به وحر في الصدر ما لم يمارس
الطويل
وقال شداد بن عارض الجشمي في يوم ذي قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك
فهلا كررت أبا مالك
وخيلك مدبرة تقتل
ذكرت الإياب إلى عسجد
وهيهات قد بعد المقفل
وضمنت نفسك ذا ميعة
مسح الفضاء إذا يرسل
إذا قبضته إليك الشمال
جاش كما اضطرم المرجل
فلما عرفتم عباد الإله
لم ينظر الآخر الأول
عرفتم فوارس قد عودوا
طراد الكماة إذا أسهلوا
إذا طردوا الخيل تشقي بهم
فضاحا وإن يطردوا ينزلوا
فيعتصموا في سواء المقام
بالبيض أخلصها الصيقل
المتقارب
غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع
وغزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست وكان بلغه أنهم يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي {صلى الله عليه وسلم}
فلما سمع بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسوله أبناءهم ونساءهم وأموالهم
وكان شعار المسلمين في ذلك اليوم يا منصور أمت أمت
وأصاب يومئذ رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت رجلا من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن أمية بن ليث بن بكر يقال له هشام ابن صبابة وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ
فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار

(2/134)


وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين
فغضب عبد الله بن أبي بن سلول فقال أقد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش هؤلاء إلا كما قال الأول سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل
ثم أقبل على من حضره من قومه وفيهم زيد بن أرقم غلام حدث فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم
وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم
فمشي زيد بن أرقم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره الخبر وذلك عند فراغه من عدوه وعنده عمر بن الخطاب فقال مر به عباد بن بشر فليقتله
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن أذن بالرحيل
وذلك في ساعة لم يكن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرتحل فيها
فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين بلغه أن زيدا بلغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به
وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل
حدبا على ابن أبي ودفعا عنه
فلما استقل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا نبي الله والله لرحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أو ما بلغك ما قال صاحبكم قال وأي صاحب يا رسول الله قال عبد الله بن أبي
قال وما قال قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل
قال فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز
ثم قال يا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا

(2/135)


ثم مشى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ثم راح بالناس فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من الكفار
فلما قدموا المدينة وجدوا
رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم
ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي ومن كان على مثل أمره
فلما نزلت أخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأذن زيد بن أرقم ثم قال هذا الذي أوفى لله بأذنه
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويؤاخذونه ويعنفونه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعظم بركة من أمري
وقدم مقيس بن صبابة من مكة متظاهرا بالإسلام فقال يا رسول الله جئتك مسلما وجئتك أطلب دية أخي قتل خطأ فأمر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله
ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال في شعر له
شفي النفس أن قد بات بالقاع مسندا
تضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله

(2/136)


تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتي
وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله
سراة بني النجار أرباب فارع
الطويل
وقال أيضا
جللته ضربة باتت لها وشل
من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت يغشاه أسرته
لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا
البسيط
وأصاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من بني المصطلق سبيا كثيرا فشا قسمه في المسلمين وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها
قالت عائشة رضي الله عنها وكانت تعني جويرية امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تستعينه في كتابتها فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي
قال فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضي كتابتك وأتزوجك
قالت نعم يا رسول الله
قال قد فعلت
وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد تزوج جويرية
فقال الناس أصهار رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها
وبعث إليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فلما

(2/137)


سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره أن القوم هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأن يغزوهم فبينا هم في ذلك قدم وفدهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعا فبلغنا أنه زعم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنا خرجنا إليه لنقتله ووالله ما جئنا لذلك
فأنزل الله فيه وفيهم يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين الحجرات 6
هكذا ذكر ابن إسحاق أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة ولم يعين مدة توجيهه إياه إليهم وقد يوهم ظاهره أن ذلك كان بحدثان إسلامهم ولا يصح ذلك إذ الوليد بن مسلمة الفتح وإنما كان الفتح في سنة ثمان بعد غزوة بني المصطلق وإسلامهم بسنتين فلا يكون هذا التوجيه إلا بعد ذلك ولا بد
وقد قال أبو عمر بن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل إن جاءكم فاسق بنبأ نزلت في الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بني المصطلق مصدقا والله سبحانه أعلم
وأقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره ذلك حتى إذا كان قريبا من المدينة قال أهل الإفك في الصديقة المبرأة المطهرة عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما ما قالوا
فحدثت يرحمها الله قالت كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه
فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي {صلى الله عليه وسلم}
قالت وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن وكنت إذا رحل لي بعيري
جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به

(2/138)


فلما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لحاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء خلافي القوم الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكان وعرفت أنه لو قد افتقدت لرجع إلي
فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وكان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا متلففة في ثيابي
قال ما خلفك رحمك الله قالت فما كلمته ثم قرب البعير فقال اركبي
واستأخر عني فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني فقال أهل الإفك ما قالوا
فارتعج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك
ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوا شديدا لا يبلغني من ذلك شيء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك في شكوي ذلك فأنكرت ذلك
منه كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك حتى وجدت في نفسي حين رأيت ما رأيت من جفائه لي
فقلت يا رسول الله لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فتمرضني قال لا عليك

(2/139)


فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذ الأعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا نذهب في فسح المدينة وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح
قلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا
قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك
قلت أوقد كان هذا قالت نعم والله لقد كان
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله مازلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي
وقلت لأمي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خفضي عليك الشأن فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها
قالت وقد قام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي
قالت وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فشقيت بذلك
فلما قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم

(2/140)


فقام سعد بن عبادة فقال كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا
فقال أسيد كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين
قالت وتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر
ونزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا وهذا الكذب والباطل
وأما علي فإنه قال يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لتقدر أن تستخلف وسل الجارية فإنها ستصدقك
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بريرة ليسألها فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول اصدقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله
قالت ثم دخل علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار فأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله وإن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده
قالت فوالله إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا
وانتظرت أبوي أن يجيبا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يتكلما
قالت وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المسجد ويصلى به ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
في منامه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك
قالت فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالا والله ما ندري بماذا نجيبه
قالت ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام

(2/141)


قالت فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت ولكني سأقول كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون يوسف 18
قالت فوالله ما برح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس
ثم سري عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفي يوم شات فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قلت بحمد الله
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم
قالت فلما نزل القرآن ذكر من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم النور 11 قيل إنه حسان بن ثابت وأصحابه ويقال عبد الله بن أبي وأصحابه
ثم قال لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين أي هلا قلتم إذ سمعتموه كما قال أبو أيوب الأنصاري وصاحبته أم أيوب وذلك أنها قالت لزوجها يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلته قالت لا والله ما كنت لأفعله
قال فعائشة والله خير منك

(2/142)


ثم قال تعالى إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر رحمه الله وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته والله لا أنفق على مسطح أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا
قالت فأنزل الله في ذلك ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم النور 22 قالت فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي
فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا
وذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت مع ما كان منه في صفوان بن المعطل من القول السيء قال مع ذلك شعرا يعرض فيه بصفوان ومن أسلم من مضر يقول فيه
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
البسيط
فلما بلغ ذلك ابن المعطل اعترض حسان بن ثابت فضربه بالسيف ثم قال
تلق ذباب السيف عني فإنني
غلام إذا هوجيت لست بشاعر
الطويل
فوثب عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس على صفوان فجمع يديه إلى عنقه
بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا قال أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله
فقال له ابن رواحة هل علم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشيء مما صنعت قال لا والله
قال لقد اجترأت أطلق الرجل
فأطلقه
ثم أتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان فقال صفوان يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لحسان يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال أحسن يا حسان في الذي أصابك
قال هي لك
فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عوضا منها بئر حاء ماء كان لأبي طلحة بالمدينة فتصدق به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليضعه حيث شاء فأعطاه حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية ولدت له ابنه عبد الرحمن

(2/143)


وقد روي من وجوه أن إعطاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إياه سيرين إنما كان لذبه بلسانه عن النبي {صلى الله عليه وسلم}
والله تعالى أعلم
وكانت عائشة رحمها الله تقول لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه حصورا لا يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا
وقال بعد ذلك حسان يمدح عائشة رضي الله عنها ويعتذر من الذي كان في شأنها
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله جنبها
وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي
لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم
تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائط
ولكنه قول امرئ بي ماحل
الطويل
وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وصاحبيه في فريتهم على عائشة رضي الله عنها
لقد ذاق حسان الذي كان أهله
وحمنة إذا قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم
وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا
مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها
شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح
الطويل
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسان خاض في الإفك أو جلد فيه ورووا عن عائشة رحمها الله أنها برأته من ذلك ثم ذكر عن الزبير بن بكار وغيره أن عائشة كانت في الطواف مع أم حكيم بنت خالد بن العاص وابنة عبد الله بن أبي ربيعة فتذاكرن حسان فابتدرتاه بالسب فقالت لهما عائشة ابن الفريعة تسبان إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} بلسانه أليس القائل
هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
الوافر
فقالتا لها أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك قلت لم يقل شيئا ولكنه القائل
حصان رزان ما تزن بريبة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عني قلته
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
الطويل

(2/144)


غزوة الحديبية
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت
فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له
حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة
ثم قال من رجل يخرج بنا على غير طريقهم فقال رجل من أسلم أنا فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قولوا نستغفر الله ونتوب إليه
فقالوا ذلك فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمص في طريق تخرج على ثنية المرار فهبط الحديبية من أسفل مكة
فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش هذه الجيش قد خالفوا عن طريقهم وكفوا راجعين إلى قريش وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا سلك في ثنية المزار بركت ناقته فقال الناس خلأت
فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة

(2/145)


لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسلون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس انزلوا
قيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه
فأخرج {صلى الله عليه وسلم} سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن
فلما اطمأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحوا مما قال لبسر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا إنكم تعجلون على محمد إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت
فاتهموهم وجبهوهم وقالوا إن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبد ولا تحدث بذلك عنا العرب
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبلا قال هذا رجل غادر
فلما انتهى إليه وكلمه قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحوا مما قال لبديل وأصحابه
فرجع إلى قريش فأخبرهم
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه
فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك فقالوا له اجلس
فإنما أنت أعرابي لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك وقال يا معشر القوم والله ما على هذا حالفناكم وما على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده
لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد
فقالوا له كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به

(2/146)


ثم بعثوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عروة بن مسعود الثقفي فقال يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقي منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفت أنكم والد وأني ولد وكان لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي
قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم
فخرج حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجلس بين يديه ثم قال يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت إلى بيتك لتقضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك
فرد عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال أنحن ننكشف عنه ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الحديد فجعل يقرع يده إذا فعل ذلك ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن لا تصل إليك
فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك
فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال من هذا يا محمد قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة
قال أي غدر هل غسلت سوءتك إلا بالأمس يريد أن المغيرة كان قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر
وكلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عروة بنحو مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عنده وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه
وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم

(2/147)


ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خراش بن أمية الخزاعي فحمله على بعير له وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وبعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخلى سبيله
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره
وقال له فيما ذكره غير ابن إسحاق أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزه الحرم
فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أرسله به فقالوا له حين فرغ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف
قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال حين بلغه ذلك لا نبرح حتى نناجز القوم
ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة
فكان الناس يقولون بايعهم على الموت
وكان جابر يقول بايعنا على ألا نفر
فبايع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس لصق بإبط ناقته يستتر بها من الناس
ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن الذي كان من أمر عثمان باطل
وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بايع لعثمان ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال هذه يد عثمان

(2/148)


ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وقالوا إيت محمدا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا
فأتى سهيل فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل
فلما انتهى إليه سهيل تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله قال بلى
قال أولسنا بالمسلمين قال بلى
قال أوليسوا بالمشركين قال بلى
قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله
قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله
ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى
قال أولسنا بالمسلمين قال بلى
قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى
قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني
فكان عمر يقول مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حين رجوت أنه يكون خيرا
ثم دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك
اللهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اكتب باسمك اللهم
فكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو
فقال سهيل لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو
اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه
فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده

(2/149)


وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم
وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاث معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها
فبينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل ابن عمرو ويرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقد كان أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما يحمل عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون
فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ثم قال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا
قال صدقت
فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني فزاد الناس ذلك إلى ما بهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك
ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدرهم
فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ويدني قائم السيف منه يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية
فلما فرغ من الكتاب أشهد رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو مشرك وعلي بن أبي طالب وهو كان كاتب الصحيفة
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مضطربا في الحل وكان يصلي في الحرم فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وأهدى عامئذ في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين

(2/150)


فلما رآه الناس قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون وكان فيهم يومئذ من قصر فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرحم الله المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم المحلقين
قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين
فقالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين قال لم يشكوا
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما
ثم ذكر القصة فيه وفي أصحابه حتى إذا انتهى إلى ذكر البيعة فقال إن
الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما )
ثم ذكر من تخلف عنهم من الأعراب فاستوفى قصتهم
ثم قال لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا
ثم قال وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا يعني النفر الذين وجهت قريش بهم ليصيبوا من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أحدا فلم ينالوا شيئا وأخذوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجملتهم وسيقوا إليه فخلى سبيلهم
ثم قال بعد إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية يعني سهيل بن عمرو حين حمي أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم
وأن محمدا رسول الله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها أي التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله

(2/151)


ثم قال لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا أي لرؤيا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} التي رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف
وقد قال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قدم المدينة بعض من كان معه ألم تقل يا رسول الله أنك تدخل مكة آمنا قال بلى قال أفقلت لكم من عامي هذا قالوا لا
قال فهو كما قال لي جبريل فحقق له سبحانه من موعده ما أنجزه له بعد وصدقه بقوله جل قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين معه فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا صلح الحديبية
يقول الزهري فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر
قال ابن هشام والدليل على ما قال الزهري أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف
وذكر ابن عقبة أنه لما كان صلح الحديبية قال رجال من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا
فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قول أولئك فقال بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح أتنسون يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم
أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا فقال المسلمون صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح والله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وأمره منا

(2/152)


وفي الصحيح من حديث سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرددته والله ورسوله أعلم
وخرج البخاري من حديث البراء بن عازب قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي {صلى الله عليه وسلم} فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا
وعن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك
قال فوضع النبي {صلى الله عليه وسلم} يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون
قال فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة
وذكر ابن عقبة عن ابن عباس قال لما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا جهدنا وفي الناس ظهر فانحره لنا فلنأكل من لحومه ولندهن من شحومه ولنحتذ من جلوده
فقال عمر لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ثم قال من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره ودعا لهم ثم قال لهم قربوا أوعيتكم
فأخذوا ما شاءوا

(2/153)


قال ابن إسحاق ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة يعني من الحديبية أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن حارثة وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالكتاب فقال {صلى الله عليه وسلم} يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا
فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير
أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر فقال نعم
قال أنظر إليه قال إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله
وذكر ابن عقبة أن الرجل هو الذي سل سيفه ثم هزه فقال لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل فقال له أبو بصير وصارم سيفك هذا فقال نعم
فقال ناولنيه أنظر إليه فناوله إياه فلما قبض عليه ضربه به حتى برد
قال ويقال بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد وطلب الآخر فجمز مرعوبا مستخفيا حتى دخل المسجد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس فيه يطن الحصباء من شدة سعيه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين رآه لقد رأى هذا ذعرا
قال ابن إسحاق فلما انتهى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ويحك مالك قال قتل صاحبكم صاحبي
فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف فقال يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويلمه محش حرب لو كان معه رجال
ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأبي بصير ويلمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم

(2/154)


وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي رد على قريش مكرها يوم القضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا الثواء بين أظهر قومهم فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام
قال وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم
واجتمع إلى أبي جندل ناس من غفار وأسلم وجهينه وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها
وقال في ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة
أبلغ قريشا عن أبي جندل
أنا بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمانهم
بالبيض فيها والقنا الذابل
يأبون أن يبقى لهم رفقة
من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا
والحق لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه
أو يقتل المرء ولم يأتل
السريع
فأرسلت قريش إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير والى أبي جندل بن سهيل ومن معهم فيقدموا عليه وقالوا من خرج منا إليك فأمسكه في غير حرج فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره
فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله خير فيما أحبوا وفيما كرهوا وأن رأيه أفضل من رأيهم ومن رأي من ظن أن له قوة ورأيا وعلم أن ما خص الله به نبيه من العون والكرامة أفضل
وكتب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه ويأمر من
معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها فقدم كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زعموا على أبي جندل وأبي بصير وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في يده يقترئه
فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا

(2/155)


وقدم أبو جندل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معه أناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم وأمنت عيرات قريش
فلم يزل أبو جندل مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى {صلى الله عليه وسلم} وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أول إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمكث بها أشهرا ثم خرج مجاهدا إلى الشام وخرج معه ابنه أبو جندل فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك يرحمهما الله
وهاجرت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في تلك المدة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله ذلك وأنزل فيه على رسوله يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم الممتحنة 9 - 10
غزو خيبر
ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة من الحديبية مكث بها ذا الحجة منسلخ سنة ست وبعض المحرم من سنة سبع
ثم خرج في بقية منه إلى خيبر غازيا
وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية بقوله عز من قائل وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه الفتح 20 يعني بالمعجل صلح الحديبية والمغانم الموعود بها فتح خير
فخرج إليها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مستنجزا ميعاد ربه وواثقا بكفايته ونصره ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب وكانت بيضاء فسلك على عصر فبني له فيها مسجدا ثم على الصهباء

(2/156)


ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكر أن غطفان لما سمعت بمنزله من خيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخيبر
قال أبو معتب بن عمرو لما أشرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم قفوا
ثم قال اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك
خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ثم قال أقدموا بسم الله
قال وكان يقولها لكل قرية دخلها
وقال أنس بن مالك كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والجيش قالوا محمد والخميس معه
فأدبروا هرابا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين

(2/157)


قال ابن إسحاق وتدني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الأموال يأخذها مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته ثم القموص حصن أبي الحقيق وأصاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى صفية لنفسه بعد أن سأله إياها دحية بن خليفة الكلبي فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها وكان بلال هو الذي جاء بصفية وبأخرى معها فمر بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال أغربوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه فذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لبلال حين رأى بتلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما
وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي
الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة حضر عينها منها
فأتي بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبها أثر منه فسألها ما هو فأخبرته الخبر
ولما أعرس بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر أو ببعض الطريق وبات بها في قبة له بات أبو أيوب الأنصاري متوشحا السيف يحرسه ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رأى مكانه قال ما لك يا أبا أيوب قال يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني
وأتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} برجل من يهود فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لكنانة أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك قال نعم

(2/158)


فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقي فأبى أن يريه فأمر به الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده
فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة
وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل المسلمون لحوم الحمر من حمرها
قال ابن عقبة كانت أرضا وخيمة شديدة الجهد فجهد المسلمون جهدا شديدا وأصابتهم مسغبة شديدة فوجدوا أحمرة إنسية ليهود لم يكونوا أدخلوها
الحصن فانتحروها ثم وجدوا في أنفسهم من ذلك فذكروها لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنهاهم عن أكلها
قال أبو سليط فيما ذكر ابن إسحاق أتانا نهي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها
وذكر أيضا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قام يومئذ في الناس فنهاهم عن أمور سماها لهم قال مكحول نهاهم يومئذ عن أربع عن إتيان الحبالى من النساء وعن أكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع وعن بيع المغانم حتى تقسم
وحدث جابر بن عبد الله ولم يشهد خيبر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل
وافتتح رويفع بن ثابت قرية من قرى المغرب يقال لها جربة فقام خطيبا فقال يا أيها الناس إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول فينا يوم خيبر قام فينا فقال
لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه
وقال عبادة بن الصامت نهانا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين وتبر الفضة بالذهب العين

(2/159)


ولما أصاب المسلمين بخيبر ما أصابهم من الجهد أتى بنو سهم من أسلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقالوا يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء
فلم يجدوا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شيئا يعطيهم إياه فقال اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن
ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا
فغدا الناس وفتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر كان أكثر طعاما وودكا منه
ولما افتتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بضع عشرة ليلة وخرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه وهو ينادي من يبارز ويرتجز
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب
إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب
الرجز
فأجابه كعب بن مالك فقال
قد علمت خيبر أني كعب
مفرج الغما جريء صلب
حيث تشب الحرب ثم الحرب
معي حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب
نعطي الجزاء أو يفاء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
الرجز
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من لهذا قال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس
قال فقم إليه اللهم أعنه عليه
فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فاتقاه بدرقته فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله
ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول من يبارز فخرج إليه الزبير بن العوام فيما ذكر هشام بن عروة فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب يقتل ابني يا رسول الله قال بل ابنك يقتله إن شاء الله
فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير

(2/160)


وحدث سلمة بن عمرو بن الأكوع قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار فدعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك
فخرج وهو يهرول بها هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن أبي طالب
قال اليهودي علوتم وما أنزل علي موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه
وقال أبو رافع مولى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجنا مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه
وحدث أبو اليسر كعب بن عمرو قال إنا لمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر ذات عشية إذا أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
من رجل يطعمنا من هذه الغنم فقال أبو اليسر أنا يا رسول
الله قال فافعل
قال فخرجت أشتد مثل الظليم فلما رآني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} موليا قال اللهم أمتعنا به قال فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذبحوهما فأكلوهما
فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} موتا فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال أمتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم
وحاصر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل

(2/161)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد حاز الأموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل
فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يعاملهم في الأموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئا بين المسلمين
وكانت فدك خالصة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب
فلما اطمأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية
وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إليه فقيل لها الذراع
فأكثرت فيه من السم
ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأما بشر فأساغها وأما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلفظها
ثم قال إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم
ثم دعا بها فاعترفت
فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر
فتجاوز عنها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تناول الكتف من تلك الشاة فانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه فلما استرط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقمته استرط بشر ما في فيه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني بغيت فيها
فقال بشر بن البراء والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك فلما أسغت ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغي
فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول

(2/162)


قال جابر بن عبد الله واحتجم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ على الكاهل حجمه أبو طيبة مولى بني بياضة
وبقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي منه فدخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده فيما ذكر ابن إسحاق فقال لها يا أم بشر إن هذا لأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر
قال فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة
ولما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي ثم انصرف راجعا إلى المدينة
قال أبو هريرة لما انصرفنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن خيبر إلى وادي القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي فوالله إنه ليضع رحل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله فقلنا هنيئا له الجنة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحرق عليه في النار كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر
فسمعها رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتاه فقال له يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي
فقال يقد لك مثلهما من النار
وخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي {صلى الله عليه وسلم} فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة
ثم قال يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
قال فخرجت فناديت ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
وشهد خيبر مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نساء من نساء المسلمات فرضخ لهن عليه السلام من الفيء ولم يضرب لهن بسهم
حدثت بنت أبي الصلت عن امرأة غفارية سمتها قالت أتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في نسوة من بني غفار وهو يسير إلى خيبر فقلن يا رسول الله قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا
فقال على بركة الله

(2/163)


قالت فخرجنا معه فلما افتتح خيبر رضح لنا من الفيء وأخذ هذه القلادة التي تزين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبدا
قالت فكانت في عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها
واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا منهم عامر بن الأكوع عم سلمه بن عمرو بن الأكوع وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد قال له في مسيره إلى خيبر انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك فنزل يرتجز برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال
والله لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
الرجز
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرحمك الله
فقال عمر بن الخطاب وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا وكان قتله أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا إنما قتله سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن ذلك وأخبره بقول الناس فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنه لشهيد وصلى عليه
فصلى عليه المسلمون
ومنهم الأسود الراعي من أهل خيبر وكان من حديثه أنه أتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه فلما أسلم قال يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي فكيف أصنع بها قال اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها أو كما قال فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها في وجهها وقال ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك
وخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدم الأسود إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله وما صلى لله

(2/164)


صلاة قط فأتي به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فوضع خلفه وسجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا يا رسول الله لم أعرضت عنه قال إن معه الآن زوجتيه من الحور العين
وذكر ابن إسحاق عن عبيد الله بن أبي نجيح أن الشهيد إذا ما أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه ينفضان التراب عن وجهه ويقولان ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك
قال ولما افتتحت خيبر كلم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال يا رسول إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا متفرقا في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له قال إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول
قال قل
قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني ولم يكونوا علموا بإسلامي قالوا الحجاج بن علاط عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز
قلت قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم
قال فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون إيه يا حجاج قلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم
قال فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم
قال فقلت أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب به من أهل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك
فقاموا فجمعوا إلي مالي كأحث جمع سمعت به وجئت صاحبتي فقلت مالي وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار

(2/165)


قال فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عني أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال يا حجاج ما هذا الذي جئت به قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك قال نعم
قلت فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف عني حتى أفرغ قال حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت
قال أفعل
قلت فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم يعني صفية بنت حيي ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه
قال ما تقول يا حجاج قلت إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب
قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد الحر المصيبة قال كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه
قالوا من جاءك بهذا الخبر قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه
قالوا يال عباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن
ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك
وقال كعب بن مالك الأنصاري في يوم خيبر
ونحن وردنا خيبرا وفروضه
بكل فتى عارى الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى
جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة
ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة
من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد
ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه
يجود بنفس دون نفس محمد
الطويل

