النظريات الفطرية:
يعتقد أصحاب المذهب السلوكي بأن اكتساب اللغة يتحقق عن طريق البيئة الاجتماعية، وأن عقل الطفل صفحة بيضاء نقية تستقبل ما يرد عليها من الصيغ والعبارات، وأن اللغة هي المخزن الذي يلجأ إليه الطفل عند الضرورة لكي يختار العبارات والكلمات، إلا أن النقلة النوعية والتطور الذي يحصل على اللغة على يد تشومسكي، كان مخالفاً لما تعارف عليه السلوكيون نحو اللغة.
ولذلك فإن تفسيرات أصحاب النظريات السلوكية لكيفية اكتساب اللغة الثانية، وعدم دقتها ووضوحها، قادت الباحثين إلى إيجاد أُنموذج بديل، حيث وجه الباحثون انتباههم صوب العوامل الفعلية التي تشكل التعلم. إنهم لم يذهبوا بعيداً، حيث شهدوا نقلةً في التفكير في مجال علم النفس واللغويات، فرأوا أن الطبيعة تشكل العوامل البيئية للتعلّم. وركّزوا انتباهم ليس على الطبيعة فحسب وإنما على العوامل الفطرية التي تشكل التعلّم، وأطلق على هذه النظرية نظرية العقليين أو الفطريين. وركزوا على الطبيعة(Nature) أي كيف أن القدرات النظرية التي يملكها العقل البشري تشكل التعلم. وهذا الأُنموذج أطلق عليه النظرية الفطرية.
وهذا يعني أن اللغة ليست سلوكاً يكتسب بالتعلم والتدرب والممارسة فحسب، كما يرى السلوكيون، بل هناك حقائق عقلية وراء كل فعل سلوكي، أي أن اللغة تعد تنظيماً عقلياً معقداً لأنها أداة تعبير وتفكير في آنٍ واحد.
(Chomsky, 1981).

 


يشير لينبرغ (Lennberg,1962 ) إلى أهمية الجوانب البيولوجية في نمو اللغة؛ فهو يخالف السلوكيين وينكر مبدأ التعزيز المسيطر على النمو. ويستشهد لينبرغ على ذلك بقوله: إن القدرة على الكلام والفهم لدى الطفل ليست نتيجة التعزيزات الخاصة التي يتلقاها الطفل بعد الكلام، وذلك لأن الطفل إذا ما وصل إلى سن النضج فإنه يستطيع الكلام بالتعزيز أو من دونه.
وأنصار هذه النظرية يعتقدون أن تعلم بعض أوجه اللغة أمر فطري. وهم فريقان: فريق يطلق عليه((General Nativism والفريق الآخر ويطلق عليه(Special Nativism).
يرى الفريق الأول أنه لا توجد آلية لتعلم اللغة، ولكن توجد مبادئ عامة لكنها ليست خاصة باللغة وحدها، بل يمكن استخدامها في أنماط التعلم الأخرى ((Eckman, 1996 .
أما الفريق الثاني فيفترضون أن هناك نظريات خاصة متعلقة بتعلم اللغة، وهناك مبادئ أو أسس خاصة ومحددة تحكم تعلم اللغة، وليس لها أي علاقة بأي معرفة غيرها.


إن الفريقين يريان بأن شيئاً فطرياً يتعلق باللغة موجود في داخلنا ولكن السؤال يدور حول طبيعة هذا الجهاز! سوزان قاص ((Gass,2001وبالنسبة لهذه النظرية فإن:
1-الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تعلم اللغة.
2-العقل البشري مزود بقدرات لتعلم اللغة، يطلق عليها جهاز اكتساب اللغةLanguage Acquistion Device)).
3-هذه القدرات هي العوامل الأولى في اكتساب اللغة.
4-هذه القدرات ضرورية، ولكن فقط من أجل تشغيل عمليات جهاز اكتساب اللغة وتحريكه.


ورأى تشومسكي (Chomsky,1959) أن الأداء اللغوي (Language Performance) هو ممارسة اللغة والتدرب عليها، وأن هدف الدراسة اللغوية هو معرفة الكفاية اللغوية (Language Competence) بالواقع العملي. ولا يمكننا الوصول إلى هذه القواعد أو الأسس إلا عن طريق الكلام الخارجي المحسوس. كما أن لكل بنية لغوية أو قالب لغوي بنيتين إحداهما تحتية، والأخرى فوقية، ولا يمكن الوصول إلى البنية التحتية إلا بوساطة الفوقية.
ويعلق جفري سامسون(Samson, 1998) على رأي تشومسكي بقوله: "ومن أكثر سمات منهج تشومسكي في دراسة اللغة تأثيراً هو التمييز الذي يقيمه بين القدرة اللغوية والأداء اللغوي أو الممارسة، وهو استرجاعٌ للتمييز بين المقدرة والكلام عند سوسير، وتشومسكي نفسه لا يفرق بين المقدرة عنده والمقدرة التي تحدّثَ عنها سوسير. وأجابت هذه النظرية عن بعض الأسئلة المتعلقة باكتساب اللغة، وأطلق عليها اسم((Natives Approach. وهذا المصطلح مشتقٌّ من قاعدة أساسيةٍ هي أن اكتساب اللغة أمرٌ حاصلٌ فطرياً، حيث نولد ولدينا الميلُ لاكتساب اللغة المحيطة بنا.
وبالمناسبة فإن مصطلح " الكفاية اللغوية" الذي ورد ضمن نظرية تشومسكي، عرفه ابن خلدون قبله بمئات السنين تحت مسمى" ملكة اللسان". ومعلوم أن علماء اللغة العرب لم يحاولوا أو يتنبهوا " لتأسيس المصطلح وتقعيده"، ولكنه ليس غريباً عنهم.
ويقول دوجلاس براون(Douglas Brown, 1987):
" إنّ الأطفال يولدون ولديهم الفطرة لتعلم اللغة، وهذه القدرات الفطرية موجودة لدى جميع أفراد النوع البشري" (LAD ).
لذلك نلاحظ السرعة الزمنية التي يكتسب فيها الطفل لغته الأم بشكل لافت للنظر. ففي زمن قصيرٍ يتقن الطفل لغته الأم من دون أن يبذل جهداً متعمداً يذكر في التعرض لها. ففي أغلب الأحوال يلم الطفل -أيُّ طفل-ٍ بالبنى الأساسية للغته، وإدراك العلاقات الوظيفية الأساسية القائمة بين الكلمات في الجمل، وامتلاك القدرة على الكلام وهو في سن لا تتجاوز السادسة وهذا يدعونا إلى التسليم بأن الأطفال يولدون وهم مزودون بأسس بيولوجية خاصة بالجنس البشري تضبط عملية اكتساب اللغة.


إن كل الجهود التي يقوم بها اللغويون أو العاملون في مجال تعليم اللغة تذهب سدىً إذا لم نعرّض الطفل بما فيه الكفاية للغة المستهدفة (Target Language). وهذا ما نفتقده ونحن بأشد الحاجة إليه عند تعليمنا لغتنا العربية الفصحى. فنحن نتعرض يومياً وفي كل لحظةٍ إلى لهجاتنا المحلية، وهي قد تبتعد عن اللغة الفصحى أو تقترب منها حسب المكان الذي نعيش فيه لذلك فجهودنا التي نمضيها في المدرسة لتعلُّم اللغة المكتوبة أي الفصحى على مدار سنوات الدراسة لا تشفع للدارس بأن يتكلم عدداً محدوداً من الجمل بلغته الفصحى، وذلك لقصور معجمه السمعي، نظراً لسيطرة اللهجة المحلية وحيازتها القسط الأكبر من معجمه. ويؤيد هذه الفرضية الفطرية من جوانب متعددة لينبرغ Lenneberg, 1967)) حيث يرى: " أنّ اللغة نوعٌ من سلوكٍ محدودٍ " Species-Specific ) وأنّ هناك أنواعاً من الملاحظة الحسية، تصنّف القدرات والأدوات الأخرى المتعلقة باللغة وهي محددة بداخلنا سلفاً".
أمّا نعوم تشومسكي (Chomsky, 1965) فيرى أنّ: " القوة المركزية التي تقود إلى اكتساب اللغة، هي جهازٌ محدد موجودٌ بداخل دماغ الإنسان"، أي أن تشومسكي يرى أن المبادئ الأساسية الفطرية الموجودة في الدماغ تحكم جميع اللغات البشرية وتقرر ما يمكن أن يُؤخذ منها عند الحاجة. ومن هنا فإن تشومسكي يرفض رفضاً قاطعاً النظرية السلوكية القائمة على مبدأ التقليد، لأن هذه النظرية من وجهة نظره تسوي بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني الذي امتاز عن سائر الكائنات بامتلاك اللغة.


