فنون النثر في الأندلس :

===============

يمكن القول بأنّ النثر الأندلسي كان ينسج على منوال النثر المشرقي ويسير على نهجه و كبار النثر في الأندلس هم كبار شعرائها أمثال ابن زيدون وابن شهيد وابن حزم وأبي حفص ابن برد وابن دراج القسطلي ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم وهذا على عكس أساتذة النثر في المشرق حيث كان شعرهم أقل جودة من نثرهم ونذكر منهم على سبيل المثال أبا الفضل بن العميد والصاحب ابن عباد وأبا بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني ولذلك فقد نشأ في المشرق ما يسمى بشعر الكتاب أي شعر هذه الطبقة الممتازة من الكتَّاب الذين لا يرقى شعرهم إلى مستوى نثرهم  .


     ومن فنون النثر الأندلسي :

أولاً : فن الرسائل ، وهي على ثلاثة أنواع :

==========================

1ـ الديوانية وتسمى السلطانية أو الإنشائية ، وهي رسائل تصدر عن دار الحكم وتوجه إلى مسئولي الدولة من وزراء وعاملين عليها ومن الأمثلة عليها هذه المقتطفات مما كتبه أبو حفص بن برد وكان وزيراً ( توفي عام 414 هـ ) إلى هذيل بن رزين ( الذي حاول أن ينفرد بحكم بعض الجهات ) محاولاً إعادته إلى نطاق الطاعة وفيها يقول :

أما بعد :

(آتاك الله رشدك ، وأجزل من توفيقه قسطك ، فإن الله تعالى خلق الخلق غنيا عنهم ، وأنسأهم بمَهَل غير مُهْملٍ ، بل ليحصي آثارهم وليبلوا أخبارهم وجعلهم أصنافاً متباينين ، وأطواراً مختلفين ، فمنهم المختص بالطاعة ومنهم المبتلى بالمعصية وبين الفريقين أقوام خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ولو شاء الله لكان الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ، ولذلك خلقهم ، والسعيد من خاف ربه ، وعرف ذنبه ، وبادر بالتوبة قبل فوتها ، واستعطى الرحمة قبل منعها )

ويقول في نهايتها مرغباً مهدداً :

(وأنت بين طاعة سالفة ، واستقامة موروثة وبين إنابة منتظرة ، وتوبة مستقبلة ، فبإحدى الحالتين تحط الذنوب الكبيرة ، ويغطى على العيوب الكثيرة فالآن عصمك الله : واللبب رَخِيٌّ ، والمركب وَطِيٌّ ، وبابك إلى رضا أمير المؤمنين مفتوح وسبيلك إلى حسن رأيه سهل ولا يذهب بك اللجاج إلى عار الدنيا ونار الآخرة ، إياك ومصارع الناكئين وحذار موارط الغادرين )

وتجدر الإشارة إلى أن الرسائل الديوانية لم تتطور مع مرور الوقت كمثيلتها في الشرق فقد استمرت على حالها موغلة في الجناس والسجع كأسلوب ظل متَّبعاً في الكتابة .

    ومن الرسائل الديوانية المشهورة رسالة" لسان الدين بن الخطيب "إلى السلطان المنصور بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون والتي شرح فيها حال بلاد الأندلس وما يعتريها من أخطار في الفترة التي كانت أعمدة الدولة الإسلامية تنهار فيها عموداً إثر آخر وتسقط حصنا بعد حصن وقد ورد فيها كثير من الإسراف في السجع وإيغال في الصنعة وتقليد لأسلوب المشارقة .

2ـ الرسائل الإخوانية أو الأخوانيات : ويمكن اعتبارها بمثابة " رسائل خاصة " ، وهي لا تختلف عن الرسائل الديوانية في طبيعتها وأسلوبها ومن الأمثلة عليها رسالتي ابن زيدون الهزلية والجدية وقد كتب الأولى على لسان محبوبته ولادة إلى غريمه في حبها الوزير أحمد بن عبدوس والثانية كتبها أثناء وجوده في السجن يستعطف فيها أبا الحزم جهور صاحب قرطبة ويسأله العفو ويرجو منه أن يطلق سراحه .


