قائمة الروابط

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

 الفصل الثاني

العنف ضد المرأة

        أن العنف يستبطن في داخله إكراه الغير بالقوة على فعل شيء أو الاعتقاد بشيء دون إرادته لذلك، والعنف هو إيذاء باليد أو باللسان أو بالفعل. وتأخذ صورة الإيذاء صورتين هما:

1-   الإيذاء الصادر من فرد باستخدام اليد أو اللسان ضد الآخر.

2-   قيام مجموعة بشرية (العنف الجماعي) ذات خصائص مشتركة باستخدام العنف والقوة كوسيلة من وسائل تحقيق تطلعاتها الخاصة.

        وتستقطب ظاهرة العنف ضد المرأة اهتماماً عالمياً، فقد جرى التسليم على المستوى العالمي بأن أشكال العنف كافة التي تقع ضد المرأة والتي تأخذ أنماطاً في الحياة العامة والخاصة تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية.

        ويعرّف العنف ضد المرأة في الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضدها بأنه: أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس والذي يتسبب أو قد يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة.

        ومن خلال تحليل هذا التعريف؛ تبين إنه يتضمن الأفعال التي من شأنها إلحاق الأذى بالمرأة حتى لو لم تؤد بالفعل إلى هذا الضرر. ومن ثم، توجد أشكال عدة للعنف ضد المرأة مثل العنف الجسدي، والعنف النفسي والعاطفي، والعنف الجنسي. وتمثل هذه الأشكال شكل العنف الذي تتعرض له المرأة، إلا أنه يندرج تحتها عدد كبير من الأفعال والتي قد تبدأ بفعل بسيط لتنتهي بالقضاء على حياة المرأة. ويشمل العنف الجسدي أي إساءة موجهة إلى جسد المرأة من لكم، وصفع، وركل، ورمي بالأشياء الصلبة، واستخدام لبعض الآلات الحادة أو التلويح بها للتهديد باستخدامها. أما العنف النفسي والعاطفي فإن من شأنه التقليل من أهمية المرأة من خلال إطلاق بعض الألقاب عليها ونعتها بصفات لا تليق بكائن بشري. فالسب والشتم والتهميش، والهجر، والإهمال، كلها أشكال للعنف ضد المرأة. والى جانب هذا يعرّف العنف النفسي على أنه أي سلوك يعمل على منع المرأة من ممارسة أعمال ترغب في القيام بها مثل استكمال التعليم أو الخروج إلى العمل. كما يعد الاغتصاب أحد أشكال العنف الجنسي ضد المرأة، ويعرّف العنف الجنسي على أنه أي فعل أو قول يمس كرامة المرأة ويخدش خصوصية جسدها؛ من تعليقات جنسية سواء في الشارع أو عبر الهاتف أو من خلال محاولة لمس أي عضو من أعضاء جسدها دون رغبة منها بذلك.

أسباب العنف ضد المرأة:

        يمكن إجمال أسباب العنف ضد المرأة تحت العوامل التالية:

العوامل الاجتماعية:

1-         الخلافات الزوجية والصراع بين الزوجين.

2-         ارتفاع عدد أفراد الأسرة الذين يعيشون في منزل واحد (الأسرة الممتدة).

3-         معيشة كافة أفراد الأسرة صغاراً وكباراً في غرفة واحدة.

4-         صراع الأدوار الاجتماعية والنموذج الأبوي المتسلط.

5-         التنشئة الاجتماعية النمطية للذكور والإناث.

6-         المعاملة التمييزية ضمن الأسرة.

7-         تكريس دونية المرأة / الأنثى وتمجيد فوقية الرجل.

8-         الاعتقاد بأن الشؤون العائلية شؤون خاصة يحكمها رب العائلة.

العوامل الاقتصادية:

1-         الفقر الذي تعاني منه الأسرة.

2-         بطالة رب الأسرة أو بعض أفرادها.

3-         التبعية الاقتصادية التامة للمرأة والأطفال على رب الأسرة.

4-         عدم كفاية القوانين التي تحكم الاعتداءات الجنسية على المرأة.

5-         قصور التعامل لدى الجهات الأمنية مع مشكلات العنف.

6-         عدم وضوح بعض المفاهيم قانونياً (الإساءة الجنسية .. وغيرها).

العوامل السياسية:

1-         انخفاض تمثيل المرأة في كافة مواقع السلطة، وفي الأعلام، والقضاء، والمؤسسات الطبية والعلاجية.

2-         عدم ايلاء الاهتمام الكافي لقضايا العنف الأسري.

3-         قدسية الأسرة والتستر على الانتهاكات الأسرية واعتبارها شأن خاص خارج نطاق تدخل الدولة.

4-         ضعف التنظيمات السياسية للنساء.

العوامل النفسية:

1-         ضعف قدرة أفراد الأسرة على تحمل الإحباط والضغط النفسي.

2-         ضعف الإحساس بالمسئولية تجاه أفراد الأسرة.

3-         اضطراب الشخصية والشك بتصرفات من حولهم وخاصة الإناث.

4-         الأعراض النفسية للأطفال (العدوانية، الإعاقة، التأخر الدراسي، التشوه).

5-         فقدان الإشباع العاطفي والمعاناة من القلق.

وسائل الإعلام:

1-   مظاهر العنف في البرامج التلفزيونية، والكمبيوتر، والألعاب الالكترونية.

2-   انتشار حالات العنف في المجتمع عن طرق التقليد أو النمذجة modeling.

3-   الجرعات الإعلامية الزائدة من العنف تبطل الحساسية، تجاهه.

        ونخلص من ذلك إلى أن العنف ضد المرأة ظاهرة متعددة الجوانب ذات متعلقات صحية واجتماعية وقانونية وحضارية بالإضافة إلى كونها ظاهرة نفسية تتطلب دراسات متعددة لفحص ارتباطها بسمات شخصية المرأة المستهدفة للعنف بأي من أشكاله والمترتبات النفسية الناتجة عن التعرض للعنف، وخصائص وسمات مرتكبي العنف، ويتعين أن تمتد الدراسات لفحص المتغيرات البيئية والاجتماعية وأساليب التنشئة ومدى تدخلها في تشكيل هذه الظاهرة المرضية.

        ولان المتغير الحضاري يلعب دوراً أساسياً في صياغة مفهوم العنف ضد المرأة مشكلاً لتعريفه وأبعاده في كل حضارة، تصبح الخطوة المنهجية الأولى لفحص المشكلة في أي مجتمع محلي له خصوصية تحديد ما الذي يعد عنفاً ضد المرأة في هذه الحضارة المعينة، وقد تختلف النظرة بين الذكور والإناث غير أنه يبدو أن الأنثى تستمر في المعاناة مخفية لمشاعرها وكدرها مطورة لاضطرابات مختلفة تحت وطأة الاعتبارات الحضارية، أو القيم والأعراف السائدة وضغوطها.

المنظور التاريخي لظاهرة العنف ضد المرأة:

   [1]  وضع المرأة في الثقافات المختلفة:

        إذا تحدثنا عن وضع المرأة وما صادفها في تاريخها من عوامل الانحطاط والتدني نجد أن كل عصر من عصور التاريخ، وكل مدنية من المدنيات قد نظرت إلى المرأة نظرة خاصة بعضها قد كبر الفوارق بينها وبين الرجل حتى نزلت المرأة إلى الحضيض البدني، وبعضها قلل من شأن هذه الفوارق حتى ارتفعت المرأة إلى السماء، وقد نقصت هذه الفروق، وقل شأنها في البيئات التي شاركت المرأة الرجل في أعماله، وساعدته ولم تكن عبئاً عليه، وقد ازدادت الفوارق في البيئات التي اتسعت فيها الفجوة بين المرأة والرجل مثل بيئات الصيد والقنص فلم يكن للمرأة من القوة ولا من الاستعداد ما يؤهلها لمساعدة الرجل فانحط شأنها 00 بينما في بيئات الزراعة والتجارة وقد ساعدت المرأة الرجل فارتفع شأنها.

        إن تاريخ المجتمع الإنساني كله كان عرضة لتيارات متوالية من الجمود والحرية، من التزمت والتحلل، من الحجر على النساء والتفريط في ضبط النساء، فإذا حاولنا أن نضع رسماً بيانياً لتاريخ وضع المرأة وجدنا أن خطه البياني يتذبذب ذبذبة شديدة بين كل بيئة وأخرى.

(إسماعيل، 1991)

   [2]  وضع المرأة في المجتمعات القديمة:

        كانت المرأة في معظم الثقافات في منزلة أقل بكثير من الرجل، وكانت جسداً فقط لا اعتراف بحقوقه، وكانت تحرم من الميراث، ففي الصين تحتل في المجتمع مكانة هينة، ولقد انتشرت عادة تكسيح أقدام الفتيات الصغيرات رغبة في جعلهن عديمات الحيلة ولقد كتبت إحدى سيدات الطبقة العليا بالصين رسالة قديمة فيها وضع المرأة، فكان مما جاء فيها: نشغل نحن النساء آخر مكان في الجنس البشري، ويجب أن يكون من نصيبنا أحقر الأعمال.

        وفي الهند كانت المرأة تخاطب زوجها في خشوع قائلة (يا مولاي ويا سيدي) وأحياناً (يا إلهي) وتمشي خلفه بمسافة وقلما يوجه إليها كلمة واحدة، كانت لا تأكل معه بل تأكل مما تبقى منه، وكانت المرأة بعد وفاة زوجها تقيد بالسلاسل والأغلال وتحرق مع زوجها في آتون واحد.

        أما المرأة اليابانية فنجد أن من أهم صفاتها الطاعة وحتى عصرنا الحاضر ويتم تعليم الفتاة منذ الصغر مبادئ الطاعات الثلاث: طاعتها لأبيها قبل زوجها، ولزوجها عندما تتزوج، وأبنها الأكبر بعد موت زوجها وهى ذلك تشب على أنها أقل شأناً من الرجل. وكانت من العادات القديمة في اليابان، عندما يتوفى زوجها تحلق رأسها وتلبس الملابس الكئيبة ولهذا قيل: "أن اليابان جنة الرجل"، وليس للمرأة اليابانية حق في الميراث.

        وفي اليونان يعزو أرسطو سقوط أسبرطة واضمحلالها إلى الإسراف في الحقوق الممنوحة للمرأة، فهو يرى أن المرأة للرجل كالعبد للسيد، والعامل للعالم، والبربري لليوناني، وأن الرجل أعلى منزلة من المرأة. وإن كانت الحقوق الممنوحة للمرأة في أسبرطة لم تأت لها كحق مكتسب – ولكنها كانت اضطرارية لأن الرجال كانوا يعملون بالقتال ومشغولون به عن غيره، فكانوا يتركون ما عداه لتصرف المرأة في غيبتهم، وقد أدى تدهور وضع المرأة في اليونان واحتقارها وإهمال الرجل لها إلى انتشار الشذوذ الجنسي بين الجنسين.

(عبد المقصود، 1983)

        وفي الرومان كان رب الأسرة هو رئيسها الديني وحاكمها السياسي والاقتصادي وإليه ترجع الحقوق كلها أما المرأة فلم يكن لها أهلية أو شخصية قانونية فقد كان القانون يعد الأنوثة سبباً أساسياً من أسباب انعدام الأهلية كحداثة السن والجنون.

        وفي أحد الاجتماعات للبحث في شئون المرأة قرروا أن المرأة كائن لا نفس له ويجب عليها ألا تأكل اللحم وألا تضحك وألا تتكلم، وأن تمضي جميع أوقاتها في الخدمة والخضوع وبلغ من احتقارهم لها أن منعوها من الكلام.

(زيدان عبد الباقي، 1977)

        أما عن أحوال المرأة في مجتمع جاهلية العرب وقبل ظهور الإسلام فقد هوت المرأة إلى الحضيض وحرمت من أبسط حقوقها الإنسانية وهو حق الحياة حيث تؤاد البنات وتسبى في الحروب وتحرم من الميراث، بل كانت لا رأي لها في زواجها ولوليها أن يزوجها من يشاء دون أخذ رأيها، بل كانت تورث مع المتاع إذا توفي زوجها.

        وفي مجتمع اليهودية عامل اليهود المرأة معاملة الخدم، وكان لأبيها الحق أن يبيعها وهى قاصر ولم تكن ترث إلا إذا لم يكن لأبيها بنون وتقرر الشريعة اليهودية أنه إذ توفي شخص بدون أن ينجب أولاداً ذكوراً تصبح أرملته زوجة تلقائية لشقيق الزوج رضيت بذلك أو كرهت.

(إسماعيل، 1991)

   [3]  مكانة المرأة في الإسلام:

        كان الإسلام أول من أعطى المرأة حقوقها منذ أربعة عشر قرناً وأعاد إليها كرامتها، وأعطاها الحرية في أن ترفض أو تختار زوجها بحريتها، ولا يتم زواج الفتاة دون استئذانها وموافقتها وبشاهدين، ولها أن توكل والدها، ولها أن ترفض الزوج، ولها أن تخلعه إذا استحالت المعيشة معه، ولها حق التملك وحق التجارة.

        وقد رفع الإسلام المرأة إلى منزلة حضارية فقد ساوى بينها وبين الرجل في الأصل الإنساني فهي تنتسب وإياه إلى أب واحد وأم واحدة، وكذلك جعل الإسلام المساواة بين الرجل والمرأة في إقامة الحدود كالسرقة والزنى والمساواة بينهما في الآداب والأخلاق، وكذلك في الأجر والثواب (سعاد صالح، 1998).

        وفي القرآن الكريم أكثر من سورة حملت عناوينها وخصص بعضها لذكر ما يتصل بالمراة وشئونها، ونذكر منها سورة "النساء" و"مريم" و"يوسف" و"الأحزاب" و"الممتحنة" و"المجادلة" وغيرها.

        كذلك يعرض القرآن أن الله I يصطفي بعض النساء مثل الرجل تماماً .. اصطفى "مريم" واصطفى "أم موسى" وكلفها أشياء فعلتها – فالمرأة محل واصطفاء الله، وأن الله يخصها بشيء كما يخص الرجال (الشعرواي، 1998).

        واعتراف الإسلام بحقوق المرأة وتقديره لها إنما هو جزء من منظومة متكاملة لبناء الإنسان – الرجل والمرأة – ليقوما معاً بالدور القدري.

        وتتجلى المكانة التي رفع الإسلام المرأة إليها فيما يلي:

1-  المجال الإنساني: فاعترف بإنسانيتها كاملة كالرجل.

2-  المجال الاجتماعي: فقد فتح أمامها مجال التعليم والمشاركة وإبداء الرأي والجدل في سبيل الحصول على حقها.

3-  المجال الحقوقي: فقد أعطاها الأهلية المالية الكاملة في جميع التصرفات ولم يجعل لأحد عليها ولاية من أب أو زوج، وقرر لها حق التملك والميراث بعد أن كانت محرومة منه في الجاهلية، كما قرر لها الإسلام أهليتها للتدين فقد كان للنساء بيعة خاصة بهن في الإسلام دون بيعة الرجال وينطوي هذا على إقرار لشخصية المرأة وكيانها المستقل من دون تبعية للرجال، ونجد ذلك المعنى في الحديث النبوي روى البخاري عن النبي r قال: "نعم النساء نساء الأنصار ولم يمنعنهن الحياء أن يتفقهن في الدين" صدق رسول الله r.

(سعاد صالح، 1998)

        ومع هذا فان الإسلام قد فرق بين الرجل والمرأة في بعض المجالات نظراً لطبيعة كل منهما واستعداده البدني ودوره في الحياة ومن المؤكد أن هذا التفريق لا يتعارض مع المساواة بينهما في الإنسانية والكرامة والأهلية ومن هذه الأمور: الشهادة والقوامة والميراث.

        فقد قرر القرآن أن "شهادة الرجل معادلة لشهادة امرأتين" فقد تضل إحداهما أو تخطئ أو تنسى شيئاً من الشهادة فتذكرها الأخرى. وفي الميراث فجعل المرأة تأخذ نصف الرجل {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11]. والحكمة في ذلك أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجته هى وأولادها أما الأنثى فهي تنفق على نفسها ولكن نفقتها على زوجها أو أبيها أو أخيها أو ابنها غير واجبة.

رأي الإسلام في ضرب المرأة:

        إن المجتمعات الإسلامية هى أقل المجتمعات إيذاء للنساء أما في أوروبا وأمريكا فإن الأزواج يضربون زوجاتهم ضرباً مبرحاً لدرجة أنه توجد هناك جمعية لحماية الزوجات من ضرب الزوج، وإن كان الشرع لم يأمر بضرب النساء ولكن أباحه، ويشترط الشرع أن يكون الضرب غير مبرح ويكون الضرب في غير الوجه ولقد جعله مرحلة ثالثة بعد الوعظ وبعد الهجر في الفراش، أي بعد أن تكون فشلت كل الطرق في إصلاحها وردها إلى الصواب. {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً} [النساء: 34].

        وجدير بالذكر أن أحد أهم الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة هو "الخلع" فكما أعطى الشرع الإسلامي للرجل حق طلاق المرأة التي يبغضها أعطى المرأة كذلك الحق في أن تخلع ممن تبغضه ولا تقدر على العيش معه بأي حال ولكن يعطي الشرع للمرأة حق الخلع ويقيده بعدة قيود، كأن تعطي المرأة للرجل مهرها كله أو بعضه فيقبله الرجل ويطلقها وإذا لم يقبله فلها الحق في الرجوع إلى القضاء.

        ويتضح من هذا إلى أي حد أقيم التوازن الصحيح في القانون الإسلامي بين حقوق الرجل وحقوق المرأة، فالإسلام لا يعفي المرأة ولا يستثنى الرجل، لأنه ينظر إلى وصف الإنسانية لا إلى الذكورة أو الأنوثة.

        ويكشف لنا القرآن الكريم عن جانب آخر من جوانب شخصية المرأة، ويعتبر أحد الصفات الأنثوية شيوعاً وهى "الكيد" {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28]، والكيد كما يرى الشيخ الشعراوي (1998) هو تدبير بخفاء والتدبير بخفاء لا يكون إلا من ضعيف لأن الإنسان القوي إذ تملك عدوه قد يتركه لأنه قادر على أن يأتي به أية لحظة، ولكن الإنسان الضعيف إذا تملك عدوه لا يتركه أبداً ولأن المرأة مخلوقة ضعيفة يكون كيدها عظيماً، ولضعف المرأة فإنها لا ترتكب جريمتها بالعنف ولا بالمواجهة ولكنها تكيد وتتحايل.

ظاهرة العنف ضد المراة في دول العالم:

   أولاً: في الدول العربية:

العنف في الضفة الغربية وقطاع غزة:

        بينت 53% من النساء الفلسطينيات أنهن تعرضن للضرب على الأقل مرة واحدة خلال العام السابق، فقد تعرضت 33% منهن للدفع والركل والإيقاع، و33% للصفع، و16% للضرب بعصا أو بحزام، و9% هوجمن بأداة حادة كالسكين أو قضيب الحديد من قبل أزواجهن.

        وفيما يتعلق بالعنف النفسي، فقد بينت 9% من النساء الفلسطينيات أنهن تعرضن إلى شكل من أشكال العنف النفسي، كما بينت 52% منهن التعرض للإهانة، والسباب، واللغة البذيئة، وتسميتهن بأسماء مهينة من قبل أزواجهن، مرة واحدة على الأقل خلال العام السابق.

        كما أجبرت 27% أمراة على ممارسة الجنس، وقد تعرضت هؤلاء النساء للأشكال الثلاثة من العنف في آن واحد. وبينت دراسة حديثة أن النساء اللواتي تعرضن للعنف الجسدي والنفسي والجنسي قد أظهرن مستوى أدنى من تقدير الذات، والاكتئاب، والضيق من أولئك اللواتي لم يتعرض للعنف، بالنسب التالية على التوالي: 40%، 33%، 37%.

العنف في الأردن: 

        أجريت دراسة ميدانية حول العنف ضد المرأة في المجتمع الأردني استغرقت 19 شهراً، هدفت إلى الوقوف على حجم وأسباب ظاهرة العنف بكافة أشكالها.

العنف في المغرب: 

        أظهرت مراجعة لملفات قضايا الزوجية بالمحكمة الابتدائية لمدينة الدار البيضاء عددها الإجمالي 3000 ملف، أن 1503 ملف منها يتعلق بالمطالبة بالنفقة، إلا أن تحليلها اظهر تعرض النساء المدعيات للعنف داخل الأسرة. فقد اشتكت 763 مدعية (50.6%) من العنف المرتبط بالإدمان على الخمر، و302 مدعية (13.4%) اشتكت من العنف المرتبط بالإدمان على المخدرات، و316 مدعية (21%) اشتكت من عنف نفسي لا يولي عادة اهتماماً كبيرا يتجلى في إهمال الزوج وعدم تحدثه مع زوجته. وظهر أن الشرائح الاجتماعية التي تستقطب النسبة الأكبر من حالات العنف هى على التوالي: الشريحة المتوسطة (57%)، الشريحة الفقيرة (27.5%)، الشريحة العليا (15.6%).

        وقد أصبح العنف ضد النساء من الموضوعات المحورية في المغرب في السنتين الأخيرتين بعد أن تم في عام 1992 ضبط عميد في الشرطة قام بممارسة الجنس ومختلف أشكال التعذيب الوحشي مع 600 امرأة، وشهد الموضوع نشاطاً مكثفاً من خلال الندوات وصفحات الجرائد، وتم تسليط الضوء على العنف داخل الأسرة، وحق المرأة في السلامة البدنية والنفسية.

العنف في تونس: 

        أجرى الاتحاد الوطني للمرأة التونسية دراسة حول العنف الزوجي عام 1991 أبرزت ضخامة هذه الظاهرة وخصوصياتها. فبالرغم من أن 60% من النساء و51% من الرجال وصفن العنف بأنه غير مقبول، إلا أن هناك اتجاهات لتشريع مثل هذا السلوك، فقد اعتبر 40% من الرجال و30% من النساء ظاهرة العنف ظاهرة بسيطة، واعتقد 44.9% من الرجال و30% من النساء أنه من الطبيعي أن يضرب الرجل المرأة من أجل تقويمها، كما اعتقد 31.6% من الرجال أن العنف ضد المرأة أمر مقبول.

        وتبين الدراسة أن 51.8% من النساء اللواتي يتعرضن للعنف يلجأن إلى العائلة، بينما تتجه 3.9% فقط إلى مراكز الشرطة، 3.5% إلى المحاكم، 4.1% إلى المرشدات الاجتماعيات.

        وبالرغم من أن العنف جريمة يعاقب عليها القانون التونسي، إلا أن العنف الزوجي يعتبر مشروعاً بالثقافة والواقع المعيشي والدين، ويظل من الصعب إنصاف ضحاياه لصعوبة توفير الأدلة، وعدم كفاية الشهادة الطبية.

العنف في مصر: 

        بينت تقارير وسجلات الأمن العام خلال خمس سنوات (1990-1994)، أن هناك 844 قضية هتك عرض، وقد تزايدت جرائم الاغتصاب من 163 قضية في عام 1993 إلى 303 قضية في عام 1994، وفيما يتعلق باغتصاب المحارم، لا تصل إلى علم الشرطة بلاغات حول ذلك إلا بصورة نادرة جداً، إذ تعتبر هذه الحادثة بمثابة إعدام نفسي لما لها من آثار وخيمة. والمعلومات والدراسات حول الموضوع نادرة لصعوبة إجرائها.

        وفي بحث ميداني على 100 رجل و500 امرأة، قامت به جمعيات النديم، والمرأة الجديدة، ونهضة مصر الطبية، أفاد 64% من النساء و68% من الرجال أنهم قد سمعوا عن حالات اغتصاب المحارم، ولم تصل بلاغات بذلك إلى الشرطة.

        يعتبر الختان وفي مصر أحد صور العنف النفسي والجسدي ضد المرأة التي تقترن بالفخر والاحتفال، والإعلان، والتي تنتشر في المجتمع المصري، حيث تكون المرأة والطفلة ضحية دون وعي منها.

        وتعد عملية ختان الإناث من العادات والتقاليد المتوارثة، وتقوم بالحث على عملية ختان الإناث في العادة امرأة هى الأم أو الجدة.

        وفي بحث استطلاعي أجرى عام 1991، وافقت 80% من النساء المصريات و98% من النساء الريفيات على ضرورة ختان الإناث لكبح جماحهن وحماية عرضهن. ويعد الختان نوعاً من الانتهاك البدني للطفلة، وينم عن صورة المجتمع الذي يرى ضرورة ختان الإناث كعملية من عمليات المحافظة على شرف الفتاة، وبالتالي شرف الأسرة، ويرتبط الختان بالتصور السائد عن المرأة كأداة للجنس يجب كبح جماحها، وإلا تعرض شرف الأسرة وشرف الرجل للأذى.

        كما جاء في دراسة عام 1996 أعدها مشروع صحة المرأة والطفل التابع لجمعية تنظيم الأسرة بالقاهرة على عينة مكونة من (6472) فتاة وسيدة من فئات مختلفة (ممرضات، موظفات، طالبات، جامعيات، ومدارس ثانوية، أمهات متعلمات وغير متعلمات)، حيث ظهر أن 91.8% منهن قد أجريت لهن عملية الختان.     

        وأظهر بحث بالمركز القومي للبحوث شمل 331 سيدة أجريت لهن عملية الختان أن الاستمتاع باللقاء الجنسي موجود لدى 41% فقط من الحالات.

العنف في السعودية:

        وعلى الجانب الآخر من الوطن وفي منطقة تعيش سخونة الأحداث أيضاً بسبب الحرب المحتملة في الخليج .. تعيش السعودية حالة من التكتم وعدم الإفصاح عن وضع المرأة والعنف الممارس ضدها، وتأتي الأخبار عن دور المرأة دائماً على استحياء أو حينما تطالب المنظمات الدولية الإنسانية من السعودية بتطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة، إن الأمور دائماً هادئة على السطح .. ملتهبة في الداخل.

        وعن أشكال العنف الممارس داخل المملكة يأتي مقتل 15 طالبة سعودية إثر حريق في إحدى مدارس مكة، حيث منعت هيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الطالبات من الخروج من مبنى المدرسة المشتعل بدون حجاب؛ مما أدى إلى مقتل 15 طالبة وإصابة 50 أخريات مما دفع الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله لإصدار مرسوماً ملكياً بإلغاء الرئاسة العامة لتعليم البنات في السعودية وإلحاقها بوزارة المعارف، وكذلك إحالة الرئيس العام لتعليم البنات إلى التقاعد وتعيين رئيس جديد لهيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

        ثانياً: في الدول الغربية:

العنف في الولايات المتحدة الأمريكية:

        لحق العنف الأسري بشتى أنواعه بأضعف أعضاء الأسرة، أي النساء والأطفال، ولا يزال الكتمان وعدم كفاية الأدلة، والحواجز الاجتماعية والقانونية، تجعل من الصعب الحصول على بيانات مضبوطة عن العنف المنزلي الموجه ضد المرأة، والذي يعتقد علماء الاجتماع أنه أقل ما يبلغ عنه من أنواع الجرائم. ومعظم البيانات عن العنف الموجه ضد المرأة تجمع من دراسات صغيرة، ولا تعطى غير لمحة فحسب، وهى لا يمكن استخدامها في توفير مؤشرات دقيقة عن مدى العنف الموجه ضد المرأة؛ ولكنها تبين بشكل قاطع أن العنف في البيت أمر شائع، وأن المرأة هى ضحيته في أكثر الحالات.

        ففي عام 1981 أشار شتراوس إلى أن حوادث العنف الزوجي منتشرة في (50-60%) من العلاقات الزوجية في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين قدر راسل عام 1982 هذه النسبة بـ 21%، وقدرت باغلو النسبة بأنها تتراوح بين 25-35%، كما بين أبلتون في بحثه الذي أجراه عام 1980 على 620 امرأة أمريكية أن 35% منهن تعرضن للضرب مرة واحدة على الأقل من قبل أزواجهن. وأشارت والكر استناداً إلى بحثها عام 1984 إلى خبرة المرأة الأمريكية الواسعة بالعنف الجسدي، فبينت أن 41% من النساء أفدن أنهن كن ضحايا العنف الجسدي من جهة أمهاتهن، و44% من جهة آبائهن، كما بينت أن 44% منهن كن شهوداً لحوادث الاعتداء الجسدي لآبائهن على أمهاتهن.

        وفي عام 1985 قتل (2928) شخصاً على يد أحد أفراد عائلته، وإذا اعتبرنا ضحايا القتل الإناث وحدهن، لوجدنا أن ثلثهن لقين حتفهن على يد زوج أو شريك حياة، وكان الأزواج مسئولين عن قتل 20% من النساء اللاتي قتلن في عام 1984، في حين أن القتلة كانوا من رفاقهن الذكور في 10% من الحالات.

        أما إحصاءات مرتكبي الاعتداءات ضد النساء في أمريكا: فتبين أن ثلاثة من بين أربعة معتدين هم من الأزواج: 9% أزواج سابقين، 35% أصدقاء، و32% أصدقاء سابقين. إحصائية أخرى تدرس نسبة المعتدين، تبين أن الأزواج المطلقين أو المنفصلين عن زوجاتهم ارتكبوا 79% من الاعتداءات بينما ارتكب الأزواج 21%.

        وقد ثبت أن ضرب المرأة من قبل شريك ذكر لها، هو المصدر الوحيد، والأكثر انتشاراً، الذي يؤدي إلى جروح للمرأة، وهذا أكثر انتشاراً من حوادث السيارات والسلب والاغتصاب كلها مجتمعة.

        وفي دراسة أخرى تبين أن امرأة واحدة من بين أربع نساء، يطلبن العناية الصحية من قبل طبيب العائلة، يبلغن عن التعرض للاعتداء الجسماني من قبل شركائهن.

        من مجموع النساء اللواتي سعين في طلب العناية الصحية من طبيب العائلة، أبلغ 37% منهن على كونهن من الناجيات من حوادث التعذيب الجنسي في مرحلة الطفولة، و29% أبلغن أنه تم الاعتداء عليهن جنسياً بعد البلوغ، والنساء اللواتي كن ضحية لمثل هذه الاعتداءات الجنسية أكثر اكتئاباً من اللواتي لم يتعرضن لها.

        كما تم توزيع بيانات على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية شملت (6000) عائلة أمريكية ونتج عنها أن 50% من الرجال الذين يعتدون بشكل مستمر على زوجاتهم، يعتدون أيضاً وبشكل مستمر على أطفالهم. وتبين أيضاً أن الأطفال الذين شهدوا عنف آبائهم، معرضون ليكونوا عنيفين ومعتدين على زوجاتهم، بنسبة ثلاثة أضعاف، من الذين لم يشهدوا العنف في طفولتهم، أما أولياء الأمور العنيفون جداً فأطفالهم معرضون ألف ضعف ليكونوا معتدين على زوجاتهم في المستقبل.

        والى جانب هذا، تبين أن أكثر من ثلاثة ملايين طفل في السنة هم عرضة لخطر العنف الصادر عن الأبوين، ومليون امرأة في السنة تعانى من كونها ضحية للعنف الذي لا يصل إلى درجة الموت، ويكون هذا الاعتداء من قبل شخص قريب للضحية. هذه الإحصائية تعتبر من أكثر الإحصائيات اعتدالاً.

        وأيضاً تبين أن أربعة ملايين أمريكية تقع تحت اعتداء خطير، من قبل شريك قريب لها خلال سنة. وقرابة 1 من 3 نساء بالغات، يواجهن تجربة الاعتداء عليهن جسمانياً على الأقل مرة واحدة من قبل شريك في فترة النضج. وفي عام 1993 تم توقيف – 575000 – أي ما يزيد عن نصف مليون رجل لارتكابهم العنف ضد النساء.

        وفي خلال عام 1994 تبين أن 21% من حالات العنف التي وقعت المرأة ضحيتها، قد ارتكبت من قبل قريبين، ولكن فقط 4% من حالات العنف ضد الرجل، قد ارتكبت من قبل قريبات. وعليه، فإن   من 90 – 95% من ضحايا العنف العائلي هم من النساء.

        إضافة إلى هذا، تبين أن الأطفال الذين يعيشون في منازل يتم فيها اعتداء الأزواج على بعضهم، معرضون للإيذاء بنسبة تفوق الأطفال الآخرين بـ 1500 مرة، ومن 40 – 60% من الرجال الذين يسيئون معاملة زوجاتهم يعتدون على الأطفال أيضاً، و90% من الأطفال الذين يقتلون تحت سن العاشرة، يقتلون خلال خلاف عائلي، و56% من الأطفال هم دون الثانية.

        وفي عام 1994، (243000) شخص، من الذين تلقوا الإسعاف في غرفة الطوارئ، بسبب الجروح التي نتجت عن العنف، وكان قريب للعائلة هو السبب، وفاق عدد ضحايا الإناث ضحايا الذكور بنسبة 9 : 1.

        كما أن هناك على الأقل أربع ملايين تقرير في حوادث العنف العائلي ضد المرأة كل عام، وقرابة 20% من هذه الحوادث حصلت في المنازل. وفي عام 1991، أكثر من تسعين امرأة قتلت أسبوعياً، تسع نساء من عشر قتلن من قبل رجل. وتستخدم الأسلحة بنسبة 30% من حوادث العنف العائلي. وفي 95% من الاعتداءات الناتجة عن العنف العائلي، الجرائم ترتكب من قبل الرجال ضد النساء.

العنف في بريطانيا:

        أما في بريطانيا فإن أكثر من 50% من القتيلات كن ضحايا الزوج أو الشريك. وارتفع العنف في البيت بنسبة 46% خلال عام واحد إلى نهاية آزار 1992، كما وجد بأن 25% من النساء يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن أو شركائهن، وتتلقى الشرطة البريطانية 100 ألف مكالمة سنوياً لتبلغ شكاوى اعتداء على زوجات أو شريكات، علماً بأن الكثير منهن لا يبلغن الشرطة إلا بعد تكرار الاعتداء عليهن لعشرات المرات. وتشير التقارير إلى أن ما بين ثلث إلى ثلثي حالات الطلاق تعزي إلى العنف في البيت، وبصورة رئيسة إلى تعاطي المسكرات وهبوط المستوى الأخلاقي.

        وقد أظهر استطلاع نشرت نتائجه في بريطانيا، تزايد العنف ضد النساء. ففي استطلاع شاركت فيه سبعة آلاف امرأة: قالت 28% من المشاركات أنهن تعرضن لهجوم من أزواجهن، ويفيد تقرير بريطاني آخر أن الزوج يضرب زوجته دون أن يكون هناك سبب يبرر الضرب، ويشكل هذا 77% من عمليات الضرب. ويستفاد من التقرير نفسه أن امرأة ذكرت أن زوجها ضربها ثلاث سنوات ونصف السنة منذ بداية زواجها، وقالت: لو قلت له شيئاً إثر ضربي لعاد ثانية لذا أبقى صامتة، وهو لا يكتفي بنوع واحد من الضرب بل يمارس جميع أنواع الضرب من اللطمات واللكمات والركلات، والرفسات، وضرب الرأس بعرض الحائط ولا يبالي إن وقعت ضرباته في مواقع حساسة من الجسد. وأحياناً قد يصل الأمر ببعضهم إلى حد إطفاء السجائر على جسدها، أو تكبيلها بالسلاسل والأغلال ثم إغلاق الباب عليها وتركها على هذه الحال لساعات طويلة.

        وتسعى المنظمات النسوية لتوفير الملاجئ والمساعدات المادية والمعنوية للضحايا، ففي خلال اثني عشر عاماً مضت، قامت بتقديم المساعدة، لآلاف الأشخاص من الذين تعرضوا لحوادث اعتداء في البيت، وقد جمعت تبرعات قيمتها 70 ألف جنيه استرليني لإدارة هذه الملاجئ. وقد أنشئت أول هذه المراكز في مانشستر عام 1971، ثم عمت جميع بريطانيا حتى بلغ عددها 150 مركزاً.

العنف في فرنسا:

        تتعرض حوالي مليوني امرأة للضرب في فرنسا، وأمام هذه الظاهرة التي تقول الشرطة أنها تشمل حوالي 10% من العائلات الفرنسية، أعلنت الحكومة أنها ستبدأ حملة توعية لمنع أن تبدو أعمال العنف هذه كأنها ظاهرة طبيعية، وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة: حتى الحيوانات أحياناً تعامل أحسن منهن، فلو أن رجلاً ضرب كلباً في الشارع فسيتقدم شخصاً ما بشكوى إلى جمعية الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته في الشارع فلن يتحرك أحداً. وأضافت في تصريح لوكالة فرانس برس: "يجب الإفهام بأن الضرب مسألة تطالها العدالة، أريد أن يتم التوقف عن التفكير بأن هذا الأمر عادي. وتابعت: إن عالمنا يقر بأن هناك، مسيطراً ومسيطراً عليه؛ إنه منطق يجب إيقافه".

        ونقلت صحيفة فرانس سوار عن الشرطة في تحقيق نشرته حول الموضوع: أن 92.7% من عمليات الضرب التي تتم بين الأزواج تقع في المدن، وأن 60% من دعوات الاستغاثة الهاتفية التي تتلقاها شرطة النجدة في باريس، هى نداءات استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن، وذكرت أمانة سر الدولة لحقوق المرأة أن هناك أنواعاً من العنف الذي يمارس مع المرأة منها معنوي "تهديدات وإهانات" ومنها جسدي "ضرب".

        ولاحظت جمعية نجدة النساء اللواتي يتعرضن للضرب أن النساء اللواتي تستقبلهن تتراوح أعمارهن بين 25 - 35 سنة، ولهن ما معدله طفلان، ومستواهن التعليمي متدن، وهن غالباً معزولات عن عائلاتهن أو جيرانهن، وكثيراً ما أدت ذريعة مثل: المرض، وإدمان الكحول، أو البطالة إلى تفاقم العنف الذي يمارس عليهن، ولكن قليلات من الضحايا يجرؤن على فضح عمليات العنف هذه بسبب الخوف من الانتقام أو بسبب نقص الشجاعة.

        وقالت سيدة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً تحملت عامين من ضرب زوجها، عندما قيل لها أن تترك المنزل: "في فرنسا لا نتحدث عن حياتنا الزوجية، فلا يمكن لأحد أن يأتمن أصدقاءه أو أي أحد على أحد أسراره الشخصية".

        ولقد شبه الكاتب الفرنسي الكسندر دوما ذات يوم الفرنسيات بشرائح اللحم فقال: كلما ضربتهن أصبحن أكثر طراوة.

العنف في كندا:

        في إحصائية كندية شملت النساء المتزوجات، نتج عنها أن العاصمة شهدت حدة اعتداءات ضد الزوجات أكثر من أي مكان في كندا. 36% من الزوجات صرحن بأنهن قد تم الاعتداء عليهن بشكل أو بآخر، لمرة واحدة على الأقل منذ بلوغهن سن السادسة عشر، 81% من الاعتداءات التي رصدها جهاز الشرطة، تبين تورط معتد ذكر، و59% معتدية أنثى، 10% تورط معتد ذكر وأنثى معاً، وما يزيد عن الضعف 53% من هذه الحوادث ثبت أن طرفاً واحداً على الأقل كان تحت تأثير شرب الكحول.

