التعليم حق من حقوق الإنسان في الإسلام    

ملخص :

 

يستهدف البحث الحالي الكشف عن موقع حق التعليم ضمن حقوق الإنسان   كما عبر عنها الإسلام في مصدريه الأساسيين: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة     ، ثم ما تبعهما من اجتهادات لبعض من المفكرين والعلماء. وفي سبيل هذا فقد عرض البحث   أولا تحليلا موجزا لحقوق الإنسان في الفكر العالمي, ثم بين العلاقة الوثيقة في   عصرنا الحاضر بين حق التعليم وبقية حقوق الإنسان إلى الدرجة التي تنفي أحدهما إذا   انتفى الآخر.

وأكد البحث على تلك المكانة العالية التي احتلها التعليم, والتعليم في   النصوص الإسلامية الأساسية, ثم بين أن المجتمع بالتالي, وكذلك الفرد, كل منهما   مسئول مسئولية دينية عن توفير التعليم لكل إنسان, وأن التعليم في التصور الإسلامي   لم يقتصر على مجال معين وإنما اتسع باتساع آفاق الكون المختلفة, ويفتح الباب   بالتالي للإنسان كي يقتحم كل المجالات, ما دام مسلحا بروح البحث العلمي ويعمر قلبه   بالإيمان بالله عز وجل.

 كذلك أشار البحث إلى جمهور المستفيدين من حق التعليم, فهم   كل أبناء المجتمع لا استثناء لفئة ما, إناثا وذكورا, فقراء وأغنياء أسوياء ومعاقين، أطفالا وكبارا-- وهكذا, وبذلك بَعُد التعليم في الإسلام عن أي شبهة تجعله تعليما   طبقيا للصفوة من الناس.

وكان لا بد للبحث أن يبين عددا من الطرق والأساليب التي عن   طريقها يستطيع المربون أن يقوموا بواجبهم في تيسير سبل الحصول على حق التعليم ،   وكذلك بيان بعض الإجراءات اللازمة لتحقيق هذا الهدف.

وانتهى البحث إلى أن تمتع   الإنسان في مجتمعنا المسلم بحقه في التعليم, وفقا للتصور العلمي التربوي الإسلامي   الصحيح من شأنه أن يبث عوامل قوة في البناء الاجتماعي, مما يجعل أمتنا أمة قوية   تستطيع أن تكون نموذجا تحتذي به الأمم الأخرى  .

 

 

 

  

المقدمة :

من أهم ما تتميز به العملية التربوية (إنسانيتها) فموضوعها الأساسي هو الإنسان , ذلك لأنها تحاول شخصيته بالتكوين والتنشئة والتكوين والتطوير حتى يصبح إنسانا جديرا بالقيام بواجب الإستخلاف الذي أناطه به خالقه سبحانه .

وإذا كان الإنسان هو موضوع التربية فهو كذلك هدف رئيسي لها , فكل ما تسعى التربية إلى تنشأة الإنسان عليه إنما يستهدف خيره وسعادته .

والتربية لا تستطيع أن تنجح في عملها إن لم تراعي في كل خطواتها وبرامجها وإجراءتها دولفع الإنسان الذي تربيه وطبيعته , وما يحمله بالفطرة من قدرات وإستعدادات .

وهكذا يكون الإنسان هو لحمة العملية التربوية وسداها .

وهو في كل هذا لابد أن يكون إنسانا له كرامته التي تحترم وله حاجاته النفسية والإجتماعية والإقتصادية التي لابد أن تشبع بقدر ما يبذل من الجهد وبالقدر الذي يستحق من غير عنت        ولا مذلة .

وهو لابد أن يمارس ما وهبه الله من عقل وظيفته الأساسية التفكير حر بلا خوف ولا قلق .

لقد ظهرت منذ الربع الأول من القرن العشرين نظم سياسة وإجتماعية زعمت أنها ستهيء للإنسان جنة أرضية يرفل فيها نعيما وسعادة , وصدق كثيرون هذا الزعم خاصة أن الدولة القائدة التي كانت تسمى الإتحاد السوفيتي قد إستطاعت أن تكون القوة الثانية على مستوى العالم عسكريا , واستطاعت كذلك أن تخرج من حيز الأرض لتطرق أبواب كواكب أخرى .

ثم إذا بالزيف ينكشف .. لقد تم التقدم السياسي والعسكري والتكنولوجي , الذي لا يمكن إنكاره , على حساب الإنسان .. تحول الإنسان إلى وسيلة لإضفاء هالات المجد والقوة على المجد القائم وزعمائه ومن هنا عندما جاءت اللحظة التاريخية المناسبة .. سقط البناء الإمبراطوري الضخم غير مأسوف عليه بغير طلقة رصاص واحدة , وهو حدث غير مسبوق في التاريخ .

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا الفشل المدوي إنما لأن هذا البناء الضخم قام على إنسان مهزوم من الداخل مشلول الإرادة , معطل التفكير الحر المتنوع , مقطوع اللسان , مقهور العواطف يسكن الخوف قلبه.وجماع هذا كله أن الإنسان في هذا النظام السابق , كان فاقد لحقوقه الأساسية .  

وفي يقيننا أن "التعليم" يحتل موقع القيادة بين تلك الحقوق جميعا...

فبقدر ما يحصل الإنسان على المعرفة بقدر ماتتسع دائرة حريته ...

وبقدر ما يحصل الإنسان على المعرفة , بقدر مايدرك مصادر الثروة ووسائل استغلالها , وبقدر ما يحصل الإنسان على المعرفة , بقدر مايستطيع أن يدافع عن كرامته ..وهكذا .

