قائمة الروابط

أنت الزائر رقم

count traffic

سبحان الله وبحمده،سبحان الله العظيم
موقع سلام مكة موقع الدكتورة هيفاء عثمان عباس الفدا
الرئيسية المكتبة البلاغية و النقدية التفسير الشعر مقالات English

ضع بحثك هنا
 
أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛ لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,
فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها


الاستعارة

الاستعارة صورة من صور التوسع والمجاز في الكلام، وهي من أوصاف الفصاحة والبلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى.
وإذا كان البلاغيون ينظرون إلى المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية على أنها عمد الإعجاز وأركانه، وعلى أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، وتوجب الفضل والمزية، فإنهم يجعلون المجاز والاستعارة عنوان ما يذكرون وأول ما يوردون.
وكما يقول عبدالقاهر الجرجاني ان فضيلة الاستعارة الجامعة تتمثل في أنها تبرز البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا ،وتوجب له بعد الفضل فضلا، وأنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع ،ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد. . .
ومن خصائصها التي تذكر بها،وهي عنوان مناقبها: أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر (أسرار البلاغة ص32-33)

ومن خصائصها كذلد التشخيص والتجسيد في المعنويات، وبث الحركة والحياة والنطق في الجماد، وقد التفت الجرجاني إلى شيء من ذلك بقوله: "فانك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا،والأجسام الخرس مبينة،والمعاني الخفية بادية جلية. . وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها، ان شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وأن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلا الظنون، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها. (أسرار البلاغة ص 33)

يقول الله تعالى في تصوير العذاب الذي أعده للكافرين به: "وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير. إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟"
"فالشهيق" في الآية الكريمة قد استعير "للصوت الفظيع" وهما لفظتان و"الشهيق" لفظة واحدة، فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان. و"تمي" استعير للفعل" تنشق من غير تباين" والاستعارة أبلغ، لأن التميز في الشيء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره وصائرا على حدته، وهو أبلغ من الانشقاق، لأن الانشقاق قد يحدث في الشيء من غير تباين. واستعارة "القيظ" لشدة القليان أوجز وأبلغ في الدلالة على المعنى المراد، لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس، ولأن الانتقام الصادر عن المغيظ يعق على قدر غيظه، ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البته. (أخذ من كتاب الصناعتين صفحة 271)

فالاستعارات هنا قد حققت غرضين من أغراض الاستعارة هما : الإيجاز والبيان، كما تضافرت معا في رسم نار جهنم وابرازها في صورة تنخلع القلوب من هولها رعبا وفزعا، صورة مخلوق ضخم بطاش، هائل جبار، مكفهر الوجه عابس يغلي صدره غيظا وحقدا.

فالاستعارة هي التي لونت المعاني الحقيقية في الآية كل هذا التلوين،وهي التي بثت فيها كل هذا القدر من التأثير الذي ارتفع ببلاغتها إلى حد الإعجاز.

ومن خصائص الاستعارة المبالغة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة كقوله تعالي في الإخبار عن الظالمين ومقاومتهم لرسالة رسوله: "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وان كان مكرهم لتزول منه الجبال" على قراءة من نصب "لتزول" بلام كي.
"فالجبال" ههنا استعارة طوى فيه ذكر المستعار له وهو أمر الرسول، ومعنى هذا أن أمر الرسول وما جاء به من الآيات المعجزات قد شبه بالجبال، أي أنهم مكروا مكرهم لكي تزول منه هذه الآيات المعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال.
فجمال المبالغة الناشئة عن الاستعارة هنا هو في اخراج ما لا يدرك إلى ما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر عنه وتفخيما له اذ صير بمنزلة ما يدرك ويشاهد ويعاين.

وعلى هذا ورد قوله تعالى: "والشعراء يتبعهم الغوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون." فاستعار "الأودية" للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها ،وانما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها، لأن معاني الشعر تستخرج بالفكر والروية، والفكر والروية فيهما خفاء وغموض، فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق لابراز ما لا يحس في صورة ما يحس مبالغة وتأكيدا.

ومما ورد من الاستعارة في الأحاديث النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تستضيئوا بنار المشركين" فاستعار "النار" للرأي والمشورة، أي لا تهتدوا برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم.

فرأي المشركين أمر معنوي يدرك بالعقل وتمثيله بالنار هو اظهار له في صورة محسة مخيفة يبدو فيها رأي المشركين نارا تحرق كل من يلامسها أو يأخذ بها. فالسر في قوة تأثير هذه الصورة وجمالها راجع إلى مفعول الاستعارة، هذا المفعول الذي انتقل بالفكرة من عالم المعاني إلى عالم المدركات مبالغة.