العنف في نيوزلندة: 

        تبعاً لإحصائية رسمية لرصد العنف العائلي أن تقريباً 300 ألف امرأة وطفل كانوا من ضحايا العنف العائلي، وتبعاً لدراسة قام بها مقدمو الخدمات في نيوزلندة، تم الاتفاق على أن معدل انتشار العنف العائلي، يبلغ قرابة 14%، وأشارت دراسات أخرى مشابهة، أن معدل الانتشار هو 1 : 10 أو 1 : 4. وبالرجوع إلى عدد السكان في نيوزلندة في آخر شهر آذار 1994 أتضح أن نسبة طفل واحد من سبعة تساوي 129556 طفلاً، وامرأة واحدة من سبعة تساوي 172125 امرأة، وهذا مجموعه 301691 ضحية للعنف من النساء والأطفال.

العنف في النمسا:

        في عام 1985 ذكر العنف المنزلي كعامل مساعد في فشل الزواج في 59% من 1500 قضية طلاق. وبين تلك الحالات نلاحظ أن 38% من الزوجات المنتميات إلى الطبقة العاملة استدعين الشرطة رداً على الاعتداء عليهن بالضرب المبرح، في حين أنه لم تفعل ذلك غير 13% من النساء المنتميات إلى الطبقة المتوسطة، وغير 4% من المنتميات إلى الطبقة العليا.

العنف في ألمانيا: 

        ذكرت دراسة ألمانية أن ما لا يقل عن مائة ألف امرأة تتعرض سنوياً لأعمال العنف الجسدي أو النفساني التي يمارسها الأزواج، أو الرجال الذين يعاشروهن مع احتمال أن يكون الرقم الحقيقي يزيد عن المليون، وقالت الدراسة أن الأسباب المؤدية إلى استخدام العنف هى البطالة زمناً طويلاً، والديون المالية، والإدمان على المشروبات الكحولية، والغيرة الشديدة، وقد وضعت الوزارة الألمانية الاتحادية لشؤون الشبيبة والأسرة والصحة مشروعاً لتقديم المساعدة من قبل منظمة خيرية على أن يتم ذلك خلال عامين.

العنف في سويسرا:

        يطلق على سويسرا أقدم ديمقراطية في العالم إلا أن هذه الديمقراطية القديمة ظالمة للمرأة وتحمل إساءة بل وإهانة لها، فهذه الديمقراطية لم تمنح المرأة السويسرية حق التصويت في الانتخابات إلا في عام 1971، ولم تنل المرأة حقوقها السياسية إلا في هذه السنة، وكان حق التصويت والترشيد مقصوراً فقط على الرجل.

        ولم ينص القانون السويسري على أن هناك حقوقاً متساوية للرجل والمرأة في الأسرة والتربية والعمل ولم تدخل المرأة السويسرية البرلمان إلا في سنة 1984 وهى سيدة واحدة تدعى إليزابيث كوب Elisabeth Kopp  وقد تعرضت كثير من الضغوط للتقاعد عن العمل السياسي.

        وبالإضافة إلى الإساءة إليها طويلاً من خلال حرمانها من أبسط حقوقها السياسية وهى الانتخاب والترشيح للبرلمان فعن المرأة السويسرية لم تفلت من الإساءة إليها حيث تشير المستشفيات وأقسام الشرطة وبيوت الإيواء إلى تعرض المرأة السويسرية لأشكال الإساءة من القتال إلى الاعتداء البدني الشديد إلى الاغتصاب والتحرش الجنسي إلى الإهانة النفسية والإهمال.

        وهنا يظهر التناقض في البلاد التي تدعو إلى الحرية والمساواة حيث أنهم يقصدون فقط الحرية للرجال أما النساء فهن الجنس الثاني.

العنف في بلغراد (يوغسلافيا سابقاً): 

        كما تمثل يوغسلافيا السابقة شكلاً آخر من أشكال الإساءة إلى المرأة حيث نشبت الحرب الأهلية ومات حوالي نصف مليون فرد في صيف 1993 وترك حوالي 300000 من البوسنة أراضيهم وبقى في البوسنة المسلمة النساء والأطفال والشيوخ فقط وقام الجنود الصرب بالاعتداء على الشيوخ واغتصاب النساء المسلمات.

        وغالباً ما يقترن الاغتصاب بنوع من السادية كحرق للنساء أو جرحهن أو تكسير عظامهن، وأن النساء كن تشعرن بالعجز واليأس وانهيار اعتبار الذات.

        كما أن الجنود عندما عادوا إلى أسرهم بعد الحرب كانوا أكثر عنفاً مع زوجاتهم وأكثر اعتداءاً عليهن بل وأكثر اغتصاباً لهن بالإضافة إلى حدوث حالات اغتصاب وتحرش جنسي من الجنود لأمهاتهم وأخواتهم.

العنف في المجر:

        يعتبر العنف جزء من الثقافة المجرية حيث أن التراث المجري والأغاني تحث الإناث على الصبر في مواجهة عدوان الذكور، والعنف البدني حدث نتيجة لما مرت به المجر من أزمات وحروب.

        وتشير الدراسات إلى أن حوالي 2 مليون سيدة من المجر قد تعرضن للعنف خلال فترات حياتهن، كما يوجد أكثر من مائة مأوى للزوجات المضروبات وأطفالهن، وأشارت الباحثة سزالي Szalay (1996) إلى أنه في عام 1993 فقط كانت هذه هى الإحصاءات الرسمية من أقسام الشرطة والمستشفيات وبيوت الإيواء لظاهر الإساءة للإناث: 5688 اعتداء بدني ضد المرأة، 153 جريمة قتل ضد المرأة، 1239 إساءة نفسية، 346 إساءة جنسية (اغتصاب وتحرش جنسي).

        وأشارت الباحثة إلى أن الدليل على انتشار العنف في المجر هو أن معظم السيدات يحفظن رقم تليفون الطوارئ لاستدعاء الشرطة في حالة الاعتداء عليهن ويحتفظن كذلك بقطع نقود معدنية لطلب الشرطة أو المستشفى في أي وقت ولو في الشارع.

العنف في روسيا: 

        ينتشر العنف ضد المرأة في الاتحاد السوفيتي سابقاً وفي روسيا الآن حيث نشرت صحيفة البرافدا Pravda أنه في سنة 1993 فقط وجد حوالي 148 اعتداء جنسي على المراهقات، كما أشارت الصحيفة إلى أن أكثر حالات الاعتداء الجنسي 55% تكون على نساء تتراوح أعمارهن ما بين 18-31 سنة وقد تعرض حوالي 14 ألف أنثى للقتل و57 ألف للضرب. وهناك أشكال أخرى من الإساءة غير الإساءة الجسمية والجنسية والنفسية وهى استغلال النساء في البغاء والأعمال المنافية للآداب سواء داخل روسيا أو خارجها، بل أن هناك عصابات دولية تستغل البنات الروسيات في أعمال الدعارة في أوربا وفي شتى أنحاء العالم خاصة البنات ذوات الدخل والمستوى الاقتصادي والاجتماعي المنخفض.

        وهناك شكل آخر من أشكال استغلال المرأة غير الدعارة وهو استغلالها في تصوير بعض الأفلام الجنسية وهذه الأفلام قد تحتوي على الجنس والجنس المقترن بالعنف والسادية.

        كما يتم استغلال النساء في تصوير بعض الصور الجنسية وتوزيع وبيع هذه الصور على المراهقين؛ وكل هذا يمثل أشكالاً من الإساءة إلى المرأة التي يجب دراستها والالتفات إليها ودراستها بعمق.

        وأمام تفاقم ظاهرة العنف ضد المرأة عربياً وعالمياً، فكان لزاماً من التدخل لحماية المرأة من جميع صنوف العنف الموجهة ضدها. وعليه أقرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في 18 كانون الأول 1979 (قرار الأمم المتحدة رقم 34/180)، وتم العمل بهذه الاتفاقية في 3 أيلول 1981 وفقاً للمادة 37(1) التي تنص على دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بعد المصادقة رقم 30 عليها. ومنذ شهر أيلول 2000 أصبح عدد الدول التي قامت بالمصادقة على الاتفاقية 167 دولة. وقد نصت الاتفاقية على أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد من جديد الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الفرد وقدره، ومساواة الرجل والمرأة في الحقوق.

        وإذ تلحظ أن الإعلام العالمي لحقوق الإنسان يؤكد مبدأ عدم جواز التمييز، ويعلن أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة في الإعلان المذكور، دون أي تمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الجنس، وإذ تلحظ أن على الدول الأطراف في العهدين الدوليين الخاصيين بحقوق الإنسان واجب ضمان مساواة الرجل والمرأة في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. وإذ تأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات الدولية المعقودة برعاية الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، التي تشجع مساواة الرجل والمرأة في الحقوق.

        وإذ تلحظ أيضاً القرارات والإعلانات والتوصيات التي اعتمدتها الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة للنهوض بمساواة الرجل والمرأة في الحقوق، وإذ يساورها القلق، مع ذلك لأنه يزال هناك، على الرغم من تلك الصكوك المختلفة، تمييز واسع النطاق ضد المرأة، وإذ تشير إلى أن التمييز ضد المرأة يشكل انتهاكاً لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، ويعد عقبة أمام مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعوق نمو رخاء المجتمع والأسرة ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية.

        وإذ يساورها القلق، وهى ترى النساء، في حالات الفقر، لا ينلن إلا أدنى نصيب من الغذاء والصحة والتعليم والتدريب وفرص العمالة والحاجات الأخرى. وإذ تؤمن بأن إقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد، القائم على الإنصاف والعدل، سيسهم إسهاماً بارزاً في النهوض بالمساواة بين الرجل والمرأة. وإذ تنوه بأنه لابد من استئصال شأفة الفصل العنصري وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري والاستعمار الجديد والعدوان والاحتلال الأجنبي والسيطرة الأجنبية والتدخل في الشئون الداخلية للدول إذا أريد للرجال والنساء أن يتمتعوا بحقوقهم تمتعاً كاملاً.

        وإذ تجزم بأن من شأن تعزيز السلم والأمن الدوليين، وتخفيف حدة التوتر الدولي، وتبادل التعاون فيما بين جميع الدول بغض النظر عن نظمها الاجتماعية والاقتصادية ونزع السلاح العام الكامل ولاسيما نزع السلاح النووي في ظل رقابة دولية صارمة وفعالة، وتثبيت مبادئ العدل والمساواة والمنفعة المتبادلة في العلاقات بين البلدان، وإعمال حق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية والاحتلال الأجنبي في تقرير المصير والاستقلال وكذلك من شأن احترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية، النهوض بالتقدم الاجتماعي والتنمية والإسهام، نتيجة لذلك في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة.

        وإيماناً منها بأن التنمية التامة والكاملة لأي بلد، ورفاهية العالم وقضية السلم، تتطلب جميعاً مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل أقصى مشاركة ممكنة في جميع الميادين.

        وإذ تضع نصب عينيها دور المرأة العظيم في رفاهية الأسرة وفي تنمية المجتمع الذي لم يتعرف به حتى الآن على نحو كامل، والأهمية الاجتماعية للأمومة ولدور الوالدين كليهما في الأسرة وتنشئة الأطفال وإذ تدرك أن دور المرأة في الإنجاب لا يجوز أن يكون أساساً للتمييز بل أن تنشئة الأطفال تتطلب بدلاً من ذلك تقاسم المسئولية بين الرجل والمرأة والمجتمع ككل.

        وإذ تدرك أن تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة يتطلب إحداث تغيير في الدور التقليدي للرجل وكذلك في دور المرأة في المجتمع والأسرة. وقد عقدت العزم على تنفيذ المبادئ الواردة في إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة وعلى أن تتخذ لهذا الغرض، التدابير التي يتطلبها القضاء على هذا التمييز بجميع أشكاله ومظاهره قد اتفقت على ما يلي:

الجزء الأول:

المادة 1: لأغراض هذه الاتفاقية يعني مصطلح "التمييز ضد المرأة" أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من إثارة أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.

المادة 2: تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقاً لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

أ -   إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة.

ب-  اتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات، لحظر كل تمييز ضد المرأة.

ج-   فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي.

د-    الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

هـ- اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة.

و-   اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة.

ز-   إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة.

المادة 3: تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولاسيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل.

المادة 4: وتشمل النقاط الآتية:

1-   لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزاً بالمعنى الذي تأخذ به هذه الاتفاقية، ولكنه يجب إلا يستتبع، على أي نحو، الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة.

2-   لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة تستهدف حماية الأمومة، بما في ذلك تلك التدابير الواردة في هذه الاتفاقية، إجراءً تمييزيا.

المادة 5: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتحقيق ما يلي:

أ -   تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة، بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة.

ب-  كفالة تضمين التربية العائلية فهماً سليماً للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بكون تنشئة الأطفال تربيتهم مسئولية مشتركة بين الأبوين على أن يكون مفهوماً أن مصلحة الأطفال هى الاعتبار الأساسي في جميع الحالات.

المادة 6: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال بغاء المرأة.

الجزء الثاني: 

المادة 7: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق فيما يلي:

أ -   التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.

ب-  المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة، وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.

ج-   المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

المادة 8: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، ودون أي تمييز، فرصة تمثيل حكوماتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية.

المادة 9: وتشمل على النقاط التالية:

1-   تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبي، أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج، أن تتغير تلقائياً جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو أن تفرض عليها جنسية الزوج.

2-   تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما.

الجزء الثالث: 

المادة 10: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة لكي تكفل لها حقوقاً مساويا لحقوق الرجل في ميدان التربية، وبوجه خاص لكي تكفل، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة:

أ -   شروط متساوية في التوجيه الوظيفي والمهني، والالتحاق بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية على اختلاف فئاتها، في المناطق الريفية والحضرية على السواء، وتكون هذه المساواة مكفولة في مرحلة الحضانة وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم الفني العالي، وكذلك في جميع أنواع التدريب المهني.

ب-  التساوي في المناهج الدراسية، وفي الامتحانات، وفي مستويات مؤهلات المدرسين، وفي نوعية المرافق والمعدات الدراسية.

ج-   القضاء على أي مفهوم نمطي عن دور المرأة ودور الرجل في جميع مراحل التعليم بجميع أشكاله، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولاسيما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية وتكييف أساليب التعليم.

د-    التساوي في فرص الحصول على المنح والإعانات الدراسية الأخرى.

هـ- التساوي في فرص الإفادة من برامج مواصلة التعليم، بما في ذلك برامج تعليم الكبار ومحو الأمية الوظيفي، ولاسيما البرامج التي تهدف إلى التعجيل بقدر الإمكان بتضييق أي فجوة في التعليم قائمة بين الرجل والمرأة.

و-   خفض معدلات ترك الطالبات الدراسية، وتنظيم برامج للفتيات والنساء اللاتي تركن المدرسة قبل الآوان.

ز-   التساوي في فرص المشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.

ح-   إمكانية الحصول على معلومات تربوية محددة تساعد على كفالة صحة الأسر ورفاهيتها، بما في ذلك المعلومات والإرشادات التي تتناول تنظيم الأسرة.

المادة 11: وتشمل على ما يلي:

1-   تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، نفس الحقوق ولاسيما:

أ -   الحق في العمل بوصفه حقاً ثابتاً لجميع البشر.

ب-   الحق في التمتع بنفس فرص العمالة، بما في ذلك تطبيق معايير اختيار واحدة في شؤون الاستخدام.

ج-   الحق في حرية اختيار المهنة ونوع العمل، والحق في الترقية والأمن على العمل وفي جميع مزايا وشروط الخدمة، والحق في تلقي التدريب وإعادة التدريب المهني، بما في ذلك التلمذة الحرفية والتدريب المهني المتقدم والتدريب المتكرر.

د-    الحق في المساواة في الأجر، بما في ذلك الاستحقاقات، والحق في المساواة في المعاملة فيما يتعلق بالعمل ذي القيمة المساوية، وكذلك المساواة في المعاملة في تقييم نوعية العمل.

هـ- الحق في الضمان الاجتماعي، ولاسيما في حالات التقاعد والبطالة والمرض والعجز والشيخوخة وغير ذلك من حالات عدم الأهلية للعمل، وكذلك الحق في إجازة مدفوعة الأجر.

و-   الحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل، بما في ذلك حماية وظيفة الإنجاب.

2-   توخياً لمنع التمييز ضد المرأة بسبب الزواج أو الأمومة، ضماناً لحقها الفعلي في العمل، تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة:

أ -   لحظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة في الفصل والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية، مع فرض جزاءات على المخالفين.

ب-   لإدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر أو المشفوعة بمزايا اجتماعية مماثلة دون فقدان للعمل السابق أو للأقدمية أو للعلاوات الاجتماعية.

ج-   لتشجيع توفير الخدمات الاجتماعية المساندة للأزمة لتمكين الوالدين من الجمع بين الالتزامات العائلية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة، ولاسيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال.

د-    لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي يثبت أنها مؤذية لها.

3-   يجب أن تستعرض التشريعات الوقائية المتصلة بالمسائل المشمولة بهذه المادة استعراضاً دورياً في ضوء المعرفة العلمية والتكنولوجية، وأن يتم تنقيحها أو إلغاؤها أو توسيع نطاقها حسب الاقتضاء.

المادة 12: وتتضمن النقاط الآتية:

1-   تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

2-   بالرغم من أحكام الفقرة 1 من هذه المادة تكفل الدول الأطراف للمرأة خدمات مناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، موفرة لها خدمات مجانية عند الاقتضاء وكذلك تغذية كافية أثناء الحمل والرضاعة.

المادة 13: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المجالات الأخرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمراة، نفس الحقوق، ولاسيما:

أ -   الحق في الاستحقاقات العائلية.

ب-  الحق في الحصول على القروض المصرفية، والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي.

ج-   الحق في الاشتراك في الأنشطة الترويحية والألعاب الرياضية وفي جميع جوانب الحياة الثقافية.

المادة 14: وتتكون مما يلي:

1-   تضع الدول الأطراف في اعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، والأدوار الهامة التي تؤديها في توفير أسباب البقاء اقتصادياً لأسرتها، بما في ذلك عملها في قطاعات الاقتصاد غير النقدية، وتتخذ جميع التدابير المناسبة لكفالة تطبيق أحكام هذه الاتفاقية على المرأة في المناطق الريفية.

2-   تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المناطق الريفية لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، أن تشارك في التنمية الريفية وتستفيد منها، وتكفل للريفية بوجه خاص الحق في:

أ -   المشاركة في وضع وتنفيذ التخطيط الإنمائي على جميع المستويات.

ب-   الوصول إلى تسهيلات العناية الصحية الملائمة، بما في ذلك المعلومات والنصائح والخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

ج-   الاستفادة بصورة مباشرة من برامج الضمان الاجتماعي.

د-    الحصول على جميع أنواع التدريب والتعليم الرسمي وغير الرسمي، بما في ذلك ما يتصل منه بمحو الأمية الوظيفي، وكذلك التمتع خصوصاً بكافة الخدمات المجتمعية والإرشادية، وذلك لتحقق زيادة كفاءتها التقنية.

هـ- تنظيم جماعات المساعدة الذاتية والتعاونيات من أجل الحصول على فرص اقتصادية مكافئة لفرص الرجل عن طريق العمل لدى الغير أو العمل لحسابهن الخاص.

و-   المشاركة في جميع الأنشطة المجتمعية.

ز-   فرصة الحصول على الائتمانات والقروض الزراعية، وتسهيلات التسوية والتكنولوجيا المناسبة، والمساواة في المعاملة في مشاريع إصلاح الأراضي والإصلاح الزراعي وكذلك في مشاريع التوطين الريفي.

ح-   التمتع بظروف معيشة ملائمة، ولاسيما فيما يتعلق بالإسكان والمرافق الصحية والإمداد بالكهرباء والماء والنقل والمواصلات.

المادة 15: وتشمل ما يلي:

1-   تعترف الدول الأطراف للمرأة بالمساواة مع الرجل أمام القانون.

2-   تمنح الدول الأطراف المرأة، في الشئون المدنية، أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، وتساوي بينها وبينه في فرص ممارسة تلك الأهلية، وتكفل للمرأة، بوجه خاص، حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في إبرام العقود وإدارة الممتلكات، وتعاملهما على قدم المساواة في جميع مراحل الإجراءات القضائية.

3-   تتفق الدول الأطراف على اعتبار جميع العقود وسائر أنواع الصكوك الخاصة التي يكون لها أثر قانوني يستهدف الحد من الأهلية القانونية للمرأة باطلة ولاغية.

4-   تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم.

المادة 16: وتتضمن النقاط الآتية:

1-   تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة:

أ -   نفس الحق في عقد الزواج.

ب-   نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.

ج-   نفس الحقوق والمسئوليات أثناء الزواج وعند فسخه.

د-    نفس الحقوق والمسئوليات بوصفهما أبوين، بغض النظر عن حالتهما الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالهما وفي جميع الأحوال، يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

هـ- نفس الحقوق في أن تقرر، بحرية وبإدراك للنتائج، عدد أطفالها والفاصل بين الطفل والذي يليه، وفي الحصول على معلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.

و-   نفس الحقوق والمسئوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأعراف، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

ز-   نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة ونوع العمل.

ح-   نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتع بها والتصرف فيها، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض.

2-   لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية بما في ذلك التشريعي منها، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمراً إلزامياً.

الآثار المترتبة عن العنف ضد المرأة:

        هناك آثار نفسية واجتماعية واقتصادية مترتبة عن العنف ضد المرأة؛ يمكن إيجازها فيما يلي:

[1]  الآثار النفسية للعنف على المرأة:

        قد يكون من الصعب حصر الآثار التي يتركها العنف على المرأة، وذلك لأن المظاهر التي يأخذها هذا الجانب كثيرة ومتعددة. ومع ذلك نستطيع أن نضع أهم الآثار وأكثرها وضوحاً وبروزاً على صحة المرأة النفسية والعقلية، هذا بالطبع لا يعني أن المرأة تتعرض لها جميعها، بل قد تتعرض لواحد من هذه المظاهر حسب درجة العنف الممارس ضدها:

  • فقدان المرأة لثقتها بنفسها، وكذلك احترامها لنفسها.
  • شعور المرأة بالذنب إزاء الأعمال التي تقوم بها.
  • إحساسها بالاتكالية والاعتمادية على الرجل.
  • شعورها بالإحباط والكآبة.
  • إحساسها بالإذلال والمهانة.
  • عدم الشعور بالاطمئنان والسلام النفسي والعقلي.
  • اضطراب في الصحة النفسية.
  • فقدانها الإحساس بالمبادرة والمبادئة واتخاذ القرار.

        لا شك أن هذه الآثار النفسية، أو بعضها تفضي إلى أمراض نفسية أو نفسية – جسدية متنوعة كفقدان الشهية، اضطراب الدورة الدموية، اضطرابات المعدة أو البنكرياس، آلام وأوجاع وصداع في الرأس .. الخ.

[2]  الآثار الاجتماعية للعنف:

        تعتبر هذه الآثار من أشد ما يتركه العنف على المرأة، ولا نبالغ إذا ما قلنا أنها الأخطر والأبرز، ويمكن إبراز أهم وأخطر هذه الآثار فيما يلي:

1-   الطلاق.

2-   التفكك الأسري.

3-   سوء واضطراب العلاقات بين أهل الزوج وأهل الزوجة.

4-   تسرب الأبناء من المدارس.

5-   عدم التمكن من تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة نفسية واجتماعية متوازية.

6-   جنوح أبناء الأسرة التي يسودها العنف.

7-   العدوانية والعنف لدى أبناء الأسرة التي يسودها العنف.

8-   يحول العنف الاجتماعي ضد المرأة عن تنظيم الأسرة بطريقة علمية سليمة.

        أي أنه يقف عائقاً أمام هذا التنظيم من جهة، ويبعثر دخولاتهم الاقتصادية ويشتتها في أمور غير ضرورية من جهة أخرى.

[3]  الآثار الاقتصادية للعنف:

        يرى العديد من الباحثين في العلوم الاجتماعية أن الوضع اللاإنساني الذي تعيشه المرأة في المجتمع، سواء المجتمعات العربية أم الغربية على حد سواء، ما هو إلا نتائج لوضعها الاقتصادي السيء الذي لا يكاد يكون المسئول عن جميع أوضاعها الأخرى الاجتماعية والسياسية والنفسية. ونحن وإن كنا نتفق مع هذا الاتجاه في تحليل وضع المرأة العربية الراهن إلى حد كبير، ومع ذلك نقول أنه يصعب عزل هذه الأوضاع عن بعضها، وبالتالي يصعب عزل آثارها. فهي متداخلة إلى حد يكاد يكون من المتعذر فهمها منفردة، فعلى سبيل المثال فإن ظاهرة العنف الممارس على المرأة بشكل رئيسي، وعلى الأولاد بصفتهم الملحق داخل الأسرة، لا يعكس في الحقيقة حجم العنف المعنوي والاجتماعي فحسب، بل أيضاً حجم العنف الاقتصادي وبما يحدثه من خلل واضطرابات في البنية الاقتصادية. حيث يفوت هذا العنف على الأفراد فرص تدريبهم وإعدادهم لسد ثغرات العمل من جهة، واستيعابهم في سوق العمل بشروط أفضل من جهة ثانية.

        ولعل أهم وأخطر الآثار السلبية التي يتركها العنف الاقتصادي على الأسرة والمجتمع هو إعاقة متطلبات التنمية الاقتصادية. حيث أن العنف مسئول عن دفع أعداد من الأيدي العاملة غير الماهرة (ذكوراً وإناثاً) إلى سوق العمل وخضوعهم للظلم الاجتماعي والمعاملة المجحفة بحقهم. هذا في الواقع إن وجدوا أمامهم فرص عمل.

        وبناءاً على ما تقدم، ومع استمرار تدني نسبة مشاركة المرأة في العمل المنتج يمكن القول أن العنف الأسري يعيق اندماج المرأة في الحياة الاقتصادية – الإنتاجية، ويفوت فرصة الدولة الاستفادة من الطاقة النسائية والشبابية الكامنة، وكذلك فرصة توظيف هذه الطاقات في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

        وأخيراً، يمكن القول بدرجة عالية من الثقة واليقين أن آثار العنف ونتائجه سواء على المرأة أو الأسرة أو المجتمع متداخلة ومتشابكة وما الفصل الذي قمنا به هنا بينهما سوى عملية توضيحية فقط، فالنتائج التي يتركها العنف إنما تتداخل وتتفاعل معاً ويفضي بعضها إلى البعض الآخر ليشكل خطراً فعلياً وجسيماً يهدد البنى الاجتماعية والاقتصادية للأسرة والمجتمع على حد سواء. ولعل أهم هذه الآثار يتمثل – كما أشرنا – في تهديد وإعاقة سياسات التنمية والتغير الاجتماعي. لذا، قد يتعثر تقدم المجتمع إلى الأمام، وتتعثر عملية التنمية الاجتماعية ما لم يتم مكافحة كافة أنواع التمييز ضد المرأة. وهذا التمييز الذي يقف إلى حد كبير وراء العديد من أشكال العنف الأسري. لذا لابد من ذكر بعض الإجراءات السريعة التي تخفف أو تقلل من ممارسة التمييز أو العنف ضد المرأة وهي:

1-   إجراءات قانونية وبخاصة في مجال التشريعات وقوانين الأحوال الشخصية.

2-   إجراءات ثقافية واجتماعية وإعلامية تتعلق بالموروث الشعبي والعادات والصور النمطية المجحفة بحق المرأة.

3-   إجراءات اقتصادية تسمح بدخول المرأة مجال العمل.

نظريات العنف:

        هناك العديد من النظريات التي وضعت لتفسير العنف أو السلوك العنيف، وقد أوضحت إقبال السمالوطي (1997) في دراستها بعض النظريات المرتبطة بالعوامل البيئية المفسرة للعنف نحو المرأة مثل، نظرية الضغط البيئي والنظرية الاجتماعية ونظرية الحرمان البيئي ونظرية الإحباط ونظرية المهمشين ونظرية التعليم الاجتماعي. وأوضحت أيضاً بعض النظريات المرتبطة بالعوامل الشخصية المفسرة للعنف ضد المرأة مثل: نظرية الأصول البيولوجية الغريزية، ونظرية الكوليسترول ونظرية المخ.

        وتناولت دراسة هيللر Hellier (1991) نظرية الاستهداف للعنف، ويقصد بها وجود استعداد داخلي للعنف والعدوان. حيث أكدت البحوث الفسيولوجية على العلاقة بين بعض أشكال الخلل الوظيفي للأعضاء وبين السلوك العنيف. كما إنه ميل نحو اتخاذ العنف كأسلوب للاستجابة في علاقات التفاعل. ويرى عيسوي (1999) في دراسته أن هناك نوعان من الأشخاص، منهم الذي ينظر لغيره من الناس كما لو كانوا آلات لا تحس ولا تشعر وقد خلقوا لخدمة حاجاته وأغراضه. ونوع آخر من الأشخاص يشعر بأنه قابل للإهانة والجرح ويتوهم أن المجتمع يضطهده ويبخس حقوقه ويتآمر عليه. ونرى أن هذين النوعين من الأشخاص يعتقدون أن العلاقات الإنسانية تعتمد على القوة. فهؤلاء الناس يبذلون جهداً خارقاً لتحقيق   ذواتهم وتاكيدها، ولكن بصورة مرضية وشاذة وغير مقبولة دينياً وخلقياً واجتماعياً، فهو يريد أن يثبت ذاته على حساب حقوق الآخرين. هذه هى طبيعة استهداف العنف. وترى الباحثة أن هذا يتفق مع طبيعة العنف الموجه ضد الزوجة من زوجها.

        وتناولت دراسة أفاكام Avakame (1993) عدة فروض من بينها الفرض المأخوذ من النظرية النسوية، ويقول بأن العنف بين الأزواج مرتبط بالاختلاف في المكانة والسلطة. أي كلما زادت المكانة الاقتصادية وسلطة صنع القرار لدى الزوج مقارنة بمكانة وسلطة الزوجة، كلما زادت فرص ممارسة العنف ضد الزوجات، والدراسة أثبتت صحة هذا الفرض نظراً لإدراك الرجل بأن النساء (الزوجات) أقل سلطة وقوة منهم.

        وتناولت دراسة إجلال إسماعيل (1999) نظرية التعلم الاجتماعي وهى أن العنف الأسري يتم تعلمه داخل الأسرة والمدرسة ومن وسائل الإعلام، كما أن الأفعال العنيفة الأبوية لمحاولة التأديب والتهذيب تلعب دوراً في عنف الأبناء، والعلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء والخبرات التي مر بها الطفل من علاقات أسرية عنيفة، تشكل شخصية الفرد عند البلوغ، لذلك فإن سلوك العنف ينتقل عبر الأجيال وأوضحت أيضاً أن عديد من الدراسات أثبتت أن الأطفال الذين يشبون في أسر عنيفة أكثر قابلية لأن يكونوا هم أنفسهم عدوانيين في تصرفاتهم.

        كما تناولت أيضاً نفس الدراسة السابقة نظريتي المصدر والتبادل ودراسة العنف الأسري: حيث أوضحت أن أهم المصادر التي قد تزيد من عنف الزوج أو الزوجة؛ الوضع الاجتماعي للزوج – مستوى تعليم الزوجة بالمقارنة بالزوج، مقارنة عمل الزوجة بعمل الزوج. وتحقيق صدق الفرضية القائلة بأن الأزواج أصحاب المصادر الخارجية المنخفضة أكثر ميلاً للإيذاء الجسدي لزوجاتهم، ولقد أفادت عديد من الدراسات أن إيذاء الزوجة يحدث على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن يبدو أنه أكثر شيوعاً وأشد قسوة في الطبقة الدنيا، وإنه كلما انخفض الدخل كلما ارتفع الإيذاء الجسدي للزوجة وكلما ارتفع مستوى تعليم كل من الأزواج كلما انخفض فيها معدلات الإيذاء الجسدي.

        ولكن تباين الزوجين في المكانة المهنية ومستوى التعليم والمستوى الاقتصادي لصالح الزوجة يؤدي إلى زيادة توجيه الإيذاء البدني لها. وهناك نظرية أخرى تعرف باسم البناء الاجتماعي وهى تفسر الاحتمالات المتزايدة للعنف الأسري في الطبقات الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة، حيث يعاني الأفراد والأسر من الإحباط نتيجة لمكانتهم الاجتماعية المتدنية ومن قلة مصادرهم المادية والعاطفية والنفسية والاجتماعية، وعدم قدرة الزوج على تحمل مسئوليات الأسرة مما يدفعه إلى الإيذاء الجسدي للزوجة.

        ونظراً لتفشي ظاهرة العنف ضد المرأة عربياً وعالمياً؛ أصبح هناك وفرة في البحوث الامبيريقية في هذا الصدد. فقد ناقشت دراسة مايزل Maisel (1991) العلاقة بين الإعزاءات السببية حول الصراعات الزوجية ومستويات العنف الزواجي والتأزم. وتكونت عينة الدراسة من 82 زوجاً من المقيمين في كاليفورنيا وقام المفحوصون بتقدير السلوكيات السلبية للشريك وصراعين واقعيين من خلال سبعة أبعاد للعزو السببى. وقامت الدراسة بالربط بين تقارير الأزواج للعزو وبين تقاريرات الأزواج للعنف الزواجي والتأزم الزواجي.

        وأشارت الدراسة إلى وجود علاقة بين العزو والتأزم الزواجي على الأبعاد السبعة للعزو لدى الذكور وخمسة أبعاد لدى الإناث. وبلغت نسبة تباين الإعزاءات لدى الأزواج والزوجات 62% من حجم التباين الكلي في التأزم الزواجي. بينما وجدت الدراسة علاقة بين بعدين من أبعاد العزو لدى الأزواج وبعد واحد لدى الزوجات وبين العنف الزواجي وكانت نسبة تباين الإعزاءات لدى الأزواج والزوجات 34% من التباين الكلي في العنف الزواجي وأشارت الدراسة أيضاً إلى أنه عندما تم الربط بين هذه الإعزاءات وتاريخ العقوبات البدنية لدى الفرد في فترة الطفولة وإدمان المخدرات لدى الزوجات بلغت نسبة تباينهم من حجم التباين الكلي 63% في العنف الزواجي.

        وتشير هذه النتائج إلى أن الإعزاءات الزواجية تلعب دوراً هاماً في حدوث العنف الزواجي وضرورة إجراء المزيد من البحوث حول هذه العلاقة.

        وافترضت دراسة ماجيو Maggio (1991) أن العوامل المرتبطة بالعنف الزواجي تزداد أهميتها عندما تتضامن معاً بدلاً من حدوثها بشكل منفرد. وتكونت عينة الدراسة من 92 من الأزواج في سلاح البحرية الأمريكي. وتم قياس العنف الزواجي من خلال تقديرات الزوجات على مقياس استراتيجيات الصراعات. وقد حددت الباحثة العوامل المرتبطة بالعنف وهى العدوان اللفظي/السلبي، ووجهة الضبط الزواجية، والرضا الزواجي.

        وأوضحت الدراسة أن هناك علاقة بين العدوان بين الأبوين (أبوي الزوجين) وبين العنف الزواجي ويتداخل في هذه العلاقة وجهة الضبط الزواجية والعدوان السلبي/اللفظي تجاه الزوج. وأشارت الدراسة إلى صحة الفرض الأساسي في الدراسة حيث تزداد نسبة تباين العوامل المرتبطة بالعنف عندما تتداخل معاً وتكون مسئولة عن نسبة أكبر من التباين في العنف.

        وهدفت دراسة ويفر Weaver  (1993) الكشف عن العلاقة بين الضغط الوالدي، والعنف الزواجي، والمشكلات الزواجية لدى الطفل. وتكونت عينة الدراسة من 27 امرأة ممن يمارس ضدهن العنف الزواجي، و28 امرأة ممن لا يمارس ضدهن العنف. وأوضحت النتائج أن زيادة الضغط الوالدي يؤدي إلى زيادة المشكلات السلوكية لدى الأطفال بغض النظر عن حالة الأمهات اللاتي يمارس ضدهن العنف أو لا. وأشارت النتائج أيضاً إلى أن الأمهات اللاتي يمارس ضدهن العنف لديهم ضغوط والدية أعلى ويدركون أطفالهن بشكل أكثر من حيث معانتهم بمشكلات سلوكية داخلية أو خارجية. كما أن هؤلاء الأمهات يدركن أن الأبناء الذكور لديهم مشكلات سلوكية عامة ومشكلات سلوكية داخلية أكثر من الإناث بينما تظهر الإناث مشكلات خارجية أكثر من الذكور. وأوضحت الدراسة إلى أن أهم المنبئات بالمشكلات السلوكية لدى الأطفال هو الضغط الوالدي والعنف غير البدني. وأوضحت الدراسة أن المحاولات التي تسعى إلى زيادة فعالية أساليب المعاملة الوالدية لدى الأمهات اللاتي يمارس ضدهن العنف يجب أن تضع في اعتبارها مصادر الضغوط، وشدة العدوان البدني وغير البدني، وتراكم الضغوط.

        وتناولت دراسة أنجلين Anglin (1994) التعرف على قدرات حل المشكلات لدى الأزواج الذين يمارسون العنف الزواجي بالمقارنة بالأزواج الذين لا يمارسون العنف الزواجي باستخدام نموذج تجهيز المعلومات الاجتماعية Social information processing. واتبعت الدراسة الخطوات الآتية: قام الباحث بمقارنة الأزواج والزوجات كلا المجموعتين، ثم قام بتطبيق مقياس لتحديد استجاباتهم للمواقف المشكلة الزواجية وغير الزواجية وذلك لتحديد ما إذا كان الأفراد العنيفون لديهم مشكلات في المهارات العامة لحل المشكلات والمهارات الخاصة بالعلاقات. وتكونت عينة الدراسة من ثلاث مجموعات وهى:

1-   المجموعة الأولى (25) زوجاً من الذين يمارسون العنف الزواجي والمتأزمين زواجياً.

2-   المجموعة الثانية (10) أزواج المتأزمين زواجياً ولا يمارسون العنف الزواجي.

3-   المجموعة الثالثة (23) زوجاً من غير المتأزمين زواجياً ولا يمارسون العنف الزواجي.

        وقام الباحث بسؤال كل زوج ماذا ستقول وتفعل في هذا الموقف؟ وذلك في (13) موقفاً تصف مواقف صراع زواجي، و(9) مواقف صراع غير زواجي (مع الرئيس في العمل، الأصدقاء، الآباء) وتم تسجيل هذه الاستجابات على شرائط كاسيت.