(2/166)


وذكر ابن عقبة أن بني فزارة قدموا على أهل خيبر في أول أمرهم ليعينوهم فراسلهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم فأبوا عليه وقالوا جيراننا وحلفاؤنا
فلما فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة فقالوا الذي وعدتنا فقال لكم ذو الرقيبة لجبل من جبال خيبر قالوا إذن نقاتلك قال موعدكم جنفاء فلما سمعوا ذلك من رسول الله خرجوا هاربين
قال ابن إسحاق وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة وكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي {صلى الله عليه وسلم} وسهم ذوي القربي والمساكين وطعم أزواج النبي {صلى الله عليه وسلم} وطعم رجال مشوا بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبين أهل فدك بالصلح
وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عنها ألا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقسم له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كسهم من حضرها
وفي هذه الغزوة بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سهمان الخيل والرجال فجعل للفرس سهمين ولفارسه سهما وللراجل سهما فجرت المقاسم على ذلك فيما بعد ويومئذ عرب العربي من الخيل وهجن الهجين
وذكر ابن عقبة أنه قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر نفرا من الأشعريين فيهم أبو عامر الأشعري قدموا المدينة مع مهاجرة الحبشة ورسول الله {صلى الله عليه وسلم}
بخيبر فمضوا إليه وفيهم أبان بن سعيد بن العاص والطفيل يعني ابن عمرو الدوسي ذا النور وأبو هريرة ونفر من دوس فرأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورأيه الحق أن لا يخيب مسيرهم ولا يبطل سفرهم فشركهم في مقاسم خيبر وسأل أصحابه ذلك فطابوا به نفسا
ولم يذكر ابن عقبة جعفر بن أبي طالب في هؤلاء القادمين على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر من أرض الحبشة وهو أولهم وأفضلهم وما مثل جعفر يتخطى ذكره ومن البعيد أن يغيب ذلك عن ابن عقبة فالله أعلم بعذره

(2/167)


وقد ذكر ابن إسحاق أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان بعث مرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فيمن كان أقام بأرض الحبشة من أصحابه فحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية فذكر جعفرا أولهم ذكر معه ستة عشر رجلا قدموا في السفينتين صحبته
وذكر ابن هشام عن الشعبي أن جعفرا قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم فتح خيبر فقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما بين عينيه والتزمه وقال ما أدري بأيتهما أنا أسر أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولما جرت المقاسم في أقوال خيبر اتسع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا وجدوه قبل حتى لقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيما خرج له البخاري في صحيحه ما شبعنا حتى فتحنا خيبر
وأقر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يهود خيبر في أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما يخرج منها كما تقدم
قال ابن إسحاق فكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين وبين يهود فيخرص عليهم فإذا قالوا تعديت علينا
قال إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا
فتقول يهود بهذا قامت السموات والأرض
قال وإنما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله فكان جبار بن صخر أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعده
فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على عبد الله بن سهل أخي بني حارثة فقتلوه فأتهمهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون عليه وكتب إليهم أن يدوه أو يأذنوا بحرب
فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عنده وأقرهم على ما سبق من معاملته إياهم
فلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أقرهم أبو بكر الصديق على مثل ذلك حتى توفي ثم أقرهم عمر صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال في وجعه الذي قبضه الله فيه لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت فأرسل إلى يهود فقال إن الله قد أذن في جلائكم قد بلغني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتني به أنفذه له ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله فليتجهز للجلاء
فأجلى عمر منهم من لم يكن عنده عهد من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقال عبد الله بن عمر خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا فعدي علي تحت الليل فقرعت يداي من مرفقي فلما أصبحت استصرخ علي صاحباي فأتياني فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر فقال هذا عمل يهود ثم قام في الناس خطيبا فقال أيها الناس إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الأنصاري قبله لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإني مخرج يهود
فأخرجهم
ولما أخرج عمر رضي الله عنه يهود خيبر ركب في المهاجرين والأنصار وخرج

(2/168)


معه بجبار بن صخر وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم ويزيد بن ثابت فهما قسما خيبر على أصحاب السهمان التي كانت عليها وذلك أن الشق والنطاة اللتين هما سهم المسلمين قسمت في الأصل على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر سهما إلى مائة سهم لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتي فرس فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم
عمرة القضاء وهي غزوة الأمن
قال ابن إسحاق ولما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وما بعده إلى شوال يبعث فيما بين ذلك سراياه
ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع
فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه
قال ابن عقبة وتغيب رجال من أشرافهم خرجوا إلى بوادي مكة كراهية أن ينظروا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غيظا وحنقا ونفاسة وحسدا
وتحدثت قريش بينها فيما ذكر ابن إسحاق أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه
فلما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشي سائرها فكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما صنعها لهذا الحي من قريش الذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها
ولما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة في تلك العمرة وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يديه
خلوا بني الكفار عن سبيله
خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله
أعرف حق الله في قبوله
السريع

(2/169)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد بعث بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث وقيل جعلت أمرها إلى أم الفضل فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها العباس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصدقها عنه أربعمائة درهم
وقضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نسكه وأقام بمكة ثلاث ليال وكان ذلك أجل القضية يوم الحديبية
فلما أصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي
في نفر من قريش ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب نناشدك الله والعقد إلا خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث
فقال سعد كذبت لا أم لك إنها ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يخرج إلا راضيا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وضحك يا سعد لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه قالوا لا حاجة لنا بطعامك فاخرج عنا
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا رافع مولاه فأذن بالرحيل وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بها بسرف وقد لقيت ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم فبني بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم
المدينة
ثم كان من قضاء الله سبحانه أن ماتت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين فتوفيت حيث بني بها
قال موسى بن عقبة وذكر أن الله تعالى أنزل في تلك العمرة الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص البقرة 194
وذكر ابن هشام أنها يقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن العمرة في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع
غزوة مؤتة من أرض الشام

(2/170)


ولما صدر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من عمرة القضاء إلى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر ثم بعث إلى الشام في جمادي الأولى من سنة ثمان بعثه الذين أصيبوا بمؤتة واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة
فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسلموا عليهم فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى فقالوا ما يبكيك يا بن رواحة فقال والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقرأ آية من كتاب الله ويذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا مريم 71 فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين
فقال عبد الله بن رواحة
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
ما أرشد الله من غاز وقد رشدا
البسيط
ثم إن القوم تهيأوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فودعه ثم قال
أنت الرسول فمن يحرم نوافله
والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن
في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة
فراسة خالفت فيك الذي نظروا
البسيط
يعني المشركين
ثم خرج القوم وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة
خلف السلام على امرئ ودعته
في النخل خير مشيع وخليل
الكامل
وحدث زيد بن أرقم قال كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحلة فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه
إذا أدنيتني وحملت رحلي
مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمى وخلاك ذم
ولا أرجع إلي أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني
بأرض الشام مشتهى الثواء
وردك كل ذي رحم قريب
إلى الرحمن منقطع الرجاء
هنالك لا أبالي طلع بعل

(2/171)


ولا نخل أسافلها وراء
الوافر
فلما سمعتهن بكيت فخفقني بالدرة وقال وما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل
ثم مضى القوم حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم
فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا
نكتب إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له
فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة
فقال الناس صدق والله ابن رواحة
فمضى الناس وقال عبد الله في مجلسهم ذلك
جلبنا الخيل من أجأ وفرع
تعر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا
أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان
فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات
تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها
وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت
عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيه
إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها
أسنتنا فتنكح أو تئيم
الوافر
ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف
ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقي الناس عندها
فتعبي لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبابة بن مالك ويقال عبادة
ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء

(2/172)


قال أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة والله لكأني أنظر إليه حين اقتحم عنها ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
الرجز
وكان جعفر أول من عقر في الإسلام فرسه
ولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال
اقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه
مالي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطفة في شنه
الرجز
وقال أيضا
يا نفس إلا تقتلى تموتى
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديت
السريع
يعني صاحبيه زيدا وجعفرا
ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت
فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل
ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني العجلان فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم
قالوا أنت
قال ما أنا بفاعل فاصطلح القوم على خالد بن الوليد
فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس
ولما أصيب القوم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم صمت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا
ثم قال لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا فقيل لي مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى

(2/173)


وذكر ابن هشام أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين يطير بهما حيث شاء
ويقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ فقطعه نصفين
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال بالمدينة لما أصيبوا قبل أن يأتيه نعيهم مر علي جعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان
قال وقدم يعلي بن منبه على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك
قال فأخبرني يا رسول الله فأخبره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خبرهم كله ووصفه له
فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم
وحدثت أسماء بنت عميس امرأة جعفر قالت لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ايتيني ببني جعفر
وقد كانت غسلتهم ودهنتهم ونظفتهم
قالت فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه فقلت يا رسول الله بأبي أنت ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم أصيبوا هذا اليوم
قالت فقمت أصيح واجتمع إلي النساء
وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أهله فقال لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم
وقالت عائشة رضي الله عنها لما أتي نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحزن
ولما انصرف خالد قافلا بالناس ودنوا من المدينة تلقاهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمسلمون ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر
فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فيقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله

(2/174)


وقالت أم سلمة زوج النبي {صلى الله عليه وسلم} لامرأة سلمة بن هشام بن العامر بن المغيرة مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قالت والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فما يخرج
وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المسحر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس
والله لا تنفك نفسي تلومني
على موقفي والخيل قابعة قتل
وقفت بها لا مستحيزا فنافذا
ولا مانعا من كان حم له القتل
على أنني آسيت نفسي بخالد
ألا خالد في القوم ليس له مثل
وجاشت إلى النفس من نحو جعفر
بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما
مهاجرة لا مشركون ولا عزل
الطويل
فبين قيس في شعره ما اختلف الناس فيه من ذلك أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه
وكان مما بكي به أصحاب مؤتة قول حسان بن ثابت
تأوبني ليل بيثرب أعسر
وهم إذا ما هوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة
سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية
وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا
شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تباعدوا
جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم
أبي إذا سيم الطلامة يجسر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه
جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد
وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم
رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه
علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم
عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مأزق
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه
عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
الطويل

(2/175)


وقال كعب بن مالك في ذلك
نام العيون ودمع عينك يهمل
سحاكما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها
طورا أحن وتارة أتململ
واعتادني حزن فبت كأنني
ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشا
مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا
يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية
وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
حذر الردي ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم
فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر
حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده
والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قوم علا بنيانه من هاشم
فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده
وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما
وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه جباهم
ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم
تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضي الإله لخلقه
وبجدهم نصر النبي المرسل
الكامل
وقال حسان بن ثابت يبكي جعفرا
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر
حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي
من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها
ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر
خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا
وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل
كذبا وأنداها يدا وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله
حي من أحياء البرية كلها
الكامل
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع عن غزوة مؤتة
كفى حزنا أني رجعت وجعفر
وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم
وخلفت للبلوى مع المتغير
الطويل
واستشهد يوم مؤتة من المسلمين سوى الأمراء الثلاثة رضي الله عنهم من قريش ثم من بني عدي بن كعب مسعود بن الأسود بن حارثة
ومن بني مالك بن حسل وهب بن سعد بن أبي سرح

(2/176)


ومن الأنصار عباد بن قيس من بني الحارث بن الخزرج والحارث بن النعمان بن إساف من بني غنم بن مالك بن
النجار وسراقة بن عمر بن عطية بن خنساء من بني مازن بن النجار وأبو كليب ويقال أبو كلاب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لأب وأم
وعمر وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد من بني مالك بن أفصى
وهؤلاء الأربعة عن ابن هشام
غزوة الفتح
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد بعثه إلى مؤتة جمادي الآخرة ورجبا
ثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة ولم يزالوا قبل ذلك متعادين وكان الذي هاج ما بينهم أن حليفا للأسود بن رزن الديلي خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن سلمى وكلثوم وذؤيب وهم منحر بني كنانة وأشرافهم كانوا في الجاهلية يودون ديتين لفضلهم في قومهم فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به
فلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة في عقد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودخلت بنو بكر في عقد قريش
فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير ماء لهم فأصابوا منهم رجلا وتحاجزوا واقتتلوا ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من العهد والميثاق بما استحلوا منهم وكانوا في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس فقال
يا رب إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

(2/177)


فانصر هداك الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
الكامل
يقول قتلنا وقد أسلمنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنان من السماء فقال إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب
ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد وليزيد في المدة
ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل وظن أنه قد أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال سيرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي
قال أوما جئت محمدا قال لا
فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان بديل جاء المدينة لقد علف بها النوى
فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب
ليجلس على فراش رسول الله {صلى الله عليه وسلم} طوته عنه فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت بل هو فراش رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنت رجل نجس مشرك فلم أحب أن تجلس عليه
قال والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر
ثم خرج حتى أتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ما أنا بفاعل

(2/178)


ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به
ثم خرج حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بي رحما وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت فاشفع لي قال ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه
فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر
قالت والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني
قال والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال أوتري ذلك مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظنه ولكنني لا أجد لك غير ذلك
فقام أبو سفيان فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس
ثم ركب بعيره فانطلق
فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا
ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو
ويقال أعدي العدو ثم أتيت عليا فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغني شيئا أم لا قالوا وبم أمرك قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت
قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا
قالوا ويلك والله ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت
قال لا والله ما وجدت غير ذلك
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أي بنية أمركم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن تجهزوه قالت نعم فتجهز
قال فأين ترينه يريد قالت لا والله ما أدري
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس

(2/179)


وكتب حاطب بن أبي بلتعة عند ذلك كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا
فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به
وأتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال أدركا امرأة كتب معها حاطب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له في أمرهم
فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي أحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك
فلما رأت الجد منه استخرجت الكتاب من قرون رأسها فدفعته إليه
فأتى به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حاطبا فقال يا حاطب ما حملك على هذا قال يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل نافق
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلي أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
فأنزل الله في حاطب يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآيات كلها إلى
قوله قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده الممتحنة 1 - 4 إلى آخر القصة
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لسفره حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين وقيل في اثني عشر ألفا فسبعت سليم وقيل ألفت وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام
وأوعب مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد

(2/180)


وقد كان ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه وكلمته أم سلمة فيهما وهي أخت عبد الله منهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك
قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال
فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان ومعه بني له والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا
فلما بلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما وأنشده أبو سفيان
لعمرك إني يوم أحمل راية
لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله
فهذا أواني حين أهدي وأهتدي
هداني هاد غير نفسي وقادني
مع الله من طردت كل مطرد
الطويل
فزعموا أنه لما أنشده هذا البيت ضرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في صدره وقال أنت طردتني كل مطرد
وعميت الأخبار عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قريش فلا يأتيهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل
وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار
وكان العباس بن عبد المطلب قد لقى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ببعض الطريق مهاجرا بعياله وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنه راض
قال العباس فلما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر الظهران قلت واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر
فجلست على بغلة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليخرجوا إليه فيستأمنوه
فوالله إني لأسير عليها والتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا

(2/181)


قال يقول بديل هذه والله خزاعة حمستها الحرب فيقول أبو سفيان خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها
قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت نعم
قال مالك فداك أبي وأمي قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الناس واصباح قريش والله
قال فما الحيلة فداك أبي وأمي قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأستأمنه لك
فركب خلفي ورجع صاحباه فجئت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا فإذا رأوا بغلة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا عليها قالوا عم رسول الله على بغلته
حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد
ثم خرج يشتد نحو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني فلأضرب عنقه
قلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة رجل دوني
فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف
فقال مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من إسلام الخطاب فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به فذهبت به إلى رحلي فبات عندي فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد

(2/182)


قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فإن في نفسي منها شيئا حتى الآن
قال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك
قال فشهد شهادة الحق وأسلم
قال العباس قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا
قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها
قال فخرجت فحبسته حيث أمرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن أحبسه فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه فأقول سليم
فيقول مالي ولسليم
ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء فأقول مزينة
فيقول مالي ولمزينة
حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة
إلا سألني عنها فإذا أخبرته بهم قال مالي ولبني فلان
حتى مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قلت هذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المهاجرين والأنصار
قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما
قلت يا أبا سفيان إنها النبوة
قال فنعم إذن
قلت النجاء إلى قومك
حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن
فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم
قال ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن
قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد

(2/183)


ولما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونة ليكاد يمس وسط الرحل
ولما وقف هناك قال أبو قحافة وقد كف بصره لابنة له من أصغر ولده أي بنية اظهري بي على أبي قبيس
فأشرفت به عليه فقال أي بنية ماذا ترين قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل
قالت وأرى رجلا يسعى بين يدي السواد مقبلا ومدبرا
قال أي بنية ذلك الوازع الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها
ثم قالت قد والله انتشر السواد
فقال قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي
فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها
قالت فلما دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده فلما رآه {صلى الله عليه وسلم} قال هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه
قال فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له أسلم
فأسلم
ورآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكأن رأسه ثغامة فقال غيروا هذا من شعره
ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال أنشد الله والإسلام طوق أختي
فلم يجبه أحد فقال أي أخية احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين فرق جيشه من ذي طوى الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء
فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال
اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة
فسمعها رجل من المهاجرين قيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد ما نأمن أن تكون له في قريش صولة
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعلي بن أبي طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت تدخل بها
ويقال إنه أمر الزبير بذلك وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين
فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

(2/184)


وذكر غير ابن إسحاق أن ضرار بن الخطاب قال يومئذ شعرا استعطف فيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قريش حين سمع قول سعد وهو من أجود شعر قاله
يا نبي الهدى إليك لحاحي
قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض
وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القوم
ونودوا بالصيلم الصلعاء
إن سعدا يريد قاصمة الظهر
بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغيظ
رمانا بالنسر والعواء
فانهينه فإنه الأسد الأسود
والليث والغ في الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى
يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش
فقعة القاع في أكف الإماء
الخفيف
فحينئذ انتزع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الراية من سعد بن عبادة فيما ذكروا
والله أعلم
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد وكان على المجنبة اليمنى فدخل من الليط أسفل مكة فلقيته بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم قريب من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد وهرب فضضهم حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ودخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من أذاخر في المهاجرين الأولين حتى نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته
ولما علا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال ما هذا وقد نهيت عن القتال فقال المهاجرون نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله وما كان يا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليعصيك ولا ليخالف أمرك
فهبط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الثنية فأجاز على الحجون
واندفع الزبير بن العوام بمن معه حتى وقف بباب الكعبة
وجرح رجلان من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد عهد إلى امرائه من المسلمين حين أمرهم أن

(2/185)


يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكتب الوحي لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم ارتد مشركا ففر يومئذ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صمت طويلا ثم قال نعم فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه
فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن النبي لا يقتل بالإشارة
وفي رواية إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة أعين
ومنهم عبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب كان مسلما فبعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مصدقا وكان معه رجل مسلم يخدمه فأمره أن يصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمر بقتلهما معه فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمنها
وقيل يومئذ لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه
فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه
ومنهم الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأم كلثوم بنتي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما إلى الأرض فقتله يوم الفتح علي بن أبي طالب
ومنهم مقيس بن صبابة الليثي وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ فقدم مقيس بعد ذلك على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة مظهرا الإسلام حتى إذا وجد غرة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركا
وقد تقدم ذكر ذلك فلأجله أمر سول الله {صلى الله عليه وسلم} بقتله فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه فقالت أخت مقيس في ذلك
لعمري لقد أخزي نميلة رهطه
وفجع أضياف الشتاء بمقيس

(2/186)


فلله عينا من رأى مثل مقيس
إذا النفساء أصبحت لم تخرس
الطويل
ومنهم سارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل وكانت تؤذي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة فاستؤمن لها فأمنها وبقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمان عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا فيهم حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر وكان قد أعد سلاحا وأصلح منها فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى قال لمحمد وأصحابه
قالت والله ما أراه يقوم لمحمد شيء قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال
إن يقبلوا اليوم فمالي عله
هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله
السريع
ثم شهد الخندمة فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد كانا في خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهني من خيل خالد وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته أغلقي علي بابي
قالت فأين ما كنت تقول فقال
إنك لو شهدت يوم الخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمة
واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
الرجز
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد بن الوليد لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال قال هم بدأونا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل وقد كففت يدي ما استطعت
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قضاء الله خير
وفر يومئذ صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبي جهل عامدا لليمن فأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه {صلى الله عليه وسلم} فإنك قد أمنت الأحمر والأسود
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أدرك ابن عمك فهو آمن
قال يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك
فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عمامته التي دخل فيها مكة

(2/187)


فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد جئتك به قال ويلك اغرب عني فلا تكلمني
قال أي صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك
قال إني أخافه على نفسي
قال هو أحلم من ذلك وأكرم
فرجع معه حتى وقف به على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال صفوان
إن هذا يزعم أنك أمنتني
قال صدق
قال فاجعلني فيه بالخيار شهرين
قال أنت بالخيار أربعة أشهر
وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل وهي مسلمة يومئذ فقالت يا رسول الله آمن زوجي وائذن لي في طلبه
فأذن لها وأمنه فأدركته ببعض تهامة وقيل باليمن فأقبل معها وأسلم فلما رآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وثب إليه فرحا وما عليه رداء
وكانت فاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية وكانت أسلمت أيضا فلما أسلم عكرمة وصفوان أقر سول الله {صلى الله عليه وسلم} كل واحدة منهما عند زوجها على النكاح الأول
وقالت أم هانئ بنت أبي طالب وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي لما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال والله لأقتلنهما فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف إلي فقال مرحبا وأهلا يا أم هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وأمنا من أمنت فلا يقتلهما
قال ابن هشام هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة

(2/188)


ولما نزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ليستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال
لا إله إلا الله صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس لآدم وآدم من تراب
ثم تلا هذه الآية
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير الحجرات 13
ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم
ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء
ثم جلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يديه فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية {صلى الله عليه وسلم} فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أين عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء
وقال لعلى فيما حكي ابن هشام إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزأون
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قضي طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدي
ثم انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم وكان المقام لاصقا بالكعبة فأخذه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويعجبون ويقولون ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به

(2/189)


وذكر ابن هشام أيضا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم فرأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستسقم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين آل عمران 67 ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست
وعن ابن عباس قال دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبي يشير بقضيب
في يده إلى الأصنام وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا الإسراء 81 فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي صنم إلا وقع
فقال تميم بن أسد الخزاعي
وفي الأصنام معتبر وعلم
لمن يرجو الثواب أو العقابا
الوافر
وأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفضالة قال نعم فضالة يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث نفسك فقال لا شيء كنت أذكر الله
فضحك النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم قال استغفر الله
ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه
فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه
قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث
فقلت لا
وانبعث فضالة يقول
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا
يأبي عليك الله والإسلام
لو ما رأيت محمدا وقبيله
بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيننا
والشرك يغشى وجهه الإظلام
الكامل
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن وكان دخل معه وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه
فقال الحارث أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته

(2/190)


وقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرته عني هذه الحصباء فخرج عليهم النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد أنك
رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك
وقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها
فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله
فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم
وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له ابن الأثوع فقتلوه وهو مشرك برجل من أسلم يقال له أحمر بأسا وكان رجلا شجاعا وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفي مكانه فكان يبيت في حيه معتنزا فإذا بيت الحي صرخوا يا أحمر
فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شي
فأقبل غزي من هذيل يريدون حاضره حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلي لا تعجلوا حتى أنظر فإذا كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفي
فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف في صدره ثم تحامل عليه حتى قتله
ثم أغاروا على الحاضر فصرخوا يا أحمر ولا أحمر لهم فلما كان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون أنت قاتل أحمر قال نعم أنا قاتل أحمر فمه
إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف فقال هكذا عن الرجل
قال بعض من حضرهم ووالله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه فلما تفرجوا حمل عليه فطعنه بالسيف في بطنه فوالله لكأني أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه وإن عينيه لترنقان في رأسه وهو يقول أقد فعلتموها يا معشر خزاعة حتى انجعف فوقع
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما بلغه ما صنع خراش بن أمية إن خراشا لقتال
يعيبه بذلك

(2/191)


وقام {صلى الله عليه وسلم} في الناس خطيبا فقال يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول الله قد قاتل
فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم
يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل أن يقع لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فهم بخير النظرين إن شاءوا فدم قاتله وإن شاءوا فعقله
ثم ودي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة
وكان فتحها لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان
وكان مما قيل من الشعر في فتح مكة قول حسان بن ثابت وذكر ابن هشام أنه قالها قبل الفتح
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء
وكانت لا يزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف
يؤرقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منه شفاء
كأن سبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما
فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا
إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات
على أكتافها الأسد الظلماء
تظل جيادنا متمطرات
يلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه
فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد يسرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد

(2/192)


سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا
ونضرب حين تختلط الدماء
ألا أبلغ أبا سفيان عني
مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا وأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركا برا حنيفا
أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه
وبحري لا تكدره الدلاء
الوافر
وقول ابن هشام إن حسان قال هذا الشعر قبل الفتح ظاهر في غير ما شيء من مقتضياته ومن ذلك مقاولته لأبي سفيان وهو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقد أسلم قبل الفتح في طريق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى مكة كما تقدم
وكذلك ذكر ابن عقبة أن حسان قاله في فخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى مكة
وأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى أبي بكر فتبسم لقول حسان في ذلك يلطمهن بالخمر النساء
وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي
وأنت الذي تهدى معد بأمره
بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها
أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلا
إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسي لبرد الخال قبل ابتذاله
وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي
وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر
على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر
هم الكاذبون المخلفوا كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته
فلا حملت سوطي إلي إذا يدي
سوى أنني قد قلت ويلم فتية
أصيبوا بنحس لائط وبأسعد
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا
جميعا فإن لا تدمع العين أكمد
أصابهم من لم يكن لدمائهم
كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
الطويل
وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح
نفي أهل الحبلق كل فج
مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي
الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسلع من سليم

(2/193)


وألف من بني عثمان وافي
نطا أكتافهم ضربا وطعنا
ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا
كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم
بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا
وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا
مواثيقا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا
غداة الروع منا بانصراف
الوافر
وقال عباس بن مرداس السلمى في فتح مكة
منا بمكة يوم فتح محمد
ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا أيامه
وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم
ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها
حتى استعاد لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله
حكم السيوف لنا وجد مزحم
الكامل
وقال نجيد بن عمران الخزاعي
وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا
ركام سحاب الهيدب المتراكب
وهجرتنا في أرضنا عندنا بها
كتاب أتى من خير ممل وكاتب
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة
لندرك ثأرا بالسيوف القواضب
الطويل
ولما فتح الله على رسوله {صلى الله عليه وسلم} مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو إلى الله ولم يأمرهم بقتال
وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة
فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا
فقال رجل منها يقال له جحدم ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما
بعد وضع السلاح إلا الإسار وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق والله لا أضع سلاحي أبدا
فأخذه رجال من قومه فقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد
فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم
وقال لهم جحدم حين وضعوا سلاحه ورأى ما يصنع بهم يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه

(2/194)


فلما انتهى الخبر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رفع يديه إلى السماء ثم قال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لرجل انفلت منهم فأتاه بالخبر هل أنكر عليه أحد فقال نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه وأنكر عليه رجل أحمر مضطرب فراجعه فاشتدت مراجعتهما
فقال عمر بن الخطاب أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة
وذكروا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال رأيت كأني لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه
فقال أبو بكر هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله
ثم لما كان من خالد في بني جذيمة ما كان دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب فقال يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك
فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم
على حين فرغ منه هل بقي دم أو مال لم يود لكم قالوا لا قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما لا يعلم ولا تعلمون
ففعل ثم رجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاخبره الخبر فقال أصبت وأحسنت
ثم قام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى انه ليرى ما تحت منكبيه يقول اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات
وقد قال بعض من يعذر خالدا انه قال ما قاتلت حتى امرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر أن تقاتلهم لا متناعهم من الإسلام
وحدث ابن أبي حدرد الأسلمي قال

(2/195)


كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتى من بني جذيمة وهو في سني وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يا فتى قلت ما تشاء قال هل أنت اخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي بعد ما بدا لكم قال قلت والله ليسير ما طلبت فأخذت برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد العيش
أربتك إذا طالبتكم فوجدتكم
بحلية أو ألفيتكم بالخوانق (
( آلم يك أهلا أن ينول عاشق تكلف إدلاج السري والودائق (
( فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا
أثيبي بود قبل الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوي
وينأي الأمير بالحبيب المفارق
الطويل
فقالت وأنت فحييت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى
قال ثم انصرفت به فضربت عنقه
فما زالت تقبله حتى ماتت عنده
وخرج النسائي هذه القصة في مصنفة في باب قتل الأساري من حديث ابن عباس أن النبي {صلى الله عليه وسلم} بعث سرية فغنموا وفيهم رجل قال إني لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم
قال فإذا امرأة طويلة أدماء فقال اسلمي حبيش قبل نفد العيش وذكر بعض الشعر المتقدم وبعده قالت نعم فديتك
قال فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقفت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت فلما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبروه الخبر فقال {صلى الله عليه وسلم} ( أما كان فيكم رجل رحيم )
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد إلى العزي وكانت بنخلة وكان بيتا تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بن هاشم فلما سمع صاحبها السلمي بسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هو فيه وهو يقول
( أيا عز شدي شدة لا شوى لها
على خالد ألقى القناع وشمري )
أ ( يا عز إن لم تقتلي المرء خالدا فبوئي بإثم عاجل أو تنصري ) ) الطويل
فلما انتهى إليها خالد هدمها
ثم رجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
غزوة حنين

(2/196)


ولما سمعت هوزان برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك ابن عوف النصري فاجتمع إليه مه هوزان ثقيف كلها واجتمعت نضر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء
وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف
فلما أجمع السير إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما قال في أي واد أنتم قالوا بأوطاس
قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم
قال أين مالك فدعي له فقال يا مالك انك أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم له ما بعده مالي اسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم أردت أن اجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به وقال راعى ضأن والله وهل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك
ثم قال ما فعلت كعب وكلاب قالوا لم يشهدها منهم أحد
قال غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر
وعوف بن عامر
قال ذانك الجذعان لا ينفعان ولا يضران يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوزان إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك
قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري
وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي قالوا أطعناك

(2/197)


فقال دريد ابن الصمة هذا يوم لم أشهده ولم يفتني
( يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع ( الرجز
ثم قال مالك للناس إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد
وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى
فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد
ولما سمع بهم نبي الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس ويقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسمع من مالك أمر هوزان ما هم له ثم أقبل حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره الخبر
فلما أجمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقي فيها عدونا غدا فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك قال ليس بهذا بأس
فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سأله أن يكفيهم حملها ففعل
ثم خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عامدا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا
وذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأي كثرة من معه من جنود الله ( لن نغلب اليوم من قلة (
وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكرة قالها
واستعمل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على وجهه يريد لقاء هوازن
قال ابن عقبة وكان أهل حنين يظنون حين دنا منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعني في توجهه إلى مكة أنه باديء بهم وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك فتح له مكة فأقر بها عينه وكبت بها عدوه

(2/198)


فلما خرج {صلى الله عليه وسلم} إلى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه
وحدث أبو واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة خضراء عظيمة يقال لها ذات أنواط
يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون
عندها ويعكفون عليها يوما قال فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون الأعراف 138 فإنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم )
وحدث جابر بن عبد الله قال لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال وذلك في عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه قد أجمعوا وتهيأوا فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد
وانحاز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذات اليمن ثم قال أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قال فلا شيء حملت الإبل بعضها على بعض وأنطلق الناس إلا انه قد بقي مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن قتل يومئذ

(2/199)


قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوزان وهم خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه فبينا ذلك الرجل يصنع ما يصنع إذ أهوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال فيأتي علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربة ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله
قال ابن إسحاق فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من
جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أحدهم لا تنتهي هزيمتهم دون البحر
وإن الأزلام لمعه في كنانته
وصرخ آخر منهم إلا بطل السحر اليوم فقال له صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن
وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخوبني عبد الدار وكان أبوه قتل يوم أحد قلت اليوم أدرك ثأري اليوم أقتل محمدا
فأدرت برسول الله لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك وعلمت أني ممنوع منه
وذكر ابن أبي خثيمة حديث شيبة هذا قال لما رأيت النبي {صلى الله عليه وسلم} يوم حنين أعري ذكرت أبي وعمي قتلهما حمزة قلت اليوم أدرك ثأري في محمد
فجئته عن يمينه فإذا أنا بالعباس قائما عليه درع بيضاء قلت عمه لن يخذله
فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث قلت ابن عمه لن يخذله فجئته من خلفه فدنوت ودنوت حتى لم يبق إلا أن أسور سورة بالسيف فرفع الي شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبي القهقري
فالتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا شيبة ادنه
فدنوت فوضع يده على صدري فاستخرج الله الشيطان من قلبي فرفعت إليه بصري فلهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال لي يا شيبة قاتل الكفار
فقاتلت معه {صلى الله عليه وسلم}

(2/200)


وحدث العباس بن عبد المطلب قال إني لمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرء جسيما شديد الصوت ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول حين رأى ما رأى من أمر الناس أين آيها الناس فلم أر الناس يلوون على شيء فقال يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة
قال فأجابوا لبيك لبيك
قال فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة
استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوى أول ما كانت للأنصار ثم خلصت آخرا للخروج وكانوا صبرا عند الحرب فأشرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ركابئه فنظر إلى مجتلد القوم فقال الآن حمي الوطيس
قال جابر بن عبد الله في حديثه واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
قال والتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أبي سفيان بن الحارث وكان حسن الإسلام وممن صبر يومئذ معه وهو آخذ بثغر بغلته فقال من هذا قال أنا ابن أمك يا رسول الله
وذكر ابن عقبة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما غشيه القتال يومئذ قام في الركابين وهو على البغلة
ويقولون نزل
فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا
ونادى أصحابه فذمرهم يا أصحاب البيعة يوم الحديبية يا أصحاب سورة البقرة يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بني الخزرج
وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها
وقال شاهت الوجوه
فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاههم وإبلهم وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه
وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله ورسوله وإعزاز دينه

(2/201)


وحدث جبير بن مطعم قال لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ولم أشك إنها الملائكة فلم تكن إلا هزيمة القوم
والتفت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ فرأى أم سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة قد خشيت أن يعزها فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أم سليم
قالت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أو يكفي الله يا أم سليم
وقال لها أبو طلحة ما هذا الخنجر يا أم سليم لخنجر رآه عندها
قالت خنجر اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به
فقال أبو طلحة إلا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم
وحدث أنس أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا
وقال أبو قتادة
رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان مسلما ومشركا فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقني بيده الأخرى فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم
ويروي ريح الموت
فلولا أن الدم نزفه لقتلني فسقط فضربته فقتلته وأجهضني عنه القتال
فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من قتل قتيلا فله سلبه
فقلت يا رسول الله والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضني عنه القتال فما أدري من استلبه
فقال رجل من أهل مكة صدق يا رسول الله فأرضه عني من سلبه
فقال أبو بكر لا والله لا ترضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه اردد عليه سلب قتيله
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صدق اردد عليه سلبه
قال أبو قتادة فأخذته منه فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا فإنه لأول مال اعتقدته

(2/202)


ولما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بني مالك
وكانت قبله مع ذي الخمار فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل فلما بلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قتله قال أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا
وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لأحدهما وهب وللآخر الجلاح فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين بلغه قتل الجلاح قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة
يعني الحارث بن أويس
ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة وتبعت خيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سلك في نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا فأدرك ربيعة بن رفيع وكان يقال له ابن الدغنة وهي أمه غلبت على اسمه أدرك دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن انه امرأة وذلك انه كان في شجار له فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام فقال له دريد ماذا تريد بي قال أقتلك
قال ومن أنت قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي
ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك
فزعم بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء
فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا
وقالت عميرة بنت دريد ترثي أباها
قالوا قتلنا دريدا قد صدقوا
فظل دمعي على السربال ينحدر
لولا الذي قهر الأقوام كلهم
رأت سليم وكعب كيف يأتمر
البسيط

(2/203)


وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال فرمي بسهم فقتل فأخذ الراية أبو موسى الاشعري ففتح الله عليه وهزمهم الله
ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر
وذكر ابن هشام عمن يثق به أن أبا عامر الاشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم أشهد عليه
فقتله أبو عامر ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل ويحمل أبو عامر ويقول ذلك حتى قتل تسعة وبقي العاشر فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه
فقال الرجل اللهم لا تشهد علي
فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم اسلم بعد فحسن إسلامه فكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا رآه قال هذا شريد أبي عامر
ورمى أبا عامر يومئذ فيما ذكر ابن هشام أخوان من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه وولي الناس أبو موسى ألاشعري فحمل عليهما فقتلهما
وذكر ابن إسحاق أن القتل استحر في بني نصر بن رئاب فزعموا أن
عبد الله بن قيس الذي يقال له ابن العوراء وهو أحد بني وهب بن رئاب قال يا رسول الله هلكت بنو رئاب
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال اللهم اجبر مصيبتهم
وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم
فوقف هنا لك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس
قال ابن هشام وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم
فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي ثم طلعت خيل أخرى تتبعها فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى أقواما عارضي أرماحهم أغفالا على خيلهم

(2/204)


قال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم ثم اطلع فارس فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء
فقال هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له
فلما انتهى الزبير إلى اصل الثنية ابصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ إن قدرتم على بجاد رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتنكم وكان قد أحدث حدثا
فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الرضاعة فعنفوا عليها في السياق فقالت للمسلمين تعلموا والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة
فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي {صلى الله عليه وسلم} فلما انتهوا بها إليه قالت يا رسول الله إني أختك
قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها
في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها فقال إذا أحببت فعندي محبة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت
قالت بل تمتعني وتردني إلى قومي
فمتعها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وردها إلى قومها
فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية
وأنزل الله تبارك وتعالى في يوم حنين لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين 25 26 التوبة
واستشهد من المسلمين يوم حنين من قريش ثم من بني هاشم أيمن بن عبيد مولاهم
ومن بني أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب جمح به فرس يقال له الجناح فقتل
ومن الأنصار سراقة بن الحارث العجلاني
ومن الأشعريين أبو عامر ألاشعري

(2/205)


ثم جمعت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سبايا حنين وأموالها فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هنا لك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى
وقال عباس بن مرداس السلمي في يوم حنين
عفا مجدل من أهله فمتالع
فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا
رخي وصرف الدهر للحي جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى
لبين فهل ماض من العيش راجع
فإن تبتغي الكفار غير ملومة
فإني وزير للنبي وتابع
دعانا إليه خير وفد علمتم
خزيمة والمرار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم
لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما
يد الله بين الأخشبين نبايع
فحسنا مع المهدي مكة عنوة
بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها
حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن
إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا
قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا
لواء كخدروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص
بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى
مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد
رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا
وليس لأمر حمه الله دافع
الطويل
وقال عباس أيضا
تقطع باقي وصل أم مؤمل
بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع النوى
فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها
وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
فإن تتبع الكفار أم مؤمل
فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبيها الخبير بأننا
أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وإنا مع الهادي النبي محمد
وفينا ولم نستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة
أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم
مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن النسيج الشهب والبيض ملبس
أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل
وزدنا على الحي الذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا

(2/206)


عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها
إذا هي جالت في مواردها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد
لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه
لنا رحمة إلا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها
وتقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكأين تركنا من قتيل ملحب
وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي
لله ما يبدو جميعا وما يخفي
الطويل
وقال عباس أيضا
ما بال عينك فيها عائر سهر
مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق
فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمه
تقطع السلك منه فهو منتثر
ما بعد منزل من ترجو مودته
ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد
ولي الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها
وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا
دين الرسول وأمر الناس مشتجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية
ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم
نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا
للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه
والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللوامع والضحاك يقدمنا
كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها
تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا
لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم
لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا
إلا قد أصبح منا فيهم أثر
البسيط
وقال عباس بن مرداس أيضا رضي الله عنه
يا آيها الرجل الذي تهوي به
وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له
حقا عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى
فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا
والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها
جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا
شهباء يقدمها الهمام الأشوس

(2/207)


من كل أغلب من سليم فوقه
بيضاء محكمة الدخال وقونس
وعلي حنين قد وفى من جمعنا
ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة
والشمس يومئذ عليها أشمس
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه
والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا
رضي الإله بهم فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة
كفت العدو وقيل منها يحبس
ندعو هوازن بالإخاءة بيننا
ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه
عير تعاقبه السباع مفرس
) الكامل
وقال عباس بن مرداس أيضا
نصرنا رسول الله من غضب له
بألف كمي لا تعد حواسره
حملنا له في عامل الرمح راية
يذود بها في حومة الموت ناصره
ونحن خضبناها دما فهو لونها
غداة حنين يوم صفوان شاجره
وكنا على الإسلام ميمنة له
وكان لنا عقد اللواء وشاهره
وكنا له يوم الجنود بطانة
يشاورنا في أمره ونشاوره
دعانا فسمانا الشعار مقدما
وكان له عونا على من يناكره
جزى الله خيرا من نبي محمدا
وأيده بالنصر والله ناصره
الطويلغزوة الطائف
ولما قدم فل الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور
ثم سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السير إليها
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت
قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست لحاضن إن لم تروها
بساحة داركم منا ألوفا
وننتزع العروش ببطن وج
وتصبح دوركم منكم خلوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل
يغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتم
لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات
يزرن المصطلين بها الحتوفا
كأمثال العقائق أخلصتها
قيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جدية الأبطال فيها
غداة الروع جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيح
من الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعنا
عتاق الخيل والنجب الطروفا

(2/208)


وأنا قد أتيناهم بزحف
يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبي وكان صلبا
نقي القلب مصطبرا عزوفا
رشيد الأمر ذا حكم وعلم
وحلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا ونطيع ربا
هو الرحمن كان بنا رءوفا
فإن تلقوا إلينا السلم نقبل
ونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر
ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبوا
إلى الإسلام إذ عانا مضيفا
نجاهد لا نبالى ما لقينا
أأهلكنا التلاد أم الطريفا
وكم من معشر ألبوا علينا
صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء
فجدعنا المسامع والأنوفا
بكل مهند لين صقيل
نسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر الله والإسلام حتى
يقوم الدين معتدلا حنيفا
وتنسى اللات والعزى ودد
ونسلبها القلائد والشنوفا
فأمسوا قد أقروا واطمأنوا
ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
الوافر
وسلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على نخلة اليمانية وانتهى إلى بحرة الرغاء فابتني بها مسجدا فصلى فيه وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله رجل كم بني ليث فقتله به وهو أول دم أقيد به في الإسلام وأمر في طريقه بحصن مالك بن عوف فهدم
ثم سلك في طريق فسأل عن اسمها فقيل له الضيقة
فقال بل هي اليسرى
ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف فأرسل إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك
فأبى أن يخرج فأمر بإخرابه
ثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم
فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة
وقيل بضع عشرة ليلة ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين ثم صلى بينهما فلما أسلمت ثقيف بني عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك على مصلاة ذلك مسجدا

(2/209)


وكانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض
فحاصرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل ورماهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمنجنيق فيما ذكر ابن هشام
قال وهو أول من رمى به في الإسلام إذ ذاك
حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالا فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقطع أعتاب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفا أن آمنونا حتى نكلمكم فآمنوهما
فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة منهن ابنة أبي سفيان ليخرجن أليهما وهما يخافان عليهن السباء فأبين فلما أبين قال لهما الأسود بن مسعود يا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له إن مال بني الأسود حيث علمتما وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نازلا بينه وبين الطائف بواد يقال له العقيق إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تركه لهم
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما ذكر لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو محاصر ثقيفا يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت إلى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها
فقال ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا لا أرى ذلك
ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان أو حلي الفارغة ابنة عقيل
وكانتا من أحلى نساء ثقيف

(2/210)


فذكر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لها وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فدخل عمر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خويلة زعمت أنك قلته قال قد قلته
قال أو ما أذن فيهم يا رسول الله قال لا
قال أفلا أؤذن بالرحيل قال بلى فأذن عمر بالرحيل فلما استقل الناس نادى سعيد بن عبيد ألا إن الحي مقيم
يقول عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد جئت تنصره قال أني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتطئها لها تلد لي رجلا فإن ثقيفا قوم مناكير
ونزل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في إقامته عليهم عبيد لهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما اسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا أولئك عتقاء الله
واستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني ليث
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن الطائف حتى نزل الجعرانة واليها كان قدم سبي هوزان وأموالهم وقال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف يا رسول الله ادع عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا وائت بهم
ثم أتاه وفد هوزان بالجعرانة وقد اسلموا وكان معه من سبيهم ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدري ما عدته فقالوا يا رسول الله أنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام رجل منهم من سعد بن بكر يقال له زهير يكنى بأبي صرد فقال يا رسول الله إنما في الخطائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزلا منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين
ثم أنشأ يقول
امنن علينا رسول الله في كرم
فإنك المرء نرجوه وننتظر

(2/211)


امنن على بيضة قد عاقها قدر
مفرق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن
على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها
يا أرجح الناس حلما حين يحتبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملأه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وقد كفرت
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه
من أمهاتك إن العفو يشتهر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه
هذي البرية أن تعفو وتنتصر
فاعف عفا الله عما أنت راهبه
يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر ( البسيط
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو احب إلينا
فقال لهم أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا
فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم
فلما صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما ما كان لي ولنبي عبد المطلب فهو لكم
فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا
وقال عيينة بن حصن أما أنا وبنو فزارة فلا
وقال عباس بن مرداس أما أنا وبنو سليم فلا
فقالت بنو سليم بلى ما كان لنا فهو لرسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقال عباس وهنتموني فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم
وكان عيينة بن حصن أخذ عجوزا من عجائزهم وقال حين أخذها أرى عجوزا إني لأحسب أن لها في الحي نسبا وعسى أن يعظم فداؤها

(2/212)


فلما رد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} السبايا بست فرائض أبي أن يردها فقال له زهير أبو صرد خذها عنك فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد
فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال
وسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد هوازن ما فعل مالك بن عوف فقالوا هو
بالطائف مع ثقيف
فقال لهم أخبروا مالكا أنه أن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل
فأتي مالك بذلك فخاف ثقيفا أن يعلموا بما قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له وأمر بفرس له فأتى به بالطائف فخرج ليلا على فرسه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس فركبها فلحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه وقال
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى
ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها
بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله
وسط الهباءة خادر في مرصد
الكامل
فاستعمله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم أبو محجن بن حبيب الثقفي
هابت الأعداء جانبنا
ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهم
ناقضا للعهد والحرمه
المديد
ولما فرغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا فيئنا
للإبل والغنم حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال أيها الناس والله مالي من
فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخائط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة

(2/213)


فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر
فقال أما نصيبي منها فلك
قال أما إذا بلغت ذلك فلا حاجة لي بها
ثم طرحها من يده
ويروي أن عقيل بن أبي طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه متلطخ دما فقالت إني قد عرفت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من غنائم المشركين قال دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك
فدفعها إليها فسمع منادي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول من أخذ شيئا فليرده حتى الخائط والمخيط
فرجع عقيل فقال ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت وأخذها فألقاها في الغنائم
وأعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف بهم قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن الحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي وصفوان بن أمية وكل هؤلاء من أشراف قريش والأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف النصري أعطي كل واحد من هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم مائة بعير وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب وأعطى سعيد بن يربوع المخزومي وعدي بن قيس السهمي خمسين خمسين وأعطى عباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال يعاتب فيها النبي {صلى الله عليه وسلم}
وكانت نهابا تلافيتها
بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدراء
فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمه الأربع
وما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يرفع
المتقارب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اذهبوا فاقطعوا عني لسانه فأعطوه حتى رضي فكان ذلك قطع لسانه
وذكر ابن هشام أن عباسا أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنت القائل
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين الأقرع وعيينة
فقال أبو بكر بين عيينة والأقرع

(2/214)


فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هما واحد
فقال أبو بكر أشهد أنك كما قال الله وما علمناه الشعر وما ينبغي له 69 يس
وذكر ابن عقبة أن عباسا لما أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقطع لسانه فزع لها وقال من لا يعرف أمر عباس يمثل به
فأتى به إلى الغنائم فقيل له خذ منها ما شئت
فقال عباس إنما أراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يقطع لساني بالعطاء بعد أن تكلمت
فتكرم أن يأخذ منها شيئا فبعث إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحلة فقبلها ولبسها
وقال لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} قائل من أصحابه يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع
الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل ابن سراقة إلى إسلامه
وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يعطي الناس فقال يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أجل فكيف رأيت قال لم أرك عدلت
فغضب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون فقال عمر بن الخطاب ألا نقتله فقال لا دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم
ولما أعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أعطى في قريش وفي قبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئا وجدوا في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة وحتى قال قائلهم لقي والله رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قومه
وذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت قال يعاتبه في ذلك
زاد الهموم فماء العين منحدر
سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شماء بهكنة
هيفاء لا ذنن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها
نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول فقل يا خير مؤتمن
للمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهي نازحة
قدام قوم هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا ينصرهم
دين الهدى وعوان الحرب تستعر

(2/215)


وسارعوا في سبيل الله واعترفوا
للنائبات وما خافوا وما ضجروا
والناس إلب علينا فيك ليس لنا
إلا السيوف وأطراف القنا وزر
نجالد الناس لا نبقي على أحد
ولا نضيع ما توحي به السور
و لا تهز جناة الحرب نادينا
ونحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبوا
أهل النفاق وفينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النعف من أحد
إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا ولا خمنا وما خبروا
منا عثارا وكل الناس قد عثروا
البسيط
فدخل سعد بن عبادة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء
قال فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا إلا من قومي
قال فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة
فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أعلمه سعد بهم فأتاهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بل الله ورسوله أمن وافضل
ثم قال ألا تجيبونني يا معشر الأنصار قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله لله ولرسوله المن والفضل

(2/216)


