قائمة الروابط

 



الإهـــــــــــــــــداء

إلى أبي رحمه الله .. وإلى أمي الحبيبة رعاها الله


وإلى الجنـدي المجهول الـــــــــذي بنا بيديه نجـاحـاتي  وسما بطموحاتي .. وحقق أحلامي

إلى قنديلي الصافي منبع الخير والأمن والأمان

إلى من امتلك القلــب والفؤاد .. إلى زوجــي .. حفظه الله


وإلى حبات اللؤلؤ النفيسة أنجالي الأربعة

أهدي بكل الحب والفخر والاعتزاز

إحدى صفحات جهادي

 

د . أميرة عبد الرحمن منير الدين

 

 


 

مقدمة الكتاب :

      أحمد الله على جزيل نعمائه ، وأشكره شكر المعترف بمننه وآلائه ، وأصلي وأُسلم على صفوة أنبيائه ، محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، وعلى آله وصحبه وأوليائه الكرام .

      أما بعد.. فيسرني أن أُقدم لكل المهتمين بمجال التربية هــــذا الكتاب الموجز الذي يعد محاولة تهدف إلى جمع وتدوين بعض ما جاء في أدبيات التراث والبيئة وتوضيح علاقتهما بعملية تطوير المناهج .

     كان الدافع الأساسي وراء هذا العمل تقديم العون والمساعدة المثمرة للمتعلمين في مقرر  ( البيئة والتراث الإسلامي ) المقدم من قسم التربية الفنية لقسم رياض الأطفال ليكون مرجعاً علمياً مبسطاً يضم أبرز المعلومات والمعارف الخاصة ببعض مفردات المقرر  وقد احتوى الكتاب أربعة فصول .

الفصل الأول : يوضح موضوع التراث بشكل عام ، ثم يخص بالتفصيل التراث الإسلامي  تعريفه ، مصادره  أنواعه ، وظيفته ، مع بيان مفهوم معاصرة التراث ، وأهمية دراسته  وطريقة المحافظة عليه ، وبيان علاقته بالفن وتحديداً الفن الإسلامي ، والحضارة وتحديداً الحضارة العربية والإسلامية ، ويشير الفصل إلى الثقافة بصفة عامة والثقافة الإسلامية بصفة خاصة ، ثم يذكر  بعض أقوال المفكرين الغربيين الذين وصفوا التراث الإســـــــلامي ، كما يُلقي الضــــوء على ( الجنــــــــادرية ) المهرجــــان الوطني الســـعودي للــــــتراث والثـــــــقافة بذكر الجهة الممولة له وأهدافه وأنشطته وأبرز الجوانب فيه .

الفصل الثاني : يوضح موضوع البيئة بشكل عام ، ويذكر أهم التعاريف المرتبطة به  وينوه بمكونات البيئة ، وعواملها الطبيعية والاجتماعية ، ويستعرض موضوع التنشئة الاجتماعية ، وتحديدا ًفي الأسرة والمدرسة ، ثم يخص الفصل بالتفصيل موضـوع التـــــــــلوث البيئي ، وموضــــــوع تقييم المــــردود البيئي وصناعة القرار .

الفصل الثالث : يوضح علاقة التربية بالبيئة وأثر كلٍ منهما على الآخــر ، وينوه بأنواع التربية وأنماطها ، ومستوياتها ، ثم يقدم بعض المعلومات عن التربية الفنية وأهدافها العامة وعلاقتها بالتراث والحضارة ، كما يقدم الفصل تفصيلاً عن التربية البيئية وأهدافها العامة ، مستعرضاً المنظور الإسلامي لها ، ودور الإعلام فيها.

الفصل الرابع : يوضح علاقة البيئة بعملية تطوير المناهج ، وكيفية توجيه عملية تطوير المناهج نحو البيئة بالدخول إلى عالم المناهج الموجهة بيئياً ، ويوضح الفصل معنى الوزن النسبي للبعد البيئي في المناهج الدراسية ، وذكر العوامل المؤثرة على نواتجها ، ودور المعلم في التربية البيئية ، ثم الإشارة إلى العلاقة بين البيئة والتراث والمناهج .

وختاماً فإنني أرجو من الله أن يتقبل هذا الإنجاز لوجهه تعالى إنه بصيرٌ بالعباد .

د. أميرة عبد الرحمن منير الدين


 



 

مقدمة الطبعة الثانية :

سورة النجم ( آية 39-41)

      رأت الكاتبة أن يكون في برنامج المقررات النظرية التي تقوم بتدريسها محتوى علمي مبسط يُطبق عليه عملياً بعض عمليات التفكير المختلفة والضرورية لتعليم اليوم ، بدءاً بتطبيق عمليات التحـليل ، والمقـارنة ، والنـقد البنـاء ، والتــقويم الـذاتي والجمــاعي  مع تفعيل بعض استراتيجيات التدريس الحديثة مثل التنقيب والبحث والاستكشاف وحل المـشكلات والتدريب على الحوار مع الآخر ، وسمـاع الرأي والرأي الآخر  وصولاً لعملية اتخاذ القرار ، وذلك من خلال فحص المتعلمـــــات لهذا الكتاب الذي يشمل بعض المفردات الأساسية للـــــمادة المقــــررة عليهن وكتابة تقرير علمي عن كل الملاحظات التي توصلن إليهــا بواسطة القراءة المتأنية الفاحصة .     

      لقد وضعت الكاتبة كتابها الشخصي الأول في هذه التجربة الذاتية بهدف إثراء العملية التربوية من خــــلال الاستفــادة العمـــلية التطبيقيـــة لبعض مـــــا توصــــل إليه العلم في مجال التخصص ، وهي ترجو التحقيق الإيجابي للتجربة .

      إن ما بين يديك أيها القارئ الكريم اجتهاد شــــــــخصي متواضع ترجو فيه الكاتبة

 المعذرة عن كل ما قصر فيه الجهد، وعجزت الكلمات فيه عن التوضيــح والتبيــــان . 

د. أميرة عبد الرحمن منير الدين

 



الفصل الأول

التـــــــــــــــــــــــــراث

r     تعريف التراث والتراث الإسلامي

r     مصادر التراث الإسلامي

r     أنواع التراث  

r     وظيفة التراث

r     معاصرة التراث

r     أهمية دراسة التراث

r     طريقة المحافظة على التراث الإسلامي

r     مقترحات وتوصيات للمحافظة على التراث الإسلامي

r     تعريف الفن والفن الإسلامي وخصائصه ووظيفته في الحياة

r     تعريف الحضارة والحضارة العربية

r     تعريف الثقافة والثقافة الإسلامية

r     علاقة التراث بالفن والحضارة والثقافة  

r     أقوال بعض المفكرين الغربيين في وصف التراث الإسلامي

r    الجنادرية المهرجان الوطني السعودي للتراث والثقافة

r    مراجع الفصل الأول



 

التـــــــــــــــــــــــــراث

تعريف التراث :

      التراث في اللغـــة : هو المصدر من الفعل وَرِثَ ، إذ يُقال : ورث فلان : أي انتقل إليه مال فلان بعد وفاته ، ويقال : ورث المال والمجد عن فلان ، إذا صار مال فلان ومجده إليه .

      والتراث في الاصطلاح :  لفظ يشمل الأمور المادية ، والمعنوية ، ويتمثل في جميع ما يبقيه الأجداد والآباء للأبناء والأحفاد .

      أما التراث في معناه الإجرائي العام : فيشمل كل ما خلفته  الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة في مختلف الميادين الفكرية والمادية والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، التي تنعكس في سلوك أفراد المجتمعات ، فالتراث منجز تاريخي عظيم لاجتماع إنساني كبير ، فهو يعني كــل مــا هــو موجـــود في الحياة ، مــما وصـــل إلينـا من تجارب الأمم الماضية في كل المجـــالات .

تعريف التراث الإسلامي: 

      يُشكل المصطلح [ الإسلامي ] أحد الرموز المعرفية الثقافية المهمة الدالة على خصوصية الأمة الإسلامية ، وهو أحد المكونات الأساسية لهويتها الحضارية ، حيث تحمل الألفاظ دلالات معينة ، وهي عبارة عن الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى الذي يدل عليه ، وانتقـــال الـــذهن من أحـــــدهما إلى الآخر ، فهذا الاقتران يُطلق عليه اسم الدلالة ، فيسـمى اللفظ دالاً ، والمعنى مدلولاً.

      وعندما اقترن مصطلح ( التراث ) بالمصطلح ( الإســــــــــــــلامي ) أصبح اللفظ ( التراث الإسلامي ) ومعناه أنه اقترن ببعد تاريخي وحضاري وعلمي واجتماعي محدد ، فإن صلة اللفظ بمعناه الجديد ( الإسلامي ) يُساعد على فهم طبيعة المصطلح الأول ( التراث ) وبيان علاقته بحمولته الفكرية والمفهومية .

      إن المصطلح ( الإسلامي ) هو اللفظ الذي وضعه أهل العرف والاختصاص ليدل على فترة معينة من الزمن ارتبطت بظهور الإسلام ، وتشمل كل الأمور الدينية  والفـــكرية والاجتمـــاعية والسيــــاسية والاقتصــــادية لها .

      ويكون المصطلح ( إســــــلامياً ) إذا كان مستمداً في لفظه من الأصول الإسلامية ولا يتعارض في فــكره ومعـــناه مع الفكر الإسلامي ، وقواعده ومنطلقاته الشرعية .

      والحقيقة إن تراث الأمة الإسلامية لا يقف من حيث الزمان عند بداية التاريخ الإسلامي ، وإنما يمتد مع ماضيها إلى ما قبل ذلك متوغلاً في أعماق الزمان ، فماضي كل الشعوب التي أسلمت وتعربت هو من ماضي الأمة الإسلامية ، وكل الحضارات التي ازدهرت في أرض الإســـلام ، هي في الواقع التاريخي ميراث الأمة الإسلامية .

      فمن المعترف به عالمياً أن مكانة المســلمين في التاريخ الحضاري لم يأخذ دوراً قيادياً إلا في العصور الوسطى ، حيث كان الشرق العربي الإسلامي مناراً للعلم  والمعرفة والتمدن في كل الميادين النظرية والعملية ، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات الجهل والتخلف .

      وهذا لا يعني الوقوف بالتراث عند حد زماني أو مكاني ، وحصره في نصوص الأدب الجاهلي وذخائر العلوم العربية والتاريخ الإسلامي ، بل لا بد أن تمتد أبعاده لتستوعب التراث القديم بأفكاره ومواده على امتداد الزمـــــــان والمكان ، فهو أغنى من أن يحدد بمرحلة حضارية واحدة .

      فمن البابليين والآشوريين والفراعنة وغيرهم من بناة الحضارات القديمة ينحدر إلينا تراث ضخم هو النــاتج التــاريخ الـمــادي والمعنوي للأمـة الإســــــــــــــــــــــــــلامية .

مصادر التراث الإسلامي :

      إن التراث هو ذاكرة الأمم  ، وما من تراث إلا وله مرجعية عقائدية ، قد تكون إلهية محضة  أو وضعية محضة  أو مزيجــاً منهما ، والمصدر الرئيس للتراث الإسلامي هو عقيدة التوحيد بأحكامها التشريعية والمنهجية المتمثلة في الكتاب والسنة النبوية الشريفة ، فالإسلام هو لب التراث الإسلامي ، وتجريد التراث من هذا الأصل العقائدي يعني سلب هذا التراث قيمته الجوهرية المتمثلة في قيم الدين الإســــــــــلامي .

أنواع التراث :

      قسم كثير من المفكرين والعلماء والمؤرخين التراث إلى الأقسام التالية :

1.  مروي مسموع : كالروايات والحكايات والقصص ، والأمثال الشـــــعبية وغيرها . 

2. عملي ممارس : كالدين ، واللغة ، والعادات ، والتقاليد، والأعراف ، والحرف اليدوية ، والمهن الأُخرى كالطب ، والفلك ، والهندسة ، والعمارة الإسلامية  والصناعات وغيرها من مهن أُخرى ، والألعاب ، والأغاني ، والرقصات .

3. المخطوطات : كل ما دُوِن في الكتب ، والموسوعات ، والقواميس العربية في كافة العلوم النظرية والعملية .

ولمزيد من التوضيح المفصل سيتم إلقاء الضوء على بعض هذه الأنواع  :

العادات والتقاليد : هي التي تقوم بتنظيم حياة الأفراد ، والجماعات داخل إطار المجتمع ، وهي أساليب التعامل بين مختلف الفئات ، وتحقيقها نسبي بين الأفراد ، فهي تساعد الفرد لكي يجتاز صعوبات الحياة إذا كانت عادات وتقاليد سليمة ، وقد تؤدي إلى الهلاك إذا كانت غير سليمة ، لأنها تضع للفرد المبادئ العامة والخاصة التي يبني عليها سلوكه ، وأكثر العادات والتقاليد عمليات مكتسبة يمارسها الأفراد بشكل تقليدي مباشر في أي مكانٍ وزمانٍ ممثلة كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والفكرية وغيرها.

العُرف :  هو ما تعارف عليه المجتمع ، وأصبح كنظامٍ سائدٍ فيه ، فهو المنظم لسلوكيات الأفراد داخل المجتمع ، والالتزام به واجب ، كما أن إتباعه أمر جبري  والفرد المعاقب عليه لا يعاقب عن طريق القانون بل عن طريق عقوبات الرأي العام الجماعي ، وتتمثل هذه العقوبات في مختلف أنواع النبذ والتحقير الاجتماعي كالاستهجان والسخرية ، وقد يصــل الحــد إلى المقاطعــة الاجتمــــاعية ، فالعــرف في عموميته موجــــه للســـــــــلوك نحو الخير والإصلاح والمنفعة العامة للفـــــــرد والمجتمع .

الحِرَف الشعبية : هي ذلك الإرث المهني الذي ينتقل من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء ، وتؤدي دوراً حيوياً في استمرارية اكتساب المهارات اليدوية لكثير من المنتجات اليدوية التي تعتمد على خامات البيئة ومعطياتها الطبيعية والصناعيـــة  وهي تتضمن أسس ومبادئ خاصة بالتعامل وأخلاقيات العمل ، وتخص الحــــــــــــرف الشعبية فئة كبيرة من أفراد المجتمع في المدن والقرى كباراً وصغاراً وبمستويات مختلفة من التعليم  الــذين يحرصون على الــعمل بها من أجـل بقائها والحــفاظ عـــليها واستمرارها .

الحكايات الشعبية : هي أحداث مترابطة منظمة تستهدف طرح أفكار محددة متمثلة في مجموعة من الجمل والعبارات الموزونة ، التي تصور الحدث وسلوك الأشخاص المرتبطين به سواء من الواقع أو من الخيال ، وهي تستهدف في مجملها نشر العبر  وتقديم النصائح لاكتساب القيم الإنسانية المرغوبة في الحياة مثل حب الخير ، والبعد عن الشــــر ، وأكثرها يُركز على سيرة الأبطال ، وارتباطهم بالأرض ، ودفاعهم عن المبادئ وتمسكهم بمكارم الأخلاق ، ومنها يتعرف جيل اليوم والغد على أبرز الشخصيات إيجابا ًوسلباً في التاريخ والتي كانت لها عــلامات فارقة ومميزة .

الأمثال الشعبية : هي بعض الأقوال  المميزة  في اللفظ ، وضعتها الأجيال السابقة لنقل خلاصة تجاربهم في الحياة إلى الأجيال اللاحقة ، وهي سريعة النفاذ للعقول والنفوس ، عذبة الألفاظ ، ولها قيمة تربوية سلوكية عظيمة  لما تحتويه من حِكَم خُلقية تمنع الرذيلة وتُـمجد الفضيلة ، وهي ذات أحكام نافذة لا تخطئ إذا أكدت أمراً ما أو نفت آخر ، كما أنها تحتوي على حِكم قوية تُؤثر في الســلوك الإنساني .

الألعاب الشعبية : هي نشاطات فكرية وحركية ، ظاهرها الترفيه وباطنها يضم أساليب متنوعة من التربية والتعليم ، فهي طرق غير مباشرة للتعلم ، لأنها تعبر عن البيئة في كل مظاهرها ملبية حاجات الصغار وميول الكبـار ،  كما أنها تساعد على اكتساب اللياقة البدنية والذهنية للأفراد ، وتمثل ضرورة اجتماعية  إذ أنها تقود إلى الارتباط والوحدة والتضامن ، والتدريب على الإقدام والتضحية وحسن الاختيار  والتشـــجيع على الاختلاط بالآخرين ، والحرص على اكتســـاب الخبرات ، والمقدرة على قـــــبول المواقف الحرجــــــة وغير المتوقعة في حــالتي الربح والخسارة .

الأغاني الشعبية : هي محصلة لمجموعة من العناصر أهمها الكلمة الجيدة واللحن

الراقي والأداء الجميل ، وقد اعتبرت من التراث لأنها سجلت الكثير من أحوال الحياة العامة السعيدة والحزينة ، فارتبطت بالجانب الانفعالي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي فمثلت أزمات البشر والأحداث الجارية ، وهي من أبرز عناصر التراث اليوم استهلاكاً لذلك يجب أن تُقدم بمستوى راقي ورفيع ولائق بعيداً عن المظاهر المتدنية الهابطة التي تسئ إلى التراث الأصيــــل في المــــاضي والـحــاضر والمستقبل .

الرقصات الشعبية : هي حركات منظمة متتابعة لها إيقاع معين في كل مجتمع  وأكثرها تهتم بالتعبير عن البطولة وروح الفروسية ، فهي تُؤكد على مظاهر الرجولة والأُنوثة في الأداء ، وتشجع الفرد على الظهور وحب النظام ، والتطبيق الإيجابي لقواعد التربية البدنية والحركية سواء الفردية أو الجماعية ، كما أنها تتيح للإنسان استخدام أشكال عديدة من المهارات الحركية التي تُفيد في تنشيط القوى الجسمية .

وظيفة التراث :

      الوظيفة تعني أن كل ما يتعلمه المرء ينبغي أن يؤدي غرضاً  أو نفعاً محدداً لصاحبه في الحياة بصفة خاصة ، بحيث تلبي له حاجاته ومتطلباته واهتماماته ، إذ لا خير في علم لا ينفع صاحبه .

      ومن هنا جاء الارتباط الوثيق في التراث بين الجانب النظري من المعرفة والجانب العملي ، فالجوانب التطبيقية في الحياة مرتبطة بحاجات البشــر ومنافعهم ، فمن إرثنا

المعروف في الدعــاء : ( اللهم علمني ما ينفعني ، وانفعني بما علمتني وزدني علماً ).

      إن التراث هو الوعاء الحافظ لشخصيات الأمم ، وهو تجسيد وتعبير تلقائي مباشر لأهم المظاهــر الروحية والفكرية والمادية لمواقف الإنسان في الحياة فهو مرتبط بالمناسبات العــامة والخاصة للمجتمع ، وهو مساير لدورات الحيــــــاة التي يمر بها الأفراد وله أكبر الأثر في تطور المجتمعات ورقيها ، فاحتفاظ أي فرد أو مجتمع بمفردات تراثه وامتلاكه لــــــه أمر حتمي مهما حــــاول إنكاره أو رفضه أو التخلص منه

معاصرة التراث :

      بما أن التراث مجموعة من المثــل والقيم والأعمال والمضامين والأشكال التي نشأت من الماضي القديم ، وشقت طريقها إلى العصر الحديث ، لتكون هي الماضي  والحاضر وأساس المستقبل ، فمعاصرة التراث تعني تنقيته من الشوائب ، والبعد عن التقليد الأعمى لكل عناصره ، أو  تطبيق كل التراث بجميع حذافيره ، كما يجب أن نتعامل مع التراث الإسلامي بطريقة صحيحة ، ومنصفة دون إجحاف ، لأن المتعاملين مع التراث الإسلامي في الوقت الحالي فريقان :

1.  مستشرقون : وهم فئة من المجتمع  يتصف تعاملهم مع التراث العربي والإسلامي بأوصاف متقلبة بين الجحود والإنصاف .

2.   عرب مسلمون : وهم فئة من المجتمع وينقســـــــمون إلى ثلاثة اتجاهات :

الاتجاه الأول :    يرى أصحابه ضرورة التمسك بالقديم ، والتزام الأصالة وعدم

فتح الباب لأي واردٍ باســــــــــم المعاصــــــرة والتجديد ، لأنهم يرون في قبول ما يفيد من الحداثة ذريعة لاعتناق ما لا يفيد ، وفي الأخذ بالتجديد ضيـــــاع  للأصالة والتقاليد .

