قائمة الروابط

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل السادس

 

 

 

 الفصل السادس

العنف والعصاب

تعريف العصاب:

يطلق العصاب النفسي على مجموعة من الأمراض تشترك فيما بينها في أعراض وليس لها أسباب عضوية بدنية تؤدي إليها، إنما هي أعراض وظيفية تنتج من صراعات نفسية تتميز بأعراض متباينة تؤثر في الوجدانيات والأفكار والوظائف البدنية (موسى، 1994).

ويقصد بالعصاب أيضاً ذلك النوع من الاضطرابات النفسية المنشأ التي لا تنجم عن أية علة عضوية أو أية اضطرابات وظيفية في المخ أو أي تلف في أعضاء المخ ويتسم هذا النوع من الاضطرابات النفسية أن تكون الأعراض تعبيراً رمزياً عن صراع نفسي يستمد جذوره من التاريخ الطفلي للشخص بشكل تسوية ما بين الرغبة والدفاع (رشاد، 1993).

وتعرفه الجمعية المصرية للطب النفسي (1979) كما يلي: يوصف المريض بأنه عصابي إذا ما كان يعاني من صعوبات في التكيف تخل أساساً بهدوئه الداخلي أو بعلاقات الشخصية أو بهما معاً والشخصية في محاولاتها للتكيف للضغوط الداخلية والخارجية في هذه الحالة تستخدم الأعراض التي تظهر في المجالات النفسية والجسمية وليس في نمط الأفعال أو السلوك ويعتبر القلق هو المظهر الأساسي للعصاب وهو قد يدرك ويعبر عنه كما هو أو قد يضبط لا شعورياً وآلياً بالدفاعات "المكانزمات النفسية".

ويرى أبو النيل (1984) أن الأمراض العصابية مجموعة من الأمراض التي يصطلح على أنها اضطراب في الحالة الانفعالية Emotional Disorder أو اضطراب في الوجدان Affective disorder وتكون لها مصاحباتها الفسيولوجية التي تعم الجسم بأشمله.

المؤشرات العلمية للعصاب:

يشير العصاب Neurosis، أياً كان نوعه إلى اضطراب في بعض الوظائف النفسية للفرد. ولهذا الاضطراب عدد من الأعراض كلها تشير إلى قلق الفرد. ولهذا القلق أنواع ومصادر كثيرة تختلف من اضطراب لآخر، هذا من حيث الأعراض. أما من حيث أهداف سلوك العصابي فكلها تتمركز حول مصدر قلقه فهو يترقبه، أو ينقله معه أينما حل، أو يقوم بمحاولات (هي في الحقيقة مناهج ملتوية) يظن أنها تساعده على تخفيفه، وقد يكون له هدف خفي، في بعض الحالات هو الوصول إلى مآرب ثانوية Secondary gains يستثمر اضطرابه للوصول إليها (ألفت حقي، 1979).

النظريات المفسرة للعصاب:

تعددت النظريات التي وضعت لتفسير العصاب بالدراسة والتحليل ومن أشهر هذه النظريات وأكثرها شيوعاً النظريات الآتية:

]1[  نظريات التحليل النفسي:

    (أ)  نظرية التحليل النفسي الأرثوذكسية:

افترض فرويد Freud أن العوامل الرئيسة التي تحدد ماهية الشخصية، وتسبب الاستجابة العصابية، هي مؤثرات بيئية تظهر في الخمس سنوات الأولى من حياة الفرد، وأن أي صدمة نفسية خلال هذه الفترة، تؤثر على النمو الجنسي للطفل، وتجعله في حالة "تثبيت" ولا يستطيع العبور بعدها للمرحلة التالية، مما يؤثر فيما بعد على حالته النفسية، وبالتالي تظهر الأمراض النفسية عند تعرضه لأي إجهاد أو شدة (عكاشة، 1992).

وقد أكد فرويد (1952) على وجود عامل ذا طبيعة جبلية تساعد على التثبيت في مراحل بعينها، بل إنه يفترضها، ولكنه يرى أن معرفتنا بها لازالت قليلة. ويقرر أنه وصل من خلال نتائج التحليل النفسي الذي أجراه لمرضاه إلى أن عوامل تعين على حدوث التثبيتات منها:

-       الإشباع المسرف في مرحلة معينة يجعل هذا الطفل يترك هذا المستوى من النمو بصعوبة.

-   الإحباط الشديد في مرحلة معينة يجعل الطفل يجد صعوبة في تخطي هذا المستوى إلى المستوى التالي طلباً للإشباع الذي كان ينتظره في هذه المرحلة. 

-   قد يتسبب الإشباع المسرف والإحباط الشديد - وفي تناوب بينهما – في إحداث التثبيت، لأن الطفل في ظل الإشباع المسرف يكون عاجزاً عن مواجهة أقل الإحباطات، مما يكون ميسوراً على الآخرين مواجهته. وكثيراً ما يكون التناوب بين الإشباع المسرف والإحباط الشديد هو العامل الحاسم وراء التثبيت.

ويؤكد جلال (1970) على عملية النكوص والتي تأتي بعد التثبيت. فعندما يكون الفرد مثبتاً على مرحلة معينة فإنه يواجه صعوبات العالم الخارجي والإحباط الذي يكتشف هذه الصعوبات بأن ينكص إلى المرحلة التي تمثل "فردوسه المفقود" والذي سبق أن نعم فيه بالمتعة في حالة الإشباع الزائد، أو تمثل النقطة التي توقف عندها العطاء العاطفي الذي كان يتلقاه، وعودته إلى هذه المرحلة تعني أنه يريد أن يواصل استمتاعه بالإشباع الزائد أو أنه يريد استئناف تلقى العاطفة.

وهكذا يرتبط النكوص ارتباطاً وثيقاً بالتثبيت. كما يرتبط التثبيت بالإحباط فالنكوص يصل إلى المرحلة التي حدث فيها التثبيت، أي أنه لا نكوص بلا تثبيت.

وهكذا يتضح أن فرويد قد ميز بين العصاب الحقيقي True Neurosis وبين العصاب النفسي Psychoneurosis، وإن العصاب الحقيقي يظهر نتيجة حالات جسمية تنشأ من اضطراب الحياة الجنسية للفرد مثل الزهد أو الانغماس الزائد. أما العصاب النفسي فهو سيكولوجي المنشأ، وقد فسره فرويد السلوك العصابي بنظريات مختلفة منها:

1-         ذكر فرويد في أول الأمر أن العصاب النفسي ينشأ نتيجة صدمة نفسية جنسية خلال السنوات الأولى.

2-   ثم فسر السلوك العصابي على أساس الصراع الأوديبي بين الطفل وأحد الوالدين من الجنس الآخر ثم أضاف في شرحه أن أصل العصاب النفسي هو الصراع الشديد بين مكونات الشخصية خاصة الهى The Id والأنا الأعلى The super-ego، ثم فسر الإهمال البيئي المبكر بأنه من العوامل المشجعة للعصاب. 

3-   ثم وصل على أساس بحوثه السابقة إلى أن أسباب العصاب النفسي متعددة وأرجعها لعدة عوامل ثم أظهر تصنيفه للاستجابات العصابية الأربع وهي عصاب الوسواس القهري – هستيريا – القلق Anxiety – النيوراستينيا  

(عكاشة، 1992)

الأعراض العصابية في التحليل النفسي:

إن الأعراض الدالة على الأمراض العصابية تتماثل بوضوح مع ما يدور في الأحلام فكلاهما يرتبط بحقائق هامة في اللاشعور، وكلاهما يستخدم لغة الرموز، كما أنهما يمثلان عملية تسوية وتوفيق بين المكونات الثلاثة في الشخصية، وواحدة فقط (الأعراض العصابية) هي التي تعكس كل محاولة لا شعورية لإشباع الرغبات، وتأثير الدوافع المضادة ، لذلك فإن هذا العرض يكون غامضاً ويتم اختياره بعبقرية وله معنيان بينهما تناقض تام.

وكما في رموز الأحلام، فالأعراض العصابية عادة ما يصعب تحديدها ولها معاني مختلفة ولكنها لا تشبه الأحلام في أن الرموز تنتج عن أعراض جنسية.

والأعراض القهرية والاستحواذية تتكون من أفكار استحواذية (تستحوذ على العقل) وأفعال قسرية (لا يمكن مقاومتها) ولا يمكن للشخص أن يتحكم فيها أو يضبطها، إنها تعبر عن صراع قوي بين دافعين متضادين ومتساويين في القوة عادة الحب والكراهية، ويشتمل أيضاً على النكوص إلى الشبقية الشرجية.

وفي حالات الهستريا Hysteria وفي النمط التحولي منها خاصة، فالمشكلات السيكولوجية تتحول لا شعورياً إلى أعراض جسمية. ففي أحد الحالات التي عالجها فرويد دون أن ينجح تماماً معها: وكانت لفتاة عمرها 18 عاماً اسمها المستعار دورا Dora كانت تعاني من سعال عصبي هيستيري وأعراض فقد الصوت، واتضح أن الصراعات الأودبية لدورا لم تحل ومازالت مرتبطة بأبيها الذي حاول مكافئتها بالزواج الذي كان غير سعيد بأن جعلها أمينة أسراره وصديقته منذ سن مبكرة، وساعد فرويد في ذلك حلم له تفسيرين – حيث اكتشف أن أعراض دورا ترتبط بعدد من المعاني فهي تعكس وجود تصادم بين اندفاعات الهى للجنسية الفمية من ناحية ودفاعات الأنا الخفية من ناحية أخرى، فالسعال يحقق بعض إشباع الرغبات المستترة في منطقة شبقية وهي الفم، كما يستخدم كعقاب عن رغبة غير مشروعة بالإضافة لمعاناة دورا نتيجة زواجها من رجل يكبرها سناً بكثير ولا شعورياً أزاحت الإثارة الجنسية المهددة إلى منطقة الفم، وقضت فترة من الزمن كزوجة لهذا الرجل إلا أنها كانت تشعر تجاهه وكأنها مع والدها، وكونت رغبات لا شعورية قوية نحوه فكانت مشاكلها الصوتية (حبسة الصوت) غالباً ما تظهر أثناء غيابه وهنا تعبر الرغبة الكامنة لديها ألا تتحدث إطلاقاً ما لم تتحدث معه والسعال ينتج عن توحدها مع الأب الذي لديه نفس الخصائص.

أما أعراض المخاوف المرضية أو الفوبيا Phobia فتشمل الخوف أو الابتعاد عن أشياء أو مواقف محددة ليست خطيرة فعلاً. ولعل أشهر الحالات الشهيرة في هذا الشأن هي حالة الرجل الذئب Walf- man الذي كان يعاني الخوف الحاد من الحيوانات (فوبيا الحيوانات)، وخلال تحليل تفصيلي للمريض من خلال التداعي والأحلام حيث أوضحت أن الأعراض ترجع إلى مصادر عدة تبدأ عندما رأي صورة مخيفة لذئب خلال طفولته المبكرة، وعندما كان في الثالثة من عمره داعبت أخته أعضاءه الجنسية استتبعها تهديد بالخصاء من ممرضته التي يحبها، وهذا بدوره قاد طاقة اللبيدو بالعودة من المرحلة القضيبية إلى المرحلة الشرجية السادية، ونتج عن ذلك أن كان سلوكه سريع الغضب أو سريع الابتهاج، فملاحظة كل من: (1) منظر بدائي لعملية جنسية، أو (2) الجماع بين الحيوانات جعله يشعر بالخوف لكونه يتشابه فزيقياً مع صورة الذئب المخيف.

ويرى فرويد أن للأعراض العصابية (مهما كانت صورتها) توجد على نحو مستمر أو دائم فهي تمثل توفيق بين الهى، والأنا، والأنا الأعلى وهكذا يشير إلى صراع بين المكونات الثلاثة مما ينشأ عنه واحداً أو اثنين من الأعراض صعبة التحديد التي لا يكون من الكافي أن نتخلص منها – والعصاب غالباً ما يتضمن الشعور القوي بالذئب – مع ظهور رغبة لا شعورية للراحة عن طريق العقاب، كما في حالة دورا التي لا تشعر بتحسن إلا من خلال عقابها للآخرين. أخيراً بالإضافة للكسب الأولي Primary gain المستمد ثانوية Secondary gains بصورة حسية – والمريض الذي يتلقى الحب والود المتدفقين من الآخرين قد يخفف عنه المصاعب الشاقة والمرهفة مثل ضغوط العمل أو الصراع مع الآخرين بالإضافة إلى ما يستفيده من الجماعة مما يجعل من الصعب عليه أن يتخلى عن الأعراض (عبد الرحمن، 1998).

    (ب) المنشقون على فرويد:

1-  ألفرد أدلر Adler:

لقد اختلف أدلر Adler أحد اتباع فرويد مع كثير من نظريات أستاذه فقد اعتبر القوة الدافعة في الإنسان هي "الرغبة في القوة" بدلاً من اللبيدي الغريزي، كما وضع الرغبة في العدوان محل الرغبة في الجنس، وكان أدلر رائد مدرسة "علم النفس الفردي Individual psychology" التي تقوم على أساس أن السعي الشائع بين الجميع من أجل التفوق هو أساساً نوع من التعويض للشعور بالنقص، والذي بدأ في الطفولة، عندما يرى الطفل إنه أضعف من الكبار المحيطين به جسمياً وعقلياً، ومن ثم يبدأ بالشعور بالنقص، ويستجيب لذلك بالكفاح من أجل التفوق والسمو والعظمة كتعويض لشعوره بالعجز (عكاشة، 1992).

وتأخذ التربية مكاناً كبيراً في سيكولوجية أدلر وهو الذي أنشأ العيادات النفسية للأطفال، واهتم بضرورة توفير الحوار المناسب الذي ينشأ فيه الطفل.

وقد ذكر أدلر مختلف أنواع التربية الخاطئة التي قد يمارسها الوالدان مع أبنائهما من السيطرة إلى الإسراف في العطف إلى الطموح الزائد من الآباء وانعكاسه على معاملتهم للأبناء، وكذلك التباين بين الوالدين في طريقة التربية وبين أدلر أثر كل نوع من هذه التربية على شخصية الفرد فيما بعد. ويرى أن هذه الأنواع من التربية ما هي إلا "صنوف من التربية الخاطئة التي لا ينتج عنها إلا شخصيات مضطربة تبعد المرء عن الحياة السوية المستقيمة" (رمزي، 1952).

2-  كارل يونج Jung:

تتفق وجهة نظر يونج وفرويد في النظر إلى العصاب على إنه اختلاف في الدرجة أكثر منه اختلاف في النوع ومن الصعب الوصول إلى درجة السوية، فكل شخصية لديها اضطراب ولو بسيط في جانب واحد على الأقل من جوانب الشخصية، ويوافق يونج أيضاً على أن العصاب هو عملية تشمل كبح لطاقة اللبيدو. فالأعراض العصابية تزداد بواسطة عوامل ثانوية مثل التدليل والتوتر الناتج عن ضغوط أحداث الحياة وتكرار العصاب يمكن إرجاعه إلى سوء إدراك، وفساد العلاقات الشخصية بين الفرد ونفسه (Jung, 1975).

أسباب العصاب:

إن اللاشعور الجمعي الفطري قد يهيئ شخصية الفرد بطرق مختلفة للانبساط أو للانطواء، أو لأحد الوظائف الأربعة وما على ذلك – والهدف من التفرد هو الوصول إلى الخصائص الفطرية المميزة لتحقيق آمال وأهداف الشخص، وتحقيق انسجام مع المكونات الأقل مرتبة، فإذا ما أحبط هذا الهدف من العالم الخارجي، أو أن أسلوب التربية الذي نشأ عليه الفرد يختلف عن ميوله الفطرية، هنا يحدث الصراع بين اللاشعور والشعور، وهذا الانقسام الداخلي قد يصبح عنيفاً فينتج عن ذلك العصاب، ومع الميول لتحقير حقيقة الفرد تحدث استقطابات داخل النفس تزيد من حدة الأعراض، والصراعات العصابية ربما تحدث بين المكونات المختلفة في الشخصية.

وعلى العكس من التحليل النفسي فإن عالم النفس التحليلي "يونج" يفضل التركيز على الاعتبارات المرضية العصابية كعوامل أكيدة في الحالة المرضية الراهنة، ويرى يونج أن ذكريات الطفولة إذا كانت سيئة فإنها هنا تضر أكثر مما تفيد "أن أسباب الصراعات المرضية تقع أساساً في الحاضر". إن مطالب العلاج النفسي تهدف إلى تصحيح الاتجاهات الشعورية ولا تتقيد بذكريات الطفولة، لأن هناك القليل من الأعراض العصابية التي تفضل عدم الرجوع إلى شرور الماضي وتسعى إلى الوصول بالذكريات النفسية الحالية إلى بر الأمان، وترفض أية محاولة من جانب المعالج للوصول إلى تلك العقبات معتذراً عما حدث في الماضي.

ويرى يونج أن الأعراض العصابية غالباً ما تنتج من أفكار الفرد للحاجات الدينية  الموروثة وأن ما يقرب من ثلثي المرضى يبحثون عن خدمة علاجية بعد منتصف العمر، والمشكلة الأولى تتضح لدى كل فرد في إيجاد مظهر عقائدي في الحياة، وهؤلاء الذين نجحوا في الوصول إلى هدفهم هم الذين واجهوا معاناة حقيقية (عبد الرحمن، 1998).

    (جـ)  التحليليون الجدد:

وهي مدرسة حديثة من مدارس التحليل النفسي يتزعمها إريك فروم – سوليفان – كارن هورني – أوتورانك. وتتخذ آراؤهم أهميتها في أنهم حاولوا فهم العصاب في ضوء الضغوط الثقافية والتفاعل الإنساني معارضين في ذلك اتجاه فرويد البيولوجي.

]1[ كارين هورني Karen Horney:

لقد ابتعدت هورني عن وجهة النظر البيولوجية لفرويد، ووضعت نظريتها في الشخصية بتأكيد أهمية التضاريس الحضارية، والخبرات الشخصية، واعتبرت أن القلق الأساسي سبب العصاب، وهو شعور بالبؤس وسط عالم معاد، ويظهر ذلك من التفاعل بين مشاعر القلق والكراهية التي تنبعث من إهمال الوالدين للطفل (عكاشة، 1992).

وتؤكد هروني على أن العصاب ينتج من مشاعر الطفل العدوانية نحو الوالدين اللذين ينبذان الطفل . فعندما يشعر الطفل بالنبذ أو الطرد يتكون لديه دوافع نحو العدواة أو العدوان ، ولكنها تهدد الطفل تهديداً خطيراً بسبب المحرمات الثقافية التي أصبح الطفل يعتنقها كقيمة الشخصية ، والتي تعارض بكل شدة أي هجوم على الوالدين ، وعلى ذلك فالطفل يكبت دوافعه العدوانية . مثل هذا الطفل لم تتح له الفرصة لتوكيد ذاته ، ويصبح كثير الشكوى . ويفشل الطفل كثير الشكوى في البحث عن تعبير عن دوافعه الطبيعية ويبذل كثيراً من طاقته في محاربة رغباته (الشريرة) (عيسوي، 1984).

وترى هورني أن أهم ما يميز المرضى بالعصاب النفسي عن الأسوياء هو جمودهم في السلوك وفي استجاباتهم للمواقف المختلفة ، وكذا الاختلاف بين قدراتهم وتحصيلهم . فالشخص السوي فعلاً قد يتشكك في أي موقف استثار فيه الشك ، بينما نجد المريض على استعداد للتشكك في أي موقف بل يسعى إلى البحث عما يستثير هذا الشك ويؤكده . وترى هورني أن هناك أربعة عوامل تلعب أدواراً هامة في العصاب النفسي ، وهذه العوامل تتشابك ويغذي بعضها بعضاً وتخلق الصراع ، وقد يسود أحدهما فيطبع المريض بطابعه، وهذه العوامل هي: الحاجة الملحة إلى العطف – الحاجة الملحة إلى القوة – الخنوع المرضي – الانزواء المرضي (جلال، 1970).

]2[  إريك فروم   Eric Fromm:

يركز فروم على أن العصاب غالباً ما يحدث بسبب الثقافة التي يحيا فيها
الإنسان (Fromm, 1975).

فلقد عارض فروم رأي فرويد في أن الإشباع الغريزي هو مشكلة الطبيعة البشرية فتكيف الإنسان مع بيئته لا يتم بالغريزة ولكن بالتعلم وبتدريب الثقافة له . لذلك فإن طبيعة الإنسان ووجدانياته وقلقه نتاج ثقافي. وأن أحسن ما في الإنسان وأسوأ ما فيه ليس من خصائص جهاز بيولوجي ثابت ولكن من نتاج عملية اجتماعية هي التي تخلق الإنسان.

ويواجه الإنسان مصاعب عصابية نتيجة للحاجات الجديدة التي تولدها ثقافته وللقيود والإحباطات التي تنقل بها الثقافة كاهله . فشهوة التسلط عند الإنسان ورغبته في الخضوع على سبيل المثال ليست حاجات بيولوجية كما يرى البعض ولكنها حاجات نمت من خامة الطبيعة البشرية بعوامل ثقافية معينة. وإذا كانت الثقافة مريضة وعوامل الهدم فيها هي الغالبة فإن الإحباطات التي يتعرض لها الفرد تؤدي به على أن يكون هداماً لنفسه ولغيره. فمشكلات الإنسان تتصل بحاجاته التي غرسها مجتمعه فيه (جلال، 1970).

ديناميات العصاب:

طبقاً لرأي فروم فالعصاب دائماً يحدث نتيجة صراع بين قوتين متضادتين ، أنه يحدث عندما تتصارع دوافعنا الفطرية السوية نحو تحقيق الذات والاستقلال . مع التأثيرات الوالدية والاجتماعية ، وكذلك بين الزيادة الجزئية في الرغبات القوية المتعارضة لعزل الذات الحقيقية والنكوص إلى طبيعتنا الحيوانية غير المستقلة . ويعد أحسن فهم للعصاب على إنه إطار تكيفي غير منتج (إطار غير منتج من التكيف) يشبه إلى حد ما الاعتقادات الشخصية غير الرشيدة . ويرى الهدف لدى علماء النفس لا يجب أن يكون مجرد وصف وعلاج مجموعة من الأعراض ولكن لفهم الصعوبات في جذور الحياة التي تؤدي إلى الخصائص العصابية (عبد الرحمن، 1998).

ويعتبر فروم أن الأسرة – ومن ورائها المجتمع – مسئولة عن التنشئة السليمة للفرد والصحة النفسية للفرد رهن بتوفير معاملة متوازنة مشبعة بالحسب والاحترام والحنان للأسرة . أما إذا تعرض الفرد لأسباب خاطئة أو مغالية في التربية ، فإن الإنسان يشعر بالوحدة والعجز والاغتراب والعزلة التي تؤدي به دائماً إلى الشعور بالانتمائية إلى الغير والتماسك معهم فيستخدم طرقاً منطقية للانتماء ، وتكون في العادة واحدة من ثلاثة : إما السادية الماسوكية Sado-mascchism، أو الهدم destructiveness، أو الانصياع الآلي outomaton conformity وتسمى هذه الطرق بالعمليات الهروبية.

]3[  سوليفان   Sullivan:

نستطيع تلخيص النقطة الأساسية في نظريته في الشخصية في كلمة "التشكل الحضاري acculturation" وأن بناء الشخصية النهائي هو نتاج التفاعل مع الكائنات الإنسانية الأخرى (عكاشة، 1992).

ويرى سوليفان أن كل الصور غير العضوية للاضطرابات العصابية ترجع إلى علاقات بينشخصية مرضية . وتتضمن ذلك : التعلق الأمومي الزائد خلال مرحلة المهد ، والعقاب غير المناسب ، والافتقار إلى العطف والحنان الكافي خلال مرحلة الطفولة والفشل في الحصول على جماعة الرفاق المناسبة في مرحلة الصبا ، أو تحقيق الصداقة في مرحلة ما قبل المراهقة ، ومشاكل مرحلة المراهقة الناتجة من علاقات جنسية غيرية وديناميكات إشباع الدافع الجنسي عموماً ، وعلى وجه الخصوص كل ما يصعب التسامي به . والنتيجة هي التدني الواضح في تقدير الذات ، ووجود نظام ذات مشوه ومتصلب
جداً ، وهو ما يحول دون قدرة المريض على تشكيل وأداء ناضج للسلوك في التفاعلات البينشخصية ، ويخلق صعوبات في الحياة يصعب مواجهتها من قبل نسبة كبيرة من الناس العاديين.

وينتقد سوليفان الأطباء النفسيين الذين لا يربطون بين العصاب والثقافة والتي ينظر إليها على أنها مصدر للاضطراب المحتمل.

فعصاب الوساوس القهرية obsession يعكس السيطرة الكاملة للقلق والافتقار البين لتقدير المرء لذاته ، والذي ينتج عن عدم النجاح الواضح في إقامة العلاقات البينشخصية ، وتتكون عمليات الأمان الناتجة من أفكار وأحداث وقتية تبدلت لا شعورياً إلى السلوك المثير للقلق ، وعلى سبيل المثال فقد تحل الكراهية محل الحاجة على تهديد الآخرين ، أو أن الخوف من الإسنادية أو المرجعية syntaxically لدى الفرد للتعبير عن المشاعر الحقيقية إزاء شخص آخر ربما يقوده إلى التعبير عن ذلك من خلال عدة صفات مراوغة أو غير مستقيمة للسلوك ، ويسعى وكأنه محدود بالنمط الارادافي الذي يستخدم رموز ذاتية ليس لها معنى بالنسبة له (عبد الرحمن، 1998).

وأخيراً فإن سوليفان يؤمن بأن الشخصية تنظيم مرن إلى حد كبير ، وبالتالي فإن الفرد يمكن أن يتغير إذا أتيح له مجموعة من العلاقات البينشخصية الجديدة . كما يرى أن الفرد إذا صادف فشلاً كبيراً ولم يتحمل القلق الناتج عن ذلك فإنه ينكص ويسلك سلوكاً يناسب عمراً أقل من عمره (كفافي، 1989).

]2[   النظرية السلوكية:

النظرية السلوكية شأنها شأن التحليل النفسي تمثل اتجاهاً عاماً يحوي داخله مجموعة من المدارس والاتجاهات : نشأت مع التطور العلمي ، ومع الممارسة العملية في ميدان العلاج النفسي . وأبرز الاتجاهات في النظرية السلوكية هي:

-   بحوث "دولارد" و"ميلر" (Dollard & Miller) وهما من تلاميذ "هل" وقد زاوجاً بين منهج السلوكية الدقيق وثراء الفروض النظرية في التحليل النفسي.

-   "أيزنك" و"رخمان" (Eysenck & Rachman) اللذان يعترضان على نظرية التحليل النفسي منهجاً للدراسة وأسلوباً للعلاج . وانتهي إيزنك إلى وضع نظرية خاصة به في الشخصية. 

-   معدلوا السلوك ، وهي آخر اتجاهات المدرسة السلوكية وعلى رأسهم "فولبه" (Wolpe) . وقد تأثروا كثيراً بالممارسة العملية في ميدان العلاج . أما آراؤهم النظرية فهي لا تختلف عن آراء "دولارد" و"ميلر".

ويفسر التون ماكنيل McNeil (1974) الاضطرابات العصابية من وجهة نظر السلوكية ، من خلال تفسيره لنشأة الأعصبة على أنها عادات سيئة نمت بنفس الطريقة التي ينمو بها أي سلوك آخر متعلم ولكن الاختلاف بينهما هو أن العصابي تعلم السلوك الخاطئ وفشل في تعلم السلوك الملائم ولأن الأعصبة عادات متعلمة فإنها تضغط على الفرد لخفض القلق لديه ، وتستهدف التعزيز بالرعاية والانتباه وهي مكاسب يحققها العصابي من خلال اهتمام الآخرين بن وبأعراضه المرضية.

فالإنسان عند السلوكيين لا يولد ولديه استعدادات معينة ، وإنما يولد مزوداً باستعدادات عامة . ويرى دولارد وميلر أن هذه الاستعدادات تمثل المادة الخام لشخصيته وتتشكل حسب المثيرات التي يتعرض لها الفرد في بيئته فجميع ألوان السلوك مكتسب حسب قواعد التعلم ، يتعلمها الفرد من والديه أولاً ثم المدرسة وبقية الأوساط التربوية الأخرى التي يتعامل معها ، ومن نتائج تشكيل الاستعدادات العامة بالتعلم تتكون تنظيمات سلوكية ، وقد ينشأ الصراع بين هذه التنظيمات ولكنه ليس كالصراع المحتوم الذي لابد وأن يخوضه الفرد بين غرائزه الفطرية وبين المجتمع ، كما يعتقد " فرويد " . وقد يكبت الصراع ويصير لا شعورياً.وما يعرض الطفل للصراع هو أنه قليل الحيلة لابد له وأن يعتمد اعتماداً كبيراً على الوالدين . وأن يخضع لاتجاهاتهم وأساليبهم في التربية. ولذا تنشأ الصراعات في نفس الطفل من حيث أنه يسعى لإشباع رغباته الأولية ، وقد يتعرض في ذلك للعقاب من جانب والديه.

وفي رأي أيزنك أنه يوجد اختلاف واضح بين الأفراد في تكوين الأفعال المنعكسة ، وأن جوهر الاختلاف أساساً وراقي وحسب نظريته فإن الاضطرابات النفسية تنشأ من تكوين أفعال منعكسة خاطئة بتأثير تفاعل عاملي البيئة والوراثة . وأن هذه الأمراض ما هي إلا انماط من السلوك تعلمناها لتخفيف من آلام القلق في ظروف خاصة ، ويعزز دائماً هذا السلوك الخاطئ بأحجام المريض عن القيام بأي عمل يؤدي إلى مخاوفه ، مما يثبت المرض ، فالذي يخاف من الأماكن الضيقة يبتعد عن هذه الأماكن ، ولا يرتادها حتى لا يشعر بالقلق . وهذه العملية في حد ذاتها تعزز خوفه من هذه الأماكن . ومن ثم تنشأ دائرة مفرغة ، وتنشأ الأمراض النفسية بالتالي من تفاعل أبعاد الشخصية ما بين انطوائي وانبساطي مع الاستعداد الوراثي للعصاب ، فإذا تفاعلت الانطوائية مع الاستعداد الوراثي للعصاب ، نشأت بعض الأمراض مثل القلق والوساوس القهرية ، والاكتئاب ، ويتميز هذا التفاعل بسهولة تكوين الأفعال المنعكسة الشرطية وصعوبة إطفائها مما يجعل علاجها يحتاج لوقت أكثر من الأمراض الأخرى ، أما إذا تفاعلت الانبساطية مع الاستعداد الوراثي فتنشأ الهستيريا والشخصية السيكوباتية ، ويلاحظ هنا صعوبة تكيف وتأقلم هؤلاء الأفراد مع المجتمع ، وتكوين عادات تلائمه ، ولذا فهم دائماً في احتكاك مع المجتمع وصراع مستمر معه ، مما يؤدي إلى سلوك ضد اجتماعي ، وإذا تكونت لديهم أفعال منعكسة شرطية فهي ضعيفة ، ومن السهولة إطفاؤها ، ولذا فهم قابلون للإيحاء وحتى الأعراض الهستيرية فهي قابلة للتغير حسب الإيحاء.

]3[   نظرية الذات "كارل روجرز":

ترجع هذه النظرية إلى عالم النفس الأمريكي كارل روجرز Rogers الذي نقل الفلسفة الفينومنولوجية إلى علم النفس . ووضع نظريته في الشخصية وفي نشأة الأمراض النفسية من وحي هذه الفلسفة . وصاغ طريقة في العلاج النفسي بناء على هذه النظرية ذاع صيتها ، وهي طريقة العلاج غير الموجه أو العلاج المتمركز حول العميل.

ومفهوم "الذات" هو المفهوم الأساسي والمركزي في نظرية روجرز ؛ والذات عند روجرز هي ذلك الجزء من الكائن الذي يتكون من مجموعات الإدراكات والقيم والأحكام، والذي يكون مصدراً للخبرة والسلوك . ومفهوم الذات عند روجرز يقابل إلى حد كبير مفهوم الأنا عند فرويد.

ويرى روجرز أن الإنسان لديه نزعة فطرية إلى "تحقيق الذات" Self Actualization والأحداث عند الفرد لا معنى لها إلا المعنى الذي يدركه منها ويفهمه عنها . فالواقع في حقيقته لا يهم الفرد ولا يؤثر في سلوكه ، ويتعامل الفرد مع الواقع كما يدركه وكما يفهمه . والفرد يقوم بعملية تقويم لخبراته ، هل هي ذات قيمة موجبة أم ذات قيمة سالبة؟ والخبرة ذات القيمة الموجبة هي الخبرة التي يدركها الفرد باعتبارها متمشية ومنسجمة مع نزعته إلى تحقيق الذات ، والخبرة ذات القيمة السلبية هي الخبرة التي يدركها الفرد باعتبارها غير متمشية أو غير منسجمة مع نزعته إلى تحقيق الذات . ويتكون لدى الفرد حاجة إلى التقرير الموجب للذات وهي أقوى الدوافع في الشخصية ، ولكنها ليست الدافع الوحيد ، إذ توجد الدوافع العضوية والدوافع اللاشعورية بجانبها. ولذلك فإن الفرد في استقباله للخبرات يرحب بالخبرات التي ترضى حاجته إلى التقدير الموجب للذات ، ويحرف أو يهمل إدراك الخبرات التي لا ترضى حاجته لتقدير الذات (كفافي، 1989).

وعندما تتعارض الخبرات التي يتعرض لها الفرد مع فكرة الفرد عن ذاته أو مع دافع الفرد إلى التقدير الموجب للذات فإنه يقع فريسة للصراع ، فالفرد يفهم أي خبرات لا تتسق مع فكرته عن ذاته أو ما يسمى (بالذات المدركة) على أنها تهديد له فيما يتسبب عنه القلق والتوتر ، فيلجأ إلى تخفيض القلق والتوتر أو للتغلب عليهما إلى وسائل دفاعية أهمها تشويه أو تحريف الحقائق التي لا تتسق مع فكرته عن ذاته أو يتجاهلها كلية . وإذا زاد التعارض بين الخبرات المدركة والذات المدركة فإن الفرد يلجأ إلى مزيد من الدفاعات . فإذا فشلت هذه الدفاعات أيضاً أو اتخذت شكلاً جامداً وقع الفرد صريعاً للمرض . وبصورة عامة فإن عملية الدفاع ضد عدم المسايرة هذه تأخذ شكل جمود الإدراك . والإدراكات غير الدقيقة والأنواع التقليدية من المسالك العصابية من قبل التعقيل (التبرير) والفوبيات.

]4[   النظرية الشرطية (السيكوفسولوجية):

أبرز ممثلي هذا الاتجاه هو الفسيولوجي  الروسي "إيفان بتروفيتش بافلوف" والذي كان يعتبر الطب النفسي فرعاً من فروع فسيولوجية الجهاز العصبي ، وقد تأثر بافلوف بعالم روسي آخر من أبرز علماء النصف الثاني من القرن التاسع عشر هو "شيشنوف"، وكان الأخير عالماً نفسياً وفسيولوجياً ، وهو الذي وضع البذرة الأولى لنظريات الفعل المنعكس والكف الفسيولوجي ، وكان يرى أن الفسيولوجيا هي العلم الوحيد القادر على تحويل علم النفس إلى علم موضوعي (عكاشة، 1992).

إن بافلوف يرى أن نظريات كل من "فرويد" و"أدلر" و"يونج" و"سوليفان" و"هورني" و"فروم" ابتدعها أصحابها دون الاستعانة بأي علم من العلوم المضبوطة التي تتناول الفسيولوجيا المرضية للمخ ، ويقدم بديلاً لهذه النظريات نظريته الخاصة في النشاط العصبي الراقي . والتي يرى فيها أن هذه الأمراض تنشأ بسبب مؤثرات مختلفة تضر بالطابع الوظيفي للجهاز العصبي.

إن النجاحات التي أحرزها بافلوف في مجال فسيولوجيا الهضم واكتشافه للفعل المنعكس الشرطي جعل لديه يقيناً بأن علم الفسيولوجيا قادر على تفسير الأمراض النفسية بل وجميع الظواهر النفسية . ويرى بافلوف أن جميع النظريات النفسية نظريات "خيالية" و"هشة" ولن تستطيع تفسير مظاهر السلوك مهماً كانت نوايا أصحابها . وذهب إلى أن العلم المختص بالفسيولوجيا المرضية للأمراض الوظيفية التي تصيب العمليات العصبية الراقية هو العلم الذي يضع الأساس المتين للمنهج العلمي الكامل في تفسير الحالات العصابية ، وعلى هذا الأساس أرجع "بافلوف" العصاب إلى الخلل الذي يحدث في العمليات العصبية خاصة عمليتي "الإثارة" و"الكف".

ولكي يدلل بافلوف على صحة نظريته أجرى سلسلة من التجارب على الحيوانات كان هدفه منها إنشاء العصاب بصورة تجريبية في المعمل . وقد صنف "بافلوف" الحيوانات من حيث النشاط العصبي على أساس ثلاث خواص هي : القوة والتوازن والحركية.

ويعني بالقوة: قوة خلايا اللحاء بحيث تتحمل عمليتي الإثارة والكف اللذين يتعرض لهما الكائن الحي أحياناً.

ويعني بالتوازن: التعادل بين قوة عملية الإثارة وقوة عملية الكف.

ويعني بالحركية: درجة المرونة بين عمليتي الإثارة والكف ، والقدرة على التغير والتكيف لمقتضيات البيئة (ويلز، 1975).

وهناك كائنات حية يتصف جهازها العصبي بقدرة الخلايا على التحمل كما يتصف بالتعادل والمرونة بين عمليتي الكف والإثارة ، وهناك كائنات ذات جهاز عصبي ضعيف. وقد يكون إحدى العمليتين ، الكف أو الإثارة ، أقوى من الأخرى . وهذه الفئة الثانية هي المعرضة أكثر من الفئة الأولى للإصابة بالعصاب.