ومن خصائص الاستعارة أيضا بث الحياة والنطق في الجماد ، كقوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" فكل من السماء والأرض جماد تحول بالتوسع الذي هيأته الاستعارة إلى انسان حي ناطق.

وكقول الرسول وقد نظر يوما إلى "أحد": "هذا جبل يحبنا ونحبه"، فجبل أحد هذا الجماد قد استحال بسحر الاستعارة إلى انسان يجيش قلبه بعاطفة الحب.

كذلك من خصائصها تجسيم الأمور المعنوية وذلك بابرازها للعيان في صورة شخوص وكائنات حية يصدر عنها كل ما يصدر عن الكائنات الحية من حركات وأعمال.
فأبو العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة يقول من قصيدة:
أتته الخلافة منقادة ** إليه تجرر أذيالها
فالخلافة هنا تستحيل بفعل الاستعارة إلى غادة هيفاء مدللة تعرض عن جميع من فتنوا بها لإلا المهدي فانها تقبل عليه طائعة في دلال وجمال تجر أذيالها تيها وخفرا.

وأبو فراس الحمداني عندما يقول:
ويا "عفتي" مالي؟ ومالك؟ كلما *** هممت بأمر هم لي منك زاجر!
فما شأن عفة أبي فراس ؟ وما شأن الصراع الناشب بينها وبينه؟ انها تستحيل بلمسة من لمسات الاستعارة السحرية إلى انسان يقف موقف الزاجر كلما هم الشاعر بأمر تراه العفة غير لائق به!

فهذه الصورة الرائعة الخلابة المؤثرة ما كانت لتكون لو أن الشاعر التزم في التعبير حدود الحقيقة وقال مثلا: "أنا لا أحاول ما يشين لأني رجل عفيف".

والافلاك وهي جماد والدهر وهو أمر معنوى ما خبرهما في بيت البارودي الذي يقول فيه:
اذا استل منا سيد غرب يسفه ** تفزعت الافلاك والتفت الدهر

فكل من "الافلاك" و "الدهر" قد تحول بالاستعارة إلى كائن حي حساس. فهاتان الاستعارتان قد أعانتا الشاعر على أن يرينا صورة الأجرام السماوية حية حساسة ترتعد خوفا وفزعا، وصورة الدهر انسانا يلتفت عجبا وذهولا كلما استل سيد من قبيل الشاعر المشهود لهم بالشجاعة والفروسية سيفه من غمده.
هذه الصورة التي تموج بالجركة والاضطراب والحيوية والمشاعر المختلفة من فزع وخوف ودهشة هي وليدة الاستعارة التي بالغ الشاعر في استخدامها إلى حد يجعل المتملي لها يتولاه الذهول من هول المنظر الذي يراه ماثلا أمام عينيه!


* * * *

- أساليب القول في اللغة العربية كثيرة ومتعددة، تعرف بالأساليب البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وحقيقة ومجاز؛ فعندما نقرأ قول الله سبحانه وتعالى: "وأسأل القرية التي كنا فيها" فالمعنى: أهل القرية. وهذا مجاز. كما كانت العرب تقول: أسأل الأطلال، والأطلال جماد، وإنما المقصود: أهل الأطلال، فالأطلال جماد لا تجيب إذا سئلت.
- وقال تعالى: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلا اللمم". فكلمة إلا ههنا لا أصل لها، والمعنى: واللمم.
- يقول الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" (وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه. . .) (الجزء الأول-ص 83)، ويقول في كتاب الحيوان: ". . فإنما الشعر صناعة، وضرب النسج، وجنس من التصوير" (كتاب الحيوان ، الجزء 3، ص 131)
- المجاز أنواع: عقلي ومرسل واستعارة، فأما العقلي، فهو إسناد الفعل أو ما في معناه لغير فاعله الأصلي مع قرينة مانعة من الأدلة الإسناد الحقيقي، كقول بعضهم: "جاءت السماء اليوم بأمر عظيم".
- والمجاز المرسل، كقول الله سبحانه وتعالى: "يخرج من بطونها شراب"، والمعروف أن العسل ليس بشراب، وإنما يحول بالماء شراباً. وأما الاستعارة، فكقول الشاعر:
يا دار قد غيرها بلاها ** كأنمـــــا بقلمٍ محاها
آخربها عمران من بناها** وكر ممساها على مغناها
وطفقت سحابة تغشـاها** تبكي على عراصها عيناها
والمعنى: أن عمران قد عمرها بالخراب، لأن مدة بقاء بانيها فيها أبلت منها، لأن الأيام مؤثرة في الأشياء بالنقص والبلى، فلما بقى الخراب فيها، وقام مقام العمران في غيرها، سمي بالعمران (البيان والتبين: ج 1 ص152)، وأما العراص فهي جمع عرصه: وهي كل فجوة بين البيوت.
والاستعارة فيها أن جعل المطر بكاءً من السحاب ، والسحاب لا يبكي.