     وكلا الرسالتين كتبت بأسلوب مسجوع وعبارات منمقة وكانت غنية بالأعلام والأمثال والوقائع التاريخية والأشعار المقتبسة وقد شرح الكاتب جمال الدين بن نباتة المصري رسالة ابن زيدون الهزلية في كتابه        ( سرح العيون في شرح رسالة بن زيدون )

3ـ الرسائل الأدبية الخالصة : وهي رسائل غير موجهة إلى أحد بعينه ، ولعها أشبه شيء بالمقالات الحديثة .


   وقد ظهر في الأندلس فن من فنون الكتابة وهو ما يمكن تسميته بالكتابة العلمية ذات الصبغة الأدبية حيث حرص صفوة علماء وكتاب الأندلس على تسجيل مفاخر وطنهم نثراً كما سجله الشعراء شعراً وأشهر كاتبين في هذا المضمار :" ابن حزم الأندلسي "المتوفي عام 456هـ "وإسماعيل بن محمد الشقندي" حيث ترك الأول ما يقرب من 400 مؤلف أشهرها الفصل في الملل والأهواء والنحل / الإحكام لأصول الأحكام / جمهرة الأنساب / الناسخ والمنسوخ / والمحلى في الفقه / طوق الحمامة وغيرها ..

 

ثانياً : المقامات : وهي فن قصصي عرف بداية في المشرق على يد بديع الزمان الهمذاني ، ومن نماذجه في الأندلس ، مقامات القرطبي .

ثالثاً : القصـــــــــــــــــــة :

   وهي لم تحظ في بلاد الأندلس بما حظي به الشعر من اهتمام غير أن القليل الذي وصل منها جدير بالعناية والدراسة والتحليل  .

  ومن أشهر كتاب القصة في الأندلس أبو عامر بن شهيد صاحب قصة ( التوابع والزوابع ) وهي قصة طويلة ضاع أكثرها ولم يصل منها

إلا القليل ويبدو أن دافع صاحبها لكتابتها كان شخصياً ونابعاً من اعتقاده بأنه لم يحظ بالتكريم المناسب من أدباء عصره ولذا فقد راح يلتمس

هذا التكريم والتقدير من أدباء هم أكثر شهرة من معاصريه فكتب تلك القصة والتي يلتقي فيها بجني اسمه زهير بن نمير فحمله هذا الأخير

إلى بلاد الجن فيلتقي هناك بتوابع الأدباء والشعراء المشهورين كامريء القيس وعنترة والمتنبي والبحتري وغيرهم كثيرون حيث يجري

معهم محاورات طريفة فيسمعهم ألواناً مختلفة من شعره ونثره تلقى استحسانهم وإعجابهم فيخرج من كل هذا مشهوداً له بالفضل والتفوق !!


     ومن نماذج القصة في الأندلس ، قصة (حي بن يقظان ) الشهيرة والتي تعتبر من أكبر الأعمال القصصية في العصور الوسطى ليس في ا

لأدب العربي فقط وإنما في العالمي أيضاً .


    ومؤلفها هو الفيلسوف المشهور والطبيب والعالم والشاعر ابن طفيل وهو تلميذ لفيلسوف الشرق ابن سينا وقصته أقرب إلى القصص

الفكري منها إلى الأدبي .

   وتنبع أهمية هذه القصة من هدفها السامي وهو الوصول إلى معرفة الخالق والإيمان به .