وقد انتهى بافلوف ومعاونوه من تجاربهم إلى خلق حالات سلوكية لدى الحيوانات أشبه بحالات العصاب عند الإنسان ، وقد عمد بافلوف إلى تعريض الحيوانات إلى مواقف من شأنها أن تجهد جهازها العصبي . وقد ظهرت أعراض الانهيار العصبي على الكلاب وظلت شهوراً حتى شفيت ، وسبب هذا الانهيار هو التعارض بين عمليتي الإثارة العصبية والكف العصبي.

وكان بافلوف حتى هذه المرحلة من التجارب يعتقد أن حالات العصاب ترجع إلى الإجهاد الشديد لإحدى الوظائف الثلاث السابق ذكرها ، ولكنه في مراحل تالية من هذه التجارب عمد إلى تعطيل بعض أجزاء اللحاء لزيادة الفهم لميكانزمات النشاط العصبي ، والكشف أن إجهاد خاصية الحركية أو المرونة بين عمليتي الإثارة والكف يمكن أن يخلق مناطق مرضية معزولة في اللحاء . وانتهى في هذه المرحلة من تجاربه إلى وصف حالتين من حالات اضطراب المخ وهما : الركود المرضي Pathological Inertness والتقلب المرضي Pathological Liability والحالة الأولى هي التي تتجمد فيها الأفعال المنعكسة الشرطية وتثبيت بصرف النظر عن المثيرات المحيطة بها . وقد فسر بافلوف كثيراً من أمراض العصاب على أساس هذا الميكانزم . أما حالة التقلب المرضي فهي عكس حالة الركود المرضي حيث لا تثبت الأفعال المنعكسة ، بل تتغير أو تنطفئ بصرف النظر عن المثيرات المحيطة بها مما يسبب الاضطراب في السلوك (كفافي، 1989).

ويتناول هذا الفصل بعض الأعراض العصابية المرتبطة بالعنف مثل القلق ، والأعراض السيكوسوماتية ، والاكتئاب ، والعدوان.

أولاً:  القلق والعنف:

يعرف القلق بأنه : الخوف من المحصول ، أو الخوف حينما لا يكون هناك شئ محدد مخيف ، فهو رد فعل لشئ مخيف بين جوانحنا ، أو هو خوف من أن شيئاً سوف يحدث لنا دون أن ندري ما هو ، وقد لا يكون لهذا الشئ وجود أصلاً (إسماعيل، 1982) ، وبأنه : حالة من التوتر النفسي يصاحبه شعور بالخوف والضيق والتبرم وعدم القدرة على التركيز وقد يصاحبه تغيرات فسيولوجية وأعراض نفسية (معوض، 1983) ، وبأنه : حالة نفسية غير سارة من التوتر العصبي تدل على أن المريض يتوقع خطر في اللاوعي ، وهو حالة من الخوف الغامض الشديد الذي يتملك الإنسان ويسبب له الكثير من الكدر والضيق (الفيومي، 1985) ، وبأنه : إنتقال غير سار ، وشعور مكدر بتهديد أو هم مقيم ، وعدم راحة واستقرار ، وهو كذلك إحساس بالتوتر والشد وخوف دائم لا مبرر له من الناحية الموضوعية ، وغالباً ما يتعلق هذا الخوف بالمستقبل والمحصول ، كما يتضمن القلق استجابة مفرطة لمواقف لا تعني خطراً حقيقياً ، والتي قد لا تخرج في الواقع عن إطار الحياة العادية ، لكن الفرد الذي يعاني القلق يستجيب لها غالباً كما لو كانت ضرورات ملحة ، أو مواقف تصعب
مواجهتها (عبد الخالق، 1987).

وتعددت الدراسات التي تناولت القلق والعنف ، ومن هذه الدراسات ما قام به روز Rose (1986) للكشف عن أثر الضغوط ، الميل إلى حالة القلق ، والتعرض السابق للاعتداء العائلي على العنف في العلاقات مع البالغين . تكونت عينة الدراسة من (579) طالباً جامعياً . واستخدم الباحث مقياس أساليب حل الصراعات (إعداد ستراوس Straus) مقياس سبيلبرجر لقلق الحالة والسمة Spielberger State - Trait Anxiety ، إلى جانب استبيان خبرات الحياة للتعرف على مستويات الضغوط أثناء العامين السابقين.

وأشارت نتائج الدراسة إلى ارتفاع معدلات تعرض أفراد العينة بشكل عام ، وعبر الإناث عن مدى أكبر من العنف . بينما لم تجد الدراسة فروقاً بين الجنسين في أنواع العنف . كما أوضحت نتائج تحليل الانحدار أن تعرض الفرد الذكر للعنف في الصغر يرتبط بارتفاع درجات الضغوط ، وارتفاع مستويات القابلية للقلق ، كما أن ملاحظة ومشاهدة عنف الوالد مع الأم منبأ بالتعبير عن الاعتداء والعنف في فترة الرشد . وبالنسبة للإناث ، فإن أقوى المنبئات بالتعرض للعنف في الرشد هو التعرض للعنف في الطفولة وقلق السمة. وأوضحت نتائج الدراسة أن مشاهدة العنف بين الوالدين يكون له أثر أكبر على الذكور عن الإناث.

وحاولت دراسة كوهين Cohen (1988) التعرف على أثر مشاهدة العنف الزواجي ، إدراك نقص الرعاية أو الاهتمام الوالدي أو الوقوع كضحية للعدوان البدني على القلق والاكتئاب والعدوات لديهنَّ . تكونت عينة الدراسة من (171) امرأة من الاتي وقعنَّ ضحايا للعنف والعدوان . وافترضت الدراسة أن السيدات اللاتي شاهدنَّ العنف الأسري بين والديهنَّ أثناء فترة طفولتهنَّ أكثر عدواناً من أقرانهنَّ اللاتي لم يسود العنف الأسري في علاقات والديهنَّ واستخدمت الدراسة مقياس بيك للاكتئاب Beck Depression .

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن تعرض السيدة للعنف أو وقوعها ضحية للعدوان من الزوج يرتبط بارتفاع مستويات العنف والعدوان.

وتناولت دراسة أبتر وفان براخ Apter & Van - Praag (1993) العلاقة بين القلق والاندفاعية والمزاج الاكتئابي والسلوك الانتحاري وسلوك العنف لدى المرضى النفسيين وقد تكونت عينة الدراسة من (60) مريضاً ممن تراوحت أعمارهم بين 18-64 عاماً والذين تم تقسيمهم إلى الأفراد الذين حاولوا الانتحار والذين لم يحاولا الانتحار وكذلك إلى مجموعتي ذوي السلوك العنيف ( ن=20 ) وغير ذوي السلوك العنيف (ن=40) . وقام  الباحث بتطبيق بطارية من الاختبارات لقياس خطورة الانتحار والعنف ، القلق ، الغضب ، الاندفاعية ، والحالة المزاجية.

وأشارت نتائج الدراسة إلى ارتباك محاولة الانتحار ومستويات القلق (الحالة والسمة) والاندفاعية ، المزاج السوداوي ، والغضب بينما يرتبط سلبياً بالمزاج الهادئ والمتفائل. كما أشارت النتائج إلى أن المزاج الغاضب يرتبط إيجابياً بالسلوك العنيف (أو سلوك العنف) بينما يرتبط قلق السمة سلبياً بسلوك العنف.

واستهدفت دراسة جريهام Graham (1996) التعرف على مستويات القلق حول سلوكيات الأفراد المهمين في الأسرة . وهدفت الدراسة إلى التعرف على الفروق في مستويات القلق لدى الأطفال في الأسر العنيفة وغير العنيفة . وقد تكونت عينة الدراسة من (121) طفلاً ممن تراوحت أعمارهم بين 7-12 عاماً. واستخدم الباحث مقياس القلق العائلي والمكون من أربع أبعاد ويقيس مدى قلق الطفل حول عشرين سلوكاً لخمسة أعضاء من أعضاء الأسرة وهم الأم ، الأب، الأخت ، الأخ والذات . وقد أوضحت النتائج أن الأطفال في الأسر الأكثر عنفاً يكونون أكثر قلقاً حول السلوكيات الضارة لأفراد الأسرة أكثر من الأطفال في الأسر الأقل عنفاً . كما وجدت الدراسة علاقة موجبة بين مستوى التوافق والقلق حول السلوكيات الضارة لأعضاء الأسرة.

وتناولت دراسة هيل وآخرين Hill et al. (1996) آثار التعرض للعنف المجتمعي والدعم الاجتماعي على قلق الحالة والسمة والمشكلات السلوكية كما يقدرها الوالدون لدى الأطفال من الأمريكيين من أصل أفريقي من المناطق مرتفعة ومنخفضة العنف تكونت عينة الدراسة من (97) طفلاً في الصفوف من الرابع إلى السادس والذين تمت مقابلتهم وآباءهم . واستخدم الباحث تحليل التباين وتحليل الانحدار المتعدد.

وقد أوضحت النتائج وجود علاقة موجبة بين قلق السمة والتعرض للعنف المجتمعي ، بينما وجدت الدراسة علاقة سلبية بين قلق الحالة والتعرض للعنف المجتمعي . بينما وجدت الدراسة علاقة سلبية بين قلق الحالة وقلق الحالة لدى العائلة. كما أشارت النتائج أيضاً إلى أن السلوكيات المشكلة لدى الأطفال ترتبط سلبياً بقلق الحالة لدى العائلة ومستوى الدخل.

وتناولت دراسة جريم Grim (1997) الجوانب النفسية والفسيولوجية المترتبة على مشاهدة الأطفال للعنف والتليفزيوني . وناقشت الدراسة أثر التعرض للعنف التليفزيوني على بعض الجوانب النفسية والفسيولوجية لدى المراهقين والبالغين . وأوضحت الدراسة أن المتغيرات الشخصية : القلق ، العدوان ، وجهة الضبط الخارجية ترتبط بارتفاع مستويات الانجذاب لمشاهدة الأفلام المرعبة ، وأن تفضيل أفلام الحركة والعنف يرتبط بارتفاع مستويات القلق والعدوان دون وجهة الضبط الخارجية . وأوضحت هذه النتائج أن المشاهدين لا يأخذون دور مرتكب الجريمة فقط وإنما يضعون في اعتبارهم أيضاً العواقب السلبية التي تحدث لضحية العنف . وقد أوضحت النتائج أن المفحوصين يظهرون مستويات إثارة فسيولوجية مرتفعة عندما يشاهدون مشاهد العنف والضحايا المجروحين . كما أن التعاطف مع الضحية يؤدي إلى خبرات التأزم الشخصي والتي يستجيب لها المفحوصون بالمقت والغضب الشديد.

وناقشت دراسة وايت وآخرين White et al. (1998) أثر التعرض للعنف المجتمعي على القلق . واستخدم الباحثون المنهج الطولي لدراسة العلاقة بين التعرض للعنف والقلق والمدى الذي يؤثر فيه الدعم الاجتماعي الأسري على هذه العلاقة، وقد تكونت عينة الدراسة من (385) طفلاً من الأمريكيين من أصل أفريقي ( تراوحت أعمارهم بين 11-14 عاماً) . واستخدم الباحث استبيان من إعداد ريشتر ومارتينيز Richters & Martinez.

وأوضحت نتائج الدراسة الطولية التي استمرت لمدة ستة شهور انخفاض مستويات القلق بالمقارنة بالعينة المعيارية . كما أوضحت النتائج أن تعرض الإناث للعنف المجتمعي يرتبط بالقلق الفسيولوجي والقلق العام . أما الذكور فإن تعرضهم للعنف لم يرتبط بالعنف ، وأوضحت نتائج الانحدار الهرمي أنه بعد ضبط متغير النوع ، فإن التعرض للعنف في القياس الأولي لا يتنبأ بالتغيرات في القلق . ولم تجد الدراسة تداخل لمتغير الدعم الاجتماعي الأسري في العلاقة بين تعرض الأطفال للعنف والقلق . ووجدت الدراسة علاقة سالبة بين القلق والدعم الأسري.

واستهدفت دراسة كيوبياك Kubiak (1997) التعرف على العلاقة بين التعرض المزمن للعنف المجتمعي وظهور أعراض اضطراب ضغوط ما بعد الأزمة والقلق لدى الأطفال . واعتمدت الدراسة على تقديرات الأباء ، المعلمين، والأطفال للقلق وهو ما يمثل مشكلة نظراً لصعوبة التطابق بين التقديرات الثلاثة. كما حاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين مستوى الجريمة في المجتمع وظهور أعراض القلق لدى عينة من الأطفال قوامها (298) طفلاً ممن تتراوح أعمارهم بين 6-17 عاماً والذين تمت إحالتهم إلى التقييم النفسي الاجتماعي لمعاناتهم من مشكلات انفعالية . اعتمدت الدراسة على مقياس أعراض القلق لدى الأطفال ، وقائمة السلوك المشكل ، وقائمة تقرير المعلم إلى جانب الحصول على المتغيرات الديموجرافية من السجلات المدرسية.

وأوضحت النتائج إلى ارتباط بين ارتفاع مستويات الجريمة وكبر حجم الأسرة وبين انخفاض تقدير الفرد للقلق أضافت نتائج الدراسة أن الإناث من الأمريكيين من أصل أفريقي الأصغر سناً والمقمنَّ في مناطق ترتفع فيها معدلات الجريمة ومستوى تعليم والديهنَّ منخفض ترتفع تقديرات المعلمين للسلوكيات المشكلة الخارجية لديهنَّ . وأشارت النتائج إلى ارتفاع نسبة الاتفاق بين تقديرات المعلمين والآباء للسلوكيات المشكلة الخارجية . وقد أوضحت النتائج أيضاً وجود تأثير لارتفاع مستويات الجريمة في المجتمع على السلوكيات المشكلة الداخلية لدى الأمريكيين من أصل أفريقي والذين تظهر لديهم انخفاض مستويات القلق في تقريرهم الذاتي.

وهدفت دراسة ميلر Miller (1997) إلى التعرف على مدى تأثير تعرض الأطفال للعنف وحياتهم وسط مجتمع ملئ بالعنف على إدراكهم للموت وقلق الموت لديهم. وتقوم هذه الداسة على الإطار النظري الوجودي السيكودينامي الذي يعتبر الموت أحد أهم الأشياء التي تلعب دوراً هاماً في النمو الانفعالي والمعرفي.

وأشارت نتائج الدراسة إلى صحة الافتراض بأن معظم الأطفال يمرون بدرجة من درجات خبرة قلق الموت ولم تجد الدراسة علاقة بين قلق الموت والتعرض للعنف ، كما لم تجد علاقة بين قلق الموت ومتغيرات العمر ، النوع، التدين ، أو النمو المعرفي . ووجدت الدراسة علاقة متوسطة بين العرق ومستويات قلق الموت لدى الأطفال الأمريكيين من أصل أفريقي حيث أظهروا ارتفاعاً بنسبة 27% في قلق الموت عن أقرانهم من البيض.

وأوضحت النتائج وجود أثراً سلبياً للتعرض للعنف على النمو المعرفي وذلك بعد التحكم في متغيرات العمر والنوع . وبغض النظر عن متغير التعرض للعنف والعمر فإن الإناث لديهنَّ مستويات غائبة أعلى من الذكور. كما أوضحت الدراسة أن كل 1% زيادة في مستوى التعرض للعنف يؤدي إلى 78% انخفاض مستوى النمو المعرفي . كما أوضحت نتائج تحليل المقابلات الشخصية أن 97% من الأطفال لديهم رغبة في الحديث مع الراشدين حول الموت والعنف . كما أوضحت نتائج تحليلات رسومات الأطفال وجود فروق بين الأطفال مرتفعي ومنخفضي التعرض للعنف لصالح الأطفال مرتفعي التعرض للعنف والذين تظهر لديهم مشكلات نفسية أعلى ، حيث تظهر في رسومات الأطفال الأكثر تعرضاً للعنف آثاراً للعنف تتمثل في ميلهم لرسوم رسومات للعنف أو رسومات غير مكتملة تنقصها الألوان ورسوم مشوهة وغير واضحة.

وتناولت دراسة هاج Haj (2000) تقدير الذات ، الاكتئاب والقلق لدى السيدات اللاتي يتعرضن للعنف من الفلسطينيات . وحاولت الدراسة التعرف على مدى حدوث أنماط العنف المختلفة للعنف وبعض العواقب النفسية لهذا العنف . واعتمد الباحث على نتائج الاستبيان والمسح والمسح القومي الثاني الذي يدور حول العنف ضد المرأة، وقد تكونت عينة من 1.334 امرأة  فلسطينية من قطاع غزة والضفة الغربية ممن تراوحت أعمارهنَّ بين 17-69 عاماً . قام الباحث بتطبيق أدوات لقياس متغيرات الدراسة : مقياس كوستيل – كمري للقلق والاكتئاب Costell - Comrey Depression and anxiety.

وأوضحت النتائج ارتفاع مستويات تعرض السيدات الفلسطينيات للعنف بأنواعه وأنماطه المختلفة (النفسية ، الجنسية ، والاقتصادية ، والبدنية) إذا ما قورنت بالسيدات في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية . كما أوضحت النتائج وجود تباينات شديدة في مستويات تقدير الذات ، الاكتئاب والقلق بحسب مدى تعرض السيدات للعنف . كما يمكن تفسير هذه التباينات باختلاف المتغيرات الاقتصادية والمستوى الاقتصادي الاجتماعي.

واهتمت دراسة جونيجان وآخرين Goengian et al. (2000) بالفروق في الضغوط ، القلق ، والأعراض الاكتئابية لدى مجموعتين من البالغين الذين تعرضوا لأزمة الزلزال والذين تراوحت أعمارهم بين 34-29 عاماً ومجموعة من الأفراد الذين تعرضوا لأزمة عنف شديدة (بلغ متوسط أعمارهم 44 عاماً). تكونت العنية من (78) فرداً من الذين تعرضوا لزلزال سبيتاك Spitak في ارمينيا واذربيجان بعد مرور مدة 1.5 و 4.5 من حدوث الزلزال.

وأوضحت النتائج أن المجموعتين الذين تعرضوا للعنف أو الزلزال ترتفع لديهم مستويات ضغوط ما بعد الأزمة في الفترة التتبعية . كما وجدت الدراسة علاقة قوية بين ضغوط الأزمة ، القلق والأعراض الاكتئابية . وأشارت الدراسة إلى أن تعرض الفرد لأزمة شديدة سواء كانت عنف أو زلزال ، فإن الفرد يكون أكثر عرضة للإصابة بأعراض القلق والاكتئاب وغيرها من الأمراض النفسية والتي تظهر بشكل مزمن.

وهدفت دراسة عاليا Alia (2001) إلى التعرف على أثر العنف المدرسي على القلق والتوافق الدراسي. وقد تكونت عينة الدراسة من (245) طالباً وطالبة في الصفوف السابع والثامن والذين تم تقسيمهم إلى مجموعتين : الأولى التي تتعرض لعنف المدرسين والثانية التي لا تتعرض لهذا العنف . وقام الباحث بتطبيق ثلاثة مقاييس وهي : مقياس العنف ، مقياس القلق إلى جانب مقياس التوافق الدراسي . واستخدم الباحث تحليل التباين الأحادي لتحليل البيانات.

وأوضحت النتائج وجود فروقاً ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين في مستويات القلق لصالح مجموعة الأفراد الذين يتعرضون لعنف المدرسين . كما أوضحت النتائج وجود فروقاً بين الجنسين في مستويات القلق لصالح الإناث . كما أشارت النتائج إلى وجود فروق ذات دلالة احصائية في مستوى التوافق الدراسي لصالح مجموعة الأفراد الذين لا يتعرضون للعنف المدرسي بينما لم تجد الدراسة فروقاً بين الذكور والإناث في مستوى التوافق الدراسي.

وقام ميوتين وموهر Mertin & Mohr (2001) بدراسة تتبعية لأعراض ضغوط ما بعد الأزمة ، القلق ، والاكتئاب لدى الاستراليين من ضحايا العنف العائلي . تكونت  عينة الدراسة من (59) امرأة والذين تم تطبيق مجموعة من الأدوات لقياس مستويات أعراض ضغوط ما بعد الأزمة ، القلق والاكتئاب على مرتين . وأشارت النتائج التي أوضحتها الدراسة التتبعية والقياس التتبعي حدوث انخفاضاً في مستوى أعراض ضغوط ما بعد الأزمة بعد مرور العام الذي تم بعده القياس التتبعي . كما حدثت انخفاضات في مستوى القلق والاكتئاب بعد مرور العام . كما أشارت النتائج إلى أن الدعم الاجتماعي والشعور بالأمن متطلبات هامة للعلاج . كما أوضحت النتائج أن أعراض ما بعد الأزمة ، القلق ، والاكتئاب تعتبر عواقب مترتبة على العنف العائلي . كما أوصت الدراسة بضرورة محاولة التعرف على العوامل التي تساعد على العلاج.

وناقشت دراسة دانDunn  (2001) العلاقات بين عوامل العنف المدرسي (إدراكات  العنف المدرسي ، خبرات العنف المدرسي ، الاهتمامات بالأمان الشخصي) وبين المناخ المدرسي ، القلق المدرسي ، درجة التحصيل الدراسي وقيمة التحصيل وذلك لدى عينة من طلبة المدرسة المتوسطة . واستخدم الباحث تحليل التباين المتعدد وتحليل المسار لتحليل البيانات.

وأشارت نتائج الدراسة أن المناخ المدرسي يتنبأ بجميع عوامل العنف المدرسي ، وكذا القلق المدرسي والذي تنبأ بجميع عوامل العنف المدرسي ، كما تنبأ بالقيمة التحصيلية في علاقة سلبية . وقد أوضحت النتائج المناخ المدرسي يتنبأ بالقيمة الأكاديمية بشكل غير مباشر من خلال تداخل متغير القلق المدرسي، أما التحصيل الدراسي فقد تنبأ بالاهتمامات بالأمان الشخصي ، والقلق المدرسي. كما تنبأ النوع (لدى الذكور) بالقلق المدرسي . بينما لم يستطع أيا من المتغيرات التنبؤ بمستوى التحصيل الدراسي Grade point average.

وتناولت دراسة تيسون Tyson (2002) القلق ، والاكتئاب ، واضطراب توتر ما بعد الأزمة لدى السيدات التي يعانون من عنف زواجي . كما حاولت الدراسة التعرف على أسباب ارتفاع معدلات العنف الزواجي وما يترتب عليه من ظروف صحية بدنية سيئة . وتحاول الدراسة أيضاً سد فجوة في التراث الأدبي والنفسي حول كيفية مواجهة المرأة للعنف الزواجي، ولماذا يستمرنَّ في العلاقات الزواجية التي تتميز بالعنف؟ وناقشت الدراسة أيضاً العلاقات بين العنف الزواجي (بدني ، نفسي ، جنسي) المواجهة (التركيز على المشكلة – التركيز على المشاعر) وبعض الظروف الصحية المدركة (القلق ، الاكتئاب ، اضطراب ضغوط ما بعد الأزمة) تكونت عينة الدراسة من (92) امرأة من خلفيات عرقية مختلفة (الأمريكيين من أصل أفريقي ، الأمريكيين من أصل أوروبي ، اللاتينين) واللاتي تم إجراء مجموعة من المقابلات معهنَّ، إلى جانب بعض الاستبيانات الخاصة بمتغيرات الدراسة واستخدام الباحث أسلوب تحليل التباين ومعاملات الارتباط وتحليلات الانحدار لتحليل بيانات الدراسة .

وأشارت نتائج الدراسة إلى انتشار العنف والاعتداء البدني ، النفسي ، والجنسي ، كما وجدت الدراسة علاقة بين العنف البدني وأسلوب المواجهة الذي يركز على المشكلة ، القلق ، الاكتئاب ، واضطراب ضغوط ما بعد الأزمة ، وتلازم هذه المتغيرات . أما العنف الجنسي فقد ارتبط بأسلوب المواجهة الذي يركز على المشكلة ، القلق ، الاكتئاب ، وأعراض ما بعد الأزمة وتلازمهما . وأشارت نتائج تحليل المقابلات إلى أن السيدات يستمرنَّ في هذه العلاقات للحفاظ على وحدة ورابطة الأسرة إلى جانب بعض العوائق المادية ، وأنهنًّ يضطرنَّ لإنهاء العلاقة عندما يصبح الخطر أو الاعتداء شديداً إلى الحد الذي يجعل من استعادة واستمرار العلاقة أمراً مستحيلاً.

ثانياً:   الاكتئاب والعنف:

يعرف الاكتئاب بأنه : مجموعة من الأعراض الإكلينيكية قوامها خفض نغمة المزاج وصعوبة التفكير والتخلف الحركي النفسي والتأخر عموماً الذي يغلفه القلق وتسلط الأفكار (السيد، 1978) ، وبأنه : حالة من الحزن الشديد والمستمر تنتج عن الظروف المحزنة الأليمة ، وتعبر عن شئ مفقود وإن كان المريض لا يعي المصدر الحقيقي لحزنه (زهوان، 1978) ؛ وبأنه : مظهر أو نتيجة من نتائج القلق يصاحبه شعور بالبؤس وشعور بالتوعك والعجز والمزاج السوداوي ، وضيق الصدر ، وعدم الرضا واليأس وعدم الاكتراث بالأحداث أو نتائجها والشعور بالأعباء وعدم القدرة على الإنجاز (ياسين، 1988) ؛ وبأنه حالة انفعالية مداومة من الغم تمتد من مجرد ثبوط الهمة وفتور العزيمة والتشاؤم والعبوس والضيق إلى الحزن والعجز واليأس والقنوط ويصاحب هذه المشار عادة فقد المبادأة والكسل ونقص الحمية للعمل ، والأرق وصعوبة التركيز على الرغبة في التخلص من الحياة تصل إلى الانتحار العضلي ويربط هذا المفهوم بين الاكتئاب والمشاعر السلبية للفرد والتي قد تؤدي إلى الانتحار (عبد الخالق ، 1989).

وفي هذا الصدد ، قامت الكثير من الأبحاث بدراسة العلاقة بين الاكتئاب والعنف ، فقد قام ماركز Marks (1987) بدراسة العلاقة بين العنف العائلي والاكتئاب لدى المراهقات الذين لديهم آباء مدمنون للكحول ، تكونت عينة الدراسة من (40) مراهقة ممن تتراوح أعمارهنَّ بين 11-17 عاماً ، وقام الباحث بتطبيق بطارية مكونة من عدد من الاختبارات : مقياس بيك للاكتئاب Beck depresson vnventory واختبار تفهم الموضوع ومقياس العنف العائلي ومقياس سوء التوافق لروتر Rotter.

وأوضحت النتائج وجود علاقة موجبة ودالة بين العنف العائلي والاكتئاب، كما وجدت الدراسة علاقة بين العنف العائلي وسوء التوافق ، كما وجدت علاقة بين الاكتئاب ومشكلات إدمان الكحول.

وأوضحت هذه النتائج أن العنف يكون سائداً في الأسر التي يدمن الأب فيها الكحول، كما أن الإناث من المراهقات في هذه الأسر يكنَّ أكثر اكتئاباً وسيئي التوافق، كما أن المراهقات اللاتي لديهنَّ مشكلات الإدمان أكثر اكتئاباً.

واستهدفت دراسة فورستروم Forsstrom (1988) التعرف على الآثار طويلة المدى للتعرض للعنف العائلي . وحاولت الدراسة التعرف على الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على ثلاثة أنواع من العنف الأسري والعائلي وهي مشاهدة العنف الزواجي ، التعرض للاعتداء البدني في الطفولة ، أو كلا النوعين معاً.  وقد تكونت عينة الدراسة من (550) طالباً جامعياً . وقام الباحث بتطبيق مقياس القلق السبيليرجر Spielbeoger trait anxiety scale ، مقياس بيك للاكتئاب Beck depresson vnventory ، مقياس بوس دوركي للعدوان Buss- Durkee aggression unventooy مقياس العنف تجاه المقربين Aggressive Behauior scale.

وافترضت الدراسة أن السيدات الأكثر مشاهدة للعنف يظهرنَّ مستوى أعلى من العدوان والاكتئاب، كما أنهنَّ أكثر عنفاً تجاه المقربين ومستويات متوسطة من الاكتئاب.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق دالة بين مجموعة المشاهدين للعنف الزواجي والأفراد المتوافقين زواجياً في الاكتئاب حيث ترتفع مستويات الاكتئاب لدى مجموعة السيدات المشاهدات للعنف الزواجي ، كما ترتفع لديهنَّ مستويات العدوان تجاه المقربين وغير المقربين. كما أوضحت النتائج أن الأفراد الذين تعرضوا للاعتداء البدني في الطفولة ترتفع لديهم مستويات القلق ، الاكتئاب ، والعدوان وخاصة مستويات العدوان تجاه غير المقربين . وبالرغم من عدم ارتفاع مستويات الاكتئاب لدى الأفراد الذين تعرضوا للاعتداء البدني في الطفولة ، إلا أن مقارنتهم بالأفراد الذين لم يتعرضوا لمثل هذا الاعتداء تكشف عن ارتفاع مستويات الاكتئاب لدى المجموعة الأولى . ولم تجد الدراسة فروقاً بين مجموعتي الأفراد الذين شاهدوا العنف الزواجي وتعرضوا للاعتداء البدني وبين الأفراد الذين شاهدوا العنف الزواجي ولم يتعرضوا للاعتداء البدني في العدوان وكذا في الاكتئاب أو القلق.

وناقشت دراسة ريتشاردس Richards (1992) العلاقة بين أنماط العنف العائلي وبين مستويات الاكتئاب ، تقدير الذات ، وفعالية الذات لدى السيدات الذين يتعرضون للعنف الزواجي . وحاولت الدراسة التعرف على المدى الذي تؤثر به أنماط العنف (الشدة ، النوع ، التكرار ، المدة ، تاريخ العنف الأسري السابق) على مستويات الاكتئاب ، تقدير الذات ، وفعالية الذات.

وأشارت الدراسة إلى ارتفاع مستويات الاكتئاب وانخفاض تقدير الذات لدى الإناث اللاتي يتعرضنَّ للعنف الزواجي . كما أشارت الدراسة إلى أن التعرض للعنف في الطفولة أو المراهقة كان أكثر المتغيرات المنبأة بالمتغيرات الثلاثة محل الدراسة (الاكتئاب ، تقدير الذات ، وفعالية الذات) ، كما أشارت النتائج إلى أن تاريخ العنف الأسري كان واضحاً لدى عينة الدراسة.

وقارنت دراسة جوزيف وآخرين Voseph et al. (1993) الأعراض الاكتئابية  لدى الأطفال الذين يعيشون في منطقة تتميز بالعنف السياسي وأقرانهم الذين يعيشون في منطقة ينخفض فيها العنف السياسي . تكونت عينة الدراسة من (57) طفلاً (28 إناث ، 29 ذكور) ممن بلغت أعمارهم 11 عاماً والذين يعيشون في إحدى المناطق التي تتميز بالعنف السياسي في أيرلندا الشمالية و 63 طفلاً (34 إناث ، 29 ذكور) من الذين يعيشون في منطقة تنخفض فيها العنف السياسي.

وأوضحت النتائج عدم وجود فروق في مستوى الأعراض الاكتئابية لدى الأطفال في كلا المجموعتين ، وهو ما يشير إلى عدم وجود أثر للإقامة في منطقة تتميز بالعنف السياسي على الأعراض الاكتئابية . وأوضحت النتائج أن الإناث أكثر اكتئاباً من الذكور ، بينما لم تجد الدراسة فروقاً بين الجنسين في استخدام الرفض أو الدعم.

وتناولت دراسة فريمان Freeman et al. (1993) مدى شيوع الأفكار المرضية المتعلقة بالموت أو الإصابة وخبرات العنف وعلاقتها بالصحة الانفعالية لدى الأطفال . تكونت عينة الدراسة من (223) طفلاً ممن تتراوح أعمارهم 6-12 عاماً. وقام 57 فرداً من أفراد العينة بوصف خبرات العنف التي حدثت لهم أو لأحد أقاربهم أو أحد أصدقائهم . وكان أكثر الخبرات شيوعاً لدى هؤلاء الأفراد هو محاولة الانتحار. كما قام الباحثون بعقد لقاءات مفتوحة مع أفراد العينة إلى جانب تطبيق مقياس تقدير الاكتئاب لدى الأطفال – النسخة المعدلة.

وأوضحت النتائج ارتفاع مستويات الاكتئاب (الدرجة الكلية) لدى أفراد العينة الذين وصفوا خبرات العنف التي تعرضوا لها أو لأحد أقاربهم أو أحد أصدقائهم . كما أن هؤلاء الأفراد لديهم أعراض أخرى من أعراض التأزم النفسي مثل انخفاض تقدير الذات ، كثرة البكاء القلق والخوف من الموت أو الإصابة.

واستهدفت دراسة فيتزباتريك Fitzpatrick (1993) التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف ومستوى الاكتئاب لدى الشباب الأمريكي من أصل أفريقي من ذوي الدخول الاقتصادية المنخفضة. وقد تكونت عينة الدراسة من (221) شاباً ممن تتراوح أعمارهم بين 7-18 عاماً. وقد أوضحت النتائج أن الأفراد الأصغر سناً والذين يعيشون في منازلهم بدون أمهاتهم يظهرون مستويات مرتفعة من الاكتئاب . كما أوضحت تحليلات الانحدار المتعدد أن الأفراد ضحايا العنف ترتفع لديهم مستويات الاكتئاب . بينما لم يكن التعرض المستمر للعنف من خلال مجرد مشاهدة العنف مرتبطاً بالاكتئاب وأن كان ذو أثر سلبي من حيث ظهور بعض الأعراض الاكتئابية لدى أفراد العينة . وقد حاولت الدراسة تفسير هذه النتائج في ضوء ميكانزمات المواجهة الغير عادية التي تستخدمها الشباب والتي تساعدهم على عزل أنفسهم عن الأحداث البيئية السالبة التي تحدث من حولهم.

وحاولت دراسة سترنبيرج Sternberg (1993) التعرف على آثار العنف العائلي Dpmestoc vopiemce على السلوكيات المشكلة لدى الأطفال Chuldren Behavior Problems والاكتئاب depression. وقد تكونت عينة الدراسة من مجموعة من الأطفال وآباءهم والذين تم تطبيق أدوات لقياس السلوكيات المشكلة لدى الأطفال والاكتئاب . وتم تقسيم هؤلاء الأطفال إلى مجموعات : مجموعة الأطفال الذين تعرضوا للعنف ، مجموعة الأطفال الذين شاهدوا العنف ، الأطفال الذين شاهدوا وتعرضوا للعنف ، ومجموعة الأطفال الذين لم يتعرضوا أو يشاهدوا العنف العائلي.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق بين المجموعات الأربع في السلوكيات المشكلة لدى الأطفال ومستوى الاكتئاب ، حيث كانت مجموعة الأطفال الذين تعرضوا للعنف وشاهدوا العنف أعلى المجموعات في السلوكيات المشكلة ومستوى الاكتئاب ، بينما كانت المجموعة الذين لم يتعرضوا أو يشاهدوا العنف العائلي أقل المجموعات . وتشير هذه النتائج إلى أن آثار العنف العائلي على الأطفال تختلف باختلاف نوع العنف والفرد الذي يقع عليه العنف.

وتناولت دراسة دورانت وآخرين DuRant (1995) العلاقة بين التعرض للعنف ، والوقوع ضحية للعنف والاكتئاب ، اليأس ، ووجود هدف في الحياة لدى المراهقين الذين يعيشون في الإسكان الحكومي أو حوله. تكونت عينة الدراسة من (225) أمريكي من أصل أفريقي ممن تتراوح أعمارهم بين 11-19 عاماً والذين قاموا بالإجابة على بطارية من المقاييس التي تضم مقياس الاكتئاب لدى الأطفال ، مقياس اليأس لدى الأطفال ، مقياس الغرض من الحياة.

وأوضحت النتائج وجود علاقة بين الاكتئاب والتعرض للعنف ، الصراعات الأسرية ، العنف الجسدي Corporal punishment . كما أوضحت النتائج أن المستوى التعليمي لرب المنزل والاحتمالية المدركة للعيش حتى بلوغ سن (25 عاماً تفسر 18% من التباين في الاكتئاب . كما أن عدم عمل رب المنزل والصراعات العائلية والعنف الجسدي تفسر 11% من التباين في اليأس ، بينما تفسر عوامل عدم عمل رب المنزل ، العنف الجسدي 9.7% من التباين في الغرض من الحياة . واستخلصت الدراسة أن التعرض للعنف في المنزل يرتبط بمظاهر عدة من التأزم النفسي.

وحاولت دراسة كوتيس Coates (1999) التعرف على العلاقة بين مسامحة الذات Forgiveness of self ، مسامحة الآخرين Forgiveness of others ، والعدوان ، الاكتئاب ، القلق ، تقدير الذات ، التكيف مع الحياة ، والتدين بين الإناث ضحايا العنف العائلي . وقد افترضت الدراسة وجود علاقة بين مسامحة الذات ومسامحة الآخرين وبين تسعة متغيرات من متغيرات الصحة النفسية وهي : العدوان ، الاكتئاب ، القلق ، تقدير الذات ، السعادة ، الأعراض البدنية ، العلاقات الاجتماعية ، نشاط الذات ، والنشاط الاجتماعي ، وذلك لدى عينة من الإناث الذين يتعرضون للعدوان والعنف البدني.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة بين جميع المتغيرات محل الدراسة ما عدا متغير التدين ، حيث لم تجد الدراسة علاقة بين التدين ومسامحة الذات أو مسامحة الآخرين ، وأوضحت النتائج أيضاً أن تقدير الذات كان أكثر المتغيرات أثراً على قدرة الفرد على مسامحة ذاته ، وكان أيضاً أقوي المنبئات بقدرة الفرد على مسامحة الذات . كما أشارت النتائج إلى أن العلاقات الاجتماعية كانت أكثر المتغيرات أثراً على قدرة الفرد على مسامحة الغير . وأوضحت هذه النتائج أنه بالرغم من أن مسامحة الذات ومسامحة الغير توجد بينهم مجموعة من المتشاركات إلا أن كل منهما جزءاً منفصلاً له منبئات مختلفة وعواقب ونتائج مختلفة.

