قائمة الروابط

 

 

الدكتور زكريا يحيى لال

 

 

 

 

العنف

في عالم متغير

 

 

 

 


 

 

 

 

 

العنف

في عالم متغير

 

 

 

 

 

تأليف

الأستاذ الدكتور زكريا يحيى لال

كلية التربية – جامعة أم القرى بمكة المكرمة

 

 

 

 

 

رقم الإيداع

 

 

 

 

 

 

e

 

{ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ } 

[ المائدة: 28-30]

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

تقديم الكتاب

 

 

 

5 

تقديم الكتاب

        لا خلاف في إننا نعيش اليوم في عالم متغير؛ بل شديد التغير بسبب التقدم التقني وثورة الاتصالات والمعلومات، وعصر الفضائيات، والسماوات المفتوحة، وتقلص الحواجز والمسافات بين دول العالم؛ وكأنهم يعيشون في قرية صغيرة في عصر العولمة.

        وقد تمخض عن هذا؛ غزو جديد يطلق عليه الغزو الثقافي والفكري، وأصبحت الثقافة الأقوى تمثل تهديداً قوياً للثقافات الهزيلة الضحلة. والى جانب هذا، أدى التصادم بين الثقافات المتنوعة في غياب لغة الحوار الراقي المتحضر إلى بزوغ تصرفات وسلوكيات وقيم وظواهر نفسية واجتماعية واقتصادية قد تبدو غريبة وشاذة على الآخر.

        ومع تزايد التصادمات الثقافية والفكرية في حلبة المجتمعات الدولية والمحلية ظهرت أشكال جديدة للعنف – برغم من إنه ظاهرة قديمة قدم البشرية – تبعاً لتغير وتطور وسائل العدوان. والعنف سلوك إيذائي قوامه إنكار الآخر، واستبعاده عن حلبة التغالب إما بقهره، وإما بنفيه إلى خارج الحلبة، وإما بتصفيته معنوياً وجسدياً. لذا فإن معنى العنف الأساسي هو عدم الاعتراف بالآخر. كما أن العنف يشكل أخطر مظاهر العدوان التي تلازم البشرية.

        والى جانب هذا، فقد تكاثرت أعمال العنف الدامية التي وصلت في معظم الأحوال إلى حدود اللامنطق واللامعقول، وباتت تشكل ظاهرة خطيرة تلتهم أمن وطمأنينة المجتمع الإنساني، وتعطل أي استثمار عقلاني لجهود النماء الإنساني.

        ويشهد المجتمع الإنساني ثقافة جديدة لعنف مختلف لم يعتاده من قبل، لذا لابد من وقفة من قبل المفكرين والبحاث في كل المستويات العقائدية الفكرية والدينية لدراسة هذه الظاهرة، ومعرفة أسبابها، وجذورها، والتصدي لها من خلال طرح استراتيجيات لمواجهة ظاهرة العنف العالمي.

        وقد تأثر العالم العربي والإسلامي بدوره من ظاهرة العنف لأنه يمثل كياناً لا يستهان به من كيانات العالم الإنساني، وأصبحت أشكال العنف المختلفة شائعة في كل من الشارع، والمدرسة، والتلفاز، ودور العبادة، وضد الطفل والمرأة، ومن خلال الممارسات الدينية والسياسية.

        لذا كان هذا الكتاب عزيزي القارئ الذي يهدف إلى تناول مفهوم العنف، وتعريفاته، وأسبابه، ونظرياته، وأشكاله. ونود أن نوجه دعوة من خلال هذا الكتاب إلى الإصلاحيين المستنيرين من أبناء المجتمع الإنساني من أجل الوقوف سوياً للتصدي لظاهرة العنف في عالم متغير.

        ونأمل من الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الكتاب صرخة مدوية لإيقاظ الضمير الإنساني من أجل المحافظة على إنسانية الإنسان، وأن يكون إضافة طيبة في المكتبة العربية.

          { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين }

مكة المكرمة:

المؤلف

الدكتور زكريا يحيى لال

دكتوراه في الفلسفة - تكنولوجيا التعليم

جامعة بتسبرج – الولايات المتحدة الأمريكية

ص.ب 2070 مكة المكرمة 21955 المملكة العربية السعودية

E. ZAK.LAL@YAhoo.com 

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

محتويات الكتاب

 

 

 

محتويات الكتاب

الموضوع

الصفحة

تقديم الكتاب ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

5

الفصل الأول: العنف: تعريف وتمهيد ... ... ... ... ... ... ... ... .

9

الفصل الثانى: العنف ضد المرأة ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

47

الفصل الثالث: العنف السياسي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

125

الفصل الرابع: العنف والإدمان ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..

161

الفصل الخامس: العنف والجريمة ... ... ... ... ... ... ... ... ....

207

الفصل السادس: العنف والعصاب ... ... ... ... ... ... ... ... ....

225

الفصل السابع: العنف والإعلام ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

289

الفصل الثامن: العنف الديني ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..

319

الفصل التاسع: العنف الجنسي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ....

353

الفصل العاشر: العنف الطلابي: دراسة ميدانية على طلبة الجامعات
          السعودية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..

 

385

المراجع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. 

459

          أ-  المراجع العربية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

461

          ب- المراجع الأجنبية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

472

الملاحق ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. 

503

          ( أ ) مقياس العنف الطلابي ... ... ... ... ... ... ... ... ....

505

          (ب) مقياس السلوك العدواني ... ... ... ... ... ... ... ... ..

506

          (ج) مقياس الصحة النفسية ... ... ... ... ... ... ... ... ....

507

 

 

 

 

 

 

 
   

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

 الفصل الأول

العنف

        تزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة بدراسة العنف، ويعزي السبب في ذلك إلى إدراك أهمية فهم وتفسير ظاهرة العنف التي تتفشى في الحياة الاجتماعية والسياسية بشكل ملحوظ، فالعنف لا يقتصر على الجماعات الرافضة، بل أصبح سمة مميزة لنمط التفاعل في الحياة العادية للأفراد، وهذا التفاعل يكشف عن أشكال متعددة من العنف وهى تتجلى على مستويات عديدة بدءً من الأسرة، ومروراً بالتفاعلات العادية في الأسواق والشوارع ووسائل المواصلات، وانتهاءً بالتعامل مع مؤسسات الدولة.

        وظاهرة العنف ليست ظاهرة حديثة وإنما يعود تاريخها إلى المجتمع الإنساني الأول؛ من حكاية قابيل مع أخيه هابيل، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن شهدت البشرية أصنافاً لا تحصى كماً وكيفاً من مظاهر القسوة والبربرية والعنف التي سببت سلسلة من الكوارث المأساوية المتعاقبة، لأن العنف لا يولد إلا العنف.

        والى جانب هذا، لم يكن العنف فطرياً بل كان دوماً قدراً أحمقاً مكتسباً في النفس البشرية. فلم يكن الإنسان عنيفاً يوم ولدته أمه بل أن عنف الطبيعة وعسر الحياة والتربية وعنف الآباء هو الذي يغرز العنف في خلايا الدماغ حتى حملته صبغياته الوراثية فكاد أن يكن موروثاً.

         ويرى حجازي (1976) العنف بأنه لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع ومع الآخرين حين يشعر المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي وحين تترسخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم بالاعتراف بكيانه وقيمته. كما يشير إبراهيم (1991) إلى أن العنف ظاهرة مركبة لها جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية؛ وهو ظاهرة عامة تعرفها كل المجتمعات البشرية بدرجات متفاوتة. كما أنه الاستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين والممتلكات وذلك من أجل تحقيق أهداف غير قانونية أو مرفوضة اجتماعياً. كما أن العنف نمط من أنماط السلوك الذي ينبع من حالة إحباط مصحوب بعلامات التوتر ويحتوي على نية سيئة لإلحاق ضرر مادي ومعنوي بكائن حي أو بديل عن كائن حي. إلى جانب أن العنف أحد أوجه الروح السادية الكابتة في الفرد وانعكاس من انعكاسات الأنا والأنانية لديه حتى وإن كان في حالة دفاع.

مفهوم العنف:

        إن تحديد مفهوم للعنف مجال واسع عريض؛ فهذا المصطلح يمكن أن يشير إلى أي شيء بدءً من التهديد بالقوة أو استخدامها لإهدار الكرامة الإنسانية وانتهاءً بالفقر المدقع والعوز. ومن الأهمية بمكان التفرقة بين العنف السافر وأعمال التمرد والحرب وبين العنف المستتر لأعمال القهر الرمزي والهيكلي، وكذلك التفرقة بين المستويات الاجتماعية والسياسية للعنف، ومستويات العنف فيما بين الأفراد (Litlse, 1992).