فقال صلوات الله عليه أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى رحالكم فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرء من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار
فبكي القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا برسول الله {صلى الله عليه وسلم} قسما وحظا
ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتفرقوا
ثم خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الجعرانة معتمرا وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران فلما فرغ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن وأتبع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ببقايا الفيء
ولما استعمل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عتابا على مكة رزقه في كل يوم درهما فقام عتاب خطيبا في الناس فقال أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} درهما كل يوم فليست بي حاجة إلى أحد
وكانت عمرة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في ذي القعدة وقدم المدينة في بقيتة أو في أول ذي الحجة
وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج عتاب بن أسيد بالمسلمين فيها وهي سنة ثمان
وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إذ انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى رمضان سنة تسع

(2/217)


ولما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سفره هذا منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وارجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا هو مقتول
فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة فغدا به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين صلى الصبح فصلى معه ثم أشار له إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه
فذكر انه قام إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
قال أنا يا رسول الله كعب بن زهير فوثب عليه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله اضرب عنقه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دعه عنك فإنه قد جاءنا تائبا نازعا
فغضب كعب على الأنصار لما صنع به صاحبهم ومدح المهاجرين دونهم إذ لم يتكلم فيه رجل منهم إلا بخير
والقصيدة التي قالها كعب في ذلك وذكر انه أنشدها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول
متيم عندها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ برزت
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنه منهل بالراح معلول
شحت بذي شبم من ماء محنية
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه
من صوب غادية بيض يعاليل
وبلمها خلة لو أنها صدقت
بوعدها أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها
فجع وولع وإخلاف وتبديل

(2/218)


فما تدوم على حال تكون بها
كما تلون في أثوابها الغول
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت
إن الأماني والأحلام تضليل
أمست سعاد بأرض لا تبلغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولا يبلغها إلا عذافرة
فيها على الأبن إرقال وتبغيل
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت
عرضتها طامس الأعلام مجهول
ضخم مقلدها فعم مقيدها
في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها ابوها من مهجنة
وعمها خالها قوداء شمليل
كأن أوب ذراعيها وقد عرقت
وقد تلفع بالقور العساقيل
أوب يدي فاقد شمطاء معولة
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها
لما نعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها
مشقق عن تراقيها رعابيل
تمشي الغواة بجنبها وقولهم
إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله
لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا طريقي لا أبالكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن
فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به
يرمي ويسمع ما قد أسمع الفيل
لظل ترعد من خوف بوادره
إن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يميني ما أنازعها
في كف ذي نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه
وقيل إنك منسوب ومسؤول
من ضيغم بضراء الأرض مخدره
في بطن عثر غيل دونه غيل
إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال انكاس ولا كشف
عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق
كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم

(2/219)


قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
ليس لهم عن حياض الموت تهليل
البسيط
ويروى أن كعبا لما أنشد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيده إلى الخلق أي اسمعوا
تعجبا بقوله
ومن مستجاد شعر كعب بن زهير قوله أيضا يمدح النبي {صلى الله عليه وسلم}
تحذي به الناقة الأدماء معتجرا
بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفي عطافيه أو أثناء بردته
ما يعلم الله من دين ومن كرم
البسيط
ولما قال كعب في لاميته المتقدمة إذا عرد السود التنابيل
يريد الأنصار وخص المهاجرين بمدحته دونهم غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدحهم ويذكر بلاءهم مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وموضعهم من اليمن ويقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حضه على ذلك وقال لما أنشده القصيدة المتقدمة لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل فقال كعب هذه الأبيات
من سره كرم الحياة فلا يزل
في مقنب من صالح الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر
إن الخيار هم بنو الأخيار
المكرهين السمهري بأذرع
كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة
كالجمر غير كليلة الإبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون يرونه نسكا لهم
بدماء من علقوا من الكفار
( دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضواري
وإذا حللت ليمنعوك إليهم أصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري
قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري
في الغر من غسان في جرثومة أعيت محافرها على المحفار
الكامل
وكان عبد الله بن الزبعري السهمي شاعر قريش ولسانها في مناقضة حسان بن ثابت وغيره من شعراء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} له في ذلك أشعار كثيرة ذكرها ابن إسحاق في مواضعها وأضربنا نحن عنها وعن سائر أشعار الجاهلية لما فيها من تنقص الإسلام والنيل من أهله فلما كان عام الفتح فر ابن الزبعري إلى نجران فرماه حسان بن ثابت ببيت واحد ما زاد عليه وهو

(2/220)


لا تعدمن رجلا أحلك بغضه نجران في عيش أحذ لئيم
الكامل
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلم وقال في ذلك أشعارا منها في أبيات
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
الخفيف
وقال أيضا حين أسلم
منع الرقاد بلابل وهموم
والليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني
فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها
عيرانة سرح اليدين عشوم
إني لمعتذر إليك من الذي
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة
سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الردي ويقودني
أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبي محمد
قلبي ومخطيء هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابها
ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والداثي كلاهما
زللى فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة
نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه
شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق
حق وإنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى
متقبل في الصالحين كريم
فرم علا بنيانه من هاشم
فرع تمكن في الذري وأروم
الكامل
غزوة تبوك
وأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمدينة بعد منصرفه عن عمرة الجعرانة ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام قي ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قل ما يخرج في غزوة إلا ورى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يعمد إليه إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته
فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم انه يريد الروم

(2/221)


فقال {صلى الله عليه وسلم} ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أحد بني سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر
فأعرض عنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال قد أذنت لك ففيه نزلت ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين التوبة 49 أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والرغبة بنفسه عن نفسه يقول وإن جهنم لمن ورائه
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد
وشكا في الحق وإرجافا بالرسول فأنزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون التوبة 81 82
وبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت وفعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك
وكادت وبيت الله نار محمد
يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم
أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي
سلام عليكم لا أعود لمثلها
أخاف ومن تشمل به النار يحرق
الطويل
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش وحض أهل الغني على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغني واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض

(2/222)


ثم إن رجالا من المسلمين توا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى بن كعب وعمرو بن حمام وهرمي بن عبد الله وعبد الله بن مغفل المزني ويقال عبد الله بن عمرو المزني وعرباض بن سارية الفزاري فاستحملوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم أهل حاجة فقال لا أجد ما أحملكم عليه
فتولوا وأعينهم كفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون فذكر أن ابن يامين بن عمير النضري لقي أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليحملنا فلم نجد عنده ما
يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله وذكر أنهم نفر من بني غفار
ثم استتب برسول الله {صلى الله عليه وسلم} سفره وأجمع السير وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة ومرارة بن الربيع أخو بني عمر بن عوف وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم
فلما خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين و أهل الريب
وخلف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بالجرف فقال يا بني الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي

(2/223)


فرجع علي إلى المدينة رضي الله عنه ومضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على سفره
ثم إن أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أياما رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما
عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} فهيئا لي زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أدركه حين نزل بتبوك
وقد كان أدرك أبا خيثمة في الطريق عمير بن وهب الجمحي يطلب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففعل حتى إذا دنا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كن أبا خيثمة
قالوا هو والله أبو خيثمة يا رسول الله
فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أولي لك يا أبا خيثمة ثم أخبره خبره
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خيرا ودعا له بخير
ويروى أن أبا خيثمة قال في ذلك
ولما رأيت الناس في الدين نافقوا
أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد
فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة
صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت
إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
الطويل
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له

(2/224)


ففعل الناس ما أمرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء فأخبر بذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي وأما الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئا أهدته لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين قدم المدينة
ولما مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالحجر سجي ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم
فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فدعا فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء
قال محمود بن لبيد لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حيث سار فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول ويحك هل بعد هذا شيء قال سحابة مارة
قيل لمحمود هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم قال نعم والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك
ثم إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عم بني عمرو بن حزم وكان في رحله زيد بن لصيت القينقاعي وكان منافقا فقال زيد وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله

(2/225)


{صلى الله عليه وسلم} أليس محمد يزعم انه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعمارة عنده إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في الوادي من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فجاءوا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه
للذي قال زيد بن اللصيت
فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول يالعباد الله إن في رحلي لداهية وما أشعر أخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني
فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض لم يزل متهما بشر حتى مات
ثم مضى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول
دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره
فقال دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه
وتلوم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ماشيا ونزل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كن أبا ذر
فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده
فقضى الله سبحانه أن أبا ذر لما أخرجه عثمان رضي الله عنه إلى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن غسلاني

(2/226)


وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من العراق عمار فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعينونا على دفنه
فاستهل عبد الله يبكي ويقول صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه
ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في مسيره إلى تبوك
وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف وحليف لبني سلمة من أشجع يقال له مخشن بن حمير ويقال مخشي يشيرون إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأننا بكم غدا مقرنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما بلغنا لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذ وكذا فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعتذرون فقال وديعة بن ثابت ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقها يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب
فأنزل الله عز وجل فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب التوبة 65 وقال مخشن بن حمير يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي
فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم مكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر
ولما انتهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأعطى الجزية
وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوا الجزية وكتب لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا فهو عندهم
بسم الله الرحمن الرحيم

(2/227)


هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان منهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيبة لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر
ثم دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر ابن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد إنك ستجده يصيد البقر
فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله
قالت فمن يترك هذه قال لا أحد
فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل قدومه عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيدهم ويتعجبون منه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتعجبون من هذا فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا
ثم قدم خالد بأكيدر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلي سيبله
فرجع إلى قريته فقال رجل من طيء يقال له بجير بن بجرة يذكر قول
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لخالد إنك ستجده يصيد البقر
وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
تبارك سائق البقرات إني
رأيت الله يهدي كل هادي
فمن يك حائدا عن ذي تبوك
فإنا قد أمرنا بالجهاد
الوافر
فأقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة

(2/228)


وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه
فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا إلى هذا فقيل يا رسول الله فلان وفلان
ففال أو لم أنهكم أن تسقوا منه شيئا حتى آتيه ثم لعنهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لئن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه
ومات في هذه الغزوة من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله ذو البجادين المزني وإنما سمي ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره والبجاد الكساء الغليظ الجافي فهرب منهم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد واشتمل بالآخر ثم أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقيل له ذو البجادين لذلك
فكان عبد الله بن مسعود يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد
حفروا له ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في حفرته وأبو بكر وعمر يد ليانه إليه وهو يقول أدليا إلي أخاكما فدلياه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه يقول عبد الله بن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة

(2/229)


وقال أبو رهم الغفاري وكان ممن بايع تحت الشجرة غزوت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه قريبا منه وألقى علينا النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته عليه السلام فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز فما استيقظت إلا لقوله حسن فقلت يا رسول الله استغفر لي قال سر
فجعل يسألني عمن تخلف من بني غفار فأخبره به فقال وهو يسألني ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط فحدثته بتخلفهم قال فما فعل النفر السود الجعاد القصار قلت والله ما أعرف هؤلاء منا
قال بلى الذين هم نعم بشبكة شدخ فتذكرتهم في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا فقلت يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرء نشيطا في سبيل الله إن أعز أهل علي أن يتخلف عني المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم
قال ابن إسحاق ثم أقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وحال شغل
أو كما قال {صلى الله عليه وسلم}
ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلاني فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني
سالم بن عوف رهط مالك فقال مالك لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي

(2/230)


فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين التوبة 107 إلى آخر القصة
وقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأصحابه لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة
وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يعذرهم الله ولا رسوله فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة
فحدث كعب بن مالك قال ما تخلفت عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة غزاها قط غير أني تخلفت عنه في غزوة بدر وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت غزوة بدر هي أذكر في الناس منها
وكان من خبري حين تخلفت عنه في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى اجتمعتا لي في تلك الغزوة وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كثير فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا
لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذي يريد والمسلمون من تبع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يعني بذلك الديوان فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن انه سيخفى له ذلك ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى

(2/231)


وغزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس إليها صعر فتجهز رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتجهز المسلمون معه وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد وأصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفرط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم افعل وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فطفت فيهم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه
فقال له معاذ بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا
فسكت رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فلما بلغني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} توجه قافلا حضر لي بثي فجعلت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلا بالصدق فأجمعت أن أصدق
وصبح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الأعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون وكانوا بضعة وثمانين رجلا فيقبل منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لي تعاله

(2/232)


فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك قلت يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عني وليوشكن الله أن يسخط علي ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد علي فيه إني لأرجو عقابي من الله فيه ولا والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما هذا فقد صدقت فيه فقم حتى يقضي الله فيك
فقمت
وثار معي رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بما اعتذر إليه المحلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لك فوالله ما زالوا حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا أحد غيري قالوا نعم رجلان قالا مثل ذلك وقيل لهما مثل ما قيل لك قلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي
فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة حسنة فقمت حين ذكروهما لي
ونهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفسي والأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا فقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالأسواق لا يكلمني أحد وآتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني

(2/233)


حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم
ففاضت عيناني ووثبت فتسورت الحائط
ثم غدوت إلى السوق فبينا أنا أمشي بالسوق إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فجعل الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نوسك
قلت حين قرأتها وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته بها
فأقمنا على ذلك حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأتيني فقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأمرك أن تعتزل امرأتك
فقلت أطلقها أم ماذا قال لا بل اعتزلها ولا تقربها
وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني فيهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض
وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالت يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ كبير ضائع إلا خادم أفتكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربنك
قالت يا رسول الله والله ما به من حركة والله ما زال يبكي مذ كان من آمره ما كان إلى يومه هذا ولقد تخوفت على بصره
فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذنه فيها ما أدري ما يقول لي في ذلك إذا استأذنته وأنا رجل شاب
قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون من حين نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المسلمين عن كلامنا ثم صليت الصبح صبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتا على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت

(2/234)


علي نفسي وقد كنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع فكنت أكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر
فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاءني الفرج
قال وآذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب نحو صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم حتى أوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسو تهما إياه بشارة ووالله ما أملك يومئذ غيرهما واستعرت ثوبين فلبستهما ثم انطلقت أتيمم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك
حتى دخلت المسجد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله فحياني وهنأني ووالله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره
فكان كعب لا ينساها لطلحة
قال كعب فلما سلمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ووجهه يبرق من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك
قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال بل من عند الله قال وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه
قال فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله والى رسوله
قال أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك
قلت إني ممسك سهمي الذي بخيبر
وقلت يا رسول الله إن الله قد نجاني بالصدق فإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت
والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك أفضل مما أبلاني والله ما تعمدت من كذبة مذ ذكرت ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي
وأنزل الله تبارك وتعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار

(2/235)


الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم لارءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) التوبة 117 119
قال كعب فو الله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه شر ما قال لأحد سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين التوبة 95 96
قال وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضي فلذلك قال الله تبارك وتعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عن من حلف له واعتذر إليه فقبل منه
ذكر إسلام ثقيف
وقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف
وكان من حديثهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما يتحدث قومه إنهم قاتلوك
وعرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم
فقال عروة يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم
ويقال من أبصارهم
وكان فيهم كذلك محببا مطاعا

(2/236)


فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فقيل له ما ترى في دمك قال كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم
فزعموا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن مثله في قومه لكمثل صاحب ياسين في قومه
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فمشى عمرو بن
أمية أخو بني علاج وكان من أدهى العرب إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له الذي بينهما سيء ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك أخرج الي فقال عبد ياليل للرسول ويلك أعمرو أرسلك إلي قال نعم وها هوذا واقفا في دارك
قال إن هذا لشيء ما كنت أظنه لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك
فخرج إليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو إنه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلها وليست لكم بحربهم طاقة فانظروا في أمركم
فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجلا كما أرسلوا عروة
فكلموا عبد ياليل وكان سن عروة وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا
فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب
ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة

(2/237)


فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكانت رعيتها نوبا عليهم فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد يبشر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والإسلام وان يشترطوا شروطا ويكتتبوا من رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
كتابا
فقال أبو بكررضي الله عنه للمغيرة أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أكون أنا أحدثه
ففعل المغيرة
فدخل أبو بكر على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية
ولما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون فكان خالد بن سعيد هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى اكتتبوا كتابهم كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم
وقد كان فيما سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام فأبى عليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها
وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وان لا يكسروا أوثانهم بأيدهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما كسر أوثانكم فنسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه

(2/238)


فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا رسول الله إني قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن
فحدث
عثمان بن أبي العاص قال كان من آخر ما عهد إلي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين بعثني على ثقيف أن قال يا عثمان تجاوز في صلاتك وأقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك
وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه بنو قومه معتب خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن
لتبكين دفاع
أسلمها الرضاع
لم يحسنوا المصاع
الرجز
فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموع وما لها من الذهب والجزع
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وان لا يجامعاهم على شيء أبدا
فأسلما فقال لهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} توليا من شئتما
فقالا نتولى الله ورسوله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخالكما أبا سفيان بن حرب
فقالا وخالنا أبا سفيان
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
فقال له قارب بن الأسود وعن الأسود
يا رسول الله فاقضه
وعروة والأسود أخوان لأب وأم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الأسود مات مشركا
فقال قارب يا رسول الله لكن تصل مسلما إذا قرابة يعني نفسه إنما الدين علي وإنما أنا الذي أطلب به

(2/239)


فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية فلما جمع المغيرة ما لها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما
هكذا ذكر ابن إسحاق إسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك في رمضان من سنة تسع قبل حج أبي بكر بالناس آخر تلك السنة
وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومقتله في قومه واسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبي بكر عن حجه وبين حديثه وحديث ابن إسحاق بعض اختلاف رأيت ذكر حديث ابن عقبة وان كان أكثره معادا لأجل ذلك الاختلاف ثم اذكر بعده حجة أبي بكر في الموضع الذي ذكرها فيه ابن إسحاق
قال موسى بن عقبة فلماصدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاسلم ثم استاذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الرجوع إلى قومه فقال له أني أخاف أن يقتلوك قال لو وجدوني نائما ما ايقظوني فأذن له فرجع إلى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فاتهموه واعضوه واسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى إذا اسحر وسطع الفجر قام على غرفة في داره فأذن بالصلاة وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما بلغه قتله مثل عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه
واقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو اصغر القوم حتى قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة واسلم عامة العرب فقال المغيرة بن شعبة يا رسول الله انزل على
قومي اكرمهم بذلك فاني حديث الجرم فيهم
قال لا امنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القران
فانزلهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المسجد وبني لهم خياما لكي يسمعوا القران ويروا الناس إذا صلوا

(2/240)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا خطب لم يذكر نفسه فلما سمعه وفد ثقيف قالوا يأمرنا أن نشهد انه رسول الله ولا يشهد به في خطبته فلما بلغه قولهم قال فاني أول من يشهد أني رسول الله
وكانوا يغدون على رسول الله كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لانه اصغرهم فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسأله عن الدين واستقراه القران فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه في الدين وعلم
وكان إذا وجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نائما عمد إلى أبي بكر وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واحبه
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يدعوهم إلى الإسلام فقال له كنانة بن عبد ياليل هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا ثم نرجع إليك فقال نعم إن انتم اقررتم بالإسلام قاضيتكم وألا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم
قالوا أرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه
قال هو عليكم حرام إن الله يقول ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا الإسراء 32
قالوا فالربا قال والربا
قالوا انه اموالنا كلها
قال فلكم رءوس أموالكم قال الله يا آيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين البقرة 278
قالوا فالخمر فإنها عصير ارضنا ولا بد لنا منها
قال أن الله قد حرمها قال الله يا آيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون المائدة 90
فارتفع القوم فخلا بعضهم إلى بعض وقالوا ويحكم إنا نخاف إن
خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا فاعطوه ما سال واجيبوه
فأتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا لك ما سالت
أرايت الربة ماذا نصنع فيها قال اهدموها قالوا هيهات لو تعلم الربة أنا نريد هدمها لقتلت اهلنا
فقال عمر ويحك يا بن عبد ياليل ما احمقك إنما الربة حجر قال أنا لم ناتك يا بن الخطاب
ثم قال يا رسول الله تول أنت هدمها فأما نحن فلن نهدمها أبدا
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسابعث إليكم من يكفيكم هدمها

(2/241)


قال كنانه إئذن لنا قبل رسولك ثم ابعث في اثارنا فاني اعلم بقومي
فأذن لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأكرمهم وحملهم
قالوا يا رسول الله أمر علينا رجل يؤمنا
فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام وقد كان علم سورا من القران قبل أن يخرج
وقال كنانة لاصحابه أنا اعلمكم بثقيف فاكتموهم اسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال واخبروهم أن محمدا سالنا امورا ابيناها عليه سألنا أن نهدم اللات ونبطل اموالنا في الربا ونحرم الخمر
حتى إذا دنوا من الطائف خرجت إليهم ثقيف يتلقونهم فلما راوهم قد ساروا العنق وقطروا الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة قوم قد حزنوا أو كذبوا قالت ثقيف بعضهم لبعض ما جاءوكم بخير
فلما دخلوا حصنهم عمدوا للات فجلسوا عندها واللات بيت كانوا يعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدي يضاهون به بيت الله
ثم رجع كل واحد منهم إلى أهله فجاء كل رجل حامية من ثقيف فسالوه ماذا جئتم به قالوا آتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من آمره ما شاء قد ظهر بالسيف واداخ العرب ودان له الناس فعرض علينا امورا شدادا هدم اللات وترك الأموال في الربا إلا رءوس أموالكم وحرم الخمر والزنا
قالت ثقيف والله لا نقبل هذا أبدا
قال الوفد اصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال ورموا حصنكم
فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا والله ما لنا به طاقة اداخ العرب كلها فارجعوا إليه فأعطوه ما
سأل وصالحوه عليه
فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب قالوا لهم إنا قد فرغنا من ذلك قد قاضيناه واسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا وجدناه أتقى الناس وأوفادهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكن في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه
فقالت ثقيف فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشد الغم قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم واستسلموا

(2/242)


فمكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فلما قدموا عليهم عمدوا للات ليهدموها وانكفأت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال وهم لا يرون أنها تهدم ويظنون أنها ستمتنع
فقام المغيرة بن شعبة وقال لأصحابه لأضحكنكم من ثقيف فأخذ الكرزن فضرب به ثم أخذ يرتكض فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا من شاء منكم فليقترب ويجهد على هدمها فو الله لا تستطاع أبدا
فوثب المغيرة فقال قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل صاحب المفاتيح يقول ليغضبن الأساس فليخسفن بهم
فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد دعني أحفر أساسها
فحفروها حتى أخرجوا ترابها وأخذوا حليها وثيابها فبهتت ثقيف
وانصرف الوفد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بحليتها وكسوتها فقسمه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من يومه وحمد الله على نصر نبيه وإعزاز دينه
ذكر حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس سنة تسع وتوجيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب بعده بسورة براءة
وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم ونزلت بعد بعثه إياه براءة في نقض ما بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف على أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفي قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون
فقيل لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي

(2/243)


ثم دعا علي بن أبي طالب فقال أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى انه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عهد فهو إلى مدته
فخرج علي على ناقة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق فلما رآه أبو بكر قال أمير أم مأمور قال بل مأور
ومضيا
فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب قي تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في
الناس بالذي أمره به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عهد إلى مدة فهو له إلى مدته
فلم يحجج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان وكانت براءة تسمى في زمان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس
وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وكان جميع ما غزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنفسه سبعا وعشرين غزاة غزوة ودان وهي غزوة الابواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوي غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر التي قتل الله فيها صناديد قريش ثم غزوة بني سليم حين بلغ الكدر ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان إلى نجد وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الآخرة ثم غزوة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان من هذيل ثم غزوة ذي قرد ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك

(2/244)


قاتل {صلى الله عليه وسلم} في تسع غزوات منها بدر وأحد والخندق وقريظة وبني المصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف
وهذا الترتيب عن ابن إسحاق وخالفه ابن عقبة في بعضه
السرايا
وكانت بعوث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسراياه ثمانية وثلاثين من بين بعث وسرية غزوة عبيدة بن الحارث أسفل ثنية المرة وغزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة
وغزوة سعد بن أبي وقاص الخرار وغزوة عبد الله بن جحش نخلة وغزوة زيد بن حارثة القردة وغزوة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة وغزوة أبي عبيدة بن الجراح ذا القصة من طريق العراق وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر وغزوة علي بن أبي طالب اليمن وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الكديد
فأصاب بني الملوح
وكان من حديثها أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه في سرية وأمره أن يشن الغارة على بني الملوح وهم بالكديد
قال جندب بن مكيث الجهني وكان مع غالب في سريته هذه فخرجنا حتى إذا كان بقديد لقينا الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثي فأخذناه فقال إني جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقلنا له إن تك مسلما فلن يضرك رباط ليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه رباطا ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا وقلنا له إن عازك فاحتز رأسه
قال ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى آتي تلا مشرفا على الحاضر فأسندت فيه فعلوت في رأسه فنظرت إلى الحاضر فو الله إني لمنبطح على التل إذ خرج
رجل منهم من خبائه فقال لامرأته إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها
فنظرت فقالت لا والله ما أفقد شيئا
قال فناوليني قوسي وسهمين
فناولته فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبي فأنزعه وأضعه وثبت مكاني

(2/245)