وحاولت دراسة ارمسترونج Armstrong (1999) فهم العلاقة بين الضغوط والعنف لدى الأمريكيين من أصل أفريقي من مخفضي الدخل ومدى تداخل الاكتئاب كعامل وسيط في هذه العلاقة وافترضت الدراسة أنه نظراً لأن أحداث الحياة الضاغطة في الأحياء الحضرية تؤدي إلى العدوان لدى الأطفال ، كما أن أحداث الحياة الضاغطة تعتبر منبئات قوية بالاكتئاب ، فإن الاكتئاب قد يسبق العنف ومن ثم فمن المنطقي  محاولة التعرف على الدور الذي يقوم به الاكتئاب في العلاقة بين ضغوط الحضر Urban stress وبين استخدام العنف.

وتهدف هذه الدراسة إلى هدفين رئيسيين: أولهما التعرف على العلاقة بين ضغوط الحضر وبين ظهور العنف لدى المراهقين المقيمين داخل المدن من الأمريكيين من أصل أفريقي ، كما هدفت الدراسة التعرف على الدور الذي تلعبه الأعراض الاكتئابية في هذه العلاقة وقد تكونت عينة الدراسة من (367) مراهقاً من الأمريكيين من أصل أفريقي ممن تتراوح أعمارهم بين 11-15 عاماً بمتوسط قدره 12.7 عاماً . وافترضت الدراسة أن الفقر ، وأحداث الحياة السلبية والتعرف للعنف سوف يرتبط بارتكاب العنف لدى عينة الدراسة ، كما أن عدد الأعراض الاكتئابية سوف يتداخل في هذه العلاقة بين أحداث الحياة الضاغطة وبين ارتكاب أفعال العنف.

وأوضحت نتائج الدراسة صحة الافتراض الخاص بالعلاقة بين الفقر وأحداث الحياة السالبة والوقوع كضحية للعنف أو مشاهدة العنف، وكذا العلاقة بين الاكتئاب والعنف . ولم تستطع الدراسة إثبات تداخل الاكتئاب في العلاقة بين العنف وأحداث الحياة الضاغطة ، حيث أشارت النتائج أن متغيراً واحداً من المتغيرات الخمس لأحداث الحياة الضاغطة ارتبط بكل من الأعراض الاكتئابية وارتكاب أفعال العنف وعندما تم التحكم في الأعراض الاكتئابية ، فإن المشاحنات اليومية Daily hassles استمرت في تأثيرها على ارتكاب أفعال العنف.

وناقشت دراسة موسيز Moses (1999) العلاقة بين التعرض للعنف والاكتئاب والعدائية لدى عينة من الشباب في إحدى المدارس العليا . كما هدفت الدراسة إلى التعرف على أثر النوع على هذه العلاقة بين التعرض للعنف وأعراض الاكتئاب والعدائية. وقد أوضحت النتائج أن الذكور أكثر تعرضاً للعنف من الإناث . كما أوضحت النتائج أن العنف كان منبأ بمستوى العدائية لدى الذكور والإناث ، بينما كان منبأ بالاكتئاب لدى الإناث دون الذكور . وأوصت الدراسة بضرورة قيام المرشدين النفسيين والإكلينيكيين بالعمل على مساعدة المراهقين على تفهم أحداث الحياة وآثارها في حياتهم ومساعدتهم على الإحساس بالقدرة على السيطرة على البيئة من حولهم.

وتناولت دراسة سوزرلاند Sutherland (1999) آثار العنف من الزوج على الصحة النفسية والبدنية للزوجة . وافترضت الدراسة أن عنف الزوج يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية والنفسية لدى الإناث . وقد افترض العديد من الباحثين أن الإصابات والجروح التي يسببها العنف البدني تؤدي إلى المشكلات الصحية ، بينما رأى البعض أن الضغوط التي يسببها العنف هو الذي يؤثر على الحالة الصحية لدى الزوجة . كما حاولت الدراسة التعرف على أثر الحالة الاقتصادية ( متوسط الدخل ومدى الفقر ) على العلاقة بين العنف والحالة الصحية والنفسية . وناقشت الدراسة آثار الإصابات والجروح ، الضغوط ، والدخل على العلاقة بين العنف والعدوان على الصحة النفسية والبدنية للمرأة.

وتكونت عينة الدراسة من (397) سيدة واللاتي تعرضن للعنف البدني من الزوج واللاتي تمت مقابلتهنَّ. واستخدمت الدراسة تحليل الانحدار المتعدد للتعرف على العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين العنف والضغوط ، الصحة البدنية ، الصحة النفسية ، الدخل والدعم الاجتماعي.

وأوضحت نتائج الدراسة الطريقة التي يؤثر بها العنف على الحالة الصحية للمرأة حيث تؤدي الإصابات والجروح مع الآثار المشتركة للضغوط والمشكلات النفسية (الاكتئاب، تخيل الانتحار، عدم الرضا عن الحياة) تؤثر بالسلب على الحالة الصحية للمرأة . وتدعم هذه النتائج نظرية الاستجابة للضغوط Stress response theory حول آثار العنف والاعتداء على الحالة الصحية للمرأة . كما أثبتت هذه النتائج على تداخل متغيرات الاكتئاب ، تخيل الانتحار ، وعدم الرضا عن الحياة في العلاقة بين الضغوط المرتبة على العنف والمشكلات الصحية للمرأة.

كما أوضحت النتائج أن أثر العنف على الحالة الصحية للمرأة أقوى من مستوى الدخل . ولم تجد الدراسة أثراً مباشراً أو قوياً لمستوى الدخل على معدلات المشكلات الصحية لدى المرأة . كما أن الأثر المباشر للعنف كان أقوى خمس مرات من الأثر المباشر للدخل على مستويات التوتر والضغوط لدى المرأة . بينما أشارت الدراسة إلى أن ارتفاع مستوى الدخل يؤدي إلى تخفيف أثر الضغوط على مستوى الاكتئاب ومستوى الرضا عن الحياة ، دون معدلات المحاولات الانتحارية، وأشارت الدراسة أيضاً إلى عدم وجود أثر للدعم الاجتماعي ولا يتداخل في العلاقة بين الضغوط والحالة النفسية
لدى المرأة.

وهدفت دراسة نوكس وآخرين Knox et al. (2000) التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف ، الاكتئاب ، والسلوك العدواني لدى الشباب . وافترضت الدراسة أن الشباب المكتئب يظهر مستويات أعلى من العدوان أكثر من الشباب غير المكتئب. كما افترضت الدراسة أن الاكتئاب والتعرض للعنف منبأين قويين بارتفاع مستويات العدوان.

وتكونت عينة الدراسة من (120) مفحوصاً الذين تراوحت أعمارهم بين 13-17 ، وأوضحت النتائج أن تعرض الشباب لعنف من أقوى المنبئات بالسلوك العدواني لدى المراهقين ، كما أوضحت النتائج أن التعرض لمواقف العنف المباشرة وغير المباشرة من أقوى المنبئات بالعدوان بينما لم يكن خبرات الاعتداء منبأ بالعدوان. وأشارت هذه النتائج إلى أن التعرض لخبرات العنف البسيطة والقوية أقوى المنبئات بارتفاع مستويات العدوان لدى المراهقين المكتئبين . كما أثبتت النتائج عدم صحة الافتراض الخاص بوجود علاقة قوية بين الاكتئاب والعدوان حيث لم يكن الاكتئاب منبأ.

وتساءلت دراسة رينولدز وآخرون Reynolds et al. (2001) ما إذا كانت هناك فروق بين الجنسين في تقدير الذات والاكتئاب لدى الأطفال في سن المدرسة الذين يشاهدون العنف العائلي. وقد تكونت عينة الدراسة من (45) طفلاً ممن تتراوح أعمارهم بين 5-11 عاماً . وقام الباحثون بتطبيق أدوات لقياس تقدير الذات ، الاكتئاب وسلوكيات الفصل الدراسي.

وأشارت النتائج إلى عدم وجود فروق بين الجنسين في تقدير الذات والاكتئاب . وأشارت النتائج إلى وجود تفاعل بين النوع وضغوط ما بعد الأزمات ويلعب هذا التفاعل دوراً هاماً في تفسير النتائج . كما أوضحت النتائج أن ارتفاع مستويات أعراض ضغوط ما بعد الأزمات ترتبط ارتباطاً دالاً بارتفاع مستوى الأعراض الاكتئابية وانخفاض مستويات تقدير الذات لدى الذكور.

وحاولت دراسة فان هورن Van Horn (2001) التعرف على العلاقة بين العنف والاكتئاب لدى النساء من خلفيات ثقافية مختلفة ومن منخفضي الدخل. كما حاولت الدراسة التعرف على العوامل المتداخلة في هذه العلاقة . تكونت عينة الدراسة من ثلاث مجموعات : الأولى (303) من الأمريكان من أصل أفريقي ، (273) من الأمريكان من أصل أوروبي ، (260) من الأمريكان من أصل مكسيكي والذين تنخفض دخولهم عن حد الفقر بمعدل مرتين . كما قام الباحث بتثبيت متغيرات مدى تكرار حدوث العنف من الشريك ( الزوج).

ووجدت الدراسة علاقة بين العنف والاكتئاب لدى عينات الدراسة الثلاث. كما وجدت الدراسة أن مدى تكرار حدوث العنف منبأ بمستوى الاكتئاب، وشيوع تخيلات الانتحار لدى الأمريكان من أصل أفريقي ، والأمريكان من أصل مكيسيكي . بينما لم يكن متغير حداثة العنف منبأ بالاكتئاب لدى أي من عينات الدراسة.

ولم تستطع الدراسة إثبات وجود علاقة سببية بين العنف بين الزوجين وبين الاكتئاب أو الانتحار. كما وجدت الدراسة أن مستوى الفقر والحالة الزواجية تتداخل في العلاقة بين العنف وبين عدد مرات محاولات الانتحار التي تقوم بها المرأة. كما أشارت النتائج على العنف المتكرر يعتبر عاملاً خطراً خاصة لدى النساء الأكثر فقراً، كما أن الزواج يوفر حد ضعيف من الحماية للنساء في الأسر التي يسود فيها العنف.

وهدفت دراسة جاي كوكس وآخرون Jaycox, et al. (2002) إلى التعرف على الآثار النفسية المترتبة على التعرض للعنف وذلك لدى مجموعة من أطفال المدارس الحديثي الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وذلك قبل وأثناء وبعد الهجرة. وقد تكونت عينة الدراسة 1.004 طفلاً ممن تتراوح أعمارهم بين 8-15 عاماً .وقام الباحثون بتطبيق أدوات لقياس معدل التعرض للعنف وأعراض التوتر التي تحدث بعد الأزمات والاكتئاب. وتضمنت العينة أفراداً من الذين لغتهم الأصلية الأسبانية، الكورية، الروسية، أرمينيا الغربية.

وقد أوضحت النتائج ارتفاع معدلات التعرض للعنف بين عينة الدراسة سواء من حيث تعرضهم الفعلي للعنف (وقوع الأفراد ضحية للعنف) أو مجرد مشاهدتهم للعنف سواء فيما قبل الهجرة أو في الحياة الحاضرة . وقد أظهر 32% من الأطفال أعراض الضغوط فيما بعد الأزمات كما أظهر 16% من الأطفال أعراضاً اكتئابيه . وبالرغم من أن الذكور والأطفال الأقدم سناً يتعرضون للمزيد من العنف ، فإن الإناث أظهرنَّ مستويات مرتفعة من أعراض الضغوط والأعراض الاكتئابية . كما أظهرت تحليلات الانحدار الخطية أن أعراض الضغوط يمكن التنبؤ بها من خلال التعرض للعنف الحالي وذلك عندما يتم التحكم في الأعراض الاكتئابية والنوع . كما يمكن التنبؤ بالأعراض الاكتئابية من خلال وقوع الفرد كضحية فعلية للعنف وذلك عند التحكم في أعراض الأزمة والنوع.

وناقشت دراسة سيزنيروس Cisneros (2003) العلاقة بين الاكتئاب والعنف العائلي لدى النساء اللاتينيين. واستخدمت الدراسة استبيان لقياس الاكتئاب واستبيان لقياس العنف أو الاعتداء البدني. وقد تكونت عينة الدراسة من (24) سيدة من المقمنَّ في إحدى دور رعاية الأفراد اللاتي يتعرضنَّ للعنف الزواجي.

وأشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود علاقة بين الاكتئاب والعنف العائلي، وقام الباحث بتفسير هذه النتيجة في ضوء صغر حجم العينة والمرغوبية الاجتماعية . كما حاولت الدراسة التعرف على الفروق في الاكتئاب أو الاعتداء البدني وفقاً لبعض المتغيرات الديموجرافية.

وتناولت دراسة لاتزمان وسويشر Latzman & Swisher (2005) العلاقة التفاعلية بين العنف لدى المراهقين ، وعنف الشوارعStreet Vcolence ، والاكتئاب . وحاولت الدراسة إثبات الافتراض أن العنف المجتمعي ضار بالصحة النفسية للمراهقين . واستخدمت الدراسة البيانات الخاصة بالدراسة الطولية لصحة المراهقين والتي اهتمت بالعلاقات التفاعلية بين التعرض لعنف الشوارع ، العنف لدى المراهقين وبين الاكتئاب.

وأشارت النتائج أن العنف لدى المراهق يعمل على تخفيض العلاقة السالبة بين عنف الشوارع والاكتئاب . كما أشارت النتائج إلى أن عنف الشوارع يتداخل في العلاقة السالبة بين العنف والاكتئاب . كما أشارت النتائج إلى وجود فروق بين الذكور والإناث في متغيرات الدراسة والعلاقات بينهما لصالح الذكور . كما أوضحت النتائج وجود فروق وفقاً لمتغير العمر وذلك لصالح المراهقين الأكبر سناً.                 

ثالثاً: الأعراض السيكوسوماتية والعنف:

إن الأعراض السيكوسوماتية هي الاضطرابات الجسمية المألوفة للأحياء، والتي يحدث بها تلف في جزء من أجزاء الجسم أو خلل في وظيفة عضو من الأعضاء نتيجة اضطرابات انفعالية مزمنة نظراً لاضطراب حياة المريض والتي لا يفلح العلاج الجسمي الطويل  وحده في شفائها شفاءً تاماً لاستمرار الضغط الانفعالي وعدم علاج أسبابه على جانب العلاج الجسمي (أبو النيل، 1972) ؛ كما أنها مجموعة الأمراض التي تصيب بعض أجهزة الجسم أو وظائفه ، وتكون من الجدة والإصرار بحيث تقاوم أشكال العلاج الطبي المعروفة التي نعجز حتى عن تخفيف حدتها (غالي وعلام، 1974) ؛ كما أنها اضطرابات جسمية ناشئة عن عدم قدرة المريض على تجنب المضايقات أو الضغوط أو التنفيس عن التوترات النفسية المتراكمة ، ومن ثم فإن ردود الفعل الفسيولوجية تصبح مكبوتة وتتهيج داخلياً حتى تخلق خللاً جسمياً لا ينقلب Mitlon & Millon (1974) ؛ أيضاً هي أمراض جسمية ترجع في المقام الأول إلى عوامل نفسية سببها مواقف انفعالية تثيرها ظروف اجتماعية . لذا فهي أمراض لا يجدي في شفائها العلاج الجسمي وحدة في حين أنها تستجيب للعلاج النفسي مقترناً بالعلاج الجسمي ، وقد يقتضي الأمر علاجاً اجتماعياً حيث يغير المريض بيئته (راجح، 1993).

وعلى الجانب الآخر ، تعددت الدراسات التي تناولت العلاقة بين الأعراض السيكوسوماتية والعنف . فقد حاولت دراسة بيرجمان Bergman (1988) الحالة النفسية وجوانب الشخصية لدى السيدات اللاتي يتعرضن للعنف الزواجي والعائلي . تكونت عينة الدراسة من (49) زوجة من اللاتي يتعرضن للعنف الزواجي واللاتي يحضرنَّ إحدى أقسام الرعاية الطبية نظراً لإصابتهنَّ البدنية التي سببها العنف الزواجي . وتم تطبيق اختبار للشخصية وكذا مستوى إدمان الكحول ، وقام الباحث بمقارنة عينة الدراسة بعينة ضابطة من الإناث اللاتي يحضرنَّ إلى أقسام الرعاية الطبية نظراً لإصابتهنَّ دون أن يكون السبب في ذلك العنف الزواجي.

وقد أوضحت نتائج الدراسة أن الإناث والسيدات اللاتي يتعرضنَّ للعنف الزواجي لديهنَّ تاريخ من العلاج الطبي الذي يعود على اضطرابات غير محددة، كما أوضحت النتائج أن الكحول ، الغيرة ، وعدم الاتزان العقلي تعتبر أهم العوامل التي تعجل بحدوث العنف العائلي ، وأن الإدمان الشديد للكحوليات شائع لدى السيدات اللاتي يتعرضنَّ للعنف الزواجي وبين أزواجهم كذلك كما عبر العديد من هؤلاء السيدات عن حبهنَّ لأزواجهنَّ ويتمنينَّ الاستمرار في هذه العلاقة . كما أشارت النتائج إلى شيوع الأعراض الاكتئابية والاضطرابات السيكوسوماتية بين أفراد العينة . كما أسفرت النتائج عن أن السيدات اللاتي يتعرضنَّ للعنف يعيشون تحت ظروف اجتماعية غير مفضلة.

وهدفت دراسة رومكينز Romkens (1992) إلى التعرف على مدى شيوع وشدة وطبيعة العنف في هولندا ، والطريقة التي تستجيب بها المرأة لهذا العنف من خلال الاستراتيجيات الوقائية السلوكية ، الانفعالات والشكاوي من الأعراض السيكوسوماتية الاكتئابية ، كما حاولت الدراسة تحليل الأخطار الاجتماعية والبينشخصية لمواقف العنف.

وتكونت عينة الدراسة من (1016) امرأة والذين تم عقد مقابلات معهن لجمع المعلومات الخاصة بالدراسة . وقد أسفرت نتائج الدراسة عن أن النساء المشتركات في الدراسة يتعرضنَّ لعنف شديد من الرجال . كما أشارت النتائج إلى أن عوامل الضغوط الفردية والبينشخصية ترتبط بالشكاوي النفسية وكذا العنف الجنسي الذي يعتبر من أهم العوامل المسببة للتأزم النفسي عند النساء اللاتي يتعرضن للعنف.

ونظراً للتعقد الشديد الذي تتميز به ظاهرة العنف ضد النساء سواء على المستوى الاجتماعي أو الفردي أو البينشخصي ، فإن نظرية واحدة لا تستطيع تفسير أو توضيح هذه الظزاهرة.

وناقشت دراسة شات ٍSchat (1999) الدور الذي يلعبه التحكم المدرك Perceived Control  في تحسين النتائج السلبية المرتبطة بخبرات العنف في مكان العمل استخدمت الدراسة عينتين كبيرتين من العاملين في إحدى المستشفيات ( ن= 187) ، والقائمين بعملهنَّ في المنازل ( ن=195) . وقد أسفر التحليل العاملي لمقياس التحكم المدرك المصمم خصيصاً من أجل الدراسة عن وجود ثلاثة عوامل وهم الفهم ، التنبؤ ، والتأثر.

وأسفرت نتائج تحليل الانحدار المتعدد عن أن التحكم المدرك لا يتداخل في العلاقة بين العنف والخوف أو بين الخوف والصحة الانفعالية ، الصحة السيكوسوماتية أو الإهمال . كما أشارت النتائج إلى أن التحكم المدرك له أثر مباشر على الصحة الانفعالية ، وأثر غير مباشر على الصحة السيكوسوماتية والإهمال Neglect . بالإضافة على ذلك فإن التدريب على مواجهة العنف في محل العمل يؤدي إلى دعم ادراكات الموظفين للتحكم المدرك.

وناقشت دراسة ماكر وهيبل Maker & Heiple (2000) العلاقة بين أزمات الطفولة والعواقب النفسية طويلة المدى ، والمعتقدات حول العنف العائلي ، والأدوار المرتبطة بالنوع لدى الآسيويين الأمريكيين من أصل أسيوي . وافترضت الدراسة أن العنف البدني للأطفال ومشاهدة العنف العائلي أثناء الطفولة سوف يؤدي إلى أعراض سالبة طويلة المدى ، وارتفاع مستويات تقبل العنف ، والنزوع نحو أدوار الجنس الأبوية وتبني أدوار ذكورية ورفض أدوار الإناث . تكونت عينة الدراسة من (52) امرأة من جامعة مييشجان.

وأشارت النتائج إلى أن العنف البدني الذي يتعرض له الأطفال ومشاهدة العنف العائلي له آثار نفسية سلبية طويلة المدى مثل أعراض التأزم، الاكتئاب، الأعراض السيكوسوماتية والقلق.

وتناولت دراسة لي بلانك Le Blanc (2001) التعرف على المنبئات والنتائج المرتبتة على العنف في محل العمل . كما حاول الباحث التثبت من الخصائص السيكومترية لمقياس العنف في محل العمر بناءاً على خصائص الوظيفة. وقد تكونت عينة الدراسة من (254) موظفاً يمثلون (71) مهنة مختلفة كما قدم الباحث نموذجاً مقترحاً يربط بين العنف في محل العمل من الزملاء والعملاء وبين الصحة النفسية ، الأعراض السيكوسوماتية ، الارتباط العاطفي والانفعالي ، ونوايا الفصل من العمل.

وقد أوضحت نتائج الدراسة أن مخاطرة العنف تتنبأ بالعنف من العملاء والزملاء ، كما أن خبرات العنف تتنبأ باحتمالية العنف المستقبلي والذي يتنبأ بالخوف من العنف المستقبلي والذي يتنبأ بكل من الأعراض السيكوسوماتية والصحة النفسية . كما أشارت النتائج إلى أن خبرات العنف من الزملاء وليس خبرات العنف من العملاء والعامة تتنبأ بالصحة النفسية والسيكوسوماتية والالتزام الانفعالي.

واستهدفت دراسة لون وفيجا Lown & vega (2001) التعرف على العلاقة بين العنف البدني أو الجنسي من الشريك أو الزوج وبين الحالة الصحية، والأمراض الصحية المزمنة، والأعراض السيكوسوماتية لدى الإناث من الأمريكيين من أصل مكسيكي. وقد تكونت عينة الدراسة من (1155) امرأة ممن تتراوح أعمارهم بين 18-59 عاماً واللاتي يعيشنَّ في المناطق الحضرية والريفية في كاليفورنيا.

وأوضحت نتائج الدراسة أن السيدات اللاتي قررنََّ تعرضهنَّ للعنف البدني أو الجنسي خلال العام السابق مباشرة أظهرنَّ وجود مشكلات عامة في الصحة العامة أو الصحة البدنية ، أو الصحة النفسية ، وكذا الأعراض السيكوسوماتية . كما أظهرت النتائج وجود علاقة بين العنف البدني أو الجنس وبين انخفاض مستوى الصحة والعديد من الأعراض الصحية الأخرى.

رابعاً:  العدوان والعنف:

يُعرَّف العدوان بأنه : ممارسة القوة لإنزال الضرر بالأشخاص أو الممتلكات ، وكل فعل أو معاملة تتصف بهذا تعتبر عدواناً Wilson (1970) ؛ وبأنه : خصومة وتنافر واتجاه معادي ، والميل إلى الشعور الاضطهادي Good & Markel (1973) وبأنه : هجوم أو فعل عدائي يمكن أن يتخذ أي ميسورة ، بداية من الهجوم البدني إلى النقد اللفظي ، وهذا السلوك يمكن أن يكون موجه إلى أي فرد بما في ذلك الشخص نفسه Wolman (1973) وبأنه: سلوك عنيف في مواجهة الآخرين وهو سلوك متعلم لدى جميع الأفراد حيث تؤثر المثيرات والظروف الاجتماعية في كيفية التعبير عنه Perty
(1978) ؛ وبأنه : سلوك ينفذ عن طريق نية مسبقة بغرض إلحاق ضرر جسدي أو نفسي بالآخرين وهو استجابة توصل مثير تؤذي إلى كائن حي آخر Spear (1988) ؛ وبأنه : سلوك مدفوع بالغضب والكراهية أو المنافسة الزائدة ويتجه إلى الإيذاء والتخريب أو هزيمة الآخرين وفي بعض الحالات يتجه إلى الذات (جابر، وكفافي، 1988) : وبأنه : سلوك يهدف إلحاق الضرر بشخص آخر Sdorow (1995) : وبأنه : فعل يهدف إلى إيذاء الأشخاص Kagan & Segal (1992) ؛ وبأنه : كل سلوك يقصد به الإساءة لآخر ويغير باعتباره لذاته وحالته الاجتماعية وسعادته ( حمودة ، 1993) ، وبأنه : رغبة الفرد في سرقة بعض الأشياء ، والمشاجرة والاعتداء والتدمير وإيذاء الآخرين بالقول والفعل أو مخالفة القوانين والعرف وتوجيه النقد اللاذع لذوي السلطة ، والتمرد والعصيان والشعور بالإحباط والثورات الانفعالية (موسى، 1993) ؛ وبأنه : سلوك يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين أو بالذات ، والأذى قد يكون مادياً أو نفسياً من خلال الاعتداء بالفعل أو بالقول (صالح ، 1994) ؛ وبأنه : استجابة يرد بها المرء على الخيبة والإحباط والحرمان ، وذلك بأن يهاجم مصدر الخيبة أو بديلاً عنه وهو كل فعل أو دافع يهدف إلى الهدم والتدمير ولا يخدم الدافع الغريزي للحياة سواء إلحاق موجهاً تجاه الموضوع أو تجاه الذات (عيسوي، 2000).

إضافة إلى هذا ، توجد فروق واضحة بين العدوان والعنف ملخصها فيما يلي:

-       العدوان ليس مرادفاً للعنف ولكنه سبب له.

-       لا يمكن استئصال العنف إلا إذا تمت معالجة العدوان كظاهرة سلوكية. 

-       العنف وسيلة لتوجيه العدوانية إلى الخارج. 

-       العنف أكثر مدة وقوة من العدوان. 

-       تتضمن العدوان النية أو الرغبة في الإيذاء بينما العنف غالب ما يكون وراء دوافع عدوانية. 

-       لا يشترط العدوان الإيذاء الجسدي بينما يتضمن العنف قوة جسدية كبيرة.  

(محمود ، 2000)

وفي هذا المجال ، تعددت البحوث التي تناولت العلاقة بين العدوان والعنف ، ومن هذه الدراسات ، ما قام ليفينجر Levinger (1996) لتطوير مقياس لقياس الدرجة التي يتقبل بها الفرد العنف المحرم ثقافياً كشئ طبيعي وذلك كمحاولة لتحسين عملية التنبؤ بالعنف . وأشار الباحث إلى أن علماء النفس والأطباء النفسيين يبنون آراءهم على العوامل البيولوجية والنفسية والتي تعتبر غير كافية لعملية التنبؤ . وتشير العوامل البيولوجية إلى أن العنف يحدث نتيجة المرض البدني ، بينما تشير العوامل النفسية إلى أن العنف ينتج من الشعور بالتحيز والتعصب من الآخرين نحو الفرد . أما العوامل الاجتماعية التي تتضمن العوامل والمتغيرات البيئية الاجتماعية فلم تلقى حظها من البحث والدراسة.

وقام الباحث بحساب صدق وثبات المقياس على عينة قوامها (155) طالباً جامعياً كما تم تحليل هذه البيانات عاملياً وأسفرت عن وجود ثلاث عوامل هي الأطفال والإعلام ، الاتجاهات الثقافية التقليدية تجاه الجماعات ، الاتجاه الثقافية التقليدية . واستخدم الباحث صدق المحك لحساب صدق الاختبار باستخدام مقياس القلق لسبيلرجر ، الصدق التلازمي باستخدام مقياس العنف السلوكي Behavioral violence . والذي أثبتت ارتفاع مستويات الصدق للمقياس . ولمن تجد الدراسة علاقة ارتباطية بين مقياس العنف الثقافي وبين مقياس المرغوبية الاجتماعية وهو ما يشير إلى أن درجات الأفراد على المقياس لا تتأثر برغباتهم في الحصول على القبول الاجتماعي.

وتناولت دراسة روبينيتي Rubinetti (1996) مستويات التعرض للعنف بين الشباب العلاقة بين التعرض للعنف وارتكاب السلوكيات العدوانية ، وكذا حاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين تعرض الشباب للعنف وبعض المتغيرات وهي : التعاطف empathy ، تقدير الذات self esteem ، اليأس hopelessness ، والاعتقاد في مشروعية العنف والعدوان، وقد تناولت الدراسة نوعين من التعرض لعنف وهما : التعرض المباشر وهو خبرات المفحوص الشخصية من حيث تهديده أو الاعتداء عليه بالسلام أو بدون السلاح أو إجباره على الحبس خلال العام السابق ، والتعرض غير المباشر وهو خبرات المفحوص في مشاهدة شخص آخر أثناء وقوعه ضحية للعنف خلال العام السابق. واستخدم الباحث بالأساليب الارتباطية وتحليلات الانحدار لتحليل البيانات.

وأشارت النتائج إلى ارتفاع مستويات التعرض للعنف لدى أفراد العينة . كما أشارت النتائج إلى وجود علاقة قوية بين التعرض للعنف وارتكاب السلوكيات العدوانية وبين التعرض للعنف وارتكاب السلوكيات العدوانية وبين الاعتقاد في مشروعية العدوان . ولم تجد الدراسة فروقاً بين الأمريكان من أصل أفريقي والأمريكان من أصل قوقازي في أياً من متغيرات الدراسة.

وكما أوضحت نتائج تحليل الانحدار أن التعرض المباشر وغير المباشر للعنف ، والاعتقاد في مشروعية العدوان ، اليأس والتعاطف تتنبأ بمدى دال من التباين في ارتكاب العدوان . كما أن التعرض المباشر وغير المباشر للعنف ، ارتكاب العدوان وتقدير الذات يتنبأ بمدى دال من التباين في اليأس . وأوضحت النتائج أيضاً أن التعرض المباشر وغير المباشر للعنف ، ارتكاب العدوان ، اليأس ، والتعاطف يتنبأ بمدى دال من التباين في الاعتقاد في مشروعية العدوان. كما أن التعرض المباشر وغير المباشر للعنف ، ارتكاب السلوكيات العدوانية ، الاعتقاد في مشروعية العدوان ، واليأس تتنبأ بمدى دال من التباين في التعاطف.

وناقشت دراسة باوميستر وبوشمان وكامبلBaumeister, Bushman & Campbell (2000) العلاقة بين تقدير الذات ، الأنانية والعدوان . وتساءلت الدراسة إذا ما كان العنف ينتج من انخفاض تقدير الذات أو من الأنانية لدى الفرد ، وناقشت الدراسة الفكرة الشائعة أن انخفاض تقدير الذات يؤدي إلى العدوان . وبالرغم من أن الأفراد العدوانيين لديهم تقدير ذات مرتفع فإن العديد من الأفراد غير العدوانيين لديهم تقدير ذات مرتفع ، وأن المفاهيم النظرية الحديثة كالأنانية وعدم ثبات تقدير الذات أهم الوسائل الفعالة في التنبؤ بالعدوان.

وتبنى الباحثون العلاقة بين اعتبار الذات Self - regard والعدوان في ضوء نظرية الغرور أو الأنانية المهددة والتي تعتبر العدوان وسيلة من وسائل الدفاع عن صورة الذات المحببة للفرد ضد الآخرين الذين يحاولون تشويه صورة الذات.

وقام جيوتي Guyette (2000) بدراسة استكشافية للأطفال ذوي السلوكيات العدوانية في الأسر التي تتميز بالعنف العائلي والأسري . وحاولت الدراسة تحديد السلوكيات المشكلة لدى الأطفال في الأسر التي تتميز بالعنف العائلي والذين يتلقون الرعاية في إحدى دور الرعاية نظراً للعدوان البدني الذي يتعرضون له والعنف العائلي أو الإهمال العام من الوالدين.

وتكونت عينة الدراسة من (34) طفلاً من بينهم (18) حالة تعرضوا للاعتداء البدني ، (16) حالة ممن يعانون من الإهمال العام واستخدم الباحث استبيان لقياس مدى السلوكيات العدوانية لدى هؤلاء الأطفال . وقد أسفرت الدراسة عن شيوع السلوكيات العدوانية لدى عينة الدراسة.

وتناولت دراسة الفوكاها Al Fuqaha (2001) مستوى الاتجاه نحو العنف والسلوك العدواني لدى طلاب جامعة فلادلفيا وعلاقته بالنوع ، الكلية التي يدرس بها الطالب ، المستوى الأكاديمي ، عدد أفراد الأسرة ، والدخل . قام الباحث بتطوير أداة للقياس بالاستعانة بعدد من المقاييس المقننة المستخدمة في مجتمعات أخرى . واعتبر الباحث أن الاتجاه نحو العنف والسلوك العدواني متغيراً مستغلاً بينما اعتبر متغيرات المستوى الأكاديمي ، النوع ، المستوى التحصيلي ( المعدل التراكمي) ، حجم الأسرة ، الدخل الأسري.

وأشارت النتائج أن طلاب جامعة فلادلفيا ينقسمون تبعاً لدرجة اتجاههم نحو العنف والسلوك العدواني إلى : مجموعة ليس لديهم اتجاه نحو العنف (47.5%) ، انخفاض الاتجاه نحو العنف (44.3%) اتجاه متوسط نحو العنف (8%) ، واتجاه مرتفع نحو العنف (0.2%)، كما وجدت الدراسة علاقة ارتباطية بين الاتجاه نحو العنف والسلوك العدواني وبين المتغيرات التالية : النوع ، المستوى التحصيلي ، حجم الأسرة . بينما لم تجد الدراسة علاقة بين الاتجاه نحو العنف وبين الكلية التي يدرس بها الطالب أو الدخل الأسري.

وحاولت دراسة شيلدز وبيرز Shuelds & Pierce (2001) التعرف على العوامل المرتبطة بالسلوكيات العدوانية والعنف لدى الذكور الأمريكان من أصل أفريقي في مرحلة ما قبل المراهقة. وقد تكونت عينة الدراسة من (152) فرداً ممن تتراوح أعمارهم بين 8-13 عاماً ، وقام الباحثان بتطبيق أدوات لقياس التحكم الذاتي Self - Control والسلوك العدواني والعنف إلى جانب قياس البناء الأسري Family Structere ، العلاقات الإيجابية مع الرفاق ، والعنف مع الجيران neighborhood violence.

وأشارت النتائج أن الأفراد الذين ينتمون لأسر ذات بناء أسري متماسك والذين يتعرضون لعنف مجتمعي أقل والذين يتعرضون لمجادلات أسرية أقل يظهرون مستويات مرتفعة من التحكم الذاتي ، كما أوضحت النتائج أن العلاقات الإيجابية مع الرفاق ترتبط ارتباطاً موجباً بانخفاض مستوى العدوانية والسلوك العدواني وسلوكيات العنف.

وتناولت دراسة ويلسون Wilson (2001) وظائف العدوان والعنف من الذكور في العلاقات الجنسية الشاذة . وافترضت الدراسة أن وظيفة السلوك العدواني أو العنيف تجاه المشارك في العلاقة الجنسية يمكن وضعها في أحد ثلاث أبعاد وظيفية وهي : التحكم بوصفة تحكماً ، الدفاع عن النفس أو حماية النفس.

وتكونت عينة الدراسة من (28) امرأة ممن بلغت أعمارهنَّ (18) عاماً واللاتي كانت لهنَّ علاقة جنسية لمدة لا تقل عن ستة أشهر وقام الباحث بتطبيق أدوات لقياس العدوان والعلاقات الجنسية ، إلى جانب المقابلات التي أجراها الباحث لجمع بعض المعلومات الموقفية حول المواقف العدوانية للفرد.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الصراعات الجنسية من أقوى المنبئات بشدة بالعدوان والعنف . كما أوضحت النتائج أن وظيفتي التحكم والتقليل أو المعايرة كانت من أقوى المنبئات بالعدوان والعنف.

وناقشت دراسة جوردان Jordan (2003) ادراكات العنف والعدوان والمعتقدات والاتجاهات لدى المراهقين . وحاولت الدراسة الإجابة على التساؤلات الآتية:

1-      ما هي أهم العوامل المؤثرة على العنف والعدوان لدى المراهقين ؟

2-      كيف ترتبط هذه العوامل ببعضها البعض ؟

وحاولت الدراسة الإجابة على هذه التساؤلات من منظور المراهقين أنفسهم وذلك استخدام نموذج التحليل الكيفي التفاعليInteractive Qualitative analysis . تكونت عينة الدراسة من مجموعة من المراهقين بإحدى المدارس الثانوية الذين تتراوح أعمارهم بين 14-17 عاماً ، واستخدم الباحث مقياس المعتقدات والاتجاهات وسلوكيات العدوان ، وذلك لتحديد الأفراد مرتفعي ومنخفضي العدوان . كما استخدمت الدراسة نموذج التحليل الكيفي التفاعلي لتحديد أهم المؤثرات على العنف والعدوان وتحديد العلاقة بين هذه المؤثرات.

وأوضحت النتائج إلى أن العلاقات مع الرفاق تعتبر الدافع الرئيسي للعنف البدني والعدوان الظاهر والتي يترتب عليها الإنشغال في السلوكيات العدوانية والعنيفة وقدمت الدراسة مجموعة من العوامل المرتبطة فيما بينها التي تشكل وتوجه عملية مشاركة الشباب في خبرات وأنشطة العنف والعدوان واقترحت ضرورة قيام البرامج العلاجية المعدة لعلاج العنف لدى الشباب والمراهقين بتضمين هذه البرامج باستراتيجيات تدعم الروابط داخل مجموعة الرفاق وشعبية الأفراد داخل هذه الجماعات . كما أشارت الدراسة إلى ضرورة اعتماد البرامج العلاجية على أساليب الوقائية بدلاً من العقابية في علاج العنف لدى الشباب والمراهقين.

