قائمة الروابط

    الجمال سر من أسرار القدرة الإلهية ودليل عليها، وهو يُدْرَك بالحس والقلب، وليس من السهل تعريفه أو حده بأوصاف أو رسوم أو عبارات، وهو شعور داخلي قد يترجمه صاحبه في عبارات أو إشارات، وقد يظهر في لغة الملامح والتقاسيم، والإحساس بالجمال عجيب في كيان الإنسان حيث يحدث توافق بين الحس البشرى والجمال الخارجي من خلال المُدْرَكات الحسية التي وهبها الله للإنسان .

وتهدف التربية في أسمى حالاتها إلى تحقيق النمو المتكامل للمتعلم في مختلف النواحي: الجسمية، والنفسية، والاجتماعية والتي تُحقق التوافق بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه؛ والوصول إلى هذا الهدف يتطلب جهداً غير يسير من قبل المؤسسات التربوية والمجتمعية، ولكي يتم ذلك بصورة مرضية يجب أنْ يتاح للمتعلم ممارسة عدد من الأنشطة والخبرات التي تؤهله لاكتساب المعلومات والاتجاهات التربوية، والمهارات العملية من حيث كونها جوانب أساسية من مكونات العملية التعليمية([1]).

ونعرض هنا لمفهوم التربية الجمالية ووظائفها وأهدافها "حيث يعرض مفهوم الجمال، وخصائصه، ثم يعرض لمفهوم التربية الجمالية وأهميتها في الحياة البشرية، ووظائفها المتعددة والأهداف التي تسعي إلي تحقيقها على النحو التالي.

أولاً : مفهوم التربية الجمالية :

 أ- مفهوم الجمال لغة واصطلاحاً:

اختلف الناس في ماهية الجمال اختلافهم في الأذواق والمشارب، واختلفت مقاييس الجمال ومعاييره باختلاف الأمم والشعوب، ولا يكاد يكون هناك عضوً من أعضاء هذا الكون إلا أُوِدع معنى من معاني الجمال أو نُسِب إليه عنصر من عناصر الجاذبية.

والإحساس بالجمال قديم قدم الوجود البشرى، ويتضح ذلك في الرسومات والزخارف التي تزخر بها الكهوف والآثار العمرانية للحضارات القديمة، كما اهتم الفلاسفة بالجمال على مر العصور اهتماماً كبيراً فنشأ في الفلسفة فرع يسمى علم الجمال، كما نشأ في علم النفس فرع مستقل أطلقوا عليه سيكولوجية الجمال يهتم بالدرجة الأولى بدراسة الجمال كدراسة تجريبية وتحديد المبادئ التي يبنى عليها التعبير الجمالي بمختلف وسائله([2]).

ولقد نشأ التفكير في الجمال قديماً منذ العصر اليوناني حين بحث أفلاطون في فكرة الجمال وكيف تتمثل في الموجودات المحسوسة والأعمال الفنية إلاَّ أنَّها مثال خالد في عالم المُثُل أو العالم الذي يفوق الواقع، كما بحث أرسطو في عالم الفن وانتهي إلي أنَّ الفنون الجميلة هي نوع من المحاكاة لكنها محاكاة لا تتساوى بالنزعة الطبيعية أو النقل الحرفي لما هو في الطبيعة بل محاكاة لما ينبغي أنْ يكون، ثم ظل البحث في المجال مستمراً بعد ذلك في تاريخ الفلسفة ومرتبطاً بالتأملات الميتافيزيقية، وتحدث الفلاسفة عن الجمال العقلي وعن الجمال في العصور الوسطى باعتباره مظهراً وجزءاً من علم الإلهيات، أما الفنون التي تُعرف بالفنون الجميلة فقد توزعت في تصنيف العلماء؛ فارتبط الشعر بالنحو والخطابة ليكونوا ما يسمي بفنون الثلاث، وردت الموسيقي إلي الحساب والفلك والهندسة لتكون فنون الرباع، وجميعها الفنون الحرة السبعة، أما التصوير والنحت والعمارة فقد عُدت من ضمن الصناعات([3]).

إنَّ فلسفة الجمال فلسفة قديمة وجديدة معاً، فقد عالجها الفلاسفة المتخصصون منذ أقدم العصور، وتناولها فلاسفة اليونان بأقلامهم، وعادت فأصبحت من جديد ذات شأن على يد المحدثين وبخاصة عند فلاسفة الألمان، ثم تطورت في الأيام الأخيرة تطوراً ملحوظاً وصارت تأخذ طابعاً جديداً؛ فالإنسان يسعى لاكتشاف الجمال أولاً، ثم يحرص على أنْ يحقق الأعمال الفنية والأدبية ثانياً، ثم يهتم بأنْ يعبر عن حسه الجمالي بصورةٍ أو أخرى ثالثاً، ومن هذا المنطلق تطور علم الجمال وتفرعت أقسامه وجوانبه وظهر موضوعه فأصبح يهتم أولاً بتحليل اللذة المصاحبة للإحساس بما هو جميل، وأصبح يحرص ثانيا علي تحليل القيمة والتقديرات الذوقية، ثم صار ثالثاً يهتم بوضع نظرية لتحديد الشروط التي يُصْبِح الشيء الجميل جميلاً بناءً علي توافرها في المرئيات([4]).

وهكذا ظهر الجمال كفلسفة وعلم له استقلاله الذاتي الذي يتمتع به كأي علم في الوقت المعاصر، أما ما عُرِف قديما فهو لمحات جمالية أو نظرات جمالية، ويمكن القول بأنَّ الجمال كموضوع ظهر عند فلاسفة اليونان ثم تحول إلي علم مستقل قائم بذاته على يد فلاسفة القرن الثامن عشر ومن تلاهم بعد ذلك حتى الوقت الحاضر.

والجمال سمة بارزة من سمات هذا الكون، فالخالق سبحانه وتعالى صنع الكون وأحسن صنعه، وخلق فأبدع، وأمرنا – سبحانه- بأنْ ننظر ونتبصر ونتدبر خلقه في السموات والأرض، وفى عالم البحار والنبات، وعالم الحيوان والطيور والحشرات ، وذلك لإدخال السرور والبهجة إلى النفس بجانب تقوية العقيدة في قدرة الخالق المبدع، وليعتبر الإنسان ويتعود النظام والإتقان في العمل والدقة في الصنعة، كما أنَّ الفرد مأموراً بأنْ يكون مهندماً وجميلاً في مظهره وملبسه ومسكنه بعيداً عن التبرج والكِبْر والخيلاء.

ويُسْتَعمل الجمال ليدل على علم معين يبحث في شروط الجمال ومقاييسه، ونظرياته، والجمال مصدر "جَ- مُ - لَ" وهو عبارة عن الحُسْن في الخَلْق والخُلُق والفعل، يتضح هذا المعنى من خلال أقوال علماء اللغة، ومن خلال اصطلاح علماء فلسفة التربية والمفكرين والتي يتناول الباحث بعضاً منها كالآتي:

الجمال مصدر الجميل، والفعل جَمُل وقوله U: ) ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ( (النحل: 6)، أي بهاء وحُسْن. قال ابن سيدة: الجمال الحُسْن يكون في الفعل والخلق، وقد جَمُل الرجل بالضم جمالاً فهو جميل، والجُمَّال بالضم والتشديد أجمل من الجميل، وجَمَّله أي زينه، والتَجّمل: تكلف الجميل. قال ابن الأثير: والجمال يقع على الصور والمعاني؛ ومنه الحديث:"إنَّ اللهَ جميلٌ يحب الجمال" أي حَسَن الأفعال كامل الأوصاف. والمُجَاملة: المعاملة بالجميل، ويتفق رأى مجد الدين الفيروز أبادي والخليل بن أحمد مع الرأي السابق في تعريف الجمال وأنَّه مصدر الجميل وهو عبارة عن البهاء والحُسْن([5]).

وفى معجم مجمل اللغة والمصباح المنير وجمهرة اللغة: الجمال ضد القُبْح، والجميل ضد القبيح، وأجملتُ الشئَ إذا حصلته، ويقال: جمالك أي أجمل ولا تفعل ما يشينك، قال أبو ذؤيب: جمالك أيها القلب القريح  ..  ستلقى من تحب فتستريح، والجمالي: الرجل العظيم الخلق، قال سيبويه: الجمال رقة الحسن والأصل جماله بالهاء لكنهم حذفوا الهاء تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وتجمل تجملاً: تزين وتحسن إذا اجتلب البهاء والإضاءة، وأجملت الشئ إجمالاً: جمعته من غير تفصيل عن تفرقة وأكثر ما يُسْتعمل ذلك في الكلام الموجز([6]).

أما في مختار الصحاح والمنجد: الجمال الحُسْن، وجَمُلَ جَمَالاً: حَسُنَ خَلْقاً وخُلُقاً فهو جميل وهى جميلة، وجَمَّل: صيره جميلاً، وجامل: أحسن معاملته وعشرته أو عامله بالجميل ولم يصفه الإخاء، وأجمل الشئ: حسَّنه وكثره وفى الكلام: تلطف، وفى الطلب: اعتدل. والجميل: الإحسان والمعروف، الجمال: الأجمل من الجميل، المجاملة: المعاملة بالجميل([7]).

وفى معجم ألفاظ القرآن الكريم وقاموس الألفاظ والأعلام القرآنية والموسوعة القرآنية: الجمال البهاء ورقة الحُسْن، والصبر الجميل: الذي لا تبرم معه، والصفح الجميل: الذي لا عتب فيه، والسراح الجميل: ما كان مصحوباً بإحسان وهو كناية عن الطلاق، والهجر الجميل: الذي لا أذى فيه([8]).

أما في المعجم الوجيز: (جَمُل) جمالاً: حَسُن خلقه. (أجمل في الطلب): أتأد واعتدل وفى الحديث "أجملوا في طلب الرزق فإنَّ كلاً ميسر لما خُلِق له"، والشئ: جمعه عن تفرق، (تجمل): تكلف الحُسْن والجمال واتصف بما يجمل، (الجمال) في الفلسفة: صفة تُلحظ في الأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضا. و(علم الجمال): باب من أبواب الفلسفة يبحث في شروط الجمال ومقاييسه([9]).

يُلاحظ من التعريفات السابقة للجمال عند علماء اللغة أنَّ الجمال: مصدر الجميل وضده القُبْح، وهو يُعْنى: الرقة والحُسْن والبهاء، وهو أيضاً الذي يبعث في النفس البشرية السرور والارتياح والاطمئنان والرضا، ويتضح أنَّه لا خلاف بين الحُسْن والجمال في التعريفات السابقة لكن يرى الباحث أنَّ الجمال ما يُدْرَك بالنظرة الأولى للشكل العام للشئ الجميل، أما الحُسْن فهو ما يتناول الأجزاء بالتفصيل ويُعرف بالتأمل وإعادة النظر في الشئ ودقة الفحص؛ كما أنَّه قد ترد ألفاظ في اللغة بمعنى الجمال كالملاحة والوسامة والوضاءة والنضرة والبهجة لكنها مترادفات لمعنى واحد هو الجمال والذي يصعب تعريفه تعريفاً محدداً لأنَّ مقاييسه تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأذواق.

أمَّا في الاصطلاح: الجمال يُعْنى شيئاً أشمل من الفن، يُعْنى الحس والبهجة والمسرة التي يدركها الإنسان في كل ركن من أركان هذا الكون الذي سوَّاه الخالق الأعظم، فالجمال يُرى في الأرض وفى السماء وفى البحار، يُرى في الأشكال المتنوعة للبشر والحيوانات والأسماك والطيور والأزهار وشتى الثمار، ويقابل الجمال (القُبْح) وهو يُعْني كل شئ يُثِير النفور والاشمئزاز والبغض والكراهية([10]).

أي أنَّ الجمال بمعناه الشامل لا يقتصر على الفن كما يظن البعض، بل يتضمن كل شئ أوجده الخالق، فالطبيعة بكل ما فيها من خضرة وأشجار وأنهار ووديان وجبال وسماء وأرض وحيوانات وطيور وفراشات وزواحف وأسماك وشتى المخلوقات كلها تتضمن مقومات جمالية، ولكن إذا كان الفن يتضمن الجمال كما تتضمنه الطبيعة فما الفرق بين مفهوم الجمال في الحالتين ؟.

إنَّ الجمال الذي ينتجه الفن محاولة إنسانية متخصصة لكشف النقاب عن قوانين الجمال ذاتها من توافق وإيقاع ونسب وترديد يكشفها الفنان بتجاربه الناجحة التي توضح هذه القوانين الجمالية، وبعد أنْ تتضح تلك القوانين يُصْبح في الإمكان تطبيقها على مجالات أخرى، أما الجمال بمفهومه الثاني الذي له معنى الشمول يُدْرَك في الكون المحيط مثلما يُدْرَك في مجال الفن، غير أنَّ الجمال في الفن يصنعه إنسان –الفنان- أي لا يأتي صدفة وإنَّما يتم كهدف مقصود([11]).

والجمال الذي يُشَاهد في الطبيعة في وجه امرأة أو زهرة أو فراشة إنَّما هو جمال نعشقه بالفطرة نتيجة الراحة لرؤية هذه العناصر، والجمال بشموله يُشاهد في الملموس، ويُدْرَك في المعنوي، فكما يُقال: إنَّ الزهرة جميلة يقال: إنَّ الفكرة جميلة والسلوك جميل وحل المسألة الرياضية جميل، فكأنَّ الجمال تعميم للرؤية والإدراك على سائر الكائنات بحيث يكشف الإنسان من ثناياها ما تنم عنه من علاقات مريحة تبعث على السرور، ولذلك يُقال عليها جميلة؛ فالجمال يُرى في كل شئ إذا كان متناسقاً سواء كان في وجه امرأة أو كيان حشرة أو حيوان أو زورق شراعي يدفعه الريح فوق بركة من الماء أو فكرة حية، والجمال يُدْرَك في المعنويات في صياغة الألفاظ والأنغام والأصوات والحركات([12]).

يتضح من التعريف السابق أنَّ الجمال تعميم شامل يتحقق من خلاله إدراك العلاقات المريحة للبصر، والسمع، والنفس، والقلب وسائر حواس الإنسان.

أما الجمال في الطبيعة فهو يمثل المادة الجمالية الخام التي يستطيع الفنان أنْ يصيغها في القالب الفني الذي يعبر عن إحساساته ومشاعره، وانطباعاته الشخصية عن الأشكال التي يشاهدها في العالم الطبيعي([13]).

إنَّه الشعور بالارتياح تمنحه لنا صورة تنجم عن علاقات متناغمة متناسبة، وعن الوضوح والبهاء والبساطة، إنَّ الإنسان فيما يقول "هربرت ريد" ليستجيب لشكل وسطح وكتلة الأشياء أمام حواسه، فالاتساقات القائمة فيها تبعث فينا إحساسات سارة، بينما يؤدى افتقاد الاتساق إلى لامبالاتنا بالأشياء المُشَاهدة، بل لعلَّه يُؤَدِى إلى شعور بعدم الارتياح أو الاشمئزاز، وإذا كان هناك أكثر من تعريف للجمال فإنَّ التعريف المادي "الجمال وحدة علاقات صورية بين مدركاتنا الحسية" هو التعريف الأساسي([14]).

والجمال بوجه عام هو صفة تُلَحظ في الأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضا، وبوجه خاص هو إحدى القيم الثلاث التي تؤلف مبحث القيم العليا وهى: الحق والخير والجمال، والجمال عند الفلاسفة المثاليين: صفة قائمة في طبيعة الأشياء وبالتالي فهي ثابتة لا تتغير ويُصْبح الشئ جميلاً في ذاته أو قبيحاً في ذاته بصرف النظر عن ظروف من يُصْدِر الحكم، وعلى العكس من هذا يرى الطبيعيون: أنَّ الجمال مصطلح تعارفت عليه مجموعة من الناس متأثرين بظروفهم وبالتالي يكون الحكم بجمال الشئ أو قبحه باختلاف من يُصدر الحكم([15]).

أي أنَّ الجمال هو الصفة الموجودة في الشئ المنعوت بالجمال والتي تبعث السرور والبهجة، وتُدْخِل على النفس الرضا والارتياح.