وقبل أن يصل أصحاب النظرية التوليدية إلى سلّم الشهرة خلصت جين بيركو Berko, 1958) Jean) من تجربتها إلى أنّ الطفل يتعلم اللغة ليس على شكل وحداتٍ غير مترابطةٍ ولكن يتعلمها كلاً موحداً. بمعنى أن الإنسان مزوّد فطرياً بالقدرة على تعلّم اللغة بغض النظر عن العوامل البيئية والخلفية اللغوية والبيولوجية وغيرها من العوامل الأخرى. وهو ما يؤكده أنصار هذه النظرية بأن جميع البشر لديهم القدرة ذاتها على اكتساب اللغة ويمتلكون عموميات اللغة (القواعد النحوية): ويطلق على ذلك النحو الكوني " Universal Language".


وهذه العموميات تقع تحت نظرية تسمى: فرضية الرتبة الوظيفية (The Natural Order Hypothesis) وهي إحدى فرضيات اكتساب اللغة الثانية عند كراشنKrashen)). الذي يرى أن اكتساب اللغة يُكتسب ويمكن التنبؤ به وهو متشابهٌ في اللغة الأم(L1) وفي اللغة الثانية(L2) . وأثبتت الدراسات أن دارسي اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ على اختلاف لغاتهم، وقعوا بالأخطاء نفسها بغض النظر عن خلفياتهم اللغوية التي يمتلكونها. إن بعض هذه الأخطاء تشابه الأخطاء التي يقع فيها الأطفال عند تعلمهم لغتهم الأم((L1. وعلى أية حالٍ فإن النقد الموجّه لهذه النظرية، هو أن الدراسات التي أجريت بصددها محدودة، فهناك عدد قليلٌ من الأخطاء النحوية التي تم رصدها ودراستها وتحليلها. والمشكلة الأخرى هي أن الباحثين وعلماء اللغة بشكلٍ عام لا يحيطون بجميع اللغات في العالم لكثرتها لذلك نجد أن نسبة ضئيلة منها تم بحثها ودراستها. كريستينا كونراد(Christina Conrad, 1978) .


نظرية القواعد العمومية((Universal Grammar لدى تشومسكي((UG:
إن عملية اكتساب اللغة الثانية((SLA تدين بعمق إلى فرع آخر من اللغويات وهي مرتبطة بقوة بنظرية نعوم تشومسكي " القواعد العمومية". يرى تشومسكي أن اللغة تحكم من قبل مجموعة من المبادئ الموجودة في كل لغة. فالأطفال يتعلمون لغتهم الأولى(L1) معتمدين على معرفتهم وهذه المعرفة التي كانت عند بداية تَشَكُّل هذه النظرية يُشار إليها بجهاز اكتساب اللغة الثانية (Language Acquisition Device) وباختصار (LAD) وهي ما تعرف الآن باسم عموميات القواعد (Universal Grammar) ومختصرها((UG. فنقاش تشومسكي يدور حول المدخلات (input) التي تعرَّف الأطفال عليها، وهي غير كافية لأن تجعلهم قادرين على اكتشاف قوانين اللغة التي يودون تعلُّمها.


ومن هنا يرى اللغويون التوليديون التشومسكيون اكتساب اللغة الأولى باعتباره نشاطاً ومقدرة خاصين على نقيض معظم أشكال التعليم الأخرى، وهذا النشاط يعتمد على مكون معين موجود في المخ على نحو وراثي، وهو جهاز اكتساب اللغة(LAD) وهو بشكل محدد بجانب القواعد العمومية. وفي ضوء ذلك فإن اكتساب اللغة الأولى الذي ينجزه كلّ الأطفال الطبيعيين من دون ملاحظة غالباً ومن ودون تعليم منظم، يمتاز بشكلٍ محدد عن تعلم اللغة الثانية فيما بعد، وعن الدراسة المتعمقة في المدرسة للغة المرء الأولى، وهي عملٌ يباشره المرء بشكلٍ واعٍ ويتطلب تعليماً من الآخرين، أو هي على الأقل تعليم ذاتي متعمَّد.((Robins,1997
وقد أثيرت الكثير من الأسئلة حول ما إذا كان اكتساب اللغة الثانية نتيجة عوامل بيئية أو عوامل عقلية تحكم المدخلات التي يُعْرَض عليها الدارس أو من عوامل عقلية داخلية والتي إلى حدٍّ ما تملي كيف يفهم الدارس البنى النحوية. إن اكتشاف الأُنموذج الذي يبيّن كيفية اكتساب المتعلم للغة هو واحدٌ من أهم النتائج التي تمّ التوصّل إليها. وهي تدعم النتيجة التي تمّ التوصل إليها عن طريق دراسة أخطاء الدارس الشائعة، أعني أنّ اكتساب اللغة الثانية يتسم بالتنظيم والعمومية ويعكس الطرق التي تحكم بها الآلية المعرفية الداخلية عملية الاكتساب، بغضّ النظر عن الخلفية الشخصية للمتعلّمين أو الموقف التعليمي. رود إلس (Rod Ellis,1995).

 

 

إنّ نظرة التشومسكيين نحو القواعد التحويلية تفترض أنّ المهمة الأولى التي يكتسبها المتعلّم بطريقةٍ فطريةٍ وبالتحديد هي اللغويات والمعرفة وعموميات القواعد. وهذا يعني أنّ هناك مبادئ ثابتة في العقل البشري محدّدة بيولوجياً إلى درجة معينةٍ ومختصةٍ في تعلّم اللغة. وقد صاغها تشومسكي على النحو الآتي: "عموميات القواعد هي مجموعة من البنى والشروط التي تشكل الحالة " الأولية" في تعلّم اللغة التي يرغب في معرفتها وتطويرها".
وهذه المبادئ اللغوية المجردة مهمة وتخضع لها جميع اللغات الطبيعية، وتشمل القدرة الرئيسة الأساسية للغة والتي يتمتع بها كل فرد، ووهبت لهم بشكلٍ موحّدٍ وبالتساوي. ونظرية عموميات اللغة لا تتعلق فقط باكتساب اللغة الثانية، إن تطبيق هذه النظرية في هذا المجال جاء من خلال أعمالٍ جديدةٍ لعددٍ من الباحثين في مجال اكتساب اللغة الثانية. وايت (White,1985b).
إذا سلّمنا مع تشومسكي بوجود هذه المبادئ فهذا يعني أنه باستطاعة الفرد أن يكتسب أي لغةٍ بشرية ما دام يمتلك عموميات مشتركة موجودة لديه باعتبارها جزءاً من تجهيزه العقلي والفطري. وهذا يوضح لنا مدى أهمية تعلم اللغة شفوياً قبل تعليم القراءة والكتابة.
وأجرى التشومسكيون دراسات معمقة وذلك في محاولة لتحديد خصوصيات اللغة (UG) وتحديد المبادئ المجردة للقواعد التي تخص مجموعات معينةٍ من اللغات البشرية. وتتألف نظرية عموميات القواعد من قوانين خاصةٍ ليست للغة خاصةٍ بعينها ولكن من مجموعةٍ من المبادئ يمكن تطبيقها على جميع اللغات. باري Barry,p.82)) .