الاتجاه الثاني :    يرى أصحابه أن سر تأخر العرب والمسلمين يكمن في تمسكهم بالماضي ، وتمسكهم بأمجاد قد خلت وذهب وقتها ، وطلبهم العلوم من أوراق بالية يسمونها كنوزاً ، والطريق الأسلم في نظرهم هو خلع لباس الأصالة ، والإقبال على المعاصرة دون أي تحفظ ، ولا مانع من أن يحتفظ الناس ببعض الطقوس الدينية  والعادات الاجتماعية يقومون بها في المواسم والأعياد ، ومخطوطات يُزينون بها المتاحف ، وأرفف المكتبات في المنازل والأسواق ، وهذا الاتجاه خاطئ  بعيد عن الصواب ، وهو دعوة صريحة لاندثار القيــــم الثقافية والحضارية للمجتمعات .

الاتجاه الثالث :    أصحابه الجزء الأعظم من الأمة ، الذين سلكوا طريقاً وسطاً  فهم يرون أنـه لا خير في تحضرٍ لا أصل له ، ولا خير في مجدٍ ليس له جذور ، وهذا هو الاتجاه السليم الذي لا بد أن نؤيده جميعاً ونعمل به ، فالحكمة تقتضي المحافظة على الأصالة في التراث ، وأخذ الهام والمفيد من المعاصرة أثناء التطوير والتجديد والإصلاح ،  كمـــــا يجب أن نُؤكـــد على مصــــــــادر التراث الإســـــــــــــــلامي التشريعية ( الكتاب والسنة النبوية الشريفة ) باعتبارها نقطة الانطلاقة الصحيحة . 

      لذلك يجب اختيار ما في التراث من نماذج اختياراً قائما على الفهم ، والتمييز  والفرز ، والتبويب ، والتصنيف ، والتقويم التحليلي الصادق البعيد عن الذاتية ، ومن ثم ترسيخ أكثر عناصر التراث قدرة على الإسهام في تغيير الواقع الحالي باستخدام المنهج العلمي في التفكير ، فإذا كان لدى الأسلاف طريقة تفيد في الحياة الراهنة أخذنا بها ، وما لا ينفع عملياً وتطبيقياً في حياتنا تركناه  أي أننا نأخذ من الموروث الأجزاء المهمة والمبدعة في محتواه ، وبهذا تكون معاصرة التراث متمثلة في إعطاء قيمة وظيفية حاضرة بتحويل التراث إلى عناصر قوية ومفيدة وفاعلة في الحياة المعاصرة ، ليكون أساس قاعدي للبنية التحتية لنا عند بناء المستقبل الذي ننشــــــده ونتطلع إليه .

أهمية دراسة التراث : 

      تتضح أهمية دراسة التراث فيما يلي :

1.  ربط الأجيال المعاصرة بماضي الأجداد وتراثهم العريق .

2.  تحقيق التواصل الإنساني والاجتماعي عالمياً .

3.  تحسين مظاهر الأشياء جمالياً .

4.  إيجاد لغة للتفاهم الجمالي العالمي من خلال تذوق التراث .

5.  بحث سُبل إثراء التذوق للفنون الشعبية وما بها من رموز ثقافية .

6.  تنقية التراث الشعبي من الرموز غير الأصيلة .

7.  تحقيق الانتماء لتراثنا الوطني النابع من أصالة الشعب وتاريخه العريق .

8.  التأكيد على أنه لا أصالة لشعب لا تراث له .

المحافظة على التراث الإسلامي :

      التراث الإسلامي ليس مجرد الوجود المادي للآثار والأماكن التاريخية  والمخطوطات والمكتبات والفنون الشعبية والفنون اليدوية التقليدية ، إنما هو في واقع الأمر تجسيد ملموس للثقافة الإسلامية بكاملها ، والرسالة الفكرية التي قدمتها الأمة الإسلامية إلى بقية الأمم بكل شعوبها العربية ، وغير العربية  فأسهمت في تطوير الحضارة الإنسانية وتنمية معارفها وآدابها وفنونها ، وجعلت العالم مكاناً أفضل للحياة حتى يتمكن فيه الإنسان من تطوير إمكاناته الروحية والجسدية إلى أبعد حدودها .

      من هنا كان على الأمة الإسلامية أن تبني قواعدها في الميادين الفكرية  والسياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والفنية ، والتكنولوجية على التراث الإسلامي ، وتستهدي بخصائصه ، وتستمد قوتها من أسسه وقواعده ومقوماته  وتعمل على سلامته ، فهي لا يمـــكن أن تقـــوم من فــــراغ  أو تستهدف إغفـــــــال التراث العريق الموروث لأن متطلبات تقدم وازدهار النهضة وأسباب انطلاقها تكمن في جذورها التراثية  فلا يستطيع المجتمع مهمــا كان كبــيرأً أو صغــيراً أن ينمــــو على الوجــــــه الأمثل الصحيح دون أن ينطلق من تراث أســـــلافه ويُبني عـــــليه .

مقترحات وتوصيات للمحافظة على التراث الإسلامي : 

  •  توجيه برامج البحوث والدراسات نحو دراسة الجوانب الاجتماعية والتربوية التراثية ، ومحاولة الاستفادة منها في خدمة بعض المشكلات البيئية المعاصرة .

  •  تضمين المناهج الدراسية في التعليم العام والخاص والعالي مفردات عن التراث الإسلامي ، بهدف المحافظة على استمراريته ، كما يجب أن تتبنى الجامعات  ومؤسسات التعليم العالي الحكومية والأهلية  إنشاء دراسات ، وتخصصات في مجال التراث بكل أنواعه ، باعتبار ذلك واجبــاً علميــاً وقومياً وتربوياً .

  • تكوين جمعيات تراثية حكومية وأهلية في المدن ، والعناية بها، وتطوير مفرداتها لتشجيع إيجابيات التراث الإســـــلامي .

  • إنشاء المكتبات السمعية ، والبصرية ، والمقروءة ، والمرئية  الخاصة بــمواد التراث  وتيسير عملية الاستفادة منها .

  • التنسيق بين كــل الذين يعمــلون في مجـــال التراث ، حتى تلتقي الجـــــــهود في إطار هيئــة تخصصية أساسية عامة ترعى شؤونــه بمختلف الوســائل والأســـــاليب .

  • تشجيع الفنانين التشكيلين والأدباء والعلماء والمنظرين وغيرهم على استخدام مفردات التراث بأعمالهم المعاصرة بهدف ربط تجاربهم الذاتية بتجارب المجتمع الماضية وذلك من خلال تقديم رؤى فردية وجماعية متميزة بالأصالة والتجديد.

  • تكوين وحدة علمية لإنشاء المعــايير والمقــــاييس والاختبـــــارات المــــــلائمة لتقويم عناصر التراث الإسلامي من أجل ضمان عدم  تشويهها أو تحريفها . 

  • أن يحرص أولياء الأمور والآباء والمعلمون على ممارسة العادات والتقاليد والأعراف الحميدة المستمدة من التراث الإســـــلامي وتقديم القدوة الحسنة .

الفن والحضارة والثقافة والتراث

      هناك علاقة وثيقة بين مفهوم الفن ، والحضـــــــــــــارة ، والثقافــــــة ، والتراث  ولكي تتضح هــذه العلاقة لابد أن نُلقي الضوء على كلٍ منها :

تعريف الفن :

      لقد انشغل الإنسان عبر العصور بهذا النوع من النشاط الذي أُطلق عليه كلمـــــــة ( فن ) التي شغلت أذهان وأفكار الفلاسفة والمفكرين والعلماء منذ بداية التاريخ الإنساني وحتى الآن ، وتولد عن ذلك دراسات ومباحث إنسانية شتى ، ظهرت بعضها بالصورة الفلسفية البحتة ، وظهرت دراسات أُخرى بالصورة التجريبية من منطلق أن الفن ظاهرة علمية موضوعية قابلة للقياس ، وتطورت الدراسات التي دارت حول الفن ، مثلها مثل الدراسات الإنسانية الأخرى ، كما ارتبطت بالمتغيرات العقلية والفــكرية والنفســـية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لكل مجتمع  ويتضح مفهوم ( الفن ) ممــــــــــــــــــــــا يلي :

      الفن في اللغة كما ورد في القاموس المحيط ومعجم متن اللغة هو : الضرب واللون من الشيء ، والجمع أفنان وفنون .

      وجاء معنى الفن في المعجم الوسيط بأنه : جملة القواعد الخاصة بحرفة أو صنعة

وقيل إن الفن في أصل اللغة هو : الخط واللون ، ومنه التفنين ،  بمعنى : التزين والتزويق

والأفانين بمعنى الفروع والضروب ، والفنـان معناه : الكثير الفنون أو الكثير التزين لأن العرب تقول : فن الشيء : أي زينه .

      ووضحت بعض القواميس العربية المعنى الاصطلاحي للفن على أن كلمـــــــــــــــة ( فن ) في العصر الحديث هي البديل لكلـــــــــمة ( صناعة ) المتعارف عليها في العصر القديم ، فمحتوى كلمة ( فن ) عرفه المسلمون منذ القدم تحت مســــمى ( الصناعة ) حيث كانوا يقولـون : ( صناعة الأدب وصناعة الشعر ) . كما أننا لو رجعنا إلى الأصل الاشـتقاقي لكلمة الفـن (Tecgne باليونانية ) و ( Ars باللاتينية )  لوجدنا أن هذه الكلمة لم تكن تعني سوى النشاط الصناعي النافع بصفة عامة ، فكلمة ( صناعة ) قديماً تشمل : عنصر الـمهارة وعنصر الدقة وعنصر المنفعة ، وكلـــــــــــمة ( فن ) حديثاً تشمل : العناصر المذكورة سابقاً  إضافةً إلى عناصـــــــــــــر الإبــداع  : ( الأصالة  والطلاقة ، والمرونة ، والحداثة ، وحل المشكلات  )  كما تشمل مهارات متنوعة منها : ( المهـارات العقلية والحركية والاجتماعية ) .

      أما الفن في معناه الإجرائي العام : فهو التعبير الجميل المتزن المنظم ، والإنتاج الفكري والمادي الفردي والجماعي ، بكل الصور ، والمضامين البسيطة ، أو شديدة التعقيد التي دونها التاريخ في الماضي والحاضر ، متمثلاً في كـــل أنــــواع الفنــــون المعروفة  مثل الفنـــــون ( الجميلة والتعبيرية والتطبيقية والشعبية والصناعية ) وغيرها.

الفن الإسلامي :

      يعتبر مفهوم الفن الإســــــلامي من أكثر المفاهيم استعمالاً وتداولاً بين كثير من الدارسين والمشتغلين بالفكر الإســــلامي وخاصة في القرن الحالي ، وهذا لا يعني حداثة المفهوم ، فلقد ورد استعماله منذ القدم ، غير أن ذلك كان ضمن إطار دلالي محدود مثل أن يقال : العمارة الإســـــلامية ، الأدب الإســـــــلامي وغير ذلك ، غير أن مفهوم الفن الإســلامي أكثر نقاءً واتساعاً وعمقاً وشموليةً ، فهو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإســــــــــلام للكون والحياة والإنسان .

      كيف تشكل الفن في بداية الإسلام ؟

      إنها مسألة  كثيراً ما تحدث عنها المؤرخون ، وكان رأي الكثير منهم متجهاً إلى

ربط الملامح الأولى للفن الإســــلامي بالفنون التي كانت منتشرة في أرض الإســـلام  فالفن في بداية العهد الإسلامي صنعة سكان أرض الإسلام الذين أمنوا بالإسـلام وأصبحوا من أشد دعاته ومناصريه أو الذين استمروا على دينهم وعاشوا في ظله .

      لقد جاء الإســــــلام ليبين للناس أمور دينهم ودنياهم ، وســـار المســـلمون الأوائــــل على نهجه الصحيح والتزموا به ولم يحيدوا عنه ، وكانت أعمالهم نابعة من إيمانهم برسالته الخالدة فلم يبالغوا في زخرف الحيـــــاة الدنيا، وإنما كانوا أمةً وسطاً .

      لقد فرضت البيئة الصحراوية على ســـــــــــــــــــكانها نوعــاً من الحــــــــــــياة الفطرية البريئة ، ذات المــــواهب والأحاسيس المتميزة البسيطة غير المعقدة في كل ما يشمل جوانب المعيشة سواء كان ذلك في المساكن ، أو الأثاث من الداخل والخارج .

      فقد قــام الصـــناع من أهـــل  البــلاد الإســــلامية بإنتاج فنونهم في العمارة والتصـــوير والنــحت حسب تقاليــــدهم المـــتوارثة التي تجــــــلت في أعمـــــــــالهم الســـــابقة قبـــل الإســـــلام بصرف النــــظر عن الســــــــلطة الحاكمــــــة والدين الشـــائع في بلادهم ، وتأثر هـــؤلاء الصـــــــناع الــمهرة بالإســــلام ، واستــجابوا لتعاليمه  فقدمــــوا فنــــوناً ذات شــــخصية متميزة لهــــا خلفيـــة جمالية وفلسفية أكثر وضوحاً من الخلفيات السابقة ، وخاصةً بعد أن امتـــــدت الدولة الإســـــــلامية إلى بلاد شاسعة في مشارق الأرض ومغاربها ، فأتاحت للمسلمين الفرصة للتعرف على حضارات وعلوم  وفنون جديدة عليهم ، فعكفوا على ترجمتهــــــا وفهمـهــــا ، وكان لهم جهدهم واجتهادهم الذي ميز أعمالهم ، وجعل لهم شخصيـــة عملية وفنية مستقلة في جميع مجالات الفن وتخصصاته ، وخاصةً  الخط العربي ، والعمارة الإسلامية .

      لقد اهتم المسلمون بالكتابة ، وأكبروا القلم ، وقدسوا العلم ، لأن أول آية نزلت

في القرآن هي : " اقرأ باســم ربــك الــذي خـــــلق . خــلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم . الذي عـــــلم بالقــــلم . علم الإنســان ما لم يعلم " سورة العلق آية ( 1-5 ) .

كما أقسم سبحانه بالقلم في قوله " ن . والقلم وما يسـطرون " سورة القلم آية ( 1-2 ) .

      إن الكتابة قديمة قدم التاريخ الإنساني ، والإسـلام اهتم بالكتابة ، ويعد الرسول صلى الله عليه وسلم أول من عمل على تعليم ونشــــر الكتاب ، وكان الخط أول مظهر من مظاهر الفن والجمال الذي اهتم به العرب بعد إســــلامهم ، وظهر ذلك في تجميل  وتجويد الخط العربي وتحريكه ، فقد سما الخط إلى مرتبة عالية لتعامله مع حروف القرآن منذ نزوله ، فتعامل المسلمون مع الخط بقدسية حيث زينوا به المصاحف  وأتحفوا أماكن العبادة باللوحات الخطية ، وبرزت  خطوط عديدة منها النســـخ  والرقعة ، والديواني ، والثلث ، وأحيط الخـــط الكـــــوفي بهالــــة من التعظيم الإكبار.

      لقد حــرك الفنان المســـلم الخطـــوط الجافة ، وأضاف إليها الزخارف حتى غدت لوحات فنية ، واستخدمت الكتابة في قوالب زخرفيه ، فعكست نوعاً من التعبير له خصائصه الممثلة لقيم جمالية مميزة ، كما استخدم الفنان المسلم كل طاقاته عندما كتب الآيات القرآنية على الجدران ، والواجهــــات ، والعقــــــــــود ، والأبواب  والمنابر ليحمل شـكلاً فنيــاً فريـــداً قائمـــاً عــلى أســـس وقواعد جمــالية ونفعيـــــــة .

      أما العمارة الإسلامية فقد تأثرت بالحضارات التي احتكت بها ، والبلاد التي فتحتها ، فتأثرت بالأساليب البيزنطية ، والساسانية ، والإيرانية ، بالإضافة إلى الرصيد الحضاري للحضارة العربية في الجزيرة العربية ، ورغم هذه التأثيرات الناتجة من تعدد المراكز وبعد المواقع نجد الوحدة في الفن الإسلامي ، ويرجع ذلك لـــــوحدة المنبع ( الكتاب والسنة ) وهو الأساس العقائدي والفكري الراسخ للحضارة الإســــلامية .

     وعندما حرم الإسلام الصور والتماثيل استخدم المهندس الإسلامي في العمارة الإسلامية خاصة في المساجد الأعمدة المتنوعة وأدخل فيها الفسيفساء والزخارف النباتية والهندسية والكتابية وحورها ، واهتم بالتصميم المعماري الهندسي  الجمالي الذي يميز العمارة الإســلامية عن غيرها ،  فدخل الإبداع الحر مجال العمارة  الذي يعتبر بصفة عامة كتابـاً مفتوحـاً تُسـجل فيه الشـعوب والأمـــم انجــــازاتها الحضــــارية .

خصائص الفن الإسلامي :

يتميز الفن الإسلامي بما يلي :

1.  أنه يقوم على عقيدة التوحيد وعلى تصور شامل للإنسان والكون والحياة .

2.  أنه يدعو إلى التأمل والتدبر والتفكر في آيات الله .

3.  أنه وسيلة وليس غاية ، فهو وسيلة لعمارة الأرض وتجميلها .

4.  أنه يتسم بالوحدة والتضامن في كل مجالاته .

5.  أنه يشمل ضروريات الحياة وكمالياتها .

6.  أنه يعمل على نمو الجانب الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي للإنسان .

7.  أنه يحث على تجريب كل أساليب التعلم .

8.  أنه يهتم بصناعة الجمال في كل زمان ومكان .

9.  أنه يعمل على سمو المشاعر والأحاسيس .

10. أنه يحث على العمل الإبداعي المتقن الحسن .

11. أنه يجمع بين الخبرة والتفكير والمهارة .

12. أنه يسهم في إيجاد حلول مناسبة لمشاكل الحياة .

13. أنه يعتمد على منهج التصور الإسلامي في بناء مفرداته .

14. أنه يُحل ما أحل الله  ويُحرم ما حرم الله .

وظيفة الفن في الحياة :

للفن وظائف هامة منها :

1.  الفن يحفظ ويصون أنظمة الحضارات وثقافاتها المختلفة .

2.  الفن لغة عالمية للتفاهم والترابط الإنساني .

3.  الفن مرآة صادقة لتجارب الشعوب وآمالها وأحلامها .

4.  الفن وسيلة لتهذيب السلوك الإنساني والارتقاء به حضارياً .

5.  الفن وسيلة لربط الإنسان بقيم مجتمعه الأصيلة .

6.  الفن وسيلة لإدراك مواطن الجمال في الكون وما به من آيات .

7.  الفن وسيلة لتجديد الحياة وإضافة الجديد المبتكر إليها .

8.  الفن يوضح المفاهيم ويكسب المعلومات والخبرات .

9.  الفن سفير متنقل ينقل للعالم صدق وأصالة وتراث الإنسان .  

10. الفن يحقق الانتمــــاء للبيئــة والحضـــارة والثقـافة والتراث .

      ولما كان التراث هو ما يرثه الأبناء من الآباء والأجداد ، وهو في معظمه  حصيلة التجارب الابتكارية الناضجة التي أبدعها الجنس البشري عبر العصور ، فلابد للفنان الأصيل صانع الفن أن يتعرف على تراث أجداده ، ويقوم بدراسة وتحليل المفردات  والعناصر الغنية فيه ، ويستلهم من التراث عناصر فنية خاصة به ، ويضيف إليه ابتكاراته الفنية بما يواكب طبيعة عصره ، ويبتعد عن التكرار ، والتقليد الســـاذج الذي يؤدي إلى رؤية فنية مكررة للماضي دون أي تجديد أو معـــــــاصرة .

تعريف الحضارة :

      الحضارة في اللغة تعني عكس البداوة ، وهي مرحلة من مراحل التطور الإنساني  وتدل على نوع خاص من الحياة المستقرة الراقية .

وقد تحدد معناهــــــــا في الاصطلاح بأنها ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة .

      والحضارة في معناها العام : هي منتج إنساني فكري ومادي لعدة قرون من الزمان في شتى ضروب الحياة ، وقد ذكرت الموسوعة العربية العالمية في مجلدها التاسع  إن الحضارة طريقة للحياة نشأت بعد أن بدأ الناس يعيشون في مدن أو مجتمعات نُظمت في شكل دول ، والحضارة تشمل الفن والعادات والتقنية وشكل السلطة وأي شيء آخر يدخل في طريقة حياة المجتمع .