ويُعَرَّف الجمال بأنَّه إدراك للعلاقات المريحة التي يستجيب لها الإنسان في شتى العناصر سواء أكانت متوفرة في الطبيعة من صنع الخالق الأعظم، أو كان الإنسان – الفنان - هو الذي صاغها في قوالب مختلفة من الفن التشكيلي والعمارة والموسيقى والشعر والرقص والغناء والقصة والمسرحية، وإدراك الجمال يتضمن تعميماً على سائر الأشياء طبيعية، أو مصنوعة، والذي يجعل الشئ جميلاً مجموعة من الخصائص إذا توافرت دلَّ ذلك على جمال هذا الشئ وقد اهتم الجماليون بهذه الخصائص منذ عهد أفلاطون حتى وقتنا الحاضر([16]).

ومن المنطلق السابق يمكن القول بأنَّ الجمال مظهر هام من مظاهر رقى الحضارة وتقدمها، وعكسه القُبْح مظهر يدل على التخلف والانحطاط، وتؤكد الملاحظة أنَّ الإنسان تواق إلى الجمال في أي زمان ومكان، والتاريخ خير شاهد على ذلك وكذلك الواقع الذي يحياه الإنسان، وممَّا يؤكد ذلك سعى الإنسان الدائم للبحث عن الجمال والإحساس به، ومتعته بالأشياء الجميلة.

ويُعَرِّف أحد المفكرين الجمال بأنَّه: الإحساس الذي يبدو عندما يبلغ الشئ قدراً من الإتقان والكمال حيث إنَّ الروحانيات والأحاسيس تشير إليه من جانبها وهى متحركة من الصعب إدراكها وكأنَّها مرتبطة بقدر من الاستحسان يختلف من كائن لآخر، وتتغير فكرة الجمال بتغير الزمان والمكان، فالجمال ليس إلا خرافة والشئ المؤكد هو وجود الإحساس بالجمال؛ وهو علاقة أو ميل بيننا وبين الأشياء التي تستحوذ على مشاعرنا بما يوجد فيها من سمات جمالية تؤدى بنا إلى إصدار حكمنا عليها بالجمال([17]).

يتضح من التعريف السابق أنَّه ليس هناك جمال قائم بذاته، وإنَّما جمال أي عمل فني أو بتعبير أدق الإحساس به لا يوجد إلاَّ نسبة لجمال عمل فني آخر، ومن خلال ذلك يُمْكن القول بأنَّ الجمال هو علاقة الميل بين الأشخاص والأشياء التي تستحوذ على المشاعر بما تتضمنه من سمات جمالية تؤدى إلى إصدار الحكم عليها بالجمال.

يقول جون ديوى "John Dewey": "إنَّ الجمال لفظ عاطفي، وإنْ كان يُشِير إلى عاطفة من نوع خاص وآية ذلك أنَّنا حينما نجد أنفسنا بإزاء منظر جميل أو قصيدة أو لوحة تستأثر بإعجابنا أو تستولي على مجامع قلوبنا، فإنَّنا نجد أنفسنا مدفوعين إلى أنْ نهمس أو نهتف قائلين: كم هي جميلة"([18]).

ويشير أفلاطون إلى أنَّ الجمال: " أمر موهوم بالحقيقة، موجود بالعرض، فهو عرض ظاهر تشعر به الحواس أو إحداها فترتاح إليه، وتُسَّر به النفس، ويَنْشَرح له الصدر، ويبتهج به القلب فهو مشترك بين الحواس كلها"، والجمال لا يمكن حصره في نطاق ولا تحديده بحدود معينة. وفى ذلك يقول أفلاطون: "الجمال الحقيقي إنَّما هو عامل غير محسوس، هو كامن في نفس الشخص، في السيال الروحي الذي ينبثق من ملامحه، لأنَّ الشخصية تنفخ في الملامح روحها وتجعلها ذات معنى وتأثير في النفس"([19]).

يتضح مما سبق أنَّ الأشياء التي لا تبعث السرور في النفس لا تخرج عن أنْ تكون إمَّا عبئاً ثقيلاً ترى لزاماً عليها أنْ تطرحه، وإمَّا أنْ تكون نافعة مفيدة لاتصال بعض أسباب الحياة بها من بعض النواحي اتصالاً مباشراً ووثيقاً، وهذه بدورها تستثقلها النفس حينما تزول فوائدها ويبطل نفعها مثلها مثل الفكرة الهائمة تخطر في رحاب الفكر ثم تتوارى وتُصْبح نسياً منسياً؛ فالشئ لا تتعلق به النفوس، ولا تهفوا إليه الأرواح إلا إذا أضفى عليها البهجة وأسبغ عليها السرور، ولا يحدث ذلك إلا إذا كان الشئ جميلاً.

والجمال بالنسبة للإنسان هو حُسْن الخَلْق أو الخُلُق أو الفعل أو جميع هذه الصفات، فهو صفة تُلْحَظ في الناس والأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضا، وللجمال مقاييس في الخِلْقة والخُلُق والفعل، وهذه المقاييس وإنْ اختلفت عند بعض الناس عن بعض، أو بعض الأزمنة والأمكنة إلا أنَّ منها جانباً ثابتاً لا يتغير ولا يختلف عليه الناس أو الأزمنة أو الأمكنة وهو الجانب الذي يتصل بالأخلاق؛ إذ أنَّ الأخلاق الفاضلة جميلة ومتفق عليها عند الجميع، وكذلك الأخلاق المرذولة ليست محل خلاف فهي قبيحة، ويلي ذلك في ثبات المقاييس الأفعال لأنَّها في الأعم الأغلب تابعة للأخلاق؛ أمَّا جمال الخِلْقة عند الناس وجمال الأشياء فيلحظ فيه اختلاف المقاييس بين الأفراد وفى الأزمنة والأمكنة([20]).

ويمكن القول بأنَّ الجمال ما يتصل منه بالأخلاق والأفعال مُسَّلم به وثابت غير قابل للتغير أو التبديل، أمَّا ما يتصل بالخَلْق أو الهيئة أو صفات الأشياء المادية المحسوسة فإنَّ الإسلام عَلَّمَ الإنسان أنْ يحاول جاهداً أنْ يكون جميلاً في ملبسه، جميلاً في مطعمه ومشربه، جميلاً في مسكنه، جميلاً في مظهره، جميلاً في جوهره وتعامله، وفى كل حياته يتصف بالجمال ويحاول جاهداً أنْ يتمتع بجمال مخلوقات الله وأنْ يجعل ما حوله جميلاً متناسقاً مترابطاً نظيفاً بحيث يكون دائماً مسروراً وراضياً فيتجه إلى عبادة الله الذي خلق الجمال والذي يتصف بالجمال المطلق.

ويري أفلاطون كما أشار دنيس هويسمان أنَّه في أصل كل جمال لابد من وجود جمال أول، وحضوره هو الذي يجعل الأشياء التي نسميها جميلة "جميلة" علي أي نحو كانت الصلة التي تقوم بين الأشياء الجميلة وذلك الجمال الأول، والحب هو الجمال المثالي غير أنَّ الجذب الروحي الموصل إليه ليس بالأمر البسيط، وليس هذا فحسب فإنَّ محبة القواعد الأخلاقية تترقي إلي حب الأخلاق المطلقة وسرعان ما يقدر المبتدئ الهوة التي تفصل بين الأخلاق والمعرفة وإذ ذاك يقذف بنفسه بدون روية للبحث عن معارف مختلفة وفيما يحتوي عليه اختلافها من جمال ولن يجد الجمال إلا في شمول المعرفة وعند هذا الحد تحصل رؤية الجميل المطلق الشامل والمتعالي([21]).

ومن العرض السابق يمكن القول بأنَّ البدايات الأولي لعلم الجمال وفلسفته كانت في محاورات ومناقشات أفلاطون وآرائه عن الفن والجمال، فقد كان أفلاطون يري أنَّ هناك عالماً أسمي من العالم المحسوس، أو عالماً مثالياً تكون فيه لهذه الأشياء الموجودة في الحياة – المادية – صور تتسم بالكمال تكون تامة لا يشوبها نقص مثل النقص الذي تتسم به الأشياء المادية، وأنَّ كل الأشياء التي تُشاهد في الطبيعة تعتبر صوراً ناقصة ومشوهة وأقل من تلك الصور الموجودة في عالم المثل .

وتناول أرسطو الجمال في كتابيه: البلاغة والشعر، ويمثل كتاب البلاغة خليطاً من النقد الأدبي والخطابة والمنطق والسياسة والقانون ؛ والهدف الأساسي منه هدف علمي بقصد إحياء القدرة البلاغية وتحقيق الأغراض العلمية، أما كتاب فن الشعر فقد احتل مكانة رفيعة وأبدية في تاريخ نظرية الجمال، وأرسطو يرفض المُثُل الأفلاطونية وينقلنا إلي جوهر الأشياء وحقيقتها الأصلية بدلا من إحالتنا إلي عالم المُثُل([22]).

وتشير إحدى الدراسات إلى أنَّ التناسق والانسجام والوضوح هي أهم خصائص الجميل عند أرسطو، وهو يختلف مع أفلاطون في إثباته وجود جمال حقيقي في هذا العالم منه نستلهم أو نستمد وعينا الجمالي وكذلك أعمالنا الفنية، فالفن ينشأ عن الميل الغريزي للإنسان إلي التقليد كما يتضح من حبه للشعر والموسيقي والرقص، ويعتبر أرسطو أول من قسم الفنون إلي نوعين : فنون نافعة وفنون جميلة([23]).

والجمال عند أرسطو هو التناسب والتماثل والتوافق في الأشياء ذاتها، والترتيب العضوي للأجزاء في كلٍ مترابط، ونحن لا نحس الجمال إلاَّ عندما ندرك هذا التناسب ونميزه، ويكون حاضراً في الذهن كالمقياس أو الميزان، والتعريف السابق علي الرغم مما ناله من تحوير وتعديل ونقد لم يزل يحتفظ بالجوهر البسيط لفكرة الجمال، فكل ما يبدو منسجماً يبعث علي الارتياح والاطمئنان والألفة ، وكلما كانت صورة الشيء منسقة تنسيقاً منسجما أحرزت الرضا واقتربت من النفس الإنسانية([24]).

وهكذا يمكن القول أنَّ الجميل في نظر أرسطو هو الشيء العظيم والمنظم، وغاية الفنون الجميلة أنْ ينقاد الإنسان بواسطة الشيء الجميل إلي الخير. ويشير أرسطو إلى جمال الكائن أو الشئ :"فالكائن أو الشيء المكون من أجزاء متباينة، لا يتم جماله ما لم تترتب أجزاؤه في نظام، وتتخذ أبعاداً ليست تعسفية، ذلك لأنَّ الجمال ما هو إلاَّ التنسيق والعظمة " ثم يكمل أرسطو تعريفه للجمال بالإشارة إلي التحديد والتماثل والوحدة؛ فالجمال يتلخص عنده في تناسق التكوين لعالم يتبدي في أجلي مظاهره، وهو لا يعني برؤية الناس كما هم في الواقع بل كما يجب أنْ يكونوا عليه([25]).

ومما سبق يمكن القول بأنَّ آراء أرسطو تجاه الجمال قمة ما وصل إليه الفكر الإغريقي وكل ما جاء بعد ذلك من أفكار حتى العصور الوسطي لم يقدم شيئاً ذا بال، فالعقل الغربي لم ينطلق بعد ذلك إلاَّ في القرن الخامس عشر الميلادي وبعد الاحتكاك الأوربي الإسلامي في صقلية وقرطبة وخلال الحملات الصليبية علي الشرق، وكانت هذه الصلات بالعالم الإسلامي رافداً من أهم الروافد التي غذت النهضة الأوربية ووسعت من آفاقها.

ويقول الإمام الغزالي في تعريف الجمال: "اعلم أنَّ المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنَّه لا معنى للحُسْن والجمال إلا بتناسب الخِلْقة والشكل وحسن اللون، وكون البياض مشرباً بحمرة، وامتداد القامة إلى غير ذلك ممَّا يوصف من جمال شخص الإنسان، فإنَّ الحُسْن الأغلب على الخلق حسن الإبصار، وأكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص. وهذا خطأ ظاهر، فإنَّ الحُسْن ليس مقصوراً على مدركات البصر، ولا على تناسب الخلقة وامتزاج البياض بالحمرة، فإنَّا نقول هذا خطٌ حَسَن، وهذا صوت حَسَن، وهذا فرس حَسَن بل نقول هذا ثوب حَسَن، وهذا إناءٌ حَسَن فأي معنى لحُسْن الصوت والخط وسائر الأشياء إنْ لم يكن الحُسْن إلا في الصورة؟ ومعلوم أنَّ العين تستلذ بالنظر إلى الخط الحَسَن، والأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطيبة، وما من شئ من المدركات إلا وهو منقسم إلى حَسَن وقبيح"([26]).

يبين الإمام الغزالي في النص السابق خطأ من يظن أنَّ الجمال والحُسْن يكون في المحسوسات فقط، أو الذي تقع عليه العين من الصور ثم يوضح أنَّ الجمال والحُسْن ليس مقصوراً على المدركات البصرية واستدل باستلذاذ العين بالنظر إلى الخط الجميل، واستلذاذ الأذن بسماع اللحن الجميل، إذن الجمال أعمق من ذلك وأشمل، ويتضح ذلك من خلال كلامه الآتي في بيان المعنى الحقيقي للجمال.

ويقول موضحاً المعنى الحقيقي للجمال: "كل شئ جماله وحُسْنه في أنْ يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كانت جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال، وإنْ كان الحاضر بعضها فله من الحُسْن والجمال بقدر ما حضر، فالفرس الحَسَن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة، وشكل، ولون، وحُسْن عَدْو، وتَيّسر كَرٍّ وفَرٍّ عليه. والخط الحَسَن كل ما جمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف، وتوازيها، واستقامة ترتيبها، وحُسْن انتظامها ولكل شئ كمال يليق به وقد يليق بغيره ضده، فحسن كل شئ في كماله الذي يليق به. فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس، ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت، ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب، وكذلك سائر الأشياء"([27]).

ويعد تعريف الإمام الغزالي السابق من أجود ما قيل في الجمال فقد بسط فيه القول بعبارات جامعة مانعة، كشف فيها عن خفايا هذه الكلمة وما تحمله من معان، ثم ينصرف إلى تقرير وجود الجمال في غير المحسوسات لأنَّ وجوده في المحسوسات بديهة لا تحتاج إلى فكر أو برهان.

ويقول الغزالي مبيناً أنَّ الجمال يوجد في غير المحسوسات: "فاعلم أنَّ الحُسْن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال هذا خُلُق حَسَن، وهذه أخلاق جميلة، وإنَّما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم، والعقل، والعفة، والشجاعة، والتقوى، والكرم، و المروءة، وسائر خلال الخير وشئ من هذه الصفات لا يُدرك بالحواس الخمس بل يُدرك بنور البصيرة الباطنة، وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة، والموصوف بها محبوب بالطبع"([28]).

ثم يذكر الغزالي عقب ذلك أنَّ نفوس البشر من طبيعتها أنْ تحب كل جميل، وهى تتفاوت فيما بينها في محبتها للأشياء الجميلة فيقول: "بل المُحْسِن في نفسه محبوب وإنْ كان لا ينتهى قط إحسانه إلى المحب، لأنَّ كل جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة وباطنة والحُسْن والجمال يشملهما، وتُدْرك الصورة الظاهرة بالبصر الظاهر والصورة الباطنة بالبصيرة الباطنة، فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يستلذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها، ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة، فشتان بين من يحب نقشاً مصوراً على الحائط لجمال صورته الظاهرة، وبين من يحب نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة"([29]).

ويُلاحظ من خلال حديث الإمام الغزالي عن الجمال أنَّه يميز بين طائفتين من الظواهر الجمالية؛ طائفة تُدْرَك بالحواس وهذه تتعلق بتناسق الصور الخارجية وانسجامها، والطائفة الثانية تُدْرَك بالقلب وهى طائفة الجمال المعنوي التي تتصل بالصفات الباطنة، فالمدركات إذن كما يراها الغزالي تنقسم إلى قسمين: مدركات بالحواس، ومدركات بالقلب. والقلب أشد إدراكاً من العين، وجمال المعاني المُدْرَكة بالقلب والعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة المَدْرَكة بالحواس.

ويقول ابن القيم: "اعلم أنَّ الجمال ينقسم إلى قسمين: ظاهر وباطن، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العقل والعلم والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح: "إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (*)وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإنْ لم تكن ذات جمال، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات. وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإنْ كان أسود. ومما يدلل على أنَّ الجمال الباطن أحسن من الظاهر أنَّ القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه"([30]).