وهناك طرقٌ وبحوث متعددة أجريت في دراسة اللغويات بشكل عام وفي مجال اكتساب اللغة الثانية بشكل خاص. سوزان قاص(Gass,1984).
فقام جرين بيرج (GreenBery,p.84) وتلامذته بتحليل معلوماتٍ تمثِّل أنموذجاً للغات العالم من أجل استنباط أنموذج عام. وهناك اتفاقٌ عامٌّ بين جميع اللغويين على هذه العموميات، والسؤال إلى أيّ مدى يمكن أن تختلف هذه اللغات في العموميات فيما بينها وذلك من حيث بناؤها. وركّزت دراسة جرين بيرج على العموميات المشتركة بين جميع اللغات، وعلى الاختلافات الحاصلة بينها.(Comrie,1981).
وقد أطلق كومري((Comrie, p.84على العموميات المشتركة بين اللغات اسم Absolute universals)) ومثال ذلك وجود حروف العلة في جميع اللغات. تقول فيفيان كوك (Cook,1991 Vivian): إن أنموذج عموميات اللغة Universal Grammar)) هو أحد نماذج المعرفة الذي يؤكّد أهمية عقل الفرد في اكتساب اللغة الثانية. ويؤكد هذا النموذج أن اللغة جزءٌ من العقل، وقد اقترح تشومسكي هذا الأنموذج في عام 1980م. وقد طوّر أفكاره السابقة حول هذا الأنموذج في عام 1988م، ليتشكل ما يسمّى "الثورة المفاهيمية الثانية" (The second conceptual revolution) وقد استعمل هذا الأُنموذج(UG) ليفسّر كيف يتم تعلّم اللغة الثانية، وبالأخص من يهتمّون بتعلّم اللغة الثانية من رؤيةٍ لغويّةٍ.(P.113) وهناك عالم لغوي آخر سبق تشومسكي في الحديث عن القواعد العمومية وهو(Josef Greenberg) وأطلق عليها اسم التصنيف النوعي العام(Typological Universals) إلا أنَّ قصب السبق كان لمعاصره تشومسكي.
وأجرى شمدت ((Schmidt,1998 دراسته على حالتين: الحالة الأولى، دراسة مفصّلة حول اكتساب اللغة لدى الكبار، وأجريت على شابٍّ يابانيٍّ عمره ثلاثون سنة ويقيم في أمريكا، والحالة الثانية، أجريت على طفلين مبتدئين في تعلّم اللغة الإنجليزية، أحدهما عمره عشر سنوات وهو برتغالي عمره إحدى عشرة سنة باكستاني الجنسية يتكلّم البنجابية، ولا يستطيع كتابتها. ودرس الطفلان في معهدٍ في لندن، وذلك من أجل تهيئتهما للانتقال إلى إحدى المدارس الثانوية المحلية.
وخلصت الدراسة إلى ما يأتي:
أولاً: أثارت هذه الدراسة المهمة بعض الأسئلة حول كيفية اكتساب اللغة الثانية وكيفية تدريسها.
ثانياً: أثارت قضايا تتعلق بوصف لغة المتعلّم.
ثالثاً: أبرزت بعض المشاكل التي يمرّ بها الباحثون عند محاولتهم شرح عملية اكتساب اللغة.


وكان من القضايا الأكثر أهمية في هذه الدراسات، ما إذا كان المتعلّم يكتسب اللغة بطريقةٍ منهجيةٍ منظمة(Accuracy Order) ويجب أن ننبّه هنا إلى أنّه ليس جميع الباحثين متفقين مع هذه النتيجة، بأن هناك نظاماً طبيعياً عاماً. ( Universal Natural Order) .
ومن المنتقدين لهذه النظرية بلومفيلد حيث أكّد التحليل الشكلي المفصل للغات المختلفة، وهذا هو الذي حدد رأيه في العموميات اللغوية أو القواعد العمومية، بوصفها ممارسة استقرائية بشكل خالص يجب أن تتبع فقط على أساس المعلومات المتراكمة، من أعداد ضخمة من اللغات أكثر كثيراً مما تم إنجازه حتى الآن. من هنا كانت معالجته الرافضة بعض الشيء للموضوع بوصفها مخالفة لتحديد تشومسكي للقواعد العمومية، وذلك لأنها الفرضية المركزية لفهم بنية اللغة ومقدرتنا كلنا على أن نكتسب أو" ندخل في ذواتنا هذا النظام الغني المركب للقواعد من التعرض سنوات قليلة لكتلة عشوائية ومحدودة جداً من المادة اللغوية" .بلومفيلد ((Bloomfield,1935
ويرى كل من صمادي وعبد الحق(Sumadi & Abdullhug, 1998) أن الدليل على وجود هذه القواعد مستمدٌّ من مصدرين:
أ‌-المصدر النظري Theory-driven وفيه يجادل تشومسكي بضرورة وجود معرفة لغويّة كامنة سابقة تفسّر سرعة اكتساب اللغة ومنطقية ذلك الاكتساب ضمن أطر ومراحل مطّردة.
ويضيف تشومسكي بأن المؤثرات اللغوية الخارجية التي يتعرّض لها الإنسان لا تكفي، وغير ملائمةٍ وحدها لتفسير اكتساب اللغة وتوليدها وفق قواعد اللغة السليمة. وقد تمّ استخلاص القواعد العمومية بعد دراسة الخصائص اللغوية الخاصة بلغةٍ معيّنةٍ ولغاتٍ أخرى. فهي مبادئ مجردة تقيّد استعمال اللغة وتتألف من قواعد خاصة بلغةٍ معيَّنة وقواعد عامةٍ تشترك فيها كلّ اللغات الإنسانية، ومن الجدير ذكره أنها قواعد بسيطة محدّدة لكنّها تفسّر ظواهر لغوية معقدة.
ب‌-المصدر التجريبي (Data-driven) ويهتم هذا المنحى بدراسة البنى السطحية للغاتٍ شتى لتحديد تباينها واختلافها واستخلاص قواعد خاصةٍ وعامةٍ بها تفسّر هذا التباين. جرين بيرج ((Greenberg 1966,1974.
ويلحظ تكامل المصدرين السابقين، حيث إن المصدر التجريبي يدعم المصدر النّظري بنتائج عمليةٍ واقعيةٍ كما أنّ الإطار النظري يساعد في تفسير هذه النتائج وفهمها. وهذا العجز يعزَى إليه ضعف المثير (Poor of the Stimulus). ومن وجهة نظر تشومسكي فالأطفال عادةً يتلقون دليلاً إيجابياً (Positive Evidence) حيث إنَّ آباءهم لا يصححون لهم أخطاءهم اللغوية.
ولذلك اعتبرت المدخلات(input) مفيدة للتعليم، وبعبارة أخرى فإنها لم تقدم المعلومات الضرورية الرديفة للتعلم الناجح. وفي حالة اكتساب اللغة الأولى (L1) هناك مسألة منطقية، كيف يتعلم الأطفال بثبات القواعد الكاملة للغتهم الأم، عندما تكون المعلومات التي يحتاجونها غير متوافرة في المدخلات؟
الجواب عند تشومسكي، أن الأطفال يجب أن تكون لديهم معرفة سابقة لما هو ممكن أو غير ممكن من القواعد، وهذا يعود إلى ما وهبهم الله من امتياز في ذلك.
ومن التطبيقات التربوية ذات الصلة بنظرية تشومسكي:
1-كان لهذه النظرية أثر حاسم في تقدُّم تعليم اللغات، فإن ما قدمته نظرية تشومسكي يقع خصوصاً على مستوى التحليل اللغوي، فقد توصلت إلى فهم أفضل لطبيعة اللغة وعملها واللغات بصفة عامة.
2-إن هناك نظاماً موروثاً لتوليد النحو، وهذا النظام أو الاستعداد الفطري ليس كافياً ولا يحقق مهماته إلا إذا عرّضناه لمادةٍ لغويةٍ في حدها الأدنى.
3-كان تشومسكي يرى بأنه عند تدريس النحو يجب التمييز بين نوعين من النحو، النحو العلمي والنحو العملي أو النحو التربوي. أي اختيار نمط خاص يتكون من مادةٍ مختارةٍ من النحو العلمي المفصل على أن يطبق معايير تتوخى السهولة والفائدة العلمية. وهذه الطريقة تسهّل تدريس النحو وتحقق المنشود دون التعبير عنه صراحة.
4-يقدم تشومسكي عرضاً مباشراً للبنية السطحية مع الإفادة في الوقت نفسه من الرؤية التحويلية.
5-حذف قدراً كبيراً من المعلومات التفصيلية كي يناسب الاستخدام الوصفي.

