قائمة الروابط

 

الوسطية في القرآن الكريم

 

 

?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا?

الدكتور علي محمد الصلابي

 

 

 

 

دار المعرفة

بيروت – لبنان


هذا الكتاب

هذا الكتاب في الأصل رسالة علمية نال بها صاحبها درجة الماجستير في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، ولقد أشرف عليها فضيلة الدكتور: مبارك محمد أحمد رحمة ونالت الرسالة إعجاب لجنة المناقشة المكونة من:

1-             د. الزبير الحاج أبو علامة.

2-             د. أحمد بدوي.

وأوصت اللجنة بالطباعة بعد إصلاح الأخطاء الإملائية وذكروا بأن الجهد الذي بذل في هذه الرسالة يعادل مجهود رسالة دكتوراه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

فإن من نعمة الله على هذه الأمة وتشريفه لها أن جعلها أمة وسطا خيارا عدولا فقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:143].

        فهي خير الأمم التي أخرجت للناس وقد وصفها المولي عز وجل وشهد لها بذلك فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [آل عمران: 110].

ثم اصطفى الله سبحانه وتعالى لها رسولا من خيارها وأوسطها نسبا ومكانة فبعثه فيها نبيا رسولا: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].

وأنزل عليها أشرف كتبه وجعله مهيمنا على الكتب قبله شاملا لخير ما جاءت به: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة: 48].

بهذا الرسول الكريم، وهذا القرآن العظيم، شرفت هذه الأمة، وبمتابعتهم والاهتداء بهديهما كانت خير الأمم وأوسطها وأعدلها.

وكان أسعد هذه الأمة باتباعهما وأحرصهم على هديهما قولا وعملا واعتقادا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيرة في قوله:

" خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

فهؤلاء هم خيار الأمة ثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدى والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل زمان ومكان فهؤلاء جميعا خيار هذه الأمة وأوسطها وأعدلها.

فإنه بعد انتقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جوار ربه، ومضي عصر الخلافة الراشدة بدأ في عهد أمير المؤمنين  علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ظهور التفرق والاختلاف، فخرجت الخوارج ببدعها، وظهرت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالي ظهور البدع وتكونت الفرق، وتوارثت الأجيال كثيرا من الانحرافات العقدية والسلوكية وغيرها، وابتعدت عن منهج الاعتدال والتوسط الذي رسمه القرآن الكريم ومارسه في الحياة سيد المرسلين فإن المتدبر في الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم يري فرقا شاسعا في أهدافها واختلافا في منطلقاتها وغاياتها وفي مشاربها، يرى الإفراط والتفريط والغلو والجفاء والإسراف والتقتير في عموم الأمة، فإذا انتقلنا إلى حال الدعاة والمصلحين الذين أقض مضاجعهم هذا الواقع المؤلم لأمتهم، فشرعوا في البحث عن طرق العلاج ومعرفة أسباب النجاة والتمسك بها لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، نجد تأثير واقع الأمة على وضعهم، فمنهم المشرق، ومنهم المغرب، ترى المفرط والمفرط، نرى بين هؤلاء الدعاة والمصلحين من غلا وأفرط في الغلو، وعادت أفكار الخوارج القديمة، وهناك من فرط وجفا، وأضاع معالم الدين وأصول العقيدة، حرصًا على جمع الناس دون تزكيتهم وتعليمهم الكتاب والسنة فانتشر الإرجاء وضاعت معالم التوحيد وحقيقة العبادة.

وبين هؤلاء وأولئك وقفت فئة تقتفي الآثر، وتصحح المنهج وتقود الناس إلى الصراط المستقيم على منهج أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، ينفون عن هذا الدين غلو الغالين وانتحال المبطلين وتفريط الكسالى والمرجئين ودعاوى المرجفين الزائغين، ووسط هذا الواقع المؤلم والاضطراب المهلك تشتد الحاجة إلى إرشاد الأمة إلى الصراط المستقيم والمنهج الوسط القويم لإنقاذها من كبوتها وإيقاظها من رقدتها، وتذكير الدعاة والمصلحين بالمنهج الحق والطريق البين الواضح:

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153].

ولقد تأملت طويلا عند قضية الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط؛ وأيقنت أن الأمة بأمس الحاجة إلى منهج الوسطية منقذا لها من هذا الانحراف الذي جلب عليها الرزايا والمصائب والنكبات.

وجدت أن القرآن الكريم، قد رسم لنا هذا المنهج في جميع جوانبه أصولا وفروعا وعقيدة وعبادة وخلقا وسلوكا وتصورا وعملا.

ولقد جاء منهج الوسطية من خلال القرآن الكريم  في أساليب عدة تصريحا وإيماء، مفصلا، مجملا، خبرًا وإنشاء وأمرًا ونهيا.

واقتناعا مني بأهمية هذا الموضوع ومسيس الحاجة إليه فقد رأيت أن أقدم بحث الماجستير في موضوع يتعلق بالوسطية من خلال البحث في آيات القرآن الكريم  متأملا لآيات الذكر الحكيم، متفكرا في دلالاته محاولا أن استوعب ما كتبه المفسرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطية وسميته (الوسطية في القرآن) وقد شجعني على ذلك مشايخي وأساتذتي حفظهم الله للغوص في هذا الموضوع وأخص بالذكر الدكتور مبارك رحمة –حفظه الله- الذي شجعني ورغبني في هذا الاختيار فجزاه الله خيرًا.

علي محمد محمد الصلابي


القسم الأول ملامح الوسطية في القرآن

الباب الأول: في تعريف الوسطية في اللغة والاصطلاح وأسسها:

ويشتمل على فصلين:

الفصل الأول: في تعريف الوسطية في اللغة والاصطلاح:

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: معني الوسطية في اللغة.

المبحث الثاني: الوسطية في استعمال الشارع.

المبحث الثالث: تحرير معنى الوسطية.

الفصل الثاني: في أسس الوسطية.

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: الغلو والإفراط.

المبحث الثاني: التفريط والجفاء.

المبحث الثالث: الصراط المستقيم.

المبحث الرابع: الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم.

الباب الثاني: في ملامح الوسطية

ويشتمل على ستة فصول:

الفصل الأول: في الخيرية.

ويشتمل على مبحثين:

المبحث الأول: أقوال المفسرين في آية الخيرية.

المبحث الثاني: أبرز أوجه خيرية هذه الأمة.

الفصل الثاني: في العدل

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: أقوال المفسرين في "أمة وسطا".

المبحث الثاني: وجوب العدل على هذه الأمة.

المبحث الثالث: اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها.

المبحث الرابع: العدل عند أهل الكتاب.

الفصل الثالث: في اليسر ورفع الحرج:

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تعريف اليسر والوسع في اللغة والاصطلاح.

المبحث الثاني: رفع الحرج.

المبحث الثالث: أدلة التيسير ورفع الحرج.

الفصل الرابع: في الحكمة.

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول:  الحكمة في اللغة والاصطلاح.

المبحث الثاني: العلامة بين التعريف اللغوي والشرعي.

المبحث الثالث: أنواع الحكمة.

المبحث الرابع: أركان الحكمة.

الفصل الخامس: في الاستقامة

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: أدلة القرآن.

المبحث الثاني: أدلة السنة.

المبحث الثالث: أقوال العلماء في الاستقامة.

الفصل السادس: في البينية.

ويشتمل على مبحثين:

المبحث الأول: أقوال العلماء في البينية.

المبحث الثاني: دليل تطبيقي لملامح الوسطية.

الخاتمة: وفيها عرض موجز لما وصلت إليه من نتائج مهمة ي هذا البحث، ثم فهرسا للموضوعات.

وأسأل الله -عز وجل- أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي أي خطأ أو زلل وقع فيه، إنه سميع قريب.

 


الباب الأول

الوسطية في اللغة والاصطلاح وأسسها

الفصل الأول:

الوسطية في اللغة والاصطلاح

المبحث الأول معني الوسطية في اللغة

مادة (وسط):

تدل على معان متقاربة كما يقول ابن فارس([1]): (الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف وأعدل الشيء أوسطه ووسطه...)([2]).

الأول: (وسط) بسكون السين، فتكون ظرفا بمعني (بين) قال في لسان العرب([3]): (وأما الوسط بسكون السين فهو ظرف لا اسم، جاء على وزن نظيره في المعني وهو (بين) نقول: جلست وسط القوم أي بينهم...).

ومنه قول سوار بن المضرب:

إني كأني أرى من لا حياء له

 

ولا أمانة، وسط الناس عريانا([4])

الثاني: (وسط) بفتح السين.

وتأتي لمعان متعددة متقاربة، فتكون:

1- اسما لما بين طرفي الشيء وهو منه فنقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار([5]).

2- تأتي صفة بمعني (خيار) وأفضل، وأجود، فأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعي خير من طرفيه، ومرعى وسط أي: خيار، منه:

إن لها فوارسا وفرطًا

 

ونضرة الحي ومرعى وسطا([6])

وواسطة القلادة: الجوهر الذي وسطها وهو أجودها([7])، ورجل وسط ووسيط: حسن([8]).

3- وتأتي وسط: بمعنى (عدل) كما تقدم قول ابن فارس: إنه يدل على العدل.. وأن أعدل الشيء أوسطه.

وفي لسان العرب: (ووسط الشيء وأوسطه أعدله)([9]).

وفي القاموس([10]): (الوسط: محركة من كل شيء أعدله)([11])، وكذلك قال الجوهري([12]) في الصحاح([13]).

4- وتأتي وسط: بمعني: الشيء بين الجيد والرديء قال الجوهري: (ويقال أيضًا شيء وسط: أي بين الجيد والرديء)([14]).

وقال صاحب المصباح المنير: (الوسط بالتحريك، المعتدل يقال شيء وسط أي: بين الجيد والرديء...)([15]).

وكيفما تصرفت هذه اللفظة، تجدها لا تخرج في معناها عن معاني العدل والفضل والخيرية، والنصف والبينية والمتوسط بين الطرفين فتقول:

(وسوطا) بمعنى: المتوسط المعتدل ومنه قول الأعرابي: (علمني دينا وسطا لا ذاهبا فروطا ولا ساقطا سقوطا، فإن الوسوط ههنا المتوسط بين الغالي والتالي([16]).

و(وسيطا): أي حسيبا شريفا، قال الجوهري: وفلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا قال العرجي:

كأني لم أكن فيهم وسيطا

 

ولم تك نسبتي في آل عمرو([17])

و(الوسيط) أي المتوسط بين المتخاصمين([18]).

و(التوسط): بين الناس من الوساطة([19]).

و(التوسيط): أي تجعل الشيء في الوسط([20]).

و(التوسيط) قطع الشيء نصفين.

و(وسوط الشمس): توسطها السماء([21]).

و(واسطة القلادة): الجوهري الذي هو في وسطها وهو أجودها([22]).

وقال فريد عبد القادر([23]): استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (وسط) أرادوا معاني الخير، والعدل، والجودة، والرفع، والمكانة العلية.

والعرب تصف فاضل النسب بأنه وسط في قومه، وفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهو من أوسط قومه، أي: من خيارهم وأشرافهم([24]).

ومن خلال ما سبق اتضح لنا المعني اللغوي لكلمة (وسط) وما تصرف منها، وأنها تؤول إلى معان متقاربة، ولله الحمد.

المبحث الثاني الوسطية في استعمال الشارع

وردت مادة (وسط) في القرآن الكريم  في عدة مواضع، وذلك بتصاريفها المتعددة، حيث وردت بلفظ: (وسطا) و(الوسطي) و(أوسط) و(أوسطهم) و(وسطن).

وسنين معني كل كلمة على وفق ورودا في القرآن الكريم  مسترشدين بأقوال المفسرين ببعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في توضيح معاني تصاريف كلمة الوسط.

أولا: كلمة وسطا:

وردت في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، وقد ورد تفسير هذه الكلمة في السنة النبوية، كما ذكر لها المفسرون عدة معان وتفصيل ذلك كما يلي:

1- وقد ورد تفسير هذه الكلمة عن أبي سعيد الخدري([25]) -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يدعي نوح يقوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ"، (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)([26])، فذلك قوله – جل ذكره-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) والوسط: العدل.

وروى الطبري([27]) بإسناده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: عدولا([28]).

وقد ساق الطبري عددًا من الروايات في هذا المعنى: ثم ذكر تفسير هذه الآية منسوبا إلى بعض الصحابة والتابعين، كأبي سعيد، ومجاهد([29]) وغيرهما، حيث فسروها بـ(عدولا)([30]).

2- قال الإمام الطبري:

وأما الوسط فإنه من كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفعة في حسبه.

وهو وسط في قومه وواسط، قال زهير بن أبي سلمي([31]) في الوسط:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم

 

إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

قال: وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضوع هو الوسط الذي بمعنى الجزء، الذي هو بين الطرفين، مثل وسط الدار، وأرى أن الله – تعالى ذكره- إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، كغلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبيائهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

وأما التأويل فإنه جاء أن الوسط العدل –كما سبق- وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم([32]).

3- قال محمد رشيد رضا([33]) في تفسيره: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، هو تصريح بما فهم من قوله: (وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [البقرة: 213].

أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطا.

قالوا: إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك إن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تقصير وتفريط، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما.

4- وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي([34]) –رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفا منهم كاليهود، فأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك.

ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم طيبات عقوبة لهم.

ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا ولا يحرمون شيئا؛ بل أباحوا ما دب ودرج، بل طهارتهم –أي هذه الأمة- أكمل طهارة وأتمها، وأباح لهم الطيبات من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك.

فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها ووهبهم من العلم الحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا (أُمَّةً وَسَطًا) كاملين معتدلين ليكونوا (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم([35]).

5- ويقول سيد قط([36]) - رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: (وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو الوسط بمعناه المادي والحسي، أمة وسطا في التصور والاعتقاد، أمة وسطا في التفكير والشعور، أمة وسطا في التنظيم والتنسيق، أمة وسطا في الارتباطات والعلاقات، أمة وسطا في الزمان، أمة وسطا في المكان([37]).

هذه أهم أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، ومن خلال هذا التفسير تبينت معان لها أهميتها عند الحديث عن منهج القرآن في تقرير الوسطية في مباحث قادمة.

ثانيا: كلمة (الوسطي):

وقد وردت هذه الكلمة في قوله في سورة البقرة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].

ومن أقوال المفسرين في هذه الآية نجد أن لها علاقة بمعنى الوسط حيث سنبين سبب تسميتها بذلك، هل لأنها متوسطة بين الصلوات أو لأنها أفضل الصلوات أو لكليهما معًا؟ دون الوقوف عند أي الصلوات هي، وما سيرد في هذه المسألة فهو لإيضاح المعني فقط.

1- ذكر الإمام الطبري أقوال العلماء في الصلاة الوسطى، وأطال في ذكر أدلة من قال: إن الصلاة الوسطي هي العصر، ثم قال بعد أن رجح أن الصلاة الوسطي هي العصر: وإنما قيل لها الوسطي: لتوسطها الصلوات المكتوبة الخمس، وذلك أن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، وهي بين ذلك وسطاهن والوسطي: الفعلي من قول القائل: وسطت القوم أوسطهم (وسطة) ووسوطا، إذا دخلت وسطهم، ويقال للذكر فيه: هو أوسطنا، وللأنثى: هي وسطانا([38]).

وعندما ذكر من قال: إن الوسطي هي صلاة المغرب، عقب الطبري على هذا القول وقال: إن أصحابه وجهواقوله: (الوسطى) إلى معنى التوسط، الذي يكون صفة للشيء يكون عدلا بين الأمرين، كالرجل المعتدل القامة، الذي لا يكون مفرطا طوله، ولا قصيرة قامته، ولذلك قال: ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها، والذين ذهبوا إلى أن الصلاة الوسطي هي المغرب، قالوا: ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها، ولا تقتصر في السفر وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها([39]).

2- وجه ابن الجوزي([40]) أقوال العلماء في المراد بالصلاة الوسطي قائلا: وفي المراد بالوسطي ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها أوسط الصلوات محلا.

والثاني: أوسطها مقدارا.

والثالث: أفضلها.

ووسط الشيء خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143].

فإن قلنا إن الوسطي بمعنى الفضلي، جاز أن يدعي هذا كل ذي مذهب فيها، وإن قلنا: إنها أوسطها مقدارا، فهي المغرب، لأن أقل المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعا، وإن قلنا: إنها أوسطها محلا، فللقائلين: إنها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطي.

ومن قال هي الفجر، قال عكرمة([41]): هي وسط بين الليل والنهار، ومن قال هي الظهر، قال: هي وسط النهار فأما من قال: هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة فرضت الظهر، فصارت المغرب وسطى ومن قال: هي العشاء، فإنه قال: هي بين صلاتين لا تقصران([42])، ومن خلال ما ذكرنا يتأكد ارتباط كل قول بمعنى الوسط في ضوء المعاني التي سبق بيانها.

3- وقال القاسمي([43]) في تفسيره: (الصلاة الوسطي: أي الوسطي بين الصلوات، بمعنى المتوسطة، أو الفضلى منها، من قولهم للأفضل: الأوسط.

فعلى الأولى يكون الأمر لصلاة متوسطة بين صلاتين، وهل هي: الصبح، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين.

وعلى الثاني: فهي صلاة الفطر أو الأضحى أو الجماعة أو صلاة الخوف أو الجمعة أو المتوسطة بين الطول والقصر، أقوال أيضًا عن كثير من الأعلام.

ثم قال: سنح لي –عرض لي- وقوي بعد تمعن احتمال قوله تعالى: (وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى) بعد قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) لأن يكون إرشادًا وأمرًا بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطًا، لا طويلا، ولا مملا، ولا قصيرًا مخلا، أي: والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر، ويؤيده الأحاديث المروية عنه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قولا وفعلا.

ثم مر بي في القاموس حكاية هذا قولا، حيث ساق في مادة (وسط) الأقوال في الآية، ومنها قوله: أو المتوسطة بين الطول والقصر، قال شارحه الزبيدي([44])، وهذا القول رده أبو حيان([45]) في البحر المحيط، ثم سنح لي احتمال وجه آخر، وهو أن يكون قوله: (وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى) أريد بها وصف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلى، أي ذات فضل عظيم عند الله، فالوسطي بمعني الفضلى من قوله للأفضل الأوسط([46]).

4- أما محمد رشيد رضا –رحمه الله- فقال: (والصلاة الوسطي هي إحدى الخمس، والوسطي مؤنث الأوسط ويستعمل بمعنى التوسط بين شيئين أو أشياء لها طرفان متساويان، وبمعني الأفضل، وبكل من المعنيين قال قائلون، ولذلك اختلفوا في أي الصلوات أفضل، وأيتها المتوسطة)([47]).

5- وأما ابن عاشور([48]) –رحمه الله- قال: (فأما الذين تعلقوا بالاستدلال بوصف الوسطي فمنهم من حاول جعل الوصف من الوسطي بمعنى الخيار والفضل، فرجع إلى تتبع ما ورد في تفضيل بعض الصلوات على بعض، ومنهم من حاول جعل الوصف من الوسط، وهو الواقع بين جانبين متساويين من العدد، فذهب يتطلب الصلاة التي هي بين صلاتين من كل جانب وبهذا التفسير لمعنى (الوسطى) من أقوال المفسرين المتقدم نلاحظ: الارتباط بين هذه الكلمة وموضوع الوسطية الذي هو مدار هذا البحث، سواء أكانت بمعنى التوسط بين شيئين أم بمعنى الخيار الأفضل، وسيأتي مزيد بيان لهذه القضية إن شاء الله – بعد عرض جميع الآيات.

ثالثاً: كلمة (أوسط):

وقد وردت هذه الكلمة في آيتين: الأولى في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة: 89]، والثانية في سورة القلم في قوله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ) [القلم: 28].

وقد ذكر المفسرون معنى كل كلمة في مواضعها، فمنهم من جعل معناهما واحدًا، ومنهم من فرق بين مدلوليهما، وإليك تفصيل ذلك:

الأولى: آية سورة المائدة:

1- قال الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أعدله، قال عطاء([49]) –رحمه الله- أوسطه: أعدله.

وقال بعضهم: معناه: من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلد المكفر أهليهم، ومن ذلك قول ابن عمر([50]) من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز والزيت، ومن أفضل ما يطعمهم: الخبز واللحم.

وقال آخرون: من أوسط ما يطعم المفكر أهله، قال إن كان ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة، وإن كان ممن لا يشبعهم لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلك في عسر ويسره، ثم عقب الطبري على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة)([51]).

2- وقال ابن الجوزي:

في قوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) قولان:

أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر([52])، وعلي([53]).

الثاني: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، وعبيدة([54])، والحسن([55])، وابن سيرين([56])، رحمهم الله جميعًا.

3- وقال القرطبي([57]) –رحمه الله-:

تقدم في سورة البقرة أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار، وهو هنا بمنزلة بين المنزلتين، ونصفا بين طرفين.

وعن ابن عباس([58])، قال: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان يقوت أهله قوتا فيه شدة، فنزلت: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة: 89]، وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه، وهو ما كان بين شيئين([59]).

4- وقال الزمخشري([60]) –رحمه الله-: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) من أقصده، لأن منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر([61]).

5- وقال سيد قطب –رحمه الله- في ظلال القرآن: (وأوسط تحتمل من أحسن، أو من متوسط، فكلاهما من معاني اللفظ، وكان الجمع بينهما لا يخرج عن القصد، لأن المتوسط هو الأحسن، فالوسط هو الأحسن في ميزان الإسلام([62]).

الثانية: آية سورة القلم:

1- قال الطبري –رحمه الله-: وقوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) [القلم: 28]، يعني أعدلهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، قال ابن عباس: أوسطهم: أعدلهم، وبمثل ذلك قال مجاهد، وسعيد بن المسيب([63])، رحمهم الله تعالى.

وقال قتادة([64]) –رحمه الله-: (أي أعدلهم قولا، وكان أسرع القوم فزعًا، وأحسنهم رجعة([65]).

2- وقال اقرطبي: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم)([66]).

3- وقال ابن كثير([67]): (قَالَ أَوْسَطُهُمْ)، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير([68]) وعكرمة وقتادة: أعدلهم وخيرهم([69]).

4- وقال ابن الجوزي: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي أعدلهم وأفضلهم([70]).

5- وقال القاسمي: (أي: أعدلهم وخيرهم رأيا)([71]).

مما سبق ذكره من أقوال المفسرين اتضح أن كلمة (أوسط) في آية المائدة فسرت على عدة أوجه وبعدة معاني، منها: الأفضل، وبين القليل والكثير، وبين الجيد والرديء، أو الشدة والسعة، أما آية القلم فاتفق المفسرون على تفسيرها بمعنى الأفضل والخيار وهو الأعدل.

رابعًا: كلمة (فوسطن):

وردت في قوله تعالى: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) [العاديات: 5].

وقد ذكر المفسرون أن معناها من التوسط في المكان، وهذه جملة من أقوالهم:

1- قال الطبري –رحمه الله-: (يقول تعالى ذكره: فوسطن بركبانهن جمع القوم، يقال: وسطت القوم – بالتخفيف-، ووسطته بالتشديد، وتوسطته بمعنى واحد([72]).

2- وقال ابن الجوزي –رحمه الله-: (وقال ابن مسعود: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا)، يعني مزدلفة)([73]).

3- وقال القرطبي –رحمه الله-: (جمعا) مفعول به (فوسطن) أي فوسطن بركبانهم العدو يقال: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطه أي –صرت وسطهم يقال: وسطت القوم – بالتشديد والتخفيف – وتوسطتهم بمعنى واحد، وقيل: معنى التشديد: جعلها الجمع قسمين، والتخفيف: صرن وسط الجمع([74]).

4- وقال القاسمي –رحمه الله-: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي فتوسطن ودخلن في وسط جمع الأعداء ففقرته وشتته، يقال: وسطت القوم –بالتخفيف- ووسطته بالتشديد وتوسطته بمعنى واحد([75]).

5- قال سيد قطب –رحمه الله-: (وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة، فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب([76]).

ومما سبق ذكره اتضح أن معناها التوسط والوسط، ومن المفيد أن أذكر أحاديث نبوية في بيان معنى الوسط، ذلك لأن السنة النبوية شارحة للقرآن الكريم ومبينة له، ومن ثم نبين علاقة ذلك بالوسطية التي هي موضوع بحثنا وذلك يعطينا فهما دقيقا على مدلول مصطلح الوسطية.

1- عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يدعي نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فقال لأمته: هل بلغكم؟ فيشهدون ما أتانا من نذير: فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ". (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).

فذلك قوله – جل ذكره-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) والوسط العدل([77]).

والمراد بهذا الحديث واضح، وهو أن الوسط فسر هنا بالعدل، وهو المقابل للظلم، حيث إن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، شهدوا بما علموا، (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ) [يوسف: 81] وهو الحق، فلم تكن شهادتهم لهوى مع نوح –عليه السلام- وحاشاهم من ذلك- ولم يشهدوا مع قوم نوح بالباطل، وأني لهم ذلك، وهذا هو العدل؛ لأن الظلم له طرفان والعدل وسط بينهما، فالشهادة مع أحد الخصمين بدون حق ظلم والشهادة بالحق دون النظر لصاحبه عدل، فأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ممن قال الله فيهم (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 181].

2- روى الترمذي([78]) –رحمه الله-: (قال لما نزل قوله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ

* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ) [الروم: 1-4]، خرج أبو بكر الصديق([79]) يصيح في نواحي مكة: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ) قال ناس من قريش لأبي بكر:فذلك بيننا وبينك، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟! قال: بلى وذلك قبل تحريم الرهان – فارتهن أبو بكر -رضي الله عنه- والمشركون، وتواضع الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين)([80])، والست هنا هي الوسط بين ثلاث وتسع، فقبلها وبعدها ثلاث.

3- عن عبد الله بن معاوية الغاضري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان، من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره"([81]).

والوسط هنا ما بين أجود الغنم وبين السيئ والمعيب، وهو مثل قوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة: 89].

4- عن جابر بن عبد الله([82]) -رضي الله عنه- قال: (كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، ثم تلا هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153].

والوسط هنا: هو الشيء بين الشيئين، متوسط بينهما ونجد بيان هذا الصراط في الحديث الآتي: عن النواس بن النعمان([83]) –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى كنفي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يدعو يقول: يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعا، ولا تعرجوا، وداع يدعو على الصراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوقه واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم"([84]).

5- وقال –صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة أو أعلى الجنة"([85]).

قال الحافظ بن حجر([86]) –رحمه الله-: (أوسط الجنة أو أعلى الجنة، والمراد بالأوسط هنا: الأعدل والأفضل، كقوله تعالى: (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)([87]).

6- وقال -صلى الله عليه وسلم-: "البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه"([88]).

والوسط هنا: أشبه ما يكون بمركز الدائرة ومنتصفها أي: هي نقطة الالتقاء بين أطراف متساوية.

7- وعن عبد الله بن مسعود([89]) -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خط خطًا مربعا، وخط وسط الخط المربع، وخطوطا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، وخطا خارجا من الخط المربع، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا الإنسان الخط الأوسط، وهذه الخطوط إلى انبه الأعراض تنهشه"([90]).

والوسط هنا: هو ما كان بين عدة أطراف والمسافة بينه وبين كل طرف متساوية.

8- وقال -صلى الله عليه وسلم-: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل"([91]). أي اجعلوه وسط الصف – في منتصفه – من أمامه، بحيث يكون طرفا الصف متساويين بالنسبة لموقف الإمام.

9- وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله من جلس وسط الحلقة"([92]) وهو الذي يجلس في وسط الحلقة، ولو لم يكن في منتصفها تماما وأن من جلس في داخلها بعيدا عن أطرافها فهو في وسطها.

10- وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"([93]). والوسط هنا ما كان بين الربض والأعلى.

11- وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبر قضيت حاجتي أو وسط السوق"([94])، والمراد بالوسط هنا الوسط المكاني.

12- وقال -صلى الله عليه وسلم-: " ليس للنساء وسط الطريق"([95]) ومعنى الوسط كما في الحديث الذي سبقه من الوسط المكاني، وهو ما كان بين الشيئين وهو منه، لأن المشروع في حق المرأة أن تكون بجانب الطريق لا في وسطه، لما يحدث من فتنة بسبب بروزها وتعرضها للرجال.

هذه بعض الأحاديث التي وردت وفيها لفظ (الوسط)، ومعناه، ومنها ما يدل على معني الوسطية، ومنها ما ليس كذلك، إذ لا تلازم بين الوسط والوسطية، فكل وسطية هي وسط، ولا يلزم من كل وسط أن يكون دليلا على الوسطية، فقد يكون من الوسط المكاني أو الزماني ونحوه، كما سيأتي بيانه – إن شاء الله-.

المبحث الثالث تحرير معني الوسطية

من خلال ما سبق اتضح لنا أن كلمة (وسط) تستعمل في معان عدة أهمها:

1-   بمعنى الخيار والأفضل والعدل.

2-   قد ترد لما بين شيئين فاضلين.

3-   وتستعمل لما كان بين شيئين وهو خير.

4-   وتستعمل لما كان بين الجيد والرديء، والخير والشر.

5- وقد تطلق على ما كان بين شيئين حسا، كوسط الطريق، ووسط العصا، وقد تأتي لمعان أخرى قريبة من هذه المعاني والمهم –هنا- متى يطلق لفظ (الوسطية) بل على ماذا يطلق هذا المصطلح؟ فهناك من جعل مصطلح الوسطية مرادفا للفظ الخيرية، ولو لم يكن بين شيئين حسا أو معنى.

قال فريد عبد القادر: ومن جملة ما سبق بيانه نستطيع أن نستخلص تعريفا خاصا محدد للوسطية، فنقول: بأن الوسطية هي: مؤهل الأمة الإسلامية من العدالة، والخيرية للقيام بالشهادة على العالمين، وإقامة الحجة عليهم ثم قال: أما ما شاع عند الناس وانتشر من الوقوف عند أصل دلالتها اللغوية، أي التوسط بين طرفين، مهما كان موضوع هذا الوسط –الذي تم اختياره- من صراط الله المستقيم، التزاما وانحرافا، فليس بمفهوم صحيح وفق ما تبينه الآيات والأحاديث([96]).

ويؤكد هذا المعني في محل آخر فيقول: ولا يلزم لكل ما يعتبر وسطا في الاصطلاح أن يكون له طرفان، فالعدل وسط ولا يقابله إلا الظلم، والصدق وسط ولا يقابله إلا الكذب([97]).

وهناك من جعل (الوسطية) من التوسط بين الشيئين دون النظر إلى معنى الخيرية التي دل عليها الشرع.

قال الأستاذ فريد عبد القادر: (وقد شاع كذلك عند كثير من الناس استعمال هذا الاصطلاح الرباني، استعمالا فضفاضا يلبس أي وضع أو عرف أو مسلك أرادوه، حتى أصبحت الوسطية في مفهومهم تعني التساهل والتنازل.

وما ذكره الأستاذ فريد في تعريفه للوسطية، وكذلك ما نقله عن غيره ففيه نظر، ويتضح ذلك فيما سيأتي: لأن المتأمل في ما ورد في القرآن والسنة والمأثور من كلام العرب فيما أطلق وأريد به مصطلح الوسطية يتضح له أن هذا المصطلح لا يصح إطلاقه إلا إذا توفرت فيه صفتان:

1-   الخيرية: أو ما يدل عليها كالأفضل والأعدل أو العدل.

2-   البينية: سواء أكانت حسية أو معنوية.

فإذا جاء أحد الوصفين دون الآخر فلا يكون داخلا في مصطلح الوسطية، والقول بأن الوسطية ملازمة للخيرية –أي أن كل أمر يوصف بالخيرية فهو (وسط) – فيه نظر، والعكس هو الصحيح، فكل وسطية تلازمها الخيرية، فلا وسطية بدون خيرية، ولا عكس فلا بد مع الخيرية من البينة حتى تكون وسطا.

وكذلك البينية – أيضًا- فليس كل شيئين أو أشياء يعتبر وسيطا وإن كان وسطا، فقد يكون التوسط حسيا أو معنويا، ولا يلزم بالوسطية كوسط الزمان أو المكان أو الهيئية ونحو ذلك؛ ولكن كل أمر يوصف بالوسطية فلابد أن يكون بينيا حسا أو معنى.

ومن هنا نخلص إلى أن أي أمر اتصف بالخيرية والبينية جميعا فهو الذي يصح أن نطلق عليه وصف: الوسطية، وما عدا ذلك فلا، وإلى هذا الرأي ذهب الدكتور ناصر بن سليمان العمر في كتابه الوسطية في ضوء القرآن([98]).

وإليك بعض الأمثلة توضح ما ذهبت إليه:

1- جاء وصف هذه الأمة بالوسطية في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه فسر الوسط بالعدل([99]).

وفي رواية: عدولا([100]) والمعنى واحد.

2- وإذا نظرنا في تفسيرها بمعني العدل وجدناه يتضمن معنى الخيرية، والعدل كذلك يقابله الظلم، والظلم له طرفان، فإذا مال الحاكم إلى أحد الخصمين فقد ظلم، والعدل وسط بينهما، دون حيف إلى أي منهما([101]).

 

3- وما رواه أبو داود([102]) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان، من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره"([103]).

وهنا نجد أن الوسطية واضحة في هذا الحديث النبوي، فالبينية صريحة في الحديث، أما الخيرية فهي ظاهرة بالتأمل من خلال ما يلي:

1- أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك دليل على هذه الخيرية فلا يأمر -صلى الله عليه وسلم- إلا بخير: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) [الأعراف: 29]، وهل أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا شرع من الله يوحي إليه.

2- أننا عندما نريد أن ن ستخرج معنى الخيرية في السمينة السليمة الأفضل مما هو من أجود الأغنام وأغلاها.

وإذا نظرنا إلى خيرية الغني – في الدنيا- قلنا إن الأسهل عليه أن يخرج الضعيفة الهزيلة ونحوها. ولكن الخيرية الكاملة أن ننظر إلى مصلحة الفقير ومصلحة الغني – صاحب المال- جميعا، دون ترجيح لإحدى المصلحتين على الأخرى، وهذه هي الوسطية، وذلك باستخراج ما بين أفضلها وأضعفها – هي الوسط- وذلك مثل قوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) [المائدة: 89] هنا اتضح التلازم بين الخيرية والبينية في تحقيق معني الوسطية.

روى الإمام البخاري([104]) في صحيحه أن أبا بكر –رضي الله عنه- خطب يوم السقيفة، وكان مما قال يخاطب الأنصار: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارًا"([105]) والوسطية المرادة هنا يظهر فيها معني الخيرية جليا لا لبس فيه، فأين البينية؟

فالبينية تتضح إذا علمنا ما امتازت به قريش من صفات أهلتها لأن تكون خير العرب، وهذه الصفات من الشجاعة والكرم وسائر الصفات الحميدة، هي في حقيقتها صفات اتصفوا بأفضلها، دون إفراط أو تفريط، أو غلو أو جفاء، ولذلك فقد نالوا هذه المنزلة الرفيعة من كون العرب لا تدين إلا لهم وما ذلك إلا لثقتهم في عدلهم من قبائل وأطراف متنافرة في أخلاقها، متباينة في طباعها، وذلك لخصيصة الوسطية فيهم، ويصدق فيهم قول زهير.

هم وسط يرضي الأنام بحكمهم

 

إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم([106])

والعدل هو سبب قبول حكمهم، والعدل فيه صفة البينية بين نوعي الظلم، ولذلك كان وسطيا، فكذلك سائر صفاتهم وبهذا يتضح أن الخيرية والبينية –المعنية- هي التي أهلته لأن يكونوا وسطًا نسبا ودارًا.

وتأمل معني ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا –رحمه الله-: (قالوا إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، فالخيار هو الوسط بين طرفي أي: المتوسط بينهما)([107]).

وذهب الدكتور زيد عبد الكريم الزيد([108]) في كتابة الوسطية في الإسلام إلى ما ذكرته وقررته، حيث قال:

الوسط من كل شيء أعدله، فالوسط إذن ليس مجرد كونه نقطة بين طرفين، أو وسطية جزئية، كما يقال فلان وسط في كرمه، أو وسط في دراسته ويراد أنه وسط بين الجيد والرديء، فهذا المفهوم وإن درج عند كثير من الناس، فهو فهم ناقص مجتزأ، أدى إلى إساءة فهم معنى الوسطية المقصودة.

وعلى هذا فالوسط المراد والمقصود هنا هو العدل الخيار والأفضل إلى أن قال: وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاوز بين الشيئين فقط، بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة، وتحصيلها والاستفادة منها.

ثم يقول: وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط يبن الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وكلا الطرفين هنا وصف مذموم ويبقى الخير والفضل للوسط([109]).

ومن خلال الأمثلة السابقة اتضح لنا التلازم بين الخيرية والبينية – حسية أو معنوية- في إطلاق مصطلح (الوسطية) ولهذا فعندما استخدم هذا المصطلح في بحثي هذا فإنني أقصد به ما ينطبق عليه هذا الفهم دون سواه.

الفصل الثاني

في أسس الوسطية

مما سبق اتضح لنا أن الوسطية لابد لها من توافر أمرين وهما: الخيرية والبينية، وإذا أردنا أن نعرف الوسطية على الوجه الدقيق، هناك أسس لا بد من بيانها، ليحدد معنى الوسطية.

وهذه الأسس هي:

1-   الغلو أو الإفراط.

2-   الجفاء أو التفريط.

3-   الصراط المستقيم.

فالصراط المستقيم، وهو وسط بين الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط، كما يمثل الخيرية ويحقق معناها وبذلك يتحقق في الصراط المستقيم أمران من لوازم الوسطية، وفي هذا المبحث سأبدأ في بيان هذه الأسس مبتدئا بالغلو والإفراط، ثم الجفاء والتفرتيط، ثم أوضح معنى وحقيقة الصراط المستقيم، وبضدها تتبين الأشياء، وسأركز على تحديد معنى هذه الأسس من خلال القرآن الكريم  والسنة المبينة لذلك، ثم كلام المفسرين وغيرهم من العلماء، ومن الله أستمد السداد والإعانة والتوفيق.

المبحث الأول الغلو والإفراط

أولا: الغلو: أما الغلو فقد عرفه أهل اللغة بأنه مجاوزة الحد، فقال ابن فارس: غلو: ا لغين واللام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده، وغلا بسهمه غلوا إذا رمي به سهما أقصى غايته([110]).

وقال الجوهري: وغلا في الأمر يغلو غلوا، أي جاوز فيه الحد([111]) وقال صاحب لسان العرب: وغلا في الدين والأمر، والأمر يغلو: جاوز حده، وفي التنزيل: (لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) [النساء: 171]([112]).

وقال بعضهم: غلوت في الأمر غلوًا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت فيه الحد وأفرطت فيه وفي الحديث: "إياكم والغلو في الدين.."([113]) أي التشدد فيه ومجاوزة الحد، كالحديث الآخر: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق".

وغلا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، وكله من الارتفاع والتجاوز. ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم([114])، هذا معنى الغلو في اللغة: وقد جاءت آيتان في القرآن الكريم  فيهما النهي عن الغلو بلفظه الصريح، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ) [النساء: 171].

قال الإمام الطبري –رحمه الله-:

(لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، وأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال منه في الدين غلا فهو يغلو غلوا)([115]).

وقال ابن الجوزي –رحمه الله- في تفسير هذه الآية، والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد ومنه غلا السعر، وقال: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم.

وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن الله، وقول بعضهم هو ثالث ثلاثة، وعلى قول الحسن: غلو اليهود فيه قولهم إنه لغير رشدة، وقال بعض العلماء لا تغلو في دينكم بالزيادة في التشدد فيه([116]).

وقال ابن كثير: ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاها الله إياه، نقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحا أو كذبا ولهذا قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) [التوبة: 31]([117]).

أما الآية الثانية فجاءت في سورة المائدة: قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة: 77].

قال الطبري –رحمه الله-: (لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو هو ابنه، ولكن قولوا هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)([118]).

قال ابن تيمية([119]) –رحمه الله-: والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن([120]).

ومن غلو النصارى ما ذكره الله في سورة الحديد: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد: 27].

قال ابن كثير –رحمه الله-: في تفسير آية المائدة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) [المائدة: 77]،أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله([121]).

وقد وردت بعض الأحاديث التي تنهي عن الغلو، وذكر بعضها يساعد على فهم معناه وحده:

1- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة جمع: "هلم القط لي الحصى" فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: "نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"([122]).

قال ابن تيمية –رحمه الله-: وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم، أي هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك([123]).

2- عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا([124]).

قال النووي([125]): هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم([126]).

3- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار" (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) [الحديد: 27]([127]).

4- وعن أبي هريرة([128]) -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة"([129]).

قال ابن حجر –رحمه الله-: والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب([130]).

قال ابن رجب([131]) –رحمه الله-: والتسديد العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه([132]).

5- وروى الإمام أحمد([133]) –رحمه الله- في مسنده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلو فيه"([134]).

6- وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغاليين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"([135]).

والأحاديث السابقة ترشدنا إلى أن الغلو خروج عن المنهج وتعدي للحد، وعمل ما لم يأذن به الله ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- والأحاديث التي تنهي عن الغلو كثيرة وليس هدفي في هذا البحث حصرها، وإنما اكتفيت ببعض الأحاديث التي لها دلالة على ما نحن بصدده، وهو تحديد معنى الغلو ومفهومه وحكمه، ومن ثم علاقته بالوسطية، ولعلماء المسلمين تعريفات كثيرة لمعنى الغلو، واخترت منها في بحثي هذا تعريفين:

أولا: تعريف ابن تيمية –رحمه الله-: الغلو مجاوزة الحد: مجاوزة بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك([136]).

ثانيا: تعريف ابن حجر –رحمه الله-: إذ يقول: الغلو: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد([137]).

وضابط الغلو هو التعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهي عنه([138]) في قوله تعالى: (وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: 81]، ومما سبق من التعريف اللغوي وما ورد فيه من آيات وأحاديث وكذلك من تعريف العلماء يتضح لنا أن الغلو هو: مجاوزة الحد في الأمر المشروع، وذلك بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده وقصده الشارع العليم الخبير الحكيم.

وقد أفاد وأجاد الشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق في إيضاح حقيقة الغلو وكشف حدوده ومعالمه في رسالته العلمية: الغلو في الدين.

وقسم الغلو إلى أقسام:

أولا: أن منشأ الغلو بحسب متعلقة ينقسم إلى ما يلي([139]):

أ- إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله –عز وجل- عبادة وترهبا، ومقياس ذلك الطاقة الذاتية حيث إن تجاوز الطاقة في أمر مشروع يعتبر غلوا، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

ما رواه أنس بن مالك([140]) –رضي الله عنه- قال: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: "ما هذا الحبل؟" فقالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد"([141]).

قال ابن حجر –رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث: وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها([142]).

ب- تحريم الطيبات التي أباحها الله على وجه التعبد، أو ترك الضرورات أو بعضها ومن أدلة ذلك قصة النفر الثلاثة، حيث روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، قال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.

فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"([143]).

وكذلك لو اضطر مسلم إلى شيء محرم، كأكل حيوان محرم أو ميتة، وترك ذلك يؤدي به إلى الهلكة، فإن ذلك من التشدد، وبيان ذلك: أن الله هو الذي حرم هذا الشيء في حالة اليسر، وهو سبحانه الذي أباح أكله في حالة الاضطرار، قال سبحانه: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [لبقرة: 173].

3- أن يكون الغلو متعلقا بالحكم على الآخرين، حيث يقف من بعض الناس موقف المادح الغالي، ويقف من آخرين موقف الذام الجافي، ويصفهم بما لا يلزمهم شرعا كالفسق أو المروق من الدين ونحو ذلك، وفي كلا الحالين يترتب على ذلك أعمال هي من الغلو، كالحب والبغض، والولاء والهجر، وغير ذلك.

ثانيا: أن الغلو في حقيقته حركة في اتجاه الأحكام الشرعية والأوامر الإلهية، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع، فهو مبالغة في الالتزام بالدين، وليس مروقا عنه في الحقيقة، بل هو نابع من القصد في الالتزام به([144]).

ثالثا: أن الغلو ليس هو الفعل فقط؛ بل قد يكون تركا([145]) فترك الحلال كالنوم والأكل ونحوه من أنواع الغلو، إذا كان هذا الترك على سبيل العبادة والتقرب إلى الله كما يفعل بعض الصوفية والنباتيين([146]).

رابعًا: الغلو على نوعين: اعتقادي وعملي.

الاعتقادي على قسمين:

اعتقادي كلي، واعتقادي فقط.

والمراد بالغلو الكلي الاعتقادي ما كان متعلقا بكليات الشريعة وأمهات مسائلها.

أما الاعتقادي فقط فهو ما كان متعلقا بباب ا لعقائد دون غيرها كالغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، أو الغلو في البراءة من المجتمع العاصي أو تكفير أفراده واعتزالهم.

ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة إذ أن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغلو في أمر كلي([147]).

أما الغلو الجزئي العملي، فهو ما كان غلوًا في جزئية من جزئيات الشريعة ومتعلقا بباب الأعمال دون الاعتقاد، فهو محصور في جانب الفعل سواء أكان قولا باللسان أم عملا بالجوارح([148]).

والغلو الكلي الاعتقادي أشد خطرًا، وأعظم ضررًا من الغلو العملي إذ أن الغلو الكلي الاعتقادي هو المؤدي إلى الشقاق والانشقاق، وهو المظهر للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم، وذلك كغلو الخوارج([149]) والشيعة([150]).

خامسًا: أنه ليس من الغلو طلب الأكمل في كمية العبادة، بل يدخل في تحديد الأكمل أمور عدة تتعلق بالعمل، وبمن قام بالعمل، وكذلك من له صلة بهذا العمل.

فالصدقة –مثلا- يراعي فيها: المتصدق والمتصدق عليه، والمال المتصدق به، ولا يسمى كمالا كليا بالنظر للكمال الجزئي، وذكر ابن حجر –رحمه الله- ما يؤيده هذا المعنى ونسبه إلى ابن المنير فقال: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل أو المبالغة في التطوع المفضى إلى ترك الأفضل([151]).

سادسًا: أن الحكم على العمل بأنه غلو، أو أن هذا المرء من الغلاة، باب خطير لا يقدر عليه إلا العلماء الذين يدركون حدود هذا العمل، وتبحروا في علوم العقائد وفروعها، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فقد يكون الأمر مشروعا ويوصف صاحبه بالغلو، وها نحن نرى اليوم أن الملتزمين بشرع الله، المتمسكين بالكتاب والسنة يوصفون بالغلو والتطرف والتزمت ونحوها، ولذلك فإن المعيار في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة وليست الأهواء والتقاليد والأعراف والعقول، وما تعارف عليه الناس، وقد ضل في هذا الباب أمم وأفراد وجماعات.

وبعد أن اتضح لنا معنى (الغلو) لغة وشرعا، وما يتعلق به من معان وأقسام، أوضح معنى (الإفراط) بإيجاز، حيث ستتضح صلته بالغلو.

ثانيا: الإفراط:

لغة هو: التقدم ومجاوزة الحد.

قال ابن فارس: يقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر، ويقولون: إياك والفرط، أي لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس، لأنه إذا جاوز القدر فقد أزال الشيء عن وجهته([152]).