        وأوضحت النتائج صحة افتراضات الدراسة حيث كان الأزواج العنيفون أقل كفاءة في مواجهة المشكلات أو المواقف المشكلة سواء الزواجية أو غير الزواجية إذا ما قورنوا بأقرانهم الذين لا يمارسون العنف الزواجي وهو ما يتفق مع افتراض الدراسة الأساسي أن الأزواج العنيفين أقل كفاءة في مهارات حل المشكلة. ولم تجد الدراسة فروقاً باختلاف النوع.

        وحاولت دراسة بروم Brumm (1994) التعرف على العوامل النيوروسيكولوجية والنفسية المرتبطة بالعنف الزواجي لدى عينة إكلينيكية. وأوضح الباحث أن العنف الزواجي يعتبر من أخطر المشكلات القومية في الولايات المتحدة وبرغم ذلك فإن عدداً قليلاً من الدراسات حاول استقصاء العلاقة بين العنف الزواجي والإعاقات النيورونفسية وحاولت الدراسة الإجابة على التساؤل إذا ما كان الذكور الذين اعتادوا العنف ضد زوجاتهم لديهم مشكلات في التحكم في الدوافع ويتميزون بالاندفاع وعلاقة العنف الزواجي بالتهور والاندفاع واستخدام استراتيجيات التخلص من الصراعات.

        وتكونت عينة الدراسة من 40 مفحوصاً ممن يعالجون في إحدى المراكز العلاجية للعلاج من العنف الزواجي والذين تختلف طبيعة ومدى سلوكياتهم العدوانية والعنيفة. وقام متخصص نفسي في العنف الزواجي بإجراء مجموعة من المقابلات مع المفحوصين. كما تم تطبيق مجموعة من الأدوات عليهم. واستخدم الباحث تحليلات الانحدار المتعددة لمعرفة ما إذا كانت المقاييس النيورونفسية ستبدأ بالاندفاع والتهور واستراتيجيات التخلص من الصراعات والتي أثبتت التحليلات صحة ذلك. وأوضحت النتائج إنه بالرغم من أن المفحوصين لم يظهروا مشكلات نيورونفسية بشكل عام، إلا أن نمط استجابتهم على الاختبارات النيورونفسية يمكن التنبؤ من خلالها بالاندفاعية والتهور والعدوان اللفظي واستخدام استراتيجيات التخلص من الصراعات كما ظهر على مقياس الاندفاعية.

        وناقشت دراسة بابالا Papalla (1994) العنف الزواجي خلال الثلاث سنوات الأولى من الزواج. وقد أشارت الدراسات التي تناولت الزوجات اللاتي يمارس ضدهن العنف إلى أن عنف الأزواج ضد الزوجات يحدث آثاراً نفسية وبدنية عميقة كما أشارت الدراسات إلى ارتفاع معدلات العنف من الأزواج ضد الزوجات أعلى من العكس بينما أشارت بعض الدراسات إلى تماثل هذه المعدلات بين الأزواج والزوجات. وقد ناقشت عدد قليل من الدراسات الآثار التي يحدثها عنف الزوجات ضد أزواجهن خاصة العنف اللفظي من آثار نفسية.

        وتكونت عينة الدراسة من 147 زوجاً وزوجة من إحدى المناطق الحضرية في نيويورك والذين اشتركوا في إحدى الدراسات الطولية حول الزواج وذلك في العام الأول والثالث لزواجهم واستخدم الباحث مقياس استراتيجيات الصراعات، الرضا الزواجي، الصحة النفسية، قوة اتخاذ القرار. وأشارت النتائج إلى أن عنف الزوجة ضد الزوج لا يقلل من الرضا الزواجي لدى الأطفال أو الصحة النفسية. بينما كان مستوى العدوان اللفظي والعنف البدني خلال العام الثالث من الزواج مرتبطاً بالرضا الزواجي أو الصحة النفسية لدى الزوجات.

        واستهدفت دراسة دومينجيز Dominguez (1995) التعرف على ادراكات واستجابات وردود أفعال الأطفال للعنف الزواجي والصراعات الزواجية. وقام الباحث بمراجعة التراث النفسي الذي أشار إلى أن السلوك المدرك له أثر كبير على الطفل أكثر من المستوى الموضوعي للصراع. واستخدم الباحث مقياس ادراكات الراشدين لاستراتيجيات الصراع لقياس ادراكات الأطفال لمستوى وشدة العنف والصراع الزواجي لوالديهم. كما استخدم الباحث مقياس ردود الأفعال لاستراتيجيات الصراع لقياس ادراكات الأطفال لردود أفعالهم في مواجهة مواقف الصراع والعنف الزواجي والذي يتضمن مجموعة من ردود الأفعال العاطفية والانفعالية وكلا المقياسين يعتمد على الصور والأشكال.

        وأسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج أهمها وجود علاقة بين ادراكات الأطفال للعنف والصراع بين الوالدين وبين ادراكات الآباء للصراع والعنف الزواجي وكذا مستوى الرضا الزواجي خاصة لدى الأمهات. كما أوضحت النتائج أيضاً أن ادراكات الأطفال لردود أفعالهم للعنف الزواجي ترتبط ارتباطاً دالاً بتقريرات الأم حول ردود أفعال أبناءهن للصراع والعنف الزواجي.

        كما أوضحت النتائج أن ادراكات الأطفال للعنف والصراع الزواجي وردود أفعالهم للصراع الزواجي ارتباطاً دالاً.

        وهدفت دراسة كاستليتون Castleton (1995) إلى التعرف على العلاقة بين أنماط التواصل بين الزوجين، ومدى حدوث العنف البدني، ومستوى التوافق الزواجي. كما حاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين تاريخ التوافق الزواجي، والمتغيرات الديموجرافية، والعدوان البدني والاتجاه نحو العلاقات الاجتماعية والعاطفة وبين أنماط التواصل بين الزوجين الذين يمارسون العنف البدني والذين لا يمارسون عنفاً بدنياً زواجياً.

        وتكونت عينة الدراسة من 32 زوجاً (رجلاً وأمراة) والذين تم قياس متغيرات الدراسة لديهم وتم تسجيل بعض المناقشات معهم على شرائط كاسيت. وقام الباحث بتقسيم الأزواج إلى خمس مجموعات وفقاً لمستوى التوافق الزواجي ووجود أو عدم وجود العدوان البدني.

        ووجدت الدراسة علاقة بين الثقة وبين التوافق الزواجي. ولم تجد الدراسة علاقة بين الثقة وبين العدوان البدني، في حين ارتبط العدوان البدني والعداوة. وأشارت الدراسة إلى عدم وجود علاقة بين السيطرة والسيادة وبين العدوان البدني، ولكن أشارت النتائج إلى أن مجموعتين من الثلاث مجموعات اللاتي يسيطر فيها الزوج يحدث فيها عدوان بدني. وأوضحت الدراسة أيضاً أن حجم التبادل والتواصل في الحديث يرتبط ارتباطاً موجباً بالتوافق الزواجي وارتباطاً سالباً بالعدوان البدني، بينما ارتبط الجمود في المحادثات سلبياً بالتوافق الزواجي.

        واستهدفت دراسة بيج Page (1995) التعرف على العلاقة بين الموارد الاقتصادية وبين العنف الزواجي وذلك من خلال الإجابة على التساؤلات الآتية: (1) ما هي العلاقة بين الموارد الاقتصادية economic resources والعنف الزواجي؟ أو ما هي آثار الدخل الأسري، الممتلكات الأسرية، الاستقلال الاقتصادي للمرأة على العنف الزواجي؟ (2) هل يؤثر دعم الرجل الأيديولوجي للمساواة بين الجنسين في شرح وتفسير العلاقة بين الموارد الاقتصادية والعنف الزواجي؟، (3) هل يمكن تفسير العلاقة بين الموارد الاقتصادية والعنف الزواجي في ضوء الصراع الزواجي؟، (4) هل تؤثر مقاييس الموارد الاقتصادية واستقلال المرأة الاقتصادي تأثيراً مختلفاً على العنف الزواجي.

        وقام الباحث بمراجعة التراث النظري الذي أكد على أن الدخل الأسري المرتفع واستقلال المرأة الاقتصادي يقلل من العنف الزواجي. وتكونت عينة الدراسة من 2827 امرأة وزوجاً من الذين اشتركوا في المسح القومي للأسر. وأوضحت النتائج أن الأزواج الذين يمتلكون المنزل الذي يعيشون فيه تنخفض معدلات العنف الزواجي بينهم. ولم تجد الدراسة علاقة بين الدخل المادي للأسرة أو الاستقلال الاقتصادي للمرأة وبين العنف الزواجي. وأشارت النتائج أيضاً إلى أن دعم الرجل الأيديولوجي لفكرة المساواة بين الجنسين لا تلعب دوراً هاماً في تفسير العلاقة بين الموارد الاقتصادية والعنف الزواجي.

        وقارنت دراسة أنسون وساجي Anson & Sagy (1995) بين السيدات في الأسر التي يسودها العنف الزواجي والتي لا يسودها العنف الزواجي في بعض المتغيرات وهى: الاتجاهات نحو القوة الزواجية والعنف، حل الصراعات الاعتمادية، صورة الذات، وإدراك الزوج. وأشارت الدراسة إلى أن 29 من السيدات قررن تعرضهن لحالة واحدة على الأقل من العنف الزواجي خلال العام الماضي.

        وأشارت النتائج إلى وجود علاقة بين العنف الزواجي والصعوبات الاقتصادية، وأساليب حل الصراعات لدى كلا الزوجين. كما أشارت النتائج إلى أن الزوجات في الأسر التي يسودها العنف الزواجي لديهم اتجاهات مختلفة نحو تحكم الزوج control، والعنف الزواجي، كما أنهن  معتمدات انفعالياً على أزواجهن. وتشير النتائج إلى احتمالية وجود نمطين من العنف الزواجي.

        وهدفت دراسة ماركز Marks (1996) إلى التعرف على العلاقة بين العنف الزواجي وفعالية أساليب المعاملة الوالدية parenting self-efficacy وتوافق الأطفال من الأمهات الذين يمارس ضدهن العنف. وحاولت الدراسة الكشف عن العوامل التي تحدد مشكلات التوافق لدى هؤلاء الأطفال. وتكونت عينة الدراسة من 23 امرأة من اللاتي يمارس ضدهن العنف ولديهن أطفال تتراوح أعمارهم بين 4-6 سنوات. وقام الباحث بتطبيق مجموعة من الأدوات لقياس مدى الصراع في المنزل، وفعالية أساليب المعاملة الوالدية، وكفاءة الأطفال الاجتماعية، والمشكلات الانفعالية والسلوكية. وقام الباحث بتحليل البيانات باستخدام اختبار "ت" ومعاملات الارتباط التي حاولت الربط بين النوع ومدى العدوان في الأسرة وفعالية أساليب المعاملة الوالدية لدى الأمهات وبين درجة السلوك المشكل لدى الطفل.

        وتوصلت الدراسة إلى أن 38% من الأطفال في الدراسة يعانون من مشكلات سلوكية ولم تجد الدراسة علاقة بين النوع ومدى العنف الزواجي في المنزل وبين السلوك المشكل لدى الطفل كما لم تجد الدراسة علاقة بين النوع ومدى العنف الزواجي في المنزل وبين فعالية أساليب المعاملة الوالدية، بينما وجدت الدراسة أن العنف من الزوجة تجاه الزوج wife-to-husband violence يرتبط بالمشكلات السلوكية وفعالية أساليب المعاملة الوالدية. كما وجدت الدراسة علاقة بين فعالية أساليب المعاملة الوالدية والمشكلات السلوكية لدى الطفل (المشكلات الداخلية والخارجية) كما ارتبط هامشياً بالكفاءة الاجتماعية.

        ويمكن في ضوء هذه النتائج استنتاج ما يلي:

أولاً:  أن الأطفال الذين يشاهدون العنف الزواجي يكونون أكثر عرضة لمشكلات التوافق.

ثانياً:  أن فعالية أساليب المعاملة الوالدية ترتبط بالمشكلات السلوكية لدى الطفل.

        وقام مورفي وأوفاريل Murphy & O'Farrel (1996) بدراسة استهدفت اختبار الافتراض القائل بأن الذكور المدمنين للكحوليات يكونون أكثر عنفاً تجاه زوجاتهم. وتبنت الدراسة افتراضاً أن الذكور المدمنين للكحول الذين يعتدون بدنياً على زوجاتهم يختلفون عن المدمنين الذين لا يعتدون بدنياً على زوجاتهم وبالتالي فإن إدمان الكحول لا يقف بمفرده عاملاً وراء العنف تجاه الزوجات. كما أن ذلك يختلف باختلاف درجة الإدمان شديدة، متوسطة، أو ضعيفة.

        وأوضحت النتائج إلى أن الأزواج المدمنين العنيفين أكثر ميلاً لعمل حفلات السمر والشرب، ولديهم أساليب سلبية في التواصل مع زوجاتهم، ولديهم اعتقادات قوية حول الآثار السلبية لإدمان الكحول على الزواج. كما أوضحت الدراسة أن التوقف عن شرب الكحوليات أدى إلى انخفاض معدل العنف الزواجي، بينما ارتبط النكوص والاتداد إلى الشرب مرة أخرى بعودة معدلات العنف الزاوجي إلى معدلاتها السابقة.

        وتناولت دراسة سانشيز Sanchez (1997) العلاقة بين الاتجاهات نحو المرأة، وقبول معتقدات الاغتصاب rape myth aceptance، وادراكات الاغتصاب الزاوجي مقابل الاغتصاب من الغرباء. وتكونت عينة الدراسة من 165 مفحوصاً (79 من الإناث، 77 من الذكور) بلغ متوسط أعمارهم 31 عاماً ويمثلون الطبقة المتوسطة ولديهم مؤهلات تعليمية واستخدمت الباحثة استبيان يتضمن مقياس الاتجاهات نحو المرأة، ومقياس معتقدات الاغتصاب، ودراسة الحالة لحالة اغتصاب زواجي من الغرباء وبعض المعلومات الديموجرافية. ويتضمن مقياس الاتجاهات نحو المرأة الاتجاهات التقليدية وغير التقليدية التي تتعلق بالحقوق، والأدوار، والواجبات المتعلقة بالمرأة في المجتمع، أما مقياس معتقدات الاغتصاب فإنه يتعلق بالمعتقدات الخاطئة، النمطية، وغير المنطقية حول الاغتصاب، وضحايا الاغتصاب، والمغتصبين. وقام الباحث بتوزيع المفحوصين إلى مجموعتين:

        الأولى يقدم لهم دراسة حالة يقوم فيها الزوج بإخبار زوجته على ممارسة الجنس، أما الثانية فإنهم يقرءون دراسة مشابهة فيما عدا أن شخص غريب هو الذي يجبر المرأة على ممارسة الجنس. ثم طلب الباحث من كل فرد الاستجابة لأحد عشر عبارة تدور حول تقبل الاغتصاب وتحديد الحدث، وآراؤهم حول العقوبة، وشدة الاغتصاب.

        وأشارت النتائج إلى أن الأفراد يدركون الاغتصاب الزواجي والاغتصاب من الغرباء بشكل مختلف، حيث عبّر الأفراد عن الاغتصاب الزواجي جريمة أقل كما أن آثاره النفسية على الضحية، كما أظهروا تسامحاً أكثر تجاه الزوج. كما عبّر المفحوصون عن أن اعتبار إجبار الزوجة على ممارسة الجنس اغتصاباً أمراً متحيزاً وغير منطقي.

        وأشارت النتائج إلى أن دراسة الحالة كانت أكثر أهمية وإسهاماً في التعرف على ادراكات الأفراد لعملية الاغتصاب من الاتجاهات نحو المرأة وتقبل اعتقادات الاغتصاب. وبالرغم من أن الاتجاهات نحو المرأة ترتبط ببعض ادراكات الاغتصاب الزواجي (التعدي على الحقوق – وتحديد التفاعلات) فإن الاتجاهات نحو المرأة لم ترتبط بأياً من ادراكات الاغتصاب من الغرباء. ووجدت الدراسة ارتباطاً بين المعتقدات نحو الاغتصاب وبين بعض ادراكات الاغتصاب بين الغرباء وهى (شدة الجريمة، استدعاء الشرطة، التعدي على الحقوق)، وجانب واحد من جوانب الاغتصاب الزواجي وهو التعدي على الحقوق.

        واستقصت دراسة بيرن وارياس Byrne & Arias (1997) العلاقات المتداخلة للإعزاءات السببية عن المسئولية عن العنف الزواجي والتوافق الزواجي. وحاولت الدراسة التعرف على الإعزاءات التي يقدمها الشريك أو أحد الزوجين عن السلوك السبي للزوج وأثر هذه الإغراءات على العلاقة بين التوافق والرضا الزواجي والعنف الزواجي. وتكونت عينة الدراسة من (66) زوجاً (من الزوج والزوجة)، وقام الباحثان بجمع بعض المعلومات والبيانات حول مدى توافقهم الزواجي، إعزاءاتهم للسلوك السلبي للزوج أو الزوجة، ومدى استخدامهم للعدوان البدني أثناء الصراع في علاقاتهم.

        وأوضحت النتائج أن إعزاءات المسئولية عن الصراعات تتداخل في العلاقة بين التوافق الزواجي أو الرضا الزواجي وبين العدوان بين الزوجات دون الأزواج. وأشارت النتائج إلى أن الرضا الزواجي والعدوان البدني أعلى لدى الزوجات الأعلى في إعزاءات المسئولية عن الأزواج أو حتى الزواجات منخفضي الإعزاءات السببية السلبية. وقام الباحثان بمناقشة الفروق بين الجنسين في نمط النتائج ومضامين ذلك من أجل وضعها في الاعتبار عند إعداد البرامج الإرشادية.

        وناقشت دراسة ماكنيل وأماتو McNeal & Amato  (1998) العواقب والآثار طويلة المدى للعنف الزواجي بين الوالدين على الأطفال. وقام الباحثان بجمع المعلومات الطولية حول عدم الاستقرار الزواجي عبر دورة الحياة، وذلك لتحديد الآثار طويلة المدى للعنف الزواجي في أسرة الفرد في الفترة من 1980 – 1988 على جوانب التوافق النفسي والاجتماعي للأبناء في مرحلة الرشد المبكر في عام 1992. وتكونت عينة الدراسة من (420) أبناً ممن تراوحت أعمارهم عام 1980 بين 7-19 عاماً أثناء فترة القياس الأولى. وقام الباحثان بقياس العنف الوالدي والصراع الزواجي، والطلاق لدى الآباء كما تم قياس العلاقات مع الآباء كل على حده، والصحة النفسية، والعنف في العلاقات الاجتماعية لدى الأبناء.

        وأوضحت النتائج أن الآباء الذين قرروا حدوث العنف الزواجي بين عام 1980 – 1988 كان من أقوى المنبئات بالآثار السلبية في جوانب الصحة النفسية والعلاقات مع الآباء والعنف في العلاقات الاجتماعية لدى الأبناء في مرحلة الرشد؛ وهو ما يشير إلى وجود علاقة قوية بين تعرض ومشاهدة الأفراد للعنف الزواجي بين والديهم وانخفاض مستوى الصحة النفسية وسوء العلاقات مع الآباء وارتفاع مستويات العنف في العلاقات الاجتماعية لدى الأبناء في مرحلة الرشد. كما أشارت الدراسة إلى أن هذه النتائج غير معتمدة على الصراعات الزواجية غير العنيفة بين الآباء. والطلاق، والسلوكيات العدوانية تجاه الأبناء، وإدمان الكحول أو المخدرات.

        واستخلصت الدراسة أن المشكلات في الأسرة تكون لها آثار طويلة المدى تظهر في حياة الأبناء. وأوضحت الدراسة أنه نظراً لارتفاع أعداد الأطفال الذين يتعرضون للعنف الزواجي كل عام، فإن هناك حاجة نحو إجراء المزيد من الدراسات الطويلة حول هذه العلاقة.

        وتناول فرج، وهبة إبراهيم (1999) إدراك العنف ضد المرأة بين المصريات والسعوديات من خلال عينة مكونة من (303) طالبة جامعية منهن (170 طالبة سعوديات، 133 طالبة مصريات) تتراوح أعمارهن بين (20-22 سنة)، واستخدم مقياس العنف ضد المرأة إعداد فرج، ومقياس تنسى لمفهوم الذات إعداد وليم فيتس ترجمة فرج وكامل (1998)، ومقياس مصدر الضبط إعداد جوليان روتر تعريب كفافي (1982)، واستخبار أيزنك للشخصية إعداد هاتز وسيبل أيزنك ترجمة عبد الخالق (1991). وأظهرت النتائج أن العينة المصرية أعلى من العينة السعودية في كل من العصابية (ت = 4.50 بدلالة من 0.0001)، ومفهوم الذات الجسمية (ت = 3.03 بدلالة 0.001)، بينما كانت العينة السعودية أعلى من العينة المصرية في كل من الانبساط (ت = 4.81 بدلالة 0.0001)، والذهانية (ت = 2.50 بدلالة 0.01)، ومفهوم الذات الشخصية (ت = 2.96 بدلالة 0.001)، بينما لم توجد فروق دالة بينهما في العنف والكذب ومفهوم الذات الاجتماعية ومفهوم الذات الأسرية ومصدر الضبط، وقد كانت المرتفعات في إدراك العنف أعلى من المرتفعات في إدراك العنف في الكذب (ت = 2.08، عن مستوى 0.05).

        وتناول فرج، وحصة ناصر (1999) العنف ضد المرأة وعلاقته ببعض سمات الشخصية من خلال عينة مكونة من 209 طالبة من الإناث الراشدات بمتوسط عمري (23.11) طبق عليهن مقياس العنف ضد المرأة من إعداد الباحث الأول ومقياس تنسى لمفهوم الذات ومقياس مصدر الضبط إعداد جوليان روتر وترجمة كفافي (1982)، واستخبار أيزنك للشخصية إعداد هاتز وسيبل أيزنك وترجمة عبد الخالق (1991). وقد حسبت الارتباطات بين بنود المقياس والدرجة الكلية، وأجرى التحليل العاملي للمصفوفة الارتباطية بطريقة المكونات الأساسية لهوتلينج، كما أجرى تدوير متعامد للعوامل الناتجة بطريقة الفاريمكس لكايزر، واستخلص من التحليل العاملي بمحك جذر كامن واحد صحيح أثنى عشر عاملاً استقطبت 59% من التباين الارتباطي، وبلغ أدنى جذر كامن (1.044)، والعوامل هى: الأول العنف الزواجي، والثاني العنف الجنسي، والثالث عنف السيطرة، والرابع الاجتماعي، والخامس العنف اللفظي داخل وخارج البيت، والسادس عنف التقاليد والمناخ العام، والسابع القهر النفسي والتهديد بالعنف، والثامن مناخ العنف الاجتماعي، والتاسع المخاوف الاستجابية للعنف المتوقع والعوامل من العاشر حتى الثاني عشر لا يكشف عن تباينات جديدة. أما مصفوفة الارتباط بين العنف وسمات الشخصية ومصدر الضبط فقد حللت عامليا واستخلصت ثلاثة عوامل وقد تبين أن التحليل العاملي استخلص (81%) من التباين الارتباطي، ولم تكشف الارتباطات عن علاقات متبادلة بين العنف ومتغيرات الشخصية باستثناء العصابية. وقد تناول الباحثان المصفوفة العاملية أيضاً لمفهوم الذات والعنف ومصدر الضبط وقد أسفر التحليل عن عاملين استقطبا 86% من التباين الارتباطي بجذر كامن (6.057) وكان أعلى تشبع للذات الأخلاقية تليها الذات الشخصية وأقلها للذات الجسمية، ويلاحظ وجود علاقة سلبية بين تقدير الذات والضبط الخارجي للسلوك.

        واختبرت دراسة بيركيل Berkel (1999) نموذجين للاتجاهات نحو العنف العائلي. ويتكون النموذجان من الآثار الإيجابية المباشرة للنوع، والتدين، والمساواة بين الجنسين على دعم العنف العائلي وكذا الآثار غير المباشرة للنوع، والتدين، والمستوى الاقتصادي الاجتماعي. ويقوم النموذج الأول على افتراض وجود علاقة سببية بين التدين والاتجاهات نحو دور الجنس. أما النموذج الثاني فيقوم على افتراض وجود علاقة ارتباطية بين هذه المتغيرات. وتكونت عينة الدراسة من 360 طالباً جامعياً 64 منهم من البيض و17% من الإناث.

        وأوضحت النتائج أن النوع كان المتغير الوحيد الذي تنبأ بالاتجاهات نحو دور الجنس بينما كان متغير الاتجاه نحو دور الجنس أقوى المنبئات بالاتجاهات نحو العنف العائلي. واستخدم الباحث النموذج الثاني للتعامل مع الفروق بين البيض والسود. فبالنسبة للطلاب البيض فإن الاتجاهات نحو دور الجنس كان المتغير الوحيد الذي له أثر مباشر على الاتجاهات نحو العنف العائلي بينما كان للنوع أثر غير مباشر على الاتجاهات نحو العنف العائلي وبالنسبة للسود فإن النوع والاتجاهات نحو دور الجنس كانا المتغيران الوحيدان اللذان لهما أثر مباشر على الاتجاهات نحو العنف العائلي.

        وتناولت دراسة براون Brown (2000) آثار بعض المتغيرات الديموجرافية والنفسية الاجتماعية على العنف العائلي. واستخدمت الدراسة المتغيرات الديموجرافية التالية: النوع، العرق، المستوى الاقتصادي الاجتماعي (مستوى التعليم، الحالة الوظيفية، مستوى الدخل). كما حاولت الدراسة التعرف على أثر هذه المتغيرات على العنف العائلي عندما تتداخل مع متغيرات البناء العائلي (الأسر المرتبطة)، والدعم الاجتماعي والضغوط. وذلك من أجل زيادة فهم العلاقة بين هذه المتغيرات والعنف الأسري.

        واستخدم الباحث الاستبيان القومي للعنف الأسري على عينة من 847 فرداً من السود واعتبر الباحث المتغير التابع العنف الأسري والمكون من أربع مستويات من التفاعل وهى: العقلانية، العدوان اللفظي، العنف البسيط، والعنف الشديد. وقد تم قياس كل مستوى من التفاعل من خلال ثلاث علاقات وهى: الوالدين – الطفل، الزوج – الزوجة، الزوجة – الزوج واستخدم الباحث تحليل الانحدار لتحليل البيانات.

        وأشارت النتائج إلى وجود أثر للنوع (الذكور والإناث) حيث يزيد من احتمالية العنف الأسري، كما أوضحت النتائج إلى انخفاض مستويات العنف الأسري لدى السود. وأشارت النتائج أيضاً إلى وجود أثر للمستوى الاقتصادي الاجتماعي على زيادة احتمالية حدوث العنف العائلي حتى بعد ضبط متغيرات النوع والعرق. كما أوضحت النتائج وجود أثر قوي للضغوط على زيادة احتمالية حدوث العنف العائلي حتى بعد ضبط متغيرات النوع والعرق.

        وقام ألالو Alalu (2000) بعمل مراجعة فاحصة لعدد 15 دراسة تناولت فعالية وتكيف الأطفال الذين يشاهدون آباءهم أثناء العنف الزواجي بينهم، وركز الباحث على الاكتئاب ومشكلات السلوك باعتبارها أهم المتغيرات النفسية. وقام الباحث بحساب حجم التأثير لتحليل نتائج هذه الدراسات. وأشارت نتائج هذا التحليل إلى أن آثار العنف الزواجي على عملية تكيف وفعالية الأطفال كانت واضحة ودالة، حيث حصل المفحوصون على درجات مرتفعة في مقياس الاكتئاب ومشكلات السلوك.

        وقد أوضحت النتائج الخاصة بالاكتئاب وجود حجم للتأثير صغير إلا أنه موجب وقد يرجع ذلك إلى عدم تجانس العينة. وأوضحت هذه النتائج أن الأطفال الذين يشاهدون آباءهم أثناء العنف الزواجي يكونون أكثر عرضة لظهور الأعراض الاكتئابية والحزن الشديد (أعراض داخلية) والعدوان وفرط النشاط واضطرابات السلوك.

        وتناولت دراسة لين Lane (2000) العلاقة بين كم ونوع العنف الأسري بين الأزواج وكذا أبعاد العلاقات الأسرية. قام الباحث بتطبيق مقياس استراتجيات الصراع (النسخة المعدلة) The Revised Conflict Tactics Scales والذي يقيس حجم ونوع العنف الزواجي والأسري، كما استخدم بعد العلاقات الأسرية من مقياس البيئة الأسرية لقياس أبعاد العلاقات الأسرية. كما حاولت الدراسة التعرف على الفروق في حجم العنف الأسري التي ترجع إلى متغيرات النوع، العمر، الالتزام الديني. وتكونت عينة الدراسة من 46 زوجاً وزوجة ممن تراوحت أعمارهم بين 22-45 عاماً.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى أن نسبة الأفراد المتدينين الذين حدث منهم عنف بدني مرة على الأقل خلال العام الماضي تتشابه إلى حدٍ بعيد مع النسبة القومية التي تحدث بين الأزواج غير المتدينين. كما أوضحت النتائج أن العدوان النفسي والعنف البدني ينخفض مع ارتفاع درجات الفرد على أبعاد العلاقات الأسرية. ولم تجد الدراسة فروقاً في العنف الأسري ترجع إلى النوع. كما لم تجد الدراسة علاقة بين الالتزام الديني – سواء كما تم قياسه بنسبة الحضور إلى دور العبادة (الكنيسة) أو بعد التدين – وبين بعد العلاقات الأسرية. ووجدت الدراسة فروقاً في العنف الزواجي ترجع إلى العمر، حيث أشارت الدراسة إلى أن المجموعة الأصغر سناً كانت أعلى من حيث حجم ونوع العنف الأسري والزواجي. كما وجدت الدراسة إلى أن الأزواج الاعضاء في كنائس المناطق الجنوبية يسيئون إلى زوجاتهم بنسبة مماثلة للنسبة العامة وهو على عكس ما افترضته الدراسة.

        وتناولت دراسة ماكدونالد وآخرين McDonald, et al. (2000) العلاقة بين العنف الزواجي والمشكلات السلوكية لدى الأطفال بين أطفال الأسر التي تبحث عن تقديم علاج إكلينيكي لأطفالهم الذين تتراوح أعمارهم بين 4 – 7 أعوام وتتميز سلوكياتهم بالمعارضة oppositional وعدم الانصياع non compliant. وحاول الباحثون التعرف على ما إذا كان العنف الزواجي لدى الذكور يرتبط بارتفاع المشكلات السلوكية لدى الأطفال. وتكونت عينة الدراسة من (90) أماً وأباً والذين تم جمع المعلومات منهم حول العنف الزواجي، والمشكلات السلوكية الداخلية والخارجية externalizing & internalizing problems، والصراع الزواجي، والعنف الأبوي تجاه الأطفال، والعدوان من الزوجات تجاه أزواجهن.

        وأوضحت النتائج أن المشكلات السلوكية لدى الأطفال ترتبط بالعنف الزواجي من الآباء تجاه الأمهات أكثر من العكس، وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين المشكلات السلوكية لدى الأطفال والعنف الذي يمارسه آباءهم تجاه أمهاتهم.

        وتناولت ناهد رمزي وسلطان (2000) العنف ضد المرأة، وقد شملت الدراسة (100) مفردة من الرجال والنساء من ذوي الاهتمام ومن أصحاب الرأي في قضية العنف ضد المرأة، واستخدم مقياس العنف ضد المرأة إعداد الباحثان. وأظهرت نتائج التحليل العاملي عن استخراج ثلاثة عوامل استوعبت (65.3%) من التباين الكلي، وقد أطلق على العامل الأول الإيذاء البدني والمعنوي للمرأة، والثاني العنف الزواجي، والثالث العنف المتمثل في تقييد حرية الزوجة، كما ظهر أن العوامل المستخرجة في عينة الريف جاءت شديدة التشابه بالعوامل التي تم استخلاصها في تحليل عينة الحضر، وكذلك أظهر التشابه بين عينة الذكور وعينة الإناث في العوامل المستخرجة.

        وناقشت دراسة سمبسون Simpson (2001) العلاقة بين العنف العائلي والهوية الأسرية. وتكونت عينة الدراسة من عشر سيدات والذين عاشن في أسر تتميز بالعنف وعلاقات تتميز بالإعتداء والاتي تم عقد مجموعة من المقابلات معهن لاستكشاف على أثر إقامتهن في هذه الأسر على انتقال الهوية الأسرية من حول التاريخ الأسري والعادات والتقاليد وانتقال الموروثات الثقافية عبر الأجيال.

        وأوضحت النتائج انتشار العنف في اسر الأصل لهؤلاء السيدات حيث كانت أسرهن وعلاقات والديهن تتميز بالعنف الأسري الشديد وكذا اسر أزواجهن. وقد تم تقسيم النتائج إلى ست موضوعات رئيسية وهى: الواقع والخيال في الأسرة السعيدة، تقليد الاعتداء، الصمت، العزلة، الحفاظ على الحضارة المادية، خلق والحفاظ على السجل التاريخي. وقد تمت مناقشة النتائج في ضوء التراث النفسي حول الهوية الأسرية والعنف الأسري.

        وتناولت دراسة تيستا وليونارد Testa & Leonard (2001) أثر العدوان البدني للزوج وإدمان الكحول على التوافق الزواجي. وحاولت الدراسة اختبار الاعتقاد السائد أن السيدات تعتبر أزاوجهن أقل مسئولية عن سلوكياتهم العدوانية عندما يكون الأزواج مدمنين للكحوليات. كما حاولت الدراسة التعرف على الآثار التفاعلية والمستقبلة للعدوان البدني للأزواج وإدمانهم للكحوليات على التوافق الزواجي لدى الزوجات وأفكار الطلاق لدى الأزواج حديثي الزواج newlywed.

        وقام الباحثان بجمع المعلومات حول إدمان الزوج للكحول، والتوافق الزواجي لدى الزوجة، والعدوان الزواجي لدى الزوج، وأفكار الطلاق لدى الزوجات. وتكونت عينة الدراسة من 387 مفحوصاً وأشارت النتائج إلى وجود أثر سلبي للعدوان الزواجي للزوج على التوافق الزواجي وأثر ايجابي على أفكار الطلاق لدى الزوجة وبغض النظر على إدمان الزوج للكحول، كما أشارت الدراسة إلى أن إدمان الزوج للكحول له أثر سلبي على التوافق الزواجي. ولم تجد الدراسة تفاعلاً بين إدمان الكحول والعدوان. وقد فشلت نتائج الدراسة الحالية في دعم نتائج الدراسات السابقة التي تشير إلى أن إدمان الكحول سبباً من أسباب العنف العائلي وأنه لا يخفف من الآثار السالبة للعنف العائلي على التوافق الزاوجي.

        واهتمت دراسة كيم وسونج Kim & Sung (2001) بمدى شيوع العنف الزاوجي بين الأزواج الكوريين من كبار السن وذلك من خلال الاعتماد على عينة قومية. واعتبرت الدراسة أن الاعتداء على الزوجة هو أهم مظاهر العنف الزواجي لدى كبار السن من الكوريين تجاه زوجاتهم. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الاعتداء على الزوجة أصبح ظاهرة خطيرة تستحق توجيه مزيد من الاهتمام نحوها. ولم تجد الدراسة علاقة بين العوامل والمتغيرات الديموجرافية والمستوى الاقتصادي الاجتماعي بالاعتداء على الزوجة وهو ما يشير إلى أنها ظاهرة عامة بين كبار السن من الذكور في المجتمع الكوري ولا يرتبط بطبقة اجتماعية معينة أو جماعة ذات مستوى اقتصادي أو اجتماعي معين.

        كما أوضحت النتائج أن تأثيرات الثقافة التقليدية والتي تركز على الذكور (أو تعطي الأولوية للذكور) تعتبر أهم العوامل المسببة في ظهور هذه المشكلة بهذا المدى الكبير بين الذكور في المجتمع الكوري. واستعرضت الدراسة الخصائص الثقافية المرتبطة بالعنف تجاه الزوجات والبرامج العلاجية اللازمة لحماية الزوجات من العدوان.

        وهدفت دراسة يانيس وجونزالز Yanes & Gonzalez (2001) إلى التعرف على العوامل المنبئة بالعنف الزواجي. وتكونت عينة الدراسة من 120 طالباً جامعياً من الذكور والإناث (المتزوجين) في أسبانيا. وقام الباحثان بجمع المعلومات حول المتغيرات الديموجرافية والاجتماعية، وخبرات العنف الشخصية لدى الطلاب، وتاريخ الصراعات الزواجية أو العنف الزواجي في الأسرة، ومدى حدوث العنف في العلاقات الشخصية الحاضرة وذلك من خلال مقياس استراتجيات الصراع من إعداد ستراوس Straus (1979).

        وأشارت النتائج إلى أن عوامل الخطورة المرتبطة بالعنف الزواجي تتضمن إعزاء المسئولية إلى الآباء نظراً للصراعات والعنف الزواجي في أسرهم قبل الزواج، وأن الإعزاء يكون غالباً إلى الأب أو الأم حسب جنس الفرد (الذكور إلى الآباء، الإناث إلى الأمهات). وتفسر هذه النتائج في فهم العوامل المرتبطة بانتقال العنف الزواجي من الآباء إلى الأبناء.

        وهدفت دراسة جوتريز وآخرون Gutrerrez, et al. (2002) إلى الكشف عن العلاقة بين العنف العائلي تجاه المراهقين والمحاولات الانتحارية والأعراض الاكتئابية. وتساءلت الدراسة حول ما إذا كان وقوع الفرد ضحية لنوع من العنف يعتبر عاملاً مؤدياً إلى محاولة الفرد للانتحار والأعراض الاكتئابية. وتكونت عينة الدراسة من 936 طالباً ثانوياً (54.3% من الذكور، 45.7% من الإناث). واستخدم الباحث استبيان مكون من عدة أبعاد تغطي جميع جوانب البحث.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى أن نسبة كبيرة من أفراد العينة يعانون من العنف العائلي وأن هذه النسبة متساوية لدى الذكور والإناث. كما أوضحت النتائج وجود علاقة قوية ودالة بين العنف العائلي والمحاولات الانتحارية والأعراض الاكتئابية وهو ما يشير إلى أن وقوع الفرد كضحية للعنف العائلي يرتبط بالمحاولات الانتحارية وظهور الأعراض الاكتئابية.

        وناقشت دراسة هيمان وسليب Heyman & Slep (2002) ما إذا كان تعرض الطفل للاعتداء وسوء المعاملة والعنف الوالدي يؤدي إلى قيامه بالعنف العائلي في أسرته في مرحلة الرشد. وأشارت الدراسة إلى أن دورة العنف تفترض أن الأطفال الذين يقعون ضحايا للعنف يتحولون إلى أفراد عنيفين تجاه الآخرين. وحاولت الدراسة الإجابة على التساؤل التالي: ما إذا كان تعرض الفرد للعنف البدني في مرحلة الطفولة والعنف بين الوالدين يؤدي إلى قيامه بإساءة معاملة الأطفال، أو إساءة معاملة الزوجة في مرحلة البلوغ؟.

