قائمة الروابط

المملكة العربية السعودية

 وزارة التعليم العالي

 جامعة أم القرى

كلية اللغة العربية

الدراسات العليا العربية-فرع الأدب

الــــــرَّمـزُ في شــعـــر حـمــزة شــحـاتة

بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الأدب

قدمه الطالب:

عبدالكريم بن سعيد العمري

إشراف الأستاذ الدكتور:

 محمـد بن مـريسي الحـارثي 

 

1430 ه _ 2009م

المقدمة

يجد المطلع على الحركة الأدبية المعاصرة أن حمزة شحاتة([1]) (1328/1908-1391ه /1972م) يمثل؛ وقد تنوع إنتاجه الأدبي بين الشعر والمقالة والمحاضرة والرؤى النقدية والرسائل والشذرات النثرية-نموذجاً يشهد على التحول الإيجابي الذي عكسه المشهد الثقافي السعودي في مرحلة مبكرة من مراحل تشكله، وليست الشهادة لوفرة كمية يتسم بها ذلك الإنتاج؛ وإنما لميزات نوعية يشهد لها النزوع الواضح إلى طرافة الرؤية وجدَّة الأداة في سبيل الإصلاح والسعي إلى نهوض اجتماعي يبني الجسر بين الواقع والواجب.

وشعر حمزة شحاتة إذ يستمد أهمية من انشغاله بالهم الإصلاحي لا ينفك عن تميز فني تؤكده لحظته التاريخية، فتجربته الشعرية تشير بوضوح إلى الجدل الفعال بين التراث وروح العصر، وتنطوي على تميز أسلوبي رؤيوي يعد الرمز أحد مظاهره التي تسترعي الاهتمام؛ لما ينطوي عليه في ذاته من حيث هو لغة لها بنيتها الخاصة، ودلالتها التي تتطلَّب الكشف، ولما يعلقه عليه الشاعر من أهمية تستدعي فهمه، وتحقيق التواصل لإحراز غاية تنويرية تسمو بالواقع:

       -متـى يعي مدعي الإدراك غايته   وغـايتي مـن إشـاراتي وتلويحي([2])

-أرامز في قولي فيخطئ صاحبي     مرادي، فأستخذي ويغمرني الحزن([3])

 ولما يجده المطلع على مقاربات شعر حمزة شحاتة من إعراض عن التقصي في دراسة الرمز رغم أنه منعقد للاختلاف فيما بين الدارسين اختلاف تنوع من حيث التأويل وبناء المعنى، واختلاف تضاد من حيث حكم القيمة الفنية.

والمصاعب التي تعترض دارس حمزة شحاتة ترتد في مجملها إلى سببين:

الأول: اختلال المصادر، ومصدر شعره المتاح الديوان الصادر بعد وفاته بسبع عشرة سنة، وتسري في الأوساط الأدبية مقولات عن نقص يخل بهذا المصدر، وسيجد المنقب خلف هذا النقص تأكيداً على ذلك يصل بالنقص إلى أن المنشور من شعر حمزة شحاتة في الديوان لا يعادل إلا ثلث شعره([4])، ولكن العثور على الوثائق التي تمنح هذا التأكيد صبغة منهجية أمر لم يتح للدارس؛ لأسباب يتحرز عن كشفها مدعو حيازة تلك الوثائق تعزى غالباً إلى الشأن السياسي، وهذا المصدر بصفته مدونة في مواجهة القراءة ليس نصًّا كاملا؛ ((لأن كمال النص يكمن في رضا صاحبه عنه بالإذن بتبييضه، أو الإذن بنشره، أو الإقدام على قراءته))([5])، وشيء من هذا لم يتوفر لهذه المدونة، على ما في إخراجها من الأخطاء المنهجية التي تصل حد التصرف في النصوص، تحريفا وإضافة وحذفا وتضليلا بالشرح المعجمي الخاطئ، وهذا ملحظ لا يخطئه فاحص المدونة أشارت إليه بعض الدراسات([6])، وقد كانت الاستفادة من نتائج تلك الدراسات مع معارضة نصوص المصدر بما أمكن توفيره من نقول أخرى  لشعر حمزة شحاتة في دراسات سابقة، إضافة إلى تجاوز هوامش الشارح إلى مظان بناء الدلالة، وتوسم القارئ- وسائلَ هادفةً لرتق هذا النقص.

والآخر: الغموض التاريخي الذي يحوط شخصية الشاعر؛ لقصور مصادر ترجمته عن تقديم أجوبة حاسمة لبعض القضايا التي تدفع إلى تبصُّرها النصوص، على أن المدوَّن من سيرة الشاعر أفضى إلى بروز تأريخ شفاهي لا تتوفر له صياغة توثيق منهجي، يضطلع بتفسيرات شتى لما سكت عنه المدون، ولا تغيب عن هذا التأريخ بشكليه فتنة الاستقبال التي فرضتها على معاصريه قوة الحضور الشخصي التي كان يمتاز بها الشاعر([7])، وقد تسللت هذه الفتنة إلى قرائه الذين لم يطلعوا على الكثير من أدبه([8])، وإلى بعض الدراسات التي قاربت أدبه، فأثرت في منهجية تناولها وموضوعية نتائجها([9]).

ولم تسبق دراسة مستقلة للرمز في شعر حمزة شحاتة، وإنما كانت مناقشته ترد عرضا في الدراسات الأدبية التي كانت تنشغل بقضايا لا يشكل الرمز أولوية بينها، وسبر هذه الدراسات أملى استعراضها من وجهتين:

الأولى: سيرورة الفِكَر خلالها حول رمزية شعر حمزة شحاتة، وأول دراسة عرضت للرمز: (التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية)([10])، بتحليلها نماذج من شعره  بعضها لم يرد في الديوان ضمن تقرير رمزية خاصة بأدب الجزيرة المصاب بالعقد والمركبات النفسية نتيجة كبت يعانيه الشعراء، وفي تأويلها لرموز حمزة شحاتة تلمح إلى غاية الحجب والإغماض الدافعة للترميز، وتصف رمزية الشاعر بالعموم لا الذاتية لأنها تشير إلى معنى عام وفكرة وطنية([11])، وسرت بعض أفكار هذه الدراسة في دراسات بعدها على سبيل الإحالة المحايدة([12])، أو البناء عليها لإصدار حكم قيمة فني، ودراسة (الخطيئة والتكفير) أبرز نموذج لذلك حين حاكمت الرمز في عدد من القصائد بالدافع إليه، ومادام الدافع اجتماعيًّا غير فني فإنه مجرد غطاء اضطراري لتمرير القصيدة إلى النشر، وعليه فإن تلك القصائد ليست من الشعر وهي نظم يمثل كبوة الجواد في شعر حمزة شحاتة([13])، وفي فلك دراستي: (التيارات الأدبية، الخطيئة والتكفير) درات رسالة الماجستير (أدب حمزة شحاتة-دراسة تحليلية) في بحثها الرمز تقنية أسلوبية، باستعراض سريع يصدر حكما على قيمته الفنية، وتصنيف ينسبه إلى الرومانسية، وتعليق يسير على بعض نماذجه اللغوية والأسطورية([14]).

والأخرى: قراءة الرمز في شعر حمزة شحاتة بأثر من مقولة تتبنَّاها الدراسة، وأهم المقولات أربع:

أولاها: المقولة الابتداعية: وتعنى بتحديث الشعر السعودي موضوعيا وفنيا، ومن الشواهد المؤكدة للظواهر الفنية لهذه المقولة الرمز في شعر حمزة شحاتة، ورسالة الماجستير (الاتجاه الابتداعي في الشعر السعودي الحديث إلى بداية التسعينيات الهجرية) تتخذ من قصيدة (التاريخ..بلغة الأساطير) نموذجا لتوظيف الرمز في الشعر التفعيلي، وتحللها مقترحة تأويلا يختلف عن التأويل الذي توصلت إليه الدراسة الحالية ([15])

الثانية: المقولة السجالية: وترد في سياق استقبال دراسة (الخطيئة والتكفير)، حيث تتبنى الدراسات مصادرات تجاه شعر حمزة شحاتة لتتوسل بها إلى نقض الرؤية أو التطبيق في دراسة (الخطيئة والتكفير)، ومن ذلك أن شعره خال من الأبعاد الرمزية والدلالات الإيحائية([16])، ودراسة (نقاد الحداثة وموت القارئ) نموذج مثالي لهذه المقولة وتنطلق من المصادرة التالية: إن شعر حمزة شحاتة مسطح لايعكس فلسفة ولا موقفا، ورغم اعترافها برمزية نفسية يؤكدها المعجم الشعري عبر تكرار بعض المفردات، فإن مما يمثل التسطيح رمز الليل في شعره لقصور أبعاده الدلالية، كما تمثله الأسطورة التي بقيت رمزاً متسما بالتوظيف الخارجي لا يثير بعداً تاريخيًّا ولا يقدم رؤية ذاتية؛ وما ذلك إلا لأن الشاعر لم ينشغل بتطوير أدواته الفنية([17]).