وقال الجوهري: وأفرط في الأمر: أي جاوز في الحد([153]).

والفرطة – بالضم- اسم للخروج والتقدم، ومنه قول أم سلمة([154]) لعائشة([155]) -رضي الله عنهما-: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهاك عن الفرطة في البلاد"، وفي رواية نهاك عن الفرطة في الدين، يعني السبق والتقدم ومجاوزة الحد.

والإفراط: الإعجال والتقدم وأفرط في الأمر: أسرف وتقدم وكل شيء جاوز قدره فهو مفرط([156]).

قال تعالى: (إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى) [طه: 45].

قال الطبري -رحمه الله-: وأما الإفراط فهو الإسراف والإشطاط والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك، إذا أسرف فيه وتعدى، وأما التفريط فهو التواني، يقال منه فرطت في هذا الأمر حتى فات، إذا تواني فيه([157]).

ونخلص مما سبق أن معنى الإفراط: تجاوز الحد، والتقدم عن القدر المطلوب وهو عكس التفريط سيأتي:

وقد تبين مما سبق من تعريفي الغلو والإفراط أن كلا منهما يصدق عليه تجاوز الحد، وقد فسر الغلو بالإفراط كما سبق وإن كل واحد منهما يحمل م عنى أبلغ من الثاني في بعض ما يستعمل فيه، فالذي يشدد على نفسه بتحريم بعض الطيبات، أو بحرمان نفسه منها وصف الغلو ألصق به من الإفراط، والذي يعاقب من اعتدى عليه عقوبة يتعد بها حدود مثل تلك العقوبة وهكذا.

والذي يهمنا في هذا المبحث أن كلا من الغلو والإفراط خروج عن الوسطية، فكل أمر يستحق وصف الغلو أو الإفراط فليس من الوسطية في شيء.

المبحث الثاني التفريض والجفاء

أولا التفريط: وبعد أن اتضح لنا معنى الغلو والإفراط، وما يدل عليه كل منهما، نقف الآن مع ما يقابلهما، وهو التفريط والجفاء، والتفريط في اللغة هو التضييع كما في لسان العرب.

وفي حديث علي -رضي الله عنه-: (لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا) وهو بالتخفيف المسرف في العمل، وبالتشديد المقصر فيه، وفرط في الأمر يفرط فرطا أي: قصر فيه وضيعة حتى فات، وكذلك التفريط([158]).

ومنه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "أما إنه ليس في النوم تفريط"([159]) وإذن فالتفريط هو التقصير والتضييع والترك.

قال ابن فارس -رحمه الله-: وكذلك التفريط، وهو التقصير، لأنه إذا قصر فيه فقد قعد عن رتبته التي هي له([160]).

وقال الجوهري -رحمه الله-: فرط في الأمر فرطًا، أي قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط([161]).

وقد ورطت مادة (فرط) في القرآن في عدة مواضع.

قال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) [الأنعام: 31].

قال الطبري -رحمه الله-: يا ندامتنا على ما ضيعنا فيها([162]).

وقال القرطبي -رحمه الله-: وفرطنا معناه ضيعنا، وأصله التقدم، فقولهم: فرطنا، أي قدمنا العجز.

وقيل: (فرطنا) أي جعلنا غير الفارط السابق لنا إلى طاعة الله و تخلفنا([163]).

وقال تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: 38].

قال الطبري -رحمه الله-: ما ضيعنا إثبات شيء منه([164]).

وقال ابن عباس -رضي الله عنه-: ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب([165]).

وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) [الأنعام: 61]([166]).

قال الطبري -رحمه الله-: قد بينا أن معنى التفريط: التضييع فيما مضى قبل، وكذلك أوله المتأولون في هذا الموضع، قال ابن عباس -رضي الله عنه- (لاَ يُفَرِّطُونَ): لا يضيعون([167]).

وفي سورة يوسف: (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) [يوسف: 80].

قال الطبري -رحمه الله-: ومن قبل فعلتكم هذه تفريطكم في يوسف، يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف([168]).

قال القاسمي -رحمه الله-: (فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) [قصرتم في شأنه([169]).

وقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ) [النحل: 62].

قال سعيد بن جبير -رحمه الله-: (وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ) منسيون مضيعون، وقال قتادة -رحمه الله- (مضاعون).

وقال آخرون: إنهم معجلون إلى النار مقدمون إليها، وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانا في طلب الماء إذا قدموه لإصلاح الدلاء، وقيل غير ذلك، ورجح الطبري -رحمه الله- أن معنى (مفرطون) مخلفون متروكون في النار، منسيون فيها([170]).

وقال تعالى في سورة الكهف: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28] روى عن مجاهد -رحمه الله-: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) ضائعا وروى عنه: ضياعا.

قال الطبري -رحمه الله-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ضياعا وهلاكا، ومن قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا، إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيمان، سرفًا قد تجاوز حده فضيع بذلك الحق وهلك([171]).

وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: في الآية أربعة أقوال أحدها: أنه أفرط في قوله.

والثاني: ضياعا، والثالث: ندما، والرابع: كان أمره التفريط، والتفريط: تقديم العجز([172]).

وفي سورة الزمر (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: 56].

قال الطبري -رحمه الله-: يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله([173]).

وقال القاسمي -رحمه الله-: (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ ) أي قصرت (فِي جَنْبِ اللهِ) أي في جانب أمره ونهيه([174]).

هذا تفسير الآيات التي ورد فيها ما يدل على التفريط، ومن خلال أقوال المفسرين تبين أنها تدل على الترك والتهاون والتقصير والتضييع مع اختلاف بسيط بين مدلول هذه المعاني وكلها في مقابل الإفراط والغلو.

ثانيا: الجفاء:

فقال ابن فارس -رحمه الله-: الجيم والفاء والحرف المعتل يدل على أصل واحد: نبو الشيء عن الشيء، من ذلك: جفوت الرجل، جفوة، وهو ظاهر الجفوة، أي الجفاء، وجفاء السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا. وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئا، يقال: جفا عنه يجفو.

والجفاء: خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء([175]).

وقال ابن منظور([176]): جفا الشيء يجفو جفاء وتجافي: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر وكالجنب يجفو عن الفراش، وفي التنزيل: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) [السجدة:16] وفي الحديث: "اقرؤوا القرآن ولا تجافوا عنه"([177]) أي تعاهدوه ولا تبتعدوا عن تلاوته.

وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار"([178]).

وفي الحديث أيضًا: "من بدا جفاء"([179])، بدا: بالدال المهلة، خرج إلى البادية، والجفاء غلظ الطبع، وفي صفته -صلى الله عليه وسلم- ليس بالجافي المهين أي: ليس بالغليظ الخلقة ولا الطبع([180]).

وقال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) [الرعد:17].

قال الطبري -رحمه الله-: زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله: (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) تنشفه الأرض، وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى،: في معني نشف([181]).

وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) [السجدة: 16]، قال الطبري -رحمه الله-: تتنحى جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله الذين وصفت صفتهم، وترفع عن مضاجعهم التي يضجعون لمنامهم، ولا ينامون.

تتجافى: تتفاعل من الجفاء، والجفاء النبو، وإنما وصفهم – تعالى ذكره- بالتجافي في جنوبهم عن المضاجع لتركهم الاضطجاع للنوم شغلا بالصلاة.

ثم قال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم شغلا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفا وطمعا، وذلك نبو جنوبهم عن المضاجع ليلا.. إلخ([182]).

وبذلك يتضح أن الجفاء هو النبو والترك، والبعد، وهو غالبا ما يحدث خلاف الأصل والعادة، وأكثر ما تستعمل كلمة جفاء لما هو محرم منهي عنه كالجفاء بما يقابله الصلة والبر، والجفاء الذي هو من الشدة والغلظة وهذه أمثلة يتضح فيها معنى التفريط والجفاء.

1-   عقوق الوالدين: جفاء.

2-   تأخير عمل اليوم إلى الغد – دون سبب-: تفريط.

3-   إهمال تربية الأولاد: تفريط.

4-   ترك الأخذ بالأسباب: تفريط.

5-   رؤية المنكرات وعدم إنكارها مع القدرة على ذلك: تفريط.

6-   الغلظة في المعاملة: جفاء.

7-   تأخير الصلاة عن وقتها: تفريط.

8-   السلبية مع واقع المسلمين وشؤونهم وشجونهم: جفاء وتفريط.

9-   عدم القيام بحقوق العلماء وضعف الصلة بهم: جفاء وتفريط.

10-         قطع الأرحام وعدم صلتهم: جفاء وتفريط.

وبهذا يتبين معنى التفريط والجفاء، وأن بينهما عموما وخصوصا وهما يقابلان معنى الغلو والإفراط.

وعند التأمل في استعمال العرب لهما يلاحظ.

أن الجفاء يستعمل –غالبا- فيما فيه قصد الأمر من الترك والبعد وسوء الخلق. أما التفريط فمنشؤه –غالبا- التساهل والتهاون.

أن كل أمر اتصف بالتفريط أو بالجفاء فإنه يخالف الوسطية، وبمقدار اتصافه بأي من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطية وتجافيه عنها.

المبحث الثالث الصراط المستقيم

إننا بدون فهم معنى (الصراط المستقيم)، وتحديد مدلوله، لا نستطيع فهم الوسطية على معناها الصحيح، وقد ورد لفظ الصراط المستقيم، في القرآن الكريم  عشرات المرات، وجاء أيضًا بلفظ (صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [الفتح: 2]، و(صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16]، (صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: 153] ونحو ذلك.

ففي سورة الفاتحة نجد قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 5]. ثم يفسره بأنه (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7].

وفي البقرة جاء قوله تعالى: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 142] وجاء بعد هذه الآية مباشرة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) [البقرة: 143]، وسيأتي بيان العلاقة بين هاتين الآيتين، وعيسى –عليه السلام-، في سورة آل عمران يقول لقومه: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [آل عمران: 51].

ونجد أن سورة الأنعام من أكثر السور التي ورد فيها الحديث عن الصراط المستقيم (مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39]، (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 87]، (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ) [الأنعام: 126]، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: 153]، (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 161].

وفي سورة إبراهيم سماه صراط العزيز الحميد: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم: 1]، وفي سورة طه، وصفه بالسوي فقال: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) [طه: 135].

وفي سورة الحج أضافه للحميد فقال: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: 24] وفي سورة المؤمنون عرفه دون وصف أو إضافة: (وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) [المؤمنون: 74]، وفي مريم يقول إبراهيم –عليه السلام- لأبيه: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم: 43].

وقول الله في سورة الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153].

هذه بعض الآيات التي وردت في (الصِّرَاطِ) فما معناه؟

قال الطبري -رحمه الله-: في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة:5].

أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب، ومن قول الشاعر:

أمير المؤمنين على صراط

 

إذا اعوج الموارد مستقيم([183])

وقال ابن عباس: قال جبريل لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: اهدنا الصراط المستقيم: يقول ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له([184]).

قال الطبري -رحمه الله-:

وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه([185]).

وقال: وكل حائد عن قصد السبيل، وسالك غير المنهج القويم فضال عند العرب، لإضلاله وجه الطريق([186]).

وقال ابن كثير -رحمه الله-:

واختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله ورسوله([187]).

وإليك أقوال المفسرين في الصراط المستقيم:

فقد روى الطبري عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ذكر القرآن فقال: "هو الصراط المستقيم"([188]).

وقال علي: الصراط المستقيم، كتاب الله تعالى.

وبمثل ذلك فسره عبد الله بن م سعود -رضي الله عنه- وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: اهدنا الصراط المستقيم الإسلام، قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض، وقال ابن عباس: ذلك الإسلام، وقال ابن عباس -رضي الله عنه- هو الطريق([189]).

وقال القاسمي -رحمه الله-: أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مبحث له مهم ننشره عنه هنا لما فيه من الفوائد الجلية، قال -رحمه الله-: ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: أحدهما ليس فيه تضاد وتناقض، بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو اختلاف تنوع، أو اختلاف في الصفات أو العبادات وعامة الاختلاف الثابت بين مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب، فالله –سبحانه وتعالى- إذا ذكر القرآن اسما مثل قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 5]، فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق، بمنزلة ما يسمى الله ورسوله، وكتابته بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته.

فيقول بعضهم: الصراط المستقيم: كتاب الله أو اتباع كتاب الله.

ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام.

ويقول الآخر: الصراط المستقيم: هو السنة والجماعة.

ويقول الآخر: الصراط المستقيم: طريق العبودية، أو طريق الخوف والرضا والحب، وامتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة، أو العمل بطاعة الله، ونحو هذه العبارات والأسماء، ومعلوم أن المسمي هو واحد، وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه([190]).

ثم قال في موضع آخر: فإن الصراط المستقيم أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نهيت عنه، وهذا يحتاج في وقت إلى أن تعلم ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهي عنه، وإلى أن يحصل لك إرادة  جازمة لفعل المأمور، وكراهة لترك المحظور، والصراط المستقيم قد فسر بالقرآن أو الإسلام، وطريق العبودية، وكل هذا حق، فهو موصوف بهذا وبغيره([191]).

قال القاسمي -رحمه الله-: الصراط المستقيم أصله الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ويستعار لكل قول أو عمل يبلغ به صاحبه الغاية الحميدة، فالطريق الواضح للحس، كالحق للعقل، في أنه إذا سير بهما أبلغنا  السالك النهاية الحسنى([192]).

وقال ابن عاشور -رحمه الله-: والصراط في هذه الآية (آية الفاتحة) مستعار –لمعنى الحق الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز برضى الله، لأن ذلك الفوز هو الذي جاء الإسلام بطلبه، والمستقيم: اسم فاعل من استقام، مطاوع قومته فاستقام، والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا تعاريج، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيما، وهو الجادة لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل فيه سالكه، ولا يتردد ولا يتحير، والمستقيم هنا مستعار للحق البين الذي لا تخالطه شبهة باطل، فهو كالطريق الذي لا تتخلله بنيات، ثم قال: والأظهر عندي أن المراد بالصراط المستقيم: المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل([193]).

هذه بعض أقوال المفسرين في معنى الصراط المستقيم، كما ورد في سورة الفاتحة وحيث وردت آيات كثيرة ذكر فيها الصراط المستقيم سبق ذكر بعضها فإن معناها من هذا المعنى الذي سبق تقريره، ولإيضاح ذلك أذكر تفسير بعض هذه الآيات باختصار:

قال تعالى: (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام:87].

قال مجاهد -رحمه الله-: وسددناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوج وذلك دين الله الذي لا عوج فيه، وهو الإسلام الذي ارتضاه ربنا لأنبيائه، وأمر به عباده([194]).

وفي قوله تعالى: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: 126].

قال الطبري -رحمه الله-: هو صراط ربك، يقول: طريق ربك، ودينه الذي ارتضاه لعباده (مُسْتَقِيمًا) يعني قويما لا اعوجاج به عن الحق([195]).

وفي قوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 161].

قال الطبري -رحمه الله-: يقول: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم، وهو دين الله الذي ابتعثه به، وذلك الحنيفية المسلمة، فوفقني له([196]).

وفي سورة الأعراف: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم) [الأعراف: 16]، قال الطبري -رحمه الله-: يقول لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم، يعني طريقك القويم، وذلك دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه([197]).

وفي قوله تعالى: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم: 43]، قال الطبري -رحمه الله-: يقول أبصرك هدى الطريق المستوى الذي لا تضل فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه([198]).

وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) [المؤمنون: 74] قال الطبري -رحمه الله-: يقول عن محجة الطريق، وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلين([199]).

وبهذا يتضح أن معنى الصراط في جميع هذه الآيات معنى واحد، وإن اختلفت العبرة والسياق.

المبحث الرابع الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم

مما تقدم يتضح أن معنى الصراط المستقيم يدل على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي الذي سبق تقريره، وبخاصة أن ما جعلته لازما لمفهوم الوسطية وإطلاقها قد تحقق في معنى الصراط المستقيم، فالخيرية والبينية ظاهرتان في هذا الأمر، فنجد في سورة الفاتحة لما قال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 5] عرفه فقال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفاتحة: 6] ثم حدده فقال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7] فجعل الصراط المستقيم طريق الأخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضالين.

وكذلك في سورة البقرة قال تعالى: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 142] فقال بعدها مباشرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) [البقرة: 143]، وقد تحدث المفسرون عن الكاف في هذه الآية، وذكر غير واحد (الكاف) للربط بين جعلهم أمة وسطا وهدايتهم للصراط المستقيم([200]).

وهذه بعض الأحاديث التي تزيد الأمر وضوحا:

فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فخط خطا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده على الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)([201]).

وذكر القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: أن رجلا قال لابن مسعود -رضي الله عنه-: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في أداه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يبدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ عن الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: 153]([202]).

وبالتأمل فيما سبق يتضح لنا ما يلي:

1-         أن الصراط المستقيم: يمثل قمة الوسطية وذروة سنامها وأعلى درجاتها، وآيتا الفاتحة والبقرة حجة قاطعة في ذلك.

2-   أن الوسطية تعني الخيرية، سواء أكانت خير الخيرين أو خيرًا بين شرين، أو خيرًا بين أمرين متفاوتين، وقد سبق تفصيل ذلك.

3-   أن المقياس لتحديد الخيرية هو الشرع، وليس هوى الناس أو ما تعارفوا عليه أو ألفوه، فإن مفهوم الوسطية عند كثير من الناس تعني التنازل أو التساهل؛ بل والمداهنة أحيانا، حيث يختارون الأمر بين الخير والشر وهو إلى الشر أقرب في حقيقته ومآله، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

4-   أن هناك عوامل كثيرة، وأصولا معتبرة([203])، تجب مراعاتها عند ضبط مفهوم الوسطية وتطبيقها على أمر من الأمور، حيث إن قصر النظر على أمر دون آخر يؤدي إلى خلاف ذلك ومجانبته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

ملامح الوسطية

 

الباب الثاني 

ملامح الوسطية

تمهيد:

للوسطية ملامح وسمات تحف بها، وتميزها عن غيرها، بمجموع تلك الملامح لا بأفرادها، وقد طالعت ما ورد في وسطية هذه الأمة بين الأمم، وكذلك ما كتبه بعض الذين بحثوا في الوسطية، ومن خلال استقراء القرآن الكريم  توصلت إلى تحديد سمات وملامح الوسطية.

وتحديد هذه الملامح مهمة أساسية في مثل هذا البحث، حتى لا تكون الوسطية مجالا لأرباب الشهوات وأصحاب الأهواء، ذلك أن الوسطية مرتبة عزيزة المنال، غالية الثمن، كيف لا وهي سمة هذه الأمة، ومحور تميزها بين الأمم؟! جعلها الله خاصية من خصائصها، تكرما منه وفضلا: (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة: 4].

إن من أهم سمات الوسطية ما يلي:

-       السمة الأولى: الخيرية.

-       السمة الثانية: العدل.

-       السمة الثالثة: اليسر ورفع الحرج.

-       السمة الرابعة: الحكمة.

-       السمة الخامسة: الاستقامة.

-       السمة السادسة: البينية.

وكل سمة من هذه السمات يدخل تحتها عدد من أفرادها، وسأبين لكل سمة بما يلائم المقام، ويفي بالغرض، والله الهادي إلى سواء السبيل، وأظن أن هذه الملامح بمجموعها تصلح ضابطًا لتحديد الوسطية ومعرفتها، بما يرد على السؤال الذي لا بد أن يرد في أذهان الكثيرين أين ضابط الوسطية وكيف نميزها عن غيرها؟

 

الباب الثاني

ملامح الوسطية

الفصل الأول الخيرية

قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] وقد بينت أن من معاني الوسطية الخيرية.

المبحث الأول

أقوال المفسرين في آية الخيرية

قال ابن كثير -رحمه الله-: والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال لقريش أوسط العرب نسبا ودارًا، أي خيرها([204]). وفي تفسيره لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: يعني الناس للناس، والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، إلى أن قال: كما في الآية الأخرى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143] أي خيارًا([205]).

وقال الطبري -رحمه الله-: مقررًا خيرية هذه الأمة (الأمة الوسط): فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ)؟ وقد زعمت أن تأويل هذه الآية هذه الأمة خير الأمم التي مضت، وإنما يقال: كنتم خير أمة لقوم كانوا خيارًا فتغيروا عما كانوا عليه؟! قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه أنتم خير أمة، كما قيل: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) [الأنفال: 26]، وقد قال في موضوع آخر: (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ)  [الأعراف: 86]، فإدخال (كان) في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه، ولو قال أيضًا في ذلك قائل: (كنتم) بمعنى التمام، كان تأويله خلقتم خير أمة، أو وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحا([206])، وفي تفسيره لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، قال: وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأن الخيار من الناس عدولهم([207]).

ومما سبق يتضح أن الخيرية مما فسر به معنى الوسطية التي ذكرها الله من خصائص هذه الأمة، فما هي هذه الخيرية التي نعرف بها وسطية هذه الأمة؟

قال الطبري -رحمه الله-: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذا كنتم بهذه الشروط التي وصفهم –جل ثناؤه- بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، أخرجوا للناس في زمانكم([208]).

قال أبو مسعود([209]) -رحمه الله-: (تؤمنون بالله) أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء، وإنما لم يصرح به تفصيلا لظهور أنه الذي يؤمن به المؤمنون، وللإيذان بأنه هو الإيمان بالله تعالى حقيقة([210])، وقال القاسمي -رحمه الله-: ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعه لغيرهم بقوله: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [آل عمران: 110]، فبهذه الصفات فضلوا على غيرهم ممن قال تعالى فيهم: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 79]، (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) [النساء: 150].

وقال محمد رشيد -رحمه الله-: والحق أقول: إن هذه الأمة ما فتئت خير أمة أخرجت للناس، حتى تركت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم قال: وقد بين الفخر الرازي كون وصف الأمة هنا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان علة لكونها خير أمة أخرجت للناس، فقال: واعلم أن هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم.

وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، ههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات، أعنى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات([211]).

وقد وردت بعض الأحاديث التي تدل على خيرية هذه الأمة منها:

1-         روى الترمذي في تفسيره لهذه الآية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"([212]).

2-         وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء"، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ فقال: "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم"([213]).

فهذه الأحاديث مع آية آل عمران تبين خيرية هذه الأمة، التي جعلها الله أمة وسطا، وقد جمع المفسرون بين معنيي الخيرية والوسطية، حتى جاء أحدهما تفسيرًا للآخر، كما مر معنا، ولأهمية بيان معنى الخيرية، سأذكر أبرز أوجه هذه الخيرية ليتضح لنا معنى الوسطية.

المبحث الثاني

أبرز أوجه هذه الأمة([214])

لم تنل هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم، مصادفة، ولا جزافا ولا محاباة، فالله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك، فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار، وهو سحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بين وجه ذلك وعلته في نفس الآية فقال: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله) [آل عمران: 110]، فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة، إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حريا بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة.

وسأعرض فيما يأتي لأهم أوجه هذه الخيرية، محاولا الإيجاز وعدم الإطالة، فأقول وبالله التوفيق:

الوجه الأول: إيمانها بالله –عز وجل-:

إن إيمان هذه الأمة يتميز عن إيمان سائر الأمم بأنه إيمان عام وشامل، يشمل جميع الرسل التي أرسلت، والكتب التي أنزلت على جميع الأمم التي خلت: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].

وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل المشهور في بيان حد الإيمان الواجب على هذه الأمة: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"([215]). فحصل لهذه الأمة المحمدية من الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب ما لم يحصل لغيرها باعتبار ما يأتي:

1- أن هذه الأمة هي آخر الأمم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نحن الآخرون السابقون.."([216])، وقال في حديث آخر: "نكمل اليوم سبعين أمة نحن آخرها وخيرها"([217]). وفي حديث آخر: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب"([218])، فآمنت بجميع الرسل والكتب التي قبلها، مع إيمانها برسولها الخاتم، وكتابها المهيمن على جميع الكتب، ولم يقع ذلك إلا لها، فحق لها أن تكون خير الأمم، لأنها جمعت خير ما عندهم من الإيمان بالكتب والرسل.

2- أن كثيرًا من الأمم التي قبلها، لم تؤمن بمن كان قبلها من الرسل والكتب، بل كذبوا وكفروا بهم، وهذا الوجه وإن جاء في الآية تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمعنى اختلف المفسرون في تحديده([219])، إلا أنه باتفاق الجميع هو الأساس التي يبني عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمة إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه، فليس هناك أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بالمعنى الشرعي.

الوجه الثاني: أنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر:

وهذا من أعظم ما كانت به هذه الأمة خير أمة أخرجت الناس، فهو من أظهر خصائصها، وأبرز ما تتميز به عن سائر الأمم، ولذلك قدمهما الله –عز وجل- في الذكر على الإيمان به تعالى، مع كونه –أي الإيمان- متقدما عليهما في الوجود والرتبة، فقال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [آل عمران: 110]، وقد أمر الله هذه الأمة بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن يكون فيها من يقوم بذلك فقال –عز وجل-: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104]، كما أوجب النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك على أمته على حسب الاستطاعة وهي مراتب فقال: "من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"([220]).

قال الإمام النووي -رحمه الله-:  وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- "فليغره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم.. ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام ه بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف([221]).

ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه المثابة، عدهما كثير من السلف شرطا في استحقاق الخيرية المشار إليها في الآية مع الإيمان بالله –عز وجل-، كما روى ابن جرير -رحمه الله-:  بسنده عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، أنه في حجة حجها قرأ هذه الآية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآية، ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة ليؤد شرط الله منها([222])، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأخرج عن مجاهد -رحمه الله-:  في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، يقول: على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله([223]).

ولقد كانت هذه الأمة أكثر الأمم قياما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لم يكن في أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل ما في هذه الأمة، إذ كانت أعظم الأمم التي قبلنا وهم بنو إسرائيل مفرطين فيهما غير قائمين بهما، كما قص الله –عز وجل- علينا خبرهم في قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78-79].

فلما قامت هذه الأمة بهذا الأمر مع تقصير غيرها من الأمم وتفريطها فيه، كانت جديرة بما أثبته الله ورسوله لها من الخيرية، إذ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن درة([224]) بنت أبي لهب قالت: "قام رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "خير الناس أقرؤهم وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم"([225]).

الوجه الثالث: كونها خير الأمم للناس وأنفعهم لهم:

وذلك أن هذه الأمة لما قامت بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان من أعظم المعروف الذي تأمر به الإيمان بالله –عز وجل- وعبادته وحده، ومن أنكر المنكر الذي تنهي عنه وتحذر الناس منه: الإشراك بالله و عبادة غيره من دونه، كما قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "تأمرونهم بالمعروف، أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلوهم عليهن ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكر المنكر"([226]).

إنما كانت في الواقع تدعو الناس إلى ما فيه نفعهم ونجاتهم، وتنهاهم عما فيه هلاكهم، باذلة في سبيل ذلك النفس والنفيس، ليس لها هدف إلا القيام بما أوجبه الله عليها من هداية الخلق إلى طريق النجاة، وإخراجهم من ظلمات الجهل والشك، والوثنية، إلى نور التوحيد والإيمان، وتحريرهم من عبودية العباد إلى عبودية الخالق جل وعلا، كما قال ربعي بن عامر([227]) -رضي الله عنه- لرستم([228]) قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبي قاتلناه حتى تفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبي، والظفر لمن بقي([229])...

لقد كان هذا الصحابي الجليل خير سفير لهذه الأمة إلى رستم وقومه، بين له مهمة هذه الأمة، وهدفها، وهو أنها لم تخرج لطلب ملك، أو مال أو دنيا وسلطان، وإنما أخرجها الله وابتعثها، كما قال –عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] بالبناء للمجهول للدلالة على أنها لم تخرج بنفسها لهوى أو مصلحة ذاتية، وغنما أخرجت للناس، والله هو الذي أخرجها، لتدعو الخلق إلى عبادة الخالق دون المخلوق، ليس لها هدف سوى ذلك، فإن هو تحقق كان ذلك غاية ما تطمح إليه وتسعد به (فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا)([230]).

من أجل ذلك كانت هذه الأمة خير الأمم للناس، لأنها تدعوهم إلى الخير، ولا ترجو منهم ثمنا له، بل تجاهد من يحول بينها وبين تبليغ عباد الله دين الله، حتى يخلي بينهم وبينه، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إذا تبين للناس الرشد من الغي كما قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256]، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: 29].

لكن هذه الأمة بما أوتيت من حب الخير للغير، تكره للناس أن ينتهوا إلى هذا المصير الرهيب، وتجهد نفسها – في غير من ولا أذى- في سبيل أن تحول بينهم وبينه، إن أمة تحمل للبشرية كل هذا الخير، غير مبالية بما يلقى من عنت وتعب ونصب، بما في ذلك القتل والقتال، وفراق المال والعيال، لهي بحق خليقة بأن تكون: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) لأنها تسعى لنفعهم وهدايتهم وإنقاذهم من العذاب والعقاب الذي ينتظرهم.

يقول الصحابي الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه- في هذا المعني: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام([231])، وكذا قال غير واحد من السلف كابن عباس([232]) ومجاهد، وعكرمة وغيرهم([233]).

الوجه الرابع: كونهم أكثر الناس استجابة للأنبياء:

أشار إلى هذا الوجه الإمام ابن جرير -رحمه الله-:  بقوله: (وقال آخرون إنما قيل: () لأنهم أكثرهم الأمم استجابة للإسلام، ثم روى عن الربيع([234]) أنه قال في الآية: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة فمن ثم قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)([235]).

يدلل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من كونه -صلى الله عليه وسلم- أكثر الأنبياء تبعا، كما في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد"([236]).

وعنه أيضًا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة"([237]).

يوضح النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغ هذه الكثرة فيقول في الحديث الذي رواه ابن عباس -رضي الله عنهما-: "عرضت علي الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط([238])، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا – في آفاق السماء- فإذا سواد قد ملأ الأفق، وقيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألف بغير حساب"([239]).

وهذه النصوص صريحة في بيان أن المؤمنين المتبعين للنبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه الأمة، أكثر من المتبعين لأي نبي من الأنبياء من الأمم السابقة، فهذه الأمة أقرب الأمم إلى الحق واعتناقه، وهذه علامة الخير والرشد، وبذلك كانت (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) لكون المؤمنين والمهتدين منها أكثر منهم في الأمم قبلها.

الوجه الخامس: كونها لا تجتمع على ضلالة:

وذلك أنها أمة ورثت الرسل في القيام بهداية البشر ودعوتها إلى ما دعا إليه سائر الرسل من الإيمان بالله وعبادته وحده، فهي ذات رسالة تبلغها، وتستمر في إبلاغها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك ما كان لهذه الأمة أن تضل عن مهمتها ورسالتها مهما طال عليها الأمد، وامتد بها الأجل لأنها إن ضلت هي فلن يهتدي أحد، لانقطاع الوحي والرسالة.

وقد يضل بعض أفرادها وطوائفها عن الحق، بل قد يكفر ويلحد وينافق طوائف منها ولكنها لا تجمع ولا تجتمع على ذلك أبدًا، بذلك أخبرنا الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، فقال فيما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة"([240]).

بخلاف من قبلها من الأمم، فإنه كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة منهم، فهؤلاء أهل الكتاب، اليهود منهم والنصارى، اندثر الحق والدين الصحيح بينهم وانقرضت الفرقة التي كانت على الحق أو انحرفت، وأصبحت فرقهم كلها على ضلال وكفر وشك، فهاهم بسائر فرقهم وطوائفهم قد أجمعوا على الضلالة والكفر وأعرضوا عما جاء به الإسلام من الحق فليس منهم رجل رشيد.

أما هذه الأمة فإنها والحمد لله لا تجتمع على ضلالة أبدًا، بل لا بد أن تبقى طائفة منها على الدين الصحيح ظاهرة قائمة به، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون"([241]). وفي رواية أخرى: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"([242]).

فأمة تثبت على الهدى والتوحيد، ولا يذهب فيها نور النبوة والقرآن؛ بل لا يزال مشتعلا مضيئا في يدها تحمله جيلا بعد جيل إلى أن تلقى الله به آخر طائفة منها، لا شك أنها خير الأمم التي عرفتها البشرية، بما لم توغل كما أوغل الكثير من الأمم قبلها في الكفر والضلالة، وبما يبقى فيها من الخير والهدى ما لم يبق في غيرها من الأمم([243]).

الوجه السادس: كون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية، وذلك من وجوه:

1- إنه الكتاب الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث الذي أنزله.

فقال تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَّشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: 23].

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:  (هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسول الكريم)([244]). وهو نص في أن القرآن الكريم  أفضل وأحسن من غيره من الكتب السماوية التي أنزلها الله –عز وجل- قبله.

2- إنه الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل.

فقال جل وعلا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]. فالمراد بالذكر: القرآن، والضمير في قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) راجع إليه على الصحيح.

قال فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي([245]) -رحمه الله-:  (... وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، أن الضمير في قوله تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل الضمير راجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كقوله: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة:67]، والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق)([246]).

وأخبر جل وعلا: أن الباطل لا يتطرق بحال، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 41-42]، فكتاب هذه الأمة محفوظ بحفظ الله له، وقد مضى علىنزوله الآن أربعة عشر قرنا من الزمان ولا يزال كما أنزله الله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يستطع أحد أن يزيد فيه حرفا، أو ينقص منه حرفا، أو يبدل فيه حرفا مكان آخر، فهو محفوظ في السطور والصدور، يحفظه عشرات الآلاف من المسلمين، ولو أراد أحد أن يزيد فيه حرفا أو ينقصه منه لرد عليه صغار أبناء المسلمين قبل كبارهم وذلك من حفظ الله له([247]).

وهذه حقيقة ملموسة يعترف بها أعداء الإسلام فضلا عن أبنائه، يقول وليم ميمور في كتابه (حياة محمد) –وهو معروف بتحامله على الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم-: (لم يمض على وفاة محمد -صلى الله عليه وسلم- ربع قرن حتى نشأت منازعات عنيفة، وقامت طوائف وقد ذهب عثمان -رضي الله عنه- ضحية هذه الفتن ولا تزال هذه الخلافات قائمة، ولكن القرآن ظل كتاب هذه الطوائف الوحيد، إن اعتماد هذه الطوائف جميعا على هذا الكتاب تلاوة، برهان ساطع على أن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الصحيفة التي أمر الخليفة المظلوم بجمعها وكتابتها، فلعله هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصا محفوظا من التحريف طيلة ألف ومائتين سنة)([248]).

ويقول وهيري في تفسيره للقرآن، (إن القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق، وأكثر صحة وأصالة)([249]).

ويقول المستشرق([250]) لين بول (1832-1895): (إن أكبر ما يمتاز به القرآن أنه لم يتطرق شك إلى أصالته، إن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير منذ ثلاثة عشر قرنا)([251]).

وذلك بخلاف الكتب السماوية السابقة، التي طرأ عليها الكثير من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان، بل والضياع أيضًا، وكان من ذلك ما أراد إليه الحق تبارك وتعالى في غير ما آية من كتاب العزيز كقوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 75]، وقوله: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79].

وقوله –عز وجل-: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78]، وذلك لأن الله –عز وجل- لم يتكل بحفظها، وإنما وكل ذلك إلى أهلها فضيعوا وحرفوا وبدلوا، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة: 44].

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:  (فإن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت.. والقرآن محفوظ من التبديل والتحريف، ولو حرف منه أحد حرفا واحدًا فأبدله بغيره أو زاد فيه حرفا أو نقص منه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلا عن كبارهم.

قال: فالجواب: أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيوعها عمدا، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة كما أوضحه بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقوله: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: 42] إلى غير ذلك من الآيات)([252]).

3- إنه الكتاب المهيمن على الكتب قبله:

لما كان القرآن الكريم  هو آخر الكتب السماوية المنزلة، وهو الكتاب الذي يحمل الصورة الأخيرة لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، المرجع الأخير في عقائد الناس، وشرائعهم ونظام حياتهم([253])، فقد جعله الله الكتاب المهيمن على الكتب المنزلة قبله، فقال جلا وعلا: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)، أي: هو الشهيد والأمين والمؤتمن والرقيب والحاكم على كل كتاب قبله كما أثر ذلك عن ابن عباس وغيره([254]).

يقول العلامة ابن كثير -رحمه الله-: (وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، وشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينا عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]([255]).

4- إنه الكتاب الوحيد الذي تحدى الله البشر أن يأتوا بسورة من مثله:

القرآن الكريم  معجزة الله الخالدة التي آتاها نبيه -صلى الله عليه وسلم- للدلالة على صدقه ونبوته، فتحدى به الجن والإنس أن يأتوا بمثله فقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88]، وقال تعالى: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور: 34]، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [هود. 13].

فلما لم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بسورة فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [يونس: 38] وهذا التحدي من خصائص هذا الكتاب العزيز، ولم يقع لكتاب قبله، لأن الله لم يجعلها معجزة لأنبيائه، وإنما اختص كل نبي منهم بمعجزة رئيسية من جنس ما برع فيه قومه، فكانت معجزة موسى –عليه السلام- إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص لبروز قومه في الطب، ثم جعل معجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- هذا الكتاب الكريم المعجز بنظمه ومعناه فتحدى به العرب مع فصاحتهم وبلاغتهم التي عرفوا بها.

يقول -صلى الله عليه وسلم-: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثر تبعا يوم القيامة"([256]).

قال الإمام ابن كثير في معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: "إنما كان الذي أوتيته وحيا" أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة والله أعلم([257]).

وبعد: فهذا غيض من فيض من فضائل هذا الكتاب العظيم، الذي أنزل على هذه الأمة، فهو الكتاب الوحيد الذي وصفه الله بأنه أحسن الحديث، والكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من بين سائر كتبه، وهو الكتاب الذي جعله الله مهيمنا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، حاويا لأفضل وأحسن ما جاء فيها وزائدًا عليها بفضائل كثيرة وهو الكتاب الوحيد الذي تحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة من سوره.

وإن اختيار الله –عز وجل- لكتاب بهذه العظمة وهذا الفضل ليكون الكتاب الذي ينزل على هذه الأمة ليدل على فضل هذه الأمة وخيريتها، وقال الحافظ ابن حجر مبينا مناسبة إيراد الإمام البخاري لحديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة والعصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود،  فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ فقالو: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت"([258]). ومناسبة الحديث؛ من باب من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمر بالعمل به([259]).

الوجه السابع: كون نبيها أفضل الأنبياء والرسل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام:

لقد بين –عز وجل- في كتابه الكريم أنه فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض فقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: 253]، وقال في آية أخرى: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) [الإسراء: 55].

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-:  (... ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولى العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: 7]، وفي الشورى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13] ولا خلاف أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى على المشهور)([260]).

فنبينا -صلى الله عليه وسلم- أفضل الخلق قاطبة، وهو سيد البشر، كما أخب عن ذلك -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟"([261]) ثم بين -صلى الله عليه وسلم- أنه يشفع للخلق يوم القيامة حين لا يشفع هذه الشفاعة العظمى غيره من الأنبياء والرسول عليهم أفضل الصلاة والسلام، قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشف عنه القبر، وأول من شافع وأول مشفع"([262])، وهو -صلى الله عليه وسلم- حين يقول ذلك ويخبر به لا يقوله من باب التفاخر والتعالى، فقد صرح بنفي الفخر في رواية أخرى، فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"([263]). وإنما قاله لوجهين.

أحدهما: امتثال قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11].

والثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه -صلى الله عليه وسلم- بما تقتضي مرتبته، كما أمرهم الله تعالى([264]).

ولأنه لا يمكننا معرفة ذلك إلا بخبره -صلى الله عليه وسلم- إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله([265])، ولا يشكل على تفضيله -صلى الله عليه وسلم- على غيره من الأنبياء والمرسلين، ما ورد من قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة: "لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثني الله"([266]).

وقوله -صلى الله عليه وسلم- في رواية أخرى: "لا تفضلوا بين الأنبياء"([267]).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى"([268]). فإن المراد بالنهي: التفضل المؤدي إلى تنقص المفضول من الأنبياء وهذا غير لازم لتفضيل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنهم أفاضل وهو أفضلهم من غير نقص أو تنقص لمكانتهم صلوات الله وسلامه عليهم.

وقال بعض أهل العلم: (المراد بالنهي: التفضيل المؤدي إلى الخصومة والتنازع وقال بعضهم إنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن تفضيله على موسى أو غيرهم من الأنبياء تواضعا وتأدبا وإلا فهو أفضلهم)([269]).

عموم رسالته:

وإن من أعظم ما به فضل نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، ما خصه الله به، من عموم البعثة، وشمول الرسالة لجميع الأمم، وليس ذلك لأحد قبله من إخوانه الرسل والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام وفي بيان عموم رسالته يقول المولى تبارك وتعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) [الأعراف: 58].

قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره -رحمه الله-:  (يقول –تعالى ذكره—لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- قا يا محمد للناس كلهم: (نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) لا إلى بعضكم دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إليكم جميعكم)([270]).

وقال الإمام ابن كثير -رحمه الله-:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) [البقرة:21] وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، (إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف:158]، أي جميعكم وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، ثم ذكر بعض الآيات الدالة على ذلك وقال: والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول إلى الناس كلهم)([271]).

ومن الآيات الدالة على عموم رسالته -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ: 28]، (   وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"([272]).

وكل الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة دون غيرهم كما أخبر الله –عز وجل-، فقال عن نوح: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) [نوح: 1]. وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) [الأعراف: 59]، وقال عن هود –عليه السلام-: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) [الأعراف: 65].

وقال عن صالح –عليه السلام-: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) [الأعراف: 73]، وقال عن لوط –عليه السلام-: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ) [الأعراف: 80]، وقال عن شعيب –عليه السلام-: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) [الأعراف 85]، وقال عن موسى –عليه السلام-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) [هود: 96-97]، وقال عن عيسي –عليه السلام-: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [آل عمران: 49].

وقال في حق محمد -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ) [سبأ: 28]، لجميع الناس، بل والجن أيضًا فقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- مرسل إليهم أيضًا، وقد بلغهم -صلى الله عليه وسلم- كما أخبر المولى بذلك في قوله: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: 29-31].

وقال الإمام ابن كثير في تفسيره -رحمه الله-:  (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن ولهذا قال: (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ)([273]).

ومما يدل على مبلغ فضله -صلى الله عليه وسلم- وعلو مقامه، أن الله ختم به النبوات وبرسالته تمت الرسالات، فلا تحتاج البشرية بعده إلى نبي، ولا بعد رسالته ودينه الكامل الشامل إلى رسالة أو دين يقول –عز وجل-: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: 40].

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"([274]).

وبعد: فإن هذه الأمة إنما حازت قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد -صلى الله عليه وسلم- فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيا قبله ولا رسولا من الرسل، فالعمل على منهجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه([275]).

ولأمة يختار الله أفضل رسله، وأعلاهم مكانة ومنزلة عنده وأحبهم إليه فيبعثه فيها هاديا ونبيا ورسولا لهي أمة حرية بأن تكون خير أمة، لأنها أمة خير الخلق والرسل منه تعلمت وعلى يديه تربت وبه فاقت الأمم([276]).

الوجه الثامن: تقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم:

إن مما يدل على فضل هذه الأمة، كونها خير الأمم ما خصها الله به من التكريم والتشريف وتقديمها على سائر الأمم يوم القيامة في الحشر والحساب، كما قال -صلى الله عليه وسلم- "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون والأولون"([277]).

وفي الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدًا"([278]).

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:  أي: نحن الآخرون زمانا السابقون منزلة، قال: والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضي بينهم، وأول من يدخل الجنة.

وقيل: المراد بالسبق: إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، ويوم الجمعة وإن كان مسبوقا بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقا)([279]).

وظاهر الحديث يشمل الأمرين، فقد نص على سبقها يوم القيامة، كما هو نص في سبقها في الاهتداء لأفضل الأيام الذي هو يوم الجمعة مع تأخرها عن اليهود والنصارى في الزمان والله تعالى أعلم، وهي كذلك أول الأمم دخولا الجنة، مع كونها آخر الأمم زمانا، وذلك من تكريم الله لها، وتفضيله إياها، يقول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة"([280]).

الوجه التاسع: كونها أكثر أهل الجنة:

لما كانت هذه الأمة أكثر الأمم استجابة للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، حتى كان -صلى الله عليه وسلم- أكثر الأنبياء تابعا، امتازت بأنها أكثر من يدخل الجنة من الأمم، وفي ذلك دلالة جلية على فضلها وخيريتها.

يقول -صلى الله عليه وسلم-: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة"؟ قلنا: نعم. قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة"؟ قلنا: نعم. قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟" قلنا: نعم. قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر"([281])، وبذلك اتضحت لنا أوجه الخيرية لهذه الأمة، وبينا معنى من معاني الوسطية ألا وهو الخيرية.

 


الفصل الثاني العدل

المبحث الأول

أقوال المفسرين في (أمة وسطا)

أما العدل فقد صح فيه الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث فسر قوله تعالى: (أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، بقوله: عدولا، وذلك في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، حيث قال -رضي الله عنه-: "الوسط العدل"([282])، وفي رواية الطبري: قال: (أُمَّةً وَسَطًا) عدولا([283]).

وقال القرطبي -رحمه الله-: : الوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، ثم قال: قال علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك و تعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة، وتولية الشهادة على جميع خلقه فجعلنا أولا مكانا، وكنا آخرًا زمانا كما قال –عليه السلام-: "نحن الآخرون والأولون"([284])، وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا"([285]).

ومما يدل على أن العدل من ملامح الوسطية قول الطبري -رحمه الله-:  وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأن الخيار من الناس عدولهم([286]) ثم ساق الأدلة من السنة وأقوال السلف في ذلك.

المبحث الثاني

وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به

 العدل من الأسس والقيم التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية، فأنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25]، أي العدل، فما من كتاب أنزل ولا رسول إلا أمر أمته بالعدل، وأوجبه عليها، والأمم بين طائع آخذ منه بنصيب، وحائد مائل عن العدل والقسط بجهل أو هوى، والرسل ما تزال تجدد ما نسيته الأجيال، وتذكر الناس بما نسوا إلى أن ختمت الرسالات بخاتم الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم-. ولما كانت هذه الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، والنبي -صلى الله عليه وسلم-  خاتم الأنبياء والرسل، وهذه الأمة خاتمة الأمم، والأمة التي جعلها الله شاهدة على الناس وقيمة على البشرية، تبلغها دين الله، وتشهد لها بالإيمان أو عليها بالكفر والعصيان: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فقد كان العدل من أهم ما يجب على هذه الأمة، بل ه و من أعظم ما يميزها عن الأمم، ولم يكتف الحق تبارك وتعالى بإيجاب العدل على هذه الأمة، بل أراد منها أن تجعله خلقا من أخلاقها، وصفة من صفاتها، وصبغة تصطبغ بها من دون الناس، فأمرها أن تكون قائمة بالعدل، بل قوامة به بين الناس لله –عز وجل- لا لأي شيء آخر فلا تحابي فيه قريبا لقرابته ولا تضار عدوا لعداوته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8].