        وتكونت عينة الدراسة من 6.002 من الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً من المشاركين في المسح القومي للعنف العائلي National family violence survey. وأوضحت النتائج أن السيدات اللاتي يتعرضن لكل من سوء المعاملة والعنف بين الوالدين في مرحلة الطفولة تتميز أسرهن في مرحلة الرشد بالعنف الأسري الشديد. وأن حدوث العنف في أسرة الفرد الأصلية منبئاً قوياً بحدوث العنف وإساءة معاملة الأطفال والأزواج أثناء مرحلة الرشد.

        وناقشت دراسة سولومون Solomon (2002) العلاقة بين إدمان الكحوليات والعنف الزواجي لدى الذكور والإناث. واستهدفت الدراسة التعرف على أثر النوع على هذه العلاقة لدى الأزواج والزوجات المتهمين بالعدوان على الطرف الآخر. وتكونت عينة الدراسة من 140 زوجاً، و50 زوجة والذين تم تطبيق مجموعة من الاستبيانات حول مدى شدة إدمان الكحول ومدى شدة العدوان على الزوج/الزوجة.

        وأوضحت النتائج وجود علاقة موجبة بين شدة إدمان الكحول وشدة العنف الزواجي لدى الذكور وهو يتفق مع ما افترضته الدراسة، بينما كانت العلاقة بين شدة إدمان الكحول وشدة العنف الزواجي لدى الإناث موجبة غير أنها لم تصل إلى حد الدلالة الإحصائية. وفيما يخص الفروق بين الجنسين؛ فإن الدراسة لم تجد فروقاً ترجع إلى النوع في العلاقة بين العنف الزواجي وإدمان الكحوليات. كما لم تختلف شدة العنف الزواجي بين الذكور والإناث، بينما وجدت الدراسة فروقاً في إدمان الكحوليات لصالح الذكور.

        وأوضحت الدراسة أن الإناث والذكور المتهمين بالعنف الزواجي لديهم قدرة على العنف بشكل عام المماثل في شدته للعنف الزواجي. كما أشارت الدراسة إلى أن شدة العدوان كلما زادت، كلما كان النساء والذكور على السواء أكثر عرضة لإدمان الكحوليات بشكل أكبر.

        وتناولت دراسة هيريرا ومالكوسكي Herrera & McCloskey (2003) آثار ثلاثة أنماط من وقوع الطفل كضحية على الانحراف والعدوان لدى المراهقات. وتكونت عينة الدراسة من 141 أماً وابنة واللاتي تم تطبيق الدراسة الطولية عليهن حول العنف الزواجي ونمو الطفل وطلب منهن تقديم وصف مفصل لثلاثة جوانب: (1) تعرض الطفل للعنف الزاوجي، (2) العنف والعدوان البدني، (3) الاعتداء الجنسي وذلك أثناء مرحلة الطفولة. وقام الباحثان بعمل دراسة تتبعية لهؤلاء الأطفال أثناء مرحلة المراهقة وتمت مقابلتهم مرة أخرى. كما تم تطبيق أدوات لقياس الانحراف والجناح، الهروب، والعنف ضد الوالدين.

        وأوضحت النتائج أن العدوان أو الاعتداء الجنسي على الطفل كان أقوى أنماط العنف الثلاث تنبؤاً بالسلوك الإجرامي العنيف وغير العنيف لدى الإناث. وأشارت النتائج أيضاً إلى أن المراهقات اللاتي تعرضن لعدوان بدني في الطفولة كن أكثر ميلاً نحو إهانة والاعتداء على والديهن. ولم تجد الدراسة أثراً لمشاهدة العنف الزواجي على الجناح والانحراف.

        وهدفت دراسة انجليش ومارشال وستيوارت English, Marshall & Stewart (2003) إلى التعرف على آثار العنف العائلي على السلوكيات المشكلة والجوانب الصحية لدى الأطفال في فترة الطفولة المبكرة. وتكونت عينة الدراسة من 261 طفلاً من الذين تمت إحالتهم إلى مراكز علاج الإهمال والاعتداء على الأطفال والذين تم عمل مجموعة من المقابلات معهم عندما كان الطفل يبلغ من العمر 4 – 6 أعوام، إلى جانب تقديرات المعلم للسلوكيات المشكلة لدى الطفل.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى أن العنف العائلي ليس له أثر مباشر على السلوكيات المشكلة لدى الأطفال في سن السادسة. بينما يكون له أثر غير مباشر بالتضامن مع بعض المتغيرات الأخرى. بينما وجدت الدراسة أثراً للعنف العائلي على فعالية الأسرة وجودة التفاعل مع الطفل والصحة العامة والصحة النفسية وهو ما يؤدي إلى حدوث زيادة في السلوكيات المشكلة لدى الطفل والجوانب الصحية.

        واستهدفت دراسة ارمينتا وآخرون Armenta, et al. (2003) التعرف على الآثار السلوكية والاجتماعية للعنف العائلي على الأطفال المكسيكيين. وتكونت عينة الدراسة من 300 أسرة من الذين تم اختيارهم عشوائياً من مدينة سنوروا إحدى ولايات المكسيك الشمالية الغربية. وتم عمل مقابلة لعضوين من كل أسرة: الأم وإحدى أطفال الأسرة الذين تم اختيارهم بشكل عشوائي. وقام الباحثون بتطبيق أداة لجمع المعلومات الديموجرافية والمعلومات حول إدمان الكحوليات لدى إحدى الوالدين، والعنف الزواجي، والاعتداء على الطفل، وسوء سلوك الطفل. وتبنى الباحث نموذجاً لتقدير آثار الاعتداء على الطفل والتعرض للعنف الزواجي على السلوكيات المشكلة لدى الطفل.

        وأوضحت النتائج أن هناك نوعين من العنف لهما آثارهما على السلوكيات العدوانية والمضادة للمجتمع والسلوك المنحرف، ومشكلات الانتباه، والاكتئاب، والقلق، والحزن، والأعراض السيكوسوماتية. كما وجدت الدراسة أثر سلبي للمستوى التعليمي للأم على المشكلات السلوكية والاجتماعية للأم، وأضافت النتائج أن المستوى التعليمي للأب يقلل من عدوانهم على زوجاتهم. ووجدت الدراسة علاقة موجبة بين إدمان الكحول والاعتداء على الطفل. وتشير هذه النتائج إلى أن الاعتداء الذي يقع على الطفل، والتعرض للعنف الزواجي يؤدي إلى عواقب ضارة على سلوك الطفل وصحته النفسية.

        وتناولت دراسة هاربر وارياس وهاوس Harper, Arias & House (2003) أثر الدفء الوالدي في تخفيف آثار التعرض للعنف العائلي. وحاولت الدراسة التعرف على دور الدفء الوالدي على مواقف التعرف لأنماط مختلفة من العنف العائلي (المشاهدة – الوقوع كضحية للعنف). وأشارت النتائج إلى أن الدور الذي يقوم به الدفء الوالدي في تخفيف آثار العنف العائلي يختلف باختلاف نمط العنف. كما وجدت الدراسة علاقة سالبة بين دفء الأب ودفء الأم وبين الارتباط الأمن وتقدير الذات لدى مجموعتي الأفراد الذين يشاهدون العنف العائلي أو يقعون كضحية للعنف. بينما ارتبط الدفء من جانب الأم ارتباطاً موجباً بتقدير الذات لدى الأفراد الذين يشاهدون العنف العائلي. ولم تجد الدراسة أثراً للدفء من جانب الأب على العلاقة بين العنف العائلي والدفء واستخلصت الدراسة أن الدفء الوالدي لا يؤثر على تخفيف آثار العنف.

        وتساءلت دراسة كانو وفيفيان Cano & Vivian (2003) حول مدى الارتباط بين ضغوط الحياة life stressors والعنف الزواجي. وحاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين العديد من ضغوط الحياة والعنف البدني تجاه الزوج/الزوجة. وقام الباحثان بقياس ضغوط الحياة بطرق متعددة لاختبار مدى تكرار هذه الضغوط وآثارها المدركة ومدى اختلاف تأثيرها بنوع الضغوط (الفقد، الخطر) وطبيعة الضغوط (وظيفية مهنية، بينشخصية) وعلاقتها بالعنف الشديد والمتوسط لدى الرجال والنساء.

        وأوضحت النتائج أن الضغوط المهنية وضغوط الفقد يرتبط بالعنف الزواجي لدى الذكور، بينما يرتبط العنف لدى الإناث بمدى كبير من الضغوط. كما أشارت النتائج إلى أنه يمكن التمييز من خلال الضغوط بين الرجال العنيفين وغير العنيفين، كما أمكن التميز من خلال الضغوط بين السيدات المتوسطي والمرتفعي العنف.

        وأشارت النتائج أيضاً إلى أن الأعراض الاكتئابية تتداخل في العلاقة بين أثر الضغوط والعنف، وأن هناك علاقة بين الضغوط والعنف وبين ارتفاع الأعراض الاكتئابية لدى السيدات. وقد تمت مناقشة النتائج في ضوء مضامينها النظرية والعلاجية.

        وهدفت دراسة ديلسول ومارجولين Delsol & Margolin (2004) إلى التعرف على معدلات انتقال العنف من أسر الأصل إلى الأسر الحالية للفرد. وأشارت الدراسة إلى أن 60% من الرجال في الأسر التي تتميز بالعنف الزواجي قرروا وجود عنف اسري في عائلاتهم بين والديهم، بينما قرر 20% فقط من الرجال في الأسر التي لا تتميز بالعنف وجود عنف في عائلاتهم بين والديهم. وأشارت الدراسة إلى وجود علاقة قوية بين وجود عنف في أسر الأصل وبين العنف في الأسر الحالية والى وجود مجموعة من المتغيرات المتداخلة في هذه العلاقة مثل الشخصية المعادية للمجتمع، التأزم النفسي، والاتجاه نحو العفو والصفح وكذا المتغيرات الموقفية مثل المشكلات الزواجية وأساليب حل الصراعات. كما حددت الدراسة بعض المتغيرات التي ترتبط بالرجال غير العنيفين الذين تربوا في أسر تميزت بالعنف وهى العلاقات البينشخصية القوية والقدرة على خلق مساحة نفسية بين أسرة الأصل والأسرة الحالية.

        وحاولت دراسة سيلف براون Self-Brown (2004) استكشاف العلاقة بين التعرض للعنف وبعض المتغيرات الأسرية مثل العنف الأسري والأمراض النفسية لدى الوالدين. وتبنت الدراسة النموذج الأيكولوجي الذي يفترض وجود عوامل مؤثرة سواء بالسلب أو الإيجاب داخل الأسرة تؤثر على ميكانزمات التوافق لدى المراهق مع العنف. وحاولت الدراسة التعرف على أثر العنف الأسري والأمراض النفسية لدى الوالدين على التوافق الشخصي والأعراض النفسية لدى المراهقين. وتكونت عينة الدراسة من (121) من الطلاب في المدارس العليا ووالديهم وقام الباحث بتطبيق مقياس تعرض المراهق للعنف، وقائمة أعراض الأزمات النفسية، وتقدير الشخصية على المراهقين، بينما تم تطبيق أدوات تقدير الشخصية صورة الأب، واستبيان لجمع المعلومات الديموجرافية، ومقياس تشخيص أزمات. وقد استخدام الباحث تحليل الانحدار لتحليل البيانات.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى أن تعرض المراهق للعنف الأسري لا يتداخل في العلاقة بين تعرض المراهق للعنف المجتمعي وبين الآثار الإيجابية أو السلبية. بينما وجدت الدراسة تداخل متغير الأمراض النفسية لدى الوالدين في العلاقة بين تعرض المراهق للعنف المجتمعي وأعراض الضغوط والتأزم النفسي. بينما لم تجد الدراسة تداخلاً لهذا المتغير في العلاقة بين تعرض المراهق للعنف المجتمعي وتقدير الوالدين للسلوكيات المشكلة الداخلية والخارجية لدى المراهق.

        وناقشت دراسة كاتز ولو Katz & Low (2004) العلاقة بين العنف الزواجي والعمليات على مستوى الأسرة family level والتوافق النفسي لدى الأطفال. وافترضت الدراسة أن العمليات التي تتم على مستوى الأسرة والتشارك في عملية التربية تتداخل في العلاقة بين العنف الزواجي والتوافق النفسي لدى الأطفال، كما افترضت الدراسة أن العنف الزواجي والعمليات التي تتم على مستوى الأسرة تؤثر بشكل مستقل على التوافق النفسي لدى الأطفال.

        وقام الباحثان بعمل سلسلة من الملاحظات للتفاعل بين الآباء والطفل والعديد من أبعاد التوافق الانفعالي والاجتماعي (العلاقات مع الرفاق، السلوكيات المشكلة). وأشارت النتائج إلى أساليب المعاملة الوالدية العدوانية – الانسحابية تتداخل في العلاقة بين العنف الزواجي والقلق والاكتئاب لدى الأطفال. كما أشارت الدراسة إلى أن العنف الزواجي وعمليات التربية التي تتم على مستوى الأسرة تؤثر بشكل مستقل على جوانب التوافق النفسي والاجتماعي لدى الأطفال.

        وهدفت دراسة هولمز Holmes (2004) إلى الكشف عن العلاقة بين العنف العائلي والمعتقدات الدينية. وناقشت الدراسة ما إذا كانت المعتقدات الدينية تؤثر على قرار المرأة بالاستمرار في علاقة أسرية تتميز بالعنف. وقام الباحث بعمل مجموعة من المقابلات الكيفية مع (15) امرأة من ذوي الخلفيات الدينية واللاتي قررن أنهن  يقعن ضحايا للعنف الأسري كما تم جمع مجموعة من المعلومات حول الخلفية الدينية، والعنف العائلي، والدعم الاجتماعي، والدعم الأسري، والأفكار الذاتية.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى أن معظم السيدات متأثرات بمعتقداتهن الدينية وأنها تدفعهم للاستمرار في العلاقة الأسرية. وقرر السيدات أنهن  يشعرن أن من واجبهن العناية بالأسرة والحفاظ على تماسكها. كما أشارت النتائج إلى أن الخوف كان ثاني أقوى العوامل المؤثرة على قرار السيدات بالاستمرار في العلاقة.

        وتناولت دراسة بيركيل وفانديفر وباهنر Berkel, Vandiver & Bahner (2004) العلاقة بين المعتقدات حول دور الجنس Gender-role Attitudes والتدين religion، والروحانية spirituality والعنف. وحاولت الدراسة معرفة مدى القدرة التنبوئية لهذه المتغيرات في التنبؤ بسلوك العنف والاتجاهات نحو العنف العائلي. تكونت عينة الدراسة من 316 طالباً جامعياً من البيض. وأشارت نتائج الدراسة أن المعتقدات حول دور الجنس كانت أقوى المنبئات بالمعتقدات حول العنف العائلي.

        وتناولت دراسة ليشتر وماكلوسكي Lichter & McCloskey (2004) آثار تعرض الأطفال للعنف الزواجي على معتقداتهم حول أدوار الجنس والعنف في العلاقات الجنسية في مرحلة المراهقة. واستخدمت الدراسة المنهج الطولي من خلال مجموعة من المقابلات مع الأمهات والأطفال من الأسر التي تتميز بالعنف والأسر التي لا تتميز بالعنف ن = 208 ودارت المقابلات حول العنف الزواجي واستمرت لمدة تراوحت بين 7-9 أعوام، كما دارت المقابلات حول أدوار الجنس وخبرات العنف في العلاقات الجنسية.

        وأشارت النتائج إلى أن المراهقين الذين تعرضوا للعنف الزواجي أثناء مرحلة الطفولة هم أكثر ميلاً نحو قبول العنف في العلاقات الجنسية والاعتقاد بمشروعيته، كما أن لديهم معتقدات تقليدية حول العلاقات بين الذكور والإناث. ووجدت الدراسة علاقة بين الاتجاهات التقليدية نحو العلاقات بين الذكور والإناث وقبول العنف في العلاقات وبين ارتفاع مستويات ارتكاب الأفراد للعنف في العلاقات الجنسية بغض النظر عن التعرض للعنف الزواجي.

        وتشير هذه النتائج إلى أن معتقدات المراهقين حول العلاقات الجنسية أكد أهميته من تعرضهم للعنف الزواجي ومشاهدتهم لهذا العنف في الطفولة.

        وفي ضوء ما تقدم من عرض نتائج البحوث الامبيريقية في مجال العنف ضد المرأة؛ تبين أن هذه الظاهرة جد خطيرة وينبغي التدخل الفوري للحد منها والقضاء عيها.

استراتيجيات القضاء على العنف ضد المرأة:

        يتطلب القضاء على العنف ضد المرأة في البلدان العربية رسم استراتيجيات وسياسات طويلة المدى تشمل كافة قطاعات المجتمع. ولابد أن تتضمن مثل هذه الاستراتيجيات برامج وقائية، وبرامج علاجية (التدخلات). هذا إلى جانب وضع خطة شاملة لإعادة بناء حياة الضحايا، ومن ثم إخضاع الجناة لبرامج علاجية جادة.

        وتشمل مجالات التدخل المقترحة لتنفيذ مثل هذه الاستراتيجيات الأنشطة التالية:

1-   أنشطة إثارة الوعي واستقطاب الدعم.

2-   ترسيخ ثقافة اللاعنف.

3-   التدريب.

4-   تعديل التشريعات.

5-   جمع الإحصائيات والمعلومات.

6-   التشبيك بين المؤسسات المجتمعية وإنشاء التحالفات.

7-   التدخل المباشر لمساعدة الضحايا.

8-   التقصي المبكر لمواطن الخطورة.

9-   حملات التوعية العامة بالحقوق المدنية والإنسانية.

10- تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات الجادة.

11- إنتاج الكتيبات والمنشورات التوعوية. 

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

 الفصل الثالث

العنف السياسي

تعريف العنف السياسي:

        يقصد بالعنف السياسي بأنه: نوع من أنواع العنف الداخلي التي تدور حوله السلطة ويتميز بعدة خصائص مثل الرمزية، والجماعية، والإيثارية، والإعلانية. وفيما يلي تفسير مضمون هذا التعريف:

[1]  العنف السياسي نوع من أنواع العنف الداخلي:

        يتميز العنف السياسي بأنه عنف تتداخل الحدود بين أطرافه أي أنه يجري بين أطراف ثمة ما يجمع بينها؛ إنه عنف داخلي بهذا المعنى المحدد ويتمثل ذلك الخيط الجامع بين أطراف العنف السياسي في كون أطرافه جميعاً يستظلون بمظلة سلطة سياسية واحدة يتمرد عليها البعض ويتمسك بها البعض، ويرفضها البعض مشككاً في شرعيتها، وقد يدافع البعض عن تلك الشرعية إلى حد التقديس.

[2]  العنف السياسي عنف يدور حول السلطة:

        العنف السياسي عنف يتعلق في جوهره بالسلطة ورموزها؛ ومن ثم فإنه يتخذ مسارين أساسيين هما:

  • مسار موجه إلى الممسكين بالسلطة يمارسه أصحابه بهدف انتزاعها من بين أيديهم أو بهدف مشاركتهم في الإمساك بها.
  • مسار موجه من رموز السلطة إلى من ينازعونهم إياها بهدف الاستمرار في الإمساك بها وإحكام قبضتهم عليها.

[3]  العنف السياسي عنف يتميز بالرموزية:

        حيث ينتمي إلى تلك الأنواع من العنف التي لا تستهدف أشخاصاً لذواتهم بل تستهدفهم لصفاتهم الاجتماعية أو الفكرية أو الدينية أو العرقية. إن العنف السياسي لا يستهدف أشخاصاً بل رموزاً تعبر عن الآخر المرفوض.

[4]  العنف السياسي عنف يتميز بالجماعية:

        العنف السياسي عنف يغلب عليه الطابع الجماعي؛ ولا يعني ذلك أن التنفيذ الفعلي لوقائع العنف السياسي يكون جماعياً دائماً وإن كان الأمر كذلك بالفعل في أغلب الأحيان، والمقصود هو أن يمارس العنف السياسي حتى لو كان ينفذ العمل وحده فإنه يفعل ذلك باعتباره ممثلاً لجماعته معبراً عن توجهاتها.

[5]  العنف السياسي عنف يتسم بالإيثارية:

        أنه عنف توجهه وتحركه أفكار ودوافع تتجاوز في صورتها المعلنة على الأقل المصالح الفردية المباشرة لمن يمارسونها من كلا الجانبين.

[6]  العنف السياسي يتسم بالإعلانية:

        إن أطراف العنف السياسي يتسارعون للإعلان عن مسئوليتهم عن أفعالهم بل إننا في الكثير من الأحيان نشهد جهتين أو تنظيمين يتنافسان منافسة شديدة في نسبة عمل من أعمال العنف السياسي إلى أحدهما.

(حفني، 2000)

        إضافة إلى هذا، يقصد بالعنف السياسي بأنه: الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو أهداف اجتماعية لها دلالات وأبعاد سياسية بشكل يأخذ الأسلوب الفردي أو الجماعي السري أو العلني المنظم أو غير المنظم (أبو عامود، 1990)؛ وبإنه: التهديد باستخدام القوة العنيفة المباشرة لإنجاز أهداف سياسية سواء تم ذلك من قبل فرد أو جماعة أو دولة بشكل سري أو علني منظم أو غير منظم (بكر، 1998).

أنواع العنف السياسي:

        يمكن تصنيف العنف السياسي تبعاً لمبرراته أو لدوافعه إلى أنواع عديدة لعل من أهمها ما يلي:

[1]  العنف السياسي القومي:

        وفيه تتمايز الجماعات الممارسة للعنف السياسي تمايزاً قومياً حيث تكون السلطة في يد ممثلي قومية معينة في حين ينتمي من ينازعونها تلك السلطة إلى قومية أخرى مختلفة؛ والصورة الأكثر شيوعاً لهذا النوع من العنف قد تمثلت في كافة حركات التحرير والمقاومة الشعبية والتي شهدتها أغلبية بلدان المنطقة العربية وما تزال تشهده حالياً الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن ثم؛ يكون العنف السياسي متبادلاً بين جماعتين تنتمي كل منها إلى قومية مختلفة وبالتالي فإنهما تختلفان من حيث اللغة أو العادات أو التقاليد أو التاريخ أو العقيدة الدينية أو المستوى الاقتصادي أو في بعض أو كل ما سبق.

[2]  العنف السياسي الاقتصادي:

        يعد تنظيم إشباع الحاجات الاقتصادية للأفراد من أهم الأدوار التي تضطلع بها السلطة أيا كانت نوعيتها وأيا كان وصفها؛ ومن ثم فإن اختلال هذا التنظيم يعد بمثابة المصدر الرئيسي للعنف السياسي الاقتصادي، وهو بهذا المعنى عنف تتبادله جماعتان أو أكثر ينتمون إلى نفس المجتمع تاريخياً وليس سياسياً فحسب. وعليه، يصبح الهدف النهائي السياسي الاقتصادي هو تغيير النظام الذي تتبعه السلطة لإشباع احتياجات المواطنين.

[3]  العنف السياسي الديني:

        لعل العنف السياسي الديني الأعلى ضجيجاً في عالم اليوم ومن ثم في منطقتنا العربية أيضاً؛ ومن المفهوم أن أطراف العنف السياسي الديني لابد وأن تكون مستظلة بعلم واحد أو منتمين لدولة واحدة، يستهدف الصراع سلطتها وإلا تحول العنف السياسي الديني إلى حرب دينية شأن الحروب الصليبية على سبيل المثال.

        ويتخذ العنف السياسي الديني إحدى الصور التالية:

أ -   العنف السياسي المذهبي:

        وفيه تنتمي الجماعات المتصارعة إلى دين واحد أساسي ثم هم يتباينون من حيث انتسابهم لمذهب دون آخر من مذاهب ذلك الدين؛ ومثال ذلك الصراعات المشهودة بين البروتستانت والكاثوليك في إطار الدين المسيحي، وبين الشيعة والسنة في إطار الدين الإسلامي.

ب-  العنف السياسي الديني الداخلي:

        وفي هذه الحالة يدور العنف بين جماعات تتفق في الانتماء لنفس الدين ولنفس المذهب أيضاً.

جـ-  العنف السياسي الديني الموجه:

        يقصد بالعنف السياسي الديني الموجه تباين الجماعات الدينية إلى الانتماء إلى دين مختلف.

(حفني، 2000)

العوامل الكامنة وراء ظاهرة العنف السياسي:

        توجد عوامل عديدة تؤدي بعضها أو كلها إلى تواجد العنف السياسي سواء على مستوى الدولة من الداخل أو على المستوى الدولي، مثل ما يلي:

[1]  رفض التبعية السياسية:

        أشارت العديد من الدراسات إلى أن زيادة التبعية تؤدي إلى زيادة احتمالات حدوث العنف السياسي؛ وذلك استناداً إلى أن علاقات التبعية تساهم في خلق مجموعة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية السلبية يكون من شأنها تعميق بعض الاختلالات في المجتمع وخلق بيئة ملائمة لحدوث العنف السياسي (إبراهيم، 1991).

[2]  عدم إمكانية التغيير السلمي:

        إن القناعة التي تتولد لدى جماعة ما أو حركة سياسية ما أو دولة ما بأن الحلول السلمية أو التغيرات ذات الطابع السلمي غير العنيف مستحيلة يتمخض عنها اللجوء إلى العنف لتبرير دوافعها وتنفيذ خططها السياسية لغرض إخضاع الآخر لمطالبها (بكر، 1998).

[3]  استخدام القسوة يولد العنف:

        تعد الممارسات السلوكية المتطرفة من قبل بعض رجال الأمن بمثابة تهديد لهوية كثير من الأفراد وتشعرهم بعدم الأمن واللاإنسانية؛ وهو ما يؤدي إلى انخراط البعض في ممارسة أشكال من السلوك المتطرف والعنيف وذلك بتشكيل جماعات أو تنظيمات خارجة عن القانون تحت أي مسمى وتحدي رجال الأمن ومحاولة الانتقام منهم وإظهار مشاعر عدم الاكتراث واللامبالاة حيال ما يقع من أحداث وجرائم وعدم التعاون مع رجال الأمن في محاولة التعرف على مرتكبيها (حسن، 1992).

[4]  نقص المشاركة في اتخاذ القرارات:

        لا يقصد بالمشاركة هنا المشاركة السياسية بمفهومها التقليدي كالتصويت في الانتخابات أو الترشيح أو حتى الانضمام إلى عضوية الأحزاب السياسية، ولكن يقصد بالمشاركة هنا اتخاذ كل أنواع القرارات التي تمس المواطن في حياته وأثناء تعامله مع مختلف مؤسسات المجتمع. ومن ثم، يلاحظ أن المجتمعات أو النظم التي تسودها سلوكيات متطرفة وعنيفة من قبل أفرادها، نجد أن حقوق الفرد في صنع القرار على أي مستوى من المستويات بفعل المناخ السائد منعدمة (نعيم، 1990). ومن ثم، نجد أن عملية اتخاذ القرار تتحكم فيها سمات الفرد الشخصية وقدراته المعرفية ومحيطه البيئي، كما أن النظام السياسي والاقتصادي السائد يؤثر تأثيراً لا يستهان به في رسم شخصية الفرد وقدراته الخاصة (ناهد رمزي، 1991).

        ومن ثم؛ يرتبط العنف السياسي الآن بوجه خاص بالتغيرات السياسية السريعة والحادة خاصة في المجتمعات التي تعاني من الاوتوقراطية، والاخرى التي تعاني من مآسي الاستعمار وكابوس  الاحتلال مما يتمخض عنه بالضرورة أفعال وأنشطة مشروعة لمقاومة الاحتلال الذي أصبح المهمين على القوة والسلطة في المنطقة وصاحب الحق في تجريم أفعال المقاومة.

        وقد نجم عن موقف المقاومة الفلسطينية على سبيل المثال في دفاعها عن الحق المشروع صدور كثير من الأحكام الجنائية ضد أي نشاط يمت للمقاومة بصلة، وقيام أعضاء من المقاومة بمد نشاطهم خارج الأرض المحتلة، والاعتداء على بعض الأشخاص السياسيين لتنفيذ مخطط المقاومة وخطف بعض الطائرات، مما يعتبر من وجهة النظر الشكلية خرقاً لقوانين البلاد التي تم فيها ارتكاب هذه الأفعال، ويعتبر خطف الطائرات من صور الجرائم المستحدثة التي زاد معدلها بشكل ملحوظ في هذه الأيام في نواحي مختلفة من دول العالم واتخاذها وسيلة للاتجاه السياسي، ومنها ما تعدى الشكل السياسي واستخدامها عنوة لتهريب كميات مسروقة من النقد أو المجوهرات أو المواد المخدرة .. الخ (عبد المتعال، 1980).

        ومن ثم، لا تزال قضية الحريات الفكرية والسياسية رغم كل التحولات الدولية وتغير البيئة العالمية وانهيار النظم الشمولية هى المحور الرئيسي للصراع القائم بين النشطاء الاجتماعيين من مثقفين وسياسيين وأعضاء المجتمع المدني من جهة، ونظم الحكم التي تقودها في هذا الميدان أجهزة الأمن من جهة أخرى. ولا تزال عمليات التشهير وتشويه سمعة النشطاء الاجتماعيين وعزلهم عن الرأي العام وإخضاعهم بجميع الوسائل أو إيداعهم السجن لأتفه الأسباب سائدة في أكثر من بلد عربي.

        وتعكس هذه السياسات التي تسير عكس مجرى التاريخ ولا تأخذ بالاعتبار التحولات العميقة التي تعيشها المجتمعات في كل مكان وتدفعها إلى رفض كل أشكال الوصاية، اضطراب الحياة السياسية في البلاد العربية، وتشير إلى الأساليب الشاذة التي لا تزال تعيق تنمية هذه الحياة وتنظيمها؛ وهى تثير مسائل عديدة لا يمكن أن تستقيم حياة المجتمعات ويتحقق ازدهارها من دون حلها بصورة ايجابية وصحيحة، فهي تطرح:

  • أولاً: مسألة العلاقة الصعبة بين السلطة والمجتمع، فمن الواضح أن أصل المشكلة وراء التهم الشكلية الموجهة للناشطين هو رفض أغلب النظم القائمة إشراك المجتمع عبر فئاته المختلفة – بما في ذلك أكثر الفئات ليبرالية واعتدالاً وتفهماً – في مناقشة الشؤون العمومية، مما يعني أنها لا تزال مصرة على استبعاد أي حياة سياسية ورفض القبول بأي شكل من أشكال الحوار في الموضوعات المتعلقة بالشأن العام انطلاقاً من القاعدة التي سنتها لنفسها وهى احتكار القيادة الاجتماعية والسياسية، فالحكم عبر الحزب أو الأجهزة البيروقراطية يصوغ ويبلور ويقرر ويملي عبر مسؤوليه والمجتمع يتلقى وينفذ ويخضع من دون اعتراض ولا تردد ولا حق في النقاش، وكل ما يتجاوز هذه القاعدة الذهبية يمثل إثارة للحرب الأهلية وتهديداً لأمن الدولة واعتداء على الدستور.
  • ثانياً: مسألة العلاقة بين السلطة والقانون، فلا يبدو أن هناك أي اعتبار لحرمة القانون واستقلاله، فقد كان ولا يزال في نظر النظم القائمة أداة سياسية من أدوات تثبيت الحكم والدفاع عنه ضد كل منتقديه أو بالأحرى غير المناصرين له، ولا يتردد الحاكم في استخدامه حسب ما تقتضيه الحاجة ليحبط إرادة خصومه السياسيين أو الفكريين ويخرجهم نهائياً من الساحة العمومية، ولا يضيره في ذلك أن تكون التهم غير حقيقية أو أن يفقد القانون أي مصداقية.
  • ثالثاً: مسألة تداول السلطة في هذه المجتمعات، فإذا كان أي حديث عن ضرورة أو احتمال التغيير أو توطين التعددية السياسية أو الدعوة إلى الديمقراطية واحترام الحريات الأساسية يشكل جرماً سياسياً يقع تحت طائلة الاتهام بالاعتداء على الدولة وتهديد الاستقرار، وإذا كانت الانتخابات معدة بشكل لا يمكن أن ينجم عنه سوى إعادة إنتاج علاقات السلطة القائمة والتمديد للحكم ورجاله عقوداً بعد عقود، وإذا كان أي حديث من خارج صفوف الحكم عن الإصلاح أو تداول السلطة يبدو عند بعض الأنظمة أنه تعبير عن إرادة انقلابية وعدوانية تهدف إلى تغيير السلطة بوسائل غير شرعية ويستحق بالتالي أقسى أنواع العقاب، فهذا يعني بكل بساطة أن النظام لا يدافع عن احتكار السلطة المطلق فحسب ولكنه يطالب أيضاً بالتسليم له بالشرعية والقيادة بصورة مطلقة وأبدية.

لكن فيما وراء ذلك أبعد منه تطرح هذه السياسات المسألة الأكثر خطورة التي تمثل اليوم موضوع النقاش العالمي الأول والأكبر، أعني مشكلة العنف السياسي، فإذا كانت السلطة العمومية لا تسمح لأي فئة من فئات المجتمع الدفاع عن مصالحها أو التذكير البسيط بهذه المصالح أو التعبير عما يثير قلقها ومخاوفها بأي وسيلة من وسائل العمل السياسي، أي إذا كان من غير المسموح استخدام التظاهر أو الاعتصام أو الاضطراب أو النشر أو التنظيم السياسي أو التنظيم النقابي بل حتى اللقاء الفكري أو الحديث في الصالونات (المنتديات) للتعبير عن نفسها والتذكير بمصالحها، فماذا يبقى أمام الأطراف التي تشعر بالإجحاف أو التي تريد أن تزيل ظلماً وقع عليها غير اللجوء إلى الإرهاب والعنف الأعمى، وما الفرق بين سيطرة الدولة الشمولية التي تفرض سياساتها بالقوة على المجتمع والهيمنة الدولية القائمة على الاحتكار والاستفراد بالقرار الدولي واستخدام التفوق العسكري والاعتماد على الردع الأمني؟

        إن ابتداع السياسة لم يكن يهدف إلى شيء آخر سوى تكوين حيز للتوسط بين السلطة التي تخضع لمنطق خاص بها هو منطق الحفاظ على الوحدة والسيادة والشوكة، والمجتمع الذي يتكون من فئات ومصالح وتيارات واعتقادات مختلفة بالضرورة ومتنافسة إن لم تكن متنازعة، بحيث يساعد هذا الحيز على إيجاد التسويات الاجتماعية وينفس التوترات والاحتقانات الناجمة عن التنافس والتنازع الطبيعيين، ويعمل بالتالي على تجنيب المجتمعات السقوط في محنة علاقات القوة المحضة التي تعني أن الأقوى عسكرياً هو الذي يفرض رأيه ومصالحه على الآخرين، ويخلد من ثم الحرب الأهلية.

        وهكذا نشأ حقل من العلاقات تدعمه مجموعة من وسائل الضغط والتعبير السلمية يقع في تلك المنطقة الوسطى بين الفكرة والقوة، ويمكن جميع الأطراف من أن تضمن حداً أدنى من إمكانية التأثير بوسائل سلمية في الأطراف الأخرى وفي القرار العمومي يقيها خطر الدمار والموت والانسحاق ولا يضطرها في الوقت نفسه إلى اللجوء إلى العنف والقوة.

        فإذا قرر أحد الأنظمة إلغاء هذا الصعيد الوسيط أو التوسطي الذي يسمح لجميع الأطراف بالدفاع عن نفسها ومصالحها بوسائل سلمية، أي من دون أن تهدد استقرار النظام العام، فهو لا يحرم المجتمع من أي فرص مبادرة وحوار وتفاهم ويفرض على النظام السياسي الجمود المطلق فحسب، ولكنه يدفع حتماً إلى جعل القوة المجردة مبدأ القيادة وقاعدة الحكم.

        وبقدر ما يدين النظام نفسه بالحكم عن طريق القوة فإنه يفرض بأن لا يكون هناك أي تغيير أو تعديل أو إصلاح إلا بالقوة، وهو يخلق من دون أن يشعر ربما شروط نمو التنظيمات السرية والباطنية التي تعتمد القوة وتنتظر الفرصة التي تسمح لها بالانقضاض عليه والحلول محله. وإدراكاً لذلك، وحتى لا يترك النظام لهذه القوى مثل هذه الفرصة لا يجد له بديلاً عن تضخيم أجهزة الأمن حتى تستطيع أن تطبق على المجتمع من كل الجهات، وكي ما تنجح هذه الأجهزة في سد كل الثغرات لا تجد مهرباً من خنق كل شكل من أشكال الاستقلالية والحرية والمبادرة والحرمة الفردية والجماعية، وهكذا يتحول المجتمع – من دون إرادة واعية لأحد – إلى معتقل كبير لا تستقيم فيه حياة اجتماعية ولا ثقافية ولا اقتصادية ولا أسرية.

        ليس هناك إصلاح مهما بلغت درجته من الاعتدال والشكلية من دون قبول النظام بحد أدنى من حرية الضغوط الاجتماعية السلمية، فإذا أصبح من غير الممكن والمشروع استخدام أي وسيلة من الوسائل السياسية السلمية للتأثير في الأوضاع والسياسات المتبعة بما في ذلك الكلام والخطاب والمقال، أي إذا نجح النظام في أن يقفل الباب تماماً أمام أي نمو لأي شكل من أشكال التعبير عن الاحتجاج أو النقمة أو النقد أو المعارضة ورفض القبول بأي مخاطرة مهما كانت ضئيلة باسم الأمن أو الوحدة الوطنية أو المصالح الشعبية أو لأي سبب آخر، فلن تكون النتيجة ما يشاع من استقرار هو أقرب إلى صمت المقابر - أي دفن الشعب كوعي وإرادات فردية ومدنية حياً فحسب - ولكن أكثر من ذلك فرض العنف والتمرد والخروج على النظام وتحديه كأساس وحيد لتأكيد الوجود والاستقلال الفردي والمساواة والحرية. وعندما يكون ميزان القوى بين الدولة والمجتمع شبيهاً في اختلاله بميزان القوى الدولي، فهذا يعني أنه لن يكون هناك مجال لتأكيد الذاتية حتى بالعنف إلا بطريقة إرهابية انتحارية، عندئذ سيكون من الصعب الحديث عن وطن أو وطنية أو مواطنية أو حتى عن مجتمعات إنسانية.

        حان الوقت كي ندرك جميعاً أن السياسة والعمل السياسي والرغبة في المشاركة في مناقشة القرارات التي تمس المصير العام – أي مصير جميع الأفراد – ليست مسألة ثانوية، ولا ينبغي بأي شكل أن تكون مجال اتهام أو حكراً على شخص دون غيره وليس هناك بابوات سياسية، أي وكلاء سياسيون عموميون وأبديون معتمدون لتفسير آيات السياسة الوطنية ونصوصها.