        إضافة إلى هذا، فأن مصطلح العنف يحمل دلالة سلبية تستحق الإدانة وهذا المعنى الذي يتسم بالإدانة للعنف هو الذي يفسر استخدامه على نطاق يتسع يوماً بعد يوم، وإذا على العنف كل المستوى الوصفي قد يشير إلى القوة البدنية التي تستخدم للإضرار أو التدمير فإنه على المستوى المعنوي أو الأخلاقي لإيذاء شخص آخر (Plan, 1992).

        ويشتق مصطلح العنف violence في الإنجليزية من المصدر to violate بمعنى ينتهك أو يعتدي، أما في بعض المعاجم اللغوية فإنه يشتق من مادة عنف، حيث يقال عنّف به وعليه أي أخذ بشدة وقسوة فهو عنيف. ومن ثم، يتضح أن الاشتقاق اللغوي للمفهوم في الإنجليزية والعربية على السواء ينصرف إلى ضرب من السلوك الخارج على المألوف بحيث ينتهك أو يأخذ الأمور بشدة والقسوة (سميحة نصر، 1996).

        ويعرّف العنف بأنه: السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثار فيه الدوافع والطاقات العدوانية ويمكن أن يكون العنف فردياً يصدر عن فرد واحد كما يمكن أن يكون جماعياً ويصدر عن جماعة أو عن هيئة أو مؤسسة تستخدم جماعات وأعداداً كبيرة على نحو ما يحدث في التظاهرات السلمية التي تتحول إلى عنف وتدمير واعتداء أو استخدام الشرطة للعنف في فضها للتظاهرات والاضرابات (طه، 1993)، وبأنه: التسبب بإضرار الآخرين بالفعل والتشويه أو الجرح (العتيبي، 2000).

        ويتجه البعض إلى تعريف العنف بوصفه سلوكاً إجرامياً. وفي ضوء هذا، يعرّف العنف بأنه ضرب من الانحراف المرضي يؤكد قوى تحقيق التوازن حتى يتسنى المحافظة على التوازن الهيكلي والوظيفي في المجتمع (خان، 1979).

        ويرى البعض أن الانحراف هو محاولة للخروج على قاعدة قانونية لتحقيق مصالح فردية، بينما العنف لا يعتبر بالضرورة خروجاً على قاعدة قانونية وإن كان قد يرفضها أحياناً وقد يهدف إلى تحقيق مصالح جماعية (ليلة، 1993).

        وينظر بعض الباحثين إلى العنف بأنه صورة من صور العدوان يتوفر فيها شرط الظهور (حفني، 1993). وسعى البعض إلى تقديم تفرقة واضحة بين العنف والعدوان على أساس أن العنف هو الجانب المادي المباشر المتعمد من العدوان؛ وبذلك يصبح العدوان مفهوماً أكثر عمومية من العنف (شوقي، 1993).

        ويركز بعض الباحثين على جوانب الصراع الاجتماعي في تعريف مصطلح العنف؛ فينظر للعنف بوصفه سلوكاً جماعياً تمارسه إحدى الجماعات التي تدافع عن قيم خفية تتعارض مع قيم المجتمع، أو تتعارض مع القيم التي يرعاها ممثلو السلطة (محمود، 1976).

محددات العنف:

        للعنف محددات متنوعة؛ يمكن تلخيصها كما يلي:

أ -  المحددات الاجتماعية:

        تشمل المحددات الاجتماعية للعنف ما يلي:

1- الإحباط: ويعتبر هو أهم عامل منفرد في استثارة العنف لدى الإنسان وليس معنى هذا أن كل إحباط يؤدي إلى العنف، أو أن كل عنف هو نتيجة إحباط (Dollard, et al., 1939) ولكي يؤدي الإحباط إلى العنف فلابد أن يتوفر عاملان أساسيان:

أولهما: أن الإحباط يجب أن يكون شديداً.

وثانيهما: أن الشخص يستقبل هذا الإحباط على إنه ظلم واقع عليه ولا يستحقه، أو أنه غير شرعي.

2- الاستثارة المباشرة من الآخرين: وربما تكون هذه الاستثارة بسيطة في البداية كلفظ جارح أو مهين ولكن يمكن أن تتضاعف الاستثارات المتبادلة لتصل بالشخص إلى أقصى درجات العنف.

3- التعرض لنماذج عنف: وهذا يحدث حين يشاهد الشخص نماذج للعنف في التليفزيون أو السينما، فإن ذلك يجعله أكثر ميلاً للعنف من خلال آليات ثلاثة هى:

*   التعلم بالملاحظة Observational Learning: حيث يتعلم الشخص من مشاهد العنف التي يراها طرقاً جديدة لإيذاء الآخرين لم يكن يعرفها من قبل.

*   الانفلات Disinhibition: بمعنى أن الضوابط والموانع التي تعتبر حاجزاً بين الإنسان والعنف تضعف تدريجياً كلما تعرض لمشاهد عنف يمارسها الآخرون أمامه على الشاشة.

*   تقليل الحساسية Desensitization: حيث تقل حساسية الشخص للآثار المؤلمة للعنف وللمعاناة التي يعانيها ضحية هذا العنف كلما تكررت عليه مشاهد العنف، فيصبح بذلك أكثر إقداماً على العنف دون الإحساس بالألم أو تأنيب الضمير.

(Kaplan & Sadock, 1985)

ب-  المحددات البيئية:

        وتتضمن المحددات البيئية كل من تلوث الهواء والضجيج والازدحام .. الخ.

جـ-   المحددات الموقفية:

        وتتكون المحددات الموقفية مما يلي:

1- الاستشارة الفسيولوجية العالية: هناك لذلك المنافسة الشديدة في المسابقات، أو التدريبات الرياضية العنيفة، أو التعرض لأفلام تحوي مشاهد مثيرة.

2- الاستثارة الجنسية: فقد وجد أن التعرض للاستثارة الجنسية العالية (كأن يرى الشخص فيلماً مليئا بالمشاهد الجنسية) يهيئ الشخص لإستجابات العنف.

3- الألم: فحين يتعرض الإنسان للألم الجسدي يكون أكثر ميلاً للعنف نحو أي شخص أمامه.

د-  المحددات العضوية:

        وتتكون المحددات العضوية مما يلي:

1- الهرمونات والعقاقير: تعزو بعض الدراسات العنف إلى ارتفاع نسبة هرمون الأندورجين (الهرمون الذكري) في الدم، وإن كانت هذه الدراسات غير مؤكدة حتى الآن. ويؤدي استعمال العقاقير كالكحول والباريتيورات والأفيونات إلى زيادة الاندفاع نحو العنف.

2- الناقلات العصبية: بشكل عام ترتبط زيادة الدوبامين ونقص السيروتونين بالعنف، في حين أن زيادة السيروتونين تؤدي إلى التقليل من السلوك العنيف.

3- الصبغيات الوراثية: أكدت دراسات التوائم زيادة نسبة السلوكيات العنيفة في توأم أحادي البويضة إذا كان التوأم الآخر متسماً بالعنف. وأكدت دراسات وراثية أخرى زيادة العنف في الأشخاص ذوي الذكاء المنخفض، وفي أولئك الذين لديهم تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية وهناك احتمال لم يتأكد بشكل قاطع أن الأشخاص ذوي التركيب الكروموسومي XYY يميلون لأن يكونوا أكثر ميلاً للعنف.

سيكولوجية العنف:

        يرى القبانجي (2000) أن العنف صورة من صور القصور الذهني حيال موقف، والعنف وجه آخر من أوجه النقص التقني في الأسلوب والإبداع في حل ومواجهة معضلة وقد يصل العنف لمراحل الانهيار العقلي والجنون كما قد يكون وسيلة من وسائل العقوبة والتأديب أو صورة من صور تأنيب الضمير على جرم أو خطيئة مرتكبة ولن يتعدى في كل أحواله القصور الذهني والفكري لدى الإنسان وهو في حالة من حالاته اضطراب في افرازات الغدد الهرمونية في جسم الفرد وعدم تناسب أو انتظام في التوزيع الهرموني داخل الجسم الذي قد ينتج أحياناً عن سوء في التغذية أو سوء اختيار نوعيتها.