ثم أرسل الآخر فوضعه في منكبي فأنزعه وأضعه وثبت مكاني
فقال لامرأته لو كان ربيئة تحرك لقد خالطه سهماي لا ابالك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا يمضغهما الكلاب علي ثم دخل
وامهلناهم حتى إذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم وخرج صريخ القوم فجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرهاء وصاحبه فاحتملناهما معنا
وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء الله تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشيء ليس لأحد به قوة ولا يقدر على أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نعمهم وما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا حتى فتناهم
فقدمنا بها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وغزوة علي بن أبي طالب بني عبد الله بن سعد من أهل فدك وغزوة أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم فأصيب بها هو واصحابه جميعا
وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطنا ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قتل فيها مسعود بن عروة وغزوة محمد بن مسلمة القرطاء من هوازن وغزوة بشير بن سعد بني مرة بفدك وغزوته أيضا بناحية خيبر وغزوة زيد بن حارثة الجموح من أرض بني سليم وغزوته أيضا جذام من ارض خشين ويقال من ارض حسمى
وكان من حديثها كما حدث رجال من جذام كانوا علماء بها أن رفاعة بن زيد الجذامي لما قدم على قومه من عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر

(2/246)


صاحب الروم حين بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه تجارة له حتى إذا كان بواد من أوديتهم أغار عليه الهنيد بن عوص الضليعي بطن منهم وابنه عوص فأصابا كل شي ء كان معه فبلغ ذلك قوما من بني الضبيب رهط رفاعة ممن كان أسلم وأجاب فنفروا إلى الهنيد وابنه فاستنقذوا ما كان في أيديهما فردة على دحية فخرج دحية حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره خبره واستسقاه دم الهنيد وابنه فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زيد بن حارثة وبعث معه جيشا فأغاروا فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين معهما فلما سمعت بذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم فيهم حسان بن ملة فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان إنا قوم مسلمون
فقال له زيد فاقرأ أم الكتاب
فقرأها حسان
فقال زيد بن حارثة نادوا في الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر
وإذا أخت حسان في الأساري فقال له زيد خذها
فقالت أم الفزر الصلعية أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم فقال أحد بني الخصيب إنها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيدا فأمر بأخت حسان وقد كانت أخذت بحقوى أخيها ففكت يداها من حقويه وقال لها اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه
فرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه فأمسوا في أهليهم فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد فصبحوه فقال له حسان بن ملة إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذي جئت به فدعا رفاعة بجمل له فشد عليه رحله وهو يقول
هل أنت حي أو تنادي حيا
الرجز
ثم غدا وهم معه مبكرين فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال فلما دخلوا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا
من وراء الناس فلما
استفتح رفاعة بن زيد المنطق قال رجل من الناس يا رسول الله إن هؤلاء قوم سحرة
فرددها مرتين
فقال رفاعة رحم الله من لم يحذنا في يومنا هذا إلا خيرا

(2/247)


ثم دفع رفاعة إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابه الذي كان كتب له فقال دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اقرأه يا غلام واعلن
فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبره فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات فقال رفاعة أنت أعلم يا رسول الله لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما
فقال أبو زيد بن عمرو أحد من قدم مع رفاعة أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صدق أبو زيد اركب معهم يا علي
فقال له علي يا رسول الله إن ريدا لن يطيعني
قال فخذ سيفي هذا
فأعطاه سيفه
فخرجوا فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبلهم فأنزلوه عنها فقال يا علي ما شأني فقال ما لهم عرفوه فأخذوه
ثم ساروا فلقوا الجيش فأخذوا ما بأيديهم حتى كانوا ينتزعون لبيد المرأة من تحت الرحل
وغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل من طريق العراق وغزوته أيضا وادي القرى لقي فيه بني فزارة فأصيب بها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فلما قدم زيد إلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى بني فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى وأصاب فيهم
وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام ويقال ابن رازم وكان من حديثه انه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبعث إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا
له إنك إن قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استعملك وأكرمك

(2/248)


فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط فأمه ومال كل رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه
فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه
وغزوة عبد الله بن عتيك خيبر فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق
وغزوة عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح بعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليه وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليغزوه فقتله
قال عبد الله بن أنيس دعاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال لي إنه بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله
فقلت يا رسول الله من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه وأومئ برأسي
فلما انتهيت إليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك
قال أجل أنا في ذلك
قال فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت طعائنه منكبات عليه
فلما قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرآني قال أفلح الوجه قلت قد قتلته يا رسول الله
قال صدقت
ثم قام بي فأدخلني بيته فأعطاني عصا فقال أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس
قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه لعصا قلت أعطانيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وأمرني أن أمسكها عندي
قالوا أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك فرجعت فقلت يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا قال آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون يومئذ
فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا
وقال عبد الله في ذلك
تركت ابن ثور كالحوار وحوله

(2/249)


نوائح تفرى كل جيب مقدد
تناولته والظعن خلفي وخلفه
بأبيض من ماء الحديد مهند
عجوم لهام الدارعين كأنه
شهاب غضا من ملهب متوقد
أقول له والسيف يعجم رأسه
أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد
وقلت له خذها بضربة ماجد
حنيف على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر
سبقت إليه باللسان وباليد
الطويل
ومن البعوث أيضا بعث مؤتة حيث أصيب جعفر بن أبي طالب وأصحابه وغزوة كعب بن عمير الغفاري ذات أطلاح من أرض الشام أصيب بها هو واصحابه جميعا وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من تميم
وكان من حديثهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه إليهم فأغار عليهم واصاب منهم أناسا وسبى منهم أناسا
وقالت عائشة لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا رسول الله إن علي رقبة من ولد إسماعيل
قال هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه
فلما قدم بسبيهم ركب فيهم وفد من بني تميم منهم ربيعة بن رفيع وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو والأقرع بن حابس وفراس بن حابس فكلموا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيهم فأعتق بعضا وأفدى بعضا وذلك هو الذي عنى الفرزدق بقوله
وعند رسول الله قام ابن حابس
بخطة سوار إلى المجد حازم
له أطلق الأسرى التي في حباله
مغللة أعناقها والشكائم
كفى أمهات الخالفين عليهم
غلاء المفادي أو سهام المقاسم
الطويل
وغزوة غالب بن عبد الله الكليبي أرض بني مرة وفيها قتل أسامة بن زيد حليفا لهم يقال له مرداس بن نهيك بن الحرقة من جهينة
قال أدركته أنا ورجل من الأنصار فلما شهرنا عليه السلاح قال أشهد أن لا اله إلا الله
فلم ننزع عنه حتى قتلناه
هكذا ذكر ابن إسحاق في حديثه
وخرج مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ ذلك النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال يا أسامة اقتلته بعدما قال لا اله إلا الله قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا

(2/250)


فقال أقتلته بعدما قال لا اله إلا الله فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وفي بعض طرق مسلم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لأسامة لم قتلته قال يا رسول الله أوجع في المسلمين وقتل فلانا وفلانا وفلانا وسمى له نفرا وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال لا اله إلا الله
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اقتلته قال نعم
قال فكيف تصنع بلا اله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لي قال وكيف تصنع بلا إله إ لا الله إذا جاءت يوم القيامة فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة
وفي حديث ابن إسحاق أن أسامة قال أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا اقتل رجلا يقول لا اله إلا الله أبدا
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة وكان من
حديثه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعثه يستنفر العرب إلى الشام وذلك أن أم أبيه العاص بن وائل كانت امرأة من بلي فبعثه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليهم يستالفهم لذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل خاف فبعث إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يستمده فبعث إليه أبا عبيده بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيده حين وجهه لا تختلفا فخرج أبو عبيده حتى إذا قدم عليه قال له عمرو إنما جئت مددا لي قال أبو عبيده لا ولكني علي ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه
فقال له عمرو بل أنت مدد لي
فقال له أبو عبيده وكان رجلا لينا هينا سهلا عليه أمر الدنيا يا عمرو أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لي لا تختلفا وانك أن عصيتني اطعتك
قال فإني الأمير عليك وأنت مدد لي
قال فدونك
فصلى عمرو بالناس

(2/251)


وحدث رافع بن أبي رافع الطا ئي وهو رافع بن عميرة قال كنت امرءا نصرانيا فلما اسلمت خرجت في تلك الغزاة يعني غزوة ذات السلاسل فقلت والله لاختارن لنفسي صاحبا فصحبت أبا بكر فكنت معه في رحلة فكانت عليه عباءة له فدكية فكان إذا نزلنا بسطها واذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له وذلك الذي يقول أهل نجد حين ارتدوا كفارا بعد موت النبي {صلى الله عليه وسلم} ومبايعة الناس بعده لأبي بكر انحن نبايع ذا العباءة جهلوا يومئذ أن فضل الكمال ليس في ظاهر البهاء وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
قال رافع فلما دنونا من المدينة قافلين قلت يا أبا بكر إنما صحبتك لينفعني الله بك فانصحني وعلمني
قال لو لم تسلني ذلك لفعلت امرك أن توحد الله لا تشرك به شيئا وان تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج هذا البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا
قال قلت يا أبا بكر أما أنا والله فاني أرجو أن لا اشرك بالله أبدا واما الصلاه فلن اتركها أبدا أن شاء الله واما الزكاة فإن يكن لي مال اؤديها أن شاء الله واما الحج فان استطع احج إن شاء الله واما الجنابه فساغتسل منها أن شاء الله

(2/252)


واما الاماره فاني رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعند الناس إلا بها فلم تنهى عنها قال إنما استجهدتني لأجهد ذلك وساخبرك عن ذلك أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا {صلى الله عليه وسلم} بهذا الدين فجاهد فيه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه وفي ذمته فإياك أن تخفر الله في جيرانه فيتبعك الله في خفرته فإن أحدكم يخفر في جاره فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره إن اصيب له شاة أو بعير فالله اشد غضبا لجاره قال ففارقته على ذلك فلما قبض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأمر أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت يا أبا بكر آلم تكن نهيتني عن أن اتامر على رجلين من المسلمين قال بلى وأنا الآن انهاك عن ذلك فقلت له فما حملك على أن تلي أمر الناس قال لا أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد الفرقة
وفي هذه الغزاة أيضا صحب عوف بن مالك الاشجعي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قال فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يعضوها فقلت اتعطونني منها عشيرا على أن اقسمها بينكم قالوا نعم
فاخذت الشفرتين فجزاتها وأخذت منها جزء فحملته إلى اصحابي فاطبخناه فاكلناه فقال أبو بكر وعمر أنى لك هذا اللحم ياعوف فاخبرتهما خبره فقالا والله ما أحسنت حين اطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك
فلما قفل الناس كنت أول قادم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجئته وهو يصلي في بيته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته
قال اعوف بن مالك قلت نعم بابي أنت وامي يا رسول الله
قال اصاحب الجزور ولم يزدني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على ذلك
وغزوة ابن أبي حدرد واصحابه بطن إضم وكانت قبل الفتح قال عبد الله بن أبي حدرد بعثنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى اضم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم مر بنا عامر بن

(2/253)


الاضبط الاشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فامسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينهما واخذ بعيره ومتيعه
فلما قدمنا على رسول الله واخبرناه الخبر نزل فينا يا آيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ( 94 النساء إلى آخر الآية
وعن ضميرة بن سعد السلمي عن أبيه وكان شهد حنينا قال صلى بنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها وهو بحنين فقام إليه الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان في عامر بن الاضبط عيينة يطلب بدمه
وهو يومئذ رئيس غطفان والاقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فتداولا الخصومة عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ونحن نسمع فسمعنا عيينة يقول والله يا رسول الله لا ادعه حتى اذيق نساءه من الحر مثل ما اذاق نسائي ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول بل تاخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا
وهو يابى عليه ثم ذكر تكرار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قوله هذا فقبلوا الديه ثم قالوا أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة له قد كان تهيأ فيها للقتل حتى جلس بين يدي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له ما اسمك فقال أنا محلم بن جثامة فرفع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يديه ثم قال الله اللهم لا تغفرلمحلم بن جثامة ثلاثا فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه قال فأما نحن فنقول فيما بيننا أنا لنرجو أن يكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد استغفر له واما ما ظهر من رسول الله فهذا

(2/254)


وذكر سالم أبو النصر انه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا لم يقبلوا الديه حتى خلا بهم الاقرع بن حابس وقال يا معشر قيس منعتم رسول الله قتيلا يستصلح به الناس افامنتم أن يلعنكم رسول الله فيلعنكم الله بلعنته أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه والله الذي نفس الاقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فليصنعن فيه ما أراد أو لآتين بخمسين رجلا من بني تميم يشهدون بالله لقتل صاحبكم كافرا ما صلى قط فلاطلن دمه
فقبلوا الديه
وفي حديث عن الحسن البصري قال والله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض والذي نفس الحسن بيده ثم عادوا له فلفظته ثم عادوا له فلفظنته
فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شأنه فقال والله أن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما اراكم منه
وغزوة ابن أبي حدرد الاسلمي أيضا الغابة قال تزوجت امرأة من قومي فجئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} استعينه على نكاحي فقال وكم اصدقت قلت مائتي درهم قال سبحان الله لو كنتم تاخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم والله ما عندي ما اعينك به
قال فلبثت أياما واقبل رجل من بني جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من بني جشم حتى ينزل بقومه ومن معه بالغابه يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان ذا اسم في جشم وشرف فدعاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورجلين معي من المسلمين فقال اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تاتوا منه بخبر وعلم قال وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال تبلغوا عليها واعتقبوها
قال فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس كمنت في ناحية

(2/255)


وامرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راع سرح في ذلك البلد فابطا عليهم حتى تخوفوا عليه فقام صاحبهم ذلك فاخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال والله لاتبعن اثر راعينا هذا ولقد أصابه شر فقال نفر
ممن معه والله لا تذهب أنت نحن نكفيك
قال والله لا يذهب إلا أنا
قالوا فنحن معك قال والله لا يتبعني أحد منكم وخرج حتى مر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم
ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وجئت برأسه احمله معي فأعانني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلي أهلي
وغزوة توجه فيها غبد الرحمن بن عوف
قال عطاء بن أبي رباح سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم فقال عبد الله سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم
ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها
قال فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منه ثم نقضها ثم عمه بها وأرسل من خلفه أربع اصابع أو نحوا من ذلك
ثم قال هكذا يا بن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف
ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه فحمد الله واثنى عليه وصلى على نفسه ثم قال خذه يا بن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبية فيكم فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء
قال ابن هشام فخرج إلى دومة الجندل

(2/256)


وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده لهم عددا حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة فقسمها يوما فنقصت تمرة عن رجل فوجد فقدها ذلك اليوم
قال بعضهم فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقة ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فجلس عليه فخرج من تحتها وما مست رأسه فلما قدمنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبرناه خبرها وسألناه عن أكلنا إياها فقال رزق رزقكموه الله
وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عمرو بن أمية الضمري بعد مقتل خبيب وأصحابه إلى مكة وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين فقال عمرو إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فقال كلا إن شاء الله
قال عمرو فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فو الله إنا لنمشي بمكة إذ نظر الي رجل من أهل مكة فعرفني فقال عمرو بن أمية والله إن قدمها إلا لشر
فقلت لصاحبي النجاء
فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا
فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلي عليها فغشينا ونحن في الغار فقلت إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا
قال ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه وصاح صيحة أسمع أهل مكة وأرجع فأدخل مكاني
وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا من ضربك فقال عمرو بن أمية
وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا النجاء

(2/257)


فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ابن عدي فقال أحدهم والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا انه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية
فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها فاحتملها
وخرج هو وصاحبه شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمبسط يأجج فرمى بالخشبة في الجرف فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه
قال عمرو بن أمية وقلت لصاحبي النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه فإني شاغل عنك القوم وكان الأنصاري لا رجلة له
قال ومضيت حتى اخرج على ضجنان ثم آويت إلى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة فقال من الرجل فقلت من بني بكر فمن أنت قال من بني بكر
قلت مرحبا فاضطجع
ثم رفع عقيرته فقال
ولست بمسلم ما دمت حيا
ولا دان لدين المسلمينا
فقلت في نفسي ستعلم
فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم
ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركوبه حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت استأسرا
فأبيا فأرمي أحدهما في بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة
وسرية زيد بن حارثة إلى مدين فأصاب سبيا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم يعني بين الأمهات والأولاد فخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم يبكون فقال ما لهم فقيل يا رسول الله فرق بينهم فقال لا تبيعوهم إلا جميعا
وغزوة سالم بن عمير أبا عفك أحد بني عمرو بن عوف وكان نجم نفاقه حين قتل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحارث بن سويد بن صامت فقال
لقد عشت دهرا وما إن أرى
من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن
يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم
تهد الجبال ولم تخضعا
فصدعهم راكب جاءهم
حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم
أو الملك تابعتم تبعا
الطويل

(2/258)


فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أخو بني عمرو بن عوف وهو أحد البكائين فقتله فقالت أمامة المريدية في ذلك
تكذب دين الله والمرء أحمدا
لعمري الذي أمناك بئس الذي يمني
حباك حنيف آخر الليل طعنة
أبا عفك خذها على كبر السن
الطويل
وغزوة عمبر بن عدي الخطمي وهو الذي يدعي القارئ عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد وكانت تحت رجل من بني خطمة يقال له يزيد بن زيد فلما قتل أبو عفك نافقت فقالت تعيب الإسلام وأهله وتؤنب الأنصار في اتباعهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
أطعتم أتاوي من غيركم
فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس
كما يرتجي مرق المنضج
إلا آنف يبتغي غرة
فيقطع من أمل المرتجي
المتقارب
فلما بلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إلا أحد لي من ابنة مروان فسمع ذلك من قوله عمير بن عدي فلما أمسي من تلك الليلة سما عليها في بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إني قد قتلتها فقال نصرت الله ورسوله يا عمير فقال هل علي شيء من شأنها يا رسول الله فقال لا ينتطح فيها عنزان
فرجع عمير إلى قومه وبنو خطمة يومئذ كثير فوجههم في شأن بنت مروان
ولها بنون خمسة رجال
فقال يا بني خطمة أنا قتلت بنت مروان فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون
فذلك اليوم أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم
ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام
والسرية التي أسرت ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة وذلك أن خيلا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرجت فأخذت رجلا من بني حنيفة لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أتدرون من أخذتم هذا ثمامة بن أثال الحنفي أحسنوا إساره
ورجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى أهله
فقال اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه وأمر بلقحته أن يغدي عليه بها ويراح

(2/259)


فجعل لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيقول أسلم يا ثمامة وفي رواية ما تقول يا ثمامة فيقول يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن ترد الفداء فسل تعط منه ما شئت فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي {صلى الله عليه وسلم} يوما أطلقوا ثمامة
فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي {صلى الله عليه وسلم} على الإسلام
فلما أمسي جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مم تعجبون من رجل أكل في أول النهار في معي كافر وأكل آخر النهار في معي مسلم إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معي واحد
وقال ثمامة حين أسلم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي فأصبح وهو أحب الوجوه إلي ولقد كان دينك أبغض الدين إلي فأصبح وهو أحب الاديان إلي ولقد كان بلدك أبغض البلاد إلي فأصبح وهو أحب البلاد إلي
ثم قال يا رسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فأذن لي يا رسول
الله
فأذن له فخرج معتمرا فلما قدم مكة قالوا صبأت يا ثمامة
قال لا ولكني اتبعت خير الدين دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا
فكتب إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن خل بين قومي وبين ميرتهم
ففعل
ويقال إنه لما كان ببطن مكة في عمرته لبى فكان أول من دخل مكة يلبي فأخذته قريش فقالوا لقد اجترأت علينا
وهموا بقتله ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه والى بلده فقال بعض بني حنيفة
ومنا الذي لبى بمكة معلنا
برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
الطويل
وبعث علقمة بن مجزز المدلجي لما قتل وقاص بن مجزر أخوه يوم ذي قرد وسأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يبعثه في آثار القوم ليدرك ثأره فيهم فبعثه في نفر من المسلمين

(2/260)


قال أبو سعيد الخدري وأنا فيهم حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكانت فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ثم قال للقوم أليس لي عليكم السمع والطاعة قالوا بلى
قال فما آمركم بشيء إلا فعلتموه قالوا نعم
قال فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار
فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها
فقال لهم اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم
فذكر ذلك لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه
ويقال إن علقمة بن مجزر رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا
وبعث كرز بن جابر
وذلك أن نفرا من قيس كبة من بجيلة قدموا على
رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاستوبأوا المدينة وطلحوا وكانت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقاح ترعى ناحية الجماء يرعاها عبد له يقال له يسار كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصابه في غزوة بني محارب وبني ثعلبة فقال لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها فخرجوا إليها فلما صحوا وانطوت بطونهم عكنا عدوا على راعي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في آثارهم كرزا فلحقهم فأتي بهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرجعه من غزوة ذي قرد فقطع أيديهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا
وغزوة علي بن أبي طالب اليمن غزاها مرتين
وقال أبو عمر المديني بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علي بن أبي طالب إلى اليمن وبعث خالد بن الوليد في جند آخر وقال إن التقيتما فالأمير علي بن أبي طالب
ثم بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين وهو آخر بعث أمر به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
فتجهز الناس وأوعب مع اسامة المهاجرون الأولون فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشكوه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته فلم ينفذ بعث أسامة إلا بعد وفاته صلوات الله عليه ورحمته وبركاته

(2/261)


وسيأتي ذكر ذلك مستوفي إن شاء الله
فهذه مغازي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبعوثه وسراياه التي أعز الله بها الدين ودوخ بها الكافرين وشد أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته من الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم أجمعين وتلك أيام الله التي يجب بها التذكر والتذكير ويتأكد شكر الله سبحانه على ما يسرته منها المقادير
وقال حسان بن ثابت يعدد أيام الأنصار مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه وتروي لابنه عبد الرحمن
ألستم خير معد كلها نفرا
ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا
قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم
مع الرسول فما آلوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد
منهم ولم يك في إيمانهم دخل )
ويوم صبحهم في الشعب من أحد ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم على الجياد فما خاموا وما نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم لله والله يجزيهم بما عملوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم مع الرسول بها الأسلاب والنفل
وليلة بحنين جالدوا معه فيها يعلهم بالحرب إذا نهلوا
وغزوة القاع فرقنا العدو به كما تفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته على الجلاد فآسوه وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا في سريته مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا في كتيبته يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض ترعش في الأيمان عارية تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم حتى بدا لهم الإقبال فالقفل
أولئك القوم أنصار النبي وهم قومي أصير إليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
البسيط
وقال حسان أيضا
وكنا ملوك الناس قبل محمد
فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل
وأكرمنا الله الذي ليس غيره
إله بأيام مضت مالها شكل
بنصر الإله والرسول ودينه
وألبسناه اسما مضى ماله مثل

(2/262)


أولئك قومي خير قوم بأسرهم
فما كان من خير فقومي له أهل
يربون بالمعروف معروف من مضى
وليس عليهم دون معروفهم قفل
إذا اختبطوا لم يفحشوا في نديهم
وليس على سؤالهم عندهم بخل
وإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا
فحربهم حتف وسلمهم سهل
وجارهم موف بعلياء بيته
له ما ثوى فينا الكرامة والبذل
وحاملهم موف بكل حمالة
تحمل لا غرم عليه ولا خذل
وقائلهم بالحق إن قال قائل
وحلمهم عود وحكمهم عدل
ومنا أمير المسلمين حياته
ومن غسلته من جنابته الرسل
الطويل
وقال حسان أيضا من قصيدة له أولها
و قومي أولئك إن تسألي
كرام إذا الضيف يوما ألم
عظام القدور لأيسارهم
يكبون فيها المسن السنم
يواسون جارهم في الغنى
ويحمون مولاهم إن ظلم
فكانوا ملوكا بأرضيهم
يبادون غضبا بأمر غشم
ملوكا على الناس لم يملكوا
من الدهر يوما كحل القسم
ملوكا إذا غشموا في البلاد
لا ينكلون ولكن قدم
فأبنا بساداتهم والنساء
وأولادهم فيهم تقتسم
ورثنا مساكنهم بعدهم
وكنا ملوكا بها لم نرم
فلما أتانا الرسول الرشيد
بالحق والنور بعد الظلم
فقلنا صدقت رسول المليك
هلم إلينا وفينا أقم
فنشهد أنك عبد
الإله أرسلت نورا بدين قيم
فإنا وأولادنا جنة
نقيك وفي مالنا فاحتكم
فنحن أولئك إن كذبوك
فناد نداء ولا تحتشم
وناد بما كنت أخفيته
نداء جهارا ولا تكتتم
فسار الغواة بأسيافهم
إليه يظنون أن يخترم
فقمنا إليهم بأسيافنا
نجالد عنه بغاة الأمم
بكل صقيل له ميعة
رقيق الذباب عضوض خذم
إذا ما يصادف صم العظام
لم ينب عنها ولم ينثلم
فذلك ما ورثتنا القروم
مجدا تليدا وعزا أشم
إذا مر نسل كفى نسله
وغادر نسلا إذا ما انقصم
فما إن من الناس إلا لنا
عليه وإن خاس فضل النعم
المتقارب
ذكر الوفود على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ملخصا من كتاب ابن إسحاق والواقدي وغيرهما
وما زال آحاد الوافدين وأفذاذ الوفود من العرب يغدون على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منذ أظهر الله دينه وقهر أعداءه

(2/263)