الثالثة: المقولة الشمولية: وتعنى باندياح الخطاب الإبداعي إلى منظور إنساني شامل غير مشروط بشخص معين أو مرتهن بظرف نتيجة امتزاج الفن بالفلسفة في خطاب حمزة شحاتة، ودراسة (مثالية الشاعر الفيلسوف: الذات الحرة) تجرد معظم الإشارات التاريخية والأسطورية من فنية الرمز ولكنها تعترف بحملها دلالة إشارية على بعد إنساني شمولي، وتحت مفردة (بحر المعنى..الرمز والتجريد) تلمح التميز الدلالي الذي تحوزه بعض المفردات ذات الطابع التكراري في شعره، وتشير إلى رمزية موضوعية نموذجها قصيدتا: (الربيع، الطريق)، تهدف عبر دلالاتها الإنسانية إلى وجود أعلى يتخطى الخاص والموقوت إلى كوني خالد([18]).

الأخيرة: المقولة النصية: المعنية بالأسطورة تحديداً من خلال تحولات الخطاب ورصد العلاقة بين النص والنص الموازي ونصوص مستدعاة بالتناص، وتمثلها دراسة (استدعاء الأسطورة وتحولات الخطاب في قصيدة أبيس) بارتكاز قراءتها على أدوات إجرائية تغذو رمزية القصيدة الميثيولوجية بدلالات مبتكرة، وإن كانت في منهجها غير منشغلة بشكل مباشر بتوظيف أسطورة (أبيس) رمزاً([19]).

ولما كانت الدراسات المشار إليها منشغلة عن استقصاء الرمز بأولويات تخصها، مختلفة في جهات تناولها، متفاوتة في أحكامها، قامت هذه الدراسة ببحث الرمز في شعر حمزة شحاتة، وفق التخطيط التالي:

التمهيد: وفيه تتبع لمفاهيم الرمز التي تشكل المهاد النظري للوصف والتأويل، في المدونة الفلسفية، وفي إحالات المعجم على مفاهيم الرمز في التراث العربي، وفي الفكر الغربي الحديث، والدراسات العربية المعاصرة، ثم مناقشة إفادة هذه المفاهيم للدراسة منهجا ورؤية، لفقه تنزيلها على شعر حمزة شحاتة.  

الفصل الأول: الرمز التاريخي وفيه يتجه الدرس إلى رصد المادة التاريخية في ديوان الشاعر، وتحليلها تحليلا دلاليا سياقيا يهدف إلى كشف مقومات ترميزها، مع بيان سياقي الموازاة والمغايرة في توظيف المادة التاريخية، ثم توضيح للبعد الإجرائي الذي يصف رمزية التاريخ في الديوان.

الفصل الثاني: الرمز الأسطوري وفيه يتجه الدرس إلى بيان الرمزية الأسطورية في الديوان من خلال العلاقة بين الشعر والأسطورة بمنظوري التداخل والاستقلال، واستعراض مظانِّ الرمز بناء على المفهوم الذي ينتج عن طبيعة العلاقة، مع قراءة لمواضع الإحلال الأسطوري في الديوان. 

الفصل الثالث: الرمز اللغوي وفيه يتجه الدرس إلى بيان الرموز بناء على مرجعية لغوية يستمد الرمز منها كيانه، وإجراء ينسجم مع تنوع تشكلاته اللغوية الثلاث: الجزئية والمحورية والسردية، ومرتكزاتها التطبيقية.

الفصل الرابع: رمزية الصورة الشعرية وفيه يتجه الدرس إلى استعراض أنماط الصورة التي تقارب في خصيصتها البنائية أو الدلالية الرمز الفني، من خلال دراسة البنية اللغوية والأداء الدلالي، ثم دراسة للصورة النموذجية في تحولها إلى رمز.

يتلو ذلك خاتمة تستعرض أبرز النتائج في الدراسة.  

والدراسة تعتمد المنهج التحليلي وتستند في بعدها النظري والإجرائي على الرؤى والأدوات التي تستدعيها النصوص من حقول الدراسات اللغوية والنقدية والبلاغية والأسلوبية، سعيًّا بالمقاربة النصية إلى تكامل في وصف بنية الرمز وتمثيلها للدلالة، كل ذلك مشروط بخبرة دارس لم ينته إلى الرضى عن صنعته وسعيه الدائب لتطويرها، وما قدمه رأي استنبته في حدود ما تيسر له من الضوابط المنهجية غب رحلة سؤال واستكناه وبحث، ومادام الرأي مَعْقِد أخذ ورد فإنه السبيل إلى نماء المعرفة وتنوير العارف. 

وبعدُ..فإن من شكر الله شكر أولئك الذين خدموا الدراسة وأعانوا الدارس بفكرة أو اقتراح أو مرجع، وبالحرى ذكرُ:أ.د.صالح الزهراني مقترح موضوع الدراسة، والمرحوم أ.د.جودت كساب الذي علم الدارس كيف يرتقي بلغته، والفضلاء أ.د.مصطفى عناية، وأ.د.عبدالله العضيبي، ود.عبدالله بانقيب، ود.أحمد العدواني، أ.محمد الدبيسي الذين أمدوه ببعض المراجع، والشكر والامتنان أجلهما للمشرف على الدراسة أ.د. محمد بن مريسي الحارثي كفاء ما تفضَّل به على الدارس، علمه فضيلة الإفادة من الآخرين، وأصالة الاستقلال بالرأي على أسس منهجية، وأرشده إذ يضطرب به المتاه بتواضع العالم وخبرة المجرب وحدب المشفق.

    عبدالكريم بن سعيد العمري

                                                    مكة المكرمة-15/2/1430ه

 

تمهيد: الرمز ..مفاهيم وتنزيل 

للرمز طابع إشكالي لا يتحدد معه مدلول بعيد عن الالتباس؛ لاختلاف مجالاته بين اللغوي وغيره، ولتنوع المرجعيات التي تغذوه بالمفاهيم عند الباحثين، لكن تحديده في الغالب يرتكز على وظيفته التي شهدت تحولا بين قديم الدرس الفلسفي وحديثه، حيث كان الرمز أداة تعرف بناء على قيمة التناظر البسيط التي تربط بين مجرد ومحسوس، فهو صورة دالة تحيل على مدلول مقابل عرفيًّا([20])، وتم التفريع على هذه المقولة ذات الأصل الأفلاطوني، فكان الرمز عند كانْت يتمخض للحدس والشعور فبعد انتزاعه من الواقع المادي ليشخص فكرة عن شيء أو يجرد صورته يصبح طبيعة مستقلة لا علاقة بينه وبين المادة إلا بالنتائج، ودلالته تتحقق بالإيحاء نتيجة تشابه بين طرفيه يتعدى المظاهر الحسية إلى علاقات داخلية([21])، وكان التحول مع تغير مقوم هوية الإنسان في الحد الفلسفي من النطق إلى القدرة على الرمز([22])، حيث عدَّه كاسيرر وسيطا بين الوعي الإنساني ومحيطه من خلال تنظيمه لتجربة العيش بصياغة الواقع صياغة ثقافية تودع في الأشياء معاني يُعرف بها الكون ويدرك من خلالها، تجليها اللغة والأسطورة والخرافة وسواها من الأشكال الرمزية([23])، ومقاربة مفاهيم الرمز التي تكون مهاداً نظريًّا تبني عليه الدراسة منظوراتها في الوصف والتأويل تستهدي بالمعالم الآتية:

المعلم الأول: إحالات المعجم لتأثيل المفهوم:

الرمز في المعجم الإشارة([24])، وفي الترجمة القرآنية إيحاء([25])، والمفسرون على أن أوحى أشار أو أومأ أوكتب([26])، والإيحاء ((إلقاء المعنى في النفس بخفاء وسرعة)) ([27])، وللدلالة في خفاء حضور في معاني الرمز المعجمية: ظاهر في التصويت الخفي، ومستنبط من علاقة الرمز بالفجور عند حرج الإبانة عن المعنى باللفظ، ووفاء الرمز عنه بالقصد([28])، والرمز في الكلام ((الخفيُّ الذي لايكاد يفهم)) ([29]).

وحول هذه المعاني أقامت الدراسات البيانية مباحثها دون تمييز اصطلاحي صريح بين الرمز والإشارة، أما الإشارة بمعزل عن الرمز فتعددت مباحثها، بدءا من الإشارة الحسية التي عدها الجاحظ من أصناف الدلالات على المعاني المعينة على حسن البيان باللفظ والنائبة عنه أحيانا([30])؛ لامتيازها  ((بالاختصار والسرعة وشدة الالتحام بالمعنى الذي تعبر عنه)) ([31])، وكفاءتها في إفهام خاص الخاص([32])، وقد لمح البيانيون هذه السمات الإشارية ونقلوها إلى الإبانة بالكلام فارتبطت الإشارة بأساليب الدلالة الموحية وغير المباشرة: الإيجاز([33])، وأضرب المجاز والإلغاز ([34])، وكانت عند عبدالقاهر صفة لتنامي الدلالة بتحول المدلول إلى دال في أساليب معنى المعنى: الكناية والتمثيل والاستعارة، ((وكل ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر)) ([35])، التي لا يحصل الغرض منها بدلالة اللفظ وحدها، ((ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر)) ([36])، وقد عَمَّق الأصوليون ارتباطها بالدلالة فكانت مما ((يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها وإشارتها)) ([37])، وهي دلالة ثابتة بنظم الكلام لم يسق لها النص([38])، تؤخذ باستنباط عقلي بالنظر في نص، أو مقايسة بين النصوص ([39]).