        وإن التحدي الكبير الذي يواجهه الشعوب والمجتمعات في القرن الواحد والعشرين هو – بالعكس تماماً مما هو شائع عندنا – ليس منع الناس من الحديث في الشأن العام ولكن تحفيزهم على الالتزام والمشاركة السياسية لأن هذه المشاركة هى القاعدة الوحيدة لدفع الأفراد إلى تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية والعمومية، وتحمل هذه المسؤولية هو اليوم شرط قبول التضحية وبذل الجهد الخلاق المطلوب في كل المجتمعات لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين والخروج من طرق البيروقراطية المسدودة.

        ليست السياسة مصدر الخطر في المجتمعات الإنسانية، ولكن – بالعكس تماماً من ذلك – غيابها وتغييب إرادة الأفراد وإنكار مصالحهم وآرائهم والقضاء على استقلالهم الفكري والسياسي، أي اغتيال إنسانيتهم. ومن يراجع تاريخ الشعوب الغربية المعاصرة يدرك أن مسيرة التقدم الحضاري الحديث كانت مرتبطة ارتباطاً جدلياً في كل حقبة وعصر بتقديم شروط الحرية، أي بنجاح المجتمعات في انتزاع وتكريس المزيد من المبادرة والاستقلالية الفكرية والسياسية الفردية والجماعية، أي كانت تتقدم مواكبة لعملية بناء الإنسان والحقيقة الإنسانية، وبالعكس إن جميع المكاسب والإنجازات المادية والتقنية والعلمية مهما بلغت عظمتها ودرجة تراكمها لا تستطيع أن تقاوم طويلاً انحطاط الإنسان وانهيار قيمه المدنية والسياسية.

        وإذا ما تسنى لنا تقسيم أنواع العنف السياسي، فأنه يندرج تحت شكلين عامين رئيسيين: العنف المباشر والعنف غير المباشر. من أشكال العنف المباشر: القتل، الضرب، الإصابة، الاعتقال، التنكيل، الترحيل، الحد من حرية الحركة، وسحب المواطنة .. الخ. إن لهذه الأشكال سالفة الذكر وقعاً نفسياً مؤلماً على الفرد، فعلى سبيل المثال قامت الصهيونية في الفترة الواقعة بين أيار وأيلول من العام 1989 بترحيل ما يقارب إلى 250 طفل وأم فلسطيني في منتصف الليل إلى الحدود الأردنية بسبب رفض منحهم لم شمل العائلات. ما هو الوضع النفسي المتوقع في مثل هذه الحالة لأطفال يجدون أنفسهم منزوعين بلا مبررات ولا تفسيرات من مكانهم وأقربائهم في وضع غاية في الغرابة. وتشير نتائج بعض البحوث إلى أن 85% من الأطفال الفلسطينيين قد شهدوا حادثاً عنيفاً ضدهم أو ضد أحد أقربائهم من العائلة النووية. وأن 39% من الأطفال الفلسطينيين قد خسروا أحد أفراد عائلتهم طوال سني النزاع العربي – الصهيوني ناهيك عن هؤلاء الذين تعرضوا السجن قبل بلوغ السابعة عشر والذين يبلغ عددهم ما لا يقل عن 54% من السكان، حيث لا يزال 300 طفل قيد الاعتقال في سجون الاحتلال.

        هذا بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين تعرضوا للتشريد بسبب تدمير بيوتهم وخروجهم إلى الشارع. وإيجاد أنفسهم بلا مأوى بشكل مفاجئ. يمكننا القول أن الطفل الفلسطيني قد تعرض للأشكال التالية من العنف السياسي المباشر:

1-   القتل أو الإصابة البالغة أو المعيقة أو المزمنة.

2-   الضرب والتنكيل والإهانة عن طريق التوقيف، منع الحركة، مداهمة البيوت .. الخ.

3-   هدم البيوت والتشريد.

4-   السجن والاعتقال أما الإداري أو بمحاكمة. وهذا قد يكون لفترات متفاوتة إما قليلة أو طويلة بناء على نوع الإدانة.

5-   سحب المواطنة ومنع لم شمل العائلات.

6-   مصادرة الأراضي.

آثار العنف المباشر على الأطفال:

        ومع أن الأنواع المختلفة من العنف قد تسبب صدمة عند الطفل وتأثير هذه الصدمة يكون شديداً على المستوى النفسي، الاجتماعي، الأكاديمي، المعرفي والمهن إلا أن العنف السياسي المباشر تأثيره مزدوج إذ قد يصيب الطفل مباشرة أو قد يصيب أهله وبذلك يتأثر الطفل بطريقة غير مباشرة، والتهديد الأساسي من العنف السياسي هو من خلال كون الطفل بدون حماية إذ أن الوضع يكون على رأي المثل "حاميها حراميها"، أي إن كانت السلطة أو المؤسسة الحاكمة هى المهددة فمن يحمي الأطفال. ولذا فإن التأثير الأساسي يكون بأعراض التوتر ما بعد الصدمة (PTSD)، ويكون بظهور بعضها مباشرة بعد الصدمة على شكل أعراض جسمية، نفسية واجتماعية مثل أوجاع الرأس، الظهر والكتفين، التأخر بالدراسة، التغيب عن المدرسة، صعوبة بالتركيز والابتعاد والانفصال عن الأهل (مسلر، فرولي، 1994). والآثار بعيدة المدى مثل الاضطرابات النفسية بأنواعها، تشير إحصائية مدى انتشار مشاكل الصحة النفسية في فلسطين بأن 25-30% من الشعب الفلسطيني يعاني من مشاكل نفسية، وهذه نسبة عالية إذا ما قورنت بإحصائيات عالمية لذا فإنه من المؤكد أن الوضع السياسي الراهن يزيد من تفاقم الوضع والاضطراب في هذا الجزء من العالم.

العنف السياسي غير المباشر ضد الأطفال:

        تأخذ الأشكال غير المباشرة في العنف السياسي دوراً مخفياً وقد تكون آثارها بعيدة المدى وغير محسوسة على المستوى اللحظي. مما يجعلها أكثر خطورة من نظيراتها أشكال العنف السياسي المباشر. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فقد تبدوا هذه الأشكال للعيان وكأنها موجهة لجمهور الناضجين لكن وقعها النفسي أكثر خطورة على الأطفال. كما أن خطورتها الأعظم تكمن في كونها تعبر عن سياسات موجهة تهدف إلى خلق حالة من الاختلال المرجو من قبل المعتدي. أنه من الممكن القول أن السياسات الإسرائيلية بمجملها تستهدف خلق هذا الخلل خصوصاً لدى الأطفال الذين يشكلون الورثة الطبيعيين للقضية الفلسطينية.

أشكال العنف السياسي غير المباشر:

        يعبر العنف السياسي غير المباشر عن نفسه من خلال مجموعة من الممارسات والأهداف التي تخدم أساساً أهداف موجه الاعتداء، ويكون على رأس تلك الاعتداء الغير مباشر، التغريب الذي يهدف إلى خلق فجوة ثقافية وحضارية بين الفرد وثقافته الأم بالإضافة إلى طمس الهوية الوطنية العامة، ربط الاقتصاد المحلي باقتصاد الدولة المحتلة أو المستعمرة مما يخلق حالة من الاعتمادية الاقتصادية التي تنهك الاقتصاد المحلي. التقصير في مجال تقديم الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والنظافة العامة.

        (1) تهجير السكان بطرق غير مباشرة من خلال خلق جو عام من عدم الأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي مما يحدى بالعديد من السكان المحلين بالمغادرة والهجرة.

        (2) استخدام مرافق تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والمدنية كوسيلة ضغط على المقدسين، واستخدام المعلومات الخاصة بالعمل الإنساني في سبيل معرفة معلومات شخصية قد تساعد في طرد الشخص أو وضعه تحت تهديد معين بالطرد أو الإيذاء. مما يمثل خرق خطير القوانين العمل الإنساني الدولية.

        (3) سلبية أجهزة الوقاية والتدخل المختصة (شرطة مكافحة المخدرات، البلدية، مكاتب الشؤون الاجتماعية) حيث تتبع هذه الأجهزة سياسة موجه تعتمد على إهمال الحاجات المجتمعية والمدنية، وتتغاضى عن جرائم ومخالفات خطيرة خصوصاً في مجال المخدرات والوقاية منها، العنف الأسري، التسرب من المدارس، والجريمة بشكل عام.

        (4) الشرذمة: اعتماد مجموعة من أساليب التفرقة العرقية والدينية، ونشر آفات اجتماعية خطره مثل المخدرات والدعارة، وتغذية الإشكاليات العائلية أو العرقية من خلال عملاء أو مستفيدين.

        (5) تهميش قطاعات السكان المحليين وحرمانهم من تمثيل أنفسهم في المؤسسات الحساسة التي تدير أو تحكم المدينة، وتهميش تطلعاتهم في تطوير مدينتهم وتصميمها العام.

        (6) خلق وقائع على الأرض من خلال الأشكال السابقة للعنف السياسي غير المباشر، مما يساهم في تعزيز الاغتراب أو الاضطراب الاجتماعية، وتصعيب إيجاد الحلول للظواهر السلبية.

آثار العنف السياسي غير المباشر على الطفل الفلطسيني:

        إن مجموعة أشكال العنف السياسي الناجمة عن سياسية الدولة الصهيونية المحتلة، تمثل سياسة لعنف سياسي مخطط ومدروس يصعب في مصلحة مجموعة من الطموحات التهويدية العدوانية التي تتمثل فيما يلي:

1-   تفريغ المدينة من سكانها وخلق وقائع ديموجرافية تساهم في تصوير القدس على أنها مدينة يهودية (التهويد).

2-   سلب الأقلية الباقية من سكان المدينة هويتهم الوطنية والثقافية وخصوصاً الفئة العمرية (0-18 سنة)، أما من خلال توريطهم في تعاطي المخدرات أو جرائم وانحرافات اجتماعية، أو من خلال تقديم ثقافة مميعة لا تساهم في بناء الشخصية الفردية الاجتماعية السليمة.

الآثار النفسية والاجتماعية للعنف السياسي:

        يترك العنف السياسي بشكليه المباشر وغير المباشر مجموعة من الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة، حيث يجرد الفرد من إنسانيته ومن الشعور بالأمان هذا الشعور الضروري من أجل تطور نفسي اجتماعي سليم، كما أن أشكال العنف السياسي غير المباشر تؤثر بطرق مختلفة على العائلة من ناحية التماسك وتوفير أطر الدعم الاجتماعي المباشر والحماية.

        وقد تعددت الدراسات في مجال العنف السياسي، فقد قام بونامكي وسليمان Punamaki & Suleiman (1990) بدراسة للتعرف على المنبئات بأساليب المواجهة التي يستخدمها الأطفال الفلسطينيين لمواجهة العنف السياسي ومدى فعالية هذه الأساليب. وحاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف السياسي، والمستوى الاقتصادي الاجتماعي، الاستجابات النفسية للأم، وأساليب المواجهة التي يستخدمها الأطفال الفلسطينيين.

        وتكونت عينة الدراسة من 66 طفلاً فلسطينياً ممن تتراوح أعمارهم بين 8-14 عاماً والذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضحت النتائج أن كلما زاد تعرض المفحوصين للعنف السياسي كلما استخدموا أساليب مواجهة نشطة وأكثر شجاعة، كما أنه كلما زادت الأعراض النفسية لدى الأمهات، كلما زادت أساليب المواجهة النشطة التي يستخدمها الأطفال، كما أشارت النتائج إلى أن تعرض الأطفال للعنف السياسي يزيد من ظهور الأعراض النفسية لدى الأطفال ولا تنفع أياً من استراتيجيات المواجهة في تخفيض هذه الآثار.

        وركزت دراسة بوناماكي Punamaki (1990) على عمليات الضغوط النفسية التي يتعرض لها المدنيين الذين يعيشون في ظروف العنف السياسي. وهدفت الدراسة إلى التعرف على العلاقة بين العنف السياسي، العوامل الشخصية، واستجابات الضغوط النفسية لدى النساء، والأطفال، والمسجونين السابقين. واستخدمت الدراسة طبيعة ومدى العنف كما يظهر من خلال مكان الإقامة (الصفة الضفة الغربية وغزة، بيروت، وإسرائيل)، فترة الاختبار (قبل أو بعد الحرب اللبنانية) والتعرض للعنف السياسي. أما العوامل الشخصية فقد تناولت الدراسة متغيرات العمر، النوع، السعادة في الزواج، الحالة الاقتصادية، الحالة في مأوى اللاجئين. أما استجابات الضغوط النفسية فقد ركزت الدراسة على تضخيم الضغوط والمصادر الشخصية لمواجهة الضغوط، أساليب المواجهة والصحة النفسية.

        تكونت عينة الدراسة من 174 امرأة، 66 طفلاً من الضفة الغربية وغزة، 30 امرأة، 31 طفلاً فلسطينياً من الذين يعيشون كمواطنين في إسرائيل، إلى جانب 40 رجلاً.

        أوضحت النتائج أن التعرض للمصاعب السياسية تزيد من احتمالية التعرض لمشكلات الصحة النفسية. ووجدت الدراسة علاقة بين التعرض للتعذيب وأعراض مشكلات الصحة النفسية لدى المسجونين السابقين. كما أكدت النتائج أن الدعم الاجتماعي الكافي والحالة الاقتصادية الجيدة، الالتزام الديني لدى النساء يخفف من الآثار السلبية للمصاعب السياسية، بينما لم تكن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية عاملاً في تخفيف الآثار السلبية.

        وأشارت النتائج أيضاً أن التعرض للمصاعب السياسية لها تأثير مختلف على عمليات الضغوط النفسية باختلاف الحالة السياسية، فالتعرض للمصاعب السياسية لدى الأطفال والنساء يزيد من أساليب المواجهة النشطة والقومية قبل الحرب اللبنانية، بينما يقلل التعرض للحرب من أساليب المواجهة النشطة.

        وناقشت دراسة كوستيلني Kostelny (1993) الآثار النفسية والسلوكية للعنف السياسي على الأطفال الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية المحتلة. وأشار الباحث إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لخبرات العنف المرتبطة بالصراعات السياسية يظهرون العديد من الاستجابات والأعراض التي تتراوح بين الضغوط المتوسطة إلى الضغوط الشديدة. لذا حاولت الدراسة التعرف على الأخطار المرتبطة بالتوافق الأسري والعوامل المؤدية إلى حماية الطفل والتي تتداخل فيها العوامل الوالدية وذلك في ضوء خبرات الأطفال مع العنف السياسي.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 150 أماً فلسطينية وأطفالهم الذين يقيمون في قرى ومدن الضفة الغربية في سبتمبر 1990. واستخدم الباحث قائمة السلوكيات المشكلة للتعرف على الأعراض النفسية والسلوكية للأطفال، إلى جانب قائمة ضغوط الوالدية، الوصف السلوكي. واستبيان العنف وذلك لقياس متغيرات العنف السياسي، العنف الأسري، ومشكلات التوافق لدى الأمهات، وأساليب المعاملة الوالدية.

        وأوضحت النتائج أن الأطفال الفلسطينيين الذين يتعرضون لأحداث ترتبط بالانتفاضة مثل الإصابة، أو سجن أحد أعضاء الأسرة، أو أي حدث يرتبط بالانتفاضة يظهرون مشكلات سلوكية ونفسية أعلى من الأطفال الذين لا يتعرضون لهذه الخبرات والأحداث. كما أظهرت النتائج أن الأطفال الذين يتعرضون لخبرات العنف السياسي والأسري ترتفع لديهم الأعراض السلوكية والنفسية عن أقرانهم الذين لا يتعرضون لكلا الخبرات. ووجدت الدراسة علاقة بين تراكم عوامل الخطورة وبين زيادة المشكلات السلوكية والنفسية المترتبة على العنف السياسي. كما وجدت الدراسة أن الأمهات تعتبر من أهم العوامل المتداخلة في الخبرات الضاغطة كما وجدت الدراسة فروقاً بين الذكور والإناث في التعرض للآثار السالبة من الأسرة ومخاطر الانتفاضة لصالح الذكور وكذا باختلاف العمر لصالح الأطفال الأصغر سناً (6-9) عن أقرانهم الأكبر سناً (12-15).

        وقارنت دراسة جوزيف وكارينر وماكولام Joseph; Caerns & Mccollam (1993) بين 57 طفلاً ممن تبلغ أعمارهم 11 عاماً (28 بنتاً – 29 ولداً) والذين يعيشون في منطقة تتميز بارتفاع العنف السياسي وبين 63 طفلاً (34 بنتاً، 29 ولداً) من منطقة منخفضة العنف السياسي وذلك في متغيرات الأعراض الاكتئابية وأساليب المواجهة.

        وأشارت النتائج إلى عدم وجود فروق بين المجموعتين في متغيرات الأعراض الاكتئابية وأساليب المواجهة. وأشارت الدراسة إلى فروق بين الجنسين في الاكتئاب لصالح الإناث عن الذكور، بينما لم تجد الدراسة فروقاً بين الجنسين في أساليب المواجهة واستخدام أساليب الإنكار أو الدعم.

        وناقشت دراسة سيرمينو Sermeno  (1994) آثار العنف السياسي على النمو الخلقي، وظهور السلوك المضاد للمجتمع وضغوط ما بعد الأمة لدى المراهقين. وقام الباحث بقياس النمو الخلقي من خلال قائمة (ب) و(د) من اختبار تعريف المهام Defining issues test بينما تم قياس السلوك المضاد للمجتمع من خلال مقياس جينس Jesness Inventery. وقد تكونت عينة الدراسة من 186 مراهقاً من الذكور والإناث منهم 101 مراهقاً من الذين يعيشون في منطقة ليس لها عنف سياسي، 85 مراهقاً ممن يعيشون في منطقة بها عنف سياسي من خلال حرب أهلية.

        أوضحت النتائج أن المراهقين الذين تعرضوا للعنف السياسي ينخفض لديهم النمو والحكم الخلقي ويرتفع لديهم السلوك المضاد للمجتمع أكثر من أقرانهم الذين لم يتعرضوا للعنف كما ترتفع بينهم نسبة حدوث أعراض ضغوط ما بعد الأزمة. ولم تجد الدراسة علاقة بين وجود اضطراب أعراض ضغوط ما بعد الأزمة وبين الحكم الخلقي، بينما وجدت الدراسة علاقة موجبة بين وجود اضطراب أعراض ضغوط ما بعد الأزمة وبين السلوك المضاد للمجتمع.

        ويمكن استخلاص نتيجة عامة وهى أن هناك فروقاً واضحة بين الأفراد الذين تعرضوا للعنف السياسي من خلال الحرب الأهلية وأقرانهم الذين لم يتعرضوا لهذا العنف من حيث الحكم الخلقي، السلوك المضاد للمجتمع ودرجة أعراض ضغوط ما بعد الأزمة حيث ينخفض الحكم الخلقي ويرتفع السلوك المضاد للمجتمع ودرجة أعراض ضغوط ما بعد الأزمة لدى الأفراد الذين تعرضوا للعنف السياسي.

        وتساءلت دراسة بوناماكي Punamaki (1996) ما إذا كان الالتزام الأيديولوجي يحمي الأطفال والصحة النفسية لهؤلاء الأطفال في مواقف وظروف العنف السياسي؟ وحاولت الدراسة التعرف على الدور الذي يلعبه الالتزام العقيدي والأيديولوجي في الصحة النفسية للأطفال. واستخدمت الدراسة ثلاثة مظاهر للالتزام الأيديولوجي وهى (تعظيم الحرب glorification of war، الانغماس في الوطنية patriotic involvement، والاتجاهات المعادية نحو العدو defiant attitudes toward the enemy.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 385 طفلاً إسرائيلياً ممن تتراوح أعمارهم بين 10-13 عاماً وافترضت الدراسة أن خبرات العنف السياسي لا تؤدي إلى زيادة المشكلات النفسية والاجتماعية لدى الأطفال إذ ما تمتع هؤلاء الأطفال بالتزام أيديولوجي قوي. وحاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين العمر، النوع، مكان الإقامة (الأماكن مرتفعة العنف – مقابل – منخفضة العنف) الاتجاهات نحو الحرب، والمشكلات النفسية والاجتماعية.

        أشارت النتائج إلى أن الالتزام الأيديولوجي يتداخل في ظهور أعراض القلق، عدم الأمن، الاكتئاب، الفشل والدعم الاجتماعي. كما أظهرت النتائج أن التعرض للعنف السياسي تزيد من ظهور أعراض الاضطرابات النفسية لدى الأطفال منخفضي الالتزام الأيديولوجي دون مرتفعي الالتزام. كما أوضحت النتائج أن العنف السياسي يزيد من الالتزام الأيديولوجي والذي يرتبط بانخفاض مستويات المشكلات النفسية والاجتماعية.

        وهدفت دراسة جاربارينو وكوسيتليني Garbarino & Kostelny (1996) إلى التعرف على آثار العنف السياسي على السلوكيات المشكلة لدى الأطفال الفلسطينيين. وقام الباحثان بعمل مجموعة من المقابلات المقننة مع 150 أماً فلسطينية وأطفالهم أثناء اشتعال الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

        وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة بين عدد المخاطر التي تواجه الطفل في حياته ترتبط ارتباطاً دالاً وموجباً بعدد المشكلات السلوكية التي تظهر عند الطفل. كما أشارت الدراسة إلى وجود فروق بين الذكور والإناث في المشكلات السلوكية والمخاطر المترتبة على العنف السياسي، حيث أوضحت النتائج أنه مع تزايد المخاطر فان عدد المشكلات السلوكية لدى الذكور عن أقرانهم من الإناث.

        وناقشت دراسة بوناماكي وبوهاكا Punamaki & Puhakka (1997) مدى تأثير العمر والنوع وشدة العنف السياسي وأحداث الحياة الضاغطة على استراتيجيات المواجهة التي يستخدمها الأطفال وفعالية أساليب المواجهة Coping styles. تكونت عينة الدراسة من 185 طفلاً من الذكور والإناث الذين يتراوح أعمارهم بين 10-13 عاماً. وقد تم تحديد شدة العنف السياسي من خلال مقارنة مجموعة من الأطفال قبل الانتفاضة (ن = 89) ومجموعة أثناء الانتفاضة (ن = 96).

        وقد أظهرت النتائج أن الأطفال الأكبر سناً يستخدمون استراتيجيات شعورية انفعالية ومعرفية أكثر من المفحوصين الأصغر سناً. كما أكدت النتائج أن الذكور يستخدمون أساليب مواجهة تعتمد على إعادة بناء المشكلة وأساليب سلوكية أكثر من الإناث اللائي يستخدمن أساليب مواجهة انفعالية. كما أشارت النتائج إلى أنه كلما زادت حدة العنف السياسي كلما زادت الأساليب المعتمدة على إعادة بناء المشكلة مقابل أساليب المواجهة المعتمدة على العدوانية والعدائية، كما أن التعرض الشخصي للأحداث الضاغطة تزيد من استخدام أساليب المواجهة السلوكية، وإعادة بناء المشكلة، وتخفض من الأساليب المواجهة الانفعالية.

        وأشارت النتائج أيضاً إلى أن فعالية أساليب المواجهة تلعب دوراً في تخفيض المشكلات النفسية وتعتمد على درجة شدة العنف السياسي. كما أوضحت النتائج أيضاً أن أساليب إعادة بناء المشكلة والأساليب السلوكية تكون أكثر فعالية أثناء الانتفاضة وليس قبلها.

        وناقشت دراسة فون هيبل Von-Hippel (1997) آثار العنف السياسي على العدوان لدى الأطفال في إسرائيل. وهدفت الدراسة إلى تحليل ما إذا كانت مستويات العنف مرتفعة لدى الأطفال في إسرائيل المتعرضين للعنف السياسي، وكذا تحديد العوامل المسهمة في حدوث العنف أو التي تحمي من حدوثه وتقدير أهميتها النسبية.

        وقد تكونت عينة الدراسة من (75) طفلاً إسرائيلياً من ست مستوطنات إسرائيلية ثلاث مستوطنات ممن تنخفض فيهم مستوى العنف السياسي وثلاث مستوطنات ترتفع فيهم مستويات العنف السياسي وقام الباحث بتطبيق ثلاثة مقاييس من مقاييس التقدير الذاتي استبيان العدوان The Aggression Questionnaire، مقياس التقرير الذاتي للسلوك العدواني لدى الشباب The Youth Self Report Aggressive Behaviorن إلى جانب مقياس غير مقنن non-standardized.

        وقد أشارت نتائج الدراسة عدم وجود فروق بين الأطفال المعرضين لمستويات مرتفعة من العنف السياسي والأطفال المعرضين لمستويات منخفضة من العنف السياسي. كما أوضحت النتائج أيضاً أنه لا يمكن التنبؤ بالعدوان من خلال خبرات العنف السياسي أو العدد الكلي لأنواع خبرات العنف السياسي. وأشارت النتائج إلى وجود ثلاثة عوامل ترتبط بالعدوان وهى: (1) الأطفال الذين يدركون آبائهم باعتبارهم يمتلكون مهارات مواجهة وتكيف قوية هم أكثر عدوانية، (2) الأطفال الأكثر تعلقاً بفكرة أمة إسرائيل هم أكثر عدوانية، (3) الأطفال الذين لديهم أعراض داخلية هم أكثر عدوانية. ولم تجد الدراسة فروقاً بين الذكور والإناث فيما عدا أن الذكور يعبرون عن غضبهم من خلال العدوان البدني والسلوكي بشكل أكبر من الإناث.

        وقد أوصت الدراسة بضرورة قيام المتخصصين في الصحة النفسية بتقدير آثار ومعاملة الأطفال الذين يعيشون بالقرب من العنف السياسي أو بعيداً عنه بنفس الاهتمام. كما أن الكشف عن العوامل المرتبطة بالعدوان تمكن علماء الصحة النفسية في توفير الأدوات التقيمية وعلاج الأطفال المعرضين للعنف السياسي.

        وتناولت دراسة باربر Barber (1999) العلاقة بين العنف السياسي، العلاقات الأسرية، والتوافق النفسي والاجتماعي لدى المراهقين الفلسطينيين. وحاولت الدراسة الكشف عن العلاقة بين الاشتراك في أنشطة العنف السياسي والعلاقات الأسرية وعمليات التوافق النفسي والاجتماعي لدى المراهقين الفلسطينيين في إسرائيل.

        وقد أشارت النتائج إلى أن الأطفال الذين تعرضوا لخبرات الانتفاضة ترتفع لديهم السلوكيات العدوانية والسلوكيات المضادة للمجتمع في مرحلة المراهقة لدى الذكور والإناث، كما ترتبط هذه الخبرات بالاكتئاب لدى الإناث دون الذكور وذلك بعد مرور من عام إلى عامين بعد نهاية الانتفاضة. كما أوضحت النتائج أن خبرة الانتفاضة ترتبط بالاستخدام المتزايد للآباء لأساليب التحكم والصراع النفسي مع الإناث.

        وهدفت دراسة هسو Hsu (2000) إلى تحليل آثار العنف السياسي في البلاد النامية وذلك من خلال تحليل المعلومات الكيفية حول الأسباب الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية للعنف. كما هدفت التعرف على الدور الذي يلعبه ضغط وقهر النظام السياسي في أحداث العنف السياسي والتأثير على قرارات الفرد بالانضمام لأنشطة العنف السياسي وذلك من خلال نظريات تفسير العنف السياسي وأسبابه في الدول النامية.

        واستخدمت الدراسة تحليل الانحدار المتعدد ومعاملات الارتباط لتحديد أياً من النظريات الحالية أفضل في تفسير العنف السياسي حيث توضح مصفوفة الارتباطات للعلاقات الداخلية بين المتغيرات بينما توضح تحليلات الانحدار قوة الرابطة بين كل متغير من المتغيرات وبين العنف السياسي.

        وقد أوضحت النتائج أن من أهم العوامل المرتبطة بالعنف السياسي هى التحديث، العرق، القهر السياسي، والحرمان والفقر. كما أشارت النتائج أن القهر السياسي يرتبط بالعنف السياسي فالأنظمة السياسية التي تستخدم أساليب قهرية تواجه عنف سياسي أكبر من الأنظمة الأقل قهراً وهو ما يتعارض مع افتراض نظرية الاختيار rational choice القائل أن مستويات العنف السياسي ترتفع في المجتمعات والأنظمة السياسية المتوسطة القهر أكثر من المجتمعات الشديدة أو الضعيفة. كما دراسة الحالة التي قدمتها الدراسة عن أن الاستعمار الذي تمر به البلاد (أو تعرض البلاد للاستعمار في مرحلة سابقة من تاريخها السياسي) العوامل المسهمة في العنف السياسي إلى جانب عوامل التحديث، العرق، الحرمان والفقر.

        وتناولت دراسة ليلانوس وآخرون Lianos, et al. (2001) آثار العنف السياسي على مشاعر الغضب، الخوف، والقلق لدى الأطفال الكولومبيين الذين تتراوح أعمارهم بين 11-12 أما في مدينتين من المدن على الشاطئ الكولومبي للبحر الكاريبي.

        وقد أشارت نتائج الدراسة عدم صحة الافتراض الأساسي للدراسة فيما عدا ما يخص متغير الخوف وهو ما يشير إلى أن التعرض المستمر والمباشر للعنف السياسي له أثر واضح على ظهور مشاعر الخوف لدى الأطفال وهو ما يشير إلى ضرورة الانتباه والحذر من الآثار المترتبة على العنف السياسي. وتؤكد هذه النتائج أن الأطفال المعرضين للعنف السياسي والذين يواجهون مثير اجتماعي خطير، فإن الخوف يعتبر عاملاً مساعداً على التكيف نظراً لأن الأطفال يظهرون استجابات وقائية تساعدهم على حماية وجودهم.

        وتناولت دراسة قوطة والسارجي وبوناماكي Gouta; Elsarraj & Punamaki (2001) المرونة العقلية mental flexibility كعامل من عوامل المرونة في التكيف لدى الأطفال المعرضين للعنف السياسي. وقد ركزت الدراسة على المرونة العقلية مقابل الجمود في تفسير عمليات التوافق النفسي في ظروف العنف أثناء الانتفاضة الفلسطينية وفي مواقف السلام الأكثر أمناً بعد مرور 3 سنوات. وقد تكونت عينة الدراسة من 86 طفلاً فلسطينياً ممن تتراوح أعمارهم 10-12 عاماً. كما استخدم الباحثون اختباراً مصوراً معتمداً على اختبار بيرنسوك Burnswik (1999) وذلك لقياس أنماط التفكير المعرفية المرنة – مقابل الجمود، إلى جانب مقاييس العصابية، تقدير الذات، والاضطرابات الانفعالية واضطراب ضغوط ما بعد الأزمة.

        وقد أشارت النتائج إلى وجود أثر للمرونة العقلية في حماية الأطفال من العواقب السلبية طويلة المدى للأحداث والأزمات. كما أوضحت النتائج أن المرونة العقلية تتحدد من خلال العوامل المعرفية والبيئية. كما أوضحت النتائج أن الأطفال الأكثر ذكاءً والأقل عرضة لأحداث الأزمات، تظهر لديهم مرونة عقلية أعلى من الأطفال الأقل ذكاءً والأكثر عرضة لأحداث الأزمات.

        واستهدفت دراسة باربر Barber (2001) التعرف على العلاقة بين العنف السياسي والاندماج الاجتماعي Social integration والتوافق النفسي والاجتماعي وذلك من خلال نموذج ايكولوجي ecological model لخبرات الشباب الفلسطيني في الانتفاضة الفلسطينية من خلال نظريات الاجتماعية الأيكولوجية social ecological رأس المال الاجتماعي social capital ونظرية عدم التنظيم الاجتماعي social disorganization تكونت عينة الدراسة من 6000 مراهقاً فلسطينياً بلغت أعمارهم 14 عاماً والذين تم تطبيق الأدوات عليهم في عام 1994 و1995 بعد انتهاء الصراع.

        وقام الباحث بجمع التقديرات التأملية للشباب حول تعرضهم واشتراكهم في خبرات العنف السياسي وجوانب الصحة النفسية والتوافق النفسي والاجتماعي لديهم (الاكتئاب والسلوك المضاد للمجتمع) والاندماج في المواقف الاجتماعية المختلفة (الأسرة، العلاقات مع الرفاق، الدين، التعليم، والمجتمع).

        وقد أوضحت النتائج وجود علاقة مباشرة بين خبرات الانتفاضة والسلوك المضاد للمجتمع والاكتئاب لدى الإناث. كما وجدت الدراسة علاقة بين خبرات الانتفاضة والتدين ولم تجد علاقة بين خبرات الانتفاضة وبين الاندماج الاجتماعي في الأسرة، المدرسة، والعلاقات مع الرفاق. كما أشارت النتائج إلى أنه في بعض الحالات تداخل الاندماج الاجتماعي في الأسرة، المدرسة، والعلاقات مع الرفاق في العلاقة بين خبرات الانتفاضة ومشكلات الشباب.

        وناقشت دراسة جيبسون Gibson (2002) آثار العنف السياسي على جوانب التوافق والتكيف ونمو الهوية لدى المراهقين البوسنيين. واستكشفت الدراسة أثر الحرب وخبرات النفي والأبعاد على عمليات التكيف الهوية لدى عينة من المراهقين البوسنيين قوامها (5) من المراهقين اللاجئين الذين تتراوح أعمارهم بين 14-18 عاماً. والذين عاشوا في الولايات المتحدة الأمريكية لعامين على الأقل. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن أهم مصادر المرونة في التكيف هى المزاج الفردي، الاستجابات التكيفية للأزمات، الولاء والانتماء الأسري والحضاري. كما أوضحت النتائج إلى العنف السياسي يؤثر تأثيراً واضحاً على الجوانب النفسية ويترتب عليه ضغوط ما بعد الأزمة. وناقش الباحث المعاني الحضارية للأزمة والنمو وكذا العوامل الصحية التي تعمل على مواجهة الأزمات الشديدة التي يواجهها الأفراد في مناخ العنف السياسي. وقدمت الدراسة العديد من التوصيات والمقترحات التي يستفيد بها المتخصصين في مجال الصحة النفسية والعاملين مع اللاجئين.

        واستكشفت دراسة جونز Jones (2002) العلاقة بين فهم المراهق للعنف السياسي وصحته النفسية. وقد تكونت عينة الدراسة من 337 مراهقاً ممن تراوحت أعمارهم بين 13-15 عاماً من الذين عاشوا أثناء الحرب في بوسينا وتم اختيار 40 مراهقاً (20 من الذكور – 20 من الاناث9 والذين تم اختيارهم على أساس الأعراض المشتركة بينهم والذين تمت ملاحظتهم لمدة عام وتم عقد مقابلات مقننة معهم وذلك للتعرف على مدى فهمهم للحرب وادراكاتهم الموضوعية لصحتهم النفسية. كما قام الباحث بعمل دراسات حالة للتعرف على الدرجة التي ينشغل فيها في محاولتهم للبحث على معنى الصراع Searching for meaning (SFM) ومدى علاقتها بصحتهم النفسية.

        وقد أشارت النتائج أن البحث عن المعنى لا يعتبر استراتيجية وقائية، وأن المراهقين منخفضي الصحة النفسية ينشغلون في محاولات أكثر للبحث عن معنى الصراع، في حين أن المراهقين مرتفعي الصحة النفسية ينشغلون في محاولات البحث عن معنى الصراع أقل. كما وجدت الدراسة علاقة بين محاولات البحث عن المعنى وبين الحساسية لبيئة العنف السياسي والشعور بعدم الأمان حول مستقبل الحرب.

        وهدفت دراسة فيلا ودونا Veale & Dona (2003) إلى استكشاف البروفيل النفسي لأطفال الشوارع في أفريقيا، والعلاقة بين العنف السياسي وأطفال الشوارع وذلك من أجل التعرف على العوامل المسببة بعد الحرب الأهلية والعنصرية في رواندا وتحليل الأثر السياسي والاجتماعي الحضاري للحرب الأهلية على المجتمعات الرواندية. وكذا حاولت التعرف على البروفيل وأنشطة أطفال الشوارع في رواندا.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 290 طفلاً (متوسط أعمارهم 14.2 عاماً) والذين تم عقد مقابلات معهم للتعرف على الخلفية الاجتماعية والديموجرافية والعائلية والتعليمية والأسباب التي تقف وراء اعتبارهم وانخراطهم في حياة الشوارع، الصحة النفسية. وأشارت النتائج إلى أن 42% من أطفال الشوارع في رواندا ليس لهم بيت أو مأوى كما أن معظمهم من المراهقين الذكور، كما أن الأطفال اليتامى أو الذين فقدوا على الأقل أحد والديهم. وأشارت التحليلات الكيفية إلى أثر وفاة أحد أعضاء الأسرة، سجن الوالدين، والفقر على حياة هؤلاء الأطفال. وأوضحت هذه التحليلات ضرورة تقديم دعم من المجتمع لهؤلاء الأطفال وتوفير سبل الرعاية لهم وتخطيط السبل لدعم عملية دمجهم في المجتمع من جديد من خلال استراتيجيات ما بعد الصراعات مثل استراتيجيات الوقاية.

        وتناولت دراسة ايزنمان وآخرون Eisenman, et al. (2003) آثار العنف السياسي بين المهاجرين اللاتينيين وذلك من خلال تقدير مدى شيوع وأنماط العنف السياسي الذي واجهوه قبل هجرتهم، وما إذا كان تعرضهم للعنف السياسي يعتبر مانعاً قوياً بصحتهم النفسية وجودة الحياة المرتبطة بالجوانب الصحية.

        وقد تكونت عينة الدراسة من (638) فردا من المشتركين في إحدى برامج رعاية كبار السن. وأوضحت النتائج أن 54% من أفراد العينة ثبت تأثير العنف السياسي السلبي عليهم، حيث أشار المفحوصون الذين تعرضوا للعنف السياسي إلى وجود مشكلات في الصحة النفسية لديهم بشكل أكثر إذا ما قورنوا بأقرانهم الذين لا يتعرضون للعنف السياسي، إذ تظهر لديهم أعراض اضطراب ضغوط ما بعد الأزمة، الاكتئاب، واضطراب الصحة النفسية.

        كما أشارت النتائج إلى أن الأفراد الذين تعرضوا للعنف السياسي تنخفض درجاتهم في جودة الحياة المرتبطة بالجوانب الصحية. كما أوضحت النتائج أن المفحوصين الذين تعرضوا للعنف السياسي في بلادهم قبل الهجرة قاموا بالدخول في برامج الرعاية الصحية خلال العام الماضي.