      وعلى مدار التاريخ لمعت حضارات ونهضت ثم انهارت واختفت ، ولكن السمات الأساسية لها لم تختفِ والســـبب في ذلك هو أن الأفكار والاختراعــــــــــات   والمكتشفات العلمية والفنية تنتشر وتنتقل من حضارة إلى أُخرى ، ويذهب معظم علماء الآثار القديمة إلى أن ظهور الحضارات يرجع إلى مجموعة من الأسباب تشمل البناء السياسي والاجتماعي للحياة والطريقة التي يكيف بها الأفراد البيئة المحيطة بهم  كما يعتقد كثير من العلماء أن سوء استخدام الأرض والمصادر الطبيعية الأخرى هي التي أسفرت عن الانهيار الاجتماعي والاقتصـادي والسياسي للحضارات القديمة       كما أن هناك حضارات ورد ذكرها بالتفصيل في القرآن الكريم انهارت بسبب انحرافهـــــــا العقـــائدي الفكري مثل حضارة قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة.   

الحضارة العربية :

      ذكرت الموسوعة العربية العالمية في مجلدها التاسع : بأنه قد ورد ذكر العرب عند

 مؤرخي الحضارة قبل منتصف القرن الرابع ق . م . بكثير ، حيث تعود الحضارة العربية في التاريخ القديم إلى سنوات ما قبل الإسلام ، فالأرض العربية تشكل جزءاً من حوض البحر الأبيض المتوسط ، بقيت مدة طويلة تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية ومركزها روما – وهي عاصمة ايطاليا حالياً -  وفي القرن الرابع حلت محل روما في حكم تلك المنطقة الإمبراطورية البيزنطية ومركزها القسطنطينية - وهي اسطنبول  عاصمة تركيا حالياً - فيما كانت الدولة الساسانية والفارسية - وهي إيران حالياً -  تحكم الجزء الشرقي الممتد من العراق إلى إيران إلى أسيا الوسطى ، وكانت اليمن في ذلك الحين هي طريق القوافل السيارة والمتنقلة في هذه المنطقة ، وهذا مما أغرى الكثيرين من السكان بالسكن فيها أو حولها أو على الطرق المؤدية إليها ، فمن اليمن أخذت الموجة السكنية تنمو وتمتد لسائر شبه الجزيرة العربية .

      وعند اندلاع الحروب الطاحنة بين البيزنطيين والساسانين –  أي تركيا وإيران -  أخذ السكان ينزحون من شمالي شبه الجزيرة العربية ووسطها إلى المنطقة التي سماهـــا ( ابن بطوطة ) في كتاباته ( الهلال الخصيب ) مما أدى إلى تفاعل سكاني كبير.

      من هذا التفاعل الحضاري غنمت الحجاز حصة كبرى  بفضل موقعها واحتوائها على الواحـات التي كانت محط أنظار السكان في ذلك الزمــان الذي يعتبر عصراً باهراً شهد تطوراً عظيماً في الاستقرار المدني وإرساء معالم حضارية  عبر الجزيرة العربية .

      غير أن فجر الحضارة العربية الحقيقي لم يظهر إلا مع الدعوة الإسلامية عام 622م   لأن النبي عليه الصلاة والسلام  أسس قواعد دولة حضارية متينة وراسخة  مستمدة من روح القرآن الــكريم ومن تعــاليمه التي شمــلت الـــدين والدنيـــا معاً ، ولـهذا قيل :

( إن الإسلام جاء قوة جديدة في عالم قديم ) ومع الدعوة الجديدة ، والفتح الإسلامي اتجه الناس نحو الانتظام في قوانين مدنية نظمها القرآن الكريم ، فبدأ العرب ينضمون تحت لواء الإسلام ، وأخذوا يُنظمون  ويُشكلون هيكل الدولة الإسلامية التي بدأت منذ انطلاق النبي محـــمد عليه الصلاة والسلام من مكة وهجرته إلى المدينــــة .

      إذاً فالحضارة الإسلامية هي نتاج لتفاعل ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام

إما إيمانا ًواعتقاداً ، أو انتماءً وولاءً وانتساباً ، فهي خلاصة لدمج هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمة في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية  وانصهارها مع الأسس والقواعد والمبادئ والقيم والمثل التي جاء بها الإسلام للعالمين .

تعريف الثقافة :

      الثقافة في اللغة : هي أصل مادة التثقيف في اللغـــــــــة العربيـــــــــة ، وهي تفيد التـــهذيب والتـــــقويم والحــــذق والفطنــــــــة ، فقـــــد ذكر ابن منظور في لســــان العرب أن معنى ثَقَفَ : جدد وسوى ويرتبط التثقيف بالحذق وســــــــــــرعة التعلم ، كما عَرف المعجم الوسيط الثقافة بأنها : المعارف والعلوم والفنون التي يُطلب فيها الحذق .

      الثقافة في الاصطلاح  : هي المعرفة التي تُؤخذ عن طريق الأخبار والتلقي والاستنباط ، وذكرت الموسوعة العربية العالمية في مجلدها الثامن : أن الثقافة مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للإشارة إلى طريقة الحياة الكلية للشعوب ، وهي تشمل كل منجزات الشعوب من الأفكار والأشياء وطرق العمل ، فالثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يحتوي على كل الديانات والمعتقدات والتقاليد والأعراف والأخلاق والقوانين  والاختراعات واللغة والفنون والتقنية التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع .

      ومصطلح ( الثقافـــــــة ) قريب في المعنى من مصطلح ( الحضـــارة ) لوجود التشابه الكبير بين محتوى كلٍ منهما، كما يُعتبر الفن العــــامل المشـــــــترك الأعظم لهما 0

الثقافة الإسلامية : 

      إنها ثقافة متميزة المعــــالم والاتجاهات ، فهي ذلك الــكل الشامل للمعارف الشرعية والعلمية والفلسفية والأدبيــة واللغويــة والفنيـــة التي ظهرت في الأقطار الإسلامية ، واختــلطت بالثقافات الإنسانيــــة الأخرى وتفاعلت معهــــــا تأثرا ًوتأثيراً عـلى مدى تاريخها الطويل .

      إن لمعظم المجتمعات سماتها الثقافية الخاصة التي تلائم ظروفها وحاجاتها وتؤمن بقاءها واستــــــــمرارها ، وتختـــلف الثقافــــات في عمومـــياتها وخصوصياتها وبدائلها من منطقة لأخرى من منــــــــــــاطق العـــــالم ، وتعد البيئة من أكثر العوامل المؤثرة فيهــا .

      وتتغير الثقافات بصفة مستمرة ، وقد يكون معدل التغير سريعاً أو بطيئاً ، ولأن

الثقافة تتكون من عدة أجزاء مترابطة ، فإن أي تغير يحدث في جزء لابد أن يؤثر على

الأجزاء الأخرى ، وهنــــاك بعض العوامل التي قد يرجع لها تغير الثقافة أهمها :

1.التغيرات التي تحدث في البيئة .

2.الاحتكاك بالثقافات الأخرى .

3.الاكتشــــافات والاختراعات .

4.التطورات التي تحدث في داخل الثقافة نفسها .

      وقد تزايد معدل التغير الثقافي بشكل سريع منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، وحدثت هــــــذه الزيــــادة بالــــــدرجة الأولى نتيجــــــــة لكثير من مــــــــظاهر التقدم في العـــــلم والتــقنية ، كما أصبح التبـــــادل الثقافي أكثـــــر انتشاراً وسرعة  فوسائل الإعلام والنقل والاتصالات له دوراً هاماً في سرعة هذا الانتشار .

      فعندما ينقل التراث السمات الحضارية أو الثقافية لمجتمع معين من جيل إلى جيل عن طريق التعلم والتعليم ، يسمى بالتراث الحضاري أو الثقافي أو الاجتماعي ، وهو تركة الأجيال الماضية من حضارة مادية ومعنوية تتناقلها الأفراد في المجتمع الذين هم أعضاء فيه وهذه السمات الحضارية هي كل شيء بالنسبة للأفراد ولولاها لما استطاع المجتمع أن ينمو ويتطور ويتقدم ، فالتراث الحضـــاري عنصر مهم من عنـــــــــــاصر التطور

والإنسان المعاصر مدين للأجيال السابقة التي أورثته كل هذه النماذج التي لها الفضل الكبير في بلورة شخصيته الحضارية وتكاملها كما نراها اليوم  في  كل المجالات .

      ويشكل التراث تراكماً حضارياً ، وثقافيا ًعبر الأجيال ، فالتراث الحضاري والثقافي ظاهرة إنسانية عامة لكل المجتمعات والأمم ، ولكل أمة أو مجتمع تراثه الثقافي والحضاري من جهة ، ومن جهة أخرى هناك تراث إنساني عام تشترك فيه كل الأمم  والمجتمعات ، وتاريخياً تختلف المجتمعات الإنسانية في إرثها الحضاري من حيث العمق والسطحية والضخامة والضآلة  .

أقوال بعض المفكرين الغربيين في وصف التراث الإسلامي:

  •  قال جورج سارتون : ( لا يمــكن التعرف إلى رقي العـــــــــلوم ، وتقـــدم العمران في القرون الوســـــــــطى من غير العودة لتدارس الكتب الإسلامية ) . 

  •  قال غوستاف لوبون : (عندما ندرس أعمال المســــــــــــلمين العلمية واكتشافاتهم نرى أنه ليس من شعب استطاع مجاراتهم بنفس الوقت القصير وبنفس الوفرة الهائلة  وعندمــــــــا نمتحن فنهم ندرك أنه يملك أصالة لا سابق لها ) . 

  •  قال كاجــــــوري : ( إن العقــل ليدهــش حين يرى ما عـــمله المســـــــــــــــــــلمون في عـــــــلم الجــــــــبر والكيمياء والفيزيـــــــاء والأحيــــاء والرياضيـــــات والهندسة والفــــــــــلك والطب وعلوم البحار ) .

  • قال أرنولد توينبي : ( إن ابن خلدون في المقدمة التي كتبها لتاريخه العام قد أدرك  وتصور ، وأنشأ فلسفة التاريخ ، وهي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلفه في أي زمان ومكان ) . 

  • ·  قال كارادوفود : ( إن الميراث الذي خلفه اليونان لم يحسن الرومان العناية به ، أما المسلمون فقد أتقنوه ، وعملوا على إصلاحه وتحسينه ، وإنمائه إلى أن سلموه إلى العصور الحديثة ) .

  •  قال نالينو : ( توصل المسلمون إلى معرفة كل القواعد المختصة بالمثلثات الكروية القائمة الزاوية   المستعملة لحل مسائل علم الهيئة الكروية ، لقد وجدتها في النسخة الخطية الموجودة بقلم أحمد بن عبد الله ،  المحفوظة في مكتبة برلين ) .

الجنادرية المهرجان الوطني للتراث والثقافة : 

      الجنادرية اسم لروضة تقع في الشمال من مدينة الرياض ، وهي روضة  منقسمة إلى عدة أقسام منها الروضة الشمالية ، والوسطى ، والجنوبية ، وكانت قديماً تسمى

روضة سويس ، وقد ذكرها مجموعة من المؤلفين الذين كتبوا عن المنازل والديار في

اليمامة ، وتتميز بأنها مصب لعدة أودية ، وهي منتزه عام لسكان مدينة الرياض .

      قبل سنوات عديدة اتخذت قيادة الحرس الوطني بالمملكة العربية السعودية قراراً غنياً بدلالاته الحضارية مؤكداً به انتساب المملكة العربية السعودية إلى عالم اليوم بنشاطاته المشتركة ، مع الإصرار على الاحتفاظ باحترامها لجذورها التاريخية والاجتماعية  مسجلة موقف الاعتزاز بتفرد هويتها الذاتية كمجتمع أصيل ، وكان القرار الرائد أن ترعى المؤسسة احتفالاً سنوياً يحتفي بمنجزات المملكة في المــــــــاضي والحاضر تسـتعيد فيه أمجاد الماضي ، وتتناول اهتمامات الحاضر بالدراسة والحوار .

      وقد وضح بيان ( الجنادرية ) المهرجان الوطني للتراث والثقافة الأول الأهداف التي يسعى إليها هذا النشاط الكبير بما يلي :

1. الكشف الدائم عن أوجه العلاقة المتجددة بين الموروث وبين مجالات الإبداع لترسيخها ، وتوضيح أهدافها ، وأبعادها .

2. الاستفادة من العناصر الغنية في الموروث الشعبي وتوظيفها في أعمال رائدة  وأصيلة في كل مجالات العلوم والفنون المختلفة .

3.  الاهتمام بالموروث الشعبي العربي ورعايته وصقله وحفظه من الضياع والإهمال.

4. صقل قيم الموروث الثقافي والحضاري للمجتمع العربي في رموز واضحة المعالم تظهر نقاء الجوانب الروحية والوجدانية لها .

5. تفعيل قيم العقيدة الإسلامية وإظهار قيم اللغة العربية في نشاط الجنادرية المتنوع  الذي يساعد على فهم هوية المملكة العربية السعودية .

      وعندما أخذ الحرس الوطني على عاتقه مسؤولية رعاية مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة لم يكن بإمكان أي حالم أن يتصور النجاحات التي حققها المهرجان في احتفالاته عاماً بعد عام ، وكان من الصعب تصور أن تولي مؤسسة ذات طابع عسكري اهتماماتها بالجانب الفكري والجمالي والعاطفي في محيطها الأكبر ، وتحتضن ذلك الجانب المغاير ، وترعاه لتثبت فعلاً أن جوانب الحياة متداخلة ، وأن مشروع البناء المتكامل هو الذي يأخذ هذه الحقيقة الجذرية بعين الاعتبار عند البدء في مشـــــــــروعات التنمية الشاملة بمنطلق فكري يضمن النجاح والنمو المستمر .

      إن مهرجان الجنادرية مثال مميز لهذا المنطلق ، فقد أصبح هذا الحفل السنوي بكل جوانبه معلماً متميزاً من معالم النشاط الثقافي في المملكة العربية السعودية ، ينتظره كثير من أفراد المجتمع بشوق ، ويسعد بالدعوة لحضوره والمشاركة فيه مئات المدعوين من الوطن العربي وخارجه .

      ويشمل نشاط المهرجان الذي يمتد على مدى أسبوعين الجانبين الرئيسين المعلنين

في مسمى المهرجان ( التراث والثقافة ) أما التراث فيتجلى في موقع المهرجان في الجنادرية قرب العاصمة الرياض حيث تستعاد خلال أيام المهرجان النشاطات المتنوعة أبرزها مسابقة الإبل ، والنشاطات الحرفية حية بصورتها التقليدية كالنجارة والحدادة والخياطة والخبازة وصناعة الحلوى والمشالح وغيرها من المهارات الحرفية التقليدية  وكذلك النشاطات المعيشية الأخرى  كالزراعة والصيد والغوص وحوانيت التجارة في الأسواق ، بالإضافة إلى تجسيم وتمثيل للاحتفــــالات العائليـــــة والاجتماعية  وعروض متنوعة وإقامة نماذج للفنون والأنماط المعمارية والسكنيــة التي تسود مناطق المملكة .

      إن أهـــــــــم ما يقدمه المهرجـــــــان لزواره من الضيوف الكبار وصغار السن إتاحة الفرصـــــة لمعايشة تفاصيل وجماليات نكاد تختفي ونفتقدها في حياتنا اليومية .

      وهناك أيضاً تلك المتع الحسية التي يشعر بها الزائر كتوفير فرصة تذوق المأكولات والأطباق الشعبية المختلفة التي تتميز بها كل منطقة ، ومشاهدة الحرفيين يعملون على الطبيعة ، ومنح فرصة شراء التحف  والمعروضات التراثية من المصنوعات الخاصة بكل منطقة على حدة كالمشغولات الفضية والخناجر والسيوف من عسير ، وعطر الورد الشهير من الطائف ، والصناديق ، والخزف من المنطقة الشـرقية ، وتعرض مناطق عسير والمدينة المنورة والقصيم في المهرجان المباني القديمة والحواري وهي تقوم بنشاطاتهــا الاجتماعية المتنوعــة واحتفالاتـــها كمـــــا كـــانت قبل تمدن هذه المناطق .

      أما جانب النشـاط الثقافي للمهرجــان فيتمثل في برنــــامج الندوات والمحاضرات التي يُدعى للمشاركة فيها كبار المفكرين والمثقفين عربيا ًوعالمياً إلى جانب مئـــــــات من المهتمين السعوديين والأجانب ، كما يشمل النشاط الثـــــقافي أيضاً تكريم شخصيات

أدبية وفكرية وعلمية وفنية رائدة ومتميزة  في كل المجالات بالمملكة العربية السـعودية .

      لقد قدم مهرجان الجنادرية على مدى أعوام طوال فعاليات متطورة من الخبرات الناضجة ، وقد أكد على الجودة العالية في التنفيذ والإخراج والعمق في طرح الأفكار  والتميز في تنظيم الخدمات الإداريــة والإعلاميـــة سواء للضيوف المــــــــدعوين رسمياً من كبار الزوار والمفكرين والمثقفين من داخل المملكة وخارجها ، أو لسائر زوار المعرض الحاضــــرين برغبـــة شخصية للتواصــــــل مع التراث ، لقد أصبح هذا المهرجان الوطني الثقافي الكبير مفخرة حضارية للممــــلكة العربيـــــــــة الســــــعودية .

مراجع الفصل الأول

1.  أحمد رفقي علي ، التذوق والنقد الفني ، المفردات ، الرياض ، 1419هـ.

2.  ثريا العريض ، مهرجان الجنادرية ، مجلة القافلة 2001م.

www.janadria.ory/histary.

3. حسن الششتاوي و مجدي موسى ، الأسس التشكيلية للتصميم في البعدين وثلاثة الأبعاد للسطوح والأجسام ، جامعة الملك سعود ، الرياض ، 1988م .

4. حسن الو راكلي ، التراث ووحدة الهوية ، مجلة الفيصل ، مجلة شهرية ، العدد 223 .

5.  خالد محمد السالم ، الجنادرية ماضٍ وحاضر ، مطابع الأيوبي ، الرياض ،1419هـ

6. عبد الهادي بوطالب ، المحافظة على التراث الإسلامي ، مجلة المنهل ، مجلة شهرية للآداب والعلوم والثقافة ، العدد 454 .

7.  عبلة حنفي سيكولوجية الفن ، جامعة حلوان ، القاهرة ، 2000م .

8. محمد سيف ياسين ، توظيف التراث في التربيـــة الحديثـــــة ، مجلــــة الفيصل مجلة ثقافية شهرية ، العدد 210 ، 1994م.

9. محمد عابد الجابري ، التراث والحداثــــــة دراســـــات ومناقشات ، المركز الثقافي العربي ، ب.ت . 

10. محمد قطب ، منهج الفن الإسلامي ، دار الشروق ، ب.ت .

11. محمود السيد ، عصرنة التراث 

 www.Acatup.htmlplanet.comarabizatison-j/accessories/jour-7.htm . 

12. مصطفى عبده ، المدخل إلى فلسفة الجمال ، محاور نقدية وتحليلية وتأصيلية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 1999م .

13. مفكرون غربيون وصفوا التراث الإسلامي 

 www.balagh.com/mosoa/garb/3iopipvi.htm

14.  يوسف خليفة غراب ، المدخل للتذوق والنقـــــــد الفني ، دار أســـــــامة للنشر  الرياض ، 2001م .

15. صالح أحمد الشامي ، الفن الإسلامي التزام وإبداع ، دار القلم ، دمشق 1990م .

16.  الموسوعة العربية العالمية ، المجلد الثامن والتاسع ، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع ، 1996م . 

 



الفصل الثاني

البيــــــــــــــــــــــئة

r     تعريف البيئــــة

r     علم البيئة

r     الاتزان والنظام البيئي

r     مكونات النظام البيئي

r     مكونات البيئة الطبيعية والاجتماعية

r     التنشئة الاجتماعية

r     الأسرة والتنشئة الاجتماعية

r     المدرسة والتنشئة الاجتماعية

r     التلوث البيئي

r     مفهوم الملوثات

r     تقييم المردود البيئي وصناعة القرار / الأهداف / الأبعاد  

r      أسس وضوابط  تقييم المردود البيئي وآليات تنفيذه  

r     مراجع الفصل الثاني

 


 

البيــــــــــــــــــــــئة

تعريف البيئــــة :

      البيئة في اللغـــــة : بمعناها الواسع تعني الموضع الذي يرجع إليه الإنسان فيتخذ فيه منزله وعيشه ، فيقال : تبوأ فلان بيتاً ، أي اتخذ منزلاً .