وقارنت دراسة دي جيل De-Gil (2003) أنواع العدوان واستراتيجيات المواجهة بين مرتكبي وضحايا العنف الزواجي والأفراد الذين ليس لهم تاريخ في العنف الزواجي واستخدمت الدراسة ثلاثة مقاييس منفردة وأبعادهم وهي: قائمة أساليب المواجهة النسخة المعدلة The ways of coping checklist (أبعاد التجنب Aviodance، التركيز على المشكلة، النفس اللوامة Blame Self . التفكير المتفائل ، طلب الدعم الاجتماعي ) مقياس استراتيجيات الصراعات Conflict tactics scale (أبعاد العدوان النفسي ، الاعتداء البدني، الإصابة ، القهر الجنسي ، التفاوض) استبيان العدوانAggression Questiomaie ( أبعاد الغضب ، العدوانية ، العدوان اللفظي ، العدوان البدني). واستخدم الباحث تحليل التباين الأحادي One - Way analysis of variance ، معادلة فيشر ، وأشارت النتائج إلى وجود فروق بين المجموعتين لصالح مجموعة ضحايا ومرتكبي العنف حيث كان مقهرين نفسياً ، بدنياً ، جنسياً بشكل أكبر من المجموعة الأخرى وأكثر غضباً ، كما أنهم أكثر اتجاهاً نحو استخدام أسلوب التجنب كوسيلة لمواجهة الضغوط.

وحاولت دراسة ماكينل وايزنروبيندر McNiel; Eisner & Binder (2003) التعرف على العلاقة بين النمط الإغرائي العدواني aggressive attributional والعنف لدى المرضى النفسيين . وقد قدم الباحثون مفهوماً نظرياً جديداً لتفسير مخاطر السلوك العنيف لدى المرضي النفسيين وذلك من خلال النمط الإغرائي العدواني. وافترضنَّ الباحثون أن النمط المعرفي الذي يتميز بالإغراءات العدائية يزيد من خطورة العنف لدى المرضى النفسيين.

وتكونت عينة الدراسة من (110) مريضاً نفسياً الذين قام الباحثون بتطبيق أدوات لقياس السلوك العدواني والنمط العدواني المعرفي.

وأوضحت النتائج ارتفاع درجات المرضى النفسيين على العديد من مؤشرات النمط الإغرائي العدواني وارتباطها بالعنف . وأوضحت النتائج أيضاً استمرار العلاقة بين الأسلوب أو النمط الإغرائي العدواني والعنف حتى بعد التحكم في المتغيرات الديموجرافية والتشخيصية المختلفة والاندفاعية.

وتناولت دراسة ميش Mesch (2003) الاتجاهات المدعمة للعنف والسلوك العدواني لدى المراهقين في إسرائيل والدور الذي تلعبه الأسرة وجماعات الرفاق . واعتمدت الدراسة على عينة من المراهقين في إسرائيل لاستكتشاف العلاقة بين جودة العلاقات الاجتماعية لدى المراهقين والسلوك العدواني . وأشارت الدراسة إلى أن جودة العلاقات بين الآباء والمراهقين وجودة العلاقات مع الرفاق لا ترتبط بشكل مباشر بالسلوك العدواني ، فالمراهقين الذين تتوثق علاقاتهم الاجتماعية مع الوالدين والرفاق تنخفض لديهم السلوكيات العدوانية . أما المراهقين الذين يتعرضون للإهانة ، تتكون لديهم اتجاهات تفضل استخدام السلوك العدواني والارتباط بالانحراف لدى المراهقين ويرتفع لديهم مستوى العدوان تجاه الآخرين . وأوضحت النتائج أيضاً أن المراهقين الذين لا يشتركون في تفاعلات اجتماعية مع الآخرين ذوي الأهمية يكونون أكثر عرضة للسلوكيات غير المحببة والارتباط بالمراهقين والرفاق الجانحين وتبني اتجاهات عدوانية وسلوكيات عدائية.

وتشير هذه النتائج إلى أن تعرض الفرد لخبرات سيئة في العلاقات أثناء فترة المراهقة من الممكن أن يكون من المنبئات بالسلوك العدواني لدى الفرد.

وهدفت دراسة كالي Cale (2003) إلى التعرف على عوامل السيكوباتية في التنبؤ بالسلوكيات العدوانية والعنيفة . وقد أشارت نتائج الأبحاث إلى وجود علاقة قوية بين السيكوباتية والعنف بالرغم من أن الطرق السببية التي من خلالها تؤثر السيكوباتية على ظهور سلوك العنف ليست معروفة أو واضحة . وقد قدم بوميستير وزملاؤه (Baumebter, Smart & Boden, 1996; Bushman & Baumeister, 1998) نموجاً للعدوان يتضمن الأنانية وحب الذات narcissism ، الغرورEgotism  وتقترح العلاقة بين السيكوباتية والعدوان والعنف والأنانية وضعف التحكم الذاتي احتمالية تنبؤ هذا النموذج بالسيكوباتية . وحاولت الدراسة التعرف على ما إذا كانت نتائج دراسة يوميستر وزملائه تنطبق على السيكوباتية وهل تختلف هذه النتيجة باختلاف العاملين المتضمنين في السيكوباتية.

وتكونت عينة الدراسة من (98) بالغاً من الذكور . وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الأفراد السيكوباتيين يميلون للاستجابة بشكل عدواني عندما يواجهون خطر الأنا ego threat وأن مستويات الخطر المدرك على الأنا تتوسط هذه العلاقة . كما أوضحت النتائج أن الأفراد السيكوباتيين يظهرون مستويات من العدوان أعلى من الأفراد الأنانيين ، ووجدت الدراسة فرقاً في مدى الخطر المدرك على الأنا والعدوان بين العاملين المتضمنين في السيكوباتية، وكذا باختلاف مقاييس الخطر المدرك على الأنا
ومقاييس العدوان.

وحاولت دراسة لاكي Lake (2004) تقديم بروفيل نفسي للشخصية العدوانية وعن تطور شخصيات الأطفال المشاغبين إلى شخصيات عنيفة في المراهقة ، وأوضحت الدراسة أن العنف داخل المدارس والمجتمعات لم يعد مشكلة المدارس في المناطق الحضرية فقط وإنما مشكلة جميع المدارس . وناقشت الدراسة العوامل المسببة لتفاعل الأطفال لسلوكيات عنيفة ومضادة للمجتمع ، وما هي الاستراتيجيات التي يمكن أن يتبناها المعلمون والمدارس من أجل مساعدة الأطفال والقضاء على حالة العنف السائدة بينهم حتى يمكن حمايتهم من تطور شخصياتهم إلى شخصيات عنيفة.

واستخدم الباحث أسلوب دراسة الحالة وذلك من خلال حالة الشاب جيفري والتي كشفت عن وجود آثار للبيئة سواء في المنزل أو المدرسة على نمو السلوك المضاد للمجتمع والسلوكيات العدوانية . وقام الباحث بمتابعة جيفري من الميلاد ، وفي السنوات الأولى من عمره ، وأثناء المدرسة الإعدادية والثانوية وقاموا بملاحظة نمو السلوكيات العدوانية والعنيفة والمضادة للمجتمع ، واستكشاف البرامج العلاجية المدرسية والصفية التي ساعدت جيفري في تعلم السلوكيات الاجتماعية الملائمة.

وحاولت دراسة سويكا ومورهارت وشوخSoyka; Morhart & Schoch (2004) التعرف على العلاقة بين الانحراف أو الجنوح والسلوك العدواني لدى مرضى الفصام. وقام الباحثون بمراجعة التراث النفسي حول هذه العلاقة التي تربط بين العدوان والجنوح لدى مرضى الفصام . تكونت عينة الدراسة من (451) مريضاً نفسياً الذين يتلقون علاجاً نفسياً في مصحة تابعة لجامعة ميونيخ في الفترة من 1990-1995 . وقام الباحثون بمتابعة جرائم هؤلاء الأفراد بعد خروجهم من المصحة لمدة تتراوح بين 7-12 شهراً.

وقد أوضحت النتائج أن 44 (9.7%) من المرضى تم اتهامهم في قضايا مختلفة أثناء فترة المتابعة في (174) قضية ، وثبت في (111) قضية وتم الحكم عليهم بالسجن من بين هذه القضايا (14) حالة اعتداء بدني ومحاولة واحدة لقتل فرد.

وهدفت دراسة فان وآخرين Fan, et al. (2004) التعرف على أثر مشاهدة العنف التليفزيوني على السلوك العدواني لدى المراهقين ، كما حاولت الدراسة التعرف على الفروق بين الجنسين في العدوان وأثر النوع على العلاقة بين العدوان والعنف المشاهد في التليفزيون ، وكذا أثر نوع التعليم والصف الدراسي على هذه العلاقة.

وتكونت عينة الدراسة من (259) مراهقاً من الطلاب بالمدارس الثانوية والذين قام الباحثون بتطبيق أدوات لقياس وتحليل مدى تكرار مشاهدة العنف في التليفزيون ، تقدير العنف ، التحريض الانفعالي Omotional instigation ، والعدوان وذلك باستخدام استبيانات التقرير الذاتي.

وأوضحت النتائج وجود فروقاً بين الذكور والإناث في العدوان لصالح الذكور . كما أوضحت النتائج انخفاض مستوى العدوان بارتفاع الصف الدراسي . وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الطلاب في المدارس العملية كانوا أكثر عدواناً من أقرانهم في المدارس العادية.

وتوضح هذه النتائج أن المشاهدة الزائدة للعنف في التليفزيون قد تؤدي إلى زيادة العدوان لدى المراهقين وأن العدوان يرتبط بالاستجابة الانفعالية التي يثيرها مشاهدة العنف التليفزيوني.

وفحصت دراسة أنوشيان Anooshian (2005) الدور الذي يلعبه العنف والعدوان في حياة أطفال الشوارع مع التركيز على العلاقات المحتملة بين العنف العائلي والعزلة والعدوان لدى الأطفال ومشكلات الأطفال في العزلة الاجتماعية والرفض.

وأوضحت الدراسة أن التعرض للعنف يأتي من العنف في البيئات والأسر التي يسود فيها العنف، ومن العدوان السائد في العلاقة بين الوالدين والطفل، وأن العنف يؤدي إلى عواقب سالبة للأطفال من خلال العزلة الاجتماعية التي يسببها . وتتمثل أهم العواقب السلبية المتنوعة التي تترتب على العنف والعدوان في حياة هؤلاء الأطفال هي السلوكيات المشكلة ، العدوان في التفاعلات مع الرفاق ، العزلة الاجتماعية والرفض إلى جانب العواقب السلبية الأخرى الناتجة من سوء أساليب المعاملة الوالدية . كما أكدت الدراسة أن شيوع العدوان بين هؤلاء الأطفال يتم تعزيزه من خلال العديد من المصادر وكذا العنف إذ تتداخلت عوامل الخطورة المؤدية إلى العنف والمخاطر المترتبة على التشرد . وأوضحت النتائج إلى أن العنف لا يميز حياة الأطفال المشردين فقط وإنما يظهر أيضاً لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئات اجتماعية واقتصادية شديدة الفقر.

وفي ضوء ما تقدم من عرض بحوث متنوعة في مجال العنف والعصاب النفسي ، نرى أنه من الأهمية بمكان دعوة الباحثين في مجال الإرشاد النفسي والتربوي التدخل الحاسم من خلال تصميم بعض البرامج الإرشادية من أجل الحد من انتشار ظاهرة العنف حتى يمكن التحكم إلى حد ما من التعرض للعصاب النفسي.

 

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل السابع

 

 

 

 الفصل السابع

العنف والإعلام

يعرّف العنف بأنه: سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية يصدر من طرف قد يكون فرداً أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة بهدف استغلال وإخضاع طرف آخر في إطار علاقة قوة غير متكافئة اقتصادياً وسياسياً مما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى (ساري، 2005).

ويرى الشريف (2005) أن وسائل الإعلام المختلفة تلعب أدواراً مهمة في قضية العنف. فهي من جهة تقوم بتأجيج هذه الظاهرة وتعميقها. كما أنها من جهة أخرى تستطيع أن تسهم في الحد منها وإنهاء خطرها على المجتمع.

وهذا يؤكد القول الشائع بان الإعلام سلاح ذو حدين. فوسائل الإعلام التي تدرك مسؤوليتها تجاه مجتمعاتها تستطيع أن تكون أداة إصلاح. أما تلك التي تتحرك بدوافع تجارية أو نفعية محضة فإنها تتحول إلى معول هدم وتخريب لأركان المجتمع ومن أهمها الطفل الذي يعد لبنة المستقبل.

ولعل أهم دور سلبي تقوم به وسائل الإعلام في هذا الصدد هو جعل الناس يتعاملون مع العنف على أنه حدث عادي ونزع الرهبة من استعمال العنف ضد الآخرين.

فمشاهد التلفاز مثلاً الذي يرى في البرامج أو فقرات الأفلام المختلفة جرعات زائدة ومتكررة من العنف يصبح عديم الإحساس بخطر هذه الظاهرة. فالرجل يضرب المرأة والمرأة تضرب الرجل والرجل يضرب الطفل. هذا داخل البيت. أما خارج البيت فإن الدماء تتطاير وقطع اللحم تتناثر في الشوارع وأصوات المسدسات والرشاشات تكاد لا تنقطع طوال فترة عرض المادة الإعلامية. كما أن جثث الضحايا تتكوم بالعشرات في كل مشهد من مشاهد الفيلم. بل قد لا  ينطوي الفيلم كله إلا على مشاهد التعذيب البشع المقزز أو حتى فقرات حية من طرق الموت الذي ينتشر بشكل كبير بين أوساط الشباب. ويتساءل المرء أحياناً عن الرسالة التي تحاول هذه الأفلام إيصالها للمتلقين. وكثيراً ما يفتقر الفيلم إلى سيناريو وغالباً ما تكون الشخصيات من غير الممثلين المعرفين ولكن هذه الأفلام تلقى رواجاً لأنها تركز على مشاهد العنف المقزز.

وتقع الصحافة في نفس المطب عندما تخوض في أدق تفاصيل الجرائم بشكل يبدو وكأنه تشويقي أو مثير. فالقراء يهمهم أن يتابعوا ما يحدث في مجتمعهم من جرائم .. ولكن ما الفائدة التي يجنيها القارئ من معرفة الطريقة التفصيلية التي قتل بها مجرم ضحيته أو حتى نشر صورة مقربة لهذه الجريمة بأبشع دقائقها ؟!

ومن حقنا أن نتساءل أيضاً عن الهدف من وراء هذا الخوض في أدق تفاصيل الجرائم في الصحافة المطبوعة. ويمكن القول أن الهدف في الحاليتين أي في التلفزة والصحافة هو استقطاب القراء أو المشاهدين وتحقيق المكاسب المادية لوسائل الإعلام. ولكن أين المسؤولية الاجتماعية لهذه الوسائل ؟ وما هو حجم الضرر الذي يحدث نتيجة لهذه المبالغة في تصوير ونقل مشاهد العنف عبر وسائل الإعلام المختلفة ؟!

أن أسوأ ما تحدثه وسائل الإعلام في هذا الصدد هو إضعاف أو إزالة الحساسية تجاه العنف، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحجر العواطف مقابل هذه الظاهرة. وعندما تتحجر العواطف وتزال الحساسية ضد العنف في المجتمعات، فإن الأطفال يكونون عادة أول الضحايا لأنهم كائنات بريئة هشة لا تملك القدرة على الدفاع عن أنفسها.

والمشكلة أن وسائل الإعلام قد تنوعت وتشعبت في السنوات الأخيرة. وإذا كنا نتحدث الآن عن وسائل إعلام جديدة مثل الإنترنت والفيديو وألعاب الكمبيوتر وحتى الهاتف الخلوي الذي أصبح وسيلة إعلام خطيرة وأصبحت الرسائل الإلكترونية المتبادلة خلاله من أسرع وسائل الإعلام شيوعاً لأنها تتخطى كل الحواجز.

أما الطامة الكبرى، فهي أن الدول فقدت السيادة على حدودها فيما يتعلق بالرسائل الإعلامية. ولم تعد الدولة تملك القدرة على التحكم فيما يتلقاه الناس عبر وسائل الإعلام. فإذا قامت بترتيب بيتها الإعلامي الداخلي واتخذت الإجراءات اللازمة لضبط التعامل مع قضية العنف عبر وسائل إعلامها، فإن المواطن يستطيع أن يتلقى بطريقته الخاصة مئات الرسائل الإعلامية الخارجية. فهو يستطيع أن يشاهد العديد من القنوات التليفزيونية الفضائية وإعداداً تكاد لا تحصى من المحطات الإذاعية. كما أنه يستطيع أن يطلع على مواقع الإنترنت المختلفة التي تنطوي على الكثير مما هو نافع ولكن فيها أيضاً ما هو ضار ومدمر. فهناك المواقع الإباحية ومواقع الجرائم وصناعة الأسلحة بكل أنواعها .. وحتى طريقة إعداد القنابل النووية بدون معلم ‍‍‍!

ومن أكثر رسائل الإعلام ضرراً في موضوع إشاعة العنف بين الأطفال والشباب نذكر أفلام الفيديو وألعاب الكمبيوتر. وإذا ما هيئ لأحد أن يدخل أحد دور ألعاب الكمبيوتر، فإنك لن تسمع سوى أصوات إطلاق النيران الوهمية طبعاً وصرخات الشباب والشابات وهم يحاولون تمزيق الهدف إرباً عن طريق المسدسات والصواريخ والمدافع الحاسوبية.

أن هذا كله يفضي إلى نزع الحساسية تجاه العنف وتحول الضرب والإيذاء إلى أمر عادي يمارسه الكثيرون بشكل عادي كل يوم .. فلماذا يغدو أمراً مستهجنا؟‍‍‍! ولماذا يرفع الأهل والمعلمون عقيرتهم بالشكوى من ممارسة العنف ضد الأطفال أو من قبل الأطفال والشباب ضد الآخرين ؟

لقد ازداد الأثر السلبي لوسائل الإعلام في تأجيج العنف ضد الأطفال في ظل العولمة التي أزالت الحواجز بين الدول وأصبحت تهدد الهويات الوطنية وتوشك أن تجعل منظومة القيم الغربية؛ والأمريكية تحديداً نمطاً قيمياً ينسحب على العالم كله.

وقد أصبحت شبكات التلفزة العالمية عابرة للحدود، وربطت شبكة المعلومات العالمية الإنترنت الكرة الأرضية كلها برباط واحد بما يحمله ذلك من ظلم لدول العالم الثالث. فهذه الدول لا تستطيع أن تنافس في ظل هذا التدفق الإعلامي الهائل الذي يسير باتجاه واحد أي من الدول المتقدمة باتجاه الدول النامية ولا تستطيع الأخيرة أن توقف أو تحجب ما لا يناسبها من المضامين الإعلامية.

لقد أصبح الأطفال في كل مكان أسرى لنفس البرامج التليفزيونية وغداً أبطال هذه البرامج؛ الذين يعبر معظمهم عن منظومة القيم الغربية أبطالاً محليين لأطفال العالم الثالث. وهذا ليس بغريب لأن ست شركات عالمية تسيطر على سوق البرامج الموجهة للأطفال في العالم وهي: تايم وارنر "أمريكية" ووالت ديزني "أمريكية" وفياكوم "أمريكية" ونيوز كوروب "أمريكية" وبيرتلزمان "ألمانية" وسوني "يابانية" فأين نصيب العالم الثالث من هذا ؟ وهل من المبالغة القول أن تشكل عقول أطفالنا قد سلب منا وأصبح من مسؤولية الآخرين؟

وهل من الغريب في ضوء هذا الطغيان الإعلامي الذي لا يميل لصالحنا أن نشاهد أطفالنا وهم يمارسون العنف بلا هوادة أو يتعرضون له من الآخرين بشكل عادي. فالكبار مبهورون بأفلام الكابوي والجريمة والكراتيه التي تتفنن في نزع الحساسية ضد العنف، والأطفال يشاهدون برامج من صياغة مجتمعات لا علاقة لها بهويتهم الوطنية وكثيراً ما يتسلل العنف إليهم عبر برامج كرتونية تبدو في غاية البراءة مثل "بوباي" و"تم وجيري" و"رود رنر". ففي هذه البرامج يموت الفار آلاف عشرات المرات ويبعث إلى الحياة ويلقى بالقط من الطوابق العليا فيموت إلا أنه سرعان ما ينهض من جديد.

ويضرب بوباي غريمه فيجعله يحلق طائراً فوق المدينة ثم يهبط غارقاً إلى أعماق المحيط، ويتعرض "رود رنر" للدهس تحت عجلات السيارات عشرات المرات ولكنه سرعان ما يواصل ركضه المحموم. والعجيب أن رد الفعل على هذه المشاهد .. هو الضحك لأنها توضع في قالب كوميدي. وتقدم هذه الجرعة "الترفيهية" للأطفال ما دون سن العاشرة. أما من هم أكبر من ذلك سناً فلهم برامج وأفلام خاصة يتناسب مضمون العنف فيها مع توقعاتهم وآفاق خيالهم.

وإذا ما عرفنا أن الأطفال من عمر 14 شهراً يقلدون ما يشاهدونه عبر التلفاز، فقد تزول الدهشة لدينا عن سبب انتشار ظاهرة العنف بين الأطفال وضدهم في الوقت نفسه. كما أن مشاهدة التلفاز هو ثاني أهم نشاط يقوم به معظم الأطفال خلال يومهم إذ يحتل النوم المرتبة الأولى !

وحتى إذا ما حاولت دول العالم الثالث أن تنتج أفلاماً أو برامج خاصة للأطفال فإنها لا تستطيع منافسة شركات الإنتاج الإعلامية الضخمة التي أشرنا إليها آنفاً. ويستطيع الطفل أن يميز القدرات التقنية على الفور فتجذبه البرامج التي هيئت لها إمكانات تقنية ضخمة من إنتاج أمريكا أو الدول الأوروبية أو اليابان، ويعزف عن مشاهدة البرامج المنتجة محلياً التي كثيراً ما تنحو نحو التلقين والمباشرة وتفتقر إلى التشويق والإبهار. وتعد مشاهدة الأطفال والشباب لأفلام العنف على شاشة التلفاز، ونقصان الرقابة الأسرية، من أهم العوامل التي تسهم في تطوير ظاهرة العنف والسلوك العدواني عندهم.

هذا ما أكدته دراسة جادة نشرتها مجلة "طب الأطفال" مؤخراً. واستند الباحثون من جامعة "كيس ويسترن – ريفيرس" بالتعاون مع زملائهم في جامعة كنت بولاية أوهايو الأمريكية – لتحديد العوامل التي تسهم في تطور العدوانية وسلوك العنف عند الأطفال إلى متابعة الحالة الصحية لأكثر من ألفين ومائتي طالب في المدارس العامة، تراوحت أعمارهم بين سبعة أعوام وخمسة عشر عاماً من خلال مسحات مجهولة لتشجيعهم على التحدث عن أنفسهم، وأوضاعهم في المنزل.

ووجد الباحثون أن ثلاثة عوامل رئيسة شائعة زادت فرص تطور العنف بين المراهقين الذين أظهروا سلوكاً عدوانياً، منها: تعرضهم للعنف سواء بمشاهدة أعمال عنيفة أو السماع عنها، ونقصان الرقابة الأسرية، وعدم اهتمام الآباء بأطفالهم إلى جانب مشاهدة الأفلام التلفازية والسينمائية العنيفة التي تزيد من انخراط الأطفال في السلوك العدواني بنسبة أكبر.

وقد شدد الباحثون على ضرورة مراقبة الآباء لأطفالهم، وخاصة فيما يتعلق بتعرضهم للعنف مع تقديم برامج وخدمات مناسبة للشباب الذين يميلون للعنف على أمل منع تطور السلوك العدواني لديهم في المستقبل.

وفي ضوء الحقيقة القائلة بأن التلفاز هو أكثر الوسائل الإعلامية انتشاراً وتأثيراً على الأطفال، إضافة إلى الإنترنت في الآونة الأخيرة فإن القول الشائع حول ضرورة تحكم الأهل في ما يشاهده الأطفال عبر التلفزيون والمضامين التي يتلقونها من خلال الإنترنت يحتاج إلى وقفه خاصة. والثابت أن الأطفال لا يشاهدون البرامج التعليمية والتثقيفية بقدر كاف عبر هذه الوسائل ولكنهم يشاهدون البرامج الترفيهية التي تؤدي إلى زيادة العنف في المجتمع. كما أن القول بأن الطفل يقضي عدة ساعات جالساً إلى الحاسوب أو في مشاهدة التلفاز لا يعني أنه ينهل العلوم والمعارف !

أن الطلب من الأهل القيام بدور الرقابة لما يطلع عليه الأطفال عبر وسائل الإعلام ينطوي على ظلم لبلدان العالم الثالث . فهناك أولاً مشكلة الأمية، فكثير من الآباء والأمهات أميون أو أنهم لا يجيدون اللغات الأجنبية، مما يجعل الأطفال يحلقون في هذه الفضاءات المضطربة وحدهم دونما هاد أو دليل.

أما المشكلة الأخرى التي لا تمكن الأهل في العالم الثالث من فرض مراقبة على مضامين الرسائل الإعلامية التي يتلقاها الأطفال فتكمن في الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تجعل الآباء يزاولون أكثر من مهنة تبعدهم عن بيوتهم معظم ساعات النهار والليل. كما أن الأمهات في البلدان النامية أيضاً غدون مجبرات على البحث عن العمل خارج البيت لتأمين لقمة العيش لأسرهن مما يترك الأطفال فرائس سهلة للبرامج الإعلامية المختلفة التي تهدف إلى تحقيق الربح فقط .. وليكن بعدها الطوفان.

كما أن دول العالم الثالث المنكوبة باعتداءات الآخرين وبطشهم لا تستطيع أن تتحكم في جرعات العنف التي يشاهدها الأطفال عبر وسائل الإعلام. فعندما يستهدف الإسرائيليون أطفال الانتفاضة ويجعلونهم هدفاً سهلاً لرصاصهم الغادر وتنقل وسائل الإعلام ذلك ويتأثر به الأهل إلى حد الصدمة والبكاء، فكيف يمكن الحيلولة بين الأطفال وبين التأثر بهذا العنف الذي ينقل عبر نشرات الأخبار على مدار الساعة ويمكن أن يقال الشئ نفسه بالنسبة لأطفال العراق الأبرياء الذين يسقطون بأعداد كبيرة يومياً نتيجة الحصار الجائر المفروض على هذا القطر الشقيق. فكيف يمكن حجب هذه الرسائل الإعلامية عن أطفالنا ؟

ويمكن تحديد الآثار السلبية للعنف الذي يشاهده الأطفال عبر وسائل
الإعلام فيما يلي:

  • يصبح العنف جزءاً من سلوك الأطفال عندما يشاهدونه باستمرار فيقعون العنف على غيرهم دونما وجل أو تردد.
  • تقل أو تنعدم حساسية الأطفال ضد الإيذاء والضرر الناجم عن العنف، إذ أن العنف يصور في بعض الأحيان ضمن أطر اعتيادية أو حتى كوميدية. 
  • ينشأ الأطفال في حالة من الخوف والقلق النفسي المستمر تحسباً من التعرض للعنف ويؤثر هذا على صحتهم النفسية وقدرتهم على النمو السليم.

وكثيراً ما يقدم العنف عبر وسائل الإعلام دون أن ينال مرتكبوه أي عقاب مما يعزز القناعة لدى الأطفال بأن العنف هو شكل من أشكال البطولة، وتختفي من صور العنف المقدم عبر وسائل الآثار الجسدية والنفسية طويلة المدى مما يجعل الأطفال لا يترددون في اللجوء إلى العنف لأنه "غير مؤذ" كما تنقله وسائل الإعلام. كما أن من النتائج الخطيرة المترتبة على تصوير العنف في وسائل الإعلام تشجيع استعمال الأسلحة النارية ، فحتى الأطفال الذين لا تزيد أعمارهم عن ثلاث سنوات يحاكون إطلاق النار على أقرانهم وعلى من هم أكبر منهم سناً مما يفسر سبب انتشار ظاهرة استعمال السلاح وارتفاع معدلات الجريمة في كثير من المجتمعات المدرجة بإطلاق النار على مدرسيهم وأقرانهم. أما علاج الآثار السلبية للعنف ضد الأطفال في وسائل الإعلام فلا يمكن حسمه ضمن الأطر المحلية وحدها ولحسن الحظ أن العالم كله قد تنبه إلى خطر هذه الظاهرة وأثرها السلبي على الأطفال والمجتمعات، وبدأت العديد من الدول تتخذ الخطوات العملية لمعالجة هذه الظاهرة.

ففي الولايات المتحدة تقرر أن تصبح نصف أجهزة التلفزيون الجديدة المباعة في الولايات المتحدة اعتباراً من هذا العام مجهزة برقاقة "في – تشيب" ضد العنف على أن تصبح كلها مجهزة بها في العام المقبل . ووافق قسم من شبكات التلفزيون طوعاً على بث إشارات على البرامج التي تتضمن مشاهد عنف، ويطفئ جهاز التلفزيون أو يغير البرنامج فور ظهورها، وقد وافقت اثنتان من الشبكات الأمريكية الكبرى "أي بي سي" و"سي بي أس" على ترميز برامجها. وكان الكونجرس استبق الأمور بفرضه في العام 1996 إضافة رقاقة "في – تشيب" على جميع أجهزة التلفزيون اعتباراً من مطلع العام الحالي.

وبالإضافة إلى هذه الخطوات الجذرية فيمكن تعديل مضامين البرامج للتنفير من العنف وإظهار مساوئه ، فيمكن التركيز على الأبطال المحبوبين ممن لا يلجأون إلى العنف. وبث البرامج العنيفة في أوقات متأخرة من الليل، ووضع الإشارات التحذيرية بانتظام على البرامج التي تتضمن مشاهد عنيفة، ويمكن تطوير التقنيات الإعلامية بحيث يصبح بإمكان الوالدين أن يتحكما في مضامين الرسالة الإعلامية مع الاعتراف بالصعوبات الموجودة في هذا الإطار في دول العالم الثالث ويمكن بث البرامج والرسائل التي تحض على عدم اللجوء إلى العنف والتنفير منه بأسلوب أسر مشوق، ويمكن الحديث للأطفال بعد تلقي الرسائل الإعلامية عن الآثار السلبية للعنف عليهم وعلى المجتمع لزيادة منسوب الوعي لديهم حول هذه القضية وتحصينهم من الداخل ضدها، ولا شك أن الشوط طويل والتحديات التي تقف أمام علاج هذه الظاهرة كبيرة، ولكن المهم أن نعي أخطارها وأن نأخذ الخطوات الأولى باتجاه الحل.

وإذا كان المجتمع الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة صاحب المشكلة والحل، فما هو الوضع في الدول العربية: هل علينا الانتظار حتى تثبت التقنية نجاحتها، ثم نقوم باستيرادها مثل كل الوسائل التكنولوجية الأخرى التي ندفع لاقتنائها تكاليف باهظة، أم أن هناك حلولاً في متناول أيدي المشرفين على البرامج التلفزيونية والمخرجين وكتاب السيناريو للتخفيف من حدة مشاهد العنف بكل أنواعه والتقليل من شراء منتوجات تلفزيونية أمريكية وأوروبية وعرضها في القنوات العربية دون فرز لها.

وينقسم علماء النفس والاجتماع في رؤيتهم لتأثير مشاهد العنف. فمنهم من يراها ضارة ومنهم من يعتبرها ضرورية للتنفيس عن الكبت الموجود داخل كل إنسان صغيراً كان أو كبيراً ويمكن تصنيف المواقف إزاء هذه القضية إلى ثلاثة مواقف رئيسية.

فهناك موقف يرى أن مشاهد العنف والإجرام في التلفزيون تلعب دوراً تربوياً لكونها تعلم المشاهد أن "الجريمة لا تفيد" وأن المجرم لابد أن ينال جزاءه الرادع ، إما بأن يلقى عليه القبض من طرف رجال الشرطة ويودع السجن وإما أن يموت.

إلا أن ما يؤخذ على هذا الرأي هو أن عملية عقاب المجرم غالباً ما تكون في نهاية الفيلم ولا تعرض سوى دقائق قليلة، أي بعد أن يكون المشاهد قد عاش طيلة الفيلم وهو مشدود إلى جميع ما يصدر عن المجرم من حركات وتعابير ومواقف تثير إعجابه واندهاشه، وهناك من علماء النفس على وجه الخصوص من يرى أن مشاهد العنف تترك أثراً إيجابياً على سلوك الإنسان حيث تقوم بوظيفة "تطهيرية" أو "تعويضية" لكونها تشكل متنفساً غير ضار يتخلص بواسطته من مشاعره العدوانية.

فالمشاهد الذي يتقمص شخصية بطل الفيلم ويشاركه، وجدانياً، ومعاركه وانتصاراته يتاح له بطريقة خيالية، التنفيس عن مشاعره العدوانية المكبوتة التي يصعب عليه التعبير عنها في الواقع بكيفية مباشرة.

وفي مقابل الموقف السابق هناك نظرية تقول إن مشاهد العنف توقظ النزعة العدوانية الكامنة عند الإنسان وتنقلها من استعداد للعنف إلى عنف فعلى يمارس في الواقع، فإن مشاهد العنف تشجع على مزيد من العنف والعدوان.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن ميل الطفل إلى الإيحاء يجعله معرضاً لتقليد مشاهد العنف التي يراها في التلفزيون خاصة إذا كانت هذه المشاهد صادرة عن شخصيات تثير إعجاب الطفل. فمشاهد الطفل المتكررة لأشكال مختلفة من العنف في التلفزيون تجعله بسبب ميله على تقليد ما يراه، ضعيف الصلة بالواقع ويعيش في عالم وهمي يغريه بالمغامرة والانحراف.

كما أن الرسوم المتحركة هي الأخرى مليئة بمشاهد العنف؛ والخطورة في هذه الرسوم أنها قد تدخل في روع الطفل أنه يستطيع أن يلعب بالقتل ويلهو بالعنف، بدون خوف. إلا أن أهم ما أخذ على الرأي القائل بالتأثير السلبي لمشاهد العنف هو أن أعداداً كبيرة من المشاهدين من مختلف الأعمار ترى مشاهد العنف في التلفزيون دون أن تترك هذه المشاهد أثراً سلبياً في سلوكها وتصرفاتها.

أما الموقف الثالث فهو موقفاً وسطاً بين الموقفين السابقين، وهو الذي يميل إلى تأييده، فهذا الموقف يهون من التأثير السلبي لمشاهد العنف على المشاهدين على اعتبار أنه لا يمكن الحديث عن هذا التأثير السلبي إلا بالنسبة للذين لديهم الاستعداد للتأثر بمشاهدة العنف بحكم ظروفهم البيئة وتنشئتهم الاجتماعية وحالتهم النفسية، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى دراسة أجرتها منظمة اليونسكو حول "التلفزيون والإجرام" توصلت إلى أنه يتعين البحث عن جذور السلوك الإجرامي في ما وراء التلفزيون بكثير، ذلك أن هذه الجذور ترتبط بالشخصية والتجارب في الوسط العائلي والعلاقات بين الجانح ومن هم في سنه. وتضيف هذه الدراسة أنه "لا يبدو مطلقاً أنه قادر على التأثير إلا على غير المتكيفين بدرجة طيبة مع المجتمع.." . كما يمكن للتلفزيون أن يلعب دوراً في إثارة الإنحراف والإجرام لكونه يعرض أساليب عديدة للإنحراف والجريمة وصوراً مشوهة حول إمكانات بلوغ بعض الغايات إلا أن الدراسة تؤكد بأنه لا يمكن للتلفزيون أن يجعل من الإنسان العادي الذي يعيش في وسط اجتماعي سليم منحرفاً أو مجرماً.

ويمكن تقسيم أنواع العنف إلى قسمين: عنف مصطنع وعنف طبيعي، فالعنف المصطنع هو الذي تلجأ إليه بعض الأشرطة الروائية من أجل الإثارة، أما العنف الطبيعي فهو موضوع الأشرطة الوثائقية التي تظهر أنواع العنف الممارسة في الواقع سواء فيما يتعلق بالحروب أو بعض العادات الاجتماعية السيئة لبعض الشعوب، وهذا النوع من الأشرطة الوثائقية رغم مشاهد العنف التي تتضمنها فهي تؤدي رسالة تربوية تحث المشاهد على استنكار هذا العنف، بينما العنف المصطنع في الأشرطة الروائية له تأثير سلبي على المتلقى، خاصة بين الأطفال والمراهقين، الذين ينبهرون ببطل الفيلم وقوته وجبروته، فيتمثلون به على أرض الواقع، فيغدو العنف بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة لتحقيق كل الغايات.

ففي دراسة شاملة حول الآثار الجانبية لمشاهد العنف التي تزايدت على الشاشة سواء الكبيرة أو الصغيرة تبين أن ضحايا التلفزيون في العالم العربي حوالي 80 ألف فرد قد أصيبوا بأمراض مختلفة نتيجة تأثرهم بأحداث الأفلام والمسلسلات واكتشفت أن من بين الضحايا أيضا 8 آلاف مريض نفسي. ويستنتج من ذلك أن أفلام العنف والإثارة سبب رئيسي في إصابتهم بالتهور والاكتئاب والقلق والتوتر .. ومن ثم لم تعد مشاهد العنف مجرد تعبيرات يحذر من خلالها الكتاب والمخرجون وأساتذة علم النفس إنما هي واقع ملحوظ أثبتته الدراسات العملية الجادة التي تخلو من التحيز.

