قائمة الروابط

أنت الزائر رقم

count traffic

سبحان الله وبحمده،سبحان الله العظيم
موقع سلام مكة موقع الدكتورة هيفاء عثمان عباس الفدا
الرئيسية المكتبة البلاغية و النقدية التفسير الشعر مقالات English

ضع بحثك هنا
 
أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛ لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,
فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها


الأغراض البلاغية للتعريف والتنكير في المتعلّقات.

الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى،وبعد


في الحقيقة لن نتوقّف عند حدود التعريف والتنكير في المتعلّقات، لكننا قد نتجاوز ذلك إلى الحديث عن التقديم والتأخير في الشاهد الذي نستشهد به، وكذلك عن إبهام بعض متعلّقات الفعل وما في هذا الإبهام من أسرار بلاغية إذا ورد في الشاهد إبهام، وغير ذلك من الأحوال التي قد تواجِهنا في الشواهد التي سوف نعرضها؛ وذلك لكي نجعل من هذا العمل تطبيقاً شاملاً على الشاهد المعروض بعد أن كنا نركّز على جزء منه لشرح ظاهرة بلاغية واحدة.

وسوف نقدِّم مجموعة من الشواهد المحلّلة، للتعريف والتنكير، وللتقديم والتأخير، وللإبهام في بعض الشواهد:

فنأخذ من ذلك قوله _سبحانه وتعالى-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى 49، 50). {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً}؛ يزوِّجهم بمعنى: يجعلهم إن شاء من النوعيْن الذّكر والأنثى. وهاتان الآيتان فيهما دقائق ورقائق بلاغية في باب الإبهام، وفي باب التقديم والتأخير، وفي باب التعريف والتنكير؛ ولكننا نقرِّر أولاً صلة هذه الآية بما سبقها، فنقول: إنّ هاتيْن الآيتيْن الكريمتيْن واردتان على سبيل الاستئناف البياني لما قبْلهما. ما معنى الاستئناف البياني؟ معنى الاستئناف البياني: أنّ الكلام السابق يولِّد في نفس المستمع سؤالاً لا ينطق به، ولكنّ المتكلِّم البليغ يلاحظ أو يلحظ أنّ كلامه الذي قاله يولِّد في نفس المستمع سؤالاً، فلا يتركه ينطق بهذا السؤال، وإنما يقدِّم له إجابة على هذا السؤال النفسي؛ هذا هو ما يسميه البلاغيّون: "الاستئناف البلاغي". نجد ذلك كثيراً في الآيات التي تشتمل على أوامر أو نواهٍ، مثلاً: قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}.

عندما يَرِد على الإنسان أمرٌ يجول في خاطره سؤال: ما سِرُّ، أو ما سبب هذا الأمر؟ ولذلك جاء بعْد {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}: قوله: {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}، كأنّ هذه الجملة: {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}: إجابة عن السؤال النفسي الذي تولّد في نفس المستمع. وكذلك قول الله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}، بعد أن نؤمر بالتّقوى نقول: ما غرض هذا الأمر؟ في أنفسنا، فتأتي الجملة الثانية: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} مجيبةً عن هذا التساؤل النفسي، وهذا هو: "الاستئناف البياني" في البلاغة.