        وأياً ما تكون العلة الفسيولوجية أو البيئية فالعنف مرفوض حضارياً وأخلاقياً وسلوكياً واجتماعياً ولكن ما اقتنع مجتمع أو فرد بالعنف إلا وكانت له جذور. والعنف دليل من دلائل النفس غير المطمئنة وصورة للخوف من الطرف الآخر مهما تعددت أشكال ذلك الخوف، وانعكاس للقلق وعدم الصبر والتوازن، ووجه من وجوه ضيق الصدر وقلة الحيلة وقد يؤدي العنف بصاحبه إلى تصرفات غير مقبولة فتراه يضرب نفسه أو ينطح رأسه بالجدار أو يقطع شعر رأسه ألماً وانتقاماً من فكرة أو وسوسة في الدماغ قد لا يكون لها أساس من الصحة والمنطق. وهو أي العنف في مثل هذه المراحل يكون مؤشراً لضعف الشخصية ونقصان في رباطة الجأش وتوازن السلوك.

        والعنف في وجه من وجوهه حلوى مسمومة للصغار والأطفال ومدرسة سلبية للشباب في سنين المراهقة وخداع لعقولهم في خط الحياة والمستقبل وتضليل لمسار الفكر الإنساني في عقولهم وتطبيع نفوسهم على القسوة الكامنة في العنف والتي قد تتحول في النفس إلى عنف من نوع آخر لا تحده حدود غير الحقد والكراهية مثل حالات القتل الجماعي والتمثيل الجسماني .. الخ.

        وقد تتحول القسوة والفظاظة في العنف من صفة الاكتساب إلى صفة الوراثة فالاغتصاب والقسوة الجنسية مثلاً لن يخلفا إلا كمداً ولن يزرعا إلا اضطراباً وحسرة في النفس المتلقية والجنين المولود وبذلك تخلق معادلة الكآبة وتستمر لا تنتهي بانتهاء الحياة بل تتوالد من جديد في أصلاب قادمة. وهكذا خلف الأجداد العنف في أرحام نسائهم وأورثناه نحن في أولادنا وهلم جرا وإن كان كامناً في صبغة من أصباغ ملايين الحيامن المنوية وهكذا تجد العنف متلبساً في بعضنا تلبس الشيطان ومتقمصاً فينا تقمص الذئب لا يتوقف ولا ينتهي بل يخلق عنفاً آخر.

        إن لتربية الأسرة وسلوكية الأبوين أثراً بالغاً في تحديد الشخصية العنيفة العدوانية إذ يتوخى الأطفال الذكور تقليد الأب والانجرار خلف سلوكياته والتطبع بها دون مراعاة للقيم التي قد لا يعرفونها بعكس الإناث اللواتي يتوخين تقليد سلوكيات أمهاتهن دون مرعاة للقيم التي قد لا يعرفنها أيضاً. وبديهي أن هذا الانجرار يصاحبه مباركة من الأبوين أو لنقل التغاضي عنهما أما المهاترات والضرب العائلي فينتقل بصورة لا إرادية وبالمحاكاة إلى الأطفال ليصبح سلوكية الأبناء بالروح العدوانية والتهجمية المصاحبة للعنف وعليه ينصح علماء الاجتماع بعدم استعراض أي من تلك الحالات أمام الأطفال ولتكن بمعزل عنهم.

        وعلى الرغم من اختلاف تأثير الحرمان الأمومي وحتى الأبوي من طفل لآخر ومن مجتمع لآخر علاوة على التمييز والتفريق بين الأطفال ببعضهم البعض وعلى الرغم من أن الكثير من الأطفال المحرومين ينشأون بصورة سلوكية سوية بعدئذ إلا أن الحرمان الأمومي والأبوي بكافة جوانبه المادية والمعنوية يعتبر من أهم حوافز ومولدات العنف والسلوك غير الهادي وذلك نظراً لما يتركه هذا الحرمان من آثار عميقة في المجالات الذهنية والاجتماعية والعضوية أحياناً وحتى على كيماويات الافرازات الهرمونية في جسم الفرد.

        وتتجلى آثار الحرمان الأمومي والأبوي كظاهرة منتشرة في دراسة بيرز واوبرز (1950) على عينة من 38 مراهقاً سبق وأن دخلوا مؤسسات الرعاية الاجتماعية بين الأسبوع الثالث والسنة الثالثة من عمرهم حيث لوحظت تلك النتائج بصورة جلية في أعمارهم بين السنة السادسة عشرة والثامنة عشرة حيث تعرض 21 شخصاً منهم إلى اضطرابات وطبيعة عدوانية وشراسة حادة بينما عانى أربعة فتيان من العينة ذاتها من التخلف العقلي وعاقد اثنان منهم العصاب ولم ينج إلا سبعة مراهقين حيث كان سلوكهم مقبولاً. وتتجلى انعكاسات الحرمان الأمومي بصورة واضحة على التوأم وكذلك الأطفال المولودين بصورة متعاقبة وبفاصل زمني متقارب.

        وليس هذا فقط بل إن الصدمات النفسية المبكرة والإعداد غير السليم لوضع المراهقين والنشاط الجسمي وعدم القدرة على تحقيق الرغبات كل ذلك يزيد الانفعالية الناتجة عن عدم الانتظام في الافرازات الهرمونية في خلايا الجسم والذي يؤدي بدوره إلى السلوكية العدوانية والعنف.

        كما أن القهر الاجتماعي هو الآخر من أحد أهم مكونات العنف ليس للفرد فحسب بل في المجتمع أيضاً إذ أن مسألة الازدراء والسخرية والاستهزاء بالشخصية خصوصاً بين الأطفال والشباب أو حتى في الأسرة الواحدة كفيلة بأن تزيد الافرازات الهرمونية العصبية والعدوانية في الجسم  لتثير في الفرد روح العنف والحقد والكراهية واستخدام القوة للرد ورفع القهر الناتج عن الاستهزاء إذ تشير العديد من التقارير المدرسية بأن أكثر المشاكل العنيفة بين الطلاب كانت بسبب السخرية والاستهزاء وتسلط الكبار على الصغار كما تذكر تقارير من اليابان بأن هذا القهر الناتج عن الاستهزاء أدى إلى انتحار تسعة طلاب دون الرابعة عشرة من العمر في العام 1985م كان أحدهم فتى هادئاً وديعاً.

        إن القهر الاجتماعي لا يتوقف عند السخرية والاستهزاء بل يتعدى ذلك ليأخذ أشكالاً أخرى متعددة فمن عدم المساواة الشخصية والنبذ الاجتماعي واغتصاب الحقوق واختلاف اللغة أو القهر اللغوي وعدم العدالة في بعض المواقف الإدارية والتربوية والقانونية كلها عناصر مولدة للعنف والعدوان الفردي والاجتماعي فكثيراً ما نلاحظ أن القهر الإداري يدفع الموظف لركل الطاولة أو إغلاق الباب بعنف وقوة أو الانفجار بالسباب أحياناً كثيرة.

        ولا ننسى أن نشير هنا إلى أن العنف هو صورة الأنا والأنانية في الفرد وأن العلاقة بينهما مضطردة فكلما زادت الأنا كان العنف هناك فالتهمة الشخصية كالتكفير والزندقة والتهجم وإهانة الشخصية كلها عوامل تذكي الأنا العدوانية عند الفرد وتزيد من حساسيتها.

        وعلى الرغم من كثرة البحوث التي تشير إلى سلبية تأثير وسائل الإعلام كافة واعتبارها أحد أهم وسائل انتشار العنف المكتسب لدى الأطفال والمراهقين شأنها بذلك شأن الأفلام الجنسية المثيرة للمراهقين إلا أن تلك الوسائل الإعلامية ومن يقف ورائها من الناشرين والمخططين ما زالت تتخذ من مادة العنف والجريمة، والقتل وحوادث الاعتداء والتفجيرات والاغتيالات وقتل الأطفال .. الخ مادة دسمة لإخبارها وإعلامها حتى بلغت نسبة هذه الأحداث 75% من المادة الإخبارية في الوقت الذي تبلغ فيه المادة العلمية 25% في مجمل المادة الإخبارية وحبذا لو تتغير النسبة ويتغير أسلوب العرض الإخباري حرصاً على الأجيال القادمة ولنسجل بذلك سبقاً صحفياً وإعلامياً ونفسياً على الغرب.

        إن الشيء الملفت للنظر والجدير بالإشارة هو أن التنشئة الاجتماعية وحتى الأسرية للفرد مبنية على تركيز رفع درجات الحقد والكراهية والانتقام ضد الأسرة المعارضة أو المجتمع المعارض في الطرف الآخر متناسيين العوارض الجانبية لهذا التركيز حيث أن الحقد والكراهية والانتقام قد تتأصل في النفس أو المجتمع وتعود على بعضه بالوبال وبذلك ينطبق المثل القائل على نفسها جنت براقش ومتناسيين بذلك أيضاً أن الكذب وعدم العدالة من أسرع الصفات السلبية التي تتأصل في النفس البشرية ومن أهم مقومات العنف.