إلى جانب أن خطورة مشاهد العنف على الشاشة ترجع إلى تقليد الجماهير مظاهر العنف المعروضة خاصة إذا عرفنا أن نسبة تقليد الأطفال لتلك المشاهد لا تقل عن 50% أما الكبار فتصل نسبة التقليد بينهم إلى 20% وتزداد في البيئات الاجتماعية المتواضعة.

إضافة إلى أن أخطر ما في الأمر هو أن مشاهد العنف في التلفزيون تهدم كل المقومات التربوية التي يتلقاها الطفل في المدرسة.

وقد أشار مجموعة من العلماء وأطباء النفس في العديد من الدراسات إلى خطورة العنف على شاشة التلفزيون وتأثيره على سلوك الطفل في أخطر مراحل عمره وهي مرحلة التقليد، إضافة إلى قدرتها الخطرة على إنشاء جيل تأثر بالعنف ونما وهو مرتبط بالأفعال الانتقامية، وعندما يكبر الطفل تتكون شخصيته ويصبح رد فعله الطبيعي الجاهز لمواجهة أي موقف بعدوانية وعنف لأنه نشأ وتربى من خلال التلفزيون على أن العنف هو رد الفعل الطبيعي لمواجهة المواقف.

لذا فإن استمرار عرض مشاهد عنيفة في التلفزيون يؤثر في الأطفال حتى يكبروا وتصبح العدوانية جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم النفسي الذي يدفعهم في حالة الإحباط إلى الانتقام من المجتمع.

نظريات تأثير وسائل الإعلام والعنف:

بدأ الاهتمام بدراسة العنف وآثاره على الفرد والمجتمع بعد الحرب العالمية الأولى حيث زادت نسبة الجرائم والعنف والمشكلات الاجتماعية بشكل ملحوظ بعد هذه الفترة مما دفع بالباحثين التي تقصي الأسباب ودوافع ذلك حيث حاولوا معرفة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في التسبب بهذه المشكلات الاجتماعية من جهة، وتحديد الدور الذي تلعبه في التصدي لهذه المشكلات من جهة أخرى، وقد تمخضت دراساتهم عن نتائج كثيرة لخصت مسألة طبيعة الذي تحدثه وسائل الإعلام . ويمكن تلخيص هذه النتائج حسب تسلسلها كما يلي:

(1)  نظرية التأثير القوي أو المطلق (نظرية الرصاصة الإعلامية): يرى أصحاب هذه النظرية أن وسائل الإعلام لها تأثير قوي ومباشر على الفرد والمجتمع يكاد يبلغ حد السطوة والهيمنة وهذا التأثير قوي وفاعل مثل الرصاصة، ولا يفلت منه أحد.

(2)  نظرية التأثير المحدود لوسائل الإعلام: اهتزت نظرية الرصاصة الإعلامية أمام نتائج الدراسات الميدانية التي قام بها باحثون في ميدان علم النفس الاجتماعي حيث تبين لهم أن تأثير وسائل الإعلام محدود جداً إذا ما قورن بالتأثير الذي تحدثه عوامل أخرى أطلقوا عليها العوامل الوسيطة كالأسرة، واتجاهات الفرد ، وقادة الرأي، والأحزاب، وعوامل أخرى كثيرة، تحول هذه العوامل دون التأثير المطلق أو القوي لوسائل الإعلام على الفرد. 

(3)  نظرية التأثير المعتدل لوسائل الإعلام: برز هذا الاتجاه في أواخر الستينات والسبعينات، ويعتقد أصحابه أن تأثير الوسائل الإعلامية على الفرد يتأثر بعوامل نفسية كثيرة ومتغيرات نفسية كثيرة، وكان التركيز القوي لهم على البعد النفسي، أي أسلوب الأفراد أمام وسائل الإعلام أكثر قوة من عوامل ومتغيرات مما يجعل التأثير معتدلاً نوعاً ما. 

(4)  نظرية التأثير القوي: يعترف أصحاب هذه النظرية بتأثير وسائل الإعلام على الفرد والمجتمع. ولكنهم لا يقللوا من شأن هذه التأثير ولا يبالغوا فيه كثيراً. ولكنهم يقبلون بقوته وفاعليته إذا ما روعيت عوامل معينة، وإذا ما اتبعنا أساليب معينة، في مواقف معينة مثل تكرار الرسالة الإعلامية، ثم شموليتها ثم انسجامها وتوافقها. أن هذه الظروف والعوامل إذا ما روعيت فإنها تجعل من التأثير قوياً.

أثر نشر العنف من خلال وسائل الإعلام:

يرجع الخوف من نشر العنف والجريمة من خلال وسائل الإعلام إلى أن المشاهدين والمستمعين والقراء يقبلون عليها بشكل أكثر من غيرها. وأكدت بعض البحوث وجود علاقة وثيقة بين السلوك العدواني والتعرض لهذه المضامين.

ومن أهم الآثار التي تتركها مشاهدة العنف ما يلي:

1-   رفع حدة الآثار النفسية والعاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين. ويتوقف سلوك الفرد العنيف (أي استجابته لمشاهدة) على مدى إحساسه وشعوره بالإحباط والضيق والتوتر.

2-   تعزيز السلوك القائم بالفعل داخل الفرد. حيث تعمل المشاهدة للعنف أو قرائتها على تعزيز وتدعيم السلوك الموجود أصلاً عند المشاهد وذلك لأن الشخص العنيف بسبب دوافع العنف داخله – يرى السلوك العنيف الملتفز على أنه تجربة حقيقية. 

3-   التعلم والتقاليد: من المعروف أن إحدى طرق تعلم الإنسان هي التقليد
والمحاكاة، من هنا تأتي خطورة عرض أفلام العنف لأن البعض قد يقلدها على غرارها.

ونظراً لخطورة ظاهرة العنف وأثر وسائل الإعلام المختلفة في إستدخالها  في نفوس الناشئة وأفراد المجتمع أهتم الكثير من الباحثين بدراسة أثر وسائل الإعلام على العنف.

فقد حاولت دراسة كونتادور Contador  (2001) التعرف على ادراكات طلاب المدارس العليا للعنف المشاهد في وسائل الإعلام. وتكونت عينة الدراسة من (584) طالباً في المدرسة الثانوية من الذكور والإناث في شيلي. وحاولت الدراسة التعرف على أثر العمر والنوع ونوع المدرسة على ادراكات الأطفال للعنف المشاهد في وسائل الإعلام.

وأوضحت النتائج أن الطلاب الأكبر سناً والإناث أقل عنفاً من الطلاب الأصغر سناً والذكور، ولم تجد الدراسة علاقة بين ادراكات العنف المدرسي وادركات إدمان الكحول أو المخدرات . كما لم تجد الدراسة علاقة بين ادراكات العنف المدرسي وادراكات التحصيل الأكاديمي ونظام المدرسة.

واستكشفت دراسة كيويتز وويفر Kiewitz & Weaver (2001) الآثار قصيرة المدى للتعرض للعنف في وسائل الإعلام على بعض متغيرات الشخصية (سمة العدوان) والعوامل الموقفية (المسئولية عن الأحداث). وتكونت عينة الدراسة من (268) فرداً والذين طلب منهم بعد مشاهدتهم فيلم سينمائي عنيف أو غير عنيف أن يعبروا عن ادراكهم لأحدث العنف البيشخصي.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن متغير العدوانية والنوع يتداخلان في أثر العنف المشاهد في وسائل الإعلام على ادراكات الفرد للعنف والصراعات البينشخصية. وأوضحت النتائج أن الأفراد مرتفعي سمة العدوانية لديهم اتجاهات أكثر عدائية في ادراكاتهم للصراعات البينشخصية بالمقارنة بالأفراد منخفضي سمة العدوانية.

وتناولت دراسة درويش Darwish (2001) أثر العنف المشاهد في وسائل الإعلام على السلوك العدواني لدى المشاهد خاصة لدى المراهقين الذكور، وأشارت الدراسة إلى أن أحد أهم الأسباب وراء العنف لدى الشباب هو مشاهدة أنماط العنف في التليفزيون باعتبار أن العنف أحد أهم المشكلات التي تواجه المجتمعات في العصر الحالي.

وأشارت الدراسة إلى تفسير العلاقة بين العنف المشاهد في وسائل الإعلام وبين السلوك العدواني في ضوء نظرية الذات ونظرية بونيان لأنظمة الأسرة Bowenian Family Systems theory وذلك من أجل فهم هذه العلاقة وشيوع العنف والعدوان لدى الشباب, وأوضحت نتائج الدراسة ضرورة إعادة النظر في محتوى البرامج التليفزيونية المقدمة من حيث مشاهد العنف التي تحتويها وذلك من أجل التقليل من الآثار السلبية لذلك.

وناقشت دراسة يونتس Yonts (2002) معتقدات الأطفال حول الأسلحة والألعاب النارية وعلاقتها بالتعرض للعنف في وسائل الإعلام. وتكونت عينة الدراسة من (78) طفلاً ممن تراوحت أعمارهم بين 8-11 عاماً من إحدى المدارس الإعدادية في ولاية اوكلاهوما. وقام الباحث بتطبيق مجموعة من الأدوات لقياس المعتقدات العامة حول الألعاب النارية والأسلحة، والتعرض للعنف في التليفزيون وألعاب الفيديو، والخوف من الوقوع كضحية للعنف. كما قام الآباء بإكمال مقياس للمخاطر واستبيان حول معتقداتهم الشخصية حول الأسلحة. وقد استخدم الباحث معامل إرتباط بيرسون، وتحليل التباين، واختبار (ت) لاختبار فروض الدراسة.

وأوضحت نتائج الدراسة أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف في ألعاب الفيديو لديهم معتقدات أكثر إيجابية حول الأسلحة بالمقارنة مع الأطفال الذين لا يتعرضون للعنف أو يتعرضون لمدى أقل من العنف. كما أشارت النتائج إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف يعتقدون أن الألعاب التي تتم بالسلام أقل خطورة وتستحق عقوبات أقل. ولم تجد الدراسة علاقة بين التعرض للعنف في التليفزيون ومعتقدات الأطفال نحو الأسلحة. كما لم تجد الدراسة علاقة بين سلوكيات المخاطرة والمعتقدات حول الأسلحة. وأشارت النتائج أيضاً إلى أن الأطفال الأكثر خوفاً من الوقوع كضحية لديهم معتقدات أكثر سلبية حول الأسلحة من الأطفال الأقل خوفاً. وقدر الأطفال سيناريوهات الاعتداء بالأسلحة التي تظهر طفلاً يوجه السلاح تجاه طفل آخر باعتبارها أكثر خطورة وتستحق المزيد من العقوبة أكثر من السيناريوهات التي تظهر طفلاً يلعب بالسلاح بمفرده.

وناقشت دراسة مايرز Meyers (2002) الآثار التي تحدثها مشاهدة ألعاب فيديو عنيفة وبرامج التليفزيون العنيفة على أفكار وسلوكيات الأطفال في الصفوف من الثالث إلى السادس. وقام الباحث بجمع بعض المعلومات الديموجرافية حول مشاهدة الطفل  للتليفزيون وعادات لعب ألعاب الفيديو. وقام الباحث بتقديم وتعريض الطفل لموقف إعلامي واحد من ست مواقف لمدة خمسة عشر دقيقة وهي: مشاهدة مشهد لعب عنيف (المصارعة مثلاً) مقابل مشاهدة لعبة غير عنيفة (كرة السلة مثلاً)، لعب لعبة عنيفة أو غير عنيفة، ومشاهد لعبة عنيفة أو غير عنيفة ثم القيام بلعب لعبة تتضمن نفس الشخصيات والمحتوى في اللعبة المشاهدة. وافترضت الدراسة أن مشاهدة العنف في وسائل الإعلام سوف يؤدي إلى الأفكار والسلوكيات العدوانية، كما افترضت الدراسة وجود فروق في ذلك باختلاف العمر حيث يشتد التأثير لدى الأطفال الأكبر سناً.

وتوصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أهمها أن الأطفال الذين يتعرضون لمشاهدة العنف في وسائل الإعلام ترتفع لديهم مستويات السلوك العدواني بالمقارنة بأقرانهم الذين لا يتعرضون لمشاهدة العنف. كما أثبتت النتائج أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف في المجموعة التي تتعرض للنوعين معاً يرتفع لديهم مستوى السلوك العدواني أكثر من مجموعة الأفراد الذين لا يتعرضون لمشاهد العنف. وأوضحت النتائج أيضاً ارتفاع مستويات العنف لدى الأطفال في الصف السادس مما يشير إلى وجود فروق لصالح الأطفال الأكبر سناً في مستويات العنف في الجانب اللفظي للعدوان في حين كان الأطفال الأصغر سناً أكثر عدوانية تجاه الجانب الفعلي في الألعاب.

وتناولت دراسة فونتانا Fontana (2002) العلاقة بين العنف في وسائل الإعلام وإساءة معاملة الأطفال. وقام الباحث بتوزيع استبيان يدور حول العروض التليفزيونية الأكثر مشاهدة من جانب الآباء والأطفال والتي تم تحليلها لمعرفة محتوى العنف بها وتم توزيع الاستبيان على 300 فرد، واستجاب منهم (18) فقط بمعدل استجابة 6%.

وأشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود فروق بين عادات مشاهدة التليفزيون لدى الأباء الذين لديهم أطفال صغار في المنزل وأولئك الذين ليس لديهم أطفال صغار في المنزل، وأوضحت الدراسة أن المعرفة بحجم تعرض الوالدين للعنف في وسائل الإعلام خاصة في برامج التليفزيون هام جداً في مساعدة العاملين في مجال الخدمة الاجتماعية في تصميم البرامج الوقائية مع وضع العوامل المتعلقة بالوالدين في الاعتبار. وأوضحت الدراسة ضرورة قيام أبحاث مستقبلية تدور حول تحديد آثار التعرض لبرامج العنف في وسائل الإعلام على زيادة معدلات إهمال وسوء معاملة الأطفال، كما أوصت الدراسة بضرورة أن تتضمن هذه الدراسة عينة مقارنة من الأباء الذين يمارسون إساءة
معاملة الأطفال.

واستهدفت دراسة هاربر Harper (2003) التعرف على آثار مشاهدة العنف في وسائل الإعلام المرئية على الأطفال. وناقشت الدراسة الآثار السلبية لمشاهدة العنف في وسائل الإعلام على ارتفاع مستويات العدوان، التقليد، التسامح مع العنف المشاهد، حكاية العنف، إزالة آثار الحساسية، الخوف من وقوع الفرد كضحية للعنف.

وأوضحت النتائج وجود أثر لمشاهدة العنف على ارتفاع مستويات العدوان، التقليد ، وباقي متغيرات الدراسة. كما أشارت النتائج إلى وجود فروق في هذه التأثيرات تبعاً لمتغيرات العمر، النوع، المستوى الاقتصادي الاجتماعي. كما أوضحت النتائج أن الأباء أكدوا أنهم على وعي بالمواد التليفزيونية التي يشاهدها أبناءهم. وأوصت الدراسة بضرورة عمل برامج وقائية لحماية الأطفال من الآثار السلبية للعنف المشاهد في الإعلام المرئي. كما أوصت الدراسة بضرورة قيام القائمين على برامج التسلية بوضع تلك الآثار في اعتبارهم عند تصميم البرامج، كما يجب أن تتدخل الحكومة الفيدرالية في ذلك حتى تجنب الشباب والأطفال هذه الآثار.

وناقشت دراسة مارشال Marshall (2004) العلاقة بين أنماط معينة من العنف والعنف المدرسي وبين استخدام وسائل الإعلام. وحاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين العنف والتعرض للعنف في وسائل الإعلام. وتكونت عينة الدراسة من 2.017 طالباً من الصفوف السابع إلى الثاني عشر، وأوضحت نتائج الدراسة أن حجرة الشات Chat room هي المتغير الوحيد المنبأ بتأمل الطالب والتفكير والتخطيط للعنف المدرسي. كما أوضحت النتائج إلى أن المتغيرات المنبئة بالعنف المدرسي هي الذكورة، وارتفاع مستوى تعليم الأم، والعمر، والإقامة في منطقة ريفية. وأوضحت النتائج أيضاً إلى أن استخدام الطالب لحجرة الشات لا يساعد في التمييز بين الأفراد الذين يفكرون ويخططون للعنف المدرسي وغيرهم من الطلاب.

وهدفت دراسة لي وكيم Lee & Kim (2004) إلى التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف المشاهد في وسائل الإعلام وسلوك الشغب والبلطجة في المدارس والتعرف على العوامل والمؤثرات المتداخلة في هذه العلاقة مثل الغضب وإقامة العلاقات أو الصداقات مع الأصدقاء المنحرفين. وتكونت عينة الدراسة من (560) طالباً كورياً في المدارس العليا والذين يقيمون مع والديهم.

وأوضحت النتائج أن تعرض الفرد ومشاهدته للعنف في وسائل الإعلام المختلفة يرتبط ارتباطاً مباشراً بسلوك الشغب والبلطجة في المدارس. كما أوضحت الدراسة أن الغضب وإقامة الصداقات مع الأصدقاء المنحرفين تتداخل في هذه العلاقة. وأثبتت الدراسة صحة النموذج الافتراضي الذي تبنته الدراسة لتفسير العلاقة بين العنف في وسائل الإعلام وسلوك الشغب من خلال المتغيرات المتداخلة.

وتناولت دراسة شيم Shim (2004) المنبئات المرتبطة بمشاهدة الطفل للبرامج التليفزيونية والألعاب العنيفة لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-12 عاماً واستشكفت الدراسة مجموعة متنوعة من المتغيرات: المتغيرات الأيكولوجيةecological  المتغيرات الشخصية، والمتغيرات الأسرية الديموجرافية، ديناميات الأسرة، والعوامل المتعلقة بالرفاق والمدرسة.

وأشارت نتائج الدراسة وأن العوامل المنبئة بمشاهدة البرامج التليفزيونية العنيفة تختلف عن العوامل المنبئة بمشاهدة ولعب الألعاب العنيفة. وتوصلت الدراسة إلى أن العوامل المنبئة بمشاهدة الطفل للبرامج التليفزيونية العنيفة هي أساليب المعاملة الوالدية، وعدد الرفاق لدى الفرد، بينما كانت العوامل المنبئة بمشاهدة الطفل للبرامج التليفزيونية العنيفة فهي أساليب المعاملة الوالدية بما فيها أساليب المعاملة العنيفة والمتشددة. ووجدت الدراسة فروقاً في العوامل المنبئة بمشاهدة البرامج التليفزيونية والألعاب العنيفة باختلال النوع، والعمر، والجماعات المختلفة في المجتمع.

وتناولت دراسة هوبف Hopf (2004) تحليل المشكلات الاجتماعية لدى جماعة الأحداث وآثار متغيرات العدوان والعنف المشاهد في وسائل الإعلام، وطبيعة الموقف الاجتماعي لدى الطلاب في الصفوف من الخامس إلى العاشر في إحدى المدارس الألمانية، وتناولت الدراسة متغيرات التعرض للعنف في وسائل الإعلام، والموقف الاجتماعي، والشخصية، والاستجابات الانفعالية للعنف على الشاشة وفي الواقع. كما تناولت الدراسة أثر انخفاض دخل الأسرة. وتبنت الدراسة نموذج العدوان العام لاندرسون وبوشمان The General Aggression Model of Anderson and Bushman.

وأوضحت نتائج الدراسة أن تكرار مشاهدة العنف في وسائل الإعلام وأنماط الاستجابة الانفعالية لمواقف العنف الحقيقية والخيالية تعتبر عوامل أساسية في تكوين ونشوء العدوان لدى عينة الدراسة. وأشارت النتائج إلى إمكانية تلخيص الآثار التي تحدثها هذه المتغيرات في العدوان في سبعة عوامل هي:

1-      تكرار مشاهدة العنف في وسائل الإعلام.

2-      سيادة الاستجابات الانفعالية لدى المشاهدين. 

3-      المعتقدات المرتبطة بالعنف. 

4-      البغض، الكره والغضب كاستجابة للعنف داخل جماعة الرفاق. 

5-      مشاهدة الأباء لأنماط العنف في التليفزيون. 

6-      الغضب والبغض والكره كاستجابة للعنف الوالدي. 

7-      القيم المادية لدى الأطفال.

وتناولت دراسة سومرفيلد Sommerfield (2004) العلاقة بين أنماط وأساليب المعاملة الوالدية والنوع ودرجة اهتمام الوالدين بمشاهدة وتعرض أبنائهم للعنف في وسائل الإعلام. وقام الباحث بتطبيق استبيانات حول أساليب المعاملة الوالدية ومستوى اهتمامهم بمشاهدة أبناءهم للعنف في وسائل الإعلام.

وأشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود علاقة دالة إحصائياً بين مستوى اهتمام الوالدين تجاه مشاهدة أبناءهم للعنف وبين أساليب المعاملة الوالدية. وأشارت النتائج إلى وجود أثر للنوع على درجة الاهتمام، حيث ترتفع مستويات اهتمام الإناث عن الذكور. وقدمت الدراسة مجموعة من التوصيات حول تعرض الأطفال للعنف التليفزيوني وفي وسائل الإعلام المختلفة وأساليب المعاملة الوالدية ومهارة الأباء في الدعم والبناء.

وحاولت دراسة كرونينبرجر وآخرين Kronenbeger, et al. (2005) التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف في وسائل الإعلام المختلفة ومشكلات التوافق النفسي لدى المراهقين الذين ليس لهم أي تاريخ مرضي بالسلوك العدواني – الفوضوي أو أي أمراض نفسية. وقام الباحث بمضاهاة عينة الدراسة في العمر، والنوع، ودرجة الذكاء والذين ليس لديهم أي تاريخ أو تشخيص للأمراض النفسية باستخدام الدليل التشخيصي الأحصائي للأمراض النفسية Diagnostic and statistical Manual of Mental disorder الطبعة الرابعة ومقارنتهم بعينة مماثلة من المراهقين الذين لديهم اضطرابات السلوك الفوضوي، وتكونت عينة الدراسة من (27) مراهقاً في كل مجموعة.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة متوسطة إلى قوية بين التعرض للعنف في وسائل الإعلام والاضطرابات السلوكية في التقرير الذاتي وتقرير الوالدين لهذه الاضطرابات، وهو ما يشير إلى قوة تأثير التعرض ومشاهدة العنف في وسائل الإعلام المختلفة على الاضطرابات السلوكية خاصة الاضطراب السلوكي الفوضوي – العدواني.

وقارنت دراسة كرونينبيرجر وآخرين Kronenberger et al. (2005) المراهقين ذوي السلوك الفوضوي الذي يصاحبه مظاهر عدوانية وأقرانهم من غير ذوي السلوك الفوضوي في مدى تعرضهم للعنف في وسائل الإعلام. وتكونت عينة الدراسة من 27 مراهقاً في كل مجموعة ممن تراوحت أعمارهم بين 13-17 عاماً. وقام الباحثون بعمل مقابلة معهم حول تعرضهم للعنف في التليفزيون وألعاب الفيديو، وكذا قام الباحثون بتطبيق استبيان على الوالدين يدور حول نفس الموضوعات.

وأوضحت النتائج وجود فروق في مشاهدة العنف في وسائل الإعلام لدى مجموعة الدراسة لصالح المراهقين ذوي السلوك الفوضوي الذي يصاحبه مظاهر عدوانية حيث أشارت النتائج إلى ارتفاع مستوى مشاهدة أفراد المجموعة للعنف في وسائل الإعلام والعنف في ألعاب الفيديو حسب تقديراتهم وتقدير الأباء لها. وأوضحت النتائج أيضاً اتفاق تقديرات الأباء والمراهقين في تحديد مستوى مشاهدة العنف. كما أشارت النتائج إلى عدم وجود أثر لمتغير النوع أو مستوى الذكاء.

وتناولت دراسة براون وهاميلتون Browne & Hamilton  (2005) أثر برامج الإعلام العنيفة على الأطفال والمراهقين. وأشارت الدراسة عقب مراجعتها التحليلية للدراسات التي تناولت هذه العلاقة أن مشاهدة المشاهد العنيفة في التليفزيون والأفلام وألعاب الفيديو وألعاب الكمبيوتر لها آثار قصيرة المدى على إثارة الأفكار والانفعالات وزيادة احتمالية السلوكيات العدوانية أو سلوكيات الخوف لدى الأطفال صغار السن خاصة لدى الذكور. وأشارت الدراسة إلى وجود علاقة قوية غير أنها لا ترقى إلى مستوى السببية ، كما أشارت الدراسة إلى تعدد مكونات متغير العدوان ولم تستطع الدراسة إثبات وجود علاقة بين العنف المشاهد في وسائل الإعلام والجريمة والسلوك الإجرامي بشكل مباشر.

ومن ثم، أبانت نتائج البحوث السابقة آنفة الذكر ما لدور وسائل الإعلام في نشر ظاهرة العنف على قطاعات المجتمع المختلفة.

دور وسائل الإعلام في التصدي لظاهرة العنف:

تستطيع وسائل الاتصال بأشكالها المختلفة أن تتصدى لظاهرة العنف الأسري بأشكاله المختلفة. ولنبدأ بالدور التوعوي والتثقيفي لهذه الوسائل. في الواقع، فإن الحديث عن الجهود التوعوية – التثقيفية يقودنا للوقوف أمام فرضيتين أساسيتين هما:

الفرضية الأولى: وهي فرضية الاتجاه السلبي، تدعي هذه النظرية بأن وسائل الإعلام تساهم في انتشار العنف وذلك من خلال المضامين التي تضعها في متناول الجمهور من خلال التلفاز والصحف والمجلات والفيديو والألعاب السينمائية ... الخ. لذا يطالب أصحاب هذه الفرضية برقابة مشددة على المحتويات الإعلامية العنيفة كالإساءة للمرأة، أو الطفل، أو كبير السن، أو أي فرد من أفراد الأسرة، كما أنهم يرون أن التخطيط البرامجي الهادف مع الرقابة قادران على تحويل وسائل الاتصال إلى أدوات فعالة لمواجهة العنف الأسري.

الفرضية الثانية: وهي فرضية الاتجاه النشط أو المشارك، فيتعدى تصورها نطاق الرقابة والبرمجة البناءة ليصل إلى حد مساهمة وسائل الإعلام ومشاركتها المباشرة والصريحة في التصدي لمشكلة العنف الأسري وذلك من خلال جهود توعوية مدروسة ومتكاملة يتم تنفيذها في إطار سياسة وطنية. وهذا يعني أن وسائل الإعلام يمكن استغلالها عن طريق الحملات الإعلامية التي تسعى إلى استبدال المعلومات الخاطئة حول مفهوم العنف، ومخاطره وآثاره على الأسرة والمجتمع بمعلومات حقيقية ودقيقة وذلك باستخدام وسائل إعلامية مخصصة لهذه الغاية.

وعند الحديث عن استراتيجية إعلامية تحاول التصدي لهذه الظاهرة فإننا في الواقع نتحدث عن سياسة اتصالية تقوم على عدة مرتكزات حتى يتم لها النجاح. ولعل أهم هذه المرتكزات هو إعطاء حقائق رقمية عن طبيعة هذه المشكلة وحجمها ثم خصائص مرتكبيها النفسية والاجتماعية والعمرية والثقافية.

ثم بعد ذلك تحديد من هذه الحملة الجهات المقصودة بالتوعية ؟ ما هي خصائصهم؟ ويدخل ضمن هدف أو أهداف هذه الحملة تحديد مدى الضرر أو الآثار السلبية التي يتركها العنف على الأسرة والمجتمع المحلي والمجتمع الكبير على حد سواء.

ويجب إلا يغيب عن بال القائمين على هذه الحملة أنها يجب أن ترتكز في مضامينها وتوجهاتها على العناصر الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تميز مجتمعنا العربي والإسلامي عن سواه.

ويلعب الدين دوراً أساسياً في هذا المجال حيث أنه يمكن، بل يجب استثماره في توضيح الآثار السلبية للعنف على المجتمع، والإكثار من الآيات الكريمة التي تدعو إلى التسامح والابتعاد عن التهور والجور والظلم. وهنا يستطيع الوعاظ ورجال الدين وأئمة المساجد القيام بدور كبير في هذا المجال.

ويمكن لمديري هذه الحملة الوطنية أيضاً أن يستعينوا بقادة الرأي في المجتمع ليكونوا بمثابة جماعات ضاغطة ومؤثرة في غيرهم. ويلعب قادة الرأي في مجتمعات العالم الثالث بشكل عام أدوار كبيرة في التأثير على بقية أفراد المجتمع المحلي، شريطة، أن يكونوا هم أنفسهم (أي قادة الرأي) مقتنعين بهذه الحملة.

ومن القضايا الأساسية التي تجب مراعتها في تصميم الحملات الإعلامية في مجال التصدي للعنف الأسري هو التصميم الدقيق للرسائل الإعلامية المستخدمة. إذ يستلزم الأمر منهم أن يعرفوا كيف يستخدموا أساليب الإقناع المعروفة كالوضوح، والدقة والصحة، والكمال، واللطف ثم الإيجاز. ومن ثم يمكن تقديم بعض التوصيات في هذا الصدد:

  • التقليل قدر الإمكان من إذاعة أو نشر الأخبار التي تحث على العنف أو تتضمن مفاهيم ذات علاقة بالعنف أو تشجع عليه.
  • تصميم برامج إعلامية توضح فيها حقوق المرأة وحقوق الطفل وكبار السن.
  • تدريب الصحافيين في مجال المسائل المتعلقة بالمرأة والأطفال والأسرة.
  • تدعيم البرامج التي تعالج محتوياتها مسائل وموضوعات تتعلق بالمساواة بين الجنسيين.
  • العمل على تحسين صورة المرأة في وسائل الإعلام المختلفة من خلال برامج تثقيفية توضح ضرورة إلغاء التمييز الممارس ضدها وخطورة ذلك على أبنائها.
  • الابتعاد عن عرض الأفلام أو المسلسلات التي تصور المرأة بأنها ذات عقلية دونية، وإنها ذات عقلية كيدية تآمرية.
  • ابتعاد وسائل الاتصال الجماهيري عن البرامج الإعلامية التي تتعامل محتوياتها مع حلول المشكلات والخلافات العائلية بالعنف والقسوة والقوة والتركيز على حل المسائل الخلافية داخل الأسرة بالتفاهم والمنطق والأسلوب العلمي.
  • ( تسوية الخلافات بالابتعاد عن العنف ).

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الثامن

 

 

 

 الفصل الثامن

العنف الديني

أن العنف من سمات الطبيعة البشرية ، ويكون حين يكف العقل عن قدرة الإقناع أو الامتناع فيلجأ الأنا تأكيداً لذاته ووجوده وقدرته إلى الإقناع المادي أي استبعاد الآخر الذي لا يقتنع على إرادة الأنا ؛ أما مؤقتاً بإعاقة حركته أو شلها لإجباره على إقرار الاقتناع ولو بالصمت وأما نهائياً بإنهاء ذات وجوده.

ويكون العنف دائماً حين يعجز العقل عن الاقتناع ، ويبدأ بعجزه عن الإدراك والفهم أي رفضه ذلك . أي حين يعجز العقل عن ممارسة عمله الأساسي وهو الإحاطة بالأشياء التي حوله والعلاقات بينها أي عن فهمها . فهناك عجز عن العلم والفهم وتعرف الحجة أو انغلاق العقل لغلبة الهوى أو الطمع وفي انغلاق العقل تتكلم اليد.

ويرى أيضاً أن العنف هو الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والاتلاف بالممتلكات . بينما يرى اتجاه آخر أن العنف باعتباره تعبيراً عن أوضاع هيكلية بنيانيه . أي مجموعة من المقومات والسمات الكامنة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع . لذلك يطلق عليه اسم العنف الهيكلي أو البنياني التي تفجر العنف السلوكي الصريح الذي يتضمن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها للاحتجاج على هذه الأوضاع البنيانية والعمل على تغييرها (المتولي ،1995).

ويعد العنف الديني الأعلى ضجيجاً في عالم اليوم ومن ثم في منطقتنا العربية أيضاً؛ ومن المفهوم أن أطراف العنف الديني لابد وأن تكون مستظلة بعلم واحد أو منتمين لدولة واحدة ، يستهدف الصراع سلطتها وإلا تحول العنف الديني إلى حرب دينية شأن الحروب الصليبية على سبيل المثال ، ويتخذ العنف الديني إحدى الصور الآتية: العنف المذهبي؛ ومثال ذلك الصراعات بين البروتستانت والكاثوليك في إطار الدين المسيحي ، وبين الشيعة والسنة في إطار الدين الإسلامي، والعنف الديني الداخلي؛ ويدور العنف في هذه الحالة بين جماعات تتفق في الانتماء لنفس الدين ولنفس المذهب أيضاً ، والعنف الديني الموجه؛ وهو العنف الموجه من جماعة دينية إلى جماعة دينية أخرى (حفني، 2000).

ونرى أن العنف الديني يكمن من ورائه التطرف ، لذا ينبغي ربط ظاهرة التطرف في سياقها الإسلامي بجذورها التاريخية من جهة وظروف ولادتها المعاصرة من جهة ثانية ، وكذلك بحيثيات المناخ السياسي والفكري ، وسيرورة المعرفة الدينية التي تستحضر في خطابي الإدانة والمشروعية لعمليات العنف الإسلامية ، ولا يحتاج المحلل للظاهرة إلى مناقشة مسألة المشروعية الفقهية وصلة العنف بالجهاد نظراً لكثرة الدراسات التي تناولت موضوع الجهاد القتالي وشروطه وعلله ، ولأن الكثير من المتطرفين لا يختلفون في الرؤية الفقهية التي يؤصلها الفقهاء لموضوع الجهاد – مع ملاحظة قلة الزاد العلمي لدى معظم المتطرفين إنما اختلافهم في تنزيل تلك الرؤى على الواقع المعاصر ، وتجدر الإشارة إلى أن معظم دعاة العنف هم ممن درسوا الإسلام خارج مؤسساته التقليدية وممن تلقوا علوماً تقنية في معظمها ، والناشطون الإسلاميون عموماً من معتدلين وغيرهم إنما يتجلى نشاطهم في أورقة غير دينية كالجامعات والنقابات والأندية ... وهذا ما يثير التساؤل لماذا تبرز حركية الدين في أوساط غير المختصين فيه ؟ مع العلم أن غير المختصين عندما يتعلمون الدين إنما يتلقون التعليم نفسه والكتب نفسها لكن بطريقة غير نظامية ، فرؤيتهم لقضايا الحكم والمجتمع ومختلف المسائل واحدة ومن مصدر واحد ، لكن الذي يختلفون فيه هو إسقاط هذه التصورات على الواقع ، وربما يرجحون من الآراء الفقهية ما هو أكثر عملية في تصورهم.

فالاختلاف في موضوع الجهاد هو في تحديد العدو وطبيعة العدوان ، وهذه النقطة إشكالية بالنسبة إلى الفريقين: من يبرر العنف ومن يرفضه ، وترجع إلى تصور المسألة السياسية وتصور العالم وإدراك المتغيرات التي جدت في العالم والسنن التي تسير الكون، لذلك لا جدوى كبيرة من الجدل الفقهي في المسألة لأنه ليس مثار المشكلة الأساسية ، والمرجعية الفقهية هي واحدة في شكل عام.

ما ينبغي التركيز عليه هو التناقض الذي يقع فيه المتطرفون في خطابهم الذي يبررون من خلاله أعمال العنف ، فهم من جهة وفي شعاراتهم يستخدمون لغة دينية بحتة تقريباً فيتحدثون عن المؤمنين والكافرين ، ويصنفون أحياناً كالصليبيين واليهود ، بينما نجد في خطاباتهم التبريرية لبعض الأعمال الحديث عن رد العدوان على بلاد المسلمين وحرماتهم ونهب ثرواتهم والثأر للأبرياء .. مع نفي لقصد استهداف الأبرياء من الضحايا الذين سقطوا ضرورة فقدهم للحيلة في طرق الدفاع عن أنفسهم ، وهذه لغة سياسية يمكن أن تصدر عن أي جهة تمارس العنف بغض النظر عن الدين ، وهذه اللغة تجذب لهؤلاء المتطرفين الكثير من الأنصار والمؤيدين من غير الملتزمين دينياً ، وهذا ما يفسر التعاطف الصامت من جانب شريحة واسعة من سكان العالم مع الحدث الأيلولي في وقته كونه يستهدف قوة مارست الظلم في أنحاء واسعة من العالم ، كما أن هذه اللغة تدعمها طبيعة الجهات المستهدفة من العنف ، والتي تمثلت في مصالح قوى مارست الظلم والاستبداد في العالم أو في مناطق يسودها صراع مزمن ، مما يرجح أن المحرك المباشر أو الأساسي ليس مجرد كفر العدو أو صليبيته إنما ممارسته للظلم والعدوان ، لذلك نجد أن ديانات أخرى ومليارات من البشر في مناطق واسعة من العالم لم تكن محل تهديد من المتطرفين نظراً لعدم انغماس أولئك في العدوان على المسلمين أو دعم أعدائهم أو التسبب في انتهاك حرماتهم، وهذا لا يعني غياب البعد الديني في هذا الخطاب السياسي، فهما ملتحمان ، وربما كان تفكير هؤلاء أن العالم الكافر مستهدف عبر مراحل الدعوة والردود عليها بعد قيام دولة الخلافة ، والأولوية الحالية مواجهة من يقوم بالعدوان.

ملاحظة البعدين ، الديني وذلك من أجل الدعوة وإقامة الخلافة وتطبيق الشريعة ، والسياسي في رد العدوان على المسلمين تجعل التحليل العلمي للظاهرة يتجه إلى عنصرين أساسيين ينبغي التركيز عليهما وهما البعد الفكري والديني والبعد السياسي ، أما الأبعاد الأخرى الاجتماعية والاقتصادية فهي ثانوية في ما يتعلق بالعنف الإسلامي ، ويمكن أن تصلح مفسراً لظاهرة العنف في شكل عام.