وأما الرمز فحينا أفرد عن الإشارة في بحث الكناية اصطلاحا على كناية خفية تقل وسائطها فتقرب المسافة بينها والمكنى عنه ([40])؛ مشاكلة لمعنى الإشارة الخفية المدركة عن قرب في الرمز، وفي بحث الرمز بصفته كلاما قصد المتكلم طيه عن عامة الناس والإفضاء به إلى بعضهم([41])؛ وينسجم هذا مع التوجيه الباطني لدلالة الخفاء التي تحيل الرمز إلى ((معنى مخزون تحت كلام ظاهر، لا يظفر به إلا أهله)) ([42])، وحينا آخر كان الرمز أحد صورها في عمدة ابن رشيق ([43])، ويفهم أن الرمز ما استغلق فهمه من الكلام ثم صار بالاستعمال دالاًّ تقل نسبة خفائه عن ذي قبل، وليس هناك مميز دقيق يفصله عن بعض الصور الأخرى، ولكن تعمق شواهده وشرحها يحيل على اهتمام الناقد بدقة أدائه الدلالي حيث يضع المتقبل بإزاء تفاصيل دقيقة لمرجع الدلالة في وصف المبصر، وبخفاء المعنى الناجم عن احتمال دلالي داع إلى ترجيح دلالة على أخرى بواسطة تفسير الشعر بالشعر في وصف الإحساس، ومرجع الخفاء إلى التركيب المنطوي على تداخل مجازي([44]).

الثاني: مفاهيم بارزة في الفكر الغربي:

يقارب البحث اللساني مفهوم الرمز ضمن تأسيس نظم الدلالة، ويترافق بحثه مع العلامة فعلى حين يفرق سوسير بين (الدال الاعتباطي/العلامة اللغوية) والرمز على أساس أن الرمز ليس اعتباطيًّا في كل وجوهه، فليس فارغا من كل محتوى ماديٍّ؛ لوجود بقية من علاقة طبيعية بين طرفيه أي تعليل طبيعي أو منطقي ([45])، تعتبر سيميائية بيرس الرمز علامة في ثلاثيتها الثانية، قسيم الأيقونة والمؤشر، ومبنى الثلاثية على العلاقة بين الممثل والموضوع، وهي في الأيقونة التشابه، وفي المؤشر التجاور الوجودي، وفي الرمز عرف قانوني، وقاعدة الاقتضاء ترتب استلزام علاقة الرمز لعلاقة سابقيه،أي استلزام عرفيته للتجاور والتشابه؛ ولذا فإن الرمز مفردا غير قادر على التمثيل ما لم تصحبه المؤشرات والأيقونات([46])، وهو دليل تعاقدي يتطلب معرفة مسبقة([47])، يقوم فعله التمثيلي من ناحية نفسانية على الترابط بين الموضوع والممثل بواسطة العمليات الفكرية([48])؛ وثلاثيات بيرس صيغت بإتقان نظري لبحث الأنظمة السيميائية التي تعد اللغة أحد أشكالها.

ويتخذ الرمز في مقولات إيكو الذي يصدر عن التأليف بين مقولات سوسير وبيرس ونظم تحليل الخطاب موقعه من قسمة ثلاثية تفرق بين الاستعارة والتمثيل والرمز، بأن الاستعارة تخالف الحقيقة ويستقيم المعنى عند تأويلها، والتمثيل يقبل التأويل الحرفي لكن له بعدا باطنيا يدعو لاستظهاره عبر موجهات نصية، والرمز يوحي بأن معنى ما موجود في النص، ولكن كيفية تقديمه تجعله محتملا تأويلات عديدة لأنها لا تعيَّن بموجهات للتأويل([49])، وتأويلية إيكو في تأكيدها على تعدد القراءات لاتصل حد التأويل غير المتناهي، يتضح هذا  في تبنيها لمقولة الرمز السابقة بوصفها منجزاً نصيًّا ورفضها مقولة الرمز بوصفها منجزاً تداوليًّا، ينتجه القارئ بقرار منه: (أريد أن أُقَوِّلَ رمزيًّا)، ومن ثم يتخذ النص طابعا رمزياًّ في التأويل دون تمييز بين ما يقبل وما لا يقبل، ينتج عنه نص مغاير للنص الأصلي، والمؤول حينئذ خاضع لرغبته التأويلية، مخالف لشرط القارئ النموذجي الذي يتقيد في تأويله بالسنن النصية ومقاصد المؤلف([50]).

و عند تودوروف يتخذ الرمز موقعا مخالفا، إذ يقابل الدلالة الأولية المتحققة من ارتباط دالٍّ بمدلول، بينما الرمز تحول ذلك المدلول إلى دال في سيرورة دلالية لا نهاية لها([51])، فعلاقة دال اللهيب بمدلوله المعروف دلالة، وعلاقته بالحب رمز، والمجاز بأنواعه صائغ تلك العلاقات الممكنة بين رامز ومرموز([52])

وفي التصورات المذهبية يبرز مفهوم الرمز بين الرومانسية والرمزية، وجذور الأولى ترتكز على المقولة الكانتية حول الخيال بأنه ملكة التأليف بين الإحساس والفهم تأليفا منتِجا خلقًا جديداً وتنقل المركزية إلى الذات التي صارت قادرة على بناء الكينونات، وقد تجلى ذلك في منظورهم للخيال، وارتباطه بالحرية؛ لظروف قهر تاريخية مارستها سلطات كنسية وسياسية ومطلقات فلسفية كان الخيال ممارسة ثورية ضدها([53])، وكان كوليردج مستعيراً لمقولة كانت في منظوره للخيال قوة التأليف بين الثنائيات المتضادة أو المتعارضة([54])، التي تنتج الرمز بتوجيهها لفعلى الفهم/ (القدرة البشرية لإدراك مافوق الحسي)، والإحساس/ (قوة المعرفة وفقا للمشاعر)-لتجسيد الفكرة، وهي بطبيعتها فوق الحس، ولكن الرمز يجسدها في صورة حسيَّة، بأثر من رؤية توحد بين عالم الواقع المعقَّد و عالم المثال المأمول، وتزاوج بين الرؤية والحلم، و لا يقف الرمز بهذا المنظور عند حدود المجاز الصرف الذي يسم شعر الإشارة منتَج قوة الوهم، بل هو بصهره للمتقابلات في وحدة جديدة يعتمد المجاز المتنامي من أصل واحد إلى تشقيقات كثيرة مركبة، أو المجازات الثانوية التي يكثِّفها رمز أكبر تصنَّف تحته([55]).

وكان تعاطي الرومانسية مع الحياة بطموح إلى خلق الوحدة بين الثنائيات ورد المتكثر إلى فكرة واحدة أو انفعال مهيمن([56]) منسجما مع نظرتهم للتراسل المبنية على ازدواجية الطبيعة في تصورهم بأن لكل رؤية طبيعية مادية شبه ظل مدركا روحيًّا، وأن الكلمة تحمل عبء هذه الإدراك بوصلها بين المادي والروحي من خلال الرمز، وخلق هذا حالة عرفانية تضافرت مع سعي إلى المشابهات والمطلق واتخاذ الحلم صلة بين عالمين، وسرت هذه المقولات إلى الحركة الرمزية التي تقدمت بها من طموح كشف إلى رغبة إيجاد، ومن قنطرة الحلم إلى الانكفاء عليه مستوى حيويا للوجود، وتقدم بودلير بالتراسل ما بين الطبيعي والروحي إلى أشكال مختلفة كالتراسل بين الرؤية الباطنية والواقع الخارجي، أو توسط التراسل بين الذاتي والموضوعي، وأكثرها تعقيداً التراسل الناهض على حسٍّ متزامن يقيم العلاقات بين التجارب الحسية؛ لإحداث تداع معنوي ونفسي حر، وسيلته امتزاج المدركات الحسية في الصور التي تشكلها اللغة خيالا من جهة، وفي الموسيقى التي توقِّعها اللغة دافعا حسيًّا من جهة أخرى،  وكان انعكاسه على القصيدة متمثلا في غياب الصخب العاطفي الرومانسي؛ إذ غاب التعبير الشعوري المباشر، أو القائم على التمثيل المجازي بتناظر يخلع الذاتي على الموضوعي، وحضرت مميزات التعبير الرمزية من خلال الاتصال مع القارئ بصورة ذات وجود موضوعي من طرف واحد، ووجود ذاتي بما أنه لا يرتبط بالشاعر فإنه متعدد الأبعاد تنبثق منه أكثر من دلالة، في بناء شعري يتجرد ما استطاع من السياق العقلي للغة ليترك للموسيقى الشعرية بمختلف مؤثراتها تعويض ذلك؛ انسجاما مع كون الاتصال بالقارئ ليس فكريًّا بالأساس كالحال عند الكلاسيكيين، ولا انفعاليًّا كالحال عند الرومانسيين، ولكنه يتوسل دافعا يؤثر في الحواس؛ لتؤثر هذه في العقل، ببناء شعري لا يشكله الشاعر بسلطة الوعي([57]).