        وناقشت دراسة مالدون Muldoon (2004) الآثار التي يحدثها العنف السياسي على الأطفال والمراهقين في أيرلندا الشمالية. وقد استعرض الباحث التاريخ السياسي للصراع السياسي في أيرلندا الشمالية وفي ضوء اتفاق بلفاست للسلام عام 1998 والمعروف باتفاق الجمعية البيضاء (Good Friday Agreement, 1998) وقد أوضح الباحث أن أسس هذه الصراع متعددة منها الدينية، القومية، الاقتصادية بالرغم مما قد يبدو للبعض من كونها معركة بين البروتستانت والكاثوليك الرومان.

        كما استعرض الباحث خبرات الأطفال والشباب حول هذه الصراع وأثر خبرات الصراع على ثلاث جوانب هى الأكثر تأثيراً بما يحدث من عنف سياسي وصراع في أيرلندا الشمالية وهى: جوانب الحياة اليومية المختلفة everyday aspects of life، الهوية الاجتماعية social identity، الصحة النفسية mental health.

        وتساءلت دراسة أوردينولا Urdinala (2004) ما إذا كان العنف السياسي يؤثر على معدل الوفيات بين المواليد والحالة الصحية للمواليد أثناء الحرب الأهلية في كولومبيا خلال العقد الماضي. وقام الباحث بجمع المعلومات حول معدلات القتل والأفعال المسلحة التي قامت بها الخارجة عن القانون في الفترة من 1990-2000 إلى جانب معدلات الوفيات بين المواليد في هذه الفترة.

        وقد أوضحت التحليلات أن معدلات القتلى قد زادت بنسبة (1) لكل ألف مواطن، بينما زادت معدلات الوفيات بين المواليد إلى (3) لكل ألف طفل وهو ما يوضح أن فقد الأمان وتدمير البنية الأساسية والاعتداء على حقوق الإنسان من الممكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات.

        كما أوضحت هذه التقديرات والتحليلات وجود علاقة سلبية بين العنف ومدى بقاء الطفل على قيد الحياة، إلى جانب تأثيره على بعض جوانب الصحة مثل انخفاض وزن المواليد، كما أظهرت النتائج أن الذكور أكثر عرضة للعواقب السلبية للعنف، كما أن الأمهات اللاتي يعيشون في مناطق تسود فيها العنف أكثر عرضة لحدوث حالات وفاة لأولادهن وكذا تعرض حالتهم الصحية للعواقب السلبية.

        وحاولت دراسة جونز وكافيتسويس Jones & Kafetsios (2005) التعرف على العلاقة بين التعرض للعنف السياسي وبين الصحة النفسية لدى المراهقين البوسنيين. وحاولت الدراسة استكشاف هذه العلاقة بمدى أكثر تفصيلاً من خلال التعرف على أثر أنواع معينة من الأحداث المرتبطة بالحرب على الصحة النفسية. كما حاولت الدراسة التعرف على الدور الذي تلعبه الظروف الاجتماعية والسياسية على هذه العلاقة. وقد تكونت عينة الدراسة من 337 مراهقاً بوسنياً واستخدم الباحث قائمة الأعراض النفسية لهوبكنز Hopkins Symptom Checklist إلى جانب مجموعة من المقابلات الشخصية التي تدور حول تاريخ حياة الفرد، خبرات الحرب، الخبرة الذاتية الموضوعية حول الصحة النفسية.

        وقد أوضحت النتائج أن العلاقة بين التعرض للعنف السياسي والصحة النفسية تختلف باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه المراهق. كما أن الأنواع المختلفة من أحداث الحرب تتداخل في هذه العلاقة. كما أشارت النتائج إلى أن الإقامة في مجتمع مهمل ومعزول ومقهور، القلق حول الأداء المدارس، فقدان الأصدقاء وأعضاء الأسرة كلها عوامل لها أثر قوي على الصحة النفسية بقدر أهمية الأحداث المرتبطة بالحرب. كما أشارت هذه النتائج أيضاً إلى ضرورة الوضع في الاعتبار المواقف الاجتماعية وأنواع الأحداث المرتبطة بالحرب عند تناول أثر العنف السياسي والحرب على جوانب الصحة النفسية لدى المراهقين وتصميم البرامج الإرشادية لهم.

        ومن ثم، أصبح العنف السياسي ليس فقط ظاهرة في المجتمعات العربية بل أيضاً أصبح منتشراً في المجتمعات الغربية، لذا ينبغي أن تتكاتف كل القوى – سواء العربية والأجنبية – من أجل التصدي لهذا الشكل من أشكال العنف من أجل إنقاذ البشرية من ويلات العنف السياسي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الرابع

 

 

 

 الفصل الرابع

العنف والإدمان

        يعد الإدمان Addiction ظاهرة ضارة تؤدي إلى إلحاق الأذى النفسي والجسدي والاقتصادي بجميع أفراد المجتمع بصفة عامة والشباب على وجه الخصوص، والجدير بالذكر أن هذه الظاهرة تخضع لعاملي العرض والطلب اللذان يعزز ويدعم كل منهما الآخر في تنمية إساءة استعمال المواد المخدرة والإبقاء عليها، وتواصل الدائرة المفرغة للعرض والطلب المتزايدة على المخدرات كسلعة خلق الأنشطة غير المشروعة فيها والمشكلات المرتبطة بها، ويتبع هذا – إلى حد كبير – من طبيعة الطلب على المخدرات الذي يتسم غالباً بسمتين أساسيتين، الأولى أن الدافع الذي لا يقاوم من جانب المتعاطي للمادة المخدرة على أساس مستمر أو دوري ليختبر تأثيره النفسي أو ليتجنب مشقة غيابه، والثانية هى تطور القدرة على تحمله ومن ثم تصبح كمية متزايدة ومطلوبة لتحقيق الآثار المرغوبة. وتفسر هاتان السمتان الدافع الذي لا يقاوم لاستمرار الاستعمال وتطور القدرة على الاحتمال ولماذا تفشل باستمرار سياسات مراقبة المخدرات التي تستبعد تدابير خفض الطلب.

        وإذا نظرنا إلى المسموح والدراسات العالمية التي اهتمت بانتشار تعاطي المواد المخدرة نجد في دراسة معهد الطب في عام 1988 بالولايات المتحدة الأمريكية أن عدد الذين جربوا المواد المخدرة قد بلغ 5.5 مليون فرد.

        وفي تقارير المعهد القومي لبحوث تعاطي المواد النفسية في المسح الذي أجرى في عام 1987 على المراهقين من سن 12-17 سنة وجد أن 45% منهم جربوا تدخين السجائر، و56% جربوا شرب الكحوليات، و30% جربوا إحدى المواد النفسية غير المشروعة وكان أكثر هذه المواد انتشاراً هو المارجوانا.

        وفي مسح أجراه المعهد القومي لبحوث الإدمان (1991) على عينة ضخمة جداً تتكون من 202145033 فرداً في الولايات المتحدة الأمريكية وجد أن 75 مليون أمريكي أقدموا على تعاطي إحدى المواد النفسية أو أكثر بمعدل مرة أو أكثر خلال مراحل حياتهم السابقة المختلفة.

        وورد في بيانات هيئة الصحة العالمية (1990) أن عدد المدمنين حوالي 162 مليوناً وأن هذا العدد في تفاقم مستمر، وأن المشكلة هى انتشار الكوكايين بدأ في التصاعد بشكل جامح، وخاصة في الأمريكيتين وأوروبا حتى وصل الرقم إلى 125 مليون حالة، وكذا تصاعد استعمال المنشطات، وخاصة الأمفيتامينات في كل العالم حتى وصل إلى ستة أقطار هى: شيلي، وأندونيسيا، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى 8.5 مليون حالة. أما الحشيش فقد ظل أكثر المواد استعمالاً عبر العالم، إذ تقدير حالات متعاطيه بـ 32.83 مليون حالة في مختلف الأقطار وكان المسح شاملاً لأقطار مثل بلجيكا، ومصر، وفرنسا، وباكستان، والولايات المتحدة.

أسباب الإدمان:

        يتفق كل من سويف (1987)، وعبد اللطيف (1999) وأبو العزايم (2001) على مجموعة من الأسباب قد تؤدي إلى الانزلاق في دائرة الإدمان والتعاطي؛ ويمكن تلخيصها كما يلي:

أولاً: النظرة الاجتماعية للإدمان:

        إن الإدمان ينتشر مثل الأمراض الوبائية المعدية عن طريق المدمنين أنفسهم، وأنه قد ينتشر أيضاً نتيجة للاتجاهات الاجتماعية والثقافية لجماعات الشباب، وقد تكون هناك أسباب أخرى عميقة في المجتمع تساعد على ذلك فالتعاطي المنتشر سرياً بين المراهقين ربما يلجأ المراهق إلى إدمان المخدرات لعدة أسباب أهمها:

-   حب الاستطلاع من قبل التجربة.

-   مسايرة جماعة الرفاق.

-   حباً في المغامرة.

-   للإحساس بالرجولة.

-   كتعبير عن التمرد على قيم وتقاليد المجتمع.

أهم الاتجاهات الاجتماعية لتفسير أسباب الإدمان:

   [1] الدور الاجتماعي:

        ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الانحرافات السلوكية بصفة عامة وإدمان المخدرات على وجه الخصوص ناتجة عن مشاعر القلق المتزايدة التي تنتشر لدى بعض الأفراد الذين يفشلون في أداء أدوارهم الاجتماعية بالطريقة التي يتوقعها منهم المجتمع، والدور الاجتماعي يشعر الفرد بذاته وتقديره لها كما يشعره أيضاً بتحقيق ذاته مما يعود عليه أثر ذلك بالرضا والسعادة، وكلما أدى الفرد أدواره الاجتماعية بالطريقة التي يتوقعها منه المجتمع انخفضت بالتالي معدلات القلق لديه وأما إذا كان الأمر عكس ذلك كانت النتيجة هى عدم شعور الفرد بالرضا فينزلق نحو تعاطي المخدرات التي تجعل الفرد يشعر بالرضا الزائف الذي سرعان ما يزول بزوال المادة المخدرة من الجسم.

   [2]  الخلل الوظيفي في النظام الاجتماعي:

        يرى أصحاب هذا الاتجاه أن وجود مشكلات اجتماعية في أحد قطاعات المجتمع يعني بالضرورة وجود خلل وظيفي في النظام الاجتماعي وعليه فإن كل اهتماماتهم توجه نحو دراسة الآثار المترتبة على أي انحراف أو خلل اجتماعي، فإذا كان ذلك يسبب خللاً وظيفياً للمجتمع فإنهم يعتبرونه مشكلة اجتماعية، لذا فهم يركزون في دراسات الإدمان على أعداد المدمنين وتوزيعهم الجغرافي وفئاتهم العمرية وانتجياتهم في العمل وانتشار البطالة بينهم.

   [3]  العوامل البيئية:

        ويهتم أنصار هذا الاتجاه إلى الربط بين انحرافات السلوك المختلفة وبين البيئة التي يعيش فيها المدمنين والتي تتضمن ضغوطاً مختلفة سيئة وأوضاعاً ضارة حضارياً بحيث تساعد على اكتساب أنواع شتى من السلوك المرضي أو المضاد للمجتمع والقانون، وتتميز هذه المناطق بما يلي:

أ -   شيوع المساكن المتهدمة والضيقة والمزدحمة التي لا تتوفر فيها الشروط الصحية التي عادة ما تكون في الأزقة وعلى أطراف المدن.

ب-   انتماء السكان إلى أنماط ثقافية مختلفة.

ج-   ارتفاع نسبة البطالة مع انخفاض المستوى الاجتماعي – الاقتصادي.

   [4]  السلوك المكتسب عن طريق التعلم:

        وهذا الاتجاه يفترض أن السلوك بصفة عامة مكتسب بالضرورة عن طريق التفاعل الاجتماعي بين الفرد والآخرين وأن معظم أنواع السلوك يمكن تعليمها من خلال جماعة الأسرة أو المدرسة أو جماعات الأقران. وأن الفرد يكتسب مجموعة من اتجاهات والمعتقدات المؤيدة أو المعارضة لموضوعات مختلفة وذلك تبعاً لما تحدده البيئة التي يعيش فيها.

        وعليه يمكن تفسير سلوك المدمن بناءً على التعلم الاجتماعي للسلوك، وأن خطوات تعلم الإدمان تتم في ثلاث خطوات هى:

أ -   تعلم الطريقة الصحيحة للتعاطي.

ب-   الخبرة التخديرية وربطها باستخدام المخدر.

ج-   تعلم الاستمتاع بآثار المخدر.

        وهذه الخطوات الثلاثة تتم عن طريق التعلم الاجتماعي، إذ أنه من المتعذر على الفرد أن يتعاطى مخدراً لم يسمع عنه من الجماعة كما أن ممارسة الخبرة التخديرية وتعلم الاستمتاع بها يتم وسط جماعة مرجعية أيضاً.

   [5]  السلوك محصلة للتفاعل بيـن الفرد والمجتمع:

        ويركز هذا الاتجاه على وجهة نظر مؤداها أن الفرد والمجتمع وجهان مختلفان لعملة واحدة هى التفاعل الاجتماعي، فالقوى الدينامية هى التي تنتج الانحلال وعدم السواء الشخصي، فإذا كانت الشخصية تقوم في أساسها على تبادل العلاقات بين الفرد والجماعة سواء في مرحلة الطفولة أو في مرحلة الرشد فإن المجتمع المضطرب المفكك ينتج شخصيات مفككة مضطربة، وعليها فإن العلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع هى الأساس في السلوك السوي أو غير السوي.

ثانياً: النظرة الطبية النفسية للإدمان:

        تؤكد وجهة النظر الطبنفسية هذه على أن الدور الذي تقوم به المخدرات يقوم على أساس الحاجات الأولية (البيولوجية) للكائن الحي وهى الجوع والعطش والحاجات الجنسية والعدوان وإزالة القلق والألم، فعندما يقول المدمن أنه سوي بالمخدرات فإنه فعلاً كذلك، إذ أنه يشعر بالرضا الجنسي والعدوان والخلو من القلق والألم وعدم وجود نزعات عدوانية ومهما اختلفت التقسيمات التقليدية للشخصية فإن المصدر الرئيسي لدى المدمن هو القلق الذي يرتبط عندهم بالألم والجنسية والتعبير عن العدوان، فالصورة الدينامية للمدمن تتضمن ما يلي:

1-   احتمال وجود مشكلات شخصية أولية.

2-   نزعات جنسية وعدوانية عالية.

3-   قلق لا يحتمل عند إرضاء هذه النزعات بالطرق المعتادة.

4-   معرفة العقار الذي يرضى دوائياً أو كيميائياً هذه النزعات.

5-   ظهور حاجة جديدة "هى الحاجة إلى المخدر" عند استخدام العقار.

6-   كل التفاعلات الثانوية العامة والمكاسب الناتجة عن استخدام المخدر.

        ومن وجهة النظر الدينامية فإن آثار الأفيونات راجع إلى الدوافع السابقة وإن كان التخلص من الألم والمتاعب الفسيولوجية هما أهم تلك الدوافع كما أن الاعتماد الفسيولوجي الناتج عن التعاطي المتكرر يضيف حاجة عضوية جديدة هى استحضار الدافع إلى العقار الذي يؤدي خفضه إلى تعزيز ايجابي وهذا الدافع الجديد يجعل المدمن موجهاً نحو هدف أساسي هو الحصول على الأفيونات وتعاطيها لصورة متكررة أي أن الإدمان يخلق مصدراً جديداً للتعزيز.

        وتقسم هذه النظرية المدمنين إلى ثلاثة أقسام كما يلي:

أ -     عصابيين: يبحثون عن النشوة السلبية لتخفيف القلق لديهم.

ب-    سيكوباتيين: يبحثون عن النشوة الإيجابية.

ج-     ذهانيين: يبحثون عن تخفيف حدة الاكتئاب وقمع الهذاءات.

        وهناك من أصحاب هذه النظرية من يرجع الاستهداف للإدمان إلى وجود عوامل مهيئة ذات أصول وراثية تجعل الذات فيما بعد تشعر بأن لها قدرة وقوة أولية أكثر من الغالبية العظمى من الناس.

        ويصف أصحاب هذه النظرية أيضاً تعاطي المخدرات على أنه نوع من المرض العقلي وأن الدافع إلى التعاطي هو دافع قهري يدعمه الاعتقاد الجسمي على العقار كما أن اعتبار الذات لدى المدمنين منخفض، وأن الإدمان قد يكون وسيلة لتصريف العدوان سواء كان هذا العدوان موجهاً نحو الذات أو نحو الموضوع أو نحو المجتمع، كذلك فإن الاضطرابات المشتركة الشائعة بينهم هى المزاج المكتئب والاضطرابات في العلاقات الجنسية.

        كما توضح هذه النظرية أيضاً أن الإدمان قناع لحجب الاكتئاب أو هو وسيلة لتفاديه، أي أن المدمن غالباً يكون غير قادر على تحمل الإحباط، والمدمنون بصفة عامة ربما يعانون من اضطرابات عميقة على تحمل الجذور في الشخصية وأنهم لا يستطيعون تكوين علاقات طويلة وقوية من الصداقة مع أقرانهم وأن لديهم صعوبات في أدائهم لدورهم الذكرى ويغمرهم الاكتئاب العام والإحساس بعدم النفع وتوقع الفشل ومن السهل وقوعهم في الإحباط والقلق وأن مخدر الهيروين بالنسبة لهم له دور وظيفي فهو يخلصهم من الضغوط الواقعة عليهم ويجعل من السهل عليهم أن يتجنبوا مواجهة مشكلاتهم الشخصية وهذا على العكس من المفهوم الشائع القائل بأن العقار يقدم المزيد من السعادة الإيجابية، والحقيقة أنه يقدم التخلص من الشقاء فقط.

ثالثاً: النظرية النفسية للإدمان:

        اختلفت آراء علماء النفس حول الخصائص النفسية ونوع الشخصية التي يتميز بها المدمن عن غير المدمن. فيرى البعض أن الاكتئاب هو العامل الأساسي للإدمان سواء عند الخبرة الأولى أو عند العودة إليه بعد الانقطاع. إن المدمن يعاني من اكتئاب مزمن قبل استخدام المخدر مع عدم القدرة على إرجاء الإشباع وعدم النضج وعدم القدرة على تحمل الضغوط، هذا إلى جانب وجود أنماط متعددة لشخصيات المدمنين تميزهم عن غير المدمنين. ويرى بعض العلماء في مجال الإدمان أن الخصائص النفسية تختلف تبعاً لطبيعة المدمن، وقسموا المدمنين إلى ثلاث فئات:

أ -   فئة المرضى الذين تحولوا إلى مدمنين لارتباط الإدمان لديهم بالتخلص من الألم، والأطباء الذين دفعوا المخدرات، ويتسم هؤلاء المرضى بعدم النضج وعدم تحمل الإحباط والرغبة في الهروب من الواقع إلى سحر المخدرات، أما الأطباء فيتسمون بالقلق والاكتئاب الناتج عن الضغوط البيئية والهروب من الواقع وعدم الرضا الانفعالي وأفراد هذه الفئة عادة ما يقلعون عن الإدمان في حالة الدافع السيئ غير المرغوب الذي يحيط بهم. 

ب-   فئة المرضى النفسيين أو الذين يتسمون باضطرابات في الشخصية ويوصف هؤلاء بأن لهم خصائص سيكوباتية (الاكتئاب – التوتر – عدم الأمن – الشعور بعدم الكفائة – الفشل في إقامة علاقات مع الآخرين).

ج-   المدمنون الذين ارتبط إدمانهم بالعوامل الاجتماعية والثقافية ولا توجد أي خصائص خاصة بهم سوى أن تفضيل عقار معين تحدده تلك العوامل.

استراتيجية الوقاية والعلاج من الإدمان:

        وقد تنوعت البحوث الامبيريقية في مجال الإدمان، والتي يمكن تقسيمها على النحو التالي:

[1]  بحوث تناولت الإدمان وعلاقته بالجريمة:

        حاولت دراسة فارجاس Vargas (1995) التعرف على أهم المنبتات والعواقب المترتبة على إدمان المخدرات في مرحلة الرشد. كذا حاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين إدمان المخدرات والتأزم النفسي، الألفة، التوافق مع العمل، والسلوك الإجرامي. تكونت عينة الدراسة من 470 بالغاً في سن الرشد من خلال دراسة تتبعية على مرحلتين الأولى في بداية مرحلة الرشد عام 1988 وذلك في منتصف العشرينات من عمرهم، إلى عام 1992 في منتصف الثلاثينات من عمرهم.

        وقد أوضحت النتائج أن هناك علاقة تبادلية بين إدمان المخدرات والتأزم النفسي، الألفة، التوافق مع العمل، والسلوك الإجرامي، حيث يعتبر إدمان المخدرات منبأ بهذه الاضطرابات كما يعتبر أحد العواقب المترتبة على هذه الاضطرابات. كما أوضحت النتائج أن العواقب المترتبة على إدمان المخدرات في المرحلة المبكرة للرشد تظهر في المرحلة المتأخرة في شكل المزيد من القلق، انخفاض الرغبة في الحياة وفقدان الهدف، محاولة الانتحار، العدوان، انخفاض التوافق مع الزوجة، انخفاض الإشباع الجنسي، انخفاض العلاقات الاجتماعية الودية، انخفاض الرضا عن العمل، زيادة النشاط الإجرامي، زيادة جرائم المخدرات والإدمان.

        كما وجدت الدراسة مجموعة من العوامل النفسية التي تتنبأ بإدمان المخدرات في مرحلة الرشد فقد أشارت النتائج إلى أن الجوانب النفسية التالية في مرحلة الرشد المبكرة تؤدي إلى إدمان المخدرات (سواء أنواع متعددة من المخدرات أو أنواع خاصة وهى القلق، انحطاط الذات، انخفاض العلاقات الاجتماعية، القيادة تحت تأثير الكحول، الاتهامات بجرائم الإدمان المختلفة والسرقة.

        وهدفت دراسة هان Hahn (1997) إلى التعرف على العلاقة بين الاضطرابات السيكوباتية وأعراض الاضطرابات الصحة النفسية لدى المدمنين وكذا التعرف على العلاقة بين السيكوباتية والإدمان وبين النزعة إلى الارتداد للإجرام Recidivism وذلك لتحديد ما إذا كان الأفراد الذين لديهم هذه الخصائص أكثر ميلاً نحو الارتداد للإجرام والعرض على النظام القضائي مرة أخرى. تكونت عينة الدراسة من 134 رجلاً من المجرمين والذين نمت مقابلتهم وعمل تحليل لتاريخهم الإجرامي.

        وقد أوضحت نتائج الدراسة عدم وجود علاقة بين الخصائص السيكوباتية وبين أعراض الاضطرابات الصحة النفسية أو الاضطرابات المزاجية والقلق وهو ما يتفق مع الإطار النظري والدراسات السابقة التي أشارت إلى وجود فروق ضعيفة بين الأفراد السيكوباتية وغير السيكوباتية في اضطرابات الصحة النفسية المختلفة.

        أما عن العلاقة بين السيكوباتية وإدمان المخدرات وبين الارتداد للجريمة والعوامل المرتبطة به خاصة (العمر، العنصر، التاريخ الإجرامي السابق) وبعد التحكم في هذه المتغيرات، فقد أشارت النتائج عدم وجود علاقة بين السيكوباتية وإدمان المخدرات وبين الارتداد للجريمة وبالتالي تم رفض الفرض الخاص بهذه الجزئية.

        واستكشفت دراسة وركوسكي Warlowski (2003) العلاقة بين العنف في الجريمة ونوع الإدمان وذلك لدى عينة من المرضى الحاليين والسابقين في إحدى البرامج العلاجية للإدمان من المخدرات والكحوليات (ن = 184) منهم 89% تم إحالتهم إلى البرنامج العلاجي من خلال مصلحة السجون بعد معاقبتهم على الجرائم من القضاء في حين اشترك 11% في البرنامج العلاجي طواعيةً وباختيارهم. واستخدم الباحث تحليل الانحدار المتعدد، والتحليل العاملي لتحليل البيانات.

        وقد أشارت النتائج إلى عدم إمكانية التنبؤ بالعنف في الجرائم من خلال إدمان المخدرات أو المتغيرات الديموجرافية مثل البداية المبكرة في النشاط الإجرامي، الذكورية، الأعزب. كما أوضحت النتائج وجود علاقة بين تعدد أنواع المخدرات التي يدمنها الفرد بين تعدد أنواع الجرائم التي يرتكبها الفرد وهو ما يشير إلى العلاقة السببية بين الإدمان والعنف.

        وتناولت دراسة جوردون وكينلوك وباتجيز Gordon; Kinlock & Battjes (2004) العلاقة بين الانحراف السلوكي المبكر والمشكلات الحياتية التي تعقبه لدى المراهقين المدمنين. تكونت عينة الدراسة من 139 مراهقاً الذين يتلقون علاجهم من الإدمان وقام الباحثون بعمل تقييمات نفسية متعمقة للوقوف على الخصائص النفسية، ظروف وأحداث الحياة والخصائص السلوكية والنفسية المرتبطة بمرحلة المراهقة وبالسن الذي بدأ فيه المراهق الإدمان والنشاط الإجرامي.

        وقد أشارت النتائج إلى أن البداية المبكرة في الإدمان ترتبط بارتفاع مستويات الانحراف العائلي وبعدد آخر من المشكلات المتنوعة منها عدم التوافق المدرسي، الاشتراك أو النشاط الإجرامي، القسوة والوحشية في التعامل مع البشر والحيوانات والاشتراك في الأنشطة الجنسية الخطرة أما البداية المبكرة للجريمة فقد ارتبطت بالذكور والبداية المبكرة في الإدمان والوحشية مع البشر.

        وأوضحت هذه النتائج أن البرامج العلاجية يجب أن تضع في اعتبارها الأعمار التي بدأ فيها المراهق في الجريمة والإدمان وعلاقتها بالأنشطة الغير قانونية والسلوك المنحرف والسلوكيات الجنسية المختلفة.

        وحاولت دراسة كينلوك وباتجيز وجوردون Kinlock; Battjes & Gordon (2004) التعرف على العوامل المرتبطة بشدة الجريمة لدى المراهقين المدمنين الذي يتلقون العلاج من الإدمان في إحدى البرامج العلاجية. وقد تكونت عينة الدراسة من 178 مراهقاً من الذين يتلقون العلاج من الإدمان في مقاطعة بالتيمور بولان ماريلاند.

        وقد أشارت النتائج الدراسة إلى وجود علاقة بين شدة الجريمة وبين النوع حيث تزداد شدة الجريمة التي يمارسها الذكور عن الإناث، ونوع المخدر حيث كانت الماريجوانا والكحول من المخدرات التي تخفض معها شدة الجريمة، الوحشية والقسوة خاصة جسدياً في التعامل مع البشرة، ارتفاع مستويات السلوك المنحرف بين الرفاق، المشكلات المدرسية، الاتصال الجنسي بدون حائل أو عازل.

        واهتمت دراسة لو Lo (2004) بالعوامل الديموجرافية الاجتماعية وإدمان المخدرات وبعض الجرائم ومدى الفروق بين الجنسين في هذه المتغيرات. وأشارت الدراسة إلى أن الحاجة إلى المزيد من الدراسات التي تحاول استقصاء الفروق بين الجنسين في الجرائم المتعلقة بإدمان المخدرات ينبع من الزيادة الهائلة في إعداد المسجونات في الفترة الأخيرة والتي تعددت معدلات الزيادة في الذكور المسجونين.

        قام الباحث بعقد مجموعة من المقابلات مع المقبوض عليهم في سبع محاكم في أوهيو Ohio وذلك من أجل التعرف على الخصائص المختلفة للمقبوض عليهم والمقارنة بينهم من حيث النوع والحاجات والسلوكيات المختلفة. كما استخدم الباحث عدول المقابلة للكشف عن إدمان المخدرات والذي يحاول جمع مجموعة من البيانات عن المقبوض عليهم وهى السلوك الإجرامي، إدمان المخدرات العواقب المترتبة على إدمان المخدرات، الحاجات المدركة لعلاج الإدمان، الخلفية الاقتصادية الاجتماعية.

        وقد أوضحت الدراسة وجود تداخل واضح للعوامل والمتغيرات الديموجرافية المختلفة في العلاقة بين الإدمان والجريمة.

        وهدفت دراسة سانتا ماريا وجوان وتشايت Santamorria; Juan & Chart (2005) إلى التعرف على العلاقة بين إدمان المخدرات والانحراف إلى الجريمة وكذا تحليل الحالة النفسية والمزاجية لمجرى جرائم إدمان المخدرات والمواد المخدرة التي تؤثر عليهم، وأنواع الجرائم التي يؤدونها. وقد تكونت عينة الدراسة من 88 مدمناً المسجونين في إحدى سجون مدريد.

        وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن نسبة عالية من المسجونين يدمنون الهيروين والكوكايين معاً بغض النظر عن الحالة التي ارتكبوا فيها الجريمة، وأن أكثر أنواع المخدرات شيوعاً في الاستخدام عند ارتكاب الجرائم هو الكوكايين. وتشير النتائج إلى أن معظم المفحوصين يرتكبون الجرائم التي هم مسجونون بسببها وهم في حالة من السكر والثمل. كما أوضحت الدراسة أن هناك عوامل مشتركة بين الإدمان والإجرامية بحيث يؤدي كل منهما إلى الآخر وهو ما يتعارض مع الفكرة الشائعة أن الإدمان يؤدي إلى الجريمة.

        وتناولت دراسة فريدمان واخرين Friedman, et al. (2005) الفروق بين الجنسين في الجريمة وعلاقتها أو تلازمها مع اضطرابات الإدمان. وقد تكونت عينة الدراسة من 55 امرأة و77 رجلاً والذين تم عقد مقابلات معهم للتعرف على تاريخهم في الجريمة والذين لديهم اضطراب ثنائي القطب بالتلازم مع اضطرابات الإدمان وذلك من أجل الوقوف على الفروق والتشابهات بين الجنسين.

        وقد أوضحت النتائج أن 53% من الإناث و79 من الذكور أكدوا أنهم  قد اتهموا بجرائم مختلفة وأن نصف هذه النسبة قد تم سجنه. كما أشارت النتائج أن الرجال المدمنين أكثر اتجاهاً نحو ارتكاب جرائم أكثر من الإناث وهو ما يتعارض مع تاريخ الجريمة لدى الإناث والذي يكشف قيامهم بارتكاب عدد أكبر من الجرائم من الذكور.

        واستهدفت دراسة كوبير وتوكان واردو حماس Copur; Tuokcan & Eidogmus (2005) التعرف على العلاقة بين الإدمان واضطرابات السلوك والجريمة لدى الأحداث. كما هدفت الدراسة إلى التعرف على معدل الإدمان لدى الأحداث. وقد تكونت عينة الدراسة من 230 فرداً من الأحداث المحبوسين في إحدى دور الأحداث في استنبول بتركيا. وقام الباحث بتحليل ملفات الأحداث والمعلومات المتعلقة بجرائمهم كما قام بتطبيق معايير الدليل التشخيصي وإحصائي للاضطرابات النفسية (النسخة الرابعة) (DSMIV).

        وقد أشارت النتائج إلى أن 80 من أفراد العينة من المدمنين بنسبة 34.8%، وكانت نسبة الأفراد الذين يعانون من اضطراب السلوك من بين المدمنين 46.3% بالمقارنة بـ 25.3% لدى العاديين وكانت نسبة المدمنين بين الأحداث الذي ارتكبوا جرائم متعددة حوالي 48% في حين كانت 14.1% بين الأحداث الذين لم يرتكبوا عدداً كبيراً من الجرائم.

        وأشارت هذه النتائج إلى ارتفاع مستوى اضطراب السلوك بين الأحداث خاصة لدى المدمنين منهم إذا ما قورنوا بغير المدمنين. كما تشير هذه النتائج إلى وجود علاقة قوية بين اضطراب السلوك وإدمان المخدرات وبين ارتكاب الجرائم. وأوصت الدراسة بضرورة وضع هذه النتائج في الاعتبار عن عمل البرامج الإرشادية للأحداث.

        واهتمت دراسة مودشتين وفيرميل Modestin & Wuermle (2005) بالسلوك الإجرامي والعنف لدى المرضى العقليين وعلاقتها بإدمان المخدرات تكونت عينة الدراسة من 282 فرداً من المصابين بالفصام Schizophrenia، 261 فرداً من المصابين باضطراب انفعالي Affective disorder وتمت مقارنة المرضى المدمنين بغير المدمنين كما تمت مقارنة الأفراد غير المدمنين بمجموعة من العاديين.

        وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن نسبة المدمنين في كلا مجموعتي الاضطراب العقلي بلغت 50% وأن الأفراد المدمنين تزداد احتمالية ضلوعهم في الجرائم المختلفة ووجود سجل لجرائمهم بمقدار الضعف. أما عن غير المدمنين، فقد أسفرت عملية مقارنتهم بالأفراد العاديين عن ارتفاع مستوى الجريمة لدى مرضى الفصام، بينما كان الأفراد من المضطرين انفعالياً أكثر ميلاً نحو الجرائم المتعلقة بالثروات والممتلكات. واستخلصت الدراسة أن الذكور المضطربين عقلياً تزداد نسبة احتمالية قيامهم بالجرائم حتى مع عدم إدمانهم للمخدرات.

[2]  بحوث تناولت الإدمان وعلاقته بالجنوح:

        اهتمت دراسة بارنز Barnes (1992) بالفروق الأسرية، الأكاديمية والسلوكية لدى الجانحين من المدمنين للكحوليات والمواد المخدرة. وتساءلت الدراسة حول إذا ما كانت هناك فروقاً بين المراهقين الجانحين الذين يدمنون الكحوليات فقط وأقرانهم المدمنين للمواد المخدرة.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 40 مراهقاً (20 مراهقاً في مجموعة إدمان الكحول، 20 مراهقاً في مجموعة إدمان المواد المخدرة) وتمت المقارنة بينهم في سبع خصائص وهى:

1-         عدد المراهقين الذين يعانون من صعوبات تعلم.

2-         عدد المراهقين في أسر منفصلة مع أحد الوالدين.

3-         عدد المراهقين الذين يعانون من صعوبات تعلم.

4-         عدد المراهقين الذين لا يمكنهم التحكم في سلوكياتهم.

5-         متوسط الذكاء.

6-         عدد النقاط التي حصل عليها المراهق بالنسبة للسلوك الملائم داخل المؤسسة خلال الثماني أسابيع السابقة.

7-         عدد المراهقين الذي لهم جرائم سابقة.

ولم تجد الدراسة فروقاً بين المجموعتين في الخصائص السبع السابقة، وهو ما يتفق مع الافتراض الصغرى للدراسة. وقد وجد الباحث أن 7.5% فقط من المشتركين في الدراسة يعيشون في أسر غير منفصلة، بينما 30% منت المراهقين يعانون من صعوبات تعلم، وأن 50% التحقوا إما بمعهد للصحة النفسية أو قسم تسهيل عملية النمو لدى المراهقين.

        وناقشت دراسة ديمبو وآخرين Dembo, et al. (1993) العلاقة بين إدمان المخدرات وصور الجنوح الأخرى لدى عينة من الأحداث في مؤسسات الرعاية وهدفت الدراسة إلى التعرف على العلاقة بين الإدمان والاعتداء البدني، الوقوع كضحية للاعتداء الجنسي Sexual Victimization، مشكلات الصحة النفسية، المشكلات العائلية والجنوح لدى الأحداث. تكونت عينة الدراسة من 236 مراهقاً و69 مراهقة. واستخدم الباحث أسلوب المقابلة للحصول على البيانات الخاصة بالدراسة. وأثناء المقابلة الأولى تم سؤال المفحوصين عن العام السابق، بينما أثناء المقابلة الثامنة تم سؤالهم عن المدة اللاحقة.

        وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن صور الجنوح أثناء المقابلة الأولى تسهم في حدوث الإدمان كما ظهر في المقابلة الثانية، بينما لم يمكن التنبؤ بالجناح من خلال الإدمان في المقابلة الأولى. كما أشارت الدراسة إلى وجود علاقة بين المتغيرات الديموجرافية العمر (الأكبر سناً) والخلفية الثقافية (القوقازيين) وبين إدمان المخدرات. كما وجدت الدراسة علاقة بين إدمان المخدرات والمشكلات النفسية والانفعالية ومشاعر الإحساس بقيمة الذات، المشكلات الأسرية التعرض للعدوان البدني، أو الوقوع ضحية للاعتداء النسبي.

        وحاولت دراسة أوتر- ولوبيز وآخرين Otero-Lopez, et al. (1994) اختبار الفروض التالية:

1-         إن إدمان المخدرات يؤدي أو يسبب الجنوح.

2-         إن الجنوح يؤدي أو يسبب إدمان المخدرات.

3-         لا توجد علاقة سببية بين المتغيرين وإنما هناك مجموعة أخرى من المتغيرات تقف وراء هذه العلاقة الإحصائية.

وقد تكونت عينة الدراسة من 2.022 طالباً ممن تتراوح أعمارهم بين 14-18 عاماً والذين تم تطبيق أدوات لقياس متغيرات الدراسة عليهم إلى جانب الحصول على بعض المعلومات الديموجرافية واستخدم الباحث تحليل الانحدار والارتباط إلى جانب النسب المئوية والتكرارات لاختبار فروض الدراسة.

        وقد أسفرت النتائج عن رفض الفرضين الأول والثاني وقبول الفرض الثالث وهو ما يشير إلى عدم وجود علاقة سببية بين الجنوح والإدمان وإنما هناك مجموعة من المتغيرات (الأسرية، المتعلقة بالرفاق، المتعلقة بالشخصية) هى التي تؤثر على كلا المتغيرين الأدوات والسلوك الجانح دون افتراض أن أحدهما سبباً للآخر.

        وحاولت دراسة راديلا Radella (1994) الثنبت من فعالية اختبار مينسوتا للشخصية في قياس الإدمان لدى المراهقين كما حاولت التعرف على أهم الآثار النفسية التي يسببها إدمان المخدرات لدى المراهقين والأحداث. وحاولت الدراسة مقارنة بعض الجوانب الشخصية والنفسية بين المراهقين العاديين والمراهقين من الجانحين والأحداث.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 49 مراهقاً من المدمنين، 57 مراهقاً من الجانحين، 89 طالباً كمجموعة ضابطة. وقد حاول الباحث الإجابة على التساؤلات البحثية الثلاث فيما يخص كل مجموعة من المجموعات الثلاث وهذه الأسئلة هى مدى صلاحية أبعاد مقياس الشخصية التميز بين المجموعات الثلاث، مدى صلاح مقياس مينسوتا للخصية في قياس الإدمان لدى المراهقين، وكذا التعرف على الفروق بين المجموعات.

        وقد أوضحت النتائج صلاحية مقياس مينسوتا للشخصية للتميز بين المجموعات الاكلينيكية وغير الاكلينيكية وهو ما يشير إلى فعالية المقياس في تتبع مشكلات إدمان المخدرات. بينما لم يستطع المقياس التميز بين المدمنين والجانحين من الأحداث. كما أوضحت النتائج ارتفاع مستويات القلق والأعراض الاكتئابية لدى المدمنين عن أقرانهم من الجانحين.