ثم يستطرد قائلاً وموضحاً النوع الثاني من أنواع الجمال: "وأمَّا الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض، وهى من زيادة الخلق التي قال الله فيها :"يزيد في الخلق ما يشاء" قالوا: هو الصوت الحسن والصورة الحسنة. والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه"([31]).

يتضح من خلال النصين السابقين أنَّ الجمال عند ابن القيم ظاهر محسوس، وباطن معنوي وأنَّ الباطن هو الجمال المحبوب لذاته؛ وهو سبب نظر الله لعبده إذا تحلى به، وأنَّه أحسن وأشرف من الجمال الظاهر.

"وكما أنَّ الجمال الباطن من أعظم نعم الله على عبده، فالجمال الظاهر نعمة منه أيضاً على عبده يوجب شكراً، فإنْ شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالاً على جماله، وإنْ استعمل جماله في معاصيه سبحانه قَلَبَهُ له شيئاً ظاهراً في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحاً وشيناً، وينفر عنه كل من رآه. فحُسْن الباطن يعلو قُبْح الظاهر ويستره، وقُبْح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره"([32]).

فالجمال بنوعيه الظاهر والباطن ذا أهمية، وهو نعمة من الله تستوجب الثناء والشكر، وتؤدى بالإنسان إلى كمال الأوصاف، فإنْ فَقَدَ الإنسان جمال الباطن قَبُحَ ظاهره، وإنْ فَقَدَ جمال الظاهر فقط حَسَّنَهُ وجمله جمال الباطن.

ثم يتحدث ابن القيم عن حقيقة الحُسْن والجمال فيقول: "الحُسْن- الجمال- أمر مركب من أشياء: صباحة ووضاءة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشرة، وهو: معنى لا تناله العبارة، ولا يحيط به الوصف، وإنَّما للناس من أوصاف أمكن التعبير عنها، وقد كان رسول الله في الذروة العليا منه"([33]).

ويطلق الجمال عند الصوفية على معنيين: أحدهما الجمال الذي يعرفه العامة مثل صفاء اللون، وثانيهما الجمال الحقيقي: وهو الجمال الإلهي وهو صفة أزلية لله تعالى شاهدة في ذاته مشاهدة علمية فأراد أنْ يراه في صنعه مشاهدة عينية فخلق العالم كمرآة شاهد فيه جماله عياناً. والجمال ظاهر وباطن، والظاهر يتعلق بالأجسام ويُدْرَك معها، والباطن هو الجمال المجرد؛ والجمال الظاهر وإنْ بدا تعلقه بالأبدان إلا أنَّ العقل يُدْرِكه بإشراق النفس على البدن وتجليها عليه، وإذا كان لا يكتفي في إدراك الجمال الظاهر بالحواس فمعنى ذلك أنَّ إدراكه يكون بنور العقل فهو الذي يهدي الحواس إليه. وأما الجمال الباطن: فهو محصلة إشراق النور الجمالي الإلهي عند العقول الذكية فتكون لها به العلوم والمعارف الربانية وسائر الكمالات والفضائل، ولا يُدْرِك هذا الجمال إلا العقول التي هي في غاية الصفاء([34]).

وجمال الله تعالى عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى هذا على العموم؛ وأمَّا على الخصوص فهي أوصافه الرحمة والعلم واللطف والنعمة والجود والرزَّاقية والخلاقية والنفع وأمثال ذلك وكلها صفات جمال، ثم صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال كاسم الرب فإنَّه باعتبار التربية والإنشاء اسم جمال، وباعتبار الربوبية والقدرة اسم جلال([35]).

يتضح من الفقرتين السابقتين أنَّ الإسلام لا ينظر إلى الجمال المُدْرَك بالحواس فقط أو جمال الصور، وإنَّما ينظر للجمال على أنَّه شئ شامل متكامل، وأنَّ جمال الصور أو المحسوسات يراه الجميع، وهو عبارة عن مسائل مكتسبة، ولكن الجمال الحقيقي هو الجمال الإلهي خالق الجمال وهو ذرة من نور الله، فالجمال عند الصوفية إذن نور من الله عندما تراه النفس تسعد وتبتهج، وهو إلهام من الله يرد على قلب الإنسان السالك.

فالوجود بكماله وجماله صورة حسنه ومظهر جماله، والإسلام من بين الأديان قد انفرد بقبول نعمة الحياة وتزكيتها والحض عليها، وحسبانها من نعمة الله التي يحرم على المسلم رفضها ويؤمر بشكرها، وغيره من الأديان بين اثنين: إمَّا السكوت عن التحريم والإيجاب معاً، أو التصريح القاطع بالتحريم والتأثيم، أمَّا الإسلام فإنَّه يحل الزينة ويزجر من يحرمها، ويصف الله بالجمال ويحسب الجمال من آيات قدرته، وسوابغ نعمته على عباده وكل من حرم هذه الزينة على الناس فهو آثم: ) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ( (الأعراف: 32)، والعبادة والزينة تتفقان ولا تفترقان، بل تجب الزينة في محراب العبادة كأنَّها قربان إلى الله في الإسلام([36]).

والسنة النبوية فيما رُوِى عنه r وفيما أُثِر عن حياته مرددة كلها لمعاني القرآن الكريم في تزكية النعمة وإباحة الزينة، والنهى عن التحريم بأخذ نصيب من الحياة الدنيا،والتعبد لله بتعظيم محاسن خلقه، ومحبة آيات الجمال في أرضه وسمائه، فقد قالr:"إن الله جميل يحب الجمال"، وقال فيما ورد في تفسير قوله تعالى ) يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ ( (فاطر: 1)، أنَّه الصوت الحَسَن والشعر الحَسَن، وقال:"من كان له شعر فليكرمه"، والدين الذي ينظر للحياة والجمال هذه النظرة القويمة السوية لا يظن أحد من أتباعه أنَّ به نهياً عن شئ يجمل الحياة ويحسن وقعاً في الأبصار والأسماع([37]).

وفى ضوء ما سبق من النظرة الشاملة للجمال بجوانبه يُمْكن للباحث أنْ يُصَنف الجمال في ثلاثة أصناف هي:

1 – الجمال المادي:

ويكون في الأمور المادية المحسوسة من سماء وأرض وحيوانات وأجساد وغير ذلك، وقد أشارت آيات القرآن في العديد من المواضع إلى هذا اللون، فالسماء مزينة جميلة ، والأرض مخضرة وفيها ما يسحر الألباب، والإنسان مخلوق في أبهى وأحسن صورة ، والأنعام والدواب فيها ما فيها من الجمال والروعة، وكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تُشير إلى هذا الصنف من أصناف الجمال والذي يعد من نعم الله على عباده، ويُدْرَك بالحواس.

2– الجمال المعنوي:

ويكون في المجردات، ويدركه العقل والقلب فالإيمان جعله الله زينة للقلوب، والهجر وهو المقاطعة والترك يكون جميلاً عندما يكون مقاطعة للسفهاء وعدم استفزازهم، واعتزالهم برفق ولين ، بل إنَّ فراق الزوجة يكون جميلاً عندما يتم بلا طرد أو حقد أو كراهية، والصبر يكون في قمة الجمال حينما يكون في مواطن الشدة والابتلاء، وهكذا ينتقل الجمال من المحسوسات الملموسة إلى المعنويات المجردة ليُضْفي على السلوك تميزاً وجمالاً ليُصْبح الإنسان في قمة الجمال.

3- الجمال المادي المعنوي معاً :

وهو جمال يجمع بين الصنفين السابقين المحسوسات والمجردات، ويُدْرَك بالحواس والعقل معاً، وهو صفة من سار على منهج الله من الأنبياء والصالحين فهم أكمل الخلق خَلْقاً وخُلُقاً، وتضرب الدراسة لذلك مثلاً من سنة النبي r حينما قال: "حُبِب إلىَّ من الدنيا النساء والطيب وجُعِلتْ قرة عيني في الصلاة"([38])، فالطيب والنساء من الأمور الجميلة المحسوسة، والصلاة من الأمور الجميلة المعنوية، وقد جمع النبي r بين الطيب والنساء والصلاة حتى لا يقف الإنسان عند حد جمال الماديات بل يتجاوزها ليجمع بين الجماليات المادية والمعنوية اقتداءً بسيد البشر الذي حوى الجمال كله.

ب - خصائص الجمال وسماته :

الجمال حقيقة تأخذ أبعادها كعنصر له من الأصالة والأهمية والرعاية ما لغيره من الحقائق الأخرى، إنه عنصر قد روعي اعتباره ووجوده في أصل التصميم، ولهذا فهو ليس من باب النوافل والتحسينات التي يمكن الاستغناء عنها ([39]).

والإحساس بالجمال هو إحدى القيم الإنسانية الكبرى التي عمل دين الإسلام – قرآناً وسنة، شريعة وعقيدة، ومعاملات- على إحيائها وتزكيتها وتربيتها في نفس الفرد والمجتمع حتى يستقيم أمر الوجود الإنساني وحضارته، وحتى يستقيم الفكر الإنساني في نظرته إلى ماضيه، وتطلعه إلى مستقبله وتقديره لحاضره وواقعه ([40]).

وبدون الاهتمام بالجمال والسمو به تظل البيئة متخلفة، والعلاقات الإنسانية غير سوية، فيدفع أفراد المجتمع ثمناً باهظاً لعدم الاهتمام بالجمال أقل ما فيه عدم الأخذ على أيدي المخربين، وتشجيعهم على تشويه البيئة ونشر القُبْح؛ إذن الجمال من الغايات المقصودة في خلق الكون ، وله خصائص وسمات تميزه يوجزها الباحث فيما يلي([41]):

1- الإتقان والسلامة من العيوب :

وهى سمة هامة ينبغي توافرها في الشئ حتى يكون جميلاً، والقرآن الكريم يلفت الأنظار للتأكد من هذه السمة – أي من وجودها- بعد أنْ يسجل وجود الظاهرة الجمالية، فكل شئ خلقه الله جاء في غاية الإتقان، والكون الهائل ليس فيه أي خلل أو نقص أو عيب، ولا يصلح مخلوق إلا كما خلقه الله فالأفعى لا تكون جميلة إلا بتجردها من الأيدي والأرجل وبجلدها المرقش، والفيل لا يكون جميلاً إلا بهذه الهيئة التي رُكِّب فيها من جسم ضخم وخرطوم طويل ونحو ذلك، فكل مخلوق وُجِد في أحسن صورة تناسب حاله.

ومن أمارات الإتقان التي تميز بها الجمال خلق الإنسان في أحسن صورة، بل إنَّ الخالق يطلب من عباده دائماً أنْ يتقنوا سلوكهم وأقوالهم لتكون حركتهم منسجمة مع مسار الكون المتقن، بل إنَّ الشارع الحكيم قد وعد أولئك المحسنين المتقنين سلوكهم وأقوالهم بالحسنى في الدار الآخرة لأنَّ الجزاء من جنس العمل.

2- الدقــــة :

فهذا الكون الذي يشتمل على بلايين البلايين من النجوم والأفلاك، كلها تتحرك ولا تفتر عن الحركة لحظة واحدة منذ الأزل الذي لا يُدْرِك عقل البشرية مداه، هذا الكون لا يصطدم فيه نجم واحد بنجم، ولا يحدث خطأ في مدار واحد من مداراته وتلك دقة جميلة معجزة لا يقدر عليها غير مبدع الكون وخالق الجمال، إنَّها دقة جميلة تجذب الحس، وتهزه من الأعماق، فالدقة تضفى على الشئ جماله المناسب 

3- القصــــد:

ويُقْصد بهذه السمة نفى العبث عن الموضوع الجمالي، ونفى العبث يعنى وجود باعث وغاية للموضوع الجمالي، والعبث يرفضه الجمال لأنَّ الجمال تناسق وتوازن وإحكام؛ وسمة القصد ظاهرة جلية في الكون يستطيع رؤيتها والإحساس بها ذوى الحس المرهف والرؤية الصادقة التي تتجاوز الأشياء إلى ما ورائها، والقصد يُعْني الإيجابية والعطاء الخَيِّر في كل ما يتجه إليه الإنسان .

إنَّ القصد سمة وخاصية ضرورية لتحقيق الجمال، وبهذا ينتفي العبث، ويسلم موضوع الجمال من العيوب لأنَّه من الغايات المقصودة في خلق الكون، فليست الضخامة أو الدقة وحدهما أساس قيامه بل الجمال المتناسق، والزينة المقصودة من المقاصد القائم عليها، فالقصد سمة ضرورية من سمات الجمال.

4- التنــــوع :

يُعْتبر التنوع من أهم العوامل المؤثرة في شعور المتذوق باللذة، والتنوع ضد المماثلة التي تُشْعِر بالملل، فاختلاف ألوان الأزهار والثمار يُدْخِل على النفس البهجة والسرور، ولكن هذا التنوع لا يعد نوعاً من الاختلاف العشوائي إلاَّ أنَّه يجب أنْ يخضع لتخطيط معين، والتنوع أثر من آثار الجمال والإبداع في الخلق فالأفراد ليسوا نسخة واحدة، بل هم مختلفون في أشكالهم وألوانهم ، والتنوع ليس مقصوراً على الإنسان بل يشمل الزروع ، ويتجاوز الإنسان والزروع إلى المخلوقات كافة.

وممَّا سبق يرى الباحث أنَّ التعدد والتنوع والذي يعد من خصائص الجمال فرصة عظيمة للإنسان ليتتبع آثار قدرة الله فيما أودعه من جمال في المخلوقات، ويجعل الإنسان ينطلق بشكل دائم ومستمر إلى اكتشاف الجمال، وذلك بعكس ما لو خُلِق نوع واحد من كل مخلوق من المخلوقات فإنَّ ذلك يؤدى حتماً إلى الحرمان من التطلع والغوص في أسرار المخلوقات.

5- التنظيــم :

يختص التنظيم بتناسق الأبعاد، ويُقْصَد بالأبعاد هنا أبعاد الشئ الواحد، أو المسافات بين الأشياء، وقد يكون المقصود ترتيب الأشياء على شكل هندسي من استقامة أو تطابق أو تناظر، إنَّه التناسق في الصورة الظاهرة؛ وقد اسْتُخْدِمت هذه السمة من سمات الجمال في بيان جمال الجنة ضمن التنسيق الجمالي العام فالسرر المعدة لأهل الجنة مصفوفة مرتبة ليأخذوا عليها كامل راحتهم في وضع جمالي قال تعالى:) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ( (الطور: 20).

وهكذا يتضح أنَّ صفة التنظيم من خصائص وسمات الجمال الواضحة في المجالات المتعددة والمتنوعة، وذلك لتؤدى دورها في إبراز ملامح الجمال المختلفة.

6- التناســق :

التناسق نظام يربط الأشياء بعضها ببعض فتبدو في وحدة متجانسة متكاملة، وهو ليس سمة للجمال فحسب، وإنَّما هو سمة واضحة في بناء الكون كله، إنَّه النظام الخفي الذي يربط بين أجزاء الشئ الواحد بحيث تبدو أجزاؤه متوازنة ولا يكتمل ما يوصف بالجمال إلا بتناسقه؛ فرغم أنَّ الورود والزهور جميلة بطبيعتها إلاَّ أنَّ تنسيقها في باقة متجانسة تُعْطِى معنى أكبر من جمالها الأساسي الفطري، والتناسق يقوم على الضبط والتقدير وتحقيق نسب الأشياء في الحجم والشكل واللون والحركة والصوت.

ويبدو التناسق في الكون بين حركة الليل والنهار والشمس والقمر ويبدو أيضاً في توزيع الألوان والظلال والأضواء والكائنات بصورة تلفت الحس وتستريح لها العين، وتهش لها النفس، وتهدأ لها الأعصاب .

إذن يُمْكِن القول أنَّ المقصود بالتناسق أحد سمات الجمال : الدقة التي تضفى الصبغة الجمالية على الأشياء من مخلوقات متعددة حول الإنسان، وفى هذا تأكيد على اهتمام الحق تبارك وتعالى بالجمال، وأنَّ التناسق يهز القلب ويوقظ المشاعر والحس، ويوقظ حاسة الذوق الجمالي التي تنظر إلى الجمال نظرة تجريدية تراه في الصخرة مثلما تراه في الثمرة على بُعد ما بين الطبيعتين، ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال في التناسق الذي يجمع بين هذه وتلك.