      البيئة في الاصطلاح  : لا يختلف المعنى اللغوي للبيئة عن الاصطلاحي إلا بالتفاصيل المتعلقة بمكونات البيئة وعناصرها ، فالبيئة إطار يحيا فيه الإنســان  ويحصل منه على مقومات حياته ، ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني البشر  ويتكون هذا المعنى للبيئة من شقين : الأول طبيعي ، والثاني مشيد ( صناعي )  حيث يتألف الشق الطبيعي من الأرض وما عليها وما حولها من الماء والهواء والمخلوقات ، أما المشيد فهو منجزات الإنسان منذ بدء الخليقة على هذه الأرض

وفيما يلي يمكن توضيح المعنى الاصطلاحي للبيئة بإحـــــــــدى الصورتين التاليتين :

الصورة الأولى :  ترى أن البيئــــة تتكون من ثلاث منظومات أو محيطات وهـي :

( المحيط الحيــوي ، والمحيط المصنوع ، والمحيط الاجتماعي ) وترتبط المنظومات الثلاث فيما بينها بعلاقــات قويــة متمــاسكة ارتــدادية أخذاً وعطاءً وهــي كما يلي :

1. المحيط الحيوي : يتمثل في بيئة الحياة الطبيعية ، أو الفطرية التي أوجد الله فيها الإنســان وكل الكائنــــات الحية وغير الحية .

2. المحيط المصنوع : يتألف من كافة ما أنشأه الإنسان في البيئة الطبيعية  باستخدام مكوناتها من مستوطنات بشرية ومراكز صناعية ومشاريع  إنشائية  وغير ذلك .

3. المحيط الاجتماعي : هو المنظومة التي تدير في إطارها الجماعة البشرية شئون حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

الصورة الثانية :  ترى أن البيئــــــــة تتــــــــكون من أربعــــــة مكونات أساسية :

1. الطبيعة : وتمثل الأرض وما بداخلها وما عليها وما حولها من المـــاء والهواء  وما ينمو عليها من النباتات ، وما يعيش فيها من الحيوانات المختلفة الأطوار والأشــــكال ، وتشمل الطبيعة الــــموارد المتاحة للإنســــــــــــــــان للحصول على احتياجـــــاته الأســـاسية من غذاء وكـساء ودواء ومــأوى ومواد للصناعة والتجارة والإنشـــاء وغيرها من الاحتياجات العامة والخاصة للفـــــــرد والمجتمع .

2. السكان : وهو المـــكون الفاعل والمــــؤثر والمـــغير في الشـــــق الطبيعي للبيئة .

3. التنظيم الاجتماعي : ويتمثل في الأنشطة التي يمارسها السكان في عـــــــلاقاتهم مع الوسـط الاجتماعي المحيط بهم والذي يحتوي على أوجه حياتهم ومعيشتهم .  

4. التكنولوجيا : وتمثل مختلف أنواع التقنيات التي استحدثها الإنسان ، والتي مكنته من استثمار موارد البيئة لتلبية حاجاته .

      وتُعرف البيئة إجرائياً : بأنها  المؤثرات والإمكانيات والقوى المحيطة بالفرد ، التي يمكن أن تؤثر على جهوده للحصول على الاستقرار النفسي والاجتماعي ، كما أنها تشمل الأشياء التي تحيط بالكائن الحي لينمو فيها ، فهي تشمل كل الجوانب المادية وغير المادية ، البشرية منها وغير البشرية ، فالبيئة تعني كل ما هو خارج عن كيان الإنسان من كائنات حية وغير حية ، كمــــــا أنها تعني ذلك الحــــــــــــيز الذي يمارس فيه الإنسان مختلف أنشطة حياته ويسجل فيه مجموع  نتائج أعماله وصور حضارته .

علم البيئة :

      هو العلم الذي يهتم بدراسة التفاعل المستمر بين الحياة والبيئة ، ويتناول تطبيق معلومات في مجالات معرفية مختلفة لمحاولة السيطرة على البيئة ، ويعنى بوقاية المجتمعات من التأثيرات الضارة ، كما يهتم بالحفاظ على البيئة محلياً وعــــالمياً من الأنشطة البشرية ذات التأثير الضار ، ويعمل على تحسين نوعية البيئة لتناسب حياة الإنسان .

الاتزان والنظام البيئي :

      يُعد الاتزان البيئي ســــر استمـرار قدرة البيئة الطبيعية والمشيدة على إعالة الحياة على ســـــطح الأرض دون مخـــــــاطر أو مشكلات تمس الحيـــــاة البشــــــرية .

      أما النظام البيئي : فهو نظام معين تتفاعل فيه مواد ومحتويات أي منطقة طبيعية ومشيدة من كائنات حية وموارد غير حية تساعد على الاستقرار البيئي  للمنطقة .

مكونات النظام البيئي :

     يتكون النظام البيئي من ثلاثة عناصر رئيسة هي :

1. عناصر الإنتاج : تتكون عناصر الإنتاج من النباتات  بكل أنواعها من الطحالب الخضراء إلى الأشجار الضخمة المختلفة ، ولهذه النباتات القدرة على إنتاج غذائها بنفسها ، فهي تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتمتص الـماء من التربة  وتصنع منهما معاً في وجود مادة الكلوروفيل وأشعة الشمس جميع المركبات العضوية التي تحتاجها وتبني منها أجسامها مثل المواد الكربوهيدراتية والدهون والبروتينات  وتعطي هذه الخاصية النباتات نوعاً من الاستقلال عن كل ما حولها من كائنات .

2. عناصر الاستهلاك : تتكون من الكائنات الحية ( الإنسان والحيوان ) بأنواعها

المختلفة ، سواء التي تستطيع أن تعد غذائها بنفسها ، أو التي لا تستطيع أن تعد غذائها بنفسها ، ولكنها تعتمد على غيرها في إعداد الغذاء ، وعناصر الاستهلاك درجات ، فيتغذى الأولي منها على النباتات والأعشاب ، ويتغذى الثانوي منها وهو آكلات اللحوم على غيره من الحيوانات ، أما الثالث منها فهو الذي يتغذى على اللحوم والنباتات في نفس الوقت ، وفي كل الحالات هناك استهلاك لما تنتجه عناصر الإنتاج .

3. عناصر التحلل : تشمل كل ما يتسبب في تحلل أو تلف مكونات البيئة الطبيعية المحيطة بها ، ومن أمثلة هذه العناصر البكتيريا والفطريات وبعض أنواع الحشــرات التي تشــترك في تحليل أجســام النباتات والحيوانات الميتة ، وتساعد عناصر التحلل على إعادة جزء من المادة إلى التربة لتستفيد منها عناصر الإنتاج  وتستخدمها مرة أخرى في تكوين الغذاء ، وبذلك تتكرر دورة الحياة مرة أخرى .

      والبيئة التي تحيط بنا مليئة بدورات حيـــاة عديدة ومتنوعة تعرفنا على كثير منها في المراحل السابقة من التعليم .

أين توجد الأنظمة البيئية المتوازنة ؟

      توجد الأنظـــمة البيئية المتوازنة في كل مــكان في البحــــيرات والصحــــاري والجبــــــال والســـــهول والغابـــــــــــــات والبحــــــــــــــار ، فكل منها يمثل بيئة منفصلة قائمة بذاتها تعيش مكوناتها معاً في توازن تام ، وإذا تغيرت الظروف المحيطة بإحدى هذه البيئات أدى إلى حدوث تغير ما في الشكل العام لهذه البيئة التي تحتوي على عدد متنوع من الكائنات التي تســــــــتطيع عادةً أن تقـــــاوم مثل هذه التغيرات في حدود معينة ، فلو أن أحد عناصـــــــر هذه البيئة ضعف  أو أصـــــــــــابه اضمحلال نتيجة ظروف طــــــارئة فــــــــإن الأنواع الأخــــرى أو العنـــــاصر الأخــــــرى الموجــــــودة في هذه البيئة ستستمر في مهمتهـــا المحددة  وتعمــــــل على تعويض هذا النقص الطارئ .

مكونات البيئة:    تتكون البيئة من :

  • البيئة الطبيعية وتشمل جميع العوامل البيئية الطبيعية .

  • البيئة الاجتماعية والثقافية وتشمل جميع العوامل البيئية الاجتماعية والثقافية .

أولاً : العوامل البيئية الطبيعية :   أهــم العوامل البيئية الطبيعية  :

1. الجـــو : الجو البارد والمعتدل والحار من العوامل البيئية الطبيعية التي أدت إلى إيجاد الأجناس البشرية  الأبيض  والأسود والأصــفر  وبمرور الزمن ثبتت هذه الصفات في الأجناس وأصبحت تنتقل من الأصول إلى الفروع عن طريق الوراثة .

2. طبيعة الأرض  وسطحها  وتضاريسها  وموادها  الأولية : طبيعة الأرض من مـاء ويابسة وسطحها وتضاريسها الجبلية والصحراوية والزراعية والساحلية من العوامــل البيئيـــة الطبيعيــــة التي تحدد نوع الإنتاج للسكان ، ففي مناطق المناجم والبترول يصرف الناس جهودهم نحو الصناعات ، وفي مناطق المـــــــروج والســـــــهول والوديــــــــــــــان يفضلون رعي الأنعــــام ، وفي المناطق الخصبة يقومون بالزراعة وهكذا .

      والمقصود بالمواد الأولية فهو : كل ما يشتمل عليه  ظاهر وباطن الأرض من   كائنات حية ومواد صلبة وسائلة وغازية ، وعلى هذه المواد الظاهرة والباطنة تتوقف حياة الإنسان ومظاهر إنتاجه .

3. موقع المنطقة الجغرافي بين بحار ومناطق العالم : يعد موقع المنطقة الجغرافي من العوامل البيئية الطبيعية التي تكسبها أهمية إستراتيجية بين بحار ومناطق العالم ، كما أن حجــم وشكل المنطقة الطبيعي له أثر في الإنتاج والتجارة ونوع النشاط ، فكثرة الفجوات والخلجان في السواحل ، وكثرة الأنهار تتيح إنشاء موانئ صالحة للملاحة مما ييسر لها سبل الحركة والنقل والمواصلات والبلاد التي تفتقد بعض هذه المزايا الطبيعية تفتقد أيضاً التقدم في هذا المجال .

ثانياً : العوامل البيئية الاجتماعية :

      ُيقصد بالبيئة الاجتماعية : كل العوامل الاجتماعية والنظم التي تؤثر في الفرد من منزل ، ومدرسة ، وحارة ومهنة ، ومعتقدات ، وشعائر دينية ، وأفــكار ، وأعراف  وعلم ، وأخلاق ، ولغة ، وأدب ، وفن .

      فالبيئة الاجتماعية هي التي لها الأثر الأكبر في تربية النشء ، ويقصد بها العوامل التي تؤثر في اتجاهات الطفل وميوله كالمنزل الذي يعيش فيه ، والمدرسة التي يتعلم فيها  والملعب الذي يلعب فيه ، والمجتمع الذي ينتمي إليه ، فالبيئة التي يعيش فيها الإنسان تشجعه على أن يتبنى أفكاراً واعتقادات معينة ويترك أو يستهجن أُخرى ، فهي الطريقة التي يسير عليها في آدابه ومعاملاته مع غيره ومحادثاته وعمله ونظامه ، وتشمل  كل مــاله عـلاقة بالإنسان وميوله وعواطفه وعقله وتفكيره وكل نشاطاته في الحياة .

      وللبيئة الاجتماعية أشكال وصور عديدة يمكن تقسيمها إلى نوعين من المظاهر :

1. مظاهر اجتماعية مؤثرة بذاتها : ويشمل مظاهر كثيرة تمثلها النظم الاجتماعية والنظم الاقتصادية والنظم السياسية والنظم القضائية وغيرها.. وهذه النظم تختلف من مجتمع إلى آخر ، كما تختلف في المجتمع الواحد باختلاف العصور ، فلكل مجتمع نظمه الخاصة التي تميزه عن غيره من المجتمعات ، وقد ظهر لدراسة هذه النظم علم خاص يعد اليوم عماد العلوم الإنسانية ، هو علم الاجتماع ، الذي ينقسم إلى عدة فروع  كل فرع يسمى باسـم النظم التي يعالجها ويقوم عليها مثل عـلم الاجتماع الاقتصادي ، وعــلم الاجتماع السياسي  وغيره .

2.   مظاهر اجتماعية مؤثرة بمقدار الاتصال بها : ويشمل مظاهر كثيرة منها الإذاعة ، والتلفاز ، والمجلات ، والمحاضرات العامة ، ودور العبادة  وساحات الألعاب ، والنوادي ، وميادين الســـباق ، والمتاحف ، والمعارض  والحدائق العامة ، والمنشآت الصناعية والتجارية والمصرفية وغيرها ، وهذه المظاهر تُؤثر على الفرد إيجاباً وسلباً بمقدار صحة  الاستخدام والاتصال بـــــها.

التنشئة الاجتماعية

      التنشئة الاجتماعية : هي عملية تفاعل اجتماعي تحدث داخل البيئة الطبيعية والاجتماعية يكتسب فيها الفرد هوية الشخصية الاجتماعية المتزنة والمتكاملة .

      وتهدف عملية التنشئة الاجتماعية أن يكتســـب الفرد تراث وثقافة مجتمعه من

دين ، ولغة ، وعادات ، وتقاليد، وطرق تفكير ، وأنماط سلوك ، وحكم على الأمور   في ظل خصوصية المجتمع الذي يعيش فيه ، فيصبح منتجاً لثقافة مجتمعه بعد أن كان مستقبلاً لها وعاملاً على بقاء واستمرار وتطوير تراثه وثقافته من جيل إلى جيل آخر.

      كمـــــــا تتضـــــــمن التنشئة الاجتماعيـــــة بعض العمليـــــات التربــويـــــة الهامــــة التي تختلف في بساطتها وتعقيدها تبعاً لبساطة المجتمع وتعقيده وهي كما يلي :

1. التدريبات الأســاسية الهامة لضبط السلوك العام وأساليب إشباع الحاجات ، فعن

طريق التنشئة الاجتماعية في الأسرة يكتسب الطفل السلوكيات المرتبطة بأساليب إشباع رغباته وحاجاته والقدرة على توقع استجابات الغير نحو سلوكه واتجاهاته وفق آداب ســلوكية معينة ، فعندما تتسع دائرة التعامل وتتعدى نطاقها البيولوجي إلى نطاقها النفســـي والاجتماعي بانتقال الطفل إلى المدرسة وجماعاتها المتباينة يكتسب مصطلحات سلوكية جديدة ، فهو يتعلم الأساليب الخاصة بإشباع حاجاته للحب والانتمــاء الاجتماعي والأمن النفسي والحنان والتعاطف والتقدير وتقدير رأي الآخرين وتأثر الفرد بهذا كله يختلف باختلاف تأثير البيئات الاجتماعية التي يعيش  بها .

2. اكتساب المعايير الاجتماعية التي تحكم السلوك وتوجهه وتقومه ، وهذه المعاير ليست فطرية بل تكتسب نتيجة اشتراك الفرد في نشاط المجتمع ، وتنبثق من أهداف المجتمع وقيمه ونظامه الثقافي ، ولكي يصل المجتمع إلى غايته فإنه يقوم بغرس قيمه واتجاهاتــــه في الأفراد بوضع المعايير الاجتماعيـــــــــــة التي تســـــاعد الفرد على اختيار استجاباتــه للمثيرات في المواقف الاجتماعيــــــة التي تســــــــاعده على التوازن والتكيف مع المجتمع ، وتســمى المعـــايير الاجتماعيــــة التي تشـــــــكل الأرضية المشتركة بين أفراد المجتمع بالأصول المرجعية للمجتمع .

3. تعلم الأدوار الاجتماعية ، فكل فرد من أفراد المجتمع له دور ، ومركز يشغله يختلف باختلاف السن ، وباختلاف المجتمعات والنظم الثقافية والحضارية التي يتبعها  والمركز الاجتماعي هو المنظم لدور معين يقوم به الفرد حسب سنه أو جنسه  ويرتبط الدور الاجتماعي للفرد بالأدوار الاجتماعية للآخرين .

      ويُعرف الدور الاجتماعي : بأنه الدلالة الواضحة للنظام الثقافي في مركز اجتماعي معين ، وهو يشمل الأعمال والإنجازات والسلوك والاتجاهات والقيم التي يقررها المجتمع على كل فرد يشغل هذا المركز ، وهو الجانب العملي التطبيقي للحياة  الذي يحرص الفرد بتأديته بأفضل صورة كي يكون مقبولاً ومحبوباً في مركزه ، ومراكز الفرد تختلف من وقت لآخر ، ومن مكان لآخر وبالتالي تتغير الأدوار بتغير المراكز .

الأسرة والتنشئة الاجتماعية :

      الأسرة أول مؤسسة اجتماعية يعيش فيها الطفل وينتمي إليها ، وفيها يسجل أول

عضوية له في جماعة ، فهي الوعاء التربوي الذي تتشكل داخله شخصية الفرد الاجتماعية ، فيتعلم فيها كيف يتعامل مع الآخرين لإشباع حاجاته ، فتوفر له الحب والاستقرار والأمن النفسي من خلال تفاعله مع أعضائها.

      وتعتبر الأسرة أهم مؤسسة يستخدمها المجتمع في عملية التطبيع الاجتماعي ونقل التراث من جيل إلى جيل ، ولها دورها الفعال في تكوين ، وتشكيل الشخصيات خاصة خلال السنوات الست الأولى من حياة الفرد ، لأن الطفل في هذه المرحلة يكون خاضعاً لتأثير أسرته فقط ، فهو سهل التأثر والتشكيل في هذه الفترة المبكرة ، شديد القابليــة للتعلم ، فهو عاجز ضعيف الإرادة قليل الخبرة والمعرفــــــــــة ، في حاجــــــــة إلى من يعولـــه ويرعى حاجاتــــه العضويــــة والنفسيــــة المختلفـــــــة ، وتعد هذه المرحلة خطيرة ، لأن ما يغرس فيها من عـادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب تغييره أو نزعه فيما بعد ويبقى أثره ملازماً للفرد طيلة حياته .

      ويتوقف أثر الأسرة في عملية التطبيع الاجتماعي على عوامل أساسية هي :

r    وضع الأسرة الاجتماعي والاقتصادي ومستواها الثقافي .

r    حجم الأسرة وعدد أفرادها .

r    تماسك الأسرة واستقرارها وجوها العاطفي .

r    العلاقة بين الوالدين وعلاقة الوالدين والإخوة بالطفل .

      وقد أثبتت الدراســـــــات أن الأســـــــــر التي يســــودها الود والتفاهم والمحبة والثقة والاحــترام ، والمتوازنة بين شـــدة الضبط والحـــــرية هي التي تنتـــــــج الشخصيــــات السويــــة الراشـــدة ، كما أن الأســــر التي تقدم أمثلة غــــــــــــــير مرُضية أو هابطة أو عدوانية للســـــــلوك تُؤدي إلى اضطـــــراب نــــمو الطفل ، وكثير من حــــــــــــالات عـــدم التكيف والشــــــــــــذوذ والمشكلات النفســــــــــية تنشأ عن الوالدين اللذين تنقصهمــــا الدرايـــة الكافيـــة بأصــــول التربيـــة الصحيحـــــة ، كــذلك الأســــر التي تغرس في نفوس الأطفـــال الانتقـــام والــــــرعب والخـــــوف والــــــــــغيظ تنتج شخصيــــــــات منحرفــــة وجانحــــــــة ، فالذي يحرم من الأمـــن والعـــــــطف في طفولتـــــه قد يرفض أن يتقبـــــل الحب في كِبره ممن يريدون أن يمنحــــــــوه الحب ، والذي دُلل صغيراً قد ينتظر من زملائـــه ورؤسائـــــه أن يدللوه كبيراً  ومن شب على عدم حل مشكلاته صغيراً قد يعجز عن حلها كبيراً .