        وهدفت دراسة بايلي Bailey (1995) إلى التعرف على الفعالية الانفعالية Emotional Functioning والخصائص الأسرية للجانحين من الأحداث الإناث الذين تتراوح أعمارهم بين 13-17 عاماً والذين تنطبق عليهم معايير الإدمان والاضطراب النفسي الخاصة بالدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM III. R). وقد تكونت عينة الدراسة من 76 جانحة وناقشت الدراسة المتغيرات الانفعالية التالية:

1-         تخيل الانتحار Suicidal Ideation.

2-         المحاولات الانتحارية Suicidedtemts.

3-         العلاج النفسي السابق.

4-         التشخيص السيكاتري.

أما المتغيرات الأسرية فقد ناقشت الدراسة المتغيرات التالية:

1-         أحداث الحياة الحالية والماضية.

2-         مدى التغيرات والأحداث الحياتية.

3-         تاريخ الاعتداءات البدنية أو الجنسية.

4-         التاريخ الأسري لمشكلات الإدمان والاضطرابات السيكاترية والسلوك الإجرامي.

وقد أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج أهمها:

1-   عدم وجود فروق ترجع إلى العمر أو العنصر الثقافي بين الجانحين المدمنين وغير المدنين.

2-   وجود فروق ترجع إلى النوع بين الجانحين المدمنين وغير المدمنين في الاضطرابات السيكاترية وذلك لصالح الإناث.

3-   لم تجد الدراسة فروقاً بين المجموعات في تخيل الانتحار فيما عدا محاولة مجموعة المدمنين الجانحين التعبير عن مشاعرهم عن الانتحار من خلال الإيماءات.

4-   أظهرت التحليلات أن أسر الإناث المدمنين أكثر في التغيرات والأحداث الحياتية المختلفة والمزيد من مشكلات الإدمان على الأقل لدى الأقارب من الدرجة الأولى لهؤلاء الإناث.

5-   أن أسر المجموعتين من الإناث (المدمنين وغير المدمنين) ترتفع لديهم مشكلات واضطرابات سيكاترية وسلوكيات إجرامية.

6-   لم تجد الدراسة فروقاً في نوع الجريمة التي ارتكبها المفحوصون.

        وقام اونوفيا وموراكينيو Ononya & Morakino (1997) بدراسة العلاقة بين إدمان المخدرات وجنوح الأحداث في جنوب غرب نيجيريا. وقد تكونت عينة الدراسة من 050) مراهقاً من الجانحين و(5) كعينة ضابطة (يتراوح أعمارهم بين 9-17 عاماً). وقد أشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود فروق بين مجموعة الجانحين والعاديين في إدمان المخدرات. بينما حقوق مجموعة الجانحين مستويات أعلى من المجموعة الضابطة في أبعاد الاتجاه المعادي للمجتمع Antisocial behavior، اضطراب الفكر Thought disturbance، الإنقاص من قيمة الذات Self-depreciation وكانت هذه الفروق بين المجموعتين دالة فقط في اضطراب الفكر ووجدت الدراسة علاقة بين الإدمان الكيميائي وبين الاضطرابات السيكوباثولوجية، في حين لم توجد علاقة بين الإدمان وبين الاتجاه المعادي للمجتمع.

        تناولت دراسة كوك Cook (2001) العلاقة بين الإدمان والجناح في النظام العائلي والأسري لدى المراهقين. واستعرضت الباحثة التراث النفسي الذي أكد على وجود علاقة بين السلوك الجانح وإدمان المخدرات وأكدت على أن هذه العلاقة ليست سببية بل أن هناك مجموعة من المتغيرات والعوامل المتداخلة في هذه العلاقة خاصة المتغيرات الأسرية.

        وأوضحت الباحثة أنه لا يمكن لعامل واحد فقط أن يقف وراء أيا من الإدمان أو الجناح لدى المراهقين بينما تعتبر المتغيرات الفسيولوجية الأساس الذي يمكن بناء جوانب الشخصية وأساليب المواجهة على أساسها.

        واستهدفت دراسة هوكر Hooker (2001) التعرف على مدى انتشار اضطرابات الصحة النفسية واضطرابات الإدمان لدى الشباب من الجانحين الأحداث. وقد تكونت عينة الدراسة من 225 مراهقاً من تراوحت أعمارهم بين 10-17 عاماً (بمتوسط مقداره 14.9) والذين اشتركوا في البرنامج التقويمي التشخيصي أثناء الفترة من يناير إلى يونيو 2000 والذين ألزمتهم المحكمة بالاشتراك في هذا البرنامج. تكونت العينة من 60% من الأمريكيين من أصل أفريقي، 35% من القوقازيين.

        وقد أوضحت النتائج أن 52% من أفراد العينة تم تشخيص كلا من اضطرابات الصحة النفسية واضطرابات الإدمان لديهم من بينهم نسبة 91% تم تشخيص الاضطراب السلوكي لديهم، بينما تم تشخيص اضطراب نفسي تقليدي لدى 4% منهم، أما الـ 5% الباقية قد تم تشخيص كلا من الاضطراب النفسي التقليدي والسلوكي لديهم. كما وجد الباحث شيوع مشكلات الجنوح، الإدمان، المرضى العقلي، الرابطة السلبية مع الرفاق، الإعاقة العقلية بشكل واضح لدى أفراد العينة. كما أشارت النتائج إلى شيوع مشكلات النزوع إلى الجريمة، الإدمان، المرض العقلي، الاعتداء على الطفل، الإهمال، العنف العائلي، استخدام أساليب معاملة والديه غير ملائمة بين أفراد أسر هؤلاء الجانحين والأحداث. كما وجدت الدراسة علاقة بين مشاهدة العنف الأسري وبين العنف البدني، وكذا علاقة بين إدمان الوالدين والإهمال في معاملة الطفل.

        وتناولت دراسة باركر وبنسون Parker & Eenson  (2004) العلاقة بين بعض أبعاد التوافق النفسي والفعالية لدى المراهقين (تقدير الذات، إدمان المخدرات، الجناح) وبين العلاقة بين المراهق ووالديه Parent adolescent relations. واستهدفت الدراسة التعرف على العلاقة بين الدعم الوالدي وعملية المراقبة التي يقوم بها الآباء وبين بعض جوانب شخصية وحياة المراهق وافترضت الدراسة أن الدعم والمراقبة سوف يرتبطان بارتفاع تقدير الذات وانخفاض اشتراك المراهق في السلوكيات الخطرة الجناح والإدمان.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 16.794 مراهقاً من المشتركين في الدراسة الطولية التي قامت بها وزارة التربية والتعليم والمعروفة باسم The National Educational Longitudinal Study. وأشارت النتائج إلى صحة افتراض الدراسة حيث ارتبط الدعم والمراقبة الوالدية بارتفاع تقدير الذات وانخفاض اشتراك المراهق في السلوكيات الخطرة (الجناح والإدمان).

[3]  بحوث تناولت الإدمان وعلاقته بالعنف:

        ووصفت دراسة بوسلوسني Poslusny (1990) البيئة الاجتماعية، الخبرات الشخصية، ادراكات، ومعاني، والفوائد الصحية للصداقة لدى النساء منخفضي الدخل واللاتي تظهر الأعراض الاكتئابية لديهن أو لدى أصدقائهن. وقد تكونت عينة الدراسة من 24 امرأة (12 زوجاً من الأصدقاء) واللاتي تمت مقابلتهن حول صحتهن النفسية وصداقاتهن إلى جانب تطبيق مقياس الاكتئاب لبيك Beck depression Inventory، وقائمة وصف المعارف وقد قامت المفحوصات بوصف الصداقة من خلال مفاهيم الاجتماعية، الإعجاب وقيم التضحية والانتماء والثقة. وتضمنت الفوائد الصحية النمو البينشخصي mterpersonal growth ، وخبرات السعادة. وأوضحت الدراسة أن الأنماط المزاجية بالتشارك مع العلاقات الأسرية التي يسودها العنف والاعتداء تقيد قدرة المرأة المكتبئة على اختيار وتكوين الصداقات والشعور بالسعادة في العلاقات الاجتماعية وهو ما قد يقود إلى إدمان المخدرات. كما أشارت الدراسة إلى أن نقص التعاطف والشعور بالواجب نحو تقديم الدعم الاجتماعي أكثر من النشاط الاجتماعي والصداقات التي يسودها التكلف. وقد تم مناقشة النتائج في ضوء الجوانب الصحية لدى المرأة وطرق الرعاية الصحية.

        وقارنت دراسة ستيث وآخرين Stith, et al. (1991) بين مجموعة من الذكور الذين يتلقون علاجهم من الإدمان (ن = 52) وأقرانهم من الذين يتلقون علاجهم في برامج علاج العنف (ن = 39) وذلك بهدف التعرف على العوامل المرتبطة بالعنف الزواجي، وقد قارنت الدراسة بين المجموعتين في مجموعة من المتغيرات وهى: العمر، التعليم، الدخل، الحالة الزواجية، الحالة الحاضرة للضغوط الزواجية، مستوى تقدير الذات، المرغوبية الاجتماعية، الاتجاه نحو العنف الزواجي، مستوى الاعتقاد في المساواة بين الجنسين sex-role egalitarianism، تاريخ العنف في مرحلة الطفولة، مستوى العنف في العلاقات الحالية، مستوى إدمان الكحول.

        وقد أشارت نتائج الدراسة إلى وجود فروق غير دالة بين المجموعتين في متغيرات الدراسة، كما أوضحت الدراسة أن 64% من الأفراد في مجموعة علاج العنف مدمنون للكحوليات، 96% من الأفراد في مجموعة علاج الإدمان، وأن المستجد بين الأساليب العنف في حل مشكلاتهم العائلية تبلغ نسبتهم 82% من مجموعة علاج العنف، و59% من الأفراد في برنامج علاج الإدمان.

        واستكشفت دراسة كيرتز Kurtz (1992) دور إدمان الكحول كعامل منبأ ومرتبط بالعنف العائلي. واستخدمت الدراسة المنهج الطولي الكمي باستخدام مجموعة من الاستبيانات لجمع المعلومات الديموجرافية والمعلومات حول المتغيرات المستقلة التي اختارها الباحث من خلال مراجعة التراث النظري والتجريبي وهى: المدى الذي تدركه المرأة لإدمان الكحول، مستوى الصراع في علاقات العنف، الدعم الاجتماعي لدى المرأة، ما إذا كانت أطفال المرأة قد شاهدوا العنف العائلي أم لا أم تعرضوا أنفسهم، وما إذا كانت المرأة قد شاهدت العنف الزواجي بين والديها أو تعرضت هى نفسها للعنف في الطفولة.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 46 امرأة من المقيمات في دور رعاية النساء المتعرضات للعنف العائلي. والذين تم تطبيق الأدوات عليهم مرتين الأولى بعد مرور 72 ساعة من دخولهم دار الرعاية. واستخدمت الدراسة تحليل التباين المتعدد ومعاملات الارتباط. وكان الافتراض الأساسي للدراسة هو أن إدراك المرأة لمستوى إدمان زوجها للكحول كافٍ للتنبؤ بتعرضها للإساءة والاعتداء والذي تحقق جزئياً في حالة العدوان البدني. ولم تجد الدراسة علاقات دالة في حالة العدوان أو الاعتداء اللفظي. كما افترضت الدراسة أن السيدات اللاتي احتملوا الاعتداء والذين كونوا شبكة دعم اجتماعي كبيرة، ولديهم أطفال تعرضوا للعنف العائلي، والذين لم يتعرضوا للعنف الزواجي بين والديهم أثناء فترة طفولتهم سوف يكونون في مواقف حياتية لا توجد فيها عدوان وهو فرض لم تستطع الدراسة دعمه.

        واستهدفت دراسة راجيندارن وشيران Rajendran & Cherian (1992) التعرف على العلاقة بين إدمان الكحول وسلوك العنف. وقد تكونت عينة الدراسة من (120) فرداً من الذكور المدمنين للكحول ممن تتراوح أعمارهم بين 20-50 عاماً. واستخدم الباحث استبيان لقياس العنف، واختبار ميتشجان لتشخيص إدمان الكحول The Michigan Alcoholism Screening Test.

        وتوصلت الدراسة إلى أن الأفراد مدمني الكحول حصلوا على درجات متوسطة على أبعاد الضغوط، الغضب، العدوانية، الاعتداء في استبيان العنف. كما أوضحت النتائج أن هؤلاء المدمنين تظهر لديهم العديد من المشكلات المرتبطة بالإدمان. ولم تختلف هذه النتائج باختلاف مدة الإدمان ومتغيرات العنف، في حين وجدت الدراسة أن الأفراد مرتفعي شدة إدمان الكحول أعلى المجموعات على بعد الاعتداء.

        وحاولت دراسة سوانسون Swanson (1993) التعرف على مدى شيوع السلوك العنيف (سلوك العنف) بين المفحوصين من المرضى العقليين، ومدمني المخدرات. وقد تكونت عينة الدراسة من 7.035 فرداً من ولايات شمال كارولينا، وكاليفورنيا.

        وقد أشارت النتائج إلى أنه بالرغم من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات عقلية لم يظهروا سلوكيات عنف، إلا أن المرض العقلي عندما يتلازم مع الإدمان فإن سلوكيات العنف تظهر بوضوح لدى أفراد العينة.

        كما أشارت نتائج تحليل الانحدار أيضاً أن التاريخ الإجرامي، وتاريخ المرض العقلي تزيد من احتمالية ظهور سلوك العنف لدى الفرد أكثر من المرض العقلي بمفرده، كما أوضحت نتائج تحليل الانحدار التي حاولت التعرف على العلاقة بين المرض العقلي، إدمان الكحول، سلوك العنف إلى أن تلازم أي متغيرين من المتغيرات الثلاثة يزيد من احتمالية حدوث المتغير الثالث.

        وتناولت دراسة برودفوت Broadfoot (1995) الفروق بين الجنسين في الاتجاه نحو الانتحار، ارتكاب العنف، وإدمان الكحوليات والمخدرات لدى المراهقين المرضى النفسيين. وقد تكونت عينة الدراسة من 681 مفحوصاً من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12-19 عاماً. واستخدم الباحث جداول الاحتمامات واختبار مربع كا2 لاختبار الفروق باختلاف العمر والنوع في متغيرات الدراسة.

        وقد أوضحت النتائج وجود فروق باختلاف العمر في الاتجاه نحو الانتحار، وارتكاب العنف، وإدمان المخدرات (دال عند مستوى 0.01) كما أوضحت النتائج أن المراهقين الأكبر سناً (عاماً 16.1) كانوا أكثر اتجاهاً نحو الانتحار وإدمان المخدرات والكحوليات أو ما قورنوا بالأفراد الأصغر سناً (2.1 لـ 14.9 عاماً و 15.0 – 16 عاماً).

        كما أشارت النتائج إلى وجود فروق بين الجنسين في الاتجاه نحو الانتحار، ارتكاب العنف، وإدمان المخدرات (دالة عند مستوى 0.01) حيث كانت الإناث أكثر اتجاهاً نحو الانتحار وإدمان المخدرات، بينما كان الذكور أكثر اتجاهاً نحو ارتكاب العنف. وقد تمت مناقشة هذه الفروق في العمر والنوع في ضوء معدلات انتشار معدلات الانتحار بين المراهقين.

        وتناولت دراسة بوكشتاين Bukstein (1996) العلاقة بين العدوان، العنف وإدمان المخدرات لدى المراهقين. وقد أشارت الدراسة إلى أن المراهقين مدمني الكحوليات والمخدرات يظهرون سلوكيات عدوانية وعنيفة. كما أوضحت الدراسة أن العلاقة بين إدمان المراهق والعدوان أو السلوكيات العدوانية لديه علاقة معقدة نظراً للتأثير القوي للإدمان وتعدد الاضطرابات المرتبطة به وما يترتب عليه من مشكلات واضطرابات نفسية لدى المراهقين.

        وقد أوضحت هذه النتائج ضرورة إعداد برامج تربوية وعلاجية تستهدف تخفيض العدوان والعنف لدى المراهقين وذلك من خلال تركيز هذه البرامج على علاج الإدمان من جهة وكذا المشكلات الأخرى التي تؤثر على التوافق النفسي والاجتماعي لدى المراهقين.

        وتناولت دراسة نورث North (1996) العنف في حياة الأمهات المشردات Homeless mothers والذين يشتركون في إحدى البرامج العلاجية لعلاجهم من الإدمان. وقدمت الدراسة معلومات إحصائية حول معدلات العنف أو الوقوع كضحايا للعنف لدى الأمهات المشردات المدمنات. وقد أوضحت الدراسة من خلال المقابلات وسرد السير الذاتية لهؤلاء الأمهات أبعاد المشكلة وأن معظم هؤلاء الأمهات تعرضن للعنف أو وقعنَّ كضحايا للعنف أثناء مرحلة الطفولة والرشد. كما أوضحت النتائج ضلوعهنَّ في أنشطة عدائية وسلوكيات عدوانية أثناء مرحلة الرشد.

        استعرضت دراسة دونيجان Dunnegan (1997) التراث النفسي حول اضطراب ضغوط ما بعد الأزمة Posttraumatic stress disorder، والعنف والعنف العائلي والذي أوضح وجود علاقة بين سلوك العنف، الأزمة، وإدمان الكحوليات والمخدرات، كما أن الخجل يظهر لدى العديد من قطاعات المجتمع على مستوى الفرد، الأسرة، المؤسسات، المجتمع. وأوضحت الدراسة أن دور إدمان الكحول والمخدرات في دورة العنف هام جداً ومن الضروري إعطاؤه المزيد من الدراسة والاهتمام، حيث أن السلوك العنيف، الأفراد العنيفين، ضحايا العنف يتأثرون انفعالياً، بدنياً، سياسياً، روحياً وبشكل عميق من استخدام المخدرات والكحوليات وإدمانها.

        وأشار الباحث إلى ضرورة قيام البرامج المصممة لعلاج السلوك العنيف وآثاره لدى الأفراد العنيفين أو ضحايا العنف.

        وحاولت دراسة فيريك Feerick (1998) التعرف على العلاقة بين إساءة معاملة الأطفال وما يترتب عليها من العنف في مرحلة الرشد. فقد أوضحت العديد من الدراسات أن العدوان أو الاعتداء الجنسي أو البدني في مرحلة الطفولة يزيد من احتمالية وقوع الفرد ضحية للعنف أو ارتكاب العنف تجاه الأطفال أو الشركاء من البالغين في مرحلة البلوغ والرشد. وتحاول الدراسة التعرف على العوامل التي تؤثر على العلاقة بين إساءة معاملة الأطفال والعنف وخاصة علاقات الارتباط في الطفولة والبلوغ ومدى تداخلها في هذه العلاقة والتعرف على مدى إسهام إدمان المخدرات في فهم العلاقة بين إساءة معاملة الأطفال والعنف.

        وقد تكونت عينة الدراسة من 59 امرأة من اللاتي يتلقين العلاج من إدمان الكوكايين وعينة ضابطة من 56 امرأة من غير المدمنين للكوكايين ومن ذوات الدخول المنخفضة ومن الأقليات واللاتي تمت مقابلتهنَّ في مقابلات مفتوحة لمدة ثلاث ساعات حول المشكلات النفسية ومشكلات الإدمان وخبرات العنف أثناء الطفولة أو الرشد والعلاقات الماضية أو الحالية.

        وأوضحت النتائج أن كلاً من الارتباط والمودة وإدمان المخدرات عوامل هامة في فهم العلاقة بين إساءة معاملة الأطفال والعنف بالرغم من اختلاف أدوارهم. وبينما يعتبر الارتباط في مرحلة الطفولة منبئاً دالاً بالعديد من أشكال العنف، فإنه عامل وسيط لآثار الاعتداء الجنسي لدى الأطفال على الوقوع ضحية للاعتداء الجنسي.

        وأوضحت النتائج أيضاً أن إدمان المخدرات منبئاً دالاً بالعنف لدى العينة الكلية ويتداخل في العلاقة بين إساءة معاملة الطفل والعنف لدى البالغين.

        وحاولت دراسة هالي Haley (2000) التعرف على العلاقة بين أنشطة العنف الإجرامي وإدمان الكحول، وهل تختلف هذه العلاقة باختلاف النوع (ذكور / إناث)؟ وقد استخدمت الدراسة المنهج الوصفي الارتباطي، من خلال مجموعة من المقابلات إلى جانب استبيان يدور حول المعلومات الديموجرافية، ومعالم التاريخ الإجرامي ومعدلات استهلاك الكحوليات إلى جانب اختبار ميتشجان المختصر لتشخيص إدمان الكحوليات The Brief Michigan Alcoholism Screening Test، وسجل مراجعة القضايا. وقام الباحث بأخذ عينة عشوائية من قسم الأمن العام بولاية لويزيانا والتي تم تقسيمها إلى مجموعتين (مجموعة العنف أو مجموعة عدم العنف) وذلك لأغراض المقارنة (ن = 424، 359 ذكرا، 65 أنثى).

        وأشارت النتائج إلى وجود علاقة بين إدمان الكحول والاتهام في قضايا العنف كما أوضحت النتائج أنه مع التحكم في المتغيرات الديموجرافية (العمر، النوع، الوظيفية، الدخل، المستوى التعليمي) كانت العلاقة بين المتغيرين دالة إحصائياً.

        وهدفت دراسة تيهارني Tehrani  (2001) إلى التعرف على العلاقة الوراثية والجينية genetic بين العنف وإدمان الكحوليات. فقد أشارت العديد من الدراسات الوراثية إلى احتمالية أن إدمان الكحوليات والعنف اللذان يتلازمان لدى الأفراد والعائلات ينتميان إلى جين عام (common gene) وقد أشارت إحدى الدراسات السابقة إلى وجود علاقة وراثية بين إدمان الكحوليات وسلوك العنف، بينما لم تحظ العوامل البيئية المتضمنة في حدوث وتلازم سلوك العنف وإدمان الكحوليات بما تستحقه من عناية واهتمام. وقد ركزت الدراسة على الذكور دون الإناث نظراً لانخفاض مستويات العفن ومعدلات إدمان الكحوليات بينهن. وتحاول الدراسة الحالية فصل النزاع بين العوامل المؤثرة على العلاقة بين الإدمان والعنف هل هى الوراثة أم البيئة؟ وقد تكونت عينة الدراسة من 14.421 ذكراً من المشتركين في المشروع النماركي لتبني الأطفال.

        وقد أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج أهمها:

1-   أن العنف الوالدي لدى الآباء البيولوجين ترتبط بمشكلات إدمان الكحول لدى الأبناء الذين تمت تربيتهم بعيداً عن آبائهم مع أباء التبني.

2-   أن المشكلات المرتبطة بإدمان الكحول لدى الآباء البيولوجين ترتبط بظهور العنف لدى الأبناء الذين تمت تربيتهم بعيداً عن آبائهم مع أباء التبني.

3-   تتفاعل العوامل البيولوجية مع بعض العوامل البيئية مثل انخفاض المستوى الاقتصادي الاجتماعي لآباء التبني والتي تؤدي إلى زيادة احتمالية مخاطر إدمان الكحوليات والعنف لدى أبناء التبني.

4-   أشارت الدراسة إلى وجود علاقة بين العنف لدى الآباء البيولوجين والمشكلات المرتبطة بإدمان الكحوليات لدى الذكور والتي يمكن تقليلها إذا ما تمت تربية أبناء التبني في أسر مرتفعة المستوى الاقتصادي الاجتماعي.

5-   ووجدت الدراسة علاقة بين العنف لدى الآباء البيولوجين وارتفاع معدلات إدمان الكحول لدى الإناث الذين يعيشون مع أباء التبني، في حين لم تجد الدراسة علاقة بين إدمان الكحول لدى الآباء البيولوجين وبين العنف لدى الإناث وهو ما قد يرتبط بانخفاض معدلات العنف بين الإناث بشكل عام.

        وتدعم هذه النتائج الافتراض القائل بوجود علاقة وراثية بين العنف وإدمان الكحوليات وهو ما يشير إلى ضرورة الوضع في الاعتبار العوامل الوراثية والبيئية في تطور العنف وإدمان الكحوليات.

        وهدفت دراسة شيرماك وبلو Chermack & Blow (2002) إلى التعرف على العلاقة بين شدة العنف وبين استهلاك وإدمان الكحوليات والكوكايين وذلك لدى عينة من 125 رجلاً و125 امرأة خلال التسعين يوماً السابقة على دخولهم واشتراكهم في إحدى البرامج العلاجية للإدمان، والذين تتراوح أعمارهم بين 18-73 عاماً. واستخدمت الدارسة المقابلات الشخصية إلى جانب بعض أدوات القرير الذاتي.

        وقد أشارت النتائج إلى أن 85% من أفراد العينة قد عبروا عن وجود مواقف للصراع، وأن 32% من أفراد العينة قرروا حدوث العنف البدني خلال هذه المواقف للصراع. ووجدت الدراسة علاقة بين أنماط استخدام الكحول والكوكايين (في ذات اليوم الذي يتم فيه الصراع) أو في يوم حدوث حادث العنف وبين شدة العنف.

        كما أوضحت النتائج أن العمر، التعليم وأنماط استخدام الكوكايين والكحول ترتبط بشدة العنف خاصة في المواقف الشديدة العنف. كما أوضحت النتائج الخاصة باستهلاك الكوكايين والكحول في يوم حدوث العنف أن مستويات الشرب المرتفعة، صغر السن، الانتماء إلى جماعات الأقليات ترتبط بشدة العنف. وقدمت الدراسة العديد من التوصيات للبرامج العلاجية لعلاج المشكلات المرتبطة بالعنف.

        واعتبرت دراسة ريتر وآخرين Ritter, et al. (2002) أن التعرض للإدمان العائلي familial alcoholism ترتبط بالعديد من المشكلات السلوكية والانفعالية لدى الأبناء. وبينما لم تحاول الدراسات السابقة التعرف على العوامل البيئية التي تتداخل مع الإدمان العائلي والتي تؤثر على النمو النفسي والمشكلات النفسية لدى الأبناء. وناقشت الدراسة الحالية الآثار التفاعلية والإضافية لتعرض الفرد في طفولته للعنف الأسري والإدمان الأسري على جوانب النمو النفسي في فترة المراهقة وذلك في ثلاث جوانب من جوانب الصحة النفسية وهى مستويات إدمان المخدرات، اضطراب السلوك، وتقدير الذات.

        وتكونت عينة الدراسة من 109 أسرة (من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12-18 عاماً وآبائهم) والذين تمت متابعتهم عبر مدة زمنية غطت ست سنوات. وقد أشارت النتائج إلى أن تعرض الأطفال للإدمان العائلي والعنف العائلي يرتبط ارتباطاً دالاً بجوانب التوافق النفسي أثناء المراهقة. ولم تجد الدراسة فروقاً في هذه العلاقة باختلاف جانب التوافق النفسي أو النوع.

        وتناولت دراسة ميدينا Medina (2002) العلاقة بين قدرة الذاكرة، وعدم الموافقة على العنف لدى مدمني المخدرات من الذكور وزوجاتهم. وقد أوضحت العديد من الدراسات أن الإناث والذكور لا يتفقون حول حدوث العنف الجنسي مع الرفاق. وقد حاولت القليل من الدراسات التعرف على الميكانزمات المرتبطة بالاتفاق في تقرير حدوث العنف. لذا فإن الهدف الأساسي من الدراسة الحالية هو معرفة ما إذا كانت قدرة الذاكرة ترتبط بالاتفاق بين الزوجين حول حدوث العنف. وقام الباحث بجمع المعلومات من الشركاء أو الأفراد الذين يعيشون معاً وكذا الأزواج المدمنين وأشارت النتائج أن كلاً من الذكور والإناث ترتبط لديهم الذاكرة اللفظية والبصرية وكذا القدرات المعرفية بالعديد من جوانب عدم الاتفاق حول العنف والعدوان النفسي.

        ومن ثم، نجد من خلال عرض نتائج البحوث السابقة في مجال الإدمان إنه توجد علاقة وثيقة بينه وبين كل من الجريمة والجناح والعنف. لذا،ـ ينبغي وضع استراتيجيات متكاملة للوقاية، واكتشاف التعاطي، والعلاج (سويف، 1988، 1990)، (حسين، 1994)؛ (مليكة، 1992، 1996، 1997).

أولاً:  الوقاية:

        ويقصد بالوقاية أي عمل مخطط يعمل على منع ظهور مشكلة معينة (صحية أو اجتماعية) أو مضاعفات لمشكلة قائمة بالفعل. ويكون الهدف من هذا العمل هو الإعاقة الكلية أو جزئية لظهور المشكلة أو المضاعفات أو كليهما.

        وتصنف إجراءات الوقاية في ثلاث فئات هى:

الوقاية من الدرجة الأولى:

        والهدف منها منع حدوث تعاطي أي مواد مخدرة منذ البداية أصلاً، ولهذا النوع من الوقاية إجراءات تحدد فيما يلي:

1-   تحديد الجماعات المستهدفة أو الهشة ودلالات الخطر، والحد من تأثير العوامل المساعدة على تعاطي المواد النفسية. وعلى الرغم من أن بعض هذه العوامل (البيولوجية والديموجرافية) ليست قابلة للتدخلات الوقائية، إلا أن بعض هذه العوامل يمكن أن تكون أهدافاً للتدخلات الوقائية.

2-   استخدام الأساليب التربوية المناسبة للتوعية ضد التعاطي، وهذا باستخدام القنوات التربوية العادية (الأسرة والمدرسة) في اكتساب الشباب المعلومات العلمية الصحيحة، بالإضافة إلى إكسابهم مهارات معينة. مثل مهارات ضبط الذات والمهارات الاجتماعية وإكسابهم بعض المعتقدات الصحيحة عن المواد النفسية، وخفض قابلية الأفراد للاستجابة للضغوط الاجتماعية لتعاطي المواد النفسية.

3-   العناية المبكرة بالحالات تحت الإكلينيكية، ويقصد بها الحالات التي تعاني من أشكال ودرجات معينة من الاضطرابات والأعراض التي لا تضعهم في فئة المرضى، ولكنها أيضاً لا تجعلهم أسوياء تماماً.

        وهذه الحالات يمكن أن تكون تربة خصبة لظهور مختلف أنماط التعاطي الذي قد يكون لخدمة وظيفة محدودة وهى التداوي، أو التطبيب الذاتي. ومن العوامل الأساسية التي قد تدفع مثل هذه الحالات إلى الإدمان ظهور أعراض مرضية أكثر منها عوامل اجتماعية أو ديموجرافية أو ذاتية.

الوقاية من الدرجة الثانية:

        وهدف هذا النوع من أنواع الوقاية هو الكشف عن وجود حالات التعاطي المبكر حتى يمكن التدخل العلاجي المبكر، وبالتالي يمكن الوقاية من التمادي في التعاطي والوصول إلى مرحلة الإدمان. ولما كانت نسبة من يتوقفون عن التعاطي ممن يتقدمون للاستكشاف وهم لا يزالون في هذه المرحلة تقرب من 75% وأن هذه النسبة ثابتة فيما يتعلق بمعظم المواد النفسية، ولعل أهم الأسباب التي يمكن أن تفسر هذا التوقف عن التعاطي ما يلي:

-   الأضرار الجسمية والنفسية التي يشعر بها المتعاطي.

-   الأسباب الدينية.

-   الأسباب المالية.

-   الخوف من الأهل والاستجابة لإرشادتهم.

-   الخوف من الأحكام القضائية والسجن.

-   الخوف من الإدمان.

-   انتهاء الظروف النفسية التي أدت إلى التعاطي.

        وإذا كانت النتيجة السابقة وهى توقف 75% ممن يتقدمون للاستكشاف عن تعاطي المواد المخدرة للأسباب آنفة الذكر، لذا يجب توجيه الرعاية والاهتمام بالنسبة الباقية (25%) الذين تؤهلهم ظروفهم للاستمرار في التعاطي كما يجب الاهتمام أيضاً بأسباب الإحجام عن التعاطي ووضعها كآليات للوقاية.

الوقاية من الدرجة الثالثة:

        ويقصد بهذه المرحلة المتأخرة من الوقاية التدخل العلاجي المتأخر نسبياً ولذلك لوقف المزيد من التدهور المحتمل للمضاعفات العضوية أو النفسية المترتبة على الإدمان أو العودة إلى الإدمان بعد الشفاء منه (الانتكاس)، وتوصف هذه الإجراءات العلاجية بأنها وقائية للأسباب التالية:

1-         إنها وقائية للفرد من مزيد من التدهور في الصحة البدنية والنفسية.

2-         وقاية لموقع العمل الذي يعمل فيه الفرد من خسارة وجهد فرد عامل.

3-         وقاية للشبكة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد من الانهيار.

4-         وقاية الفرد من احتمالات تورط في شبكة العلاقات الاجرامية المحيطة بالإدمان.

وتشمل الإجراءات العلاجية ما يلي:

-   علاجه من الأمراض الجسمية المرتبطة بتعاطي المخدرات.

-   إجراءات العلاج النفسي والسلوكي الفردي والجمعي.

-   إعادة تأهيل المدمن ومحاولة دمجه في المجتمع مرة أخرى.

ثانياً: كيفية اكتشاف حالات التعاطي:

   أ-  دور الأسرة:

        إن للأسرة دور كبير وهام في اكتشاف الأبناء الذين ينزلقون نحو إدمان وعليها أن تعي جيدا لعدة مؤسسات لحالات التعاطي أهمها:

1-         زيادة التوتر ومحاولة الاعزال خارج أو داخل المنزل.

2-         العثور على بقايا المواد الدالة على التعاطي مع الشخص كزجاجات العقاقير، أو ورق السلوفان أو البفرة.

3-         تغيير الأصدقاء والاهتمامات والهوايات فجأة.

4-         إهمال المظهر العام.

5-         الكذب والمراوغة لإخفاء حقيقة تعاطي المخدر وكثرة المبررات الواهية.

6-         التدهور الصحي، وفقدان الشهية للطعام واضطراب النوم.

7-         التدهور الدراسي أو الوظيفي.

8-         تغير السلوك العام.

9-         المطالبة بالنقود بشكل متكرر وإعطاء مبررات واهية لذلك.

10-    اكتشاف فقد أشياء ثمينة (كالذهب) من المنزل.

   ب-  دور الكشف الطبي:

        يعتبر الكشف الطبي من أفضل طرق اكتشاف حالات التعاطي المبكر، بحيث يصبح هذا الإجراء ملزماً في مجالات معينة مثل التورط في مخالفات المرور، وفي حالات القبض على الأشخاص لارتكابهم جرائم مثل السرقة، والنصب، والضرب، والدجل فقد تبين بالفعل أن هناك اقتراناً وثيقاً بين هذه الانحرافات السلوكية وارتفاع احتمال الإقبال على التعاطي عموماً، وكذلك عند الانضمام للنوادي ومراكز الشباب والفرق الرياضية، وفي حالات التقدم للالتحاق بالكليات العسكرية والمعاهد العليا والجامعات.

        وتوجد بعض الصفات والعلامات الجسمية التي عن طريقها يمكن التعرف على المتعاطي أهمها:

1-   الثقوب في الجلد نتيجة الحقن، غالباً فوق مسار الأوردة في الساعد.

2-   الوشم، ويحاول المتعاطون استخدامه لإخفاء المسارات.

3-   الخراريج والقروح المتركزة حول مسارات الأوردة في الساعد.

4-   تقرح الحاجز الأنفي نتيجة شم الهيروين.

5-   حروق ناتجة عن السجائر (في جلد المدخن أو في ملابسه).

6-   تشققات الجلد عند ركني القدم.

7-   الإصابة بالتهاب الحويصلة المرارية الناتجة عن الالتهاب الكبدي نتيجة مشاركة الشخص حقن غير معقمة لحقن المادة المخدرة.

8-   اضطراب الدورة الشهرية عند النساء المتعاطيات.

9-   الإمساك أو الإسهال المزمن، واضطرابات الهضم.

ثالثاً: العـلاج:

        أنه من الصعب فصل العلاج عن الوقاية التي سبق توضيحها في البند الأول إذ أن الوقاية تتضمن في طياتها بعض أساليب العلاج أو أنها هى العلاج بالفعل لمن وقع في الإدمان وهى الوقاية لمن لم يقع فيه بعد، والحديث عن العلاج هنا يقصد به العلاج النفسي وهو موضوع تخصصي يتطلب من الممارس للعلاج تدريباً وخبرة متعمقة.

        وعلاج تعاطي الكحول على سبيل المثال يتضمن مشكلتين منفصلتين: الأولى علاج زملة الانسحاب، والثانية علاج الكحولية. وبالنسبة لزملة الانسحاب الكحولي فهي في غياب تعقيدات طبية خطيرة تكون عادة عابرة ومحددة ذاتياً ويشفى المريض منها في عدة أيام.

        وينصح الأطباء المتخصصين في علاج الإدمان الكحولي بإعطاء المتعاطين مهدئات خفيفة خلال فترة الانسحاب الحادة، ثم تخفيف الجرعة تدريجياً خلال فترة ما بعد الانسحاب. ويكفي ذلك غالباً بالنظر إلى الحالة الفيزيقية غير المؤكدة للمريض. ومن المهم جداً تزويد المريض بالفيتامينات، كما يشجع المريض على شرب كميات كبيرة من الماء وعصير الفاكهة. وكذلك يتعين علاج الأعراض الأخرى للانسحاب مثل الأرق، القيء، الإسهال. وقد يتطلب الأمر إعطاء محلول الجلوكوز للمريض.

        أما علاج الكحولية: فإن الكحولية المزمنة والتعاطي الزائد لكحوليات تؤدي إلى عديد من الأعراض الطب – نفسية التي يمكن أن تشير في تجمعات متباينة منها إلى وجود أمراض طب نفسية. ولذلك فإنه في حالات التعاطي الثقيل للكحول وفي فترات الانسحاب يكون من الصعب تحديد ما إذا كان الفرد يعاني من مرض نفسي إلى جانب الكحولية.

        إن المدمنين للكحول يتعاطون أيضاً عقاقير أخرى. وقد يكون من الصعب تحديداً أي الأغراض تنتج عن الكحول، وأيها ينتج عن غيره من العقاقير.

        وقد استخدمت في علاج الكحولية طرق عديدة سيكولوجية، مثل العلاج السلوكي والطبي مثل استخدام المهدئات ومضادات الاكتئاب ولكن لم يثبت تفوق واحدة منهما على الأخرى وقد استخدم العلاج السلوكي التنفيذي والذي يستعان فيه بعقاقير مثل أبو مورفين لإحداث التقيؤ أو بعقاقير أخرى لإحداث انقطاع التنفس، والتنبيه الكهربائي لإحداث الألم.

علاج تعاطي الأفيون والهيروين:

        إن علاج الأفيون والهيروين قد يتطلب إقامة المدمن في مؤسسة علاجية معينة وقد يتم العلاج في مستشفى أو عيادة أو سجن أو منظمة حرة قد يكون المعالجون متعاطين سابقين بأقل قدر من التدريب أو من ضباط مؤسسة عقابية، أو مهنيين مدربين.