ونرجع إلى آيتَيْ سورة (الشورى). ما صلة آيتَيْ سورة (الشورى) بالكلام السابق عليها. قد جاء قبل آيتَيْ سورة (الشورى): قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ}، وبعد قراءة هذه الآية يتوارد إلى ذهن القارئ المتدبِّر عدّة أسئلة مُؤدّاها: لماذا فُطر الإنسان على هذيْن الخُلُقيْن؟ يعني: لماذا خُلق وطُبع على هذيْن الخُلُقيْن، من كونه يفرح بالنعمة ويكفر بالنقمة، ولم يُفطر على الخُلق الأكمل والمَثل الأعلى في كونه يتلقّى النعمة بالشكر والنقمة بالصبر والضراعة إلى الله؟ وأيضاً سؤال آخّر: لماذا يُذاق الإنسان النّعمة مرة، والبؤس مرة أخرى؟ وأيضاً سؤال: لماذا لم يُجعل الإنسان خالياً من اللّذات والابتلاءات شأنه شأن العجماوات -أي: الحيوانات- التي لا تعقل؟ كل هذه أسئلة تتوارد على ذهن القارئ المتدبِّر بعد أن يقرأ قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ}؛ فيأتي قول الله -سبحانه وتعالى-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}، يأتي إجابة عن الأسئلة التي تتولّد من الآية السابقة. فكان الجواب معناه الإجمالي: أنّ الله المتصرِّف في السماوات والأرض يخْلُق فيهما ما يشاء من الذوات وأحوالها؛ وهذا جوابٌ إجمالي يُناسب التّرفع عن الدخول في المجادلة عن الشؤون الإلهية، كما يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب كتاب "التحرير والتنوير". فقد جاء في هذه الآيات جوابٌ إجمالي: أن يُقال للإنسان: "ترَفّعْ ولا تَدخل في المجادلة عن الشؤون الإلهية! فهو يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عمّا يَفعل!"؛ وهذا هو ما قرّرتْه الآيتان من أوّل الأمر: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. وملكيّتُه للسماوات والأرض كناية عن ملكيّة مَن فيهما، وما فيهما من المخلوقات، يتصرّف فيهما كيف يشاء على وفْق علْمه وقُدرته تعالى.

وتلحظ في: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}: أنّ الخبر وهو: الجار والمجرور: {لِلَّهِ}، قد تقدّم على المبتدإ وهو: {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}؛ وهذا التقديم مفيد للاختصاص، بمعنى: أنه يُثبت ملكيّة السماوات والأرض وما فيهما ومَن فيهما لله وحده، ونفْي ملكيّة أيِّ شيء فيهما عن غيره من المخلوقات؛ فهذه أوّل دقيقة من دقائق الآيات: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.

ولمّا كانت هذه الملكيّة ثابتة له -سبحانه وتعالى- على الدوام، جاءت الجملة اسميّة لِتعبّر عن هذا الثبوت والدوام، ولذلك: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فيها من الظواهر البلاغية التي تكشف لنا: التقديم -أي: تقديم المسند على المسند إليه-، وفيها التعبير في الجملة بالجملة الاسمية لكي تعبِّر عن الثبوت والدوام الذي تفيده الجملة الاسميّة: الثبوت من أصّل وضْع الجملة الإسمية، وأمّا الدوام فمِن قرائن خارجية. وأمّا خلْقه تعالى لما يشاء فهو متجدِّد إلى يوم الدِّين. يعني: ملكيّة السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما ثابتة ودائمة لله -سبحانه وتعالى- بمقتضى التعبير بالجملة الاسميّة، وأمّا كونه -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء، فهذا الخلْق متجدِّد إلى يوم الدِّين، ولذلك جيء بالجملة الدالة على التجدّد والحدوث، أي: بالجملة الفعلية في قوله -سبحانه وتعالى-: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}.

إذاًَ، فلْنوازن بين الجملة: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} من ناحية دلالتها على الثبوت والدوام، وبين قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، والتعبير فيها بالجملة الفعلية الدّالة على التجدّد والحدوث.

ثم في قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} إبهاماً، لأنّ {مَا} اسم موصول مُبهم، وكيف اشتملت {مَا} على جميع مخلوقات الله الواقعة في مُلكه؟ فقد خلَق الملائكة على وضْع كماليّ: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. وخلَق الدّوابّ على وضْع هي مسخّرة فيه، بلا عقل ولا اختيار. وخلَق الإنسان وفيه نوازع الخير ونوازع الشر، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، وترَك له حرّيّة الارتقاء في منازل الخير درجات، أو الانحطاط في منازل الشر دركات، على وفقٍ مِن اختياره العقلي والاقتدائي برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبالقرآن الكريم وما فيه من أوامر وما فيه من نواهٍ. وخلق أيضاً إلى جانب الملائكة والدواب والإنسان، كلّ المخلوقات من جمادات على اختلاف تنوّعها وعلى كثرة عددها وعدم إمكان حصرها؛ كل هذا دخل تحت {مَا} المبهَمة، فكان الأسلوب الإبهامي هنا هو عيْن البيان عن طلاقة القدرة الإلهية في بثِّ المخلوقات المناسبة للزمان والمكان في السماوات وفي الأرض، هذا دليل ملكيّته وتصرّفه فيهما.