7- الوحدة والتوافق والانسجام :

من الخصائص التي يتميز بها الجمال الوحدة لأنَّه من صفات وخلق الله وهو مصدر الخلق جميعاً، وما سواه من المخلوقات أو الآلهة المزيفة لم تخلق شئ، ووحدة الخالق توجب الوحدة في قوانين الخلق والمخلوقات، ثم يأتي التوافق والانسجام بين المخلوقات ويُقْصَد به إيجاد صلة أو علاقة تقارب أو تشابه أو تآلف الأشياء بعضها مع بعض، ويمكن أنْ يتحقق التوافق والانسجام بين مجموعة ألوان مختلفة ويسمى توافق لونى، أو يتحقق بين مجموعة أشكال ويسمى توافق شكلي، ويمكن أنْ يكون بين أشياء كثيرة في الحياة كالسلوك، والأصوات وغير ذلك.

 8- الإبــــداع :

الله مبدع الأشياء وموجدها على غير مثال سبق، وقد أوجد خلقه على غاية الإتقان ولابد لمن أبدع هذا الوجود من أنْ يكون جميلاً، وأنْ يكون خلقه في غاية الجمال والحُسْن، الإبداع إذن من خصائص وسمات الجمال الهامة التي ينبغي توافرها في الشئ حتى يسمى جميلاً .

9- التــــوازن :

وتبدو هذه السمة في اتزان حركة الأرض وثباتها، وفى عدم طغيان ما عليها من خلائق بعضها على بعض كل له قدره الموزون الذي يكفيه لأداء دوره على الأرض كما أراده له الخالق ، فالتوازن سمة هامة تثير في النفس اليقظة، وإذا اتسم بها الشئ أصبح جميلاً.

10- التـــرابط:

وتبدو هذه السمة في اجتماع الخلائق على أصل واحد ومصدر واحد، واشتراكها في نشاط واحد يربط بينها جميعاً، وهذا يشير إلى ضرورة توافر الترابط في الشئ ليُصْبح جميلاً.

إذن الجمال له مجموعة من الخصائص والسمات يتمثل أهمها في: الإتقان والسلامة من العيوب- الدقة- القصد- التنوع- التنظيم- التناسق - الوحدة والتوافق والانسجام - الإبداع - التوازن- الترابط.

ج: مفهوم التربية الجمالية:

تُعْنَى التربية في الوقت الحاضر بتنمية ذوق الإنسان وتنشئته على حب الجمال وتقديره في كل مظاهره، فالشعور بالجمال أكبر نعمة، وتربية الذوق خير ما يقدم إلى الناشئ حتى من ناحية تقويم أخلاقه، فإنَّ الذوق الجمالي إذا شاع في مكانٍ شاعت فيه السكينة والطمأنينة ونعومة المعاملة وجمال السلوك، وإنْ انعدم في مكان خشنت المعاملة وساء السلوك وكثر هياج الأعصاب واضطرابها([42]).

واستعان الإسلام –كمنهج تربوي- في تهذيبه للنفس البشرية بألوان عدة من أنماط التربية؛ ويُعَد الجمال من أكثر أنماط التربية تأثيراً على النفس وإطراباً لها، تهش له بفطرتها وتلتقي روحها بروحه في ألفة ومحبة؛ لذا فإنَّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يحثان على التمتع بجماليات الوجود، بل يشجعان على الإنشاء الجميل ما لم يتعارض مع مبدأ رئيس هو التوحيد الخالص، ومن ثم لفت الإسلام نظر المسلم إلى متاع الدنيا ليأخذ منها بما لا يتعارض مع حكم يقع في دائرة المعاملات والأخلاق مذكراً أنَّ الدين المعاملة([43]).

أي أنَّ الإنسان السوي المتكامل الشخصية هو الذي يحرص على تناغم دائرة المتعة الفردية ودائرة الأخلاق مع الدائرة الكبرى وهى دائرة التوحيد، ولا يصدر منه قول أو فعل يجعل بين هذه الدوائر تعارض، ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى تنمية الذوق الجمالي من خلال منهج علمي تربوي يغذى الروح والعقل والحواس بكل ما يُعلى الذوق، ويرقق الحس، وتتناغم به المشاعر مع الوجدان وذلك من خلال التربية الجمالية.

وتجمع كثير من الدراسات العلمية على أهمية التربية الجمالية خاصة للطفل في الجوانب المختلفة، ففي الجانب الإبداعي تفتح له آفاقاً أوسع للتفكير والابتكار، كذلك تنمى لديه الإحساس الإنساني وقيم التحليل المنطقي لجميع ما يواجهه في حياته، والتربية الجمالية تكبح الجموح لاستخدام العنف اللفظي أو الجسدي لأنَّ الممارس للتربية الجمالية يُصْبح كائناً اجتماعياً متفاعلاً مع محيطه في حدود الحوار الهادئ([44])، ولذا يُمْكن القول بأنَّ تربية الطفل منذ صغره تربية جمالية شئ هام لتربيته تربية شاملة متكاملة الجوانب. ويعرض الباحث لمفهوم التربية الجمالية على النحو التالي:

التربية الجمالية : تعبير يُقْصَد به الجانب التربوي الذي يرقق وجدان الفرد وشعوره، ويجعله مرهف الحس، ومدركاً للذوق والجمال فيبعث ذلك في نفسه السرور والارتياح، فيرتقى وجدانه وتتهذب انفعالاته، وكل هذا يساعد على قوة الإرادة وصدق العزيمة عنده، ومنذ عهود طويلة أحس الناس أهمية الجانب الوجداني الجمالي حتى أنَّ حكمة صينية قديمة قالت: إذا كان معك رغيفان من الخبز فبع أحدهما واشترِ به باقة من الزهر، ومعنى ذلك أنَّ الاستمتاع بجمال الطبيعة يسد حاجة نفسية عند الإنسان لا تقل أهمية عن الرغيف الذي يسد حاجة جسدية عنده([45]).

أي أنَّ التربية الجمالية هي التي تجعل الإنسان ينعم بالحياة، لأنَّه من خلالها يُدْرِك أنَّ سر الحياة السعيدة والناجحة يكمن في حرصه على أنْ يرى ما فيها من مظاهر الجمال والذي ينعكس على سلوكه فيُصْبح مرهف الحس، رقيق الوجدان، مهذب الانفعالات.

وتُعْنِى التربية الجمالية: رعاية النشء منذ حداثة سنهم لتذوق الجمال والعيش في كنفه، وإيجاد ظروفه واستخدامه كأداة عدوى لسائر الأفراد ليشبوا في ألفة لا تنقطع بقيم الجمال في كل مرافق الحياة، ويرى أفلاطون أنَّ المجتمع يجب أنْ يزود بالموهوبين من الفنانين الذين يشكلون الحياة ويخلقون البيئة الجمالية التي يترعرع فيها الناشئ، فيتعود أنْ يشم النسمة الصافية والعطر مما حوله منذ نعومة أظافره حتى إذا شب ونسي المصدر فلابد له أنْ يتعرف على مسببات الجمال الذي آخاه حين كان صغيراً، ويُصْبح أحد رواده الذين يعيشون به في الكبر([46]).

ويتضح من التعريف السابق: أنَّ الفرد – الناشئ- حينما يعتاد على رؤية الجمال والإحساس به صغيراً فإنَّه سيلفظ القبيح ويستهجنه، بل وسيثور عليه ويحاول أن يستبدله بكل ما هو جميل، ويكون ذلك في كل مناحي الحياة مادية كانت أم معنوية.

ووضع أفلاطون فكرة رائدة للتربية الجمالية بمفهومها الشامل، فقد تصور الفنانين في جمهوريته أنْ يكونوا من النوع الموهوب ليستطيعوا تشكيل ذوق المواطنين في كل مرافق الحياة على مستوى رفيع، أما الفنانون الذين ليس لديهم هذا المؤهل "الموهبة" فيطردهم أفلاطون من جمهوريته، لأنَّهم سيتصدون للذوق العام بلا كفاءة وسيفسدونه، ونظراً لأنَّ الذوق وتقدير الجمال من الأمور المرتبطة بالفضيلة وبعمل الصالح فإنَّ هؤلاء الفنانين سيكون إسهامهم مفسداً وبالتالي يشيعون الأخلاق الفاسدة بين الرعايا فيتأثر تكون الجمهورية الفاضلة أيما تأثر([47]).

ولم يكتف أفلاطون بالنظرية بل تبعها بمنهج تربوي يستند إلى الإيقاع والتوافق الذي تيسره الموسيقى، وربط بين عملية التسامي التي تحدث في اكتساب النشوة من خلال الإيقاع والتوافق الموسيقى إلى التسامي بروح الصغار الذين يحاطون بالأنغام الجميلة والأعمال المبتكرة منذ حداثة عهدهم وهم لا يزالون خضر، أي أنَّهم يكونون في الوضع الذي لا يعي تماماً بما هو حادث، ولكن ما يلبث هذا الصغير أنْ يكبر وينضج والجمال مازال هو العامل المغلب في حياته ويحوم حوله، عندئذ أي حينما يكبر سيتعرف الناضج على صديقه الجمال الذي نبت في أحضانه ولم يكن يدرى، أما الآن فهو يدرى ويتعقل ويدرك قيمة هذا الجمال الذي سيرعاه ويحبه ويشكر الظروف التي أنشأته في أحضانه([48]).

إذن يمكن القول بأنَّ التربية الجمالية حسب نظرية أفلاطون تُعْنِى: توظيف كل أنواع الفنون لتنمى الإحساس بالجمال من كل زواياه فيدركه الفرد في كل الميادين.

ويُقْصَد بالتربية الجمالية أيضاً: إيجاد الحس الجمالي لدى الناشئين، وتدريبهم على ترقية هذا الحس حتى يشعر الإنسان بما يحيط به من جمال الكون وجمال الحياة الإنسانية، بل جمال الإنسان نفسه في خَلْقه وخُلُقه وأقواله وأفعاله، لأنَّ الإنسان الحق –المستقيم على فطرة الله- أجمل ما خلق الله، وأكرم على الله من كثير من خلقه([49]).

ويرى الباحث أنَّ الناشئ إذا كان سليم الفطرة فإنَّه عندما يرى الجمال ويتذوقه يأخذ منه ما يساعده على أنْ يصبغ حياته كلها بهذا الجمال، وعندما يفعل ذلك يُصْبح جميلاً في قوله، وجميلاً في فعله، وجميلاً في مسكنه، وجميلاً في مطعمه ومشربه، وجميلاً في هيئته فيحقق لنفسه السعادة والرضا، وكذلك يحققها لمن يتعايش معه من بني جنسه، ومن أصناف المخلوقات الأخرى.

والتربية الجمالية لا تقل أهمية عن التربية الروحية أو التربية الخُلُقية أو التربية العقلية أو التربية الجسدية، لأنَّ كل أنواع التربية تهتم بالإنسان وهو روح وجسد، وخلق وعقل، وحس جمالي بنفسه وبما يحيط به([50]).

وتُعَرَّف التربية الجمالية بأنَّها: تلك التربية التي تهدف إلى إنماء عاطفة الجمال الكامنة في النفس، وذلك يحدث عن طريق تقديرنا للجمال، وإنتاجنا لهذا الجمال – أي ابتكاره-([51]).

وتتصل التربية الجمالية بالتربية الخُلقية، فالطفل الذي تبلورت في ذهنه العاطفة الجمالية وقدرها يتطلع إلى مثالية سامية مثالية (الحق والخير والجمال)، فيصور الفضيلة في شكل جذاب يناسب أنْ يصير خُلقاً فيه، كما يصور الرذيلة في شكل قبيح لا يستسيغ التخلق به؛ وللتربية الجمالية أيضاً صلة بالتربية الاجتماعية، حيث إنَّ الشعر والغناء يعبر عما يمس المجتمع والبيئة بما يساعد الفرد على الاندماج في بيئته الاجتماعية، كما يعد الطفل الإعداد الخاص الذي من شأنه أنْ يجعله أكثر تفاعلاً مع البيئة والمجتمع([52]).

ولا يختلف تعريف جون ديوى John Dewey للتربية الجمالية عن التعريفات السابقة، فالتربية الجمالية عنده هي التي ترمى إلى إنماء عاطفة الجمال الكامنة في النفس وذلك عن طريق تقديرنا وإنتاجنا للجمال، لأنَّ التربية الجمالية فضلاً عن تنميتها القدرة على تقدير الجمال تعمل على تشجيع الأفراد على الابتكار والإبداع شريطة أنْ يتوفر فيهم هذا الاستعداد([53]).

 وتُعْنِى التربية الجمالية : النشاط الذي يهدف إلى تنمية الفرد المتمتع بقدرة خاصة على تذوق القيم الكامنة في الحياة، واكتشاف ألوان وأشكال الثراء الباطنة في أعماق الوجود([54]).

إنَّ مفهوم التربية الجمالية هو حصيلة لقاء بين التربية وعلم الجمال، وبناءً على هذين المفهومين فإنَّ التربية الجمالية تعنى: "تلك الطرق والوسائل التي تتخذها الإدارة التعليمية لتنمية الحس الجمالي لدى الطفل من خلال العمل الفني" ([55]).

ويحدد "هربرت ريد" بوضوح كامل مجال التربية الجمالية في النواحي التالية([56]):

1-التربية البصرية:

 بالعين

 

 

 

 

2- التربية التشكيلية:

 باللمـس

 

 

 

3- التربية الموسيقية:

 بالأذن

 

 

 

 

4- التربية الحركية:

 بالعضلات

 

 

 

5- التربية اللفظي

 بالكلام

 

 

 

6- التربية الإنشائي

 بالفكر

 

 

ولا يكتفي هربرت ريد بتحديد مجال التربية الجمالية بل يحدد وظيفتها وهى: التوفيق بين الحواس وما حولها من بيئة موضوعية.

ولقد عنى القرآن الكريم بالجمال والتربية الجمالية عناية واضحة، فالله سبحانه وتعالى خلق كل ما هو جميل، خلق الإنسان في أحسن خِلْقة وأكمل صورة، ثم خلق كل ما يحيط بالإنسان في الكون في صورة جميلة نراها ويراها الإنسان ويمعن النظر فيها ويتمتع بما فيها من جمال، فالسماء جميلة وقد زينها الله تعالى للرائي، وجعلها متناسقة، والإنسان إذا نظر في الكون في السماء وما فيها من كواكب متناثرة رأى أجمل منظر تقع عليه العين ويمكن للإنسان أنْ ينظر وأنْ يطيل النظر والتأمل بدون أنْ يمل، والمتأمل في الأرض يجد الجمال في كل ما تقع عليه عينه يجده في الزرع النامي، والثمر اليانع والجنان الوارفة، في النبتة التي تخرج من ظلام الأرض إلى نور الحرية، كما يجده في امتلاء الغصن بالورق الأخضر والثمار الناضجة، وهذه المناظر الخلابة تعطى للإنسان إحساساً بالحياة في الزرع والجمال في هذه الحركة([57]).

والسنة النبوية تبين كيف تعمل التربية الإسلامية على إنماء الجانب الجمالي في الإنسان، فلقد أبدع الله الكون إبداعاً وأحسن تشكيله وتنظيمه وتناسقه ووضع في كل مخلوقاته جانبها الجمالي؛ وهذا الإبداع والإحسان في التشكيل يمثل النظرة الأم للتربية الجمالية في الإسلام، فالله خالق الكون ومبدعه، والإنسان يدرك بحواسه صوت الله في كل ما خلق، ويرى جمال خلق الله([58]).

والإسلام يُحل الزينة ويزجر من يحرمها، ويصف الله بالجمال ويحسب الجمال من آيات قدرته وسوابغ نعمته على عباده، والزينة والعبادة تتفقان ولا تفترقان بل تجب الزينة في محراب العبادة، ووضع الرسول r معايير وضوابط للجمال تتفق مع ما جاء في القرآن حتى يمكن تربية الإنسان المسلم على حب الجمال والإحساس به دونما أنْ يكون جمالاً زائفاً يتمثل في جمال الثياب مثلاً والتكبر بها والتعالي على الناس.