ولكن انبعاث جماهيرهم إلى ذلك إنما كان بعد فتح مكة ومعظمه في سنة تسع ولذلك كانت تسمى سنة الوفود
وذلك أن العرب كانت تربص بالإسلام ما يكون من قريش فيه إذ هم الذين كانوا نصبوا الحرب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخلافه وكانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل وقادة العرب لا ينكر لهم ذلك ولا ينازعون فيه
فلما افتتح رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربه ولا عداوته فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه يقول الله عز وجل لنبيه {صلى الله عليه وسلم} إذا جاء نصر الله والفتح سورة النصر أي فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا جماعات جماعات فسبح بحمد ربك أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره إنه كان توابا إشارة إلى انقضاء أجله واقتراب لحاقه برحمة ربه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا النساء 69
كذلك يقول عبد الله بن عباس وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه
السورة فلما أجابه بنحو هذا المعنى قال له عمر رضي الله عنه ما أعلم منها إلا ما تعلم
فقدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفود العرب فمن ذلك
وفد بني تميم
قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف من قومه منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم والحتات بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم في وفد عظيم من بني تميم
فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من صياحهم وإياهم عنى الله سبحانه بقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون الحجرات 4 فخرج إليهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام عطارد بن حاجب فقال

(2/264)


الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعزة أهل المشرق واكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددناه وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك
أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا
ثم جلس
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال
الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا واصدقه حديثا وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابه وأتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله {صلى الله عليه وسلم} المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس أحسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا
أقول قولي هذا واستغفر اللهلي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم
فقام الزبرقان بن بدر فقال
نحن الكرام فلا حي يعادلنا
منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هوانا ثم متبع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شيع
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا وما يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
البسيط

(2/265)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد استدعى حسان بن ثابت ليجيب شاعر بني تميم قال حسان فخرجت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا أقول
منعنا رسول الله حل وسطنا
على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا
بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزة وثراؤه
بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى
وجاه الملوك واحتمال العظائم
الطويل
فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قم يا حسان فأجب الرجل
فقال حسان
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بهم كل من كانت سريرته
تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم
عند الدفاع ولا يوهون ما - رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقتهم
أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم
ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم
كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها
إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع
أسد بحلبة في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتي عفوا إذا غضبوا
ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم
شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفاوتت الاهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يوازره
في ما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم
إن جد بالناس جد القول أو شمع
البسيط
وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في وفد بني تميم قام فقال
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا
إذا اختلفوا عند اختضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن
وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

(2/266)


وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا
ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع في كل غارة
نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
الطويل
فقام حسان بن ثابت فأجابه فقال
هل المجد إلا السؤدد العود والندى
وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا
على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه
بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل وسط ديارنا
بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا
وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا
على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها
ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم
يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم
لنا خول ما بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا
ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
الطويل
قال ابن إسحاق فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس وأبى إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا
فلما فرع القوم اسلموا وجوزهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأحسن جوائزهم
وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في ظهرهم وكان أصغرهم سنا فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثل ما أعطى القوم
وقيس بن عاصم هو الذي ذكره له ذكرا أزرى به فيه فكان بينهما ما هو معلوم
وفد بني عامر
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمي وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم
فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم
قال والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف

(2/267)


فلما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له عامر بن الطفيل يا محمد خالني قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده
قال يا محمد خالني وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان آمره به فجعل أربد لا يحير شيئا فلما أبى عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اكفني عامر بن الطفيل
فلما خرجوا قال عامر لأربد ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا
قال لا أبا لك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفاضربك بالسيف
وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول فجعل
يقول يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ويقال إنه قال أغدة كغدة الإبل وموتا في بيت سلولية
ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر فأتاهم قومهم فقالوا ما وراءك يا اربد قال لا شيء والله لقد دعاني الي عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما
وأنزل الله جل قوله في وقاية الله تعالى لنبيه عليه السلام مما أراده به عامر وفيما قتل به أربد سواء منكم من اسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي أن المعقبات التي يحفظ الله بها نبيه هي من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال الرعد 10 13

(2/268)


وفد تجيب
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد تجيب وهم من السكون ثلاثة عشر رجلا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بهم وأكرم منزلهم وقالوا يا رسول الله سقنا إليك حق الله تعالى في أموالنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ردوها فاقسموها على فقرائكم
فقالوا يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا
فقال أبو بكر يا رسول الله ما وفد علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هؤلاء الحي من تجيب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان
وسألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشياء فكتب لهم بها وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن فازداد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رغبة فيهم و أمر بلالا أن يحسن ضيافتهم
فأقاموا أياما ولم يطيلوا اللبث فقيل لهم ما يعجلكم فقالوا نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكلامنا إياه وما رد علينا
ثم جاءوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يودعونه فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود
قال هل بقي منكم أحد قالوا غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا
قال أرسلوه إلينا
فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام انطلق إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاقض حاجتك منه فإنا قد قضينا حوائجنا منه
وودعناه
فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذي قال الواقدي هو أبذي بن عدي وأم عدي تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج واليها ينسبون يقول الغلام من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله
قال وما حاجتك
قال إن حاجتي ليست بحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم وإني والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي وأن يرحمني وأن يجعل غناي في قلبي فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واقبل إلى الغلام اللهم أغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه

(2/269)


فانطلقوا راجعين إلى أهاليهم ثم وافوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الموسم بمنى سنة عشر فقالوا نحن بنو أبذي
قال رسول الله ما فعل الغلام الذي أتاني معكم قالوا يا رسول الله والله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله عز وجل لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا
فقال رجل منهم أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك
قالوا فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزق فلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه يذكرهم الله والإسلام فلم يرجع منهم أحد
وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا
فروة بن مسيك المرادي
وقدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مفارقا لملوك كندة متابعا للنبي {صلى الله عليه وسلم} وقال في ذلك
لما رأيت ملوك كندة أعرضت
كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا
أرجو فواضلها وحسن ثرائها
الكامل
ثم خرج حتى أتى المدينة وكان رجلا له شرف فأنزله سعد بن عبادة عليه ثم غدا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو جالس في المسجد فسلم عليه ثم قال يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي قال أين نزلت يا فروة قال على سعد بن عبادة قال بارك الله على سعد بن عبادة
وكان يحضر مجلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلما جلس ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه

(2/270)


وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم يقال له يوم الردم وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك ففضحهم يومئذ فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما وفد إليه يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم قال يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما إن ذلك اليوم لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا
وفي ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك
مررنا باللفاة وهن خوص
ينازعن الأعنة ينتحينا
فإن نغلب فغلابون قدما
وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن
منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال
تكر صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى
ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهر
فألفى للأولى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم
تجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا
ولو بقي الكرام إذا بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي
كما أفني القرون الأولينا
الوافر
واستعمل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فروة بن مسيك على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة وكتب له فيها كتابا لا يعدوه إلى غيره فكان خالد مع فروة في بلاده حتى توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ولما كانت السنة التي توفي فيها صلوات الله وبركاته عليه وصدر عن مكة ورأت أبناء زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقرين بالإسلام مصدقين برسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم يرجع راجعهم إلى بلاده وهم على ما هم عليه قالوا لخالد بن سعيد والله لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس وصدقنا بمحمد {صلى الله عليه وسلم} وخلينا بينك وبين صدقات أموالنا وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا
قال خالد قد فعلتم قالوا فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويخبرونه بإسلامنا ويقبسونا منه خيرا

(2/271)


قال خالد ما احسن ما دعوتم إليه وأنا أجيبكم ولم يمنعني أن أقول لكم هذا إلا أني رأيت الوفود تمر بكم فلا يهيجكم ذلك على الخروج فساءني ذلك منكم حتى ساء ظني بكم وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك فخشيت أن يكون الإسلام لم يرسخ في قلوبكم فأما إذا طلبتم ما طلبتم فأنا أرجو أن يكون الإسلام راسخا في قلوبكم
قالوا وما أنكرت منا والله لقد كنا في حيزك واخترناك على غيرك من عمال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما رأيت منا شيئا تكرهه ولا تنكره إلى يومنا هذا
قال اللهم غفرا لولا أني أنكرت منكم بعض ما ينكر ما قلت هذا أما تعلمون أني أخذت من شاب منكم فريضة بنت مخاض فعقلتها ووسمتها بميسم الصدقة فجئتم بأجمعكم فأخذتموها ثم قلتم إن شاء خالد فليأخذها من مرعاها فأمسكت عنكم وخفت أن يأتي منكم ما هو شر من هذا قالوا فقد كان ونزعنا وتبنا إلى الله فلا نحول بينك وبين شيء تريده فبعث معهم وفدا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وفد زبيد عمرو بن معدي كرب
وقدم عمرو بن معدي كرب على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في أناس من قومه بني زبيد فأسلم وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد خرج بالحجاز يقال إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفي علينا إذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فإنه إن سبق إليه رجل من قومك سادنا وترأس علينا وكنا له أذنابا
فأبى عليه قيس وسفه رأيه فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأقام أياما فأجازه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما كان يجيز الوفود وأنصرف راجعا إلى بلاده فأقام في قومه بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك سامعا له مطيعا فلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ارتد عمرو ثم راجع الإسلام بعد ذلك
وقد كان قيس بن مكشوح لما بلغه خروج عمرو أوعده وتحطم عليه وقال خالفني وترك رأبي
فقال عمرو في ذلك من أبيات
أمرتك يوم في ذي صنعاء

(2/272)


أمرا باديا رشده
أمرتك باتقاء الله
والمعروف تتعده
فكنت كذي الحمير غره
مما به وتده
تمناني على فرس
عليه جالس أسده
فلو لاقيتني للقيت
ليثا فوقه لبده
الوافر
وطلب فروة بن مسيك قيس بن مكشوح كل الطلب حتى هرب من
بلاده وكان مصمما في طلب من خالفه فكان عمرو يقول لقيس قد خبرتك يا قيس أنك تكون ذنبا تابعا لفروة بن مسيك
وفد بني ثعلبة
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة
ذكر الواقدي عن رجل منهم قال لما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الجعرانة قدمنا عليه وافدين مقرين بالإسلام ونحن أربعة نفر فنزلنا دار رملة بنت الحارث فجاءنا بلال فنظر إلينا فقال أمعكم غيركم قلنا لا فانصرف عنا فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى بجفنة من ثريد بلبن وسمن فأكلنا حتى نهلنا ثم رحنا إلى الظهر فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء فرمى ببصره إلينا فأسرعنا إليه وبلال يقيم الصلاة
فسلمنا عليه وقلنا يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من قومنا مقرين بالإسلام وهم في مواشيهم وما لا يصلحه إلا هم وقد قيل لنا يا رسول الله لا إسلام لمن لا هجرة له فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم حيث كنتم
وفرغ بلال من الآذان ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يكلمنا ثم تقدم فصلى بنا الظهر لم تصل وراء أحد قط أتم صلاة ولا أوجز منه ثم انصرف إلى بيته فدخل فلم يلبث أن خرج إلينا فقيل لنا صلى في بيته ركعتين فدعا بنا فقال أين أهلكم فقلنا قريبا يا رسول الله هم بهذه السرية فقال كيف بلادكم فقلنا مخصبون فقال الحمد لله
فأقمنا أياما وتعلمنا من القرآن والسنن وضيافته تجري علينا ثم جئنا نودعه منصرفين فقال لبلال أجزهم كما تجيز الوفد فجاء بلال بنقر من فضة فأعطى كل واحد منا خمس أواق وقال ليس عندنا دراهم مضروبة فانصرفنا إلى بلادنا
وفد بني سعد هذيم
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنو سعد هذيم من قضاعة في سنة تسع

(2/273)


ذكر الواقدي عن ابن النعمان منهم عن أبيه قال قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} البلاد غلبة وأداخ العرب والناس صنفان
إما داخل في الإسلام راغب فيه وإما خائف من السيف فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه فنجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يصلي على جنازة في المسجد فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم وقلنا حتى نلقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ونبايعه ثم انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنظر إلينا فدعا بنا فقال من أنتم فقلنا من بني سعد هذيم فقال أمسلمون أنتم قلنا نعم قال فهلا صليتم على أخيكم قلنا يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أينما أسلمتم فأنتم مسلمون
قال فأسلمنا وبايعنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأيدينا على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في طلبنا فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام فقلنا يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا فقال أصغر القوم خادمهم بارك الله عليه
قال فكان والله خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} له
ثم أمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} علينا فكان يؤمنا
ولما أردنا الانصراف أمر بلالا فأجازنا بأواقي من فضة لكل رجل منا فرجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام
وفد بني فزارة
ولما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من تبوك قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن والحر بن قيس بن حصن ابن أخي عيينة بن حصن وهو أصغرهم فنزلوا في دار زينب بنت الحارث وجاءوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقرين بالإسلام وهم مسنتون على وكاف عجاف فسألهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن بلادهم فقال أحدهم يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا فادع لنا ربك يغثنا واشفع لنا إلى ربك وليشفع لنا ربك إليك

(2/274)


فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سبحان الله ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي عز وجل فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه لا اله إلا هو العلي العظيم وسع كرسيه السموات والأرض فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله جل وعز ليضحك من شفعكم وأزلكم وقرب غياثكم
فقال الأعرابي يا رسول الله ويضحك ربنا عز وجل قال نعم قال الأعرابي لن نعدمك من رب يضحك خير فضحك النبي {صلى الله عليه وسلم} من قوله وصعد المنبر فتكلم بكلمات وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء فرفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طيبا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء
فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري فقال يا رسول الله التمر في المربد
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اسقنا فعاد أبو لبابة لقوله وعاد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لدعائه فعاد أيضا أبو لبابة لقوله وعاد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لدعائه فعاد أيضا أبو لبابة فقال التمر في المربد يا رسول الله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره
قالوا ولا والله ما في السماء سحاب ولا قزعة وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فو الله ما رأوا الشمس سبعا
وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المنبر فدعا ورفع يديه مدا حتى رؤي بياض إبطيه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر
قال فانجابت السحاب عن المدينة انجياب الثوب
وفد بني أسد

(2/275)


وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني أسد عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد وطليحة بن خويلد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس في المسجد مع أصحابه فسلموا وتكلموا وقال متكلمهم يا رسول الله إنا شهدنا أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثا ونحن لمن وراءنا
قال محمد بن كعب القرظي فأنزل الله عز وجل على رسوله يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين 17 الحجرات
وكان مما سألوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنه يومئذ العيافة والكهانة وضرب الحصى فنهاهم عن ذلك كله
فقالوا يا رسول الله إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية أرأيت خصلة بقيت قال وما هي قال الخط قال علمه نبي من الأنبياء فمن صادف مثل علمه علم
وفد بهراء

(2/276)


وذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد قالت سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول قدم وفد بهراء من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلا فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منزلنا نبني جديلة فخرج إليهم المقداد فرحب بهم وأنزلهم وجاءهم بجفنة من حيس قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها فحملها أبو معبد المقداد وكان كريما على الطعام فأكلوا منها حتى نهلوا وردت إلينا القصعة وفيها أكل فجمعنا تلك الأكل في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مع سدرة مولاتي فوجدته في بيت أم سلمة فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضباعة أرسلت بهذا قالت سدرة نعم يا رسول الله قال ضعي ثم قال ما فعل ضيف أبي معبد قلت عندنا فأصاب منها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أكلا هو ومن معه في البيت حتى نهلوا وأكلت معهم سدرة ثم قال اذهبي بما بقي إلى ضيفكم قالت سدرة فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتي قالت فأكل منها الضيف ما أقاموا نرددها عليهم وما تغيض حتى جعل الضيف يقولون يا أبا معبد انك لتنهلنا من احب الطعام إلينا وما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام إنما هو العلق أو نحوه ونحن عندك في الشبع فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه أكل منها أكلا وردها فهذه بركة أثر أصابع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجعل القوم يقولون نشهد أنه رسول الله وازدادوا يقينا وذلك الذي أراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وتعلموا الفرائض وأقاموا أياما ثم جاءوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فودعوه وأمر لهم بجوائزهم وانصرفوا إلى أهلهم
وفد بني غدرة

(2/277)


وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني غدرة في صفر سنة تسع اثنا عشر رجلا فيهم حمزة بن النعمان وسليم وسعد ابنا مالك ومالك بن أبي رباح فنزلوا في دار رملة بنت الحارث النجارية ثم جاءوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو في المسجد فسلموا بسلام أهل الجاهلية فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من القوم فقال متكلمهم من لا تنكر نحن بنو غدرة أخوة قصي لأمه نحن الذين عضوا قصيا وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر ولنا قرابات وأرحام
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرحبا بكم وأهلا ما أعرفني بكم فما منعكم من تحية الإسلام قالوا يا محمد كنا على ما كان عليه آباؤنا فقدمنا مرتادين لأنفسنا ولمن خلفنا فإلام تدعو فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تشهدوا أني رسول الله إلى الناس كافة فقال المتكلم فما وراء ذلك من الفرائض فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الصلوات الخمس تحسن طهورهن وتصليهن لمواقيتهن فإنه أفضل العمل ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج فقال المتكلم الله أكبر نشهد انه لا اله إلا الله وأنك رسول الله قد أجبناك إلى ما دعوت إليه ونحن أعوانك وأنصارك ثم قال يا رسول الله إنا متاخمو الشام وأخبارهم ترد علينا وبالشام من قد علمت هرقل فهل أوحي إليك في أمره بشيء فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أبشر فإن الشام ستفتح عليكم ويهرب هرقل إلى ممتنع بلاده قال الله أكبر يا رسول الله إن فينا امرأة كاهنة كانت قريش والعرب يتحاكمون إليها ولو قد رجعنا أقرت هي وغيرها من قومنا بالإسلام إن شاء الله أفنسألها عن كهانتها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا تسألوها عن شيء قال الله أكبر ثم سأله عن الذبائح التي كانوا يذبحون في الجاهلية لأصنامهم فنهاهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنها وقال لا
ذبيحة لغير الله عز وجل ولا ذبيحة عليكم في سنتكم إلا واحدة ط
قال وما هي فداك أبي وأمي قال الأضحية قال وأمي وقت تكون قال صبيحة العاشر من ذي الحجة تذبح شاة عنك وعن أهلك قال يا رسول الله أهي على أهل كل بيت وجدوها قال نعم

(2/278)


فأقاموا أياما ثم أجازهم كما يجيز الوفود وانصرفوا
وقدم بلي
وقد على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بلي في ربيع الأول من سنة تسع
قال رويفع ابن ثابت البلوي فبلغني قدومهم فخرجت حتى جئتهم برأس الثنية في أيديهم خطم رواحلهم فرحبت بهم وقلت المنزل علي فعدلت بهم إلى منزلي فنزلوا ولبسوا من صالح ثيابهم ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو جالس في أصحابه في بقية فيء الغداة فسلمت
فقال رويفع فقلت لبيك قال من هؤلاء القوم قلت قومي قال مرحبا بك وبقومك قلت يا رسول الله قدموا وافدين عليك مقرين بالإسلام وهم على من وراءهم من قومهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من يرد الله به خيرا يهده للإسلام
قال وتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فجلس بين يديه فقال يا رسول الله إنا قدمنا عليك لنصدقك ونشهد أن ما جئت به حق ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا قبلنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار قال يا رسول الله إني رجل لي رغبة في الضيافة فهل لي في ذلك من أجر قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة قال يا رسول الله ما وقت الضيافة قال ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فصدقة ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك قال يا رسول الله أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض قال لك أو لأخيك أو للذئب قال فالبعير قال مالك وله دعه حتى يجده صاحبه
وسأله عن أشياء غير هذه فأجابه عنها
قال رويفع ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأتي منزلي يحمل تمرا فقال استعن بهذا التمر فكانوا يأكلون منه ومن غيره فأقاموا ثلاثا ثم ودعوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم
ضمام بن ثعلبة

(2/279)


وبعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقدم عيه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالس في أصحابه وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنا ابن عبد المطلب
قال أمحمد قال نعم قال يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك
قال أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله بعثك إلينا رسولا قال اللهم نعم قال فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن تأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه قال اللهم نعم قال فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس قال اللهم نعم
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص
ثم انصرف إلى بعيره راجعا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة
قال فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا عليه فكان أول ما تكلم به أن سب اللات والعزى قالوا مه يا ضمام اتق البرص
اتق الجذام اتق الجنون قال ويلكم إنهما والله ما تضران ولا تنفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم به مما كنتم فيه فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه
قال فوالله ما أمسي من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما

(2/280)


فبنوا المساجد وآذنوا بالصلاة وكلما اختلفوا في شيء قالوا عليكم بوافدنا
قال ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة
واختلف في الوقت الذي وفد فيه ضمام هذا على النبي {صلى الله عليه وسلم} فقيل سنة خمس
ذكره الواقدي وغيره وقيل سنة سبع وقيل سنة تسع فالله أعلم
وفد عبد القيس
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد عبد القيس في جماعة رأسهم عبد الله بن عوف الأشج فلما أتوه قال من الوفد أو من القوم قالوا ربيعة قال مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى قالوا يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة
فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع
أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال هل تدرون ما الإيمان بالله قالوا الله ورسوله أعلم
قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم
ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير
قالوا يا نبي الله ما علمك بالنقير قال بلى جذع ينقرونه فيقذفون فيه من القطيعاء أو قال من التمر ثم يصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أن أحدكم أو أن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف وفي القوم رجل أصابته جراحه كذلك قال وكنت أخبأها حياء من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما سلم عليه القوم سألهم أيكم عبد الله الأشج فقالوا أتاك يا رسول الله وكان عبد الله وضع ثياب سفره وأخرج ثيابا حسانا فلبسها وكان رجلا دميما فلما جاء ونظر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى دمامته قال يا رسول الله إنه لا يستقي في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن فيك الخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة فقال عبد الله يا رسول الله أشيء حدث في أم شيء جبلت عليه فقال بل شيء جبلت عليه

(2/281)


وكان الأشج يسائل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن الفقه والقرآن فكان رسول الله يدينه منه إذا جلس وكان يأتي أبي بن كعب فيقرأ عليه
وأمر لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجوائز وفضل الأشج عليهم فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا وذلك أكثر مما كان يجيز به الوفود
وقدم في هذا الوفد الجارود بن عمرو وكان نصرانيا فلما انتهى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلمه فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه فأسلم وحسن إسلامه
وأراد الرجوع إلى بلاده فسأل النبي {صلى الله عليه وسلم} حملانا فقال والله ما عندي ما أحملكم عليه قال يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا قال لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار
فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه وكان حسن الإسلام صليبا في دينه حتى هلك وقد أدرك الردة فلما رجع من كان أسلم من قومه إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان قام الجارود فتشهد بشهادة الحق ودعا إلى الإسلام فقال يا أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يتشهد
ويروي وأكفئ من لم يشهد
وفد بني مرة
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني مرة ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث ابن عوف وذلك منصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من تبوك جاءوه وهو في المسجد فقال الحارث بن عوف يا رسول الله إنا قومك وعشيرتك نحن قوم من بني لؤي بن غالب فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال للحارث أين تركت أهلك قال بسلاح وما والاها قال فكيف البلاد قال والله إنا لمسنتون وما في المال مخ فادع الله لنا

(2/282)


قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم اسقهم الغيث فأقاموا أياما ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم فجاءوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مودعين له فأمر بلالا أن يجيزهم فأجازهم بعشر أواق عشر أواق فضة وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة فسألوا متى مطرتم فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيه
فقدم عليه قادم بعد وهو يتجهز لحجة الوداع فقال يا رسول الله رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مضبوطة مطرا لذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمس عشرة ليلة مطرة جودا ولقد رأيت الإبل تأكل وهي بروك وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا فترجع فتقيل في أهلنا
فقال رسول الله الحمد لله الذي هو صنع ذلك
وفد خولان
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في شعبان من سنة عشر وفد خولان وهم عشرة فقالوا يا رسول الله نحن على من وراءنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله عز وجل مصدقون برسوله قد ضربنا إليك آباط الإبل وركبنا حزون الأرض وسهولها والمنة لله ولرسوله علينا وقدمنا زائرين لك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما ما ذكرتم من مسيركم الي فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة واما قولكم زائرين لك فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة
قالوا يا رسول الله هذا السفر الذي لا توى عليه
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما فعل عم أنس وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه قالوا بشر وعر بدلنا الله به ما جئت به وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قد قمنا عليه هدمناه إن شاء الله فقد كنا في غرور وفتنة يا رسول الله إن فتنته كانت أعظم مما عسينا أن نذكره لك فالحمد لله الذي من علينا بك وتنقذنا من الهلكة وما مضى عليه الآباء من عبادته
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما أعظم ما رأيتم من فتنته قالوا يا رسول الله لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة ومات الولدان غرما وهلكت ناغيتنا وراعيتنا وحافرنا أو ما ذهب منها

(2/283)


فقلنا أو من قال منا قربوا لعم انس قربانا يشفع لكم فتغاثوا فتعاونوا فجمعنا ما قدرنا عليه من عين مالنا ثم ذهب ذاهبنا فابتاع مائة ثور ثم حشرها علينا فنحرناها في غداة واحدة وتركناها تردها السباع ونحن أحوج إليها من السباع فجاءنا الغيث من ساعتنا فأي فتنة اعظم من هذه فلقد رأينا العشب يواري الرجال ويقول قائلنا أنعم علينا عم أنس
وذكروا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزءا لله بزعمهم
قالوا كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعا آخر حجرة لله جل وعز فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله
فذكر لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ( الأنعام 136
قالوا وكنا نتحاكم إليه فنكلم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك الشياطين تكلمكم
قالوا فأصبحنا يا رسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الحمد لله الذي هداكم وأكرمكم بمحمد {صلى الله عليه وسلم}
وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار لمن جاوروا وان لا يظلموا أحدا
قال فإن الظلم ظلمات يوم القيامة
ثم أمر بهم فأنزلوا دار رملة وأمر لهم بضيافة تجرى عليهم وأمر من يعلمهم القرآن والسنن ثم ودعوه بعد أيام فأجازهم ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس
وفد محارب
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عام حجة الوداع وفد محارب وهم كانوا أغلظ العرب وأفظه على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في تلك المواسم أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله فجاء رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منهم عشرة نائبين عن من وراءهم من قومهم فأسلموا