ننتقل بعد ذلك إلى دقيقة أخرى ولطيفة أخرى من لطائف هاتيْن الآيتيْن:

فانظرْ إلى الدِّقّة القرآنية في التعبير عن إعطاء الأولاد بـ"الهِبة": {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}؛ فالتعبير بـ"الهِبة" لأنّ "الهِبة" عبارة عن عطاء بلا مقابل، أو كما قال الراغب الأصفهاني في "مفردات القرآن": أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوَض، أي: بغير مقابل؛ وعلى ذلك، فهذه الهبة تصل المؤمن والكافر والمشرك على حدٍّ سواء. ولم يقل القرآن: "يُعطي" أو "يرزق" بدَل {يَهَبُ}. لماذا؟ لأنّ العطاء أو الرزق قد يكون على مقابل، وأمّا "الهِبة" فواضح فيها تماماً من أوّل الأمر أنها بدون مقابل.

وليس هذا هو كلّ ما في الآيتيْن من الدِّقّة؛ بل نجد من الدقّة القرآنية: أنه عندما تحدّث عن جانب العُقم -وهو: عدم القدرة على الإنجاب-، لم يقل: "يخلُق"، ولم يقل: "يهَب"، ولكن قال -سبحانه وتعالى-: {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} لأنّ الجعْل فيه معنى التحويل والصيرورة والانتقال من حال إلى حال؛ وهذا هو ما يُؤيِّده الواقع. فكم مِن عقيم رجلاً كان أو امرأة أنجبا بإذن الله تعالى، مثْل: امرأة سيدنا إبراهيم "سارة"، ومثْل: زكريا -عليهما الصلاة والسلام- عندما قال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي}؛ فإذاً، العُقم أو عدم القدرة على الإنجاب، إنما هو: تعطيلٌ للقانون الإلهي أو الأصل في أنّ الإنسان قادر على الإنجاب. الله -سبحانه وتعالى- هو الذي خلَق الأسباب، والله -سبحانه وتعالى- هو الذي يُعطِّل الأسباب؛ فقد يولد الإنسان ويكون قادراً، ولكن الله يجعله في حُكم العقيم لا ينجب لسبب من الأسباب. وقد يُولد عقيماً، ولكنّ الله يُعطِّل السبب ويجعله قادراً على الإنجاب. وهذا هو الواقع في عالَمنا المشاهد. ولذلك كان التعبير في جانب العقم بفعل: "الجعل": {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} أي: يحوِّله من حال إلى حال.

ونلاحظ في الآيات الكريمة السابقة: أنه قد ربَط كلّ المخلوقات التي يُريدها بقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، ثم قال: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}، {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً}؛ فقد ربطت الآيات هذه الأحداث بمشيئة الله -سبحانه وتعالى-؛ وهذا يشير إلى: أنّ إعطاء الولد في قوله: {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} والمنع منه، إنما هو من تصرّفات الله في ملْكه. فكما أنّ الإنسان يؤمن بحالة الإعطاء من الله -سبحانه وتعالى-، فعليه كذلك أن يؤمن بمشيئة الله فيه في حالة المنع، أي: لا يفرح الإنسان بما أوتي في حالة العطاء، ولا ييأس أو يتمرّد إذا ما مُنع، لأنّ العطاء والمنْع كلّه واقع تحت مشيئة الله. فعلى المؤمن أن يسلّم لله بما يريد.