المدرسة والتنشئة الاجتماعية :

      إن انتقال الطفل من المجتمع الصغير وهو ( البيت ) إلى مجتمع أكبر ، وأوسع  وأكثر اتصالاً وهو ( المدرسة )  أمر جديد عليه ، فالمدرسة بقوانينها ونظمها الخاصة  تشمل العديد من التكاليف والواجبات التي لم يألفها الطفل من قبل ، ففيها أخذ وعطاء  وصلات ومنافسات مختلفة ، وفيها التضحية بالمميزات التي كان يتمتع بها في البيت فبينما كان الطفل يحتل مركزاً فريداً في البيت ، أصبح في المدرسة مجرد طفل بين عدد كبير من الأطفال يعاملهم المعلم نفس المعاملة ، فعادات السلوك الاجتماعي التي ألفها الطفل في البيت لم تعد تكفي في المدرسة ، إذ لم يعد الوالدان المصدر الوحيد للسلطة  وعلى الطفل أن يخضع لنظام يفرضه عليه غير الوالدين ، وعليه أن يراعي غيره أثناء اللعـــب ، وأن يلتزم الصمت في أوقات معينة ، وأن يتعلم التعاون في المدرسة ، واحترام قوانينها ، والمشاركة في الأشغال والألعاب ، والمحافظة على نظافة المدرسة وأثاثها  وبذلك تتيح المدرسة للطفل قدراً من الحرية الاستقلال والتوسع في الصلات الاجتماعية

      إن أكثر فوائد رياض الأطفال والمدرسة الابتدائية أنها تنزع الطفل من مركزية الذات التي تسيطر على تفكيره وسلوكه الاجتماعي ، واهتمامه بنفسه وعدم الاهتمام بمشاعر الآخرين ، فدخول الطفل المدرسة له أثر كبير في زوال هذه الظاهرة  فالمدرسة تستطيع أن تفعل الكثير من أجل الطفــــــل إن قامت برسالتهــا كما ينبغي ، فهي تستطيع أن تدعم العادات والاتجاهات السليمة التي تكونت في البيت ، وأن تعدل بعض العادات والاتجاهات غير السليمة وتدربه على العلاقات الإنسانية السليمة بطريقة منظمة مقصودة ، لذلك تُعد المدرسة من ضروريات الحياة فهي من أكبر المؤسسات التي تسهم في نقل الحضــارة والتراث والثقافة والمعايير الاجتماعيـــــة لتربيـــة الفرد وتنميته  لذا لا يمكن إبعاد المدرسة عن عملية التنشئة الاجتماعية للطفل ، فهي جزء لا ينفصل عن هذه العمليــة المكتملة الحلقات والمتداخلة والمتضمنة درجــــــة معينة من التعقيد  ويجب أن تكون العلاقة بين البيت والمدرسة قوية ، لأن المدرسة تكمل عمل البيت  والبيت يكمل ما بدأته المدرسة ، فالمدرسة مجتمعاً مصغراً عن المجتمع الأكبر  فإذا صلحت المدرسة صلح الطفل والمجتمع وإذا فسدت  فسـد الطفـل والمجتمــع .

التلوث البيئي

      يُعرف التلوث البيئي : بأنه عبارة عن الحالة الناتجة في البيئة القائمة على التغيرات المستحدثة فيها ، والتي تسبب للكائنات الحية الأضرار أو الأمراض أو الوفاة بطرق مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الإخلال بالأنظمة البيئية ، وتُعرف مسببات التلوث البيئي المختلفة من ميكروبات أو مواد صلبة وسائلة وغازية  وغيرها بالملوثات .

مفهوم الملوثات :

      هي المواد التي تلحق الضرر بالكائن الحي ، أو تسبب له الأمراض وتؤدي به إلى

الهلاك والاختفاء ، ويعتمد مدى التلوث على طبيعة النظام البيئي وما يحتوي عليه من أنظمة تجمع بين مكوناته ما يستحدثه الإنسان من اختلال قد يقلل أو يزيد من الملوثات بكل أنواعها التي تصل إليه ، إن التلوث يشـــمل كل ما يؤثر بشكل ســـــلبي في جميع عناصر البيئة بما فيها من إنســــان ، وحـــيوان ، ونبــات ، وجمــاد ،  كذلك كل ما يؤثر

 في تركيب العناصر الطبيعية غير الحية مثل الهواء والتربة والبحيرات وغيرها .

      إن الإنسان بدأ حياته على الأرض وهو يحاول أن يحمي نفسه من العوامل الطبيعة وانتهى به الأمر بعد آلاف السنين وهو يحاول أن يحمي الطبيعة من نفسه وأصبح تلوث البيئة ظاهرة نشعر بها جميعاً ، فلم تعد البيئة قادرة على تجديد مواردها الطبيعية ، فقد اختل التوازن بين عناصرها المختلفة بحيث لم تعد هذه العناصر قادرة على تحليل مخلفات الإنسان أو استهلاك النفايات الناتجة من نشاطاته.

      لقد أدى التقدم الصناعي الهائل الذي صحب الثورة الصناعية إلى إحداث ضغط هائل على كثير من الموارد الطبيعية  خصوصاً تلك الموارد غير المتجددة مثل الفحم ، وزيت البترول ، وبعض الخامات المعدنية ، والمياه الجوفية ، وهي الموارد الطبيعية التي احتاج تكوينها إلى عصور جيولوجية طويلة .

      كما صحب هذا التقدم الصناعي الهائل ظهور أصناف جديدة من الموارد الكيميائية لم تكن تعرفها البيئة من قبل  فتصاعدت بعض الغازات الضارة من مداخن المصانع ولوثت الهواء ، وألقت هذه المصانع بمخلفاتها ونفاياتها الكيميائية السامة في البحيرات والأنهار فلم تسلم أجسام الكائنات الحية براً وبحراً من هذا التلوث ، فأصبح الكثير منها يختزن في أنسجته الحية نسبة ما من بعض المواد والفلزات الثقيلة الضارة .

      وقد أسرف الناس في استخدام المبيدات الحشرية ومبيدات الآفات والمخصبات الزراعية ، مما أدى إلى تلوث البيئة بكل صورها فتلوث الهواء وتلوث الماء وتلوثت التربة وأصبحت بعض الأراضي الزراعية غير قادرة على الإنتاج ، كذلك ازدادت مساحة الأراضي التي جُردت من الغابات ، وارتفعت نسبة الطيور والحيوانات التي تنقرض كل عــام ، كما ارتفعت نسبة الأنهار والبحيرات التي فقدت كل  الكائنات الحية وتحولت إلى برك ومستنقعات ملوثة .

      وبجانب التلوث البيئي المادي في الشق الطبيعي والمشيد أو المصنوع الخاص بالإنسان هناك تلوث آخر أكثر ضرراً وفتكاً وخطورة ، وهو التلوث المعنوي العقائدي والفكري الذي تسلل إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع  في كل المجتمعات بالعالم سواء بإرادتها أو رغماً عنها ، فظهرت مشكلة العنف والإرهاب ، ومشاكل المخدرات  ومشاكل الإعلام المفتوح البعيد عن الالتزام والمحدودية ، وانتشار القنوات الفضائية الهابطة التي ليس لها أهداف تُذكر ، إضافةً إلى كثير من المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أصبح العالم يعاني منها مؤخراً .

      ولذلك يخطئ كثير من المسئولين عن البيئة ، وبعض المواطنين عندما يعتبرون أن تلوث البيئة هو مشكلة محلية أو إقليمية ، لأن البيئة في الحقيقة لا تخضع لنظام محلي أو إقليمي ولكنها مشكلة عالمية تساهم فيها جميع الدول تأثيراً وتأثراً ، فلا يمكن تدارك مخاطر التلوث البيئي إلا إذا تضامنت وتعاونت كل الدول المتقدمة  والدول النامية في العالم بأسره ، وعملت على تقليل الملوثات التي تصل إلى البيئة .

تقييم المردود البيئي وصناعة القرار

      القرار : هو حكم أو اختيار بين بديلين أو أكثر ، وصناعة القرار هو علم تطورت مفاهيمه بشكل واسع في الوقت الحالي ، وهو يستهدف  استعراض كل الخيارات الممكنة أمام صانع القرار لضمان رشد القرار .

      يقصد بتقييم المردود البيئي :  عملية كشف الآثار أو المردودات البيئية السلبية الضارة  والإيجابية المفيدة لخطط التنمية الشاملة المباشرة منها وغير المباشرة ، الحالية  والمستقبلية ، المحلية والإقليمية والعالمية بهدف معالجة أو تفادي الآثار الضارة بصفة خاصة وعامة في ذات الوقت .

      ويُعد تقييم المردود البيئي للمشروعات التنموية أحد الآليات المعاصرة المتطورة  لضمان تحقيق التوازن المطلوب بين البيئة والتنمية ، ومن ثم يشكل الركيزة الأساسية في إنجاح التخطيط البيئي وتحقيق التنمية المستديمة .

      وقد شهد تقييم المردود البيئـي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين تطوراً كبيراً  وأصبـح يمثل علمـاً مستقـلاً له فلسفته ، وأبعاده التي يتخصص فيها الخبراء ويتدرب عليها المخططون ، ويعتمد عليها متخذو القرارات .

      وقد بدت الحاجة ماسة لتقييم المردود البيئي في الآونة الأخيرة بسبب تدهور البيئة وبروز الكثير من المشكلات البيئية التي باتت تعرقل جهود التنمية المستديمة  ولعدم الاهتمام بالاعتبارات البيئية كأحد الضوابط الآمنة لخطط التنمية ، وهي مشــــــكلات يطلق عليها ( العبء الموروث أو المتراكم ) وهو العبء الذي يمثل اليوم مشكلة كبيرة ومعقدة يتطلب إصلاحها جهوداً ضخمة ، قد يصعب أو يتعذر إصلاحها في بعض الأحيان ، لذلك برزت أهمية المردود البيئي وحتميته مع زيادة الوعي البيئي ، فقد أظهرت الأحداث في الآونة الأخيرة أن الناس أصبحوا أكثر اهتماماً بالبيئة ، وباتوا يظهرون عداءً شديداً ومواجهةً عنيدة ضد كل مشروع ينفذ في بيئتهم لم يُقوم بيئياً خوفاً مما قد يحمله من مخاطر بيئية غير محسوبة لاحقاً.

      ويرجع تاريخ نشأة تقييم المردود البيئي كآلية متطورة لمعالجة المردودات البيئية للمشروعات إلى النصف الثاني من القرن العشرين ، عندما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات استخدام البعد البيئي في تقييم مشروعاتها الإنمائية   كما تبنت كندا واستراليا وأكثر دول المجموعة الأوروبية هذه الآلية   ووضعت تشريعات تلتزم بموجبها ضرورة تقييم المردود البيئي عند تخطيط وتنفيذ المشروعات الإنمائية

      وقد أوصى المؤتمر الدولي لتحليل تقييم المردود البيئي الذي عقد في ( نيودلهي عام 1988م ) بأن تلتزم الدول النامية بالتقييم البيئي للمشروعات قبل الموافقة عليها  ومن هذا المنطلق بدأت بعض الدول النامية الأخذ بالجدوى البيئية عند تقييمها للمشروعات الجديدة  تفادياً لكل المردودات البيئية الخطيرة المستقبلية .

      كما برزت أهمية تقييم المردود البيئي في المنطقة الخليجية ، عندما صدر بيان حماية البيئة من التلوث  في ( 21 فبراير 1991م ) حيث نصت المادة الثامنة منه على التزام الدول الأعضاء بإدراج تقييم الآثار أو المردودات البيئية المحتملة أو المتوقعة أثناء مراحل تخطيط وتنفيذ المشاريع الإنمائية والتي قد تسبب مخاطر جسيمة للتلوث البيئي

      وبناءً على ذلك بدأ البنك الدولي منذ عام 1991م بتنفيذ قراره بعدم تمويل

المشروعات في الدول المعنية قبل إجراء تقييم كامل وشامل للمردودات البيئية للمشــــــــروعات التنـــموية المقترحــــــــة ، وكانت ( قمـــــــــــة الأرض ) التي عقــدت في ( يونيو 1992م  بمدينة ريودي جانيرو بالبرازيل ) بمثابة إنذار وتحذير للبشرية لمراجعة حساباتها ، وإعادة النظر في أسلوب تعاملها ، وسلوكياتها تجاه بيئتها  بما يحقق الاستخدام الآمن ، والمستديم لموارد البيئة الطبيعية لما فيه مصلحة كل من البيئة والإنسان معاً ، وطالب المؤتمر بضرورة تقييم المردودات البيئية للمشروعات كآلية أساسية وصمام أمان لتحقيق التنمية المستديمة ووضع الخطط العلاجية ، والوقائية للمشروعات المقترحة والقائمة فعــــلاً ، وعلى ضوء ذلك أقرت دول مجلس التعاون الخليجي تطبيق آلية عدم الموافقة على أي مشروع إنمائي إلا بعد تقييمه تفادياً لأي مردودات ضارة بالبيئة أو بالمشروعات التنموية ذاتها ، سواء كانت هذه المردودات صغيرة أو كبيرة ، حالية أو مستقبلية ، مباشرة أو غير مباشرة .

أهداف عملية  تقييم المردود البيئي :

      تهدف عمليــــــــة تقييم المردود البيئي إلى تحقيق عدة أهداف منها :

1. تحسين عملية صناعة اتخاذ القرار بتوضيح الرؤية الحالية والمستقبلية  لكل المردودات وآثارها المفيدة والضارة .

2.  إيجاد توازن بين البيئة ومشروعات خطط التنمية لتحقيق المصلحة المشتركة والمتبادلة بينهما ، فالبيئة والتنمية وجهان لعملة واحدة  فلا تنمية مستديمة بدون حماية البيئــة ولا حماية للبيئة بدون تنمية راشدة للمشروعات .

3. تحقيق درجـــــــــة من المتابعــــة والمراقبـــة البيئيـــــــة المستمرة لمشروعــــات التنمية بما يؤمن مسيرة هذه المشروعـــــــات ويحـــــول دون انحـــــــــــرافها عن الخط البيئي الذي حُدد لها وهو الخط الآمن الذي يضمن نجاحها واستمرارها.

4. الارتقاء بالتوعيـة البيئيـة والتأكيد على أهميـــة  حمايـــة البيئــــة وضرورة المحافظة على كل عناصرها المتنوعة لتظل دومــــــــاً قادرة على إعالة الحياة .

أبعاد عملية تقييم المردود البيئي :

      يُعد تقييم المردود البيئي عمليـــــــة مستمرة ، ومتغيرة في أبعادها ، وتوجهاتها تبعاً للتغيرات التي تحدث في طبيعـــــــــة العلاقـــــــة بين مشروعات التنمية ، والبيئة نتيجة لما يحدث من تطور علمي وتقني مما يكشف عن مخاطر بيئية غير مسبوقة  إضافـــــة إلى إفرازات النمو الســكاني الـــــسريع والمطرد وتداعياتـــــــه البيئيـــــــــــة  ومن هـــــذا المنـــطلق يصبح تقييم المردود البيئي متطور الأبعاد ، وعملية المتابعة البيئية مستمرة ومتواصلة فضلاً عن كونها عمليـة توجيهيـــة تأمينيــــة علاجية رقابية .

أسس وضوابط تقييم المردود البيئي وآليات تنفيذه :

      ليس ثمة شــــك أن التقييم البيئي لمـــــردودات المشروعات الإنمائية تحكمه مجموعـــــة من الأسس والضوابط الضرورية والهامة التي تحقق له النجاح في أداء أهدافه البيئيـــــة والإنمائيــــة ونستطيع أن نـوجز هذه الأسس وآليات التنفيذ فيما يلي :

1. توفير قاعدة نظم معلومات جغرافية دقيقة وشاملة عن بيئة المشروع سواء كان  زراعياً أو صناعياً أو عمرانياً أو غيره ، وتتضمن هذه القاعدة من نظم المعلومات كل ما يتعلق  بالبيئة وموارد المياه والمناخ التفصيلي والموارد الحيوية  وحجم السكان ومعدلات نموهم وتوزيعهم وأنماط استخدامات الأرض وغيرها  ويعزز تغذية هذه القاعدة القيام بأعمال مسحية تفصيلية ، وتنفيذ برامـج بحثية للتعرف على حمولة البيئة وقدرتها بصورة دقيقة وشاملة حتى يتم تحديد طبيعة المشروعات التنموية في إطارها البيئي والاقتصادي ، ويعتبر توفير هذه المعلومات الخطوة الأولى والأساسية التي يجب أن تسبق التقييم النهائي لأنها تحدد كلاً من الحمولة البيئية والظروف المؤثرة في خطط التنمية ومساراتها المستقبلية .

2. الاستفادة من التقنيات المعاصرة ممثلة في صور وخرائط الاستشعار عن بعد  والحاسب الآلي في تخزين المعلومات ورصد المتغيرات البيئية السريعة والمتلاحقة وتحليلها ، واستخلاص المردودات الحالية والمستقبلية  مما يعطي لصناع القرار بعداً بيئياً تنموياً سليماً يساعد على سلامة صناعة القرار وهو الهدف الاستراتيجي للتقييم البيئي .

3. الاستفادة من الدراسات السابقة في تقييم المردود البيئي واعتبار ظروف البيئة المحلية مع وضع مجموعة من البدائل المقترحة ، وتوضيح المردودات البيئية لكل بديل واختيار أقل البدائل تأثيراً وخطورة على البيئــة والســكان والتنميــة .

4. مشاركة المواطنين في عملية تقييم المردود البيئي لأن آراء المواطنين المحليين قد تساعد في تشخيص القضايا التي تستحق الاهتمام قبل التخطيط للمشروعات .

5.  توفير كوادر فنية وطنية على درجة كبيرة من الوعي البيئي  والقدرة على تطبيق

فكر وفلسفة التقييم البيئي وتطبيقه تطبيقاً سليماً ، ويتم هذا الأمر بتأهيل هذه الكوادر بيئياً وتزويدها بأساسيات وثوابت طبيعة البيئة وأسلوب التعامل معها  وتدريبها على التقنيات الحديثة في تحليل المعلومات ، واستقراء النتائج ، ووضع برامج تدريبية مهنية على تطبيق إجراءات وآليات التقييم البيئي .

مراجع الفصل الثاني

1. إيان  ج.سيمونز ، البيئة والإنسان عبر العصور ، ترجمة السيد محمد عثمان ، عالم المعرفة ، القاهرة ، 1997 م .

2. أ حمد حسين اللقاني ، وفارعة حسن محمد ، مناهج التعليم بين الواقع والمستقبل ، عالم الكتب ، القاهرة ، 2001 م .

3.  أحمد عزت راجح ،أصول علم النفس ،دار المعارف ، القاهرة ، 1998 م .

4. رشيد الحمد ، ومحمد سعيد صباريتي ، البيئة ومـــــــشكلاتها ، عالم المعــــــــرفة الكويت ، ب.ت .

5. رمضان عبد التواب ، مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين ، مكتبه الخانجي  القاهرة ، 1986 م .

6. زين الدين عبد المقصود ، قضايا بيئية معاصرة ، المواجهة والمصالحة بين الإنسان وبيئته  منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 2000 م .

7. علي عسكر ، ومحمد الأنصاري ، علم النفس البيئي ، البعد النفسي للعلاقة بين البيئة والسلوك ، دار الكتاب الحديث ، ب.ت .

8. مجدي عزيز إبراهيم ، المنهج التربوي وتحديات العصر ، عالم الكتب ، القاهرة  2002 م

 


 

الفصل الثالث

التربية والبيئة والفن

r     تعريف التربية

r     العلاقة بين التربية والبيئة

r     أهمية التربية للفرد والمجتمع في ضوء متغيرات البيئة

r     أنواع التربية وأنماطها ومستوياتها

r     التربية الفنية

r     الأهداف العامة للتربية الفنية

r     التربية البيئية

r     الأهداف العامة للتربية البيئية

r     التربية البيئية من منظور إسلامي

r     دور الإعلام في التربية البيئية

r     مراجع الفصل الثالث




التربية والبيئة والفن

      تعني التربية بمختلف اللغات معنى التنشئة ، والنهوض ، والإصلاح ، وإظهار القوى ، وتتصف بالزيادة والنماء .

تعريف التربية :

      التربية في اللغة : ورد للتربية في معاجم اللغة العربية ثلاثة أصول لغوية :

الأول : رِبَاَ يَرْبُو ، بمعنى زَاَدَ ونَمَا ، الثاني : رَبَا يُرَبِي ، يعني ينشأ ويرعرع . الثالث : رَبْ يُرَبِ ، بمعنى أصلحه وساسه وتولى أمره ورعاه وقام عليه . والتربية مصدر للفعل رَبىَ ، بمعنى غذاه أو ثقفه أو هذبه أو أدبه .

      التربية في الاصطلاح : لا يختلف المعنى اللغوي للتربية عن المعنى الاصطلاحي  بل يضيف المعنى الاصطلاحي إلى المعنى اللغوي معنى آخر، فهو يحدد الشكل الوظيفي لها لتكون مجموعة من المبادئ والقيم المعيارية التي يضعها المجتمع  لضبط سلوكيات أفراده .