وكانت حياته r معياراً لهذه المعايير والضوابط، فلقد جاء الرسول r محطماً لكل قيم الجمال الزائف في الأوثان، ليهدى إلى جمال الحق الذي يضفى على كل شئ في الكون رونقاً وبهاءً وتناسقاً، ويثير الوجدان والعقل والحواس في قدرة الخالق المبدع، فكثرة الأنصاب والتماثيل في المعابد والبيع ليست بالمقاييس الصحيحة لنصيب الفنون الجميلة من الدين الذي يدان به في المعبد أو البيعة، لأنَّ المعابد الوثنية كانت تتسع للأنصاب والتماثيل وليست بالنموذج الصالح للأديان في الهداية إلى معاني الجمال والحض على الفنون الجميلة، وهى في جملتها لا تخلو من العبادات البشعة والشعائر القبيحة والعقائد التي لا تجتمع والجمال في شعور واحد ([59]).

 والتربية الجمالية في الإسلام هي حصيلة لقاء بين التربية في مفهومها الإسلامي، وبين الجمال في مفهومه الإسلامي، والجمال في المفهوم الإسلامي يتجاوز الجمال الفني إلى الجمال الكوني والجمال الإنساني، وللتعرف على هذه التربية ينبغي التعرف على أهم خصائصها والتي تتمثل في ([60]):

1-  ليس هناك تربية جمالية إسلامية منفصلة عن بناء التربية الإسلامية العامة، بل إنَّ التربية الجمالية داخلة في كيان التربية العامة، فهي سمة من سماتها وخاصة من خصائصها، فالجمال في الأصل لا يقوم بنفسه وإنَّما يقوم بغيره وعلى هذا فكل تربية إسلامية فهي تربية جمالية.

2-    تحقيق المنهج الإسلامي غاية التربية، والجمال سمة من سمات هذا المنهج.

3-  أنَّ كلاً من التربية والجمال يرتبط بالمنهج، وإذن فهناك مقياس يرجع إليه حين تصاب المفاهيم بالخلل ويصبح القبح جمالاً.

4-  التربية الجمالية في الإسلام من خصائصها العموم والشمول، فهي تربية جميع المسلمين، أو كل من التزم بالإسلام، كما أنَّها تمتد عبر حياته كلها وليست قاصرة على مرحلة من مراحل العمر، وهى تصبغ نفس الإنسان بصبغتها وهى التي تجمل جميع نشاطاته.

5-  بهذا يُصبح للجمال اعتباره في نظر الناس جميعاً، وليس في نظر طائفة منهم كما يدخل في كل الميادين التي يمتد إليها النشاط الإنساني.

ومن العرض السابق لأهم الخصائص التي تميز التربية الجمالية في الإسلام يمكن القول بأنَّ الخصائص السابقة الذكر تمكن من الحفاظ على التوازن المطلوب في المنهج التربوي، فلا يتضخم الاهتمام بنشاط على حساب نشاط آخر، بل تمكن الخصائص السابقة قيام التوازن في النشاط الجمالي ذاته، فلا يتضخم الاهتمام بالجمال الحسي على حساب الاهتمام بالجمال المعنوي.

فالتربية الجمالية هي التربية التي تعمل على تنمية الوعي الحسي لدى الإنسان كما تبين له الأفضل وتعطى له أسس المشاركة في الأحاسيس، أحاسيس الغير وكيفية مراعاة مشاعرهم، أي أنَّها تربط بين التذوق والوعي الحسي في تصرف وسلوك الإنسان، وما تقوم به أعضاؤه، وهى تقوم بذلك عن طريق تقريب الصور المحببة إلى ذهنه وتدريبه على أفعال جميلة، فالتربية الجمالية لا يمكن أنْ تكون درساً إجمالياً ولا شيئاً يجب أنْ يتعلمه الفرد وأنْ يستمتع به دون علاقة بحاجاته وبمراحل نموه([61]).

إنَّ التربية الجمالية تربى في الإنسان سمو الذوق يتجسد في أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية كما يتجسد في الأشياء والموضوعات الحسية، وهى إلى جانب ذلك تفتح الأفق النفسي والعقلي والوجداني لدى الإنسان، وتشده إلى مبدع الخلائق والجمال في هذا الوجود وهو الله، فالجمال والتربية الجمالية طريق إلى معرفة الله، ودليل على عظمته والارتباط العقلي والوجداني به.

ولا يقف الإنسان على أمرٍ أو توجيهٍ إلاَّ وللتربية الجمالية فيه نصيب، وقد يُدْرَك ذلك مباشرة وقد يحتاج في بعض الأحيان إلى الرجوع إلى الأصل والكليات حيث خط سير الجمال فيه، ويظهر هذا جلياً في أوامر القرآن المتكررة التي تحض على إحسان العمل، وإحسان القول: "وقولوا للناس حسناً"، وكذلك يُلاحظ الخط نفسه في السنة النبوية، ومن أمثلة ذلك قوله r: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أنْ يتقنه"([62])، وإتقان العمل هو الوصول به إلى أحسن حال ممكنة وعندها يتحقق الجمال فيه، ويتم ذلك ويتحقق من خلال مجالات التربية الجمالية.

والحديث السابق عام يتناول كل عمل يقوم به الإنسان فلابد أنْ يتحقق ويحقق درجة الإتقان والتي تعنى المرور بمنزلة الجمال، والرسول r وهو القدوة طَبَّق ذلك عملياً في حياته، ففي بناء المسجد النبوي الشريف أسند لكل واحد من الصحابة عمل معين له فيه خبرة حتى يتقنه فيكون عملاً جميلاً، فحين يؤدى الإنسان عمله بإتقان فالحصيلة الأكيدة هي الجمال.

وبتتبع التربية الجمالية في السنة النبوية يُلاحَظ أنَّها تصل إلى جوانب لم يصلها الجمال في يوم من الأيام قبل أنْ يحمله الإسلام، جاء في الحديث الشريف عن أبى الأشعث عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله r قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"([63])، وهكذا يطلب منهج التربية الجمالية الإحسان في كل شئ، فالذبح والقتل كلاهما عملية سلب للحياة، ولكن من الجمال ألا يصاحبهما تعذيب جسدي قبل وقوعهما، أو تصبح القتلة متكررة لسوء الآلة، فالتربية الجمالية هنا ضرورية لأنَّها ترسم الرحمة في نفس الفاعل([64]).

وهكذا يظهر جلياً أنَّ التجمل واتخاذ الزينة من آداب الصلة بالله، كما أنَّ الاستمتاع بجمال الكون جزءاً أصيلاً مقصوداً في التربية الإسلامية لما له من آثار في النفس، ولذلك يوصى بأنْ يكون المرء حسن المنظر، كريم الهيئة وذلك لا يتأتى إلا من خلال تربية الفرد تربية جمالية.

ويقصد بالتربية الجمالية :الآداب والتوجيهات والتنبيهات التي تجعل الإنسان ينتبه إلى الجوانب الجمالية في الحياة وفى الكائنات، ويحس بها ويقدرها، ويتذوقها ويستمتع بها، ويعمل على حفظها وتنميتها، وقد اعتنى الإسلام –قرآناً وسنة- بهذا المستوى الرفيع من مستويات التربية، وعمل على تنميته في كافة جوانب الكيان البشرى بروحه وقلبه، وبفكره وعاطفته، وبسمعه وبصره، وبشمه ومذاقه([65]).

د - أهمية التربية الجمالية  :

الجمال ليس فضلة في حياة الإنسان، بل هو شئ أساسي ومظهر حضارة الإنسان ورقيه، ومظهر تقدم المجتمع، وعكسه القُبْح مظهر تخلف الحضارة والمجتمع، والحق تبارك وتعالى كما أخبر رسوله r: "جميل يحب الجمال" فهو مثال وأصل كل جمال، ولن يتم الوصول إلى الجمال القدسي إلا إذا بُدئ بهذا الجمال الأرضي الذي يسمو بالأرواح والقلوب فيوصل إلى عالم الخلود والأبدية.

والإنسان الخالي من الجمال والتربية الجمالية كائن زاحف على الأرض لا يدرى ولا يعرف ما غايته، وكذلك التربية الجمالية بلا إنسان يعيشها ويتمثلها شعار أجوف فارغ لا يمكن أنْ يوحى بشئ، ولذا تُعْتبر التربية الجمالية مقدمة لقضية الإيمان، فلا تلبث أنْ تصل بها إلى أعماق النفس البشرية لأنَّ عاطفة الإحساس بالجمال ألصق بالنفس البشرية حتى تصل إلى مصدر الجمال المطلق "الله تعالى"([66]).

والتربية الجمالية تنمي حب الجمال، وحب الجمال أمر فطري قائم في بنية النفس البشرية ويعتبر وجوده دليلاً على سلامة الطبع، وصحة الذوق، واستقامة الفطرة ولهذا فهو لا يحتاج إلى كبير عناء في تعهده ورعايته، ومع ذلك فإنَّ المنهج التربوي تقديراً منه للجمال وارتفاعاً بمنزلته إلى المكانة اللائقة به فقد عزز في النفس الإنسانية هذه المكانة بما أيده من تكريم وتشريف([67]).

وإذا سادت التربية الجمالية في كل شئ، في الأقوال والأفعال فإنَّ النتيجة ستكون حياة جميلة، والحياة الجميلة تدفع إلى كل ما هو جميل، والمجتمع الذي يسود فيه الجمال يسود فيه الذوق الجميل، والفن الجميل، والفعل الجميل، والأدب الجميل، والسلوك الجميل([68]).

وفي العبارة النبوية: "إنَّ اللهَ جميل يحب الجمال" بُعْداً تربوياً أحوج ما يكون إليه كل أب وأم ومرب؛ ففي فهم تلك العبارة فهماً صحيحاً ومحاولة ترجمتها إلى سلوك يُرى ويُلمس ويُتذوق تذليل للعديد من العقبات التي تقف أمام تكوين جملة عادات وتصرفات نبيلة، لأنَّ الفرد الذي يُصْبح عارفاً معرفة حقيقية بأنَّ خالقه عز وجل يعز ويقدر الجمال سوف يُصْبح بلاشك باحثاً عن الجمال ومتشوقاً إلى التربية الجمالية ([69]).

والتربية الجمالية تحرك المشاعر، وتهز الوجدان، وتوقظ الإحساس وتهذبه، ولها تأثير عظيم في النفوس السوية والطباع الرشيدة، فيحدث الوفاق والانسجام وينتج عن ذلك الإبداع والمعرفة، ومن ثم تؤدي التربية الجمالية إلى تنمية الذوق الجميل، والذوق الجميل ينطبع به فكر الفرد ويولد لدى الإنسان نزوعاً إلى الإحسان في العمل، ورغبة في الكريم من العادات ويؤدى به إلى تمييز الطعام، والألوان، والحركات، والأصوات، والتزين والتطيب والنظافة، وصبغ الحياة العامة بالجمال.

وبقدر ما يتوافر للإنسان من الأنماط الجمالية السلوكية بقدر ما يأخذ بمكانه في البناء الاجتماعي، ولقد كان الرسول r يحاول جاهداً أنْ يقيم صداقة واعية بين الإنسان والمجتمع والكون، حتى يتلقى الإنسان عن صديقه الكون كل مباهج الحياة وكل مشاعر الإحساس النبيل، فها هو يخرج مرة في أصحابه حتى يستقبل الجبل فيقول ويهتف من أعماقه صائحاً: "هذه طابة وهذا أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه"([70]).

وتأتي أهمية التربية الجمالية من عدة اعتبارات :

-   أنَّها تطهر علاقات الفرد بالنفس أولاً، ثم بالمجتمع ثانياً، ثم بالكون ثالثاً فهي تطهر علاقة الفرد بنفسه حين توحي إليه بنزعة التعامل العاقل الملهم في كل مشاهد الكون والحياة، وهي تطهر علاقة الفرد بالمجتمع حين تقيمها على أساس من التضامن والتعاون بين أفراده، وهي تطهر علاقة الفرد بالكون لأنَّها تبنيها على أساس من التجاوب، لأنَّ الجمال يشد الإنسان إلى الحياة، والقُبْح ينفر منها.

-   أنَّ الجمال يمارسه الإنسان بالفطرة، وليس له هدف فوقه هو الجمال يقصد لذاته؛ فالجمال مرتبط بالخير وبالراحة النفسية وبالتقدم في سلم المدنية، والقبح وهو عكس الجمال مرتبط بالتخلف وبالعادات السيئة المرذولة التي تضر الناس، والجمال متغلغل في حياة الأفراد يصعب إنكاره ،بل وحين لا ينمو الوعي الكافي به تظهر عادات متخلفة منها عدم القدرة على التنسيق والترتيب والتي تجعل بيئة الإنسان قبيحة لا ذوق فيها([71]).

-   أنَّ النفس الإنسانية ترتاح للشىء الجميل وتضيق بالشىء القبيح ، كما أنَّ الجمال يبعث في النفس الشعور بالسرور والحب،والقبيح يبعث الشعور بالكراهية والاشمئزاز، وقد دعانا المولى سبحانه وتعالى في كثير من آياته أنْ نرى جمال الطبيعة الرائع ونتأمل النجوم السابحة في الفضاء والجبال الشامخة وشروق الشمس وغروبها وغير ذلك مما في الكون من إبداع وتناسق يثير في النفس الإحساس بالجمال.

-   أنَّ الكون حولنا ملئ بالأسرار من آيات الجمال، وأنَّ الإنسان بطبعه وفكره يتساءل عن سر الإبداع الموجود في هذا الكون؛ ولما كان الإنسان بفطرته يحب كل جميل وبطبيعته يميل إلى الاطلاع على كل شئ غريب أو جميل يأتي غرض التربية الجمالية وهو تربية الطفل على حب الجمال وتقديره والإعجاب به، ولذا تتطلب هذه التربية العناية بالمواد والأشياء التي تؤدي إلى التربية الجمالية كأن يكون البيت جميلاً والأثاث منسقاً والملابس متناسقة.

ولا تقل أهمية التربية الجمالية عن أنماط التربية الأخرى، فعن طريقها يتهذب الذوق ويُصْقل، ويتعود الإنسان أنْ يبتكر وأنْ يكتشف قيماً في الحياة تجعله أكثر ارتباطاً بالبيئة وأكثر فهماً لها؛ والتربية الجمالية عادةً تُكون لدى الأشخاص معايير للتمييز بين قيم الأشياء، فيستطيع الفرد الذي مارس السلوك الجمالي أنْ يميز الجميل من القبيح، والغث من السمين، والأشياء التي تتضمن قيماً إنسانية رفيعة من الأشياء التي لا تتضمن هذه القيم، وقديماً ربط كثير من الفلاسفة بين حب الجمال وتذوقه وبين القيم الأخلاقية، فالسلوك الخُلُقي سلوك قويم أي أنَّ له طابعاً جمالياً؛ في حين أنَّ السلوك غير الخُلُقي ما هو إلاَّ سلوك قبيح([72]).

والتربية الجمالية ضرورة لتبصير الناشئين بماهية الإبداع والابتكار، وتنشئتهم منذ الصغر على ممارسة الإبداع والابتكار في مجالات تخدم المجتمع وأهدافه من خلال تنمية الإحساس والشعور بالجمال والإبداع الموجود في الطبيعة([73]).

وللتربية الجمالية أثرها الكبير في رفع مستوى الثقافة الجمالية للإنسان، وهي تُسْهم في إغناء عالمه الروحي، وضبط تأثير وسائل الإعلام عليه، وتظهر أهمية التربية الجمالية وتتجلى في حاجة الإنسان إلى تنمية مخيلته وحساسيته وشتى قواه الإبداعية، فالتربية الجمالية لها دور بارز في تحريك ما فتر من المشاعر الإنسانية، وإثراء ما أجدب من العواطف النبيلة([74]).

وهي تعمل على تطوير قدرة الناشئة لتلقي كل ما هو رائع في الطبيعة والفن والبيئة كما تمنحه القدرة على التذوق وتربية الموقف الجمالي تجاه الواقع، وهناك أكثر من وسيلة في هذا السياق منها الإسقاط لكل ما هو قبيح من خلال مراقبة الناشئ وإرشاده ومتابعة حياته اليومية وسلوكياته، والوسيلة الأكثر فائدة هي التكرار في تعريض الفرد الدائم لمؤثرات جمالية طبيعية وفنية من خلال الواقع كزيارة الحدائق والمسرح، ومن الضروري منح الطفل بيئة جمالية يلمسها بنفسه مع الاهتمام بالتثقيف الجمالي([75]).