ثم نجِد لطيفة ثامنة من لطائف هاتيْن الآيتين: فقد أشار الزمخشري في كتابه "الكشاف" إلى فائدة تقديم الإناث على الذّكور. هنا قال: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}، يقول الزمخشري: فقدّم الإناث لأنّ سياق الكلام: أنه -أي: الحق -سبحانه وتعالى-، فاعلٌ ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان، يعني: الله فعّال لما يريد، حتى ولو كان ذلك ضدّ رغبة الإنسان وإرادة الإنسان؛ فكان ذكْر الإناث اللاّئي من جملة ما يشاؤه الإنسان أهمّ، والأهمّ واجب التقديم، ولِيَلِي الجنسُ الذي كانت العرب تَعُدّه بلاءً ذكْرَ البلاء، يعني: هو ذكْر البلاء في قوله في الآية السابقة: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ}، فتقديم هبة الإناث على هبة الذكور يحقّق غرضيْن: أنّ الله فاعل لما يشاء وليس ما يشاؤه الإنسان؛ هذه واحدة. الثانية: أنّ العرب كانت تَعُدّ ولادة البنات من البلاء، والآية السابقة انتهت بالبلاء، فكان ذكْر البلاء بجوار البلاء مناسباً، وأخّر الذّكور. فـ{إِنَاثاً} عند العرب ولادة غير مرغوب فيها، فكان ذلك مناسباً لأن تكون مجاورة لقوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ}.

فتقديم الإناث فيه دقيقتان: أنها تعبّر عن: أنّ الله فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان؛ هذه واحدة. وأيضاً لكي يتجاور ذكْر الإناث الذي كانت تعدّه العرب بلاءً مع ذكْر البلاء وهو: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، وأخّر الذكور لِما تقدّم. فلمّا أخّر الذكور لهذيْن السببيْن السابقيْن، تدارك تأخيرَهم وهم أحقّاء بالتّقدّم فكأنه عوّضهم عن التأخير بتعريفهم، فقال: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}؛ فكأنه لمّا قدّم الإناث للسببيْن السابقيْن، عوّض الذكور عن التأخير بأن عرّفهم بـ"اللام"؛ وذلك لأن التعريف فيه تنويهٌ وشهرة، كأنه قال -سبحانه وتعالى-: "ويهَب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفَوْن عليكم. فالتعريف بـ"اللام" إنما هو لِرفْع شأنهم، ولأنّهم مشهورون، فعوّضهم بهذا التعريف عن تأخيرهم عن الإناث.

وقد قال الألوسي في تفسيره "روح المعاني": "في ذلك قيل: قدّم الإناث توصيةً برعايتهنّ، لضعفهن، لا سيما وكانوا قريبي العهد بالوأد". فيكون إذاً، تقديم الإناث هنا إنما هو للتوصية بالرعاية، ولأنهن ضعيفات يستحققْن الاهتمام، وكان العرب قريبين من جريمة الوأد التي كانت تُرتكب في حق الإناث. وذكر رأياً آخَر قال: "أو قُدِّمت -أي: الإناث- لأنها أكثر لتكثير النسل، فهي من هذا الوجه أنسب بالخلْق المراد بيانه. وقيل أيضاً: أنّ الإناث قد قُدّمت على الذكور، لتطييب قلوب آبائهن لِمَا في تقديمهنّ من التشريف، لأنهن سبب لتكثير المخلوقات". وذكَر علة رابعة قال: "أو إشارة إلى يُمن المرأة، أي: إلى بركة المرأة، فقد قالوا عن يُمن المرأة: "من يُمن المرأة: التبكير بالأنثى".

إذاً، تقديم الإناث فتح أمام العلماء المجال واسعاً لكي يقلّبوا وجوه الرأي في سِرِّ هذا التقديم. وهذا من ثراء القرآن الكريم، واحتمال الظاهرة الأسلوبية فيه لأكثر من وجْه بلاغي لا تتعارض بل تتكامل، وربما كانت كلها مُرادة -والله أعلم بمراده-.

فالزمخشري قال: إن تقديم الإناث فيه دلالة على أنّ الله فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان، وأيضاً لكي يكون الابتلاء بالإناث على حسب ما كان العرب يعتقدون والياً للابتلاء في قوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ...}، وقد عوّض الذكور في تأخيرهم عن الإناث بتعريفهم؛ فالتعريف رفعٌ لشأنهم وإشادة بشهرتهم.