(2/284)


وكان بلال يأتيهم بغذاء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوما من الظهر إلى العصر فعرف رجلا منهم فأبده النظر فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال كأنك يا رسول الله توهمني
قال لقد رأيتك
فقال المحاربي أي والله لقد رأيتني وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نعم
ثم قال المحاربي يا رسول الله ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ ولا أبعد من الإسلام مني فأحمد الله الذي أتعاني حتى صدقت بك ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن هذه القلوب بيد الله عز وجل
فقال المحاربي يا رسول الله استغفر لي من مراجعتي إياك
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر
ثم انصرفوا إلى أهليهم
وفد طيء
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما إنتهوا إليه كلموه وعرض عليهم الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه ثم سماه زيد الخير وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له بذلك كتابا فخرج من عنده راجعا إلى قومه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن ينج زيد من حمى المدينة يسميها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يومئذ باسم غير الحمى وغير أم ملدم
وقال زيد حين انصرف
أنيخت بآجام المدينة أربعا
وعشرا يغني فوقها الليل طائر
فلما قضى أصحابها كل بغية
وخط كتابا في الصحيفة ساطر
شددت عليها رحلها وسليلها
من الدرس والشعراء والبطن ضامر
الطويل
فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات
وقال لما أحس بالموت
أمرتحل قومي المشارق غدوة
وأترك في بيت بفردة منجد
ألا رب يوم لو مرضت لعادني
عوائد من لم يشف منهن يجهد
فليت اللواتي عدنني لم يعدنني
وليت اللواتي غبن عني شهد
الطويل

(2/285)


فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التي قطع له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فحرقتها بالنار
وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما ذكر عنه ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين سمع به مني أما أنا فكنت امرأ شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع فكنت في نفسي على دين
وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي قومي وما كان يصنع في أهل ديني فلما سمعت برسول الله {صلى الله عليه وسلم} كرهته فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبل لي لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل ثم إنه أتاني ذات غداة فقال يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيك خيل محمد فاصنعه الآن فإني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد
قلت فقرب إلي أجمالي فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها
وتخالفني خيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتصيب بنت حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في سبايا من طيء فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها فمر بها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد كان بلغه هربي إلى الشام فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك
قال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم
قال الفار من الله ورسوله قالت ثم مضى وتركني حتى إذا كان من الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالأمس
قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه فقمت إليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فتمنن علي من الله عليك قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى أهلك ثم آذنيني

(2/286)


فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه فقيل علي بن أبي طالب وأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة وإنما أريد أن آتي أخي بالشام فجئت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة
وبلاغ
فكساني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام
قال عدي فوالله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب الي تؤمنا قلت ابنة حاتم فإذا هي هي فلما وقفت علي انسحلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك قلت أي أخية لا تقولي إلا خيرا فوالله ما لي من عذر لقد صنعت ما ذكرت
ثم نزلت فأقامت عندي
فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وان يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت
قلت والله أن هذا للرأي
فخرجت حتى اقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال من الرجل فقلت عدي بن حاتم فقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فانطلق بي إلى بيته فوالله انه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك قال ثم مضى بي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها الي فقال اجلس على هذه قال قلت بل أنت فاجلس عليها قال بل أنت فجلست عليها وجلس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالأرض فقلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال إيه يا عدي بن حاتم آلم تك ركوسيا قلت بلى قال أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع قلت بلى قال فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك قلت اجل والله وعرفت انه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال
لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فولله ليوشكن أن

(2/287)


تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه انك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم
وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم
قال فأسلمت
وكان عدي يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن
قد رأيت القصور البيض من ارض بابل قد فتحت وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه
وفد كنده
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الأشعث بن قيس في ثمانين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جباب الحبرة قد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال فشقوه منها فالقوه
ثم قال له الأشعث بن قيس يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن أكل المرار فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وكانا إذا خرجا تاجرين فضربا في بعض العرب فسئلا ممن هما قالا نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك وذلك أن كندة كانوا ملوكا
ثم قال لهم لا بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا
وقال جندب بن مكيث لقد رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم قدم وفد كندة عليه حلة يمانية يقال إنها حلة ابن ذي يزن وعلى أبي بكر وعمر مثل ذلك
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا قدم عليه الوفد لبس احسن ثيابه وأمر علية أصحابه بذلك
وفد صداء

(2/288)


وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد صداء في سنة ثمان وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا إلى اليمن وهيأ بعثا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة وعقد له لواء أبيض ورفع له راية سوداء وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء فقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل منهم وعلم بالجيش فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي
فرد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قيس بن سعد من صدور قناة وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خمسة عشر رجلا منهم فقال سعد بن عبادة يا رسول الله دعهم ينزلوا علي فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فبايعوه على الإسلام وقالوا نحن لكن على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام فوافى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منهم مائة رجل في حجة الوداع
ذكر هذا الواقدي عن بعض بني المصطلق
وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه الذي قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له اردد الجيش وأنا لك بقومي
فردهم
قال وقدم وفد قومي عليه فقال لي يا أخا صداء انك لمطاع في قومك قال قلت بلى من الله عز وجل ومن رسوله
وكان زياد هذا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في بعض أسفاره
قال فاعتشى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أي سار ليلا واعتشينا معه وكنت رجلا قويا قال فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غرزه فلما كان في السحر قال أذن يا أخا صداء فأذنت على راحلتي ثم سرنا حتى نزلنا فذهب لحاجته ثم رجع فقال يا أخا
صداء هل معك ماء قلت معي شيء في إداوتي
فقال هاته فجئت به فقال صب فصببت ما في الإداوة في القعب وجعل أصحابه يتلاحقون ثم وضع كفه على الإناء فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور ثم قال يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي لسقينا واستسقينا ثم توضأ وقال أذن في صحابي
من كانت له حاجة بالوضوء فليرد

(2/289)


قال فوردوا من آخرهم ثم جاء بلال يقيم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم فأقمت ثم تقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فصلى بنا وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي ويكتب لي بذلك كتابا ففعل فلما سلم يريد من صلاته قام رجل يشتكي من عامله فقال يا رسول الله إنه أخذنا بدخول كانت بيننا وبينه في الجاهلية فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا خير في الإمارة لرجل مسلم ثم قام رجل فقال يا رسول الله أعطني من الصدقة فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها على ثمانية أجزاء فإن كنت جزءا منها أعطيتك وإن كنت عنها غنيا فإنما هو صداع في الرأس وداء في البطن
فقلت في نفسي هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها فقلت يا رسول الله هذان كتاباك فاقبلهما فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم قلت إني سمعتك تقول لا خير في الإمارة لرجل مسلم وأنا مسلم وسمعتك تقول من سأل من الصدقة وهو عنها غني فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن وأنا غني
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما إن الذي قلت كما قلت لك فقبلهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال دلني على رجل من قومك أستعمله فدللته على رجل فاستعمله قلت يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها وإذا كان الصيف قل علينا فتفرقنا على المياه والإسلام اليوم فينا قليل ونحن نخاف فادع الله عز وجل لنا في بئرنا
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ناولني سبع حصيات فناولته فعركهن بيده ثم دفعهن إلي وقال إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة وسم الله
قال ففعلت فما أدركنا لهاقعرا حتى الساعة
وفد غسان
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد غسان
قالوا أو من قاله منهم فيما ذكر الواقدي عنهم قدمنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في رمضان سنة عشر ونحن ثلاثة نفر فلما كنا برأس الثنية لقينا رجل على فرس متنكب قوسا فحيانا بتحية الإسلام فرددنا عليه تحيتنا فقال من أنتم قلنا رهط من غسان قد قدمنا على محمد نسمع من كلامه ونرتاد لقومنا

(2/290)


قال فانزلوا حيث ينزل الوفد قلنا وأين ينزل الوفد قال دار رملة بنت الحارث
ويقال الحارث ثم ائتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكلموه
قلنا ونقدر عليه كلما أردنا قال فتبسم فقال أي لعمري إنه ليطوف بالأسواق ويمشي وحده وكنا قوما نسمع كلام النصارى وصفتهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنه يمشي وحده لا شرطة معه ويرعب من يراه منهم
فقلنا للرجل من أنت لك الجنة
قال أنا أبو بكر بن أبي قحافة
فقلنا أنت فيما يزعم النصارى تقوم بهذا الأمر بعده
قال أبو بكر الأمر إلى الله عز وجل ثم قال كيف تخدعون عن الإسلام وقد خبركم أهل الكتاب بصفته وأنه آخر الأنبياء قلنا هو ذاك فمضى ومضينا نسأل عن دار رملة حتى انتهينا إليها فنصادف وفودا من العرب كلهم مصدق بمحمد {صلى الله عليه وسلم} فقلنا فيما بيننا أترانا شر من نزى من العرب ثم خرجنا حتى نلقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عند باب المسجد واقفا فأمدنا ببصره وقال أنتم الغسانيون قلنا نعم قال قدمتم مرتادين لقومكم فما انتفعتم بعلم من كان معكم من أهل الكتاب
قلنا يا محمد لم نر أحدا منهم اتبعك فوقفنا عنك لذلك
ونحن الآن على غير ما كنا عليه فالإم تدعو قال أدعو إلى الله
وحده لا شريك له وخلع ما دعي من دونه وأني رسول الله
قال قائلهم فمن معك من أتباعك قال الله جل وعز معي والملائكة جبريل وميكائيل والأنبياء وصالح المؤمنين ثم التفت ونظر إلى عمر ولم ير أبا بكر فقال هذا وصاحبه قلنا ابن أبي قحافة قال نعم قلنا إنك لتأوي إلى ركن شديد وقد صدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق ولا ندري أيتبعنا قومنا أم لا وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر
ثم أسلموا وأجازهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجوائز وانصرفوا راجعين فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك فلقي أبا عبيدة فخبره بإسلامه فكان يكرمه
وفد سلامان

(2/291)


وذكر الواقدي أيضا بإسناد له أن خبيب بن عمرو السلاماني كان يحدث قال قدمنا وفد سلامان على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ونحن سبعة نفر فانتهينا إلى باب المسجد فصادفنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خارجا منه إلى جنازة دعي إليها فلما رأيناه قلنا يا رسول الله السلام عليك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعليكم السلام من أنتم قلنا نحن قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا
فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية فلما سمعنا أذان الظهر خرجنا إلى الصلاة فقمنا على باب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى خرج إلى المسجد فصلى بالناس وهو يتصفحنا ودخل بيته فلم يلبث أن خرج فجلس في المسجد بين المنبر وبين بيته وجلست عليه أصحابه عن يمينه وعن شماله فرأيت رجلا هو أقرب القوم منه يكثر ما يلتفت إليه ويحدثه
فسألت عنه فقيل أبو بكر بن أبي قحافة وجئنا فجلسنا تجاه وجهه وجعل الوفد يسألونه عن شرائع الإسلام فلم يكد سائلهم يقطع حتى خشيت أن يقوم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت إنا نريد ما تريد فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأسكت السائل فقلت أي رسول الله ما افضل الأعمال قال الصلاة في وقتها ثم ذكر حديثا طويلا
قال ثم جاء بلال فأقام الصلاة فقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فصلى بالناس العصر فكانت صلاة العصر أخف في القيام من الظهر ثم دخل بيته فلم ينشب أن خرج فجلس في مجلسه الأول وجلس معه أصحابه وجئنا فجلسنا فلما
رآني قال يا أخا سلامان قلت لبيك قال كيف البلاد عندكم قلت أي رسول الله مجدبة وما لنا خبر من البلاد فادع الله أن يسقينا في بلادنا فنقر في أوطاننا ولا نسير إلى بلاد غيرنا فإن النجع تفرق الجميع وتشتت الديار

(2/292)


فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيده اللهم اسقهم الغيث في ديارهم فقلت يا رسول الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب فتبسم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قام وقمنا عنه فأقمنا ثلاثا وضيافته تجري علينا ثم ودعناه وأمر لنا بجوائز فأعطينا خمس أواقي لكل رجل منا واعتذر إلينا بلال وقال ليس عندنا مال اليوم
فقلنا ما أكثر هذا وأطيبه ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في تلك الساعة
قال الواقدي وكان مقدمهم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في شوال سنة عشر
وفد بني عبس
قال وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني عبس فقالوا يا رسول الله قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له ولنا أموال ومواش وهي معايشنا فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير في أموالنا بعناها وهاجرنا من آخرنا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا وسألهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن خالد بن سنان هل له عقب فأخبروه أنه لا عقب له كانت له ابنة فانقرضت وأنشأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يحدث أصحابه عن خالد بن سنان فقال نبي ضيعه قومه
وفد الأزد وفد جرش
قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد فأمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على من أسلم من قومه
وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن
فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائلمن قبائل اليمن وقد ضوت إليها خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليهم فحاصروهم فيها قريبا من شهر وامتنعوا فيها منه ثم إنه رجع عنهم قافلا حتى إذا كان إلى جبل يقال له شكر ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزما فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا

(2/293)


وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالمدينة يرتادان وينظران فبينما هما عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عشية بعد العصر إذ قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأي بلاد الله شكر فقال الجرشيان ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك يسميه أهل جرش فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله قال إن بدن الله لتنحر عنده الآن فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما ويحكما إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الآن لينعى لكما قومكما فقوموا فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه عن ذلك فقال اللهم ارفع عنهم فخرجا من عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} راجعين
إلى قومهما فوجدوا قومهما أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر
فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلموا وحمي لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة وللميرة بقرة الحرث فمن رعاه من الناس فماله سحت
فقال في تلك الغزوة رجل من الأزد وكانت خثعم تصيب من الأزد في الجاهلية وكانوا يعدون في الشهر الحرام
يا غزوة ما غزونا غير خائبة
فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا حميرا في مصانعها
وجمع خثعم قد شاعت لها النذر
إذا وضعت غليلا كنت أحمله
فما أبالي أدانوا بعد أم كفروا
البسيط
وفد غامد

(2/294)


قال الواقدي وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد غامد سنة عشر وهم عشرة فنزلوا في بقيع الغردق وهو يومئذ أثل وطرفاء ثم انطلقوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخلفوا في رحلهم أحدثهم سنا فنام عنه وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له وانتهى القوم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع من شرائع الإسلام وقال لهم من خلفتم في رحالكم قالوا أحدثنا يا رسول الله قال فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم فقال أحد القوم يا رسول الله ما لأحد من القوم عيبة غيري فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد أخذت وردت إلى موضعها فخرج القوم سراعا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم فسألوه عما خبرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال فزعت من نومي ففقدت العيبة فقمت في طلبها فإذا رجل قد كان قاعدا فلما رآني ثار يعدو مني فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر وإذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها
فقالوا نشهد أنه رسول الله فإنه قد اخبرنا بأخذها وأنها قد ردت
فرجعوا إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فأخبروه وجاء الغلام الذي خلفوه فأسلم
وأمر النبي {صلى الله عليه وسلم} أبي بن كعب فعلمهم قرآنا وأجازهم {صلى الله عليه وسلم} كما كان يجيز الوفود وانصرفوا
وفد بني الحارث بن كعب
قال ابن إسحاق وبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأول سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فأقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم
فخرج خالد بن الوليد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وبذلك كان أمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن هم أسلموا ولم يقاتلوا
ثم كتب خالد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد

(2/295)


السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فانك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إ ذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وأن لم يسلموا قاتلتهم وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبعثت فيهم ركبانا فقالوا يا بني الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بن أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عن ما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي {صلى الله عليه وسلم} حتى يكتب إلي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته
فكتب إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله
إلى خالد بن الوليد
سلام عليك
فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو
أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم واقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
فأقبل خالد إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله القناني وعمرو بن عبد الله الضبابي

(2/296)


فلما قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرآهم قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند يعني في الطول والسمرة قيل يا رسول الله هؤلاء بنو الحارث بن كعب فلما وقفوا عليه سلموا وقالوا نشهد أنك لرسول الله وانه لا إله إلا الله قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ثم قال انتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو أن خالدا لم يكتب إلي بأنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم
فقال يزيد بن عبد
المدان أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال فمن حمدتم قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله قال صدقتم
ثم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نك نغلب أحد قال بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم
وأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين
فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب لهم كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره فيه أمره

(2/297)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا بيان من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهد من محمد النبي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وان يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه وينهي الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين ( ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويتألف الناس حتى يفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به والحج الأكبر والحج الأصغر هو العمرة
وينهي الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه وينهي أن يجتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء وينهي أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه وينهي إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر ولتكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له

(2/298)


فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحوا برءوسهم كما أمرهم الله وأمر بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها والغسل عند الرواح إليها وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت السماء وسقت العين وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل عشرين أربع شياة وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي إفترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له وانه من اسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها أي لا يفتن وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا
فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته
وفد بني حنيفة
وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب
قال أبن إسحاق فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تستره بالثياب ورسول الله جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه

(2/299)


قال وقد حدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا أو في ركابنا يحفظها لنا قال فأمر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بمثل ما أمر به للقوم وقال أما انه ليس بشركم مكانا أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذي يريد رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
قال ثم انصرفوا عن رسول {صلى الله عليه وسلم} وجاءوه بما أعطاه فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم
وقال إني قد أشركت في الأمر معه وقال لوفده الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما انه ليس بشركم مكانا ما ذاك إلا لما كان يعلم إني قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن
لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى
وأحل لهم الخمر والزنا ووضع عنهم الصلاة وهو مع ذلك يشهد لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأنه نبي فأصفقت معه حنيفة على ذلك
فالله أعلم أي ذلك كان
وذكر الواقدي انه قدم في وفد بني حنيفة الرحال بن عنفوة وانه كان أيام مقام الوفد يختلف إلى أبي بن كعب يتعلم القرآن وشرائع الإسلام حتى كان الرحال عندهم أفضل من كان وفد عليهم لما يرون من حرصه فلما تنبأ مسيلمة بعد وفاة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شهد له الرحال بن عنفوة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشركه في الأمر فافتتن الناس
وفد همدان
قال أبن هشام وقدم وفد همدان على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيهم مالك بن نمط وأبو ثور وهو ذو المشعار ومالك بن أيفع وضمام بن مالك السلماني وعميرة إبن مالك الخارقي فلقوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرجعه من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية برحال الميس على المهرية والأرحبية ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم يقول أحدهما
همدان خير سوقة وأقيال
ليس لها في العالمين أمثال
محلها الهضب ومنها الأبطال
لها إطابات وآكال
الرجز
ويقول آخر
إليك جاوزن سواد الريف
في هبوات الصيف والخريف

(2/300)


مخطمات بحبال الليف
الرجز
فقام مالك بن نمط بين يديه ثم قال
يا رسول الله نصية من همدان من كل حاضر وباد أتوك على قلص نواج متصلة بحبائل الإسلام لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد والقود أجابوا دعوة الرسول وفارقوا آلهات الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع وما جرى اليعفور بصلع
فكتب لهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا فيه
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وخقاف الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون عافيها لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله وشاهدهم المهاجرون والأنصار
فقال في ذلك مالك بن نمط
ذكرت رسول الله في فحمة الدجى
ونحن بأعلى رحرحان وصلدد )
وهن بنا خوض طلائع تغتلى بركبانها في لا حب متمدد
على كل فتلاء الذراعين جسرة تمر بنا مرا لهجف الخفيدد
حلفت برب الراقصات إلى منى صوادي بالركبان من ظهر قردد
بأن رسول الله فينا مصدق رسول أتى من عند ذي العرش مهتد
فما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند
وفد النخع
قال الواقدي وقدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفد النخع وهم آخر وفد قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة في مائتي رجل فنزلوا دار الأضياف ثم جاءوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقرين بالإسلام وقد كانوا بايعوا معاذ ابن جبل باليمن فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو يا رسول الله إني رأيت في سفري هذا عجبا
قال وما رأيت قال رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هل تركت أمة لك مصرة على حمل قال نعم قال فإنها ولدت غلاما وهو ابنك
قال يا رسول الله فما باله أسفع أحوى قال أدن مني فدنا منه فقال هل بك من برص تكتمه قال والذي بعثك بالحق ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك

(2/301)


قال فهو ذلك قال يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان
قال ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته
قال يا رسول الله ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الأرض
قال تلك بقية الدنيا
قال ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو وهي تقول لظي لظي بصير وأعمى أطعموني آكلكم آكلكم أهلكم ومالكم
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تلك فتنة تكون في آخر الزمان
قال يا رسول الله وما الفتنة قال يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس وخالف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين أصابعه يحسب المسيء فيها أنه محسن ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحل من شرب الماء إن مات ابنك أدركت الفتنة وإن مت أنت أدركها ابنك
قال يا رسول الله أدع الله أن لا أدركها
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اللهم لا
يدركها فمات وبقي ابنه
وكان ممن خلع عثمان
وهذا الذي تيسر لنا ذكره من شأن الوفود وهم أكثر من هذا ومعظم من ذكرنا إنما هو من كتاب الواقدي مع من ذكره ابن إسحاق منهم
ذكر بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الملوك وكتابه إليهم
يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام
قال ابن هشام وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام
حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي قال بلغني أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صد عنها يوم الحديبية فقال أيها الناس إن الله قد بعثني رحمة وكافة فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم عليه السلام
وفي حديث ابن إسحاق إن الله بعثني رحمة وكافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى فقال أصحابه وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله فقال دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل فشكا ذلك عيسى إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها

(2/302)


فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم وبعث عبد الله بن حذافه السهمي إلى كسرى ملك فارس وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس
صاحب الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملك عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام
ويقال بعثه إلى جبلة بن أيهم الغساني وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن
ذكر كتاب النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى قيصر وما كان من خبر دحية معه
ذكر الواقدي من حديث ابن عباس ومن حديثه خرج في الصحيحين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه مع دحية الكلبي وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصري ليدفعه إلى قيصر فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله جل وعز فيما أبلاه من ذلك فلما جاء قيصر كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال التمسوا لنا ها هنا أحدا من قومه نسألهم عنه
قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا وذلك في الهدنة التي كانت بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبين كفار قريش قال فأتانا رسول قيصر فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه عليه التاج وحوله عظماء الروم فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم انه نبي قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا وليس في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غيري قال قيصر أدنوه مني ثم أمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري ثم قال لترجماته

(2/303)


قل لأصحابه إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم انه نبي وإنما جعلتم خلف كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء يومئذ من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه ولكني استحييت فصدقته وأنا كاره ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم فقلت هو فينا ذو نسب قال قل له هل قال هذا القول منكم أحد قبله قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قال قلت لا قال هل كان من آبائه ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال فهل يزيدون أو ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد سخطة بدينه بعد أن دخل فيه قلت لا قال فهو يغدر قلت لا ونحن الآن منه في مدة ونحن لا نخاف غدره
وفي رواية ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها
قال أبو سفيان ولم تمكني كلمة أغمزه بها لا أخاف علي فيها شيئا غيرها
قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف حربكم وحربه قلت دول سجال ندال عليه مرة ويدال علينا أخرى قال فما يأمركم به قلت يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد أباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة
فقال لترجمانه قل له إني سألتك عن نسبه فزعمت انه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال هذا القول منكم أحد قبله فزعمت أن لا فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فقد عرفت انه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه ملك فقلت لا فقلت لو كان من آبائه
ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فقلت ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم

(2/304)


وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل قاتلتموه فقلت نعم وأن حربكم وحربه دول وسجال ويدال عليكم مرة وتدالون عليه أخرى وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة وسألتك ماذا يأمركم به فزعمت أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وهو نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه فيكم وإن كان ما أتاني عنه حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت قدميه
قال أبو سفيان ثم دعا بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقرئ فإذا فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى
أما بعد فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم لتسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين
ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون
قال أبو سفيان فلما قضى مقالته وفرغ الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لعظهم فلا أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا فلما خرجت أنا وأصحابي وخلصنا قلت لهم لقد أمر أمر ابن أبي كبشة هذا ملك بني الأصفر يخافه قال فوالله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام
وفي حديث غير هذا ذكره أيضا الواقدي عن محمد بن كعب القرظي أن
دحية الكلبي لقي قيصر بحمص لما بعثه إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقيصر ماش من قسطنطينة إلى إيلياء في نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشي حافيا من قسطنطينة فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر إذا رأيته فاسجد له ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك

(2/305)