 

الطريقة الوظيفية(Functional Approach):
ما زالت هناك بعض الأسئلة التي لم تستطع النظرية الفطرية الإجابة عنها، ولكن في أواخر الستينيات حدث تطورٌ في البحوث ولكن ليس بعيداً عن الجانب المعرفي أو التوليدي حيث إن توصيفه كان أفضل وأكثر عمقا. فالقوانين التوليدية التي اقترحت في إطار النظرية الفطرية كانت مجردةً وواضحة ومنطقية جدا. إنها تتعلق بشكل خاصٍّ في سطحية اللغة، وليس بالتعمق فيها، وهذا المستوى هو المعنى والإدراك والتفكير والعاطفة، جميعها تتداخل بعضها ببعض وتكون منظمة في البنية الفوقية لدماغ الإنسان. دوجلاس براون (Douglas Brown,1987). بالتعمق فيها، وهذا المستوى هو المعنى والإدراك والتفكير والعاطفة، تتداخل جميعها بعضها على بعض وتكون منظمة في البنية الفوقية لدماغ الإنسان. دوجلاس براون(Douglas Brown,1987).
وأوضح لويس بلوم((Lowis, Bloom,1971 بشكلٍ لا يقبل الشك بنقده لقواعد اللغة، أنّ العلاقة التي تحدث بنطق بعض الكلمات الموجزة ظاهريا تكون متشابهة. إنّ بحث بلوم (Bloom) مع جين بياجيه (Jean Piaget) ودان سلوبن(Dan Slobin) وغيرهم، مهدت الطريق لموجةٍ من الدراسات الجديدة للغة الطفل، حيث تمّ التركيز آنذاك على الخلفية المعرفية للسلوك اللغوي. ولخص لويس بلوم (Lois Bloom,1976)هذا الانتقال بتأكيد أن هناك محاولتين قويتين رئيسيتين لتفسير كيفية تعلم الأطفال الكلام، فالأولى افترضت أن عملية تطور اللغة تعتمد مباشرة على طبيعة نظام اللغة، وبتعبير آخر على طبيعة مظاهر اللغة التي يجب أن تكون عامة وممثلة في الداخل، ويتوافر جاهز لتعليم هذه اللغة.
والمحاولة الثانية، بروز دليل بدا واضحاً لدعم الفرضيات المختلفة التي تؤكد التفاعل الذي ينمِّي قدرة الطفل الإدراكية والمعرفية مع الأحداث اللغوية وغير اللغوية في بيئته.
ويقول هربرت كلارك وإيف كلارك(Clark,H.&Clark,E.1987):
إن تشومسكي أكد أنّ الطفل يولد ولديه ميلٌ ومعرفة فطرية باللغة، وأن هذه الخاصيّة الفطرية عامة لدى جميع الأجناس البشرية ويطلق عليهاLanguageAcquisition Device)) ووصف مكنيل (McNeil,1966 ) أنّ جهاز اكتساب اللغة له أربع خاصيات:
1-القدرة على تمييز أصوات الكلام من الأصوات الأخرى في البيئة.
2-القدرة على تنظيم الأحداث اللغوية في صفوفٍ مختلفة، ومن ثمَّ تصنيفها فيما بعد.
3-التمكن من معرفة بعض الأنظمة اللغوية، وليس جميعها.
4-القدرة على المشاركة في تقويم فوريٍّ لتطوّر النظام اللغوي، حتى أنّه يبسطها إلى أسهل نظامٍ ممكن، وذلك بوساطة البيانات.
ويرى بيرت ودوليه(Burt&Dulay.p,55 ):
أن ما نعلمه الآن أن الكبار والأطفال سيّان، يبدو أنّ لديهم القدرة على اكتساب اللغة في أيّ سن، ولكن إذا وجد شخصٌ لم يستطع اكتساب اللغة بنجاح، فإن ذلك قد يعود إلى متغيراتٍ طارئةٍ أو مؤثراتٍ خارجية، وليس بسبب هبوط قدراته الفطرية.
يتبين لنا من هذه الدراسات اللغوية إنها جميعاً تندرج تحت موضوع مهم وجديد يطلق عليه " علم اللغة"
(Linguistics). وهو يرجع في حقيقته إلى تشومسكي.

النظريات المعرفية:
تؤكد هذه النظريات دور العمليات العقلية الداخلية ودور السلوك الخارجي. وتهدف إلى تفسير ثلاثة جوانب للتعلّم:
1-كيف تؤسس المعرفة.
2-كيف تصبح المعرفة أوتوماتيكية أو تلقائية.
3- كيف تمتزج المعرفة الجديدة وتدخل في نظام التعلّم المعرفي. رود ألسEllis,1998)):
والنظريات المعرفية كانت نتيجة إجراء بحوثٍ مكثفةٍ حول الأثر الذي تتركه العمليات العقلية في التعلّم. وهذه خلاصة البحوث التي تمّ التوصّل إليها:
1- تزودنا النظريات المعرفية بمعلوماتٍ ملائمةٍ حول كيفية ضبط المتعلم في تحصيل اللغة الثانية واكتسابها. فالتدريب الحرّ يجعلنا قادرين على ضبط عملية التعلم، حتى تصبح أوتوماتيكية أو آلية، كذلك يحتاج المتعلم إلى فرصةٍ مناسبة، وذلك لتفعيل الإستراتيجيات من أجل تحصيل المعرفة.
2- تزودنا ببعض الرؤى حول كيفية إعادة بناء المتعلمين في اكتساب اللغة الثانية، من أجل جعلها قابلة للاستعمال في واجباتٍ متعددةٍ.
3-النظريات المعرفية غير قادرةٍ على تفسير تتابع الاكتساب للبنى النحويّة.
4- النظريات المعرفية غير قادرةٍ على تفسير الدور الذي تلعبه المعرفة الواضحة وكذلك لا تستطيع تفسير كيفية اكتساب اللغة الثانية عن طريق التعليم الرسمي.
وتعتبر هذه النظرية الأساس لأكثر طرائق التدريس الحالية، كونها انبثقت من بحوث وتجارب علم نفس اللغة "Psycholinguistics".
يرى ديفيد كرستال((David Crystal, 1998 أن الخيار الرئيسي ذا الأهمية هو اكتساب اللغة، ويجب أن ينظر إليه ضمن تطور الطفل العقلي. فالبنى اللغوية تنشأ فقط إذا كانت هناك قاعدة معرفية. فعلى سبيل المثال، قبل أن يستعمل الأطفال تركيب المقارنة " هذه السيارة أكبر من تلك السيارة"، يجب أن يطوّروا مفاهيمهم عن الحجم حتى يستطيعوا إعطاء حكم معقول.
وقد توصل العديد من علماء اللغة إلى أنّ هناك نوعاً من العلاقة موجوداً، ولكن الأكثر تأثيراً وأهمية ينشأ من أنموذج تطوير المعرفة المقترح من قبل جين بياجيه(Jean Piaget). إن عناصر المعرفة لدى بياجيه هي: الشخص ونشاطه أولاً، ثم الإثارات المحتملة من المحيط، وأخيراً آليات التفاعل بين هذا الشخص ومحيطه.(Sam Ammar,2002).
وعلى الرغم من أن نظرية بياجيه من أعظم نظريات المعرفة التي حاولت تفسير النمو المعرفي عند الأطفال، إلا أن هناك عدداً من الجوانب التي اتجهت نحوها انتقادات العلماء والباحثين. يقول بعض الباحثين: إن نظرية بياجيه قللت من قيمة القدرات العقلية لأطفال مرحلة ما قبل المدرسة وبالغت في الوقت نفسه في عمليات التفكير المجردة للمراهقين والبالغين. وقد تكون الطريقة الإكلينيكية التي اتبعتها وراء ذلك.((Abo Jado, 1998.
وهناك خلاف بين نظريتي بياجيه وتشومسكي، ومرد هذا الاختلاف يرجع إلى تصور طبيعة بنى المعرفة لا إلى وظيفتها. يرى تشومسكي أن هناك بنى خاصة بالاكتسابات اللغوية، وفطريتها مرتبطة بالطابع الفريد للغة البشرية. أما بياجيه فيرى أن بنى المعرفة عامة، وأنها تجد أساسها في بنى بيولوجية، ولكن لا توجد وراثياً. إنها بنية مخصصة لاكتساب الوظيفة البشرية النوعية التي هي اللغة Sam Ammar,2002)).
إن بياجيه يرفض مبادئ النظرية الفطرية وكذلك يرفض نظرية التعلم والاكتساب القائمة على التقليد. فاللغة بالأساس عند بياجيه هي عمل إبداعي، أما التقليد فله دور هامشي في اكتسابها. كما أن هناك خلافاً جوهرياً بين السلوكيين والمعرفيين حول دور العقل في اكتساب اللغة. فالمعرفيون يرفضون الرأي القائل بأن التعلم يحدث نتيجة لمؤثرات خارجية فقط، ويرفضون كذلك فكرة أن عقل الطفل صفحة بيضاء تؤثر فيها البيئة. أما المعرفيون فيرون أن اكتساب اللغة يتم بمهارات عقلية معقدة مرتبطة بكل من المؤثرات الخارجية. أما السلوكيون فيرون أن اكتساب اللغة يتم من خلال مهارات عقلية معقدة مرتبطة بكل من الذاكرة قصيرة الأمد "Short-Term Memory"، والذاكرة طويلة الأمد " Long-Term memory"Osaily,2003) )
وأجريت العديد من الدراسات لملاحظة العلاقة بين مراحل التطور المعرفي المقترحة من قبل بياجيه وبين المهارات اللغوية. وخلصت الدراسات إلى وجود علاقة عندما يكون عمر الطفل حوالي(18)شهراً. وعلى أي حالٍ من الصعب أن تظهر علاقة دقيقة بين سلوك معرفي محدد والعناصر اللغوية في هذه السن المبكرة. إن هذه القضية مثيرة للجدل وتزداد تعقيداً وخاصة كلما تقدم الأطفال معرفياً ولغوياً.
ومن وجهة نظر بياجيه فإن هناك وظيفتين أساسيتين للتفكير ثابتتين لا تتغيران مع تقدم العمر. وهما التنظيم (Organization) والتكيف. ((Adaptation. وتمثل وظيفة التنظيم نزعة الفرد إلى ترتيب وتنسيق العمليات العقلية، أما وظيفة التكيف فتمثل نزعة الفرد إلى التلاؤم والتآلف مع البيئة التي يعيش فيهاToug and Adas,1984) ).
ومن بعض المبادئ التربوية المستمدة من نظرية جين بياجيه ما يأتي:
1-ضرورة الاستفادة من أخطاء الطلاب في بناء مواقف تعلّميةٍ –تعليمية، نتجاوز بوساطتها جوانب الضعف في أدائهم.
2-إتاحة فرصة التفاعل بين الطفل وبيئته الطبيعية أو الاجتماعية يساعد كثيراً في تطوره المعرفي.
3-يجب علينا ألاَّ نصنف إجابات الأطفال عن أسئلتنا إلى إجابات صحيحة وإجابات خاطئة، لأن كثيراً مما نعتقده إجابات خاطئة، يعتبر صحيحاً بالإشارة إلى الإطار المرجعي لتفكير الأطفال.
4-يجب ألا نواجه الطفل بمشكلات تتطلب عمليات عقلية عليا تتفوق كثيراً على مرحلة تطوره المعرفي، كما يجب أن نوفر له الفرصة لممارسة النشاطات التي يؤهله نموه المعرفي لممارستها.
5-ضرورة بناء مواقف تربوية تتسم بالتحدي المعقول لقدرات الأطفال المعرفية، بحيث لا تصل مواقف التحدي هذه إلى درجة تعجيز الطلبة، وشعورهم بالتالي بالإحباط والفشل.
6-إن الطفل لا يفكر بالمستوى نفسه أمام جميع المواقف.
7-يلعب التفاعل مع الآخرين دوراً تعليمياً وتعلمياً بارزاً في المجال المعرفي الوجداني الاجتماعي.((Abo Jado,p.93-94.
وأجرى دريك بكرتن(Bickerton,1981) دراسة مهمة حول اللغات وخلص إلى أنّ هناك مجموعة من اللغات تربط فيما بينها أنماط لغوية وتطور معرفي، حيث افترض أن البشر هم" مبرمجون بيولوجياً" لاجتياز مرحلةٍ تلو الأخرى.