وأمّا الألوسي فقد أضاف إلى ذلك قال: تقديم الإناث للتوصية برعايتهن لضعفهن، خاصة أن العرب كانوا قريبي العهد بالجاهلية. وذكر وجهاً رابعاً بجانب الوجهيْن اللذيْن ذكَر الزمخشري، قال: أو قُدِّمت لأنها أكثر لتكثير النسل. وذكَر وجهاً خامساً: أو لتطييب قلوب آبائهن، لأنّ في التقديم تشريف لهن، أو إشارة إلى بركة المرأة اتّباعاً لما قاله العرب: "من يمن المرأة التبكير بالأنثى".

هذه كلها تعليلات لتقديم الإناث على الذّكور في الآية الكريمة: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}؛ فالتعريف في قوله: {الذُّكُورَ} يفيد التنويه، يَعني: التعظيم والشهرة بالمُعرّف، ويفيد حضوره في القلب وتعلّقه به. والتنكير في قوله: {إِنَاثاً} يفيد التشريف، ويفيد التعظيم، وبخاصّة أن الآية تَرُدّ على مزاعم العرب بأن الأنثى بلاء، وتُبطل جريمة الوأد عندهم، كما قال الحق -سبحانه وتعالى-: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}، فأفاد تنكير: {إِنَاثاً} هذه العزّة التي يخلعها عليها الإسلام في مواجهة هذا الاعتداء الأثيم عليها؛ وذلك لا يتعارض مع سرّ التقديم. وقد يفيد التنكير، إلى جانب التشريف والتعظيم، مع ذلك قد يفيد التكثير. فما أكثر النساء على ظهر الأرض! إذاً هاتان آيتان كريمتان اشتملتا بحسب الجهد البشري الذي أعطاه الله لي وللعلماء السابقين الأفذاذ، كالزمخشري والألوسي: أنّ في هاتيْن الآيتيْن كثيراً من الدقائق والرقائق البلاغية.

الآية علاقتها بما قبلها: إجابة عن سؤال تولّد عمّا قبْلها. التقديم في: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يُفيد الاختصاص بملكيّتهما وما فيهما ومَن فيهما لله. اسميّة الجملة تفيد أنّ ملكيّة السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما أمْر ثابت على الدوام. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} يفيد تجدّد ذلك إلى يوم القيامة. {مَا يَشَاءُ} ينطوي تحتها كلّ ما خلَقه الإنسان والحيوان والجماد والملائكة، ولذلك كان هذا الإبهام معبِّراً عن طلاقة القدرة الإلهية في خلْق ما يشاء الله -سبحانه وتعالى-. التعبير بـ"الهِبة" لأنه أعطى كلّ ذلك بدون مقابل، ولم يعبِّر بفعل آخَر. في جانب العُقم عبّر بـ{يَجْعَلُ} بدلاً من "يَخلُق" أو "يهَب"، لأن الله -سبحانه وتعالى- بقدرته قادر على أن يحوِّل العقيم ولوداً وأن يحوِّل الولود إلى عقيم؛ كلّ ذلك مرتبط بمشيئة الله -سبحانه وتعالى- في الخلْق والهِبة والتحويل إلى العقم. تقديم الإناث على الذكور لِما ذكَره العلماء من أنّ ذلك إنما هو للدلالة على أنّ الله فاعلٌ ما يشاء وليس ما يريده الإنسان، أو لمجاورة ذكْر البلاء في الآية السابقة، أو للتوصية بالرعاية للضعف، أو لأنهن يكثرن بسبب النّسل، أو لتطييب قلوب الآباء لأن في التقديم تشريفاً، أو للإشارة إلى يُمن المرأة وبرَكتها. والتعريف في: {الذُّكُورِ} أيضاً يعوِّض الذّكور عن التأخير، ويفيد التنويه والرفع من شأنهم. والتنكير في "الإناث" يفيد التشريف والتعظيم، وقد يفيد التكثير.

هذه كلّها دقائق ورقائق، وما أكثر ما غاب عنّا من الدقائق والرقائق في الآيتيْن الكريمتيْن!