    وملخصها أن ( حي ) هو وليد من غير أبوين ولد في جزيرة نائية من جزر الهند ( وفي رواية أخرى ولد لأم وأب في جزيرة نائية وخافت

أمه من أخيها لأنها تزوجت بدون علمه فألقت بحي في اليم فحمله المد إلى ساحل جزيرة أخرى ) والمهم أن حي كان وحيدا ومحتاجا إلى رعاية

وعناية فأخذته ظبية شفقة عليه فقامت بإرضاعه وتغذيته حتى نشأ على سليقة أمه الظبية فحاكى الظباء في حركاتها وطباعها وأصواتها ثم كبر

وتعلم المشي وفكر في أمر نفسه وقارن بينها وبين الحيوانات الأخرى في الجزيرة فوجد أن الحيوانات مستورة وهو عار فعمل على ستر جسمه

بأوراق الشجر ولاحظ أنها مسلحة وهو أعزل فتسلح بعصا من أغصان الشجر ثم فكر بالصيد لاستغلال يديه وأخذت أساليب تعامله مع الحياة

ترقى وتتحسن فاستعاض عن أوراق الشجر بأثواب من جلد النسور التي كان يصيدها ثم بدأ يهتم بما عنده من حواس مختلفة وتستمر قدراته

في النمو نتيجة التجارب التي قام بها حتى تعلم غزل الصوف والملابس وتعلم فن البناء وأخذ يقوم بتشريح الحيوانات وعمل تجارب عليها

ومعرفة وظائف أعضائها .. وهكذا وكأن هذه القصة باختصار تحكي عن تطور الإنسان وعن طريق التجربة والاستقصاء يتمكن ابن طفيل من

الوصول إلى نتيجة ومن ثم إلى ثانية وثالثة وهكذا وهو ما يعتبر شيئاً جديداً في ميدان القصة الفلسفية والعلمية التجريبية وتأخذ معارف 

( حي ) في التقدم فيدرس المعادن والروح التي فطن إلى وجودها حين اكتشف قلب الظبية ( أمه ) بعد أن ماتت وشرح جسمها وتقوده دراسته

إلى النفس الحيوانية والنباتية وتتطور معارفه لتصبح فلسفة يؤمن بها إيمان المجرب .

   وفي النهاية يتوصل إلى قناعة مفادها أن لكل موجود علة فأخذ يبحث عنها في الطبيعة ولكنه لم يتوصل لشيء لأن جميع ما في الطبيعة

عرضة للتحول والفساد فحاول أن يبحث عنها في الأجرام السماوية وبدأ يتأمل السماء وهل هي ممتدة إلى ما لانهاية أم لا ثم تصورها كروية

واستنتج ضرورة وجود أفلاك خاصة بالكواكب وهكذا شيئاً فشيئاً وبالتدريج يقترب من معرفة الله ويصل لنتيجة مفادها أن محرك هذا العالم

لا بد أن يكون خارجاً عنه ثم أمعن النظر في فكرة الله الخالق وتوصل لمعرفة صفاته نتيجة دراسته لصفات الكائنات ثم ينتهي الأمر به إلى

الإيمان بالله خالق الكون ومبدعه وأنه قادر وعاقل وعليم ورحيم ..

    ولا شك أن هذه القصة العظيمة والرائدة متأثرة شأنها شأن كل قصة بشخصية صاحبها الفيلسوف ولذلك فقد غلبت على تفاصيلها

السمة الفلسفية .

   والخلاصة أن القصة العربية في الأندلس كانت ثمرة يانعة من ثمرات الثقافة العربية والإسلامية وولدت في ظل تلك الحضارة

العريقة نامية عملاقة مكتملة أسباب النجاح الفني والعمق الفكري .

ومن العلوم التي صيغت صياغة أدبية :

1ـ التاريخ ، ومن نماذجه ( الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ) لابن بسام الشنتميري .

2ـ التراجم ، ومن نماذجها ( الإحاطة في أخبار غرناطة ) للسان الدين ابن الخطيب ، ويدخل في التراجم التراجم الذاتية ، مثل

ترجمة ابن الأبار لنفسه في التكملة ، وكتب الحلى والصفات .

3ـ الجغرافيا ، ومن نماذجها ( الروض المعطار في خبر الأقطار ) لعبد المنعم الحميري .

4ـ التصوف ، ومن نماذجه ( روضة التعريف بالحب الشريف ) لابن الخطيب ، ويدخل فيها الكتب التي قيلت حول فلسفة الحب ،

مثل كتاب ( طوق الحمامة ) لابن حزم القرطبي .

وغير ذلك من العلوم التي صيغت صياغة أدبية .