      أما تعريف التربية الإجرائي العام : فهو ذلك النشاط الإنساني الذي يستهدف تنمية الإنسان تنمية متكاملة جسمياً وعقلياً ونفسياً واجتماعياً ، وهي بذلك عملية تنشئة اجتماعية للفرد تتضمن النمو الشامل  والمتكامل للشخصية الفردية ، كما أنها تتسم بالإيجابية ، ويأتي ذلك من كونها تسعى إلى إعداد أفراد متوافقين مع الوسط الذي يعيشون فيه .

      تهدف التربية إلى غاية اجتماعية كبرى وهي بناء النظم الاجتماعية والاقتصادية  والسياسية والفكرية الكفيلة بتحسين شروط الحياة الإنسانية وإثرائها بالخبرات  والتجارب البناءة ، وذلك بإطلاق الطاقات الفـكرية والعملية لإبداع الجنس البشري  وابتكاراته ، وتمكنه من السيطرة على نتائج التقدم العلمي والتكنولوجي للمصلحة الإنسانية وبقائها ، واستمرار تقدمها على أسس إيجابية من التعاون مع مراعاة القيم والمثل العليا كالحق والعدل والخير  .

      ولما كانت التربية في أساسها مجموعة من الأفكار ، والأساليب التي تعبر عن نظرة مجتمع ما إلى الطريقة التي يربي بها أبنائه ، لذا فقد خضعت التربية في المجتمعات المختلفة عبر العصور الإنسانية المتعاقبة إلى تفسيرات ورؤى مختلفة للبحث في طبيعتها وغايتها النهائية وأهدافها ومناهجها وأســـــاليبها ووسائلها ، كما تباينت نظرة المجتمعات إلى علاقة الفرد ببيئته ومجتمعه لتحديد الأدوار التي تتوقع المجتمعات أن يمارسها الفرد في محيطه الاجتماعي ، وقد تأثرت الممارسات التربوية  والتعليمية في تلك المجتمعات والعصور بالنظريات والاجتهادات الفلسفية لكثير من رجال الفكر الإنساني الذين طرحوا أفكارهم وتصوراتهم حول طبيعة الفرد وتكوينه وطبيعة المجتمع وتركيبـه ، وعلاقـــة الفرد بمجتمعـــه ونظمـــه السياسيـــة والاقتصادية والثقافية المختلفة وبالتــــــالي فرض الطرق والوسائل التي يجب على المجتمع  إتباعها لتربية وتعليم أبنائه .

العلاقة بين التربية والبيئة :

      إن العلاقة بين التربية والبيئة علاقة قديمة مرت بعدة مراحـــل متميزة ، فالبيئة هي المصدر المباشر للتربية ، يكتسب منها الإنسان خبرات تفاعله المباشر مع مكوناتها المختلفة ، وعندما تطورت الحياة البشرية ، واتسعت الخبرات الإنسانية برزت المدارس كمؤسسات اجتماعية تقوم بتزويد الخبرات الإنسانية المتنوعة في صورة مواد دراسية  وأصبح دور المتعلمين الإلمام بهذه الخبرات خلال عملية التعليم العام التي قوامها حفظ واستظهار المعلومات بصورة شكلية ، مما أفقد الأهمية لدور البيئة كمصدر لهذه الخبرات في العملية التعليمية .

      كما أصبحت المعلومات التي يزود بها المتعلمون مجردة ، ومتناثرة في الكتب المدرسية المختلفة ، مما أدى إلى فقد أهميتها لدى المتعلمين ، لذلك انعزل المتعلم عن بيئته ، وانعزلت التربية عن البيئة ، وشعر العديد من رجال التربية بخطورة هذا الموقف فنادوا بإعادة المتعلم إلى بيئته بربط ما يدرسه بمكونات بيئته الطبيعية والمشيدة ، حتى يغدو ما يتعلمه ذا قيمة ومعنى بالنسبة له في حياته العملية  فاعتبرت البيئة وسيلة للتربيـــــة تزود المتعلمين بالخبرات المباشرة وغير المباشرة أثناء عمـــــليات التعلم  .

      وعندما تقدم العلم والتكنولوجيا وبرزت المشكلات البيئية التي تهدد البيئة  ومواردها الطبيعية ، وتهدد بقاء الإنسان نفسه بسبب ما يمارسه من تصرفات خاطئة إزاء بيئته ومقوماتها الأساسية ، ويرجع سبب هذا التصرف المدمر للبيئة إلى جهل الإنسان ، وعدم درايته الكافية بالقوانين  والعلاقات القائمة بين مكونات البيئة المختلفة ، ومن هذا الجهل بالبيئة وبأنظمتها أخذ التربويون ينادون بإدخال البرامج التربوية المتعلقة بالبيئة وترسيخ السلوك البيئي لدى المتعلمين ، بأن تأخذ فيها البيئة مركزاً هاما ًودوراً جديداً باعتبارها وسيلة وغاية في نفس الوقت ، فهي غاية لكونها مصدر إثراء للعملية التربوية ، تزود المتعلمين بخبرات حقيقية من خلال استعراض المشكلات البيئية القائمة في بيئتهم المحلية والإقليمية والعالمية ، وهي وسيلة لأنها تثري العملية التعليمية والمناهج الدراسية بالمادة العلمية وبالأمثلة الحقيقية الواقعية الملموسة المرتبطة بحياة المتعلمين وبيئتهم الطبيعية والمشيدة .

أهمية التربية للفرد والمجتمع في ضوء متغيرات البيئة :

      على التربية أن تساعد الفرد على تحقيق أكبر قدر ممكن من التكيف الإيجابي مع  التغيير الشــــامل الذي بات الآن يشـــــــــمل كافة نواحي الحياة العامة والخاصة .

      إن طبيعة التغير الاجتماعي السريع المتأثر بالانفجار المعرفي ، والتقدم العلمي التكنولوجي ، وتطوير وسائل الإعلام والاتصال ، والانفتاح الثقافي بين المجتمعات يؤدي باستمرار إلى وجود أنماط وأساليب حياة متنوعة وجديدة  نتيجة تغير الظروف البيئية والحاجات الفردية والاجتماعية ، وإذا كان الفرد وليد البيئة ، وهي تتغير باستمرار فإن على التربية الأخذ بيد الفرد عبر مراحل نموه وتعليمه وتعريفه باستمرار بظروف التغير وأسبابه ونتائجه ، كما تعمل التربية المعاصرة في هذا المجال على إعادة التوازن الطبيعي باستمرار إلى حياة الفرد كلما اختل هذا التوازن بفعل العقبات أو المشكلات أو الصعوبات التي تحددها ظروف التغير .

      وتزود التربية الفرد بالخبرات اللازمة لعودة هذا التوازن ، وتعمل على تنمية قدراته لمواجهة الصعوبات ، وتطوير مستويات نضجه الفكري والنفسي ، كما تحاول التربية اليوم أن تعيد إلى الفرد توازنه بإعادة توضيح وتعزيز نظام القيم لديه لتحريك سلوكه وتكوين دوافع جديدة لاكتساب المعرفة والمهارات المتنوعة والحث على الإنتاج.

      إن التغيرات البيئية الطبيعية والاجتماعية الســـــــــــريعة قد تجعل قيم الفرد تختل  مما يصيبه بالحيرة والارتباك في مواجهة الظروف الجديدة ، فعلى التربية في هذه الحالة

إعادة التأكيد على الموجهات العليا للفكر والســلوك الفردي والجماعي من خلال العقيدة الدينية والقيم الأصلية والمثل الإنسانية الخيرة  لتكون هادياً للفرد وموجهاً له أثناء هذه التغيرات .

      وهذا فيما يخص الفرد أما فيما يخص المجتمع فإن التربية اليوم تهتم بما يلي :

1.  نقل خلاصة التراث الحضاري والثقافي  إلى جميع أفراد المجتمع  وذلك من خلال :

  • انتقاء عناصر التراث التي تناسب أفراد الجيل المعني في الزمن الخاص به .

  • تنظيم التراث الحضاري عبر مناهج التربية المدرسية أو غيرها من الأنماط  والأساليب التعليمية بما يناسب نمو المتعلمين ، وخصائصهم بحيث تلائم حاجاتهم وميولهم واهتماماتهم وبما ينسجم مع مبادئ نظريات التعلم الحديث .

  • تطوير التراث الحضاري بتزويده بخبرات متجددة وفقاً للقدرات الإبداعية للأفراد وإسهاماتهم في مجالات المعرفة المختلفة ، وتخليصه من الشوائب والسلبيات التي تعيق تطوره وإبعاده عن البدائل التي تتعارض مع المبادئ والقيم العليا للمجتمع .

2.  قيادة وتوجيه حركة التغير الاجتماعي والثقافي والعلمي في المجتمع نحو غايات

اجتماعية ذات قيمة إنسانية وأخلاقية عليا ، أو نحو الأفضل بمفهوم تحقيق العدالة الإنسانيــة وإذابــة الفوارق الاجتــماعيــة والاقتصادية بين الأفراد ، مع الحفاظ على القيم الأساسية المنبعثة من العقيدة الدينية والاجتماعية التي تدين بها غالبيـــــة أفراد

المجتمع والانتفاع من مداخل ومخارج التغير وتحويلها إلى ما يحقق الخير للفرد والمجتمع .

3. الإسهام في تحقيق التنمية الشاملة لكافة قطاعات الإنتاج الوطني وإعداد الكوادر البشرية المتنوعة المدربة في ( التعليم العام والتعليم الفني المهني والتعليم العالي ) .

أنواع التربية وأنماطها ومستوياتها :  يوجد نوعان من التربية :

* تربيــــــــة مقصودة تأخذ شــــكل تعليــم رسمي أو نظامي ، وتسعى إلى إكساب الأفراد المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم  اللازمة  للنجاح والاستمرار في الحياة .

* تربيــــــة غير مقصودة يتعلم الأفراد في إطارها كثيراً من الخبرات النظرية والعملية الاجتماعية والثقافية دون أن يلتزموا بعملية تعليم نظامية أو رسمية  أو أن يلتحقوا بمدارس أو معاهد تعليمية ، وقد ظهرت تقسيمات أكثر دقة وخصوصية من حيث طبيعتها ودرجة ضبطها وتوجيهها لعملية التعليم وهي كما يلي :

1. التربية التلقائية :  هي التربية التي تُعدم فيها تقريباً عملية ضبط التعليم وتوجيهه ، وتتمثل في اكتساب المعرفة والخبرات والمهارات والاتجاهات  والعادات في البيئة الطبيعية والاجتماعية .

2. التربية غير النظامية :  هي التربية التي تجري في المنزل  والمؤسسات الاجتماعية الأخرى غير المدرسة كالنوادي ، والجمعيات ودور العبادة ، وهي مؤسسات لا يدخل التعليم المنظم في نشاطاتها أو يكون مسئولاً عنها ، وإنما تجري فيها عملية التربية بصورة غير نظامية أو منهجية ، ودون قوانين أو أنظمة تعليمية موحدة ، وغالباً ما تكون هذه التربية على صورة تنشئة عامة بالنسبة للأسرة ، أو برامج ثقافية واجتماعية ورياضية بالنسبة للنوادي  والجمعيات ، أو تدريب متخصص بهدف تحسين الأداء في المصانع والشركات  أو نشر الوعي الإيماني والخلقي في دور العبادة ، وقد يوفر هذا النوع من التربية قدر معين من الضبط والتوجيه لعملية اكتساب الخبرات والمهارات والاتجاهات.

3. التربية النظامية :  هي التربية التي نعرفها أكثر من غيرها ونقرنها دائماً بالمدارس والمعاهد والكليات والجامعـــات ، وتعتبر التربيـــة النظاميــــة تامة الضبط والتوجيه لعملية التعلم واكتساب الخبرات والمهارات والاتجـاهات

وتشمل التربية النظامية عدة مستويات تُلخص بما يلي :

‌أ.  التربية النظامية العامة : وهي تمثل القاعدة الأساسية من التعليم الموجه إلى كافة أفراد المجتمع ، وتهدف إلى تكوين القيم والمفاهيم والمهارات المشتركة اللازمة لقيام الأفراد بأدوارهم الاجتماعية ، وكثيراً ما يطلق على هذا النمط التعليمي اسم التعليم العام ، الذي يشمل سنوات الدراسة الابتدائية  والمتوسطة والثانوية العامة غير المهنية والفنية وجزءاً من التعليم العالي العام .

‌ب.  التربية النظامية الفنية والمهنية : وتسمى التعليم التطبيقي أحياناً ، وهي نوع من التعليم يهتم بالمعرفة المهنية التقنية ، ويهدف إلى إعداد الأفراد مهنياً واجتماعياً ، وقد يبدأ هذا النوع من الإعداد على مستوى المرحلة التعليمية المتوسطة أو الثانوية أو العليا ، والاتجاه المعاصر الآن نحو بدء هذا الإعداد في كثير من الدول بعد مرحلة التعليم النظامي العام ، أي بعد نهاية المرحلة الثانوية بصورة عامة.

‌ج.  تربية الفئات الخاصة : وتشمل تربية وتعليم وتدريب فئات خاصة من الأفراد كالموهيين ، والمعاقين جسمياً وعقلياً ، والمتخلفين في التعليم ، والمتسربين في الدراسة ، والعاجزين عن التعلم لأسباب نفسية أو اجتماعية .

‌د. تعليم وتدريب الكبار : وهو نوع من أنواع التربية يتم الآن بطرق نظامية مدروسة بحيث يلبي احتياجات الكبار وينمي ثقافتهم العامة النظرية والعملية وتحرص كثير من المجتمعات اليوم على جعل هذا النوع من التربية إلزامياً لمكافحة أمية الكبار والقضاء عليها نهائياً ، وقد يتم هذا النوع من التربية في مؤسسات بعضها نظامي وبعضها الآخر غير نظامي كبرامج الشركات والبنوك والجهات العسكرية والمصانع وغير ذلك .

      ومنذ البدايات الأولى أنشأ المجتمع المدرسة كمؤسسة اجتماعية لتربية أبنائه بعد تراكم الخبرات ، وظهور التعقيد النسبي لفنون وأساليب الحياة الاجتماعية ، وعجز الأسرة أو شيخ القبيلة أو الكاهن أو المطوع أو الملا ( رجل الدين ) عن إعطاء الأبناء تعليماً نظامياً ، وركزت هذه المؤسسة على قضية التطبيع الاجتماعي والثقافي للفرد

وتهدف هذه العملية إلى تربية الفرد في قوالب محددة سلفاً ، تشمل نمط الشخصية الاجتماعي والثقافي والدور الاجتماعي المرغوب أن يمارسه الصغار عندما يكبرون ويشاركون في نشاطات المجتمع ، وقد سيطرت هذه الناحية من وظيفة المدرسة على كافة النواحي الأخرى للتربيـة  كتنمية شخصية فردية قادرة على استخدام ذكائها في حل مشكلاتهـــا والإسهـــام بصورة بناءة في حل مشكلات مجتمعها وتطويره ، كما طغت هذه العملية التطبيعية على اهتمام التربية بالجوانب الهامة الأخرى للشخصية .

      وقد استمرت التربية تسير على هذا المنوال دهوراً طويلة ، وفي مجتمعات مختلفة حتى كادت أن تقترن أو أنها اقترنت بالفعل بعملية تلقين المعرفة ووسائلها وفنونها التي يرى مجتمع الكبار أنها ضرورية للصغار بالطريقة التي يقررها هذا المجتمع  بغض النظر عن مناسبتها لأعمارهم وميولهم واهتماماتهم وقدراتهــم ، ودون اعتبار لمظاهر نمو الشخصية الأخرى غير المظهر العقلي المعرفي أو وربط هذه المعرفة بمشكلات المجتمع أو إمكانية تطويره ، ودون تقدير لذاتية الفرد أو محاولة لإثارة طاقاته الإبداعية الكامنة

      وكانت المناهج تدور حول المواد الدراسيــة التي يجري تلقينها للتلاميذ بصورة

نمطية واحدة ، فهي تركز على فكرة التماثل الثقافي ، دون اعتبار للأوضاع الاجتماعية

والاقتصادية المتباينة للتلاميذ ، والهدف من وراء ذلك المحافظة على الأوضاع  والنظم القائمة التي يحرص كبار المجتمع أو المجموعات ذات الامتيازات فيه على بقائها  واستمرارها ، ومن هنا كان مفهوم التربية التقليدية كقوة محافظة على الوضع القائم تقاوم التغيير ، وتكرر نفسها وخصائصها وأساليبها من جيل إلى جيل مع قدر ضئيل من التعديل الذي لا يمس جوهرها أو أسس بنائها .

      كما أهملت التربية البعد الاقتصادي ، فلم تكن تهتم بربط المعرفة التي كانت المدارس تلقنها لتلاميذها في المؤسسات التربوية الخاصة بمجالات الاستخدام  ومتطلبات سوق العمل ، وركائز إعداد الأفراد المهني ، وهذا جانب آخر من جوانب سلبياتها، لذلك فقد جاءت التربية الحديثة وحاولت التقريب بين وجهات النظر السابقة بطرح وجهات نظر أخرى وتخصصات فرعية متعددة  لكثير من العلوم النظرية والعملية ، نذكر منها ما يخصنا في مجال التخصص .

التربية الفنية

      التربية الفنية في كل المجتمعات جزء أساسي من التربية العامة ، فالتربية الفنية تشتق أهدافها من أهداف التربية ، وكلاهما يستهدف النمو السليم والرعاية المتكاملة للفرد في جميع الجوانب ، وتستخدم التربية وسائل وأدوات كثيرة ومتنوعة لتحقيق ذلك  أما التربية الفنية فوسيلتها وأداتها الرئيسة هي الفن بكل مجالاته ، وتخصصاته الأساسية والفرعية ، بمعنى أن التربية تحدث فيها عن طريق الفن ومن خلاله .

      وتعد التربية الفنية علماً من العلوم السلوكية الهامة التي تستهدف بناء شخصية

الكائن البشري بشكل متكامل خلال مواد معرفية منظمة في أهدافها ومحتواها  واستراتيجيات تدريسها وأنشطتها ووسائل تقويمها ، ويختلف مفهوم ( الفنون الجميلة ) عن مفهوم ( التربية الفنية ) فلكلٍ منهما مدلول خـــــاص به وهو كما يلي :

  • الفنون الجميلة في كل مجالاتها وتخصصاتها هي بناء أعمال ناتجة عن تنظيم الخبرات والمفاهيم العامة والخاصة باستخدام وسائط وأدوات محددة  فالفن في هذه الحالة عملية ذاتية غايتها الفن ذاته ، بينما الفن في التربية الفنية في كل المجالات والتخصصات وسيلة لتربية المتعلم .

  • الفنون الجميلة هي عمليات تطبيقية ذاتية مقصودة لتحقيق قيم الفن ، أما التربية الفنية فهي عمليات  إدراكية ، يستهدف التعبير فيها التربية من خلال قيم الفن .

  • تخص دراسة الفنون الجميلة فئة من الدارسين الذين يمتلكون مواهب وقدرات خاصة في بعض المؤسسات الحكومية أو الخاصة ، بينما تعم دراسة التربية الفنية جميع المتعلمين بمراحل التعليم المختلفة بالمدارس والجامعات .

الأهداف العامة  للتربية الفنية :

للتربية الفنية عدة أهداف عامة اتفقت عليها كثير من الأدبيات العربية والعالمية هي :

1. تهتم التربية الفنية بجميع نواحي شخصية المتعلم عقلياً ونفسياً وجسمياً واجتماعياً ، وتساعده على النمو الشامل  وتعديل سلوكه بشكل مرغوب فيه .

2. تُهيئ التربية الفنيـة المجــــــال أمام المتعـــــــــلمين لكي يتعلموا عن طريق اـلفن  والخبرة العملية والتجريب الفردي والجماعي .

3. تحث التربية الفنية على رؤية الطبيعة وتأملها والاستمتاع بما فيها من جمال وإبداع ونظام لمعرفة ما تتضمنه من قيم ومفاهيم لتكون لدى المتعلم دقة الملاحظة  والميل نحو حب الجمال وتقديره وتذوقه .

4. تُحقق التربية الفنية التوازن بين القيم الروحية والمادية في المجتمع العربي خلال توجيه المتعلم لإدراك العلاقات الكامنة في عمليات التعبير الفني وتحقيق ما دعا إليه الإسلام من ارتباط الإنسان بخالقه ومجتمعه

5. تُربي التربية الفنية الوجدان وتهذبه وتصقل الحاسة الفنية والتذوق السليم  والسمو بإنسانية المتعلم لتنمية حس المواطنة لديه بحيث ينعكس ذلك على أسلوبه في الحياة وتعامله مع الآخرين .

6.  تُنمي التربية الفنية المعارف والمفاهيم والحقائق لدى المتعلم واكتسابها سلوكياً .