قال الإمام ابن جرير في تفسير هذه الآية: (يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله، وبرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل، في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي، وحدودي في أوليائكم لولايته من لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي واعملوا فيه بأمري)([287]).

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:  (أي: كونوا قائمين بالحق لله –عز وجل- لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا شهداء بالقسط، أي بالعدل لا بالجور (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوا)([288]) وقال في موضع آخر: (أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال)([289]).

فالعدل الذي أمرت به هذه الأمة، حق عام لكل أحد من الناس، لا يحجبه عن مستحقه شنآن ولا عداوة، ولا يحول دونه اختلاف لون لا جنس ولا دين: (إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58].

فالعدل حق لكل الناس وجميع الناس، لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو لكل إنسان بوصفه (إنسان) فهذه الصفة – صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة التي يلتقي عليها البشر جميعا، مؤمنين وكفارا، أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضا، عربا وعجما، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل – متى حكمت في أمرهم-([290]).

العدل و اجب على هذه الأمة ولو كان فيه مراغمة لعواطف البغض والعداوة: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهو كذلك واجب لو كان فيه مراغمة لكافة عواطف الحب والمودة والقرابة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) [النساء: 135]. والأمة مأمورة بأن تقوم بالعدل والقسط والشهادة لله وليس لأحد سواه، وأن يكون ذلك منهم بدافع التقوى والخوف من الله –عز وجل- حتى يصبح الجميع أمام العدل سواء بدون اعتبار لدوافع الحب والولاء والقرابة، أو البغضاء والشنآن والعداوة، لأنها إنما تقوم بالعدل والقسط بين الناس وبأمر الله، والعدل بهذه الصورة الشاملة، لم تعرفه البشرية قط إلا على يد هذه الأمة، ولم تنعم به البشرية قط إلا تحت حكم الأمة المسلمة.

ثانيا: قيام هذه الأمة بالعدل:

لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مثل عليا، أو وصايا تفخر بها دون ممارسة أو تطبيق، ولكنه كان واقعا عاشته هذه الأمة ومارسته، وطبقته في واقع حياتها، على مر تاريخها الطويل، على تفاوت في ذلك التطبيق بين زمان وزمان، ودولة ودولة، وحسب اشتعال جذوة الإيمان في قلوب الحاكمين وخبوئها، غير أن ما يقطع به أنه لم يخل زمان ممن يقيم الحق والعدل، ويقوم بالقسط ويحكم به من هذه الأمة.

وحسبنا أن نذكر فيما يلي صورًا من عدل هذه الأمة فيما بينها، ومع أعدائها وخصومها، وأهل ذمتها وسنختار هذه الصور من واقع الأمة من خلال تاريخها الطويل، ليعلم أن هذه الأمة لم تزل قائمة بالقسط بين الناس شاهدة به على الناس لله، وأنها جديرة بأن تكون الأمة الوسط الشاهدة على البشرية، وأولى هذه الصور نعيشها مع سيد الخلق وإمام العالمين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إمام هذه الأمة ومعلمها الخير، وهو يضرب أروع الأمثلة ويلقن أمته أبلغ دروس العدل والإنصاف والمساواة([291]).

فها هو -صلى الله عليه وسلم- يقيد أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقدح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال، روى ابن إسحاق([292]) أنه -صلى الله عليه وسلم-: (عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح([293]) يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية([294]) وهو مستنتل من الصف، قال ابن هشام([295]): ويقال: مستنصل([296]) من الصف- فطعنه في بطنه بالقدح – وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بطنه: وقال: "استقد". قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: "ما حملك على هذا يا سواد؟" قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخير"([297]).

وجاء يهودي يشتكي إليه أحد أصحابه قائلا: (يا محمد: إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، قال: "أعطه حقه"، قال: والذي نفسي بيده، ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئا فأجع فأقضيه، قال: "أعطه حقه". وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قال ثلاثًا لم يراجع...)([298]).

وكان -صلى الله عليه وسلم- يقيم حدود الله على من وجب عليه ذلك في عدل وإنصاف لا تأخذه في ذلك لومة لائم ولا قرابة قريب ولا مكانة شريف، فها هو -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق البار في قسمه يقول: لو أن ابنته سرقت لأقام عليها الحد، لا يدفعه عنها كونها ابنة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

وأخرج الإمام البخاري عن عائشة -رضي الله عنها-: (أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ومن يجترئ عليها إلا أسامة فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟" ثم قام: فخطب  فقال: "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"([299]).

فإن قيل: هذا محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس غريبا منه هذا العدل، ومن يعدل إن لم يعدل هو؟

قلنا: وهذا رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يهتدي بهدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقيم العدل والقسط بين الناس يحكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه، أخرج الإمام مالك([300]) من طريق سعيد بن المسيب: (أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق...)([301]).

وكان -رضي الله عنه- يأمر عماله أن يوافوه بالمواسم، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانا ضربني مائة سوط، قال: فيم ضربته؟ قم فاقتضي منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد، وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه، قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدي منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين([302]). وإن لم يرضوه لأقاده([303]) -رضي الله عنه-.

وجاء رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العاص واليه على مصر قائلا: (يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟

فكتب عمر إلى عمرو -رضي الله عنه- يأمره القدوم ويقدم بابنه معه، فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس: فضرب، فوالله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما رفع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: اصنع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني([304]).

فانظر إلى هذه المواقف الرائعة لعدالة هذه الأمة، رجل من عامة لاناس وفي رواية أنه ذمي من أقباط مصر، يتظلم فيعطى حقه ويقاد من ابن الأمير يجاء به وبأبيه ليعطي الرجل حقه وينصف، ثم انظر إلى الحاضرين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف أحبوا ذلك وأيدوه (فوالله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه) لا تشفيا منه ولا شماتة بعمرو وابنه، فالقوم فوق ذلك وأبعد ما يكونون عن التشفي والشماتة، ولكنهم جيل أحب العدل وعاشه وتربى عليه على يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك فهو يبغض الجور ولا يحب رؤيته في الأمة ولو كان رجلا مخالفا لها في عقيدتها ودينها وشرعها، ويفرح أشد الفرح لرؤية العدالة ترمي بجذورها في أعماق الأمة ليؤخذ حق ضعفائها وأتباعها من أقويائها([305]).

فإن قيل: هذا الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق ومثله خليق بإقامة العدل في رعيته!

فإليك صورة أخرى بطلها ليس بخليفة ولا أمير، ولكنه رجل من عامة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة([306])، يكل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- خرص مزارع خيبر التي تركها -صلى الله عليه وسلم- بيد اليهود، فيحاول اليهود رشوته ليخفف عليهم في الخرص، فيشتد غضبه -رضي الله عنه- أن ساوموه على أمانته وعدالته ويقول مخاطبًا إخوان القردة والخنازير: (يا معشر اليهود: أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله –عز وجل-، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا فاخرج عنا)([307]).

وأقر اليهود بعدم ظلمه واعترفوا بعدله وإنصافه، فإن قيل هذا صحابي جليل تربى على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فليس ببدع أن يعدل ويحكم بالقسط إذا وكل إليه الحكم في أمر من الأمور.

قلنا: لندع جيل الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جيل فريد الأصل فيهم الخير والعدالة، ولنتجاوزهم إلى غيرهم ممن جاء بعدهم: فهذا شريح القاضي([308]) -رحمه الله-:  يتحاكم إليه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ورجل ذمي فيحكم شريح يرحمه الله للذمي على أمير المؤمنين، فقد أخرج البيهقي([309]) بسنده عن الشعبي([310]) قال: خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا قال: فعرف علي -رضي الله عنه- الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، قال: وكان قاضي المسلمين شريح، كان علي -رضي الله عنه- استقضاه، قال: فلما رأي شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس عليا -رضي الله عنه- في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جانب النصراني، فقال له علي -رضي الله عنه- يا شريح لو كان خصمي مسلما لقعدت معه مقعد الخصم، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا تصافحوهم ولا تبدؤهم بالسلام، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، ولجوهم إلى مضايق الطريق، وصغروهم كما صغرهم الله"([311]). اقض بيني وبينه يا شريح فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ف قال علي -رضي الله عنه- هذه درعي ذهبت مني منذ زمان قال: فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟([312]).

قال: فقال: ما أكذب يا أمير المؤمنين الدرع هو درعي، فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة؟ فقال علي -رضي الله عنه- صدق شريح. قال: فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك، اتبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق، فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قال: فقال علي -رضي الله عنه- أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس عتيق، قال فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين)([313]).

ويبين لنا هذا النص كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة ولا تأخذهم في إقامة العدل لومة لائم، القوى والضعيف، الحكم والمحكوم، المسلم والذمي، الراعي والمرعي، الأمير والحقير كل أمام القضاء سواء. لذا حكم القاضي شريح على أمير المؤمنين -رضي الله عنه- للنصراني بما رأه حقا، وأمير المؤمنين -رضي الله عنه- يرضى بالحكم ويصدق شريحا على صحة ما قضى به، لأنه حكم بمقتضى قواعد الشرع، فكان ذلك كله سببا في إسلام نصراني واهتدائه لما رأي من قيام هذه الأمة في رعاياها وأهل ذمتها بالعدل والقسط الذي هو من أحكام الأنبياء([314]).

المبحث الثالث

اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها

بلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم –إن أرادت- حدًا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه، ومما جعلهم – على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد- يشيدون بعدالة هذه الأمة وسماحتها وقيامها بالقسد مع صومها ومن يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى قبل أبنائها ومواطنيها فنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها، وحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم، فهي شهادة غير متهم ولا محاب، بل هي شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة والرحمة التي مسته مما لم يجد لها مثيلا حتى من بني قومه وعقيدته.

وقديما قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء.

وهذه مجموعة من اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وإنصافها لمن عاش تحت شريعتها منهم.

1- روى البلاذري([315]) من طريق سعيد بن عبد العزيز([316]) قال: بلغني أنه لما جمع هرقل([317]) للمسلمين الجموع وبلغ المسلمون إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص([318]) ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم([319]) ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم...)([320]).

وكان أهل حمص نصارى، صالحهم المسلمون على أن يدفعوا الجزية والخراج ويتكفل ولي أمر المسلمين بحمايتهم، ودفع الأعداء عنهم، وقد كانوا قبل حكم المسلمين تحت حكم الروم وهم على دينهم.

فلما رأى المسلمون أنهم غير قادرين على الوفاء لهم بشرط الحماية ردوا عليهم ما أخذوا منهم، فأكبر ذلك أهل حمص، لأنهم لم يعهدوا مثله في أمة غير المسلمين وأشادوا بعدل المسلمين وحسن ولايتهم عليهم، وأنهم أحب إليهم من الروم مع كونهم على دينهم. وهذه شهادة صريحة بعدالة هذه الأمة التي مارست منهم القرآن في حياتها.

وهذا اعتراف آخر وشهادة أخرى من أهل وادي الأردن: لقد كتبوا إلى قائد المسلمين آنذاك وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح([321]) -رضي الله عنه- معربين عن تمنيهم لحكم المسلمين لما لمسوا من عدالتهم ووفائهم ورأفتهم بهم وأنهم يفضلونهم على الروم وإن كانوا على دينهم، قائلين: (يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا)([322]).

2- شهادة المستشرق توماس و. آرنولد([323]): يقول في كتابه: (الدعوة إلى الإسلام) وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين، موازنا بين سلوكهم وسلوك المسلمين: ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال – التي كان يمارسها الفرس على رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم – بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدًا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس)([324]).

وقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به: (ومن المؤكد أن المسيحيين من أهل هذه البلاد، أي: القدس قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين)([325]).

3- شهادة واعتراف المستشرق الأمريكي وول ديورانت: وهذا مستشرق يهودي صهيوني حاقد وضع في كتابه (قصة الحضارة) السم في الدسم، وطعن في الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم- وتعرض للمسيح –عليه السلام- بالطعن كثيرا، مما يجعلني أن أحذر من هذا الكتاب وأذكر من أراد أن يطلع عليه أن يتوخى الحذر ويتنبه لتلك السموم التي نشرها في كتابه هذا، ومع هذا أراد الله أن يظهر الحق على لسان هذا العدو اللدود.

يقول ديورانت مبينا أوضاع حال أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية: ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون([326]) واليهود، والصابئون([327]) يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وضريبة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله... ولم تكن هذه الضريبة([328]) تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ والأرقام والشيوخ، والعجزة، والعمى، والفقر الشديد. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية... ولا تفرض عليهم الزكاة... وكان لهم على الحكومة أن تحميهم)([329]).

وهذا الشاهد التاريخي من مستشرق يهودي صهيوني يثبت أن المسلمين في الأندلس عاملوا أهل ذمتهم وفق القواعد التي وضعها وحددها الإسلام، وهي قواعد توفر لأهل الذمة الحماية وعدم الظلم وتسبغ الرحمة والعطف على الفقراء وذوي الأعذار، وتوفر لهم حرية ممارسة دينهم، وحرية الاكتساب، وهذا غاية العدل؛ بل هو إلى الفضل أقرب.

4- اعتراف المستشرق ستانلي لين بول:

نقل عنه صاحب (قصة الحضارة) العبارة التالية: لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين)([330]).

ثم عقب المستشرق اليهودي –بقوله-: (ذلك حكم يصدره مستشرق مسيحي عظيم) ثم علب عليه حسده وخبثه وحقده وأراد أن يقلل من شأن هذه الشهادة والإشادة مع اعترافه بصحة حكم إستانلي، قائلا: (قد يتطلب تحمسه شيئا من التقليل من ثنائه، لكن هذا الحكم بعد أن نقص منه ما عساه أن يكون فيه من التحمس يظل مع ذلك قائما صحيحا)([331]).

المبحث الرابع

العدل عند أهل الكتاب

إذا تكلمنا عن العدل عند أهل الكتاب، وبينا ما وصلوا إليه من ظلم وجور، وجنوح عن الإنصاف والقسط، وهم أهل كتاب أنزل الله عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل تترى، ومع ذلك حادوا عن الحق وحرفوا وظلموا وطغوا و استبدوا فكيف بغيرهم من الأمم التي لم تحظ بما حظوا به من توالي الرسالات وكثرة لأنبياء ولذلك نكتفي بالعدل عند أهل الكتاب خشية الإطالة.

وسأبين العدل عند اليهود أولا فيما بينهم، ثم يما بينهم وبين غيرهم من الناس، ثم عن العدل عند النصارى كذلك فيما بينهم، ثم فيما بينهم وبين الأمم الأخرى.

أولا: مبدأ العدل عن اليهود:

أ- العدل فيما بينهم:

لقد أمرهم أنبياؤهم أن يقوموا بالعدل والقسط، وأن لا يتظالموا ولا يظلموا أحدًا، وأنزل الله عليهم التوراة فيها هدى ونور، وفصل لهم فيها الحدود والأحكام والقصاص العادل، كما أخبر الله بذلك في القرآن الكريم، حيث يقول تبارك وتعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: 44-45].

وبقي بين أيدي اليهودي من أسفار التوراة –مع تحريفهم وتبديلهم لها- أثر مما ورد ذكره في القرآن الكريم، وسأورد فيما يلي بعض نصوص أسفار التوراة، التي توجب على اليهود الحكم بالعدل والقسط، وتحذرهم من الظلم والجور في القضاء والكيل والوزن، ففي (سفر اللويين) أن الرب كلم موسى -عليه السلام- قائلا: (لا ترتكبوا جورا في القضاء، ولا تأخذوا بوجه مسكين ولا تحترم وجه كبير، بالعدل تحكم لقريبك)([332]).

وفيه أيضًا: (وإذا نزل عندكم غريب في أرضكم فلا تظلموه، كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر، أنا الرب إلهكم لا ترتكبوا جورًا في القضاء لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل، ميزان حق ووزنات حق وإيفة حق وهبن حق تكون لكم أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر فتحفظون كل فرائضي وكل أحكامي وتعملونها أنا الرب)([333]).

وفيه أيضًا ما يدل على القصاص وأن النفس بالنفس: (وإذا أمات أحد إنسانا فإنه يقتل)([334])، ومن قتل بهيمة يعوض عنها ومن قتل إنسانًا يقتل، حكم واحد يكون لكم، الغريب يكون كالوطني إني أنا الرب إلهكم)([335]).

وفي (سفر الخروج): (من ضرب إنسانا فمات يقتل قتلا)([336])، فقد دل إذن القرآن الكريم، وأسفار التوراة التي بقيت بأيديهم على وجوب العدل عليهم والقصاص الحق عندهم، وتحريم الظلم والجور، فماذا فعل اليهود؟ لقد تلاعبوا بالنصوص وبدلوها وحرفوها، ولم يقوموا فيها بينهم بالعدل والقسط، وفرقوا بين القوى والضعيف، والحاكم والمحكوم والغني والفقير والشريف والوضيع، ولم يعدلوا بين الخلق في إقامة القصاص والحدود، كما أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم في حديث المخزومية التي سرقت فقطع يدها وغضب ممن جاء يشفع فيها وقام فيهم خطيبا قائلا: "أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد..."([337]).

ومن الأدلة على هذه المسلك المشين ليهود ما أخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان قريظة والنظير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فودى بمائة وسق من تمر، فلما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- تل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه لنا نقتله، ف قالوا: بيننا وبينكم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتوه فنزلت على الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) [المائدة: 42]، والقسط النفس بالنفس، ثم نزلت: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50]([338]).

فانظروا كيف مالوا عن حكم الله –عز وجل- وتلاعبوا بحدوده، فأقاموا الحد، والقصاص على الضعيف فيهم، وصرفوه عن ذي المكانة والقوة والمنعة، والعجب لا ينقضي من تمالئهم على ذلك واتفاقهم عليه، وهذا شاهد آخر على اختلاف ميزان العدل عند اليهود، ومبلغ ظلمهم وجورهم، وتعطيلهم لحدود الله –عز وجل-: أخرج الإمام البخاري -رحمه الله-:  عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟" فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام([339]): كذبتهم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك،  فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة"([340]).

وفي رواية مسلم([341]): "أن اليهود حمموا وجه الزاني وجلدوه ولما سألهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلا: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف، والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم.."([342]).

وفي سفر التثنية من التوراة جاء في شأن حد الزاني النص الآتي: (ولكن كان هذا الأمر صحيحا لم توجد عذرة الفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لأنها عملت قباحة في بني إسرائيل بزناها في بيت أبيها، فتنزع الشر من وسطك.

وإذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة، فتنزع الشر من إسرائيل.

إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموها بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك"([343]).

ب- العدل عند اليهود مع غيرهم من الأمم:

إن نظرة اليهود إلى غيرهم من الأمم والشعوب نظرة تعال وازدراء، فهم يرون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه كما أخبر الله عن مقالتهم هذه وكذبهم فيها، فقال جل وعلا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [المائدة: 18].

وكانوا يرون أن غيرهم من الأمم لا حق لهم في عدل ولا نصف، بل ويستحلون منهم الدماء والأنفس والأموال بحجة أن غير اليهود كفار مشركون لا حرمة لهم، وقد نبأنا الله خبرهم وقولهم هذا وعدهم كذبة مفترين في ذلك فقال –عز وجل-: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 75].

ومرادهم بالأميين العرب والمشركين وكل ما ليس بيهودي، روى ابن جرير عن قتادة -رحمه الله-:  في قوله: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب([344]).

وفي أسفار التوراة المحرفة ما يشي بهذا المسك الذي انتهجه يهود تجاه الأمم الأخرى: ففي (سفر الخروج) ضمن الوصايا العشر التي يزعمون أن موسى -عليه السلام- تلقاها من ربه: (لا تشهد على قريب شهادة زور، ولا تشته بيت قريبك لا تشته امرأة قريبك، ولا أمته ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا مما لقريبك)([345]). فمفهوم قوله (قريبك) في هذا النص، أن غير القريب يجوز لهم اشتهاء امرأته وبيته و... وقد فهم اليهود هذا الفهم، ونص (التلمود)([346]) على ذلك كما سيأتي ذكر نصوص منه.

وفي (سفر التثنية) إباحة التعامل بالربا مع غير اليهود، وتحريمه على اليهودي: (للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا)([347]) بل يمنع التلمود إقراض غير اليهودي إلا بربا: (غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا)([348]) ولقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أنه نهاهم عن أكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل وأنهم لما خالفوا وظلموا وأكلوا الربا حرم عليهم بعض الطيبات التي كانت حلالا عقوبة لهم في الدنيا، قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا *وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 160-161].

وهذه بعض النصوص من التلمود التي تسمح لليهود أن تعتدي على أموال الأميين بل ودمائهم وأعراضهم، نسوق منها أمثلة ليتضح مدى ظلم اليهود وجورهم.

1- إباحة دماء غير اليهود:

يقول التلمود: (أقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين)([349]).

(ومن العدل أن يقتل اليهودي بيد كل كافر، لأن من يسفك دم الكافر يقرب قربانا لله)([350])، وكل من ليس بيهودي فهو كافر عندهم.

2- إباحة عرضه:

يقول التلمود: (لا يخطئ اليهودي إذا تعدى على عرض الأجنبي، لأن كل عقد نكاح عند الأجانب فاسد، لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل كبهيمة والعقد لا يوجد مع البهائم وما شاكلها)([351]).

قال ميموند اليهودي: (إن لليهود الحق في اغتصاب النساء الغير مؤمنات، أي الغير يهوديات)([352]).

3- إباحة ماله:

يقول التلمود: (إن الله حلل أموال باقي الأمم لبني إسرائيل لما رآهم قد خالفوا السبع الوصايا المختصة بعبادة الأوثان، والزنى والقتل والسرقة، وأكل لحم الحيوانات الغير مذبوحة، وخصاء الإنسان وإيلاد الحيوان من غير جنسه)([353]).

وفي شأن رد الأموال المفقودة لغير اليهود يقول التلموذ: (إن الله لا يغفر ذنبا ليهودي يرد للأمي ماله المفقود، وغير جائز رد الأشياء المفقودة من الأجانب)([354]).

وبهذا يتضح أن اليهود أهل ظلم وجور وفساد يظلمون الناس ويستحلون دماءهم وأعراضهم وأموالهم ويعدون ذلك دينًا، قاتلهم الله أني يؤفكون.

ثانيا: العدل عند النصارى:

أ- العدل فيما بينهم:

النصارى يتبعون التوراة في الأحكام والتشريعات، وما أمر به اليهود من العدل في الأحكام والحدود، وإيفاء الكيل والوزن وخلاف ذلك فإنه يسري على أمة النصارى كذلك.

لكن لما بغى اليهود وقست قلوبهم، وأحلوا ما حرم الله، وأكلوا أموال الناس بالباطل، جاء المسيح ليردهم إلى الجادة فلم يأمرهم بالعدل فحسب بل تجاوزه إلى الفضل والعفو، وأمرهم ألا يقابلوا الإساءة بمثلها، وأن لا يعتدوا على من اعتدى عليهم؛ بل قال لهم كما جاء في إنجيل (متى) الذين يزعمون أنه مما أنزل على عيسى -عليه السلام- (قد سمعتم أنه قيل: العين بالعين، والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير؛ بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضًا، ومن سخرك ميلا فامش معه اثنين، ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه، وقد سمعتهم أنه قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك، أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا لأجل من يعنتكم ويضطهدكم)([355]).

لكن أمة النصارى لم تهتد، بل حرفت وبدلت فضلت عن سواء السبيل، ولئن كان اليهود مغضوب  عليهم فإن النصارى ضالون، كما ثبت عن المصطفي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في تفسير قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة:7]، قال: "إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى"([356]).

وأول ضلالهم وعظم جورهم وبغيهم أن عدلوا بربهم غيره، وجعلوا له شركاء، إذ جعلوه ثالث ثلاثة، وتارة جعلوا المسيح -عليه السلام- هو الإله، وأخرى ابن الإله، قال تعالى عن كفرهم وضلالهم: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة: 17]، وقال في آية أخرى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: 72].

وقال –عز وجل- في آية أخرى: (اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73]، وقال سبحانه: (وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ)[التوبة: 30].

والشرك بالله، واتخاذ غيره معه، من أعظم الظلم كما أخبر الحق تبارك وتعالى على لسان العبد الصالح لقمان: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13].

ولما نزل قوله –عز وجل-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82]، شق ذلك على الصحابة وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: (يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [إنما هو الشرك"([357]).

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره قوله –عز وجل-: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)،أي هو أعظم الظلم([358]).

فإذا كان القوم قد ارتكبوا أعظم الظلم والجور وظلموا أنفسهم بجعلهم الله أندادًا ومعه شركاء فماذا نتوقع منهم –وقد ضلوا وظلموا- غير الظلم والجور في جل حياتهم، لأنه بنوا دينهم عليه، فلم يكونوا قائمين بالعدل والقسط فيما بينهم، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قصة المخزومية التي سرقت: "إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد"([359])، يشملهم وإن كان هو في اليهود أظهر، وهؤلاء رهبانهم الذين هم عبادهم وعلماؤهم، وهم الصفوة فيهم والقدوة، والذين يفترض أن يكونوا أقرب القوم إلى العدل وعدم الظلم فإذا هم ظلمة جائرين معتدين على أموال الناس بالباطل كما أخبرنا الله بذلك عنهم، وكما يدل عليه واقع الكنائس وسيرتها يقول الله –عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ) [التوبة: 34].

يقول الحافظ ابن كثير: (ذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس، ويأكلون أموالهم بذلك)([360]).

ولعل من أبرز مظاهر ذلك ما تمارسه الكنيسة من إصدار ما عرف بـ(صكوك الغفران)([361])، وهي صكوك يصدرها أهل السلطة في الكنيسة من البانوات والمطارنة والبطارقة، والقساوسة، باسم الكنيسة، يغفر بمقتضاها لحاملها ما اقترفه من الآثام والخطايا في حياته، مقابل أن يدفع مبالغ للكنيسة وهذا إلى جانب كونه أكلا لأموال الناس بالباطل فهو أيضًا قول على الله بلا علم وافتراء عليه، و تعد على ألوهيته -عز وجل- إذ لا يملك غفران الذنوب والعفو عنها إلا هو سبحانه ولكن القوم ضلوا ضلالا بعيدًا.

ومن صور جور هذه الأمة وعدم عدلها، أن كل فرقة وطائفة منها إذا تسلطت على الفرق الأخرى أذاقتها ألوانا من الظلم والبطش والاضطهاد، ولم ترقب فيهم إلا ولا ذمة، يقول د. أحمد شلبي: (تكرر في تاريخ المسيحية حدث عظيم لم يختلف، وهو التجاء الجانب القوى إلى أعنف وأقسى وسائل الاضطهادات والتعذيب، والتنكيل والحرق، والإفناء يسلطها على الجانب الضعيف.. والعجيب أن المسيحيين اضطهدوا من اليهود والرومان، ونزلت بهم الويلات في القرون الثلاثة الأولى، فلما بدأ جانبهم يشتد رأيناهم ينزلون نفس الويلات بمخالفيهم من أبناء دينهم، ومن أتباع الأديان الأخرى، ومن هنا فنيت مذاهب مسيحية كثيرة كان بعضها في وقت ما له الغلبة في العدد، ولكن تنقصه القوة والسلطان، وكان فناء هذه المذاهب بسبب قوة اليهود والرومان أحيانا، وأحيانا بسبب قسوة فرق مسيحية أخرى قويت واشتدت بالأباطرة وذوي النفوذ)([362]).

وهذا مصداق قوله تعالى وتعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: 14].

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:  (... أي فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية([363]) تكفر اليعقوبية([364]) وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية([365]) والآريوسية([366]) كل طائفة تكفر الأخرى...)([367]).

وكمثال على ما ذكر من ظلم أمة النصارى وجور بعضهم على بعض، ما لاقاه أقباط مصر – وهم من الطائفة اليعقوبية- من ظلم واضطهاد على يد أبناء دينهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمونهم قبل الفتح الإسلامي لمصر.

يقول المستشرق توماس آرنولد: (... فإن اليعاقبة –وهم الأقباط- الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين، قد عوملوا معاملة مجحفة من أتباع المذهب الأرثوذكسي([368]) التابعين للبلاط، الذين ألقوا في قلوبهم بذور السخط والحنق اللذين لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم، كان بعضهم يعذب ثم يلقى بهم في اليم، وتبع كثير منهم بطريقهم إلى المنفى لينجوا من أيدي مضطهديهم، وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية، وتظاهر بقبول قرار خلقدونية([369]).

وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط – ذلك اللفظ الذي يطلق على المسيحيين من اليعاقبة في مصر – حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان)([370]).

وكثيرا ما كان الفتح الإسلامي مخلصا لكثير من طوائف النصاري من حقد واضطهاد وظلم، وبجانب عامل العدل والتسامح الذي عرف به الفاتحون المسلمون كان هذا من العوامل التي جعلت الكثير من المسيحيين يفضلون الحكم الإسلامي على حكم أبناء دينهم من أتباع الطوائف الأخرى([371]).

ثالثا: العدل فيما بينهم وبين غيرهم من الأمم:

وإذا فتحنا ملفات التاريخ وجدنا النصارى قد بلغو منتهى الظلم والاضطهاد لمن يقع تحت حكمهم وسلطانهم من أهل الأديان الأخرى من قتلهم وترحيلهم واضطهادهم، وكانت أعمالهم الانتقامية سياسية ثابتة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم، فقد ارتكبوا الكثير من المذابح التي دبرت ونفذت بوحشية بالغة ارتكبوا فظائع وجرائم يندي لها جبين الإنسانية ومن الشواهد التاريخية في ذلك ما فعلوه بسكان بيت المقدس إبان استيلائهم عليها، عندما تخاذل العبيديون للدفاع عنها، إذ اكتفى واليهم آنذاك –افتخار الدولة- بتأمين نجاته مع حرسه الخاص، وترك المدينة للصليبيين يعيثون فيها فسادًا، بعد أن دافع عنها دفاعا هزيلا، ذرا للرماد في العيون([372]).

وإليك ما قاله (القس ريمند) وهو شاهد عيان من النصارى: (وشاهدنا أشياء عجيبة، إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم يعذب عدة أيام، ثم أحرق في النار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيال)([373]).

ويقول المستشرق ستيفن ونسيمان في وصف ذلك: (على أنه لم ينج من المسلمين بحياتهم إلا هذه الفئة القليلة – وهم افتخار الدولة والي العبيدين على القدس وحرسه الخاص – إذ أن الصليبيين وقد زاد في جنونهم ما أحرزوه من نصر كبير بع شقاء وعناء شديد، انطلقوا في شوارع المدينة، وإلى الدور والمساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال والنساء والأطفال، دون تمييز، استمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم وطوال الليل ولم يكن علم تانكرد([374]) عاصما للاجئين إلى المسجد الأقصى من القتل، ففي الصباح الباكر من اليوم الثاني دخلت باب المسجد ثلة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين وحينما توجه ريموند آجيل في الضحى لزيرة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه. وفر يهود بيت المقدس جميعا إلى معبدهم الكبير، غير أنه تقرر إلقاء القبض عليهم بحجة أنهم ساعدوا المسلمين فلم تأخذهم الرحمة والرأفة، فأشعلوا النار في المعبد، ولقي اليهود بداخله مصرعهم محترقين. يقول: (وتركت مذبحة بيت المقدس أثرًا عميقا في جميع العالم، ليس معروفا بالضبط عدد ضحاياها([375]) غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود)([376]).

فانظر الفرق الشاسع بين دخول الصليبيين هذه المدينة المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين دخول القائد المسلم صلاح الدين، وفي الأندلس عندما استولى النصارى الحاقدين ألحقوا بالمسلمين ضروبا من الأذى والظلم والجور والعدوان، يصور ذلك الدكتور توفيق الطويل في إيجاز فيقول:

(وقد استنفدت الكنيسة جهدها في إقناع المسلمين المقيمين في إسبانيا، لكي يرتدوا عن دينهم ويعتنقوا المسيحية دينا، وعلى غير جدوى ما بذلت من جهود، فاستجمعت محكمة التفتيش كل قواها، و اعتصمت بالجرأة والتعصب، وصبت عذابها على المسلمين في غير رفق ولا عدالة حتى اعتنق النصرانية من خر في ميدان الكفاح، وهاجر من خار بين التمسك بعقيدته، واحتمال آلام العذاب، وفي عام 1609 و1910 تم إجلاء ألوف المسلمين عن إسبانيا بعد أن أغرقوا بدمهم أرضها، وكتبوا في المقاومة أنصع الصفحات في تاريخ الجهاد في سبيل الله)([377]).

وأما في العصر الحاضر فأقرب الشواهد إلى الذاكرة على ظلم النصارى ومبلغ حقدهم واضطهادهم، ما فعله نصارى لبنان الموارنة ضد المسلمين الفلسطينيين في مخيمي (صبرا وشاتيلا) من مجازر ومذابح أودت بأرواح الآلاف من قاطني المخيمين مع ما صاحب ذلك من النهب والتدمير الشامل لمحتويات المخيمين وذلك عقب اجتياح الجيش اليهودي الصهيوني لمدينة بيروت وغيرها من المدن اللبنانية عام 1982م، 1402هـ.

يقول أحد شهود العيان: (... دفنت في يوم واحد عددًا إجماليا مائة وثلاثة جثث.. وعندما دخلت المخيم رأيت اللحم ملزقا على الحيطان وتستطيع أن تقول كل أساليب القتل قد استخدمت: الساطور، البارود، الرصاص، العصى، كاتم الصوت... وكان بين الضحايا من كان عمره تسعين سنة... ومن بين الذين دفناهم أطفال أعمارهم بين 6-7 سنوات ونساء من مختلف الأعمار، كانوا أي: النصارى –يقتلون كل شيء يتحرك أمامهم)([378]).

فقد أصبحت معلومة لكل إنسان على وجه المعمورة من اغتصاب وقتل وذبح وتشريد. إن النصارى ما كانوا في عدائهم عدولا، ولا رحماء بمخالفيهم، كما هو شأن الإسلام، فقد كانت أعمالهم بخصومهم تفوق كل وصف، ولولا ما نقله شهود العيان مما أنزلوه بغيرهم من الظلم والعدوان لما استطاع المرء أن يصدق هذه الأعمال الموغلة في الوحشية والشناعة، من قوم لا دين لهم، فضلا عن قوم يدعون انهم أتباع المسيح -عليه السلام-، وبهذه اتضح ملمح من ملامح الوسطية وكيف مارسته أمة الإسلام مقارنا مع غيرها من أهل الكتابين واتضح لنا أنهم حادوا عن العدل إلى الظلم.


الفصل الثالث

اليسر ورفع الحرج

تمهيد:

إن من أول ما يتبادر إلى أذهاننا عندما نطلق كلمة (الوسطية) هو معنى اليسر والتيسير، ورفع الحرج، وهذا الفهم صحيح فإن من أبرز سمات الوسطية: التيسير ورفع الحرج.

وقد تقرر فيما مضى أن هذا الدين هو دين (الوسط) فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط. واليسر ورفع الحرج مرتبة عالية بين الإفراط والتفريط، وبين التشدد والتنطع وبين الإهمال والتضييع.

يقول الدكتور صالح بن حميد: (إن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشدد حرج من جانب عسر التكليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح وعدم تحقيق مصالح الشرع)([379]).

وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، فالتوسط هو منبع الكمالات، والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل)([380]).

ولأهمية بيان عناية الإسلام بهذا الجانب وتأكيده عليه، فسأذكر بعض ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة، وأئمة السلف من الصحابة وغيرهم مع ذكر أقوال بعض المفسرين حول آيات التيسير ورفع الحرج وقبل أن أبدأ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة أذكر تعريفا موجزًا للتيسير ورفع الحرج فأقول:

المبحث الأول

تعريف اليسر والوسع في اللغة والاصطلاح

أ- اليسر والوسع في اللغة:

قال ابن منظور في تعريف اليسر: (اليسر: اللين والانقياد، والميسرة: السعة والغني وتيسر الشيء واستيسر: تسهل، واليسر: ضد العسر)([381]).

ب- في الاصطلاح (عند المفسرين والعلماء):

وذكر الزمخشري -رحمه الله-:  في تعريف اليسر والوسع: (إن الوسع هو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، فالله لا يكلف النفس إلا ما يتسع فيه طوقها، وتيسير عليها دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من شهر ويحج أكثر من حجة)([382]).

وذكر القاسمي في تفسيره أن اليسر: (عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم)([383]).وقال الدكتور صالح بن حميد: (إن اليسر والوسع: ما يقدم عليه الإنسان من غير أن يلحقه مشقة زائدة، ومن غير أن يحتاج لبذل كل ما لديه من طاقة ومجهود)([384]).

المبحث الثاني

رفع الحرج

أ- في اللغة: الحرج: (أضيق الضيق، وحرج فلان على فلان: إذا ضيق عليه)([385]).

ب- في الاصطلاح: (كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا)([386]).

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله:

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [الحج: 78].

(توسعة الإسلام، ما جعل الله من التوبة والكفارات)([387]).

وقال الضحاك([388]) في تفسير الآية: (جعل الدين واسعا ولم يجعله ضيقا). وقال مقاتل بن حيان([389]): (لم يضيق الدين عليكم ولكن جعله واسعا لمن دخله، وذلك أنه ليس مما فرض عليهم فيه إلا وقد ساق إليهم عند الاضطرار فيه رخصة).

وبعد هذا التعريف للحرج يكون رفع الحرج هو:

(إزالة ما يؤدي إلى هذا المشاق الموضحة في التعريف، ويتوجه الرفع والإزالة إلى حقوق الله –سبحانه وتعالى-؛ لأنها مبنية على المسامحة، ويكون ذلك إما بارتفاع الإثم عند الفعل، وإما بارتفاع الطلب للفعل، وحينا يرتفع كل ذلك ترتفع حالة الضيق التي يعانيها المكلف حينما يستشعر أنه يقدم على ما لا يرضي الله، وهذا هو الحرج النفسي والخوف من العقاب الأخروى.

كما يرفع الحرج الحسي حينما يكون التكليف شاقا فيأتي العفو من الله –سبحانه وتعالى- إما بالكف عن الفعل الموقع في الحرج، وإما بإباحة الفعل عند الحاجة إليه)([390]).

المبحث الثالث

أدلة التيسير والوسع ورفع الحرج

من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين

أولا: الأدلة من القرآن الكريم:

وردت آيات كثيرة جدًا تبين أن هذا الدين دين يسر، وأن الله قد رفع الحرج عن هذه الأمة فيما يشاق عليها، حيث لم يكلفها إلا وسعها، وسأبين أدلة التيسير، ثم أدلة رفع لاحرج، ثم أدلة عدم التكليف بغير الوسع والطاقة.

1- أدلة التيسير والتخفيف:

قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28]، وقال -عز وجل-: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) وقال في سورة الشرح: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5-6] وفي سورة الطلاق: (سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)[الطلاق: 7].

هذه بعض الآيات التي تفيد التيسير على هذه الأمة، قال القاسمي في تفسير آية البقرة قال الشعبي: (إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الأمة)([391]).

وقد ذكر المفسرون في تفسيرهم لهذه الآيات أن الله أراد لهذه الأمة اليسر ولم يرد لها العسر([392]).

2-  أدلة رفع الحرج:

من أقوى الأدلة في الدلالة على رفع الحرج قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78].

قال الطبري في تفسير هذه الآية: (جعل الدين واسعًا ولم يجعله ضيقا). قال ابن كثير: (أي: ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا)([393]).

وقال سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]، وفي سورة التوبة: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: 91].

وقال في سورة الأحزاب: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ ) [الأحزاب: 38]. وفي سورة النور: (لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ) [النور: 61].

وفي هذه الآيات دلالة ظاهرة على رفع الحرج عن هذه الأمة، وأن الله لم يجعل في التشريع حرجا، وبعض هذه الآيات وإن كانت خاصة في أحكام معينة، ولكننا نجد التعليل عاما، فكأن التخفيف ورفع الحرج في هذه الأحكام والفروض بإعادة الشيء إلى أصله وهو رفع الحرج عن هذه الأمة، فكل شيء يؤدي إلى الحرج لسبب خاص أو عام فهو معفو عنه، رجوعا إلى الأصل والقاعدة([394]).

3- أدلة عدم التكليف بما يضاد الوسع والطاقة:

 قال سبحانه في سورة البقرة: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال الله تعالى كما في الحديث الصحيح: "قد فعلت"([395])، وكذلك قوله: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) [البقرة: 286].

قال الدكتور صالح بن حميد: (والوسع ما يسع الإنسان فلا يعجز عنه ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، فقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) أي: لا يحملها إلا ما ت سعه وتطيقه ولا تعجز عنه أو يحرجها دون مدى غاية الطاقة، فلا يكلفها بما يتوقف حصوله على تمام صرف القدوة، فإن عامة أحكام الإسلام تقع في هذه الحدود، ففي طاقة الإنسان وقدرته الإتيان بأكثر من خمس صلوات وصيام أكثر من شهر، ولكن الله جلت قدرته ووسعت رحمته أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بها العسر)([396]).

ومن الأدلة على أن التكليف بحدود الوسع والطاقة قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الأعراف: 42] ويقول سبحانه في سورة المؤمنون: (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا).

قال القاسمي: (فسة الله جارية على أنه لا يكلف النفوس إلا وسعها)([397])، وجاء التأكيد على هذه القاعدة عند ذكر بعض الأحكام الفرعية فقال سبحانه: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 233].

 

وكذلك في سورة الطلاق: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) [الطلاق:7]، وكذلك أيضًا في سورة الأنعام: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [الأنعام: 152].

هذه هي الآيات التي وردت مبينة أن التكليف بحسب الوسع والطاقة، لا شك أن الأحكام الشرعية إذا كانت مطلوبة في حدود الوسع والاستطاعة دون بلوغ الطاقة، ففي ذلك الدلالة الظاهرة على أن الحرج مرفوع، وأن اليسر سمة هذا الدين، والتوسعة على العباد خاصة من خصائصها، فهي الحنيفية السمحة والوسطية التي لا عنت فيها ولا مشقة([398]).

ثانيا: الأدلة من السنة النبوية:

نعت الله نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنه رحيم بأمته يعز عليه كل ما فيه مشقة عليهم قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128]، وظهرت شفقته ورحمته بأمته في السنة النبوية في أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله وجميع سيرته، بل كان عليه الصلاة والسلام يخشى أن يكون قد أمر أمته أو سلك فيهم طريقا فيه مشقة أو إعنات، كما كان عليه أفضل الصلاة والسلام ينهي أصحابه عن سلوك طريق التعمق والتشدد، وسأبين أحاديث وردت في يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه، وأحاديث توضح لنا خشية النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قد شق على أمته، وأحاديث في أمر الصحابة بالتخفيف عن التعمق والتشديد وإنكار ذلك عليهم.

وما سأذكره من أحاديث يبين أن الدين كله يسر لا عسر فيه ولا حرج، وفيه ما يتعرض لقضايا جزئية كبعض أحكام الصلاة و نوافل العبادات، ولا شك أن كل ذلك يدل بمجموعة دلالة قاطعة على رفع الحرج عن هذا الدين وبعده عن العسر والمشقة.

أ- أحاديث في بيان يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه:

1-         أخرج البخاري في صحيحه تعليقا: "قيل يا رسول الله: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة"([399]).

2-         أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أرسل معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- قال لهما: "يسرًا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفر"([400]).

3-         وأخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الدين يسر ولن يشاد ا لدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا"([401]).

4-         روت عائشة -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا"([402]).

5-                           وفي مسند الإمام أحمد، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره"([403]),

وأهل الكتاب يعلمون أنه -صلى الله عليه وسلم- قد بعث بالتخفيف واليسر ولهذا لما زني رجل منهم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف إلى آخر القصة التي أنكروا فيها الرجم في شريعتهم([404]).

ب- أحاديث تدل على خشيته -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قد شق أمته:

ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- جملة أحاديث تدل على شفقته التامة على أمته، وخشيته أن يكون قد جلب عليها ما يعنتها أو يشق عليها وتجنبه كل طريق يؤدي إلى ذلك وإليك بعض منها:

1- صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراويح ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، -وفي الرواية الأخرى- فتعجزوا عنها"([405]).

2- قال -صلى الله عليه وسلم-: "لولا  أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"([406])، بل أنه عليه الصلاة والسلام يخفف الصلاة ويتجوز فيها – وهي قرة عينه وفيها الراحة التي ينشدها – رفقا بحال المؤمنين ومراعاة لضعفهم و انشغال بالهم ودفعا لكل ما يدخل المشقة عليهم.

3- قال -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أو أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه"([407]).

والأحاديث في هذا الشأن من باب المثال لا من باب الحصر.

ج- في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالتخفيف ونهيهم عن التعمق والتشديد وإنكار ذلك عليهم:

بل كان -صلى الله عليه وسلم- يتتبع أحوال بعض الصحابة الذين ينسب إليهم ذلك فينكر عليهم ويوجههم إلى طريق اليسر والاعتدال، وهذه مجموعة من الأحاديث التي توضح هذا وتبينه:

1- كان معاذ بن جبل([408]) -رضي الله عنه- يصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يأتي فيؤم قومه، فصلي ليلة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله فلأخبرنه، فأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: إنا أصحاب نواضح – وهي الإبل التي يستقي عليها –نعمل بالنهار، وإن معاذا صل معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على معاذ فقال: "يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا" وفي الرواية الأخرى: "سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى والضحى"([409]).

2- جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، يقول راوي الحديث – وهو أبو مسعود الأنصاري([410])- فما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: "أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة"([411]).

بل قد بلغ الحال ببعض الصحابة رضوان الله عليهم، أن أرادوا الأخذ بعزائم الأمور ومخالفة الرسول في بعض ما كان يترخص به – ظنا منهم أنه طريق التقوى والخشية- وأن ترخصات النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة به لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وكأن هؤلاء القوم فهموا أن الأخذ بالأشد هو الأتقى وهو الأقرب إلى الله –سبحانه وتعالى-، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوضح لهم أن الطريق الصحيح هو في الاتباع والاقتداء، وأن اتباع اليسر والسهولة والأخذ برخص الله هو منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو أعلم الناس بشرعة وأشدهم له خشية([412]).

3- يوضح ذلك: ما روته عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: "إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"([413]).

فهو -صلى الله عليه وسلم- الجامع للقوتين العلمية وعمله ومنهجه هو المنهج المستقيم، وفي هذا الحديث بيان أن الطريق الصحيح والمنهج السليم هو الوقوف عند ما حدده الشرع من عزيمة أو رخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له، كما أعلمهم -صلى الله عليه وسلم- أنه وإن كان الله قد غفر له، لكنه مع ذلك أخشى الناس لله وأتقاهم فما فعله -صلى الله عليه وسلم- من عزيمة أو رخصة فهو في غاية التقوى والخشية، ومن هنا ندرك غضبه -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء الذين حاولوا سلوك منهج التعمق والتشدد ظنا منهم أن ذلك طريق النجاة، وإذا فلا غرابة أن رأيناه -صلى الله عليه وسلم- يتعقب الذين يلتزمون التشديد والأخذ بالأشق([414]).