        وقد يؤكد البرنامج على العلاج الفردي أو الجماعي أو العائلي. وقد استخدم في العلاج عقاقير عدة، أو قد يقتصر الأمر على عقار واحد مثل الميثادون. ورغم تعدد وتنوع البرامج، إلا أنه في الولايات المتحدة الأمريكية – على سبيل المثال – توجد أربع خطوات علاجية هى:

        استعمال الميثادون، وإزالة التسمم، والمجتمعات الوقائية أو العلاجية، والبرامج الخارجية التي لا تستخدم فيها عقاقير، ولكن توجد برامج أخرى مثل استعمال المواد المضادة للعقاقير. إلا أن ما يقدر بثلاثة أرباع الاعتمادين على الأفيون يقتصر علاجهم على واحد من الوسائط الأربعة السابقة.

        وفي عام 2005 نظم المؤتمر العربي رفيع المستوى لحماية النشء من المخدرات "خطة عمل القاهرة لحماية النشء من المخدرات" وتتلخص هذه الخطة في الأدوار التالية:

أ -       دور التعليم:

1-   تبني أساليب متطورة ومستحدثة في التعليم تعتمد على التعلم النشط الذي يتمحور حول النشء ودورهم النشط في مختلف جوانب العملية التعليمية.

2-   تدريب النشء بالمدارس ابتداء من المراحل العمرية الصغيرة على الأساليب الصحية للحياة ومواجهة المشاكل الحياتية المختلفة بالإضافة إلى أساليب الاتصال والإقناع لمساعدة أقرانهم وتوعيتهم من مخاطر تعاطي المخدرات باعتبار أن التعليم هو من أهم القوى الدافعة والمحورية في مجال الوقاية من المخدرات.

3-   صياغة قوانين ولوائح تنفيذية تساعد إدارات المدارس على صياغة برامج ابتكارية للوقاية وتوفير المساحة الزمنية خلال اليوم الدراسي ورصد الاعتمادات المالية اللازمة للتنفيذ، على أن يعتمد هذا التنفيذ على المشاركة النشطة للنشء.

4-   تطبيق استراتيجيات من نظير على نظير للوقاية من تعاطي المخدرات عن طريق إشراك النشء في حل المشكلة.

5-   تدريب المدرسين والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين بالمدارس على سبل الوقاية من المخدرات والمواد المؤثرة على الحالة النفسية وتدريبهم على الاكتشاف المبكر للتعاطي وأساليب التعامل مع المتعاطين وأسرهم بالإضافة إلى أساليب تنفيذ استراتيجيات وتدريبات النظير للنظير لدعمها وضمان استمراريتها.

6-   التعامل مع حالات الاكتشاف المبكر وعلاجه وإعادة إدماجها في المجتمع وذلك لتقديم المساعدة المبكرة وإتاحة الحصول على الخدمات العلاجية لمن يحتاج إليها مع المحافظة على السرية المطلقة للمطالب.

7-   تنشيط دور مجالس الآباء للمدارس عن طريق إقامة لقاءات مفتوحة يحضرها الأهل وأولياء الأمور للتعرف على المشاكل والتحديات التي تواجه الشباب، ووضع تصورات عملية لحلها من خلال دور حقيقي للطلاب بالتعاون مع المدرسة ومجالس الآباء حتى يكتسبوا الثقة بالنفس.

8-   تشجيع الأفكار الابتكارية ورعاية الطلاب من خلال نشاطات مفيدة في كافة المجالات الرياضية والفنية والتقنية والثقافية تشغل وقت فراغهم.

9-   بناء ثقافة الرفض لتعاطي المخدرات لدى الطلاب من خلال تنفيذ برامج ونشاطات وزيارات لمراكز العلاج والتأهيل تساعدهم على رفض المخدرات والتصدي الايجابي المؤثر لها.

10- الاهتمام بدور الشباب في المجتمع وتشجيعهم وإشراكهم في كافة القرارات السياسية والاجتماعية وتنمية انتمائهم لأوطانهم والتشجيع على إنشاء المجالس الوطنية للشباب.

11- إنشاء إدارة للتوعية بوزارات التربية والتعليم تضم عناصر شابة مدربة، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لقيامها بدورها.

ب-      دور الإعلام:

1-   أهمية توفير المعلومات الدقيقة والموضوعية، بصورة ابتكارية جاذبة قادرة على التأثير وبعيداً عن التوجيه المباشر.

2-   تشجيع كبار الكتاب والمفكرين والمخرجين والفنانين على تناول القضية في أعمالهم الدرامية بما يدعم نشر ثقافة رفض للمخدرات.

3-   استخدام الإعلام المرئي لتدريب المجتمع على أساليب الوالدية الصحيحة.

4-   اتفاق العاملون في أجهزة الإعلام على وضع ميثاق إعلامي يلتزمون به كدستور أخلاقي في كل ما يقدم للنشء وأن تلتزم هذه المؤسسات عند تطويرها للسياسات والبرامج والخطط الإعلامية الموجهة للوقاية من تعاطي المخدرات بالمنهجية العلمية الموضوعية المرتكزة على فهم سليم ودقيق لطبيعة تعاطي المخدرات والإدمان عليها ولخصائص متعاطي المخدرات السلوكية والنفسية.

5-   إنشاء إدارة للأبحاث والتدريب يعهد إليها بتدريب العاملين في المجال الإعلامي، وتوفير المادة العلمية للرسالة الإعلامية، وتقييم ما يقدم من أعمال، وربط هذه الإدارة بمراكز والجماعات في القطر العربي والعالم أجمع، وتزويدها بالربط الالكتروني (الانترنت).

6-   وضع خطة إعلامية تضمن تنفيذ ما سبق ورصد الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذها.

جـ-  دور الحكومات:

1-   تطوير القوانين والتشريعات الوطنية لحماية النشء من المخدرات وتأهيل وإعادة دمج ضحايا المخدرات.

2-   إنشاء هيئة وطنية عليا، تتمتع بالصلاحيات والموارد المالية والبشرية اللازمة، مهمتها وضع السياسات والتنسيق بين كافة الأجهزة الحكومية وغير الحكومية وتمثل بها الهيئات الحكومية والأهلية المعنية.

3-   ضرورة إدماج جهود خفض الطلب على المخدرات ضمن الخطط الوطنية وسياسات التنمية الإنسانية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والتربية الدينية والاجتماعية.

4-   تلتزم الحكومات بتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة إلى أقصى حدود مواردها المالية المتاحة لتنفيذ ولضمان استمرارية الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة المخدرات وذلك ضمن الخطة العامة للدولة.

5-   بناء قاعدة بيانات وطنية مفصلة تشمل كافة البيانات ذات الصلة مع الاهتمام بشكل خاص بالبيانات المتعلقة بالفئة العمرية المستهدفة تكون مقسمة حسب السن والنوع والمناطق الجغرافية، والمركز الاجتماعي والاقتصادي مع الاهتمام بوجه خاص بالفئات الهشة والأكثر ضعفاً مثل المراهقين والأطفال العاملين وأطفال الشوارع، والأطفال ضحايا العنف، تستخدم في رسم السياسات ووضع البرامج التي تكفل القضاء على المخاطر التي تعرض النشء للمخدرات.

6-   يمكن للدول طلب المعونة الفنية من منظمات الأمم المتحدة المعنية.

7-   دعم الجمعيات الأهلية والمؤسسات المعنية بالنشء والشباب لإعداد قيادات شبابية تساعد في توعية أقرانهم من أخطار المخدرات، ونشر ثقافة شبابية رافضة للمخدرات.

8-   توفير المعلومات للمجتمع عن المجهودات الوطنية للوقاية من المخدرات وأماكن العلاج والتأهيل والاستشارات الأسرية.

9-   التنسيق وتبادل الخبرات بين الدول العربية في مجال حماية النشء من المخدرات، وحث الدول على تنفيذ الخطط الوطنية لخفض الطلب على المخدرات بحلول عام 2008م وذلك استجابة للإعلان السياسي لعام 1998م.

10- تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لمكافحة استخدام الانترنت في ارتكاب جرائم المخدرات (قرار لجنة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات رقم 48/5 فيينا 2005).

د -      دور الأسرة:

1-   وضع خطط قومية ورسم سياسات لدعم الأسرة، وفتح قنوات الحوار بين المدرسة والأسرة.

2-   الاهتمام بالتربية الوالدية ونشر الوعي والثقافة لدى الأسرة عن مراحل النمو النفسي للمراهقين والشباب، وكيفية التعامل مع كل مرحلة وتدعيم التواصل بين أفراد الأسرة.

3-   دعم ثقافة الديمقراطية في الأسرة واستمرار لغة الحوار بين أفرادها، وتوعية الوالدين والقائمين على الرعاية بمخاطر القهر والعنف الأسري تجاه النشء.

4-   تدريب الأسرة على أساليب الاكتشاف المبكر لتعاطي المخدرات ورد الفعل التربوي السليم في هذه الحالة.

هـ-      دور المجتمع المدني:

1-   إيجاد شراكة حقيقية وفاعلة بين الحكومات والمجتمع المدني، ودعم دور الأخير إيماناً بأهمية دوره من أجل الوصول إلى نتائج ايجابية ومؤثرة على الشباب في مجال الحماية والوقاية من المخدرات.

2-   تشجيع إنشاء جمعيات أهلية تطوعية جديدة في جميع أقاليم الدولة للتوعية والوقاية من المخدرات.

3-   تشجيع رجال الأعمال في تمويل حملات توعية لحماية النشء من المخدرات كشركاء أساسيين في التنمية الاجتماعية للدولة.

4-   العناية بتدريب العاملين في الجمعيات الأهلية على الأساليب المتطورة للتوعية والوقاية من أضرار تعاطي المخدرات.

5-   حث الجهات المانحة على زيادة تمويلها للجمعيات العاملة في مجالات التوعية والوقاية من المخدرات.

6-   دعم إنشاء شبكة عربية للمنظمات الأهلية العاملة في مجال الوقاية من المخدرات.

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

 الفصل الخامس

العنف والجريمة

إن الجريمة فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدبيراً إحترازياً. وتقوم الجريمة على أركان ثلاثة هي: الركن الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي. وتتباين الجرائم من جنايات؛ وهي الجرائم المعاقب عليها بالعقوبات الآتية: الإعدام، الأشغال الشاقة المؤبدة، والسجن لما يزيد عن 20 سنة، والجنح؛ وهي الجرائم المعاقب عليها بالحبس الذي يقل عن 20 سنة، والمخالفات؛ وهي الجرائم المعاقب عليها بالحبس الذي لا يزيد أقصى مدته عن أسبوع.

كما أن الجريمة مفهوم قانوني على أساس أن القانون وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي Social Control. وتعد الجريمة قديمة قدم المجتمعات ذاتها، فهي نتاج طبيعي لتشابك العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع. ومن ثم فهي ظاهرة اجتماعية معقدة تعزي بصفة أساسية إلى الظروف الاجتماعية، وما قد يتمخض عنها من تفاعلات وعلاقات قد تسفر عن وجود هذه الظاهرة، وعليه لا يكاد يخلو مجتمع منها، لأن ذلك يعني وجود مجتمع تتوحد فيه مستويات الأنماط الخلفية، وهذا الأمر يكاد أن يكون مستحيلاً. أو بمعنى آخر، تجد أساس الجريمة في المجتمع الذي يعيش فيه المجرم وهي حقيقة اجتماعية ويجب عدم المغالاة في تصورها (جمال الدين، 1969).

وإلى جانب هذا، فإن مفهوم الجريمة يتطور من زمن إلى زمن، ومن مجتمع إلى آخر؛ بل تتفاوت داخل المجتمع ذاته من وقت إلى آخر نظراً لتغير العوامل والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في المجتمع (عبيد، 1972). ومن ثم، نجد أن عالم الجريمة اليوم يموج بألوان وأطياف من الجرائم تختلف تماماً عن الجريمة التقليدية سواء في مفهومها أو في آثارها، كما أن أنماط وأساليب ارتكاب هذه الجرائم تختلف عن أنماط وأساليب ارتكاب الجريمة التقليدية، فتلك الأنماط والأساليب أصبحت تصطبغ بالصيغة العلمية وباستخدام أدوات وتقنيات حديثة، سواء في الإعداد لارتكابها أو في أسلوب تنفيذها – الذي يتصف في جانب منه – بالعنف والوحشية، أو في التخلص من أثارها، إضافة إلى تداعياتها الخطيرة والمدمرة التي تهدد سائر مظاهر الحياة داخل الدولة والتي تؤثر في كيانها ومقدراتها الوطنية (عبد الحميد، 2005).

ومن الأهمية بمكان، تناول تطور مفهوم الجريمة سواء التقليدية أم العصرية وأساليب مواجهتها.

[1]  مفهوم الجريمة التقليدية وأساليب مواجهتها:

تشكل الجرائم التقليدية ظاهرة طبيعية توجد بوجود المجتمعات – قبل نظام الدولة حتى في المراحل البدائية، وهذه توصف بظاهرة الإجرام الاجتماعية.

ويعد الإجرام – من حيث الحجم والصور – مرتبطاً بالظروف الطبيعية والحضارية في الدولة ، أي من حيث الطبيعة الجغرافية والمناخ ووسائل العيش وأساليب الحياة في المجتمع، والمعتقدات السائدة ونظام الحكم وغير ذلك من المظاهر الحضارية. وهذا يفسر أنه في بدء نشوء الدولة تحفر الجرائم فيما يهدد الأشخاص والأموال، والقيم الأخلاقية والحرمات، وأمن الدولة وسلامتها. ولكن تتجه مظاهر الإجرام نحو الزيادة والتنوع بمرور الزمن وتغير الظروف الحضارية (راشد، 1974).

وفي ضوء ما سبق، فإن أساليب المواجهة كانت تتناسب وظروف الجريمة وأنواعها ودرجة خطورتها وآثارها. وتتمثل هذه الأساليب في ضبط الجريمة وتقديم مرتكبها في ضبط الجريمة وتقديم مرتكبها إلى المحاكمة لكي ينال جزاءه، وذلك من خلال إجراء التحريات وجمع المعلومات وإعداد الأكمنة لضبط الجناة، سواء أكانت وسائل انتقال أم اتصال أم غيرهما.

إضافة إلى ما سبق، فهناك أساليب مواجهة أخرى تتخذها أجهزة الأمن للحيلولة دون وقوع الجريمة أو ضبطها عند وقوعها. كما توجد برامج تعليمية وتوجيهية تهدف إلى تغير الاتجاه، وإعادة بناء اتجاهات جديدة بعيدة عن الاتجاه نحو الجريمة والجناة (نجوى حافظ، 1980).

[2]  مفهوم الجريمة العصرية وأساليب مواجهتها:

تبين إنه مع  تقدم المدنية ؛ تطورت الجريمة وأساليب ارتكابها ، إذ عرف المجرم كيف يطوع العلم في استنباط أساليب حديثة لارتكاب جريمة وإخفاء الأدلة التي تكشف عنها، والهروب في سرعة ويسر وإثبات وجوده في مكان آخر وقت ارتكابها، كما أن المتهم عند إقدامه على ارتكاب الجريمة يتخذ من الاحتياطات ما يكفل التقليل وعدم وجود الدليل (مهنا، 1988).

ومن ثم، تستند الجريمة في العصر الحديث إلى تطورات التقنية الحديثة وإلى أشغال تنظيمية معقدة، لما يزيد من خطورتها وانعكاساتها على الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهذا يتطلب بالضرورة مواجهة هذه الظاهرة الجديدة بوسائل تتناسب مع ما تتسم به من خطورة.

كما ينبغي الإشارة إلى أنه ليس ثمة فارق بين الجريمة التقليدية والجريمة
المعاصرة، فالجريمة واحدة سواء في ماهيتها أو طبيعتها أو توصيفها، وإنما يتبدى وجه الخلاف في أساليب ارتكاب الجريمة وخصائصها، إضافة إلى تطور السلوك الإجرامي لدى الجناة.

ومما يزيد الأمر خطورة، ظهور أنماط جديدة من جرائم الارتكاب والجرائم المنظمة، والتي يستخدم في ارتكابها الوسائل العلمية الحديثة سواء في التخطيط لها أو في تنفيذها أو في إخفاء معالمها. كما أن التطور الهائل في وسائل الانتقال والاتصال ينعكس على السلوك الإنساني، ويسهم بدوره في تطور الجريمة وأشكالها وأساليب ارتكابها (عبد الحميد، 2001).

وفي ضوء هذا؛ يعد ظهور الأشكال المعقدة للجريمة نتيجة الاستخدامات الإلكترونية نمطاً جديداً للإجرام ومنها جرائم الحاسبات الإلكترونية والجرائم البيئية. وإلى جانب هذا، قد أدى التوسع في الأنشطة الاقتصادية للفتوحات الإلكترونية إلى إفراز أنواع معينة من الجرائم الاقتصادية مثل سرقة الأسرار الصناعية، والسطو على البنوك، وانتهاك قوانين الجمارك، والتهرب من الضرائب، والجريمة باستخدام الحاسبات الإلكترونية، والفساد السياسي (النجار، 1993).

كما ارتبط الاعتماد المتبادل والمتزايد بين مختلف الدول في ميادين الصناعة والتجارة وما صاحب ذلك من توسع ملحوظ في مجالات الاتصالات والمواصلات ارتباطاً وثيقاً بانتشار عدة أشكال جديدة من الجريمة عبر الحدود الوطنية، وتتميز هذه الجرائم بخصائص أبرزها خطر تدمير المعلومات، ولا يندرج المجرمون الذين يرتكبون هذه الجرائم في فئات مرتكبي الجريمة التقليدية، إذ أنهم في الغالب أفراد محترفون، يتمتعون بمؤهلات وتعليم عال، مما يشكل صعوبة في فهم هؤلاء ودوافعهم، وهذا بدوره يلقى صعوبات بالغة على أجهزة الشرطة وجهات التحقيق في ضبط هذه الجرائم (عبد الحميد، 2005).

وانتقالاً إلى ارتكاب جرائم العنف Viloent ottending فهناك اتفاق بين عدد من فروع المعرفة للبحث عن أسباب جرائم العنف. وقد تم الكشف عن أسباب تفسيرية خاصة بعوامل الكيمياء الحيوية والعوامل النفسية وعلم الوراثة والحالة الطبية وأسباب عصبية وأخرى نفسية، بينما قدمت فروع العلوم الاجتماعية أسباب تقوم على المؤسسات الاجتماعية والصفات الموروثة ونواحي القصور في التطبيع الاجتماعي وأدوار الجنس.

وقد تحققت إحدى الدراسات التي أنصبت على آثار الجهاز العصبي المركزي الذي يتسبب في انحراف العصبية، وأن معدل الانحراف الخاص بارتكاب جرائم العنف أعلى بين الذكور من الشباب الذين عانوا من إصابات في الجهاز العصبي المركز. وكان من الضروري أن تستدل على أنه بينها من المحتمل أن تكون إصابة الجهاز العصبي المركزي هي السبب في الانحراف، فمن المحتمل أيضاً أن يكون نوع السلوك الذي يتبعه الشباب سبب في احتمالية ارتكاب جرائم العنف ويعرضهم أيضاً في كثير من الأموال لظروف كانت فيها إصابة الجهاز العصبي (Rantakallio et.al.1992).

وناقشت دراسة كوارن Curran (1988) الآثار النفسية والجوانب السيكاترية لأنماط العنف في إيرلندا الشمالية والتي تتراوح بين الشغب ومحاولات الإحلال بالأمن، والانفجارات وإطلاق الرصاص إلى الأفعال الانتحارية الواسعة النطاق التي تقوم بها المنظمات الإرهابية. وأوضحت الدراسة أن هناك أخطاء منهجية خطيرة في تقييم الآثار النفسية للاضطرابات المدنية الداخلية والإرهابيين نظراً لعدم اعتماد على استبيانات ومسوح المجتمعات، ونسب دخول المستشفيات وإدمان المخدرات ونسب المحاولات الانتحارية وتقييم الضحايا الفعليين للعنف. أوضحت الدراسة أن التفسيرات المحتملة تتضمن الهجرة، الترويض والتعود ، تنفيس العواطف وتماسك المجتمع وفترة الكمون.

واستهدفت دراسة كلير وبايلي وكلارك Clare, Baily & Clark (2000) التعرف على العلاقة بين أنماط السلوك الإجرامي العنيف والعوامل الاجتماعية والاضطرابات العقلية لدى المراهقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية. وقد تكونت عينة الدراسة من (39) مراهقاً الذين تم تقسيمهم إلى مجموعتين : مجموعة العنيفين، ومجموعة غير العنيفين والذين تم مقارنتهم في المتغيرات الاجتماعية والاضطرابات العقلية.

وقد أشارت نتائج الدراسة إلى عدم وجود علاقة بين السلوك الإجرامي العنيف والاضطرابات العقلية. بينما وجدت الدراسة علاقة بين السلوك الإجرامي العنيف وتاريخ تعرض الفرد لإساءة المعاملة البدنية أو الانفعالية، تلقى علاج نفسي أو اجتماعي، والسلوك الإجرامي السابق، وأوضحت الدراسة اختلاف هذه النتائج عن نتائج الدراسات السابقة التي أشارت إلى ارتباط السلوك الإجرامي العنيف وسلوكيات العنف والعوامل الاجتماعية أكثر من المرض النفسي.

وناقشت دراسة جونسون وآخرون Johnson et al (2000) العلاقة بين اضطرابات الشخصية لدى المراهقين وبين السلوك الإجرامي وسلوكيات العنف أثناء فترة المراهقة وبدايات مرحلة الرشد. وقد تكونت عينة الدراسة من (717) شاباً ممن تتراوح أعمارهم بين 9-19 عاماً وأمهاتهم والذين تم إجراء مجموعة من المقابلات معهم في أعوام 1983، 1985 - 1986، 1991 – 1993، وذلك من خلال استخدام المنهج الطولي.

وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن المراهقين الذين ترتفع لديهم أعراض الاضطرابات الشخصية أكثر اتجاهاً إلى ارتكاب جرائم وارتكاب سلوكيات عنف أثناء مرحلة المراهقة وبدايات مرحلة الرشد بما فيها سلوكيات إحراق المباني، التهجم، الصراعات والخناقات البدنية، السرقة والنصف. وأشارت الدراسة إلى بقاء هذه العلاقة بعد ضبط متغيرات العمر والنوع، المستوى الاقتصادي الاجتماعي، ووجود الأمراض النفسية لدى الوالدين. وأوضحت النتائج أيضاً إلى وجود علاقة بين الفصام، الأنانية واضطرابات الشخصية العدوانية وبين السلوك الإجرامي والأفعال العنيفة وسلوكيات العنف أثناء مرحلة المراهقة.

وهدفت دراسة جريسنت وآخرين Gresnigt et al. (2000) إلى التنبؤ بجرائم العنف بين مدمني المخدرات. وحاولت الدراسة معرفة ما إذا كانت قائمة شدة الإدمان مفيدة في التنبؤ بجرائم العنف بين مدمني المخدرات. كما هدفت الدراسة التعرف على العلاقة بين إدمان المخدرات وجرائم العنف. وقد تكونت عينة الدراسة من (178) رجلاً من مدمني المخدرات بلغ متوسط أعمارهم (30) عاماً. واستخدم الباحث التحليل التمييزي للتعرف على المتغيرات التي تميز بين المفحوصين من ذوي جرائم العنف وغير ذوي جرائم العنف وذلك من خلال دراسة تتبعيه لمدة عامين عقب الإفراج.

وأشارت النتائج إلى أن قائمة شدة الإدمان في التنبؤ بجرائم العنف بين مدمني المخدرات إلى جانب بعض المتغيرات الديموجرافية والماضي الإجرامي. وأشارت النتائج أيضاً إلى أن قائمة شدة الإدمان مسئولة عن 19% من التباين الكلي. وأوضحت النتائج إلى أن عدد سنوات الاستخدام المعتاد للكلوكابين، والعمر الذي بدأ فيه المفحوص تعاطي الكوكايين كانت أهم المسهمات في القدرة التنبؤية لمضاعفة شدة الإعاقة.

وتناولت دراسة راسموسين وألمفيك وليفندر Rasmussen, Almirk & Levander (2001) العلاقة بين المتغيرات الشخصية ومتغيرات الإجرام وبين الأداء على الاختبارات النيوروسيكولوجية تكونت عينة الدراسة من (82) مسجوناً من الذكور ممن تراوحت أعمارهم بين 19-57 عاماً. وقام الباحثون باستخدام بطارية اختبارات نيوروسيكلولوجية تسمح بتحليل مفصل للجوانب الكيفية والكمية لأداء الفرد على الاختبار.

وأشارت نتائج الدراسة إلى وجود علاقة بين بعض العوامل النيوروسيكولوجية وبين المتغيرات الشخصية ومتغيرات الإجرام. كما وجدت الدراسة علاقة بين جوانب الإجرام والجريمة والعنف وبين القصور اللفظي واضطراب النشاط الزائد.

وتناولت دراسة سكوروبان Skorupan (2001) الفروق في أنماط سلوكيات العنف بين الأحداث العدوانيين وغير العدوانيين. وقد تكونت عينة الدراسة من (171) مجرماً من الأحداث المنحرفين الذين ارتكبوا جرائم عنف في الفترة من يناير 1991 إلى ديسمبر 1996 في كرواتيا من العدوانيين وغير العدوانيين والذين تم الحكم عليهم بالسجن من إحدى محاكم مدنية زغرب. واستخدمت الدراسة تحليل التباين المتعدد لتحليل بيانات الدراسة إلى جانب أسلوب التمييز.

وأظهرت النتائج  أن الأفراد العدوانيين يظهرون أنماطاً أكثر عنفاً وقوة من السلوكيات الإجرامية العنيفة إذا ما قورنوا بأقرانهم من الأفراد الأقل عدوانية. وأوصت الدراسة بضرورة إجراء مزيد من الأبحاث حول المتغيرات الشخصية للأحداث وذلك من أجل التنبؤ بالجرائم التي يمارسونها وبالتالي التقليل منها.

وتناولت دراسة ايشوبرورا ودي كارول وأمور Echeburua; decorral & Amar (2002) الآثار النفسية السلبية التي تحدثها الجرائم العنيفة أو جرائم العنف على الأفراد الذين يقعون ضحايا لمثل هذا النوع من الجرائم. تكونت عينة الدراسة من (330) مريضاً من الذين يعالجون من الأزمة النفسية نتيجة التعرض للاغتصاب  rape العنف العائلي damestic violence أو الإرهاب terrorism من بينهم (54.5%) تم تشخيصهم باعتبارهم مرضى بأعراض ضغوط ما بعهد الأزمة. واستخدم الباحث مقياس شدة أعراض ضغوط ما بعد الأزمة The severity of symptom scale for PTSD وذلك لتحديد آثار وشدة الأعراض والبروفيل النفسي لدى كل عينة من عينات الدراسة.

وأشارت النتائج إلى أن معظم الأفراد في مجموعتي الاغتصاب والإرهاب يعانون بشكل واضح من أعراض ضغوط ما بعد الأزمة حيث تظهر بوضوح لدى معظم أفراد المجموعتين.

وقام وركوسكي Workowski (2003) بدراسة استهدفت التعرف على العلاقة بين العنف الإجرامي ونوع العقار الذي يدمنه الفرد. تكونت عينة الدراسة من (184) فرداً من الذين يتلقون علاجهم في إحدى المستشفيات الخاصة بعلاج الإدمان أو كانوا أحد نزلاء هذه المستشفى سابقاً . وحاولت الدراسة التعرف على العلاقة بين بعض المتغيرات الديموجرافية بالعنف مثل الذكورة، الانتماء إلى جماعات الأقلية، العزوبية، بداية السلوك الإجرامي في سن مبكر. واستخدم الباحث تحليل الانحدار المتعدد والتحليل العاملي لتحليل البيانات.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن متغيرات إدمان المخدرات والمتغيرات الديموجرافية محل الدراسة لم تتنبأ بالسلوك الإجرامي لدى عينة الدراسة. ووجدت الدراسة علاقة دالة بين إدمان أكثر من مخدر وبين القيام بجرائم متعددة وهو ما يشير إلى وجود ميكانزمات سببين ضمنية في هذه العلاقة بين الإدمان والعنف.

وناقشت دراسة دادي Daday (2004) العوامل الفردية، الايكولوجية، والموقفية المرتبطة بالوقوع ضحية للجرائم العنيفة أو القيام بالجرائم العنيفة. وحاولت الدراسة اختبار ما يشيع في التراث النفسي في مجال الجريمة من أن الضحايا والقائمين بالجرائم يشركون في بعض المتغيرات الديموجرافية ويشتركون في أنماط حياتية وأنشطة حياته متشابهة. وقد تكونت عينة الدراسة من عينة كبيرة من ضحايا جرائم العنف بلغت (1.248) فرداً ومجموعة من المجرمين ن = 1.735. واستخدم الباحث تحليل التباين المتعدد لاختبار فروض الدراسة.

وأشارت نتائج الدراسة إلى صحة بعض فروض الدراسة حيث أوضحت النتائج أن المجرمين والضحايا يشتركون في أنماطهم الحياتية الخطرة والإقامة في مجتمعات غير منتظمة اجتماعياً. بينما أشارت النتائج إلى اختلاف المجرمين والضحايا في خصائصهم الديموجرافية حيث أشارت الدراسة إلى أن الذكور والأقليات العرفية يميلون لأن يكون مجرمين أكثر من كونهم ضحايا مقابل الإناث والبيض.

وتناولت دراسة فرانك Frank (2004) تقدير الذات والإحساس بالوصمة لدى الأفراد ذوي السلوكيات الإجرامية العنيفة وغير العنيفة. وحاولت الدراسة اختبار النظريتين المتعارضتين حول تقدير لدى ذوي السلوك الإجرامي العنيف وغير العنيف. إذ تفترض إحدى هاتين النظريتين أن انخفاض تقدير الذات أكثر أثراً من ارتفاع تقدير الذات في اتخاذ الفرد قراراً بالاشتراك في السلوكيات الإجرامية بينما تعترض النظرية الأخرى العكس . استخدم الباحث مقياس تقدير الذات الذي تم تطبيقه على مجموعتين من المساجين في الجرائم العنيفة وغير العنيفة ، وقام الباحث بعمل تحليل لتميز والتنبؤ بعضوية الفرد في إحدى مجموعتي السلوك العنيف وغير العنيف.

وأشارت النتائج إلى عدم وجود علاقة بين تقدير الذات ووجود الفرد في إحدى جماعتي السلوك الإجرامي العنيف وغير العنيف . بينما وجدت الدراسة فروقاً بين المجموعتي في الاتجاه نحو الوصمة في بعد الأنانية حيث ارتفع مستوى الأنانية لدى الأفراد غير المسجونين من أقرانهم المسجونين.

واهتمت دراسة بنيت وفارينجتون وهيوسمان Bennett, Farrington & Huesman (2005) بالفروق بين الجنسين في الجريمة والعنف، وحاولت الدراسة تفسير نتائج العديد من الدراسات السابقة التي أشارت إلى ارتفاع معدلات الجريمة والعنف بين الذكور عن الإناث، وذلك من خلال المهارات المعرفية الاجتماعية. وقد تبنت الدراسة افتراضية أن الفرد يستجيب لأحداث الحياة الضاغطة بناء على طريقة إدراكه لهذا الحدث وهو ما يعتمد على العمليات المعرفية لدى الفرد. وتمكن مهارات تجهيز المعلومات المعرفية الفرد من تشفير وترميز المعلومات وتفسيرها واعتبار المخاطر والفوائد المترتبة عليها وتحديد الاستجابة المناسبة لها. واقترحت الدراسة أن هناك طرقاً معينة من طرق تجهيز المعلومات الاجتماعية تساعد على حماية الفرد من الضغوط الشخصية، الاجتماعية، البيئية، والموقفية تجاه السلوك الإجرامي. وفسرت الدراسة انخفاض مستويات قيام الإناث بالسلوكيات الإجرامية هو اكتسابهم للمهارات المعرفية الاجتماعية مبكراً في حياتهم من الذكور، ولذا فإن سلوكياتهم الاجتماعية أفضل. ويعود النمو المبكر للمهارات المعرفية لدى الإناث إلى عدة عوامل مثل ارتفاع القدرة اللفظية، أساليب التنشئة الوالدية المختلفة، التواصل بين أجزاء وأقسام المخ المختلفة، وعدم وجود عيوب في الفصوص الأمامية للمخ.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال أهمية العامل الاقتصادي أو أثر النظام الاقتصادي في الجريمة، فقد أشار (عبد المتعال، 1980) أن التخلص من الفقر ليس بالأمر الهين، ولكنه أصبح واضحاً أن وجوده في المجتمع نوع من الشذوذ المفجع. إذ يتألف عدم الأمن الاقتصادي وسوء التغذية والكساء غير المناسب وعدم توافر الرعاية الطبية الضرورية على تكوين اتجاهات خطيرة تنحو إلى معارضة المجتمع والتمرد عليه. ومن ثم ، يوجد ارتباط وثيق بين الجريمة والفقر، فالفقر يؤدي إلى وجود الأحياء المتخلفة وما يصاحب ذلك من مآسي تؤدي بالأطفال والكبار إلى تعلم أنماط من الجناح والجريمة والعنف نتيجة للمخالطة المغايرة مع الجماعات المختلفة.

وفي هذا الصدد، أجريت العديد من الدراسات، فقد حاولت دراسة جيليس Gelles (1992) التعرف على العلاقة بين الفقر والعنف تجاه الأطفال بالاعتماد على نتائج الدراسة المسحية التي قام بها ستراوس وآخرون Straus et al. (1990)، جيليس وستراوس Gelles & Straus (1988) على عينة من (2143) فرداً. وأشارت النتائج إلى أن العنف والاعتداء يحدث في جميع مستويات الدخل المرتفعة والمنخفضة على السواء، وأضافت الدراسة إلى أن العنف يحدث بشكل أكثر في الأسر الفقيرة. كما أوضحت النتائج أن المتغيرات الاجتماعية والديموجرافية التي تزيد من احتمالية الفقر الذي يؤدي إلى الاعتداء. وأضافت النتائج أيضاً أن الأباء الفقراء صغار السن الذين يتولون تربية أبناءهم أكثر عرضة لاستخدام أنماط العنف تجاه أبناءهم.

وقام هسيه وبوف Hsieh & Pugh (1993) بدراسة تحليلية لعدد (34) دراسة حول جرائم العنف والفقر وعدم المساواة في الدخل الاقتصادي وذلك نظراً لعدم وجود اتفاق في التراث النفسي حول العلاقة بين الظروف الاقتصادية وجرائم العنف.

وتوصل الباحث من هذه المراجعة إلى وجود علاقة قوية بين العنف والدخل الاقتصادي وبين جرائم العنف. أوضحت النتائج أيضاً عن وجود تباينات في حجم العلاقة خاصة مع تداخل متغيرات الانتحار والاعتداء والتي ترتبط بشكل أكبر من متغيرات الفقر وعدم المساواة في الدخل أكثر من الاغتصاب والسرقة.

وناقشت دراسة أولريكسن Ulriksen  (1998) العنف الاجتماعي والمشكلات الاجتماعية لدى أطفال المدارس من المستويات الاقتصادية المنخفضة والشديدة الفقر في أورجواي. وقام الباحث بعمل فريق عمل مكون من مجموعة من المدرسين في المدرسة، الطلاب، الأخصائيين النفسيين، والسيكاتريين، وعلماء النفس الأكلينيكي. تكونت عينة الدراسة من (38) طالباً في الصف الأول والذين تم عمل مجموعة من المقابلات معهم.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أنه بالرغم من أن الأطفال مستويات ذكاؤهم متوسطة وطبيعية فإنهم يعانون من انخفاض شديد في الكفاءة اللغوية، وارتفاع مستويات الكبح.

وهدفت دراسة أكندا Akande (2000) إلى التعرف على آثار التعرض للعنف والفقر على الأطفال في جنوب أفريقيا في الجوانب التالية التأخر في نمو اكتساب اللغة، مشكلات القراءة التعرض للإهمال والعدوان البدني، الجنسي، والنفسي، ونقص المفردات اللغوية، وناقشت الدراسة مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد المتخصصين من الأخصائيين النفسيين وغيرهم على مواجهة آثار التعرض للعنف والفقر مثل التدريب على إزاحة الغضب، التعزيز الموجب، النمذجة، تعديل السلوك المعرفي، والتدريب على إزالة الحساسية المنظم واستخدام الخيال.

وأشارت نتائج الدراسة إلى صحة افتراض الدراسة القائم على وجود آثار للعنف والفقر على جوانب النمو اللغوي واكتساب اللغة ونقص المفردات اللغوية، ومشكلات القراءة، والتعرض للإهمال والعدوان البدني، الجنسي، والنفسي.

وتناولت دراسة سوزر لاند وآخرون Suther land, et al. (2001) المقارنة بين آثار الفقر والعنف البدني على الصحة البدنية لدى السيدات. وقد تكونت عينة الدراسة من (397) من السيدات اللاتي يتعرضن للعنف واللاتي يتعرضن للعنف ممن تراوحت أعمارهنَّ بين 18-45 عاماً، وقام الباحث بعمل مقابلات مع عينة الدراسة تدور حول مستوى الدخل، طبيعة ومدى تكرار العنف البدني، وطبيعة ومدى الأعراض الصحية مثل ارتفاع ضغط الدم، وآلام الحوض.

وأشارت نتائج الدراسة إلى أن السيدات في جميع مستويات الدخل الاقتصادي اللاتي يتعرضن للعنف البدني ترتفع لديهنَّ أعراض المشكلات لصحية. وأشارت الدراسة على أن السيدات منخفضي الدخل ترتفع معدلات العنف بينهنَّ كما تزداد طبيعة العنف حدة. وتشير هذه النتائج إلى أن خبرات العنف لدى السيدات تسهم في المشكلات الصحية لديهنَّ.

وتناولت دراسة ايورات وساشداي Ewart & Suchday (2002) أثر الفقر والعنف على الجوانب الصحية والنفسية لدى الأطفال. وأشارت الدراسة إلى وجود علاقة بين المشكلات الصحية والآثار النفسية للضغوط البيئية. وقام الباحثون بتطوير نموذج لقياس خصائص البيئة التي تجعل الحياة ضاغطة وهو مقياس ضغوط المدنية The City Stress Inventory لقياس الضغوط البيئية والتعرض للعنف. وأشارت النتائج إلى صدق وثبات المقياس الذي طوره الباحثان. كما أوضحت النتائج وجود علاقة بين الضغوط والاكتئاب، الغضب، العدوانية، تقدير الذات والتغيرات المزاجية خلال فترات النزاع والجداول مع الغير.

وفي ضوء ما سبق، أصبح لزاماً على الجهات المعنية حماية المجتمع الإنساني وتبع الاحتياطات والسبل اللازمة من أجل الحد من انتشار الجريمة والعنف والفقر في المجتمعات كافة.