حمل الخطبة على صيغة ملف (ورد)

نص الخطبة:

قاتل المائة نفس: مستفادة من خطبة الشيخ: ناصر الأحمد، بتصرف. 12/3/1431هـ

الخطبة الأولى

أما بعد عباد الله، فقد روى البخاري لمسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوءٍ فانطلق، حتى إذا نَصَف الطريق، أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم مَلك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له. فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)).

وجاء في رواية عند البخاري:

(فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له) صحيح البخاري ج 3 ص 1280

عباد الله، إن الله تبارك وتعالى قد خلقنا لعبادته، وأوجب علينا طاعته، ولكن الكمال لله وحده، والإنسان خطاء، كما قال نبينا : ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)).

والعباد مع معاصيهم ثلاثة أقسام: قسم غلب عليهم جانب الخوف من عذاب الله، إلى درجة مبالغ فيها، حتى يصل أحدهم إلى اليأس من رحمة الله، وهؤلاء ليسوا على الصراط المستقيم.

أما القسم الثاني فهم غلبوا جانب الرجاء في رحمة الله، حتى غفلوا عن جانب الخوف منه سبحانه، حتى تساهلوا في الإصرار على المعاصي، وألفوها واعتادوها، والمعول عندهم سعة رحمة الله.

وهذا القسم يشتمل كثيراً من المسلمين الذين اغتروا بحال أكثر الناس، فتجد أحدهم لا يريد تغيير واقعه، لأن أكثر الناس يفعلون مثل فعله، وصدق الله إذ يقول وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:187]، وقال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ?لأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ [الأنعام:116].

وأما القسم الثالث فهم حزب الله المفلحون، فهم يرجون رحمة ربهم، ويعلمون أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، إلا أن يتغمده الله برحمته، وهم مع ذلك: ينهون النفس عن الهوى، ويخافون مقام ربهم الأعلى، وهم على ما وصف به النبي r المؤمنين: من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن) رواه الترمذي، وصححه الألباني. سنن الترمذي ج 4 ص 465

وهذا القسم هم الذين يصدق عليهم قول الله تعالى: وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

فهم المؤمنون حقاً الذين يرجون رحمة الله، وهم يخافون عذابه فلا يصرون على معصية، ويعلمون أن الله تبارك وتعالى ما خلقهم إلا لعبادته ولكي يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً.

والمؤمن وإن عاد إلى ذنبه مرات ومرات، لكنه: غير راض عن تقصيره، ونادم على فعله، ويسأل الله المغفرة، ولا يصر على المعصية، ويعزم على عدم العودة.

ومن المعاصي التي تساهل فيها كثير من الناس اليوم: حلق اللحى، وقد أمر النبي r بإعفائها، وإسبال الثياب وإطالتها، وفيه الوعيد الشديد بأن ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار، والتساهل في النظر إلى صور النساء على الشاشات ونحوها، والتساهل في سماع الغناء: وقد قال r : ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر (أي الزنى) والحرير والخمر والمعازف.

عباد الله: إن قصة قاتل التسعة والتسعين نفساً من القصص التي يجب علينا جميعاً معشر المسلمين أن نستفيد منها، وإن أهم الأمور التي نستفيدها من القصة أنه وإن كثرت ذنوب العبد، فإنه لا ييأس من رحمة الله، ولا يأمن من عذابه، بل يحرص على التوبة، والصدق في التوبة، {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم إن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار}.

ومن الفوائد من الحديث: أن القتل وهو من أعظم الجرائم والكبائر: يرجى العفو عن مرتكبه إذا تاب وأناب إلى الله العفو الكريم، فانظر رحمك الله كيف أن هذا الرجل قد قتل مائة نفس وليست نفساً واحدة، ومع ذلك فقد قبل الله توبته، وقد جاء في الحديث القدسي حدثنا أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله: (   يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي ج 5 ص 548 وصححه الألباني.

وجاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل   قال: (أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة أعمل ما شئت) متفق عليه. لفظ مسلم: صحيح مسلم ج 4 ص 2112

بارك الله لي ...

الخطبة الثانية:

الحمد لله ...

ومن فوائد الحديث أيضاً عباد الله: أن العالم أفضلُ من العابد، فإن الذي أفتى الرجل أولاً بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة، فاستعظم وقوع ذلك القتل الكثير، وأما الثاني وهو العالم فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة، وفي هذا فضل العلم وطلبه.

قال r : سنن أبي داود ج 3 ص 317

(من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود وصححه الألباني.

ومن الفوائد أيضاً في الحديث: أن الله عز وجل يجازي عبده حسب نيته وعزمه، بشرط أن يكون صادقاً في نيته فهذا الرجل رحمه الله قبل أن يصل إلى القرية الصالحة وقبل أن يعمل شيئاً من الصالحات.

ومن فوائد الحديث: أن بيئة المرء التي يعيش فيها لها أكبر الأثر على سلوكه وعلاقته بالله جل جلاله، وقد ذكر العلماء أن مفارقة التائب للمواضع التي أصاب فيها الذنوب من الأمور المستحبة والمعينة على ثبات التوبة وقوتها، وكذلك مقاطعة الداعين إلى المعاصي والفجور واستبدالهم بصحبة من أهل الخير والصلاح المقتدى بهم.

ومن فوائد الحديث أن الذين يتولون قبض أرواح الناس من الملائكة يختلفون، فالصالح يتولى قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان على خلاف ذلك، تولى قبض روحه ملائكة العذاب، فهنيئاً لمن كان قبض روحه على يد ملائكة الرحمة.

ومن الفوائد أيضاً أن على المسلم أن يتحرى أهل العلم الناصحين المخلصين عندما يريد السؤال وأن يبحث عمن يدله على الحق، لا كما يفعل بعض المسلمين فإنهم يسألون في أمور الدين أناساً لا خلاق لهم، إما من الجهلة أو من المتعلمين الذي لا يعملون بعلمهم، فإلى الله المشتكى.

عباد الله! إن هذه القصة الصحيحة يجب أن يفرح بها من أكثر التوبة والاستغفار وصدق مع الله في ذلك ولم يصرَّ على معصيته، فيلزم التوبة والاستغفار، والرجوع إلى الله ويبحث عن مزيد من التوبة والانكسار، أما من أصر على المعاصي واستهان بمحارم الله ورضي بواقعه المنحرف عن الجادة فإنه يخشى عليه أن من سوء الخاتمة، وسوء المنقلب. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في دينه وأن يوفقنا وجميع المسلمين إلى التوبة النصوح

ألا وصلوا ...