        ويعتبر الاستفزاز في الكثير من الدراسات العالمية من أهم محفزات ومكونات العنف سواء كان ذلك للأطفال والشيوخ والحوامل حتى الحيوانات إذ أن تأثيره غير العادي على تغيير افرازات الغدد الجسمية للطرف الآخر كفيل بخلق الاضطراب النفسي والفكري المصاحب للعنف والعدوانية حيث تجد الكثير من أولئك الذين يدفعهم الاستفزاز للاعتداء وتحطيم الأثاث والسيارات وكل شيء أمامهم أو ركل الكرسي وتحطيم النوافذ وإغلاق الباب بقوة وغضب كرد فعل عنيف للإحباط وعدم الرضا والقهر أحياناً أخرى.

        وهاتان الخصلتان الاستفزاز والتنشئة الاجتماعية المنزلية كانتا السبب لدى الكثير في رفع الروح العدوانية والعنف المدرسي فالتنشئة الاجتماعية المنزلية المبنية على الردع والذم والسباب .. الخ تخلق الروح العدوانية المكبوتة لدى الطفل بينما يساعد الاستفزاز على تأجيح تلك الروح العدوانية لدى الطفل وهو ما يؤدي إلى تلك الصراعات المدرسية قبل بداية الدوام وعند انتهاء الدوام وخروجهم إلى المنازل.

        إذ تشير الدراسات التربوية المدرسية إلى أن نسبة 85% من تلك الصراعات الطلابية العدوانية ترجع إلى كل من الاستفزاز والسخرية والتربية أو التنشئة المنزلية إذ أن 75% من هؤلاء هم من ذوي العائلات ذات المشاكل الأسرية غير السليمة.

العنف من منظور الدين(*):

        يقصد بالعنف لغة: الزيادة عن الحد، وشرعاً هو: مجاوزة الحد المطلوب شرعاً من البعد إلى ما هو أبعد منه. ومن مترادفات العنف: الغلو والتشدد والتنطع والتطرف. وحين نبحث في لغة القرآن الكريم نجد أنه لم يستخدم كلمة العنف مطلقاً في آياته؛ وإن استخدم بعض المترادفات التي تؤذي إلى معناه.

مظاهر العنف:

        وللعنف مظاهر متعددة .. ولكنا نود أن نركز هنا على مظاهر العنف في الدين والتي يمكن أن نلخصها فيما يلي:

(1)  التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر في الأمور الاجتهادية والأمور المحتملة وكثيراً ما يجعل الأمور الاجتهادية أموراً مقطوعة ويقينية .. وهذا هو التعصب المقيت الذي يثبت فيه المرء نفسه وينفي كل ما عداه، كأنما يقول لك: من حقي أن أتكلم، ومن واجبك أن تتبع .. رأيى صواب لا يحتمل الخطأ ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب، وبهذا لا يمكن أن يلتقي المتشدد العنيف بغيره أبداً، ويزداد الأمر خطورة حين يزداد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة، وهنا قد لا تكون العصا الغليظة من حديد أو خشب، فهناك الاتهام بالابتداع أو بالاستهتار بالدين أو بالكفر والمروق، وهذا يعد إرهاباً فكرياً وهو أشد تخويفاً وتهديداً من الإرهاب الحسي.

(2)  من مظاهر العنف والغلو والتشدد في الدين: إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم به الله U، أي التزام التشدد مع قيام واجبات التيسير وإلزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به، وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185]. وقال r "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفرو" [رواه البخاري ومسلم عن أنس t]. وقال r "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" [رواه أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما].

        (3)  التشدد في غيره موضعه: أي غير زمانه ومكانه، ولقد قال r لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فان هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" [رواه البخاري ومسلم عن معاذ t]. وهذا هو التدرج الذي يعد مبدأ مهماً من مبادئ الدعوة الإسلامية.

        (4)  الغلظة والخشونة: ونعني بالغلظة هنا: الغلظة في التعامل، وبالخشونة الخشونة في الأسلوب .. والفظاظة في الدعوة .. خلافاً لأوامر الله وأوامر رسوله r. فقد قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. وقال r "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" [رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها] .. ومجال لا يعرف عنفاً ولا غلظة ولا خشونة وإنما يعرف الحلم والعلم والرحمة.

        ومن المؤسف أننا نجد بعض الشباب الذين يدعون العمل للإسلام الذين يتعاملون بالغلظة مع الناس .. لا يفرقون في ذلك بين كبير وصغير ولا بين من له حرمة خاصة كالأب والأم، ومن ليس كذلك .. ولا بين من له حق التوقير والتكريم والاحترام كالعالم والفقيه والمعلم والمربي ومن ليس كذلك .. ولا يفرقون بين من هو مقدور ومن ليس كذلك، ومن هو جاهل ومن يعادي الإسلام عن عمد وعلم وبصيرة.

        (5)  سوء الظن بالناس .. فالأصل عند المتشدد العنيف هو الاتهام، مع أن الجميع يعلم أن الأصل في الاتهام: "البراءة وهذا ما قررته الشرائع والقوانين" "فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته" .. لكنا نجد المتشددين يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب فلا يلتمسون المعاذير للآخرين .. بل يفتشون عن العيوب ويجعلون من الخطأ خطيئة ومن الخطيئة كفراً .. وإذا كان هناك قول يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية .. رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير .. خلافاً لما أثر عن علماء الأمة من أن الأصل حمل حال المسلم على الصلاح والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته قدر الإمكان، ومن خالف هؤلاء من رأي أو سلوك تبعاً لوجهة نظرهم أتهم بالمعصية أو الابتداع .. ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة .. بل يتعدى إلى الخاصة وخاصة الخاصة فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله ورفع الحرج عنهم فهو في نظرهم متهاون بالدين، ولم يقف الاتهام عند الأحياء .. بل أنتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم كأئمة المذاهب الفقهية .. فهم على ما لهم من فضل وعلو مكان ومكانة لدى الأمة في جميع عصورها .. لم يسلموا من ألسنة المتشددين في الدين ومن سوء ظنهم، وربنا I يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، ويقول رسول الله r "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" [رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]، كما روى الإمام أحمد عن ضمضم بن جو اليماني قال: قال لي أبو هريرة t: يا يماني لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبداً قلت: يا أبا هريرة إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: فلا تقلها فإني سمعت النبي r يقول: "كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهداً في العبادة وكان الآخر مسرفاً على نفسه فكانا متنافين، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول: يا هذا اقصر فيقول: خلني وربي أبعثت علي رقيباً؟ قال: إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه فقال: ويحك اقصر قال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحهما واجتمعا عنده فقال للمذنب: اذهب فأدخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أكنت بي عالماً؟ أكنت على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به إلى النار .. قال: فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخرته" [رواه أحمد في المسند وقال لأرناؤوط إسناده حسن]، فهذا قد رأى صاحبه على منكر فاعتقد أن الله لا يغفر له أبداً ولا يدخله الجنة أبداً وهذا اعتقاد باطل وفاسد لأن رحمة الله قد وسعت كل شيء ولا يملك أحد الحجر على رحمة الله.

        (6)  النظرة المثالية للمجتمع الذي ينبغي أن يكون: فالمتشدد العنيف يعتقد أن المجتمع المسلم ينبغي أن يكون مجتمعاً ملائكياً يسوده الحب والمودة والطاعة الدائمة دونما تقصير وهذا يعد غلواً في الفهم وفي التصور وبعداً عن الواقع .. ذلك لأن الإنسان ما سمي إنساناً إلا لكثرة نسيانه .. "وكل بني أدم خطاء وخير الخطاءين التوابون" كما قال r "ولو لم يذنب البشر لخلق الله بشراً يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم". وقد كانت المعاصي والذنوب في جميع الأمم وفي إتباع الرسل فهي فيمن دونهم من باب أولى.

        وها نحن أولاء نورد بعض الأمثلة لبعض الذنوب والمعاصي في عهد الصحابة "رضي الله عنهم" لنوضح أن المعصية لا تزول من البشرية أبداً وأن خير القرون قد حدثت فيه المعاصي وليس ذلك منا إغراء بفعل المعصية ولا دعوة إليها وإنما هو بيان لطبيعة الإنسان وأنه خلق قابلاً لأن يفعل الخطأ وقابلاً لأن يفعل الصواب.

