المنقول  والمرتجل

عند الــنُّحاة

 

 

 

 

إعداد

الدكتور : حمَّاد بن محمد الثمالي

جامعة أم القرى/كلية اللغة العربية

مكة المكرمة

 

 

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

فإن علم النحو قد فاز بنصيب وافر من اهتمام علماء هذه الثقافة المباركة التي أُسُّها الأول الإسلام الذي نمت دوحتها في ظله المبارك ، فكانت ثقافة جادة اعتَنَت بالدقيق والجليل من قضاياها ، فكان نتاجها ما نراه تحت أيدينا من هذا التراث الضخم الذي لا أحد يحيط بمجمله فضلاً عن تفصيلاته . فإن أحدنا حين تعِنُّ له مسألة واحدة من مسائله أو موضوعٌ واحدٌ من موضوعاته فيعرض له بعض ما يريد استيضاحه يجد نفسه أمام ثروة طائلة من دقة النظر ووضوح المراد وبراعة الاستنتاج لا يكاد يصدقه لولا أنه واقع لا ينكر .

يقف أمام ذلك فيرى ظآلة ما لديه مقارنة بما كان لدى أولئك القوم ، فيبهره سعة علمهم ، وكثرة محفوظهم ، وعمق استنتاجهم ، وردِّهم الشبيه إلى شبيهه ، وتمييزهم الشاذ ، واستخراج وجه شذوذه ، كل ذلك مقروناً بالدليل الواضح ، والبرهان الساطع دون تشنيع أو تجريح أو تعالٍ يورث الازدراء والبغضاء ، فرحم الله أولئك القوم حاملي الخير ومشعل الهدى والرشاد .

وكان الحافز على كتابة هذه الأسطر ما رأيته من اضطراب وغموض ، فقد نسب بعضهم إلى سيبويه القول بأن جميع الأعلام منقولة وليس فيها مرتجل عنده، في حين أن بعضاً آخر نسب إليه القول بأن منها منقول ومنها مرتجل ، وبعضهم ينسب إلى الزجاج القول بأن جميع الأعلام مرتجلة ، وهناك من المتأخرين من يزيد قسماً ثالثاً لا منقولاً ولا مرتجلاً لم يسبقهم به أحد من المتقدمين .

ثم استوقفني أيضاً تقسيمهم العَلَم إلى منقول ومرتجل ومفرد ومركب ، وهذا في ظاهره يشير إلى أن كل قسم من هذه الأقسام الأربعة يرسم جزء من الصورة الكلية للعَلَم ، والحقيقة أنها قسمة متداخلة فالعَلَم إما منقول وإمّا
مرتجل ، والإفراد والتركيب فرعان على المنقول والمرتجل لا أقسام ، ثم رأيت غموضاً آخر في مصطلح المرتجل خاصة من حيث علاقة هذا المصطلح بالمعنى اللغوي ، فالمعهود أن المصطلحات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعنى اللغوي إلاّ أن المرتجل ليس فيه ذلك الرباط الذي يجب أن لا تخطئه العين ، فالمرتجل لغة من ارتجل الخطبة أو القصيد ؛ أي أنشأها من غير تهيئة وتروي ، وكأنه قالها وهو واقف على رجله فلم يمعن النظر ، وإنما قالها على عجل ، أو أنه مشتق من ارتجل الحجر ؛ أي أخذه من تحت رِجْلِه ، فلا تكاد تظهر العلاقة بين هذا المعنى اللغوي وبين المراد بهذا المصطلح ، هذه المشكلات وغيرها كانت تحتاج الجواب الذي يزيل الغبش ويظهر المراد .

إن مصطلحي (( المنقول )) و(( المرتجل )) ظهرا متأخرين ، فظهر النقل على يد أبي بكر بن السراج ، وظهر (( المرتجل )) على يد أبي الفتح بن جني ، وكان الغرض من هذين المصطلحين وصفَ أوَّلِيَّة وضع الأعلام وما أخذت منه .

وقد كان السابقون لأبي بكر بن السراج وأبي الفتح يصفون أوَّلِيَّة وضْعِ تلك الأعلام بـ(( الاشتقاق )) وهم لا يعنون باشتقاق الأعلام هنا المعنى الاصطلاحي للفظ الاشتقاق وهو : أخذ لفظ من آخر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى ، وإنما يريدون بالاشتقاق المعنى اللغوي للاشتقاق وهو الأخذ مطلقاً ؛ أي أخذ العَلَم من كلام العرب سواء كان الأخذ من ما له
 مادة اشتقاقية أو من ما ليس له مادة اشتقاقية ، فـ(( حَسَنٌ )) مثلاً مأخوذ من الصفة المشبهة المشتقة من الحُسْن و(( أسدٌ )) مأخوذ من اسم الحيوان المفترس
الأسد ، والأسد ليس له مادة اشتقاقية و(( عُمَرَ )) مأخوذ من عامر ، فهذه الأعلام الثلاثة يصفها العلماء القدماء كالخليل والأصمعي وغيرهما بالمشتقات ، ثم تطور معنى الاشتقاق هذا فأصبح مكانه عند أبي الفتح ابن جني مصطلحي (( المنقول )) ،
و(( المرتجل )) .

والمراد بالمنقول : ما أُخِذَ من كلام العرب ثم وُضع على العلم دون تغيير في اللفظ المأخوذ منه سواء كان المأخوذ منه له أصل اشتقاقي كـ(( حسن )) أم كان جامداً كـ(( أسد )) .

والمراد بالمرتجل : العلم الذي أُخِذَ لفظه من مادة مشتقة إلاّ أنّ لفظ العلم هذا لم يسبق له أن استعمل قبل العلم في غيره نحو : (( عثمان )) ، فليس عثمان بهذا اللفظ مستعمل في غير العلم .

وإنما سمي مرتجلاً لأن اشتقاقه ليس مطّرداً مقيساً فلا يصح لنا أن نشتق من المصدر على وزن (( فُعْلان )) ، وإنما هذا اشتقاق جاء مع الأعلام ، فلمّا لم يُراعَ فيه ما يراعى في المشتقات المطردة اعتبر خارجاً عن القياس وأَنَّ واضعه ارتجله ، ولم يترو فيه فيخرجه على وَفْق ما يُشْتق .

هذا هو المدار الرئيس لهذا البحث وقد نسّقته في عدة مباحث هي :

المبحث الأول : معنى المنقول والمرتجل .

المبحث الثاني : تطور مصطلحي النقل والارتجال .

المبحث الثالث : معنى المرتجل وتطوره .

المبحث الرابع : علاقة المنقول والمرتجل بالمفرد والمركب .

المبحث الخامس : المنقول وفروعه .

المبحث السادس : المرتجل وفروعه .

المبحث السابع : ما ليس منقولاً ولا مرتجلاً .

وبعد : فإنني أرجو أن أكون موفقاً في معالجة قضايا هذا البحث مُبيناً ما أشكل منها ، فقد بذلت الوسع والطاقة ، ولا أدعي الكمال ، وحسبي أنني اجتهدت ، والموفَّق من وفقه الله ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه .

معنى المنقول والمرتجل

إن من نافلة القول أن نقول : إن العلماء قاطبة قد درجوا على تقسيم ما يعانونه إلى أقسام مختلفة تنتظم شتات ما يريدون الحديث عنه ، فمما تحدث عنه النحاة الاسم ، فقد قسَّموه إلى أقسامٍ كثيرة باعتبارات شتى ، وكان من تلك التقسيمات تقسيمهم (( العَلَم )) إلى (( منقولٍ )) و(( مرتجلٍ )) .

فالعَلَمُ عند النحاة من لدن أبي الفتح بن جني - رحمه الله - إلى يوم الناس هذا يشتمل على قسمين رئيسين هما : (( المنقول )) و(( المرتَجَل )) ، قال أبو الفتح :
(( فأصل انقسامها ضربان : أحدهما : ما كان منقولاً ، والآخر : ما كان مرتجَلاً من غير نقل ))([1]) .

فابن جني حين جعل الأعلام على هذين القسمين نظر إلى أوَّلِيَّة وضعها ، والأصل الذي أُخِذت منه ، فهي إما أن ألفاظها سبق وأن استعملت قبل الأعلام لشيء غيرها ، وإمّا أنها لم يسبق لها أن استعملت في شيءٍ غيرها ، فالأول هو (( المنقول )) والثاني هو (( المرتجل )) ، وقد عَرَّف العلماء - رحمهم الله - كل منهما بتعريفات متقاربة مستفادة من واقعهما الذي أخذا منه ، وهنا أريد أن أضع لكل منهما تعريفاً واضحاً يشير إلى مدلولهما ، والواقع الذي كان لهما ثم آلا إليه .

فأقول : إن المنقول ([2]) : هو العلم الذي سبق أن استعمل لفظه في شيءٍ
 آخر قبل العلمية ، ثم نقل ذلك اللفظ بتلك الصيغة فيما بعد فسمي به العلم .

وذلك نحو : أسد ، فإنه نُقِل من اسم الجنس للحيوان المفترس ، وحاتم نُقِل من الصفة ، ويزيد نقل من الفعل ... وهكذا .

وأمّا المرتَجل : فهو العلم الذي له مادة اشتُقَّ منها ، ولم يستخدم لفظه تحديداً في غير العلمية ، نحو : سُعاد ، وأُدَدَ ، وغَطَفَان ، وعُمر ، فسُعاد لها مادة اشْتُقَّت منها وهي (( السعد )) ، ولكن صيغة سعاد نفسِها لم تستخدم قبل العَلَم في غيره ، فسمي ابن جني ما كان من الأعلام على هذه الهيئة من الاشتقاق
بـ(( المرتجل )) وسيتضح في المبحث التالي سبب هذه التسمية ، ومن ثم يزول ما اعترى هذا المصطلح من غموض.

تطور مصطلحي النقل والارتجال

لقد ذكرت سابقاً أن أبا الفتح بن جني - رحمه الله - قسَّم الأعلام إلى قسمين رئيسين هما : (( المنقول )) و(( المرتجل )) ، والحقيقة أنه هو أولُ من استخدم هذين المصطلحين معاً بهذين اللفظين ، وإن كان الفضل الأوَّل في البدء بتقسيم الأعلام يعود إلى أبي بكر بن السراج - رحمه الله - ، فإنه هو الذي فتح الباب لأبي الفتح بن جني ، فقد جعل الأعلام من حيث أوَّليّة وضعها وما أخذت منه ثلاثة أقسام هي : (( المنقول )) و(( المشتق )) والأعجمي([3]) ، ثم أتى بعده أبو الفتح ابن جني - رحمه الله - فاستفاد من تقسيم أبي بكر هذا ، فذكر أن أصل انقسام الأعلام قسمين : (( منقول )) و(( مرتجل )) فبقي هذا التقسيم إلى يوم الناس هذا ، فكانت تسمية (( المنقول )) بهذا الاسم من مصطلحات أبي بكر بن السراج
- رحمه الله - وسَمّى أبو الفتح بن جني ما كان يسميه أبو بكر بن السراج
بـ(( المشتق )) سماه بـ(( المرتجل )) فتمت تسمية هذين المصطلحين على يد أبي الفتح ، وبقيا مستعملين إلى هذا الوقت .

إن أبا الفتح يعتبر الحلقة الأخيرة في سلسلة تطور مصطلحي (( النقل )) 
و(( الارتجال )) ، وهذا يتطلب منا معرفة الطريق الذي سلكه هذان المصطلحان إلى أن وصلا إلى أبي الفتح.

لقد ذهبت أبحث عن هذين المصطلحين لدى المتقدمين كالخليل وسيبويه
وغيرهما ، فلم أظفر باستخدامها لدى أحدٍ منهم رغم أن كثيراً من النحاة
 ينسبون إلى سيبويه القول بـ(( النقل والارتجال )) تارة ، وينفون عنه القول
بـ(( الارتجال )) تارة أخرى ، والحقيقة أن هذين المصطلحين لم يكونا قد ظهرا لدى سيبويه ولا لدى غيره من المتقدمين وإنما ظهرا بأَخَرَةٍ ، فظهر (( المنقول )) عند ابن السّراج ، ثم ظهر (( المرتجل )) عند ابن جني ، إلاّ أني رأيت الخليل وسيبويه والأصمعي وأبو بكر ابن دريد - رحمهم الله - على صلة بالحديث عن أوَّلِيَّة وضع الأعلام ، والأصل الذي أخذت منه ، فكانوا يصفون الأعلام من حيث أوَّلِيَّة الوضع بـ(( الاشتقاق )) فقط ، ولا يصفونها بـ(( المنقولة )) و(( المرتجلة )) فظهر لي فيما بعد أن وصفهم هذا كان سائد في تلك الحقبة ، ثم حل محله مصطلحي
(( النقل )) والارتجال .

ولكن تجب هنا الإشارة إلى أمرٍ بالغ الأهمية في هذا الشأن ، وهو أن معنى الاشتقاق عندهم حين يطلقونه على الأعلام خاصة لا يريدون به المعنى الاصطلاحي وهو أخذ كلمة من كلمة أخرى ، وإنما يريدون به المعنى اللُّغَوي ، وهو (( الأخذ )) مطلقاً سواء كان العَلَم مأخوذاً من مادة ذات أصل اشتقاقي ، أم مأخوذاً من مادة غير مشتقة ، ، فـ(( أسد )) و(( حسن )) كلاهما مشتق في عرفهم ، وسنبسط القول فيه بعد ، وإليك أقوالهم وما يؤثر عنهم في وصفهم لأَوَّلِيَّة الأعلام بـ(( الاشتقاق )) .

أولاً : ما نقل عن الخليل : قال أبو بكر بن دريد : (( إن بعضهم زعم أن الخليل سأل أبا الدقيش : ما الدقيش ؟ فقال : لا أدري ، إنما هي أسماء نسمعها ولا نعرف معانيها ، ثم قال : وهذا غَلَطٌ على الخليل وادعاءٌ على أبي الدقيش ، وكيف يَغْبَى على أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد - نضّر الله وجهه - مثل
هذا ، وقد سمع العرب سمَّت دَقَشاً ودُقَيْشاً ودَنْقَشاً فجاءوا به مكبراً ومحقراً ومعدولاً من بَنات الثلاثة إلى بَنات الأربعة بالنون الزائدة ، والدقش معروفاً ))([4]) . فابن دُريد هنا يجزم بأنّ الخليل يقول باشتقاق الأسماء الأعلام ، وأنها لابد أن تكون معروفة الاشتقاق ، وقد عرفنا معنى الاشتقاق في الأعلام عندهم ، وأنه الأخذ مطلقاً سواء كان من مادة ذات أصل اشتقاقي أو من مادة ليست ذات أصل اشتقاقي .

ثانياً : ما قاله سيبويه . قال : (( وكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة فإن كان عربياً نعرفه ولا نعرف الذي اشتُقَّ منه ، فإنما ذلك لأنّا جهلنا ما علم غيرنا ، أو يكون الآخر لم يصل إليه عِلْمٌ وصل إلى الأول
المسمِّى ))([5]) .

وقال في موضع آخر : (( ونحو ألف أُدَد إنما هي بدل من واو وُدَدٌ ، وإنما أُدَد من الودّ ))([6]) فإذا كان (( أُدَد )) عند سيبويه من (( الود )) ، فهذا يؤكد لنا
أن سيبويه من خلال نَصَّيْه هذين يصف الأعلام من حيث أَوَّلِيَّة وضعها
بـ(( الاشتقاق )) .

وهي في الحقيقة مشتقات ولاشك ؛ إلاّ أن اشتقاقها ليس بالاشتقاق
المطرد ، وأعني بالمطرد ما كان على نمط مقيس كاشتقاق اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، واسم الزمان ... فهذه الأنواع من المشتقات هي المصطلح على تسميتها بالمشتق ، فإن سيبويه وإن لم يقل إنها مشتقات كما قاله
 في أُدَد والثُّريا ، والصَّعْق فإن اشتقاقها من الأمور البينة وتسمية ما سُمِّى بها مشتقاً من المسلمات ؛ لأن ما دونها في الاشتقاق سماه مشتقاً فهي أولى به .

فعلى هذا يتضح لنا أن سيبويه يصف أَوَّلِيَّة الأعلام بالاشتقاق ، اللهم إلاّ الأعلام المسماة بأسماء الأجناس كأسد وحجر وطلحة فإننا لم نجد له نصاً يقول باشتقاقها أو عدمه ، وإن كنت أرجح أنه يقول باشتقاقها على المعنى الذي يقول به المتقدمون وسبقت إليه الإشارة ، وهو مطلق الأخذ من مشتق أو من غير مشتق ؛ لقول الأصمعي - معاصر سيبويه - باشتقاق مثل هذه الأعلام في كتابه (( اشتقاق الأسماء )) ، ولقول ابن دريد بذلك في مقدمة كتابه (( الاشتقاق )) وفي كلامه أيضاً على فرش الأعلام في الكتاب نفسه ، وسيأتي بيانه بعد .

فإذا كان الخليل وسيبويه يصفان هذه الأعلام بالاشتقاق ، فما المراد عندهما (( الاشتقاق )) هنا ؟ هل يردان به المعنى الاصطلاحي ؟ وهو : أخذ كلمة من كلمة أخرى مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى([7]) ؟ أم أنّ المراد به شيء آخر ؟

إن المتتبع للمراد بـ(( الاشتقاق )) حين يُسْتَعملُ عند القدماء خاصة ، ومع الأعلام خاصة لوَصف أوَّلِيَّة وضعها ، وما أخذت منه يجد أنهم يطلقونه على ثلاثة أنواع ؛ فيطلقونه على الاشتقاق الاصطلاحي الذي سبق تعريفه وهو : الاشتقاق المقيس اشتقاقه كالتسمية باسم الفاعل نحو : حاتم ، والتسمية باسم المفعول نحو : منصور وغيرهما من المشتقات المعروفة .

 

ويطلقونه أيضاً على نوع آخر من المشتق ، وهو المشتق غير المقيس اشتقاقه
كـ(( أُدَد )) و(( الثُّريا )) و(( عُمَر )) فإن (( أُدَد )) من الود ، و(( الثريا )) من الثروة ،
و(( عُمَر )) من عامر ، فإن هذه الأعلام الثلاثة وإن كانت لها أصول اشتقت منها ، فإنه لا يصح أن نقيس عليها فَنَشْتق على منوالها ، فعمر مثلاً برغم أنه من عامر إلاّ أنه لا يصح لنا في كل ما جاء على فاعل أن نأتي منه بمثال على (( فُعَل )) وهكذا البقية ، فمن ثَمَّ كان اشتقاقها غير مقيس .

النوع الثالث مما يطلقون عليه المشتق أيضاً : الأعلام المسماة بأسماء الأجناس كأسد وحَجَر وطَلْحة ، فهذه الأعلام ليست بمشتقة في حقيقتها ، وإنما هي جامدة ، إلا أنهم يسمونها مشتقة ، وسيأتي بيان المراد بذلك .

فتحَصَّل لنا أن هذه الأنواع الثلاثة من الأعلام ؛ وهي : ما كان مشتقاً اشتقاقاً مقيساً مطرداً ، وما كان مشتقاً اشتقاقاً غير مقيس ، وما سُمِّيَ من الأعلام بأسماء الأجناس كلها يصفها قدماء العلماء بالمشتقات حين يريدون وصف أوَّلِيَّة وضعها ، فالقول بالاشتقاق عندهم في هذا الموضع : أشمل من معنى الاشتقاق الاصطلاحي ؛ لأنه يتضمنه وزيادة .

فالمراد حين توصف أوَّليَّة الأعلام بـ(( الاشتقاق )) عندهم هو المعنى اللُّغَويّ لا المعنى الاصطلاحي ، والمعنى اللغوي : هو الأخذ مطلقاً سواء كان من مادة ذات أصل اشتقاقي ، أوكان من مادة ليست ذات أصل اشتقاقي ، قال ابن
برّي : (( الاشتقاق أخذ حرفٍ من حرف ))([8]) فيجب أن نفرق في هذا الجانب بين الاشتقاق الاصطلاحي وبين اطلاق القدماء للاشتقاق على تلك الأنواع الثلاثة
 من الأعلام التي ذكرتها آنفاً ، إلاّ أن لفظ (( الاشتقاق )) عند القدماء الذي يستخدم لوصف أوَّليّة وضع الأعلام أُمِيْتَ ؛ لحلول مصطلحي : (( النقل )) 
و(( الإرتجال )) محله عند أبي الفتح بن جني ومن أتى بعده .

وإنني حين أقدمت على القول بأن العلماء المتقدمين ، وأعني بهم من كان في زمن أبي بكر بن السراج وما قبله ، كانوا يصفون أوَّلِيَّة وضع الأعلام
بـ(( الاشتقاق )) ويعنون به : أخذ تلك الأعلام إمّا من مادة ذات أصل اشتقاقي ، أو أخذها من مادة غير مشتقة ، فما ذلك إلاّ لأنني رأيت عالمين جليلين هما : الأصمعي وأبو بكر بن دريد - رحمهما الله - قد ألف كل منهما كتاباً في اشتقاق الأسماء ، فكتاب الأصمعي بعنوان (( اشتقاق الأسماء )) وكتاب ابن دريد بعنوان (( الاشتقاق )) ، وكلا الكتابين خُصِّصا للحديث عن اشتقاق أسماء الأعلام لا غير .

فكان مما يسترعي الانتباه ويجب التوقف عنده في هذين الكتابين أنهما حين يتحدثان عن عَلَمٍ من تلك الأعلام وله أصلٌ اشتقاقيٌ ، أو ليس له أصل
اشتقاقي ، فإنهما يصفانه بـ(( المشتق )) كـ(( السائب )) مثلاً ؛ فإنه لمّا كان له أصل اشتقاقي قالا : إنه من ساب الماء يسيب سيباً إذا جرى على وجه الأرض([9]) ، وهذا النوع هو الغالب في الأعلام فكان غالب مادتي الكتابين تعود إليه .

وحين يتحدثون عن عَلَمٍ أصله غير مشتق يقولان أيضاً : إنه مشتق
كـ(( عَنْبَسَة )) قالا : إنه مشتق من اسم الأسد هكذا بنصَّيْهما([10])، وقال الأصمعي:
 وفُرَافِصَة اشْتُقَّ من أسماء الأسد([11]) ، وقال ابن دريد : (( حُرْقُوص )) من دويبة أصغر من الحلمة تلصق بأرفاغ الناس ، وما تحت أُزُرِهم مثل القِرْدَان للإبل([12]) .

وقال أيضاً : وحِبَال اشتقاقه من الحبل ، وهو العهد ، يقال : بين بني فلان
حبل ؛ أي عهد ، أو من الحبال المعروفة([13]) .

وقال أيضاً : واشتقاق العنبر من شيئين ، إما العنبر المشموم ، أو من الترس([14]) .