الأخير: الرمز في الدراسات العربية الحديثة:

تستعصي الإحاطة بكل مقاربات الرمز العربية الحديثة لتنوع مرجعياتها النظرية التي تستلهم أساسا منظورات غربية، وتعدد مسالكها التطبيقية، لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى مفهوم الرمز في إطار الدرس الأدبي والبلاغي، وفي إطار الأول يمكن التمييز بين مقاربتين بناء على مرجعياتهما الفاعلة في تحديد مفهوم الرمز:

الأولى: مرجعية التصور الفطري للغة:

يفرق مارتن هيدغر بين مستويين للغة في أولهما تكون ألفاظا اصطنعها الإنسان، واستعملها ووجهها حسب إرادته، وفى الآخر-والمعول عليه- تكون حقيقة وجودية مستقلة، هي المتكلمة والإنسان مستمع لا يوصله استماعه إلى إدراك كل ما تتكلم به اللغة، بصفتها سببا يخرج الأشياء إلى الوجود([58])، وترتب على ذلك نبذه للتصور العلامي للغة الذي يفصل الاسم عن المسمى، وجذبه للتصور الإشاري القائم على وجود اتصال ترعى فيه المناسبة بين الاسم والمسمى، وهو تصور مغيب في الألفاظ تحت المعاني الاصطلاحية الاستعمالية ينبغي إحياؤه بالتأمل في اللغة والانصات لها حتى تبين عما خفي عن الأذهان([59])، وهذا التصور يرجع إلى أولية فطرية هي مناط الرمز الشعري([60])؛ لأنه تسمية للأشياء في كينونتها وعلى ما هي عليه([61])

والأخرى: مرجعية المذهب الرمزي:

 تمخض عن تجريب الأدباء الرمزيين نظرات نقدية لصياغة مفهوم للرمز، وقد تبنت دراسات معاصرة منها تعريفين:

أولهما: تعريف تندال بأنه تركيب لفظي أساسه الإيحاء عن طريق المشابهة بما لا يمكن تحديده بحيث تتخطى عناصر اللفظية كل حدود التقرير، موحدة بين أمشاج الفكر والشعور([62]).

الآخر: تعريف الجمعية الفلسفية الفرنسية (1918م) للرمز أنه شيء حسي معتبر كإشارة إلى شيء معنوي لا يقع تحت الحواس بناء على مشابهة بين الشيئين أحست بها مخيلة الرامز، وتقسمه الدراسة إلى قسمين: جزئي في أسلوب تكتسب فيه العبارة إيحاء لارتباطها بأحداث تاريخية، أو تجارب عاطفية، أو مواقف اجتماعية، أو ظواهر طبيعية أو أماكن ذات مدلول شعوري خاص، أو إشارات أسطورية وتراثية، وكلي يمتح من هذه المصادر ويتوزع على النص الشعري بكامله([63]).

وفي إطار الدرس البلاغي الحديث يتم تحديد مفهوم الرمز بمنهجين:

أولهما: أن يكون الرمز قسيما للأشكال البيانية المشكِّلة للصورة، ويحدُّ بطريقتين:

أولاهما: بتمييزه عن الاستعارة بانعدام القرينة، وقيامه على الوحدة الذاتية مقابل قيام الاستعارة على القران المستتر، وهو سمة القصيدة كلها وليس مجرد تحقق في عبارة مفردة، وغناه بالإيحاء والاحتمال الدلالي وارتكازه على السياق تضعنا أمام نمطين له: نمط يعتمد على التفسير الرمزي لمتلق مرهف يفيد النص من عقليته الخصبة في بناء دلالة رمزية تلتقي حول معطى نصي استناداً إلى ملابسات خارج النص، ونمط يستمد إشعاعه من سياقه النصي([64]).

والأخرى: بمرجعية دلالية، يكون بها أداة لغوية تتعدد أشكالها من المفردة إلى اشتمال القصيدة، تحمل وظائف جمالية تسهم في تشكيل تجربة الشاعر على نحو مؤتلف مع مكونات النص الشعري، وترجع قيمته إلى الفاعلية الرمزية التي تصل عبر إثارة المتقبل فكريًّا وانفعاليًّا بين طرفين الأداة اللغوية ودلالتها المألوفة من جهة، وسياق التجربة الشعورية من جهة أخرى([65])

الآخر: أن يكون الرمز متحققا ضمن التشبيه والاستعارة، عند قراءتهما بمنظور لغوي جمالي يرتكز على تفاعل الدلالات ونشاط السياق، فتهمل علاقات الربط والمقارنة بين طرفيهما ويعتد بالتفاعل بين الكلمات في مرجعيتها الواقعية والإيحاءات التي تثيرها، ويكون الرمز هو المعطى الحسي في الصورة وتتحقق رمزيته بهذا التفاعل، أو بموقعه مع نظيره من الوجدان وحينئذ يستدعى السياق التاريخي والنفسي للنص؛ ليسهم في تكوين الدلالة الإيحائية([66]).

ولم يكن تنزيل هذه المفاهيم على شعر حمزة شحاتة متحققا بصورة آلية؛ لضرورات منهجية، ومعطيات نصية، تفرض مساءلة المفهوم، واختبار فاعليته في خدمة النص الشعري، وقد هدت المساءلة إلى اتفاق مع بعض المفاهيم، واختلاف مع أخرى، وكان المتفق عليه يتنزل إما بتمثل وفي مرونة تفرضها المسافة بين المنظور والتطبيق، وإما استهداء بروحه العام دون الخضوع لتفصيلاته الدقيقة، وأما المختلف معه فمنه ما أقصي لسبب منهجي، أو افتراق مع غاية الدراسة، ومنه ما أسس لدلالة مضادة تم استثمارها في قراء النصوص.

وبناء عليه فإن الرمز بمنظور المرجعية التراثية يداخل الإشارة من خلال المعجم والتوظيف الاصطلاحي على اختلاف الحقول المعرفية، وعلى هذه المداخلة يصح اعتبارهما مفهوما واحداً ذا إطلاقين:

الأول: وصف للدلالة على المعنى، يبرزه رأي الباطنيين في الرمز، ورأي عبدالقاهر في أساليب معنى المعنى، ورأي الأصوليين في إشارة النص، وعلى هذا يكون الرمز بناء الكلام على ظاهر وباطن يستغلق إلا على متلقٍ مخصوص، أو تحول المعنى المباشر للدوال إلى دال على معنى آخر، أو مصاحبة الدلالات المقصودة للنص بدلالات حافة يقتدحها المؤول بالاستنباط وتضفير النصوص.

الآخر: وصف للدوال على المعنى عندما تعبر عن غير ظاهر الكلام، ويبرزها رأي ابن رشيق في أساليب الإيجاز والمجاز والأحاجي والتورية وسواها، ويبرز بينها الأسلوب المبني من تداخل مجازي أوفر رمزية.

وإفادة هذا المفهوم تتمثل في تضمنه تفسيرات لالتجاء المتكلم إلى الرمز، أظهرها تقنيع المعنى، والمقصد العام من ذلك حرج الإبانة، أو اصطفاء متقبل مخصوص، كما أن هذا المفهوم يصنع من جهة أولى إجراءاته المناسبة للتحليل والتأويل، باشتراطه لتحصيل الدلالة قارئا يفقه النفاذ من الظاهر إلى الباطن، أو من المعنى إلى معنى المعنى، أو من الدلالة المقصودة إلى الدلالة السياقية الحافة، ويحيل القارئ من جهة أخرى على بناء نصوص الرمز من ظاهر  ذي غور باطن، ومعنى يدل على معنى ، وسياق مشرع على الإيحاء بدلالات تضمنها قدرة المؤول على الاستنباط ومعارضته بين النصوص، ومن الجهتين يكون الرمز منجز تفاعل بين قارئ ونص قابل للتأويل الرمزي، القارئ مطالبٌ بلاغيا بإعمال الفكر واحتمال النصب في سبيل تحصيل معنى لطيف يبنى فيه ثان على  أول، ومنضبطٌ أصوليًّا  بمقاصد التشريع وحدود الاجتهاد لضرورة الاستدلال على صحة الحكم في مستجد أو نازلة، والنص مبني من تركب مستويات مجازية تجعل للنص قصدية مزدوجة بين: (ظاهر/معنى/ دلالة سيق لها الكلام) و(باطن/معنى معنى/دلالة تحف بالمسوق لها الكلام).

وفي روح هذا التفاعل يمكن أن تداخل معظم المفاهيم السابقة هذه النتيجة من الجهتين، على النحو التالي :

الأولى: مفاهيم تلتفت لدور القارئ في صناعة الرمز، من جهة تفسيره للنص الشعري تفسيراً رمزيًّا يفيد من عقلية القارئ أكثر من سياق النص اللغوي بحجة أن النص لا وجود له خارج أذهان متلقيه، أو من جهة تحليله لأشكال الصورة الشعرية بمنظور تفاعل الدلالات واستدعاء مؤثرات السياق داخل النص وخارجه لترميز الصورة .