4- ودخل -صلى الله عليه وسلم- مرة المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "حلوه ليصل أحكم نشاطه فإذا فتر فليرقد"([415]).

5- وفي السنن عن عقبة بن عامر([416]) أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب" وفي رواية: "إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب"([417]).

هذه هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطريقته: سلوك الطريق الوسط وأتباع اليسير، وسلوك غير ذلك رغبة في سنة رسول الله – فيه الخطر الشديد والوعيد العظيم المؤدي إلى منهج التنطع والإفراط، بل لقد ثبت نهيه -صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه عن التشديد والتكلف ممن التزموا هذا الجانب ما يؤدي بهم إلى الانقطاع وعدم التمكن من المواصلة وإهمال حقوق وواجبات للنفس والأهل وكل من له به تعلق.

6- فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-([418]) يقول: "قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم تصوم النهار وتقوم الليل؟" فقلت: بلي يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صم وأفطر وثم ونم فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله"، فشددت فشدد علي، قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: "فصم صيام نبي الله داود -عليه السلام- ولا تزد عليه"، قلت: وما كان صيام نبي الله داود -عليه السلام-؟ قال: "نصف الدهر"، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي -صلى الله عليه وسلم-([419]).

7- وحينما نهي عليه الصلاة والسلام عن الوصال في الصيام: فقال له رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: "وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين"، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، وفي الرواية الأخرى قيل: إنك تواصل؟ قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تطيقون"([420]).

وتوجيهات رسول الله في هذا مما يجل عن الحصر في مثل هذا المقام فالسهولة والرفق والأخذ بالأيسر ومراعاة الأحوال ديدنة -صلى الله عليه وسلم-.

ثالثا: فهم الصحابة والتابعين لرفع الحرج في الشريعة:

أ- الصحابة:

صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هم الفئة الذين اختارهم الله ليشاهدوا تنزل الوحي، ويسمعوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقواله، ويشاهدوا أفعاله ويأتمروا بأوامره مباشرة، ويسترشدوا بتوجيهاته ويقتدوا بتطبيقاته، فهم الذين عاشوا عصر النبوة، كما عاشوا الإسلام خالصا نقيا لذا فإن أفعالهم وأقوالهم نماذج عملية لإرادة تطبيق الإسلام النقي الصافي، وفي هذا المقام سأورد بعضا مما أثر عنهم مما يوضح جوانب عملية في التطبيق والفتوى في العصر الإسلامي الأول بكل ما يتمتع به من سهولة ويسر.

1- يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في وصف منهج إخوانه من الصحابة والاقتداء بهم: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"، "أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"([421]).

ويقول أيضًا: "إياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق"([422]).

هؤلاء هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو منهجهم رسوخ في العلم وبعد عن التكلف وصلاح في القلوب ومقاومة للتنطع والتشدد لقد كانوا على الهدى المستقيم والطريق الواضح.

2- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (كنا عند عمر -رضي الله عنه- فسمعته يقول: "نهينا عن التكلف"([423]).

قال الدكتور صالح بن حميد: (هذه الصيغة وإن كان لها حكم المرفوع، غير أنها تدل على أن البعد عن التكلف هو منهج عمر وغيره من الصحابة)([424])، وقد مر عمر -رضي الله عنه- في طريق فسقط عليه شيء من ميزاب، فقال رجل مع عمر: (يا صاحب الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر -رضي الله عنه-: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا، ومضى)([425]).

ب- التابعين:

نهج التابعون -رضي الله عنه- نهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام علما وعملا وتوجيها وإرشادًا واقتداء، ولقد كان من طريقهم البعد عن الشدة والتكلف والأخذ باليسير من الأمر وإليك أمثلة من أقوالهم.

1- قال الإمام الشعبي -رحمه الله-: (إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق([426]) لقوله تعالى:

(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]([427]).

2- وقال معمر([428]) وسفيان الثورى([429]): (إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد)([430]).

3- وقال إبراهيم النخعي([431]): (إذا تخالجك أمران فظن أن أحبها إلى الله أيسرهما)([432]) فإن المتأمل لهذه الآثار من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة يلحظ أن هذا المعنى غائب عن واقع وفهم كثير من المسلمين، وقليل منهم من يدرك هذه الحقيقة ويتعامل معها، حيث إنه يوجد هناك من لو سئل عن هذا الأمر لأجاب الإجابة الصحيحة، ولكن عند التأمل في واقعه وتعامله والتزامه ومنهجه لا نجد إلا الإفراط أو التفريط.

والعجب أن بعض هؤلاء كأنه أغير على دين الله من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل من الله جل وعلا الذي يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [الحج: 78]، ويقول تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، ويقول: (يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28].

وهذا لا يعني –أيضًا- التفريط والتساهل والتهاون بحجة أن هذا الدين يسر، والتوسعة إلى الشارع لا إلى أهواء الناس ورغباتهم وما ألفوه ودرجوا عليه، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء (كلا طرفي قصد الأمور ذميم) ثم إن قضية التيسير والتوسعة قضية منهج متكامل وليست تتعلق بجزئية أو جزئيات كما يتصور بعض الناس.

وبهذا التعريف والشمول ندرك أن هذا الأمر يندرج في منهج الوسطية، التي هي سمة من سمات هذه الأمة، وخاصية من خصائصها، فلن نستطيع أن ندرك حقيقة الوسطية إلا إذا فهمنا سمة اليسر والتوسعة ورفع الحرج، وألا تصبح الوسطية معنى مفرغا من حقيقته، وقولا نظريا لا وجود له في الواقع، وبذلك يفقد هذا الدين خاصة لها أثرها في حياة الناس ومآلهم([433]).


الفصل الرابع

الحكمة

تمهيد:

إن الحكمة ملمح من ملامح الوسطية، وبيان هذا: أن التوسط هو توسط معنوي، وتحديد هذا التوسط يكون بمراعاة جميع الأطراف، تحقيقا للمصالح، ودرءا للمفاسد، وهذه هي الحكمة الشرعية وبعبارة أخرى: فإن الوسطية أمر نسبي، يخضع تحديده لعوامل عدة لابد من مراعاتها، ولا يتحقق ذلك إلا بإتقان الحكمة. ومن أجل إلقاء مزيد من الضوء على هذه الحقيقة سأبين الحكمة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي وعند المفسرين وأنواعها ودرجاتها وبعض الأمثلة في تطبيقها.

المبحث الأول

الحكمة في اللغة والاصطلاح

أ- في اللغة: جاءت الحكمة في اللغة بعدة معان، منها:

1-         تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، وأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد([434]).

2-         والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم([435]).

3-                           والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيما: قد أحكمته التجارب([436]).

4-         والحكم والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مفعل([437]).

5-                           والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل([438]).

6-         والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سميت حكمة اللجام، لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها ويزاد عليها ما ليس منها. 
والحكمة من هذا، لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكمة وحكيم عن التكثير([439]).

7-         والحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس، سميت بذلك، لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة، لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل([440]).

8-         والحكم: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانا تحكيما: منعته عما يريد([441]).

استعملت في عدة معان تتضمن معنى المنع:

فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم.

والحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب.

والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل.

والنبوة والقرآن، والإنجيل: فالنبي إنما بعث لمنع من بعث إليهم من عبادة غير الله، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية التي أنزلها الله تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.

ومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:  (الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه)([442]).

ب- تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي:

ذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم  والسنة النبوية([443])، واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة هي النبوة وقيل: القرآن، والفقه به: ناسخة ومنسوخة، ومحكمة ومتشابهة، ومقدمه ومؤخره، وحلال وحرامه وأمثاله.

وقيل: الإصابة في القول والفعل: وقيل: معرفة لاحق والعمل به، وقيل: العلم النافع والعمل الصالح، وقيل: الخشية لله، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين الله، وقيل: العلم والعمل به، ولا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة([444])، وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولا في تعريف الحكمة([445]).

(وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الأحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه بعلم الامتناع من السفه الذي هو كل فعل قبيح...)([446]).

وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذه الأقوال في تعريف الحكمة هو: (الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه)([447]).

فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف، لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل: يقال: إن فلانا لحكيم بين الحكمة، يعني: أنه بين الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهما، خاشيا لله، فقيها عالما، عاملا بعلمه، ورعا في دينه... والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها، لأن الأنبياء عليه الصلاة والسلام مسددون، مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور([448]).

والحكمة في كتاب الله نوعان([449]): مفردة ومقرونة بالكتاب فالمفردة كقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]، وقوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: 269]، وقوله سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان: 12].

وهذه الحكمة فسرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة، وهذا النوع كثير في كتاب الله. أما الحكمة المقرونة بالكتاب، فهي السنة من أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ) [البقرة: 129].

المبحث الثاني

العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي

عند التأمل والنظر نجد علاقة قوية بين المعنى اللغوي والشرعي فكلاهما يجعل العلم النافع، والعمل الصالح الصواب المحكم المتقن أصلا من أصول الحكمة، وعلى هذا فيكون التعريف الجامع المانع للحكمة هو: (الإصابة في القول والعمل والاعتقاد ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان)([450]). والله أعلم.

وبهذا التعريف يتبين ويتضح أن الحكمة لا تقتصر على الكلام اللين أو الترغيب، أو الحلم، أو الرفق، أو العفو... بل هي إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل جميع الأمور منازلها، فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في مواضعها، وتوضع الموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند في موضعها كما قال -عز وجل-: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت: 46]، ويوضع الزجر، والقوة، والغلظة، والشدة والسيف في مواضعها، وهذا هو عين الحكمة، وقد قال أحكم الحاكمين لسيد الحكماء والناس أجمعين: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) [التوبة:73] كل ذلك بإحكام وإتقان ومراعاة لأحوال المدعوين، والأزمان، والأماكن في مختلف العصور والبلدان، وبإحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان([451]). ومن أراد البرهان العملي على ذلك فعليه أن ينظر إلى ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعاملته لأصناف الناس، وهو الذي أعطاه الله من الحكمة ما لم يعط أحدًا من العالمين([452]).

ومن أفضل التعريفات للحكمة التي يعرف بها علاقتها بالوسطية تعريفي الشيخ عبد الرحمن السعدي، والأستاذ سيد قطب رحمهم الله.

قال عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-:  (الحكمة: هي العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، ثم قال: وجميع الأمور لا تصح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء في مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام)([453]).

وقال سيد قطب -رحمه الله-:  (القصد والاعتدال وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال)([454]).

وكلامهما في غاية الدلالة على صلة الحكمة بالوسطية.

وقال ابن القيم -رحمه الله-:  (وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: أنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان)([455]). وقال في موضع آخر: (هي: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي)([456]).

وقوله: (على الوجه الذي ينبغي)، من أقوى دلالات الوسطية، وقال في موضع آخر: (الحكمة أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه)([457]).

ونخلص مما سبق: أن الحكمة لابد من اعتبارها عند تحديد معنى الوسطية؛ بل إن الالتزام بالوسطية وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط هو عين الحكمة وجوهرها، وذلك أن الخروج عن الوسطية له آثاره السلبية، إما عاجلا، أو آجلا، وهذا يخالف الحكمة وينافيها.

ومن الأمثلة التي توضح ذلك:

أمر الابن بالصلاة لسبع سنين، وضربه عليها ضربا غير مبرح بعد بلوغ العاشرة، فإننا نجد التوسط في هذه القضية ظاهرا بين الإفراط والتفريط، وهذه هي الحكمة، حيث فرق بين من لم يبلغ السابعة، وبين من بلغها، وكذلك من بلغ العاشرة يختلف أمره، ثم من أدرك الحلم يختلف عما سبق.. وهكذا، فقد نزل الأمور منازلها، ووضع الأشياء مواضعها، وصدق الله العظيم (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: 269].

المبحث الثالث

أنواع الحكمة

النوع الأول: حكمة علمية نظرية، وهي الإطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقا وأمرًا، قدرًا وشرعًا.

النوع الثاني: حكمة عملية، وهي وضع الشيء في موضعه([458]).

فالحكمة النظرية مرجعها إلى  العلم والإدراك، والحكمة العملية مرجعها إلى فعل العدل والصواب، ولا يمكن خروج الحكمة عن هذين المعنيين؛ لأن كمال الإنسان في أمرين: أن يعرف الحق لذاته، وأن يعمل به، وهذا هو العلم النافع والعمل الصالح.

وقد أعطى الله -عز وجل- أنبياءه ورسله ومن شاء من عباده الصالحين هذين النوعين، قال تعالى عن إبراهيم -عليه السلام- (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) وهو الحكمة النظرية، (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83)، وهو الحكمة العملية.

وقال تعالى لموسى -عليه السلام- (إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) [طه: 14]، وهو الحكمة النظرية (فَاعْبُدْنِي) وهو الحكمة العملية.

وقال عن عيسى -عليه السلام- (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) وهي الحكمة النظرية، (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم: 30-31]، وهو الحكمة العملية.

وقال في شأن محمد -صلى الله عليه وسلم-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وهو الحكمة النظرية، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد: 19]، وهو الحكمة العملية([459]).

الحكمة العملية لها ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: (أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه) لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم ولا تتأخر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعة وقدره، ولا تتعدى بها حدها فتكون متعديا مخالفا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عن فتفوتها، وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا، فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقى الأرض، وتعدى الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، وتعجيلها قبل وقتها كحصاده قبل إدراكه وكماله، وهذا يكون فعل ما ينبغي على الوجه الأكمل في الوقت المناسب([460]).

الدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده، وإحسانه في وعده، وعدله في أحكامه الشرعية والكونية الجارية على الخلائق، فإنه لا ظلم فيها ولا جور.

قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]، وكذلك معرفة بره في منعه، فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه، فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته بقدر ما تقتضيه حكمته، فما أعطى إلا بحكمته ولا منع إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته.

الدرجة الثالثة: البصيرة، وهي قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة([461]) والبصيرة هي أعلى درجات العلم التي تكون نسبة العلم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة ثم المخلصين من أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أعلى درجات العلماء([462]) قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108]، فقد أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يخبر الناس أن هذه طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، وعلم وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي([463]).

والبصيرة في الدعوة إلى الله تنقسم إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن يدعو الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالما بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه، لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجبا وهو في شرع الله غير واجب فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرما وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم.

الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو: الدينية، والاجتماعية، والاعتقادية والنفسية والعلمية، والاقتصادية حتى يقدم له ما يناسبه.

الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة([464]) وقد رسم الله طرق الدعوة ومسالكها في آيات كثيرة منها: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) [يوسف: 108]، وهذه قاعدة قوية متينة في الدعوة إلى الله تعالى ثم تكون هذه القاعدة متفرعة إلى ثلاثة أبواب: وهي الدعوة إلى الله: بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن([465]). قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل: 125].

 

 

أما الباب الرابع: في الدعوة إلى الله باستخدام القوة عند الحاجة إليها كما قال تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت: 46]، ولا شك أن أحسن الطرق في دعوة الناس طريق القرآن، ومخاطبته لهم، ومجادلتهم([466]).

المبحث الرابع

أركان الحكمة

توطئة: الحكمة أركان ودعائم تقوم عليها وأركانها التي تقوم عليها، ثلاثة هي: العلم، والحلم، والأناة، وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها: الجهل، والطيش، والعجلة، ولا حكمة لجاهل ولا طائش، ولا عجول([467]).

أولا: العلم:

العلم من أعظم أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد: 19]، وقد بوب الإمام البخاري -رحمه الله-: لهذه الآية بقوله (باب: العلم قبل القول والعمل)([468]).

وذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ثم أعقبه بالعمل في قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل([469]) والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد يكون علم من غير الرسول، ولكن في أمور دنيوية، مثل الطب والحساب، والفلاحة والتجارة([470]) ولا شك أنه لا ينهي عن العلم إلا قطاع الطريق، ونواب إبليس وشرطه([471]).

وقد قسم الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:  العلم النافع –الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها – إلى ثلاثة أقسام، فقال -رحمه الله-:  (والعلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورثه الأنبياء كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"([472]).

وهذا العلم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: علم بالله وأسمائه وصفاته وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسي ونحوهما.

القسم الثاني: علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وهو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص والوعد والوعيد وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك.

القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالنا، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام ويندرج فيه العلم بالأقوال، والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه ما وجد من كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال فإن ذلك جزء من جزء من علم الدين.

والناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرب رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم ولا من الإيمان ما يتميز به على من أتى القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم قال -صلى الله عليه وسلم- "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)([473]).

فقد كان الرجل حافظا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنا؛ بل يكون منافقا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان، وأما الذي أوتى العلم والإيمان، فهو مؤمن حكيم عليهم، وهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مع اشتراكهما في الإيمان فهذا اصل يجب معرفته([474]).

والعلم النافع هو أعظم أركان الحكمة التي من أوتيها فقد أوتى خيرًا كثيرًا وهو ما كان مقرونا بالعمل، أما العلم بلا عمل، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة، ولهذا حذر الله المؤمنين من أن يقولوا ما لا يفعلون، رحمة بهم، وفضلا منه وإحسانا فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: 2-3].

وحذرهم من كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله -عز وجل- لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ) [البقرة: 159].

وهذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموه من شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالة على الحق، المظهرة له، والعلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم، ومن نبذ ذلك، وجمع بين المفسدتين: كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، لعنه الله ولعنه جميع الخليقة؛ لسعيهم في غش الخلق وفساد دينهم، وإبعادهم عن رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح دينهم؛ ولأنه قربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله([475]).

وقد بين -صلى الله عليه وسلم- أن: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألحم يوم القيامة بلجام من نار"([476])، فتبين بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به، ولهذا قال سفيان([477]) في العمل بالعلم والحرص عليه: (أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله)([478])، وقال -رحمه الله-: (يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر)([479]).

وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (تعلموا، تعلموا فإذا علمتم فاعملوا)([480]).

وقال -رضي الله عنه-: (إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه)([481]).

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: (يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقا فيضاهي بعضهم بعضا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله -عز وجل-)([482]).

وقال أبو الدرداء([483]) -رضي الله عنه-: (لا تكون تقيا حتى تكون عالما، ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا)([484]).

قال الشاعر:

إذا العلم لم تعمل به كان حجة

 

عليك ولم تعذر بما أنت جاهله

فإن كنت قد أوتيت علما فإنما

 

يصدق قول المرء ما هو فاعله([485])

وبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة –التي هي من ملامح الوسطية- إلا باقترانه بالعمل، وقد كان علم السلف الصالح –وعلى رأسهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- - مقرونا بالعمل، ولهذا كانت أقوالهم وأفعالهم، وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها"([486]).

وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بالحكمة والفقه في الدين، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم علمه الحكمة"، وفي لفظ "اللهم علمه الكتاب" وفي لفظ "اللهم فقهه في الدين"([487]).

فكان -رضي الله عنه- حبرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بهما استجابة لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

أسباب وطرق تحصيل العلم:

والعلم النافع له أسباب ينال بها وطرق تسلك في تحصيله وحفظه من أهمها:

1- أن يسأل العبد ربه العلم النافع، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه وقد أمر الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بسؤاله أن يزيده علما إلى علمه([488]).

فقال تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما"([489]).

2- ومنها الاجتهاد في طلب العلم، والشوق إليه، والرغبة الصادقة فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب الكتاب والسنة([490])، وقد جاء رجل إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- فقال: (إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال أبو هريرة -رضي الله عنه- كفي بتركك له تضيعا)([491]). ولهذا قال بعض الحكماء عندما سئل: ما يجتمع، (علم علمك من يجهل، وتعلم ممن يعمل، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت)([492]).

ولهذا قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:

أخي لن تنال العلم إلا بستة

 

سأنبئك عن تفصيلها ببيان

ذكا وحرص، واجتهاد وبلغه

 

وصحبة أستاذ وطول زمان([493])

3- ومنها: اجتناب جميع المعاصي بتقوى الله تعالى فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: 282]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ) [الأنفال: 29]، وهذا واضح بين أن من اتقى الله جعل له علما يفرق به بين الحق والباطل([494])، ولهذا قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعلمه)([495]).

وقال عمر بن عبد العزيز([496]) -رحمه الله-:  (خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطأ([497]) كانت فيه وصمة([498]) أن يكون: فهما، حليما، عفيفا، صليبا([499]) عالما سؤولا عن العلم([500]).

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

 

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن علم الله نور

 

ونور الله لا يهدي لعاصي([501])

وقال الإمام مالك للإمام الشافعي رحمهما الله تعالى: (إني أرى الله قد جعل في قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية)([502]).

4- ومنها: عدم الكبر والحياء عن طلب العلم، ولهذا قالت عائشة -رضي الله عنهما- (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)([503]).

وقال مجاهد: (لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر).

5- ومنها: بل أعظمها وليها: الإخلاص في طلب العلم، قال -صلى الله عليه وسلم- "من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله -عز وجل-: لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"([504])، يعني ريحها.

6- العمل بالعلم: ومما تقدم يتضح أن العلم لا يكون ركنا من أركان الحكمة ودعائمها إلا بالعمل، والإخلاص، والمتابعة، وبذلك تدخل هذه الأمور في ملامح الوسطية.

ثانيا: الحلم:

الحلم: بالكسر: العقل([505])، وحلم حلما: تأني وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة، وصفح، وعقل([506]) ومن أسماء الله تعالى: (الحليم) وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارا فهو منته إليه([507]) والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب([508]).

والحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقل ولا تبصر كان على رذيلة، وإن تبلد، وضيع حقه ورضى بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلى بالحلم مع القدرة، وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.

وهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعا من طبائعها كان ذلك هو الحلم، والله أعلم([509]).

وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم  كقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [آل عمران: 155]، ونلاحظ أن الآيات التي وصفت الله بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [فاطر: 45].

ونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) [الحج: 59]، وهذا يفيد  -والله أعلم بمراده- أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم أركان الحكمة([510]) التي هي من أهم ملامح الوسطية.

ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة –التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله -مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- للحلم وتعظيمه لأمره وأنه من الخصال التي يحبها الله، قوله للأشج([511]): "إن  فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة"([512]).

وفي رواية الأشج: يا رسول الله، أنا تخلقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: "بل الله جبلك عليهما" قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله([513]).

وسبب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك للأشج ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقربه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبي قاتلناه، قال: "صدقت، إن فيك خصلتين.."([514]).

فالأناة: تربصه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب...([515])، ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.

وقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال ولكن حملوا عليهم، ورفقوا بهم حتى جاءهم نصر الله، وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم، وخاتمهم -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن غريبا أن يوجهه الله تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 199-200].

(وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: 34]، وقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].

وقد بلغ -صلى الله عليه وسلم- في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله تعالى الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًا منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنت أمشى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضحك، ثم أمر له بعطاء"([516]).

وهذا من روائع حلمه -صلى الله عليه وسلم- وكماله وحسن خلقه وصفحة الجميل وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وليتأس به الدعاة إلى الله، والولاة بعده في حلمه وخلقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن([517]).

2- وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- "أنه غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل نجد، فلما قفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قفل معه، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة، وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: "إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلته" فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: "الله" ثلاثا ولم يعاقبه وجلس"([518]).

وفي هذا دلالة واضحة على قوة يقينه بالله، وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال، وشدة رغبته في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولهذا ذكر أن هذا الأعرابي رجع إلى قومه وأسلم، واهتدى به خلق كثير([519]). وهذا مما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها.

3- ومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم فيهلكهم الله ويدمرهم، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم أو إسلام ذريتهم، ولهذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه- كأني أنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم  عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"([520]).

ومما يدل على أن الحلم ركن من أركان الحكمة ملازمة صفة الحلم للأنبياء قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوتهم إلى الله تعالى.

فهذا إبراهيم أبو الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، قد بلغ من الحلم مبلغا عظيما حتى وصفه الله بقوله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ  وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: 114].

فقد كان إبراهيم كثير الدعاء، حليما عمن ظلمه وأناله مكروها، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا* قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا *وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) [مريم: 46-48].

فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له، واستغفر([521]) ولهذا قال تعالى: () [التوبة: 114]، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين، كانوا من أعظم الناس حلما مع أقوامهم في دعواتهم إلى الله تعالى([522]).

ومن وراء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى الله والصالحون من أتباعهم، إذا كان الله -عز وجل- قد جعل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- مثلا عاليا في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول تعالى عن الأخيار من هؤلاء: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) [الفرقان:36]، فمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما.

وينبغي أن يعلم أن الغضب لله يكون محمودًا، ولا يدخل في الغضب المذموم، فالغضب المحمود يكون من أجل الله عندما ترتكب حرمات الله، أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإيمان ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحلم والحكمة، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادمًا، ولا امرأة إلا أن يجاهد في سبيل الله، وقد خدمه أنس بن مالك -رضي الله عنه- عشر سنوات، فما قال له أف قط، ولا قال له لشيء فعله: لم فعلت كذا؟، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا([523]).

وهذا لا ينافي الحلم والحكمة، بل الغضب لله في حدود الحكمة من صميم الحلم والحكمة وقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: 231]، وقوله: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164]، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: 2]. وغير ذلك من الآيات.

وممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب والسنة: الإمام الشافعي([524]) والإمام ابن القيم([525])، وغيرهما من الأئمة([526]).

ثالثا: الأناة

الأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تأني في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة([527]) ويقال: تأنى في الأمر: ترفق، وتنظر، وتمهل، واستأنى به: انتظر به وأمهله([528])، وتأنى الأناة بمعنى التبين والتثبت في الأمور، يقال: تبين في الأمر والرأي: تثبت، وتأنى فيه ولم يعجل([529]).

ويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه تبين ما يأتيه من خير أو شر([530]) وعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ([531]).

والأناة مظهر من منظاهر خلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجوه، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، وإيثار الراحة، والكسل عن القيام بالواجب.

والأناة تسمح للمسلم بأن يحكم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهى ركن من أركان الحكمة. وقد ذك الإسلام الاستعجال ونهى عنه، كما ذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم في القيام بالأعمال وتصريف الأمور([532]) قال تعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم- تربية له وتعليما: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة: 16-19].

فأمر سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملك في قراءته، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره([533]).

وقال تعالى: (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]. وأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى الله تعالى بالتأني في الأمور والتثبت فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6]، قرأ الجمهور: (فَتَبَيَّنُوا). من التبين، وهو التأمل، وهناك من قرأ: (فَتَثبتُّوا) والمراد من التبين التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر([534]).

ولعظم أمر الأناة والتبين أمر الله بها حتى في جهاد الكفار في سبيل الله الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 94].

ومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة.

فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.

وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين عامة بحاجة إلى التثبت فيها والتبين، فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يعرف دين العبد وعقله ورزانته([535]).

ومما يزيد الآية السابقة وضوحا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال السلام عليكم فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك قوله: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس السلام([536]).

وعن أسامة بن زيد([537]) -رضي الله عنهما- قال: "بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: فقال لي: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"، قال: قلت يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: فقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"، قال فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"([538]).

وفي رواية قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفا من السلاح قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟" فما زال يكررها حتى تمنيت اني أسلمت يومئذ([539]). ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الناس أناة وتثبتا، فكان لا يقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم..."([540]).

وكان -صلى الله عليه وسلم- يعلم ويربي أصحابه على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله تعالى ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سيرته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:

1-   الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.

2-   فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.

3-   فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم([541]).

ومن تربيته لأصحابه -صلى الله عليه وسلم- على الأناة وعدم العجلة قوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، واتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"([542]).

والرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناة وحلما، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن أمثلة ذلك قصة سليمان مع الهدهد وتثبته وعدم عجلته، قال سبحانه عن ذلك: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) [النمل: 20-21]، نجد نبي الله سليمان النبي الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف، ولكن سليمان ليس ملكا جبارا في الأرض، ولا متسرعا عجولا، وهم لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يترك الأناة والتثبت ويقضي في شأنه قضاء نهائيا قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل المتثبت (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) أي حجة قوية واضحة توضح عذره وتنفي المؤاخذة عنه([543]).

والداعية إلى الله -عز وجل-: إذا تثبت، وتأمل في جميع أموره اكتسب ركنا من أركان الحكمة، ينبغي ألا تقتصر في منهجه المتكامل على التأني والتثبت في الأفعال والأقوال فحسب، بل عليه أن يجري ذلك على القلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه: (لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36]، فلا يقول اللسان كلمة، ولا يرو حادثة ولا يحكم العقل حكما، ولا يبرم الداعية أمرًا إلا وقد تثبت من ك ل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، حتى لا يبقى هنالك شك ولا شبهة في صحتها، وحينئذ يصل الداعية المسلم المتمسك بهذه الضوابط إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد بإذن الله تعالى([544]).

أما العجلة فهي مذمومة، قال سبحانه عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [الزخرف: 54] استخفهم وحملهم على الضلالة والجهل، واستخف عقولهم، يقال: استخفه عن رأيه إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب([545]).

وقال سبحانه: (وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ) [الروم: 60]، ولا شك أن الإنسان قد خلق من عجل: (خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: 37]، ولكنه بحمد الله إذا امتثل أمر الله وترك نهيه حسنت أخلاقه وطبائعه.

والعجلة لها أسباب ينبغي اجتنابها، منها: عدم النظر في العواقب وسنن الله في الكون، ومنها: الشيطان عدو الإنسان، وأساس العجلة من الشيطان، لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل([546])، ولذلك قيل:

يا صاحبي تلوما لا تعجلا

 

إن النجاح رهين أن لا تعجلا

وقال عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: (لا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة)([547]).

وينبغي أن يعلم أن العجلة المذمومة ما كانت في غير طاعة، ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت، ولهذا قيل لبعض السلف: لا تعجلن فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: 84].

والخلاصة: أنه يستثني من العجلة ما لا شبهة في خيرته، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء: 90]، وعن سعد بن أبي وقاص([548]) -رضي الله عنه- قال الأعمش([549]): ولا أعلمه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "التؤدة([550]) في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة"([551]).

وبهذا يعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخير إلا ما كان من أمر الآخرة بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون المسارعة مما يحبه الله تعالى. وبهذا ينتهي الركن الثالث من أركان الحكمة التي هي من أهم ملامح الوسطية.


الفصل الخامس

الاستقامة

 

تمهيد:

الوسطية استقامة، ولو لم تكن على نهج الاستقامة لكانت انحرافا، والانحراف إما إفراطا أو تفريط، كما سبق بيان ذلك، وهناك شعور لدى بعض الناس أن الوسطية تعني التنازل –ولو قليلا- عن حقيقة الأمر والنهي، ولقد عبر أحد الباحثين عن هذا الشعور الذي يختلج في صدور بعض الناس، حيث طرح سؤالا ورد عليه، ومما قاله: هل المقصود بالوسطية مرونة الأمة، بحيث لا تصطدم بالأفكار والمبادئ الأخرى عند الالتقاء بها، بل قابليتها للأخذ والعطاء والتنازل عن جزء مما عندها، من أجل تنازل الطرف الآخر، والالتقاء عند نقطة وسط ترضي جميع الأطراف؟

ثم رد على هذا المسلك وبين مخالفته لحقيقة الوسطية([552]) ومن هنا فإن من ملامح الوسطية بل وضوابطها: الاستقامة، ولذلك فمن ادعى الوسطية مع خروجه عن الاستقامة، فهذه ليست الوسطية الشرعية في شيء؛ بل هي وسطية نسبية غير التي نتحدث عنها.

المبحث الأول

أدلة القرآن

ولذا فإن من المناسب –ونحن نتحدث عن ملامح الوسطية- أن أبين معنى الاستقامة وحدودها ليتضح المراد: فقد وردت آيات كثيرة تأمر بالاستقامة وتحث عليها، فالله جل علا يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا) [هود:112]، وفي سورة الشورى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [الشورى: 15]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]، وفي سورة الجن: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) [الجن: 16]، وفي سورة فصلت: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) [فصلت: 6]، ف هذه الآيات وغيرها تبين منزلة الاستقامة ومكانتها، وبما أن لزوم الصراط المستقيم استقامة على دين الله وشرعه، وهذا عين الوسطية وجوهرها، ولذلك لا بد من إيضاح الاستقامة.

تعريف الاستقامة:

قال الراغب: استقامة الإنسان لزومه للمنهج المستقيم نحو: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30].

وقال ابن القيم: الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء([553]).

وقال القرطبي: الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال([554]). وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة – أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- عن الاستقامة؟ فقال: (أن لا تشرك بالله شيئا)([555]) يريد الاستقامة على محض التوحيد، فإن من استقام على محض التوحيد الصادق الذي يدين به الصديق واستقام له توحيده على العلم الصادق بأسماء الله وصفاته وآثارها في الأنفس، والآفاق، استقام في كل شأنه على الصراط المستقيم، فاستقام له كل عمل وكل حال([556]).

المبحث الثاني

أدلة السنة

في صحيح مسلم، عن سفيان بن عبد الله([557]) -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم"([558]).

وعن ثوبان([559]) -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"([560]).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحكم منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت لا يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"([561]).

وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"([562]).

وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا"([563]).

وروى الترمذي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) قال: قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام"([564]).

المبحث الثالث

أقوال العلماء في الاستقامة

وقال عمر -رضي الله عنه-: (الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب)([565]).

وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: (استقاموا: أخلصوا العمل لله)([566]).

وقال علي بن أبي طالب، وابن عباس -رضي الله عنهما-: (استقاموا: أدوا الفرائض)([567]) وقال الحسن: (استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته). وقال مجاهد: (استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله)([568]).

وقال ابن تيمية -رحمه الله-: (استقاموا على محبته وعبوديته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة)([569]).

وقال ابن القيم: (فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيامة بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء، والاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله، وبالله وعلى أمر الله، ثم قال: سمعت شيخ الإسلام -رحمه الله-:  يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة)([570]).

وهذه المعاني متقاربة، ويفسر بعضها بعضا.

وأختم الكلام عن الاستقامة بما قاله ابن القيم في مدارج السالكين مما يتضح معه علاقة الاستقامة بالوسطية، وأنه لا استقامة بلا وسطية، ولا وسطية بدون استقامة قال: (وهي – أي الاستقامة – على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، ولا عاديا رسم العلم، ولا متجاوزًا حد الإخلاص، ولا مخالفا نهج السنة([571]).

قال ابن القيم شارحا قول الهروي([572]):

(هذه درجة تتضمن ستة أمور: عملا واجتهادًا فيه، وهو بذل المجهود، واقتصادًا، وهو السلوك بين طرفي الإفراط –وهو الجور على النفس- والتفريط بالإضاعة، ووقوفا مع ما يرسمه العلم، ولا وقوفا مع ما يرسمه العلم، لا وقوفا مع داعي الحال، وإفراد المعبود بالإرادة وهو الإخلاص ووقوع الأعمال على الأمر، وهو متابعة السنة، فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم، وبالخروج عن واحد منهم يخرجون عن الاستقامة، إما خروجا كليا، إما خروجا جزئيا.

والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرًا، وهما: الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة، فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأي فيه داعية للبدعة، وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة، أخرجه عن الاعتصام بها، وإن رأي فيه حصرًا على السنة، وشدة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد، والجور على النفس، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها، قائلا له: إن هذا خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد يها أكمل، فلا تفتر أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه، حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج عن هذا الحد، فكذلك هذا الآخر خارج عن الحد الآخر)([573]).

وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف، وقال بعض السلف: (ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر، زيادة أو نقصان)([574]). وهذا الكلام عن الاستقامة هو عين الوسطية وجوهرها.

 


الفصل السادس

البينية

تمهيد:

إن البينة من لوازم وصفات الوسطية، وحيث ذكرت ذلك مختصرا فإني أزيده هنا وضوحا وبيانا، فأقول: إن إطلاق لفظ البينية يدل على وقوع شيء بين شيئين أو أشياء، وقد يكون ذلك حسا ومعنى.

وعندما نقول: إن الوسطية لابد أن تتصف بالبينية، فإننا لا نعني مجرد البينية الظرفية، بل الأمر أعمق من ذلك، حيث إن هذه الكلمة تعطي مدلولا عمليا على أن هذا الأمر فيه اعتدال وتوازن وبعد عن الغلو والتطرف أو الإفراط والتفريط. وبهذا تكون البينية صفة مدح، لا مجرد ظرف عابر ومن هذا التفسير جاءت علاقة البينية بالوسطية، وقد رأيت جمهورا من العلماء ربطوا بين الوسطية والبينية ولا غرابة في ذلك، فإن لهذا أصلا في اللغة والاشتقاق، كما سبق بيان ذلك، وهو المتبادر إلى الأذهان عند إطلاق هذه الكلمة.

المبحث الأول

أقوال العلماء في البينية

ولأهمية هذه القضية سأذكر بعض أقوال العلماء، ومن قال بذلك منهم في القديم والحديث([575]).

1- الإمام الطبري، حيث قال في تفسيره: (وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء، الذي هو بين طرفين، مثل وسط الدار. وأرى أن الله تعالى ذكره – إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذي غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها)([576]).

2- قال شيخ الإسلام: (فإن الفرقة الناحية أهل السنة والجماعة([577]) يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية([578]) والقدرية([579]) وغيرهم، وفي باب وعيد الله بين المرجئة([580]) والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية([581]) والمعتزلة([582]) وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الرافضة والخوارج)([583]).

3- وقال الشيخ رشيد رضا: (إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط مثل عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما)([584]).

4- وقال الدكتور يوسف القرضاوي([585]): (ونعني بها- أي الوسطية- التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متفاوتين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطعن على مقابله، ويحيف عليه، ثم ذكر بعض الأمثلة في ذلك)([586]).

5- وقال الأستاذ سيد قطب([587]) في كتابه (منهج التربية الإسلامية): إن الوسطية هي التوازن، والتوازن هو العدل، حيث قال في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، وسطا في كل شيء، متوازين في كل ما تقومون به من نشاط، ثم بين أن الوسطية تعني التوفيق بين أشياء كثيرة، كالتوفيق بين مطالب الفرد الواحد، وبين مطالب الجموع، والتوفيق بين العمل للعاجلة والآجلة وهكذا([588]).

6- وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: (وبالجملة فإن الله العليم الحكيم أمر بالتوسط في كل شيء بين خلقين ذميمين، تفريط وإفراط)([589]).

7- وقال الدكتور عمر الأشقر([590]): (من المعضلات التي لم ينجح المشرعون من البشر في حلها التطرف في التشريع، فبعض القوانين تجنح إلى أقصى اليسار، وبعض آخر يجنح إلى أقصى اليمين، وقلما يوفق واضعو القوانين إلى التوسط والاعتدال)([591]).

وقال في موضع آخر: (إذا نظرت إلى الشريعة الإسلامية وجدتها وسطا في كل أحكامها، فأحكامها بين الغالي والجافي)([592]).

8- قال عمر بهاء الدين الأميري: (وقد كان من تدبير الله الحكيم العليم في هذه الأمة أن جعل وسطيتها في كل مجال: فهي موطن الرسالة الأولى، وفي ساحتها الحضارية المشعة المترامية الأطراف – من بعد- في مناخ محتمل، جو مسعف، لا في مناطق بركانية زلزالية، ولا لاظية استوائية، ولا متجمدة قطبية، حيث تقعد قساوة الطبيعة بالإنسان عن الحركة والنشاط والإعمار الحضاري.

وهي وسط في موقعها الجغرافي المهم، حيث كانت مهابط الوحي، أرض الإسلام ومهد الأمة الإسلامية الأولى فهي الوسط بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وهي مركز الوصل بين أفريقيا وآسيا وطرف ممتد من أوروبا، وهي الرباط البري بين الطرق المائية)([593]).

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن وصفة البينية أمر أساس في تحديد الوسطية، وأن هؤلاء العلماء والكتاب اعتبروا هذا الأمر قضية مسلمة في تحديدهم وتعريفهم للوسطية وهذه البينية ليست مجرد الظرفية، وإنما هي التي تعطي الدلالة على التوازن والاستقامة والعدل، ومن ثم الخيرية فهذه هي الوسطية الحقة، وهذا الذي قرره علماؤنا العظام من السابقين واللاحقين كما بينت وفصلت.


المبحث الثاني

دليل تطبيقي لملامح الوسطية

وبعد أن اتضحت ملامح الوسطية سأذكر دليلا علميا تبرز فيه جميع هذه الملامح، حيث يمثل أعلى درجات الوسطية: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي ف ليس مني"([594]).

وسأذكر ملامح الوسطية من هذا الحديث:

أولا: الخيرية

وهذا يتضح من قوله -صلى الله عليه وسلم- "إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له" ثم يبين أنه يأخذ بالوسطية: فيصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، فلولا أن هذا ا لعمل لا يعارض الخشية والتقوى، بل يطرد معهما لم يذكرها في هذا المقام، واستخدم أفعل التفضيل "أخشاكم وأتقاكم" وهي أعلى درجات الخيرية.

فاتضح أن هذه الوسطية التي يرشدنا إليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تمثل الخشية والتقوى وهذه هي الخيرية في أفضل صورها.

ثانيا: الاستقامة

وتظهر هذه الحقيقة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوج النساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فهذا العمل الذي يمثل الوسطية، لا نقول إنه لا يعارض الاستقامة، بل هو الاستقامة بعينها، حيث جعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سنته وهل الاستقامة إلا الالتزام بسنته والأخذ بها.

ثالثا: اليسر ورفع الحرج

وهذا أمر جلي وبين، فنحن بين عملين وردا في هذا الحديث، تبتل وامتناع عن النساء والزواج مع ما في ذلك من مشقة وحرج ويقابله تزوج النساء مع ما في ذلك من قضاء الوطر، والمودة والرحمة وإنجاب الأولاد.

الأول يمثل الانحراف عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ما فيه من مشقة وعسر، والثاني يمثل الوسطية مع ما فيه من تخفيف وتيسير ورحمة، ودفع الحرج، وقل مثل ذلك في الصيام والقيام.

إذن فالوسطية في اليسر ورفع الحرج، وليس في التكليف والمشقة والعنت.

رابعًا: الحكمة

فإنه بالنظر إلى قدرة النفس ومدى تحملها وغفلة هؤلاء القوم عن قدرتهم في فورة الحماس والاندفاع، جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضع الأمور في مواضعها، ويجعلها في مسارها الطبيعي، فإن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، ولو التزم هؤلاء الرجال بما قالوا لتعبوا عاجلا أو آجر، ثم إن هذا الفعل نفسه مخالفة لصريح الحكمة وحقيقتها وذلك أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والإصابة في القول والعمل، وهذا هو عين ما وجه إليه -صلى الله عليه وسلم-.

خامسًا: العدل

وتبرز صفة العدل بالنظر إلى مطالب النفس وواجبات العبادة، فقد جعل لكل منها نصيبا، فعدل بين حق الرب وحق النفس، ولم يكن في ذلك حيف وشطط، وحاشاه من ذلك.

سادسًا: البينية

والأمثلة تبرهن على ذلك:

1-         امتناع عن الزواج مطلقا – إفراط، ويقابله التفريط وهو اتباع الشهوات دون وازع أو قيد وبينهما قضاء الشهوة والوطر، ولكن ضمن الضوابط الشرعية، ويتمثل في الزواج وهذا هو الوسط، وهو المشروع.

2-                           صيام دائم – إفراط.       
إفطار دائم- تفريط.       
الصيام أحيانًا – والفطر أحيانا وسط بين الأمرين وهو المشروع في ضوابطه الشرعية.    

3-                           القيام مطلقا – إفراط.      
النوم مطلقا – تفريط.      
القيام والنوم حسب الطاقة ودون تكلف – وسط وهذا هو المشروع([595]).

ومن خلال هذا التطبيق العملي لملامح الوسطية في ضوء هذا الحديث، يتضح المراد، مما يساعد على فهم الوسطية.

خلاصة القسم الأول

يتضح للقارئ الكريم من خلال الكتاب المتوضع في مجهوده عدة أمور منها:

1- أن المعنى اللغوي لكلمة (وسط) تدل على معاني الخير، والعدل، والجودة والرفعة والمكانة العلية وما تصرف منها يؤول إلى معاني متقاربة.

2- من خلال أقوال المفسرين اتضح لي لا التزام بين الوسط والوسطية فكل وسطية فهي وسط، ولا يلزم من كل وسط أن يكون دليلا على الوسطية، فقد يكون من الوسط المكاني أو الزمان ونحوه.

3-   ومن خلال ما ذكره علماء التفسير يتبين لنا أن كلمة الوسط، تستعمل في معان عدة أهمها:

‌أ-      بمعنى الخيار والأفضل العدل.

‌ب- قد ترد لما بين شيئين فاضلين.

‌ج-  تستعمل لما كان بين الجيد والرديء، والخير والشر.

4- وتبين لي أن الوسطية تطلق على الأمر الذي فيه خيرية وبينية وأن أي أمر اتصف بالخيرية والبينية فهو الذي يصح أن يطلق عليه وصف الوسطية حيث اتضح لي تلازم بين الخيرية والبينية في إطلاق مصطلح الوسطية.

5-   لا نستطيع فهم الوسطية حتى نفهم أسسها وهي الغلو أو الإفراط والجفاء أو التفريط والصراط المستقيم.

6-   كل أمر فيه غلو أو إفراط فهو خروج عن الوسطية.

7- كل أمر اتصف بالتفريط أو الجفاء فإنه يخالف الوسطية وبمقدار اتصافه بأي من هذين الوصفين يكون بعده عن لوسطية وتجافيه عنها.

8-   إن الصراط المستقيم يمثل قمة الوسطية وذروة سنامها وأعلى درجاتها.

9-   إن المقياس المعتبر في فهم الوسطية هو الشرع، وليس ما تعارف عليه الناس من مداهنة وتنازل وتساهل.

10-   إن هناك عوامل كثيرة، وأصولا معتبرة تجب مراعاتها عند ضبط مفهوم الوسطية وتطبيقها على أمر من الأمور، حيث إن قصر النظر عن أمر دون آخر يؤدي إلى الانحراف عن مفهوم الوسطية.

11-   للوسطية سمات وملامح تحف بها وتميزها عن غيرها، ومن أهم هذه الملامح سمة الخيرية، وسمة العدل، وسمة اليسر ورفع الحرج، وسمة الحكمة، وسمة البينية، وسمة الاستقامة.

12-         إن خيرية هذه الأمة تتحقق بأمور أهمها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.

13-         إذا قارنت بين اليهودية والنصرانية والإسلام في دنيا الناس اتضحت وسطية الإسلام.

14-   إن سمة اليسر والتوسعة ورفع الحرج قضية منهج متكامل وليست تتعلق بجزئية أو جزئيات كما يتصور بعض الناس، وأن هذا ملمح من ملامح الوسطية، ولا نستطيع فهم الوسطية إلا إذا فهمنا هذه السمة البارزة في ديننا.

15-         إن الحكمة هي وضع الشيء في محله وهي سمة مهمة من سمات الوسطية؛ بل من أهم سماتها.

16-         إن الاستقامة على منهج الله هي عين الوسطية وجوهرها الأصيل.