فإذا كان كل من الكتابين يتخذ (( الاشتقاق )) عنواناً له ثم نجدهما مخصَّصين للحديث عن الاعلام عامة ؛ الأعلام ذات الأصل الاشتقاقي والأعلام التي ليس لها أصل اشتقاقي ، ثم يصفان تلك الأعلام جميعها بأنها مشتقات ، فذلك يدل على أنّ القدماء يصفون أوَّلِيَّة وضع الأعلام كلها بـ(( الاشتقاق )) فالأصمعي - وهو من طبقة سيبويه - وأخذ عن أساتذته كالخليل ويونس وعيسى بن عمر - يصف الأعلام بهذا الوصف ثم جاء من بعده ابن دريد ، وهو من طبقة ابن السراج وقد توفي سنة 321 هـ يتفق مع الأصمعي تمام الاتفاق رغم أن بينهما زمن طويل ، فهذا يعني أن هذا الوصف (( الاشتقاق )) بقى زمناً طويلاً على هيئة واحدة حتى استقر بديل عنه مصطلحي (( النقل )) و(( الارتجال )) ، ويسعفنا أن المراد بـ(( الاشتقاق )) هنا الاشتقاق اللغوي وصفُ سيبويه لـ(( الثريا )) و(( أُدَد )) وغيرهما بالاشتقاق وهي ليست بمشتقات اصطلاحاً ؛ فدل ذلك على
 أن وصف سيبويه هذا يعود إلى المعنى اللغوي للاشتقاق ، وهو الأخذ مطلقاً سواء كان من مادة ذات أصل اشتقاقي ، أو من مادة ليست ذات أصل
اشتقاقي ، فهو بهذا يلتقي مع وصف الأصمعي وابن دريد الذي اتضح لنا المراد منه حين يصفان الأعلام المشتقة وغير المشتقة بالاشتقاق ، ولولا هذا لبقي وصف سيبويه غير واضح المقصد .

ونحن ما زلنا نتحدث عن معنى اشتقاق الأعلام عند المتقدمين ، فإن هناك وثيقة أخرى تشير إلى أنهم يستعملون لفظ (( الاشتقاق )) لوصف أَوَّلِيَّة وضعِ الأعلامِ وما أخذت منه ، فقد ذكر أبو بكر بن دريد - رحمه الله - في مقدمة كتابه (( الاشتقاق )) ما هو نصٌ في هذا الشأن ، فقال : (( وكان الذي حَدَانا على إنشاء هذا الكتاب أن قوماً ممن يطعن على اللسان العربي ينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم ، وإلى ادعاء ما لم يقع عليه اصطلاحاً من أَوَّلِيَّتِهم ، وعدّوا أسماء جهلوا اشتقاقها ، ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها ، فعارضوا بالإنكار ، واحتجوا بما ذكره الخليل بزعمهم أنه سأل أبا الدُّقَيْش : ما الدُّقَيْش ؟ فقال : لا أدري إنما هي أسماء نسمعها ولا نعرف معانيها . وهذا غلط على الخليل ، وادعاء على أبي الدُّقَيْش ، وكيف يَغْبَى على أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد - نضَّر الله وجهه - مثل هذا ، وقد سمع العرب سمَّت : دَقَشاً ، ودُقَيْش ، ودَنْقَشاً ، فجاءوا به مكبراً ومحقراً ومعدولاً من بنات الثلاثة إلى بنات الأربعة بالنون الزائدة ، والدَّقْشُ معروفاً ))([15]) .

 

فابن دريد يقول هنا : (( وعدوا أسماء جهلوا اشتقاقها ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها ... )) فإنه هنا ينص على أن أَوَّلِيَّةِ هذه الأعلام تسمى اشتقاقاً ، وكتابه كما سبق القول قد ضمَّنه من الأعلام أعلاماً ليس لها أصل اشتُقَّت معه ، وأعلاماً لها أصل في الاشتقاق ، ولكنه هنا يسميها كلها (( مشتقة )) ، فهذا توثيق من ابن دريد لمعنى (( اشتقاق )) الأعلام ووصف لوضع أَوَّلِيَّتها ، وقد سبق تفسير ذلك بما يغني عن الإعادة .

هذه هي المرحلة الأولى في تطور مصطلحي (( النقل )) و(( الارتجال )) ، فقد بقيت هذه المرحلة ، وهي (( الاشتقاق )) زمناً طويلاً من لدن الخليل المتوفَّى سنة 175 هـ أو سنة 170 هـ إلى زمن أبي بكر بن دريد المتوفَّى سنة 321 هـ ، وفي أثناء هذا الاستعمال لمصطلح (( الاشتقاق )) ظهرت أول بوادر مصطلح النقل
- فيما علمت - على يد أبي العباس محمد بن يزيد المبرِّد ، فقد رأيناه يشير إلى
(( النقل )) باللفظ نفسه الذي أصبح فيما بعد اصطلاحاً ، قال : (( فإن سميت السورة أو الرَّجل أو غير ذلك بفعلٍ أجريته مجرى الأسماء ، وذلك أنك تقول إذا أضفت إلى { اقتربت الساعة وانشق القمر } ([16]) قرأتُ سورة (( إقْتَرَبَهْ )) ؛ لأنك إذا سميت بفعلٍ فيه تاء تأنيث صار في الوقف هاءً ؛ لأنك نقلته إلى
اسم … ))([17]) .

فقد عَبّر المبرِّد هنا بالنقل عن تسمية العَلَمِ بالفعل ، فهذا هو أول ما رأيته من لفظ يوافق اللفظ الاصطلاحي ، ويجب أن نشير إلى أن هذا اللفظ لم يطلقه
 المبرِّد ليكون مصطلحاً فيما أحسَب ، ولو أراد ذلك لكرره واطرد استعماله
عنده ، ولكنه أطلقه هنا ليجعله لفظاً شارحاً للمعنى المراد لا غير .

ثم نجد لفظ (( النقل )) يتكرر عند أبي إسحاق إبراهيم بن السَّرِي الزجاج بالمعنى والصبغة التي يستعمله بها أستاذه المبرِّد ، والظاهر أن ذلك سرى إليه منه، قال الزجاج: (( فأمّا قوله جل وعز { من إستبرق } ([18]) فإنما صُرِفَ ؛ لأنه نكرة، والألف مقطوعة ، وإنما قَطَعَت ؛ الألف ؛ لأنك نقلت الأفعال إلى
الأسماء … ))([19])، وقال في موضع آخر : (( فإذا أسكنت (( ضُرِبَ )) وهو (( فُعِل )) ثم نقلته فسميت به صرفته ؛ لأن الكسرة ليست فيه ، إنما نَقَلْتَ ما خرج إلى مثال الأسماء قبل أن يكون اسماً )) ([20]) .

أقول : إن لفظ (( النقل )) المستفاد من كلام المبرد وتلميذه الزجاج كانا يشرحان به حال الأسماء التي أُخِذت من الأفعال ، فقد كان هذا اللفظ لفظاً مناسباً لوصف حال الأعلام التي أخذت من الأفعال بلا تغيير ، فمن ثَمَّ تَوَسَّع في إطلاقه - معاصر الزجاج وأكبر تلاميذ المبرد قدراً - أبو بكر ابن السراج فجعله مصطلحاً لجميع الأعلام التي أُخِذت من غيرها مادام أنه لم يطرأ عليها تغيير عن صيغة الأصل الذي نقلت منه .

وغالب الظنِّ أنه استفاد هذا من كلام شيخه المبرد مع الأفعال خاصة فأخذ يستخدمه مصطلحاً بصيغته التي يستخدمها النحاة إلى يومنا هذا . ولذا فإنني أعدّه
 هو المسمِّى والمستخدم الأول لهذا المصطلح بهذه الصيغة ، حيث قال : (( واعلم أن اسم العلم على ثلاثة أضرب ، إمّا أن يكون منقولاً من نكرة ، أو مشتقاً
منها ، أو أعجمياً أعرب .

فأمّا المنقول فعلى ضربين : أحدهما من الاسم والآخر من الصفة ، أمّا المنقول من الاسم النكرة فنحو : حجر وأسد ، فكل واحد من هذين نكرة في أصله ، فإذا سميت به صار معرفة ، وأمّا المنقول من صفة فنحو : هاشمٌ وقاسمٌ وعباسٌ ، وأحمر ؛ لأن هذه أصولها صفات تقول : مررت برجلٍ هاشمٍ ، ورجل قاسمٍ ، وبرجلٍ عباسٍ .

وأما المشتقة : فنحو : عمر ، وعثمان ، فهذان مشتقان من عامر ،
وعاثم ، وليسا بمنقولين ؛ لأنه ليس في أصول النكرات عثمان ، ولا عُمَر ، إلاّ أن تريد جمع عُمْرَةٍ ))([21]) .

وقال في رسالة الاشتقاق : (( فأمّا الأسماء الأعلام المعارف العربية ، فلا يخلو أن تكون منقولة من نكرة ، أو مشتقة منها ، فالمنقول نحو (( بكر )) و(( جعفر )) 
و(( خالد )) و(( قاسم )) ، ويُنْقل من سائر النكرات ، وأمّا المشتق فنحو (( عمر )) 
و(( قثم )) لم يُنْقل هذا من شيء بل اشتق ، وكذلك (( عثمان )) وكل اسمٍ لم نجده منقولاً بلفظه من النكرة إلى المعرفة فهو مشتق ، على هذين الضربين جاءت المعارف ))([22]) .

وبما أن الذي مهد لابن السراج استخدام (( المنقول )) للدلالة على معناه
 الاصطلاحي ما كان يجده عند أستاذه المبرِّد من استخدام له ، فاقتنصه وجعله مصطلحاً .

ويظهر أن ما جعله يعدل عن استعمال كلمة (( اشتقاق )) إلى استعمال اصطلاح (( المنقول )) أمرين :

الأمر الأول : أن هذا الاصطلاح يعطي الدلالة المرجوة منه إذ يفيد أن العلم أخذ مما قبله بلا تغيير .

والأمر الثاني : عدم صدق وصف اسم الجنس كأسد بالمشتق ؛ لأن اسم الجنس في الحقيقة جامد وليس بمشتقٍ ، فلمّا رأى ذلك اختار (( النقل )) لصدقه على حقيقة الاسم المنقول ، فالنقل يدخل فيه النقل من الجامد ، والنقل من المشتق ، وبهذا يبتعد عن ما يشوب معنى المشتق وهو ليس منه ، لاسيما وأن
(( النقل )) جرى على لسان أستاذه المبرِّد فيبدو أنه استحسنه ليجعله عوض عن الاشتقاق ذي المعنى الجامع في عرفهم للمشتق وغيره .

ومن بعد ابن السراج - رحمه الله - أصبح (( المنقول )) أو (( النقل )) مصطلحاً واضح المعالم ، حتى إذا جاء أبو الفتح بن جني - رحمه الله - أشاعه في الخالفين له من خلال كتابه (( المبهج )) فقد جعل الأعلام فيه قسمين رئيسين هما (( المنقول )) و(( المرتجل )) قال : (( ... فأصل انقسامها ضربان : أحدهما ما كان منقولاً ، والآخر ما كان مرتجلاً من غير نقل ))([23]) .

هذه هي الطريق التي تطور من خلالها مصطلح (( النقل )) من لدن الخليل فسيبويه والأصمعي ثم المبرِّد وتلميذيه الزجاج وبن السراج ، وكان لأبي بكر
ابن دريد من خلال عنوان كتابه ، وما عرضه في مقدمته ، ومن خلال مادة هذا الكتاب أيضاً دورٌ بارز في إقرار وتوضيح معنى (( الاشتقاق )) في الأعلام خاصة يجعلنا نطمئن إلى أنّ الاشتقاق هو أول الأوصاف الأَوَّلِيَّة للأعلام لاسيما وأنه سبقه كتاب الأصمعي ، فكان لابن دريد بمثابة المؤكد والموضح لهذا الأمر .

وقبل إنهاء هذا الحديث عن مصطلح (( المنقول )) أو(( النقل )) أود أن أشير إلى أن هذا المصطلح ظهر قبل شقيقه (( المرتجل )) بأمد ، فـ(( المرتجل )) لم  يظهر بهذا اللفظ حسب ما تحت يدي من المصادر إلاّ على يد ابن جني . وابن جني أخذ عن الفارسي الذي أخذ عن ابن السراج الذي ظهر مصطلح النقل على يديه واضحاً ، وأحسَب أنّ سبب سَبْق ظهور (( المنقول )) يعود إلى سهولة إدراك دلالة هذا المصطلح ، فدلالته اللغوية تشير بوضوحٍ إلى دلالته الاصطلاحية ، والله أعلم وهو الهادي إلى الصواب .

معنى المرتجل وتطوره

لقد سبق لنا وأن تكلمنا على مصطلح (( النقل )) وكيفية تطوره إلى أن استقر مصطلحاً عند ابن السراج - رحمه الله - ثم استخدمه فيما بعد أبو الفتح مع المصطلح الآخر (( المرتجل )) الذي ابتدع له هو هذا اللفظ - فيما أحسب - ، فأصبحا مستعملين معاً عنده - رحمه الله - وعند من أتى بعده .

ولإِن تأخّرَ ظهور المرتجل إلى زمن أبي الفتح ، فإنّ بداية التفكير فيه سبقت زمن أبي الفتح .

وقبل الولوج إلى بيان ذلك أشير إلى تعريفه عند النحاة ، فالتعريف عادة أقصر الطرق إلى إعطاء صورة مجملة للمعرَّف . وإليك بعضاً من تلك التعريفات عند طائفة من العلماء .

قال الرضي : المرتجل : (( ما لا معنى له في الأجناس من قولهم : ارتجل الخطبة ؛ أي اخترعها من غير رَويَّةٍ ، وهو من ارتجل الأمر كأنه فعله قائماً على رجليه من غير أن يقعد متأنياً فيه ))([24]) .

وقال صدر الأفاضل الخوارزمي : (( والمرتجل ما ليس بمنقول ، مِنْ ارتجل شعراً أو خطبة ؛ أي أنشأها من غير تهيئة قبل ذلك ))([25]) .

وقال الأُبَّذِي : (( المرتجل ما لا يُحْفَظ له أصل في النكرات ))([26]) .

وقال النِّيْلِي : (( والمرتجل في اللغة هو المخترع ، وهو الذي لم يكن سمي به شيءٌ قبل جَعْلِه علماً ثم نُقِل إلى العلمية ، بل وُضِع من أول أحواله علماً ، وكأنه مأخوذ من الرِّجْل ، من قولهم ارتجل الشعر إذا قاله قائماً على رِجْله ؛ أي لم يجلس له بل قاله من غير تَرَوٍّ وغير فكر ))([27]) .

وقال ابن القواس : (( المرتجل ويسمى المخترع ، وهو ما وضع وضعاً أَوَّلِياً من غير أن يُنْقَل من مسمى إلى غيره ، مأخوذ من ارتجل القصيدة إذا أنشأها من غير رَوِيَّة ، وإما من ارتجل الحجر إذا أخذه ليرمي به ))([28]) .

وقال أبو حيان : (( المرتجل هو الذي لم يسبق له وضع في النكرات ))([29]) .

وقال الشاطبي : (( المرتجل معناه ما ليس له أصل في النكرات ، ولا استعمل قبل العَلَمِيَّة لغيرها كأنه ابتُدِئ الآن من غير تقدمٍ فيه من قولهم : ارتجلت الخطبة
والشعر ))([30]) .

هذه التعريفات برغم صدورها عن علماء أثبات ، وبرغم ما بينها من توافق
ظاهر ، إلا أنه لا يمكن من خلالها تصوُّر معنى الارتجال الاصطلاحي ؛ إذ المعنى الاصطلاحي لابدّ أن يرتبط بالمعنى اللغوي ارتباطاً قوياً ، وكلما كان الرابط بينهما قوياً ووثيقاً كانت الدلالة الاصطلاحية واضحة كما هو حال مصطلح النقل ، فلظهور ارتباطه اللغوي بالمعنى الاصطلاحي كان إدراك المعنى الاصطلاحي سهلاً واضحاً ، وأمّا مصطلح (( المرتجل )) فارتباط المعنى الاصطلاحيّ
 فيه بالمعنى اللغوي ليس بالارتباط القوي ؛ لخفاء وجه الرَّبط ؛ ذلك أن معنى الارتجال لغة الاختراع كما ظهر في بعض التعريفات ، وورد فيها أيضاً أنه يعني عدم الرَّوية ، فكون هذه الأمور واردة في المعنى اللغوي ، فإنها تَشْغَبُ على المعنى الاصطلاحي ؛ إذ تُلقي في الأذهان أن (( المرتجل )) فيه شيء من الخلل بالنسبة للطرف الآخر المُعادِلُ له وهو المنقول ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فإنّه يرد في بعض تعريفاته السابقة وغيرها أنه ليس له أصل في النكرات ، فما معنى كون ليس له أصل في النكرات ؟! هل يعني أن المرتجل ليس له أصل اشتق منه كما قاله الشاطبي ؟! فيصح لمن يريد أن يسمى عَلَماً من الأعلام أن يجمع له من حروف المعجم عدة حروف كيفما اتفق ثم يطلقها عليه فيكون ذلك ارتجالاً ما دام أنهم يصفونه بأنه ليس له أصل في النكرات([31]) ؟

هذه الأسئلة وغيرها قد تثور في أذهان طلبة هذا الشأن .

والحقيقة أن معرفة سبب هذه التسمية من خلال معرفة تطور هذا المصطلح تُجِيبُ على ذلك بوضوح ولا تبقى أدنى شك في المراد من مصطلح (( المرتجل )) وتكشف أيضاً عن حقيقة المرتجل .

فأقول وبالله التوفيق : إن أسلافنا الأوائل من علماء النحو واللغة كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبي بكر بن دريد كانوا يصفون جميع أنواع العَلَم من حيث أَوَّلِيَّة وضعها بـ(( المشتق )) سواء كان مشتقاً حقيقة كحاتم ، ومنصور ، وحسن ، أو كان أصله جامداً من أسماء الأجناس كأسد وحجر وطلحة ، وهم يعنون بالاشتقاق هنا المعنى اللغوي ، وهو : الأخذ ، على ما سبق بيانه فبقي لفظ
(( المشتق )) هذا مدة من الزمن وصفاً لتلك الأعلام ، ثم تفرع عنه على يد أبي بكر بن السراج مصطلح (( المنقول )) الذي أصبح عنده وعند من تلاه مصطلحاً واضحاً ، وقد ذكرت فيما سبق أن أبا بكر عدل عن استعمال لفظ (( المشتق )) إلى لفظ (( المنقول )) لأمرين كان أحدهما عدم صدق لفظ (( المشتق )) على جزء كبير مما يدخل تحته من تلك الأعلام ، وتلك هي أسماء الأجناس ، فهي جوامد ولاشك ، فلمّا لحظ هذا أبو بكر - رحمه الله - جاء بالمصطلح المناسب الذي يصدق على ما تحته وهو (( المنقول )) ، وبعد أن أخرج من (( المشتق )) (( المنقول )) بفرعيه ؛ المنقولَ من صفة ، والمنقولَ من اسم الجنس أبقى ما عداهما تحت المسمى السابق (( المشتق )) وأطلق عليه (( المشتق )) ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن معنى الاشتقاق عند أبي بكر بن السراج مع الأعلام خاصة ليست على معناها عند المتقدمين ، وإنما يريد ابن السراج بالاشتقاق هنا الاشتقاق غير المقيس ، لأنه حين وجَدَ للمشتقات الحقيقة ولأسماء الأجناس مصطلحاً مناسباً وهو :
(( المنقول )) ، رأى أنا ما بقي نحو عثمان وعمر وغيرهما أصدق وصف لها
(( الاشتقاق )) ؛ لأنها مشتقة في الحقيقة ، إلاّ أن هذا النوع من الاشتقاق لا يخضع لقواعد الاشتقاق المعروفة ، ولذا مَثَّل له بـ(( عمر )) و(( عثمان )) وقال : اشتقا من
(( عامر )) و(( عاثم )) ، فلمّا مَثَّل لهذا الاشتقاق بهذين المثالين ،  وكان قد جعل الاشتقاق المقيس جزء من المنقول علمنا أنه يعني بـ(( الاشتقاق هنا الاشتقاق غير المقيس ، وأنه خاص بالأعلام ، فاستَمِع إليه حيث يقول : (( وأما المنقول فعلى ضربين : أحدهما من الاسم ، والآخر من صفة ؛ أمّا المنقول من الاسم النكرة فنحو : حجر وأسد ، فكل واحدٍ من هذين نكرة في أصله ، فإذا سميت به صار معرفة ، وأمّا المنقول من صفة فنحو : هاشم ، وقاسم وعباس ، وأحمر ؛ لأن هذه
 أصولها صفات ؛ تقول : مررت برجلٍ هاشمٍ ، ورجلٍ قاسمٍ ، وبرجلٍ عباسٍ . وأمّا الأسماء المشتقة : فنحو : عمر ، وعثمان ، فهذان مشتقان من عامر وعاثم ، وليسا بمنقولين ؛ لأنه ليس في أصول النكرات عثمان ، ولا عُمَر إلا أن تريد جَمْع عُمْرَة ))([32]).

فنصُّ أبي بكر السابق نلحظ فيه أن العلمَ عنده قسمان : منقول ،
و(( مشتق )) و(( المشتق )) عنده في هذا الموضع تحديداً هو نحو : عمر ، وعثمان ، وهو المشتق غير المقيس ، فبهذا يكون لأبي بكر - رحمه الله - السبق في إقرار مصطلح النقل ، وتسميته بـ(( المنقول )) على ما سبق بيانه ، ويُحْسَب له أيضاً افراد ما عداه باسم (( المشتق )) وإن لم أرَ أنه - رحمه الله - في تسمية هذا الأخير
بـ(( المشتق )) قد أصاب المِفْصَل كما أصابه في سابقه ، ولكنه فتح الباب لأبي الفتح فولج من حيث ولج ، ومن هنا - حسب ما تحت أيدينا من كتب - بدأ التفكير في إيجاد مصطلح يعادل مصطلح (( النقل )) ويصف ما سماه أبو بكر
بـ(( المشتق )) وصفاً دقيقاً .

إن لفظ (( المشتق )) الذي أبقاه([33]) أبو بكر بن السراج على نحو عمر ، وعثمان صادق عليهما لاشك في ذلك ؛ لأنهما مشتقان من عامر ، وعاثم كما قال ، إلاّ أنه يدخل تحت مسمى الاشتقاق هذا الذي خَصّ به هذا النوع ما هو أقعد في الاشتقاق منه ، وذلك جزء كبير من (( المنقول )) أعني المنقول من الصفة
 كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن المشتقات في اصطلاحهم لا تطلق إلا على أشياء محدّدة معدودة كاسم الفاعل واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، وأما عمر وعثمان وغيرهما فليست من المشتقات الاصطلاحية ، فإطلاق أبو بكر (( المشتق )) على هذا يؤدي إلى التداخل بينها وبين ما اصطُلح عليه ، فمن ثم كان في تقسيم أبي بكر - رحمه الله - خللٌ من قِبَلِ هذا التداخل بين جزء من المنقول ، وبين هذا القسم ، فكل منهما مشتق كما ترى . فلمّا جاء أبو الفتح بن جنيّ - رحمه الله - لاشك أنه لحظ هذا الخلل والتداخل الذي أشرت إليه لدى أبي بكر بن السراج فأعمل ذهنه الوقاد في
ذلك ، فسمى ما كان يسميه أبو بكر (( مشتقاً )) سماه بـ(( المرتجل )) ؛ ليخرج بذلك من تداخل المصطلحات إلى تمايزها ، وتلك تسمية - حسب ظني - موفقة ؛ من حيث أن المشتقات في باب الأعلام نوعان : نوع مطرد الاشتقاق : وهو المصدر([34]) ، واسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة .

ونوعٌ لا اطراد في اشتقاقه وهو ما كان نحو : عُمَر وعثمان ، وهذا النوع غير المطرد والذي سماه ابن جني بـ(( المرتجل )) ، إنما سماه بذلك ؛ لأنه لمّا كان خارجاً عن أصول أقيسة الاشتقاق المطَّردة في المصادر وأسماء الفاعلين والمفعولين … لحظ هذا أبو الفتح فاعتبر أن المتحدث الأوّل لمّا لم يراع الأقيسة قد ارتجل اشتقاق تلك الألفاظ ؛ إذ لم يَتَروَّ في كيفية إخراجها مخرج ما هو مقيس ولمّا لم يَتَروَّ اعتبر ذلك ارتجالاً بالنسبة إلى المشتق المقيس ، فسمى ما صدر عن ذلك
بـ(( المرتجل )) ، ومن هنا تم وضع هذا المصطلح المناسب لما يطلق عليه ، فأصبح
 مصطلحاً متداولاً إلى يومنا هذا ، وبهذا العَرْض الذي عرضته أرجو أن يكون قد اندفع عنه الغموض الذي كان يحيط به .

وهنا أريد أن أضع خلاصة القول في تطور مصطلحي (( المنقول )) 
و(( المرتجل )) وَفْق الخطوات التالية :

الخطوة الأولى : لم يكن الأقدمون كالخليل وسيبويه والأصمعي يعرفون مصطلحي (( المنقول )) و(( المرتجل )) وإنما كانوا يطلقون على الأعلام مقابل
(( المنقول )) و(( المرتجل )) (( المشتق )) سواء كانت مشتقة حقيقة كاسم الفاعل والمفعول ... أو كانت جامدة كاسم الجنس نحو : أسد وحجر ... فكل ذلك في عرفهم مشتقا .

الخطوة الثانية : تَفَرَّع عن ما كان يسميه الأقدمون بـ(( المشتق )) المنقولُ وظهر بوضوح على يد أبي بكر بن السراج ، فأصبح عنده للعَلَم ، وصفان .

الأول : (( المنقول )) وهو يشتمل على النقل من الأوصاف كاسم الفاعل ، واسم المفعول ... والنقل من أسماء الأجناس كأسد وحجر وطلحة ، فهذا كله منقول ، وهو المعروف به إلى الآن .

والثاني (( المشتق )) والمشتق عنده في هذا الجانب ما كان له مادة اشتق منها لكن اشتقاقه غير مقيس ، ومَثَّل له بـ(( عمر )) و(( عثمان )) فهما مشتقان من عامر وعاثم .

الخطوة الثالثة : ظهر على يد أبي الفتح بن جني مصطلح (( المرتجل )) وهو في الحقيقة تسمية جديدة منه لِمَا كان يطلق عليه ابن السراج (( المشتق )) فأصبح
 في زمن أبي الفتح بن جني مصطلحان هما (( المنقول )) الذي وضعه أبو بكر بن السراج ، و(( المرتجل )) الذي أطلقه هو على المشتق عند ابن السراج ، وبهذا تكتمل صورة تطور هذين المصطلحين . والله أعلم .

 

رسم توضيحي لتطور مصطلحي (( المنقول )) و(( المرتجل )) 

 

المشتق عند الأقدمين

 

المنقول عند ابن السراج

 

المرتجل عند ابن جني

 

المشتق عند ابن السراج

وهو المشتق غير المقيس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبعد هذا فإن مصطلح (( المرتجل )) أصبح واضحَ المعالم ؛ من حيث تطوره
ومن حيث المراد به ، ويمكن تعريفه بأنه : العَلَم المشتق اشتقاقاً غير مقيسٍ ، ولم يسبق للفظه استعمال في غير العَلَم . ومع هذا نجد اختلافاً كبيراً في إثباته ، وإنكاره ، فأكثر النحويين يثبتونه ، فالعَلَم لديهم : منقول ، ومرتجل([35]) ، ورأس أولئك أبو الفتح بن جني([36]) ، وبعضهم ينسب لسيبويه إنكار المرتجل ؛ قال ابن عقيل : (( وأنكر بعضهم المرتجل ، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه ))([37]) ، وقال أبو حيان : (( وذهب بعض النحويين إلى أنّ الأعلام كلها منقولة وأنكر المرتجل ، وهذا يظهر من كلام سيبويه ))([38]) وهو ينقله عن الأبذي([39]) ، وعن أبي حيان نقله السيوطي([40]) .

وفي مقابل إنكار من أنكر (( المرتجل )) نجد هناك من العلماء من يرى أن سيبويه - رحمه الله - يثبته ، ومنهم الشاطبي ، حيث قال : (( والمرتجل في كلام سيبويه على وجهين : أحدهما ما لم يقع له مادة مستعملة في كلام العربي ، والثاني ما استعملت مادته ، ولكن لم تستعمل تلك الصيغة بخصوصها في غير العلمية ))([41]) ، وإلى مذهب الشاطبي هذا ذهب الشيخ خالد الأزهري ، حيث نقل
 نصه بحذافيره دون الإشارة إليه([42]) .

وهناك من ينسب إلى أبي إسحاق الزجاج القول بأن الأعلام جميعها
مرتجلة ، قال أبو حيان : (( وزعم الزجاج أن الأعلام كلها مرتجلة ))([43]) ، فَتَحَصَّل من مجموع هذه الأقوال ثلاثة مذاهب :

الأول : الأعلام منقولة ومرتجلة وهو مذهب الأكثرين ، ويُنسب إلى سيبويه .

الثاني : الأعلام كلها منقولة وليس فيها مرتجل، وينسب إلى سيبويه أيضاً.

الثالث : الأعلام كلها مرتجلة ، وهو منسوب لأبي إسحاق الزجاج .

أمّا من نَسَبَ لسيبويه القول بالمرتجل ، أو القول بإنكاره أيضاً فلا أرى أنّه مُصيبٌ ؛ من حيث أن هذا المصطلح لم يكن قد عُرِف في زمن سيبويه ، وإنما عُرِف بعد زمن سيبويه بأمدٍ طويل عند أبي الفتح بن جني - رحمه الله ، فنسبة ذلك إلى سيبويه ضربٌ من الخيال . وأمّا إن قيل : إن معنى (( المرتجل )) لا لفظه قد أنكره سيبويه أو أثبته ، فهذه مُسْكَةٌ قوية لكلّ من الفريقين .

إلاّ أنني ذكرت أن (( المنقول )) و(( المرتجل )) لم يكن يستعملهما الأقدمون من علماء اللغة والنحو كالخليل وسيبويه والأصمعي ، وكانوا يطلقون في مقابلهما
(( المشتق )) ، وهو الظاهر من كلام سيبويه([44]) ؛ لأنه جعل (( أُدَدَ )) من الوُدِّ حيث قال : (( وإنما أدَدٌ من الوُدِّ )) و(( أُدَدٌ )) عند ابن جني ومن جاء بعده مرتجل ، فلمّا
 وجد من نَسَبَ الارتجالَ لسيبويه هذا المثالَ من أمثلته ، وهو من أمثلة المرتجل عندهم نسبوا إليه القول بالارتجال ، لاتحاد المثال عندهم وعند سيبويه ، هذا هو ملتمسهم - فيما أحسَب - الذي نسبوا من خلاله إلى سيبويه القول بالإرتجال .

وأما النافون عن سيبويه القول بالارتجال ، فأحسب أن معتمدهم الأول أن مصطلح الارتجال بهذا اللفظ لم يرد عند سيبويه مطلقاً ولا الإشارة إلى معناه فضلاً عن شرح ذلك المعنى ، وإنما ورد عنده الإشارة إلى اشتقاق (( أُدَد )) 
و(( الثريا )) وغيرهما وهذا لا يكفي للحكم بأنه يقول بارتجالهما أو غيره ، وعلى كلٍّ فإن ما ذكرته سابقاً من تصوير لتطور هذين المصطلحين يبين فساد ما نُسِب لسيبويه أو نُفِيَ عنه .

وأمّا قول أبي إسحاق : إن الأعلام كلها مرتجلة ، وهو ما نص عليه أبو حيان ؛ حيث قال : (( وزعم الزجاج أن الأعلام كلَّها مرتجلةٌ ، فالمرتجل عنده ما لم يُقْصَد في وضعه النقل من محلٍ آخر إلى هذا المحل ، ولذلك يَجْعَلُ (( أل )) في الحارث زائدة ، وعلى هذا تكون موافقتها للنكرات بالعرض لا بالقصد ))([45]) . فإنني أرى أن أبا حيان فسّر معنى (( المرتجل )) عند الزجاج بأنه : (( ما لم يُقْصَد في وضعه النقلُ من محلٍّ إلى آخر )) . والذي أفهَمُه من قول الزجاج في ظل تفسير أبي حيان أن المرتجل ما وضع ابتداءً للعلم ولم يسبق استعمال لفظه في غيره حتى وإن وافق لفظه لفظ النكرة ، فهو أيضاً مرتجل ، نحو : الحارث ، فـ(( ال )) فيه زائدة ، فتكون موافقته لـ(( حارث )) بالمصادفة لا أنه منقول منه ، فبهذا تكون الأعلام المنقولة في عرف الجمهور كأسد ، وحارث ، ومنصور ... مرتجلة عند
 الزجاج ، وهذا يفيد أنّ ما كان مرتجلاً عند الجمهور فهو بالضرورة مرتجلاً عند الزجاج ، فيكون موافقاً للجمهور على تسمية المرتجل مرتجلاً ، وانفرد - حسب قول أبي حيان - بتسمية المنقول مرتجلاً ، هذا ما فهمته من قول أبي حيان في مذهب الزجاج .

والحقيقة أنني تحدثت سابقاً بما يفيد أن (( المرتجل )) مصطلح ظهر متأخراً وعلى يد أبي الفتح ابن جني ، وطبقة الزجاج تسبق طبقة شيوخ أبي الفتح بن جني نفسه ، فقد أخذ ابن جني عن أبي علي الفارسي ، والفارسي أخذ عن الزجاج وطبقته([46]) ، فيبدو من خلال هذا بُعْد نسبة القول بالإرتجال إلى أبي إسحاق الزجاج ؛ لقدم عهده . هذا من جانب ومن جانب آخر ، فقد ذكرتُ سابقاً أن الزجاج يظهر في بعض كلامه لفظ (( النقل )) ؛ ولذا جعلته فيما سبق حلقة من حلقات تطور مصطلح (( النقل )) ، فقد صرح بالنقل في بعض المواضع من كتابه (( ما ينصرف وما لا ينصرف )) فقال : (( فإن أسكنت (( ضُرِبَ )) وهو
(( فُعِل )) ثم نقلته فسَمَّيت به صرفته ؛ لأنّ الكسرة ليست فيه ، إنما نَقَلت ما خرج إلى مثال الأسماء قبل أن يكون اسماً ))([47]) . وقال أيضاً : (( فأما قوله جل وعز :

{ من إستبرق } ([48]) ، فإنما صُرِف لأنه نكرة ، والألف مقطوعة ، وإنما قَطَعْتَ الألف لأنك نقلت الأفعال إلى الأسماء ، وأصل ألفات الوصل للأفعال ، فلمّا أخرجتها إلى الأسماء أخرجتها إلى بابٍ غَيَّر ألفات الوصل ))([49]) . فإذا كان
أبو إسحاقٍ الزجاج يشير هنا إلى نقل الاسم من الفعل فإن ذلك يؤدي إلى تدافعه مع ما نسبه أبو حيان إليه من القول بأن جميع الأعلام مرتجلة ، وهنا في حال تدافع القولين يجب أن نُقَدِّم ما هو في كتاب الزجاج نفسه على ما يذكره أبو حيان - رحمه الله - إلى أن يثبت العكس .

فعلى هذا فإنني لا أجد برهاناً يؤيد أن الزجاج يقول : إن الأعلام جميعها
مرتجلة ، كيف واطراد النقل واضح في جميع الأعلام المنقولة ؟! فهل يسوغ أن نقول في كل واحدٍ منها اقترنت به (( ال )) كالحارث ، والعباس ، والنعمان ، والحسن : إن (( ال )) فيه زائدة ، وإنه أيضاً وافق النكرة بالعرض  لا بالقصد ؟!

إذا لم يكن هذا الاطراد في النقل مقيساً فمتى نجعله مقيساً ؟!

والله أعلم بالصواب وهو الهادي إليه .

وبعد أن ذكرت فيما سلف (( المنقول )) و(( المرتجل )) وكيف تطورا ، فإنه قد صاحب الحديثَ عن (( المنقول )) و(( المرتجل )) في كتب النحاة الحديثُ عن
(( المفرد )) و(( المركَّب )) ، وأريد فيما بعد أن أوضح هذه العلاقة وما صحبها من خلل والله الموفق .

علاقة المنقول والمرتجل بالمفرد والمركَّب

إن الحديث عن (( المنقول )) و(( المرتجل )) عند علماء النحو يتصل اتصالاً وثيقاً بقسمين آخرين من أقسام العلم هما (( المفرد )) و(( المركب )) ، فحين يتحدثون عن (( المنقول )) و(( المرتجل )) يصلون الحديث عنهما بالحديث عن
(( المفرد )) و(( المركب )) فيجعلون هذه الأقسام الأربعة مرتبطة ببعضها في نسقٍ واحدٍ ، وقد سلكوا في الربط بين هذه الأقسام الأربعة مسلكين :

المسلك الأول : مسلك أبي القاسم الزمخشري رحمه الله ، فإنه نَظَمَ هذه الأربعة الأقسام في نظام واحد حيث قال : (( وينقسم [ العلم ]([50]) إلى مفرد ومركب ، ومنقول ، ومرتجل )) ، وقريب منه قول ابن مالك في الألفية ، حيث قال :

فمنه منقول كفضلٍ وأسَدْ

 

 

وذو ارتجال كسعاد وأُدَدْ

 

وجملةٌ وما بمزجٍ ركبا

 

ذا إن بغير ويه تَمَّ أُعْرِبا

والمسلك الثاني : مسلك أكثر النحاة حيث جعلوا هذه الأقسام الأربعة قسمين منفصلين قسم (( للمفرد ، والمركب )) وقسم للمنقول والمرتجل ، بهذا الترتيب ، أو بتقديم قسم (( المنقول والمرتجل )) على القسم الآخر ، فمِمَّن اتبع التقسيم الأول الجزولي ، حيث قال : (( ثم ينقسم الشخصي أيضاً إلى مفرد ومركب .... وينقسم أيضاً إلى منقولٍ ومرتجل ))([51]) ، وممّن اتبع الترتيب الثاني
 ابن هشام حيث يقول : (( فصل : (( وينقسم إلى مرتجلٍ ... ومنقول وهو
الغالب ))([52]) ثم قال بعد وفي فصل آخر : وينقسم أيضاً إلى مفردٍ كزيد ... وإلى مركب ))([53]) .

فمسلك أبي القاسم الزمخشري - رحمه الله - يؤخذ عليه مأخذان :

المأخذ الأول : أنّ سَوْقه لهذه الأقسام الأربعة على هذه الهيئة يوهم أن للعلم أربعة فروع من جانبٍ واحدٍ وجهة واحدة .

والحقيقة أن الأمر ليس كذلك ؛ لأن هذه الفروع الأربعة تنتمي إلى جانبين مختلفين للعلم لا علاقة لهما ببعضهما ؛ فـ(( المنقول )) و(( المرتجل )) ، ينتميان إلى جانب واحد هو جانب أصل الوضع وأَوَّلِيَّتِه كما سبق بيانه ، و(( المفرد )) 
و(( المركب )) ينتميان إلى جانب آخر هو : تكوينه وتركيبه اللفظي ، ومعنى ذلك أن الأعلام من حيث تركيبها اللفظي على قسمين : فما كان تركيبه من كلمة واحدة سموه (( المفرد )) نحو نمر وسعد ، وما كان لفظه على أكثر من كلمة سموه
 (( المركب )) نحو عبد الله وتأبط شراً .

فكان دمج هذه الأقسام الأربعة على تلك الهيئة التي عند الزمخشري ، وهي تمثل جانبين مختلفين لا علاقة بينهما دمج غير سديد .

أمّا المأخذ الثاني على الزمخشري ، فهو : ما تفضي إليه هذه القسمة من تداخل بين أجزائها من حيث إنّ (( المرتجل )) من قبيل (( المفرد )) بينما نجد
لـ(( المنقول )) فرعان هما (( المفرد )) و(( المركب )) فإذا جاء الحديث عن قسم
(( المفرد والمركب )) أعيد الحديث فيهما عن (( المرتجل )) و(( المنقول )) ، وقد أشار ابن الحاجب([54]) واللُّوْرَقي([55]) إلى هذا التداخل في قول الزمخشري ، واعتذر الشاطبي عن هذا التداخل الذي في عبارة ابن مالك في الألفية حيث قال : (( فإنما معنى قوله : (( فمنه منقول )) ؛ أي منه مفردٌ منقولٌ ، ولو صرح بذلك لم يكن في جعله قَسِيْماً للجملة إخلال ، فحاصل الكلام ، فمنه مفرد، وهو ينقسم إلى (( منقول )) و(( مرتجل ))، ومنه جملة ))([56]) ، وسوف أذكر ما في اعتذار الشاطبي من خلل فيما بعد([57]) .

وأما المسلك الثاني ، وهو مسلك الكثير ومنهم الجزولي وابن هشام ، فإنه وإن سلم من دمج تلك الأربعة في نظامٍ واحد ، وقد ذكرنا ما على ذلك الدمج من مآخذ ، إلاّ أن المأخذ الثاني الذي أخذ على الزمخشري وهو التداخل لا زال قائماً في هذا المسلك فإنّ بين (( المنقول والمرتجل )) من جهة وبين (( المفرد
والمركب )) من جهة أخرى تداخلاً لا يخفى .

وأحْسَبُ أن سَوْق تلك الأقسام الأربعة على تلك الصورة التي عند الزمخشري وعند الجزولي وابن هشام وغيرهم يعود إلى التقسيم الأول الذي ذكره الإمام الجليل أبو الفتح بن جني - رحمه الله - في كتابه (( المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة )) ، فإنه ابتدأ الحديث في هذا الموضوع بالحديث عن (( المنقول )) ثم ثنى بالحديث عن (( المرتجل )) وبعد انقضاء الحديث عنهما قال (( انقضى العلم المفرد ))([58]) ثم أتبع ذلك بذكر العلم (( المضاف )) ثم بالعلم (( المركب تركيب مزج )) نحو حضرموت ، وبعلبك ، ثم بالعلم (( الجملة )) نحو (( تأبط شراً ))([59]) وهذه الأقسام الثلاثة الأخيرة هي أقسام المركب ، وإنما عدَّدها أبو الفتح على هذه الهيئة فقط ولم يطلق عليها مجتمعة اسم (( المركب )) وإنما إطلاق اسم (( المركب )) عليها من صَنْعَةِ من أتى بعده من المتأخرين ، وإن كان يؤخذ من عموم كلام أبي الفتح أنه كان يتصور فيها هذا المعنى التركيبي ؛ لأنه أطلق على ما سبقها من (( المنقول )) و(( المرتجل )) المفرد ، فَفَهِم النحاة من تقسيم أبي الفتح الذي صَوَّرتُه قبل قليل أنه يريد أولاً أن يأتي بقسم (( المفرد )) وفرعيه (( المنقول )) و(( المرتجل )) ثم لمّا انقضى هذا القسم ثنى بعده بقسم جديد هو (( المركب )) ، وفروعه ، فيكون ما فهموه من تقسيم أبي الفتح على النحو التالي (( المفرد )) و(( المركب )) و(( المرتجل )) و(( المنقول )) هذا ما أتصور أنهم فهموه منه وفهمهم هذا هو ما تطاله المآخذ السابقة .

والحقيقة أن أبا الفتح لا يريد هذا التقسيم بهذه الهيئة المتداخلة ، وإنما يريد أن يقول : إن العَلَم ينقسم إلى قسمين رئيسين من حيث أوّلِيَّة الوضع هما :
(( المنقول )) و(( المرتجل )) ثم يتفرع عن (( المنقول )) من حيث اللفظ أربعة فروع
هي : (( المفرد )) ، و(( المضاف )) و(( المركب تركيب مزج )) و(( الجملة )) ويتفرع عن (( المرتجل )) من حيث اللفظ فرعٌ واحد هو : (( المفرد )) وبهذه الطريقة التي سلكها أبو الفتح يندفع التداخل ، والخلط بين ما هو من قبيل اللفظ وما هو من قبيل الوضع الذي ذكرناهما في مسلكي العلماء سابقاً .

 

ولكي يتأكد المطالع من مذهب أبي الفتح الذي ذكرته فمن المفيد أن أصفه بالتسلسل على الهيئة التي وردت في كتابه (( المبهج )) مع نقل ما تمس الحاجة لنقله ، وتفسير ما يُشْكِلُ كل ذلك على وجه الاختصار ، فأقول : إن أبا الفتح حين بدأ بشرح الأعلام ، وما تنقسم إليه بدأ أولاً بذكر أقسام العلم فقال :
(( فأصل انقسامها ضربان : أحدهما ما كان منقولاً ، والآخر ما كان مرتجلاً من غير نقل ))([60]) ثم ذكر بعد ذلك (( المنقول من المفرد )) وأنواعه ، ثم ذكر بعده
(( المرتجل )) ونوعيه المقيس وغير المقيس ، ثم قال بعد ذلك : (( انقضى العلم
المفرد ))([61]) ثم أتى بعد هذه العبارة بالعلم (( المضاف )) فـ(( المركب تركيب مزج )) فـ(( الجملة )) انتهى وصف ما قاله ابن جني .

وبعد فإن ابن جني حين شرع في العلم (( المضاف )) وما تلاه لم يوضح علاقة هذه الأعلام الثلاثة بما سبقها وهما (( المنقول )) و(( المرتجل )) ، وإنما ترك ذلك لوضوح تلك العلاقة عنده ؛ لأنه قال قبل ذلك في شأن الأعلام عموماً : (( إن أصل انقسامها ضربان : أحدهما ما كان منقولاً ، والآخر : ما كان مرتجلاً )) فإذا كنا قد عرفنا من خلال عرضه لـ(( المنقول )) و(( المرتجل )) معنى كلٍّ منهما ، فإن ذكره (( المضاف )) و(( المركب تركيب مزج )) و(( الجملة )) بعدهما في ضل تقسيمه العلم إلى (( منقول )) و(( مرتجل )) لا يُشْكِلُ ؛ لأن إلحاق هذه الأعلام الثلاثة بأحد القسمين السابقين مطلب يطلبه أصل القسمة إلى (( منقول )) و(( مرتجل )) ، ومن غير شك أنها تابعة للمنقول ، لوضوح ذلك فيها وإجماعهم عليه([62]) ، فتكون
 قسمة الأعلام عند أبي الفتح على هذه الصورة .