الأخرى:مفاهيم تلتفت لحضوره في النص، وتميز بين الأشكال البيانية، ويظهر أن الارتباط بين الدال والمدلول في الرمز القائم على الإيحاء، واحتمالية دلالته، وعدم القدرة على حده في شكل لغوي منضبط أتاح اختلاف المفاهيم حوله في محاولة لضبط تشكله اللغوي أو مظهره البياني التي لا تمكن من الظفر بصيغة جامعة مانعة تحد ذلك؛ لتنوع حضوره النصي بين الكلي والجزئي، وتعدد مصادره، وتمييزه عن مقابلاته البلاغية ليس إلا تمييزا ظاهريًّا؛ لأن الرمز في صيغه المختلفة بين الباحثين إثارة ارتباط بين طرفين، ولربما كان هذا الارتباط متأسسا على علاقة المشابهة فاستدعى توظيفا استعاريًّا يسهم بتمحوره حول دال في ترميزه، أو هادفا إلى مغزى فاستدعى توظيفا للتمثيل يحقق رمزية مزدوجة للجزئيات، ثم للكل الذي يلائم بينها، أو قائما على تجريد مقومات المعطى الحسي فأعاد صياغته إلى الذات لتشكله تشكيلا جديدا بناء على تشابه مستند إلى علاقات داخلية تقلل كثافته المادية ليوحي بالفكرة والشعور الذاتيين عنه.

والإفادة من مفهوم سوسير للرمز مشروطة بنقل تصوره من الشيء إلى العلامة اللغوية، ويقتضي النقل اختلافا مع ما يستلزمه تمييزه للعلامة باعتباطيتها من أن الدال يفيد دلالة على مدلوله لا لأمر راجع إليه في ذاته، وإنما بالتواطؤ/العقد الضمني بين أفراد الجماعة اللغوية، ويمكن توظيف سيميائية بيرس في تسويغ هذا النقل؛ لأن العلاقات التي تدرِّجُها بين الدال والمدلول تنطوي على تأكيد آصرة تنهض عليها الدلالة، وبالنظر إلى تلك العلاقة يتبين أن الدال ليس اعتباطيًّا بشكل تام، فالتشابه والمجاورة مؤسسان لعلاقة طبيعية بين الدال ومرجعه، والعرف باستلزامه للتشابه والمجاورة يؤكد علاقة مع المرجع، ومفاتحة الخطاب الشعري من هذه الجهة تؤكد أن له قصدية مبناها على تأكيد تلك العلاقة بين دواله ومرجعها الدلالي؛ لأن دواله ليست مفردات منعزلة، فهي تتركب في سياق نصي مهما كانت تجريديته وتشظياته و مفارقاته فإنه لايعدم إحالة على الواقع والوقائع، ومن ثم يكون لإحالته بعض التشبُّه بما تحيل عليه([67]).

وعلى معطيات المفاهيم السابقة يرتكز تحليل الرمز الشعري، مستلهما في مختلف مواضعه إجرائين:

الأول: إقصاء الاعتباط بين الدال والمدلول؛ لأن للكلمة الشعرية قصدية([68]) تعني ارتباطاً ضروريًّا وطبيعيًّا بمرجع الدلالة، وعليه تبنى تشاكلات مختلفة تنشأ عن تداخل مكونات المعجم الشعري، ولتلك القصدية درجات متفاوتة؛ تسمتد علل العلاقة من مصادر عالمة: يبرز بينها التصور الفطري للغة عند هيدغر، أو شعبية يعقدها المخيال الجمعي بين الطرفين، على ما سيتضح في دراسة الرمز التاريخي، واللغوي الفطري.

والآخر: تجاوز الدلالة المعجمية إلى دلالات سياقية حافة، ومستند هذا الترميز مزاوجة إجرائية لمفهوم الأصوليين لإشارة النص بمفهوم عبدالقاهر لمعنى المعنى؛ إذ يشتغل المؤول على الدلالة الحافة بالدلالة الصريحة، وهنا تبرز فاعلية المعارضة بين النص الشعري ونص موجه للتأويل معين على استنباط الدلالة الإشارية، مع اكتشاف مناسبة لسيرورة المعنى من الدلالة الأولى إلى الدلالة الأخرى، وإذا انطوى السياق على تضاعف دلالي فإن مفهوم تودوروف للرمز يضمن متابعة تحول معنى المعنى إلى دالٍّ على معنى آخر، على ما سيتضح عندما تكون مكونات اللغة الشعرية هي الظاهر والمعنى الأولي والقصد المباشر، ويكون النظير الأسطوري والانفعالي هو الباطن ومعنى المعنى والقصد الإشاري، في الرمز الأسطوري، واللغوي الانفعالي.

أما المفهوم المذهبي للرمز بين الرومانسية والرمزية فإنه ينطوي على فلسفة لعلاقة الذات بالكون، لا تقتصر آثارها على الرمز بوصفه أداة للرؤية الشعرية، بل تشمل أركان الحالة الشعرية الثلاثة: الذات، والموضوع، والأثر الشعري، ويبدو الاحتراز ضرورة منهجية من تنزيل هذه الفلسفة التي لم يبدع الشاعر بأثر منها، بل بأثر مما وصل إليه من أصدائها، وشعر حمزة شحاتة متطور وفق استجابته للمؤثرات الفكرية والإبداعية التي انعكست معالمها على إبداعه، ويمكن صياغة هذه الاستجابة في ضوء التفاعل بين المقولتين التاليتين:

الأولى: المكان: فالمنشئ شاعر حجازي مكي، ولا يلتفت إلى مفارقة الشاعر للحجاز وإقامته وسفره لأقطار أخرى؛ لأن المكان بمثابة الناسب الجبري الذي ينميه إلى فضائه الروحي وامتداده التاريخي، وهذه النسبة معطى فاعل في توجيه الرؤية، وضبط الموقف، وتكوين الشخصية.

الأخرى: الزمان: والمنشئ شاعر مثقف يعيش روح عصره، فيتفاعل سلبا أو إيجابا مع مجموعة التيارات الفكرية والإبداعية التي سادت في زمنه، مع ملاحظة أن مستورَد تلك التيارات يتنزل في الثقافة العريبة تنزلا مخالفا لصيغته الأصلية.

إن المكان ينزع بهذا التصور نحو الثبات، بينما ينزع الزمان به نحو التحول، والثبات والتحول ليسا مطلقين؛ للحدود التي تفرضها الذات في جدل التفاعل بينهما، كما تعينه شواهد الرؤية والفن في التجربة الشعرية الشحاتية، وعند استعراض الدراسات التي قاربتها تجد شواهد للثبات والتحول تختلف لاختلاف جهات المقاربة بين الدارسين، فمن منظور يقصي التفاعل بحجة أصالة التثقف في الفلسفة والمنطق تجد الثبات مفسراً لتميز التجربة في المزج بين الشعر والفكر والمنطق([69])، كما تجد الثبات في استشعار الصلة بين الشاعر وأسلافه بهدف إثبات التميُّز والشاعرية له، ومهما يكن من انطباعية أو تعميم في ذلك فإن مناحي التفوق في القصيدة الشحاتية كثيراً ما فرضت على الدارسين استدعاء أصولها أو مثيلاتها أو الموحيات بها عموما، فاقترن اسمه: بأعشى قيس([70])، والنابغة([71])، وجرير والبحتري([72])، والمتنبي([73]) والمعري([74])، وابن زيدون([75])، والشريف الرضي([76])، أما التحول فيظهر في قران تصنيف التجربة بين الاتباع والابتداع([77])، والابتداع مختلف المظاهر فمنه مطلق يتمثل في عناية الشاعر بالجوهر([78])، ووَلوعه بتسمية ما يحقق إنسانية الإنسان([79])، ومنه ما يتحدد في مظاهر كالمزج بين الرومانسية والواقعية، أوالريادة لتيار الواقعية([80])، أوالالتزام بتيار تجديدي ذهني ينميه إلى حركة الديوان([81])، أو ميل إلى الاتجاه الفني لجماعة أبوللو([82]).

 ومقولة التفاعل بين المكان والزمان تقرر بداهة أن يكون الشاعر خلفا خيِّراً لأسلافه، وتضمن مخرجا موضوعيا من حرج التصنيفات التي لا تمكن من وصف منضبط لسائر معالم التجربة، ومن التناقض الذي يبدو في الجمع بين مفهومين مختلفين في الرؤية كالرومانسية والواقعية، ومن التطرف في جهتيه: جهة التفاعل مع الحركات الشعرية إلى حد الانعكاس أو الالتزام، أو جهة وهم الأصالة المانع من التفاعل معها، وهذا المخرج يمكِّن من إعادة صياغة مآلات مقولات التحول المشار إليها في ضوء مفهومين:

أولهما: الحرية؛ لأنها مرتكز مقولات التجديد الرومانسي سواء تعلق بالمضامين، أم بالصياغة الشعرية.

والآخر: غاية الأدب؛ لأنها مرتكز العلاقة بين الشعر والمجتمع، التي تعود إليها المقولة الواقعية.