ويرى القرضاوي (2004) أن منهج الدعوة في الإسلام قائم على الرفق لا على العنف ، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] ، ومن ثم ، نجد أن الله I أمر عباده المؤمنين أن يتحروا في خطابهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة ، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها ، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن. وهكذا يجب أن يتحرى المسلم "الأحسن" في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه وتعالى {وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

وعن عائشة رضى الله عنها قالت: أستأذن رهط من اليهود على النبي r، فقالوا : السام عليكم ، قلت : بل عليكم السام واللعنة ؛ فقال:  يا عائشة ؛ إن الله يحب الرفق في الأمر كله ؛ قلت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ ؛ قال : قلت : عليكم [رواه البخاري] ، فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم ، بل لووا ألسنتهم ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد ، قالوا : السام عليك ! أي الهلاك والموت . ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة ، ورد عليهم قائلاً : وعليكم ؛ أي الموت يكون علينا وعليكم ، وعلم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله . وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول ، فأولى أن يرفض العنف في الفصل ، بمعنى استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير
موضعها ، أي بالحق والباطل ، وفي العدل والظلم.

إضافة إلى هذا ، يرى السيد ( 2004) أن وراء العنف الديني غياب المشروع الإصلاحي الإسلامي في عصر الإحيائية الإسلامية المتشددة ، وفي عصر الأصولية ، فيقرر أن كل الإحيائيين يطالبون بالاقتصاد ، وعلى هذا الأساس يرسمون مشروعهم الجديد . بيد أن منهجهم لا يترك غير مساحة  محدودة للاقتصاد والتجديد . فالمنهج هو منهج التأصيل . ويعني ذلك العودة المباشرة للقرآن والسنة . وتتجاوز تلك العودة المذاهب الفقهية التقليدية طبعاً ، كما تتجاوز القراءات القديمة والتقليدية للنص القرآني ونصوص السنة.

وإذا عرفنا أن أكثر الإسلاميين ليسوا من ذوي الثقافة الدينية العميقة أو أنهم لم يتأسسوا فيها يظهر لنا أن الخروج على التقاليد الفقهية أو التفسيرية ما كان حرياً به أن ينتج الكثير البناء ، بل ربما أدى إلى عكس المراد من الرجوع إلى تلك التقاليد . ثم إن الإحيائيين والأصوليين عقائديون . والعقائدية – كما هو فكر الهوية – تعني إصغاء لحروف النص ، وليس لمقاصده.

فحتى أولئك الذين عرفوا منهم (أي من الثوار السلفيين في السبعينيات من القرن الماضي وما بعد) آليات عمل الفقهاء، وتدرج الأحكام على خمس مراتب بين الحل والحزمة، ما كانت عقائدهم تمكنهم من الأخذ بالكراهة أو بالاستحسان أو بالإباحة إذ كانت العقائدية تقول لهم: إن ذلك كله يعتبر مساومات وتسويات على حساب دين الله وشرعه. ويمكن مراقبة ذلك في مبحثين أساسيين لديهم، أو في المبحثين الأساسيين في الحقيقة : مبحث الإيمان والكفر ، ومبحث الجهاد.

في المبحث الأول: ما احتاج الأمر إلى التطعيم السلفي، للوصول إلى التكفير. فنظرية أو رؤية الحاكمية بحد ذاتها، والمستندة إلى آيات الحكم المنزوعة من سياقها ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون، والتي اشترك في إنتاجها المودودي وسيد قطب، كفت لدى الكثيرين – في الستينيات والسبعينيات – للقول بجاهلية القرن العشرين، وضلال أكثر المسلمين وسط حنادس تلك الجاهلية الجهلاء.

فالعقائدية الإحيائية لا تعرف غير الأبيض والأسود ، والطهورية الشديدة، والتي لا يمكن الوصول إليها تقريباً ؛ كل ذلك لا يسمح – حتى لدى الذين يعرفون فقه القرآن والسنة – باللجوء إلى التأويل ، أو الاستعانة بآليات التعارض والترجيح .

كلتا الرؤيتين تغيب جماعة المسلمين أو تلغيها ، حتى لدى أولئك الذين لا يقولون بكفر المجتمعات الإسلامية ، بل غفلتها . ويتبدي ذلك في مسألتين مهمتين : إحداهما فقهية ، والأخرى عقدية.

المسألة العقدية وتتمثل في ذهاب سائر الإحيائيين (حتى المعتدل منهم) إلى أن أصل المشروعية في الإسلام يقوم على الشريعة ، وليس على الجماعة . وقد رأى الفقهاء المسلمون قديماً أن الجماعة المعصومة التي تحتضن الشريعة هي الأصل في المشروعية . فقد آمنت بدين الله ، وهي تعيشه ، ويعصمها إجماعها من الضلال ، بل ومن الخطأ والخطل الكبيرين ، من دون أن يشمل ذلك أفرادها طبعاً . أما القول بأن الشريعة هي أصل المشروعية ، فهذا يعني وضعها خارج الجماعة ، وارتهان جماعة المسلمين لحاكم أو قلة تزعم أن الشريعة بيدها.

وأحسب أن هذا كان السبب في الخلاف الكبير بين الخليفة المأمون ، والإمام أحمد ورفاقه فقد اعتقد الخليفة أن القرآن بيده باعتباره "خليفة الله" وأنه يستطيع فرض تأويل معين للقرآن وطبيعته (مخلوق أو غير مخلوق). وليس هذا المجال باللائق للتفصيل في آثار ذلك كله ، وفي تعليل لجوء الفقهاء والأصوليين إلى الإجماع باعتباره السلطة الحامية (رمزياً ونظرياًَ للدين ولبقاء الجماعة التي تحتضن شرع الله).

أما المسألة الفقهية: فتتمثل في الاختلاف حول مفهوم الشريعة أو الأحكام الشرعية ، وهل هي بمقاصدها أم بعللها ؟ فقد اعتقد أكثر الفقهاء المبكرين أن الإشكال ينحل بالقول : إن الأمر مشترك بين العلل والمقاصد . وكان أن وصل فقه العلل إلى أفق مسدود . ليس لأن الأحكام غير معروفة العلل أحياناً ؛ بل ولتحرج كثيرين من العلماء في اللجوء إلى الاجتهاد المطلق عند عدم الوصول إلى العلل ، وبالتالي صعوبة استخدام القياس أو استحالته- أو تحرجهم في توسيع منطقة الفراغ التشريعي التي تعطي الاجتهاد أفقاً كبيراً في ظل أوليات الشريعة وليس خارجها أو بسبب محدوديتها !

والواقع أن فقه المصالح أو فقه المقاصد ، جرى استكشافه وتطويره من جانب المالكية والحنابلة بالذات ، والذين كانوا الأكثر اعتباراً لظواهر النصوص. قال المالكية بالمصالح المرسلة باعتبارها أصلاً رعياً فرعياً أولاً. وقال الحنابلة بفقه المصالح من ضمن تحقيق المناط في مباحث العلة . وقد تبعهم في ذلك الشافعية (ابتداء بالقرن الخامس) ؛ لأن الإمام الشافعي ضيق المسألة من قبل عندما رد على الأحناف بسبب أخذهم بالاستحسان.

وبعد القرن السادس الهجري صار فقه المقاصد شاملاً لدى كل الذين ظلوا يقولون بالاجتهاد ، ويحملون على التقليد الذي استعلت دعوته بعد استتباب المذاهب الفقهية ، واعتقاد كفايتها واستغنائها عن التجديد والتغيير . وغلى فقه المصالح والمقاصد لجأ الإصلاحيون المسلمون منذ أواخر القرن التاسع عشر استناداً إلى نصوص ابن قيم الجوزرية (الحنبلي) ثم الشاطبي (المالكي، صاحب الموافقات).

هذه هي المسألة الأولى، مسألة مرجعية الشريعة مفصولة عن الجماعة. والتي أدت إلى التكفير لدى الإسلاميين المتشددين ، والتي بدت في رؤية الحاكمية في الستينيات والسبيعنيات.

أما المسألة الثانية، مسألة الجهاد فهي مترتبة على المسألة الأولى إلى حد ما . فالجهاد حسبما فهمه فقهاء المذاهب من القرآن ، ومن مسالك تجربة جماعة المسلمين وجولتهم في عالم القرنين السابع والثامن للميلاد ، علته العدوان (من جانب الأمم الأخرى) أو خوفه . فهو يستخدم إذا احتل الآخرون أرضا من أراضي المسلمين أو كان هناك تهديد بذلك . وحتى الجهاد الابتدائي (الذي ما كان عليه اتفاق) إنما هو ضد الخارج أو لكسر شوكته.

أما الإسلاميون المعاصرون ، والذين ألغوا عصمة الجماعة ، أو مرجعيتها ، لقد عمموا الجهاد ليصبح ضد الجميع ، باعتبار أن الجماعة ما عادت قائمة . وتتضح خطورة ذلك من جهتين : الحرب الدائمة من جهة ، واستئثار قلة بالسلطة أو بالحق في الإمساك بزمام الشريعة ، والجهاد ، حتى في مواجهة أولئك الذين كانوا يعتبرون مسلمين ، أو معصومي الدم بالنطق بالشهادتين.

إن انتهاء مرجعية الجماعة يعني أنها صارت مقصودة بالدعوة مثلها في ذلك مثل الخارج غير المسلم ؛ إذ إنه حتى عندما يقال : إن الحكومة هي الضالة، وليس الناس ، لا تعود هناك تفرقة أصلية ، تحول دون مقاتلة الناس باسم الشريعة ، لأنه لا مرجعية لهم ، ولا ضمان لعدم شمول الضلال والإضلال لهم أيضاً.

إن الإسلام الإحيائي والأصولي ، إسلام جديد تماماً . هو إسلام موضوع بيد القلة من الفتيان " الذين زدناهم هدى " كما فهم سيد قطب من النص الوارد في سورة الكهف. وهو أمر مرعب ليس للذين يشنون الحرب على الإرهاب اليوم وحسب ؛ بل – وبالدرجة الأولى – مرعب لكل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين ، يريدون العيش العادي ضمن جماعتهم ، وضمن هذا العالم.

وقد لا يجور الحكم على الإحيائية الإسلامية بما أدت إليه ، أو بما حدث
في 11-9-2001م . وأقصد بذلك أن الناظر لما كان يحدث في الثمانينيات ، ما كان يظن أن شعبة من شعب الأصولية الإسلامية ستكون السبب في صيرورة الإسلام مشكلة عالمية.

ولا شك أن التطورات العقدية والقتالية (الساحة الأفغانية) ليست كافية لتعليل ما حدث ، أو لفهمه بشكل كامل . ففي الثمانينيات من القرن الماضي حدث تمايز واضح بين التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية ، وبين الأصوليين المتشددين ؛ فقد نبذ التيار الرئيسي العنف بشكل كامل ، وانصرف في مصر وغيرها لمحاولة الدخول في الحياة السياسية ، والمشاركة في سائر العمليات الانتخابية وغيرها.

وليس بالوسع الحديث عن خروج من الفكر الإحيائي أو فكر الهوية . لكن الحسم في مسألة العنف أمر شديد الأهمية ، حتى لو لم تظهر الأنظمة العربية والإسلامية تقديراً له ، أو أنها في الأعم الأغلب لم تغير من سلوكها تجاه تلك الحركات ، لجهة السماح لها بتكوين أحزاب سياسية مشروعة ، أو الكف عن ملاحقة أعضاء تلك الحركات ، باعتبار أنهم يقومون بنشاطات لا يوافق عليها القانون. فقبل مدة مثلاً أعلنت السلطات المصرية أنها لم تسمح للإخوان المسلمين بتشكيل حزب سياسي ؛ لأن الدستور لا يقر إنشاء أحزاب على أساس ديني.

وكما سبق القول فإن نبذ العنف من جانب التيار الرئيسي ، يعني أن هؤلاء لا يقولون بجواز القتال داخل المجتمعات " الإسلامية " من أجل الوصول للسلطة ، أو بالأحرى لا يكغرون المجتمعات ولا الأنظمة التي يرغبون في التفاوض معها ، وفي المشاركة في الحياة السياسية المحدودة إن أمكن . على أن هذا "الترشيد" أو"ترشيد الصحوة" ما ترك تأثيراً كافياً على المتشددين ، بحيث يعيدون النظر في أطروحاتهم وسلوكاتهم ؛ إذ إنهم في ذلك الوقت (1985-1995) كانوا منهمكين في النضال على عدة ساحات : في أفغانستان والجزائر والشيشان والبوسنة وألبانيا ، مع نشاط متزايد في الجمهوريات الإسلامية، بآسيا الوسطى والقوقاز ، والتي كانت حركتها الاستقلالية عن الاتحاد السوفيتي المتهاوي تتسارع دونما تغيير كبير في البنية الداخلية ؛ بل في العلاقات الدولية.

ولهذا يمكن القول : إن الأوضاع المضطربة الناجمة عن ضعف الاتحاد السوفيتي ثم انهياره ، أحدثت حالة ثورية في جميع أنحاء العالم ؛ لكن في البلدان الإسلامية بآسيا على الخصوص ، حيث برزت الأطراف الإسلامية المتشددة باعتبارها العنصر الرئيسي المستفيد من حالة الفوضى والقلق وعدم الوضوح والتأكد ، والتي سادت حوالي السبع سنوات بين 1988 (بدءا بخروج السوفيت من أفغانستان) ، و1995 (عندما بدأت محاكمة الشيخ عمر عبد الرحمن في المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمية بنيويورك).

لقد شجعت الحالة الأفغانية والتطورات العقدية ، واستمرار المواجهات ، على ظهور ما عرف فيما بعد بالجهاديين والقاعدة ، وأخيراً السلفية الجهادية . فالأجواء النضالية ، واحتمالات الانتصار ، جعلت هذا الفكر يعتبر أنه ينجح ، وأن هذا النجاح دليل على الصحة.

والحركية النضالية المتشددة لدى التنظيمات الصغيرة ، توازت معها حركية أخرى ، كما سبق القول ، لدى التيار الرئيسي ، باتجاه البعد عن العنف، وإرادة المشاركة ، والنظر الفكري المستجد في المنطلقات والآثار . لكن حركة المراجعة هذه ما بلغت شأوا بعيداً ؛ بسبب فكر الهوية القوى من جهة ، وبسبب عدم التجدد – أشخاصاً وتوجهات – لدى التيار الرئيسي ، وقبل ذلك وبعده ، بسبب الأجواء المقبضة داخليا وخارجيا. فالإقبال على الاعتدال ما لاقى استجابة كبيرة من جانب السلطات ، والتيارات الثقافية السائدة . ثم إن الولايات المتحدة الأمريكية ازدادت صلفاً وعتوا للانتصارية الظاهرة بالفوز على السوفيت . وكان من سوء الطالع قيام صدام حسين وقتها بغزو الكويت ، بعد الاستنزاف الهائل الذي أحدثه غزوه لإيران من قبل.

وكان الحضور الأمريكي الذي بقى قوياً بعد تحرير الكويت ، إشارة إلى الموقع المهيمن للأمريكيين في " النظام العالمي الجديد " من جهة ، وإلى أن الصدام بين الإسلاميين والأمريكيين حاصل وحتمي من جهة ثانية . وهكذا انهمك الطرفان ، المعتدلون والمتشددون ، في مصارعة الولايات المتحدة . المعتدلون بالدخول في جداليات النظام العالمي ، والعولمة ، وصدام الحضارات، والرد على الخصومة المستشرية للإسلام ، والمتطرفون بالكفاح المسلح في ساحات القتال ، وبالسيارات المفخخة ضد السفارات والمصالح وبالانتحاريين في كل مكان.

والواقع أن انسداد الأنظمة أمام الإسلاميين ، وهجمة الغرب والولايات المتحدة عليهم باعتبارهم إرهابيين أو في الحد الأدنى أصوليين ، أسقط – حتى لدى التيار الرئيسي – كل رغبة في الإصلاح والتجديد . فقد أعلن الإخوان المسلمون عام 1994 وثيقة إصلاحية متميزة ، ثم ما لبثوا أن تخلوا عنها بحجة أن أحداً لم يستجب لها . بالإضافة إلى أن الجمهور العام الذي كان يصوت للإسلاميين ، كلما أتيحت له الفرصة ، ما أبدى حرصاً قوياً على التحول والتغيير ، أو أن الأنظمة ما شعرت بضغوط كافية من جانب الجمهور ، من أجل التغيير.

والطريف أن الأمريكيين كانوا يطالبون الأنظمة العربية بالتوجه نحو التغيير الديمقراطي منذ أواسط الثمانينيات . ثم تراجعوا عن ذلك بين عامي 1994 ، 1995 . ودأبت الأنظمة منذ ذلك الحين على الشماته بهم بالقول : لقد قلنا لكم : إن هؤلاء غير مأموني الجانب ! وقد كانت هناك فورة جديدة ومطالبة بالتغيير من جانب الأمريكيين قبل 11/9 وغزو العراق ، وازدادت تلك المطالبة ، وصارت من مبررات الغزو والهيمنة .

ولكن الأمريكيين يعودون من جديد بالتدريج لدعم الأنظمة القائمة ، باعتبار أن الإسلاميين ، معتدلين أو متطرفين ، سيكونون هم البديل في حالة حصول تغيير سياسي ، وهذا أمر ما عاد الأمريكيون يقبلونه بعد 11/9 . هناك إذن مأزق فكري وثقافي يتمثل في تعملق فكر الهوية ، وتراجع الأطروحات الإصلاحية والمنفتحة ، وهناك الانسداد السياسي القاتل ، وهناك الهجمة الأمريكية الشرسة ، وهناك التطرف الذي يتنامى ويتلذذ بالبلاد معتنقوه ، كالقط الذي يحلس المبرد . وبين هذا وذاك وذلك ، تنتشر حيرة هائلة بين الجمهور ، تدفع على الانكماش ، وتستجر المعاناة ؛ فيتقوقع الناس قابضين على الجمر بين الأسى واليأس والتحدي.

ويعتقد المفكرون المسلمون أن علة العلل في انحطاطهم وضعفهم إنما هي في انهيار مشروع الدولة في عالم الإسلام ، وضرورة إحيائه وتجديده . ثم كان هناك من حسب أن التجديد الديني (فتح باب الاجتهاد ، وإطلاق فقه المصالح) يعين على انتصار المشروع الجديد للدولة . ثم قيل إن التجديد الديني ضرورة ؛ لأن التخلف له أسباب ذاتية متعلقة بالأفكار والممارسات الدينية . ثم قيل : إن كل هذه الأفكار والمحاولات ما أدت إلى تقوية مشروع الدولة ؛ فضلاً على أنها تهددت الدين ، وتهددت الهوية ، وهدمت وعي المسلمين بالوحدة . ولذلك فالمطلوب ليس التجديد الديني ، بل الحفاظ بالوسائل والطرق الملائمة على الهوية الدينية والثقافية للناس . ثم قيل : إن أقوى الأسباب لحفظ الدين ، تكون باستيلائه على الدولة ، لكي تفرضه سلطة شرعية على الناس من أجل خيرهم وسعادتهم.

والآن ينقسم المثقفون والمناضلون إلى فرقاء . يقول فريق كبير : إنه لا أمل في شئ قريب ، والأفضل الانصراف عن محاولة أي تغيير حتى لا يستفيد الخصوم من انكشافنا واعترافنا بالضعف . ويقول فريق آخر : إن الغرب – وفي طليعته الولايات المتحدة – هاجم على الإسلام ، ولابد من الدفاع عن النفس ، بالوسائل المتاحة : بيانية وثقافية وبالقوة المسلحة ، حسب الإمكان في كل حالة . ويقول فريق ثالث : إن الإصلاح الديني ضروري  للخروج من المأزق ، الذي لا يقتصر على الهجمة الأمريكية ، بل يتناول أيضاً الاتجاهات الأصولية والمحافظة في الفكر الديني ، وفي الممارسة الدينية . ويسلم فريق رابع بأطروحات المصالح وضروراتها ؛ لكنه يرى أن الإصلاح الديني عملية طويلة ومعقدة وتتطلب عملاً بعيد المدى وعلى مستويات عدة . بيد أن المطلوب في المدى القصير والمتوسط ، ولكي يكون الإصلاح الديني ممكنا وناجحاً ، الانصراف بكل الطرق والوسائل للإصلاح السياسي الذي يساعد – ولا شك – في تسهيل الإصلاح والتجديد في الدين.

والواقع أن هذه الأطروحات جميعاً مشعرة باليأس الذي يعتور المثقفين والعرب والمسلمين ، بشكل عام . ولا علة لذلك إلا هذين الأمرين الحاضرين ، واللذان يذكرهما الجميع وفي كل مناسبة : الحملة الأمريكية الشرسة على العرب ، وبالذات بعد 11/9/2001 ، عجز الأنظمة عن التغير والتغيير للخروج من الضعف والاستضعاف . وأضيف هنا سبباً ثالثاً وهو ضعف إرادة التغيير لدى المثقفين والجمهور ، بحيث صار الأمريكيون ، وصارت الأنظمة ، العذر في كل شئ.

إن سوء الأوضاع الحالية لا يعني أن شيئاً لم يحدث على الجبهات الدينية والثقافية والسياسية في عقود القرن العشرين. وكان الصحافي والكاتب المعروف غسان تويني رحمه الله قد ذهب – في حوار صدر في كتاب بالفرنسية – إلى أن القرن العشرين قرن ضائع ومأساوي بالنسبة للعرب بالذات، أو كما قال في العنوان: قرن للاشئ ! وكيف يمكن الذهاب لذلك، ونحن نملك ثقافة عربية حديثة واحدة، ونملك لغة، وصارت بفضل جهود المثقفين قابلة لمعارف العصر وجهوده وإنجازاته ونملك في الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية إقبالاً على الروح الإسلامية ما عرفناه منذ حوالي المائتي عام وأكثر ؟ !.

إن ما يجري في المجال الإسلامي بالذات ، مخاض كبير ؛ فقد حدث التحول من الإصلاحية إلى الإحيائية على خلفية تحطم التقليد الإسلامي. ونرى أنه قد أنجزت إنجازات كثيرة في هذا المجال ، حتى من جانب الإحيائيين . ولسنا الآن بين أحد خيارين ، النجاح أو الفشل في المجال الإسلامي ؛ بل الأحرى القول : إننا نواجه مشكلات كبرى ، قابلة للحل ، وإنه لولا الجهود السابقة لما أمكن أن تكون لهذه المشكلات حلول . فعلى سوء ما حصل ويحصل، أرى أن هناك أوضاعاً جديدة الآن ، وما عاد الرجوع للوراء ممكنا . ولولا الهجمة الأمريكية لأمكن القول : إن " العنف الإسلامي " سيكون وراءنا قريباً.

وهناك في الحقيقة توجهان أساسيان : التوجه الذي يحاول تجديد التقليد ، والمزاج الإسلامي العام قريب من هذا التوجه.والتوجه الذي لا يرى أملاً في العودة للتقليد ولو بقصد تجديده. أو العودة للإصلاح بالمعنى الذي عمل له محمد عبده ومدرسته. والواقع أن الإسلام السني يعاني منذ عقود من مسألة غياب المرجعية ، ومن تراجع التقليد الإسلامي الذي ترعاه المؤسسات العريقة ، مثل الأزهر والقرويين والزيتونة وديوبند . والمرجعية في الإسلام السني بالذات لا تقع على عاتق مؤسسة محددة ؛ بل هي روح ، كانت تسمى الجماعة . وهذا معنى القول : إن الإحيائية جددت هذه الروح وأطلقتها من عقالها . لكنها وهي تفعل ذلك ، ضربت التقليد والإصلاح على حد سواء ! والمطلوب الآن أن تزول الأصولية أو تتراجع لكي لا يفقد هذا العالم الضخم المنفتح في الأصل حيويته الجامعة ، والإمكانيات الكبرى التي يمتلكها للسلام مع النفس والعالم.

وفي هذا السياق بالذات تأتي مسألة الدولة . فالدولة الحقيقية مطلوبة الآن، .. لتدبير الشأن العام بما يصون الوجود والمصالح . وباستقامة مشروع الدولة في عالم الإسلام ، أو اتجاهه للانتظام ، تتغير بالتأكيد وظائف المشروع الإسلامي وتوظيفاته . ذلك أن الخوف على الهوية ناجم عن ضعف مشروع الدولة أو قلة نجاحه ، واعتقاد الإسلاميين أنهم يستطيعون بالاستيلاء على الدولة إنجاح المشروع ، لاستناده آنذاك إلى الشريعة المعصومة.

وقد أشار غرايبة (2004) إلى أن العمل الإصلاحي قد بدأ بمبادرات مشروعات نهض بها مصلحون ومفكرون مثل محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ، وجمال الدين الأفغاني في مصر والدولة العثمانية ، ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر ، وعبد الرحمن الكواكبي في الشام ، وسعيد النورسي في تركيا ، ومحمد بلحسن بلحجوي وعلام الفاسي في المغرب ، وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي في الجزائر، والطاهر عاشور في تونس ثم في حركات تحررية واستقلالية مثل السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان والمريدين في القفقاس.

ثم استوعيت هذا التراث الإصلاحي والنهضوي حركات إسلامية منظمة وشعبية مثل الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا تلميذ رشيد رضا ، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية ، والحركة الإسلامية الشيعية في إيران ، والحركة الإسلامية في تركيا (حزب السلامة ، ثم حزب الرفاه ، ثم حزب الفضيلة ، ثم حزباً السعادة والعدالة والتنمية).

وتطور مشهد العمل الإسلامي اليوم إلى خريطة معقدة وشاملة تشمل دولاً قامت على أساس حركات وأفكار إسلامية أو متأثرة بها ، مثل السعودية وإيران والسودان وأفغانستان ، وتجارب ومحاولات للحكم والمشاركة السياسية مثل حزب الرفاه ثم حزب العدالة والتنمية في تركيا ، والجبهة الإسلامية وحركة مجتمع السلم وحركة الإصلاح في الجزائر ، والحركة الإسلامية في اليمن والأردن ، وحركات مقاومة للاحتلال مثل حماس والجهاد وحزب الله ، كما تشمل أحزاباً سياسية تشارك في الحكم والحياة السياسية والعامة ، ومؤسسات إسلامية كالمنظمات الدولية والإقليمية والجامعات والبنوك والشركات ومنظمات الإغاثة ومراكز الدراسات والصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفاز.

ونشأت أيضاً حركات إسلامية تتخذ من العنف والتطرف وسيلة للعمل والتغيير ، مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر ، والجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر ، وشبكات وخلايا إسلامية منتشرة في العالم يعتقد أنها تنظمها شبكة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ، ويعتقد أنها مسؤولة عن مجموعة كبيرة من أحداث العنف أهمها بالطبع تدمير برجي مركز التجارة العالمية في نيويورك أو ما اصطلح على تسميتها بأحداث 11 سبتمبر / أيلول 2001.

بالإضافة إلى مجموعات أخرى كثيرة ارتبطت بأحداث معينة أو سلسلة من المواقف ، مثل جماعة انصار الإسلام في كردستان ، والجماعات السلفية الجهارية التي يعتقد أنها مسؤولة عن مجموعة من أحداث العنف في اليمن والسعودية وإندونيسيا ، وهناك أيضاً جماعات مسلحة ترتبط بمطالب استقلالية أو انفصالية في الفلبين والشيشان وكشمير.

ويمكن ملاحظة خصائص جديدة للمشهد الإسلامي مختلفة عن المرحلة السابقة أهمها صفتان أساسيتان هما:

الأولى هي الصعود الكبير للحركات السلفية الجديدة القائمة على العنف والمقاومة والتطرف ، واجتذابها أعداداً كبيرة من المتطوعين والمؤيدين ، وقدرتها على تنظيم أعمال مقاومة مسلحة ، كما يحدث اليوم في أفغانستان والعراق ، أو القيام بعمليات عنف مسلح كما حدث في الولايات المتحدة وإندونيسيا والسعودية واليمن وأفريقيا ، ولا يستبعد أن تكون وراء انقطاع التيار الكهربائي الذي حدث مؤخراً في الولايات المتحدة وبريطانيا ، وربما تكون عملياتها في أفغانستان والعراق أكبر بكثير مما يبدو في وسائل الإعلام الخاضعة جميعها للحصار والمراقبة.

أما السمة الثانية فهي انتقال مسؤولية الجهود الإصلاحية من الحركات المنظمة إلى حالة مجتمعية تنهض بها شبكة من الحكومات والمؤسسات والجماعات والأفراد.

ويمكن ملاحظة ذلك في حالة التدين المنتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى في دول لا يوجد فيها حركات إسلامية منظمة مثل العراق وسوريا، فالمساجد اليوم تمتلئ بالرواد من الناس الذين لا ينسق وجودهم فيها جماعة كما كان الأمر قبل 20 سنة أو أكثر، حين بدأت الصحوة الإسلامية بالنمو والانتشار ، ولكن الإقبال على المساجد حالة مجتمعية عامة، وكذلك الأمر في استثمارات ومؤسسات قائمة على اتجاهات التدين الجديدة مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين، ورحلات الحج والعمرة، والحجاب، وأشرطة الكاسيت، والإعلام وغيرها من البرامج.

وبالطبع فإنهما تحولان كبيران يؤشران على انحسار أو تغير في أدوار ومهمات الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية والتي حققت سيادة مطلقة على المشهد الإسلامي السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين إلى ما قبل نهايته بقليل.

الإسلاميون الجدد:

يبدو القرن الحادي والعشرين في بدايته وكأنه سيشهد تحول مجموعة من الحركات الإسلامية برغم عراقتها وحجمها إلى مرحلة تاريخية ، خاصة وأن قطاعاً كبيراً من الشباب والمجموعات قد تجاوزها ، فلم يكن خروج مجموعة من الشباب في مصر عن المسار التقليدي والعام لجماعة الإخوان المسلمين ليؤسسوا جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية مجرد حدث عابر أو مثل كل عمليات الخروج والانقسام التي عرفتها الجماعة.

وربما يكون أيمن الظواهري وجماعه الجهاد وليس أسامة بن لادن مفتاح فهم التحولات التي جرت في الحركة الإسلامية ، فقد كشفت الثمانينيات في مصر والتسعينيات في أفغانستان أن جماعة الجهاد المصرية تقود تحولات كبرى في الحركة الإسلامية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

وكان قادة ونشطاء الجهاد مؤهلين أكثر من غيرهم للمبادرة والقيادة في وسط الشباب الإسلامي غير المتعلم وغير المنظم والمقبل بزخم وحماس على برامج المقاومة المسلحة في أفغانستان ، وأفكار العنف والتطرف ممن لم تستوعبهم الحركة الإسلامية التقليدية وربما لم تعرف عنهم شيئاً ولم تلتفت إليهم.

لقد تأثر جيل الشباب في الستينيات بهزيمة 1967 ، وربما كان إعدام سيد قطب عام 1966 بداية تفاعل ومد إسلامي يرى الجهاد سبيلاً للنهوض ومقاومة أنظمة الحكم.

وسافر أيمن الظواهري عام 1985 إلى باكستان ثم أفغانستان ، وهناك أعاد بناء تنظيم حركة الجهاد وجمع خيوط التنظيم في يديه بمساعدة مجموعة معاونين وقادة لجؤوا إلى أفغانستان ، واستقدم الملاحقين والفارين من التنظيم ، ووجد الشباب في أفغانستان فرصة غنية للعمل والتدريب بحرية مثالية.

وانتقل الظواهري بصحبة أسامة بن لادن ومعهما مئات الشباب العرب إلى السودان عام 1993 ، وبعضهم هاجر إلى اليمن . وكان يجري ترتيب دخول الشباب مرة أخرى إلى مصر للقيام بعمليات تنظيمية وعسكرية.

وبعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان عام 1996 هاجر الشباب إلى أفغانستان مرة أخرى وبدأت تحولات فكرية وتنظيمية وسياسية مهمة منذ الهجرة الثانية إلى أفغانستان ، فقد أعلن عن تشكيل حركة الجهاد العالمية ، والواقع أنه منذ العام 1993 بدأت حركة الجهاد تنفيذ عمليات عسكرية في مصر مثل محاولة اغتيال اللواء حسن الألفي وزير الداخلية السابق، ومحاولة اغتيال عاطف صدقي رئيس الوزراء السابق ، ويتوقع أن هذا التحول بدأ بضغط من معاوني الظواهري وبتأثير تنافسي للجماعة الإسلامية ، وكان قبل ذلك يرى عدم جدوى مثل هذه الأعمال بل وخطورتها على العمل الإستراتيجي وبعيد المدى والنظر.

وكانت القضية الفلسطينية في العمل الجهادي هامشية ثانوية ، ذلك أنها كانت في نظر جماعة الجهاد مرحلة تالية لقتال العدو القريب وفي إحدى نشرات الجماعة الصادرة في إبريل / نيسان 1995 " المجاهدون " قال الظواهري بصراحة ووضوح " لن نفتح القدس إلا إذا حسمت المعركة في مصر والجزائر وإلا إذا فتحت القاهرة ".

ولكن حدث تحول مهم عام 1998 عند الإعلان عن " الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين " وبدأ التحريض الواضح ضد المصالح الأميريكية وضربها بالفعل كما في تفجير السفارتين الأميريكتين في أفريقيا والمدمرة الأميربكية كول في عدن.

ويجب التمييز هنا بين العنف والتطرف فقد يكون التطرف فكرياًَ غير مرتبط بالعنف ، وقد يكون بعض التطرف مطلوباً للالتزام الأيديولوجي وزيادة الفاعلية والقدرة على التأثير ، ويجب التفرقة بين العنف كأسلوب طارئ قد تستدعيه ظروف معينة وكونه جزءاً من فكر الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

وهذا استدراك يجب استدعاؤه عند ملاحظة حالة الجزائر التي تشهد حالة من العنف المتبادل بين الجماعات الإسلامية والحكومة الجزائرية وقواتها المسلحة والأمنية بعد استدراج هذه الجماعات إلى العنف بغير إرادتها ، فقد قبلت هذه الجماعات باللعبة السياسية الديمقراطية في الجزائر ، ولكن الجيش والنخب العلمانية والقوى الدولية لم تقبل بنتيجة هذه الانتخابات التي جاءت عام 1991 لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، ودفعت الجزائر إلى حالة صراع كارثية هي أسوأ في نتائجها وآثارها بالتأكيد من الآثار المتوقعة لوصول الجبهة الإسلامية إلى الحكم إذا كانت الجبهة بالفعل تخطط لتحولات جذرية في
السياسة والمواقف.

ويرجع العديد من المحللين جذور التطرف الديني إلى فكر سيد قطب وحكمه بارتداد المجتمع عن الإسلام وتردي هذا المجتمع في الجاهلية لرفضه حاكمية الله ، واستخدمت فئة من الشباب هذه الفكرة أساساً لتغيير الواقع ورفضه والعمل على تغييره بالقوة.

وإذا كان اتجاه الحركة الإسلامية إلى الاعتدال يمثل رغبة حقيقية وجادة فإن ذلك يعتمد على النظم السياسية والمجتمعات إضافة إلى الحركات الإسلامية نفسها ، ويبدو أن الحكومات العربية والإسلامية غير جادة في دفع الحركات الإسلامية إلى العمل السلمي ، ولا تريد الديمقراطية ابتداء.

وكانت أحداث 11 سبتمبر / أيلول ثم الاحتلال الأمريكي للعراق مرحلة جديدة من المواجهة بين الإسلاميين الجدد والولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية والإسلامية ، وأسست هذه الأحداث لمواجهات كبيرة وضخمة يبدو مؤكداً أنها ستؤدي في محصلتها لنهاية الحركات والتنظيمات الإسلامية القائمة على العنف والتطرف.

لكن الولايات المتحدة أيضاً لن تكسب الحرب وإن كان يتوقع أنها ستكسب المعركة ، فانتصارها على هذه الحركات سيكون على الأرجح شبيهاً بانتصار بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية ، فقد كسبتا الحرب وخسرتا أهميتهما وقوتهما ، وعادت ألمانيا واليابان المهزومتان أكثر تقدماً وقوة وعنفوانا.

من الإسلام السياسي إلى الإسلام:

يبدو المشهد القادم للعالم الإسلامي خالياً من الحركات والجماعات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة ، فقد استنفدت الأولى أغراضها ولم تعد قادرة على استيعاب التحولات الإسلامية والمجتمعية ، والمتطرفة أيضاً ستتعرض لملاحقة وتصفية دون رحمة بل ستكون مطاردتها وتصفيتها بالنسبة للولايات المتحدة وللأنظمة السياسية كلها مثل رحلة صيد ممتعة.

ولكن الإسلام سيبقى حاضراً يصوغ المجتمعات ويسهم في تشكيل مستقبلها، كما إنه وسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي وحركة اجتماعية تعبر عن قوة اجتماعية مضطهدة أو مهمشة في المجتمع ضد قوى التسلط والطغيان ، وكان الدين أداة لتحرير الشعوب مثل تحرير اليهود من قبضة فرعون ، وكان وسيلة لجمع القبائل وتأليفها كما في الجزيرة العربية.

ويلاحظ أن الإسلام يسجل حضوراً متجدداً في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية ، ولم تعد السياسة تملك أن تعبر عن نفسها بمعزل عن الدين ، ليس فقط بالنسبة للذين أتقنوا دائماً الصلة بينهما كالإسلاميين، بل حتى بالنسبة للذين جربوا باستمرار تجاهل ورفض تلك العلاقة.

إن الإسلام – بالتعريف – عقيدة وثقافة وحضارة ، ,وأما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية دون زيادة أو نقص ، وهذا لا يعني تجاهل إنجازات الحركة الإسلامية المعاصرة وتضحياتها ، فقد بذلت وحققت الكثير في صوت هوية الأمة ، وتحرير الأرض من الاحتلال ، ومواجهة الاضطهاد والتهميش ثم هي قوة سياسية رئيسية بين الشعوب العربية والإسلامية استعادت بعض توازنات علاقات الصراع الداخلي بين المجتمع والسلطة.