العلـم

     منقول                               المرتجل

مفرد

       مقيس         غير مقيس

       مفرد     مضاف      مركب تركيب      جملة

                              مزج

 

 

 

 

 

 

وبهذه الطريقة التي سلكها أبو الفتح - رحمه الله - يندفع ما ذكرته سابقاً من التداخل ، والخلط بين ما هو من قبيل اللفظ ، وما هو من قبيل الوضع ، وتتضح الرؤية ، ويستقيم التقسيم ، فيجب حمل قول أبي الفتح على هذا ؛ لوضوح المراد واستقامته .

وبعد أن اتضح لنا صحة تقسيم أبي الفتح بن جني - رحمه الله - فما
الذي صرف العلماء - رحمهم الله - عن تصور ما ذكرته من تفسيرٍ لتقسيم أبي
الفتح ؟ وما الذي جعلهم يُقْدِمون على ما فيه خلط وتداخل كما فعل الزمخشري
- رحمه الله - حيث خلط (( المفرد )) و(( المركب )) - وهما يعودان إلى التركيب اللفظي للعلم - بـ(( المرتجل )) و(( المنقول )) وهما يعودان إلى أصل الوضع لا إلى التركيب اللفظي ؟

والجواب عن ذلك : أن الناظر في عبارة أبي الفتح يتصور للوهلة الأولى منها ما تصوره العلماء ، سواء ما تصوره أبو القاسم الزمخشري ، أو ما تصوره غيره ؛ لأن أبا الفتح ذكر (( المنقول )) ثم أتبعه بـ(( المرتجل )) ، وقال بعدهما :
(( انقضى العَلَم المفرد ))([63]) ثم أتى بعد ذلك بـ(( المضاف )) ثم (( المركب تركيب مزج )) ثم (( الجملة )) فعبارة (( انقضى العلم المفرد )) السابقة فهم منها العلماء تقسيماً جديداً - لم يرده أبو الفتح على الصورة التي تصوروها - فجعلوا ما سبق تلك العبارة قسماً للعلم (( المفرد )) وما تلاها قسماً للعلم (( المركب )) ثم رَتَّبوا على ذلك تقسيمهم للعلم إلى مفرد ، ومركب ، ومنقول ، ومرتجل .

هذا هو السبب الرئيس الذي أرى أنه صرف أولئك العلماء  عن التصور الذي فسرت به تقسيم أبي الفتح - رحمه الله - فجاءوا بتقسيمهم هم وتصوروا أنه موافق لتقسيم أبي الفتح بن جني لما فهموه من عبارته .

وهناك سببان آخران ربما كانا عوناً للسبب الرئيس على هذا  الفهم الذي فهمه العلماء - رحمهم الله - .

السبب الأول : تجاوزهم أمراً ضرورياً في تقسيم أبي الفتح كان قد ذكره في أول كلامه ، وهو قوله : (( فأصل انقسامها ضربان : أحدهما ما كان
منقولاً ، والآخر : ما كان من غير نقل ))([64]) ، فلما تجاوزوا هذا الأمر الضروري ، ولم يجعلوا مدار الحديث منبثق عن (( المنقول )) و(( المرتجل )) - كما حدده أبو
الفتح - ولم يفرِّعوا (( المفرد )) و(( المركب )) عليهما كما سبق بيانه ، لمّا لم يفعلوا ذلك كله آل بهم الأمر إلى ذلك التقسيم المختلط والمتداخل . ومن ثم التمس بعضهم العذر لذلك وسيأتي فيما بعد .

والسبب الآخر : الفاصلُ الطويل بين الأجزاء المهمة في كلام أبي الفتح ، فإن ما قاله أوّلاً : من أن أصْل انقسام الأعلام إلى منقولٍ ومرتجل كان بعيداً جداً عن ما قاله ثانياً بعد قوله : (( انقضى العلم المفرد )) ، فقد فُصِل بينهما بزهاء خمسٍ وعشرين صفحة تخللها كثير من المعلومات الدقيقة والاستطرادات التي أورثت - مع الفاصل الطويل بين القولين - صعوبة في الربط ، فَفُهِم قول أبي الفتح على غير وجهه .

والله أعلم ، وهو الهادي إلى الصواب ولا حول ولا قوة إلا به .

ومع أن مذهب أبي الفتح في تقسيم العلم واضح ، وأن أصل انقسامه عنده إلى منقول ومرتجل ، ويتفرع على المنقول من حيث تركيبه اللفظي : أربعة فروع هي : العلم (( المفرد )) والعلم (( المضاف )) والعلم (( المركب تركيب مزج )) والعلم
(( الجملة )) ويتفرع عن (( المرتجل )) بحسب تركيبه اللفظي أيضاً : فرع واحدٌ هو
(( المفرد )) .

أقول مع وضوح هذا المذهب ، فإني قد أشرت سابقاً إلى أن الإمام الجليل أبا عبد الله بن مالك - رحمه الله - ظهر في ألفيته ما يفيد أن الأعلام منها ما هو
(( منقول )) ، ومنها ما هو (( مرتجل )) ومنها ما هو (( جملة )) ، فكانت عبارة الألفية تنص على جعل الجملة قسماً كـ(( المنقول )) وكـ(( المرتجل )) قال في الألفية([65]) :

ومنه منقول كفضلٍ وأسدْ

 

وذو ارتجال كسعاد وأُدَدْ

وجملةٌ وما يمزج ركبا

 

ذ إن بغيرويه تم اعربا

وهذا مخالف لمذهب ابن جني ، ومتابع لما عليه النحاة .

وسَوْقي لقول ابن مالك هنا لا لبيان ما فيه من خلل ، لأنني قد أشرت إلى ذلك في حينه ، وإنما سقته لأن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد اعتذر عن ابن مالك وعن ما وقع في كلامه من الخلل باعتذارين ، فأردت بسوق كلام ابن مالك هنا إيضاح كلام الإمام الشاطبي وما انطوى عليه من خلل أيضاً ؛ ليسلم لنا التفسير الذي فسرتُ به مذهب أبي الفتح - رحمه الله - ، وإليك اعتذاري الإمام الشاطبي عن أبي عبد الله بن مالك :

الاعتذار الأول : ذكر الشاطبي - رحمه الله - أن ابن مالك حين قال في الألفية (( ومنه منقول )) يريد (( أن من العلم المفرد منقول )) ، وهذا يعني في الجانب الآخر أن من العلم المنقول جملة أيضاً ، فيُصْبحُ معنى كلام ابن مالك مجتمعاً : أن العلم المنقول منه مفرد ، ومنه جملة ، وبهذا تصبح (( الجملة )) جزءاً من العلم المنقول لا أنها قسم مستقل ، هذا معنى الاعتذار الأول عن ابن مالك([66]) ، والحقيقة أن ظاهر عبارة ابن مالك لا تعطي هذا المعنى ، وإنما تعطي أن من العلم منقول ، ومنه (( مرتجل )) ومنه (( جملة )) .

الاعتذار الثاني : ذكر الشاطبي في هذا الاعتذار أن النحاة قد اصطلحوا على أن المنقول لا يطلق إلاّ على المنقول من المفرد وحده ، وأمّا المنقول من
(( جملة )) أو من (( مضاف )) أو من (( مركب تركيب مزج )) فلا يطلقون عليه
(( منقولاً )) واستند في قوله هذا إلى كتاب (( المبهج )) لابن جني فقال : (( فإن المنقول عبارة اصطلاحية إنما يطلقها أرباب الصناعة على المفرد لا على المضاف ،
 ولا المركب تركيب إسناد ، أو مزج ، ولذلك لمّا تكلم ابن جني في (( المبهج )) على المنقول والمرتجل وأقسامهما خصّ ذلك بالمفرد ، ثم لمّا أتمَّ الكلام عليهما أتى بقسم المضاف ، والمركب ، والجملة ، فإنما جرى الناظم على اصطلاحهم ، ولا مشاحة في الاصطلاح ))([67]) .

وبعد فإنني هنا أريد أن أبين ما يؤخذ على اعتذاري أبي إسحاق الشاطبي - رحمه الله - فأقول : إن الاعتذار الأول يؤخذ عليه أن نصّ ابن مالك صريح في أن تقسيم العلم عنده هكذا (( منقول )) ، و(( مرتجل )) ، و(( جملة )) ، ألا ترى أنه قال في الألفية :

ومنه منقولٌ كفضلٍ وأسدْ

 

وذو ارتجالٍ كسعادَ وأُدَدْ

وجملة وما بمزج ركباً

 

. . . . . . . . . . .

فعند تأويل ذلك بأنه أراد أن المنقول قسمين : (( منه منقول من مفرد )) 
و(( منه منقول من جملة )) فهو تأويل يناقض صريح نصه ، فالعطف بالواو يقتضي المغايرة فتكون (( الجملة )) قِسمٌ مغاير للمنقول والمرتجل ، نعم لا يخفى على ابن مالك ولا على غيره من النحاة أن (( الجملة )) من قبيل المنقول ولكن المأخذ عليه وعلى غيره كما سبق بيانه هو ما في هذا التقسيم من التداخل المفضي إلى الاضطراب ، ولو قبلنا هذا التأويل من أبي إسحاق لوجب جعله تأويلاً لجميع أقوال النحاة القائلين بمثل قول ابن مالك أو قريباً منه ، وقد رأينا (( علم الدين اللورقي )) و(( ابن الحاجب )) يذكران ما في قول الزمخشري من تداخل([68]) وهو
 مماثل لقول ابن مالك ، فلا ينبغي أن نفرق بين المتماثلين، ثم إنني أرى أن ابن مالك - رحمه الله - قد عَنَى هذا التقسيم الذي أورده في (( الألفية )) ؛ لأن من سبقه من النحاة يقسمون هذا التقسيم ، فهو سالكٌ لمنهج مسلوك أصلاً ، وسبحان من لا يعزب عن علمه شيء .

وأما اعتذار أبي إسحاق الثاني ، فإنه يؤخذ عليه أنه كان في الاعتذار الأول
يقول : إن ابن مالك يريد بقوله :

ومنه منقولٌ كفضلٍ وأسدْ

 

وذو ارتجالٍ كسعادَ وأُدَدْ

وجملة وما بمزج ركباً

 

. . . . . . . . . . .

أي أن من المنقول منقول من مفرد ومنقول من جملة ، وهنا في الاعتذار الثاني يجعل الجملة وجميع المركبات ، مما لم يصطلحوا على تسميتها بالمنقول ، وإنما اصطلحوا على أن المفرد هو المنقول ، فاعتذر أولاً بأن الجملة من قبيل المنقول ، واعتذرَ ثانياً بأن الجملة وجميع المركبات لا يسمونها منقولاً ، وغير خافٍ ما في هذا من الخلل .

وهناك أيضاً قوله : إنهم اصطلحوا على أن ما يطلق عليه منقولاً إنما هو
(( المفرد )) وحده دون (( المركب )) وهذا لم أجده عند أحدٍ منهم وما قاله الشاطبي - رحمه الله - اعتمد فيه على كتاب (( المبهج )) لأبي الفتح - رحمه الله - وليس في كتاب (( المبهج )) نص صريح على هذا الأمر ، وإنما التمس ذلك التماساً من طريقة عرض ابن جني لأقسام العَلَم ، وطريقة ابن جني - بعد إزالة الفاصل الطويل بينها هكذا (( المنقول )) ثم (( المرتجل )) ثم ذكر بعدهما هذه العبارة (( انقضى
 العلم المفرد )) ثم أتى بعد ذلك بـ(( المضاف )) ثم بـ(( المركب تركيب مزج )) ثم
بـ(( الجملة )) ، فأنت ترى أن هذا ليس فيه نصاً صريحاً على أنهم لا يطلقون
(( المنقول )) إلاّ على المفرد وحده ، فإنه لو كان الأمر كذلك لوجدناه مستفيضاً ؛ لأنه من ضرورات هذا الشأن ؛ بل إن من رأيت قوله من النحاة كالزمخشري ، والعكبري ، وابن الحاجب ، والأُبَّذِي ، وابن مالك ، وابن جمعة القواس (( شارح ألفية ابن معطي )) ، والنيلي ، وأبو حيان ، والسيوطي ، والشيخ خالد ، والصبان([69]) ، وغيرهم كلهم يقول بأن (( الجملة )) وغيرها من (( المركب )) من قبيل (( المنقول )) لا يشك أحداً منهم في ذلك أو يشير إلى شيءٍ مما ذكره الشاطبي
- رحمه الله - نسأل الله التوفيق والسداد .

وبعد أن اتضح لنا أن (( المنقول )) يتفرع عنه (( مفرد )) ، و(( مركب )) ، وأنّ
(( المرتجل )) ليس له إلا فرع واحد هو (( المفرد )) ذلك كله بحسب التركيب اللفظي فإن هناك تفريعات أخرى لكلٍ من (( المنقول )) ، و(( المرتجل )) .

فـ(( المنقول المفرد )) له فروع ، و(( المنقول المركب )) له فروع ، أما
(( المرتجل )) فإنه ليس له إلاّ فرع واحدٌ هو (( المفرد )) ويتفرع عنه فرعان هما :
(( المرتجل المقيس )) ، و(( المرتجل غير المقيس )) وسأتحدث فيما بعد عنهما بما يناسبهما ، والله الموفق .

المنقول وفروعه

لقد تحدثت فيما سبق عن العلم(( المنقول )) فذكرت أنه : العلم الذي سبق أن استعمل لفظه في شيء آخر قبل العلمية ، ثم نقل ذلك اللفظ بتلك الصيغة فيما بعد فسُمِّيَ به العلم ، ثم كان من الحديث في هذا الشأن أن ذكرت (( المفرد )) و(( المركب )) وعلاقتهما (( بالمنقول )) و(( المرتجل )) وأن (( المنقول )) يتفرع عنه
(( مفردٌ )) و(( مركب )) وهنا نتحدث عن هذه الفروع بالتفصيل فأقول :

أولاً : المنقول المفرد

لقد سبق بيان معنى كلمة (( مفرد )) وأنها وصف للعلم الذي وضع على كلمة واحدة لا غير ، والعَلَم المنقول المفرد بحسب هذا له ثلاثة فروع هي : النقل من (( الاسم )) والنقل من (( الفعل )) مجرداً عن الإسناد ، والنقل من (( الصوت )) ، وسنتحدث عن كلِّ واحدٍ على حدة .

1 - النقل من الاسم : للنقل من الاسم نوعان : النقل من اسمٍ لعين ، والنقل من اسم لمعنى ، والمقصود بـ(( اسم العين )) ما يدرك بالحواس وله حيز ، وعكسه (( اسم المعنى )) وهو ما ليس له حيز ويدرك بالتصور ، فالمنقول من اسم العين نوعان أيضاً هما : المنقول من أسماء الأجناس ، والمنقول من الصفات المشتقة ، فالجنس نحو : أسد، وحجر وطلحة ، وما كان نحوها والصفات المشتقة نحو : اسم الفاعل كحاتم ، واسم المفعول كمنصور ، والصفة المشبهة كحسن ، وصيغ المبالغة كهمّام ، فإذا سمي أحدُ الأناسي أو من يخالطهم من الحيوان وغيره مما يحتاجون تمييزه بأحد تلك الأسماء أصبح ذلك علماً للدلالة عليه يعيِّنُه ويميِّزه عن غيره ، وهذا النقل بنوعيه : النقل من اسم من أسماء الأجناس ، أو النقل من الصفات مجمع عليها لا أعلم خلافاً في ذلك .

وأمّا النقل من المعنى - وبعضهم يسميه النقل من الحدث أيضاً([70])- والمراد واحد: فإنهم يخصُّون هذا النوع من النقل بالنقل من المصدر ؛ لأن المصدر
معنى ، وذلك كتسميتهم (( زيداً )) من زاد يزيد زيادة ، وزيداً ، وكـ(( فَضْل )) من فَضُل يفضُل فَضْلاً ، وكـ(( أوس )) من آس يؤس أوساً بمعنى أعطى ، إلاّ إن عُني بالأوس الذئب ، فإنه عندئذٍ يكون منقولاً من اسم الجنس ، وقد سبق الحديث عن اسم الجنس ولا خلاف بين أحد من النحاة في النقل من المعنى وهو المصدر . والله أعلم .

2 - النقل من الفعل :

النقل من الفعل المجرد ، المراد به : التسمية بالفعل مجرّداً من فاعله
كـ(( يزيد )) و(( شمّر )) و(( إِصْمِت )) ، فلا يتصور عندئذ إسناده إلى فاعله ، وإنما يجب تصور انفكاك الفعل من فاعله ، ومن ثم يَنْخَلِعُ الفعلُ من الفعلية ويتمكن من الاسمية فيأخذ أحكام الاسم من حيث إعرابه ووصفه والإخبار عنه … فإذا نُقِلَ العَلَم من فعل وليس له فاعل ظاهر أو مقدر كالأمثلة التي مثلت بها كان ممنوعاً من الصرف إن كان وزن الفعل من الأوزان المختصة بالفعل أو الغالبة ، وإلاّ أُعرب إعراب المصروف .

وإن كان في ظاهره مجرّداً ولكنه قد حُكيَ ، ولم يُعْرب ، فإنه حينئذ إنما حكى لأنه أصبح جملة ، فالفاعل عندئذٍ مقدرٌ ، وإذا قُدِّر الفاعل أصبح جملة ، والجملة تحكي ، وذلك نحو قول الشاعر([71]) :

نُبِّئْتُ أَخْوَالي بَنِي يزيدُ

 

ظلماً علينا لهم فَدِيْدُ

فلمّا لم يُجَرَّ (( يزيد )) هنا بالفتحة نيابة عن الكسرة دَلَّ ضمه على أن الفاعل مقدر فأصبح الفعل (( يزيد )) مع فاعله المقدر جملة ، فحكي .

والنقل من الفعل المجرّد من الإسناد قد ورد في أنواع الفعل الثلاثة: الماضي، والمضارع ، والأمر ، ولا أحد من أهل العلم - فيما أعلم - ينكر النقل من الماضي ، أو المضارع ، وإنما وقع الخلاف في النقل من فعل الأمر ، ولذا فإنني سأفرده بحديث مستقل .

النقل من فعل الأمر

إن الحديث عن النقل من فعل الأمر المجرّد له جانبان :

الجانب الأول يختص بالحديث عن النقل من فعل الأمر ((  إِصْمِت )) خاصة ، وعن كونه اسماً لفلاة بعينها ، أو اسماً لكل فلاة .

والجانب الثاني : يتناول الحديث عن النقل من فعل الأمر عموماً .

1 - النقل من فعل الأمر (( إِصْمِت )) :

لقد صرّح بعض النحاة بأنه لم يرد عن العرب النقلُ من فعل الأمر مجرّداً من الإسناد إلا (( إِصْمِت ))([72]) ؛ فلهذا أنكر بعضهم النقل من فعل الأمر المجرّد ، واعتبروا ذلك من المرتجل ، ومنهم ابن مالك([73]) وابن الحاجب([74]) ، إلاّ أن مذهب الكثير إثبات نقله من فعل الأمر ، وهو مذهب أبي الفتح بن جني([75]) ويستشهدون عليه بقول الراعي([76]) :

أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَتْ وَبَاتَ بِهَا

 

بِوَحْشِ إِصْمِتَ في أَصْلاَبِها أَوَدُ

فـ(( إِصْمِت )) - هنا على مذهب من يقول بالنقل من فعل الأمر المجرد - فعلُ أمرٍ مجرّد عن الإسناد نُقل من الأمر بالصمت ، فهو إمّا من ماضي
(( أَصْمَتَ )) وإمّا من ماضي (( صَمَتَ )) ،  وإنما أنكر ابن مالك النقل من فعل الأمر المجرد عن الإسناد خاصة لحجتين :

الحجة الأولى : أنه لم يرد عن العرب عَلَمٌ منقول من فعل الأمر ، وما ورد وهو (( إصمت )) ليس بمنقولٍ من فعل الأمر عنده ؛ إذ لو كان منقولاً منه فإن فعله الماضي إمّا أن يكون (( أَصْمَتَ )) وإما أن يكون (( صَمَتَ )) ، فإن كان من
(( أَصْمَت )) فالأمر منه (( أصْمِت )) بفتح الهمزة ، وإن كان من (( صَمَتَ )) فالأمر
(( أصمُت )) بضم الهمزة والميم معاً ، و(( إِصْمِت )) الذي هو عَلَمٌ لفلاة بعينها ، أو علم جنس لكل فلاة موحشة همزته مكسورة ، وميمه مكسورة أيضاً بخلاف ما نُقِل عنه ، والمنقول لا يُغَيَّر عن أصله ، هذه حجته الأولى ، وهي حجة ابن الحاجب([77]) أيضاً .

والحجة الثانية التي ذكرها ابن مالك أنهم قالوا : في (( إِصمت )) (( إِصْمِتَة )) بإلحاق (( إِصْمِت )) تاء التأنيث ، فلو كان فعل أمرٍ لم تلحقه هذه التاء ؛ لأن الأمر
لا تلحقه ، فعلى هذا فإنّ (( إِصْمِت )) عنده مرتجل إذ لم يثبت له سابقه استعمال في غير العلمية([78]).

والجواب عن الحجة الأولى : أن النقل إلى الأعلام كثيراً ما يصاحبه التغيير كما قالوا في (( شُمْس بن مالك ))([79]) بضم الشين مع أنه من الشمس المنيرة عند
 كثيرٍ من العلماء ، وهي بفتح الشين . قال تأبط شراً([80]) :

إِنّي لَمُهْدِي من ثنائي فَقَاصدٌ

 

به لابنِ عمِّ الصِّدْقِ شُمس بن مَالِك

فعلى هذا فتغيير الحركة يعود إلى النقل الذي يكثر معه التغيير([81]) ، فالهمزة التي ذكر ابن مالك أنه يلزم أن تكون إمّا مفتوحة ، وإمّا مضموة حسب ماضي الفعل فقد ذكر النحويون ، أبو الفتح وغيرُه أنّ هذه الهمزة في فعل الأمر
(( اصمت )) همزة وصل([82]) ، وهم يعنون أنها لا تنطق ، وإنما قطعت في حال التسمية ؛ لأن جميع الأسماء المبدوءات بهمزات ، فهمزاتها همزات قطع إلاّ كلمات معدودة ، فعلى هذا فقطع همزة (( إصْمِت )) عند التسمية به إنما هو إلحاق لهذا الاسم ببقية الأسماء طرداً للباب على وتيرة واحدة وهي مراعاة للأصل، وهذا من الوضوح بالمكان الذي لا يُنكر ، وقد قال أبو الفتح ابن جني في قطع همزة (( إِصْمِت )) : (( ولو لم يكن في هذا أكثر من اطراد التغير في الأعلام لكان كافياً ، فجعلوا هذا التغيير تابعاً لما اعتزموه من العلمية فيه ))([83]) ، ومن البدهي عندهم أنهم إذا سموا سورة (( القمر )) بأول كلمة من الآية الأولى وهي { اقتربت الساعة وانشق القمر } ([84]) قالوا : سورة (( إِقتربت )) بقطع الهمزة وبالتاء المفتوحة في الآخر إن كانوا في درج الكلام ، وإن وقفوا على هذه التاء قالوا :
(( سورة اقتربه )) بالهاء([85]) .