        نجتزئ هنا بما رواه ابن جرير عن الحسن t قال: إن ناساً سألوا عبد الله بن عمرو بن العاص "رضي الله عنهما" بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله تعالى أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه ولقى عمر بن الخطاب t فقال له: متى قدمت؟ فقال: من كذا وكذا، قال: أبإذن قدمت؟ قال: لا، فلا ادري كيف رد عليه فقال: يا أمير المؤمنين: إن ناساً التقوا بي بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر الله أن يعمل بها فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك، قال: فاجمعهم لي، قال: فجمعهم له فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا، قال: ولو قال نعم لخصمته، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ فهل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على أخرهم فقال: ثكلت عمر أمه .. أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات قال: وتلا قول الله U {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31] .. ثم قال: هل علم أهل المدينة أو قال: هل علم أحد بما قدمتم من أجله؟ قالوا: لا: قال: لو علموا لوعظت بكم .. قال ابن كثير إسناده صحيح ومتنه حسن.

أسباب العنف وبواعثه:

        للعنف أسباب كثيرة .. وبواعث عديدة .. نذكر أهمها فيما يلي:

        [1]  ضعف البصيرة بحقيقة الدين الإسلامي .. ولذلك يعتقد بعض الشباب أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين وهو لم يبلغ تلك الدرجة، وعلى أمثال هؤلاء نبه الحديث الصحيح الذي قال فيه رسول الله r "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص].

        ولقد اتفق العقلاء من البشر على أن نصف العلم مع العجب والغرور والعنف والاعتقاد أنه عالم يضر أكثر من الجهل الكلي مع الاعتراف بأن هذا جهل بسيط وذلك جهل مركب وهو جهل من لا يدري أنه لا يدري ولذلك مظاهر أهمها:

أ -   الاتجاه الظاهري في فهم النصوص.

ب-   الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى.

ج-   الإسراف في التحريم بغير دليل.

د -   إتباع المتشابهات وترك المحكمات.

هـ- عدم التعلم على أيدي العلماء.

        [2]  ضعف البصيرة بالواقع وبالحياة وبالتاريخ وبسنن الكون: فبعض هؤلاء الشباب المتشددون الذين يتعاملون بالغلظة والشدة والعنف والخشونة مع غيرهم من أبناء مجتمعهم لم يقرأ التاريخ ببصيرة ونفاذ ووعي، وربنا I يقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .. والتاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم وهو ذاكرة الأمة الحافظة الواعية، وهو كذلك المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى في الكون عامة وفي الاجتماع البشري خاصة، قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، وأن هذه السنن تتميز بالثبات فلا تتبدل ولا تتحول؛ قال تعالى: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

        ودراسة التاريخ لا تعني تاريخ المسلمين فحسب .. بل تعني دراسة تاريخ البشرية حيثما عرف، تاريخ الأمم في أي أرض كانت وفي أي عصر وعلى أية ملة مسلمة أو غير مسلمة، وقديماً قالها عمر: "إنما تنقضي عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".

        [3]  الفقر الذي يخيم على بعض البيوت .. ولا شك أن هذا يعد سبباً مهماً من أسباب لجوء بعض الشباب إلى العنف والى التعامل مع الآخرين بقسوة وغلظة شديدين ولو فهم الشباب المتشدد أن الفقر في الإسلام ليس فقر المال وإنما هو فقر النفس لما لجأوا إلى العنف وللجأوا إلى العمل والكسب الشريف ولكانوا قانعين بما أعطاهم مولاهم، فهو الذي يوسع على من يشاء، ويقدر على من يشاء، وكل ذلك لحكمة أرادها.

        [4]  الفراغ الذي يتحكم في بعض الشباب، وقديماً قيل:

                        إن الشباب والفراغ والجدة

                                        مفسدة للمرء أي مفسدة

        فالفراغ القاتل يؤدي إلى نتائج سيئة والى عواقب وخيمة .. ولو ربى هؤلاء الشباب على أنه ليس في حياة المؤمن فراغ، فهو إما في عمل وإما في راحة يتزود منها لغده ليستأنف العمل ليقوت نفسه هو ومن يعول، وإما في عبادة وذكر وطاعة. ولو أدرك الشباب أن الوقت هو الحياة لشغلوا أنفسهم بما يفيدهم في دنياهم وأخرتهم بدل أن ينخرطوا في سلك التشدد والعنف والإجرام.

        [5]  سوء معاملة الأبوين للأبناء: وهذا في الحقيقة سبب من أخطر الأسباب التي تفرز شباباً يتخبطون في ظلمات الشك والجهالة، ويرتمون في أحضان من لا يريدون خيراً للمجتمع، ولا للوطن الذي يعيشون فيه وإذا كان الرسول r قد قال: "إن الله سائل كل راع عما استرعى حفظ أم ضيع"، وقال: "كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته" فإنه يصبح واجباً حتماً على كل أب وأم أن يقوما بدورهما الأصل في تربية أبنائهما على منهج الإسلام الصحيح الذي لا يعرف للعنف طريقاً .. ولا للتشدد سبيلاً .. وإنما هو دين تدب السماحة في أوصاله .. وتجري الرحمة في نواحيه .

        [6]  الرفقة السيئة: ونتيجة لعدم التربية السامية قان بعض الشباب يلجأون إلى رفاق السوء الذين يدلونهم على كل شر .. ويجرونهم إلى كل فساد .. ويحرضونهم على فعل كل خطيئة .. ولو ربينا شبابنا على قول الرسول r "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" وعلى هذه الحكمة العظيمة، أن صديقك من صدقك لا من صدقك، وعلى قيم الإسلام النبيلة وأخلاقه العظيمة ما صاحبوا الأشرار وما صادقوا المجرمين الذين يزينون لهم الباطل حقاً والحق باطلاً.

        تلكم هى أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار ظاهرة العنف لدى بعض الشباب. وأن لنا أن نتساءل: ما موقف الإسلام من قضية العنف؟.

موقف الإسلام من العنف:

        لكي نبين موقف الإسلام من العنف، لابد أن نقف وقفة متأنية عند مشروعية الجهاد في الإسلام لأن الشباب المتشدد إنما يخلط خلطاً بين: العنف والجهاد، مع أن بينهما بونا شاسعاً، وتناقضاً ظاهراً.

الجهاد في الإسلام:

        يقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].         والآية تأمر بالإعداد "وأعدوا" وأما "ترهبون" فهو فعل مضارع يحدد هدف هذا الإعداد وهو: إخافة العدو حتى تتراجع لديه فكرة الحرب .. فيلقى السلاح .. فلا يكون قتال بالمرة .. والتعبير بالفعل المضارع "ترهبون" يعني دوام الاستعداد .. لتظل في الموقف الأقوى دائماً: قوة يعمل لها الأعداء ألف حساب .. وكلما جددوا سلاحاً .. سابقناهم إلى اختراع أقوى منه. وبذلك تصان دماء الإنسان حيثما كان .. بما فيها دماء أعدائنا .. وتلك هى إنسانية الإسلام .. دين السلام .. السلام الذي إذا دعينا إليه أجبنا، وذلك قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61].

        ولكنه السلام من مركز القوة .. السلام المحروس بالإعداد والاستعداد .. والذي يكف الله به بأس الذين كفروا أما إذا انطلق السلام من معنى الضعف فإنه يعني الاستسلام الذي يرفضه الإسلام في قوله سبحانه: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35].

        ويجب أن يعلم الجميع أن حرب الإسلام دفاعية .. لا هجومية انتقامية، يقول ابن تيمية: "كانت سيرته r أن كل من هادنه من الكفار لا يقاتله، والمتواتر في سيرته أنه لم يبدأ أحداً من الكفار بقتال.

        والمقصود من الجهاد في الإسلام هو: إحقاق الحق وإبطال الباطل.

        ولقد وضع الإسلام ضوابط للقتال منها ما رواه عبد الرحمن بن عائذ قال: كان رسول الله r إذا بعث بعثاً قال: "تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل بيت من مدر ولا وبر أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم".

        ومن وصية أبي بكر t ليزيد بن أبي سفيان: "إنك ستلقي أقواماً زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا له أنفسهم". ومن وصية عمر t للجيش: "أمضوا باسم الله .. على عون الله .. وبتأييد الله .. وما النصر إلا من عند الله .. والزموا الحق والصبر .. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولا تجبنوا عند اللقاء .. ولا تمثلوا عند القدرة .. ولا تسرفوا عند الغلبة .. ولا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا وليداً.