وأضافت الحركة الإسلامية للعمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا دينيا استنهض طاقات الأمة وعبأها ، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه السلطة السياسية لتجعله عملاً شعبياً واسع النطاق ، واستعادت الأمة هذا الكنز الروحي المصادر وأعادت حيويته الوظيفة الاجتماعية والتحريرية للإسلام ليكون سلاح المستضعفين في مواجهة الطغيان والاستضعاف.

وبالطبع فإن اختفاء الحركات الإسلامية القائمة اليوم إن صح هذا التقدير لن يكون مفاجئا أو يتم مرة واحدة ولكن الجيل القادم سيعتبرها على الأغلب تراثاً أو تجربة تاريخية كما ينظر جيلنا على سبيل المثال للحركات اليسارية والقومية وكما ينظر لرموزها وقادتها الباقين على قيد الحياة . ومن ثم فإن الحديث عن مستقبل الحركة الإسلامية يبقى وجيهاً وقائماً ومطلوباً.

ونود في هذا المقام أن ننقل حديث أحد الشباب في كيفية مواجهة التطرف والعنف الديني، حيث يقرر أن هناك غياباً كاملاً للخطاب الإسلامي المستنير المعتدل الذي يبين للشباب الطريق الصحيح في فهم الإسلام وأخلاقه وتعاليمه ووظيفته الاجتماعية، بل أن هناك غياباً لخطاب اجتماعي إرشادي يناقش أزمات الشباب ومشاكلهم ويقدم لهم مفاتيح فكرية ومعرفية تساعدهم على تلمس الطريق في واقع صعب ومرير.

نعم، هناك فراغ هائل يملؤه عدد من الوعاظ أو " المتطرفين " الذين يسممون عقول الشباب برؤى متشددة تجاه المجتمع والناس ، تختزل كل تعقيدات الواقع السياسي ومساوئه بمقولات مثالية مطلقة ، وذلك في ظل واقع سياسي واجتماعي كفيل بخلق شروط التطرف والعنف لدى الشباب ، ومزاج شعبي عام غاضب تشكل جماعات العنف والتطرف الديني أحد إفرازاته السلبية التي تمثل مؤشراً واضحاً على اتجاهاته.

لقد كنت أحد الشباب الأردني الذين ولد وعيهم السياسي على نتائج الهزائم والحروب ، وأنهيت دراستي الثانوية وأنا على أعتاب العشرين ، وشعرت بمرارة الهزيمة بعد حرب الخليج الثانية ، الأمر الذي دفعني – كما دفع كثيرين من أبناء جيلي – بطريقة أو بأخرى إلى دخول عالم التدين من السياسة أو العكس ، فأمضيت سني الجامعة الأولى وأنا ما زلت أعيش صدى الهزيمة التي كانت تصرخ في أعماقي ، فأشعر بتأنيب الضمير والغضب الشديد من هذا الواقع ، وكأني مسئول عن تغييره ، ولأن الاتجاه الإسلامي المهادن لم يكن ليلبي طموح الشباب الراديكالي اتجهنا إلى الأفكار المتشددة والتي كانت تنتشر بقوة في وسط الشباب ، وهو العنصر المهيأ فكرياً ونفسياً لتبني مشروع مغامرة " الراديكالية السياسية والاجتماعية " والسعي إلى التغيير بالقوة الحالة التي مرت بها في سني الشباب الأولى ؛ هي بالتحديد التي تشرح وتفسر الأسباب التي ترمي بأبنائنا إلى أحضان التطرف وتدفع بهم إلى التورط في اتجاهات سياسية خاطئة نتيجة الضعف الشديد في الخبرة السياسية والإمكانيات الفكرية ، والنتيجة هي تحول هؤلاء الشباب من جيل نعلق عليه أمالنا إلى " حالة أمنية خطيرة " تعبر عن اتجاه فكري راديكالي لعله يجد في أحضانه " المثالية " السياسية والاجتماعية المفقودة في واقعه المرير.

فهناك العديد من الشباب المحكوم عليهم اليوم بقضايا أمن الدولة ، يمضون فترة السجن ، وقد كانوا في الدراسة الجامعية من المتميزين بالاستقامة الدينية ، أو ممن أقبلوا على التدين بحثاً عن حالة من الطهر والنقاء ؛ وليسوا من ذوي الميول الإجرامية ، لكنهم صدى لهزيمة سياسية نعيشها جميعاً ، وظروف غير صحية يغيب فيها الخطاب الفكري المستنير الموجه ، فيضل الكثيرون طريقهم بحثاً عن الحل والمخرج.

ومن خلال خبرتي في دراسة وتحليل الاتجاهات الإسلامية المتطرفة وحركات العنف في الأردن ، أكاد أجزم أن متوسط أعمار الشباب المتورطين بهذه الجماعات يقع بين 22-23 عاماً ، أي أنهم لم ينضجوا فكرياً أو نفسياً بعد، وكثير منهم بحاجة فقط إلى وقت وخبرة كي يدرك مثالية وضعف التصورات التي دفعتهم إلى الأفكار والآراء المتطرفة التي اعتنقوها.

وبالتأكيد هناك شروط سياسية قاهرة لا تملك الدولة ولا المجتمع تغييرها، كالعدوان الأمريكي والإسرائيلي والتي تتكفل بتوفير شروط ممتازة لاتجاهات العنف الداخلي ، إلا أن المؤسسات الرسمية والثقافية تمتلك الكثير لتقدمه في معالجة هذه الظاهرة ؛ ومن ذلك تبني أو رعاية خطاب إسلامي مستنير تجاه المجتمع والشباب ، يقدم الإسلام من خلال مقاصده وأهدافه العامة بعيداً عن " التفسيرات النصوصية الجامدة " ويناقش حجج الفكر الديني المتطرف ، ويفندها، ويرشد الشباب المسلم إلى الوظيفة الاجتماعية والسياسية الصحيحة للإسلام في عالم اليوم ، وأدوات ومنافذ التعبير الإيجابي عن الإصلاح السياسي والاجتماعي المطلوب.

كما أن المطلوب اليوم هو عدم الاكتفاء بالمحاكمة القضائية للشباب المتورط في قضايا العنف وإنما تولي عدد من العلماء المعتدلين والمفكرين الإسلاميين بإشراف من الحكومة مناقشتهم داخل " الإصلاحيات " ومواجهتهم بأفكارهم ، والعمل على تخفيف العقوبات على من يعود منهم عن أفكاره ورؤاه المتطرفة ، ويقوم بمراجعتها ، وهذا الحل قد طبق بطريقة وبأخرى داخل السعودية واليمن وأتى بنتائج جيدة ، وبالفعل تم الإفراج عن عدد كبير من الشباب ، كما أن مصر قد وفرت الكثير من الدماء والجهد عندما أعلن قادة الجماعة الإسلامية عن مراجعة أفكار الجماعة وأدبياتها ووصلوا إلى الاعتراف بالخطأ الكبير الذي وقعت به الجماعة باتخاذ منهج العنف والقوة والتشدد في فهم الإسلام ، وقد أدى ذلك إلى إنقاذ مستقبل عشرات الآلاف من الشباب الذين كانت تستقطبهم الجماعة ، نعم كانت إجراءات السلطة والأجهزة الأمنية فاعلة في التقليل من آثار العنف والتطرف ، لكن فعاليتها أقل بكثير من قدرة الفكر والخطاب المقنع على ذلك ، وساهمت السلطة إلى حد ما بإنجاح مبادرة الجماعة الإسلامية من خلال فتح المجال لقادتها – داخل السجون – في إقناع الشباب بمبادرة وقف العنف ، وأسبابها ، الأمر الذي أدى إلى نتائج كبيرة.

ما أريد الخلوص إليه هو أن "المنظور الأمني" وحده غير كاف للتعامل مع الفكر والجماعات الإسلامية المتطرفة ، ولابد من وجود " الحلول المتكاملة " والرؤى الوقائية التي تجنب الوطن والمجتمع حالة النزيف من خلال إهدار مستقبل مئات الشباب ، الذين دلفوا إلى العنف بنوايا طيبة لكن برؤى ومناهج خاطئة ، والمسؤولية أولاً وأخيراً تقع على عاتقنا جميعاً : الحكومة والمؤسسات الثقافية والكتاب والمفكرين.

في هذا السياق يجدر التنبيه على خطورة الرؤية التي تحاول الإدارة الأمريكية تسويقها في العالم العربي، والتي تبنت ضرورة دعم الاتجاهات الإسلامية التقليدية لمواجهة الإسلام المسلح، كما أن هناك عدداً من الكتاب والخبراء الأمريكان يدعون اليوم إلى تشكيل تحالف مع كل القوى العربية المعادية للإسلام المسلح، مهما اختلفت توجهاتها ومواقفها، بما في ذلك القوى الدينية والإسلامية التقليدية، أقول من الخطأ الكبير تبني هذه الرؤية داخل مؤسساتنا ودوائرنا الرسمية، فهذه الرؤية تعبر عن ضحالة وضعف كبير في التصور، وهي أولاً وأخيراً تعكس المصالح الأمريكية في المنطقة وليس مصالح مجتمعاتنا ودولنا؛ فمن رحم التيار التقليدي السلفي يولد التطرف والعنف، وهذا التيار وإن هادن الحكومات قليلاً وابتعد عن السياسة علنا؛ إلا أنه يزرع أفكار التشدد والعنف والرفض داخل المجتمعات، وهي التي تساهم في نضوج حالة من التطرف لدى العديد من الشباب الذي يخرج من عباءة هذا التيار، وهناك الكثير من الأدلة على ذلك.

htf://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contented=6059.

وعلى المستوى الامبيريقي، وجدنا قلة من البحوث التي أجريت في المجتمع الغربي في مجال العنف الديني فقد تبنت  دراسة بيندا وآخرون Benda, et al. (2000) نموذجاً نظرياً للعنف يتكون التعبير عن التدين ومكونات الارتباط ، التوتر ونظريات التعلم الاجتماعي. وتكونت عينة الدراسة من (325) طالباً مراهقاً من الطلاب في إحدى المدارس العليا في إحدى المناطق الحضرية التي تقع على الشاطئ الشرقي لأمريكا . واستخدم الباحث أساليب التحليل الخطى وتحليل المسار لتحليل البيانات.

وأشارت النتائج إلى وجود علاقات مباشرة وغير مباشرة بين التعبير عن التدين والعنف وهو ما يتعارض مع التراث النفسي الذي يشير إلى وجود علاقة بين التعبير عن التدين وانخفاض إدمان الكحول في المجتمعات التي تسيطر عليها الأخلاق الدينية دون غيرها من المجتمعات.

وناقشت دراسة ديبلاسيو وبيندا DiBlasio & Benda (2001) آثار التدين والتسامح Forgiveness على العنف بين المراهقين. وتكونت عينة الدراسة من 10189 مراهقاً من الطلاب في خمس مدارس عليا . وقام الباحثان بتطبيق أدوات لقياس الارتباط attachment، وحب المسيح Love of Jesus، والتسامح، والعنف البدني.

وأشارت النتائج إلى وجود علاقة موجبة بين الارتباط، وحب المسيح، وتقدير الذات والتسامح، بينما وجدت الدراسة علاقة سالبة بين التسامح والعنف البدني، ووجدت الدراسة علاقة إيجابية بين إقامة الفرد لعلاقات صداقة مع المنحرفين والجانحين وبين العنف، وأشارت النتائج أيضاً إلى أن الذكور والسود  تزداد بينهم سلوكيات العنف.

وترى إنه لكي نخفف من وطأة العنف الديني ، فإنه يجب على المؤسسات الدينية أن تقوم بدور بارز في مكافحة العنف من خلال وظائف ثلاثة لها هي: الإفتاء، الوعظ، والإرشاد، والدعوة. ويختلف الإفتاء عن الفقه من جانب أن الفقه هو معرفة حكم الشرع من أدلته التفصيلية بصرف النظر عن مدى ارتباطه بحادثة أو واقعة .. في  حين نجد أن الفتوى هي حكم الشرع في نازلة ما ومن ثم فهي تربط الفقه بالواقع ، والفقه والإفتاء يعبران عن حالة اجتهادية، فالفقيه والمفتي والقاضي مجتهدون يبذلون جهداً للوصول إلى الحكم الشرعي. والإفتاء إما أن يكون رسمياً صادراً عن مؤسسة دينية حكومية وإما أن يكون الإفتاء غير رسمي. وقد انتشر الإفتاء غير الرسمي في السنوات الأخيرة بعد أن خصصت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية مساحة في برامجها للمفتين من رجال الدين كما وأن بعض الجماعات وخاصة الجماعات المتسترة باسم الدين لا تعترف بالفتاوى التي تصدرها مؤسسات الإفتاء بدعوى أن المؤسسات الرسمية للإفتاء مسيسة تأتمر بأمر السلطة وتفتي بما يحقق مصالح الحكام لا مصالح الدولة.

ومن أهم واجبات المؤسسات الدينية التصدي للفتاوى المضللة وإقامة الحجة على مخالفتها للدين الإسلامي الحنيف . ويتطلب ذلك أن تتعاون وسائل الإعلام مع  المؤسسات الدينية في اختيار من يفتي السائلين في برامجها حتى لا يحدث ما حدث في برنامج قناة فضائية عربية في شهر إبريل عام 1999م عندما شجع تساهل ضيف البرنامج وجرأته في فتاويه لدرجة التفرد في بعض المواقف ، شجع هذا التساهل امرأة اتصلت بالبرنامج تليفونياً من عاصمة أوروبية غربية ، على أن تسأل عن السند الشرعي لعدم سماح الإسلام للمرأة في الزواج من أربعة رجال أسوة بالرجل فلم يحر جواباً لكنه قال أنه لا يأتي هذا التصرف المحرم سوى الكلاب ، وكان من الواجب أن يبين لها أن مرد ذلك إعلاء شأن المرأة ومنع اختلاط الأنساب وحماية حقها في الإنجاب ، فقد ثبت من الدراسات المتقدمة أن المرأة التي تمارس الجنس مع غير زوجها أكثر عرضه للإصابة بسرطان الرحم من غيرها ثم أن الإسلام لم يسمح للرجل بالزواج بأكثر من امرأة إلا إذا توافر شرط القدرة والعدل وهما شرطان نادراً ما يتحققان. وعدم توافر الشروط المطلوبة في المفتي تجعل من المحتمل إصدار الفتاوي التي تدعو للعنف.

والوظيفة الثانية للمؤسسة الدينية هي الوعظ والإرشاد وميدانها الأول هو المسجد الذي لا ينكر أحد دوره العظيم في التأثير على الجماهير ، وكلما كان إمام المسجد وخطيبه على دراية واسعة في علمه منهجه وأسلوبه كانت استجابة الناس أقوى وأسرع. ولكي تكون المساجد مراكز للإشعاع الديني والثقافي والحضاري يجب تزويدها بالأئمة المؤهلين شرعياً وعلمياً وخلقياً لإلقاء خطب الجمعة والدروس الدينية اليومية التي لا تقل أهمية عن خطب الجمعة حيث تناقش فيها كثير من الأحداث اليومية التي تهم المصلين وهي خير وسيلة لمكافحة الإرهاب والتطرف ومن الأفضل تثبيت الأئمة في المساجد ليتعرفوا أكثر على مشكلات بيئتهم المحلية ويتفاعلوا معها ويساهموا في حلها.والذي يؤخذ على بعض الخطباء تجهمهم أثناء إلقاء خطب الجمعة أو الدروس الدينية وتركيزهم على الترهيب بالنار وإغفالهم التبشير بالجنة رغم عملهم بسماحة الدين الإسلامي وبرحمة الله التي وسعت كل شيء.

ففي سورة الرحمن نجد الآيات 41 ، 43 ، 44 تنذر المجرمين الآثمين بالنار بينما الآيات 46 ، 48 ، 50 ، 52 ، 54 ، 56 ، 58 ، 60 ، 60 ، 64، 66 ، 68 ، 70 ، 72 ، 74 ، 76 ، تبشير من خاف مقام ربه بجنتين وتصف ما ينتظرهم من النعيم ، وفي سورة الواقعة الآيات 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14، 15 ، 16 ، 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، 21 ، 22 ، 23 ، 24 ، 25 ، 26، 27 ، 28 ، 29 ، 30 ، 31 ، 32 ، 33 ، 34 ، 35 ، 36 ، 37 ، 38 ، 39، 40 ، 88 ، 89 ، 90 ، 91 تبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة ونعيمها ، بينما الآيات من 41 إلى 56 والآيات 92 ، 93 ، 94 تنذر الضالين المكذبين بالجحيم حيث يأكلون من شجرة من زقوم ويشربون من الجحيم شرب الهيم. ومن ثم يجب على الوعاظ ألا يغفلون التبشير حتى يحببوا الناس في حياة خالية من الإثم.

      والوظيفة الثالثة للمؤسسات الدينية هي الدعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الدعوة لكي يحيى كل شخص منهج الله في كل أموره يؤدي شعائره خاشعاً فيها بحيث يقبل على الله في كل صفاء خالياً قلبه من الحقد ولسانه من اللهو وفكره من الزيغ وأن يعمل مخلصاً ابتغاء وجه الله الذي طالب كل إنسان بالعمل ووعده بثوابه في الدنيا والآخرة ، وتمارس المؤسسات الإسلامية وظيفة الدعوة من خلال قوافل التثقيف الإسلامي التي تذهب إلى مراكز الشباب وأماكن التجمعات لإظهار الصورة الحقيقية للإسلام وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي يروجها دعاة التطرف والعنف والإرهاب. والمؤسسات الإسلامية العربية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بأن تدعو لتوحيد الصف العربي والإسلامي اقتصادياً وسياسياً وتوحيد الجهود والآراء من أجل مجابهة الأعداء واستعادة الأمجاد ، كما أن المؤسسات الإسلامية مطالبة بالتعاون فيما بينها على الصعيدين العربي والإسلامي ومن باب أولى على الصعيد الوطني من أجل الاتفاق والإجماع على الفتوى في القضايا الخلافية المستجدة حتى لا يحدث التضارب أو التنافض الذي يفتح الباب أمام الجماعات المتسترة باسم الدين لسد الثغرات بفتاويهم المضللة خاصة وأن كثيراً منهم لم يقرأوا كتاباً واحداً في الشريعة ولم يتتلمذوا على يد علماء ولا يعرفون من الدين سوى آيات وأحاديث معدودة يكررونها ويفسرونها كما يحلو لهم ويجدون فيها تبريراً لموبقات يرتكبونها ويشجعون من يقعون في حبائلهم على ارتكابها ، ولكن المؤسسات الدينية لن تنجح في أداء رسالتها إلا إذا تطابقت أفعال العلماء والأئمة والدعاة والوعاظ مع أقوالهم.

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل التاسع

 

 

 

 الفصل التاسع

العنف الجنسي

لا يحبذ المجتمع العربي مناقشة الموضوعات المرتبطة بالجنس؛ فلا يزال يعتبر إلى حد كبير من المحذورات والممنوعات، فإن الخوض في هذا الموضوع يعد خروجاً على الأخلاق العامة التي تعارف عليها المجتمع ومساساً بالأعراف والتقاليد التي تحكم هذا الموضوع وتدبره.

ويأتي موضوع العنف الجنسي؛ وخاصة الاغتصاب والذي يعد انحرافاً جنسياً خاصة إذا كان المعتدي عليها فتاة صغيرة أو امرأة مسنة كما قد يحصل في بعض الحالات، بمعنى أن الضحية لم تأت على أي فعل يشجع المعتدي على ما قام به حيث يظهر فعل الاغتصاب على اعتبار أنه فعل إجرامي محض.

ويقصد بالعنف الجنسي لجوء الآخر إلى استدراج الضحية  - سواء طفلاً أم امرأة – بالقوة والتهديد ، إما لتحقيق الاتصال الجنسي ، أو استخدام المجال الجنسي مثل التحرش الجنسي ، والشتم بألفاظ نابية ، والإجبار على ممارسة الجنس ، والإجبار على القيام بأفعال جنسية شاذة.

وقد يقع العنف الجنسي داخل نطاق الأسرة أو في خارجها وفي كلتا الحالتين يخاط بالتكتم الشديد والحيلولة دون وصول الحالات إلى القضاء والشرطة، لأن من شأن ذلك الإساءة إلى سمعة الأسرة ومستقبل أفرادها في المجتمع . ومن ضروب العنف الجنسي داخل نطاق الأسرة ، إجبار الزوجة عنوة بطريق الضغط والإكراه على ممارسة الجنس، أو اللجوء للأساليب المنافية للأخلاق والدين. كذلك التحرش الجنسي من قبل الذكور في الأسرة بالإناث.

أما العنف الجنسي أو التحرش الجنسي الذي يقع خارج نطاق الأسرة فقد يتخذ أشكالاً متعددة مثل الاغتصاب، والتحرش الجسدي والجنسي في الشوارع والمواصلات العامة أو في الأماكن المزدحمة، أو التحرش من قبل أرباب العمل بالفتيات أو بالأطفال، أو من خلال إجبار الأطفال على نشاطات جنسية متنوعة.

ويعد الاغتصاب هو الشكل الأكثر عنفاً للعنف الجنسي ، وهو مشكلة جادة وخطيرة ، والدليل على ذلك أن هناك مؤشرات تدل على أن حوالي من 14 إلى 25% من النساء تعرضن لممارسة الجنس بالقوة وضد رغبتهن وإرادتهم ولو لمرة واحدة أثناء حياتهم الجنسية في الدول الغربية (السمري، 1999). ومن ثم، فإن مشكلة الاغتصاب  ليست مشكلة ذات طبيعة محلية، بل هي مشكلة عالمية، ومع ذلك فإن ظروف ارتكابها ودوافعها والسمات الشخصية لمرتكبيها تختلف من مجتمع إلى آخر.

إضافة إلى هذا، قد يتعرض الطفل إلى الإساءة الجنسية ويتمثل هذا في استخدامه لإشباع الرغبات الجنسية لبالغ أو مراهق. وتشمل الإساءة تعريض الطفل لأي نشاط أو سلوك جنسي ويتضمن غالباً التحرش الجنسي بالطفل من قبل ملامسته أو حمله على ملامسة المتحرش جنسياً . ومن الأشكال الأخرى للاعتداء الجنسي على الطفل المجامعة وبغاء الأطفال والاستغلال الجنسي للطفل عبر الصور الخلاعية والمواقع الإباحية.

وللاعتداء الجنسي آثار مدمرة على الأطفال فهم لا يستطيعون أو لا يرغبون الكلام عن الإساءة الجنسية، ومما يجعل الموضوع أكثر تعقيداً هو أن العلامات السريرية لهذه الإساءة نادرة الحدوث، وعليه يتم البحث عن المؤشرات السلوكية، والتي بدورها لا يوجد مؤشر سلوكي وحيد يعتبر تشخيصياً. وقد تشمل العلامات السريرية المحتملة للإساءة الجنسية صعوبة في المشي أو الجلوس، الملابس الداخلية قد تكون ملوثة ببقع أو دماء، وجود ألم، وحكة، وكدمات، وتمزقات، ونزف بالأعضاء التناسلية الخارجية، وحدوث مرض جنسي معدي أو التهابات بالمسالك البولية، أو حدوث حمل.

وإلى جانب هذا، تشمل المؤشرات السلوكية لضحية الإساءة الجنسية سوء النظافة العامة، والانعزال، الاخفاق في تكوين علاقات اجتماعية، وتجنب الملامسة الجسدية للبالغين أو حتى للأطفال، والتبول اللاإرادي، وكوابيس، ومص الإبهام، وأرق، واضطرابات بالنوم، والكآبة والتوتر، ومعرفة جنسية تماثل معرفة البالغين، والجنوح والانحراف والهرب من المنزل، والفشل الدراسي والإدمان ، ومحاولات الانتحار.

الاغتصــاب:

أجمعت الدراسات المقدمة كافة على أن جرائم الاغتصاب من أكثر أشكال العنف التي تتعرض لها المرأة ويتم التكتم عليها من المرأة نفسها ومن الأسرة ولا تلقى ترحيباً من المجتمع، وبخاصة الدوائر الرسمية، فعادة ما تحاط هذه الجرائم بكثير من السرية على اعتبار أنها تقع تحت بند الجرائم الجنسية.

ومن الصعوبة معرفة الحجم الحقيقي لهذه الجرائم على وجه الدقة، خاصة في البلدان العربية. أما في الدول الغربية ؛ وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تبين أن لديها أعلى معدلات للعنف الممارس ضد المرأة، بل وتتعدد أشكاله؛ فقد أظهرت دراسة للمعهد الوطني للعدل بالولايات المتحدة الأمريكية أصدرها في سبتمبر 2002م أن عدد الطالبات اللاتي يتعرضن للاغتصاب سنوياً يصل إلى 350 طالبة بين كل 1000 طالبة، واكتشفت الدراسة التي تم إجراءها على طالبات الجامعات أن طالبة من كل عشر طالبات قد تعرضت لاعتداء جنسي قبل التحاقها بالكلية، وأن 9% من الضحايا يعفين الأشخاص الذين اعتدوا عليهم، وفي الغالب يكون هذا المغتصب صديقاً مقرباً أو أحد معارفها.

موقف المجتمع من الاغتصاب:

تساهم كل من المرأة وحتى الفتيات الصغيرات منهم والأسرة والمجتمع في عملية التكتم على الإبلاغ عن عمليات الاغتصاب ، وأن اختلفت الأسباب لكل طرف.

فالمرأة لا تبلغ عادة إذا ما تعرضت لعملية الاغتصاب خوفاً من الفضيحة وخوفاً من أن تتهم بعدم الحفاظ على نفسها ، إلا إذا تم ذلك في مكان عام وافتضح الأمر.

وتخشى المرأة أن تبلغ عن تعرضها للاغتصاب إذا لم تكن متزوجة خوفاً من أن تفقد فرصة الزواج مستقبلاً ، أو أن تتعرض للطلاق إذا كانت متزوجة.

وجاء في دراسة علمية ما يؤكد ذلك، حيث ترى أن شكل التنشئة الذي تخضع له الفتاة منذ الصغر قائم على بند واحد هو الحفاظ على عذريتها ، ومن ثم أعدادها لتكون زوجة وأما. وأن أقصى درجات الأذى الذي قد يلحق بها مستقبلاً هو عدم حصولها على فرصة للزواج.

وبعد الزواج تنتابها الهواجس خوفاً من أن تفقد هذا الزواج ، فيصبح الطلاق أقصى عقوبة قد تتعرض لها المرأة . وخطورة أن تتعرض الفتاة أو المرأة للاغتصاب يأتي من مساسه المباشر بهذين الجانبين ، جانب استمرارية هذا الزواج.

ولا يختلف موقف الأسرة عن موقف المرأة في هذا الجانب ، ذلك أن المرأة تتبنى أفكار أسرتها، التي هي أفكار المجتمع، وتستعرض الدراسة ذلك على النحو التالي ... ومن أجل الحفاظ على عذرية الفتاة فإنها تؤنب وتحذر وتخوف دائماً من سلوكها ، وتزرع فيها الخوف من العالم الخارجي ، وبخاصة عالم الرجال ، فهي تنشأ محاطة بمخاوف أهلها عليها ، ويتطور هذا الخوف إلى خوف على نفسها من خلال مخاوف أهلها عليها.

فضمن هذا النظام الصارم في تربية الفتاة نجد أن الأسرة والمجتمع لا يتعاطفان مع من يتعرضن لجريمة الاغتصاب ولا يرغبن في الإبلاغ عنها خوفاً من الفضيحة التي ستحدث عند الإبلاغ، وما يتبع ذلك من تحقيق ومحاكم، والحرج الناشئ عن نظرة الناس إليهن ، تلك النظرة التي تجعلهن يشعرن كأنهم هن اللاتي أجرمن، ذلك أن المعاملة التي تلقاها النساء المغتصبات، سواء من رجال الشرطة عند الإبلاغ عن الجريمة أو من جهاز العدالة أثناء المحاكم تسبب لهن ارتباكاً شديداً إذ ينظر إليهن المعنيون في خبث وارتياب، ويبالغون في توجيه الأسئلة التي تتناول أدق التفاصيل وغالباً ما يعتبرون أن الضحية كانت سبباً في وقوع الجريمة سواء لأن منظرها جذاب أو لأن سلوكها فيه شئ من الليونة، فتصبح الضحية وفق هذه المفاهيم شريكاً في الجريمة ، تقف جنباً إلى جنب مع الجاني أمام العدالة.

اغتصاب الفتيات في إطار الأسرة:

أشارت بعض الدراسات إلى وجود ظاهرة اغتصاب الفتيات داخل الأسرة Incest حيث تغتصب الفتاة الصغيرة من قبل أحد أفراد الأسرة كالأب أو الأخ أو أحد الأقارب كزوج الأخت أم العم .. الخ. ولم تشر أي من هذه الدراسات إلى توافر إحصائيات رسمية حول هذه الظاهرة ، فقد جاء فيها أن المتعارف عليه هو يغتصب الرجل المرأة، لكن هناك نوعاً آخر من الاغتصاب يجري ضمن العائلة الواحدة، أحد طرفيه هو الرجل، وضحيته الأخت أو الابنة، والرقم ليس بالقليل لكن لم تتوافر أي معلومات رسمية حول هذا الموضوع.

ولقد اعتمدت تلك الدراسات على أسلوب المقابلة الشخصيةن ي

 للوقوف على أبعاد هذه الظاهرة ، فتبين أن الاعتداء على الفتيات الصغيرات يتجاوز حدود العنف الأسري ، ليشمل العنف في إطار مؤسسات المجتمع.

وغالباً ما تتخلى الأسر عن بناتها المغتصبات عند إيداعهن في دور الرعاية، أو حتى في السجون. ولا يقتصر الأمر على ذلك، في حالة ما إذا اعتدى الأخ على أخته الصغيرة فغالباً ما تتدخل الأسرة لصالح الجاني وتعمل على تخفيف الحكم عليه لدى المحكمة. هذا إذا ما أتتضح الأمر وبلغت القضية إلى المحكمة. لكن عدداً من الأطباء المختصين في الطلب النفسي ممن تم إجراء مقابلات معهم يرون إن الاعتداء الجسدي على الفتيات الصغيرات غالباً ما يتم التكتم الشديد حوله من قبل الأسرة.

ومن ثم، فإن الاغتصاب جريمة عنف وتمرد واحتجاج مرضى قبل أن يكون لمجرد الحصول على اللذة ، إنه رغبة في هتك نسيج المجتمع وفض بنيانه قبل أن يكون هتكاً لعرض أو فض لغشاء ، وانتشاره في أي مجتمع هو دلالة على حال مرعب، وعلامة على انهيار سريع وتفكك مريب ، والأهم أنه مؤشر خطير على مدى العنف المكبوت الذي لا يجد له منفذاً إلا في جسد المرأة، ومتنفساً في كيانها وروحها . والمغتصبة تنتهك روحياً قبل أن تنتهك جسدياً ، ويزحف التصحر العاطفي على خضرة مشاعرها وتفتح عواطفها ورغبتها في الحياة ، وعندما ينشب ذئب النذالة والرعب أظافره في جسدها فهو في الوقت نفسه يجرح أنوثتها وإنسانيتها وابتسامتها ، فينقلب حنانها
قسوة ، وتنقلب رقتها شراسة ، ويتحول الحنان إلى فزع ، والإقبال على الحياة إلى رعب من مجرد الانتساب إليها. 

الاغتصاب ظاهرة تهدد المجتمع:

إن الاغتصاب كجريمة جنسية رهيبة تعد ضمن الإرهاب الجنسي ، ليس بظاهرة جديدة مستحدثة ، ولكنه ظاهرة قديمة عادت إلى المجتمعات كلها في مشرق الأرض ومغربها بقوة تبدو ظاهرة في زيادة حجمها عن المعتاد من قبل، واتساع مداها فلم تعد المرأة الضحية فقط ، وإنما الأطفال من الجنسين ، وفي كثير من الأحوال أصبح الاغتصاب جماعياً أي يقوم به أكثر من معتد ، ولقسوة القلوب وتطور الجريمة أعقب الاغتصاب في كثير من الأحيان قتل الضحية لمحاولة إخفاء الجريمة.

ومن الأنصاف القول : إن المجتمع حالياً هو شريك فعال في جرائم الاغتصاب ، فخرج النساء خارج بيوتهن للعمل وتبرجهن والاختلاط اليسير بين الجنسين وارتفاع سن الزواج ، وبطالة الرجال وعدم قدرتهم على التمتع بحياة زوجية سعيدة في سن الشباب والرجولة والأنوثة والفورة الجنسية ، والإعلام الهابط الحقير الذي يؤدي إلى الهياج الجنسي المستمر والدائم للجنسين كل ذلك وغيره أدى إلى استفحال الداء حيث أصبح مرضاً خطيراً يصيب المجتمعات كلها بلا استثناء.

ويمكننا القول بأن الاغتصاب بأنواعه هو الابن الشرعي لتحرر المرأة والدعوة إلى مزيد من التحرر ، وإذا استمر الحال على ما هو عليه ، فسيصبح الاغتصاب ظاهرة اجتماعية حية تعيش في المجتمع وسيألفها.

حجم جرائم الاغتصاب:

"تبلغ أكثر من عشرة آلاف جريمة سنوياً ، وللأسف لا يتم الإبلاغ عن 2% فقط ، وفي الصعيد المصري لا يتم الإبلاغ عن حالة واحد ويعزي المجدوب (1993) صعوبة معرفة الحجم الحقيقي لظاهرة الاغتصاب إلى تفضيل الفتاة وأهلها تكتم الأمر ، لأن الجيران والأهل وحتى المعنيين بالمسؤولية يلقون اللوم على الفتاة في كثير من الأحيان لمظهرها المغري ، أو سلوكها المتساهل ... الخ الأمر الذي يؤدي إلى تعذر زواج الضحية بعد ذلك إذا كانت لم تتزوج ، أو إلى طلاقها إذا علم زوجها بما حدث .  إن معظم حالات الاغتصاب تحدث لفتيات صغيرات تحت 18 سنة الكثيرات منهن تحت سن البلوغ ، وفي حوالي 85% من الحالات يكون المغتصب معروفاً للطفلة الضحية مثل الجار أو المشرف أو المدرس أو القريب أو زوج الأم أو الخادم أو السائق. ومع انتشار إدمان المخدرات والكحوليات والمنشطات والانحرافات السلوكية ، أصبحنا نشهد جرائم اغتصاب المحرم من نساء الأسرة فنجد الابن الذي يغتصب أمه أو أخته والعم الذي يغتصب ابنة أخته والخال الذي يغتصب ابنة أخته أو حتى الأب الذي يغتصب ابنته وغير ذلك من جرائم يشيب معها الوالدان . والمغتصبون أشكال وألوان يمارسون الإرهاب والتسلط وإظهار القوة على الشخصية وينتمي المغتصبون إلى مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية . والمغتصب في ممارسته لهذا الحدث الإجرامي البشع ، لا يهتم بموافقة الضحية أو رضاها وإنما تتسلط عليه نوازع شتى وتدفعه أهداف شريرة منها ممارسة التسلط وإظهار القوة على الضحية أو إرهابها أو إذلالها وإهانتها وتحقيرها والحط من شأنها . وفي 8-45% من الحالات ينهي المغتصب العملية الجنسية في الدقائق العشرة الأولى ويتبعها بالإيذاء النفسي والبدني للضحية  الذي يتطور إلى قتل الضحية ، واغتصاب الإناث أكثر أنواع العنف الموجه ضد المرأة وأشدها تدميرا للروح والنفس والبدن وله آثار حادة وأخرى مزمنة على الضحية وعلى أسرتها قد تمتد إلى نهاية العمر ، وهذه الحالة يطلق عليها متلازمة حادث الاغتصاب.

وحقيقة أن الاغتصاب هو إعدام لحياة امرأة بدأ بإعدام عرضها والاعتداء الجسدي عليها، ولا يمنعنا هذا من إغفال دور المرأة في تشجيع الغير على اغتصابها سواء بتصرفاتها غير الدينية بين تبرج وسفور وخروج من بيتها دون سبب شرعي ، أو مشاركتها الفعلية في الاتفاق على الاغتصاب لإجبار أهلها على تزوجها من المغتصب ، فقد أثبتت الدراسات أن 80% من حالات الاغتصاب تمت برضاء المرأة.

إذن التحرر باسم حرية العواطف وحرية المرأة في جسدها وباسم إباحة الحب والغرام قبل الزواج هو من أسباب الاغتصاب كما تجدر الإشارة إلى أنه في حالات كون المغتصب من أقارب المغتصبة فهذا يعني أن السبب هو الاختلاط لا ضابط من آداب الحجاب الإسلامية ، كذلك انشغال الأم عن الأسرة لعدم تفرغها للبيت والعمل خارجه (السيد، 2004).

العنف الجنسي في زمن الحرب:

أن العنف الجنسي جريمة وحشية كثيراً ما ترتكب ضد النساء في زمن الحرب ، ويستخدم هذا النوع من العنف من أجل التعذيب والإيذاء وانتزاع المعلومات والإهانة والإذلال والترهيب والمعاقبة على أفعال حقيقية أو مزعومة تنسب إلى النساء أو أفراد عائلاتهن . كما يستخدم العنف الجنسي – خاصة هتك العرض – بغرض التطهير العرقي في منطقة ما عن طريق نشر الخوف ، وإكراه الأفراد على مغادرة المنطقة .

ويحظر القانون الدولي الإنساني هتك العرض وجميع أشكال العنف الجنسي التي ترتكب في وقت الحرب ، وتتضمن اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لها لعام 1977 مبادئ قانون الحرب ، والتي تنص على أن العنف الجنسي ليس أمراً حتمياً في النزاعات المسلحة ويجب منعه والوقاية منه.