7.  ُتسهم التربية الفنية في تلبية حاجة المجتمع من القوى البشرية اللازمة.

8. تُعرف التربية الفنية المتعــــــــــلم على البيئة المحيطـــــــة به والبيئـــــــــــات الأخرى .

9. تستثمر التربية الفنية الخامات البيئية المستهلكة والعوادم  في العملية الإبداعية .

10.   تُكسب التربية الفنية المعلومات والمهارات التقنية لمختلف الأجهزة والأدوات  والخامات ودور كل منها في الإنتاج اليدوي .

11.   تُشعِر التربية الفنية المتعلم بقيمة العمل اليدوي ، وتدريبه على الموائمة بين العقل واليد خلال مهارات التفكير  والمهارات الحركية الأدائية والمهارات الاجتماعية .

12.   تحث التربية الفنية على متابعة أحدث التطورات والمكتشفات العالمية في المجالات المختلفة ليواكب المتعلم عصره ويرتبط به .

13.   تهتم التربية الفنية بتكوين اتجاهات تشكيلية نابعة من الفنون الإسلامية والعربية وفنون التراث لتأكيد انتماء المتعلم لمجتمعه وولائه له .

14.   تهتم التربيــة الفنيــة بتاريخ الفن والنقد الفني والتذوق الفني ودراسة علم الجمال .

15.   تعمل التربية الفنية على اكتشاف ذوي المواهب الفنية ورعايتهم وإتاحة الفرصة لهم لتجريب كل الأساليب والطرق الفنية في الفنون التشكيلية .

16.   تعمل التربية الفنية على الكشف عن استعداد المتعلم ونمطه الفني وتوجيهه خلال ممارسته للمجالات الفنية الملائمة ليكتسب منها بعض المهارات الوظيفية المهنية.

17.   تُوطد التربية الفنية عملية التبادل الفني والثقافي بين دول الخليج والدول العربية وباقي دول العالم بالمساهمة في المعارض ، والمسابقات الفنية والمؤتمرات الثقافية .

التربية البيئية

      تعددت الاجتهادات في تحديد معنى التربية البيئية ومدلولها وذلك تبعاً لتعدد مدلولات العملية التربوية وأهدافها من جهة ، ومدلول البيئة من جهة أخرى  فقد رأى بعض المربين أن البيئة في حد ذاتها تشكل الضمان الأكيد لتحقيق تربية بيئية ، في حين يرى البعض الآخر أنها تتعدى المفهوم الضيق للبيئة وهي عملية أشمل  وأكثر عمقاً .

      وفـي ضوء ذلك يمكن تحديد مفهوم التربية البيئية إجرائياً : بأنها عملية تكوين

القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بمحيطه البيئي ، والتأكيد على حتمية المحافظة على المصادر البيئية الطبيعية وضرورة الاستثمار الرشيـد لصالح الإنسان حفاظاً على حياته وحياة أولاده وأحفاده من بعده .

      وتعتبر التربية البيئية علماً له استقلاليته الخاصة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم الأخرى التي لها بنيتها وتركيباتها الخاصة بها ، إذ تعد التربية البيئية بعداً جديداً ، ورؤية متعمقة للمعرفة التي تتكامل جوانبها المعرفية فيما بينها ، ويضم مفهوم التربيـــة البيئيــــة مفاهيم كثيرة ، ومتنوعـــة منها الرياضية ، والفيزيائية والكيميائية ، والبيولوجية ، والاجتماعية ، والمهنية ، والفنية ، واللغوية ، فتتكامل هذه المفاهيم في نسيج متماسك  يبرز العلاقات التبادلية التأثيرية والتأثرية فيما بينها .

الأهداف العامة للتربية البيئية :

      اتفقت كثير من الأدبيات على أن الأهداف العامة للتربية البيئية هي كما يلي :

1. تنمية الفهم للمصادر الطبيعية وطرق صيانتها وحسن استثمارها ، والتوعية بالنتائج الخطيرة المترتبة على افتقار البيئة من جراء الإهدار في المصادر الطبيعية

2. التأكيد على أن أنواع النشاط البشري ومؤسسات المجتمع تعتمد على المصادر الطبيعية وتوضيح علاقة الإنسان ببيئته من خلال ما فيها من مصادر .

3. إبراز الوقائع التاريخية المحلية والعالمية التي تدل على سوء استغلال بعض المصادر مما يترتب عليه آثار ونتائج اقتصادية واجتماعية .

4. تجسيد التعاون بين أفراد وعلماء ومفكري المجتمعات في الاهتداء إلى حلول عملية لمشكلات البيئة الراهنة .

5. تصحيح الاعتقاد السائد عند البعض بأن المصادر البيئية لا تنضب مهما عبث الإنسان بها وخلق القناعة عند الفرد والمجتمع  بعدم تمكنه من إيجاد البدائل للمصادر الطبيعية مهما بلغ عـــلمه من تقــــــدم .

التربية البيئية من منظور إسلامي :

      أنزل الله الدين الإسلامي وجعله يتوافق مــــع كل ضرورات البقاء ، فجاء الدين

الإسلامي شاملاً كاملاً لكل صغيرة وكبيرة في هذه الحياة مع بيان نفعها أو ضررها على الإنسان المستخلف على هذه الأرض ، فقد اهتم الإسلام بالبيئة ووضح مدى أهميتها ، وفسر كل جانب من جوانبها ، وكيفية تعامل الإنسان معها ليضمن بقائه واستمراره في إطار إيجابي نافع وخال من الضرر من أجل تحقيق المتــعة والفائدة  .

      لذا كان الحفاظ على الموارد الطبيعية في هذا الكون ضرورة يجب أن يلتزم بها كل من يعيش على ظهر هذا الكوكب  لضمان استمرار الحياة ولعدم الإخلال بالنظام الكوني الذي قدره اللهَ عز وجل لتحقيق الفائدة والاستثمار الأمثل لكل ما في الكون .

      ومما لا شك فيه أن الشمولية التي تميز بها الدين الإسلامي الحنيف لم تكن لتهمل جانب الكون ولفت نظر الإنسان إلى إبداع الله عز وجل في خلقه ، وحكمته المتناهية سبحانه وتعالى في خلق بديع لنظام كوني متكامل بحساب دقيق فلم يهمل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقدر لها حجمها وأهميتها ودورها في هذا النظام الكوني البديع

قال تعالى : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) سورة القمر آية 49 .

      فهذا النظام الموزون خلقه المولى عز وجل وسخره لمصلحة الإنسـان وهو دليل على عظمة الخالق عز وجل ، ولكي يكتمل هذا التوازن الكوني جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان جزءاً لا يتجزأ من هذا الكون وجعله ذا صلة وثيقة به من جوانب عديدة ومختلفة  كصلة الاستثمــار والانتفــاع والتعمــير والتســخير لكل ما ينفعه ويخدم

مصلحته ، وصلة الاعتبار والتأمل والتفكير والتدبر في كل شيء في هذا الكون .

      ولقد كرم الله عز وجل الإنسان وميزه عن سائر مخلوقاته في هـــــــــــــــذا الكون  فقد قضت حكمته أن يجعله خليفةً في الأرض ومديراً لها ومنتفعاً بثرواتها وخيراتها ومستثمراً لها ومؤتمناً عليها ولكنه ليس مالكاً لها ولا متصرفاً بها بدون وجه  حق  .

      إن الدين الإسلامي يعتبر الانتفاع بمكونات هذه الأرض وخيراتها حق للجميع وليس لشخص دون آخر وبالتالي فالعلاقة بين الناس جميعاً هي علاقة شراكة في الانتفاع بخيرات هذه الأرض كل حسب حاجته ، ولا يحق لأحد أن يسيء لهذه العلاقة أو يفسد شيء منها ، وحق الاستثمار والانتفاع يتضمن بالضرورة التزام الإنسان بالمحافظة على كل الموارد الطبيعية على وجه الأرض كماً وكيفاً ، ولا يجوز له تغيير طبيعتها التي تلائم الحياة فيها أو الإسراف في استخدام مواردها بما قد يقضي عليها أو يشوهها أو يعرضها للدمار ، وهذا الموقف الإيجابي للإسلام من البيئة لا يقوم

على الحماية ومنع المفاسد فقط بل يقوم أيضاً على البناء والعمارة والتنمية ، والقاعدة الفقهية تقول : ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) ومن أهم القواعد التشريعية الإسلامية الأساسية التي يمكن أن تبنى عليها جميع النظم والإجراءات  والتدابير لحماية البيئة والحفاظ عليها ما يلي :

1.  يجب مراعاة تدرج المصالح بترجيح الضرورية الأولية منها على المصالح الثانوية .

2.  ضرورة التوعية الدينية الإسلامية في هذا المجال لجعل كل فرد يعمل بنفسه على حمايـة بيئته ، قال الله تعالى : ( والله لا يحب الفساد ) سورة البقرة آية 205.

      ويقول : ( ولا تفسـدوا في الأرض بعد إصلاحها ) سورة الأعراف آية 56.  

3. حماية البيئة والمحافظة على مواردها وتنميتها واجب ديني وعلى كل شخص يلتزم بمسئوليته الفردية من رعاية نفسه ومجتمعه .

4. مراعاة اختلاف المصالح في درجة التحقيق والثبوت بين المصالح الحقيقية الواقعية والمحتملة حيث تقدم الأولى على الأخرى .

5. يجب على الإنسان أن يعي أن جميع العناصر البيئية هي حق مشترك بين الجميع  وليست ملكا ًله وحده بل يحق للجميع الانتفاع كل قدر حاجته كماً وكيفاً .

6. دعوة الأفراد بكل الوسائل وعلى جميع المستويات إلى الالتزام بالآداب الإسلامية في التعامل مع البيئة ومواردها وترشيد الانتفاع بها واستثمارها وتنميتها  وتذكيرهم بأن الله عز وجل نهى عن التبذير والإسراف في كل شيء فيها أو إتباع مداخل الضرر والفساد بها .

7. يجب تدخل ولاة الأمر للحفاظ على البيئة وحمايتها من عبث أي عابث ضمن حدود المقاصد العامة للتشريع الإسلامي حسب القاعـــــدة الفقهية التي تقول : ( تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة ) .

      إن التربية البيئية الإسلامية ينبغي لها أن تنطلق من هذه المفاهيم الإسلامية وتسعى إلى تحقيقها حتى تستطيع أن تغرس في الأجيــــال الحالية والقادمة السلوكيات البيئية الإسلامية وهي الســـــلوكيات التي تحمي عناصر المنظومة البيئية وتصونها .

دور الإعلام في التربية البيئية :

      إن وسائل الإعلام بمختلف أشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة تعد مصدراً هاماً لتقديم المعلومات البيئية وتوجيه الأنظار إلى مشكلاتها ، وكيفية وضع الحلول لها أو منع حدوثها ، وقد تطورت وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة تطوراً كبيراً وازدادت قدرتها على التأثير بسبب سـهولة الاتصال ودخول وســـــــــائل الإعــلام كل بيت  حيث تقوم هذه الوسائل بتقديم معلومات متنوعة تشمل معظم نواحي الحياة البشرية .

      والإعلام سلاح قوي له قدرة كبيرة على التأثير في فكر الأفراد وآرائهم ولذلك كان من الواجب الاستفادة منه في زيادة الوعي البيئي ، والمساهمة في تكوين تربية بيئية سليمة تعمل على حماية البيئة ويمكن أن يتم ذلك عن طريق التوجيه والعمل من أجل تحقيق الأمور التالية :

1. توقف الإنسان عن اعتبار نفسه سيد الطبيعة أو مالكها لأن الإنسان ليس سيد الطبيعة فسيادته فيها نسبيه تتجلى بالمقارنة بينه ككائن حي عاقل يملك الفهم  ومعرفة القوانين الطبيعية وكيفية التعامل معها .

2. التوقف عن ممارسة العادات الاستهلاكية السيئة مثل الإسراف في استخدام المياه والكهرباء وغير ذلك من المواد وعدم  التعامل معها على أنها سلع رخيصة .

3. إنشاء بنوك للمعلومات البيئية وتسهيل تبادل هذه المعلومات بين مختلف الأقطار العربية والعالمية .

4. إقامة دورات تدريبية للعاملين في مجال الإعلام البيئي وتقديم المعلومات البيئية  المناسبة لهم التي من شأنها أن تساعدهم في مهامهم الإعــلامية المتعلقة بالبيئة .

5.  إقامة المعارض العامة المتعلقة بالبيئة وتوجيه الاهتمام إليها مثل معارض الزهور والمعارض الفنية البيئية الخاصة التي تقيمها وتشرف عليها وتدعمها الهيئات والمؤسسات المهتمة بحماية البيئة .

6. تشجيع المسئولين على إنشاء الحدائق الوطنية وإنشاء المحميات في المناطق الصحراوية في مناطق الغابات وفي المياه وغيرها.

 

مراجع الفصل الثالث

1.  إسماعيل شوقي ، مدخل إلى التربية الفنية ، دار الرفعة للنشر ، 2002م .

2.  علي المليجي ، تعبيرات الأطفال البصرية ، القاهرة ،1993م .

3. عبد الأمير شمس الدين ، التربية بين الوراثة والبيئة  ،  مدخل إلى فلسفة التربية  ب.ت .

4. عبد الرحمن النحلاوي ، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة و المجتمع ، دار الفكر ، ب.ت .

5.  محمد عليكة وآخرون ، مدخل إلى مبادئ التربية ، دار القلم ، الــكويت  1984م .

6. صالح عبد الله جاسم ، وعبد الرءوف شفيق ، المواطنة والتربية البيئية ، مجلة التربية  مجلة تربوية علمية فصلية ، إشراف مركز البحوث التربوية في وزارة التربية ، العدد 31 الكويت ، 1999م .

7.  مجدي عزيز إبراهيم  ، التربية البيئية في مناهج التعليم  ، مكتبة الأنجلو المصرية  القاهرة ، 2001م .

8.  نجود سبع العيش ، أهمية التربية البيئية ، فلسفتها ، أغراضها ، أسســـــــــها  ُعرض البحث في مؤتمر التربية البيئية ، ورشــة عمل للقيادات التعليمية بالوطن العربي  إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، عمان ، 1999م .

9. نجود سبع العيش ، التربية البيئية ومناهج المواد الدراسية في التعليم العام  عُرض البحث في مؤتمر ، التربية البيئية ، ورشة عمل للقيادات التعليمية بالوطن العربي تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، عمان  1999م .

 



الفصل الرابع

البيئة وتوجيه عملية تطوير المناهج

r     المنهج ومشكلة حماية البيئة

r     مظاهر الاهتمام بالمناهج الموجهة بيئياً

r     الوزن النسبي للبعد البيئي في المناهج الدراسية

r     نواتج التعلم من المناهج الموجهة بيئياً

r     دور المعلم في التربية البيئية

r     العلاقة بين البيئة والتراث والمناهج

r     مراجع الفصل الرابع

r     الخاتمة

 


 

 

البيئة وتوجيه عملية تطوير المناهج

      أدرك خبراء المناهج منذ زمن أن المجتمع قوة مؤثرة في بناء المناهج وتطويرها  والمجتمع جزء أساسي في البيئة ، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل المجتمع الواحد يضم بيئة واحدة أو أكثر ؟.

      المجتمع عادةً يضم بيئات متنوعة ، بيئة زراعية وصناعية وتجارية وساحلية وغيرها من البيئات ، وهذا يعني تنوعاً في أنماط البيئة في المجتمع الواحد من حيث الطبيعة والموارد ، كما يوجد اختلاف في طرق الحياة في البيئات المتنوعة ، ومن أهم أشكال التمييز في بيئات المجتمع الواحد تعدد الثقافات الفرعية ، فجميع الناس في مجتمع معين قد يتحدثون باللغة العربية ولكن طريقة أداء اللغة ذاتها يختلف من بيئة إلى أخرى  ولذلك لا يكون من اليسير أن يتم تخطيط منهج ما من مدخل بيئي محدد لكل البيئات في المجتمع الواحد ، ولكن لابد أن تتنوع المناهج حسب تنوع البيئات .

      وقد يعترض البعض على كون المنهج يأخذ عدة أشكال تبعاً لنوعية البيئات  ولكن الحقيقة أن هذه الرؤية للمنهج أخذت بها كثير من الدول ، حيث أخذت بعضها بالمناهج البيئية الخالصة فأضيفت إلى المناهج الدراسية والجدول الدراسي على هيئة مادة مستقلة ، ومبررات هذا الاتجاه هو أن البيئات تختلف كما يختــلف الأفراد ، فإذا كانت ظاهرة الفروق الفردية شائعة بين التربويين ، وتجد انعكاساتها المباشرة في عملية التدريس ، فإن اختلاف البيئات في أنماطها ومواردها وطبيعتها لها الأهمية ذاتها.

      وقد أخذ فريق آخر من التربويين اتجاهاً مغايراً وهو دمج مفاهيم التربية البيئية في مختلف المناهج القائمة ، بمعنى إعادة صياغة مضامين المناهج سواء كانت رياضيات أو علوم أو دراســـات اجتماعية أو لغة قومية أو لغات أجنبية أو غيرها وقد أُعتمد في ذلك على بحوث متخصصة لتحديد قوائم بالمفاهيم ثم تحديد المدى والتتابع المناسب لكل صف بشكل تراكمي .

      وسواء أُخذ بهذا الأسلوب أو ذاك فإن الأمر يعني وجود وعيٍ عام بين خبراء البيئة وخبراء التربية وخبراء المناهج بوجه خاص بخطورة ما تتعرض له البيئة من مخاطر على يد الإنسان ، وبالتالي تصبح تربية الإنسان تربية بيئية أساسية  في كل المراحل العمرية التي يمر بها ولابد أن تُخضع لخبرات مباشرة مخططة ومقصودة بحيث تنظم التفاعل بين الإنسان والبيئة ، والمجتمع في هذا الشأن يسعى بجدية نحو صحة البيئة  فهو يريد بيئة سليمة مناسبة لحياة الإنسان في الحاضر، كما يريد حماية البيئة ليجد الأبناء في المستقبل بيئات صحية يمكن أن يعيشوا فيها بأمان ويستثمروا مواردها أفضل استثمار على المدى البعيد .

      وفي هذا الصدد نجد أن كل دولة تدرس وتبحث في تجارب الأمم الأخرى نحو

المشكلات البيئية التي قد يؤخذ بها مباشرة  أو يتم إجراء تعديلات عليها طبقاً لحجم المشكلة ونوعها ومدى تأثيرها ، وقد تُرفض هذه التجارب كلياً ويتم البحث في أساليب جديدة مبتكرة من الواقع ذاته ، وهذا أمر يجعل مواجهة المشكلات أمراً يرتبط بطبيعة المجتمع وإمكاناته وظروفه ومدى توفر الإمكانات البحثية اللازمة .

المنهج ومشكلة حماية البيئة :

      إن إفساد الإنسان لبيئته حقيقة قائمة ، تمثل خطورة بالغة على سكان هذا العالم  لذا تحتل هذه المسألة مكان الصدارة في المناقشات والتحليل والدراسة والبحث على جميع المستويات ، وعلى الرغم من ذلك فإن المدرسة لم تلعب دورها المنشود والمفروض أن تقوم به تجاه هذه القضية ، لذا فإن طرح الأسئلة التالية لإيجاد إجابات شافية ومقنعة عنها بات أمراً ضرورياً وهاماً .

  • هل تسهم مناهجنا في توضيح أهمية البيئة التي يعيش فيها المتعلم ؟

  • ·هل تعطي مناهجنا صورة حقيقية للمشكلات الموجودة في بيئة المتعلم ؟

  • هل ما يتعلمه المتعلم من معرفة ومهارات وسلوك من خلال المناهج التي يدرسها يساعده في وضع حلول لمشكلات البيئة التي يتعامل معها ؟

  • هل تعطي المناهج جرعات وقائية من المعارف والخبرات كي تساعد على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ظهور مشكلات بيئية جديدة ؟

للإجابة عن الأسئلة السابقة ، نقدم بعض القواعد التي يجب مراعاتها في عملية التربية والتعليم بشكل عام وهي :

1. يجب أن تتضمن المناهج ما يثير اهتمام المتعلم وحماسه نحو بيئته بطريقة تنمي لديه جميع عمليات التفكير العليا والدنيا بكل أنواعها .