17-   إن صفة البينية أمر مهم في تحديد الوسطية وهذه البينية ليست مجرد الظرفية، وإنما هي التي تعطي الدلالة على التوازن والاستقامة والعدل، ومن ثم الخيرية فهذه هي الوسطية الحقة، وهذا ما قرره العلماء الكرام من السابقين واللاحقين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

القسم الثاني

وسطية القرآن في العقائد

 

خطة الجزء الثاني

وسطية القرآن الكريم  في العقائد

 

قمت بتقسيم هذا الجزء إلى سبعة فصول:

الفصل الأول: القرآن يقرر منهج الوسطية

ويشتمل على مبحثين:

المبحث الأول: التعريف بالقرآن.

المبحث الثاني: وسطية القرآن في العقيدة.

الفصل الثاني: وسطية القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: موقف أمة اليهود.

المبحث الثاني: موقف النصارى.

المبحث الثالث: موقف المسلمين.

المبحث الرابع: مفهوم الإيمان كما جاء في القرآن.

الفصل الثالث: الملائكة

ويشتمل على مبحثين:

المبحث الأول: صفات الملائكة الخلقية.

المبحث الثاني: علاقتهم مع الله والإنسان والكون وعددهم.

الفصل الرابع: في الكتب السماوية

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تحريف اليهود وتزويرهم.

المبحث الثاني: تحريف النصارى للإنجيل.

المبحث الثالث: وسطية القرآن بين الكتب السماوية.

الفصل الخامس: وسطية القرآن في أنبياء الله ورسله.

ويشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: موقف اليهود من أنبياء الله ورسله.

المبحث الثاني: موقف النصارى.

المبحث الثالث: موقف المسلمين من أنبياء الله ورسله.

الفصل السادس: وسطية القرآن في اليوم الآخر:

ويشتمل على ستة مباحث:

المبحث الأول: أنواع المكذبين بالبعث.

المبحث الثاني: نظرة في نصوص اليوم الآخر عند أهل الكتاب.

المبحث الثالث: أدلة البعث والنشور.

المبحث الرابع: طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم.

المبحث الخامس: صور من عذاب أهل النار.

المبحث السادس: صفة الجنة.

الفصل السابع: وسطية القرآن في القضاء والقدر.

ويشتمل على عشرة مباحث:

المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، والعلاقة بينهما.

المبحث الثاني: الإفراط والتفريط.

المبحث الثالث: ظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر.

المبحث الرابع: مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب القدر.

المبحث الخامس: الأدلة من الكتاب والسنة في باب القدر.

المبحث السادس: مراتب القدر وأركانه.

المبحث السابع: وسطية أهل السنة في مسألة أفعال العباد.

المبحث الثامن: وسطية أهل السنة في معنى إرادة الله ومشيئته.

المبحث التاسع: أقسام التقدير التي جاءت في القرآن الكريم  والسنة.

المبحث العاشر: ثمرات الإيمان بالقدر.

الخلاصة: ودونت فيها أهم النتائج التي وصلت إليها في هذا الجزء، واسأل الله العلي العظيم أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.

وأسأل الله -عز وجل-: أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي أي خطأ أو زلل وقعت فيه، إن سميع قريب.

 

 


الفصل الأول

القرآن يقرر منهج الوسطية

تمهيد:

نزل القرآن الكريم  هداية للناس ونورا، يخرج به الله من شاء من الظلمات إلى النور، ولزوم منهج الوسطية عين الاستقامة والهداية والصراط المستقيم، ولذلك فقد جاءت الآيات مستفيضة ترسم منهج الوسطية وتدل عليه. والوسطية منهج متكامل شامل غير محصور في ركن من الأركان، لا في جزئية من الجزئيات ولا في حكم من الأحكام، ولا في أصل من الأصول، فالإسلام كله وسط، وهذه الأمة هي أمة الوسط (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143].

ولذلك جاء القرآن مقررًا لمنهج الوسطية في أبواب الاعتماد والعبادات والحكم والتحاكم، وفي باب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الأبواب والمجالات وبيانا لهذه الحقيقة وتجلية لها، سنعيش مع كتاب الله متأملين بعض ما ورد فيه، تأكيدًا لهذه الحقيقة وتأصيلا لها، وقبل أن أشرع في الهدف المطلوب، ومعنى المنهج في اللغة وفي الاصطلاح، سأقف مع فاتحة الكتاب حيث إنها من أولها إلى آخرها تقرر هذه الحقيقة وتؤكدها.

المبحث الأول

التعريف بالقرآن الكريم

أولا: معنى القرآن في اللغة:

القرآن من مادة قرأ، ومنه قرأت الشيء فهو قرآن: أي جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، فمعناه: الجمع والضم. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلي قط، وما قرأت جنينا، أي لم تضم رحمها على ولد([596]).

قال أبو عبيدة([597]): -رحمه الله-:  (... وإنما سمى قرآنا لأنه يجمع السور يضمها، وتفسير ذلك في آية القرآن، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 17]، مجازة: تأليف بعضه إلى بعض...)، ثم قال: وفي آية أخرى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) [النحل: 98] مجازه: إذا تلوت بعضه في إثر بعض، حتى يجتمع وينضم بعضه إلى بعض، ومعناه: يصير إلى معنى التأليف والجمع، ثم استشهد على هذا المعنى، بقول عمرو بن كلثوم([598]).

ذراعي حرة أدماء بكر

 

هجان اللون لم يقرأ جنينا([599])

أي لم تضم في رحمها ولدا قط فسمي القرآن قرآنا، لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض([600]).

ويوذكر أبو بكر الباقلاني([601]): أن القرآن يكون مصدرا واسما: مصدرًا كما في قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 17]، واسما كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) [الإسراء:45].

ويروى عن الشافعي -رحمه الله-: أن القرآن اسم على لكتاب الله، غير مشتق: كالتوراة، والإنجيل([602]).

قال القرطبي -رحمه الله-:  (والصحيح الاشتقاق في الجميع)([603]). أي في القرآن والتوراة والإنجيل([604]).

معنى القرآن في الاصطلاح:

القرآن الكريم  هو اسم لكلام الله تعالى، المنزل على عبده ورسوله: محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو اسم لكتاب الله خاصة، ولا يسمى به شيء غيره من سائر الكتب([605])، وإضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله.

ولما ظهر الخوض في صفات الله تعالى، وفي كلام خاصة، من قبل الزنادقة، وفرق المبتدعة، احتاج أهل السنة إلى تعريف القرآن تعريفا يظهرون فيه معتقدهم في صفات الله تعالى عامة، وفي صفات الكلام خاصة، ومنه القرآن، مخالفين بذلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.

فقال أبو جعفر الطحاوي([606]) -رحمه الله-:  وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه، فزعم، فزعم أنه كلام البشر فقد كفر)([607]).

ثانيا: التعريف بالمنهج في اللغة والاصطلاح:

أ- معنى المنهج في اللغة([608]):

المنهج من مادة نهج، ينهج نهجا، وهو الطريق البين الواضح، ويطلق على الطريق المستقيم، والمنهج، والمنهاج والنهج: بمعنى واحد. وفي النزيل قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48]، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- سبيلا وسنة([609]) وهو مروى عن مجاهد، وعكرمة والحسن البصري، وغيرهم وروى عن ابن عباس سنة وسبيلا، ورجح ابن كثير -رحمه الله-:  التفسير الأول، لظهوره في المعنى ومناسبته([610])، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:  (والمنهاج: السبيل، أي الطريق الواضح)([611]) وتفسير ابن عباس الأول هو المختار.

ب- معنى المنهج في الاصطلاح:

المنهج هو الطريق المؤدي إلى التعريف على الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة([612]) وبعبارة أوجز: هو القانون أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية، وفي أي مجال([613])، ومن ثم تختلف المناهج باختلاف العلوم التي تبحث فيها، فلكل علم منهج يناسب، ومع وجود حد مشترك بين المناهج المختلفة، وقد تتعاون –وهو الغالب- مجموعة من المناهج لخدمة ومعالجة فن واحد([614]).

سورة الفاتحة تقرر منهج الوسطية:

إن أم الكتاب تقرر منهج الوسطية من أولها إلى آخرها وأظهر آية فيها شاهدة بذلك هي قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6] وما بعدها.

وهذه الآية صريحة في تحديد المنهج الوسط، ذلك أنها بينت أن هذا الصراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم، قال الطبري -رحمه الله-:  (أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول الشاعر:

أمير المؤمنين على صراط

 

إذا اعوج الموارد مستقيم

قال ابن عباس -رحمه الله-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) يقول ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له، ثم قال: وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم هو ضال عند العرب، لإضلاله وجه الطريق([615]).

وقد بين الله لنا أن الصراط المستقيم هو منهج الوسط، حيث قال واصفا الصراط المستقيم (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7] ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط، بينما يمثل منهج الضالين الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء.

قال ابن كثير -رحمه الله-:  (غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق)([616]).

وبهذا يتبين لنا أن هناك ثلاثة طرق: طريق الذين أنعم الله عليهم، وطريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، والله أمرنا بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم، لأنه هو الصراط المستقيم، وهو منهج وسط بين سبيلين منحرفين، وهما سبيلا اليهود والنصارى، وكل طريق منحرف عن منهج الصراط المستقيم فله حظ من أحد هذين السبيلين، ولأن الاستقامة تعني الوسطية، كما تبينها آية الفاتحة وكما وضحت ذلك في ملامح الوسطية، جاءت الآيات متعددة تدعو إلى الاستقامة بأساليب متعددة وألفاظ متقاربة وهي تدور بين الخبر والإنشاء. ومن هذا المنطلق، وبعد أن تقرر أن طريق الاستقامة هو طريق الأمة الوسط، فإن كل آية وردت في الاستقامة فهي آية في تحقيق الوسطية والدعوة إليها والآيات في هذا الباب كثيرًا جدًا أذكر بعضا منها دلالة على المراد، وبيانا لهذا المنهج:

قال سبحان: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا) [هود: 112]، وقال: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [الشورى: 15]، فقوله تعالى: (وَلاَ تَطْغَوْا) بعد أن أمر بالاستقامة، والطغيان وهو مجاوزة الحد([617]) وهو خروج عن منهج الوسطية إلى الانحراف عن السبيل.

وفي الآية الثانية: قال سبحانه: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) واتباع الهوى خروج عن الاستقامة، وانحراف عن منهج الوسط، وتواصل الآيات في هذا الشأن ففي سورة البقرة: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:142]، وفي آل عمران: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وفي الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: 153]، وفيها: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [الأنعام:161]، وفي النحل: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النحل:76].

وفي سورة الزخرف: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الزخرف:43]، وفي سورة الملك: (أَفَمَن يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الملك: 22]، إلى غير ذلك من الآيات، حيث إن كل واحدة منها دالة على أن الصراط المستقيم هو الطريق الذي أمرنا باتباعه واجتناب ما عداه؛ لأنه هو طريق الحق والعدل والوسط، وما عداه طريق الضلال والغواية والانحراف عن الصراط المستقيم، وها هو الشيطان يعلن هذه الحقيقة قائلا كما ذكر الله في سورة الأعراف: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16]، وصدق الله العظيم إذ يقول: (مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39].

وفي سورة التكوير: (فَأيْنَ تَذْهَبُونَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ *لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) [التكوير: 26-28]، وهذه الآية نص في أن القرآن كله دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحق، قال القرطبي (إِنْ هُوَ) [الأنعام: 90] يعني القرآن (إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) أي موعظة وزجر: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) أي يتبع الحق ويقيم عليه([618]).

ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفاتحة وضعت القاعدة والمنطلق ورسمت المنهج وحددت معالمه ثم جاءت الآيات بعد ذلك مقررة لذلك وداعية له.

المبحث الثاني

وسطية لقرآن في العقيدة

أولا: التعريف بالعقيدة:

أ- العقيدة لغة (من العقد، وهو الربط والشدة بقوة، منه الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصة والإثبات والتوثق)([619]).

ب- العقيدة في الاصطلاح: كلمة العقيدة لم تكن موجودة في الكتاب والسنة، ولا في أمهات المعاجم، وإن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها (عقائد) هو القشيري([620]) سنة 437هـ في كتاب الرسالة وهي كلمة مولدة لم تكن في الصدر الأول([621]).

وقد عرفها الدكتور ناصر العقل([622]) فقال: (الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة في أصول الدين وأمور الغيب وأخباره وما أجمع عليه السلف الصالح والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالطاعة والتحكيم والإتباع)([623]).

يشمل التوحيد والإيمان والإسلام والغيبيات والنبوات والقدر والأخبار، وأصوله الأحكام القطعية، وسائر أصوله الدين، والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل والمذاهب الضالة، والموقف منهم ومن مسميات هذا العلم، العقيدة، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين.

والعقيدة في الإسلام تقابل الشريعة، إذ الإسلام عقيدة وشريعة تعني التكاليف العملية التي جاءت في القرآن والسنة النبوية في العبادات والمعاملات. والعقيدة هي أمور علمية يجب على المسلم أن يؤمن بها، لأن الله أخبرنا بها عن طريق كتابه، أو عن طريق وحيه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأصول العقائد التي أمرنا الله باعتقادها هي التي حددها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل المشهور بقوله: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى"([624]) فالعقيدة في ديننا هي التي تدور حول قضايا معينة، هي التي أخبرنا بها الله ورسوله، وليست اعتقاد أي شيء وحتى تصبح هذه عقيدة لابد أن تصدق بها تصديقا جازما لا ريب فيه، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنا لا عقيدة([625]) والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) [الحجرات:15]، وقوله تعالى: (.الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:1-2]، وقال: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران:9]، وذم المشركين المرتابين: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: 45]، والمسائل التي يجب اعتقادها أمور غيبية، ليست مشاهدة منظورة، وهي التي عناها الله بقوله عندما مدح المؤمنين: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3]، فالله غيب وكذلك الملائكة واليوم الآخر، أما الكتب والرسل فقد يتبادر أنها تشاهد وتنظر، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله أي كون الرسل مبعوثين من عند الله، وأن الكتب منزلة من عند الله، وهذا أمر غيبي.

ثانيا: العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة

العقيدة ليست مختصة بالإسلام، بل كل ديانة أو مذهب لا بد لأصحابه من عقيدة يقيمون عليها نظام حياتهم، وهذا ينطبق على الجماعات والأفراد والأمم والشعوب، والعقائد منذ بدء الخليفة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهي قسمان:

الأول: يمثل العقيدة الصحيحة، وهي تلك العقائد التي جاءت بها الرسل الكرام في أي زمان ومكان، وهي عقيدة واحدة، لأنها منزلة من العليم الخبير الحكيم العزيز.

والقسم الثاني: يشمل العقائد الفاسدة على كثرتها وتعددها، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر ومن وضع مفكريهم وعقلائهم، وعلمهم محدودًا ومقيدًا بقيود بشرية متمثلة في عادات وتقاليد وأفكار.

وأحيانا يأتي فساد العقيدة من تحريفها، وتغييرها وتبديلها، كما هو الحال بالنسبة للعقيدة اليهودية والنصرانية في الوقت الحاضر، فإنهما حرفتا منذ عهد بعيد، ففسادهما كان من هذا التحريف، وإن كانت عقيدتها سليمة الأصل([626]).

ثالثا: أين العقيدة الصحيحة اليوم؟

العقيدة الصحيحة لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأنهما محفوظتان لحفظ الله لهما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] والعقائد في غير الإسلام وإن كان في بعضها قليل من الحق، فإنها لا تمثل الحق ولا تجليه.

فالعقيدة الصحيحة السليمة لا توجد في اليهودية ولا في النصرانية، ولا في كلام الفلاسفة... وإنما توجد في الإسلام في أصلية: الكتاب والسنة، ندية طرية صافية مشرقة، تملأ الفؤاد إيمانا ونورا وحياة ويقينا، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ) [الشورى: 52]، وتقنع العقل بالحجة والبرهان: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ  يَعْقِلُونَ) [الرعد: 4]، وتنسجم مع الفطرة: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30].

رابعا: ماذا تعني العقيدة؟

العقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان؛ لأنه بدونها تائه ضائع يفقد ذاته ووجوده، والعقيدة الإسلامية وحدها التي تجيب على التساؤلات التي شغلت ولا تزال تشغل الفكر الإنساني، بل وتحيره من أين جئت؟ ومن أين جاء هذا الكون؟ من الموجد؟ ما صفاته ما أسماؤه؟ لماذا أوجدنا وأوجد الكون؟ وما دورنا في هذا الكون وما علاقتنا بالخلق الذي خلقنا؟ وهل هناك عوامل غير منظورة وراء هذا العالم المشهور؟ وهل هناك مخلوقات عاقلة مفكرة غير هذا الإنسان؟ وهل بعد هذه الحياة من حياة أخرى نصير إليها؟ وكيف تكون تلك الحياة إن كان الجواب بالإيجاب؟ لا توجد عقيدة سوى العقيدة الإسلامية اليوم تجيب على هذه الأسئلة إجابة صادقة مقنعة([627]) وكل من لم يعرف هذه العقيدة، أو لم يعتنقها فإن حاله لن يختلف عن حال ذلك الشاعر البائس([628]) الذي لا يدري شيئا.

جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت
ولقد أبصرت، قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
                لست أدري!!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرٌّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني أدري ولكنـــــــي
                لست أدري!!

وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير
هل أنا أصعد أم أنا أهبط فيه وأغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب تسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجــــــري
                لست أدري!!

ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنني فيه دفين
وبأني سوف أبدو وبأني سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئاً؟
                لست أدري!!

أتراني قبلما أصبحت إنساناً سوياً
كنت محواً أو محالاً أم تراني كنت شيئاً
أًلهذا اللغز حلٌّ؟ أم سيبقى أبدياً
لست أدري .... لماذا لست أدري
                لســـت أدري!!([629])

وهذا الشاعر الملحد فقد معرفة الحقائق الكبرى؛ فأصبح في هذه الحيرة والقلق والشك والأمراض النفسية, وأين هو من المسلم الذي يدري ويعرف معرفة مستيقنة كل هذه الحقائق، فإذا هو يجد برد اليقين، وهدوء البال، وإذا هو يسير في طريق مستقيم إلى غاية مرسومة يعرف معالمها، ويدري غايتها.

قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم: 40]،وقال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. واستمع إلى الشاعر البائس يتحدث عن الموت والمصير:

إن يك الموت قصاصاً: أي ذنب للطهارة؟
وإن كان ثوباً، أي فضل للدّعارة
وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة
فَلِمَ الأسماء إثم وصلاح
                لست أدري

إن يك الموت رقاداً بعده صحو طويل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل
ومتى ينكشف الستر فيدري؟
                لست أدري

إن يك الموت هجوعاً يملأ النفس سلاماً
وانعتاقاً لا اعتقالاً وابتداءً لا ختاماً
فلماذا لا أعشق النوم ولا أهوى الحمام؟
ولماذا تجزع الأرواح منه
                لست أدري

أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور؟
فحياة، فخلود، أم فناء فدثور؟
أكلام الناس أصدق أم كلام الناس زور؟
أصحيح أن بعض الناس يدري
                لست أدري

إن أكن أُبعث بعد الموت جثماناً وعقلا
أترى أُبعث بعضاً أم تُرى أُبعث كُلا
أتُرى أُبعث طفلاً أم تُرى أُبعث كهلا؟
ثم هل أعرف بعد الموت زلالتي؟
                لست أدري([630])

(لست أدري ) تلك هي الإجابة عن التساؤلات الخالدة، وليست هي قول شاعر فحسب، ( فسقراط) الفيلسوف الذي يُعدّ من عمالقة الفلاسفة، يقول بصريح العبارة: (الشيء الذي لا أزال أجهله جيداً أنني لست أدري)([631])، بل إن(اللاإدريّة) مذهب فلسفي قديم .

إنه الضلالة. الضلالة عن الحقيقة إنه الشقاء: شقاء القلب تعاسة النفس وضياع الضمير المثقل المكدود، وكم في الحياة من أمثال هذا الشاعر البائس الضالّ، بعضهم يستطيع أن يفصح عن شكوته وحيرته، وبعضهم يحسّ ويعاني وتبقى أفكاره حبيسة نفسه الشقية([632]).

بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، يدرى من أين جاء، والى أين المصير، يدري لماذا هو موجود وما دوره في هذه الحياة. قال تعالى:( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الملك: 22]، إن البشرية تخبط في دياجير الظلام، وانتكست في مهاوي الشرك، وضلّت عن سواء السبيل، وانحرفت عن منهج التوحيد، الذي جاء به الأنبياء والرسل، فأُصيبت البشريّة في عقلها وفكرها وقلبها بالشرك، وما ينبثق عنه من ضياع في المنهج والفكر والعقيدة والأخلاق، فانحرفت اليهودية عن التوحيد الذي جاء به موسى عليه السلام، على دراية من أحبارهم وعلمائهم ولذلك غضب الله عليهم، وأضاعت النصارى الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام فضلّوا سواء السبيل.

فأصبحت البشرية في ظلمه شديدة قبل نزول القرآن وبزوغ فجر الإسلام، كانت البشرية قبل نزول القرآن تعجّ بركام العقائد والتصوّرات المنحرفة في ذات الله، وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان والموت، وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، حائدة عن الوسطيّة والاعتدال، والاستقامة فبعض البشر زعم أن الملائكة بنات الله، ثم عبدوا الملائكة كما فعل مشركو العرب، وبعضهم قالوا: عيسى ابن الله كما فعلت النصارى، وبعضهم قالوا: عزيز ابن الله كما فعلت اليهود. ووصفوا المولى -عز وجل- بصفات لا تليق به من صفات النقص، وشبّهوه بمخلوقاته، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

وشاعت بين البشرية عبادة الأصنام، إما بوصف تماثيل للملائكة، أو بوصف تماثيل للأجداد، وإما لذاتها، وكانت الكعبة، التي بُنيت لعبادة الله وحده، تعجّ بالأصنام؛ إذ كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين صنماً غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة.

ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل لملائكة كما جاء في القرآن الكريم في سورة النجم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)[النجم: 19-28].

وانتشرت بين الناس عبادة الكواكب، وكانت قبيلة حمير تعبد الشمس و كنانة تعبد القمر، ولخم وحزام المشتري، وطي تعبد سهيلاً وقيس تعبد العبور. وأسد عطارد.

وقد جاء عن هذا في سورة فصلت (... لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37]، جاء في سورة النجم (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم: 49] وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه. ونفى ألوهية الكواكب وعبادتها، لقد سادت الصورة الشائعة للتصورات في الجزيرة العربية حيث عبادة الأصنام، وفي بلاد فارس حيث الديانة المجوسيّة، وفى بلاد الشام والرومان حيث النصرانيّة المنحرفة، واليهوديّة المغضوب عليها، وأصبحت البشرية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً تعجّ بركام من بقايا العقائد السماويّة المنحرفة، تجثم على ضمير البشرية في كل مكان، والذي كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم([633]).

 ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الألوهيّة وعلاقتها بالخالق، وعلاقة الخالق بها.. فتستقرّ عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأدبهم وأخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها.

وعُني الإسلام (في أصليه الكتاب والسنة) بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان ... فلقد كان لمعظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير-الأثر في الضمير البشري وفى الحياة الإنسانية كلها.

فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمه الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المحققة به أن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها ... إن هذا كله لا يتجلّى للقلب والعقل، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية– السابقة للإسلام واللاحقة – عند إذن تبدو هذه العقيدة رحمة ... رحمة حقيقية ... رحمة للقلب والعقل، ورحمة بالحياة والأحياء، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق وقرب وأنس، وتجاوب مع الفترة مباشر عميق([634]).

 

خامسًا: هل تطورات العقيدة عبر الزمان؟

يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة، ولكنها ترقت وتطورت في فترات وقرون متعاقبة، ولا عجب أن يقول بهذا الإفك من لم يمنحهم الله كتابه الذي بين فيه تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه إلا أن الغريب أن يسلك هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم ويعدهم غيهم باحثين مسلمين.

ومن أمثال أولئك عباس محمود العقاد الذي يري في كتابه (الله) وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية: أن الإنسان ترقى في العقائد، ويري أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماما لترقيه في العلوم.

يقول: (كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى)([635]).

بل يري أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات ويقول: وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات، لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعاجلها العلم تارة والصناعة تارة أخرى.

ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة يقول: (فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال، كل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحدة)([636]).

ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة، فمنهم من يري أن السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء بعضهم يري أن العقيدة الدينية عبادة (الطوطم)، كأن تتخذ بعض القبائل حيوانًا (طوطميا) تزعمه أبا لها، وقد يكون شجرا أو حجرا يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين.

ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية إلى بعض الكتاب مثل مصطفي محمود في كتابه (الله) واعتنقها جملة من الدارسين والذي أ,قع هؤلاء في هذا الخطأ عدة أمور:

الأول: أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بدون معلم يعلمه ومرشد يوضح له، فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقي في العلوم والصناعات.

ثانيًا: أنهم قدروا أن الإنسان الأول خلق خلقا ناقصا غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.

الثالث: أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة فجعلوها ميدان بحثهم، فأخضعوها للدراسة والتمحيص، وأني لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة([637]).

سادسًا: القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة:

ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله –سبحانه وتعالى- ففيه علم غزير في هذه الموضوع، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكا وافيا لأسباب:

الأول: أن ما نعرفه عن التاريخ الإنساني قبل خمسة آلاف عام قليل، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل، وما قبل ذلك يعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئا، لذا فإن كثيرا من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني.

الثاني: أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير، بل قد ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف، ومما يدل على ذلك كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشق الأمور، فكيف بتاريخ يمتد إلى فجر البشرية؟

الثالث: أن قسما من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض، بل في السماء([638]) لذا كان الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله –سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5].

تاريخ العقيدة كما يريه القرآن الكريم:

أعلمنا الله سبحانه أنه خلق آدم خلقا مستقلا سويا متكاملا، ثم نفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأباح له أن يأكل هو وزوجه منها كيف يشاء إلا شجرة واحدة، فأغراه عدوه إبليس بالأكل من الشجرة، فأطاع عدوه، وعصى ربه فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض، وقبل الهبوط وعده الله سبحانه بأن ينزل عليه و على ذريته هداه كي يعرف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه ووعد المستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة، وتوعد الله المستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدنيا وبالشقاء في الآخرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 38-39]، وفي سورة طه يقول سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [ طه: 123-126].

سابعًا: الجيل الأول كان على التوحيد

هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي على التوحيد والدين الحق، فاختلفوا (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة: 213].

وفي حديث أبي أمامة أن رجلا سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: "نعم، مكلم"، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" وذكر ابن عباس -رضي الله عنه-: إن كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام([639]).

ومقدار القرن مائة سنة وعلى ذلك يكون بين آدم ونوح ألف سنة وقد تكون المدة أكثر من ذلك، إذ قيد ابن عباس هذه القرون العشرة بأنها كانت على الإسلام، فلا ينفي أن يكون بينهما قرون أخرى على غير الإسلام، وقد يكون المراد بالقرن الجيل من الناس قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ) [الإسراء: 17]، (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) [المؤمنون:31].


الفصل الثاني
وسطية القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته

تمهيد:

إن المتأمل في كتاب الله تبارك وتعالى وما جاء فيه عن دعوات الرسل وما أنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جميع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية، هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه، فهي أساس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها، وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعو إليه هو توحيد الله تبارك وتعالى.

يقول الله -عز وجل- في تقرير هذه الحقيقة:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [النحل: 36]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25].

وإذا استعرضنا القرآن الكريم  في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [المؤمنون: 23، والأعراف: 65، 73، 85] ابتداء من أولهم نوح -عليه السلام- وانتهاء بخاتمهم نبيان محمد -صلى الله عليه وسلم-.

فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، وهو الإسلام وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخر، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"([640]).

قال الحافظ ابن حجر: (ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلف فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلف)([641]).

وقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث: (أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومنهاجهم)([642]).

لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48].

وكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره.

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران: 19]، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].

وهذا يدل على أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام، ودعوتهم واحدة وهي الدعوة لتوحيد الله -عز وجل- وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم، ولكن قومهم غيروا وبدلوا بعدهم وحرفوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله -عز وجل- من الأسماء والصفات فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرط، ومفرط، وغال ومقصر لإعراضهم عن هدى المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين.

ومن أعظم الأمم اختلافا وضلالا في هذا الباب، أمتا اليهود والنصارى، فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب، والمسلمون اتبعوا الرسل، فهدوا لأقوم السبل، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقا بين باطلين، فهو كلبن سائغ يخرج من بين فرث ودم. وإليك البيان في ما ذهبت إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب([643]).

المبحث الأول

موقف أمة اليهود

عرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع التفريط والتقصير في هذا الباب، بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب.

ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين:

الأول: اتخاذهم الأنداد لله -عز وجل- وعبادة الأصنام.

والثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله -عز وجل- بالنقائص التي لا تليق إلا بالمخلوق.

فأمر الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام، فإن القوم لما أنقذهم الله من عدوهم فرعون وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى -عليه السلام- وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، مالت نفوسهم إلى الوثنية وطالبوا موسى -عليه السلام- أن يجعل لهم مثلها: يقول الله جل وعلا في ذلك: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: 138]، ثم بين لهم موسى -عليه السلام- ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين فقال: (139.إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 139-140].

اتخاذهم العجل في زمن موسى:

لم يلق نصح موسى -عليه السلام- وتذكيره ووعظه من القوم قلبا واعيا أو أذنا صاغية، فما أن تركهم -عليه السلام- وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلها من دون الله قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) [الأعراف: 148]، (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 51]، ثم بين تعالى من تولى كبر إضلالهم وصناعة العجل لهم، فقال: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ* فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه: 85-88].

فبين تعالى أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، ومن العجيب أن كتاب العهد القديم ينسب هذا العمل الشنيع إلى هارون -عليه السلام- كما جاء في (سفر الخروج)([644]).

ولقد تكرر من القوم، اتخاذ الأصنام وعبادتها بعد موسى -عليه السلام-.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:  (وأهل الكتاب يعترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات...)([645]).

وفي كتاب العهد القديم، إشارات كثيرة لعبادتهم الأوثان والأصنام، من ذلك:

1- ما جاء في (سفر الملوك الثاني) عن عودتهم لعبادة العجل في عهد رحبعام([646]) يقول السفر: (... وعمل عجلي ذهب وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ووضع واحدًا في بيت أبل، وجعل الآخر في دان)([647]).

2- عبادتهم الأفعي وبعض التماثيل:

يذكر (سفر الملوك الثاني) عن الملك حزقيال أنه: (أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها...)([648]).

على أن موسى -عليه السلام- لم يصنع تمثالا نحاسيا لحية، وإنما كانت عصاه تنقلب إلى حية تسعى معجزة له، ثم تعود سيرتها الأولى بعد ذلك عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، لكن لعل بني إسرائيل صنعوا ذلك ونسبوه إلى موسى -عليه السلام- لتروج عند الناس ويعظموها ويعبدوها.

وأما الأمر الثاني: وهو قولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق:

وهذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني([649]) من طباعهم الملازمة لهم، فإن القوم أسرفوا في تشبيه الله -عز وجل- بالمخلوق ووصفوه جلا وعلا بالنقائض التي تختص بالمخلوق.

ولقد سجل عليهم القرآن الكريم  صورا من ذلك، وكتابهم الذي بين أيديهم ينضح بالكثير من ذلك، ونحن نذكر فيما يلي نماذج من أقوالهم التي شبهوا فيها الخالق -عز وجل- بخلقه:

1- فمن ذلك: (وصفهم الله بالفقر).

وهي صفة لا تليق بخالق البشر، ولكن القوم لا ع قول لهم ولا حياء عندهم، يقول -عز وجل- في ذلك: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [آل عمران: 181].

2- ومن ذلك: (وصفهم له بأن يده مغلولة).

قال -عز وجل- ذاكرا قولهم هذا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].

3- وصفوه بأنه: (يحزن، ويندم على أفعاله) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

يصفه (سفر التكوين) بذلك فيقول: (ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم فحزن الرب أنه عمل الإنسان الذي خلقه، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم)([650]).

4- ووصفوه: (بالتعب والاستراحة) تعالى عن ذلك:

جاء في (سفر الخروج): (أذكر يوم السبت لنقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملا أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك، وتريلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب الأرض والسماء والبحر وكل ما فيها و استراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب اليوم السابع وقدسه)([651])، وفي سفر (التكوين): (فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل)([652]).

5- وقالوا: (بأنه إنسان وصارع يعقوب -عليه السلام- إلى الفجر).

ففي (سفر التكوين): (فبقى يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب فخذه فانخلع حتى فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطقلني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت... فدعا يعقوب اسم المكان قينئيل قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي)([653]).

6- وصفوه بما يفيد أنه: (لا يعلم الغيب ويحتاج علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم).

ففي (سفر الخروج): (أن الرب كلم موسى -عليه السلام- وقال له فيما قال: فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر)([654]).

7- أنهم: جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء:

جاء في (سفر التكوين): (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهم حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا)([655]). وحكي الله -عز وجل- عنهم أنهم جعلوا له ابنا فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) [التوبة: 30].

 


المبحث الثاني

موقف النصارى

لقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالا بعيدا، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال"([656]). قال ذلك في تفسير قول الله -عز وجل- (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7]، ولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم:

1-شبهوا المخلوق بالخالق:

وأضفوا عليه من الصفات والخصائص ما لا يليق إلا بالله -عز وجل- ولا يصلح إلا له سبحانه فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: (إنه يخلقن ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويتوب على الخالق ويثيب ويعاقب)([657])، وهذه الصفات من خصائص الربوبية، وصفات الألوهية التي لا تكون إلا الله سبحانه.

وذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح -عليه السلام- هو الله، كما ذكر الله -عز وجل- قولهم هذا وكفرهم به فقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة: 17]، وتارة جعلوه ابنا له لله –سبحانه وتعالى- عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق تبارك وتعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: 30].

وقالوا تارة أخرى إنه شريك لله وجزء من ثلاثة يتكون منها الإله، كما ذكر الله قولهم هذا وكفرهم به أيضًا فقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73]، فألهوا المسيح -عليه السلام- وجعلوه شريكا لله، وعبدوه من دونه، بل وصفوه بأخص صفات الألوهية والربوبية من الخلق والرزق والإحياء، والإماتة؛ وبذلك فاقوا عباد الأصنام والأوثان الذين قالوا في معبوداتهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، ولم يضيفوا إليها شيئا من خصائص الربوبية كالخلق والرزق ونحو ذلك، بل أقروا بكل ذلك لله وحده كما قال -عز وجل-: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) [يونس: 31] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت: 61]، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 63]، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [لقمان: 25].

أما هؤلاء فلئن سألتهم عن شيء من ذلك ليقولن المسيح، فهو عندهم الإله الخالق المحي المميت، باعث الرسل، ومنزل الكتب، حكي الإمام ابن القيم عنهم أنهم قالوا (,ليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة هكذا بنبي ولا عبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم، ومؤيدهم ورب الملائكة)([658]).

وفي قرارهم الذي قرروه في (مجمع نيقية)([659]) الذي عقدوه سنة 325م، وسموه بـ(الأمانة) ونصوا فيه على ألوهية المسيح -عليه السلام-  وصرحوا بأنه هو الذي سينزل للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم فقالوا: (وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم) وقالوا: (وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء([660]).

يقول أحد قساوستهم في رسالة إلى أبي عبيدة الخزرجي([661])، مصرحا بألوهية المسيح وأنه خالق السماوات والأرض: (أما بعد حمد لله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه، وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلبه المسيح إلهنا، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهن، والذي أمدنا بدمه المقدس ومن عذاب جهنم وقانا...)([662]).

وقال مخاطبا أبا عبيدة داعيا إياه للإيمان بألوهية المسيح الخالق: (وما عقائدكم كلها إلا حسنة، وكان عندكم عدل كثير في أصل دينكم، وخير شامل، فلو آمنتم بالمسيح وقلتم: إنه هو الله خالق السماوات والأرض لكمل إيمانكم)([663]).

وهكذا نرى النصارى يصفون المسيح -عليه السلام- بصفات الربوبية المختصة برب العالمين -عز وجل- وهذا أمر انفردوا به من بين العالمين، ولم يقتصر الأمر على المسيح -عليه السلام- بل جعلوا لغيره من الخلق بعض صفات الله تبارك وتعالى، فجعلوا مريم -عليها السلام- آلهة؛ لأنها أم الله بزعمهم، ووصفوها بالجلوس على العرش مع الله -عز وجل- وسألوها ما لا يسأل إلا من الله -عز وجل-.

يقول الإمام ابن القيم: (وأما قولهم في مريم: فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله ووالدته في الحقيقة.. وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى والد ابنها، وابنها عن يمينه، قال: والنصارى يدعونا، ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب)([664]).

وهذه الأمور لا يملكها إلا الله -عز وجل- ولا يسألها إلا هو سبحانه، ولقد أشار القرآن الكريم  إلى قول النصارى بألوهية مريم في قوله تبارك وتعالى مخاطبا عيسى -عليه السلام-: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 116].

بل خصوا كنائسهم وبابواتهم ومطارنتهم ببعض خصائص الله -عز وجل- الذنوب ودخول الجنة، والحرمان منها ففي المجمع الثاني عشر من مجامعهم المعقود في سنة 1215م قرروا: (أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء)([665])، وبناء على هذا القرار قامت الكنيسة بإصدار ما يسمى بـ(صكوك الغفران).

يقول أحد قساوستهم في هذا: (وقد جعل الله في أيدي المطارين ما لم يجعله في يد أحد، وذلك أن كل ما يفعلون في الأرض يفعله الله في السماء، فإذا أذنبنا فهم الذين يقبلون التوبات ويعفون عن السيئات بأيديهم صلاح الأحياء والأموات)([666]). ماذا أبقوا لله -عز وجل- ؟!!

2- ومن ضلالهم في هذا الباب أيضًا أنهم سبوا الخالق -عز وجل- وتنقصوه وذلك من وجهين:

الأول: قولهم إنه اتخذوا ولدا، حيث قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قال ت عالى: (وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) [التوبة: 30]، وقد نزه الله -عز وجل- نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد فقال: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) [البقرة: 116]، وقال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 88-93]، فأنكر قولهم، ونزه نفسه عن أن يكون له ولد.

وبين سبحانه في آية أخرى أن الولد لا يكون إلا من صاحبة، وهو سبحانه لا صاحبه له، فقال -عز وجل-: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:101].

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: الولد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة ولا ولد...)([667]).

وقد بين سبحانه في الحديث القدسي، أن من نسب إليه اتخاذ الولد فقد شتمه وسبه بقوله ذلك، ففي الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن بله ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدًا"([668]).

الثاني: زعمهم أن الله تعالى عن قولهم علوا كبيرًا (نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول وقتل وصلب)([669]).

وقال القس القوطي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي يشرح فيها مذهبه: (... فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم العذراء البتول أم النور فاتخذ لنفسه منها حجابا كما سبق في حكمته...)([670]).

يقول الإمام ابن القيم: (... إن هذه الأمة –أي: النصارى – ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة.

أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلها آخر معه، ونفوا أن يكون عبدًا له.

والثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه –تعالى عن قولهم علوا كبيرا- نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة وأقام تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو([671]) وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعا صغيرا يمص الثدي.. ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرا بين لصين، وألبسوه إكليلا من الشوك وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له، ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم..).

وذكر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ أنه قال فيهم: (أهينوهم ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله -عز وجل- مسبة ما سبه إياها أحد من البشر)([672]).

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من قول معاذ بن جبل -رضي الله عنه-([673]).

المبحث الثالث

موقف المسلمين

أما هذه الأمة المسلمة فقولها في هذا الباب هو ما جاء به المرسلون من توحيد الله وإفراده بالعبادة، فآمنت بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله غيره، ولا رب سواه هو رب العالمين وخالق الكون ومدبره: (لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54]، ونزهوه سبحانه عن الأنداد، واتخاذ الصاحبة والأولاد، تصديقا لقوله تعالى عن نفسه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91]، وقالوا كما قال مؤمنو الجن: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا) [الجن: 3]، وقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ *      لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4].

ووصفوه سبحانه بصفات الكمال والجلال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، كما نزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات...)([674])، ولم يصفوه إلا بما وصف به نفسه سبحانه، أو وصفته به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من غير تعطيل ولا تمثيل لهم فلم يشبهوه بشيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته – كما فعل اليهود – بل قالوا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]. ولم يشبهوا شيئا من خلقه به، لا في ذاته ولا في شيء من صفاته، لم يجعلوا له نظيرا أو ندا أو مثيلا أو شريكا في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيته – كما صنع النصارى – بل نزهوه سبحانه عن الشبيه والنظير والكفء والند والمثيل([675]).

وإذا تأملت سورة الإخلاص وجدت بها صفات الكمال لله –سبحانه وتعالى- وهو أنه المنفرد بها وحده دون سواه قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ *  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4]، ففي هذه السورة وصف الله سبحانه نفسه بأنه أحد صمد، فهذان الوصفان يدلان على اتصاف الله بغاية الكمال المطلق([676]).

وذكر أبو هريرة في معنى الصمد: ( أنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد)([677]).

ومن خلال قول أبي هريرة في معني الصمد يدل على الإثبات والتنزيه، فالإثبات بوصفه سبحانه بأنه هو الذي يصمد إليه أي: يرجع إليه في كل أمر، وذلك لأنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، فهو القادر على كل شيء، والفعال لما يريد، والذي بيده الخلق والأمر والجزاء، وما من قوة لغيره تعالى إلا بهيمنة منه، إذا شاء أبقاها ومتى شاء سلبها فالمرجع والمراد إليه سبحانه([678]).

وأما التنزيه، فبوصفه تعالى بأنه غني عن كل شيء فلا افتقار فيه بوجه من الوجوه، لا في وجوده فإنه الأول الذي ليس قبله شيء وهو الذي لم يلد ولم يولد، ولا في بقائه فإنه الذي يطعم، ولا في أفعاله فلا شريك ولا ظهير([679]).

كما أن وصفه سبحانه بأنه أحد صمد يدل على اتصافه بالكمال المطلق وكذلك بدلان على معنى آخر وهو نفي الولادة والتولد عن الله سبحانه، فإن الصمد جاء في بعض الأقوال بأنه لا جوف له ولا حشاء، فلا يدخل فيه شيء فلا يأكل ولا يشرب –سبحانه وتعالى- كما قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام:14]، وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56-58]، فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة.

والتولد إنكما يكون من شيئين قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: 101]، وفي قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ *    لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4]، وفي هذا سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق ومثل ذلك قوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: 1]، أي يعدلون به غيره فيجعلون له من خلقه عدلا.

ومثال هذا قوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)[مريم: 65]، أي لا شيئا يساميه ولا ندا ولا عدلا ولا نظيرا له يساويه، فأنكر التشبيه والتمثيل وبهذا يتبين لنا أن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائض واجب لذاته، كما ذلت على ذلك سورة الإخلاص([680]).

المبحث الرابع

مفهوم الإيمان كما جاء في القرآن

لا ريب أن مفهوم الإيمان عندما نصل إليه من خلال القرآن وتوضيح سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام هي الوسطية بعينها في هذا الباب، وهي الاستقامة والاعتدال، لذلك حرصت على إيضاح مفهوم الإيمان كما جاء في القرآن والسنة خصوصا وأن الناس قد وقعوا في الإفراط والتفريط لبعدهم عن الوحيين الكتاب والسنة.

أولا: في حد الإيمان وتفسيره:

إن معرفة حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، يجب أن تتقدم أحكامها: فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، فمن حكم على أمر من الأمور – قبل أن يحيط علمه بتفسيره، ويتصوره تصورا يميزه عن غيره – أخطأ خطأ فاحشا.

أما حد الإيمان وتفسيره، فهو: (التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإيمان به، والانقياد ظاهرا وباطنا، فهو تصديق القلب واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله([681]).

ولهذا كان الأئمة والسلف يقولن: (الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح وهو: قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فهو يشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله، فالإقرار والاعتراف بما لله تعالى: من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته، وهو من أعظم أصول الإيمان، وكذلك الاعتراف بما لله من الحقوق الخاصة –وهو-: التأله والتعبد لله ظاهرا وباطنا- من أصول الإيمان والاعتراف بما أخبر الله به عن ملائكته وجنوده، والموجودات السابقة واللاحقة؛ والإخبار باليوم الآخر، كل هذا من أصول الإيمان([682]).

وكذلك الإيمان بجميع الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم- وما وصفوا به في الكتاب والسنة من الأوصاف الحميدة، كل هذا من أصول الإيمان. كما أن أعظم أصول الإيمان: الاعتراف بانفراد الله بالوحدانية والألوهية، وعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين لله، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة، وحقائقه الباطنة كل هذا من أصول الإيمان ولهذا رتب الله على الإيمان دخول الجنة والنجاة من النار، ورتب عليه رضوانه والفلاح والسعادة. ولا يكون ذلك إلا بما ذكرنا: من شموله للعقائد وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، لأنه متى فات شيء من ذلك، حصل من النقص وفوات الثواب، وحصول العقاب- بحسبه.

بل أخبر الله تعالى: أن الإيمان المطلق تنال به أرفع المقامات في الدنيا، وأعلى المنازل في الآخرة، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) [الحديد: 19].

والصديقون هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا، وفي منازل الآخرة، وأخبر في هذه الآية، أن من حقق الإيمان به وبرسله نال هذه الدرجة، ويفسر ذلك ويوضحه ما ثبت في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة، كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم"؛ فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسه بيده؛ رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين"([683]).

وإيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين: في ظاهرهم وباطنهم، في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفي كمال طاعتهم لله ولرسله، فقيامهم بهذه الأمور، به يتحقق إيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين، وقد أمر الله في كتابه بهذا الإيمان العام الشامل، وما يتبعه من الانقياد والاستسلام؛ وأثنى على من قام به، فقال في أعظم الآيات الإيمان: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136].

فأمر الله عباده بالإيمان بجميع هذه الأصول العظيمة والإيمان الشامل بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله؛ والإخلاص والاستسلام والانقياد له وحده بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) كما أ ثنى على المؤمنين في آخر السورة بالقيام بذلك، فقال: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].

فأخبر: أن الرسول ومن معه من المؤمنين، آمنوا بهذا الأصول ولم يفرقوا بين أحد من الأنبياء؛ بل آمنوا بهم جميعا، وبما أوتوه من عنده  الله؛ وأنهم التزموا طاعة الله، فقالوا: سمعنا وأطعنا؛ وطلبوا من ربهم: أن يحقق لهم ذلك وأن يعفو عن تقصيرهم ببعض حقوق الإيمان، وما ضيعوه منها كما قال تعالى عن أتباع الأنبياء عيسى وغيره أنهم قالوا: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 53]، فآمنوا بقلوبهم، والتزموا بقلوبهم، وانقادوا بجوارحهم، وسألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين له بالتوحيد وأن يحقق لهم القيام به: قولا وعملا واعتمادًا.

وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2-4].