المصلحة والمفسدة:

        إن تحصيل المصالح كما يقول العلامة الشاطبي أصل من أصول الشريعة لأن الشريعة الإسلامية إنما نزلت لتحصيل مصالح العباد الدينية والدنيوية ورفع المفاسد عنهم، وقد ثبت هذا المعنى يقينا من مقاصد الشرع في تنزيله وتضافرت عليه الأدلة العقلية والنقلية منها قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، فمنعت الآية من سب آلهة المشركين وتحقيرها وهى مصلحة بلا شك في الدعوة إلى منع الناس من عبادتها حتى لا يسب المشركون المولى U فكانت مفسدة سب الباري U أعظم من كل مصلحة فيها ذم لآلهة المشركين ومثالبها أو الدعوة المترتبة على ذلك وكان التحريم بسبب ذلك.

        ومن هذا القبيل وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله r قال: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه".

        والمصلحة في المحافظة على مقصود الشارع كما عرفها حجة الإسلام الغزالي ثم حدد أن مقصود الشارع من الخلق المحافظة على خمس ضرورات هى "الدين والنفس والعقل والنسل والمال".

        ثم ذكر أن كل ما يكون دون هذه الأصول الخمسة أو أحدها فهو مفسدة وأن دفع هذه المفسدة مصلحة، فإذا تعارض مصالح ومفاسد فإنه يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة وذلك في ضوء القواعد الآتية:

1-   ضرورة اعتبار المصالح في أي عمل يأتيه المسلم أو الجماعة المسلمة.

2-   أن المصلحة المرسلة المعتبرة شرعاً هى المصلحة العقلية أو الظنية أو الضرورة الكلية.

3-   أن المصالح ترتب حسب أهميتها عند الاعتبار: الضرورية ثم الحاجية ثم التحسينية.

4-   أن الشرع يختار أعلى المصلحتين ويدفع شر المفسدتين.

5-   أن المصلحة من الأمر والنهي لو ترتب على تنفيذه مفسدة أعظم أو فوات مصلحة أعظم حرم فعله.

6-   أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

حرمة قتل المستأمنيـن:

        والأمان هو عهد بالسلامة من الأذى بأن تؤمن غيرك وأن يؤمنك غيرك وهو تعهد بعدم إلحاق الضرر من جهتك إليه ولا من جهته إليك وفي الاصطلاح الشرعي: "هو عقد بين المسلم والمشرك على الحصانة من لحاق الضرر من كل منهم للآخر ولا ممن وراءه" ودليله قول الله سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

        ومتى انعقد الأمان صار للحربي المستأمن حصانة من إلحاق الضرر به سواء من المسلم المؤمن أو من غيره من المسلم أو حتى الذميين وفي الحديث: "فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله" [رواه البخاري].

موقف الإسلام من السياح:

        والسياح الذين يدخلون البلاد الإسلامية سواء بتأشيرة من الدولة للدخول أو بدعوة من الشركات السياحية أو من الأفراد أو من الهيئات الأخرى فإن كل ذلك يعد أماناً لهم فلا يحل التعرض لهم بالقتل أو التعرض لأموالهم أو لأغراضهم ومن يفعل ذلك فهو مفتت على الإسلام غير فاهم له.

        وإذا تأملنا ما سبق من حديث عن الجهاد وموانعه والمصلحة والمفسدة وضوابط ذلك لأدركنا أن إحدى المسائل وأولى القضايا بالتدقيق فيها ولزوم الورع في تناولها والتأني في الخوض فيها هى مسائل الجهاد التي تتعرض للدماء والأموال، وعلى شبابنا أن يكلوا هذه المسائل لأهل العلم والاجتهاد وأن يلتزموا العلماء الصادقين الثقات وأن يزاحموهم بالركب في مجالسهم وأن يكونوا معهم في محاربتهم ومع أهل الدعوة في هداية الخلائق ودعوة الناس إلى الخير، ولتكن عند قوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] ومما سبق نفهم أن الإسلام قد حرم العنف.

        ولقد حرم الإسلام العنف، وذلك للأسباب التالية:

1-   العنف منفر لا تحتمله طبيعة البشر العادية ولا تصبر عليه.

2-   العنف قصير العمر والاستمرار عليه يؤدي إلى شر مستطير، ولقد قال r "أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" [رواه البخاري ومسلم]، وقال r "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" [رواه البخاري عن أبي هريرة].

3-   العنف والشدة لا يخلوان من جور على حقوق أخرى يجب أن تراعى وواجبات يجب أن تؤدى وما أصدق ما قاله الحكماء: "ما رأيت إسرافاً وإلا بجانبه حق مضيع".

معالجة الإسلام لظاهرة العنف:

        أولاً: إن العناصر المكونة للمجتمع الإسلامي هى:

أ -   الحب .. حب العقيدة التي تموت لتحيا .. وحب الخير للغير.

ب-   الرحمة .. التي يقول ربنا سبحانه {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فمن تعرض لها ناله كفل منها.

ج-   العدل المطلق في القول "وإذا قلتم فاعدلوا" وفي الوجدان "اجتنبوا كثيراً من الظن" والعدل في العمل "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا".

        ومن هنا نفهم أن الإسلام يحرص على إشاعة تلك القيم وبثها بين أفراده فالذي يحب لا يكره والذي يرحم لا يقسو ولا يعنف والذي يعدل لا يظلم ولا يجور على حقوق الآخرين.

        ثانياً: كفل الدين الإسلامي الأمن والأمان لجميع أفراده، بل لمن يدخل معنا في عقد أو صلح أو مهادنة وفي القرآن الكريم يقول سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، وضد الأمن: الخوف ولأن الخوف يلتهم فضائل الحب فقد فصلت السنة المطهرة حق المسلم في أن يعيش آمناً مطمئناً بقدر ما حذرت من تخويفه أو ترويعه أو تفزيعه أو استعمال العنف معه ولو كان ذلك بالنظرة المخيفة حتى نهت السنة المطهرة عن مجرد الإشارة من المسلم إلى المسلم بما يخيف أي بما يترتب عليه خدشه لا جرحه، إن من حق المسلم على المسلم أن ينصره وأن يقاتل دونه لا أن يرهبه بالسلاح ويحمله عليه إرادة قتاله أو قتله ومن يفعل ذلك فليس منا فهو معزول عن المجتمع، وقد تواترت التوجيهات محذرة من ترويع المسلم، منها ما يروى عن عامر بن ربيعة t أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك للرسول r فقال: "لا تروعوا المسلم فان روعة المسلم ظلم عظيم" [رواه البراز والطبراني وابن حبان].

        كذلك فان المؤمن مأمور ألا يشير إلى أخيه بالسلاح مجرد إشارة فضلاً عن أن يؤذيه به. روى مسلم في صحيحه أن رسول الله r قال: "من أشار إلى أخيه بحديده له فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع وإن كان أخاه لأبيه وأمه". ينزع أي يرمي ما في يده وفي رواية لأبي هريرة في الحديث المتفق عليه: "فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده" وروى جابر أن رجلاً مر في المسجد بأسهم قد بدا نصولها فأمر أن يأخذ بنصولها حتى لا يخدش مسلماً [رواه البخاري]. والخدش: أول الجراح.

        ثم: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً" [رواه الطبراني]، حتى لو كان الترويع مجرد مزاح لا يراد به الأذى: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً" وروى جابر قال: "نهى رسول الله r أن يتعاطي السيف مسلولاً" [رواه أبو داود والترمذي].

        بل إن التحذير يظل قائماً حتى لو نظر إليه نظرة تخيفه: "من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة".

        ثالثاً: أقر الإسلام مبدأ السماحة مع المسلم ومع غير المسلم ولقد قال ميمون بن مهران: ثلاثة حق المؤمن والكافر فيها سواء:

1-   الأمانة .. تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم أو كافر.

2-   الوالدان .. تبرهما مسلمين أو كافرين.

3-   العهد .. تفي به لمن عاهدت مسلماً أو كافراً.

        ولا شك أن العنف يتنافى مع الأمانة لأنه لون من ألوان الخيانة للدين وللوطن ويتنافى مع البر لأن البر لا يكون عنيفاً، وإنما يخفض جناحه رحمة وشفقة بمن يبر ويتنافى مع الوفاء بالعهد لأن العنيف قد جبل على الغدر والخيانة لدينه ولمجتمعه.

        رابعاً: لكي يؤكد الإسلام محاربته للعنف فإنه يعالجه بالدعوة إلى السلام، وهيا بنا نتأمل قول الرسول r "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم أفشوا السلام بينكم" وإذا كانت الجنة غاية المسلم فإن طريقها هو السلام لا إخافة الناس ولا العنف معهم.

        خامساً: يحذر الإسلام تحذيراً شديداً من الغضب، لأن العنف يتولد عنه ولذا حين جاء رجل إلى رسول الله r فقال أوصني، قال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب ولذا قالت الحكماء: إن أصول المعاصي كلها ثلاثة:

أولاً:  تعلق القلب بغير الله.