2. تعتبر كل مراحل التعليم العام والعالي مسئولة عن تجسيد التربية البيئية  للمتعلمين

3. من الضروري أن تسهم كل المناهج الدراسية والنشاطات التي تشرف عليها المدرسة في احتواء التربية البيئية بكل تفاصيلها ، فبعضها تمد المتعلمين بالمعلومات والمفاهيم والحقائق العلمية ، وبعضها الآخر تقوم بتكون القيم والاتجاهات والمدركات نحو البيئة وتحقيقها سلوكياً.

4. أن تبحث المناهج القضايا البيئية الكبرى من وجهات نظر محلية وإقليمية ودولية حتى يتكون لدى الطلاب خبرات متنوعة عن الظروف البيئية في المناطق الجغرافية الأخرى من العالم .

مظاهر الاهتمام بالمناهج الموجهة بيئياً :

      توجه مراكز البحوث اهتماماً واضحاً لقضية المناهج الموجهة بيئياً ، كما يلقى هذا الاتجاه اهتماماً بالغاً على مستوى الأمة العربية من خلال المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، وما تعقده من مؤتمرات وندوات متخصصة في شأن البيئة والتربية البيئية ، إما على المستوى المحلي أو على المستوى العالمي كما أن المنظمات الدولية وبعض المنظمات غير الحكومية ، والجمعيات الأهلية المهتمة بأمر البيئة والتربية البيئية تقوم بجهود واضحة في هذا الشأن .

      إن هذا الاهتمام الذي لا ينقطع بل يتزايد كل يوم يشير إلى وعي الدول بخطورة المشكلة  وأهمية تربية الفرد تربية بيئية ، فكثير من الجهات وعلى كافة المستويات طرحت قضايا بيئية عديدة ذات أبعاد تربوية ، فعقدت الندوات والمؤتمرات التي تبحث  قضية السلوكيات والأخلاقيات البيئية والقيم المرتبطة بها ، فالسلوك البيئي مرتبط ارتباطاً قوياً بالاتجاهات والقيم ، فعندما يسلك الفرد سلوكاً رشيداً أو يسلك سلوكاً عدوانياً نحو البيئة نجده مدفوعاً بمفاهيم وقيم صحيحة أو مفاهيم وقيم غير صحيحة

      وهكذا يتبين أن القصد من وراء المناهج الموجهة بيئياً ليس مجرد معلومات عن البيئة ولكن المسألة أعمق من ذلك ، فهي متعلقة بتشكيل الفكر والوجدان من أجل خدمة البيئة بشقيها الطبيعي والاجتماعي ومنع ما يلحق بها من مشكلات وأخطار .

      وقد اهتمت وزارة التربية والتعليم  بهذا الأمر اهتماماً كبيراً ، فقام مركز تطوير المناهج بإنتاج ومراجعة مواد تعليمية للمناهج في مرحلة التطوير لكي يظهر فيها البعد البيئي لبعض المواد الدراسية ، ولاشك أن الاهتمام الرسمي على كافة المستويات يؤدي إلى تأثر المتعلمين والمجتمع بالبعد البيئي .

الوزن النسبي للبعد البيئي في المناهج الدراسية :

      نظراً لما يستجد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تطرأ على المجتمع فإن المناهج الدراسية لابد أن تستجيب لهذه التغيرات ، وهذه الاستجابة قد تكون جزئية أو كلية ، فالتغير قد يظهر بشــكل جزئي أو كلي  والمطلوب إعداد مناهج تتخذ من هذه التغيرات محوراً لها .

      ويبدو أن درجة اهتمام المناهج بهذا الأمر يتوقف على مستوى الاهتمام الرسمي  كما يظهر في نمط الفكر التربوي السائد ، حيث لا يمكن تحديد أي قدر من الجانب البيئي يمكن تضمينه بمناهج التعليم في كل مستوى دراسـي ، وكما أن هذا القدر يختلف من مستوى دراسي إلى مستوى دراسي آخر فهو يختلف أيضاً من مادة دراسية إلى أخرى ، وهذا الأمر يعتمد على الوزن النسبي الذي يقرره خبراء البيئة وخبراء المادة بناءاً على الأهداف المحددة للمنهج .

      وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يمكن الجزم بأن منهجاً إضافياً في التربية البيئية يؤدي إلى تكوين الاتجاهات الموجبة نحو البيئة ، وتشكيل وتنمية القيم والأخلاقيات البيئية وكذلك السلوكيات البيئية الرشيدة والمطلوبة في زمن قل فيه عطاء البيئة أمام عدوان الإنسان عليها ، ويبدو أن زيادة أو نقصان قدرة المعرفة البيئية في المنهج الدراسي ليس له قيمة كبيرة ، والمهم هو نواتج التعلم التي تتوقف على مدى التفاعل بين الخبرة والمتعلم من ناحية ، وعلى قدرة المعلم على تنظيم وإدارة المواقف الكفيلة ببناء المفاهيم والاتجاهات والقيم وتطويرها من ناحية أخرى ، والأمر الأهم في هذا الشأن أن يكتسب الفرد إلى جانب المفاهيم والاتجاهات والقيم المهارات الأساسية اللازمة للتعامل الذكي والرشيد مع البيئة .

نواتج التعلم من المناهج الموجهة بيئياً :

     عندما يمر المتعلم بخبرة ما يُقدر حجم التعلم  بمدى ما يحدث من تفاعل ومشاركة من جانب المتعلم مع مكونات الخبرة ، وقد يمر المتعلم بخبرة ما ولا يتعلم منها إلا بعض المعارف العلمية المقررة له ، وفي هذه الحالة يُقال إن الخبرة لم يكن لها التأثير القوي .

      وفي الحقيقــــــة هناك العديد من العوامل التي تؤثر في نواتج التعلم من أهمها  :

1.  طبيعـــــة الخبرة من حيث عمقها وثرائها ومكوناتها وقدرتها على التأثير في الفرد.

2. جهـــد المعلم في تنظيم الخبرة وإدارتهـــــــا وطرق تفعيلهــــــا بحيث يتم التفاعل على أفضل نحـــو ممكن في العمليـة التربويــة .

3.  وضوح الأهداف التي يرجى تحقيقها في الخبرة والتفاعل مع مكوناتها.

4.  العوامل المادية المؤثرة في مستوى حياة الفرد .

5.  الظـــــروف الاجتماعيـــة التي يعيشها الفرد .

6.  الخبرات السابقة لدى الفرد ذات العلاقة بالخبرة الحالية .

7.  مستوى قدرات الفرد ، وقابلية الخبرة الحالية للتطبيق في الواقع الخاص به .

8.  موقف المؤسسة التربوية من تعدد الخبرات وتنوعها .

9.  طبيعة عملية التقويم السائدة ومدى شمولها لنواتج التعليم من الخبرة .

      وبناءً على ذلك فإن نواتج التعليم ليست واحدة ، أي أنه لا يوجد نمط واحد للتعلم من خبرات البعد البيئي المتاحة في المنهج ، فهي مختلفة وتتأثر بإحدى أو بعض العوامل سابقة الذكر ، وأكثر الأمور خطورة في هذا الشأن هو أن يكون ناتج التعلم مجرد حفظ بعض المعلومات البيئية خلال أي منهج دراسي  واجتياز الامتحان فيه بنفس الأسلوب التقليدي السائد الذي يقتصر على تذكر الحقائق والمعارف .

      إن الحقائق والمعارف البيئية مطلوبة وأساسية في أي منهج دراسي ولكن الخطأ أن يكون ذلك هو الهدف الأسمى والذي لا يُعلوا عليه أي هدف آخر من الأهداف التعليمية والتربوية ، والأمر هنا متعلق بالقيمة الوظيفية للحقائق والمعارف البيئية ، فهي أساسيـــــة من أجل الفهم والتفسير والاستنتاج والربط وإيجاد العلاــقات ، وهي مطلوبة أيضاً لتنمية المفاهيم والخروج بتعميمات وتشكيل خرائط معرفية للعلوم البيئية ذاتها ولا بد لهذا البعد المعرفي أن تكون فيه الحقائق والمعارف البيئية المتاحة مؤثرة بدرجة تؤدي إلى تعديل الاتجاهات نحو البيئة ، وتكوين اتجاهات موجبة نحو مواردها من أجل المحافظة عليها واستثمارها على أفضـــل نحو ممكن مع تقدير ما تبذله الدول

 والحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية والمؤسسات  في هذا الاتجاه .

      ومن نواتج التعلم الأساسية أيضاً أن تؤدي الحقائق والمعارف إلى إكساب المهارات المتنوعة اللازمة للتعامل مع البيئة بذكاء واحترام والتزام ، ولا يمكن الجزم بأن مجرد تعليم حقائق ومعارف بيئية يؤدي إلى تكوين هذه الجوانب الوجدانية الأدائية لدى الفرد المتعلم ، وهذه المسألة تحتاج إلى أن :

1. يتعايش المتعلم مع مواقف حقيقية في البيئة ثم يلاحظ ويسجل ما شاهده في البيئة ويكتب تقارير موجزة عنها ثم يناقش كل ملاحظاته التي شاهدها في معايشة البيئة .

2.  يحدد المتعلم مشكلة ما أو مشكلات معينة تعاني منها البيئة .

3.  يحدد المتعلم أسباب المشكلة ثم يفكر في كيفية العلاج والبدائل المتاحة .

4.  يحدد المتعلم دوره كفرد في المجتمع ويحدد دور الأسرة والمجتمع تجاه المشكلة .

      وهذه العوامل المؤثرة في نواتج التعلم من النواحي البيئية لاشك أنها تختلف من بيئة إلى أخرى ، ومن معلم إلى آخر ، ومن فصل دراسي إلى آخر ، ومن مدرسة إلى أُخرى ، ولكن الأمر المؤكد أن المعلم كلما حرص على تحسين وإثراء الخبرات البيئية كلما ساعد ذلك على تحقيق ما يرجوه من أهداف المنهج وبالتالي تحقيق نجاح  العملية التعليمية ، سواء كان بيئياً خالصاً أو مندمجاً في مناهج مدرسية أخرى قائمة .

دور المعلم في التربية البيئية :   ينبغي على المعلم أن يقوم بما يلي :

1. إثارة اهتمام المتعلمين نحو البيئة باختيار موضوعات وظواهر وقضايا تحفزهم على دراستها والمشاركة في حلها .

2. مناقشة خطة الدراسة وربطها بالبيئة مع جميع من يهمهم الأمر من متعلمين  وزملاء ومسئولين داخل المدرسة وخارجها .

3. تنظيم المتعلمين في مجموعات عمل وفقاً لظروف كل منهم على أن تتكامل الأدوار في النهاية وتتضافر لتحقق مبادئ قيمة في المجتمع .

4. إعداد المطبوعات اللازمة لتوجيه المتعلمين نحو الاهتمام بالبيئة من خرائط مناسبة ، وجداول ، وإحصائيات ، واستبيانات وغيرها .

5. تضمين أنشطة المدارس اتخاذ الترتيبات اللازمة لدعوة المتحدثين المتخصصين في البيئة المحلية مثل : المهندس الزراعي أو مهندس الـمباني أو مسئول الكهرباء أو رجل الشرطة لتوضيح ما يتعلق بالبيئة من وجهة نظر علمهم وتخصصاتهم .

6. الاهتمام بصفة عامة بتدريب المتعلمين على التفكير العلمي في حل ما يواجههم من مشكلات بيئية وإكسابهم مهارات التفكير الابتكاري بصفة خاصة.

7. التركيز على ترشيد السلوك البيئي للمتعلمين ، وتوجيهه إلى القواعد والأسس الإسلامية الصحيحة ، واتخاذ القدوة الحسنة الطيبة وسيلة إلى ذلك .

8. المشاركة الفعالة من المتعلم في مختلف المراحل التعليمية في العمل البيئي المشترك  وإدراك علاقة دوره بأدوار الآخرين ومسؤولياتهم الفردية والجماعية .

العلاقة بين البيئة والتراث والمناهج :

      بالنظر إلى الفكر القائم على التوجيه البيئي للمناهج نجد أن جوهر هذه الفكرة هو رصد ما يحدث في البيئة ، ففيه يخرج المتعلم إلى البيئة ويعايشها ويلمس بحواسه كل ما يجري فيها وما يوجد بها من مشكلات ، لذلك فإن المناهج من هذا النوع تقيم العلاقة التفاعلية المباشرة بين المتعلمين والبيئة التي يعيشون فيها لا من حيث المكان فقط ولكن من حيث اعتبار إن الكون كله هو بيئة الإنسان .

      وفي هذه الحالة يصعب أن يلمس الفرد كل شيء بطريقة مباشرة ، لكنه أمام قنوات الاتصال والأقمار الصناعية وشبكات المعلومات وغيرها من أشكال التطور العلمي والتكنولوجي يستطيع أن يحصل على الخبرات المباشرة والخبرات البديلة ، وفي جميع الأحوال نقول إن هذه النوعية من المناهج لا تحتاج إلى الدراسة الصفية المعتادة وإنما تحتاج إلى التعامل المباشر مع مكونات البيئة  سواء في جانبها الطبيعي أو الاجتماعي أو التكنولوجي ، ولهذا يجد خبراء المناهج أنفسهم في موقف يحتم عليهم توضيح ما يجب على المتعلم أن يدركه سواء كان ذلك بالخبرات المباشرة أو غير المباشرة أو البديلة ، وهنا لابد أن نكون على دراية كاملة بإمكانية تنفيذ المناهج التي من هذا النوع وخاصة من ناحية تحديد نمط الإدارة المدرسية ، والإشــراف التربوي  وفلسفة التدريس السائدة ، ومكونات مواقف التعليم والتعلم ، ونظم وأساليب التقويم  بمعنى أن يكون خبراء التخطيط والتنفيذ والتقويم فيه على علم وخبرة كاملة بكيفية التعامل الصحيح مع المناهج البيئية .

      وحيث أن التراث من أهم عناصر البيئة متمثلاً في كثير من مظاهرها الطبيعية والاجتماعية والثقافية ، ونحن الآن بصدد التأكيد على التربية والتعليم البيئي فلابد أن تتبنى مراكز الأبحاث والجامعات ومؤسسات التعليم العالي إنشاء دراسات وتخصصات في مجال البيئة والتراث باعتبار ذلك أمراً هاماً وضرورياً في الوقت الحالي ،  كما يجب على المناهج المطورة توضيح العلاقـة القويـــة التي تربط بين البيئة بأنواعها والتراث وأهمية المحافظة عليهما باختيار خبرات مناسبة من مفردات البيئة والتراث وخاصةً التراث الإسلامي وتضمينها في الكتب المدرسية لكل المراحل والصفوف ، والحرص على اكتساب المتعلمين القيم والمعارف والمهارات الخاصة بتلك المفردات سلوكياً.

مراجع الفصل الرابع

1. أ حمد حسين اللقماني ، وفارعة حسن محمد ، مناهج التعليم بين الواقع والمستقبـل  عالم الكتب ، القاهرة ، 2001 م .

2. مجدي عزيز إبراهيم ، المنهج التربوي وتحديات العصر ، عالم الكتب ، القاهرة  2002م.

الخاتمة:

      الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً على فضله وتوفيقه بانتهاء هذا العمل المتواضع  جعله الله عملاً صالحاً محموداً ، وعلماً هادفاً نافعاً لكل طالب وطالبة علم

طلبا العلم من المهد إلى اللحد .

      وختاماً .. أتقـــــــــــدم بجزيـــــــــل الشــــــكر والامتنــــــــــــان والتقـــــدير لكل من أخذ بيدي وساعدني بالري والمشورة وذلل أمامي كل العقبات في سبيل إنجاز هذا الكتاب من زميلاتي الأستاذات الفاضلات بكلية اللغة العربية ، ومعهد اللغة العربية  وقسم التربية الفنية ، وطالباتي الحبيبات بقسم التربية الفنية وقسم رياض الأطفال .

ووفاءً مني لهن أُقدم اعتذاري عن عدم ذكر أسمائهن خوفاً من سقوط اسم من الأسماء سهواً

بارك الله فيهن جميعاً وجزآهن خير الجزاء في الدنيا والآخرة .

 

د. أميرة عبد الرحمن منير الدين


 



 

مراجع الكتاب

1. إيان. ج.سيمونز ، البيئة والإنسان عبر العصور ، ترجمة السيد محمد عثمان ، عالم المعرفة ، القاهرة ، 1997م .

2.  أحمد عزت راجح ، أصول علم النفس ،دار المعارف ، القاهرة ، 1998م .

3. أ حمد حسين اللقماني ، وفارعة حسن محمد ، مناهج التعليم بين الواقع والمســتقبل  عالم الكتب ، القاهرة ، 2001م .

4.  أحمد رفقي علي ، التذوق والنقد الفني ، المفردات ، الرياض ، 1419هـ .

5. إسماعيل شوقي ، مدخل إلى التربية الفنية ، دار الرفعة للنشر ، الرياض ، 2002م .

6.  ثريا العريض ، مهرجان الجنادرية ، مجلة القافلة ، 2001م .

www.janadria.ory/histary.asp

7. حسن الششتاوي ، ومجدي موسى ، الأسس التشكيلية للتصميم في البعدين وثلاثة الأبعاد للسطوح والأجسام ، جامعة الملك سعود ، الرياض ، 1988م .

8.  حسن الو راكلي ، التراث ووحدة الهوية ، مجلة الفيصل ، العدد 223 .

9.  رشيد الحمد، ومحمد سعيد صباريتي ، البيئة ومشكلاتها ، عالم المعرفة ، الكويت .

10.  رمضان عبد التواب ، مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين ، مكتبه الخانجي  القاهرة ، 1986م .

11.  زين الدين عبد المقصود ، قضايا بيئية معاصرة ، المواجهة والمصالحة بين الإنسان وبيئته  منشاة المعارف ، الإسكندرية ، 2000م .

12.  صالح أحمد الشامي ، الفن الإسلامي التزام وإبداع ، دار القلم ، دمشق ، 1990م .

13.  صالح عبد الله جاسم ، وعبد الرءوف شفيق ، المواطنة والتربية البيئية ، مجلة التربية  مجلة تربوية علمية فصلية ، إشراف مركز البحوث التربوية في وزارة التربية ، العدد 31  الكويت ، 1999م .

14.  عبد الأمير شمس الدين ، التربية بين الوراثة والبيئة ، مدخل إلى فلسفة التربية ،  ب.ت

15.  عبد الرحمن النحلاوي ، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع  دار الفكر  ب.ت .

16.  عبد الهادي بوطالب ، المحافظة على التراث الإسلامي ، مجلة المنهل ، مجلة شهرية للآداب والعلوم والثقافة ، العدد 454 .

17.  عبلة حنفي ، سيكولوجية الفن ، جامعة حلوان ، القاهرة ، 2000م .

18.  علي عسكر ، ومحمد الأنصاري ، علم النفس البيئي ، البعد النفسي للعلاقة بين البيئة والسلوك ، دار الكتاب الحديث ، 2004م .

19.  مجدي عزيز إبراهيم ، التربية البيئية في مناهج التعليم ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة  2001م .

20.  مجدي عزيز إبراهيم ، المنهج التربوي وتحديات العصر ، عالم الكتب ، القاهرة 2002م .

21.  محمد سيف ياسين ، توظيف التراث في التربية الحديثة ، مجلة الفصل ، مجلة ثقافية شهرية  العدد 210 ، 1994م .

22.  محمد عابد الجابري ، التراث والحداثة دراســات ومناقشات ، المركز الثقافي العربي  ب. ت .

23.  محمد عليكة وآخرون ، مدخل إلى مبادئ التربية ، دار القلم ، الكويت ، 1984م .

24.  محمود السيد ، عصرنة التراث .

www.Acatup.htmlplanet.com/arabizatisonj/accessories/jour7.htm

25.  مصطفى عبده ، المدخل إلى فلسفة الجمال ، محاور نقدية وتحليلية وتأصيلية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 1999م .

26.  محمد قطب ، منهج الفن الإسلامي ، دار الشروق .

27.  نجود سبع العيش ، أهمية التربية البيئية ، فلسفتها ، أغراضها ، عُرض البحث في مؤتمر  التربية البيئية ، ورشة عمل للقيادات التعليمية بالوطن العربي ، إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم  عمان ، 1990م .

28.  نجود سبع العيش ، التربية البيئية ومناهج المواد الدراسية في المراحل التعليم العام   عُرض البحث في مؤتمر، التربية البيئية ، ورشة عمل للقيادات التعليمية بالوطن العربي  تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، عمان ، 1999م .

29.  مفكرون غربيون وصفوا التراث الإسلامي .

www.balagh.com/mosoa/garb/3iopipvi.htm .

30.  يوسف خليفة غراب ، المدخل للتذوق والنقد الفني ، دار أسامة للنشر ، الرياض 2001م .