وننتقل بعد ذلك إلى نموذج آخَر من نماذج التعريف في متعلّقات الفعل، فنقرأ قول الله -سبحانه وتعالى- في سورة (الفاتحة 6)، بعد أن نقرأ قول الله سبحانه: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تأتي الآية السادسة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ {الصِّرَاط} في أصل معناه اللغوي هو: الطريق. و{الْمُسْتَقِيمَ} يعني: غير المنحرف، أو الذي يوصل بسرعة إلى الغرض، لأن الطريق المنحرف أو الملتوي يحمل الإنسان السائر فيه جهداً مضاعفاً، ويؤخِّره عن الوصول إلى غرضه؛ ولذلك نقول في علْم الهندسة: إن الخطّ المستقيم هو أقرب طريق للتوصيل بين نقطتيْن. فنتأمّل التعريف في قوله -سبحانه وتعالى-: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. والمقصود بـ{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هنا هو: دين الإسلام. تجِد أنّ الحق -سبحانه وتعالى- أورد هذا الدعاء -لأنه من الأدنى إلى الأعلى-، والداعي في هذا الأمر الإلهي يطلب الهداية إلى هذا الصراط المستقيم الذي نصَبه الله وأقامه لعباده، وجعله طريقاً إلى رضوانه وجنّته، وهو: دِينه المعهود في الخارج والذّهن. فهو أمر معلوم لدى المستمع؛ فالتعريف هنا للعهد الخارجي، ولذلك كانت "الألف واللام" للعهد العلمي، لِما يَعلمه المسلم من أنّ الصراط المستقيم هو: دِين الإسلام. فـ"الألف واللام" هنا للعهد العلْمي على حسب ما درسنا تعريفات "اللام" وأقسام "اللام" في اللغة العربية. ولو جاء {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: المفعول به والنعت -{الْمُسْتَقِيمَ}-، لو جاءَا منكّريْن لما وافقا وناسبا مقامَ الدعاء؛ إذ لا يليق أن يدعو الإنسان بما هو ليس معلوماً لديْه. فكأن التعريف للشهرة والعلْم؛ ولذلك لا يليق هنا بلاغة في مقام الدعاء أن يُقال: "اهدنا صراطاً مستقيماً"، ولكن في مقام الدعاء يليق أن يدعو الإنسان بالشيء المعلوم لديْه؛ ولذلك كانت "اللام" هنا للعهد العلْمي. فالإنسان عندما يدعو الله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فإنما يدعو بما هو مشهور ومعلوم لديْه.

وقد يعترض مَن لا علْم له بدقائق القرآن على ذلك بأنّ {صِرَاط مُسْتَقِيم}، قد جاء في القرآن الكريم كثيراً منكّراً كما في قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}؛ هذا عن الأنبياء بَعْد أن ذكَرهم في سورة (الأنعام 87). {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، نجد أنّ {صِرَاط مُسْتَقِيم} جاءت منكّرة، وكذلك نجِد ذلك في (الأنعام 161) أيضاً أمْر الله -سبحانه وتعالى- لرسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؛ {دِيناً قِيَماً} يعني: مستقيماً لا اعوجاج فيه؛ فتجد {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} بالتّنكير. وتجد في سورة (الشورى) أيضاً قول الحق -سبحانه وتعالى-: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وتجِد في أول سورة (الفتح) قول الحق -سبحانه وتعالى-: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم...

فما السِّرّ في التنكير هنا، مع أننا قلنا: إنّ التعريف هو الألْيق في آية (الفاتحة): {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؟

لو تأمّلنا السياقات، لوجدْنا التعريف يأتي في مقامه تماماً ويناسب الحال التي قيل فيها، وأنّ التنكير يأتي في مقامات أخرى تقتضي التنكير؛ فكلّ الآيات السابقة التي قرأناها وكان فيها تنكير {صِرَاط مُسْتَقِيم}، كلّ هذا التنكير لماذا؟ لأنه ليس في مقام الدّعاء والطلب؛ إذاً الذي يناسب مقام الدعاء والطلب أن يكون {الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم} معرّفاً، لأن الإنسان لا يدعو ولا يطلب شيئاً غير معلوم لديْه. وأمّا في مقام الإخبار، ومقام الإخبار عن الشيء مخالف لمقام الدّعاء والطلب، في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته لهؤلاء الذين ذكَرهم في الآيات السابقة، عن هدايته إلى صراط مستقيم، وهداية رسوله إلى صراط مستقيم، لم يكن للمخاطبِين عهد به، ولم يكُن معروفاً لهم، فلم يَجئ معرّفاً بـ"لام" العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطَب قائمٍ في بَالِه، ولا تقدّمه في اللفظ معهود تكون "اللام" مُعرِّفة إليه.