    إن تعشُّق الشخصية الحجازية للتحرر مصدره المركزية الروحية للإقليم، التي غذت حساسية السيادة وحب الاستقلال ورغبة التفرد عند الحجازيين([83])، ويقترن هذا العامل التاريخي بعاملين ثقافي: أشاعه التيار الرومانسي وهو التمركز حول الذات، والدعوة إلى الحرية التي تعاضدت مع الفكر الثوري في مرحلة النهضة العربية، وشخصي يعبر عنه قول الشاعر: ((وأنا أميل إلى الحرية والانطلاق ميلا جنونيا من صغري، ولكنني من ناحية سلوكي شديد الالتزام للحدود إلى حد التزمت))([84])، ومن اقتران هذه العوامل يمكن تفسير النزوع الدائب في شعر حمزة شحاتة لتحرير الإرادة الإنسانية، وبناء الذات على أساس من القوة التي تجرد الفضائل من نفعيتها، وهي حرية منضبطة كما يؤكدها استدراكه، ولم يكن التمركز حول الذات على أنقاض التصور الإسلامي للوجود كما هو مفهوم مركزية الذات في الفكر الغربي، ولكنه على أساس من التوازن الفذ بين روح المكان وروح الزمان تجسده مقولة الشاعر: ((أنا عميق الإيمان بالله، ولكني أفكر)) ([85])، إن الاستدراك يجتاز بالإيمان معنى الدروشة، مثلما أن عمقه يحوط من الشطط.

وبتأثير هذا التوازن الخلاق يمكن النظر إلى الإبداع الشعري الشحاتي من جهة هدفه إلى إبراز رؤية ذاتية للكائنات والأشياء في تفاعل الإنسان معها، فشعره تعبير عن الذات، وتنفيس عن شعورها بمرارة العيش، تنعكس عليه شخصية مكتئبة متشائمة، تميل إلى العزلة واستبطان الذات والكائنات والأشياء من حولها بغية النفاذ إلى ما تختزنه من أسرار ومجهول، ولما كان الإنسان مناط اهتمام الذات الشاعرة، انشغلت بتحريره من معوقات حيازة الفضيلة، ومن القوى التي تصادر حريته، فاشتمل الشعر هامشا نقديا للمجتمع واختلال قيمه([86])، وثورة في وجه الطغيان شرقيًّا وغربيًّا، بحث الثائرين على مقاومة الاستبداد([87])، وتسمية لقاء الشرق بالغرب على أساس الثوابت الإنسانية واحترام المطالب العادلة([88])، وانعكس ذلك على الصياغة الشعرية بوضع اللغة في سياق انفعالي يميزها بخصوصية ذهنية ونفسية، يكوِّن الخيال فضاءاتها بصفته ملكة تكتشف أواصر التشاكل وتقيم الارتباطات الموحدة بين عوالم الكون والذات، بمرجعية فنية، وعرفانية يثيرها روح المكان، ويبني الذهن دلالاتها من مصادر مختلفة، يبرز بينها التاريخ المهرب من بؤس الواقع ومخزن الرموز الإنسانية، والأسطورة معاد البراءة وتجسد المثال، والطبيعة الملجأ من مكدرات مخالطة البشر، ويأتي الرمز الشعري في هذا السياق بصفته أداة لغوية لإنتاج الرؤية لا تحكمه فلسفة مذهبية، وإن اقترض من وسائلها في الإيحاء بالدلالات وبناء الصور.

 أما غاية الشعر فتنسل في تصور الشاعر من نزوح بالذاتي نحو الجماعي، فأغراض الشعر التي يحددها في : (( الجمال والتأثير وإبداع الصور، أو استعادتها لتوشيتها وجلائها، أو تلوين الحقائق والأفكار،...أو صنعهما، أو ما شاءت المذاهب والطاقات)) ([89]) ، تنطوي على مباهاة مضمرة بقدرة الشاعر على هذا الإنتاج الرفيع، لكن هذا الإنتاج لا يكون عند الأديب الحق بمعزل عن استشعاره لحق الأمة عليه، وضرورة جهاده بكلمته لتبلغ الأمة رشدها، ومتى استشعر ذلك كان حظ النفس دون حق الجماعة([90])، ولا يعني ذلك الانحطاط بالفن إلى مستوى العامة أو تحول الشعر إلى شعارات تكفر بجماليات القول([91])؛ (( لأن الأدب في خدمة المجتمع، لا يكون، ولن يكون متجردا من جمال الفن، وفن الجمال)) ([92])، وهذا ينسجم مع تفريقه بين المتكلم المفصح، والخطيب المستهدف للتأثير، والكاتب المؤسس للأفكار من جهة، والشاعر المقتدر على تطويع اللغة لتعبر عما ترمز إليه تعبيرا تنهض به الفتنة ويستقيم التأثير([93])، وعلى الشعر حينئذ أن يزاوج في موازنة فذة بين نقل الإحساس بالجمال أوالقبح([94])، وثنائية البناء والهدم التي يتطلبها الإصلاح، الهدم والبعثرة والإقلاق لما ترسَّب في نفوس المتلقين من مزيف المشاعر والمعتقدات الفكرية التي صوحت معانيها، وبناء بدائل لها من منظور اليقظة والإدراك والحس الذي وهبه الشاعر، وائتمن عليه([95])

 

      الخاتمة 

الوثيقة التي قامت عليها الدراسة تخل ببعض شروط كمال المدونة الأدبية؛ لأنها لا تجمع كل ما دونه الشاعر كما تركه دون تصرف، لكن مادتها لا تخلو من الوجاهة التي جذبت الدارسين لمقاربتها من جهات عدة، وسيبقى هذا الخلل إضافة إلى غموض تاريخي يضبب جوانب من حياة الشاعر من أسباب تعدد الآراء حول بعض الظواهر في حياة الشاعر وشعره، ولئن كان الافتتان بالشاعر، والحاجة إلى نمذجة الثقافة السعودية المعاصرة مؤثرين في بعض الآراء المسرفة في تقدير إبداعه وفكره، فإن من غير الموضوعي مدارسة شعره بمصادرات تنفي رمزيته وإيحائيته، أو نسبة خطابه الشعري إلى التسطيح والتهويم وغياب الموقف والنظرة الخاصة للحياة والأحياء.

إن تعدد مفاهيم الرمز كان حافزاً لتعدد زوايا مقاربة الشعر الشحاتي، وكان الاستهداء بالبعد المأصول للرمز منطلقاً لروز مفاهيم أخر، سيرت أدوات المقاربة في اتجاهات ثلاثة: اتجاه توجيه القراءة في تحليل لغة الرمز وتأويل دلالتها، واتجاه اكتشاف البنية اللغوية التي يتعين بها الرمز نصيا، واتجاه تفسير القضايا الفنية والموضوعية التي تستلزمها دراسة الرمز.

وفي الرمز التاريخي تبين أن حضور التاريخ في النص الشعري محدود على مستويي الاستدعاء والامتداد اللغوي، وكان حضوره بمباشرة المعجم بالأعلام والمواضع والأشياء ذات القيمة الروحية، أو بإحالة اللغة على أحداث تتصل بتاريخ النبوات في القرآن الكريم، حيث المباشرة يخلق التداخل المعجمي مع إرث الألفاظ التاريخية وفرة دلالية، وحيث الإحالة تتولد الدلالات الإيحائية من جدلية المشابهة والمفارقة بين الراهن والتاريخ الذي يستثيره، وفي الحالين كان التاريخ موظفا لخدمة مقاصد النص الذي تضمنه، ولم يكن استدعاء معطيات التاريخ محايدا فهو زمن مثالي في معظم النصوص، وينبئ استدعاء الرموز التاريخية عن مواقف أربعة: استدعاء مع تمحيص المادة التاريخية لرمزية مثالية كشخصية عمرو بن العاص، استدعاء من غير تمحيص لرمزية واقعية كشخصية حواء، استدعاء مع رؤية ناقدة كشخصية معن، استدعاء سلبي لانعدام المناسبة بين معهود ومأثور كشخصية نوح.

وفي الرمز الأسطوري تبين نزوع اللغة الشعرية إلى الأسطوري بنية ورؤيا، وبمنظور التداخل يشاكل الشعر الأسطورة في نطاق التخييل، ويفارقها لاختلاف وظيفة التخيل بين مؤلف الأسطورة والشاعر، وعند صدور الشعر عن الأسطورة فإن المصدر يفرض تداوليًّا دلالات حافة للدوال اللغوية تعالق بين الشعر والأسطورة، والملاحم عند الشاعر ليست      -على خلاف ما في الديوان- سوى مطولة واحدة تستجيب للشرط الفني، وتصدر عن مؤثر هندي، ورمزيتها محصلة الحكاية التي تحمل إسقاطات واقعية، أما بمنظور الاستقلال فإن إحلال الشاعر للأسطورة يتقاطع مع دوافع الرومانسيين، ويستقل بدافع فرضه السياق التداولي للنصوص مبني على تصور يصادم الأسطورة لبعدها الوثني، ولهذه الدوافع قيمتها في توجيه قراءة رمزية الأسطورة التي لا يمتد استدعاؤها لغويا إلا في ثلاث قصائد، تسهم فيها في انسجام النص وتماسك معماره الفني، بخلاف حضورها الجزئي الذي لا تتعدى وظيفته الإسهام في المقارنة أوالتماثل اللذين يعقدهما السياق اللغوي مع أطراف أخرى.