ويتعين على الأطراف في النزاعات المسلحة ضمان عدم وقوع هتك العرض أو أية صورة من صور العنف الجنسي في أي وقت ، كما يجب أن يتلقى حاملو السلاح تعليمات واضحة ويخضعون لتدريبات كثيرة بهدف حظر العنف الجنسي ضد النساء والرجال والبالغين والأطفال أما الأشخاص الناجون من حوادث العنف الجنسي ، فيجب حمايتهم من أي هجوم أخر وتلقيهم العلاج المناسب من الآثار الجسدية والنفسية التي تخلفها مثل هذه الجرائم ، ويجب أن يتم العلاج بصفة سرية وخصوصية مع مراعاة الحساسيات الخاصة بالثقافة المحلية . إن احترام المرأة وحمايتها في زمن الحرب يجب أن يصبح حقيقة واقعة.

        ولقد قام عدد من الباحثين بدراسة العنف الجنسي ضد الطفل والمرأة في علاقته ببعض المتغيرات النفسية والاجتماعية. فقد هدفت دراسة مونستار Moonstarr (1999) إلى التعرف على العلاقة بين التفاؤل ، التعاطف ، وجهة الضبط ، درجة تقبل العنف البيشخصي، والنوع على اعزاءات لوم الاغتصاب rape blame وذلك في أربع مواقف تجريبية مختلفة . وتعتبر المواقف الأربعة عبارة عن تغيرات أربع في سيناريو واحد للاغتصاب وتقدم هذه المواقف تصوير إيجابي أو سلبي للشخصية أو تصوير إيجابي أو سلبي للسلوك الذي يقوم به الضحية . وقام الباحث بقياس الجوانب السلوكية والشخصية للإحساس باللوم لدى الضحية. وتكونت عينة الدراسة من (321) طالباً جامعياً في جامعة هوارد وافترضت الدراسة أن الأفراد الأعلى تفاؤلاً ، والأكثر تعاطفاً ، وذوى وجهه الضبط الداخلية ورفض العنف البيشخصي يتجهون نحو لوم سلوك الضحية للاغتصاب أكثر من لوم الشخصية ، كما افترضت الدراسة اختلاف هذه النتائج باختلاف النوع ووصف الضحية .

وقد أشارت النتائج إلى تحقيق الفروض جزئياً حيث أتضح أن سلوك الضحية أكثر من الشخصية تؤثر على اعزاءات لوم سلوك أو شخصية الضحية كما أوضحت النتائج أنه بغض النظر عن وصف الضحية ، فإن الرجال يلومون شخصية الضحية أكثر من النساء. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الطلاب فوق سن الخمسة والعشرين عاماً يضعون مدى أقل من اللوم السلوكي على ضحية الاغتصاب.

وحاولت دراسة بوتز Butz (2000) التعرف على المنبئات المحتملة بالعنف الجنسي لدى الذكور من المراهقين. وتكونت عينة الدراسة من (80) مراهقاً من الذكور الذين تراوحت أعمارهم بين 10-18 عاماً. وقام الباحث بمقارنة 57 من العنيفين جنسياً، و23 من غير العنيفين في متغيرات تاريخ وقوع الفرد كضحية للعنف والعدوانية والسيكوباتية.

وأوضحت النتائج أن مجموعة المراهقين العنيفين جنسياً لديهم عدد أكبر من الضحايا ومدى أكبر من العنف مع ضحاياهم ، كما أن لديهم تاريخ سابق من الاعتداء البدني . كما وجدت الدراسة فروقاً في بعض المتغيرات الشخصية حيث يرتفع لديهم الاتجاه نحو حل الصراعات عن طريق العدوان والتعبير عن العدوانية ، وارتفاع مستوى الاندفاعية ، وانخفاض مستوى التعاطف.

وناقشت دراسة سيمونسون Simonson (2001) العلاقة بين ادراكات الاعتداء الجسمي ، الجنسي ، والنفسي وبين الخبرات الشخصية للعنف البيشخصي  interpersonal violence، ومشاهدة العنف الوالدي والمعتقدات الجنسية. وتكونت عينة الدراسة من مجموعة من الطلاب من الذكور والإناث (ن=216) أغلبهم من القوقازيين (83%) والذين تم الحصول على استجابتهم حول سلوكيات الاعتداء أثناء العلاقات الجنسية الشاذة والاتجاهات نحو أدوار النوع الذكرية والأنثوية، وسلوكيات العنف في العلاقات الجنسية، وخبرات مشاهدة العنف الزواجي بين الوالدين، والاتجاه نحو الاستجابة المرغوبة اجتماعياً.

وأوضحت نتائج الدراسة عدم وجود علاقة بين المعتقدات الجنسية وادراكات شدة العنف البيشيخصي . بينما وجدت الدراسة علاقة موجبة بين خبرات العنف البيشخصي ومشاهدة العنف الزواجي بين الوالدين وادراكات شدة العنف البيشخصي . كما وجدت الدراسة علاقة بين خبرات العنف البيشخصي ومشاهدة العنف الوالدي . وأوضحت النتائج عدم صحة الافتراضات القائمة على النظرية النسوية Feminist والتي تفترض وجود علاقة بين المعتقدات الجنسية وخبرات العنف البيشخصي ، بينما دعمت النتائج صحة افتراض هذه النظرية القائل أن الرجال لديهم مدى أكبر من المعتقدات الجنسية ومدى أقل من شدة العنف البيشخصي.

وتناولت دراسة سكوت Scott (2002) العلاقة بين الاكتئاب والغضب لدى السيدات اللاتي وقعن ضحايا للاعتداء الجنسي والعنف العائلي . وافترضت الدراسة أن ضحايا الاعتداء الجنسي في الطفولة والسيدات اللاتي يتعرضن للعنف العائلي ترتفع لديهن مستويات الغضب والاكتئاب . كما افترضت الدراسة وجود علاقة موجبة بين الغضب والاكتئاب، وتكونت عينة الدراسة من ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى ( ن= 34) من السيدات اللاتي وقعن ضحايا للاعتداء الجنسي في الطفولة، المجموعة الثانية ( ن=34) من السيدات التي يتعرضن للعنف العائلي، بالإضافة إلى مجموعة ضابطة ( ن=34) من السيدات اللاتي لم يتعرضن للعنف العائلي أو الاعتداء الجنسي. واستخدم الباحث مقياس بيك للاكتئاب Beck Depression ومقياس غضب الحالة والسمة State - Trait - Anger لسبيلبرجر.  وأشارت نتائج الدراسة إلى ارتفاع مستويات الاكتئاب لدى المجموعتين الأولى والثانية عن المجموعة الضابطة. كما أشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة موجبة بين الاكتئاب والغضب.

وناقشت دراسة فريشيز Feriches (2002) العنف العائلي والاغتصاب الزواجي martial rape ومحاولة الوقوف على أسباب هذه العنف الجنسي وذلك من خلال ثلاث نماذج: الأول : يركز على خصائص شخصية الضحية أو مرتكب العنف فقط وهى النظريات ذات التوجه الفرديindividually oriented theories الثاني: هي النظريات ذات التوجه العائليFamily oriented theories وهي تلك التي تركز على الأسرة الأصلية للفرد الضحية أو مرتكب العنف ، الثالث: النظريات ذات التوجه البنائيStructural theories وهي تلك التي تركز على البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع.

وأوضحت نتائج الدراسة أن العنف العائلي والاغتصاب يعتبران نتيجة لميكانزمات مختلفة ، وأن الحوادث السابقة للعنف العائلي والحوادث الحالية يمكن شرحها وتفسيرها بشكل مختلف ، وأن الاغتصاب الزواجي ليس له عامل مسبب مع أي من حدوث العنف العائلي أو سلوك العنف العائلي الحالي.

وتناولت دراسة كاراسكو Carrasco (2004) شدة ومدى تكرار العنف البدني والنفسي والجنسي لدى الذكور والإناث. وقام الباحث بقياس شدة ومدى تكرار العنف البدني والنفسي والجنسي في علاقته بالنوع ودرجة التوافق الزواجي، واستخدام الباحث مقياس العنف بين الزوجين إلى جانب مقاييس التقرير الذاتي للتوافق الزواجي والجنسي، وتكونت عينة الدراسة من (166) مفحوصاً (76) من الذكور، (90) من الإناث.

وأوضحت النتائج أن 62% من المفحوصين يقعون فوق المتوسط مما يشير إلى معاناتهم من العنف النفسي والبدني والجنسي . ولم تجد الدراسة فروقاً بين الجنسين في العنف الجنسي أو النفسي ، بينما وجدت الدراسة فروقاً دالة بين الجنسين في العنف البدني ، ووجدت الدراسة علاقة سالبة بين العنف بشكل عام وبين التوافق الزواجي . كما أشارت النتائج إلى أن (26%) من الذكور ، و(34%) من الإناث أكدوا أنهم يخافون من زوجهم.

وتناولت دراسة بوترورث Butterworth (2004) العنف ضد المرأة باعتباره أحد المجالات البحثية الهامة التي تحتاج إلى المزيد من العناية ، وهدفت الدراسة إلى قياس الخبرات الحياتية للاعتداء البدني والجنسي لدى السيدات والعلاقة بين هذه الاعتداءات وبعض الاضطرابات النفسية. وتكونت عينة الدراسة من (2232) امرأة من استراليا اللاتي قام الباحث بعمل مقابلات معهن باستخدام المقابلة الشخصية الدولية والتي تستهدف قياس التأزم النفسي إلى جانب بعض المتغيرات الاجتماعية والديموجرافية.

وأشارت النتائج إلى وجود فروق بين السيدات اللاتي يعشن بمفردهن والسيدات اللاتي يعشن مع أزواجهن في التعرض للعدوان والعنف الجنسي والنفسي لصالح المجموعة الأولى . وأوضحت النتائج أن مقاييس العنف البدني والجنسي كانت أقوى المنبئات بالأمراض والاضطرابات النفسية أكثر من المتغيرات الديموجرافية . وتوصلت الدراسة إلى أن خبرات العنف البدني والجنسي ترتبط بحدوث مدى أكبر من الاضطرابات النفسية لدى السيدات اللاتي يعيشن بمفردهن بالمقارنة بالسيدات اللاتي يعشن مع أزواجهن.

وقام فوشيه وآخرون Foshee et al. (2004) بدراسة طولية للتعرف على المنبئات بالعوامل المؤدية للوقوع ضحية للعنف الجنسي والبدني لدى المراهقين. وتكونت عينة الدراسة من (1291) مراهقاً في الصفوف من الثامن إلى التاسع والذين تم مقابلتهم كل عام لمدى خمس أو أربع أعوام.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الذكور الذين تمت عملية العنف معهم من أحد الراشدين ينخفض لديهم مستوى تقدير الذات ولديهم صديق وقع كضحية للعنف في العلاقات الجنسية، وإدمان الكحول. وبالنسبة للإناث فإن أقوى المنبئات هي الإقامة مع أحد الوالدين دون الآخر ولها صديقه وقعت ضحية للعنف في العلاقات الجنسية.

وهدفت دراسة بينيس Bennice (2004) إلى التعرف على الاستجابات السلوكية والنفسية للسيدات اللائي يقعن ضحايا للعنف الجنسي من الشريك في العلاقة. وتكونت عينة الدراسة من (321) سيدة من اللاتي يتعرضن للعنف . واستخدم الباحث تحليل التغاير المتعدد وتحليل الانحدار المتعدد للتعرف على الفروق بين السيدات اللاتي تعرضن للاغتصاب الجنسي واللاتي لم يتعرضن للاغتصاب.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق بين السيدات المغتصبات وغير المغتصبات لصالح المغتصبات في أعراض الاستثارة وأكثر قلقاً، ولديهن اهتمامات جنسية أكبر ، وتدهور في الهوية حتى بعد ضبط متغير شدة العنف البدني.

الأسباب والعوامل الكامنة وراء العنف الجنسي:

توجد أسباب وعوامل وراء العنف الجنسي ، وقد يكون بعضها مرتبط بشخصية الفرد أو بعوامل خارجية ، وهذه العوامل هي كما يلي:

[1]  العوامل الشخصية والسلوك الإجرامي:

يكمن وراء كل جريمة دافع أو عامل نفسي ، حيث يقع المجرم نفسه بشرعية عمله حتى في الجرائم التي تقع بمحض الصدفة . ومن المعروف أن الانفعال الشديد يعطل عمل الوظائف العقلية فيعوق التفكير السليم وهذا بالنسبة للأسوياء أو العقلاء من المجرمين ، أما بالنسبة لمختلي القوى العقلية فهؤلاء يرتكبون جرائمهم دون وعي أو من تلقاء أنفسهم ، أو نتيجة تحريض الغير لهم مستغلين حالاتهم العقلية وسهولة استثارتهم . وتظهر العوامل النفسية بصفة خاصة في جرائم القتل والعذاب المفضي إلى الموت وإحداث العاهات والخطف وهتك العرض والاغتصاب والسرقة وغيرها.

وإلى جانب هذا ، دلت نتائج بعض البحوث على وجود سمات شخصية خاصة لدى المنحرفين منها ؛ الإندفاعية والرغبة في البحث عن اللذة ، والإثارة ولفت الأنظار . كما يتبين أن الجانح بوجه عام أكثر إنبساطيه وإندفاعية وأقل سيطرة على الذات ، وأكثر عدوانية وانهزامية وتمرداً وشكاً وتدميراً ، كما أنه لا يخشى الفشل أو الهزيمة ، ولا يهتم بالمعايير أو القيم ، كما أنه أقل خضوعاً للسلطة ، ولديه مشاعر متضاربة ، وهو يشعر بأنه غير مرغوب فيه أو معترف به ( توفيق ، 1994).

[2]  الإدمان:

إن تعاطي المخدرات يؤدي إلى تحطيم شخصية المدمن ، لذلك نجده يفشل في العمل والحياة وينتقل من عمل إلى آخر ، ومن وظيفة إلى أخرى إلى أن يخسر كل فرص العمل والرزق ويستسلم للبطالة والفشل والإجرام الذي يؤدي إلى ارتكاب جريمة الاغتصاب . كما أن المدمن متقلب المشاعر والعواطف يكره بسرعة ويحب بسرعة ، وليس لديه القدرة على التحكم في غرائزه وعواطفه ، ولا يحترم مشاعر غيره من الناس ، وسيئ المعاملة لأهله ووالديه وقد يضرب والده وزوجته وأولاده وأقرب الناس إليه.

ويذكر الفنجري (1980) أهم الأسباب التي تؤدي إلى تعاطي المخدرات بجميع صورها ؛ وهي كما يلي:

  • اعتقاد معظم الناس أن تعاطي المخدرات يؤدي إلى تقوية ممارسة الجنس.
  • الهروب من المشكلات العائلية والفقر والأحزان. 
  • عدم وجود المسليات البريئة كالنوادي الرياضية والاجتماعية والثقافية والفنية. 
  • الكبت النفسي ، والتأخر في سن الزواج.
  • ضعف الوازع الديني.
  • تهاون الحكومات المحلية في التوعية والعلاج والاكتفاء بالإجراءات البوليسية.

إضافة إلى هذا ، يعد الإدمان على تناول الخمور من الموضوعات التي لها أهمية خاصة في السلوك الإجرامي ؛ حيث أنه جريمة في حد ذاته وقد يكون له علاقة مباشرة لمخالفة القانون كجرائم القتل والاغتصاب والسرقة والتشرد والتخلي عن إعالة الأسرة. ومن ثم يتضح أثر الإدمان على المخدرات والخمور على السلوك الإجرامي ، وبصفة خاصة في جرائم العنف ولا سيما فيما يتعلق بالجرائم الجنسية والجرائم التي تتسم بخطورتها وإندفاعتيها (توفيق ، 1994)

[3]  التفكك الأسري:

يقصد بالأسرة في اللغة بأنها الدرع الحصين ، وأهل الرجل وعشيرته ، وأيضاً بمعنى الجماعة التي يربطها أمر مشترك ، وهذه المعاني تلتقي في معنى واحد يجمعها وهو قوة الارتباط ، غير أن معنى الأسرة لم يعد يقصد به الأهل والعشيرة ، وإنما أصبح يقصد به الزوج والزوجة والأولاد . ويرى غيث (1979) أن الأسرة بمثابة جماعة بيولوجية نظامية تتكون من رجل وامرأة يقوم بينهما روابط زواجية وأبناء ، ويطلق على هذا الشكل مصطلح الأسرة النووية، أو الأسرة المباشرة أو الأولية أو المحددة ، ويتفق معظم العلماء على أن هذا الشكل البسيط للأسرة ينتشر في كافة المجتمعات . ويرى البعض أن الأسرة مجموعة من الأشخاص ارتبطوا ببعض من خلال مجموعة من الأدوار الاجتماعية ، وتمثل أدوار الزوج – الزوجة – الأم – الأب – الابن – الابنة ؛ الخ ، ولهم ثقافتهم المشتركة (جوهري، 1984).

ومن ثم ، نجد أن الأسرة تمثل الخلية الأولى لتكوين المجتمع وأول جماعة أولية ومنظمة اجتماعية ، وأكثر الظواهر الاجتماعية عمومية ، وهي أساس المجتمع البشري واستقراره . لذلك إذا حدث خلل أو تدهور في الروابط الأسرية نتج عن ذلك مخاطر كثيرة وحوادث عديدة التي منها السرقة والإدمان والزنا والاغتصاب . ومن إشكال الخلل الذي يمكن أن تصيب الأسرة ما يلي:

  • الطلاق: من العوامل الأساسية التي تؤدي غالباً إلى إنحراف الأبناء حالات الطلاق وما يصاحبها من تشرد وضياع ، وما يعقبها من تشتت وفراق. ومن المسلم به إنه عندما يفتح الولد عينيه على الدنيا ولا يجد الأم التي تحنو عليه ، ولا الأب الذي يقوم على أمره ويرعاه ، فإنه لاشك سيندفع نحو أشكال الجريمة المختلفة ويتربى على الفساد والانحراف. ومما يزيد سوءاً زواج المطلقة من زوج آخر ، فإن مصير الأبناء التشرد والانحراف؛ ومما يعقد المشكلة كذلك فقر الأم بعد الطلاق فإنها في هذه الحالة ستضطر إلى العمل خارج المنزل ، وهذا يعني أن تترك الأولاد – بغض النظر عن أعمارهم – للشارع تعبث بهم فتن الأيام من غير رعاية أو عناية.

ونجد أن الإسلام بمبادئه السمحة أمر كلاً من الزوجين أن يقوما بالحقوق نحو بعضهما البعض حتى لا يؤول بهما الأمر إلى النتائج التي لا تحمد عقباها ( علوان ، 1997 ).

  • الهجر: لا شك أن من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى انحراف الأبناء هو الهجر الذي يقوم به الزوج بترك الأم والأبناء بغير عائل إلى مكان غير معلوم لعدة سنوات طويلة ، وهذا يؤدي بالزوجة إلى أن تعيش حياة صعبة فلا هي بمطلقة أو بمتزوجة ، وليس لها دخل مادي ثابت مما يدعوها إلى الانحراف هي وأبنائها حيث لا توجد رقابة ولا متابعة.
  • اليتم: إذا لم يجد اليتيم الذي مات عنه أبواه اليد الحانية التي تحنو عليه والقلب الرحيم الذي يعطف عليه ، وإذا لم يجد من الأوصياء المعاملة الحسنة التي ترفق به ، والرعاية الكاملة التي ترفع من مستواه ، والمعونة التامة التي تشبع حاجاته ، فإنه سوف يخطو نحو الانحراف ، وشيئاً فشيئاً نحو الإجرام ، بل سيصبح في المستقبل أداة هدم وتخريب لكيان الأمة وإشاعة الفوضى والانحلال بين أبنائها.

ونجد أن الإسلام بتشريعه الخالد وتوجيهاته الرشيدة أمر الأوصياء وكل من له صلة قرابة باليتيم أن يحسنوا معاملته ، وأن يقوما على أمره وكفالته ، والإشراف على تأديبه وتوجيهه حتى يتربى على الخير، وينشأ على المكارم الخلقية والفضائل النفسية . وقد قال الله سبحانه وتعالى في هذا الصدد: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] وقال r "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى" [رواه الترمذي].

  • عمل المرأة: يرى البعض أن عمل المرأة من الأسباب المهيئة للكثير من جرائم الانحراف بصفة عامة ، وجريمة الاغتصاب بصفة خاصة ، حيث أن الخروج الدائم للمرأة من البيت إلى العمل والعودة يعرضها للكثير من المضايقات ؛ خاصة إذا كانت تعمل بنظام الورديات الليلية وما يعقب ذلك من تعريضها لمخاطر الاغتصاب.
  • السفر للخارج: أن سفر الوالدين للخارج أو أحدهما من أجل التكسب وترك الأبناء دون رقابة وإغداقهم بالأموال تعريضاً عن غيابهما ، فإن هذا يدفع بالأبناء إلى طريق الإدمان والانحراف ورفقاء السوء ، وارتكاب جرائم متعددة قد يكون منها جريمة الاغتصاب.
  • كثرة الأبناء: نظراً للحب الشديد للأبناء في المجتمع العربي خاصة ، فإن كل من الزوجين يحرصان على إنجاب الذرية الكبيرة دون تفكير في المستقبل من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وتعليم وتربية وغير ذلك ، مما يضطر لعمل الأولاد في مهن وحرف وضيعة مما يعرضهم لكثير من المخاطر أو تشردهم في الشوارع ، وخير شاهد على ذلك " أطفال الشوارع " الذين يندفعون بلا تردد إلى طريق الانحراف والجريمة.
  • النزاع والشقاق بين الأبوين: إن احتدام النزاع واستمرار الشقاق بين الأب والأم ، ودوام الخصومة بينهما أمام الأبناء ، فإن هذا سيؤدي حتماً إلى هروبهم من البيت وانغماسهم في صحبة قد تدفعهم إلى طريق الانحراف والجريمة.
  • فقد الأسرة لوظيفتها الأساسية: إن من أهم وظائف الأسرة هي التربية والتطبيع الاجتماعي ، ومن ثم لم يدخر الإسلام وسعاً في تدعيم كيان الأسرة ، والعناية بها عناية شاملة في ظل العواطف الإنسانية السامية . وإذا كانت الأسرة عماد المجتمع ، فإنه يجب عليها نقل الثقافة والقيم والمعايير الاجتماعية والخلقية إلى الأبناء من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي ، ألا أننا نجد الآن أن الأسرة قد فقدت وظيفتها الأساسية وتركت هذا للمؤسسات الخارجية مثل رياض الأطفال ، وجليسات الأطفال Baby - sitter.

ومن ثم ، نجد إنه يجب على الأسرة أن تعود إلى سابق وظيفتها الطبيعية حتى تحافظ على كيان الفرد وسلامته النفسية وحمايته من الوقوع في براثن الجرائم المختلفة من قتل وسرقة وإدمان مخدرات وكحوليات واغتصاب.

[4]  العوامل الاقتصادية:

إن العامل الاقتصادي يسهم إسهاماً بارزاً في جريمة الاغتصاب من خلال الثراء الفاحش أو الفقر المدقع ، والشواهد على ذلك كثيرة ؛ ومنها ما يلي:

  • قلة الدخل: رغم أن هناك وظائف كثيرة وأعمال متعددة إلا أن قلة الدخل المادي الشهري للأسرة مازال منخفضاً ، بما يجعل الأب يواصل الليل بالنهار من أجل توفير احتياجات الأسرة . وإلى جانب هذا ، قد تعمل الأم أيضاً لمساعدة الأب حتى يستطيعا معاً توفير الحياة السعيدة للأبناء وتلبية مطالبهم التي لا تنتهي ، مما يحول البيت بالنسبة لهما إلى " لوكاندة " حيث يعودان متعبان وفي أشد الحاجة إلى النوم والراحة حتى يستطيعا الاستمرار في سعيهما نحو التكسب. وفي ضوء هذا ، يترك الأبناء إلى المربيات الأجنبيات أو رفقاء السوء أو وسائل الإعلام المرئية من تليفزيون ومسرح وسينما دون رقابة أو توجيه مما يجعلهم فريسة سهلة للانحراف والإجرام.
  • البطالة: إن انتشار أخطبوط البطالة بين أفراد المجتمع يؤدي حتماً إلى الانحراف والإجرام ، فلكل فرد احتياجاته الفطرية والاجتماعية ويريد أن يشبعها ، فإذا لم يجد من سبيل لإشباع مثل هذه الاحتياجات فإنه رغماً عنه يلجأ إلى طرق ووسائل غير مشروعة من أجل تحقيق هذا الإشباع. وقد تكون من هذه الطرق غير المشروعة السرقة والقتل والإدمان والاغتصاب.
  • الفقر المدقع والغني الفاحش: حين لا يجد الطفل في البيت ما يكفيه من غذاء وكساء ، ولا يجد ما يستعين به على أسباب الحياة ، فإنه سيلجأ إلى الهروب من البيت بحثاً عن الرزق فتتلقفه أيدي رفقاء السوء والجريمة فينشأ في المجتمع مجرماً ، ويكون خطراً على النفس والمال والعرض . كذلك يؤدي الغنى الفاحش بالأبناء إلى الاستهتار بقيمة العمل ، والانغماس في الترف والبذخ والإسراف المادي مما يجعلهم محل نظر لرفقاء السوء وأصحاب " بيع المزاج " إلى جانب غياب الرقابة والتوجيه فإن هذا سينجم عنه الوقوع في براثن إدمان المخدرات والزنا والاغتصاب على سبيل التجربة والتغيير والاستمتاع واللذة.
  • ارتفاع أسعار السكن وانتشار العشوائيات: بما يزيد الأمور تعقيداً للعوامل الكامنة وراء ارتكاب جريمة الاغتصاب ارتفاع أسعار الوحدات السكنية للشباب المقبل على الزواج ، بالإضافة إلى انتشار العشوائيات في بعض المناطق ، وما يتسم به ساكنيها من أخلاقيات وضيعة وعلاقات مريبة وعدم وجود الخصوصية والتلصص الجنسي، وانتشار بؤر الإدمان والدعارة والإجرام بأشكاله المختلفة.
  • غلاء المهور وتكاليف الزواج: لاشك أن ارتفاع أسعار السكن مع غلاء المهور وتكاليف الزواج الذي ينظر إليه الآن على أنه من " الفخر " العائلي ، وأحياناً من أجل الشهرة مثل إقامة الحفلات والتي يحييها أشهر المطربين والمطربات والراقصات أدى ذلك إلى تأخر سن الزواج لدى الشباب – ذكوراً وإناثاً – الذي لا يجد منفساً لإشباع غرائزه الطبيعية بطرق مشروعة ، وما يراه الشباب من استفزاز لما يعرض في بعض البرامج التليفزيونية الخاصة بعرض حفلات الزواج ، فإن هذا يولد لديهم دون أدنى شك الكبت النفسي وخاصة الجنسي فيبدأ الشباب في البحث عن سبل لإرواء النهم الجنسي ، ومع غياب القيم والوعي الديني ربما يؤدي إلى ارتكاب جريمة الاغتصاب الجنسي.

[5]  العوامل الدينية :

إن الدين حصن حصين يحمي الفرد الذي هو أساس المجتمع ويقيه من الرذائل ، ويحليه بالصدق والإخلاص والعفة والطهارة ويحميه من قذف المحصنات والزنا والميسر والمخدرات والسرقة والقتل والاغتصاب . ونرى أن هناك عدة أسباب تكمن وراء ظاهرة الاغتصاب ؛ وهي كما يلي:

  • ضعف الوازع الديني: إن ضعف الوازع الديني لدى الفرد يؤدي حتماً
    إلى " تحليل " الحرام ، وتحريم " الحلال ، ويجد الطريق إلى ارتكاب الجرائم المختلفة التي منها جريمة الاغتصاب الجنسي.
  • الخلوة والاختلاط: يجب على المرأة حفاظاً على كيانها وعفتها عدم الخلوة برجل أجنبي صوناً لنفسها من هواجس الإثم ، ولسمعتها من ألسنة الزور والبهتان ، فقد قال النبي r "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" (أخرجه أبو داود). كما يجب عليها عدم الاختلاط بمجتمع الرجال الأجانب إلا لضرورة حماية لها من أنياب المفترسين من جانب ، وتحفظ حياءها وعفافها بالبعد عن عوامل الانحراف والتضليل من ناحية ثانية ، وتصون عرضها من ألسنة المفترين والرجفين من جانب ثالث (القرضاوي ، 1993) . ومن ثم ، نرى أن الخلوة والاختلاط قد يكون سبباً من أسباب الاغتصاب الجنسي.
  • التبرج والسفور: إن المرأة التي لا تلتزم بالمظهر المحتشم الوقور تكون مطمعاً للمجرمين ، لذا يجب عليها عدم التبرج والسفور لقوله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33]، لأنه تبين أن التبرج المفرط والسفور الفاضح ، وتزين المرأة بشتى أنواع الزينة المحرمة خارج المنزل ، وإظهار مفاتنها ومحاسنها يعرضها لمخاطر ؛ قد تكون من نتائجه فقد عذريتها.
  • الختان: يقصد بالختان في اللغة : قطع القلفة "أي الجلدة" التي هي على رأس الذكر ، وقد قال رسول الله r "الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء" [رواه أحمد] . ففي الختان تهذيب لأخلاق المرأة ، حيث يعمل الختان على تقليل الإثارة الجنسية للمرأة مما يحفظ حياءها وعفافها . والمرأة التي لم تختتن تكون عرضة للإثارة الجنسية في أن وقت فيحدث ما لم يحمد عقباه . ومن ثم ، فإن من فوائد الختان ما يلي:

-         إنه رأس الفطرة وشعار الإسلام وعنوان الشريعة.

-         إنه من تمام الحنيفية التي شرعها الله على لسان إبراهيم عليه السلام.

-         إنه يميز المسلمين عن غيرهم.

-         إنه إقرار بالعبودية لله والامتثال لأوامره.

-         إنه يجلب النظافة والتزين وتحسين الخلقة.

-         إنه يعمل على تعديل وتهذيب الشهوة الجنسية.

  • الفراغ ورفقاء السوء: إن عدم الاستفادة بأوقات الفراغ في ممارسة أنشطة ثقافية ورياضية وفنية تدفع بالشباب إلى الاختلاط بقرناء السوء ، وتعلم الرذائل ، والاستهتار بقيم المجتمع الأخلاقية ، وارتكاب الجرائم المنافية للآداب العامة ؛ وقد يكون منها الاغتصاب الجنسي.

[6]  الإعلام:

       إن مشاهدة أفلام الجريمة والجنس من العوامل التي تؤدي إلى انحراف الأجيال الصاعدة ، وتدفعه إلى الشقاوة وارتكاب الجريمة ، والسير وراء الميوعة والخلاعة والانحلال ، وما يقرؤه من مجلات ماجنة فاحشة متضمنة صور عارية مثيرة للغرائز تلهب الأحاسيس وتشجع على الانحراف والإجرام.

      ونجد أن الإعلام بوسائله المختلفة قد شارك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تزايد جرائم الاغتصاب الجنسي ؛ وذلك عن طريق مما يلي:

  • اهتزاز صورة الأسرة ومكانتها.
  • السخرية من الزواج واستقراره وفلسفته.
  • كثرة المواد الدرامية التي تناولت ظاهرة الاغتصاب بطريقة غير موضوعية.
  • عدم وجود برامج هادفة واعية للشباب.
  • تركيز الصحافة الصفراء على الجنس الفاضح.
  • استخدام ألفاظ وتعبيرات غريبة وإيماءات جنسية في الإعلانات والأفلام والمسرحيات.
  • عدم ترسيخ مفهوم الحرية لدى الشباب واحترام حرية الغير.
  • الغزو الغربي الذي يواجه الشباب ، والذي يستهدف إلى التحقير من المعايير والقيم الاجتماعية ، وإلى التشكيك في المفاهيم والثوابت العقائدية الذي تربي عليها.
  • سبل الوقاية لحماية المرأة من الاغتصاب الجنسي.

       مع تزايد جرائم الاغتصاب الجنسي – المعلنة وغير المعلنة – ليس فقط في المجتمع المصري ؛ والتي هي في كونها ظاهرة جديدة على المجتمع ، ولم تكن موجودة بهذا الحجم آثار العديد من المخاوف والتساؤلات حول كيفية حماية الإناث من الاغتصاب الجنسي وسبل الوقاية . ونذكر فيما يلي بعضاً من هذه السبل الوقائية:

(1)  دور المسجد : إن من أولى الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم هو سلامة الإيمان وصحة العقيدة ، لذا يجب على رجال الدين الإسلامي الاهتمام بدورهم الفعال في المجتمع ، ونشر العقيدة الصحيحة السليمة بين الشباب . ومن ثم ، يستقيم الشباب على شرع الله ، فيخاف أن يرتكب ذنباً أو إثماً في حق نفسه أو في حق الآخرين . إضافة إلى ذلك ، يجب دعوة الشباب إلى غض البصر عن المحرمات ، والتزام الإناث بالزي المحتشم الوقور ، وعدم التبرج الزائد ، وعدم الخلوة والاختلاط بين الجنسين ، وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن الحرية.

(2)  دور الأسرة: على الأسرة دور كبير في حماية أبنائها من الوقوع في براثن الانحراف والجريمة ، فيجب أن تعود للأسرة وظيفتها الطبيعية في تربية الأبناء على الفضيلة والقيم الأخلاقية الرفيعة حماية لهم من أشكال الإجرام المختلفة ، ولن يتم ذلك إلا عن طريق التفاهم والانسجام والتوافق بين الوالدين الذي ينعكس بالإيجاب على تربية الأبناء وتقديم الرعاية والتوجيه وتشديد الرقابة على سلوكيات الأبناء.

(3)  دور المدرسة: تعد المدرسة المؤسسة التربوية الثانية بعد الأسرة ، لذا يجب عليها القيام بدورها التربوي السليم في تنشئة جيل على الفضيلة ومكارم الأخلاق والمحافظة على حقوق الآخرين . ومن ثم تستطيع المدرسة أن تقوم بدورها الفعال من خلال تحديث المناهج الدراسية وطرق التدريس ، وأن تكون هناك مواد دراسية لتنمية الخلق القويم.

(4)    دور الإعلام: نرى أن للإعلام بوسائله المختلفة دوراً جلياً في تربية الشباب تربية قويمة ، ويتم ذلك عن طريق ما يلي:

  • الاهتمام بترسيخ القيم والأخلاق الرفيعة.
  • إبراز الشخصيات الناجحة حتى تكون قدوة للشباب.
  • العمل على توعية الشباب في مواجهة الأزمات.
  • تقليل المواد الإعلامية المرتبطة بالإثارة والجنس والعنف.
  • الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للمجتمع.

(5)  دور القانون والأمن: نرى أنه يجب أن تكون القوانين أكثر صرامة وحزماً على المغتصبين ، وتعديل بعض البنود الخاصة بزواج المغتصبة ، وتكثيف التواجد الأمني في المناطق النائية البعيدة عن العمران ، ومحاولة القضاء على بؤر الإدمان والدعارة ، وتوفير عدد كاف من الشرطة الراكبة لمراقبة الطلبة الهاربين من مدارسهم ، والأبناء الهاربين من أسرهم.

(6)  دور الاقتصاد: حتى يمكن التقليل من حجم الجرائم المختلفة ، فيجب العمل على زيادة الدخل للفرد ، ومحاربة البطالة ، ومكافحة الفقر، وخلق فرص عمل جديدة ، وترشيد الاستهلاك الحكومي ، ومكافحة الربا والرشوة والاختلاس والسرقة.

استراتيجيات الحد من ظاهرة العنف الجنسي:

في ضوء ما تم عرضه حول ظاهرة العنف الجنسي ، نجد أنه ينبغي اقتراح بعض الاستراتيجيات من أجل الحد من هذه الظاهرة كما يلي:

(1)   إعداد دراسات متعمقة حول جرائم هتك العرض والاغتصاب التي تحدث في محيط الأسرة أو المجتمع على حد سواء ، من حيث العوامل الديموجرافية والنفسية والاجتماعية التي قد تساهم في ارتكابها.

(2)   دعوة الجهات الحكومية إلى النظر في تعديل بعض الإجراءات القانونية الروتينية في التعامل مع قضايا العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء والفتيات والأطفال.

(3)   التشجيع على القيام بدراسات وبحوث التي تلقى الضوء على العوامل المؤدية إلى عدم إبلاغ الضحايا من النساء والفتيات عن جرائم العنف الجنسي التي ترتكب ضدهن.

(4)   إنشاء مراكز لحماية وتأهيل النساء والفتيات ضحايا العنف الجنسي بالتعاون ما بين الجهات الرسمية المختصة والمنظمات غير الحكومية.

(5)        رسم السياسات والآليات على المستوى الوطني لحماية ورعاية النساء والفتيات والأطفال ضحايا العنف الجنسي.

(6)   التشجيع على إعداد البحوث التي تهدف إلى الكشف عن الدوافع الحقيقية التي تقف خلف تعرض النساء والفتيات والأطفال للعنف والإيذاء الجنسي.

(7)   الدعوة إلى إدخال مفهوم الصحة الجنسية للمرأة إلى جانب الصحة النفسية في القوانين والأنظمة المعمول بها في البلدان العربية.

(8)   دعوة الجهات الرسمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان للسعي من أجل وضع البرامج والآليات الوقائية والعلاجية على المستوى الوطني لمعالجة مشكلات العنف الجنسي.

(9)   تأمين الدعم الفني والمالي لإجراء الدراسات الاستقصائية والمسوحات الوطنية حول حجم مشكلة العنف الجنسي ومدى انتشارها وأسبابها وآثارها.

(10) توعية النساء والفتيات بحقوقهن القانونية عن طريق الندوات والمحاضرات والنشرات الإعلامية ، وذلك بالتعاون فيما بين المؤسسات الرسمية والأهلية ووسائل الإعلام المختلفة.

(11) توعية وتدريب العاملين في أجهزة العدالة الجنائية بكيفية التعامل مع الصور المختلفة للعنف الجنسي ضد النساء والفتيات والأطفال.