  

لم تتوقف الدراسات حول كيفية تعلم الطفل اللغة، وأجريت أبحاثٌ هائلة من قبل جميع أصحاب النظريات وأتباعهم. ففي مجال علم نفس اللغة قام روجر براون Roger Brown)) من جامعة هارفرد ودان سلوبن (Dan Slobin) من جامعة بيركلي بملاحظة سلوك الأطفال أثناء تعلمهم اللغة الأولى. وكان همهم البحث عن مدى صحة دليل تشومسكي "البناء العقلي" (Mental Structure) ومدى اتساقه في السلوك اللفظي في لغة المتعلمين.
ولقد تابعا حالة طفلين أحدهما عمره سنتان والآخر عمره ثلاث سنوات، وأبواهما حولهما وذلك لعدة سنوات، مستعملين أجهزة التسجيل، ليلمسا التعبيرات في المواقف المختلفة.
وجد عالما النفس اللغوي دليلاً قوياً، وهو أن بعض سلوك التعلم عام لدى جميع الأطفال بغض النظر عن اللغة التي يتعلمونها. وكانت هذه بداية جيدة لتأسيس وتطوير علم النفس اللغوي. ومعنى ذلك أنّ الأطفال الذين يتعلمون لغتهم أثناء طفولتهم، يستعملون أنواع البناء اللفظي نفسه، ويرتكبون الأخطاء نفسها، ولكن كل طفل بلغته.
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان إذ إن أي طفل في العالم يبدأ التفاعل والتناغم مع لغته " لغة الأم" إذ هي التي تبدأ تلقينه اللغة.


أُنموذج بيالستوك(Bialystok):
يعتبر بيالستوك من أشهر من فعّلوا النظرية المعرفية في تدريس اللغة الثانية (Biolytic, 1979, 1981, 1982, 1983, 1988, Bialystock and Sherwood smith, 1985).
ولقد تغيرت نظريتها مع الأيام مرات عديدة، مع تغير مصطلحاتها في آن واحد. إلا أن مبناها الأساسي لم يتغير. ترى بيالستوك ما يراه غيرها من العلماء مؤيدي هذه النظرية الذين تعرضوا إلى تعلم اللغة الثانية، فهي تؤكد بكل صراحة المبدأ الذي يقوم على أساس أن اللغة يجري تعامل العقل البشري معها بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع بقية المعلومات. والكفاية اللغوية يمكن تقديرها ببعدين: الأول البعد التحليلي(Analytical)، والثاني البعد الآلي (Automatically). Bialystok,1988:32) ).