وفي الرمز اللغوي كان الرمز الجزئي مرتكزا على تصور لغوي ترجع إليه رمزية الكلمة، في التصور الفطري يكون التعبير بالكلمة الغريبة تسمية لماهية فطرية تحكي بعدا من تجربة الوعي الإنساني المختزنة في ذاكرة الكلمة، وفي التصور الانفعالي تبين أن الرمز النموذجي/الليل يرتكز على مرجعيات دلالية توجه قراءته على امتداد قصائد الديوان، ووفق مقولتي المواءمة والمناوأة كشفت النصوص عن طبيعة الحضور الرمزي لليل، بين استقلال تلتف فيه الرمزية حول الليل، وارتباطات سياقية تتفاعل فيها رمزيته مع رموز أخرى، في المواءمة كان الاستقلال مصاحبا لتحولين دلاليين: أولهما بسيط يقرن الليل إلى البعد الوجداني، والآخر مركب يزواج بين هذا البعد وأبعاد أخرى، وفي المناوأة كان الارتباط السياقي الرمزي متجليا في ظاهرتين: الأولى الرحيل الذي استحضر رموز السرى، والأخرى مقاومة الوعي التي تتأسس على الموقف من الظلمة، أما الرمز المحوري فحيث يكون النص دائراً على الكلمة الواردة في العنوان، وفي ثلاث قصائد كان الترميز بآليتين: أولاهما: تضاعف النسق الاستعاري، حيث تحظى الكلمة-المحور بحمولات دلالية تسند إليها من خلال مستويين استعاريين: تكويني، وسياقي، يفضيان إلى تآويل تخص كل مستوى، وتبرز معالمها الرمزية في المستوى الثاني عند استناد التأويل إلى مرجعية ثقافية، والأخرى: إيحاء المتخيل بالمستوى التجريدي للمعطى الحسي، حيث تتمحور بنية المتخيل المركبة من مستويين حواري وسردي حول الكلمة-المحور لتثير إيحائيا بإعادة تكوينها للمعطى الحسي مستواه التجريدي الذي تخلق عبره  في مصادر سابقة، أما الرمز السردي آخر أقسام الرمز اللغوي فيرتكز على مفهوم (الأليغوريا) ليتتبع الرمزية من خلال تحول الحكاية إلى رمز منطو على رموز لها شكلان: دالة على طريقة إنابتها عن المعنى المجرد، أو على طريقة استنباتها في السياق السردي.

وفي رمزية الصورة الشعرية تعين مفهومها ضمن التشبيه والاستعارة مقرونا بخصيصة رمزية هي بعد من تضافر الذاتية مع خصيصة بنائية حددت بالإيحاء، والتشخيص والتجسيد، والمشهدية، والدينامية، ولم يحل بناء الصورة على التشابه، وانتفاء التصفية الكاملة عنها، وحضور الوعي في تكوينها من تمثيل رمزي يرجع إلى صلات نفسية بين الدال والمدلول في الصورة الإيحائية، وإلى استدعاء المجرد إلى عالم الحس ثم تجريده بواسطة مده بالشعور من كثافة المادة في الصورتين التشخيصية والتجسيدية، وإلى تجاوب الطبيعي والإنساني في الصورة المشهدية، وإلى التنامي اللغوي الكاشف للتضاد بين الظاهر والباطن في الصورة الدينامية، وعندما تتحول الصورة إلى رمز فإنها تتكرر مرتكزة على نموذج تكشف مقوماته السياقية عن مقولة ترمز إليها الصور، تتلاقى بها بنى دلالية عميقة توحد بين مكونات مدونة الشاعر، تحيل تأثيليا على مضامين فكرية ونصية ذات بعد واقعي، وتأويليا على تصور تكاملي للعلاقة بين الرجل والمرأة.         

 


([1]) لترجمة الشاعر، انظر: عبد السلام الساسي، الموسوعة الأدبية، ط1، 1394ه، مطابع الثقافة، 2/ 133-134،وَ: محمد علي مغربي، أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة، 1404ه-1984م، نشر المؤلف، 2/129-185، وَ: عزيز ضياء، حمزة شحاتة-قمة عرفت ولم تكتشف،ط1، 1977م، مطابع اليمامة.

([2]) ديوان حمزة شحاتة،ط1، 1408ه-1988م، دار الأصفهاني، 164 ، وسيحال إلى المصدر فيما يتلو بعبارة الديوان.

([3]) المصدر السابق، 164.

([4]) عن حوارميرزا الخويلدي مع الشاعر مصطفى زقزوق، انظر: جريدة الشرق الأوسط، 16/7/2003م، ع (8996) .

([5]) عبدالملك مرتاض، الكتابة من موقع العدم-مساءلات حول نظرية الكتابة،1419 ه _1999م، كتاب الرياض عن مؤسسة اليمامة، 319.

([6]) انظر: عبدالفتاح أبومدين، حمزة شحاته ظلمه عصره، 1418ه-1998م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، وَ: عبدالله باشراحيل، من أسقط بيت الشاعر حمزة شحاتة، 28/1/1427 ه ،جريدة الجزيرة-المجلة الثقافية،ع (142) .

([7]) انظر: نايف فلاح، على ضفاف حمزة شحاتة، ضمن الآطام، 1427 ه-2007م، ع/27، 74.

([8]) انظر: عزيز ضياء، جسور إلى القمة، ط1، 1401 ه-1981م، مكتبة تهامة، 128-129.

([9]) ومرد ذلك إلى الاندفاع لترميز المشهد الثقافي السعودي؛ حتى إنك لتجد اسم الشاعر معطوفا في سياق درس يصف نفسه بالعلمي الجاد على أسماء غربية وشرقية فيها: فولتير وروسو وبلزاك، والبنا والعقاد وإدوارد سعيد والجابري!، دون تسويغ معرفي لهذا الاقتران، انظر: زهير كتبي، العقل السعودي-قراءة نقدية، حمزة شحاته وخطابه أنموذجاً، ط1، 1417 ه-1996م، نشر المؤلف، 16، 46.

([10]) عبدالله عبدالجبار، 1959م، معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية.

([11]) انظرها، 292-297.

([12]) انظر مثلا:إبراهيم الفوزان، الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد، ط1، 1401ه-1981م، مكتبة الخانجي، 3/1294-1296.

([13]) لاتحيل الدراسة إلى دراسة التيارات الأدبية، والمتأمل يجد أنها تقتفي أثرها في سبيلها لتقرير هذا الحكم، انظر: عبدالله الغذامي، الخطيئة والتكفير-من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر، ط2، 1412ه-1991م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 105-107 .

([14]) انظر: عادل الزهراني، 1427ه-2006م، جامعة الملك عبدالعزيز، رسالة ماجستير رقم(872582) (مخطوط)، 292- 297.

([15]) انظر: محمد حبيبي، 1415ه، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى، 269-276.

([16]) انظر مثلاً: عمر زرفاوي، الغذامي ومشروع النقد الألسني، ضمن مجلة حوليات التراث بمستغانم، ع7-2007م، 151-152.

([17]) انظر: عبدالحميد إبراهيم، ط1، 1415ه، نادي القصيم الأدبي، 86-90، 105-107، 112-115  .

([18]) انظر: صالح زياد، ضمن: علامات في النقد، 1427ه-2006م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، مج 15/ ج60، 404-405، 418-421.

([19]) انظر:حافظ المغربي، ضمن علامات في النقد، مج15/ج60، 426-477.

([20]) انظر: سعيد بنكراد، مسالك المعنى-دراسة في بعض أنساق الثقافة العربية، ط1، 2006، دار الحوار، 160.

([21]) انظر: أنطون كرم، الرمزية والأدب العربي الحديث، 1949م، دار الكشاف، 9.

([22]) انظر: زكي محمود، من زاوية فلسفية، ط4، 1414ه-1993م، دار الشروق، 98-99.

([23]) انظر: مسالك المعنى، 161-162.

([24]) انظر: لسان العرب، 5/312.

([25]) انظر: سورتي: آل عمران، 41 وَمريم،11   .

([26]) انظر:أبوعبدالله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، عناية: إبراهيم أطفيش، ط3، 1376ه-1957م،دار الكتب المصرية، 6/85-86.

([27]) السيد الجرجاني، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، 1423ه-2002م، دار الكتاب العربي، 39 .

([28]) انظر: لسان العرب، 5/313.

([29]) ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد قرقزان، ط1، 1408ه-1988م، دار المعرفة،1/521 .

([30]) انظر: البيان والتبيين، تحقيق: حسن السندوبي، ط3، 1366ه-1947م، المكتبة التجارية الكبرى، 1/92-94.

([31]) محمد بناني، النظريات اللسانية والبلاغية عند العرب، ط1، 1986م، دار الحداثة، 89.

([32]) انظر: البيان والتبيين، 1/93 .

([33]) انظر:قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق: كمال مصطفى، ط3، 1389ه-1978م، مكتبة الخانجي، 152-155.

([34]) انظر: العمدة،1/513-533.