- تعريف الاستعارة: -

- الاستعارة لغة : رفع الشيء وتحويله من مكان إلى آخر، يقال: استعار فلان سهما من كنانته: رفعه وحوله منها إلى يده.. . وعلى هذا، فإنه يصح أن يقال:استعار إنسان من آخر شيئا، بمعنى أن الشيء المستعار قد انتقل من يد المعير إلى المستعير للانتفاع به. ومن ذلك يفهم منا أن عملية الاستعارة لا تتم إلا بين متعارفين تجمع بينهما صلة ما. وقد قال ابن الأثير في "المثل السائر ص 143: " الأصل في الإستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة: وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء،ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا إذ لا يعرفه حتى يستعير منه. وهذا احكم جار في استعارة الألفاظ بعضهما من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر."
- وهذا يعني أن هناك صلة بين المعنى اللغوي أو الحقيقي للاستعارة ومعناها المجازي، اذ لا يستعار أحد الفظين للآخر في واقع الآمر إلا إذا كان هنالك صلة معنوية تجمع بينهما.
- وأما عند البحتري، فالاستعارة "هي تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه" كما جاء في كتاب البيان والتبيين – ج 1 ص 153.( وقد سبق أن نوهتُ عن هذا)
- وجاء في كتاب البديع لإبن المعتز (ص 2، ص 23) تعريف شبيه للإستعارة وأمثلة من قول أبي تمام:
كلوا الصبر غضا واشربوه فانكم *** أثرتم بغير الظلم والظلم بارك
متى يأتك المقدار لاتك هالكــا *** ولكن زمان غال مثلك هالـك
- وبدامة بن جعفر، قد عقد في كتابه "نقد النثر" بابا للاستعارة تحدث فيه عن الحاجة إليها في كلام العرب ومفهومها عنده، كما تحدث عن الاستعارة المكنية، وإن لم يسمها الاسم الذي عرفت به فيما بعد. وفي ذلك يقول ابن جعفر:". . وربما استعاروا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز.. . "وقال: "ومنه قول الشاعر: "… فللموت ما تلد الوالدة" والوالدة إنما تطلب الولد ليعيش لا ليموت،ولما كان مصيره إلى الموت، جاز أن يقال: للموت ولدته" (كتاب نقد النثر لقدامة ص 64) وقد تطرق ابن جعفر إلى الإستعارة المكنية، وهي التي حذف فيها المشبه به ورمز أليه بشيء من لوازمه، والبلاغيون، يعتبرون هذا النوع من أجمل الصور البيانية لما فيه من التشخيص والتجسيد وبث الحياة والحركة في الجمادات وتصوير المعنويات في صورة محسة حية.. . ومثّل لذلك بما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد" فالإستعارة المكنية هنا في:<قالت> هل من مزيد؟

- قال المتنبي في وصف دخول رسول الروم على سيف الدولة:

واقبل يمشي في البساط فما درى *** إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
وفي هذا مجاز لغوي، فكلمة البحر استعملت في غير معناها الحقيقي، والمقصود بها سيف الدولة الممدوح، والعلاقة المشابهة والقرينة التي تمنع من إرادة المعنى الجقيقي لفظية وهي: فأقبل يمشي في البساط. وفي اللفظ مجاز لغوي آخر، أيك كلمة استعملت في غير معناها الحقيقي وهي البدر، والمقصود بها أيضا سيف الدولة الممدوح والعلاقة بين البدر والممدوح المشابهة في الرفعة، ، والقريية المانعة من إلاادة المعنى الحقيقي لفظية أيضا هوي فأقبليمشي في البساط.
- ومن الأمثلة أيضا قول الله سبحانه وتعالى: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور".
ففي الآية الكريمة مجازان لغويان في كلمتي "الظلمات والنور" قصد بالأولى "الضلال" وبالثانية "الهدى والإيمان".
- وقال المتنبي:
أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر ** تصافحت فيه بيض الهند باللمم
ففي البيت مجاز لغوي في كلمة تصافحت يراد منها تلاقت والقرينة لفظية هي بيض الهند واللمم (كلمة اللمم معناها: الشعر المجاور شحمة الأذن)
- ومن الأمثلة أيضا:
قال الشاعر دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ** ضحك "المشيب برأسه فبكى
فالمجاز بكلمة "المشيب" حيث شبه بانسان على تخيل أن المشيب قد تمثل في صورة انسان.
- ومن الأمثلة أيضا:
قال ابن المعتز:
جمع الحق لنا في امام ** قتل البخل واحيا السماحا
فهنا استعارتان: 1. قتل البخل 2. أحيا السماحا
- ومن الأمثلة أيضا:
قال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا *** ولبست ثوب اللهو وهو جديد
ففي لفظة "لبس" أولا استعارة تصريحية، وذلك للتصريح فيها بلفظ المشبه به، واللفظ المستعار هنا هو فعل "لبس" وفي إجراء الاستعارة نقول: شبه فيها للتمتع باللهو "باللبس" للثوب الجديد بجامع السرور في كل، ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو "اللبس" للمشبه وهو التمتع باللهو، ثم اشتق من "اللبس" الفعل "لبس" بمعنى تمتع. والقرينة التي تمنعه من الاادة المعنى الأصلي لفظية وهي "ثوب اللهو"
- ومن الأمثلة أيضا، قول المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ** يجد مرا به الماء الزلالا
وقد استعمله المتنبي فيمن يعيبون شعره لعيب في ذوقهم الشعري وضعف ادراكهم الأدبي، فهذا التركيب مجاز قرينته حالية، وعلاقته المشابهة، ولامشبه هنا حال المولعين بذمه والمشبه به حال المريض الذي يجد الماء الزلال مرا في فمه.
- ومن الأمثلة قول الشاعر:
ومن ملك البلاد بغير حرب *** يهون عليه تسليم البلاد
فالمعنى الحقيقي للبيت هنا هو أن من يستولى على بلاد بغير تعب وقتال يهون عليه تسليمها لأعدائه. والشاعر لم يستعمل البيت في اهذاالمعنى الحقيقي، وإنما استعمله مجازيا لوارث الذي يبعثر فيما ورثه عن والديه لعلاقة مشبهة بينهما ولقرينة تمع من ارادة المعنى الحقيقي.
- وهناك مثل يقول: لا تنثر الدر أمام الخنازير.
ويقال لمن يقدم النصح لمن لا يفهمه أو لمن لا يعمل به.
- وقال أبو العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة :
أتته الخلافة منقادة ** إليه تجرر أذيالها
فالخلافة تستحيل بفعل الإستعارة إلى عادة هيفاء مدللة تعرض عن جميع من فتنوا بها إلا المهدي فإنها تقبل عليه طائعة في دلال وجمال تحر أذيالها تيها وخفرا.

- وما التمييز بين الإستعارة الجيدة والاستعارة "القبيحة" إلا أمر يرجع إلى الذوق المكتسب بالمران والنظر في أقوال الشعراء المجيدين أكثر مما يرجع إلى القواعد التي وضعها لذلك علماء البيان. وقد قال مثل ذلك الآمدي.. . وقال أبو الحسن علي بن عبدالعزيز الشهير بالقاضي الجرجاني في كتابة الوساطة بين المتنبي وخصومه أن الإستعارة أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر، وأنها (الإستعارة) مما يميز بقوبل النس ونفورها، وينتقد بسكون اللب ونبوه (كتاب الوساطة ص 319 – 320) .
- وأما ابن رشيق القيرواني، فيذكر في كتابه العمدة، أن الدافع الذي حفزه على تصنيف كتابه أنه وجد الشعر أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، واستشهد بقول الرسول الكريم: "إن من الشعر لحكما" ويروى:"لحكمة" وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستنزل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم"، مع ما للعشر من عظم المزية وشرف الأبية وعز الأنفة وسلطان القدرة كما قال ابن رشيق.

ملاحظة: -إني من النواحي البلاغية والنقدية، لا آخذ برأي ابن قتيبة الذي يرى أنه لا يصح لمتأخّرِ الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين، طالما أن البلاغة هي في مطابقة الكلام لمقتضى الواقع، وطالما كان هذا المتأخر صادقا أمينا في التعبير عن مشاعره أيا كانت هذه المشاعر.مع أن ابن قتيبة (القرن الثالث) قد وضع مقياسه – في موقع آخر - في تقييم العمل الفني والشعر خاصة بما فيه من قيم شعورية ، وتعبيرية من غير ما نظر إلى صفة القدم والحداثة. . وكذلك قد حام ابن قتيبة حول العاطفة التي هي أحد عناصر الأدب،وإن لم يسمها باسمها، وذلك عندما تكلم على بواعث الشعر، وعلى الأوقات التي يبعد فيها قريبه ، والأوقات التي يجود فيها عن سخاء ويهطل على قرائح الشعراء.

* * * * * * *

وبعد. . . فليس من قصدي أن أعرض لكل صور الاستعارة وخصائصها وأغراضها، فهذا أمر يطول شرحه، ويضيق المقام عنه.

وحسبي ما ذكرت من خصائصها للإبانة عن مكانتها في البلاغة، ولعل في هذا القدر ما يشوق الدارس والمضطلع ويستحثه للكشف بنفسه عن خصائصها الأخرى، والدور الذي تؤديه في صناعة الكلام وأثرها فيه.