ثانياً:  طاعة القوة الغضبية.

ثالثاً:  طاعة القوة الشهوانية.

        سادساً: تصحيح مفهوم "الجهاد" لدى الشباب الذين يوسمون بالعنف فكراً وسلوكاً وكماً قلنا إن الجهاد في الإسلام وسيلة لا غاية، إنه وسيلة لرفع راية الدين وإعلاء كلمة الله فإذا لم يحقق الجهاد غايته كان ممنوعاً لما فيه من إراقة الدماء وذهاب الأرواح والأموال.

        سابعاً: يحرص الإسلام – لكي يعالج ظاهرة العنف – على حرمة إلقاء النفس إلى التهلكة ولقد أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على أن القدرة هى مناط التكليف وأن ما كان فوق الطاقة. فليس مما كلفنا الله تعالى به وأن العاجز غير مكلف أصلاً، إذاً فرحم الله هؤلاء الشباب الذين يرمون بأنفسهم في أتون معركة لا قبل لهم بها فيهلكون دون فائدة ترجى من وراء ذلك بل إنهم يزيدون الأمر بلاء وشدة وكرباً، لأن إلقاء النفس في التهلكة منهي عنه شرعاً وعقلاً وهؤلاء الشباب الذين يقدمون على قتال الحكومات، والأنظمة يهلكون أنفسهم وفوق ذلك يتسببون في العديد من المفاسد والشرور والتضييق على الدعوة الإسلامية وعلى رجالها وهذا لا شك في منعه وتحريمه.

        ثامناً: لكي يعالج الإسلام العنف فقد حرم قتل المدنيين من غير أهل المقاتلة والمباغتة ولقد وضع الإسلام دستوراً حربياً عظيماً راعى فيه الحرمات ألا تنتهك وأمر فيه بالعدل والقسط فلا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] ولا يقتل الأعمى ولا الراهب ولا العبد ولا الفلاحون ولا الصناع ولا يقتل المدنيون الذين لا يشاركون في القتال ولا ينصبوا أنفسهم له، ولا يجوز التمثيل بجثث القتلى لقوله r "اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا" [رواه أبو داود]. ولا تهدم منازل المحاربين ولا تحرق محاصيلهم وزروعهم ولا تقتل دوابهم لغير مصلحة، قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205].

        تاسعاً: يأمرنا الإسلام – لكي نقضي على ظاهرة العنف – باستخدام سنة التدرج في معالجة المنحرفين وهى سنة كونية وشرعية، ولقد ورد أن عمر بن عبد العزيز t أراد أن يعود بالحياة إلى هدي الخلفاء الراشدين وذلك بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه، ولكن كان ابنه الشاب الغيور عبد الملك من الأتقياء المتحمسين ينكر على أبيه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف والمظالم فقال له يوماً: مالك يا أبت لا تنفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القدر غلت بي وبك في الحق؟! فكان جواب الفقيه المؤمن: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة فيكون من ذا فتنة.

        عاشراً: يدعونا ديننا الإسلامي .. لكي نعالج ظاهرة العنف – إلى أن نتلافى أسبابها تلك التي ذكرناها قبلاً. ويجب أن نتذكر: أن الدين يضيع بين غلو المغالين وتقصير المقصرين فلا تغال أيها الشاب المسلم مع المغالين ولا تقصر مع المقصرين وخذ بهدي نبيك الكريم r في كل وقت وحين. ويجب كذلك أن نصارح أنفسنا بأن الذي دفع بعض الشباب إلى العنف: الجهل والتعصب الأعمى والغرور والعجب والتعالي على الناس وهنا ننبه على دور المؤسسات العلمية والتربوية وعلى دور المجتمع وعلى الأسرة وعلى دور الدولة وعلى أجهزة الدعوة فالكل مسئول والكل لابد أن يقوم بدوره في أخذ الشباب إلى الرفق والرحمة والعدل والإنصاف.

الوقاية والعلاج:

        إنه بالامكان التصدي لظاهرة العنف وذلك من خلال تقديم بعض السبل المناسبة للوقاية والعلاج؛ ويمكن تلخيصها كما يلي:

1-   توجيه العناية نحو الفئات الأكثر قابلية لاستثارة العنف للتعرف على مثيرات العنف لديها ومحاولة خفض هذه المثيرات.

2-   دراسة حالات العنف دراسة علمية مستفيضة لاستكشاف الجوانب العضوية والنفسية والاجتماعية التي تحتاج إلى علاج.

3-   الحوار الصحي الايجابي لإعطاء الفرصة لكل الفئات للتعبير عن نفسها بشكل منظم وآمن يقلل من فرص اللجوء إلى العنف.

4-   التدريب على المهارات الاجتماعية، حيث وجد أن الأشخاص ذوي الميول نحو العنف لديهم مشكلات كثيرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي مما يضعهم في كثير من الأحيان في مواجهات حادة وخطرة مع من يتعاملون معهم، وهذا يستثير العنف لديهم، لذلك فإن برنامجاً للتدريب على المهارات الاجتماعية كمهارة التواصل ومهارة تحمل الإحباط وغيرها يمكن أن يؤدي إلى خفض الميول العدوانية لدى هؤلاء الأشخاص.

5-   العقاب، أحياناً يؤدي العقاب المناسب (خاصة إذا كان قريباً من الفعل العنيف زمنياً) إلى تقليل حدة وتكرار السلوكيات العنيفة من خلال الارتباط الشرطي بين العنف والعقاب. ولكن إذا كانت هناك فترة زمنية طويلة بين الفعل العنيف وبين توقيع العقوبة، أو كان العقاب غير متناسب مع الفعل العنيف فإن العقاب ربما يؤدي إلى نتيجة عكسية فيزيد من احتمالات زيادة العنف، وهذا ملاحظ في الحالات التي تتعرض للإيذاء الجسدي والنفسي العنيف حيث يصبحون أكثر ميلاً نحو العنف، بل ويزداد عنفهم خطورة.

6-   الاستجابات المغايرة، وهذه الطريقة تقوم على مواجهة السلوك العنيف بسلوك مغاير تماماً يؤدي إلى إيقاف العنف والتقليل من معاودته، وكمثال على ذلك إذا وجد الشخص ذوي الميول العنيفة أن الشخص المقابل يعامله بحب وتعاطف وشفقة فإن ذلك يقلل من اندفاعاته العنيفة، وهذا مصداق للآية {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] وهناك مثال آخر: أن تقابل الميول العنيفة بالدعابة من الطرف الآخر، وقد وجد فعلاً بالتجربة أن الدعابة والطرافة في المواقف الحادة تقلل من احتمالات العنف، ووجد أيضاً أن إيقاظ الإحساس بالذنب أو الانغماس في نشاط ذهني معرفي، أو التعرض لبعض المثيرات المحببة للشخص، كل هذا يمكن أن يؤدي إلى انخفاض نزعات العنف.

7-   العلاج الدوائي، وهذا العلاج يصبح ذو أهمية خاصة في الحالات المرضية كالاضطرابات العضوية أو النفسية وحتى في غير هذه الحالات وجد أن لبعض الأدوية مثل الليثوم  وأدوية الصرع والمهدئات الجسمية أثراً على نزعات العنف.

        وبالإضافة إلى ذلك، توجد بعض السبل الأخرى للوقاية والعلاج من العنف مثل ما يلي:

1- الكلمة الطيبة الوادعة: جاء في الحديث أن الكلمة الطيبة صدقة تدفع العنف والكراهية وتربي نفس الفرد على المودة وتساعده على حسن السلوك، وبإشاعة روح الكلمة الطيبة في المجتمع لن يجد العنف مجالاً للنمو والترعرع.

2- النظرات الهادئة الناعسة: توحي النظرات الناعسة والهادئة للطرف الآخر بالطمأنينة وعدم الارتياب والخوف وعدم التشنج بعكس تلك النظرات القاسية المشككة والتي تثير الاستفزاز، ولربما تؤدي النظرات الهادئة الناعسة إلى انتظام إفراز الهرمونات في الخلايا الجسمية المولدة للعنف وهذا يتضح من مراقبة بسيطة وتحليل لمواقف بعض الحيوانات إذ أنها تستطيع أن تقرأ أو تفهم روح العداء والعنف من عيون ونظرات الحيوان الآخر. فلحركة العيون في الإنسان أثر واضح في رد العنف والعدوان إذ نجد أنه كلما تناعست العيون أي قلت وخفت حدة نظراتها قل العنف والعنف المضاد في الإنسان وهو ما يظهر بوضوح وجلاء عند المرضى والكهول والشيوخ.