وأمّا الجواب عن الحجة الثانية لابن مالك ، وهي أن إلحاق تاء التأنيث
لـ(( إصْمت )) يدل على أنه غير منقول من الأمر ؛ لأن تاء التأنيث لا تلحق الأمر ، فقد سبقه أبو الفتح بن جني بهذا الاعتراض والإجابة عليه ، ثم تبعه النحاة واقتفوا تعليله ، فقد ذكر أبو الفتح أن هذه التاء إنما لحقت لفظ (( إِصْمِت )) الذي هو منقول من فعل الأمر تأكيداً لغلبة الاسمية بالنقل ، وقطعاً لتصور الفعلية([86]) ؛ لأن التأنيث من سمات الأسماء ، والأفعال لا تؤنث ، فقال : (( إنما لحقت هذه التاء في هذا المثال على هذا الحد ، ليزيدوا في إيضاح ما انتحوه من النقل ، ويُعْلِمُوا بذلك أنه قد فارق موضعه من الفعلية من حيث كانت هذه التاء لا تلحق هذا المثال فعلاً ، فصارت (( إِصْمِتَة )) في اللفظ بعد النقل كـ(( إِجْرِدَة )) و(( إِبْرِدَة )) وأنَّسَهم بذلك تأنيث المسمى به وهو الفلاة ))([87]) .

ولا أظن أن ابن مالك يخفى عليه تعليل ابن جني هذا ، إلاّ أن نزعته التي تُشْهَرُ عنه - رحمه الله - من الاعتداد بالظاهر دون التأويل هي التي تملي عليه كثيراً مما يجنح إليه ، وقد أشار إلى هذه النزعة أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله - في أحد المواضع مما كتبه على الألفية([88]) .

ومما يؤيد النقل من فعل الأمر  المجرّد (( إِصْمِت )) مكسورَ الميم خلافاً لابن مالك ما ذكره علم الدين اللورقي الأندلسي من أن كسر الميم يمكن أن يكون لغة لم تنقل([89]) ، ويسعفه على ذلك ما ذكره ابن الحاجب من أنّ (( فَعَلَ )) يجيء على
(( يَفْعُل )) بضم العين وكسرها ، والأمر تابع للمضارع([90]) ، وبعضهم يقول أيضاً : إن سُمِعَ للفعل أمْرٌ أُتبع ، وإلاّ فأنت مخيرٌ بين الإتباع وعدمه ، وبعضهم يقول : إن كثُر استعمال المضارع أُتبع وإلاّ كنت مخيراً([91]) ، فما ذكره هنا ابن الحاجب وغيره قياساً قوياً يلزم اتّباعه ، والاعتداد به ، فكيف إذا وجد معه ما هو أقوى منه ولا يخالفه ، وذلك هو السماع ، فإنّ أبا بكر بن دريد ذكر في الجمهرة أن المضارع من (( صَمَت )) سُمِعَ فيه (( يَصْمِت )) بكسر الميم([92]) ، فهذه لغة لا يمكن إنكارها ، وهو نصٌ في موضع النزاع فلا يسوغ لمن سمعه مخالفته .

هذا ما يخصُّ نقل (( إصْمِت )) الفلاة من فعل الأمر (( اصْمت )) ، ولولا أنه ثبت أنه علم على تلك الفلاة قد سُمِعَ ، ولابد من توجيهه لما قلت بالنقل لما أذكره في المبحث الثاني .

وبعد أن تحقق فيما سبق أن النقل من فعل الأمر المجرّد (( اصمت )) سائغ لا غبار عليه ، فقد استشكل ابن المستوفِي الإرْبلي [ 564 - 637 هـ ] ذلك
فقال : (( وقول النحاة إن (( إِصْمِت )) منقول من فعل الأمر مجرداً من الضمير فيه نظر ؛ لأنه جمع بين نقيضين ؛ وذلك أنهم إنما سموا به بعد الأمر للمواجهة([93]) ، فلابد من الضمر فيه . وإذا كان كذلك فهو من باب المسمى بالجملة المركبة من الفعل والفاعل . اللهم إلا أن يكونوا نزعوه بعد التسمية تحكماً منهم ))([94]) انتهى .

وقد أجاب البغدادي عن اعتراض ابن المستوفِي بأن الضمير الذي يرى ابن المستوفى وجوب اشتمال الفعل عليه لانفكاك له عنه ليس كما تصور فإن هذا الضمير اعتباري يجوز أن يلحظ ويجوز أن لا يلحظ فإن اعتبرته موجوداً فالتسمية من قبيل الجملة ، وإن اعتبرته غير موجود فالتسمية من قبيل الفعل المجرّد كتسميتهم بـ(( أحمد )) وتظهر ثمرة ذلك في الإعراب ، فإن أُعرب إعراب ما لا ينصرف كان من قبيل الفعل المجرد ، وإن حُكى كان من قبيل الجملة([95]) .

قلت : وشاهد ذلك بيت الراعي :

أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَتْ وبَاتَ بِها      بِوَحشِ إِصْمِتَ في أَصْلاَبِها أَوَدُ

فـ(( إِصْمِت )) مضاف إليه وظهر عليه الإعراب إعراب ما لا ينصرف وهي الفتحة نيابة عن الكسرة([96]) ، إذ لو كان جملة لكان مبنياً على السكون ولا قائل بذلك ، ويؤيده ما ينسب لرؤبة :

نُبِّئْتُ أخوالي بني يزيد

 

. . . . . . . . . . .

فـ(( يزيد )) هنا مضمر فيه فاعلُه ، ولهذا حُكِي فُرفِع ، إذ لو لم يُحْكَ لجُرَّ بالإضافة وعندئذ يكون مجروراً بالفتحة نيابة عن الكسرة ؛ لأنه ممنوع من الصرف والنحاة مطبوقون على أن (( يزيد )) هنا من التسمية بالجملة .

ولا ننس هنا أن مما يفند قول ابن المسْتَوْفِي أن هذا الفعل (( اصمت )) حين سُمِّيَت به الفلاة لحقته تاء التأنيث ، ولِحَاقُها دليل تجرده ، فالتأنيث لا يلحق فعل
 الأمر ، وإنما لحقته حين أصبح اسماً ، وقد سبقت الإشارة إلى هذا بما هو كاف ، وقول المبرد وأبي الفتح في المسألة معلوم . والله أعلم .

وبعد أن دللنا على أن (( إِصْمِت )) اسم منقول من الفعل ، فإن بنا حاجة إلى معرفة حقيقة هذا الاسم ، أهو علم لفلاة بعينها ؟ أم هو علم جنس تُسَمَّى به كل فلاة خالية موحشة كتسميتهم الأسد بأسامة ، والثعلب بثعالة ؟ فأسامة لا يخص أسداً بعينه ، وثعالة لا يخص ثعلباً بعينه ، فكل واحد منهما يصدق على كلّ فرد من أفراد نوعه ، فهو على هذا علم على النوع ؛ أي الجنس .

لقد اختلف العلماءُ - رحمهم الله - منذ القدم في حقيقة هذا الاسم ، فأبو زيدٍ يذكر أنه اسم جنس يقع على كل فلاة قفر لا أنيس بها قال : (( لقيته بوحش إِصْمِت، ولقيته ببلدة إِصْمِت إذا لقيته بمكانٍ قفر لا أنيس به ))([97]) ، وقال الزمخشري : (( لقيته بوحش إِصْمِت : المكان الوحش الموحش ، وهو الخالي من الإِنْس ، و((إِصْمِت )) علم للفلاة القفر ، سميت بذلك ؛ لأنه لا أنيس بها فينطقوا ، أو لأنها لشدتها تُصْمِتُ سالكها ، والدليلُ تَشْتَبِه عليه طرقها فلا يتكلم ؛ لأنه لا يتضح له الهدى فيها ))([98]) .

وذكر ياقوت - رحمه الله - أن (( إِصْمِت )) بكسر الأول ، وكسر الميم ، وتاء مثناة اسمٌ علمٌ لبرية بعينها قال الراعي :

أَشْلَى سَلُوقِيَّةً بَاتَت وَبَاتَ بِها

 

بِوَحْشِ إِصْمِتَ في أَصْلاَبِها أَوَدُ([99])

فياقوت - رحمه الله - يؤكد أنها علم فلذا بدأ به واستشهد على ذلك ببيت الراعي ، ثم ذكر تلوه قول أبي زيد ؛ إحصاءً لما قيل لا اعتداداً بصحته ، فعلى هذا فإن في (( إِصْمِت )) مذهبين: مذهب يجعله علم جنس، ومذهب يجعله علم لمكان بعينه.

والذي يترجح أنَّ (( إِصْمِتَ )) علم جنس ، وليس علماً لمكان بعينه كما ذكر ياقوت - رحمه الله - ؛ لأنهم يقولون : لقيته بوحش إصمت ، وببلد إصْمِت ؛ أي بمكان قفر لا أنيس به([100]) ، ومن خلال هذا المعنى الذي سيق له يتضح أنه ليس علماً لمكان معين وإنما هو علمُ جنس لكل مكان قفر موحش ، فعلى هذا تكون إضافته إلى و(( حش )) ، أو إلى (( بلد )) إضافة تخصيص كإضافة
(( غلام )) لـ(( رجل )) ونحوه التي لا تفيد إلا التخصيص ، ولا تفيد التعريف .

ومع أن هذا الفعل سمي به مجرداً ، فقد ذكرنا أن من أدلة تجرده منعه من الصرف ، وإحدى علل منعه الصرف وزن الفعل ، إذ لو كان جملة لحُكِي فكان يوقف عليه([101]).

ومع هذا فإننا نجد عدة أمور تشغب على القول بالتسمية بفعل الأمر مجرداً وتُوَهِّنَه في الظاهر :

الأمر الأول : أن ابن يعيش - رحمه الله - ذكر أن مانع (( إِصْمِت )) من الصرف التعريف والتأنيث ، ولم يجعل وزن الفعل طرفاً في المنع من الصرف مع أنه يقول بنقله من فعل الأمر المجرد عن الإسناد ، فقال : (( وإِصْمِت فلاة بعينها
 كأنه في الأصل فعل أمرٍ .... فسمي المكان بالفعل خالياً من الضمير ، ولذلك أعربه ولم يصرفه للتعريف والتأنيث ))([102]) .

وقد تعجب البغدادي - رحمه الله - من قول ابن يعيش هذا ، لسبق قوله بنقل ((   إِصْمِت )) من فعل الأمر ، وكان ينبغي عليه في نظر البغدادي أن يسير على وتيرة واحدة ، فما دام أنه يقول بالنقل من فعل الأمر المجرد ، فإنه يلزمه أن يجعل وزن الفعل طرفاً في منع الصرف ، لاسيما بعد أن طال النقاش في هذه المسألة وتقرر تلوه القول بنقل اسم الفلاة من فعل الأمر المجرد ، فعدول ابن يعيش عن جعل الوزن طرفاً في منع الصرف - بعد كل هذا - يوحي بتَوْهين القول بالنقل والاضطراب حسب ما فهمته من تعجب البغدادي - رحمه الله - .

قلت كلام البغدادي هذا مع أنه نظر دقيق ، وهو المعهود فيه - رحمه
الله - من دقة النظر وتحقيق المسائل . إلاّ أنه يمكن الاعتذار لابن يعيش هنا بأن بعض الأسماء الممنوعة من الصرف تتعدد فيها أسباب المنع ، وإذا تعددت الأسباب المانعة كان في ذلك سَعَة في اختيار سببين من الأسباب المانعة ، ولا يتعين أن يكون سبب أولى من سبب على ما هو مقرر في موانع الصرف ، فالعلمية في (( إِصْمِت )) سبب ، والتأنيث سبب آخر، وهما كافيان لمنع الصرف ، فكان عدول ابن يعيش إلى ذلك خروجاً من الخلاف الواقع في (( إِصْمِت )) فإن بعضهم - على ما سبق بيانه - أنكر نقله من فعل الأمر وحكم بارتجاله فلا يبقى بحسب هذا التصور أثر لوزن الفعل ، وهذا العدول من ابن يعيش - في الجزء الذي لا يخالف مذهبه - إيماءٌ إلى ذلك جميل ومنهج مستقيم حري به اتباعه ،
 فهو منهج أسلافنا علماء هذه الملة المباركة ، فكثيراً ما رأيناهم ينصون على تجنب الخلاف ما أمكن ازدراءً له ما دام أنه لا يخالف ما يذهبون إليه . والله أعلم وهو الهادي إلى الصواب .

الأمر الثاني مما يشغب على القول بالتسمية بفعل الأمر (( إِصْمِت )) ما ذكره بعض أهل العلم من أن التسمية إنما هي  بمجموع كلمتي (( وحش
وإِصْمِت )) ، فإنّ هذا يفيد أن هذه التسمية ليست بالفعل ، وإنما هي بالمضاف والمضاف إليه معاً كالتسمية بـ(( عبد الله )) وما كان نحوه ، والفعل ليس من هذا القبيل ، فلا يكون طرفاً في الإضافة الاصطلاحية([103]) ؛ فمن ثم لم تنقل عندهم التسمية من الفعل .

والصحيح أن التسمية إنما هي بـ(( إصْمِت )) وحده دون ما سبقه؛ لأنهم يقولون : لقيته بوحش إِصْمِت ، وببلد إِصْمِت([104]) بإضافة (( وحش )) و(( بلد )) إلى
(( إِصْمِت )) ، فيجعلون (( إِصْمِت )) مضافاً إليه كقولنا : كتاب محمدٍ ، وفرس
حاتم ، فلا يكون مجموع الاسمين اسماً واحداً ، وإنما يُضاف الأول إلى الثاني ليتعرّف به ، أو ليتخصَّص ، علاوة على أنه لو كان مجموع الاسمين في (( وحش إصْمِت )) هو الاسم ، فهذا يعني أن (( بلد إصْمِت )) اسم آخر ، ولا قائل بذلك ، ولم نره في كتبهم ، فيتعين أن(( إِصْمِت )) هي الاسم ، سواء كان علمَ جنس ، أو علماً لمكان بعينه على ما سبق بيانه .

وعلى افتراض أن تكون التسمية بمجموع كلمتي (( وحش وإِصْمِت )) ،
فإنّ ذلك يقتضي أن تكون الكلمة الثانية مضافة إلى الأولى ، ومن المعلوم أن الفعل لا يضاف الإضافة الاصطلاحية ، فيتعين أن يكون (( إِصْمِت )) نقل من الفعل إلى الاسم ثم أضيف ، فنصل من خلال ذلك إلى أنّ (( إِصْمِت )) نقل إلى الاسمية ثم أضيف ، وعلى منواله (( بلد إِصْمِت )) فمن ثّمَّ ينكفئ هذا القول على القائل به ، فيصبح حجة عليه لا له . والله أعلم بالصواب .

2 - النقل من فعل الأمر مطلقاً :

لقد ذكرت في المبحث السابق لهذا أن (( إِصْمِت )) المسمى به الفلاة منقولٌ من فعل الأمر بـ(( الصّمت )) خلافاً لأبي عبد الله بن مالك - رحمه الله - وذلك لتظافر الأدلة على ما انتحيته ، ومنها السماع ، فلم أقل بذلك لولا ما سمع .

ومع هذا فإن قولنا بالنقل لـ(( إِصْمِت )) من فعل الأمر يستوجب الحديث عن القياس على هذا . فهل وجود مثال واحد نُقِل من فعل الأمر يبيح لنا القياس عليه ؟ فنجوِّز النقل من فعل الأمر مطلقاً ؟

الذي يظهر لي أنّ القياس على (( إِصْمِت )) وحده لا يجوز ؛ إذ إنه من القليل جدّاً الذي يحفظ ولا يقاس عليه .

ولعل من يقول بالنقل من فعل الأمر المجرّد إنما قال ذلك ؛ لأنه يرى أن القياس لا يدفع ذلك ، اعتماداً على أن النقل ورد في جميع أنواع الفعل ،
المضارع ، والماضي والأمر بناءً على نقل (( إِصْمِت )) .

فأقول : إن كثرة ورود الماضي والمضارع ، وقلة ورود الأمر تفيد الاختلاف بين القبيلين ، فيفضي ذلك إلى أن لا نجعل فعل الأمر مقيساً على
غيره ، وإنما نجعله مقيساً على فعل الأمر نفسه ، فلمّا لم نجد من الأمر إلاّ لفظاً واحداً هو (( إِصْمِت )) كان ذلك من القليل الذي لا يقاس عليه .

قلت : هذا من جانب ومن جانب آخر فإننا إذا أمعنا النظر في دلالة الأسماء في أصل وضعها من حيث إفادة الإخبار أو الإنشاء وجدنا أنها تفيد معنا إخبارياً لا إنشائياً ، والإخبار يُفيد الصدق أو الكذب ، والإنشاء لا يفيد شيئاً من ذلك ، فالمسمِّي حين يُسمِّي يتفاءل بمسماه على المعنى الذي سمى به ، وهذا يتطلب معناً إخبارياً ألا ترى ، إلى ما ذكره أبو بكر بن دريد عن أبي حاتم السجستاني - رحمهما الله - ! قال : قيل للعتبي : ما بال العرب سمت أبناءها بالأسماء المستشنعة ، وسمت عبيدها بالأسماء المستحسنة ؟

فقال : لأنها سمَّت أبناءها لأعدائها ، وسمت عبيدها لأنفسها([105]) أقول : إن وجود هذا المعنى الإخباري في الوضع الأوَّلي للأعلام يبدو أنه وراء هذه الكثرة الكاثرة من الأسماء التي تدل على الإخبار والتفاؤل ، ولا يُعتد بما سواه وهو الإنشاء ، ويدل على عدم الاعتداد به أنه لم يُعرف منه إلاّ (( إصْمِت )) ولم يُلْفَ سواه ، ولهذا وجدنا أبا عبد الله بن مالك وأبا عمرو بن الحاجب([106]) ينكران النقل من فعل الأمر المجرّد ، ومع أنه قول القلة فقد رأيت رجحانه في ظل ما سبق .

وبعد فإني قد وصفت الأعلام وهي ذات معنى مفرد ، وصفتها بالمعنى
الإخباري .

والحقيقة أن الإخبار والإنشاء لا يطلقان إلاّ على الجمل ؛ لأنها ذات معنى
 مركب ، لكنني حين أصف العَلَم بالإخبار مع أنه صاحب معنى مفرد ، فإنما أصفه بذلك في حال أَوَّلِيَّة وضعه ، فالمسمِّي الأول يريد من وراء التسمية معنىً مركباً ، وهذا المعنى المرُكب هو الذي أصفه بالخبرية ، ولذا ذكر العتبي عن العرب أنها سمت أبناءها لأعدائها ، وسمت عبيدها لأنفسها ، فهذا يدل على تصور معنىً إخبارياً يتفاءل به المسمِّي حين يسمِّي بمثل أسد ونحوه أن يكبر صاحب هذا الاسم ويصبح شجاعاً ، وهكذا غيره من الأعلام .

وهذا المعنى الإخباري للوضع الأَوَّلِيِّ للاعلام يظهر لحظ الإخبار فيه بين فينة وأخرى على الألسنة . ألا ترى أن رسول الله r قد غير بعض الأسماء ذات المعاني الجاهلية إلى المعنى الإسلامي لِلَحْظِهِ r ذلك المعنى الإخباري فغيّر (( زيد الخيل )) إلى (( زيد الخير ))([107]) ومثله في لحظ الإخبار قول محمد بن عبد الله بن كُنَاسَة الأسدي الكوفي([108]) :

وسميته يحيى ليحيى فلم يكن

 

إلى رد أمر الله فيه سبيل

فالشاعر هنا تفاءل باسم (( يحيى )) فسمى ابنه به تفاؤلاً بأن يحيى وتطول حياته .... ومن هنا لما كان العلم المنقول من الأمر لا يحمل هذا المعنى الإخباريُّ الذي يرجو المسمِّي الأول من ورائه التفاؤل بتحقق مسماه لم أر أنّ النقل من الأمر المجرّد مقيساً تصح التسمية به ، وهو مذهب ابن مالك وابن الحاجب
- رحمهما الله - وإن لم يستصحبا هذا المعنى الإخباري ، إلاّ أنهما إنما منعاه فيما يبدو للقلة التي ذكرتها سابقاً، ولأسباب ذُكرت فيما تقدم .

والله أعلم بالصواب .

3 - النقل من الصوت :

الناس في (( المنقول )) و(( المرتجل )) تبعاً لأبي الفتح بن جني - رحمه الله - فقد ذكر النقل من الصوت فتابعه عليه كثيرٌ من أهل العلم .

والنقل من الصوت لم يرد منه إلاّ كلمة واحدة هي (( بَبَّة )) لقب عبد الله بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف([109]) في قول أمه([110]) :

لأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ

جَارِيَةً خِدَبَّهْ

والحقيقة أن النقل من كلمة (( بَبَّة )) نفسِها فيه مذهبان للعلماء :

المذهب الأول : يرى أصحابه أن (( بَبَّة )) اسم صوت أخذ من صوت
عبد الله بن الحارث إذ كان صغيراً ، فكأنه كان يدعو أباه بـ(( بَبَّة )) ، فلما كثر ترديده لذلك اللفظ لقب به ، فبناءً على هذا فهو اسم صوت كقولهم في حكاية صوت الغراب (( غاق )) وفي حكاية صوت وقع السيف على الضريبة (( قَب )) ونحوهما([111]) . وقد يكون (( بَبَّة )) منقولاً من صوت هدير الجمل قال الخليل : (( البَبَّة هدير الفحل في ترجيعه ))([112]) إلا أن ما قاله الخليل لم يذكر النحاة أن النقل قد يكون منه .

والمذهب الآخر : أن (( بَبَّة )) بمعنى السَّمين قال ابن خالويه : غلامٌ بَبَّة ، أي سمين([113]) ، وقال ابن فارس : (( وقد قالوا : رجلٌ بَبٌّ ؛ أي سمين ، وكان بعضهم يلقب بَبَّة ))([114]) . فعلى هذا يكون (( ببة )) منقول من الصفة .

ومع أنّ (( بَبَّة )) لا ينكر كونه صوتاً ، أو أنه وصفٌ بمعنى السمين ، إلاّ أن جعله من قبيل المنقول من الأوصاف أولى من جعله من قبيل النقل من الصوت ؛ لأن النقل من الصفات هو الغالب على نقل الأعلام كلها بلا استثناء ، والنقل من الصوت لا يعرف منه شيئاً إلاّ (( بَبَّة )) على خلاف فيه كما سبق ذكره ، والدخول في أوسع الأبواب أولى من غيره ، قال ابن مالك : (( والصحيح أنّ
(( بَبَّة )) منقول من قولهم للصّبي السمين : بَبّة ، وقد تَـبَـبَّـبَ فهو بَبٌّ وبَبَّة إذا
سَمِن ))([115]) .

والله أعلم .

ثانياً : المنقول المركب :

المراد بالمركب من الأعلام ما كان لفظه على أكثر من كلمة نحو: عبد الله، وتأبط شراً ، ومعد يكرب .