قال دحية لا أفعل هذا أبدا ولا أسجد لغير الله عز وجل قالوا إذا لا يؤخذ كتابك ولا يكتب جوابك قال وإن لم يأخذه فقال له رجل منهم أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك ولا يكلفك فيه السجود
قال دحية وما هو قال إن له على كل عقبة منبرا يجلس عليه فضع صحيفتك تجاه المنبر فإن أحدا لا يحركها حتى يأخذها هو ثم يدعو صاحبها فيأتيه
قال أما هذا فسأفعل فعمد إلى منبر من تلك المنابر التي يستريح عليها قيصر فألقي الصحيفة فدعا بها فإذا عنوانها كتاب العرب فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية فإذا فيه
من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم
فغضب أخ لقيصر يقال له نياق فضرب في صدر الترجمان ضربة شديدة ونزع الصحيفة منه فقال له قيصر ما شأنك أخذت الصحيفة فقال تنظر في كتاب رجل بدا بنفسه قبلك وسماك قيصر صاحب الروم وما ذكر لك ملكا
فقال له قيصر إنك والله ما علمت أحمق صغيرا مجنون كبيرا أتريد أن تخرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه فلعمري لئن كان رسول الله كما يقول لنفسه أحق أن يبدأ بها مني وإن كان سماني صاحب الروم لقد صدق ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم ولكن الله عز وجل سخرهم لي ولو شاء لسلطهم علي كما سلط فارس على كسرى فقتلوه
ثم فتح الصحيفة فإذا فيها
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم سلام على من اتبع الهدى
أما بعد يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا
الله )
الآية إلى قوله اشهدوا بأنا مسلمون آل عمران 64 في آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله ويزهده في ملكه ويرغبه فيما رغبة الله فيه من الآخرة ويحذره بطش الله وبأسه
وفي حديث غير الواقدي أن دحية لما لقي قيصر قال له
يا قيصر أرسلني إليك من هو خير منك والذي أرسله خير منه ومنك فاسمع ذل ثم أجب بنصح فإنك إن لم تذلل لم تفهم وإن لم تنصح لم تنصف
قال هات
قال هل تعلم أن المسيح كان يصلي
قال نعم

(2/306)


قال فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له وادعوك إلى من دبر خلق السموات والأرض والمسيح في بطن أمه وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى وبشر به عيسى ابن مريم بعده وعندك من ذلك أثاره من علم تكفي عن العيان وتشفي عن الخبر فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة وإلا ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا
وأعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة ويغير النعم
فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه وقبله ثم قال
أما والله ما تركت كتابا إلا قرأته ولا عالما إلا سألته فما رأيت إلا خيرا فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه فأرجع عنه فيضرني ذلك ولا ينفعني أقم حتى أنظر
ويروي أن قيصر لما سأل أبا سفيان بن حرب عما سأله عنه من أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حسبما تقدم واخبره به قال والذي نفسي بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي يا معشر الروم هلم إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه
ونسأله الشام أن لا توطأ علينا أبدا فإنه لم يكتب نبي من الأنبياء قط إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه إليه ثم يسأله عندها مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت فأطيعوني فلنجبه ونسأله أن لا توطأ الشام
قالوا لا نطاوعك في هذا أبدا تكتب إليه تسأله ملكك الذي تحت رجليك وهو هنالك لا يملك من ذلك شيئا فمن أضعف منك
وفي هذا الحديث عن أبي سفيان انه قال لقيصر لما سأله عن النبي {صلى الله عليه وسلم} في جملة ما أجابه
أيها الملك إلا أخبرك خبرا تعرف به أنه قد كذب
قال وما هو

(2/307)


قلت إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا ارض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال قد علمت تلك الليلة قال فنظر إليه قيصر و قال وما علمك بهذا قال إني كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى فرجعت وتركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا هذا فقال قيصر لقومه يا معشر الروم ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم قالوا بلى قال فإن الله جعله في غيركم في أقل منكم عددا وأضيق منكم بلدا وهي رحمة الله عز وجل يضعها حيث يشاء
وفي الصحيح من الحديث أن هرقل لما تحقق أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بما كان يجده فيما عندهم من العلم أذن لغطماء الروم في دسكرة له بحمص و أمر بالأبواب فغلقت ثم طلع عليهم فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وأن تتبعوا ما قال عيسى ابن مريم قالوا وما ذاك أيها الملك قال تتبعون هذا النبي العربي
قال فحاصوا حيصة حمر الوحش واستحالوا في الكنيسة وتناخروا ورفعوا الصلب وابتدروا الأبواب فوجدوها مغلقة فلما رأى هرقل يئس من إسلامهم وخافهم على ملكه فقال ردوهم علي فردوهم فقال إنما قلت لكم ما قلت لأخبر كيف صلابتكم في دينكم فقد رأيت منكم رأيت الذي أحب فسجدوا له ورضوا عنه فكان ذلك آخر شأنهم

(2/308)


ويروي أن قيصر لما انتهى مع قومه إلى ما ذكر ويئس من إجابتهم كتب مع دحية جواب كتابه الذي جاءه به يقول فيه للنبي {صلى الله عليه وسلم}
إني مسلم ولكني مغلوب على أمري
وأرسل إليه بهدية فلما قرأ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابه قال كذب عدو الله ليس بمسلم بل هو على نصرانيته وقبل هديته وقسمها بين المسلمين
وقال دحية في قدومه
ألا هل أتاها على نأيها
بأني قدمت على قيصر
فقررته بصلاة المسيح
وكانت من الجوهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السماء
والأرض فاغضى ولم ينكر
وقلت تفز ببشرى المسيح
فقال سأنظر قلت أنظر
فكاد يقر بأمر الرسول
فمال إلى البدل الأعور
فشك وجاشت له نفسه
وجاشت نفوس بني الأصفر
على وضعه بيديه الكتاب
على الرأس والعين والمنخر
فأصبح قيصر في أمره
بمنزلة الفرس الأشقر
المتقارب
ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبي {صلى الله عليه وسلم} وما كان من خبره معه
وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز أنو شروان ومعنى أبرويز المظفر فيما ذكره المسعودي وهو الذي كان غلب الروم فأنزل الله في قصتهم ألم غلبت الروم في أدنى الأرض 1 - 3 الروم وأدنى الأرض فيما ذكر الطبري هي بصرى وفلسطين وأذرعات من أرض الشام
وذكر الواقدي من حديث السفاء بنت عبد الله أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث عبد الله بن حذافة السهمي منصرفه من الحديبية إلى كسرى وبعث معه كتابا مختوما فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بداعية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس
قال عبد الله بن حذافة فانتهيت إلى بابه فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه فدفعت إليه كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقرئ عليه فأخذه ومزقه فلما بلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال مزق ملكه
وذكر أبو رفاعة وثيمة بن موسى بن الفرات قال لما قدم عبد الله بن حذافة على كسرى قال

(2/309)


يا معشر الفرس إنكم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بغير نبي ولا كتاب ولا تملك من الأرض إلا ما في يديك وما لا تملك منها أكثر وقد ملك الأرض قبلك ملوك أهل الدنيا وأهل الآخرة فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة فاختلفوا في سعي الدنيا واستووا في عدل الآخرة وقد صغر هذا الأمر عندك أنا أتيناك به وقد والله جاءك من حيث خفت وما تصغيرك إياه بالذي يدفعه عنك ولا تكذيبك به بالذي يخرجك منه وفي وقعة ذي قار على ذلك دليل
فأخذ الكتاب فمزقه ثم قال لي ملك هني لا أخشى أن أغلب عليه ولا أشارك فيه وقد ملك فرعون بني إسرائيل ولستم بخير منهم فما يمنعني أن أملككم وأنا خير منه فأما هذا الملك فقد علمنا أنه يصير إلى الكلاب وانتم أولئك تشبع بطونكم وتأبى عيونكم فأما وقعة ذي قار فهي بوقعة الشام
فانصرف عنه عبد الله وقال في ذلك
أبى الله إلا أن كسرى فريسة
لأول داع بالعراق محمدا
تقاذف في فحش الجواب مصغرا
لأمر العريب الخائفين له الردا
فقلت له أرود فإنك داخل
من اليوم في بلوى ومنتهب غدا
فأقبل وادبر حيث شئت فإننا
لنا الملك فابسط للمسالمة اليدا
وإلا فأمسك قارعا سن نادم
أقر بذل الخرج أومت موحدا
سفهت بتخريق الكتاب وهذه
بتمزيق ملك الفرس يكفي مبددا
الطويل
ويروي أن كسرى رأى في النوم بعد أن أخبر بخروج النبي {صلى الله عليه وسلم} ونزوله يثرب أن سلما وضع في الأرض إلى السماء وحشر الناس حوله إذ أقبل رجل عليه عمامة وإزار أو رداء فصعد السلم حتى إذا كان بمكان منه نودي أين
فارس ورجالها ونساؤها ولامتها وكنوزها فأقبلوا فجعلوا في جوالق ثم رفع لجوالق إلى ذلك الرجل فأصبح كسرى تعس النفس محزونا لتلك الرؤيا وذكرها لأساورته فجعلوا يهونون عليه الأمر فيقول كسرى هذا أمر تراد به فارس فلم يزل مهموما حتى قدم عليه عبد لله بن حذافة بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يدعوه إلى الإسلام

(2/310)


وذكر الواقدي من حديث أبي هريرة وغيره أن كسرى بينا هو في بيت كان يخلو فيه إذا رجل قد خرج إليه في يده عصا فقال يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فأسلم تسلم واتبعه يبق لك ملكك
قال كسرى أخر هذا عني أثرا ما فدعا حجابه وبوابيه فتواعدهم وقال من هذا الذي دخل علي قالوا والله ما دخل عليك أحد وما ضيعنا لك بابا ومكث حتى إذا كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك وقال إن لا تسلم أكسر العصا
قال لا تفعل أخر ذلك أثرا ما ثم جاء العام المقبل ففعل مثل ذلك وضرب بالعصا على رأسه فكسرها وخرج من عنده
ويقال إن ابنه قتله في تلك الليلة وأعلم الله بذلك رسوله عليه السلام بحدثان كونه فأخبر {صلى الله عليه وسلم} بذلك رسل باذان إليه
وكان باذان عامل كسرى على اليمن فلما بلغه ظهور النبي {صلى الله عليه وسلم} ودعاؤه إلى الله كتب إلى باذان أن أبعث إلى هذا الرجل الذي خالف دين قومه فمره فليرجع إلى دين قومه فإن أبى فابعث إلي برأسه وإلا فليواعدك يوما تقتتلون فيه
فلما ورد كتابه إلى باذان بعث بكتابه مع رجلين من عنده فلما قدما على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنزلهما وأمرهما بالمقام فأقاما أياما ثم أرسل إليهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذات غداة فقال انطلقا إلى باذان فأعلماه أن ربي عز وجل قد قتل كسرى في هذه الليلة فانطلقا حتى قدما على باذان فأخبراه بذلك فقال إن يكن الأمر كما قال فوالله إن الرجل لنبي وسيأتي الخبر بذلك إلى يوم كذا فأتاه الخبر كذلك فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
ويقال إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض فاجتمعت إليه أساورته
فقالوا من تؤمر علينا فقال لهم ملك مقبل وملك مدبر فاتبعوا هذا الرجل وادخلوا في دينه وأسلموا
ومات باذان فبعث رءوسهم إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفدهم يعرفونه بإسلامهم
ذكر إسلام النجاشي وكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليه مع عمرو بن أمية الضمري

(2/311)


قال ابن إسحاق لما وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام وجه إلى النجاشي عمرو بن أمية فقال له يا أصحمة إن علي القول وعليك الاستماع إنك كأنك في الرقة علينا منا وكأنا في الثقة بك منك لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه ولم نخفك على شيء قط إلا أمناه وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد وقاض لا يجور وفي ذلك وقع الحز وإصابة المفصل وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم وقد فرق النبي {صلى الله عليه وسلم} رسله إلى الناس فرجاك لما لم يرجهم له وأمنك على ما خافهم عليه لخير سالف وأجر ينتظر
فقال النجاشي أشهد بالله أنه للنبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب وأن
بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل وأن العيان ليس بأشفى من الخبر
وذكر الواقدي أن الكتاب الذي كتبه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى النجاش مع عمرو ابن أمية الضمري هو هذا
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى النجاش ملك الحبشة
سلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل فقد بلغت ونصحت فأقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى
فكتب إليه النجاشي
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة
سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمه الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو

(2/312)


أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين
وذكر الواقدي عن سلمة بن الأكوع أن النجاشي توفي في رجب سنة تسع منصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن تبوك قال سلمة صلى بنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الصبح ثم قال إنا أصحمة النجاشي قد توفي هذه الساعة فاخرجوا بنا إلى
المصلى حتى نصلي عليه قال سلمة فحشد الناس وخرجنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المصلى فرأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقدمنا وإنا لصفوف خلفه وأنا في الصف الرابع فكبر بنا أربعا
كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبي بلتعة
ولما وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رسله إلى الملوك بعث حاطبا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الله رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط
سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بداعية الإسلام اسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم القبط
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون
وختم الكتاب
فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية فانتهى إلى حاجبه فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقال حاطب للمقوقس لما لقيه
إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك
قال هات

(2/313)


قال إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه إن هذا النبي {صلى الله عليه وسلم} دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له يهود وأقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد {صلى الله عليه وسلم} وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه فأنت ممن أدركه هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به
فقال المقوقس إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهي إلا عن مرغوب عنه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر
وأخذ كتاب النبي {صلى الله عليه وسلم} فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب إلى النبي {صلى الله عليه وسلم}
بسم الله الرحمن الرحيم
لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك
أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه
وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت لك بغلة لتركبها
والسلام عليك
ولم يزد على هذا ولم يسلم
وهاتان الجاريتان اللتان ذكرهما إحداهما مارية أم إبراهيم ابن النبي {صلى الله عليه وسلم} وأختها سيرين وهي التي وهبها النبي {صلى الله عليه وسلم} لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن والبغلة هي دلدل وكانت بيضاء
وقيل إنه لم يكن في العرب يومئذ غيرها وإنها بقيت إلى زمان معاوية

(2/314)


وذكر الواقدي بإسناد له أن المقوقس أرسل إلى حاطب ليلة وليس عنده أحد إلا ترجمان له يترجم بالعربية فقال له ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها وتصدقني فإني أعلم أن صاحبك قد تخيرك من بين أصحابه حيث بعثك فقال له حاطب لا تسألني عن شيء إلا صدقتك فسأله عن ماذا يدعو إليه النبي {صلى الله عليه وسلم} ومن أتباعه وهل يقاتل قومه فأجابه حاطب عن ذلك كله ثم سأله عن صفته فوصفه حاطب ولم يستوف فقال له بقيت أشياء لم أرك تذكرها في عينيه حمرة قل ما تفارقه وبين كتفيه خاتم النبوة ويركب الحمار ويلبس الشملة ويجتزي بالتمرات والكسرة ولا يبالي من لاقى من عم وابن عم
قال حاطب فهذه صفته
قال كنت أعلم أنه بقي نبي وكنت أظن أن مخرجه ومنبته بالشام وهناك تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج في العرب في أرض جهد وبؤس والقبط لا يطاوعوني في اتباعه ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك وأنا أضن بملكي أن أفارقه وسيظهر على البلاد وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما ها هنا فارجع إلى صاحبك فقد أمرت له بهدايا وجاريتين أختين فارهتين وبغلة من مراكبي وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا من لين وغير ذلك وأمرت لك بمائة دينار وخمسة أثواب
فارحل من عندي ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا
فرجعت من عنده وقد كان لي مكرما في الضيافة وقلة اللبث ببابه ما أقمت عنده إلا خمسة أيام وإن الوفود وفود العجم ببابه منذ شهر وأكثر
قال حاطب فذكرت قوله لرسول {صلى الله عليه وسلم} فقال ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه
ذكر كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المنذر بن ساوي العبدي مع العلاء بن الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية
ذكر الواقدي بإسناد له عن عكرمة قال وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا فيه
بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي وكتب إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام فكتب يعني المنذر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

(2/315)


أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إلي في ذلك أمرك
فكتب إليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه وإنه من يطع رسلى ويتبع أمرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي وإن
رسلي قد أثنوا عليك خيرا وإني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية
وذكر غير الواقدي أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوي قال له
يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تصغرن من الآخرة إن هذه المجوسية شردين ليس فيها تكرم العرب ولا علم أهل الكتاب ينكحون ما يستحي من نكاحه ويأكلون ما يتكرم عن أكله ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة ولست بعديم عقل ولا رأى فانظر هل ينبغي لم لا يكذب أن تصدقه ولمن لا يخون أن تأتمنه ولمن لا يخلف أن تثق به فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهي عنه أو ما نهي عنه أمر به أوليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر
فقال المنذر قد نظرت في هذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت ولقد عجبت أمس ممن يقبله وعجبت اليوم م من يرده وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله وسأنظر
وذكر ابن إسحاق والواقدي وسيف والطبري وغيرهم أن المنذر لما وصله العلاء برسالة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكتابه أسلم فحسن إسلامه

(2/316)


وزاد الواقدي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} استقدم العلاء بن الحضرمي فاستخلفه العلاء مكانه على عمله
وذكر ابن إسحاق وغيره أن المنذر توفي قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} على البحرين
وذكر ابن قانع أن المنذر وفد على النبي {صلى الله عليه وسلم} ولا يصح ذلك إن شاء الله
ذكر كتاب النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان مع عمرو بن العاص
ذكر الواقدي بإسناد له إلى عمرو بن العاص أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعث نفرا سماهم إلى جهات مختلفة برسم الدعاء إلى الإسلام
قال عمرو فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابني الجلندي وكتب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} معي كتابا
قال وأخرج عمرو الكتاب فإذا صحيفة أقل من الشبر فيها
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوكما بداعية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما
وكتب أبي بن كعب وختم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الكتاب
ثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان فلما قدمتها عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا فقلت إني رسول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إليك والى أخيك فقال أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم
قال لي وما تدعو إليه قلت أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمدا عبده ورسوله
قال يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة
قلت مات ولم يؤمن بمحمد {صلى الله عليه وسلم} ووددت أنه كان أسلم وصدق به وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام
قال فمتى تعته قلت قريبا فسألني أين كان إسلامي قلت عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم قال فكيف صنع قومه بملكه قلت أقروه واتبعوه قال والأساقفة والرهبان تبعوه قلت نعم

(2/317)


قال انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب
قلت ما كذبت وما نستحله في ديننا
ثم قال ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي
قلت بلى قال بأي شيء علمت ذلك قلت كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد {صلى الله عليه وسلم} قال لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له نياق أخوه أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا قال هرقل رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع
قال انظر ما تقول يا عمرو قلت قد والله صدقتك
قال عبد فاخبرني ما الذي يأمر به وينهي عنه
قلت يأمر بطاعة الله عز وجل وينهي عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهي عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وينهي عن عبادة الحجر والوثن والصليب
فقال ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا
قلت إنه إن أسلم ملكه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم
فقال إن هذا الخلق حسن وما الصدقة فأخبرته بما فرض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل
فقال يا عمرو تؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه
فقلت نعم فقال والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا
قال فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى ثم أنه دعاني يوما
فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه فقال تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه فقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته إلا أني رأيت أخاه أرق منه ثم قال ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت فقلت تبعوه إما راغب في الدين وإما مقهور في السيف

(2/318)


قال ومن معه قلت الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم انهم كانوا في ضلال فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الحرجة وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ويبيد خضراءك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال
قال دعني يومي هذا وارجع إلي غدا
فرجعت إلى أخيه فقال يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه
حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي فانصرفت إلى أخيه فأخبرت أني لم أصل إليه فأوصلني إليه
فقال أني فكرت فيما دعوت إليه فإذا أنا أضعف العرب ن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ههنا وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى
قلت فأنا خارج غدا فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال ما نحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل إليه قد أجابه فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا وصدقا النبي {صلى الله عليه وسلم} وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني
وفي حديث غير الواقدي أن عمرا قال له فيما دار بينهما من الكلام إنك وإن كنت منا بعيدا فإنك من الله غير بعيد إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك وان لا تشرك به من لم يشركه فيك واعلم انه يميتك الذي أحياك ويعيدك الذي أبدأك فأنظر في هذا النبي الأمي الذي جاءنا بالدنيا والآخرة فإن كان يريد به أجرا فامنعه أو يميل به هوى فدعه ثم أنظر فيما
يجيء به هل يشبه ما يجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان وتخير عليه في الخبر وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال وخف ما وعد
قال ابن الجلندي إنه والله لقد دلني على هذا النبي الأمي انه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به ولا ينهي عن شر إلا كان أول تارك له وإنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر وأنه يفي بالعهد وينجز الموعود وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوي فيه أهله وأشهد أنه نبي

(2/319)


كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى هوذة بن علي مع سليط بن عمرو العامري وما كان من خبره معه
ولما بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الله بعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة والمتوج بها وهو الذي يقول فيه الأعشي ميمون بن قيس من كلمة
إلى هوذة الوهاب أعلمت ناقتي
أرجي عطاء فاضلا من عطائكا
فلما أتت آطام جو وأهلها
أنيخت وألقت رحلها بقبائكا
الطويل
وذكر الواقدي أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كتب إلى هوذة مع سليط حين بعثه إليه
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي سلام على من اتبع الهدى وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك
فلما قدم عليه سليط بكتاب النبي {صلى الله عليه وسلم} مختوما أنزله وحياه واقترأ عليه الكتاب فرد ردا دون رد وكتب إلي النبي {صلى الله عليه وسلم}
ما أحسن ما تدعوا إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك
وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر فقدم بذلك كله على
النبي {صلى الله عليه وسلم} فأخبره وقرأ النبي {صلى الله عليه وسلم} كتابه وقال لو سألني سبابة من الأرض ما فعلت باد وباد ما في يده فلما انصرف النبي {صلى الله عليه وسلم} من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي فقال قائل يا رسول الله فمن يقتله فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنت وأصحابك فكان من أمر مسيلمة وتكذبه ما كان وظهر المسلمون عليه فقتلوه وكان ذلك القائل من قتلته وفق ما قاله الصادق المصدوق صلوات الله وبركاته عليه

(2/320)


وذكر وثيمة بن موسى أن سليط بن عمرو لما قدم على هوذة بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان كسرى قد توجه وقال له يا هوذة إنه قد سودتك أعظم حائلة وأرواح في النار وإنما السيد من متع الإيمان ثم زود التقوى إن قوما سعدوا برأيك فلا تشقين به وإني آمرك بخير مأمور به وأنهاك عن شر منهي عنه آمرك بعبادة الله وأنهاك عن عبادة الشيطان فإن في عبادة الله الجنة وفي عبادة الشيطان النار فإن قبلت نلت ما رجوت وأمنت ما خفت وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء وهو المطلع
فقال هوذة يا سليط سودني من لو سودك شرفت به وقد كان لي رأي اختبر به الأمور فقدته فموضعه من قلبي هواء فاجعل لي فسحة يرجع إلي رأيي فأجيبك به إن شاء الله
وقال هوذة في ذلك
أتاني سليط بالحوادث جمة
فقلت له ماذا يقول سليط
فقال التي فيها على غضاضة
وفيها رجاء مطمع وقنوط
فقلت له غاب الذي كنت أجتلي
به الأمر عني فالصعود هبوط
وقد كان لي والله بالغ أمره
أبا النصر جاش في الأمور ربيط
فأذهبه خوف النبي محمد
فهوذة فيه في الرجال سقيط
فأجمع أمري من يمين وشمأل
كأني ردود للنبال لقيط
وأذهب ذاك الرأي إذ قال قائل
أتاك رسول للنبي خبيط
رسول رسول الله راكب ناضح
عليه من اوبار الحجاز غبيط
أحاذر منه سورة هائمية
فوراسها وسط الرجال عبيط
سكرت ودبت في المفارق وسنة
لها نفس على الفؤاد غطيط
فلا تعجلني يا سليط فإننا
نبادر أمرا والقضاء محيط
الطويل
وذكر الواقدي بإسناد له عن عبد الله بن مالك أنه قال قدمت اليمامة في خلافة عثمان بن عفان فجلست في مجلس لحجر فقال رجل في المجلس إني لعند ذي التاج الحنفي يعني هوذة يوم الفصح إذ جاء حاجبه فاستأذن لأركون دمشق وهو عظيم من عظماء النصارى فقال ائذن له فدخل فرحب به وتحدثا فقال الأركون ما أطيب بلاد الملك وأبرأها من الأوجاع

(2/321)


قال ذو التاج هي أصح بلاد العرب وهي زين بلادهم قال الأركون وما قرب محمد منكم قال ذو التاج هو بيثرب وقد جائني كتابه يدعوني إلى الإسلام فلم أجبه
قال الأركون لم لا تجيبه قال ضننت بديني وأنا ملك قومي وإن تبعته لم أملك
قال بلى والله لئن اتبعته ليملكنك وإن الخيرة لك في اتباعه وإنه للنبي العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله
قال ذو التاج قد قرأت في الإنجيل ما تذكر
ثم قال الأركون فما لك لا تتبعه قال الحسد له والضن بالخمر وشربها
قال فما فعل هرقل قال هو على دينه ويظهر لرسله أنه معه وقد سبر أهل مملكته فأبوا أشد الإباء فضن بملكه أن يفارقه قال ذو التاج فما أراني إلا متبعه وداخلا في دينه فأنا في بيت العرب وهو مقري على ما تحت يدي
قال البطريق هو فاعل فاتبعه فدعا رسولا وكتب معه كتابا وسمي هدايا فجاءه قومه فقالوا تتبع محمدا وتترك دينك لا تملكن علينا أبدا فرفض الكتاب
قال فأقام الأركون عنده في حباء وكرامة ثم وصله ووجه راجعا إلى الشام
قال الرجل وتبعته حين خرج فقلت أحق ما أخبرت ذا التاج قال نعم والله فاتبعه قال فرجعت إلى أهلي فتكلفت الشخوص إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فقدمت عليه مسلما فأخبرته بكل ما كان فحمد الله الذي هداني
ولم يسم في حديث الواقدي هذا الرجل إلا أن فيه أنه كان من طيء ثم من بني نهبان

(2/322)