نظرية كراشن:
إن نظرية كراشن(krashen,1987) في اكتساب اللغة الثانية قائمة على خمس فرضيات:
1- فرضية الاكتساب والتعلم A-The Acquisition-Learning hypothesis,
2- فرضية المراقبة B-The Monitor hypothesis,
3- فرضية الرتبة الوظيفية C-The Natural Order hypothesis,
4- فرضية المدخلات D-The Input hypothesis
5- فرضية الراشح الانفعالي E- And the Affective Filter hypothesis
يرى كراشن أن هناك ثلاثة عوامل توضح كيف يتعلم الناس اللغة الثانية؛ عاملان من خارج نطاق الوعي، وهو ما نطلق عليه المصفي أو الرّاشح (Filter) والثاني المنظّم((Organizer والثالث ضمن نطاق الوعي ويسمّى الموجّه (Monitor) (Dulay,Burt,and Krashen,1982).
أ‌-فرضية الأُنموذج المراقب أو الموجه(Monitor Model):
هذه الفرضية ترينا العلاقة المتبادلة بين الاكتساب والتعلّم. وترى بأنننا في طلاقتنا في إنجاز اللغة الثانية مدينون إلى ما اكتسبناه وليس إلى ما تعلمناه. إنّ التعلم موجودٌ كموجهٍ أو مرشد، ونلقن النطق عن طريق مقدرتنا المكتسبة، ثم نعود إلى قوانين الإدراك فيما بعد، ونستعمل الإدراك لتصحيح المخرجات من النظام المكتسب. وهذا يحدث قبل أن نتكلّم أو نكتب، أو من الممكن أن يحدث فيما بعد، وهو ما يطلق عليه مصطلح التصحيح الذاتي((Self-correction. أما مهمة المراقب اللغوي الرئيسة فتتلخص في تنظيم التعلّم وتقويمه بصورةٍ شعوريةٍ في المراحل المتقدمة من تعلّم اللغة الثانية . أما مدى استخدام التوجيه والإرشاد (Monitor) فيعتمد على الأمور الآتية:
1-عمر المتعلم.
2- كمية التعليمات الرسمية التي خبرها المتعلم.
3- الطبيعة والتركيز المطلوب عن طريق الأداء الشفوي الذي تم إنجازه.
4-شخصية المتعلم المتفردة. دوليه (Dulay,p.59)
وهذا ما يشار إليه " بالفروق الفردية" بين المتعلمين.
وقد أثبت حديثاً أنّ هناك ثلاث حالاتٍ ضرورية لنجاح المرشد والموجه "Monitor" وهي:-
الحالة الأولى: نحن بحاجة إلى وقتٍ للتعرف على القواعد ووضعها في حيّز التطبيق.
الحالة الثانية: نحن بحاجةٍ إلى التركيز على الأسلوب أو التفكير الصحيح.
الحالة الثالثة: نحن بحاجة لمعرفة القوانين. (بيرت ودوليه)Burt&Dulay,1978))
ب‌-فرضية المدخلات(Input Hypothesis):
يرى كراشن(Krashen,1976) أنّ المدخلات(Input) يجب أن تكون ذات معنىً وملائمة لحاجات التلاميذ ليُصار إلى فهمها وإدراكها. وهذه الفرضية تحاول أن تجيب عن سؤال مهم هو كيف نكتسب اللغة؟ وليس بمقدورنا أن نكتسب اللغة إذا لم نفهم المعنى المتضمّن في المدخلات، والمدخلات إذا لم تكن واضحة فهي خلط وإرباك. وتدخل في ذلك تطبيقات كثيرة، فمثلاً نستطيع أن نطلب من التلاميذ المبتدئين أن يمضوا بعض الوقت في مشاهدة التلفاز باللغة المستهدفة أو أن يستمعوا للمحادثة والتي يمكن أن تكون أعلى من مستوى فهمهم، ويمكن أن يستفيدوا من ذلك قليلاً.إن العالم خارج الفصل لا يستطيع أن يقدّم الأفضل، لذلك يفضل في البداية الانتظام في فصولٍ ولا سيما كبار السن لأن ذلك أفضل لاكتساب اللغة. وأكدَّ كراشن (Krashen,1985) أهمية تبسيط المعلم للمدخلات، لإمكانية تيسيرها وفهمها.
وناقش كل من تارون وليو((Tarone and Liu,1995 بموجب المعلومات التي توافرت لديهما بدراسة أجرياها ضمن ثلاثة مواقف، بأن تفاعل الدارس في مواقف متعددة يؤثر في عملية اكتسابه اللغة وسرعتها، ولكن بطرق ودرجات متفاوتة. بمعنى آخر "إن المدخلات وحدها غير كافية لاكتساب اللغة، لأن أي فرد عندما يستمع إلى اللغة، بإمكانه أن يفسر المعاني دون أن يفكر في قواعدها. فعلى سبيل المثال: إذا سمع أحد كلمة كلب ويعض وبنت، بغض النظر عن ترتيبها، فعلى الأرجح أن المعنى عض الكلب البنت. والأمر ليس كذلك في حالة المخرجاتOutput)) وذلك لأن الفرد مجبر على أن يضع الكلمات على الترتيب. لأن استخدام اللغة يجبر الدارس أن يتحرك من عملية دلالات الألفاظ إلى تركيب الجملة" ((Swain,1985. وباختصار يمكننا القول بأن المدخلات (Input) تتعلق بكيفية اكتساب اللغة الثانية، وليس في عملية تعلمها.
ويؤكد واجنر وقوف وهاش( (Wagner,Gough& Hatch,1975 ذلك بقولهم: "إن العالم الخارجي عاجزٌ عن تقديم مدخلاتٍ مفهومةٍ للبالغين في اكتساب اللغة الثانية بينما في الفصل يستطيع أن يقدم أفضل ". ومن المميزات الأخرى للمدخلات الجيدة، أن تكون ملائمة وذات معنى. إنه ليس من السهل في الوقت الحاضر أن يتبع الإنسان طريقة أو أن يتبنَّى نظرية من هذه النظريات، لأن النتائج التي تمّ التَّوصُّل إليها رغم إيجابية بعضها فهي لا تعطي حلاً شاملاً حول قضية " اكتساب اللغة". ومع ازدياد التجارب واستمرارها، وتدفق المعلومات وتحليلها، ، لم يتم التوصّل بعد إلى حقائق مؤكدة تغطي ما يرغب الإنسان في فهمه ومعرفته حول الأطفال، إننا بحاجةٍ إلى دراسات أكثر في المستقبل".
ويعتبر كراشن من أكثر المتحمسين والمؤيدين لأولوية المدخلات(Input) في اكتساب اللغة الثانية. ويؤيده كثيرون، منهم على سبيل المثال: بروفت ولارسن –فريمان ولونج، يرى بروفت (Brufit,1994) و(Larsen-Freeman&Long,1991):"أن المدخلات المكثفة ضرورية للنجاح في اكتساب اللغة الثانية. ولكن بشرط تبسيط هذه المدخلات حتى يتم استعمالها بفاعليةٍ من قبل المتعلّم، ليتحقق له اكتساب اللغة وإتقانها".
وفرّق كراشن(Krashen,1981 ) بين الاكتساب وعمليات التعلّم، فالأول يتعلّق بالفهم والتواصل أما الآخر فهو الوعي الموجه لاستعمال اللغة. وناقش كراشن أن عملية الاكتساب أكثر أهميّة من عملية التعلّم، ويجب أن تشجّع بالأَنشطة التي تمارس المحادثة لا تمارين القواعد النحوية أو المفردات. وهناك العديد من الباحثين في مجال اللغة يؤكدون تبادل العلاقات عن طريق مهارات اللغة الأربع:- الاستماع والتحدث والقراءة وعمليات الكتابة. كوهين(Cohen,1995).
ولكراشن كتابٌ عنوانه فرضية المدخلات: " Input Hypothesis " وعلّق سكوفل(Scovel,2001) على الكتاب بالقول:" إنّ هذا العنوان غير مناسب".
ويقرّر كراشن أنّ مستوى الصعوبة في مدخلات اكتساب اللغة الثانية، يجب أن يكون أعلى بقليل من مستوى المتعلّم وقدرته الاستيعابية للغة الثانية. وقد رمز لها بالمعادلة الآتية: i+I
أي إنّ المتعلّم يتحسّن باستمرار لأنّه يعطي اهتماماً للفروق بين المدخلات التي يفهمها (i) والفروق الأعلى مستوىً نسبياً في المدخلات التي يحصلّها (+I). وقد انتقد هذه النظرية كثيرون، وخلصوا إلى أنّ المزعج في الأمر أنّ كراشن قدّم هذه المعادلة، من دون أن يشرح بوضوح كيف تكون المدخلات ملائمة لتعلّم اللغة (Scovel, p85).
وقد رفض كلُّ من قاص وسيلنكر (Gass and Selinker,P.215) قول كراشن بأن المدخلات الكثيفة هي العامل الوحيد المؤدي إلى اكتساب اللغة الثانية. ويريان أن هناك خمس مراحل ضرورية للطريقة التي يتم بوساطتها تحويل المدخلات إلى مخرجات: 1- مدخلات مترابطة. 2- مدخلات مفهومة.3- موصل لهذه المدخلات.4- التكامل.5- المخرجات.