وللتربية الجمالية أهمية كبيرة في حياة المجتمع؛ لأنَّ فقدان التربية الجمالية في المجتمع وعدم معرفة النظام يسئ إليه إلى مدى بعيد من حيث لا يدري فإذا سار الفرد في الشارع ووجد القاذورات ملقاة هنا وهناك، وسمع الشتائم تنتشر على مسمع من الأطفال والنساء فهذا بدوره يكسب النشء القيم والعادات والسلوكيات القبيحة، ولذلك فإنَّ الشعوب أو المجتمعات تتميز عن بعضها بقدر انتشار القيم الثلاث الخالدة [الحق- الخير- الجمال] وبانعدامها تتلاشى من السجل الإنساني ومن عداد المجتمعات البشرية.

وهي كذلك ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخير والتقدم الاجتماعي لأنَّ الشعور بالجمال صفة ترتفع بالإنسانية إلى أعلى مستوى، فيكره الإنسان بالتالي كل ما هو قبيح ويعمل علي تجنبه فيعود ذلك بفائدة على المجتمع الذي يعيش فيه؛ ولذلك يجب أنْ تعمل كل أنماط التربية على الاهتمام بالتربية الجمالية؛ فتعمق في نفوس الأفراد الشعور بالجمال سواء من الناحية الخُلُقية أو تربية الذوق السليم عن طريق الفنون أو ما تقوم به من تنظيم سواء داخل المنازل أو خارجها، أو بالاهتمام الشخصي بجمال الشكل أو الملبس أو بجمال القول والفعل. 

والتربية الجمالية تقتضي التعامل مع الحياة الطبيعية والإنسانية على قاعدة وجود حالة التنوع وأنَّ جمال الحياة الحقيقي ليس في تحولها إلى لون واحد وإنَّما في استمرار تنوعها وتعددها، فالحياة البشرية كالشجرة التي تمتلك عشرات الأغصان، وكل غصن يمارس وظيفته ويعطي جماله الخاص، كذلك هي الحياة الإنسانية فهي مليئة بصور التعدد والتنوع وهذا هو سر جمالها؛ وأهمية التربية الجمالية في أنّهَا تتعامل مع تنوع الطبيعة وتعدد الحياة الإنسانية؛ ومن هنا فتطور التربية الجمالية بكل أبعادها في الحياة الاجتماعية هو أحد المداخل الأساسية لتوطيد الاستقرار الاجتماعي والسِلْم، لأنَّ الركن الأساسي لعملية الاستقرار هو الاعتراف والتعامل الايجابي والخلاق مع كل حالات وحقائق التنوع والتعدد الموجودة في الحياة الإنسانية([76])، والتعامل بروح ايجابية أو بمنظور جمالي مع حالة التعدد و التنوع لا يأتي صدفة وإنَّما بحاجة إلي تربية وتدريب في مختلف مراحل الإنسان ويتم ذلك  عن طريق التربية الجمالية ومن هنا تأتي أهميتها في الحياة البشرية .

ويوجز الباحث أهمية التربية الجمالية في النقاط التالية:

1-    تؤدي إلى سلامة الطبع ، وصحة الذوق، واستقامة الفطرة.

2-     لها رسالة إنسانية واجتماعية خالدة تتمثل في مكافحة القوى العدوانية.

3-  تغرس  في نفس الفرد أداءً وتذوقاً ينمو به الفرد الذي يعشق الخير ويؤديه لأنَّه جميل، ويتجنب الشر لأنَّه يُفْسِد عليه حياته لأنَّه قبيح.

4-  الحياة بلا جمال مملة مقفرة لا يحب الإنسان أنْ يحياها، فإذا الأرض لم تنبت يابساً أو أخضراً، ولو اختفى الشجر والماء ولاحت السماء رمادية قاتمة، وكانت وجوه البشر متشابهة،
وتوارت ألوان الأزهار الباسقة، وغابت الفراشات كيف يُمْكن أنْ تظهر الحياة؟! إنَّها تنعدم فيها متعة الإنسان.

5-  تعتبر أساس من أسس الشخصية المتكاملة المتوازنة، لأنَّها تسمو بالإنسان فوق حيوانيته، وتجعله يعيش وسط إنسانيته.

6-  أنَّ الجمال الناتج عن التربية الجمالية أرقى شئ في الحياة، والتدريب عليه منذ نعومة الأظافر في كل جانب ضماناً لتكوين أمة راقية تسير في ركب المدنية.

7-    ترقق وجدان الفرد وشعوره وترتقي بهما، وتجعله مدركاً للذوق الجمالي.

8-    تفتح الأفق العقلي والنفسي والوجداني لدى الإنسان.

9-    تستثير الدهشة لدى الطفل، وتنشط رغبته في اكتشاف المجهول.

10-   وسيلة لتحقيق الكثير من الغايات التربوية التي تدعو إليها التربية الحديثة.

11-  التأمل والإحساس الناتج عن التربية الجمالية يؤدي بالفرد إلى تولد حركة معرفية يرقى بها الإنسان إلى الكشف عن أسرار الخلق والاستزادة من العلوم والمعارف.

يتضح مما سبق أنَّ التربية الجمالية لها أهمية كبيرة لأفراد المجتمع؛ فهي تفجر في نفوسهم مشاعر الحب، وتلهمهم نوازع السمو، وترسم في حياتهم معالم التطور، وترقق أحاسيسهم، وترهف أذواقهم، وتهب طاقات من الخير، وتجعل الفرد إنساناً جميلاً والإنسان الجميل هو الإنسان الذي يكره الكلمات المشبوهة الملتوية، وهو الذي لايحقد ولا يغدر ولا يخون ولا يقيم وجوده على أنقاض الآخرين.  

إذاً هل يمكن تصور حياة الفرد والمجتمع لو أنَّها أقفرت من الجمال؟، إذن فليسعد الفرد، وليسعد المجتمع بالجمال كهدية من الله وهبة من هباته للبشرية، ولتكن أعماق البشرية جميلة، ولتكن الأخلاق جميلة، ولتكن العلاقات جميلة، ولتكن العقائد جميلة لأنَّ الجمال يخلع على الحياة والإنسان كل مظاهر الحب، وكل مظاهر التطور والرقى.

ثانياً:وظائف التربية الجمالية:

تُعِدُ التربية الجمالية الأفراد لتذوق الجمال في صوره المتعددة، كما أنَّها تساهم في إبراز الجمال في الطبيعة؛ وتهتم بتحسين مظاهرها، وأيضاً توسيع الإدراك بالفن وتمكن المتعلم من رؤية الأبعاد والإحساس بقيم لم يكن يستطيع إدراكها بدون التربية الجمالية، كما أنَّها تُسهم في اتساع الإدراك لأنواع الجمال التي تكمن في معاني الخبرات المختلفة.

وتوشك العلاقات الإنسانية كلها أنْ تكون نابعة من قيم التربية الجمالية؛ لأنَّ مجمل العلاقات الإنسانية هي: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بالآخرين، وعلاقة الإنسان بالكون، وعلاقة الإنسان بالله وما لم تكن هذه العلاقات جميعها مبنية علي أسس جمالية فإنَّ صرحها يهتز ويتداعي حتى الانهيار، فالتربية الجمالية تطهر علاقة الفرد بنفسه حين توحي إليه نزعة التعامل العاقل الذي يقف بالفرد أمام تناسق الإشباع المادي من أعراض الحياة، والإشباع الروحي من تعاليات العبادة، وهي تطهر علاقة الفرد بالآخرين حين تقيمها علي أساس الفهم المتبادل ، والتضامن الواثق، والأخوة، والسلام إنَّها تغري بالعدل، والحب، والتسامح، والفكر، والتضحية وأيضاً تُطهر علاقة الفرد بالكون حين تقيمها علي أساس من التجاوب المحب، فحينما يستشعر الفرد الجمال من نجمة أو نسمة تنفتح كل المغاليق علي جمال الوجود، وأخيراً تطهر علاقة الفرد بالله حين تقيمها علي الإحساس الوثيق بأنَّ الله واهب كل ما في الكون وهو يستحق العبادة لأنَّه خالق الجمال الإنساني والطبيعي وما ورائهما علي السواء([77]).

والتربية الجمالية تؤدي وظائف هامة فهي أداة من أدوات الإنسان في الاستدلال علي وجود الله ووحدانيته، وإبراز كمال قدرته وبديع صنعته؛ كما أنَّها أداة الإنسان في تنمية الذوق الجمالي، وتكوين المعيار الذي يساعد الإنسان علي تمييز الغث من الثمين، والجميل من القبيح، هذا إلى جانب وظيفتها الأساسية في تنمية وعي أفراد المجتمع بالقيم الجمالية المتنوعة والمتعددة والتي تعين الفرد علي فهم المزيد مما تراه عيناه من أسرار الكون([78]).

وتستطيع التربية الجمالية أنْ تخدم غرضين هامين ما دامت تهدف إلى تحقيق التربية المتكاملة للشخصية هما: أنَّها تستطيع أنْ تظهر طرقاً لتعميق وتوسيع مقدار السرور الشخصي ، وأنَّها تستطيع أنْ تساعد على اشتراكية الذوق على أسس جمالية واضحة، فتساعد على إثارة النقد بشأن الأمور الشائعة وعدم التشجيع على مجاراة الأمور السائدة دون نقد أو إبداء الرأي بشأنها([79]).

والتربية الجمالية تتضمن أيضاً تربية حواس الفرد وتدريبها على تنسيق علاقاتها بكل الظواهر المحيطة بالفرد، لأنَّ الاهتمام الأول لها تشجيع الاستجابات للمثيرات الجمالية المختلفة.

والتربية الجمالية تعد الأفراد لتذوق الجمال في صوره المتعددة فتساهم في إبراز الجمال في الطبيعة وتهتم بتحسين مظاهرها، كما توسع الإدراك بالفن وتمكن المتعلم من رؤية الأبعاد والإحساس بقيم لم يكن يستطيع إدراكها بدون وسائلها المتعددة، كما أنَّ التربية الجمالية تسهم في اتساع الإدراك لأنواع الجمال التي تكمن في معاني الخبرات المختلفة، كما يمكنها أنْ تسهم في صنع نموذج مثالي للجمال البشري ومساعدة الفرد على التوصل إلى أفضل الطرق التي تمكنه من الوصول إلي ذلك النموذج وإلى تهذيب كافة جوانب سلوكه([80]).

والتربية الجمالية ترمي إلى تنمية الإدراك الحسي والارتفاع بمستواه، فالشخص الناضج يستمتع أيضاً بما تمده به حواسه من تمييز بين الجميل والقبيح فيصبح لديه إدراك حسي أكثر دقة، كما أنَّ من شأنها تأكيد التوافق بين مشاعر الإنسان تجاه الموضوع الجمالي والصفات الموضوعية الحقيقية التي توحي بها الموضوعات الجمالية، وحينئذٍ تكون قد أسهمت في جعل شعور الشخص الذي يلاحظ الشئ متفقاً مع معني هذا الشئ دون المبالغة في الموقف الجمالي أو الاستهانة به([81])

والتربية الجمالية تربى في الإنسان سمو الذوق الذي يتجسد في أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية كما يتجسد في الأشياء والموضوعات الحسية، وهي إلي جانب ذلك تفتح الأفق العقلي والنفسي والوجداني لدى الإنسان وتشده إلي مبدع الخلائق والجمال في هذا الوجود وهو الله([82]).

والتربية الجمالية تجعل من الإنسان إنساناً فناناً ذا حس جمالي رفيع إلى جانب مهنته ووظيفته الأساسية، فيكون مرهف الحس، رقيق الشعور لا متبلداً ولا جامداً بل حسن الذوق والتذوق فتعطى لحياته معنى، ولحياة المجتمع كلها ذوقاً رفيعاً ، وهي تؤدى إلى نتيجة طيبة في سلوك المتعلم وتعينه على ضبط نفسه، لأنَّ الإحساس بالجمال ينمى في الإنسان السليم الدافع للسلوك الحسن، أو كما قال "ريد" إنَّ التربية الجمالية تنمى الفضيلة الأخلاقية([83]).

وتقوم التربية الجمالية بتوجه الإنسان إلى إدراك التناسق في العلاقات الإنسانية بين الإنسان والإنسان، وتوجهه إلى إدراك التناسق بين الطبيعة والإنسان وإدراك الجمال في هذا المجال مما يجعل المتعلم رقيق الحس مرهفاً في تعامله مع الطبيعة، وفى تعامله مع الإنسان إذ أنَّه يركز على القيمة مثلما يركز على المنفعة([84]).

والتربية الجمالية تؤدي إلي تطهير النية والعمل والسلوك؛ فنظافة المظهر مدعاة لنظافة الجوهر، ونظافة الشكل مدعاة لنظافة الضمير، ونظافة الفرد مدعاة لنظافة المجتمع وبذلك يتحقق بعد تربوي عظيم يتمثل في طهارة المجتمع طهارة معنوية من الفواحش والذنوب والآثام والانحرافات السلوكية والأخلاقية ونحوها؛ فترتفع النفس البشرية بتلك الطهارة من الفوضى والوحشية إلي مستوى رفيع من سمو الأخلاق وحُسْن السلوك وجمال الطباع، ومن ثم يتم تطهير الحياة الاجتماعية عامة حتى تُصْبح التربية شاملة للروح والعقل والجسم([85]).

ومن الوظائف الهامة للتربية الجمالية أنَّها تجعل الإنسان يجد في نفسه نزوعاً إلي الإحسان  والإتقان في العمل، وتساعد علي نمو الشخصية الإنسانية نمواً متكاملاً من خلال الاندماج في النشاط البناء الخلاق والاستمتاع به، وغرس وتنمية قيم واتجاهات إنسانية تتصل بتنمية العاطفة والوجدان والمعرفة الحسية ، وتدريب الحواس، والتعبير عن النفس وانفعالاتها، والتوحيد بين المشاعر من أجل التماسك الاجتماعي، ومن ثمَّ تؤدي إلي تقوية الروابط بين الفرد والمجتمع ، وتدعم الصلات بين أفراد المجتمع من الناحية الإنسانية([86]).

والتربية الجمالية تنمي في الإنسان مراعاة مشاعر الآخرين وأحوالهم وظروفهم بقصد تجنب إحراجهم، أو الإثقال عليهم أو إيذائهم بالقول أو الفعل فتفجر في الإنسان مشاعر الحب، وتهب طاقات من الخير حتى تمكن الأفراد من الإبداع في الميادين المختلفة ، لأنَّه كلما زاد الإحساس الجمالي عندهم زادت قدرتهم علي الإبداع.

ومن الوظائف العظمى للتربية الجمالية أنّها تزيد من إمكانية الفرد على التمييز بين الأشياء، وإصدار الأحكام الجمالية حيث تساعد الفرد على تجريد صفة الجمال في الشئ عن الصفات المتعلقة به، فتهذب انفعالات الإنسان، وتهذب استجاباته الحسية ذات الصبغة السارة أو غير السارة، فتهتم بتوجيه مشاعره تجاه الصفات الموضوعية الحقيقية للموضوع ، ومن ثمَّ ترتفع بمستوى الإدراك الحسي فتهتم بتوضيح مقومات الجمال في الموضوعات الجمالية، وتمكن الأفراد من التجاوب العاطفي مع المعايير ذات الطابع الجمالي.

ومجال التربية الجمالية يُمْكِّن الفرد من أنْ يكتسب الخصائص التي تنميه جمالياً، وتهتم بانعكاس هذا النمو في العالم الذي يعيش فيه، وتصبح لديه سمة جمالية تنعكس على سلوكه في جميع مناحي الحياة، وهي بذلك تُمْكِّن الفرد من اكتساب سلوك حضاري جديد يمثل مزيجاً من السلوك العاطفي والسلوك الثقافي ([87]).

وتعد التربية الجمالية وسيلة أساسية ورئيسة في إحداث التناسق والتوازن والترابط بين أنظمة المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث تؤدى التربية الجمالية وظيفة هامة في توجيه أنماط السلوك العام للحفاظ على البيئة الاجتماعية حتى لا يُصَاب النظام الاجتماعي بخلل فيعم القُبْح وينتفي الجمال، وهي أيضاً - التربية الجمالية - وسيلة من وسائل بناء الشخصية وتكاملها؛ فهي وسيلة بناء روحي تتمثل في التأمل العميق في جمال الكون والاستمتاع بآيات الجمال فيه، كما أنَّها وسيلة بناء أخلاقي فالتحلي بالقيم الجمالية يرقق مشاعر الفرد فلا تنافر ولا أحقاد فيكون السلام الاجتماعي في أجمل معانيه، بالإضافة إلى أنَّها تسمو بالفرد ليتجاوز ذاته إلى الآخرين، فلا صراع ولا أنانية فيكون التكافل الاجتماعي في أجمل صوره ([88]).