وإنّما تأتي "لام" العهد في مواضع، أعني: أن يكون لها معهود معلوم، كأن يكون معلوماً في ذهن المخاطَب، أو أن يكون مذكوراً قبْلها، أو أن يكون حاضراً عند الكلام. ولذلك تجدون أن "لام" العهد الخارجي تنقسم إلى "لام" العهد الذِّكْري مثْل: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}، أو إلى معلوم معهود في الذهن لدَى المخاطَب كما في: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، أو أن يكون حاضراً عند الكلام مثْل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}؛ فالشجرة كانت حاضرة وأمامهم، وكذلك قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}، لأنّ الغار كان موجوداً. فـ"اللام" إمّا للعهد الحضوري، أو للعهد الذِّكري أ, للعهد العلْمي، وهذه اللام الموجودة في {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إنما هي للعهد العلْمي.

وتأتي "لام" العهد في مواضع، وإذْ لا واحد منها في هذه المواضع التي قرأناها في الآيات التي نُكّر فيها "الصراط المستقيم"؛ فالتنكير هو الأصل، لماذا؟ لأن المقام مقام إخبار، وهذا بخلاف قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ فإنه لمّا تقرّر عند المخاطبين وثبَت لديْهم أنّ لله "صراطاً مستقيماً" أخبر عنه في آيات التنكير، وأنّ هذا الذي ثَبت عندهم من أن لله "صراطاً مستقيماً" هدى إليه أنبياءه ورسله، وكان عالماً بعد ذلك بهذا الذي أُخبِر عنه، فتحدث عنه بالتعريف بـ"اللام" حتى يكون داعياً وطالباً لشيء معهود سبق الإخبار عنه بطريق التنكير.

فانظر إذاً إلى الدِّقّة في البلاغة القرآنية، وكيف أتى التعريف في هذه المتعلّقات على أبلغ وجهٍ وأصفاه! وأنك في قراءة (أم الكتاب/ الفاتحة) في الآيات الخمس الأُوَل كأنك بتحميدك الله وثنائك عليه، وتمجيدك له، وتخصيصك إيّاه بالعبادة والاستعانة، كأنك بذلك تخطّ في ذهنك وعقلك معاني {الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم} الذي استلهمْته تعليماً واقتداء ممّا أَخبَرت عنه الآيات الأخرى. فإذا جئت إلى هذه الآية السادسة بعد التحميد والثناء والتمجيد والتخصيص بالعبادة، إذا جئت إلى الآية السادسة أعلنْتَ حقيقة هذا {الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم} بصفة التعريف لا بصفة التنكير.

وأمّا ما لا يكون معلوماً لديْك كتلك الأخبار الواردة من الله تعالى ابتداء، فالأصل فيها: أنْ تُساق بطريق التنكير، وإن كانت تحمل في طيّاتها معنى التعظيم؛ ففي: {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، و {صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}: التنكير دالّ على أنه له شأن، وأنه صراط عظيم، وأنّ التنكير يدل على تعظيمه. لكنها مقامات إخبار، ومقامات الإخبار فيما ليس معلوماً لدى السامع -الإخبار ابتداءً- يقتضي التنكير. وبعد أن علِم السامع من هذه المقامات الإخبارية الكثيرة، فإنه عندما يتوجّه إلى الله بالدعاء بعد التحميد والثناء والتمجيد والتخصيص، فإنّه يتحدّث عن شيء أصبح معلوماً ومعهوداً له وقائماً في ذهنه؛ فيدعو شيئاً محدّداً لأنّ هذا هو ما يُناسب مقام الدعاء.

هذه دقائق في التعريف والتنكير؛ فالتعريف له سياق، والتنكير له سياق آخَر، ولا بد أن ندرس السياقات حتى نعرف لماذا عرّف هنا ولماذا نكّر هنا؟ وما دلالة التعريف؟ وما دلالة التنكير؟ والله أعلم