وتشير كل نصوص الإسلام من قرآن وسنة إلى تقدير وتكريم للإنسان لم تعرفه عقيدة , ولم يعرفه مذهب من قبل .

وقد جاء التعليم في التصور الإسلامي في موقعه المأمول .. حقا إنسانيا , بل واجبا كذلك لتفجير طاقات الإنسان من أجل عمارة الكون . ومن هنا تجيء الدراسة الحالية .   

 

مشكلة البحث :

تسعى الدراسة الحالية إلى أن تجيب عن التساؤل الرئيسي التالي وهو :

إلى أي حد وعلى أي وجه استطاع الإسلام أن يوفر للإنسان حقه في التعليم ضمن تصور عام لحقوق الإنسان ؟

 

تساؤلات البحث :

والإجابة عن هذا التساؤل الرئيسي تستلزم محاولة الإجابة عن عدد من التساؤلات الفرعية :

1.     ما أهمية حقوق الإنسان بالنسبة لتربية الإنسان ؟

2.     ما أبعاد التصور العالمي لحقوق الإنسان عامة وحق التعليم خاصة ؟

3.     ما أبعاد التصور الإسلامي لحقوق الإنسان ؟

4.     ما أبعاد التصور الإسلامي لحق الإنسان في التعلم ؟

 

أهمية البحث :

إن قدر الإنسان في ظل الإسلام رفيع , والمكانة المنشودة له تجعله سيدا في الأرض والسماء ذلك لأنه يجمل بين جنبيه نفحة من روح الله تعالى وقبسا من نوره الأقدس , وهذا النسب السماوي هو الذي رشحه ليكون خليفة عن الله في أرضه .

وقد تعهد الله جماهير البشر برسله كي يقودوا القافلة البشرية ويهدوها الطريق , ثم جاء الإسلام بتعاليمه الخالدة من كتاب وسنة مقررا للإنسان حقوقا توفر له أمنه المنشود , وخير الحياة المأمول.

ولقد تنبهت المجتمعات إلى أهمية حقوق الإنسان , لكنها في البداية لم تتجاوز الجوانب السياسية والمدنية , ثم زادت حساسية الجماهير , وبدأ تطلعها إلى آفاق أعلى , فتقررت الحقوق : الإجتماعية , والإقتصادية , والثقافية .

ولما كان التصور الإسلامي مبنيا على ما قرره سبحانه وتعالى في قرآنه المجيد وسنة النبي صلى الله عليه وسلم , يصبح هو الأنسب والأوفى للإنسان وفقا للقاعدة التي تقرر أن صانع الشيء هو الأدرى بطبيعته وتشغيله وسد حاجاته , فالله هو خالق الإنسان , وبالتالي هو سبحانه وتعالى ألأعلم بما هو حق للإنسان .

 

وإذ تسعى الدراسة الحالية لإستجلاء الخطوط العامة والملامح الرئيسية لحقوق الإنسان في الإسلام, لتكثيف  الجهد البحثي التحليلي على حق التعليم , فإنها تقدم بذلك خطوة على الطريق يمكن أن تفيد وتعين في بناء شخصية المسلم فردا وتفيد وتعين في بناء الأمة الإسلامية .

 

أهداف البحث :

 

تسعى الدراسة الحالية أن تحقق الأهداف التالية :

-    التعرف على الدور الذي يمكن أن تقوم به حقوق الإنسان في توفير المناخ الصحي الملائم لتنشئة الإنسان تنشئة سوية .

-          الكشف عن الجوانب المختلفة لما توصل إليه المجتمع الدولي من حقوق الإنسان .

-          تحليل الأبعاد المختلفة للتصور الإسلامي لحقوق الإنسان .

-          إبراز المفاهيم والجوانب والركائز المختلفة للتصور الإسلامي بالنسبة لحق الإنسان في التعليم .

 

منهج البحث :

باعتبار الطبيعة الخاصة بقضية البحث ومشكلته – فإن المنهج الوصفي هو الأكثر ملاءمة للدراسة, حيث يتطلب في حالتنا هذه الإعتماد على الوصف التحليلي واستقراء النصوص الأصلية واستنباط المعاني والمفاهيم المتصلة بالموضوع ثم محاولة استخدام " التركيب " لتقديم صورة كلية تحاول من خلالها أن تستوفي جوانب القضية .   

  

   خاتمة :

الذي يمكن أن ننتهي به من هذه الدراسة , هو أن الإنسان في أمتنا العربية الإسلامية يواجه عقبات ومشكلات عدة تحول بينه وبين الاستمتاع المطلوب بما له من حقوق .

وقد حفلت الكثير من  المواثيق حقا بمثل هذه الحقوق , وفاضت أنهر دراسات وبحوث بها , لكن القضية ليست قضية نصوص وخطب , بقدر ما هي قضية (( تربية )).. تنشئة للإنسان المسلم على ممارسة حقوق الإنسان , ومن هنا فإن تمتع هذا الإنسان بحق التعليم من شأنه أن يمهد السبيل إلى ذلك , والأهم من هذا هو ما يعيشه المجتمع المسلم من قيم مستمدة من الإسلام وما يقوم عليه من أسس تستنبط من العقيدة الإلهية .

ودرجة توافر الإيمان بعقيدة الإسلام إيمانا تؤججه المشاعر السوية ,ويقوم على العقل الرشيد ويشخصه سلوك مستقيم .  

-------------------------------------------------------------------------------------------

                               أد. آمال بنت حمزة المرزوقي أبو حسين .

دكتوراة الفلسفة في التربية تخصص أصول التربية من عين شمس – جمهورية مصر العربية وذلك عام 1407هـ .

                  كلية التربية – جامعة أم القرى – المملكة العربية السعودية