ج- الراشح الانفعالي(Affective Filter):
تجسّد هذه الفرضية وجهة نظر كراشن بأنّ هناك عدداً من المتغيّرات الانفعالية، تلعب دور الميسر لا السبب في عملية اكتساب اللغة، وهذه المتغيرات تشمل: الدافع، الثقة بالنفس، القلق. كراشن (Krashen, 1988).
ويعتبر كراشن (Krashen,1982) أن جميع مدخلات اكتساب اللغة الثانية تمر بوساطة مصفاةٍ يطلق عليها اسم الراشح الانفعالي (Affective Filter) وهو يستطيع أن يقلّص تدفق مدخلات اللغة إلى المتعلم، وذلك تبعاً لحالة القلق " Anxiety" التي تساوره. أي أنه كلما زاد القلق لدى المتعلّم قلّ لديه اكتساب اللغة، وكلما قلّ القلق ازداد تدفق اللغة الثانية واكتسابها، سواء أكان هذا القلق ناتجاً عن ظروفٍ شخصيّةٍ أو صفّيّةٍ.
لذلك فإن الرّاشح الانفعالي يعيق تعلم اللغة عندما يكون نشيطاً، أي عندما يكون الدارس في وضع انفعاليٍّ سيئ كالقلق والخوف، وانعدام الحافز والدافعية، والتهيّب وعدم الثقة بالنفس. وهذه الأوضاع العاطفية السلبية ترفع مستوى الراشح الانفعالي، وتقوي سماكته، فيعمل سداً يمنع وصول الدخل اللغوي إلى الدماغ. (AL-Abdan&Darweesh,1997).
ويرى الباحث أن تخفيف حدة هذا الدافع يعود إلى المدرس وما لديه من قدرات على تهوين هذا الأمر وتبسيطه لدى الدارس. ولقد ثبت أن العاطفة مصدر رئيسي للتعلم، والتعلم الجيد لا يستبعد العواطف عن عملية التعليم. ويرى بيرت الحائز على جائزة علماء الأعصاب، أنه عندما يفسح المجال للتعبير عن العواطف فإن أجهزة الجسم كلها تتحد، وعندما تكبت العواطف فإن شبكة الطرق السريعة في الدماغ تغلق، موقفةً بذلك سيلاً من المواد الكيماوية الإيجابية مثل السيروتونين والدوبامين التي هي جزءٌ من نظام المكافآت الداخلي الذي يعيق كثيراً من الأعمال البيولوجية والسلوكية في الجسم.((Pert,1997
إن الأبحاث الميدانية في أواخر القرن الماضي، بدأت تُظْهِرُ نتائج مخالفة للتوجهات السابقة. ففي رأي لي دوكس((Doux,1994 أن العواطف تثير الانتباه وتصنع المعنى، وأن لها مساراتها الخاصة في الدماغ. وأما كاغانKagan,1994,39)) فيرى أن الاعتماد على المنطق وحده من دون أخذ العواطف بعين الاعتبار قد يؤدي بمعظم الناس إلى القيام بأعمالٍ سخيفةٍ أو مربكة. إنه لا يوجد فصل بين العواطف والعقل، فالمنطق يمكن أن يساعدنا في تحقيق الهدف. ولكن الذي يوجه القوى ويسوق الجسم بإمكاناته لتحقيق ذلك الهدف هو العواطف والمشاعر. جانسن(Jansen, 1999,P.72)
ويقف سكوفل(Scovel,1978) في الصفّ المعارض لكراشن فيقول: "القلق كعدوّ لاكتساب اللغة أمرٌ غير معقول وغير دقيق ولا يمكن تبريره". ويشاركه علماءُ آخرون في وجهة نظره، ونصحوا بإعادة دراسته دراسةً موسّعةً. ومن هؤلاء العلماء إهرمان(Ehrman,1996 ).
ويرى الباحث أن الإنسان: جسم، وعقل، وروح. وأن على المربي أن يعالج هذه الجوانب مجتمعة ولا ينظر إلى كل واحدةٍ منها على حدة. وأن ترسيخ الإيمان عند الدارس كفيل وحده بالتغلب على القلق إذ إنّ القلق ينافي الإيمان والتوكل.

  - فرضية الاكتساب- التعلم: ( The Acquisition-Learning hypothesis )
إن هذه الفرضية من أهم فرضيات كراشن وأكثرها تأثيراً في نظريته، وأوسعها انتشاراً بين اللغويين ومتدربي اللغة. ويرى كراشن أن هناك نظامين مستقلين بخصوص اكتساب اللغة الثانية: النظام المكتسب ونظام التعلم. إن النظام المكتسب أو " الاكتساب "، هو نتاج ما وراء الوعي، وهو كثير الشبه بعملية اكتساب الأطفال لغتهم الأولى. والتي تتطلّب تفاعلاً ذا مغزى باللغة الأم بالتخاطب المنساب طبيعياً، حيث يركّز المتكلِّمون على التواصل لا على شكل النطق. أما بالنسبة لنظام " التعلّم " فهو نتاج التعليم الرسمي. ويجري ضمن نطاق الوعي، ونتيجته تتعلق بمعرفة اللغة والوعي بها، كمعرفة قواعد اللغة على سبيل المثال.
وبالنسبة لكراشن فـ " التعلّم " أقلّ أهميةً من الاكتساب " ((Schutz,2002.
5- نظرية بلياييف:
تجمع نظرية بلياييف العالم الروسي(Belyayev,1963) بين النظرية السلوكية والنظرية العقلية (Mentalist and Behaviourist). ويميّز بلياييف بين المعرفة والمهارات والعادات. وفيما يتعلق باللغة تتألف المعرفة عنده من حقائق مؤكدة حول قوانين لغوية. أما العادات فهي أفعال يمكن إنجازها من دون وعي فكري، وذلك كلفظ صوتٍ معيّنٍ أو كاختيار كلمات من المعجم. أما المهارات فهي مهارات اتصال تجري بوعي، مثل بعض أساليب استعمال اللغة تحت تأثيراتٍ خاصةٍ. وقد انتقد بلياييف التعليم القائم على شرح القوانين والقواعد المتعلقة بالتعليم Communicative Language)). ويرى أن التدريس يمكن أن يدفع المتعلّم للأمام إذا كان متضمناً لأنشطة تختار خصِّيصاً لتطوير هذه الجوانب الثلاثة. إلس(Ellis,p28)
-نظرية ديفيد أوزابل (David Ausabel):
تعتبر نظرية أوزابل إحدى النظريات التعليمية التي تعتمد على البنى المعرفية في تفسيرها لعملية التعليم والتعلم، فالتعلم يكون ذا معنىً لدى المتعلم إذا ارتبط ببنيته المعرفية المخزونة لديه. ويعد أوزابل البنى المعرفية إطاراً يشمل الحقائق والمفاهيم والتعليمات والقضايا على شكل تنظيمٍ هرمي، أعلاه المفاهيم الأكثر شمولاً وعمومية، ثم ينحدر تدريجياً مع التناقص كلما زاد الانحدار نحو قاعدته. Lawton,J.andWanska,S.1979)).
إن هذه النظرية المعرفية يمكن فهمها على أكمل وجه بالمقارنة بين الاستظهار من غير فهم مع التعلّم ذي الهدف المحدد. ويصف أوزابل التعلم عن طريق الاستظهار بأنه عملية احتواء للمادة تشتمل على وحداتٍ منفصلةٍ لا يربطها رابط، تتصل بالبناء المعرفي بطريقةٍ اعتباطيةٍ، دون أن تسمح بتأسيس علاقةٍ ذات معنى. أوزابل (Ausabel,1968).
وتهتم هذه النظرية بالعوامل الداخلية المنظمة وخاصة بدور العمليات المعرفية الفعلية في اكتساب اللغة وتعلّمها. وطبقاً لمفهوم هذه النظرية فإن التعلم ذا المعنى يساعد في تقبل المعلومات الجديدة وإضافتها إلى المخزون أو البنية السابقة. وقد قامت هذه النظرية على نتائج الدراسات والأبحاث في ميداني علم النفس وعلم النفس اللغوي. ومن مبادئ هذه النظرية الأساسية ما يأتي:
1-إن التعلم مهارة معرفية معقدة تتضمن استعمال أساليب متنوعة للتعامل مع المعلومات للتغلب على المحدودية اللغوية.
2-إن تعلم لغةٍ ثانيةٍ يعني تعلّم المهارة اللازمة لذلك، ويتطلب ممارسة جميع جوانب هذه المهارة حتى تصبح متكاملة كأداءٍ لغويٍّ طلقٍ وسليم إلى أن يصبح الأداء آلياً. وفي حال اكتساب اللغة فإن هذا التمَّثل يعتمد على نظام لغويٍ يشمل إجراءاتٍ لاختيار المفردات والتراكيب والمعاني المناسبة التي تحكم الاستعمال اللغوي ((Sumadi and Abd Al hug ,1998.