وقد ذكر الشاطبي - رحمه الله - أن المركب في اصطلاح النحاة ليس من المنقول([116]) ، وقد بينت فساد قوله هذا ، وسبب قوله له في آخر مبحث (( علاقة المنقول والمرتجل بالمفرد والمركب )) .

وإذا تجاوزنا قول أبي إسحاق الشاطبي - رحمه الله - فإنّ المنقول المركب عند النحاة ثلاثة أقسام هي : المنقول من المضاف والمضاف إليه ، والمنقول من الجملة ، والمنقول من المركب تركيب مزج ، وإليك تفصيلها .

1 - المنقول من المضاف والمضاف إليه :

المنقول من المضاف والمضاف إليه هو أكثر أنواع العلم المركب ، ولذا قال ابن مالك([117]) :

وشاع في الأعلام ذو الإضافة

 

كعبد شمس وأبي قحافة

وهذا النوع من الأعلام من الوضوح والظهور بالمكان الذي لا يخفى ، ويقع المضاف والمضاف إليه اسماً كما يقع كنية فالاسم نحو : عبد الله ، وامرؤ القيس ، والكنية نحو : أبو بكر ، وأم رُومان .

فالجزء الأول وهو المضاف يعرب بحسب موقعه من الإعراب ، وأمّا الجزء
الثاني : فإنه يتعين فيه أن يكون مجروراً بالإضافة .

2 - المنقول من الجملة

المنقول من الجملة على قسمين : منقول من جملة فعلية ، ومنقول من جملة اسمية ، وتفصيلهما على النحو التالي :

(أ) المنقول من الجملة الفعلية :

المنقول من الجملة الفعلية إمّا أن تكون مصدَّرةً بفعلٍ ماضٍ ، وإمّا أن تكون مصدرةً بفعلٍ مضارع ، وإمّا أن تكون مصدرة بفعلٍ أمر . فالمصدرة بماضٍ أو بمضارع ورد النقل منهما مطلقاً سواء كانت من فعل وفاعل ومفعول به ، نحو : تأبط شرّاً ، أو كانت من فعل وفاعل ظاهرٍ أو مستترٍ ، فالظاهر نحو : شاب قرناها ، والمستتر نحو : يزيد في قول القائل([118]) :

نُبِّئتُ أخوالي بني يزيدُ

 

ظلماً علينا لهم فَدِيْدُ

فالرجز يُرْوَى برفع (( يزيدُ )) وهذا يدل على أنها جملة ، لأنه حكى
إعرابها ، فلو لم تكن جملة لكان لفظ (( يزيد )) فعلاً مجرّداً سُمِّي به ، وعندئذ يعرب إعراب ما لا ينصرف ، فيجر بالفتحة نيابة على الكسرة ، ولكن لمّا رفع
(( يزيد )) ، وليس للرفع موجب إلاّ الحكاية عُلِمَ أنها جملة محكية .

وأما النقل من الجملة الفعلية المصدرة بفعل الأمر ، فقد أثبتها أبو عمرو بن العلاء في قول أبي ذؤيب الهذلي([119]) :

عَلى أطْرِقا بالياتِ الخيا

 

مِ إلاّ الثُّمَامُ وإلاّ العِصِي

قال الأصمعي : قال أبو عمرو بن العلاء (( أطْرِقا )) بلدٌ نرى أنه سُمِّي
بقوله : (( أطرِق )) ؛ أي اسكت كانوا ثلاثة في مفازة ، فقال واحدٌ لصاحبيه :
(( أطْرِقا )) ، أي اسكتا ، فَسُمِّي به البلد([120]) . وضبط ياقوت الحموي (( أَطْرِقا )) بكسر الراء ، وقاف ، وألف بلفظ الأمر للاثنين([121]) ، وقال بعضهم إن (( أطْرِقا )) جمع طريق بلغة هذيل([122]) ، قلت : يعنون أن هذيل تكسر في جمع الطريق الراء فلا يقولون (( أطرُق )) بالضم ، وإنما يقولون : أطرِقا بالكسر ، هذا هو المفهوم من سياق كلامهم ، وإلا فإن بعضهم يضبطها ضبط قلم بضم الراء ، ولا يستقيم المراد إلا بكسرها ، وبعضهم يقول إن من أنث الطريق جمعه على أطرُق كعَنَاقٍ وأعنُق ، ومذكره يجمع على أطرقاء كصديق وأصدقاء ثم قُصِر ضرورة([123]) .

ويُرْوى(( علا أطرقا )) من العلو ، فيكون المعنى : إن السيل علا أطرقا ، وقال ابن مُلْكُون ويؤيد أن (( أطرقا )) جمع طريق وَصَفَه بالجمع ، وهو (( باليات الخيام )) ، فلو كان (( أطرقا )) جملة سمي بها المكان لوصفها بالمفرد فيقال : باليةَ الخيام ، لكنه استدرك وقال : لكنه يجوز أن يكون وَصَفَها بالجمع وإن كانت واحدة لسعتها([124]) .

وعلى هذه التفسيرات يذهب الاستشهاد بالبيت على أن (( أطرقا )) اسم لموضع بعينه نقل من جملة الأمر .

قلت : فإذا كان قد ذهب على التفسير السابق الاستشهاد بهذا البيت فإن
(( أطرقا )) قد وردت في شعرٍ آخر لاشك في أنها جملة مصدرة بفعل الأمر سمي بها موضع بعينه قال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي([125]) ، وكان يطالب بني كعب ابن عمرو بن خزاعة بدم الوليد بن المغيرة أبي خالد بن الوليد - رضي الله عنه - :

إني زعيمٌ أن تسيروا وتهربوا

 

وأن تتركوا الظهرانَ تعوي ثعالبُه

وأن تتركوا ماءً بجزْعَة أطْرِقا

 

وأن تسلكوا أيَّ الأراك أطايبه

فمن خلال هذا الشعر يتأكد لنا أن (( أطرقا )) فيه اسم موضع سُمِّيَ بجملة أمرية ، وهو قرب مكة ، لأن الظهران وادٍ من أحواز مكة يعرف بهذا الاسم إلى يومنا هذا ولا زالت خزاعة تحل أسافله إلى الآن .

والحقيقة أنه لا يجب إنكار النقل من جملة (( أطرقا )) ، فإنه وإن شاب بيت أبي ذؤيب ما يُوهن الاستشهاد به ، فإن بيت عبد الله بن أبي أمية المخزومي لا يوجد ما يشوبه ، وإن كان النحاة لا يعرفونه إلاّ أنه شاهد قوي لمذهبهم في النقل من الجملة الأمرية . إلا أن النقل من جملة الأمر لم يرد إلا في التسمية بـ(( أطرقا )) وهو مثال واحد وإن تكرر فإننا لا نعرف سوى ذلك . وهو وحده فيما أرى لا يكفي للقياس عليه لما ذكرته في (( إِصْمِت )) من أن هذه الجملة وهي (( أطرقا )) لا تحمل معنىً خبرياً([126]) . والله الهادي إلى الصواب .

 

(ب) المنقول من الجملة الاسمية :

ذكر ابن مالك أن النقل من الجملة الاسمية لم يُسمع ، والحقيقة أن النحاة يمثلون به في كتبهم في باب العلم([127]) وغيره كباب المنادى ، نحو: يالمنطلق زيد([128]) ، وباب الحكاية([129]) ، مما يدل على أن هذا النقل مقيس عندهم وقد صرح به ابن أم قاسم المرادي([130]) والشيخ خالد الأزهري ، حيث قال : والنحاة قاسوه على ما سُمع من النقل من الجملة الفعلية ، وجعلوه قسيماً له على تقدير التسمية بها([131]) .

وبرغم أن جملة الأمر لم أر القياس عليها مع وجود المسموع ، ورأيت أن النقل من الاسمية مقيساً رغم أنه لم يسمع فما ذاك إلاّ لأن قياس نقل الجملة الاسمية على الجملة الفعلية مقبولٌ لوجود المعنى الخبري فيهما الذي قد شرحته([132]) في حديثي عن عدم جواز القياس على النقل من فعل الأمر المفرد كـ(( اصمت )) ، والله الهادي والموفق .

3 - المنقول من المركب تركيب مزج :

المركب تركيب مزج هو : الاسم المركب من اسمين دُمِج أحدهما مع الآخر حتى صارا اسماً واحداً([133]) نحو : معد يكرب ، وحضرموت ، وبعلبك ،
 وسيبويه ، ونفطويه ، فكل اسم من هذه الأسماء هو في الأصل من كلمتين([134]) فمعد يكرب مثلاً ركب من (( معدي )) ، و(( كَرِب )) ، و(( مَعْدِي )) بمعنى عَدَّاه ، و(( الكرب )) الفساد ، فيصبح معناه عدّاه الفساد([135]) فلما دمج هذان الاسمان فأصبحا اسماً واحداً سُمِّي بالمركب المزجي ، فكَانَ الجزء الثاني منه بمنزلة تاء التأنيث ، فتصبح حركة الجزء الأول منه كحركة ما قبل تاء التأنيث ، وهذا الجزء لا يكون إلا مفتوحاً ، كما أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون إلاّ مفتوحاً ، اللهم إلا إن كان ذلك الجزء آخره ياء فإنّه يلزم سكونه([136]) ، وعندئذ يكون الإعراب
على آخره إعراب الممنوع من الصرف أو أن يبنى على الكسر إِنْ كان آخره
(( ويه ))([137]) ، وإنما استُثْقِلَ صرف هذا لأنه ليس من أبنية الأسماء ، ويدل على ذلك قلته فيها([138]) .

وهذا الإعراب الذي في آخره تفريقاً بينه وبين المركبين الآخرين : الجملة ، والمضاف والمضاف إليه ، فـ(( الجملة )) تُحْكَى ، و(( المضاف والمضاف إليه )) يُعْرَبُ منه (( المضاف )) بحسب موقعه من الإعراب ، ويُجرُّ (( المضاف إليه )) بالإضافة .

وينبغي أن يُرْسَمَ المركب تركيب مزج على هيئة الكلمة الواحدة فتوصل
 حروفه ببعضها نحو بعلبك ، ومعد يكرب ، فلا ترسم كل كلمة على حدة([139]) ، وبهذا ينتهي الكلام عن المنقول وفروعه ، ويليه الحديث عن المرتجل وفروعه . والله أعلم .

المرتجل وفروعه

لقد ذكرت في مبحث (( تطور مصطلحي النقل والارتجال )) أن المرتجل لفظ مشتق وهو ما صرح به أبو بكر بن السراج عند تقسيمه للعلم إلى منقول ، ومشتق ، وأعجمي ، فالمشتق - عنده - هو المرتجل كما سبق بيانه ، قال أبو بكر : (( وأما الأسماء المشتقة : فنحو عمر ، وعثمان ، فهذان مشتقان من عامر ، وعاثم وليسا بمنقولين ، لأنه ليس في أصول النكرات عثمانٌ ، ولا عُمَرٌ ، إلاّ أن تريد جمع عُمْرَة ، فأسماء الأعلام لا تكاد تخلو من ذلك، فإن جاء اسم عربي لا تدري مم نقل أو اشتُقَّ ، فاعلم أنّ أصله ذلك وإن لم يصل إلينا عِلْمُه قياساً على كثرة ما وجدناه من ذلك .

ولا أدفع أن يخترعَ بعضُ العرب في حال تسميه اسماً غير منقولٍ من نكرة ولا مشتق منها ، ولكن العام والجمهور ما ذكرت لك )) ([140]) . انتهى .

فقول أبي بكر هذا نص في أن المرتجل مشتق ، إلاّ أن هذا الاشتقاق ليس مقيساً كاشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما من المشتقات المقيسة التي تخضع لقاعدة مطردة في الاشتقاق .

ولما كان المرتجل خارجاً عن قاعدة الاطراد سماه أبو الفتح مرتجلاً لِلَحْظِه الخروج عن الاطراد ، فكأنَّ المسمِّي الأول لمّا وَضَعَ هذه المشتقات بطريقة اشتقاقية لا توافق المشتقات المقيسة تعجل ولم يتروّ فخرج عن المعتاد من الاشتقاق فمن ثَمَّ سمي بالمرتجل .

ومع أن أبا بكرٍ ذكر أنه لا يستبعد أن يكون هناك علماً مرتجلاً غير مشتقٍ فإنما قال ذلك فيما يبدو احتياطاً، لأن الإحاطة بمفردات اللغة غير ممكنة، وقوله هذا يلتقي مع أقوال كثير من النحاة كالرضي([141]) وغيره قال الأبذي : (( وبالجملة فما جاء من الأسماء لا يحفظ له أصلٌ في النكرات قليل ، فمن الناس من أثبته ، ومنهم من ردّ القليل إلى الكثير ، لإمكان أن يكون الأخير لم يصل إليه عِلْمٌ وصل إلى الأول المسمِّي ، فكأنَّ المسمِّيَ الأولَ لا يعلم تلك اللفظة في النكرات فنقلها وسمى بها وجهلنا نحن أصلها فتوهمناها من أجل ذلك مرتجلة )) ([142]) انتهى .

ومع أنهم يقسمون العلم المرتجل إلى قسمين : قسم له مادة اشتُقَّ منها وهو الكثير الغالب ، وقسم ليس له مادة أخذ منها ، لأنهم يرون إمكانية التسمية بما
لا يعرف أصله إما للجهل به ، أو لاختراعه من غير أصل ، فإننا لم نجد شيئاً من الأعلام المرتجلة ليس له مادة اشتق منها رغم أن بعضهم يمثل له بـ(( فَقْعَس )) ، وهو أبو قبيلة من بني أسد ، فقد قال الشاطبي : (( والمرتجل في كلام سيبويه على وجهين : أحدهما ما لم يقع له مادة مستعملة في الكلام العربي قالوا : ولم يأت من ذلك إلا فَقْعَس ، وهو أبو قبيلة من بني أسد ، وهو فقعس بن طريف بن عمرو بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، فلم يستعملوا مادة (( ف ق ع س )) في غير هذا الموضع ))([143]) .

والحقيقة أن فَقْعَسَ مشتق من الفَقْعَسَةِ ، وهو استرخاء وبلادة في الإنسان ذكره ابن دريد وغيره([144]) .

فعلى هذا فلا نعرف شيئاً من هذه الأسماء ليس له أصل ، وكتاب أبي بكر ابن دريد (( الاشتقاق )) إنما ألفه - رحمه الله - ردّاً على دعوى أن العرب تسمي بما ليس له أصل في لغتها([145]) ، وقد ذكرت هذا مفصلاً سابقاً ، وبناء على هذا فإن المرتجل مشتق إلاّ أن هذا الاشتقاق على نوعين : نوع مقيس ، ونوع غير مقيس وهو ما يسمونه بالشاذ أيضاً ، وإليك تفصيل كل نوع منهما :

1 - المرتجل المقيس :

كنت قلت أن المرتجل مشتق غير مقيس ، ولعدم قياسية اشتقاقه سماه ابن جني بـ(( المرتجل )) ، والقول بأنه مشتق غير مقيس الاشتقاق ، لا يتناقض مع تقسيمه إلى مقيس وغير مقيس ؛ وذلك أن المراد بالمقيس من الأعلام المرتجلة : هو ما كان له وزن مماثل لأحد أوزان النكرات نحو : عِمْران مثلاً ، فإنه مقيس لأن له وزنٌ مماثلٌ وموازنٌ تماماً لبعض أوزان النكرات كسِرْحان ، وهو الذئب ، وكعِصْيانٍ ، وحِرْمان وهما مصدران ، وكذلك (( حَمْدَان )) مرتجل مقيس لأنه موازن لـ((  سَعْدَان )) وهو نبتٌ ولـ(( سكران )) وهي صفة([146]) ، وأمثلة المرتجل المقيس كثيرة ، قال ابن مالك : المقيس ما سُلِكَ به سبيل نظيره من النكرات ، وقال الأُبَّذِي : المقيس : ما له وزن في النكرات ، ولم يخرج عن حكم نظائرها([147]) ، وقال أبو موسى الجزولي : المقيس : ما له وزن في النكرات ، وغير المقيس ما خرج عن حكم نظيره في النكرات([148]) .

وقد حقق هذا المعنى أبو علي الشلوبين - رحمه الله - فأكد على وجوب موازنة هذه الأعلام للنكرات فكلمة ((  النكرات )) التي وردت في كلام أبي موسى الجزولي لا يصح الاستغناء عنها فقال شرحاً لكلام الجزولي السابق : (( وربما قال قائل كان ينبغي له أن يقول : والمقيس ما له وزن ؛ أيْ نظيرٌ ، وغير المقيس ما خرج عن حكم نظيره ، ويُسْقِطُ (( في النكرات )) ، لأنه إذا أثبتها أوهم أنه إذا خرج عن حكم نظيره في النكرات وبقي على حكم نظيره في الأعلام كان غير مقيس ، ولو كان له نظائر في الأعلام لما كان غير مقيس ، وإنما كان يكون مقيساً ؛ لأن ذلك كان يكون قياس الأعلام .

فيقال في جواب هذا القائل : لم يُرِد ما ذكرته من أنه يكون خارجاً عن حكم نظيره في النكرات وجارياً على حكم نظائره في الأعلام مطرداً ذلك الحكم فيها ، هذا ما لا يوجد أصلاً ، لكن الموجود ما يخرج عن حكم نظيره في النكرات ، ويجري في الشذوذ على حكم نظائر له في الأعلام التي جاءت شاذة كشذوذه وإن لم يطرد ذلك فيها .

وإنما قصد المؤلف التنبيه على أن الأعلام يكثُر الشذوذ فيها لكثرة
استعمالها ، والشيء إذا كثر استعماله غَيَّروه ، فنبه بقوله : (( ما خرج عن حكم نظيره في النكرات )) على أن العلمية هي سبب الشذوذ فيها لكثرة استعمال الأعلام على ما قلناه ، وكذلك يقول النحويون ، فقد صار إذن إثبات قوله :
(( في النكرات )) يفيد أمراً لا يفيده إسقاطه ، فلا ينبغي إسقاطه كما قلت أيها المعترض ))([149]) انتهى .

ومن أجل هذا فإن تعريفات بعضهم للمرتجل المقيس ليست بسديدة ومن ذلك قول ابن جمعة القواس : (( المقيس ما كان جارياً على قانون كلامهم غير مخالف للأصول ))([150]) .

وقول ابن الحاجب : (( المقيس ما كان على قياس كلام العرب والشاذ ما ليس كذلك ))([151]) ، فأنت ترى أن هذا الكلام عام يدخل تحته ما وازن النكرات ، وما وازن الأعلام ، فكان كلام أبي علي الشلوبين تحقيقاً لذلك ، وإن كانت كثير من التعريفات تنحو نحو تعريف أبي موسى الجزولي كتعريف ابن مالك والأُبَّذِي السابقين وغيرهما([152]) .

وبعد أن ذكرت شرح (( المرتجل المقيس )) أشفع ذلك ببعض الأمثلة له ومقارنتها بما يوازنها من النكرات ، فمن ذلك غَطَفَان ، ويوازنه من النكرات شَقَذَان وهو الخفيف([153]) ، وعَلَجَان ، وهو نبت ، أو شجر([154]) وحَنْتَف عَلَمٌ وهو : حنتف ابن أوس ، والحنتف الجراد المنقَّى من الطبخ([155]) .  ويوازنه عَنْسَل ، وهي : الناقة السريعة ، وربما كانت النون زائدة في حَنْتَفَ وعَنْسَل فيكون حَنْتَف من الحتف ، وعَنْسَل من عسلان الذئب([156]) .

2 - المرتجل غير المقيس وهو (( الشاذ )) :

لقد ذكرت أن المرتجل المقيس ما كان له وزن مماثل لأحد أوزان النكرات ، فغطفان مرتجل مقيس لوجود الموازن له في النكرات نحو : شَقَذَان ، وهو
الخفيف ، وعَلَجَان ، وهو شجرٌ أو نَبْتٌ إلى غير ذلك .

وأمّا غير المقيس : فهو ما خرج عن حكم نظائره من النكرات مع أن له موازن في النكرات([157]) ، وذلك نحو : مَوْظَب ، فمَوْظَب - بفتح عين الكلمة ، وهو اسم لموضع بعينه - خرج بهذا الفتح عن نظائره من النكرات ؛ لأن العرب لا تبني مَفْعَلاً بفتح العين مما فاؤه واوٌ ، وإنما يلزم كسر العين كـ(( مَوْعِد )) من وَعَد ، و(( مَوْرِد )) من وَرَد ، و(( مَوْضِع )) من وَضَع([158]) إلا أن (( مَوْظَب )) من وَظَب حين أصبح علماً شذَّ بفتح عينه عن قياس النكرات المبدُوءة بواو ، قال خِدَاش بن زهير([159]) :

كَذَبْتُ عَلَيْكم أوْعِدوني وعَلِّلوا

 

بي الأرضَ والأقوام قِرْدَان مَوْظَبا

ولا يُعتد بما ورد من ذلك مفتوح العين في النكرات لشذوذه نحو (( مَوْضَع )) 
و(( مَوْقَعة الطائر )) .

هذا من ناحية خروجه عن حكم نظائره من النكرات ، وأما كون له موازن في النكرات نحو : المشتَى ، والمرقَى ، والمسْعَى ، فلا يخرجه هذا عن الشذوذ ؛ لأن ما لامه حرف علة يلزم أن يكون (( مفعَل )) بفتح العين بخلاف ما
 فاؤه حرف علة ، فيلزم نكرته أن تكون على (( مفْعَل )) بفتح العين([160]) .

هذا وقد فتحت عين كثير من الأعلام المبدوءة بالواو نحو (( مَوْثَب )) 
و(( مَوْرَق )) و(( مَوْزَع )) و(( مَوْزَن )) و(( مَوْقَع )) وهي كلها أعلام لمواضع([161]) ، وهذا لا يعني أنه يلزم فتح عين العلم مما هو واوي الفاء ، وإنما سُمِع هذا الفتح وعدّه العلماء شاذاً ، والقياس الكسر نحو : (( الموْصِل )) المدينة العظيمة لوصلها بين دجلة والفرات ، و(( مَوْزِن )) ذكر فيها الكسر البكري([162]) ، و(( مَوْفِق )) و(( مَوْكِل )) 
و(( مَوْجِب ))([163]) ، وكلها أسماءٌ لمواضع .

هذا أحد الشذوذات التي شذت بها الأعلام فجاءت على خلاف نظائرها من النكرات ، وهناك شذوذات أخر ذكرها العلماء في الأعلام وهي :

أ) أعلام صُحِّحَت وكان يجب إعلالها قياساً على مثيلها من النكرات نحو : مَدْيَن وهي الواردة في الكتاب العزيز تلقاء غزه([164]) ، ونحو مكْوَزَة ، فمَدْيَن ، ومَكْوَزة يلزم في مماثلها من النكرات الإعلال بنقل الفتحة من حرف العلة إلى الحرف الذي قبله ، فعندئذ يُقلب حرف العلة ألفاً ، لتحركه بحسب الأصل وانفتاح ما قبله بحسب اللفظ ، فيقال فيهما (( مدان )) ، و(( مكازه )) كمقام ، ومثابة([165]) فأصل مقام مقْوَم ثم نُقِلَت الفتحة من حرف الواو إلى ما قبله فأعلت
 الواو لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في اللفظ ، فأصبح مقام ، وكذلك
(( مثابة )) فأصلها مثْوَبة ؛ لأنها من الثواب فحصل فيها ما حصل في مقام ، فلمّا لم تعل مَدْيَن ، ومَكْوَزة مع وجود موجبه اعتبر ذلك شاذاً فيهما وكان موجب قبوله فيهما أنهما علمان والأعلام يكثر فيها التغيير لكثرة الاستعمال .