وللتربية الجمالية وظيفة هامة في الحياة فهي تعمل علي إكمال النقص وتحقيق التوازن في النفس البشرية؛ فمن غلبت عليه النواحي المادية جذبه الجمال إلي عالم الفكر، ومن غلب عليه الفكر جذبه الجمال إلي عالم المادة والحس، فهي تستخدم كأداة تتيح للفرد فرصة التنفيس عن الضغوط النفسية([89]).

ومن الوظائف الهامة للتربية الجمالية أنَّها تؤدى إلى تحسين مستوى معيشة الإنسان الجمالي فينعكس ذلك على ملبسه ومسكنه، وكافة أمور حياته وبقدر ما يدرب الفرد على التذوق الجمالي والرؤى السليمة القائمة على إدراك الجمال في كل ما يحيط بنا يمكن الحصول على مواطن يحافظ على الجمال في كل مكان([90]).

ومن خلال التنشئة والتربية الجمالية تتحقق التربية الوجدانية، حيث يهتدي الفرد إلي السمو الروحي ويستوعب القيم الإنسانية بالتدريج وحسب تطور الخيال فيكتسب الفضائل وحب الخير، ومن ثمَّ فإنَّ التربية الجمالية تؤدي وظيفة ضرورية وأساسية للإنسان وهي صقل الذوق،وتهذيب الوجدان، وتنمية القدرة على إدراك مظاهر الجمال في الطبيعة أولاً، وفى الأعمال الفنية ثانياً، ثم في مظاهر السلوك المختلفة ثالثاً ([91]).

ومن أهم الوظائف التي تقوم بها التربية الجمالية أنَّها تُكسب السلوكيات وتشكلها بشكل سليم ممَّا يساعد علي تنمية التقاليد والعادات الصحيحة، وتزود الأفراد بالأفكار والنظم والخبرات والمهارات التي تساعدهم علي مواجهة مواقف الحياة المتغيرة والمتطورة وبذلك تحافظ علي القيم الإنسانية الروحية والمعتقدات الدينية وتحقق الاستقرار في الحياة فينتج عن ذلك تحقيق الاتزان النفسي للأفراد وإدراك قيم الحق والخير والجمال([92]).

كما أنَّ التربية الجمالية طريق للتواصل وتكوين المفاهيم وتعديل السلوك عن طريق التخيل والابتكار والفهم، وأيضاً تقرب المسافة بين المجموع الاجتماعي والثقافي مهما تفاوتت درجات التعليم وتيسر عملية تضامن هذا المجموع، وهذا التضامن يُغري بالتوحد والانسجام، فيتحقق الارتباط والتواصل والتفاؤل في الدائرة الاجتماعية الثقافية، وهي أيضاً التي تحدد الهيئة أو الشكل لهذه الدائرة، وفي داخل هذا الشكل يعرف كل واحد موقعه ودوره من حيث التفاعل مع الآخر والتكامل معه([93]).

ومن الوظائف المهمة أيضاً للتربية الجمالية أنَّها ترمي إلى إنماء عاطفة الجمال الكامنة في النفس من خلال تقدير الجمال وابتكاره؛ وفضلاً عن تنميتها للقدرة على تقدير الجمال تعمل التربية الجمالية على تشجيع الأطفال على الابتكار والإبداع إذا وجد فيهم هذا الاستعداد، كما أنَّ التربية الجمالية تناهض غيرها من أنواع التربية عقلية كانت أو خُلُقية أو بدنية لما لها من أثر جميل في الحياة؛ فالحياة تصبح جافة تبعث على الملل إذا خلت من الفنون الجميلة كالرسم والتصوير والموسيقى والشعر والآداب، فهي التي تهذب الحياة وترقيها، وهي وسيلة من وسائل التعبير عن النفس وما فيها من انفعالات([94]).

والتربية الجمالية تربي الفرد علي أن يستمد الإبداع ويتذوق الجمال من إبداع خالق الكون وجمال مخلوقاته إلي جانب تربيته علي أنْ يكون مبدعاً لا يكتفي بمحاكاة الطبيعة في شكل من أشكالها بل يُبْدع شكلاً جديداً من خلال إحساسه لكل ما هو موجود من أشكال قديمة بعد أنْ تكون قد اكتسبت دلالة جديدة في ذهن المبدع([95]).

ومن وظائف التربية الجمالية أنَّها تؤدي إلى ضبط الغرائز وبذلك تؤدي عملاً أخلاقياً، ولذلك تري التربية الحديثة أنْ يوجه الطفل إلى جمال الطبيعة ويتخذ منها صديقا له، وإذا كان الشئ الجميل يريح الإنسان ويجعل النظر إليه محبباً ، ويبعث على التخيل فإنَّ الاستمتاع الجمالي يغذي الوجدان والرغبات المكبوتة داخل النفس([96]).

والتربية الجمالية وسيلة فعالة للارتقاء الحضاري؛ ومرجع ذلك هو أنَّ التربية الجمالية هي خير وسيلة فعالة لتزكية الأحاسيس الإنسانية، وترقية المشاعر والوجدان البشري الراقي لتحقيق نوع حيوي من السمو الإنساني حتى يتسنى إيجاد تكاملية فذة في حياة الإنسان المتوازن([97]).

ويوجز الباحث في النقاط التالية بعض وظائف التربية الجمالية:

1-   تُظْهِر طرقاً لتعميق وتوسيع مقدار السرور الشخصي والنفسي.

2-   تساعد في اشتراكية الذوق على أسس جمالية واضحة، مُساهِمة بذلك في غرس الوعي الجمالي للمجتمع.

3-   تُسْهِم في إثارة النقد بشأن الأمور الشائعة وفقاً لما تضعه من معايير للتذوق، فتزداد بذلك إمكانية التغيير إلى واقع جمالي أفضل لأنَّ النقد أولى خطوات التغيير.

4-  تمكن الأفراد من أنْ يدركوا ويحللوا ويقدروا الأشياء التي يرونها، ويسمعونها، ويتعاملون معها في بيئتهم.

5-   الجمالية تمكن الأفراد من التجاوب مع نظم رفيعة من المعاني والبصائر الجمالية.

6-   تعد الطفل الإعداد الخاص والكامل الذي من شأنه أنْ يجعله يزداد تفاعلاً مع البيئة والمجتمع.

7-   تعد وسيلة من وسائل التعبير عن النفس وما فيها من انفعالات.

8-    تُدرب الأفراد علي تذوق الجمال وإدراكه من خلال الطبيعة.

9-  ترتقي بحياة أفراد المجتمع وتهذبها من خلال الفنون الجميلة كالرسم والموسيقي والتصوير .

10-    تُسْهم في إصلاح المجتمع واستقامته.

11- لها وظيفة مهمة تتمثل في غرس القدرة علي الاستمتاع بكل ما هو جميل لأنَّ لها دوراً مهماً في تشجيع الأفراد علي تذوق الجمال في أشكاله العليا .

12-   تدرب أفراد المجتمع علي استغلال أوقات الفراغ .

13-    وسيلة مهمة لبعث مواطن الإشعاع الإيماني في النفس البشرية.

14-  تجعل الإنسان يحس بالجمال ويدفعه ذلك إلي فعل الجميل، وفعل كل ما هو خير لأنَّ الخير في الجمال.

15- تنمي قدرات الأفراد الإبداعية بحيث تجعل الفرد قادراً علي حمل شعلة التغيير وقيادة الجماعة نحو الأفضل وفق فلسفة وطبيعة المجتمع.

16-  تزود النشء بالقدرة علي التأمل في جمال الطبيعة، والتدبر في آيات الكون والإبداع الإلهي.

17-    تُشْعِر الفرد بالبهجة مما يجعله أكثر قابلية للتعامل مع مواقف الحياة المختلفة.

18-   تُكْسب الطفل الثقة بالنفس والقدرة علي مواجهة الآخرين.

19-  تُساعد علي تبسيط المعارف والمعلومات والحقائق، ونقلها لذهن الطفل بأسلوب مبسط وشيق.

20-    تنمي في الطفل حب الجمال والإعجاب به. 

إذاً التربية الجمالية هي خير وسيلة فعالة لتزكية الأحاسيس الإنسانية، وترقية المشاعر والوجدان البشرى الراقي، ولتحقيق نوع حيوي من السمو الإنساني حتى يتسنى إيجاد تكاملية فذة في حياة الإنسان المتوازن، وبدون تحقيق الوظائف السابقة أو بدون الاهتمام بتربية الفرد تربية جمالية ستظل البيئة متخلفة، والعلاقات الإنسانية غير مريحة، وسيدفع المجتمع ثمناً باهظاً لعدم الاهتمام بهذا الجانب.

 ثالثاً:أهداف التربية الجمالية:

يؤكد أحد الباحثين في مجال التربية على أنَّ الهدف الحيوي والأول للتربية هو تكوين الشخصية السوية المتكاملة بجوانبها المختلفة وأبعادها الشاملة؛ وعلى قمة هذه الجوانب الجانب الجمالي الذي يُعْتبر في منظار أحد المربين بمثابة العامل الحيوي الذي لا يقل أهمية في تكوين الشخصية عن أي جانب آخر كالجانب العقلي أو الجسمي أو الاجتماعي أو الروحي([98])، وتحتل التربية الجمالية مكانة بارزة وكبيرة في تربية الإنسان، وتتمثل أهم أهداف التربية الجمالية فيما يلي :

1- تنمية الشخصية المتكاملة وترقية مشاعرها:

يعد تنمية الشخصية المتكاملة هو الهدف الأول والرئيس للتربية الجمالية، لأنَّ الجانب الجمالى يعد أحد الجوانب الأساسية فى تلك الشخصية، وهى تساعد على نمو الشخصية الإنسانية نمواً متكاملاً من خلال الاندماج في النشاط البنَّاء الخلاق والاستمتاع به، وكذلك من خلال غرس وتنمية قيم واتجاهات إنسانية تتصل بتنمية العاطفة والوجدان والمعرفة الحسية وتدريب الحواس والتعبير عن النفس، ومن البديهي أنَّ موضوع التربية هو الإنسان بكليته بجسمه وعقله ووجدانه وقيمه ومهاراته واتجاهاته وميوله وليس معرفة المواد الدراسية فقط([99]).

ولهذا يُمْكن القول بأنَّ البُعْد الجمالي بُعْد هام في نمو جوانب الشخصية الإنسانية المتكاملة والمتوازنة، وأنَّه جمالي ضروري لحياة الإنسان في البيئة التي يعيش فيها لأنَّ الإنسان يتميز عن الحيوان بالحاسة الجمالية التي تساعد الإنسان على السمو وترقية المشاعر.

وقد قال روسو: "إنَّ الغرض من تربية أميل هو أنْ أعلمه كيف يشعر ويحب الجمال في كل أشكاله، وأنْ أُثبت عواطفه وأذواقه، وأنْ أمنع شهواته من التردي إلى الخبيث والرذيلة، فإذا تم ذلك وجد أميل طريقة إلى السعادة ممهداً"([100]).

إذن من العسير أنْ تكون الحياة خالية من الجمال أوالقيم الجمالية التي تجعل من الإنسان إنساناً ذا حس جمالي رفيع، رقيق المشاعر، حسن الذوق والتذوق للأشياء، يمكن أنْ يضيف من لمسات الجمال الكثير والتي بدورها تعطى لحياته معنى، وتترك أثراً جميلاً في مجتمعه.

2- تنمية حواس الفرد وذكائه:

وهذا ما أيده وذهب إليه "هربرت ريد" حيث يرى أنَّ التربية الجمالية هي تربية تلك الحواس التي يقوم عليها الشعور ويقوم عليها في النهاية ذكاء الفرد وقدرته على الحكم، ولن يتم بناء شخصية متكاملة الحواس إلاَّ بقدر ما تقام علاقات الانسجام والتعود بين تلك الحواس والعالم الخارجي، ولعل هذا التوفيق بين الحواس وما حولها من البيئة أهم أهداف التربية الجمالية، وتهدف كذلك إلى تنمية كل ما هو فردى في كل متعلم على حدة، وتعمل في الوقت نفسه على إيجاد التناغم والانسجام بين الفردية التي تحصل بتلك الطريقة وبين الوحدة العنصرية للمجموعة الاجتماعية التي ينتسب إليها الفرد([101]).

إذن يمكن القول بأنَّ التربية الجمالية تهدف في المقام الأول إلى تنمية الشخصية المتوازنة والمتكاملة، وأيضاً تهدف إلى تنمية الحواس والذكاء عند الفرد، وإكمال النقص وإحداث التوازن والتوافق في النفس البشرية.

3- الإثراء الجمالي والوجداني :

ويُعَد هذا الهدف من أهم الأهداف التي تسعى التربية الجمالية إلى تحقيقها، فالحياة الإنسانية التي يُعَد الأبناء للدخول في معتركها إذا كانت تتطلب منهم جهاداً ومغالبة وكفاحاً ونضالاً واقتحاماً للمشكلات والصعاب والعوائق، فإنَّها بحكم إنسانيتها تظل في أمس الحاجة إلى لمسة حب ونسمة حنو وخفقة قلب؛ انفعالاً برؤية جميل أو عاطفة إنسانية لأنَّ انفعالات الإنسان وعواطفه هي تلك الشحنة الكهربائية التي تمده بطاقة الحركة وقوة الدفع، والإسلام في تربيته للإنسان لا يقنع بعالم الضرورة والواقع، وإنَّما يلبى الفطرة الإنسانية في تطلعها إلى عالم الجمال والوجدان، فالإنسان لا يكتفي بالنظر إلى الجبال على أنَّها مجرد جبال، وإنَّما يُبْصِر الجانب الجمالي فيها عندما تكون مكسوة بالثلوج أو الغابات([102])، وهذا يتحقق عن طريق التربية الجمالية والتي يعد من أهم أهدافها الإثراء الجمالي والوجداني عند الأفراد.

4- تنمية الأخلاق :

تتصل التربية الجمالية بالتربية الخُلُقية، فالطفل الذي تبلورت في ذهنه العاطفة الجمالية وقدرها يتطلع إلى مثالية سامية؛ مثالية الحق، والخير، والجمال فيصور الفضيلة في شكل جذاب يناسب أنْ يصير خُلُقاً فيه، كما يصور الرذيلة في شكل قبيح لا يستسيغ التخلق به([103]).

ولعله من أكبر العيوب التي تتصف بها الأخلاق المعاصرة أنَّها مفتقرة إلى الصبغة ا لجمالية، فالتعلق والتمسك بالجمال يساعد على التمسك بالخير والنفور من الشر، ومن ثم يؤدى إلى تنمية الأخلاق ولذا فهدف تنمية الأخلاق يُعَد من أهم أهداف التربية الجمالية.

ولما كان هدف التربية الرئيس- كما سبقت الإشارة- هو تنمية الشخصية الإنسانية المتكاملة، ولما كان اكتمال هذه الشخصية يتم بما تتحلى به من فضائل وأخلاق لذلك يُلاحظ أنَّ فلاسفة الجمال ربطوا بين الجمال والأخلاق، وتكون النتيجة أنَّ الأخلاق داعمة للجمال وليست عائقة له، محركة له في شكل ذاتي وشعوري وتذوقي ووجداني، ويكون الجمال هادياً للأخلاق فلا تخرج عن توازنها واعتدالها، ووفق هذه الرؤية فالجمال يهندس أبجديات الأخلاق في السلوك الإنساني، لأنَّ السلوك الإنساني يحركه الجانب الوجداني أكثر مما يحركه الجانب المعرفي ولعلَّ من أقوى المؤثرات على الجانب الوجداني التربية الجمالية([104]).

ويؤكد جون ديوى العلاقة الوثيقة بين الفنون والأخلاق فيقول: "إنَّ الفن قد يكون أشد اتصافاً بالصفة الأخلاقية من الكثير من مظاهر السلوك الأخلاقي، وأية ذلك أنَّ الأخلاقيات السائدة إنما هي تميل بكل تأكيد إلى أنْ تصبح بمثابة إثبات للحالة الراهنة، أو هي انعكاسات للعرف الاجتماعي أو تدعيم للنظام القائم، ولقد كان كل أنبياء الأخلاق الذين عرفتهم البشرية شعراء ومن هنا فقد أصبح الفن بمثابة وسيلة لاستبقاء الإحساس بالغايات التي تتجاوز الحقائق البينة"([105]).