نظرية اللغويات- النفسية(Psycholinguistics Theory):
استخدم مصطلح علم النفس اللغوي((Psycholinguistic لأول مرة منذ الخمسينيات، وهو يتناول المناهج اللغوية لوصف المخرجات(Output) بالنسبة لمستخدمي اللغة، وعلى وجه الخصوص تحليل الوحدات اللغوية. ويدلنا هذا المصطلح على نقلة نوعية وتغيير في اتجاهات علماء النفس نحو السلوك اللغوي. ويطلق على هذه النظرية اسم(Holo Dynamic Model) وباختصار(H. D .M) وهي قائمة على فكرةٍ مفادها أن تعلّم اللغة الثانية يتحقّق من تفاعل عناصر ذات طبيعةٍ سيكولوجيةٍ ومعرفيةٍ، والتي تكون تحت سيطرة الصفات الشخصية للمتعلّم. وشخصية المتعلّم يجب أن تكون عنصراً أساسياً في تعلّم أيّ لغة، كما يجب أن تكون عنصراً رئيسياً من عناصر أي نظريةٍ من نظريات تعلّم اللغة الثانية. (Salma- Cazaco,1961).
والمقصود بالشخصية نظام العلاقات المفتوحة الذي يربط ما في داخل الفرد مع المحيط الخارجي. ويقول نوتن(Nuttin, 1968): الشخصية " هي تفاعل النفس(Ego) مع العالمWorld))". " إن الجمع بين الشخصية والبيئة يشكل نظاماً مفتوحاً" كما يقول بيرتنالفي Bertanalffy,1950)).
ويتألف هذا الأنموذج من ثلاثة مستويات مرتبة على شكلٍ هرميٍّ: الأعلى ويطلق عليه (Tactic Level): وهو السطح الأول في البناء اللغوي. والمستوى الثاني ويطلق عليه: (Strategic) وفي هذا المستوى يبدأ الفرد باستنتاج القوانين، ويختار ما يناسبه من الأحداث اللغوية. إن كل ما يقوم به المتعلّم هو أمر عقلي ومعرفي بطبيعته. أما المستوى الأخير فيطلق عليه:
( (Ego-dynamicوهذا المستوى يتكون من المتغيّرات الشخصية، كالخبرة، والاتجاهات والحالات الانفعالية، وأسلوب التعلم، والوعي العقلي. وهذه المظاهر جميعها تنسق وتضبط المستويين الأوّل والثاني، وأكثر من ذلك فهي تربطهما بالعالم الخارجي.(Titone,1981).


الخلاصة:
إنّ استعراضنا لنظريات اكتساب اللغة نابع من شعورنا بأهمية اللغات في عالم اليوم، وهي ضرورة يفرضها الأمر الواقع. وقد أخذت به معظم الأمم المتقدمة منها والنّامية. وذلك لمواكبة التطوّر، وتوسيع المدارك والاطِّلاع على تجارب الآخرين، وصدر بيان عالمي عن الأمم المتحدة عام 2001 يبين أهمية تعلم اللغات في عالم اليوم.
-إنّ تدريس اللغة الثانية لا يعني امتياز هذه اللغة أو تفوّقها على اللغة العربية، ولكن ينصح بتدريسها في مرحلةٍ متأخّرةٍ، وذلك بعد أن يكون التلميذ قد استوعب أساسيات لغته الأم، وأتقن فعالياتها وتشبع بثقافته الوطنية، ويكون ذلك في صالح اللغتين(الأم والثانية).(Beadsmore,1982).
-إنّ تدريس اللغة الثانية يساعد في تطوير لغتنا العربية، سواء أكان تدريسها كلغةٍ أولى أو كلغةٍ ثانية. ومعلوم أنّ هناك ملايين المسلمين من غير العرب لا يتقنون العربية لغة القرآن الكريم وهم بأمسّ الحاجة لتبسيطها وتسهيل انتشارها، لذلك أصبحت الحاجة ماسّة للاستفادة من تجارب الآخرين، الذين سهلوا استيعاب وانتشار لغتهم حتى أصبحت اللغة الأولى في العالم. ولقد سجل علماؤنا سبقاً بعيداً في هذا المضمار، فالإمام الشافعي قال: أرى أن لا يجري عقد زواج بين مسلمٍ لا يتقن العربية ومسلمة تتقنها إلا إذا عرف من اللغة ما يعنيه عقد الزواج.
-إنّ الاطلاع على نظريات اكتساب اللغة الثانية يساعدنا في إعادة النظر في لغتنا؛ مفهومها ووظيفتها، حيث طرأت ظروف وأهدافٌ جديدةٌ وكذلك طرقٌ حديثة لتعلّمها وتعليمها.
-إنّ دراسة نظريات اكتساب اللغة الثانية، ستجعل المدرّسين قادرين على أن يحدّدوا فرضياتهم حول تعليم جيد، ويتمكنوا من تطوير أفكارهم الخاصة فيما يتعلّق بالمتعلّمين الذين يدرسونها وكيف يكتسبون اللغة الثانية.
-تزوِّد المسؤولين والقائمين على إعداد المناهج وتطويرها بالمعلومات ووجهات النظر المختلفة التي تمكنهم من استخدامها عند اتخاذ قراراتهم التربوية، وتساعدهم في تكوين فرضياتهم الخاصة بهم، بما يعود عليهم وعلى لغتهم بالخير.
-تقدّم الدراسة بعض المؤشرات والمعلومات التي تساعد على تكوين مشروعات تفيد في صياغة تعليم اللغة الأجنبية، وذلك على أسس علميّةٍ سليمةٍ.
-تقر هذه الدراسة بأن الأَطفال أسرع في تعلّم اللغات وفي إتقان ألفاظها من الكبار، ولكنهم أبطأ من الكبار في تعلم النحو والبنى اللغوية على الأقل في المراحل المبكرة من التعلّم. تشومسكي (Chomsky) وقد ضرب العرب بهذا الأمثال كقولهم:" العلم في الصغر كالنقش في الحجر". وقال شاعرهم:
إذا المرء أعيته المروءة يافعاً فمطلبها كهلاً عليه عسير
-تلعب عدة عوامل دوراً كبيراً ومؤثراً في اكتساب اللغة، مثل العوامل الاجتماعية والعمر والجنس والعوامل الشخصية الأخرى كالذكاء والدوافع والاتجاهات. لذلك وجب على التربويين وأصحاب القرار التربوي والمدرسين مراعاة ذلك، عند وضع المناهج والخطط وتطبيقها في حجر الدراسة.
-لقد اتضح من الأبحاث المتعلقة باكتساب اللغة بعامة، وعلم النفس المعرفي بخاصة، أنّ اللغة ليست وسيلة للتخاطب الخارجي فقط، بل هي النظام الأساسي الذي يستخدمه الإنسان في التفكير حيث إن للغة دوراً في صياغة التفكير، والمساهمة في التشكيل الثقافي والارتباط بالجذور، وتحقيق النقلة الثقافية المناسبة.
-إن الطلاب في البرامج ثنائية اللغة عندما يقارنون بطلاب أحاديي اللغة، تكون نتائجهم أفضل بشكل خاص في القراءة، والرياضيات والإنجليزية، بالإضافة إلى جوانب تحصيلٍ ذات دلالة في مهارات الاستماع والقراءة والكتابة والاتجاهات نحو المدرسة.
وفي هذا يقول الشاعر:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه
وتلك له عند الشدائد أعوانُ

فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا
فكل لسانٍ في الحقيقة إنسانُ

-الاستفادة من خبرات وتجارب المعلمين في البرامج ثنائية اللغة، وذلك لاستعمالهم الكثير من المهارات الفعالة في تدريس اللغة، نظراً لتطور الوسائل المصاحبة لتدريس هذه اللغة، والتي خضعت لملايين البحوث من قبل أصحاب هذه اللغة وغيرهم. وهذا عكس واقع اللغة العربية حيث أهملها أبناؤها. مع العلم أنّ هناك عشرات البحوث للمختَّصين والمهتمين من العلماء والبحاثة العرب تهم وتخص اللغة الإنجليزية.
-لا توجد نظرية واحدة يمكن الاعتماد عليها في مجال اكتساب اللغة، ويمكن الإفادة من مبادئ وفعاليات المنهاج التكاملي. ويمكن الاستفادة أيضاً من توليف جوانب متعددة ظهرت إِثر عرضنا لهذه النظريات في ثنايا هذا البحث المتواضع.
-ما نستخلصه من النظريات السابقة لا يشكل لدينا طريقة مفصلة لتعليم لغتنا العربية، ولكن بحذاقة المختصين بالتعليم وإخلاصهم يمكن أن ينجحوا في اختيار الطرق المناسبة لنجاحهم في مهمتهم.
يلاحظ أن الدراسات المتعلقة باللغة عامة غربية المصادر، ولا يوجد أي إشارة أو اهتمام بالدراسات اللغوية عند العرب رغم أسبقيتهم بمعرفتها منذ مئات السنين.
ويرى الباحث أن أسباب إحجام اللغويين الغربيين عن ذلك، هو ارتباط اللغة العربية بالنص القرآني، وبالقيم الحضارية للعرب. ولو أن الغربيين وغيرهم وظَّفوا جانباً من اهتمامهم ودراساتهم نحو الدرس اللغوي عند العرب، لوجدوا فيه فيضاً من العطاء ووفروا جهداً كبيراً وخدموا اللغات وأنصفوا علماء اللغة العرب.

* يوجد هذا البحث في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد(70 ) عام(1427هـ) من الصفحة 69إلى 90