يقيمون الصلاة: فرضها ونفلها، ظاهرًا وباطنا، ويؤتون الزكاة، وينفقون النفقات الواجبة والمستحبة، ومن كان على هذا الوصف فلم يبق من الخير مطلبا، ولا من المشر مهربا.

ولهذا قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)،  الذين يستحقون هذا الوصف على الحقيقة، ويحققون القيام به ظاهرا وباطنا، ثم ذكر ثوابهم الجزيل – المغفرة المتضمنة لزوال كل شر ومحذور ورفعة الدرجات عند ربهم، والرزق الكريم المتضمن من النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: 1-11].

ففسر الله الإيمان في هذه الآيات بجميع هذه الخصال فإنه أخبر بفلاح المؤمنين، ثم وصفهم بقوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ) إلى آخر الآيات المذكورة – فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقا، ومضمونها: القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات، وبتكميلهم للإيمان استحقوا أن يكونوا ورثة جنات الفردوس التي هي أعلى جنات؛ كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات. وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين، وأخلاقه، وأعماله الظاهرة والباطنة، ويترتب على ذلك: أنه يزيد بزيادة هذه الأوصاف والتحقق بها، وينقص بنقصها؛ وأن الناس في الإيمان درجات متفاوتة بحسب تفاوت هذه الأوصاف([684]).

ولهذا كانوا ثلاث درجات: سابقون مقربون، وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، ومقتصدون وهم: الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وظالمون لأنفسهم، وهم: الذين تركوا بعض واجبات الإيمان، وفعلوا بعض المحرمات، كما ذكرهم الله بقوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32]. وقد يعطف الله على الإيمان، الأعمال الصالحة أو التقوى أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف، لئلا يظن الظان أن الإيمان يكتفى فيه بما في القلب فكما في القرآن من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 277]، ثم يذكر خيرا عنهم، والأعمال الصالحة من الإيمان فمن ادعى أنه مؤمن: وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، وترك المحرمات فليس بصادق في إيمانه وهذا من وسطية القرآن واستقامته واعتداله وحكمته في هذا الباب.

كما يقرن بين الإيمان والتقوى، في مثل قوله تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 62-63]، فذكر الإيمان الشامل لما في القلوب من العقائد والإرادات الطيبة، والأعمال الصالحة، ولا يتم للمؤمن ذلك حتى يتقى ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعصيان، ولهذا حقق ذلك بقوله: (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) كما وصف الله بذلك خيار خلقه بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 7-8]، فهذه أكبر المنن، أن يحبب الله الإيمان للعبد، ويزينه في قلبه، ويذيقه حلاوته، وتنقاد جوارحه للعمل بشرائع الإسلام، ويبغض الله إليه أصناف المحرمات والله عليم بمن يستحق أن يتفضل عليه بهذا الفضل، حكيم في وضعه في محله اللائق به.

كما ثبت في الصحيح من حديث أنس -رضي الله عنه- أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع عن دينه، كما يكره أن يقذف في النار"([685])،  فذكر أصل الإيمان الذي هو محبة الله ورسوله، ولا يكتفي بمطلق المحبة، بل لا بد أن تكون محبة الله مقدمة على الجميع، وذكر تفريعها: بأن بح لله، ويبغض لله، فيحب الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين؛ لأنهم قاموا بمحاب الله واختصهم من بين خلقه، وذكر دفع ما يناقضه، وأنه يكره أن يرجع عن دينه أعظم كراهة، تقدر أعظم من كراهة إلقائه في النار.

وأخبر في هذا الحديث أن للإيمان حلاوة في القلب، إذا وجدها العبد سلته عن المحبوبات الدنيوية، وعن الأعراض النفسية، وأوجبت له الحياة الطيبة، فإن من أحب الله ورسوله لهج بذكر الله طبعا – فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره – واجتهد في متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقدم متابعته على كل قول، وعلى إرادة النفوس وأغراضها، من كان كذلك فنفسه مطمئنة مستحلية للطاعات، قد انشرح صدر صاحبها للإسلام، فهو على نور من ربه، وكثير من المؤمنين لا يصل إلى هذه المرتبة العالية: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) [الأنعام: 132].

وكذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، وهذا إخبار صريح أن الإيمان يشمل أقوال اللسان، وأعمال الجوارح، والاعتقادات والأخلاق، والقيام بحق الله، والإحسان إلى خلقه، فجمع في هذا الحديث بين أعلاه وأصله وقاعدته وهو قول: لا إله إلا الله اعتقادًا وتألها وإخلاصها لله، وبين أدناه وهو إماطة العظم والشوكة وكل ما يؤذي عن الطريق، فكيف بما فوق ذلك: من الإحسان وذكر الحياء والله أعلم: لأن الحياء به حياة الإيمان، وبه يدع العبد كل فعل قبيح كما به يتحقق كل خلق حس، وهذه الشعب –المذكورة في هذا الحديث- هي جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، وهذا –أيضًا- صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتا كبيرا، فمن زعم: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس مع مخالفته لنصوص الشارع كما ترى([686]).

والانقياد لحكم الله ورسوله من علامات الإيمان قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]، فأقسم تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، ولا يبقي في قلوبهم حرج وضيق من حكمهن وينقادوا له انقيادًا وينشرحوا لحكمه، وهذا شامل في تحكيمه في أصول الدين وفي فروعه، وفي الأحكام الكلية والأحكام الجزئية([687]). وفي صحيح البخاري عن أنس مرفوعا: " لا يؤمن أحكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"([688]). وذلك يقتضى أن يقوم بحقوق إخوانه المسلمين الخاصة والعامة فإنه من الإيمان، ومن لم يقم بذلك ويحب لهم ما يحب لنفسه، فإنه لم يؤمن الإيمان الواجب؛ بل نقص إيمانه بقدر ما نقص من الحقوق الواجبة عليه([689]).

وفي صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب([690]) -رضي الله عنه-قال: قال -صلى الله عليه وسلم-:"ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا"([691]).

والرضا بذلك يقتضي الفرح بذلك، والسرور بربوبية الله له، وحسن تدبيره وأفضليته عليه، وأن يرضي بالإسلام دينا، ويفرح به، ويحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر المنن، حيث رضى الله له الإسلام، ووفقه له واصطفاه له، ويرضي بمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا، فهو أكمل الخلق، وأعلاهم في كل صفة كمال، وأمته وأتباعه أكمل الأمم وأعلاهم، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

فالرضا بنبوة الرسول ورسالته واتباعه من أعظم ما يثمر الإيمان، ويذوق به العبد حلاوته، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].

فكيف لا يرضى المؤمن بهذا الرسول الكريم الرؤوف الرحيم؛ الذي أقسم الله أنه لعلى خلق عظيم، وأشرف مقام للعبد انتسابه لعبودية الله، واقتداؤه برسوله -صلى الله عليه وسلم- ومحبته وأتباعه؛ وهذا علامة محبة الله؛ وباتباعه تتحقق المحبة والإيمان. قال تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 31].

وفي صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: "يا رسول الله؛ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم"([692]).

فبين -صلى الله عليه وسلم- بهذه الوصية الجامعة أن العبد إذا اعترف بالإيمان ظاهرا وباطنا، ثم استقام عليه قولا وعملا وفعلا وتركا، فقد كمل أمره، واستقام على الصراط المستقيم، ورجى له فلاح الدارين، وبعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيمان كما جاء في القرآن، ووضحته أحاديث سيد ولد عدنان، عليه أفضل الصلاة والسلام، يتضح لنا مفهوم الإيمان بعيدًا على من أنكره جملة كالملاحدة، أو انحرف في فهم حقيقته كالفلاسفة، أو حرفوه عن أصله كاليهود أو ضلوا عن تصور معانيه والوقوف على ماهيته كالنصارى، وبذلك يتضح لنا مفهوم الإيمان ووسطية واستقامة واعتدال القرآن في عرضه.

وابتعدت عن أقوال من وقع في البدع في حقيقة هذا الجانب من المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية، واكتفيت بقول واعتقاد أهل السنة والجماعة الذين هم الصحابة -رضي الله عنهم- وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليه، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم([693]).

وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النجاة لا تكون إلا  لمن كان على ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ومن تابعهم إلى يوم الدين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "... وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة" قالوا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"([694]).

ثانيا: منهج القرآن في الأمور التي يستمد منها الإيمان:

بما أن الإيمان أعظم المطالب وأهمها وأعمها؛ لذلك جعل الله له مواد كبيرة تجلبه وتقويه، كما أنه له أسباب تضعفه وتوهيه.

والمواد التي تجلبه وتقويه أمران: مجمل ومفصل، أما المجمل فهو: التدبر لآيات الله المتلوة: من الكتاب والسنة؛ والتامل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد، والعمل بالحق؛ فجميع الأسباب مرجعها إلى هذا الأصل العظيم.

وأما التفصيل: فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة، منها بل أعظمها:

أولا: معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله فيها، قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، فالتأمل في أسمائه وصفاته –سبحانه وتعالى- من منهج الوسطية والإلحاد في أسمائه وصفاته خروج عن منهج الوسطية الذي رسمه القرآن: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110]، والذين يصفون الله بغير ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- يلحدون في آيات الله، وهذا انحراف عن الصراط المستقيم (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) [فصلت: 40]، ولذلك فإن الحرص على معرفة أسماء الله الحسنى وفهم معانيها يزيد الإيمان.

فقد ثبت في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن لله تسع وتسعين اسما –مائة إلا واحد- من أحصاها، دخل الجنة"([695])، أي من حفظها، وفهم معانيها، واعتقدها وتعبد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فاعلم: أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته؛ معرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان، والإيمان يرجع إليها.

ومعرفتها تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان وروحه، وأصله وغايته. فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه وقوى يقينه، فينبغي للمؤمن: أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون معرفته سالمة من داء التعطيل، ومن داء التمثيل اللذين ابتلى بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل تكون المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهذه المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة في أحواله([696]).

ويعجبني في هذا المقام كلام نفيس للعلامة ابن القيم -رحمه الله-: حيث يقول: (ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف أن الوجود متعلق خلقا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العلى ومرتبط بها، وإن كل ما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها، فاسمه الحميد المجيد، يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا، لا يؤمر ولا ينهي، ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات وله صفات لا ينبغي تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها والرب يحب ذاته وأوصافه وأسماؤه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال.

وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه بموجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك، وما يحمد به نفسه ويحمد به أهل سماواته وأهل أرضه، وما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغرفة الزلات وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات أو المسامحة عن الجنايات مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار وعقوبتهما فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال عيسى -عليه السلام- في القرآن: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118]، أي فمغفرته عن كمال قدرتك وحكمتك، لست كمن يغفر عجزا، ويسامح جهلا بقدر الحق؛ بل أنت عليم بحقك، قادر على استيفائه حكيم في الأخذ به، فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر يتبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو في كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته، فلله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة.

والله سبحانه دعا عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأمرهم بشكره ومحبته وذكره وتعبدهم بأسمائه الحسنى وصفات العلى لأن كل اسم له تعبد مختص به، علما ومعرفة وحالا، وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا يحجبه اسم عن اسم آخر، كما لا يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم الرحيم) أو يحجبه عبودية اسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسم (الرحيم، العفو، والغفور) عن اسم المنتقم أو التعبد بأسماء (البر، والإحسان، واللطف) عن أسماء العدل والجبروت، والعظمة والكبرياء وهذه طريقة الكمال من  السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 18]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد([697]) وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنو عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها.

فالله تعالى يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو عليم يحب كل عليم وهو (جواد) يحب كل جواد، (وتر) يحب الوتر (جميل) يحب الجمال (عفو) يحب العفو وأهله (حيي) يحب الحياء وأهله (بر) يحب الأبرار (شكور) يحب الشاكرين (صبور) يحب الصابرين (حليم) يحب أهل الحلم، فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة، والعفو والصفح خلق من يغفر لهم ويتوب عليهم ويعفو عنهم، وقدر عليهم ما يقتضى وقوع المكروه المبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له المرضى له([698]).

وظهور أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي النفس البشرية وفي الكون كله واضح لا يحتاج إلى دليل، إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توفيق الله تعالى، بل إن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي وسعت كل شيء فلو فكر الإنسان في هذا الكون الفسيح وفي نفسه لرجع من هذه الجولة الفكرية بعجائب واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة لرأينا أمورًا تعجز عن التعبير عنها قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) ]المؤمنون: 115-116]، ومما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره أسماءه الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحفظه نم الشبهات المضللة والشهوات المحرمة([699]).

فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فلكل اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما تضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، فالأسماء الحسنى والصفات العلي مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح فمثلا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرا، وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضى الله، وأن يجعل تعلق هذه المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه([700]).

وكذلك معرفته بجلال الله وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى وجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها([701]).

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب: هي أكمل الأحوال وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية فنسأل الله أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين([702]).

لكل صفة من صفات الله أثر في قلب المؤمن:

وقد يظن بعض الذين يدعون العلم، وممن لاحظ لهم من علوم الشريعة، أن معرفة أسماء الله وصفاته لا تؤثر في الإيمان بالله من حيث الزيادة والنقصان، ولا تؤثر في القلوب، ولذلك لا فائدة من معرفتها أو جهلها أو إثباتها أو إنكارها، وقد توسع في هذا الجانب الفلاسفة الذين وصفوا الله تعالى بصفات من عند أنفسهم وأنكروا وجحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- فانحرفوا عن منهج الوسطية ووقعوا في الإفراط والتفريط وابتعدوا عن الصراط المستقيم ومنهج الاعتدال الذي بينه القرآن الكريم.

ومما لا ريب فيه أنه ليست هناك صفة لله في القرآن أو في السنة إلا وقد ساقها الله تعالى لحكمة ومنفعة وغاية، ولولا ذلك لما ساقها ولما ذكرها لأن كلامه وكلام رسوله ينزه عن العبث واللغو والحشو، ومن ظن أن الله يحشو كلامه بما لا فائدة في ذكره أو لا غاية من ورائه أو لا أهمية فقد أتهم الله بالنقص واللغو.

ولبيان أن لكل صفة من صفات الله أثرًا في قلب المؤمن سنبين ذلك ببعض التفاصيل، من حيث إن لكل صفة في القلب أثرًا يتضح في السلوك البشري، فلا توجد صفة من صفات الله إلا ولها أثر وفائدة، وإنما الذي ينكر الأثر هم الجهلة والجاحدين، أما علماء أهل السنة والجماعة فبينوا ذلك الأمر بيانا أوضح من الشمس في رابعة النهار.

أثر صفة العظمة:

وهذه الصفة مشتقة من اسمه تعالى العظيم، والعظمة صفة من صفاته لا يقوم لها خلق، والمقصود أن عظمة الله سبحانه لا يمكن أن يتصف بها أحد من خلقه والله خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضا، فمن الناس من يعظم لمال، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم  من يعظم لسلطان، ومنهم من يعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله -عز وجل-: يعظم في الأحوال كلها، فينبغي لمن عرف حق عظمته سبحانه أن لا يتكلم بكلمة يكرهها الله، ولا يرتكب معصية لا يرضاها الله.

فإذا شعر العبد بعظمة الله خاف مولاه واتقاه ورغب في مرضاته –سبحانه تعالى- والحديث الدال على صفة العظمة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "يقول تبارك وتعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"([703]).

أثر صفة يد الله:

ومن الصفات التي جحدتها قلوب النفاق وأنكرها الزنادقة قديما، وصف الله نفسه سبحانه بأن له يدين، وهذا ما قد مدح الله به نفسه في آيات كثيرة من كتابه، وقد مدحه بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة وهي تدخل في صفات الله الذاتية، وقد بين سبحانه في الآيات والأحاديث عظمة عطائه وسعة فضله وأن يده الكريمة جل وعلا دائمة العطاء والإنفاق، وفي مجال قوته وجبروته وبطشه وكمال قدرته وبيان عظمته أن السماوات والأرض يوم القيامة تكون بيمينه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: 67].

ولا شك أن أثر الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم؛ لأنه يورث القلب المهابة لله والخوف منه وتعظيم أمره وشأنه، وأنه لا مفر من قبضته، ولا ملجأ منه إلا إليه.

أثر اسم الله الحميد:

وهذا الاسم يتضمن لصفة الحمد بكل أنواعه، فهي صفة ذاتية لله -عز وجل-: لا تنفك عنه وتظهر آثارها باستمرار في كل لحظة، ومعناها أنه سبحانه مستحق لكل أنواع الحمد، لأنه المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وليس ذلك لأحد سواه سبحانه، كما يبدو لي أن العبد لا بد أن يسلك في حياته سلوكا يحمد عليه، لأن أعماله جميعا يجب أن تكون خالصة للحميد، ولو أن كل فرد تحرى أن يكون عمله حميدا لصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة، ولاختفت المنازعات فيما بينهم والخصومات ولعاشوا جميعا إخوة في الله متحابين([704]).

أثر اسم الله المهيمن:

ومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء؛ لأنه ملكهم والمالك من حقه أن يتصرف فيم لكه بكافة أنواع التصرف، من نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تنبيها وتذكيرا باستمرار وشمول هيمنته على خلقه –سبحانه وتعالى-([705]).

قال تعالى:

(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ *قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) [الأنعام: 63-65]. وإذا شعر القلب بهيمنة ربه عليه لجأ إليه وطلب العون منه لدفع ضر أو جلب نفع، والآيات في هذا الباب كثيرة، وكذلك أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

أثر صفة العلو في قلب العبد:

إذا أيقن العبد أن الله تعالى فوق السماء، عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، كان لقلبه في صلاته وتوجهه ودعائه.

ومن لا يعرف ربه بأنه فوق السماء على عرشه، فإنه يبقى ضائعا لا يعرف وجهة معبوده، ولكن ربما عرفه بسمعه، ,بصره وقدمه وتلك بلا هذا معرفة ناقصة، بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر وتوجه قلبه إلى جهة العرش منزها له تعالى، مفردًا له كما أفرده في قدمه وألوهيته واعتقد أن في علوه قريب من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته وذاته فوق الأشياء وفوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكفت أشعة العظمة على قلبه وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوى إيمانه، ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينئذ شيئا من أذواق السابقين المقربين([706]).

أثر صفة السمع:

قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (الحمد لله وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله -عز وجل-: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)([707]).

أقول: لو أن دارس الأسماء والصفات ومدرسيها تأملوا ما دلت عليه هذه الصفات، وأشعر المرء نفسه أنه مراقب في جميع أحواله وان ما ينطلق به لسانه يسمعه خالقه من فوق سبع سماوات في حينه وأنه سيجازيه على ذلك لانعكس على سلوكه وأخلاقه وأعماله وسيرته في مجتمعه، ولظهرت الأخلاق الربانية وأصبح الشخص لله وليا يمشى على وجه الأرض، ولشعرنا أن الأخلاق الرفيعة ثمرة من ثمرات التوحيد، وبقدر ما يملك العبد من الإيمان والتوحيد ينعكس ذلك ويظهر على أخلاقه.

ولابد أن نراعي قواعد السلف عند تأملنا وتفكرنا في أسماء الله وصفاته التي تزيدنا إيمانا بالله العلي العظيم، ويعجبني في هذا المقام أن أكتب ما كان يقوله ويكرره شيخي الفاضل عبد المحسن العباد في دروسه بالمدينة النبوية (المذهب الحق وسط بين الطرفين في قضية الإثبات، فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المشبهة النفاة جمعوا بين إساءة وإحسان).

فالمشبهة: أحسنوا إذا أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤوا إذا شبهوا ومثلوا، وأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنيين وسلموا من الإساءتين، فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوا الله عن مشابهة خلقه، وكما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، فأول الآية تنزيه وآخرها إثبات، فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن السائغ للشاربين الذي يخرج من بين فرث ودم([708]).

ثانيا: تدبر القرآن على وجه العموم:

فإن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه، ما يزداد به إيمانا، كما قال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال: 2]، وكذلك إذا نظرنا إلى انتظامه وإحكامه؛ وأنه يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف: تيقن أنه تنزيل من حكيم حميد: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، وأنه لو كان من عند غير الله، لوجد فيه –من التناقض والاختلاف- أمورًا كثيرة، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وهذا من أعظم مقويات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة: فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما فيها من الأخبار الصادقة، والأحكام الحسنة يحصل له من أمور الإيمان، خير كبير فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده وأسراره؟! ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولن: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [آل عمران: 193].

ثالثا: معرفة أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وما تدعو إليه من علوم الإيمان وأعماله:

كلها من محصلات الإيمان ومقويات، فكلما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ازداد إيمانه ويقينه، وقد يصل في علمه وإيمانه إلى مرتبة اليقين، فقد وصف الله الراسخين في العلم، الذين حصل لهم العلم التام القوى الذي يدفع الشبهات والريب، ويوجب اليقين التام، ولهذا كانوا سادة المؤمنين الذين استشهد الله بهم واحتج بهم على غيرهم من المرتابين والجاحدين، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الألْبَابِ) [آل عمران: 7].

فالراسخون زال عنهم الجهل والريب وأنواع الشبهات، وردوا المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وقالوا: آمنا بالجميع: فكلها من عند الله؛ وما منه، وما تكلم به وحكم به كله صدق وحق. وقال تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ) [النساء:162].

وقال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18]، ولعلمهم بالقرآن العلم التام، وإيمانهم الصحيح استشهد بهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [الروم: 56]، وأخبر تعالى في عدة آيات أن القرآن آيات المؤمنين وآيات للموقنين، لأنه يحصل لهم بتلاوته وتدبره –من العلم واليقين والإيمان- بحسب ما فتح الله عليهم منه، فلا يزالون علما وإيمانا ويقينا([709]).

رابعًا: ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه –معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة الحق كما قال تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [المؤمنون: 69].

فمعرفته -صلى الله عليه وسلم- توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان بما لم يؤمن به، وزيادة الإيمان بما آمن به، وقال تعالى حاثا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ: 46].

وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ *وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ *وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 1-4]، فهو -صلى الله عليه وسلم- أكبر داع للإيمان في أوصاف الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة النافعة، وأفعاله الرشيدة فهو الإمام الأعظم، والقدوة الأكمل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: 7].

وقد ذكر الله عن أولى الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا) [وهو هذا الرسول الكريم (يُنَادِي لِلإِيمَانِ ) بقوله وخلقه وعمله ودينه، وجميع أحواله (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ) [آل عمران: 193]، أي: إيمان لا يدخله ريب.

ولما كان هذا الإيمان من أعظم ما يقرب العبد إلى الله، ومن أعظم الوسائل التي يحبها الله –توسلوا بإيمانهم أن يكفر عنهم السيئات وينيلهم المطالب العالية، فقالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) [آل عمران: 193].

ولهذا كان الرجل المنصف –الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق مجرد ما يراه ويسمع كلامه- يبادر إلى الإيمان به -صلى الله عليه وسلم- ولا يرتاب في رسالته بل كثير منهم- مجرد ما يري وجهه الكريم- يعرف أنه ليس بوجه كذاب وقيل لبعضهم: (لم بادرت إلى الإيمان بمحمد قبل أن تعرف رسالته؟ فقال: ما أمر بشيء، فقال العقل، ليته نهي عنه ولا نهي عن شيء فقال العقل ليته أمر به)([710]).

فاستدل هذا العاقل الموفق –بحسن شريعته، وموافقتها للعقول الصحيحة – على رسالته؛ فبادر إلى الإيمان به ولهذا استدل ملك الروم هرقل – لما وصف له ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما كان يأمر به، وما ينهي عنه –استدل بذلك أنه من أعظم الرسل؛ واعترف بذلك اعترافا جليا ولكن منعته الرئاسة وخشية زوال ملكه من اتباعه؛ كما منعت كثيرا ممن اتضح لهم أنه رسول الله حقا، وهذا من أكبر موانع الإيمان في حق أمثال هؤلاء، وأما أهل البصائر والعقول الصحيحة، فإنهم يرون هذه الموانع والرئاسات والشبهات والشهوات، ولا يرون لها قيمة: حتى يعارض بها الحق الصحيح النافع، المثمر للسعادة عاجلا وآجلا. ولهذا السبب الأعظم كان المعتنون بالقرآن حفظا ومعرفة، والمعتنون بالأحاديث الصحيحة أعظم إيمانا ويقينا من غيرهم، وأحسن عملا في الغالب.

خامسًا: ومن أسباب الإيمان ودواعيه التي بينها القرآن الكريم  التفكر في الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان، وما هو عليه من الصفات المتنوعة قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ) [آل عمران: 19]، وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21].

فإن التأمل والتفكر في الكون والنفس وآيات الله المنظورة داع قوى للإيمان، لما في هذه الموجدات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها وعظمته؛ وما فيها: من الحسن والانتظام، والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله، وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره؛ وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره([711])، وإذا تأملنا في مخلوقات الله كلها نجدها مضطرة ومحتاجه إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين خصوصا ما تشاهده في نفسك من أدلة الافتقار وقوة الاضطرار، وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله: في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ويوجب له قوة التوكل على ربه، وكمال الثقة بوعده، وشدة الطمع في بره وإحسانه، وبهذا يتحقق الإيمان، ويقوى التعبد فإن الدعاء مخ العبادة وأصلها([712]) قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر: 15]، كذلك التفكر في كثرة نعم الله وآلائه العامة والخاصة التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين، كل هذا يدعو إلى الإيمان.

ولهذا دعى الله الرسل والمؤمنين إلى شكره، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172]، فالإيمان يدعو إلى الشكر والشكر ينمو به الإيمان فكل منهما ملازم وملزوم للآخر.

سادسا: ومن أسباب دواعي الإيمان التي بينها القرآن الكريم  الإكثار من ذكر الله في كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة، فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكرا لله قوى إيمانه؛ كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي: الإيمان، بل هي روحه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الأحزاب: 41]، وقال تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

سابعًا: ومن الأسباب الجالية للإيمان التي بينها القرآن الكريم  السعي والاجتهاد في تحقيق مقام الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى خلقه قال تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [لقمان: 32]، وقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83].

فعلى العبد: أن يعبد الله كأنه يشاهده، فإن لم يقو على هذا استحضر أن الله يشاهده ويراه؛ فيجتهد في إكمال العمل وإتقانه ولا يزال يجاهد نفسه ليتحقق هذا المقام العالي، وبالتالي يقوى إيمانه ويقينه ويصل في ذلك إلى حق اليقين وطريق المحسنين كما جاء في القرآن بيان صفاتهم، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات: 15-19]، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

وبذلك يتضح لنا صفات المحسنين ويكون الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع هو من الإيمان ومن دواعي زيادته، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسن  إلى عباد الله وأوصل إليهم من بره ما يقدر عليه، أحسن الله إليه أنواعا من الإحسان ومن أفضلها: أن يقوى إيمانه ورغبته في فعل الخير، والتقرب إلى ربه وإخلاص العمل له([713]).

ثامنا: ومن الأمور التي تقوى الإيمان وتزيده ما ذكره الله تعالى في سورة المؤمنين من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ* .وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * .إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) [المؤمنون: 1-10]، فهذه الصفات الثمان، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه؛ كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره كما تقدم، بحضور القلب في الصلاة، وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله ويفعله: من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود من أسباب زيادة الإيمان ونموه([714]).

وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانا بقوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [البقرة: 143]، (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]، فحشاء ومنكر ينافي الإيمان، كما أنها تحتوى على ذكر الله الذي يغذى الإيمان وينميه؛ لقوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45]، والزكاة كذلك تنمي الإيمان وتزيده، فرضها ونفلها، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- كونها برهان على إيمان صاحبها فهي تغذي الإيمان وتنميه، والإغراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه –بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولا وفعلا- لا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان ويثمر.

ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهما- ومن بعدهم، إذا وجدوا غفلة أو تشعث إيمانهم، يقول بعضهم لبعض "اجلس بنا نؤمن ساعة" فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم، وكذلك العفة عن الفواحش خصوصا فاحشة الزنى، ولا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته.

فإن المؤمن ينهي النفس عن الهوى إجابة لدواعي إيمانه وتغذية له، كما أن رعاية العهود والأمانات وحفظها من علامات الإيمان، وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه فانظر حاله: هل يرعى الأمانات كلها مالية أو قولية، أو أمانات الحقوق؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله، والتي بينه وبين العباد؟ إذ لم يكن كذلك نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك. وحتما بالمحافظة على الصلوات: حدودها، وحقوقها، وأوقاتها –لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجرى في بستان الإيمان فسيقيه وينميه ويؤتي أكله كل حين.

تاسعًا: ومن دواعي زيادة الإيمان وأسبابه الدعوة إلى الله وإلى دينه والتواصي بالحق والتواصل بالصبر؛ والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وبذلك يكمل العبد بنفسه، ويكمل غيره، ألم تر أن الله تعالى أقسم بالعصر أن جنس الإنسان لفي خسر إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين تكمل بها النفس، والتواصي بالحق – الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والدين الحق- وبالصبر على ذلك كله؛ يكمل غيره.

وذلك: أن نفس الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده، من أكبر مقومات الإيمان وصاحب الدعوة لابد أن يسعى بنصر هذه الدعوة، ويقيم الأدلة والبراهين على تحقيقها، ويأتي الأمور من أبوابها، ويتواصل إلى الأمور من طرقها، وهذه الأمور من طرق الإيمان وأبوابه([715]) قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 33-36]، ومن حرص على نصح الناس ودعوتهم إلى دين الله لابد أن يجازيه الله ويؤيده بنور منه، وروح وإيمان وقوة توكل، فإن الإيمان وقوة التوكل على الله، يحصل بهما النصر على الأعداء من شياطين الإنس وشياطين الجن([716]) قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: 99]، والمتصدي لنصرة الحق، لابد أن يفتح عليه فيه من الفتوحات العلمية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه.

عاشرًا: ومن أهم مواد الإيان ومقوماته توطين النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان من شعب الكفر والنفاق والفسوق والعصيان، فقد ذكر الله –سبحانه وتعالى- في كتابه الأسباب المقوية المنمية للإيمان ووضحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك بين المولي -عز وجل-: الموانع والعوائق وأرشد إلى دفعها: وهي الإقلاع عن المعاصي، والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الإيمان المضعفة له، والشهوات المضعفة لإرادات الإيمان، فإن الإرادات التي أصلها الرغبة في الخير ومحبته والسعي فيه، لا تتم إلا بترك إرادات ما ينافيها من رغبة النفس في الشر، ومقاومة النفس الأمارة بالسوء. فمتى حفظ العبد من الوقوع في فتن الشبهات وفتن الشهوات تم إيمانه وقوى يقينه([717]).

فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في أمرين: أحدهما: تحقيق أصول الإيمان وفروعه والتحقق بها علما وعملا وحالا، والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقصها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة؛ ويداوي ما قصر فيه من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201]، أي: مبصرون الخلل الذي وقعوا فيه، والنقص الذي أصابهم من طائف الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، فإذا أبصروا تداركوا هذا الخلل بسده، وهذا الفتق برتقه، فردوا إلى حالهم الكاملة، وعاد عدوهم حسيرا ذليلا، وإخوان الشياطين (يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) [الأعراف: 202].

الشياطين لا تقصر عن إغوائهم وإيقاعهم في إشراك الهلاك، والمستجيبون لهم لا يقصرون عن طاعة أعدائهم والاستجابة لدعوتهم حتى يقعوا في الهلاك؛ ويحق عليهم الخسار والبوار، و بعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيمان تبين أن ما جاء به القرآن ووضحه سيد الأنام -صلى الله عليه وسلم- هو الصراط المستقيم والاستقامة والاعتدال بعيدا عن ما وقع فيه الملاحدة من الزور والبهتان، ووقع فيه الفلاسفة من تصورات خاطئة مريضة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وذاته.

ولقد وقع الناس بين إفراط وتفريط وانكسار وغلو، فأكرم الله البشرية بهذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ففي جانب الإيمان بالله تعالى جاء القرآن بالمنهج الوسط الذي تجسدت فيه ملامح الوسطية من حكمة واستقامة واعتدال وعدل وبينية.

وقبل الانتهاء من مبحث الإيمان وأسباب زيادته رأيت من باب الفائدة والحث على استيعاب وفهم هذا الموضوع المهم في حياة الناس أن أتطرق إلى فوائد الإيمان وثمراته كما جاءت في القرآن، موضحا الآثار والفوائد والثمرات العاجلة والآجلة في القلب والبدن والراحة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وذكر القرآن الكريم  لهذه الفوائد والثمار يرسم لنا الصورة اليانعة الحية في وسطية القرآن في قضية الإيمان.

ثالثاً: فوائد الإيمان وثمراته:

إن من حكمة الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تحس وتتذوق وتشعر بثمرات الإيمان لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه –سبحانه وتعالى-، فإن شجرة الإيمان إذا ثبتت وقويت أصولها وتفرعت فروعها، وزهت أغصانها، وأينعت أفنانها، عادت على صاحبها وعلى غيره بكل خير عاجل وآجل في الدنيا والآخرة، وثمار الإيمان وثمراته وفوائده كثيرة، قد بينها –سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم فمن أعظم هذه الفوائد والثمار:

أولا: الاغتباط بولاية الله الخاصة، التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وتسابق فيه المتسابقون وأعظم ما حصل عليه المؤمنون، قال تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)  ثم وصفهم بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 62-63]، فكل مؤمن تقي، فهو لله ولي ولاية خاصة، ثمراتها ما قاله الله عنهم: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ) [البقرة: 257]، أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة والذكر، وحاصر ذلك أنه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوعة إلى ما يرفعها من أنوار الخير العاجل والآجل، وإنما حازوا هذا العطاء الجزيل، بإيمانهم الصحيح، وتحقيقهم هذا الإيمان بالتقوى فإن التقوى من تمام الإيمان.

ثانيًا: الفوز بمرضاة الله ودار كرامته قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [ التوبة: 71-72]،فنالوا رضا ربهم ورحمته، والفوز بهذه المساكن الطيبة بإيمانهم الذي كملوا به أنفسهم، وكملوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فاستولوا على أجل الوسائل، وأفضل الغايات وذلك فضل الله.

ثالثًا: ومن ثمرات الإيمان أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المردة، وينجيهم من الشدائد كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الحج: 38]، أي يدافع عنهم كل مكروه، يدافع عنهم شر شياطين الإنس وشياطين الجن، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها ويرفعها أو يخفضها بعد نزولها، ولما ذكر تعالى ما وقع فيه يونس -عليه السلام- وأنه: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 87-88]، إذا وقعوا في الشدائد؛ نجيناهم كما أنجينا يونس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دعوة أخي يونس ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه كربته لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4].

فالمؤمن المتقى ييسر الله له أموره وييسره لليسرى، ويجنبه العسرى، ويسهل عليه الصعاب ويجعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا؛ ويرزقه من حيث لا يحتسب، وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة([718]).

رابعًا: ومنها أن الإيمان والعمل الصالح الذي هو فرعه يثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفي دار القرار قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].

ذلك أن من خصائص الإيمان، أنه يثمر طمأنينة القلب وراحته وقناعته بما رزقه الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح.

خامسًا: ومنها: أن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والإخلاص ولهذا يذكر الله هذا الشرط الذي هو أساس كل عمل، مثل قوله: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) [الأنبياء: 94]، أي لا يجحد سعيه ولا يضيع عمله؛ بل يضاعف بحسب قوة إيمانه وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء: 19]، والسعي للآخرة هو العمل بكل ما يقرب إليها، ويدنى منها، من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- فإذا تأسست على الإيمان، ونبتت عليه كان السعى مشكورا مقبولا مضاعفا، لا يضيع منه مثقال ذرة. وأما إذا فقد العمل الإيمان، فلو استغرق العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبول قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]، وذلك لأنها أسست على غير الإيمان بالله ورسوله الذي روحه الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 103-105]، فهم لما فقدوا الإيمان، وحل محله الكفر بالله وآياته حبطت أعمالهم، قال تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65]، (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 88].

ولهذا كانت الردة عن الإيمان تحبط جميع الأعمال الصالحة، كما أن الدخول في الإسلام والإيمان يجب ما قبله من السيئات وإن عظمت، والتوبة من الذنوب المنافية للإيمان، والقادحة فيه والمنفقة له تجب ما قبلها([719]).

سادسًا: ومن ثمرات الإيمان أن صاحب الإيمان يهديه الله إلى الصراط المستقيم ويهديه إلى علم الحق، وإلى العمل به، وإلى تلقي المحاب بالشكر، وتلقي المكاره والمصائب بالرضا والصبر قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) [يونس: 9]، وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن: 11].

ذكر الشوكاني([720]) -رحمه الله-: في تفسير هذه الآية: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. ولو لم يكن من ثمرات الإيمان، إلا أنه يسلي صاحبه عن المصائب والمكاره، ومصاحبة الإيمان واليقين أعم مسل عنها ومهون لها وذلك لقوة إيمانه وقوة توكله، ولقوة رجائه بثواب ربه، وطمعه في فضله فحلاوة الأجر تخفف مرارة الصبر، قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) [النساء: 104]([721]).

سابعًا: ومن ثمرات الإيمان ولوازمه وفوائده وخيراته من الأعمال الصالحة ما ذكر الله بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 96]، أي بسبب إيمانهم وأعمال الإيمان يحبهم الله ويجعل لهم المحبة في قلوب المؤمنين، ومن أحبه الله وأحبه المؤمنون من عباده حصلت له السعادة والفلاح والفوائد الكثيرة من محبة المؤمنين من الثناء والدعاء له حيا وميتا، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين([722]).

وهذه أيضًا من أجل ثمرات الإيمان: أن يجعل الله للمؤمنين الذين كملوا إيمانهم بالعلم والعمل لسان صدق ويجعلهم أئمة يهتدون بأمره كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، فبالصبر واليقين اللذين هما رأس الإيمان وكماله نالوا الإمامة في الدين([723]).

ثامنا: ومنها قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11]، فهم أعلى الخلق درجة عند الله وعند عباده في الدنيا والآخرة وإنما نالوا هذه الرفعة، بإيمانهم الصحيح وعلمهم ويقينهم، والعلم واليقين من أصول الإيمان.

تاسعًا: ومن ثمرات الإيمان حصول البشارة بكرامة الله، والأمن التام من جميع الوجوه، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223]، فأطلقها ليعم الخير العاجل والآجل، وقيدها في مثل قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [البقرة: 25]، فلهم البشارة المطلقة والمقيدة، ولهم الأمن المطلق في مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82]، ولهم الأمن المقيد في مثل قوله تعالى: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأنعام: 48]، فنفي عنهم الخوف لما يستقبلونه، والحزن مما مضى عليه، وبذلك يتم لهم الأمن.

فالمؤمن له الأمن التام في الدنيا والآخرة: أمن من سخط الله وعقابه، وأمن من جميع المكاره والشرور وله البشارة الكاملة بكل خير، كما قال تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ) [يونس: 64].

ويوضح هذه البشارة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30-32].

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد: 28]، فرتب على الإيمان حصول الثواب المضاعف، وكمال النور الذي يمشى به العبد في حياته، ويمشى به يوم القيامة: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [الحديد: 12].

فالمؤمن من يمشى في الدنيا بنور علمه وإيمانه وإذا أطفئت الأنوار يوم القيامة مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به إلى دار الكرامة والنعيم، وكذلك رتب المغفرة على الإيمان، ومن غفرت سيئاته سلم من العقاب، ونال أعظم الثواب([724]).

عاشرًا: ومن ثمرات الإيمان حصول الفلاح الذي هو إدراك غاية الغايات، فإنه إدراك كل مطلوب، والسلامة من كل مرهوب والهدى الذي هو أشرف الوسائل، كما قال تعالى بعد ذكره المؤمنين بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أنزل على من قبله، والإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللتين هما من أعظم آثار الإيمان قال تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 5].

فهذا هو الهدى التام والفلاح الكامل، فلا سبيل إلى الهدى والفلاح اللذين لا صلاح ولا سعادة إلا بهما إلا بالإيمان التام بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله، فالهدى أجل الوسائل، والفلاح أكمل الغايات([725]).

الحادي عشر: ومن ثمرات الإيمان: الانتفاع بالمواعظ والتذكير بالآيات:

قال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: 55].

وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجرات: 77].

وهذا لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه، علما وعملا وكذلك معه الالة العظيمة والاستعداد لتلقي المواعظ النافعة والآيات الدالة على الحق، وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.

وأيضًا: فالإيمان يوجب سلامة الفطرة، وحسن القصد، ومن كان كذلك انتفع بالآيات، ومن لم يكن كذلك فلا يستغرب عدم قبولهم للحق واتباعه له، ولهذا يذكر الله- في سياق رفض الكافرين تصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقبولهم الحق الذي جاء به- السبب الذي أوجب لهم ذلك وهو الكفر الذي في قلوبهم، لأن الحق واضح وآياته بينة واضحة والكفر أعظم مانع يمنع من أتباعه، أي فلا تستغربوا هذه الحالة، فإنها لم تزل دأب كل كافر([726]).

الثاني عشر: ومنها أن الإيمان يقطع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) [الحجرات: 15]، أي دفع الإيمان الصحيح الريب والشك، وأزالهما بالكلية، وقاوم الشكوك التي تلقيها شياطين الإنس والجن، والنفوس الأمارة بالسوء فليس لهذه العل المهلكة دواء إلا تحقيق الإيمان، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال الناس يسألون حتى يقال هذا: الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله". وفي رواية "فليستعذ بالله ولينته"([727]).

وبهذا بين -صلى الله عليه وسلم- الدواء النافع لهذا الداء المهلك وهو ثلاثة أشياء: الانتهاء عن هذه الوساوس الشيطانية، والاستعاذة من شر من ألقاها ليضل بها العباد، والاعتصام بعصمة الإيمان الصحيح الذي من اعتصم به كان من الآمنين، وذلك لأن الباطل يتضح بطلانه بأمور كثيرة أعظمها العلم أنه منافي للحق، وكل ما نقض الحق فهو باطل: (فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].

الثالث عشر: ومنها أن الإيمان ملجأ المؤمنين في كل ما يلم بهم، من سرور وحزن وخوف وأمن وطاعة ومعصية، وغير ذلك من الأمور التي لا بد لكل أحد منها؛ فليجؤون إلى الإيمان عند الخوف فيطمئنون إليه ويزيدهم إيمانا وثباتا، وقوة وشجاعة ويضمحل الخوف الذي أصابهم كما قال تعالى عن خيار الخلق: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: 173-174].

لقد اضمحل الخوف من قلوب هؤلاء الأخيار، وخلفه قوة الإيمان وحلاوته وقوة التوكل على الله، والثقة بوعده، ويلجؤون إلى الإيمان عند الطاعة والتوفيق للأعمال الصالحة، فيعترفون بنعمة الله عليهم بها؛ وأن نعمته عليهم فيها أعظم من نعم العافية والرزق، وكذلك يحرصون على تكميلها، والقيام بكل  سبب لقبولها وعدم ردها أو نفصها، ويسألون الذي تفضل عليهم بالتوفيق لها، أن يتم عليها نعمته بقبولها، والذي تفضل عليهم بحصول أصلها، أن يتم لهم منها ما انتقضوه منها: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61]، ويلجؤون إلى الإيمان إذا ابتلوا بشيء من المعاصي بالمبادرة إلى التوبة منها، والقيام بما يقدرون عليه من الحسنات لجبر نقصها قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].

فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجؤهم إلى الإيمان ومفزعهم إلى تحقيقه ودفع ما ينافيه ويضاده، وذلك من فضل الله عليهم ومنه([728]). وخوفا من الإطالة نقتصر على هذه الثمرات العظيمة التي بينها المولى -عز وجل- وبذلك نستيقن أن كتاب الله جاء تبيانا لكل شيء، وعرض قضية الإيمان من جوانبها المتعددة النافعة للناس وبين وسائل زيادة الإيمان، ورغبنا فيه بذكر فوائده وثماره بحكمة بالغة تليق بالحكيم العليم جل و علا.

وبين المولى -عز وجل- في كتابه حقيقة الإيمان بأنه اعتقاد بالجنان ونطق باللسان، وعمل بالأركان ووضعنا على الصراط المستقيم وسلمت عقول المسلمين وقلوبهم من أمراض التعطيل والتشبيه، والإفراط والتفريط، ووقع أهل البدع في الانحراف عن جادة الصواب وطريق أهل الاستقامة؛ لأنهم ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان من علماء وفقهاء ومحدثين.


الفصل الثالث

الملائكة

تمهيد:  

 

إن الإيمان بالملائكة أصل من أصول الاعتقاد، لا يتم الإيمان إلا به، والملائكة من عوالم الغيب التي امتدح الله المؤمنين بها، تصديقا لخبر الله سبحانه وإخبار رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وقد بين الله -سبحانه وتعالى- في كتابه وسنة نبيه هذا الموضوع بحيث أصبح –عند من طلع على هذه النصوص- الإيمان بها واضحاً، وليس فكرة غامضة، وهذا ما يعمق الإيمان ويرسخه، فإن المعرفة التفصيلية أقوى وأثبت من المعرفة الإجمالية.

وبين الله -سبحانه وتعالى- الانحراف الذي وقع فيه الناس في اعتقادهم في الملائكة منذ القديم فهناك من عبدهم، وهناك من ظن أنهم بنات الله وأما الفلاسفة يرون أن الملائكة هم الأفلاك التي نراها في الفضاء وبعضهم أنكر وجودها، وأما اليهود فعادوا بعضهم ووصفوا الملائكة بأنهم يشربون ويأكلون([729]).

 كما ذكرت التوراة المحرفة في سفر التكوين وبعض أسفارهم أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب وأضطرب أمرهم في هذا الشأن، واستزلهم الشيطان وتصور التوراة بأن جبريل عليه السلام بأنه شيطان -لعنة الله على اليهود- يضع الغواية، يغوي الأنبياء...؟

قالت التوراة المحرفة " قد رأيت الرب جالساً على كرسيه، وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال "الرب": من يغوى آخاب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد، فقال: هذا هكذا وقال ذاك هكذا، ثم خرج الروح - يعني جبريل- ووقف أمام "الرب" وقال أنا أغويه، وقال له الرب! بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه وتقتدر؟ فأخرج وأفعل هكذا([730]).

يا سبحان الله يجعلون جبريل روح كذب في أفواه جميع أنبياء أخاب والرب يشجعه على ذلك!! وبذلك اتضحت مسالك الناس في اعتقادهم في الملائكة بين منكر لها وهم الملاحدة وبين متصور لها بأفلاك وأوهام وهم الفلاسفة، وبين زاعم بأنها بنات الله وعبدوها من دون الله وهم مشركو العرب.

وجاء القرآن ليبين منهج الوسطية في هذا الركن من العقائد بما ينفع الناس ويدلهم على الصراط المستقيم، الذي هو الوسطية في هذا الدين، وجاء القرآن الكريم موضحاً ما ينفع الناس ويصحح تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم في قضايا الاعتقاد وغيرها، إن المسلم يعتقد اعتقادا جازما بأن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها، ولا يصلح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف([731]).

قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ...) [البقرة: 285].

وفي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإيمان قال -صلى الله عليه وسلم-: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"([732]).

فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك. ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بنص القرآن العظيم، فقد قال –عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً) [النساء: 136].

والذي يجمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تكلمت عن الملائكة وأوصافهم وأعمالهم وأحوالهم يلاحظ: أنها تناولت في الغالب ما يبين علاقتهم بالخالق سبحانه وبالكون والإنسان. فعرّفنا سبحانه من ذلك على ما ينفعنا في تطهير عقيدتنا وتزكية قلوبنا وتصحيح أعمالنا.

وأما حقيقة الملائكة، وكيف خلقهم، وتفصيلات أحوالهم، فقد استأثر سبحانه بها وهذا من وسطية القرآن وحكمة الرحمن وحكمة الرحمن حيث سبحانه وتعالى يعرّف الناس في حدود ما يحتاجون إليه، ويصلح أحوالهم في المعاش والمعاد وما تطيقه عقولهم، فالله -سبحانه وتعالى- لم يطلعنا على جميع المغيبات، سواء منها ما تعلق بجلالة وصفاته وأسمائه وما تعلق بمخلوقاته الغيبية. والمؤمن الصادق يقرّ بكل ما أخبر به الخالق محملاً أو مفصلاً، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه ولا يتكلف البحث عن ما لم ينفعه ولا يخوض فيه([733]).

 

 

المبحث الأول

صفات الملائكة الخَلْقِيَّة

 

إن الخالق –عز وجل- لم يخبرنا من صفاتهم الخَلقية إلا النَّزْر القليل فأخبرنا سبحانه أنهم خُلِقوا قبل آدم، إذ ورد في القرآن أن الله أخبرهم بأنه سيخلق الإنسان، ويجعله في الأرض، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30].

وأما المادة التي خلقوا منها، فقد أخبرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الله خلقهم من نور، فقد أخرج مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)([734])، وتدل النصوص في مجموعها على أن الملائكة مخلوقات نورانية ليس لها جسم مادي يدرك بالحواس الإنسانية، وأنهم ليسوا كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزاوجون. مطهرون من الشهوات الحيوانية، ومنزهون عن الآثام والخطايا ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها أبن آدم([735]).

أ-لهم القدرة على التشكّل:  

غير أن لهم القدرة على أن يتمثلوا بصور البشر، بأذن الله تعالى كما أخبر الله
–عز وجل- عن جبريل عليه السلام أنه جاء مريم في صورة بشرية، فقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) [مريم: 16-17].

وفي حديث جبريل المشهور حين جاء يعلم الصحابة معنى الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر وأنه جلس إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم شرع في السؤال([736]).

ب-لهم أجنحة:

 

ومن صفاتهم الخَلْقية التي أخبرنا الله بها أنه جعل لهم أجنحة يتفاوتون في إعدادها، فقال سبحانه وتعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فاطر: 1]، هذا هو ما أخبرنا به الله –عز وجل- عن الملائكة من حيث خِلْقَتها ، ونؤمن بها كما جاء، ولا نسأل عن غيره ولو كان في التفصيل نضع لعباد الله لما حجب عنهم معرفته، فهو اللطيف الرحيم بهم يعلمهم الحق والخير وهذا من حكمة القرآن وهداية إلى الصراط المستقيم ووسطيته في الأمور.

 

 

المبحث الثاني

علاقتهم مع الله والإنسان، والكون، وعددهم

أ-علاقتهم مع الله:

فهي علاقة العبودية الخالصة والطاعة والامتثال والخضوع المطلق لأوامره –عز وجل-  لا ينتسبون إليه سبحانه إلا بهذه النسبة، فهم ليسو آلهة من دونه سبحانه، ولا ذرية له ولا بنات كما قال المشركون من قبل قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: 26-28]، وقال تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[النحل: 50]، وقال تعالى: ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].

فهم خلق من مخلوقات الله الكثيرة، يطيعونه سبحانه ولا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم، وهم لا يستطيعون أن يقترحوا على الله شيئاً بفضل قوتهم، وهم منقطعون دائماً لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى "وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ*  وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ*  وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) [الصافات: 164-166].

وإذا كانت هذه حقيقة أمرهم فقد أنحرف عن الصراط المستقيم ووقع في الشرك بالله من عبد أو استعان بالملائكة أو اعتقد أن لهم من الأمر شيء.

قال تعالى (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 80].

ب-علاقة الملائكة بالكون والإنسان:

دلّ الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وإنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكّلَ بالشمس والقمر ملائكة، وبالأفلاك ملائكة، وبالجبال ملائكة، وبالسحاب وبالمطر ملائكة، وبالرحم ملائكة تدب أمر النطفة حتى يتم خَلقْها وبالموت ملائكة، ووكل بكل عبد ملائكة، يحفظونه ووكلّ بكل مخلوق، وبكلّ حوادث الكون وظواهره ملائكة([737]).

 وهذا لا ينافي ما يلاحظ في الكون من قوانين وأسباب يرتبط بعضها ببعض لأن هذه القوانين والأسباب إنما هي مخلوقات من مخلوقات الله والملائكة موكَّلة بها أيضاً وموكّلة برعايتها كما ترعى المخلوقات الأخرى ولولا إرادة الله في حفظ هذه الأسباب والقوانين، ولو قدره في تسخير الملائكة للحفظ عليها فإن العقل لا يستلزم أبدا بقاءها على هذه الآماد الطويلة في انتظامها وتناسقه([738]).

وأما الإنسان فيدخل بحياته الفطرية في تلك الرعاية التي وكل الله سبحانه الملائكة بها، لأنه مخلوق من مخلوقات الله في الكون بل هو المخلوق الذي سخر الله له ما في الكون كله. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) [لقمان: 20].

وفوق هذا فإن للملائكة أعمالا أخرى في حياة الإنسان الإرادية هدفها كما حده الله لهم هداية البشر، وإسعادهم ومساعدتهم على عبادة الله وعونهم على اختيار الهدى والصلاح وإجتناب الشر والفساد والضلال.

فهم الذين أختارهم رب العالمين لإيصال هداه إلى أهل الأرض عن طريق رسله الكرام والمَلَكُ المختار لهذه المهمة هو جبريل -عليه السلام-.

قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) [الشعراء: 192-194].

كما أخبرنا –عز وجل- أنه سخرهم للدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، فقال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [غافر: 7-9].

وهم يشجعون العبد على طاعة ربه، وعبادته ويحثونه بالذكر والقرآن، ويحثونه على العلم والخير، ويحضرون صلاته وقراءته وفي ذلك كله أحاديث صحيحة.

وهم أيضًا يثبتون العبد على العمل الصالح، وخاصة الجهاد في سبيل الله تعالى، كما قال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [الأنفال: 12].

ومن أعمالهم التي أخبرنا عنها رب العالمين مما له أثر عظيم في تقويم حياة العباد وحفظهم من المعصية والشر، وما وكل إليهم من مراقبة أعمال العباد وكتابتها بعد إحصائها. فقال –سبحانه وتعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ

* مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ ق: 16-18]، وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَامًا كَاتِبِينَ) [الانفطار: 10-1]، وقال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80].

وقد وجدت كلاما نفسيًا جامعًا لابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) عن علاقة الملائكة بالإنسان. فقال: (والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره، لهم وله شأن آخر: فإنهم موكلون بتخليقه ونقله من طور إلى طور، وتصويره وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه و عمله، وأجله وشقاوته، وسعادته وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره، وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ وبعد البعث، وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر ويحذرونه منه، فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته ومعلموه وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه ما دام في طاعة ربه، ويصلون عليه ما دام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله في منامه وعند موته ويم بعثه، وهم الذين يزهدونه في الدنيا ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسي وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع، وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته، فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم وتصعد إليه بالأمر)([739]).

وكل الذي قاله ابن القيم -رحمه الله-: استنبطه من كتاب الله وما صح من الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ج- عدد الملائكة:

وهم كثير لا يحصى عددهم إلا الله، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31].

وهكذا منهج القرآن في بيان حقيقة الملائكة، فيه ملامح الوسطية بعيدًا عن الغلو والإفراط والتفريط والمطلوب من المؤمن أن يؤمن بالملائكة إيمانا تفصيليا وإجماليا، فيجب عليه الإيمان بالملائكة التي وردت أسماؤهم في الكتاب أو السنة بالتفصيل ومن هؤلاء رؤساؤهم الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل([740]).

وجبريل هو الملك الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح وقد ورد ذكره هو وميكائيل في القرآن الكريم، قال تعالى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 97-98].

وجبريل -عليه السلام- عادته اليهودية ظلما وعدوانا وانتكاسا وبعدا عن الصراط المستقيم، أما الفلاسفة فأنكروا الملائكة جملة، وقد أثنى الله سبحانه عليه في القرآن أحسن الثناء ووصفه بأجمل الصفات، قال تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ الْكُنَّسِ *وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ *إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) [التكوير: 15-21]، وقال تعالى في وصفه: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)[النجم: 5-6].

وأما ميكائيل فهو الملك الموكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان([741])، وأما إسرافيل فهو الملك الموكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم([742])، ومن الملائكة الذين ورد ذكرهم في القرآن مالك خازن النار، قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]، فهؤلاء وغيرهم من ورد ذكر أسمائهم في أحاديث ثبتت صحتها يجب الإيمان بهم، وبما نيط بهم من الوظائف والأعمال، وأما الملائكة الذين لم يرد ذكرهم، فيجب أن نؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة فنؤمن بالكرام الكاتبين الذين جعلهم الله علينا حافظين، كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10-12].

كما قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) [الرعد: 11]، وذكرت بعض كتب التفسير أنها اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتيبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من أمامه وواحد من ورائه ، فهو بين أربعة ملائكة.

وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"([743]).

ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين قال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة: 11]، ولم يصرح القرآن والسنة النبوية باسمه، وجاء في بعض الآثار تسميته بعزرائيل([744]) فالله اعلم.

ونؤمن بحملة العرش، الذين أخبر عنهم الله في القرآن فقال سبحانه: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17].

ونؤمن كذلك بالملائكة الموكلين بالنار، أعاذنا الله منها، وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) [غافر: 49]، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، وقال تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَ) [المدثر: 30-31].

ونؤمن أيضًا بالملائكة الموكلين بالجنان الذين يهيئون الضيافة لساكنيها، من ملابس ومآكل ومشارب ومصنوعات وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وإذا أردت أن تعرف ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الملائكة فيمكن أن ترجع إلى صحيح البخاري.

وبذلك يكون القرآن الكريم قد رسم لنا منهج الوسطية في إيماننا بالملائكة، وهذا يبعدنا عن الوقوع في الخرافات والأوهام التي وقع فيها من لا يؤمنون بالغيب، ولا يتلقون معارفهم عن الوحي الإلهي.

وبهذا المعتقد يكون المسلم على منهج الاستقامة الذي أمر الله به وعلى الصراط المستقيم، فإن من يستشعر بقلبه وجود الملائكة جنود الرحمن، ويؤمن برقابتهم لأعماله وأقواله، وشهادتهم على كل ما يصدر عنه، يستحي من الله ومن جنوده فلا يخالفه ولا يعصيه، لا في العلانية ولا في السر، إذ كيف له ذلك وهو يعلم أن كل شيء محسوب عليه ومكتوب ومشهود عليه.

وإيمانه بالملائكة الكرام يكسبه الصبر على مواصلة الجهاد في سبيل الله وعدم اليأس، والشعور بالأنس والطمأنينة التي هي من لوازم الإيمان بالملائكة وما أخبر الله من أفعالها وأحوالها، وبهذا يتضح لنا أن من نعم الله علينا خلقه للملائكة وإخباره لنا ع ما ينفعنا في معتقدنا في هذه المخلوقات الطائعة العابدة لله -عز وجل-.

وأسأل الله تعالى أن تكون صورة الاعتقاد في الملائكة قد اتضحت ملامحها من استقامة على الطريق وسلامة في التصور وعمق في المنهج وحكمة في خلقها واعتدال في وضعها وعدل في حقيقتها بعيدة عن الغلو والإفراط والتفريط والإنكار.

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الكتب السماوية

تمهيد: إن من أركان الإيمان الاعتقاد بالكتب السماوية وأنها من عند الله سبحانه وتعالى. إلا أن البشر هناك من أنكر الكتب السماوية جملة وهم الملاحدة، وهناك من حرف الكتب السماوية وأضاف إليها ما لم ينزل الله به سلطان وهم اليهود والنصارى وقعوا في الغلو وفي الإفراط وابتعدوا عن الصراط المستقيم. قد اتضح ذلك عندما تكلمنا عن منهج الوسطية في توحيد الله وأسمائه وصفاته حيث رأينا ما وقع فيه اليهود من التحريف وما وقعت فيه النصارى كذلك.

وقد وضح الله سبحانه وتعالى ما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف والتبديل.

المبحث الأول

تحريف اليهود وتزويرهم

أما اليهود فقد تفننوا في التزوير، وأضافوا في كتابهم المقدس وحذفوا منه واتبعوا كافة الأساليب الشيطانية وقد بين الله في كتابة العزيز أنواعاً من تحريف اليهود للتوراة.

 

أولاً: إلباس الحق بالباطل: 

 

كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجّل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:40-42]، وقال سبحانه: (يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[آل عمران: 71].

ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار -في التوراة التي بأيديهم- أن هارون -عليه السلام- هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل وأشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله، وفي الوقت نفسه يبرؤون السامري فهارون الذي تحمّل المشاق عليه الصلاة والسلام في سبيل إقناع فرعون بالتوحيد جعلوه داعية الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم وبين حقيقة الأمر([745]).

قال تعالى(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي

* قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 87-91].

 

        فهذا هو الصدق حقا فالسامري هو من صنع لهم العجل، أما هارون فنهاهم ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه.

النوع الثاني من التحريف : كتمان الحق

 

لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقاً، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق، لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلاً عليهم فيكتمونها، ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه فقال سبحانه ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران : 71].

ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد -صلى الله عليه وسلم- واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه([746]).

قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [البقرة: 146]، ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [الأنعام: 20].

وقد بين عز وجل صفاته -صلى الله عليه وسلم- الكاملة في التوراة والإنجيل فقال -عز وجل-: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 156-157]. ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته -صلى الله عليه وسلم- ، وكتموا ما علموه.

 

النوع الثالث: إخفاء الحق:  

وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة: 15]، ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحض، فقد جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا نحممهما ونضربهما فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟  فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال لهم عبد الله بن سلام كذبتم فآتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن آية الرجم فقال ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجما.. الحديث([747]).

ولهذا قال سبحانه (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)  إلى قوله (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)[المائدة: 41-43]،  وقال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) [آل عمران: 23].

فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيها من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم([748]).

 

النوع الرابع: لَيُّ اللسان:

من أنواع تحريف اليهود للتوراة ليُّ اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفتلون ألسنتهم حيث يقرؤون كلام الله تعالى لإمالته عما أنزله الله عليهم إلى اللفظ الذي يريدونه.

 

قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78].

ومن التحريف بَليِّ اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقولهم: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ)[النساء: 46]،  ويقصدون معنى أسمع لا سمعت، أي يدعون على النبي -صلى الله عليه وسلم-وقد كان المسلمون يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم- راعنا، من المراعاة والمعنى: فرِّغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف، لأن معناها عندهم السبّ والطعن بمعنى: يا أحمق([749])، ولكن الله -عز وجل- كشف سترهم فقال: "(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء: 46].

 

ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).[البقرة: 104].

 

النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:  

 

أثبت الله -عز وجل- على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال –عز وجل-: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: 46]، (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) [المائدة: 13].

 

وقال -عز وجل- (ومن الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: 41].وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي: 

1- تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.

2- تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.

3- تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى -عليه السلام-.

4- تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم([750]).

وهذه الصورة لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها([751])

 

ومن رحمة الله تعالى وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) [التوبة: 47]، فلو آمنوا بالله وملائكته وجميع كتبه ورسله لكفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنة([752]).

 

قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ *وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ) [المائدة: 65-66]، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110].

المبحث الثاني

تحريف النصارى للإنجيل

 

وأمّا النصارى فقد حرفوا الإنجيل وبذلك ابتعدوا عن الصراط المستقيم وإليك ما يثبت التحريف في الأناجيل أولاً النتيجة التي لا مفر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعاً لذلك معرّضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الإدعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام، فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي، لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها([753])، لما أجراه من أبحاث، ولما علما من واقع الإنجيل.

 

ثانياً: الشواهد على التحريف من الأناجيل:

أ- جاء في إنجيل مرقسى: أن المسيح قال لتلاميذه (اذهبوا إلى العالم أجمع واكروزا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن وأعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يجملون حيات، وإن تشربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون)([754])، ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:

الوجه الأول: قولهم عن عسى! إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدلّ ذلك على أن إنجيلاً أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى -عليه السلام- بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم، لأنهم لا يعرفون له أصلاً، وهذا ما لا يمكن سواه.

الوجه الثاني: قولهم: نه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلفات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون ، ويحملون الحيات وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم ، وهذا وعد ظاهر الكذب، فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها.

ولا منهم أحد ينفي جنياً، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا من يضع يده على مريض فَيُشفى، ولا منهم أحد يسقي السم فلا يضره وهم معترفون بأن يوحنا – صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم)([755]).

ب- ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى عليه السلام دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك ، فقال لهم عيسى: (الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط ، بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون)([756]).

وهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلوا من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح عليه السلام أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة – وحاشا له من الكذب فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر، وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر([757])

وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه ما أقترفه النصارى وما أدخلوه على حقيقة النبوة، من تأليه جماعة منهم لعيسى أبن مريم، وقول بعضهم بالتثليث، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[المائدة: 72].

 وقال تعالى: ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [المائدة: 73]، فجاء القرآن الكريم، وبين هذا التحريف، وبين العقيدة السليمة عن عيسى وأمه فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ)" [المائدة: 57].

والحق الذي لا يماري فيه منصف أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض كتاب تصلح نسبته إلى الخالق تبارك وتعالى سوى القرآن الكريم.

ومن وسطية القرآن في ركن الكتب السماوية بيانه ما وقعت فيه من الانحراف والابتعاد عن الصراط المستقيم، وأعطانا القول الفصل في هذا المجال ولم يترك ما بفيدنا وينفعنا فيما يتعلق بهذا الشأن وغيره.

فبين سبحانه وتعالى أن التوراة أصلها من عند الله وحدث فيها التحريف بسبب أحبارهم ورهبانهم قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44].

وبين سبحانه وتعالى أن الإنجيل أصله من عند الله إلا أن علماءهم حرفوه قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة :14-15].

وأخبر –سبحانه وتعالى- أن الزبور أنزلها على داود -عليه السلام- فقال تعالى: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) [الإسراء: 55]. وأخبرنا سبحانه عن الصحف التي انزلها على إبراهيم وموسى التي أخبر الله عنها بقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى* وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى

*وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى* وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) [النجم: 36-42].

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

* وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: 14-19].

وأما الكتب الأخرى التي نزلت على سائر الرسل، فلم يخبرنا الله تعالى عن أسمائها، وإنما أخبرنا سبحانه أن لكل نبي أ{سله الله، رسالة بلغة قومه، فقال: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213].

فمن حكمة الله أنه بين لنا ما يفيدنا في دنيانا وآخرتنا فيجب علينا أن نؤمن بهذه الكتب التي لم تسم إجمالا، ولا يجوز لنا أن ننسب كتابا إلى الله تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا عنه في القرآن الكريم.

المبحث الثالث

وسطية القرآن بين الكتب السماوية

ومن وسطية القرآن في باب الإيمان بالكتب السماوية بيانه أن هذه الكتب نزلت بالحق والنور والهدى وتوحيد الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأن ما نسب إليها مما يخالف ذلك إنما هو من تحريف البشر وصنعهم.

ومن وسطية القرآن ما ميزه الله وخصه به عن سائر الكتب المقدسة التي سبقت نزوله من الكتب المنزلة من أهمها:

أنه تضمن خلاصة التعاليم الإلهية، وجاء مؤيدًا ومصدقا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد الله، وعبادته، ووجوب طاعته، وجمع كل ما كان متفرقا في تلك الكتب من الحسنات والفضائل، وجاء مهيمنا ورقيبا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير([758]) قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)  [المائدة: 48].

ومن وسطية القرآن أنه جاء بشريعة عامة للبشر فيها كل ما يلزمهم لسعادتهم في الدارين، نسخ بها جميع الشرائع العملية الخاصة بالأقوام السابقة وأثبت فيها الأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان، إن القرآن الكريم هو الكتاب الرباني الوحيد الذي تعهد الله بحفظه قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 41-42].

والقرآن الكريم أنزله على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- للناس كافة وليس خاصة بقوم معينين، كما كانت تنزل الكتب السابقة فكان حفظه من التحريف،وصيانته من عبث الناس، ليبقى ما فيه حجة الله على الناس، قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

بعكس الكتب الأخرى، فقد وجه الكلام في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم، وهي وإن اتفقت في أصل الدين إلا أن ما نزل فيها من الشرائع والأحكام كان خاصا بأزمنة معينة وأقوام معينين قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)  [المائدة: 48].

لذلك لم يتعهد الله سبحانه بحفظ أي منها على مدى الدهور والأيام والأزمان كما هو الحال بالنسبة للقرآن، وقد تكملت عن أوجه الخيرية للقرآن الكريم  في باب ملامح الوسطية.

وبهذا أرجو من الله العلي العظيم أن أكون قد وفقت في بيان وسطية القرآن بالنسبة للكتب السماوية.

 

 

 

 

 

 

القسم الثالث

وسطية القرآن الكريم

في العبادة والأخلاق والتشريع

الفصل الأول

وسطية القرآن في العبادة

تمهيد:

منذ أن خلق الله الإنسان أوجد فيه القلب والعقل، والعاطفة والفكر، ووهبه القدرة والإرادة، وأمره وزوجه أن يسكنا الجنة، ونهاهما عن أكل الشجرة، وكان أمره –سبحنه- ونهيه لمقتضى ألوهيته وربوبيته على من كانت مقتضيات بشريته وآدميته محلا صالحا للعبودية التامة، ومن أول نظرة نجد أن هذه الحقيقة التي تثبتها عقيدة الرسل الكرام -عليهم السلام- ابتداء، تقول لنا: إن هذا بيان حاسم للتفريق بين ألوهية الباري –سبحانه وتعالى- المقتضية للخلق والأمر، كما يشاء وفق علمه وحكمته، وبين عبودية الخلق المقتضية للسمع، والانقياد، وفق التركيب الرباني الموجود في الإنسان المتجلي في الإرادة والقدرة، ومن هنا لا بد من وجود قاعدة الجد والقصد، والوسط والاعتدال، والعدل والحق في بناء هذا الكون بالتميز بين حقيقة الألوهية بحقوقها ولوازمها، وبين حقيقة العبودية بحدودها وضوابطها، وما ينتج من هاتين الحقيقتين من سمات وصفات ونتائج وهذه هي الانطلاقة الأولى لقضية التوحيد بالنسبة للإنسانية على وجه المعمورة، بدأت من آدم -عليه السلام- أبي البشر مرورًا بالأنبياء والمرسلين –عليهم السلام- حتى قيام الساعة، انفتحت وظيفة الإنسان في هذه الحياة، وتحددت بها مهمته في هذا الوجود([759]).

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: (فالإنسان وكل مخلق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيرا إلى خالقه، وليس أحد غنيا بنفسه إلا ا لله وحده، فهو الصمد الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة ألوهيته)([760]).

ذلك (أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته، والإخلاص له... وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه، وتألهم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم، ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشه يوم القيامة أعمى)([761]).

وهذه الوظيفة، وهذه المهمة للإنسان في الحياة الدنيا، هي التي من أجلها أنزل الله الكتب وأرسل الرسل: فالرسل إنما دعوا إلى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم فقال نوح: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم: قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]([762]).

وبذلك يتضح للقارئ الكريم أن العبادة هي الوظيفة الأولى والأساسية للإنسان في هذه الحياة.

المبحث الأول

معنى العبادة في اللغة والشرع

أولا في اللغة: العبادة والعبدية والعبودية: الطاعة([763]).

وفي لسان العرب: أصل العبودية: الخضوع والتذلل.

والتعبد: التنسك، والعبادة: الطاعة.

والتعبد: التذلل، والتعبيد: التذليل.

بعير معبد: مذلل، وطريق معبد: مسلوك مذلل([764]).

ويرى أبو الأعلى المودودي في معنى العبادة استنادًا إلى الاستعمال اللغوي لمادة (ع.ب.د) أن أصل معنى العبادة هو الإذعان الكلي، والخضوع الكامل، والطاعة المطلقة([765]).

ثانيا: العبادة في الشرع: خضوع وحب([766]) والعبادة المأمور بها العبد تتضمن معنى الذل والخضوع لله ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له([767]).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: (والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية والإجلال والإكرام والخوف والرجاء...)([768]).

وينص ابن القيم -رحمه الله-:  على أن (العبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع)([769])، ودعائم هذه العبادة التي تنظم أعمال الإنسان كلها القلبية، والعلمية الفردية والجماعية: المحبة والخوف والرجاء. وقد جعل ابن القيم هذه الثلاث في قلب المؤمن: (بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر([770]). وبهذا يتضح مفهوم العبادة في الشرع.

المبحث الثاني

التفريط والإفراط في العبادة

وقبل أن ألج في بيان منهج القرآن في العبادة، وبيان ملامح الوسطية في ذلك، أرى من المناسب ذكر المناهج السائدة فيما يتعلق بالعبادة تفريطا وإفراطًا، فأقول وبالله التوفيق.

المنهج الأول: ويمثله اليهود في تفريطهم وجفائهم، فلو تأملنا في التوراة –بعد تحريفها- لوجدنا تقديس المادة غلب على بنودها، فلا تقرأ في أسفار التوراة ذكرا للآخرة، حتى ما ورد فيها من وعد ووعيد فإنما هو متعلق بالدنيا فقط، فلا يعمل الشخص إلا لتحقيق كسب عاجل، أو خوفا من عقوبة عاجلة، بل بلغوا وطبقوا ماديتهم حتى في معرفة الله، فقالوا: (أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً) [النساء: 153]، وقالوا: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة: 55].

ووفقا لهذا التصور المادي الدنيوي أغرق هؤلاء في تقديس المحسوسات، واتخذوها للرقي، وأصبحت القيم المادية محور الحياة، وتحول الإنسان في نظر هؤلاء إلى آله تتحرك، ومعدة تهضم، وكائن يلهو وقد وصفهم القرآن الكريم ، وبين مدى تعلقهم بالحياة الدنيا وحرصهم عليها فقال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) [البقرة: 96]، أي حياة، حتى لو كانت حياة البهائم ونحوها وذلك لأنهم يخشون الموت (وَلَن يَّتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) [البقرة: 95]، لأنهم ربطوا غايتهم بالدنيا، فعلمهم للدنيا وعبادتهم لمآرب دنيوية! فإذا انتهت الدنيا فقد فاته كل شيء فهم بهذا أغرقوا في الشهوات، وعبدوا أنفسهم للماديات، فهم كمشركي قريش الذين قالوا: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ) [الجاثية: 24]، وهذا المنهج يمثل التفريط في أسوأ صوره وحالاته، ولذلك أمرنا الله أن نستعيذ منه من كل صلاة، ونسأله أن يجنبنا إياه: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7].

أما المنهج الثاني: وهو المنهج القائم على الروحانيات، وذلك بإعلائها وتمجيدها، والإغراق في مفهوم العبادة والرهبنة، ويمثل هذا المنهج النصارى، وهو منهج الإفراط والغلو وابتدع النصارى رهبانية قاسية على النفس، تحرم الزواج، وتكبت الغرائز، وتمنع كل أنواع الزينة وطيبات الرزق، وترى ذلك رجسا من عمل الشيطان وبالغوا في العبادة، وأخرجوها عن كيفيتها، وعن المراد منها، وأصبحت رهبانية غالية مشوهة، مغذية للأجساد، ابتدعوها من أنفسهم، بلا حجة ولا برهان: (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا ) [الحديد: 27].

ولذلك كانت حالهم ومآلهم: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ* عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) [الغاشية: 1-4]، وهذا المنهج يمثل الإفراط والغلو، وهو الوجه الثاني من وجوه الانحراف عن الصراط المستقيم، ولذلك أمرنا بأن نسأل الله أن يجنبنا إياه: (وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7].

المبحث الثالث

الغلو في العصر النبوي

لقد عاش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم- عاملين بمنهج الوحي على أفضل وجه وأعدله، وقدموا لنا صورة مثالية فريدة في تنفيذ منهج الله بتوازنه واعتداله ووسطيته، وشموله وواقعيته وكماله.

وبذلك نالوا شرف خيرية هذه الأمة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "خير أمتى قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"([771]). إلا أنه قد وقعت بعض المواقف الفردية المعدودة من بعض الصحابة تشير إلى الاتجاه إلى سبيل الغلو، والتشدد في الدين عن حرص صادق للازدياد من الخير، ولكن الرسول الكريم والمربي العظيم -صلى الله عليه وسلم- كان له بالمرصاد، فردهم عن هذا السبيل، وقوم هذا العوج، وصحح نظريتهم، وأرشدهم إلى سبيل الاعتدال والخير القويم، فاستجابوا وأطاعوا، كل ذلك كان بأسلوب حكيم([772]).

النموذج الأول: الثلاثة الرهط:

عن أنس -رضي الله عنه- قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم: أما أنا فأنا أقوم الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟... أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"([773]).

فهذا موقف من مواقف الغلو يجلي لنا سبب هذه النزعة: وهي الرغبة الصادقة في التزود من الخير دفعتهم للسؤال عن أسلوب النبي -صلى الله عليه وسلم- في عبادته، فلما علموا، رأوا أن ذلك قليل فقالوا ما قالوا.

ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقر هذا الاتجاه فبادر بعلاجه، وصحح نظرتهم لتحصيل خشية الله وتقواه؛ فبين أنها ليست بالتضلع من أعمال والتفريط في أخرى، ولكنها تحصل بالموازنة بين جميع مطالب الله، وهذا هو عين الوسطية والحكمة والاستقامة والاعتدال والعدل([774]).

نموذج آخر: عبد الله بن عمرو بن العاص:

قال عبد الله بن عمرو: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-" ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟"، قلت: إني أفعل ذلك، قال: "فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك حقا ولأهلك حقا فصم وأفطر، وقم ونم"([775]).

هذا موقف لشاب صالح تقي، أشرب قلبه حب الله وذاق حلاوة الوقوف بين يديه، فأسهر ليله، وأظمأ نهاره، وزهد في الدنيا، ولذاتها وبالغ في ذلك، وكان السبب في ذلك إرادة الخير، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت عينه ساهرة اهتماما بشؤون أمته فلم يقره على هذا المسلك برمته؛ بل هذب هذه النزعة حتى تؤتي ثمارها، كل ذلك بأسلوب حكيم، فبين له -صلى الله عليه وسلم- أن الفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية لا تتحمل ذلك دوما، نعم قد تتحمله فترة ولكن تحدث بعد ذلك انتكاسة، ولنا في تاريخ الرهبان عبرة وفي هذه القصة أيضًا، وبين -صلى الله عليه وسلم- أن المبالغة في العبادة يصحبها غالبا تقصير في حقوق أخرى كثيرة([776]).

نموذج آخر: أبو إسرائيل([777]):

عن ابن عباس قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"([778]).

فهذا يدل على سماحة ويسر الشريعة.

نموذج آخر: أبو الدرداء:

آخر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين سلمان([779]) وبين أبي الدرداء، "فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة([780]) فقال: ما شأنك متبذلة؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء قرب إليه طعاما فقال: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكل حتى تآكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له: سلمان: نم فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم فنام، فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن فقاما فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك، فقال له: "صدق سلمان"([781]).

فهذه ثمرة من ثمرات الأخوة الصادقة التي غرسها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نفوس أصحابه، وهذه الأخوة عليها معول كبير في تقويم مسلك الغلو، إذ هي تنشيء التفاهم والثقة وهما عنصران ضروريان في العلاج، وكان علاج سلمان فيه حزم وحكمة: فأبي أن يأكل إلا إذا أكل معه أبو الدرداء، ولما أرخى الليل سدوله، سلك طريقة عملية متدرجة في علاج الجموح وضبطه، فأمره بالنوم في أوله، ثم قام معه في آخره وصليا جميعا، وهكذا نجح العلاج عند توفر: الأخوة، والحزم، والحكمة ولين الطرف الآخر([782]).

نموذج آخر:

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي امرأة فقال: "من هذه؟"، فقلت: فلانة لا تنام من الليل، تذكر من صلاتها قال: (عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا"، وكان أحب الدين إليه ما دوام عليه صاحبه"([783])، وهذا توجيه نبوي كريم نحو الاعتدال والتوسط.

نموذج آخر:

عن أنس -رضي الله عنه- قال: دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسجد وحبل ممدود بين ساريتين. فقال: "ما هذا؟" قالوا: لزينب([784]) تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: "حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد"([785]).

فهذا الحديث يدل على أن النساء لم يكن أقل حرصا من الرجال على التزود من الخير، والتنافس في أعمال البر، وقد تجلى ذلك في هذه النزعة الجامحة نحو العبادة، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقر هذا الجموح الضار، فعمد إلى الزجر عنه، وأمر بالوسط النافع ولنستمع الآن إلى تعليق الإمام النووي النافع حول هذين الحديثين فيقول: "فيه دليل على الحث على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا بالصلاة؛ بل هو عام في جميع البر، وفي الحديث كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- ورأفته بأمته؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحا فتتم العبادة، بخلاف من تعاطي من العبادة ما يشق عليه فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه أو يفعله بكفلة وبغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم.

وقد ذم الله –سبحانه وتعالى- من اعتاد عبادة ثم فرط فقال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) [الحديد: 27]، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تخفيف العبادة ومجانية التشديد)([786]).

نموذج آخر: الزهد الغالي:

وقد ظهرت عند بعض الصحابة نزعة شديدة إلى العبادة والغلو فيها والانقطاع لها وحرموا على أنفسهم طيبات أحلت لهم فأنزل الله آيات تنكر عليهم هذا السبيل وتردهم إلى طريق الوسطية والاعتدال، ذكر الإمام الطبري (إن مجموعة من الصحابة منهم عثمان بن مظعون([787]) وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود: تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالخصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87].

يقول: لا تستنوا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الخصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا فليس منا من ترك سنتنا"، فقالوا: اللهم أسلمنا واتبعنا ما أنزلت([788]).

وقد ذكر هذه القصة بعض التابعين مرسلة ولها شاهد في صحيح البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وقال: رد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له ختصينا)([789]).

إن أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقواله، وتوجيهاته، ترجمة حية القرآن الكريم ، ونلاحظ: من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في علاجه لمسلك الغلو بدأ علاجه -صلى الله عليه وسلم- في بداية أمر الغلو قبل أن يستفحل خطره، حتى قضى عليه، كل ذلك بحكمة رائعة مبنية على معالجة الأمر بروح الشفقة والرحمة والأخوة، والتدريج في العلاج، وتقديم الحلول النافعة، وبيان محاذير وعيوب الغلو من التقصير في حقوق أخرى وإن الفطرة البشرية لا تطيق الاستمرار على هذا الغلو، وستر الغلاة وعدم التشنيع بهم، مع الحوار الهادئ معهم، وتصحيح المفاهيم، وبيان السبيل القويم، فالخشية والتقوى تحصل بالتوازن، لا بالمبالغة في أمر وإهمال أمور([790]).

إن الأحاديث والتوجيهات النبوية التي ذكرتها صريحة في رسم منهج الوسطية في العبادة، والحث على الاقتصاد، والاعتدال فيها والنهي عن التعمق والتشدد، والاقتصاد على ما يطاق من العبادة، والابتعاد عن تكلف ما لا يطاق.

المبحث الرابع

تقرير القرآن لمنهج الوسطية في العباد

نجد أن القرآن الكريم قرر منهج الوسطية في العبادة في آيات كثيرة، تنظم بها يلي:

أولا: الآيات التي تبين انحراف أولئك الذين صرفوا العبادة عن وجهها الصحيح، وذلك مثل:

قوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) [الزمر: 64].

وقوله: (وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ) [النمل: 43].

وقوله: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا) [المائدة: 76].

وقوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الزمر: 3].

ومثل ذلك قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11].

فهذه الآيات وأمثالها ترسم منهج الوسطية في العبادة ببيان انحراف طريق هؤلاء الذين قلبوا العبادة عن وجهها الصحيح.

قال ابن كثير في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ) قال مجاهد وقتادة وغيرهما: (على حرف) على شك وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف الحبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر)([791]).

وانظر: إلى قول القرطبي، حيث إن كلامه نص في محل الشاهد قال: (على حرف) على شك، قاله مجاهد وغيره، وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء: طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد وقيل: (على حرف) أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف، وقيل: (على حرف) على شرط([792]).

وقال ابن كثير في قوله تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في  جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، جاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهي عنه([793]).

ثانيا: الآيات التي جاءت تأمر بعبادة الله وحده، وتصف عبادته بالاستقامة، وبان عبادته هي الكلمة السواء، وغير ذلك مما يدل على أن عبادته هي الطريق الوسط السالم من الانحراف والضلال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) [آل عمران: 64]([794]).

وقال في أكثر من موضع: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [آل عمران: 51]، وقال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].

والآيات التي جاءت تأمر بعبادة الله وحده كثيرة جدًا، فما من نبي إلا قال لقومه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا) [الأعراف:59].

قال الطبري في قوله تعالى: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) [آل عمران: 64]، يعني بذلك –جل ثناؤه- قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل تعالوا هلموا إلى كلمة سواء يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم والكلمة العدل: وهي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، (وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) [آل عمران: 64].

وقال ابن كثير في الآية نفسها: (سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي عدل ونصف نستوى نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: (آل عمران: 64]، لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيء، بل نفرد العبادة لله (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [النحل: 36].

دعوة الأنبياء، وهو سواء بين الفريقين، أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف آخر، وقد فسره بقوله: (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ )([795]) الآية.

وبهذا يتضح لنا أن هذه الآية نص في الوسطية في العبادة، وهي عبادة لله وحده.

أما قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [آل عمران: 51]، فقد قال الطبري في معناها ذلك هو الطريق القويم، والهدى المتين الذي لا اعوجاج([796]).

وقال في آية مريم: (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [مريم: 36]،

يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه([797]).

وقال القاسمي: في قوله تعالى: (فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)[مريم: 36]: (أي قويم، من تبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوي)([798]).

وقد سبق أن أوضحت أن الوسطية تعني الاستقامة، وأن قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6]، من أقوى الأدلة على منهج الوسطية، كما يقرره القرآن الكريم.

ثالثا: الآيات التي جاءت في بعض أنواع العبادة كالصلاة، والدعاء وغيرهما، حيث نجد فيها أمرًا بالتزام منهج الوسط، ونهيا عن الإضاعة أو الرهينة، وهو ما يمثل الإفراط والتفريط.

وسأذكر بعض الآيات التي وردت في ذلك، مقتصرا على ما يبين المراد، مع بيان دلالة الآية على الوسطية:

1- ذم الله الإفراط في العبادة والغلو فيها، حيث قال في حق بني إسرائيل من النصارى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 27].

قال القاسمي: (الرهبانية هي المبالغة في العبادة، والرياضة والانقطاع عن الناس، وإيثار العزلة والتبتل)([799]).

وقال ابن كثير: (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا) أي: ابتدعتها أمة النصارى ما كتبناها عليهم. أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا )، أي: فما بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهممن وجهين:

 

أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.

الثاني: في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله -عز وجل-([800]).

وهذه الرهبانية التي ابتدعها النصارى لم يشرعها الله، وهي غلو في العبادة، ولذلك كانت النتيجة عدم قدرتهم على المحافظة عليها لمشقتها وصعوبتها.

وقول الله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) دليل على أن الله لا يشرع ولا يكلف بما فيه غلو ومشقة، كما سبق بيانه ولقد اعترف عدد من متأخرى النصارى بخطأ هذا الغلو والرهبنة التي ابتدعها أسلافهم، وأنها ليست من دين الله، ونحن لسنا بحاجة إلى ذلك؛ لأن الله قد بين هذا الأمر في كتابه،ولكن هذا الاعتراف له دلالاته التي لا تخفي.

وقد ذكر القاسمي بعض هذه الاعترافات تفصيلا، أذكر موجزًا منها([801]):

قال صاحب ريحانة النفوس – وهي نصراني: (إن الرهبنة قد نشأت من التوهم بأن الانفراد عن معاشرة الناس، واستعمال التقشفات والتأملات الدينية، وهي ذات شأن عظيم، ولكن لا يوجد سند لهذا الوهم في الكتب المقدسة؛ لأن مثال المسيح، ومثال رسله يضادانه باستقامة، ثم قال، ونحن نقول بكل جرأة: إنه لا يوجد في جميع الكتب المقدسة مثال، ونحن نقول للرهبنة، ولا يوجد أمر من أوامره يلزم بها، بل العكس)([802]).

وذكر القاسمي نقلا عن النصارى من كتاب البراهين الإنجيلية ضد الأباطيل البابوية: إن ذم الزيجة خطأ، لأنها عمل الأفضل، لأن الرسول أخبر بأن الزواج خير من التوقد بنار الشهوة، ثم قال: ومن المعلوم أن الطبيعة البشرية تغضب الإنسان على استيفاء حقها، ومن العدل أن نستوفيها، إلى أن قال: ولذلك نرى كثيرا من القساوسة والشمامسة، لا بل من البابوات المدعين بالعصمة، قد تكردسوا في هوة الزنى، لعدم تحصنهم بالزواج الشرعي.

ثم قال: فالطريقة الرهبانية هي اختراع شيطاني قبيح، لم يكن له رسم في الكتب المقدسة، ولا في أجيال الكنيسة الأولى وختم كلامه الطويل –بقوله: ولا تتسع الصحف لشرح جميع الأضرار التي وقعت على العالم بسبب الرهبنات. ثم عقب القاسمي على ذلك: وهو حجة عليهم منهم([803]).

هذه نتيجة الرهبنة والإفراط والغلو الذي ذمه الله، فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) [النساء: 171]، وقال: (وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) [الحديد:27].

وكما ذم الله الغلو والرهبنة فقد ذم التفريط، والتضييع والإهمال، فقال سبحانه: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: 59].

وقال ابن كثير مبينا دلالة هذه الآية على الخروج عن منهج الوسطية.

لما ذكر الله تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء -عليه السلام-، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله، وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره، وذكر أنه (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي قرون أخرى: (أَضَاعُوا الصَّلاَةَ ) وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي خسارة يوم القيامة([804]).

وقال الشنقيطي في تفسير الآية: (فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي: أولاد سوء. ثم قال: إن هذه الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات ثم قال: فإذا عرفت الكلام في الآية الكريمة، وأن الله توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي، الذي هو الشر العظيم، والعذاب الأليم، فاعلم أنه أشار إلى هذا المعني في مواضع أخرى، كقوله في ذم الذين يضيعن الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: (4. فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون: 4-6]، وأشار مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات، وتهديدهم، وكقوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [ الحجر:3].

ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار إلى هذا في مواضع كثيرة من كتابه، كما في سورة المؤمنين في وصف المؤمنين وكقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40-41]([805]).

2- وبعد أن ذكر الآيات التي تدل على النهي عن الغلو والإفراط أو التفريط والتضييع ذكر بعض الآيات التي تأمر بالتزام الوسط بين الإفراط والتفريط، قال تعالى: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) [الإسراء: 110]، نزلت هذه الآية ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوار بمكة: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا) كان -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن: (وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً)([806]).

قال القرطبي: روى مسلم عن عائشة في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا) قالت: أنزل هذا في الدعاء([807]).

والشاهد أن هذه الآية تأمر بالتوسط بين أمرين منهي عنهما وهما الجهر الشديد، والمخافتة والإسرار: (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً).

وقال تعالى: (وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف: 205].

قال القرطبي: (وَدُونَ الْجَهْرِ) أي دون الرفع في القول، أي: اسمع نفسك كما قال: (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) [الإسراء: 110]، أي: بين الجهر والمخافتة([808]).

وقال ابن كثير: (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) أي: ذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة، وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) [وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء ولا جهرًا بليغًا([809]).

وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16]، قال ابن كثير: أي جهدكم وطاقتكم وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، لأنه لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم فأنزل الله تعالى هذه الآية تخفيفا للمسلمين: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:16]، فنسخت الآية المذكورة، ودلالة الوسطية على هذا القول واضحة جلية.

ونقف أمام قوله تعالى في سورة المزمل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل: 1-4]، ثم قال في آخر السورة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) [المزمل: 20].

قال ابن كثير في تفسير لهذه الآية: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة الإسراء: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ) [الإسراء: 110]. أي بقراءتك([810]).

وقال القرطبي: قوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) قيل: (أي: فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم، وأصل التوبة الرجوع، فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر)([811]).

وفي الآيات السابقة دلالة واضحة على منهج الوسطية في قيام الليل.

المبحث الخامس

حقيقة العبادة في القرآن الكريم والسنة النبوية

ساد بين الناس مفاهيم خاطئة للعبادة، وصرفت عقولهم وقوبهم وأعمالهم عن هذه الوظيفة التشريفية التي خلق الله الإنسان من أجلها، وسخر له كل شيء في نفسه وفي الكون من حوله؛ ليقوم بها وفق أمر خالقه، وعند تأمل القرآن الكريم  والسنة النبوية وما تحويه من أخبار وأوامر ونواهي ووعد ووعيد، نجد كلها تدور حول تقرير ألوهية الله –سبحانه وتعالى- وعبودية الإنسان له.

فإذا كان خلق الإنسان وتسخير الكون له، وإيجاد العقل والقلب والإرادة فيه، وإرسال الرسل وإنزال الكتب وخلق الجنة والنار، وقبل ذلك وبعده، ما تقتضيه صفات الباري – جل وعلا- من كونه في ذاته وأفعاله –سبحانه وتعالى- حكيما عليما، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، ولم يخلق شيئا عبثا ولم يوجد شيئا لغيره حكمة وإذا كان القرآن المجيد، وما فيه من أخبار وأوامر ووعد ووعيد جاء لأجل هذه المهمة العظيمة، ألا وهي تعبيد الخلق كلهم لله سبحانه فكيف يصح حينئذ أن يتصور أن العبادة هي النية النقية وحسب، أو أنها الشعائر التعبدية فقط، أو أنها لبعض نشاطات الإنسان دون بعض، أو لبعض أفعاله وأحواله دون بعض.

بل إن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة: إنها تشمل شؤون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعا، وتستغرق كافة مناشطه وأعماله([812]).

وبهذا المعني الشامل، فهم السلف الصالح عبادة الإنسان فردًا كان أو جماعة، وقد لخص هذا المعنى الشامل للعبادة وحدد ماهيتها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حين قال: (العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله...)([813]).

وبهذا التعريف الجامع لا يمكن أن يخرج أي شيء من نشاطات الإنسان وأعماله، سواء كان ذلك في العبادات المحضة، أو في المعاملات المشروعة، أو في العادات التي طبع الإنسان على فعلها.