ب) أعلام فُكَّ إدغامها وحقها التضعيف نحو : مَحْبَبٌ اسم علم([166]) ، فحقه أن تدغم الباء في الباء فيكون : (( مَحَبّاً )) كما قالوا : مَرَدّ ، ومَفَرٌّ ، ومقرّ ، وليست الميم أصلية ، لأن الميم إذا كانت أول الكلمة وبعدها ثلاثة أحرف حكم بزيادتها قياساً إلاّ ما ندر نحو مَعْزَى ، وإنما يقال إن الميم أصلية ، لأن فك الإدغام الموجود في (( محبب )) هو المُرَجِّحُ لذلك ؛ لأن مـحبباً على هذا يكون ملحقاً
(( بجعفر )) كقَرْدَ والإلحاق مانع من الإدغام فيلزم الفك ، فيجتمع من هذا قولان قول يحكم بزيادة الميم وقول يحكم بأصالتها وكلٌّ من ذلك شاذ ، فلما تدافع الشذوذان كان جعل الميم زائدة أولى لأنه يؤدي إلى أن (( مَحْبَباً )) مأخوذ من مادة موجودة وهي (( ح ب ب )) وأما جعلها أصلية فإنه يؤدي إلى أخذه من مادة غير موجودة وهي : (( م ح ب ))([167]) .

ويجب أن نشير هنا إلى أن هذه الشذوذات هي معتمد كثيرٌ من العلماء في جعل هذه الأعلام مرتجلة ، فهذه الأعلام مع وجود تلك التغييرات لم تكن مستعملة في النكرات ، وهذا هو الحدّ الفاصل بين المنقول والمرتجل ، وإلاّ فإن الرضي قد أشار إلى أنه يمكن اعتبار هذه التغييرات اللاحقة للأعلام لا تخرجها عن النقل ، قال : (( فالكلم بهذه التغييرات عند النحاة تَصِيْرُ مرتجلة ؛ لأنها
لم تستعمل في الأجناس مع هذه التغييرات ، ولو قيل بنقلها ، والتغيير إما مع
النقل ، أو بعده في حال العلمية كما في (( شُمْس لجاز )) ([168]) .

قلت لقد ذُكِر فيما سبق أن النقل يصاحبه التغيير لكثرة الاستعمال ، وهو أمرٌ مستفيض عند النحاة ، فمن ثمّ اعتبروا قول ابن مالك في (( إِصْمِت )) بأنه مرتجل ليس بسديدٍ ؛ لأن (( إِصْمِت )) منقول – عندهم - صحبه كثيرٌ من التغييرات ، فهذا يدعو إلى جعل (( المرتجل الشاذ )) ، وهو ما حصل فيه تغييرٌ عن نكرته يعود إلى المنقول ، وهو أمرٌ مقبول في ظل قاعدتهم أن التغيير يلحق الأعلام كثيراً ، لاسيما مع وجود نكرةٍ له .

والله أعلم .

ما ليس منقولاً ولا مرتجلاً

لقد ذكرت سابقاً أن الأعلام تنقسم من حيث أَوَّلِيَة وضعها إلى قسمين هما : (( المنقول )) و(( المرتجل )) ، وهو قول أبي الفتح بن جني حيث قال : (( فأصل انقسامها ضربان ، أحدهما : ما كان منقولاً ، والآخر ما كان مرتجلاً من غير نقلٍ ))([169]) .

فكلام أبي الفتح يريد به ، أن الأعلام من حيث أَوَّلِيَّة وضعها على قسمين هما : المنقول ، والمرتجل .

فالمنقول : ما كانت ألفاظ الأعلام المستخدمة فيها سبق استخدامها بتلك الألفاظ نفسها التي عليها الأعلام دون تغيير .

والمرتجل ما كانت ألفاظ الأعلام فيه لم يسبق لها أن استخدمت في غير
العلم .

إلاّ أن موضوع النقل والارتجال بعد أن تحدد عند أبي الفتح حصل فيه اضطراب عند التالين له ، وقد بينت ذلك فيما سبق ، وهنا نشير إلى اضطراب آخر ظهر عند الأُبَّذِي ثم سرى إلى التالين له ، كأبي حيان([170]) ، وتلميذه ابن أم قاسم المرادي([171]) ، والدماميني([172]) ، ثم السيوطي([173]) .

ذلك هو القول بأن من الأعلام قسم ثالث وهو : ما ليس بمنقول ولا مرتجل ، قال الأبذي : (( ... قسمة العَلَم إلى المنقول والمرتجل إنما هو بالنظر إلى الأكثر الأغلب، وإلاّ فقد لا يكون منقولاً ولا مرتجلاً وهو ما علميته بالغلبة نحو : الثريا ، والدَّبَرَان ، وابن عمر ، ألا ترى أن الثريا مشتقة من الثروة ومعنى الثروة موجود فيها ؛ لأنها أنجم مجتمعة ، وكذلك الدَّبَرَان معنى الدُّبُور موجودٌ فيه ؛ لأنه دَبَرَ الثريا ، فاللفظان إذاً واقعان على ما وُضِعَا([174]) له بحق الأصالة ، ولم يحْدث فيهما أكثر من الغلبة ، وإلاّ فقد كان ينبغي أن تقع الثريا على أنجمٍ كثيرة بينك وبين مخاطبك فيها عهد ... ))([175]) انتهى .

والذي دعا الأُبَّذِي([176]) إلى جعل هذه الأعلام قسماً ثالثاً (( لا منقولاً ولا مرتجلاً )) أنه رآها صادقة على ما وضعت عليه ، وهو يريد بالصدق هنا أن دلالة هذه الأعلام اللغوية مطابقة لمعناها وواقعها الذي اشتقت منه ، فالثريا من الثروة ؛ لأنها أنجم كثيرة مجتمعة ، فلكثرتها واجتماعها سميت بذلك ، وكذلك الدَّبَرَان سمي بذلك لوقوعه دُبُر الثريا وخلفها ، بخلاف الأعلام المنقولة والمرتجلة ، فإنّ معناها اللغوي وما اشتقت منه قد لا يكون مطابقاً لواقعها ، فـ (( حسنٌ )) مثلاً منقولٌ ، و(( حسانٌ )) مرتجل وكلاهما مشتق من الحسن ، إلاّ أنه لا تلزم مطابقتهما للمعنى الذي اشتقا منه وهو الحسن ، فيكون كل واحدٍ منهما قائماً به الحسن حقيقة . هذا هو مراد الأُبَّذي - رحمه الله -.

وللجواب عن مذهب الأُبَّذِي أقول : إن النحاة السابقين له لم يجعلوا صدق الاسم على مسماه هي القاعدة التي يحتكمون إليها في تقسيم الأعلام إلى منقولٍ ومرتجلٍ ، وإنما القاعدة التي يحتكمون إليها في الحكم على الأعلام هي طريقة استخدام تلك الأعلام ، فهي إمّا أنها سبق استخدام ألفاظها قبل العلمية في غيرها ، وهذه هي الأعلام المنقولة ، وإمّا أن ألفاظها لم يسبق لها استخدام قبل العلمية ، وهذه هي الأعلام المرتجلة ، والأعلام جميعها لا تخرج عن هذه القسمة ؛ لأن هذين القسمين بهذا المعنى يستغرقان جميع الأعلام ، فليس هناك قسم ثالث يمكن أن تحتمله هذه القسمة فيدخل إليها ، فعلى هذا فلابدّ أن تكون هذه الأعلام التي ذكرها الأُبَّذِي ومن قلّده منقولة أو مرتجلة ، ولا يصح جَعْلُها غير منقولةٍ ولا مرتجلة . وبرغم قولهم إنها لا منقولة ولا مرتجلة فإنهم يقولون فيها أيضاً : إنها أعلام بالغلبة كسائر العلماء ولا نكران لهذا ، فهو تقسيم آخر من تقسيمات العلم ، فيكون منه علم بالغلبة ، وعلم ليس فيه غلبة وهو الكثير ، فالأعلام التي علميتها بالغلبة لا يخرجها ذلك عن تقسيم العلم إلى منقول ومرتجل كما أن الأعلام التي علميتها ليست بالغلبة تعود هي الأخرى إلى النقل أو إلى الارتجال .

إلاّ أن تجاوز الأُبَّذي - هو ومن قلَّده - النظر في أَوَّلِيَّة وضع هذه الأعلام الغالبة والاحتكام إليه هو الذي جعلهم يقولون بأنها لا منقولة ولا مرتجلة ، فالنظر في تلك الأَوَّلِيَّة مسألة ضرورية لا يمكن تجاوزها في الحكم على المنقول
أو على المرتجل ، فما كان من هذه الأعلام له نكرة مستعملة ونُقِل منها فهو منقول ، وما لم يكن له نكرة مستعملة وورد في كلام العرب فهو مرتجل ، فعلى هذا فأمثلتهم التي مثلوا بها وهي من الأعلام الغالية كالثريا ، والدَّبَران ،
والصَّعْقُ ، وابن عمر فهي إمّا أنها منقولة ، وإمّا أنها مرتجلة ، ولكل واحد منها تصورٌ يُلْحَق من خلاله إمّا بالمنقول ، وإمّا بالمرتجل .

فالثريا وهي تصغير ثرْوَى([177]) علم مرتجل ؛ لأنه من حيث وضعه الأوَّلي لم يسبق له أن استعمل نكرة ، فهو وإن كان مشتقاً من (( الثروة )) فليست (( الثريا )) بهذا اللفظ نكرة من نكرات الثروة كالمصدر (( ثروة )) أو اسم الفاعل (( مُثْرِي )) أو غيرها من المشتقات المطرد اشتقاقها فنحكم لها من خلال ذلك بالنقل ، فلمّا كانت مشتقة على غير وفق الاشتقاق المطرد ، وليست أيضاً اسماً لجنسٍ من الأجناس ، وإنما ابْتُدِئ بها مع النجم ، فيتعين أن تكون من المرتجل ، وكذلك
(( الدَّبَرَان )) علم مرتجل للأسباب نفسها التي في (( الثريا )) زيادة على ذلك فهو مثل (( غَطَفَان )) وقد ذكرنا أنه مرتجل .

وأمّا دخول (( ال )) عليهما ، وعلى غيرهما من الأعلام الغالبة فليست شبهة تجعلنا نظن أنّ هذه الأعلام تعرفت بها ، وأن انتزاعها منها يُنكِّرها([178]) ؛ لأن ابن الأعرابي حكى : أن من العرب من يقول: (( هذا عَيُّوق طالع )) و(( العَيّوق طالع ))، وزعم أن ذلك جائز في سائر النجوم([179]) ؛ أي ذِكْر (( ال )) وحذفها ، فعلميتها
بـ(( ال )) وبدونها ثابتةٌ ، وقد قال ابن مالك : أن (( ال )) كانت للتعريف ثم غلبت على تلك الأعلام شُهْرَةٌ وغَلَبَةٌ أغنتها عنها ، إلا أن الغلبة مسبوقة بوجودها وحاصلةٌ بمصاحبتها ، فلم تنتزع ما دام التعريف مقصوداً كما لا تنتزع المقارنة للنقل والارتجال )) ([180]) .

وهنا يجب أن أُشِيْرَ إلى أنّ الأُبَّذِي رغم تصريحه في أول كلامه بأن الأعلام
الغالبة : المقرونة بـ(( ال )) ، أو المضافة كـ(( ابن عمر )) ليست منقولة ولا مرتجلة ، فإنه يُظْهِرُ في آخره تراجعاً عن ذلك ، فقال :  (( والصحيح أن هذه الأسماء الغالبة جارية مجرى الأعلام وليست بأعلام إذ أن تعريفها ليس بوضع اللفظ على المسمى بل بالإضافة أو بالألف واللام ، ولذلك تلزم الألف واللام في الثريا وأمثاله ))([181]) .

ويكفي أن نقول : إنه سبقت الإشارة إلى أن (( ال )) ليست للتعريف ، لأَنَّنا لو قلنا : إنها للتعريف للزم أن يكون ما دخلت عليه نكرات فمِنْ ثَمَّ تصبح منقولة والنقل لا يوافق حالها لعدم وجود ذلك في الواقع ، فليس هناك (( ثريا )) نكرة أخذت منها (( الثريا )) المعروفة وهكذا الدَّبَرَان وغيره .

وأمّا ابن عمر وغيره من الأعلام الغالبة المضافة المصدَّرة بابن أو بأبٍ كابن مسعود وابن عباس ، وأبو بكر وأبو الدرداء ، فإنها في الأصل ليست بأعلام كما يقول الأُبَّذِي([182]) ، وإنما هي صفات بيان([183]) ، حُذفت موصوفاتها وهي الأعلام الحقيقية فأخذت من حيث الإعراب حكمها ، ومن حيث العلمية قَارَبَتْها من حيث الدلالة على المسمّى وليست هي ، فما دام أنها على التحقيق صفات ، فمن ثم لا يصح وصفها لا بالنقل ولا بالارتجال ولا بغيره لأنّ النقل والارتجال من المصطلحات المخصصة للأعلام ، فمن ثم لا أرى قول الأبذي رحمه الله بأن هناك أعلاماً لا منقولة ولا مرتجلة .

والله الموفق والهادي إلى الصواب .

الخاتمة والنتائج

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فإن العَلَمَ من حيث أَوَّلِيَّة وضعه من المباحث التي تحدث عنها النحاة منذ القدم، فقد كان المتقدمون منهم كالخليل وسيبوبه يصفون أَوَّلِيَّه وضع تلك الأعلام بـ (( الاشتقاق))، وبقي الأمر على ذلك إلى زمن أبي الفتح بن جني، حيث استقر تقسيم العلم عنده وعند التالين له على قسمين رئيسين هما (( المنقول )) 
و (( المرتجل ))، وقد تحدث هذا البحث عن العَلَم في إطار هذين القسمين فتخلل ذلك كثير من المناقشات والتفصيلات، ونتج عن معالجته النتائج التالية:

أولاً: أن مصطلحي (( المنقول)) و(( المرتجل)) لم يكن يعرفهما المتقدمون كالخليل وسيبويه والأصمعي، وإنما كانوا يطلقون في مقابلهما على الأعلام وصف
((  المشتق )) .

ثانياً: أظهر البحث أنّ أول من قسم العَلَم العربي من حيث أَوَّلِيَّة وضعه إلى قسمين هو أبو بكر بن السرّاج، وبهذا يكون قد عدل عن وصف أَوَّلِيَّة وضع العَلَم بـ(( المشتق)) وحده،إلى استحداث مصطلحي (( المنقول)) و (( المشتق)) عوضاً عن ذلك؛ فالمنقول وصفٌ للأعلام التي نُقِلَت ألفاظها من ألفاظٍ سابقةٍ دون تغيير،
و (( المشتق)) وصفٌ للأعلام التي لم يسبق لألفاظها استخدام قبل استخدامها في تلك الأعلام، وإنما اشتقت ألفاظها من بعض مواد اللغة اشتقاقاً غير مقيس، فعلى هذا فإنّ (( المشتق)) في الأعلام عند ابن السرّاج غير (( المشتق)) عند المتقدمين، فهو
 عنده وصف لما له مادة اشتق منها على غير القياس، كعمر، وغطفان. وأمّا
(( المتشق)) عند المتقدمين فيعم جميع الأعلام دون استثناء، وهم يعنون بـ (( الاشتقاق)) المعني اللغوي، وهو الأخذ مطلقاً سواء كان العَلَم مأخوذاً من مادة اشتقاقية كمحمد وعمر، أو ليس مأخوذاً من مادة اشتقاقية كأسد، فهذه كلها مشتقة عندهم.

ثالثاً: كشف البحث أن تسمية (( المرتجل)) بهذا الاسم من ابتداع أبي الفتح ابن جني، فقد جعل هذه التسمية عوضاً عن تسمية ابن السرّاج له بـ (( المشتق)) وتظهر هنا عبقرية أبي الفتح في هذا التسمية من حيث أنه لماّ رأى أن هذا النوع من الأعلام مشتق ولكن على غير قياس الاشتقاق المطرد، فكأن المتحدث الأول لم يراع في هذه الأعلام الاشتقاق المقيس فوردت دون رويّة أو تأنٍ، فمن ثمَّ سماها أعلاماً مرتجلة على المعنى الذي توصف به الخطبة أو القصيدة إذا قالها صاحبها دون تروٍّ ومكث.

 وأظهر البحث أيضاً أن هذا المعنى الذي اقتنصه أبو الفتح لا نجد النحاة يشيرون إليه، وإنما يشيرون إلى أن معنى الارتجال اللغوي دون ربطه بالقصد منه وهو أنّه إنما سمى المرتجل مرتجلاً لعدم قياسية اشتقاقه، فبهذا يزول الغموض عن هذا المصطلح.        

رابعاً: كشف البحث أن تقسيم النحاة للعَلَم إلى أربعة أقسام هي: المنقول، والمرتجل، والمفرد، والمركب خطأ فهموه من تقسيم أبي الفتح بن جني، وأبو الفتح لم يرد ذلك، وإنما أراد أن العَلَم ينقسم إلى قسمين هما: المنقول، والمرتجل ويتفرع عنهما المفرد والمركب لا أن المفرد والمركب قسمان آخران، وبذلك يندفع التداخل الذي في تقسيم النحاة ويزول التشعث.

خامساً: أظهر البحث أن النقل من فعل الأمر المجرّد، ومن الجملة المصدرة بفعل أمر لا يقاس عليهما لعدم الاطراد، ولأنّ صيغة الأمر إنشائية، والأعلام وإن كانت مفردات إلا أن فيها معنى الإخبار.

سادساً: أفاد البحث أن ما ظهر عند بعض المتأخرين من أن بعض الأعلام
(( لا منقولة ولا مرتجلة )) ليس صحيحاً؛ لأن الحكم على العلم بأنه منقول أو مرتجل يُنْظر فيه إلى الاستخدام الأَوّليَّ، فما استخدم قبل العلمية سموه منقولا، وما لم يستخدم إلاّ في الأعلام سموه مرتجلاً، وهذه الأعلام التي قالوا: إنها (( لا منقولة ولا مرتجلة)) لا تخرج عن أحد هذين التصورين، الاستخدام أو عدمه. فعلى هذا لابد أن تكون منقولة أو مرتجلة.

والله أعلم

المصادر والمراجع

أولاً : المخطوطات :

  • إحقاق الحق في تبرئة العرب مما أحدث عاكش اليمني في لغتهم ولامِيَّةِ العرب ، للشيخ : محمد محمود التركزي ( الشنقيطي ) نسخة الحرم النبوي الشريف رقم : 25 / 415  . 
  • إيضاح المنهج في الجمع بين التنبيه والمبهج، لأبي إسحاق بن ملكون، نسخة الزاوية الحمزاوية ، رقم 23 .
  • المباحث الكاملية شرح المقدمة الجزولية ، لأبي محمد قاسم بن
    أحمد بن الموفق الأندلسي المرسي اللورقي ، مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى ، رقم 1181 .
  • المنخل في إعْراب أبيات المفصل ، لعز الدين المراغي وجلال البخاري، مصورة عن نسخة راغب باشا .

ثانياً : المطبوعات :

  • ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب ، لأبي حيان الأندلسي ، تحقيق
    د. رجب عثمان محمد ، مراجعة : د. رمضان عبد التواب ، نشر مكتبة الخانجي ، الطبعة الأولى 1418 هـ - 1998 م .
  • إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين ، لعبد الباقي بن عبد المجيد اليماني ، تحقيق د. عبد المجيد دياب، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1406 هـ - 1986 م .
  • الأشباه والنظائر في النحو ، لجلال الدين السيوطي ، تحقيق : عبد العال سالم مكرم ، الطبعة الأولى ، 1406 هـ - 1985 م ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
  • الاشتقاق ، لأبي بكر بن دريد ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، دار الجيل بيروت ، 1411 هـ - 1991 م .
  • الاشتقاق ، لعبد الله أمين ، لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى ، 1376 هـ - 1956 م .
  • اشتقاق الأسماء ، للأصمعي ، تحقيق وتقديم د. رمضان عبد التواب ، الدكتور صلاح الدين الهادي ، نشر مكتبة الخانجي بمصر ، 1400 هـ - 1980 م .
  • الأصول ، لأبي بكر بن السّراج ، تحقيق د. عبد الحسين الفتلي ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1405 هـ - 1985 م .
  • أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، لابن هشام الأنصاري ، تحقيق الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية - بيروت .
  • الإيضاح في شرح المفصل ، لابن الحاجب ، تحقيق وتقديم د. موسى بناي العليلي ، الجمهورية العراقية ، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، مطبعة العاني - بغداد .
  • بغية الوعاة في تراجم اللغوين والنحاة ، للسيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، مصر 1384 هـ - 1965 م .
  • التخمير ، لصدر الأفاضل الخوارزمي ، تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ، دار الغرب الإسلامي .
  • التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل ، لأبي حيان الأندلسي ، تحقيق د. حسن هنداوي ، دار القلم ، دمشق ، ط( 1 ) ، 1418 هـ - 1997 م .
  • تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، لابن مالك ، تحقيق : محمد كامل
    بركات ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، المكتبة العربية ، 1387 هـ - 1967 م .
  • التصريح  بمضمون التوضيح ، للشيخ خالد الأزهري ، دراسة وتحقيق
    د. عبد الفتاح بحيري إبراهيم ، الطبعة الأولى 1413 هـ - 1992 م .
  • تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد ، لمحمد بدر الدين الدماميني ، تحقيق
    د. محمد بن عبد الرحمن المفدى ، الطبعة الأولى 1403 هـ - 1983 م .
  • توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك ، للمرادي شرح وتحقيق د. عبد الرحمن علي سليمان ،نشر مكتبة الكليات الأزهرية ، الطبعة الثانية .
  • جمهرة الأنساب ، لابن حزم الأندلسي ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار المعارف بمصر ، عام 1391 هـ - 1971 م .
  • حاشية الصبان على شرح الأشموني ، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه .
  • الحماسة ، لأبي تمام الطائي ، تحقيق د. عبد الله عبد الرحيم عسيلان ، منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، 1401 هـ -
     1981 م .
  • خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ، لعبد القادر البغدادي ، تحقيق
    عبد السلام محمد هارون ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1387 هـ - 1967 م وما بعدها .
  • الخصائص ، لأبي الفتح بن جني ، تحقيق محمد علي النجار ، دار الهدى للطباعة والنشر - بيروت .
  • ديوان تأبط شراً وأخباره ، جمع وتحقيق وشرح : علي ذو الفقار شاكر ، دار الغرب الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1404 هـ - 1984 م  .
  • ديوان الراعي النميري ، جمعه وحققه : راينهرت فايـبـرت ، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية – بيروت 1401 هـ - 1980 م  .
  • ديوان رؤبة بن العجاج ، اعتنى بتصحيحه وترتيبه وليم بن الورد البروسي ، ضمن كتاب ( مجموع أشعار العرب ) ، الطبعة الثانية ، منشورات دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 1400 هـ - 1980 م .
  • رسالة الاشتقاق ، لأبي بكر محمد بن السراج ، تحقيق : محمد علي الدرويش ومصطفى الحدري ، منشورات دار مجلة الثقافة - دمشق ، 1973 م ، مطبعة العلم .
  • سر صناعة الإعراب ، لأبي الفتح بن جني ، تحقيق د. حسن هنداوي ، دار القلم دمشق ، الطبعة الأولى ، 1405 هـ - 1985 م .
  • السيرة النبوية ، لأبي محمد عبد الملك بن هشام ، راجع أصولها نخبة من العلماء ، دار الفكر ، القاهرة .
  • شرح أشعار الهذليين ، لأبي سعيد السكري ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ومحمود محمد شاكر ، مكتبة خياط - بيروت .
  • شرح ألفية ابن مالك ، لابن الناظم ، تحقيق د. عبد الحميد السيد محمد
    عبد الحميد ، دار الجيل - بيروت .
  • شرح ألفية ابن معطي ، لعبد العزيز بن جمعة ( ابن القواس ) ، تحقيق علي موسى الشوملي ، مكتبة الخانجي ، الطبعة الأولى .
  • شرح التّسهيل ، لابن مالك ، تحقيق د. عبد الرحمن السيد ، والدكتور : بدوي المختون ، الطبعة الأولى ، دار هجر للطباعة ، القاهرة .
  • شرح الجزولية ، للأبذي ، تحقيق د. سعد حمدان محمد الغامدي ، رسالة دكتوراه ، جامعة أم القرى ، كلية اللغة العربية ، عام 1405 -
    1406 هـ .
  • شرح الرضي على الكافية ، من عمل الشيخ يوسف حسن عمر ، منشورات جامعة قار يونس - بنغازي ، الطبعة الثانية 1996 م .
  • شرح المفصل ، لابن يعيش ، عالم الكتب - بيروت ، مكتبة المتنبي -
    القاهرة .
  • الصحاح ، لإسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، الطبعة الثانية 1402 هـ - 1982 م .
  • الصفوة الصفية في شرح الدرة الألفية ، لتقي الدين النيلي ، تحقيق
    د. محسن سالم العميري ، نشر جامعة أم القرى 1419 هـ .
  • الكتاب ، لسيبويه ، تحقيق محمد عبد السلام هارون .
  • اللسان ، لابن منظور ، دار صادر .
  • ليس في كلام العرب ، للحسين بن خالويه ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، الطبعة الثانية ، 1399 هـ - 1979 م .
  • ما ينصرف وما لا ينصرف ، للزجاج ، تحقيق هدى قراعة ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة ، 1391 هـ - 1971 م .
  • المبهج في  تفسير أسماء شعراء الحماسة ، لأبي الفتح بن جني ، تقديم وتحقيق د. حسن هنداوي ، دار القلم - دمشق ، دار المنار - بيروت ،
    ط الأولى .
  • المحبر ، لأبي جعفر محمد بن حبيب ، عناية الدكتورة : إيليزه لختن شتيتر ، منشورات دار الآفاق - بيروت .
  • المساعد على تسهيل الفوائد ، لبهاء الدين بن عقيل ، تحقيق د. محمد كامل بركات ، منشورات جامعة أم القرى ، الطبعة الأولى 1402 هـ - 1982م .
  • معاهد التنصيص ، لمحمد بن عبد الله الأسدي الكوفي ، تحقيق الشيخ محمد
    محي الدين عبد الحميد ، عالم الكتب - بيروت 1367 هـ - 1940 م .
  • معجم البلدان ، لياقوت الحموي ، دار صادر - بيروت .
  • معجم ما استعجم ، لعبد الله بن عبد العزيز البكري ، تحقيق مصطفى السقا ، عالم الكتب .
  • المفصّل في علم العربية ، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، الطبعة الثانية ، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة ، بيروت – لبنان .
  • المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية ( شرح ألفية ابن مالك ) ، لأبي إسحاق الشاطبي ، تحقيق د. عبد الرحمن العثيمين وآخرين ، تحت الطبع بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .
  • مقاييس اللغة ، لابن فارس ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي بمصر ، الطبعة الثانية 1389هـ - 1969 م .
  • المقدمة الجزولية ، تصنيف أبي موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي ، تحقيق : شعبان عبد الوهاب محمد ، راجعه د. حامد أحمد نيل ،
    ود. فتحي محمد أحمد جمعة ، طبع ونشر مطبعة أم القرى – القاهرة .
  • المقتصد في شرح الإيضاح ، لعبد القادر الجرجاني ، تحقيق د. كاظم بحر المرجان ، الجمهورية العراقية - وزارة الثقافة ، دار الرشيد 1982 م .
  • المقتضب ، للمبرد ، تحقيق الشيخ محمد عبد الخالق عظيمة ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، الطبعة الثانية - القاهرة 1399 هـ .
  • المقدمة الجزولية ، لأبي موسى الجزولي ، تحقيق د. شعبان
    عبد الوهاب محمد مراجعة د. حامد أحمد نيل ود. فتحي محمد أحمد
    جمعة .
  • الملخص في ضبط قوانين العربية ، لابن أبي الربيع ، تحقيق د. علي سلطان الحكمي ، الطبعة الأولى 1405 هـ - 1985 م .
  • نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، لأبي البركات الأنباري ، تحقيق : محمد
    أبو الفضل إبراهيم ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر - القاهرة .
  • همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، لجلال الدين السيوطي ، تحقيق وشرح د. عبد العال سالم مكرم ، دار البحوث العلمية - الكويت 1395 هـ - 1975 م .

 

الموضوعات

الموضوع

الصفحة

المقدمة

2

معنى المنقول والمرتجل

6

تطور مصطلحي النقل والارتجال

8

معنى المرتجل وتطوره

21

علاقة المنقول والمرتجل بالمفرد والمركب

34

المنقول وفروعه

46

أولاً: المنقول المفرد

46

1- النقل من الاسم

46

2- النقل من الفعل

47

النقل من فعل الأمر

49

1- النقل من فعل الامر "إصْمِت"

49

2- النقل من فعل الأمر مطلقا

59

3- النقل من الصوت

62

ثانياً: المنقول المركب

64

1- المنقول من المضاف والمضاف إليه

64

2- المنقول من الجملة

65

أ- المنقول من الجملة الفعلية

65

ب- المنقول من الجملة الاسمية

68

3- المنقول من المركب تركيب مزج

68

المرتجل وفروعه

71

1- المرتجل المقيس

73

2- المرتجل غير المقيس وهو "الشاذ"

76

ما ليس منقولاً ولا مرتجلا

80

الخاتمة

85

المصادر والمراجع

88

 

 


([1]) المبهج : 5 .

([2]) انظر بعضاً من تلك التعريفات في التسهيل : 30 ، وشرح الجزولية للأبذي : 1 / 567 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 1 / 29 ، والإيضاح شرح المفصل : 1 / 73 ، وشرح ألفية ابن معطي : 1 / 637 ، والصفوة الصفية : 1 / 578 ، والتخمير : 1 / 163 ، والتذييل والتكميل : 2 / 308 ، والمقاصد الشافية للشاطبي : 1 / 370 .

([3]) الأصول : 1 / 149 ، ورسالة الاشتقاق له : 24 .

([4]) الاشتقاق لابن دريد : 4 .

([5]) الكتاب : 2 / 102 - 103 .

([6]) الكتاب : 3 / 464 .

([7]) الاشتقاق لعبد الله أمين : 1 .

([8]) الصحاح (( شقق )) .

([9]) اشتقاق الأسماء : 97 ، الاشتقاق لابن دريد : 87 .

([10]) اشتقاق الأسماء : 87 ، والاشتقاق لابن دريد : 79 .

([11]) اشتقاق الأسماء : 87 .

([12]) الاشتقاق لابن دريد : 203 .

([13]) الاشتقاق : 209 .

([14]) الاشتقاق : 211 .

([15]) الاشتقاق لابن دريد : 4 .

 

([16]) القمر : 1 .

([17]) المقتضب : 3 / 366 .

([18]) الرحمن : 54 .

([19]) ما ينصرف وما لا ينصرف : 19 .

([20]) ما ينصرف وما لا ينصرف : 43 .

 

([21]) الأصول : 1 / 149 .

([22]) رسالة الاشتقاق : 24 .

([23]) المبهج : 5 .

([24]) شرح الرضى : 3 / 263 .

([25]) التخمير : 1 / 163 - 164 .

([26]) شرح الجزولية للأُبَّذِي : 1 / 567 .

([27]) الصفوة الصفية : 1 / 576 .

([28]) شرح ألفية ابن معطي : 1 / 636 .

([29]) التذييل والتكميل : 2 / 308 .

([30]) المقاصد الشافية : 1 / 371 .

([31]) انظر رسالة الاشتقاق : 24 .

([32]) الأصول : 1 / 149 ، وانظر رسالة الاشتقاق : 24 .

([33]) إنما قلت : (( أبقاه أبو بكر )) ؛لأن القدماء كما سبق كانوا يصفون أنواع العلم كلها بـ(( المشتق )) ، فأخرج أبو بكر من هذا المشتق (( المنقول )) وما بقي منه أبقاه تحت المسمى القديم ؛ لأنه مشتق في الواقع وإن لم يصطلح عليه بذلك .

([34]) ذكرت هنا أن المصدر مشتقا ، والحقيقة أنه عند جمهور علماء البصرة ليس بمشتق ، وإنما تؤخذ المشتقات منه ، وإنما سميته مشتقاً لأنهم جعلوه قرين المشتقات في باب التسمية ، فالمراعى فيه هنا باب العلم .

([35]) شرح الرضي : 3 / 262 ، وارتشاف الضرب : 2 / 963 ، والتذييل والتكميل : 2 / 307 ، 309 ، وتوضيح المقاصد : 1 / 173 ، وتعليق الفرائد : 2 / 142 ، وهمع الهوامع : 1 / 142 .

([36]) المبهج : 5 وما بعدهما .

([37]) المساعد : 1 / 126 ، وانظر التذييل والتكميل : 2 / 308 ، وتعليق الفرائد : 1 / 142 .

([38]) التذييل والتكميل : 2 / 308 .

([39]) شرح الجزولية : 1 / 567 - 568 .

([40]) همع الهوامع : 1 / 247 ، وانظر توضيح المقاصد : 1 / 173 .

([41]) المقاصد الشافية : 1 / 370 .

([42]) التصريح بمضمون التوضيح : 1 / 370 .

([43]) التذييل والتكميل : 2 / 308 ، تعليق الفرائد : 1 / 142 ، همع الهوامع : 1 / 247 .

([44]) التذييل والتكميل : 3 / 308 ، وانظر تعليق الفرائد : 1 / 142 ، وهمع الهوامع : 1 / 147 - 148 .

([45]) التذييل والتكميل : 3 / 308 ، وانظر تعليق الفرائد : 1 / 142 ، وهمع الهوامع : 1 / 147 - 148 .

([46]) انظر ترجمة ابن جني ، والفارسي في نزهة الألباء : 332 ، 315 على التوالي .

([47]) ما ينصرف وما لا ينصرف : 43 .

([48]) الرحمن : 54 .

([49]) ما ينصرف وما لا ينصرف : 19 .

([50]) زيادة ليست في المفصل : 6 .

([51]) الجزولية : 63 .

([52]) أوضح المسالك : 1 / 113 .

([53]) أوضح المسالك : 1 / 114 .

([54]) الإيضاح في شرح المفصل : 1 / 69 .

([55]) المباحث الكاملية : 1 / 154 / ب .

([56]) المقاصد الشافية : 1 / 372 .

([57]) انظر ص : 39 .

([58]) المبهج : 5 .

([59]) المبهج : 5 - 31 .

([60]) المبهج : 5 .

([61]) المبهج : 30 .

([62]) انظر ص : 41 - 42 .

([63]) المبهج : 30 .

([64]) المبهج : 5 .

 

([65]) الألفية ضمن المقاصد الشافية : 1 / 370 .

([66]) المقاصد الشافية : 1 / 372 .

([67]) المقاصد الشافية 1 / 372 – 373  .

([68]) المباحث الكاملية : 1 / 154 / ب ، والإيضاح في شرح المفصل : 1 / 69 ، وانظر ص 32 .

([69]) المفصل : 6 - 7 ، التخمير : 1 / 166 ، 170 ، والإيضاح في شرح المفصل : 1 / 73 ، وشرح الجزولية للأبذي : 1 / 568 ، وشرح التسهيل لابن مالك : 1 / 171 ، وشرح ألفية ابن معطي لابن جمعة :
1 / 641 ، والصفوة الصفية : 1 / 581 - 582 ، والتذييل والتكميل : 2 / 308 - 309 ، وهمع الهوامع : 1 / 248 ، والتصريح بمضمون التوضيح : 1 / 372 ، وحاشية الصبان : 1 / 131 .

([70]) التصريح بمضمون التوضيح : 1 / 371 .

([71]) ينسب لرؤبة في ملحق ديوانه : 172 ، وانظره في المبهج : 31 ، والمقتصد : 2 / 977 ، شرح ابن يعيش : 1 / 28 ، وشرح التسهيل : 1 / 171 ، شرح الألفية لابن الناظم : 1 / 74 ، والتخمير : 1 / 164 ، والخزانة : 1 / 130 .

([72]) شرح التسهيل : 1 / 171 ، وتوضيح المقاصد : 1 / 176 .

([73]) شرح التسهيل : 1 / 171 - 172 .

([74]) الخزانة : 7 / 324 .

([75]) المبهج : 13 ، وشرح ابن يعيش : 1 / 30 ، والتذييل والتكميل : 2 / 309 ، وارتشاف الضرب : 962 - 963 .

([76]) ديوانه : 69 . وانظره في شرح ابن يعيش : 1 / 30 ، والتخمير : 1 / 169 ، ومعجم البلدان : اصمت .

([77]) شرح التسهيل : 1 / 171 - 172 ، الخزانة : 7 / 324 .

([78]) شرح التسهيل : 1 / 171 - 172 ، وانظر التذييل والتكميل : 2 / 309 ، ارتشاف الضرب : 962 - 963 .

([79]) شُمس بن مالك - بضم الشين - هو الشنفري على ما رجحه محمد محمود التركز في (( إحقاق الحق في تبرئة العرب مما أحدث عاكش اليمني ... )) ص 5 .

([80]) البيت في ديوانه : 148 ، وفي الحماسة : 75 ، وضبطهما بفتح الشين خطأ ، وانظر الخزانة : 1 / 200 ، وشرح الرضي : 3 / 263 .

([81]) شرح الرضي : 3 / 263 ، والخزانة : 7 / 324 .

([82]) المبهج : 15 ، والتذييل والتكميل : 2 / 309 .

([83]) المبهج : 15 .

([84]) سورة القمر : 1  .

([85]) المقتضب : 3 / 366 ، وانظر موجب الهمزة فقط في ما ينصرف ومالا ينصرف : 19 ، وانظر ما سبق
ص : 15 - 16 .

([86]) انظر شرح ابن يعيش : 1 / 31 ، وتوضيح المقاصد : 1 / 77 ، والتذييل والتكميل : 2 / 210 ، والخزانة : 7 / 327 .

([87]) المبهج : 14 .

([88]) المقاصد الشافية : 2 / 215  .

([89]) الخزانة : 7 / 324 .

([90]) الإيضاح في شرح المفصل : 1 / 75 .

([91]) الخزانة : 7 / 324 .

([92]) الخزانة : 7 / 326 ، ولم أجده في الجمهرة .

([93]) يرد بالمواجهة المخاطبة .

([94]) الخزانة : 7 / 329 بنصه .

([95]) الخزانة : 7 / 329 - 330 .

([96]) المنخل في إعراب شواهد المفصل : 4 ، والصفوة الصفية : 1 / 580 .

 

([97]) الصحاح : (( صمت )) .

([98]) الخزانة : 7 / 327 ، وانظر : الإيضاح شرح المفصل : 1 / 75 .

([99]) معجم البلدان : 1 / 212 (( صمت )) ، وانظر الخزانة : 7 / 327 .

([100]) الصفوة الصفية : 1 / 579 ، وانظر الخزانة : 7 / 328 .

([101]) المنخل في إعراب شواهد المفصل : 4 .

([102]) شرح المفصل : 1 / 31 ، والخزانة : 7 / 328 .

([103]) انظر : الإيضاح في شرح المفصل : 1 / 75 ، والصفوة الصفية : 1 / 579 ، والخزانة : 7 / 328 .

([104]) الخزانة : 7 / 328 .

([105]) الاشتقاق لابن دريد : 4 .

([106]) شرح التسهيل : 1 / 171 - 172 ، والخزانة : 7 / 324 .

([107]) السيرة النبوية لابن هشام : 1432  .

([108]) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص : 2 / 208 .

([109]) المحبر : 104 ، وجمهرة الأنساب : 70 ، والاشتقاق لابن دريد : 70 .

([110]) الرجز في كثير من كتب العربية انظر مثلاً : المبهج : 16 ، والخصائص : 2 / 217 ، وسر صناعة الإعراب : 599 ، وشرح ابن يعيش : 1 / 32 ، والتخمير : 1 / 172 ، والمقاصد الشافية : 1 / 377 .

([111]) سر صناعة الإعراب : 600 ، والتخمير : 1 / 173 ، وشرح ابن يعيش : 1 / 32 .

([112]) مقاييس اللغة : 1 / 193 .

([113]) ليس في كلام العرب : 36 .

([114]) مقاييس اللغة : 1 / 193 .

([115]) شرح التسهيل : 1 / 172 ، وانظر التذييل والتكميل : 3 / 311 .

([116]) المقاصد الشافية : 1 / 372 .

([117]) المقاصد الشافية : 1 / 370 .

([118]) سبق ص : 43  .

([119]) شرح أشعار الهذليين : 1 / 100 .

([120]) شرح أشعار الهذيليين : 1 / 100 ، ومعجم ما استعجم (( أطرقا )) ، ومعجم البلدان : (( أطرقا )) .

([121]) معجم البلدان : (( أطرقا )) 1 / 218 .

([122]) شرح أشعار الهذليين : 1 / 100 - 101 ، ومعجم ما استعجم (( اطرقا )) .

([123]) إيضاح المنهج في الجمع بين التنبيه والمبهج : 12 ، ومعجم ما  استعجم : (( اطرقا )) 1 / 167 - 168 ، ومعجم البلدان : (( أطرقا )) .

([124]) إيضاح المنهج في الجمع بين التنبيه والمبهج : 12 .

([125]) معجم البلدان (( أطرقا )) .

([126]) انظر المراد بالمعنى الخبري فيما سبق ص : 55 ، 56  .

([127]) أوضح المسالك : 1 / 164 .

([128]) أوضح المسالك : 4 / 31 .

([129]) الملخص : 1 / 630 .

([130]) توضيح المقاصد : 1 / 180 ، وانظر حاشية الصبان : 1 / 133 .

([131]) التصريح بمضمون التوضيح : 1 / 373 .

([132]) انظر ص : 55 – 56  .

([133]) الكتاب : 3 / 296 .

([134]) الكتاب : 3 / 296 .

([135]) التخمير : 1 / 167 ، وانظر الحاشية ( 2 ) .

([136]) التصريح بمضمون التوضيح : 1 / 377 ، وشرح الأبذي : 567 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 1 / 29 ، والتذييل والتكميل : 2 / 315 .

([137]) المقاصد الشافية : 1 / 374 ، والتصريح بمضمون التوضيح : 1 / 387 .

([138]) الكتاب : 3 / 297 .

([139]) المقاصد الشافية : 1 / 274 .

([140]) الأصول : 1 / 149 - 150 .

([141]) شرح الرضي : 3 / 263 .

([142]) شرح الجزولية للأبذي : 568 .

([143]) المقاصد الشافية : 1 / 371 .

([144]) الاشتقاق لابن دريد : 180 ، وانظر شرح الرضي : 3 / 263 ، والإيضاح في شرح المفصل : 1 / 78 ، وشرح ألفية ابن معطي : 1 / 637 ، والصفوة الصفية : 1 / 577 .

([145]) الاشتقاق له : 4 .

([146]) المبهج : 17 .

([147]) شرح التسهيل له : 1 / 172 .

([148]) الجزولية : 64 .

([149]) شرح الجزولية له : 1 / 569 - 570 .

([150]) شرح ألفية ابن معطى له : 1 / 636 .

([151]) الإيضاح في شرح المفصل : 1 / 78 .

([152]) انظر : المساعد : 1 / 126 ، والتذييل والتكميل : 2 / 311 ، وتعليق الفرائد على تسهيل الفوائد :
1 / 141 ، وهمع الهوامع : 1 / 249 .

([153]) المبهج : 17 .

([154]) العَلَجانُ : نبت أو شجر ، اللسان : علج .

([155]) اللسان : (( حتف )) .

([156]) اللسان (( عسل )) .

([157]) شرح الجزولية للأبذي : 1 / 570 - 571 .

([158]) المبهج : 22 ، وشرح ابن يعيش : 1 / 33 .

([159]) الصحاح ، واللسان ، ومعجم البلدان (( وظب )) .

([160]) المبهج : 23 .

([161]) معجم البلدان في رسومها .

([162]) معجم ما استعجم في رسومها .

([163]) معجم ما استعجم في رسومها .

([164]) انظر : معجم ما استعجم ، ومعجم البلدان (( مَدْين )) .

([165]) شرح الجزولية للأبذي : 1 / 570 ، وانظر شرح المفصل لابن يعيش : 1 / 33 .

 

([166]) اللسان : (( حبب )) .

([167]) شرح الجزولية للأبذي : 1 / 571 ، والتذييل والتكميل : 2 / 311 ، وانظر اللسان (( ح ب ب )) .

([168]) شرح الرضي : 3 / 264  .

([169]) المبهج : 4 .

([170]) التذييل والتكميل : 2 / 311 ، وارتشاف الضرب : 963  .

([171]) توضيح المقاصد والمسالك : 1 / 173 .

([172]) تعليق الفرائد : 1 / 142 .

([173]) همع الهوامع : 1 / 248 ، والأشباه والنظائر : 2 / 376 .

([174]) في شرح الأبذي : (( وضع )) بالإفراد .

([175]) شرح الأبذي : 1 / 572 .

([176]) وُلِدَ الأبذي سنة : 613 هـ ، وتوفي سنة 680 هـ . انظر مقدمة شرح الجزولية له ، وإشارة التعيين : 233 ، وبغية الوعاة : 2 / 199 .

([177]) اللسان (( ثرا )) .

([178]) شرح التسهيل : 1 / 176 .

([179]) شرح التسهيل : 1 / 176 .

([180]) شرح التسهيل : 1 / 176 - 177 .

([181]) شرح الأبذي : 573 .

([182]) شرح الأبذي : 573 .

([183]) المقاصد الشافية : 7 .