([35]) دلائل الإعجاز، عناية: محمود شاكر، ط3، 1413ه-1992م، دار المدني، 430.

([36]) انظر: المرجع السابق، 444.

([37]) أبوحامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ط1، 1324ه، المطبعة الأميرية بولاق، 2/186 .

([38]) انظر: التعريفات، 29.

([39]) انظر: المستصفى، 1/188.

([40]) انظر:أبو يعقوب السكاكي، مفتاح العلوم، عناية: عبدالحميد هنداوي، ط1، 1420ه-2000م، دار الكتب العلمية، 521.

([41]) انظر: قدامة بن جعفر(منسوب إليه)، نقد النثر، عناية: طه حسين وزميله، ط3، 1357ه-1937م، لجنة التأليف والترجمة والنشر،61.

([42]) السراج الطوسي، كتاب اللمع، تحقيق: عبدالحليم محمود وزميله، 1960م، دار الكتب الحديثة، 414/بواسطة: طه عبدالرحمن، فقه الفلسفة-كتاب التأثيل والمفهوم، ط3، 2008م، المركز الثقافي العربي، 67.

([43]) انظر: 1/519-520.

([44])إذ يستنبط من تعليقه على البيت:

عقلت لها من زوجها عدد الحصى    مع الصبح أو مع جنح كل أصيل

عندما أحاله للكناية عن الهم مستشهدا ببيت امرئ القيس أنه يستبعد-وإن لم يشر- احتمالا دلاليا على الكثرة، من مثل قول ابن أبي ربيعة:              ثم قالوا تحبها قلت بهرا     عدد الرمل والحصى والتراب

      فالإثبات في قوله: عقلت لها يؤول إلى النفي في تفسير الناقد: لم أعطها عقلا ولا قودا...، وهنا مستنبط التداخل المجازي في التركيب، فالكناية في (عدد الحصى) عن الهم قرينة تؤكد أن الفعل (عقلت) جاء على سبيل الاستعارة العنادية التهكمية بتنزيل التضاد بين أداء الدية ومنعها منزلة التناسب بينهما.

([45]) انظر: محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة عبدالقادر قنيني، 2008، أفريقيا الشرق، 107.

([46]) انظر: طائع الحداوي، سيميائيات التأويل-الإنتاج ومنطق الدلائل، ط1، 2006م، المركز الثقافي العربي،  304، 320

([47]) انظر: فضل ثامر، اللغة الثانية-في إشكاليات المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث، ط1، 1994م، المركز الثقافي العربي، 18.

([48]) انظر: سيميائيات التأويل، 319.

([49]) انظر: محمد مفتاح، مجهول البيان، ط1، 1990م، دار توبقال، 107-108.

([50]) انظر: فريد الزاهي، النص الأدبي: من الرمزية إلى التأويل، ضمن علامات في النقد ،1428ه-2007م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، مج16/ج61، 190-193.

([51]) انظر: رولان بارت، نظرية النص، ترجمة منجي الشملي وزميليه، 1998م، ضمن دورية الحوليات،ع 27، 79(الهامش).

([52]) انظر: الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، ط1، 1990م، المركز الثقافي العربي، 192.

([53]) انظر: محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم-النقد المعرفي والمثاقفة، ط1، 2000م، المركز الثقافي العربي، 26-27.

([54]) انظر: عاطف نصر، الخيال-مفهوماته ووظائفه، ط1، 1998م، مكتبة لبنان، 297-299.

([55]) انظر: ج. روبرت بارث، الخيال الرمزي-كوليردج والتقليد الرومانسي، ترجمة علي العاكوب، 1992م، معهد الإنماء العربي 73،111، 119.

([56]) انظر: الخيال مفهوماته ووظائفه، 298.

([57]) انظر: أنّا بليكان، الرمزية-دراسة تقويمية، ترجمة الطاهر مكي وزميلته، ط1، 1415ه-1995م، دار المعارف، 40-42، 45-46، 75-76، 80-81، 86، 97.

([58]) انظر: طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة-الفلسفة والترجمة، ط3، 2008م، المركز الثقافي العربي، 1/107-108.

([59]) انظر: فقه الفلسفة-القول الفلسفي، 2/ 291-292، 301.

([60]) انظر: لطفي عبدالبديع، التركيب اللغوي للأدب-بحث في فلسفة اللغة والاستطيقا، ط1، 1997م، مكتبة لبنان، 77.

([61]) انظر:عاطف نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، 1998م، المكتب المصري،120 .

([62]) انظر: محمد فتوح، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، ط3، 1984م، دار المعارف، 41 .

([63]) انظر: عدنان قاسم، التصوير الشعري-رؤية نقدية لبلاغتنا العربية، 2000م، الدار العربية للنشر، 167، 191-192.

([64]) انظر: مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، دار الأندلس، 152-184.

([65]) انظر: فايز الداية، جماليات الأسلوب-الصورة الفنية في الأدب العربي، ط2، 1416ه-1996م، دار الفكر المعاصر، 175-176.

([66]) انظر: تامر سلوم، نظرية اللغة والجمال في النقد الأدبي، ط1، 1983م، دار الحوار، 258-260، 309.

([67]) انظر: محمد مفتاح، المفاهيم معالم-نحو تأويل واقعي، ط1، 1999م، المركز الثقافي العربي، 166-167، 172-173.

([68]) انظر: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، ط3، 1992م، المركز الثقافي العربي، 67.

([69]) انظر: عاصم حمدان، قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري، 1424ه، مطابع المحمودية، 18.

([70]) انظر: محمود زيني، مكة المكرمة في ضمير شعرائها المكيين، ضمن موسوعة مكة المكرمة الجلال والجمال، 1/ 271.

([71]) انظر: الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد، 3/ 1290.

([72]) انظر: إبراهيم فلالي، المرصاد، ط3، 1400 – 1980، نادي الرياض الأدبي، 92.

([73]) انظر: الخطيئة والتكفير، 342، وعبد الفتاح أبو مدين، الحياة بين الكلمات، ط1، 1423ه - 2002، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 197.

([74]) انظر: أشجان الهندي، توظيف التراث في الشعر السعودي المعاصر، 1417ه - 1997م، نادي الرياض الأدبي، 127.

([75]) انظر: الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد، 3/ 1289، والخطيئة والتكفير، 333.

([76]) انظر: الخطيئة والتكفير، 325 وما بعدها.

([77]) انظر: محمد الحارثي، الرجولة في أدبيات حمزة شحاتة، علامات، مج15/ج60، 816.

([78]) انظر: الموسوعة الأدبية ، 2/133.

([79]) انظر: صالح الزهراني، البحث عن الجوهر، ضمن موسوعة مكة المكرمة الجلال والجمال-قراءة في الأدب السعودي، ط1، 2005م، المؤسسة العربية للدراسات، 1/375.

([80]) انظر: التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية، 329.

([81]) انظر: عبداللطيف عبدالحليم، شعراء ما بعد الديوان، ط1، 1425ه-2005م، الدار المصرية اللبنانية،2/80. وَ: محمد فتوح، جدليات النص الأدبي، ط1، 2006م، دار غريب، 23.

([82]) انظر: عبدالله مناع، شيء من الفكر بين السياسة.. والأدب، ط1، 1413ه-1993م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 256، وفوزي عيسى، صور الطبيعة في شعر حمزة شحاتة، علامات، ، مج15/ج60، 598 .

([83]) ولهذا الأمر امتداده في السجال الثقافي المعاصر، انظر: مي يماني، مهد الإسلام-البحث عن الهوية الحجازية، ترجمة غادة حيدر، ط1، 2005م، دار الساقي، وَ: سعد الراشد، هويتنا ومغالطات مي يماني، ط1، 2005م  .

([84]) محمد توفيق، الرسائل، ط1، 1424ه-2003م، جامعة أم القرى، 93.

([85]) رفات عقل، جمع عبدالحميد مشخص، ط2، 1427ه-2006م، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 81.

([86]) انظر: عبدالرحيم أبوبكر، الشعر الحديث في الحجاز(1916-1948م)، ط1، 1397ه، نادي المدينة المنورة الأدبي، 236-237.

([87]) انظر: عبدالله عبدالجبار، التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية-النثر: فن المقالة، ضمن المجموعة الكاملة للمؤلف، إعداد محمد طيب وزميله، ط1، 1429 ه، دار الفرقان، 2/ 64-67 .

([88]) للتمثيل،انظر: الديوان، 153-155 .

([89]) رفات عقل، 28.

([90]) انظر: حمزة شحاتة، الرجولة عماد الخلق الفاضل، 1400ه-1980م، مكتبة تهامة، 102 .

([91]) انظر: صالح الزهراني، الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاتة، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج14، ع24، ربيع الأول 1423ه، 1264.

([92]) رفات عقل، 22.

([93]) انظر: رفات عقل، 25،30.

([94])انظر المصدر السابق، 81.

([95]) انظر: حمزة شحاتة، حمار حمزة شحاتة، جمع عبدالحميد مشخص، ط1، 1397ه-1977م، دار المريخ، 77، وَ: الرجولة عماد الخلق الفاضل، 102.