3- الاعتدال الغذائي: الامتناع عن تناول الأطعمة المثيرة للحساسية فمما لا شك فيه أنها تساعد على سوء الهضم وعدم انتظام أو قصور الإفرازات الهرمونية في الجسم الأمر الذي يؤدي بالفرد إلى التوتر والعصبية المصاحبة للعنف وحبذا لو يستشار الطبيب في هذا الأمر.

4- الهوايات الفردية والترويح النفسي: تساعد الهوايات الجسمية والنفسية على امتصاص عدم التوازن الهرموني في الجسم والمؤثر في السلوك الإنساني وتوجيهه باتجاه معاكس للعنف والعدوانية فهواية القراءة، وجمع الطوابع، والنقود، والموسيقى، والركض ولعب الكرة بأنواعها .. إلى غيرها من الهوايات التي تركن لها النفوس من دون حصر وكذلك إطلاق الحرية في اختيار الهواية المناسبة للأطفال والشباب حسب أعمارهم كالسباحة وركوب الخيل والدرجات والسيارات .. الخ تساعد على تحويل العنف إلى علاقات جسمية أو نفسية هادئة وديعة كما تصرف الذهن وخلاياه عن التفكير بالعنف لانشغالها وانغماسها بتلك الهوايات وتطويرها.

        ولربما نستطيع التأكيد على أن من أهم الهوايات التي تقلل العنف أو تمنعه هى السباحة ومع الأسف نجد أن الكثير من البلدان الإسلامية ولأزمنة قريبة مثل ليبيا وإيران والسعودية واليمن لا تهتم بالسباحة بل تتركها للفرد والقدر وللاستثمار من دون إعطائها تلك الميزة التربوية على الرغم من توجيه وتوصية الإسلام بها فمع الأسف نجد أن أغلب المسابح أو كلها مسابح صيفية في الوقت الذي نلاحظ ندرتها في الشتاء وكأن العنف لديهم مرهون بفصل الصيف دون فصل الشتاء. كما تشير الإحصائيات الكثيرة إلى انعدام العنف أو تضاؤله عند أولئك الذين يمارسون هواية السباحة بشكل متواصل دون انقطاع حيث تقضي السباحة على التوتر الفكري والعصبي عند الإنسان وبصورة مباشرة. وحبذا لو يتم توسيع هذه الهوايات وإعطائها الطابع الإسلامي وتبينها من قبل المراجع والمسئولين عن تربية المجتمع وتوجيههم الصحيح بدلاً من العنف المصاحب لتأجيح العواطف واستفزازها.

        إن هواية تربية الحيوانات والطيور المنزلية خصوصاً للأطفال والشباب تولد فيهم روح العناية الرعاية وحب الطرف الآخر وتغيير السلوك العدائي إلى سلوك التعايش السلمي كما تنمي موهبة التعامل لدى الفرد والطفل مع من هم أقل وأقصر منه، وتعلم كيفية تربيتها وتدجينها ودراسة سلوكياتها وأخلاقياتها مما يصرف الفرد أو الطفل عن روح العداء والتذمر والكثير من السلبيات الناتجة عن ضيق الصدر.

        ولعلنا نستطيع القول وبحزم بأن من واجب الآباء دفع أبنائهم لممارسة واعتناق إحدى الهوايات أو عدداً منها ولربما نذهب بعيداً ونطالب الآباء والمسئولين والمتصدين للتربية وعلم الاجتماع إلى وضع دراسات اجتماعية وخلق هوايات جديدة تتناسب مع ذات المجتمع وعواطفه وميوله من دون تقليد للآخرين ونختم هذه الفقرة بما روي عن الإمام علي t قوله "روّح النفس ساعة فإنها إن ملت كلت وإن كلت عميت".

        5- الاسترخاء: تفيد عمليات الاسترخاء كثيراً في التقليل من محاولات العنف المصاحب للغضب وعملية الاسترخاء تعني ترك العضو الجسمي كاليد أو الرجل من دون حركة لفترة زمنية وبصورة لا يتدفق فيها الدم إلى العضو الجسمي بكميات كبيرة وهو أشبه إلى التخدير منه إلى النوم.

        6- تقوى الله: إن تقوى الله وهو الملاذ الأكبر في نهاية المطاف يمنع القسوة والغلظة وهو بالتالي يردع العنف رغم حق القصاص الفردي الذي قد يتضائل أمام مفهوم العفو والإصلاح ومصداقية الفرد المؤمن.

        7- الصلوات والتوجه إلى الله: تمثل الصلوات وسيلة من وسائل ردع العنف عند الشخص بينما يساعد التوجه إلى الله على توازن وانتظام الإفرازات الهرمونية الجسمية عند الفرد بإبعاده عن مكونات الإثارة والاستفزاز.

        8- الأجواء البينية: للبينة تأثير كبير على تصعيد درجة العنف عند الفرد فالصحراء والطبيعة القاسية والنحيب والضجيج وعدم الاستقرار والهدوء وحتى التلوث البيئي لأي سبب من الأسباب يعتبر من إحدى المقومات الاستفزازية الباعثة والمسببة للعنف أو حتى تقبله بصورة طبيعية إذ أن الانتظام الهرموني والسلوكي مرهون بالتأثرات والتغيرات البيئية المحيطة بالفرد وعليه ينصح العلماء باختبار البيئة الجوية والاجتماعية المناسبة لتقليل العنف المصاحب للتوتر في مثل هذه الحالات.

        9- رفع القهر الاجتماعي: لاحظنا أن القهر الاجتماعي هو أحد مكونات العنف عند الفرد وبالتالي لابد من إتباع الوسائل التي تقلل من تأثيرات هذا القهر وينصح العلماء بأن المشاركات الاجتماعية والانضمام للجمعيات الإصلاحية ومساندتها مثل جمعيات حقوق الإنسان وجمعيات الرفق بالحيوان وجمعيات الدفاع عن حقوق المرأة وجمعيات الرعاية الصحية وجمعيات الإحسان الخيرية ونقابات العمال والفلاحين .. الخ تعتبر من الوسائل المهمة في تقليل العنف المصاحب للقهر الاجتماعي.

        10- النضج السلوكي: تكليف الشباب والصغار بمسئوليات ومهام منزلية، أو إدارية يساعد كثيراً في النضج السلوكي لديهم عن غيرهم ممن لم يحضوا بهذه الخصوصية. إن معاملة الصغير بأسلوب كبير يساعد على نضجه السلوكي الأمر الذي يقلل من انفعاليته وعنفه.

        11- الحركات الكشفية: إن مشاركة الشباب والأطفال بالحركات الكشفية أصبحت في الوقت الحالي ضرورة من ضروريات المعاملة الكفوءة مع الأحداث اليومية للحياة ويلاحظ أن مردودها النفسي يفيد كثيراً في التقليل من العنف لدى الأفراد حتى بعد تركهم تلك الحركات الكشفية.

        12- نظرية امتصاص العنف بالعنف: يؤمن البعض بأن العنف ذاته قد يشكل رادعاًَ للعنف إذا تم استخدامه بصورة علمية ومدروسة مثل مباريات الملاكمة والمصارعة وكرة اليد والركبي هى من الألعاب والهوايات العنيفة التي وضعت وفق أسس أخلاقية واجتماعية تجارية وتربوية قادرة على تحويل العنف السلبي إلى عنف رياضي ايجابي يكتسب الاحترام. كما أن أفلام العنف أيضاً تشكل مثلاً آخراً على نظرية امتصاص العنف بالعنف والتخلص من المحاربين بالحرب .. وهكذا تطغى التجارة حتى على عقول الأطفال والمراهقين الذين ليست لهم القدرة على استيعاب فكرة امتصاص العنف بالعنف المضاد. والحقيقة أن الأمثلة السابقة لا تقدم دليلاً على امتصاص أو تقليل العنف بالعنف بل يمكن تكليف الشخص بأعمال عضلية عنيفة مثل الركض ورفع الأثقال وتقطيع الشجر وتكسير الحجر.

        13- الحب والزواج: الحب نقيض الكراهية وهى إحدى مقومات ومولدات العنف في النفس البشرية وفي مجتمعاتنا حيث ينظر للحب بمنظار سلبي ترتفع نزعات الحقد والكراهية والتطرف الناتج عن الكبت العاطفي المثير للعنف الجنسي والعدوانية وبإطالة فترة الخطوبة بين الجنسين يتعلم الطرفان خلالها تغليب سلوك الحب ومراعاة الطرف الآخر علاوة على ايجابيات أخرى نحصد في محصلتها انتفاء الكراهية والعنف بين الطرفين وفي كل المجتمع.

 

 

 


(*)     يمكن الرجوع إلى مقالات محمد متولي منصور في جريدة صوت الأزهر.