كما ربط هربرت ريد بين التربية الجمالية والتربية الأخلاقية حيث يرى أنَّ التهذيب الحق نمط سلوكي يتطور تلقائياً وكل شكل آخر من أشكال السلوك يتسمى بذلك الاسم إنْ هو إلاَّ إكراه تعسفي يفرضه على الطفل الخوف من العقوبة، كما أنَّه غير ثابت في توازنه ومتمخض عن توترات فردية واجتماعية، وطريق الانسجام العقلاني والاتزان الفيزيائي والتكامل الاجتماعي هو نفس الطريق، طريق التربية الاجتماعية([106]).أي أنَّ التربية الجمالية من وجهة "هربرت ريد" من أفضل الطرق والوسائل للتهذيب الأخلاقي، لأنَّ من خلالها ينمو السلوك الأخلاقي ويتطور بصورة طبيعية، أما الوسائل الأخرى التي تُسْتخدم للضبط والتهذيب للسلوك فهي وسائل غير مجدية ومؤقتة لأنّها تجعل الأفراد يسلكون لا بدافع داخلي بل بدافع الخوف من العقاب.

 

5- تنمية القدرة على التذوق الجمالي واكتشاف الميول والمهارات:

تهدف التربية الجمالية إلى تنمية القدرة على التذوق الجمالي لدى الفرد من حيث تعويده على الكيفية التي يرى بها الأشياء، وبناءً على ذلك فإنَّ الحكم الجمالي على الأشياء يتطلب وعياً من الذات المُدْرِكة للجمال والشئ الجميل ذاته؛ وبتفاعل الذات بالموضوع الجميل وبمقارنته بأنواع الجمال الأخرى نستطيع أنْ نحدد إنْ كان هذا الشئ ممدوحاً أو مذموماً- من الوجهة الجمالية- وندرك بالتالي الجمال، والوعي الجمالي للذات المُدْرِكة يكون ممثلاً في خبرتها الجمالية والتي تُعّرف بأنَّها: بحث مستمر واكتشاف دائم لها، بل ويكون ماثلاً أمامنا دائماً بوصفه حقيقة جاهزة قد تم العثور عليها، ويكون ماثلاً أمامنا بوصفه شيئاً يمكن العثور عليه، أو حقيقة غامضة ما زال علينا فض أسرارها، فالجمال ليس ذاتياً محضاً ولا موضوعياً محضاً لكنه مزيج تآلف من الذاتية والموضوعية، فالجمال يوجد وجوداً موضوعياً في أشياء ذات طبيعة واقعية ([107]).

وإلى جانب ذلك فإنَّ التربية الجمالية تهدف إلى فهم الفنون وتذوقها والاستمتاع بها، فمن الصعوبة بمكان الاستمتاع بالفن دون المرور بالخبرات الجمالية، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ التربية الجمالية تهدف إلى اكتشاف ميول الفرد واهتماماته ومهاراته الفنية وتنميتها([108]).

وتتدخل التربية الجمالية كعامل له أهمية في صقل الذوق، فيظهر نوع من التقارب الإعجابى حول سمات معينة في بيئة بعينها أو لدى شعب معين وفى زمان معين، وفى ظل حضارة ذات طابع معين، ولعل الطرز الفنية خير دليل على هذا الرأى الذي يؤكد أهمية التربية الجمالية ودورها الذي يقضى على التشتت غير الملتئم والتباين الصارخ بين الأذواق والمشاعر الفردية، إلاَّ في حالات ظهور موجات وتيارات فنية جديدة تتحدى القديم وتحاول القضاء عليه جذرياً وحينئذٍ يحدث التناقض والصدام بين أصحاب الجديد من ناحية وبين المحافظين من جهة أخرى، حيث يعمد هؤلاء للقضاء على النزعات والبدع الجديدة، ولا تلبث الموجة الجديدة أنْ تأخذ طريقها إلى الاستقرار والقبول وحينئذٍ تتقارب الأذواق ويتلاشى التشتت الصارخ وينتهي الصراع([109]).

6- تنمية القدرة على الإبداع :

من الأهداف الهامة التي تسعى التربية الجمالية لتحقيقها تنمية قدرة الفرد على الإبداع لكي يكون إيجابياً في إيجاد مجتمع بنَّاء، ويُعَد الإبداع في المجتمع الآن ضرورة ملحة في تحديث وتطوير المجتمع، وإيجاد جيل من العلماء في كل مجال؛ علماً بأنَّ الإبداع هو القدرة على تكوين علاقات جديدة استناداً إلى عقل ناقد، وفى هذا يقول شيللر: إنَّ التدريب على التذوق الجمالي هو الحاجة الماسة الملحة في عصرنا لأنَّه يعد وسيلة من وسائل إيقاظ روح التحسن والفهم والتجديد والإبداع([110]).

إنَّ الذي يستجيب للتربية الجمالية يمر بشئ من الخبرة حتى يتذوق الجمال ويقدره، فقد يجد الفرد الذي يحس ويقدر الجمال معنى مختلفاً عمّا أراده الفنان مثلاً، وهذا يعد عملاً خلاقاً لأنَّه يعتمد على الخيال والفكر، فالجمال والتربية الجمالية والاستمتاع بهما يساعد على تنمية القدرة على الإبداع.

7- تنمية الانتماء والوحدة الاجتماعية:

   تعتبر قضية الانتماء من أهم القضايا المعاصرة في الوطن؛ والفرد لا يستطيع أنْ يحب بيئته ومجتمعه ويعمل على تحسينهما إلاَّ إذا كون في صغره عاطفة قوية نحوهما، والعاطفة اللازمة في التربية الجمالية هي

عاطفة تذوق كل جميل في البيئة، أي تأكيد الجانب الوجداني في كل ما تقع عليه عين الطفل في بيئته([111]).

ومن المنطلق السابق يمكن القول بأنَّ التربية الجمالية أداة هامة لتأكيد الانتماء لأنَّها تنمى في الناشئ الإحساس بالبيئة الطبيعية وبآثارها الفنية، وما أكثر الصور الجمالية في البيئة المصرية في ريفها وحضرها، وفى مبانيها وصحاريها، وفى نيلها وأشجارها، حتى في أنماط السلوك والأساليب الحياتية، في تاريخها وآثارها، في العادات والتقاليد، فالتذوق الجمالي إذن له الأثر الفعال في تنمية الانتماء والحفاظ على وحدة الفرد والمجتمع.

8- الاستمتاع والتسلية وشغل أوقات الفراغ:

ينظر البعض إلى الاستمتاع والتسلية وشغل أوقات الفراغ على أنَّه لون من العبث أو تضييع الوقت، رغم اهتمام القرآن الكريم بإظهار الجمال في مظاهر الخلق المتعددة إلاَّ أنَّ قلة هم الذين يتوقفون للتفكر والتأمل في مثل هذه الأمور من الناحية الجمالية، ولكن الاستمتاع بالجمال في حد ذاته يعتبر من الأمور المطلوبة والمرغوبة حيث عنى الإسلام بالجمال عناية واضحة وتجلى هذا في خلق الله للإنسان في أحسن صورة، قال تعالى: ) وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ( (التغابن :3)، ثم خلق الله كل ما يحيط بالإنسان في صورة جميلة يراها الإنسان ويمعن النظر فيها، ويتمتع بما فيها من جمال، فالجمال مقصود في خلق الله ليستمتع به الإنسان والدعوة إليه مطلوبة تلبية لحاسة الجمال، وإلى جانب الاستمتاع بالجمال تهدف التربية الجمالية إلى التسلية وشغل أوقات الفراغ والترويح عن النفس من وطأة الدراسة أو العمل([112]).

9- القدرة علي تأمل الطبيعة واستخلاص القيم الجمالية منها:

تهتم التربية الجمالية بالتذوق الجمالي وإدراك الجمال، وغرس القيم الجمالية تلك القيم التي تهدف إلي تقدير قيمة عمل ما أو فعل أو سلوك وما يترتب عليها من إحساس بالجمال.

والقدرة علي تأمل الطبيعة واستخلاص القيم الجمالية منها هدف هام من الأهداف التي تسعي التربية الجمالية إلي تحقيقه، وهو أمر هام لتكوين الذوق العام وكذلك لأنَّ القدرة البشرية تساهم في فهم القوانين التي تحكم طبيعة الأشياء وتكسبها جمالها الذاتي، ولكل عنصر من عناصر الطبيعة جماله الذاتي وربما لا يشترك معه في هذا الجمال عنصر آخر؛ فيظهر هذا العنصر متميزاً في اللون أو الشكل أو الملمس، وهكذا بنظرة متأنية لعناصر الطبيعة يمكن اكتشاف الكثير من العناصر الغنية بصفاتها الجمالية كالأصداف والأسماك والطيور والفراش والصخور وجذوع الأشجار([113]).

 10- زيادة الاستمتاع الجمالي والتذوق الفني  :

إنَّ الذي يستقبل الجمال ويقدره يستطيع أنْ يخرج من ذاته ليقدر جمال الطبيعة ويستمتع به، وهذه القدرة علي الاستجابة لجمال الطبيعة وجمال الفن بصفة عامة هو أحد أهداف التربية الجمالية التي تنميه في الأفراد من خلال إتاحة الظروف التي تمكنهم من أنْ يستمتعوا بالجمال في الطبيعة، ومن خلال تشجيع أولئك الذين يشعرون بهذا الجمال أنْ يبتهجوا به وأنْ يعبروا عنه؛ فما يعبر عنه البعض يرغب الآخرون في رؤيته والاستمتاع به([114]).

ويمكن القول بأنَّه من الخطأ الجسيم أنْ يظن البعض أنَّ التربية الجمالية ترف وأنَّها لصيقة بحياة الأغنياء، بل إنَّها لغة العالم الداخلي للإنسان وهناك صور كثيرة من مجالاتها لا تكلف شيئاً حتي تُصْبح تبريراً لإشاعة الفوضى والقبح، فالنظافة والنظام مجالان هامان من مجالات التربية الجمالية ومطلوبان ولا يكلفان مالاً كثيراً، وهما من الضروريات سواء للفقراء أو الأغنياء.   

إنَّ الحياة بلا إحساس بالجمال طعامٌ بلا ذوق، وصورة بلا لون، وورد بلا رائحة فالجمال لذة الوجود وتصبح الحياة كالموت بلا متعة الجمال، والجانب الجمالي والاهتمام به وسيلة لتحقيق الكثير من الأهداف والغايات التربوية التي تدعو لها التربية الحديثة والإسلامية الأصيلة، وهو يزود النشء بالقدرة على التأمل في جمال الطبيعة والتدبر في آيات الكون والإبداع الإلهي([115]).

ويوجز الباحث بعض أهداف التربية الجمالية في النقاط التالية:

1-     النمو المتكامل للشخصية بمختلف جوانبها: العقلية والنفسية والجسدية والانفعالية.

2-   صقل التذوق الموجود أصلاً عند كل فرد والذي يملك القابلية للنمو من ناحية والتهذيب من ناحية أخرى.

3-   التخطيط لتذوق الجمال أو العيش في كنفه وإيجاد ظروفه بالوسائل الجمالية الطبيعية والفنية، وتطوير قدرة الناشئين لتلقى كل ما هو رائع في الطبيعة والفن والبيئة.

4-    إثارة خيال الطفل، وتحفيز ملكة التفكير لديه.

5-  تطوير القدرة على التذوق،وتربية الموقف الجمالي تجاه الواقع، وكذلك إسقاط كل ما هو قبيح من السلوك.

6-    السمو الروحي، واستيعاب القيم الإنسانية بالتدريج، وإكساب الفضائل وحب الخير.

7-  تنمية الفرد المتمتع بقدرة خاصة علي تذوق القيم الكامنة في الحياة واكتشاف ألوان وأشكال الثراء الباطنة في أعماق الوجود.

8-     إثراء قدرة الفرد علي التعبير عمَّا بداخله والتأثير علي الآخرين وتوجيههم.

9-   تكوين وتنمية توجهات جمالية تشتمل علي قيم ومعتقدات واتجاهات وعواطف جمالية، مما يؤدي إلي أنْ يكون الفرد واعياً بالعمل الجمالي وتذوقه في كل فروع الخبرة الإنسانية باعتباره أحد معالمها حينما ينظر إليها بصورتها الكاملة.

10-   تكوين أفراد لديهم القدرة علي الإبداع والابتكار، والقدرة علي العمل المؤدي إلي التغيير نحو الأفضل.

11-     منح الفرد القدرة علي التذوق وتربية الموقف الجمالي تجاه الواقع.

12-     تنمية قدرات الفرد الكامنة. 

13-  إشباع حاسة الجمال في نفس الفرد فيتولد في أعماقه إيمان شديد بعظمة الخالق الذي خلق فأحسن الخلق، وصور فأحسن التصوير، فكان من الملائم أنْ يحافظ الإنسان علي ذلك الحُسْن والجمال، وأنْ يحرص علي عدم تشويهه أو إفساده أو العبث به.

14-     تعريف الطفل بقدراته ومواهبه مما يساعد في تنمية شخصيته.

15-     تعليم الطفل الطاعة والالتزام وضبط النفس.

16-     تزويد الطفل بالمعارف والمعلومات الجمالية وإشباع حب الاستطلاع.

17-     إثراء اللغة الراقية عند الفرد من خلال مجالاتها المتنوعة.

18-     تنمية التذوق الفني والحس الجمالي لدى الطفل.

19-     اكتشاف الأطفال الموهوبين مع تبني مواهبهم وتنميتها وصقل تلك المواهب.

20-      تنمية روح المشاركة والتعاون بين أفراد المجتمع.

21-     علاج المشكلات النفسية والسلوكية المنتشرة بين أفراد المجتمع.

22-  اكتشاف حقيقة التنوع الرائعة التي يعيشها الإنسان فرداً وجماعة، والتعامل مع حقيقة التنوع والتعدد المتوفرة في حياة الإنسان من منظور جمالي، بمعني لو غاب التنوع من الوجود الإنساني لأضحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق.

23-  الارتقاء في مدارج الجمال للوصول إلي سره، لأنَّها نوافذ مفتوحة علي المعرفة، معرفة بالله تزيد الارتباط به ومعرفة بالنفس تزيد في تهذيبها، ومعرفة بالناس تزيد في حبهم والتآزر معهم لإنشاء مجتمع أفضل.     

إنَّ الفرد في المجتمع المصري في العصر الحديث أحوج ما يكون إلى التربية الجمالية وإلى تحقيق وظائفها، وتمثل أهدافها لأنَّه بحاجة إلى الوعي الجمالي الذي يوقظ الحس وينمى الإحساس بالقيم والحق؛ ولأنَّ التربية الجمالية هي تربية على طريق الاستمتاع والإبداع، والإبداع هو المستقبل الأفضل للمجتمع.

الخلاصة:

اتضح من هذا الفصل أنَّ الجمال يُدْرَك بالحس والقلب، والإحساس به قديم قدم الوجود البشرى، وهو سمة بارزة من سمات الكون؛ وهو بوجه عام: صفة تُلحظ في الأشياء وتبعث في النفسِ سروراً ورضا، وبوجهٍ خاص إحدى القيم الثلاث التي تؤلف مبحث القيم العليا وهى (الحق والخير والجمال).

كما أوضح هذا الفصل أنَّ الجمال مظهرٌ من مظاهر رقى الحضارة وتقدمها، والإنسان توَّاق إلى الجمال في أي زمانٍ ومكان؛ وهو بالنسبة للإنسان حُسْن الخَلْق، أو الخُلُق، أو الفعل، أو جميع هذه الصفات. وللجمال جوانبه المختلفة التي تشمل:

1-    الجمال المادي، والذي يكون في الأمور المادية المحسوسة ويُدْرَك بالحواس.

2-    الجمال المعنوي، والذي يكون في المجردات ويُدْرَك بالعقل والقلب والوجدان.

3-    الجمال المادي والمعنوي، والذي يجمع بين الصنفين السابقين.

 وهكذا تم الكشف هنا عن الخصائص والسمات التي تميز الجمال، كما أوضح مفهوم التربية الجمالية في اصطلاح المفكرين وعلماء التربية، وعرض الآراء المتعددة، وكذلك أهميتها في الحياة البشرية فهي تعتبر دليلاً على سلامة الطبع وتؤدى إلى حياة جميلة تدفع إلى كل ما هو جميل؛ ومن منطلق أهمية الجمال يُمْكن القول بأنَّ تربية الفرد منذ طفولته تربية جمالية شئ ضروري وأساسي لتربيته تربية شاملة متكاملة.