أما في العبادات والمعاملات المشروعة فإنها مما يحبه الله ويرضاه، وهذا أمره الشرعي الدائر بين الأحكام الخمسة التي اصطلح عليها الفقهاء وهي: (الواجب والمحرم، والمستحب، والمكروه، والمباح) أما في العادات فالذي لم يوجد منها بأوامر الشرع، ولم يقيد بأحكامه على وجه الخصوص فإنه لا يخرج عن كونه داخلا تحت عمومات الشرع باعتبار عبودية الإنسان في كل أحواله لله سبحانه، وباعتبار أن: (العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله، أو فيما يكرهه، فلهذا أيضًا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين في أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة)([814]).

وإن كان ينبغي لنا هنا الإشارة إلى أن الأصل في العبادات المحضة المنع حتى يرد ما يدل على مشروعيتها، وأن أصل العادات العفو حتى يرد ما يدل على منعها، وذلك مبني على (أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينه، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم، مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا أن يكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به، كيف يحكم عليه بأنه عبادة؟!

وما لم يثبت في العبادات أنه منهي عنه، كيف يحكم عليه أنه  محظور؟ والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرم)([815]).

وهذا التقسيم في الحظر والإباحة لا يخرج شيئا من أفعال الإنسان العادية من دائرة العبادة لله، ولكن ذلك يختلف من درجته ما بين عبادة محضة وعادة مشوبة بالعبادة، وعادة تتحول بالنية والقصد إلى عبادة، لأن المباحات يؤجر عليها بالنية والقصد الحسن إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة، أو المندوبة أو تكميلا لشيء منهما([816]).

وقال النووي في شرحه لحديث: "وفي بضع أحدكم صدقة"([817]): (وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنية الصادقة)([818]).

ومن ذلك يتضح: (أن الدين كله داخل في العبادة، والدين منهج الله جاء ليسع الحياة كلها، وينظم جميع أمورها من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة، وسياسة المال، وشؤون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.

إن الشعائر التعبدية من صلاة، وصوم، وزكاة لها أهميتها ومكانتها؛ ولكنها ليست العبادة كلها، بل هي جزء من العبادة التي يريدها الله تعالى.

إن مقتضى العبادة المطالب بها الإنسان، أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرفاته وسلوكه وعلاقاته مع الناس وفق المناهج والأوضاع التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، يفعل ذلك طاعة لله واستسلاما لأمره...)([819]).

والدليل على المفهوم الشامل للعبادة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم: فأما من القرآن الكريم  فقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31]، (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162-163]، (5.   وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ) [البينة: 5].

ومن السنة أحاديث كثيرة بعضها في عموم العادات بدون تخصيص، وبعضها الآخر في أفراد السلوك العادي، وفي هذا الأخير دليل وتنبيه على المعنى العام المقصود إثباته هنا فمن ذلك:

قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقه، وهو يحتسبها كانت له صدقة"([820]).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم"([821]). وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك"([822]).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابة فيحمل عليها، أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة"([823]).

وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت"([824]).

وأما الاستدلال على عموم العبادة وشمولها لحياة الإنسان بفعل السلف وفهمهم ففيما رواه البخاري في صحيحه عن أبي بردة([825]) في قصة بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، وفي آخره قال أبو موسى لمعاذ: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما احتسب قومتي([826]).

وفي كلام معاذ -رضي الله عنه- دليل أن المباحات يؤجر عليها بالقصد والنية.

المبحث السادس

شروط قبول العبادة في القرآن الكريم

من وسطية القرآن الكريم  بيانه لشروط قبول الأعمال وجاءت الآيات والأحاديث النبوية التي رسمت هذه الشروط وأصلتها، وجعلتها في شرطين اثنين هما: أولا: الإخلاص، وثانيا: المتابعة. وبينت الآيات والأحاديث ضرورة توفر الشرطين في قبول أي عمل.

الشروط الأول: الإخلاص:

وهذا الشرط متعلق بالإرادة، والقصد، والنية والمقصود به: (إفراد الحق –سبحانه وتعالى- بالقصد والطاعة)([827]).

والنية تقع في كلام العلماء بمعنيين كما قرر ذلك ابن رجب فقال: (أحدها: تميز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر عن العصر مثلا.. إلى أن قال: والمعني الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه وهي التي توجد كثيرا في كلام السلف المتقدمين...)([828]).

والأدلة على هذا الأصل في القرآن والسنة وكلام السلف ومن سار على نهجهم كثيرة. فمن القرآن قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ *أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) [الزمر: 2-3].

قال ابن كثير: (أي لا يقبل الله من العمل، إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له)([829]).

وقوله -عز وجل-: (وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) [الزمر: 11-14]، وقوله تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: 29].

قال ابن كثير: (أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محلها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وجاؤوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك)([830]).

وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [النساء: 125]، قال ابن القيم: (فإسلام الوجه: إخلاص القصد، والعمل لله...)([831]).

ومن الأحاديث النبوية:

1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"([832]).

قال ابن رجب -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث: (... فهذا يأتي على كل أمر من الأمور... وهو أن حظ العامل من عمله نيته... وأنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرا حصل له خير، وإن نوى شرا حصل له شر.. وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء...)([833]).

وقال الشوكاني([834]) -رحمه الله-  في مقدمة أدب الطالب عند ذكره لهذا الحديث: (... حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بنية، فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية، لا اعتداد بها ولا التفات إليها؛ بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب..."([835]).

2- وفي الحديث الصحيح من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم- : "ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم..."([836]).

قال ابن القيم: (أي لا يبقي فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تلمؤه غلا ودغلا، ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة)([837]).

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري، فهو للذي أشرك فيه وأنا منه برئ"([838]).

وعن أبي أمامة([839]) قال: (جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا شيء"، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه"([840]).

وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "الغزو غزوان، فأما من غزا ابتغاء وجه الله تعالى وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة وياسر الشريك، واجتنب الفساد في الأرض، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لن يرجع بالكفاف"([841]).

وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله في النار"([842]).

وفي حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما علمت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت: قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيه القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقى في النار"([843]).

وأما ما ورد عن السلف في الإخلاص: فهو كثير وفير، إليك قليل من أقوالهم:

1-عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- قالا: (لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة)([844]).

2-وعن أبي العالية([845]) قال: (كنا نحدث منذ خمسين سنة، أن الأعمال تعرض على الله تعالى ما كان له منها قال: هذا لي وأنا أجزي به وما كان لغيره قال: اطلبوا ثواب هذا ممن عملتم له)([846]).

3-وعن مطرف بن عبد الله([847]) أنه قال: (صلاح القلب، بصلاح العمل، وصلاح العمل، بصحة النية)([848]).

4-وعن يحيي بن أبي كثير([849]) أنه قال: (تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل)([850]).

5-ومما روى عن الفضيل بن عياض([851]) أنه تلا قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [تبارك: 2]، فقال: (أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا، لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص إذا كان لله -عز وجل- والصواب إذا كان على السنة)([852]).

الشرط الثاني في قبول العبادة:

الموافقة للشرع، وهذا الشرط تعلق بالعمل سواء كان عمل القلب، وهو ما يسمى بالاعتقاد، أو عمل الجوارح، وهذان هما مدار العبادة، ومحل الإيمان الذي هو اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان وعمل الأركان، فلا بد من متابعة الشرع والانقياد له في أعمال القلوب كالحب والبغض، وفي أعمال الجوارح، التي يتعبد بها الإنسان، وسوف أذكر بعض الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وكلام السلف.

أما الأدلة من القرآن فكثيرة منها:

1- قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153].

2-   وقوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3].

3- وقول تعال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: 125].

ومن السنة:

1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله"([853]).

2- قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"([854]).

3- قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد"([855]).

4-وعن العرياض بن سارية([856]) قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك"([857]).

من كلام السلف عليهم رضوان الله:

1-عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: (إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأمر)([858]).

2-وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (إنا ناسا يجادلونكم بشبه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله -عز وجل-)([859]).

3-وعن مطرف بن عبد الله يقول: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغين في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه-: "سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله -عز وجل- واستكمال لطاعة الله -عز وجل- وقوة على دين الله تبارك وتعالى، ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله تعالى ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا)([860]).

وقد ورد عن السلف من هذا القبيل كثير، وفي هذا القليل الذي ذكرناه ما يسد حاجة الاستدلال هنا.

وبعد ذكر شرطي العبادة المقبولة عند الله –سبحانه تعالى- يتبين أن (... دين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبد بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل...)([861]).

وهذان الأصلان هما من حقيقة كلمة التوحيد، والركن الأول من هذا الدين، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال: (ودين الإسلام مبنى على أصلين وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر...).

الأصل الثاني: (أن نعبده بما شرع على ألسن رسله...)([862]).

(وبالجملة، فمعناه أصلان عظيمان، أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، ولا نعد بعبادة مبتدعة)([863]).

إن الغاية من خلق الإنسان وكتابة الموت والحياة عليه واضح في قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [تبارك: 2]، والأحسن عملا يتضمن أمرين، كما فسر ذلك الفضيل بن عياض -رحمه الله-:  عندما قال: (أحسنه أي أخلصه وأصوبه)([864])، فأخلصه هو (لا إله إلا الله)، وأصوبه هو (محمد رسول الله) وهو الذي أشارت إليه سورة الفاتحة، أم القرآن الكريم  (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 6-7].

والذين أنعم الله عليهم هم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته – رضوان الله تعالى عليهم- والذين ساروا على هذا (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، أي الصواب الموصل للغاية وهذا الطريق وسط بين طريقين([865]).

وبهذا يتضح فساد طريق العباد الروحانيين من نصرانية محرفة أو شعوذة، أو صوفية باطلة، أساسها الجهل فزاغت عن الطريق وتجنبت الإصابة المنشودة، وإن صلحت نياتهم ومقاصدهم، وخلوصهم من كل شابة شرك لأحد آخر، إلا إنهم ابتعدوا عن المنهج الرباني المرسوم في قبول العبادة.

وكذلك يتضح فساد طريق علماء السوء، الذين أخطئوا الغاية من العلم، فما صلحت غايتهم، وإن كانوا على بينة من الطريق، لكن أعينهم تنظر إلى غاية أخرى يتلموسها على جنبات الطريق، فقدوا التثمير والإخلاص المقصود والمنشود، فسقطوا دون الغاية الكبرى، المتعبدين بالسير نحوها ويذكر عادة كمثال لهؤلاء السالكين اليهود، الذين غضب الله عليهم، لتنكبهم الصراط المستقيم عن علم([866]).

أما الوسط فهو الصراط المستقيم الذين هو عين الوسطية، وبذلك يتضح أن شرطي قبول العبادة دليل على وسطية القرآن في باب العبادة.

المبحث السابع

أقسام العبودية في القرآن الكريم  

تنقسم العبودية في القرآن الكريم  إلى أقسام:

أولا: عامة، وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 93]. ويدخل في ذلك الكفار.

ثانيًا: عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: 63].

وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه.

ثالثا: خاصة الخاصة، وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام قال تعالى عن نوح: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: 3]، وقال عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) [البقرة:23].

وقال في آخرين من الرسل: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأَبْصَارِ) [ص: 45]، فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة، لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية([867]).

ومن أجل تركيز معنى العبودية كان خطاب الله تعالى للخلق، ووصفه لهم، ودعائه إياهم بهذا العنوان المتكرر: (عبادي)، أو ما ماثله من الألفاظ وقد وصف الله به الكفار: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) [الفرقان: 17].

ووصف به المؤمنين: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: 56].

والمذنبين منهم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]، وهو وصف الله تعالى للملائكة: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) [الأنبياء: 26].

والرسل: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: 171].

والمسيح ابن مريم منها خاصة؛ لأنه اتخذ إلها من دون الله -عز وجل-: قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ) [الزخرف: 59]، (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: 172].

ومن وسطية القرآن وحكمته بيانه أن العبودية والعبادة لغير الله هي أعتى أباطيل الجاهليات، وهي ذلك ومهانة للإنسان، لأنها خضوع لغير من يستحق ذلك، وانقياد للمشارك في الوصف: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الأعراف: 194]، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) [النحل: 20]، والدعاء في الآيتين بمعنى العبادة.

لذلك كانت العبودية لله تعالى وحده حقا بموجب الخلق، والرزق، وشمول قدرته وسائر ما تفرد به من صفات الكمال والجلال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11].

فعبادة الله تعالى بهذا الوجه هي الكرامة، والعزة؛ لأنها خضوع في موضعه للمتفرد باستحقاقه، رب الكون ومليكه، وصاحب العظمة والكبرياء، والمتفضل بالعطاء والنعماء.

ولذلك كان هذا الوصف أجل أوصاف التشريف، وقد اختاره الله تعالى لأكرم رسله، في أعظم مواقف تكريمهم، فيقول الله تعالى عن خاتم رسله في مشهد الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى) [الإسراء: 1]، وفي مشهد العروج حيث بلغ التكريم أقضاه: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: 8-10].

ومن أجل تحقيق العبودية لله وحده ندد الوحي الإلهي أشد تنديد بعبادة غير الله تعالى، وقرع العابدين والمعبودين –إن رضوا بذلك- وتوعدهم جميعا بخزي الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

  ‌أ.    تنديد بعبادة أكرم خلقه من الملائكة، والرسل، وسؤالهم على رؤوسهم الأشهاد يوم القيامة: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ: 40-42].

والآية تنديد أيضًا بعبادة الجن، وتبرئته للملائكة من وصمة الرضا بما زعمه الزاعمون من مشركي الجاهليات:

(وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 116-118].

ب- ومن أبلغ ألوان التنديد القرآني وأشدها زجرا واستنكارا، ما جاء في شأن الطواغيت الأحياء من سادات الأمم، ورؤسائها وكبرائها، الذين عبدوا من دون الله، سواء عبادة تأليهية، أو عادة طاعة واتباع في الحلال والحرام، على خلاف أوامر الله تعالى مع اعتقاد ذلك.

فمن الأول ما جاء في شأن فرعون، وتقديس قومه له، واعتقادهم فيه ما ادعاه من الألوهية: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38]، والربوبية: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى) [النازعات: 24]، من أجل ذلك استحقوا التنديد، والعذاب، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِّلآَخِرِينَ) [الزخرف: 54-56].

ومن الثاني قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31]، والقرآن الكريم بعد ذلك غاص بتبكيت الذين عبدوا الأحجار، والشمس، والقمر، والعجول وغيرها من خلق الله -عز وجل-، وهو يحدد في غاية الوضوح أن كل عبادة لا يعتد بها إلا إذا كانت خالصة لله -عز وجل- وحدهن لا يخالطها دنس الشرك أو الرياء: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].


المبحث الثاني

أهمية الجانب العبادي في حياة الإنسان

إن مهمة الجانب العبادي للإنسان تعتبر ركنا أصيلا في المنهاج الإلهي، الذي شرعه الله تعالى على غاية العلم والحكمة، وجعله بناء محكما يشد بعضه بعضا، ويؤدي كل جانب فيه عمله الخاص أو العام على غاية التفرد، والتفوق والامتياز، ويظن بعض الناس أن العبادات في المنهاج الإلهي هي ضروب من الطقوس، أو المراسيم الشكلية فرضت على العباد فرضا لغاية دينية محضة، هي إظهار الذل والخضوع لله تعالى فقط، وليس لها وظائف عظمي تابعة.

والحق أن العبادات التي سنها الله لنا ذات تأثير شمولي مشرق، ولها اخطر المهمات في تمكين الحقائق العليا للرسالات الإلهية، وتحقيق الفطرة الإنسانية على وجهها الصحيح المستقيم، طالما تمثلت فيها عناصر الحب والذل، والرجاء والخوف، ونحوها. ومعلوم لدى العلماء أن للعبادة مقصدًا أصليا، وهو التوجه إلى الواحد الصمد، وإفراده بالعبادة في كل حال، طلبا لرضى الله، والفوز بالدرجات العلي، وهناك مقاصد تابعة للعباد مثل صلاح النفس واكتساب الفضيلة([868]).

فالصلاة مثلا أصل مشروعيتها الخضوع لله تعالى، وإخلاص التوجه إليه، والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه، وتذكير النفس بذكره، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]، وقال: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45]، يعني أن اشتمال الصلاة على التذكير بالله هو المقصود الأصلي، ثم إن لها مقاصد تابعة كالاستراحة إليها من أنكاد الدنيا وإنجاح الحاات كصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة، وكذلك سائر العبادات لها فوائد أخروية وهي العامة، وفوائد دنيوية وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية وهي الانقياد والخضوع لله([869]).

وإذا تأمنا في مهمة العبادة يمكننا أن نستخلص الآتي:

أولا: تثبيت الاعتقاد:

إن روح العبادة هو إشراب القلب حب الله تعالى، وهيبته، وخشيته، والشعور الغامر بأنه رب الكون ومليكه، والتوجه دائما بما شرع من شعائر ونسك، باعتبارها مظهرا عمليا دائما لصدق الإنسان في دعوى الإيمان، وتذكيرا مستمرا بسلطان الإله الأعلى، وإلهابا متجددًا لجذوة اليقين في الله، ورجاء فضله وثوابه.

ولنأخذ مثالا عباديا لتثبيت معنى التوحيد، وإجلال الله تعالى، وهو (الأذان) وقد شرع بدخول أوقات الصلاة المفروضة، فهو يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وينادي به منادي المسلمين صوتا في كل مكان يوجد به تجمع إسلامي، ولو كان أدنى الجمع من المسلمين، بل شرع مع ذلك للمسافر، والمنفرد، ولو كان في بادية لما يمثله من معان عظيمة ليس مجرد الإعلام بدخول الوقت.

إن المؤذن حين ينادي بصوته الأعلى: (الله أكبر الله أكبر)، ثم يكررها، يطلب شرعا أن يرده معه كل مسلم ومسلمة حين يسمعون هذا القول الأجل، لينسكب في مشاعر الجميع وفي أوقات متكررة متقاربة معنى الكبرياء المطلق لله رب العالمين، وأنه تعالى فوق كل شيء وأكبر من كل شيء فينبغي أن يعتز به وحده، ويلوذ بحماه وكنفه، ويستعلي فوق أعناق الطواغيت والجبارين بهذا النداء الجهير، الذي أراد الله -عز وجل- أن يتوطأ عليه المجتمع كله، وأن يظل حتى المنفرد على صلة دائمة به.

فإذا تقرر هذا المعنى عاد النداء لأجل ليملأ الآفاق: (اشهد أن لا إله إلا الله) وهو تذكير يومي بالعهد والميثاق الذي أعطاه العبد لربه بأن لا يعبد ولا يطيع إلا ربه الأكبر، المتفرد بالكبرياء في السماوات والأرض.

ثم يأتي الشق الثاني من الشهادة: (أشهد أن محمدًا رسول الله) وهو كما علمت إقرار متكرر أيضًا بالطريق الذي تؤخذ عنه العبادة المشروعة، والتي لا تصح إلا بالتلقي عن الوحي الإلهي الذي جاء به المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.

ثم يأتي رابعًا: الدعوة إلى الصلاة نفسها في جملتين فقط: (حي على الصلاة، حي على الصلاة)، لأن الآذان كما قلنا أبعد مدى، وأشمل آثارًا، ثم يأتي (خامسا) الدعوة العامة إلى الفلاح المطلق.. المتمثل في الاستجابة لهذا الدين الإلهي الأغر، ومثله وتعاليمه، وفي مقدمتها الصلاة بداهة. ولذلك يعود الشارع بالمؤذن إلى نقطة البد ليكبر في الختام للتأكيد على تفرده تعالى بالكبرياء، وإعلان التوحيد بصيغة الإقرار والإثبات بعد صيغة الشهادة السابقة: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، معنى هذا أن الآذان وحده يجري على ألسنة المؤمنين، ويسكب في ضمائرهم، ويغرس في حياتهم ووجدانهم إفراد الله تعالى بالكبرياء (ثلاثين) مرة يوميا، وإفراده تعالى بصفة الألوهية الذي تفرده بالعبادة والطاعة (خمس عشر ) مرة، وهو نداء لا يتقيد بحدود معبد، أو مسجد، وإنما ينطلق ليدخل كل بيت، ويصافح كل سمع، ويطرق كل قلب يريد الهدى.

وإذا كان هذا هدف الوسيلة في تقرير الأصول العليا فإن القصد الذي تؤدي إليه (وهي الصلاة) أعظم شأنا، وأتم مظهرا، فقد فرضها الله على كل بالغ من الذكور والإناث خمس مرات في اليوم والليلة، وهي تبدأ بالتكبير ويطلب المصلي بتكرر هذه الجملة (الله أكبر)، في صلوات الفرض فقط (أربعة وتسعين مرة)، عدا ما يقرع سمعه بعددها من صلوات إمامه إذا صلى جماعة، فضلا عن السنن الراتبة والنوافل المطلقة وهي أضعاف ذلك.

ثم إن العبد يتلو كتاب ربه في صلاته، ويحني له ظهره راكعا، ويخر بجبهته ساجدًا، ويناجي مولاه معظما، ومسبحا، وحامدًا، وداعيا، وليس هناك في الوجود أسمى وأجل من هذه الشعيرة في ربط العبد بهذا السلطان الإلهي، وإلهاب نفسه بمعاني عظمته وسموه([870]).

إن الصلاة عندما تؤخذ على وجهها الصحيح – واحة وراحة يسكن إلى ظلها المؤمن كلما مسه تعب الحياة ولغوبها، وهذا مصداق قول الله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19-23].

ثانيا: تأسيس وتثبيت القيم الأخلاقية:

فقد جاء المنهاج الرباني في العبادة ليتمم مكارم الأخلاق، ويدعو الناس إلى المثل العليا، والفضائل الكريمة كالصبر، والمثابرة، والسماحة، والسخاء، والصدق، والتراحم، والمواساة، والأمانة، وغيرها من القيم التي تقوم عليها قيمة الفرد والمجتمع، والتي تحقق للإنسان سعادته في الدنيا فضلا عن الآخرة، وللعبادات بأنواعها مهمة عظيمة في تثبيت هذه الأخلاق، وتدعيمها، وغرسها في نفس المؤمن ووجدانه، (فالصلاة) مثلا تعود المؤمن الصبر، والدأب،و الإخلاص والنظام، حتى تصبح جميعا خلقا راسخا في النفس، فالمسلم النائم حين يقوم من لذة الذكرى على نداء المؤذن (الصلاة خير من النوم)، وكذلك حين ينسحب من ضجيج الأسواق والبيع والشراء ملبيا لنداء (حي على الصلاة)، ثم لا يزال دأبه هكذا عبر الساعات، والأيام، والأعوام، فهذا وأمثاله لا بد أن تتربى فيهم هذه المعاني الخلقية العلية.

(والزكاة) التي أخذت من معنى الزيادة، والنماء، والتطهير، لها –هي الأخرى- أكبر الأثر في تنقية الخلق من زخم الشح والبخل والإمساك، وفي طبعه بطبائع البذل ، والعطاء، والسخاء، كذلك تستل سخيمة صدور المحتاجين، وتبدل به شيئا من خلق الحب والمودة، أو على الأقل سلامة الصدر، فتشيع في المجتمع تبعا لذلك كل علائق التداني والتقارب، وتتداخل صلاة الناس بمشاعر الألفة، وإلى مثل هذا يشير قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) [التوبة: 103].

(والصوم) له عمله الأساسي في تربية الإرادة الإنسانية والضمير الحي اليقظ الذي يتعامل على أساس من رقابة الله تعالى له، وإطلاعه عليه، فضلا عن غرس خليقة الصبر، والضبط النفسي بالإمساك الطويل عن شهوتي البطن والفرج، وبالكف عن اللغو، والصخب، والقدرة على تغيير عاداته حتى لا يتعود الجمود، أو تسعبده عاداته وتقاليده([871]).

ثالثا: إصلاح الجانب الاجتماعي:

ويظهر ذلك في الصلاة ودورها في إيجاد العلاقات الاجتماعية.

وذلك واضح في الحكمة من صلاة الجماعة، لأن اجتماع المسلمين راغبين في الله، راجين، راهبين، مسلمين وجوههم إليه خاصة عجيبة في نزول البركات، وتدلي الرحمة فيحدث التعاون، والتعارف، والوحدة والاجتماع على فعل الخير.

ثم تأتي صلاة الجمعة: فتجمع أهل الحي على هيئة جامعة أكثر من ذلك في كل يوم جمعة، حيث شرع الله لنا خطبتها تذكيرا وتعليما للمسلمين بما يصلح دينهم ودنياهم، كحد أدنى للتثقيف العام في أمور الدين، ثم تأتي صلاة العيد. فتجمع أهل المدينة كلهم مرتين في السنة في عيد الفطر والأضحى، يخرجن الأبكار والعوائق([872])، بل والحيض يشهدان الخير ودعوة للمسلمين، ويعتزلن المصلى كما جاء في الحديث الصحيح الذي ترويه أم عطية([873]) -رضي الله عنها- قالت: (أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور([874]))([875]).

هذا عدا ما شرعه تعالى لنا من صلوات جامعة في مناسبات شتى، كالاستسقاء، والخسوف، والكسوف، والجنائز، والتروايح في رمضان، إن الصلاة –لو وعي المسلمون حقيقتها-لهي توجيه وتنظيم اجتماعي كامل، يتمثل فيه المجتمعا لكبير، بقدر ما يحسن المسلمون هذه الصلاة، وما تعنيه من معان وتوجيهات، بقد رما يري لهم إحسان الحياة في اجتماعاتهم، ولا فرق في هذا المنهاج بين المسجد والمجتمع، فكلاهما تجمع يجب أن يخضع لدين الله وتعاليمه([876]).

أما الزكاة: هي في حقيقتها واجب مالي يؤخذ من الأغنياء ليرد على الفقراء وذوي الحاجة من الغارمين، والأرقاء وغيرهم، وهي بذلك تمثل الحد الأدنى المفروض فرضا للتعاون الاجتماعي، والتكافل الاقتصادي بين أبناء الأمة الواحدة، لذلك جعل الله تعالى معظم مصارفها اجتماعية بحتة، بأوسع المدلولات الاجتماعية في القديم أو الحديث على السواء، وكما جاءت صلاة العيد لتوسع دائرة الاجتماع في الصلاة، تأتي هنا أيضًا (زكاة الفطر) لتوسع قاعدة التكافل، والتعاون إلى أقصى حد.

أما الأثر الاجتماعي لفريضة (الحج) فواسع شامل، ولا زالت آثاره تظهر كل يوم بجديد من حكمة الله تعالى في تشريعه، وقد أشار القرآن الكريم إلى كثير من ذلك، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) [البقرة: 198].

روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: (كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتاجروا في موسم الحج، فسألوا رسول الله فنزلت الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) [البقرة: 198]([877]).

وقال تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: 27-28].

والمنافع المشهودة كلمة جامعة، تشمل المنافع الروحية، والمادية والاجتماعية، والسياسية والثقافية، والاقتصادية وسائر ما يطلق عليه اسم (المنفعة)، وقد جعلت غاية من غايات الحج وتقديمها على ذكر الله تعالى إيذان يبالغ أهميتها في مراتب المنافع والحكم الشرعية، وإن من أعظم هذه الفوائد جمع أطراف الأمة المسلمة كل عام، وما يحققه من استنفار جزء من كل إقليم سنويا ليركبوا الأخطار والأسفار، ويقطعوا السهول والقفار، أو يمتطوا الأجواء والبحار، ويتركوا الأولاد والأهل والديار فيجتمع المسلمون من أطراف الأرض، ويلتقي الشرقي بالمغربي، والمصري بالهندي، في مؤتمر جامع، ورحلة مباركة، وليحققوا عمليا دعوة القرآن بالسيرة في الأرض، والسياحة في الآفاق، ومطالعة والمشاهد المقدسة، ومنازل الوحي، وآثار النبوة منذ أبي الأنبياء إبراهيم إلى خاتمهم محمد صلى عليهم جميعا وسلم، ثم مدارج الصحابة رضوان الله عليهم، التي تهب المسلمين منها روح الإخلاص، والبذل، والعطاء، والانقياد المطلق لأمر الله -عز وجل-([878]).

ومن ناحية أخرى فالحج نظام: يوجب على الجميع زيا واحدًا، وحركة واحدة، وكلمة واحدة، وطاعة واحدة وبتثبيت الاعتقاد، والأخلاق، وإصلاح الاجتماع تأخذ العبادات الإسلامية دورها العظيم في بناء الحياة الإنسانية على ارفع القواعد، وأنبل الغايات، وأكرمها وأطهرها، وتأخذ بالإنسان إلى أفق أرفع من التراب والطين، ومتاع الحياة الفانية، حيث تربطه بالحي الباقي، وبالنعيم الخالد، فهي غسيل مستمر لأدران المادة، وتهذيب لطغيانها... وعبادات الإسلام تقوم في أساسها على مراعاة الرقابة الإلهية، وابتغاء الآخرة، دون واسطة بين العبد وربه في العبادات كلها، وحرر الإنسان من عبودية الكهانة، وطقوسها ورسومها([879])، ومنهج القرآن في العبادة مبنى على الحكمة والاعتدال والاستقامة التي هي أبرز ملامح الوسطية.

المبحث التاسع

التوجيهات القرآنية في مجال العبادة

تمهيد: إن الجاهلية أفسدت العقائد والأفكار، وأفسدت العبادات والشعائر، وأفسدت الأخلاق والآداب، وأفسدت النظم والتقاليد، وأفسدت الحياة كلها، وأصابت الأديان كلها فانحرفت عن الصراط المستقيم.

وعندما أراد الله أن يبعث سيد المرسلين بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، كانت الدنيا مليئة بالعبادات والشعائر بعضهما بقايا أديان سماوية، وبعضهما إضافات بشرية، وابتداعات شيطانية، ففقد معنى التعبد وروحه ومعنى الإخلاص لرب العالمين. وأصبحت البشرية ضائعة بين أديان تشتت وتعنتت وتزمتت، وأخرى ترخصت وغلت في الترخيص، وأصبح الديانة كأنها لهو ولعب، وأصبح بعض البشر لا دين لهم وجاء الإسلام، فلم يحاب الغالين، ولم يوافق المنحرفين، بل شرعه الله (دِينًا قِيَمًا) لا عوج فيه، ولا غلو ولا تقصير؛ بل كان كما قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [الأنعام: 161-164].

إن في القرآن الكريم  عدة توجيهات ومبادئ إصلاحية كانت ولا تزال هي حجارة الأساس، التي يقوم عليها صرح العبادة الشعائرية في الإسلام([880]).

وهذه الإصلاحات، والتوجيهات، والمبادئ العظيمة تدل بكل وضوح على وسطية القرآن في مجال العبادة. ومن هذه التوجيهات في مجال العبادة.

أولا: لا يعبد إلا الله:

في الفترات التي طال فيها الأمد على دعوة الرسل فنسيت أو حرفت، ضل الناس وعبدوا أنواعا من الآلهة لا يكاد العقل يصدقها. فهناك قوم عبدوا الشمس، كما حكي القرآن عن ملكة سبأ وقومها على لسان هدهد سليمان: (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ) [النمل: 24]، وهناك طائفة عبدت الجن كما قال تعالى: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ) [سبأ: 41].

وهناك من عبد الأصنام والأوثان واشتهر بذلك مشركو العرب، ولما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما، فجعل يطعن بسيفه في وجوهها وعيونها ويقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81]، وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.

وضل اليهود والنصارى عن طريق التوحيد، وزحفت عليهم الوثنيات فأفسدت عليهم دينهم، ونسب اليهود إلى الله ما لا يجوز أن ينس من صفات النقص والندم والتعب، ومر بنا ذلك بالتفصيل وأصبحت النصرانية مزيجا من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية، والمهم أن القوم عبدوا المسيح الذي كان من أشد الناس عبادة لله، واعترافا بعبوديته لربه: واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ذلك هو الشرك الذي انتشر في الآفاق قبل نزول القرآن، وتلك هي الوثنية الجاهلية التي سيطرت على عقول الناس وأفكارهم وتصوراتهم وعقائدهم.

وجاء الإسلام يدعو إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة كل ما سواه ومن سواه من الآلهة المزعومين، والأرباب المزيفين، سواء كانوا من البشر أم من الجن أم أي عالم من عوامل المخلوقات العلوية والسلفية إن القرآن الكريم  بين التوحيد بأنواعه، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، الذي هو إفراد الله بالعبادة. إن سر الإسلام – على سعة تعاليمه- يتجلى في دستور الخالد: القرآن الكريم، وسر هذا الدستور يتركز في الفاتحة: أم القرآن والسبع المثاني، وسر هذه الفاتحة يتلخص في هذه الآية الكريمة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5].

إن أول وصية في القرآن، وأول مبدأ يبايع عليه الرسول كل من اعتنق دينه هو: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36].

وأول ما دعا إليه رسول الإسلام ملوك الأرض وأمراءها هو هذه القضية الكبرى: أن يعبد الله وحده لا شريك له وأن تطرح الآلهة والأرباب التي أخذها الناس من دون الله، فأذلوا أنفسهم لمن لا يستحق الذل والخضوع، ومن هنا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يختم رسائله إلى قيصر والنجاشي، وغيرهما من أصحاب الملك والإمارة بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64].

بل عد القرآن أن هذه الدعوة هي دعوة الرسل جميعا، فكلهم دعا قومه إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، فهما معبودان لا ثالث لهما: إما الله وإما الطاغوت، ومن استكبر عن عبادة الله سقط –حتما- في عبادة الطاغوت.

قال تعالى:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36].

وقال سبحانه مخاطبا خاتم رسله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25].

شدد الإسلام حملته على الشرك، وقعد له كل مرصد، وحاربه بكل سلاح، وقرر أنه الإثم العظيم، والضلال والبعيد، والجرم الأكبر، والذنب الذي لا يغفر قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء:48]، وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) [النساء:116].

وبين القرآن الكريم أنه ليس في العالم المخلوق شيء يستحق أن يسجد له الإنسان أو يتضرع إليه أو يرجوه أو يخشاه، فالملائكة عباد الله خاشعون خاضعون (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ *يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: 19-20]، (لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: 27-28].

والبشر وإن علا سلطانهم، أو عظم قدرهم، أنبياء كانوا أو سلاطين، هم أيضًا عباد الله، لا يملكون لأنفسهم، فضلا عن غيرهم، ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والعبودية هي الوصف اللازم لهم جميعا: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: 93-95].

والشمس والقمر والنجوم إن هي إلا كواكب مسخرات بأمره تعالى، لا يجوز أن يحني صلب من أجلها راكعا، أو يخر وجه من أجلها ساجدًا: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت: 37].

وكل ما يدعي من دون الله في الأرض أو السماء هو مخلوق عاجز لا قدرة له، محتاج لا قيام له بذاته، ضعيف لا يقوى على حياة نفسه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: 73]، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) [الإسراء: 56-57]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الأعراف: 194].

ثانيًا: تحرير العبادة من رق الكهنوت:

إن رجال الدين جعلوا من أنفسهم في الديانات النصرانية واليهودية وسطاء بين الناس وبين الله.

ومن ثم قيدوا العبادات بمكان معين، يدخل في سلطتهم لا تجوز إلا فيه وقيدوها بوسيط معين، يقوم بعملية السرقة من أموال الناس باسم الدين، وجعلوا لذلك مراسيم وطقوس كهنوتية خاصة لا تقبل بدونها.

وقد بالغ رجال الدين المسيحي في العصور الوسطي في فرض هذه المظاهر الكهنوتية فعلقوا في معابدهم رسوما وتماثيل للعذراء والمسيح، وعدتها الكنيسة شعائر تعبدية واجبة التقديس.

وكان من أعجب ما صنعوه أنهم اتخذوا من الجنة مصدرًا للثروة يبيعون منها قراريط وأسهما لمن يدفع الثمن المعلوم، وعلى قدر المدفوع يكون عدد الأسهم.

ومن الطرائف اللاذعة ما حكوا أن أحد الأثرياء اليهود أراد أن يقابل هذه السخريات العجيبة بسخرية أمر وأعجب، فقد ذهب إلى أحد البابوات ولم يشتر منه الجنة، كما كان يفعل المسيحيون، ولكنه اشترى منه صفقة أخرى هي: جهنم! فباعها له بثمن بخس؛ لأنها سلعة لا يرغب فيها أحد؛ ولكن اليهودي الماكر أعلن للمسيحيين جميعا: ألا يبالوا بشراء الجنة بعد اليوم، لأنه هو قد اشترى من البابا جهنم، ولن يدخل أحد فيها قالوا: فعاد البابا واشتراها بأضعاف ما باعها به!!([881]).

والرؤساء والروحانيون في المسيحية يزعمون أن لهم سلطة المنح والمنع والغفران والحرمان، والإدخال في رحمة الله، والطرد منها، لأن المسيح قال لبعض تلاميذه على حد زعمهم: سأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما ربطته على الأرض يكون مربوطا في السماوات، وكل ما حللته على الأرض يكون محلولا في السماوات([882]).

حرر القرآن الكريم العبادة من القيود المكانية المتزمتة، ولم يشترط المكان الخاص في عباداته إلا في الحج، لما فيه من فوائد تفوق فائدة التحرر من المكان، من التجمع العالمي للمسلمين حول أول بيت وضع للناس([883]).

ومع اشتراط المكان لعبادة الحج، فليس فيه أي شائبة لتأثير الكهنوت وليس فيه أي ثغرة لتدخل الوسطاء والكهان بين المسلم وبين الله، وشأنه في ذلك شأنه في سائر عبادات الإسلام.

إن العبادات في القرآن الكريم  لا تتوقف على توسيط هيكل أو تقريب كهانة، إن المسلم يصلي حيث أدركه موعد الصلاة، وأينما تكونوا فثم وجه الله، ويصوم ويفطر في داره أو في موطن عمله.ويحج ليذهب إلى بيت لا سلطان فيه لأصحاب سدانة، ولا حق عنده لأحد في قربانه، غير حق المساكينن والمعوزين ويذهب إلى صلاة الجماعة، فلا تتقيد صلاته الجامعة بمراسم كهانة أو إتارة حراب، ويؤمه  في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين الحاضرين باختيارهم لساعتهم إن لم يكن معروفا عنده قبل ذلك([884]).

إن عقيدة المسلم في الله لا تتيح مكانا لأولئك الوسطاء الذين يتحكمون في ضمائر عباد الله، فاعتقاد المسلم في الله يقوم على حقيقتين:

أولاهما: أنه تعالى فوق عباده، علو قهر، ومكانة، وذات سلطان وتصرفه لا يشبهه شيء، ولا يحكم عليه شيء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)[الأنعام: 18]، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]، (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4].

أما المسلم فقد عرف من كتاب الله العزيز أن الأرض كلها محراب كبير، فحيثما توجه يستطيع أن يتجه بعبادته لله. وفي هذا يقول تعالى: (وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة: 115].

ويقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل"([885]).

وقد كانت هذه الخصيصة للعبادة الإسلامية موضع الإعجاب العظيم والتأثير البالغ من كثيرين من غير المسلمين، حتى من رجال الأديان أنفسهم حتى إن الأسقف (لوفروا) قال: لا يستطيع أحد يكون خالط المسلمين لأول مرة، ألا يدهش بمظهر عقيدتهم، فإنك حيثما كنت سواء أوجدت في شارع مطروق أم في محطة سكة حديدية أم في حقل، كان أكثر ما تألف عيناك مشاهدته أن ترى رجلا ليس عليه أدنى مسحة للرياء، ولا أقل شائبة من حب الظهور، يذر عمله الذي يشغله كائنا ما كان، وينطلق في سكون وتواضع لأداء صلاته في وقتها المعين([886]).

ولقد كان هذا المشهد العجيب في الأديان أحد العوامل التي أثرت في وجدان المحامي الكبير الأستاذ زكي عريبي عميد الطائفة اليهودية في مصر والذي اهتدى إلى الإسلام في عام 1960، ومما جاء في محاضراته (لماذا أسلمت؟) قوله: (وما سمعت المؤذن يؤذن في الفجر أو في الظهر أو في أي وقت آخر إلا شعرت بأنه صوت الله، الذي يفصل بين الحق والباطل والحلال والحرام ويهدي الإنسان إلى الطريق المستقيم، وأركب السيارة في السفر وعلى الطريق بين الحقول وبين الفضاء تقع عيني على رجل متواضع يقف بين يدي الله في ثياب رثة مهلهلة، يقف على مصلي صغير، مفروش بالرقيق من الحصير على شاطئ ترعة متواضعة يصلي لله في خشوع وابتهال، فكانت نفسي تهفو إلى أن أصلي مثل صلاته، كنت أعتقد أن هذه نفحات الله في الأرض يلقيها في نفوس عبادة الصالحين)([887]).

والحقيقة الثانية:

أنه تعالى –مع عظمته وعلو شأنه- قريب من خلقه، بل هو معهم أينما كانوا، في جلوتهم وفي خلوتهم، يسمع ويري، ويرعى ويهدي، ويعطي من سأله، ويجيب من دعاه، فهو تعالى قريب في علوه، علي في دنوه، وقد جمع تعالي بين العظمة والعلو، وبين القرب والدنو، في آية واحدة، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد: 4].

وقد عبر القرآن على لسان إبراهيم –أبي الأنبياء- عن العلاقة بين الإنسان والله فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَّغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء: 78-82]، وقال الله سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، وقال تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لاَ تُبْصِرُونَ) [الواقعة: 85]، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186].

ومن اللطائف في هذه الآية: أن سؤال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بعض الأمور قد وقع في القرآن بضع عشرة مرة، وكان كل جواب عن تلك الأسئلة مقترنا بكلمة (قل) مثل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ) [البقرة: 189].

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 219]، وكان مقتضى تلك الآيات أن يقال في هذه : وإذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، ولكن أسلوب الآية خالف المعتاد ولم يأمر الله رسوله أن يقول للناس ذلك، وقال سبحانه مباشرة (فإني قريب) ولهذا الأسلوب البياني دلالته وإيحاؤه في الأنفس والعقول، إذ لم يجعل الله واسطة بينه وبين عباده، وهذا من وسطية القرآن الكريم  في جانب العبادة حيث حرر العبادة من رق الكهنوت، إن القرآن الكريم  رد على من زعم أن له منزلة خاصة من الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [المائدة: 18].

وحكي عن المسيح أنه يقوم لربه يوم القيامة في شأن من ادعوا الانتساب إلى دينه: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118]، وبين القرآن الكريم  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا إلا ما شاء الله، قال تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188].

هذه وسطية القرآن في العبادة حرصت على تحرير الإنسان من رق الكهنوت، ومن الوسطاء بين العبد وخالقه.

فالمسلم تعلم من القرآن الكريم  أن يكلم ربه بلا ترجمان، وأن يناجيه بما شاء حيث شاء ومتى شاء، وأن يقف بين يديه بلا حجاب ولا واسطة إلا العمل الصالح.

قال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء: 123-124].

أو الدعاء بالأسماء الحسنى:

قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180].

أو الدعاء في ظهر الغيب من أهل الصلاح لإخوانهم:

قال تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].

ثالثا: التوازن بين الروحية والمادية:

التوازن والاعتدال بين الروحية والمادية، أو بين الدين والدنيا، هو توجيه قرآني، دعى إليه المولى -عز وجل- في كتابه العزيز ليصلح ما أفسده محرفو الأديان في مجال العبادة.

غلو اليهودية في أمر الدنيا:

لا تكاد تجد في أسفار التوراة الخمسة الحالية للروحانية أثرًا، ولا للآخرة مكانا، حتى الوعد والوعيد في هذه الأفكار للمطيعين والعصاة، إنما يتعلقان بأمور دنيوية، وسيطرت عليها النزعة المادية الخالصة، فالخصب والصحة والثراء وطول العمر، والنصر على الأعداء ونحوها من المكاسب الدنيوية الزائلة، هي المثوبات التي تبشر بها التوراة، وأضداد هذه الأمور من الجدب والمرض والموت والوباء والفقر والهزيمة ونحوها للذين يعرضون عن الشريعة، فليس للأجزية الروحية ولا الأخروية مكان في التوراة([888]).

إهمال المسيحية لأمر الدنيا:

أما في الإنجيل فالدعوة فيه قوية إلى إلغاء قيمة هذه الدنيا، واعتبار هذه الأرض بمثابة منفى الإنسان، وطلب النجاة والسعادة هناك، في العالم الآخر، حيث تقوم مملكة السماء، فمن أراد ملكوت السماء فليعرض عن هذه الأرض، ومن أراد العالم الآخر، فليرفض هذا العالم أو هذه الدنيا، وهكذا لا تحس في الإنجيل أن لك في الدنيا نصيب، وأن لك في طيبات الحياة حظًا، ولا تشعر أن لبدنك عليك حقا، وإن لك في عمار الأرض دورا، ولم تقف الدعوة إلى التقشف والتزهد وإهمال الحياة الأرضية، عند الحد الذي جاء به الإنجيل؛ بل ابتدع النصارى نظام الرهبانية، بما فيه من قسوة على النفس، وتحريم للزواج، وكبت للغرائز، ومصادرة للنزوع إلى الزينة والطيبات من الرزق، وانتشر هذا النظام العاتي، وكثر أتباعه، وأصبح ما يتعبدون به الله ويتقربون به إليه: البعد عن النظافة والتجمل، واعتبار العناية بالجسم ونظافته ونوازعه رجسا من عمل الشيطان([889]).

وقد ذكر أبو الحسن الندوي([890]) في كتابه صورا للجماعة الرهبانية وغلوها، ما تقشعر منها الجلود،وتفزع القلوب، وتدهش العقول، وهذه الصور –كما يقول الأستاذ الندوي- قليل من كثير جدًا: (وكان بعض الرهبان لا يكتسبون دائما، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام: وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون من غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، وكانوا يفرون من ظل النساء ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن –ولو كن أمهات أو أزواجا أو شقيقات- تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية).وذكر من هذه المضحكات المبكيات شيئا كثيرا)([891]).

ثالثا: التوازن سمة القرآن والسنة النبوية:

وهكذا كانت اليهودية في إغفالها للآخرة وللروح، وهكذا كانت المسيحية في تحقيرها للدنيا والجسد.

فلما جاء الإسلام كانت سمة التوازن والاعتدال في كل الآفاق والنواحي، الاعتدال الذي يليق برسالة عامة خالدة، جاءت لتسع أقطار الأرض، وأطوار الزمان، وتشرع لشتى الأجناس والطبقات والأفراد في مختلف شؤون الحياة، الاعتدال بين أشواق الروح وحقوق الجسد، بين بواعث الدين، ومطالب الدنيا، الاعتدال بين العمل لهذه الحياة والعمل ما بعد الحياة.

وبين القرآن الكريم  أن على المسلم ألا يشغله حق الجسد عن حق الروح وألا تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية، عليه ألا ينسى الله فينسى حقيقة نفسه، وماهية وجوده، وفي هذا يقول القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 18-19].

إن مهمة العبادة في الإسلام الأخذ بيد الإنسان حتى لا تغرقه أعمال الدنيا في لجة النسيان، حيث ينسى الله، فينسيه الله نفسه، ومهمة العبادة أن تقوم بالتنبيه والتذكير لمن نسى مولاه، أو غفل عن أخراه، ثم تدع الإنسان يعود بعد أدائها إلى دنياه يلقاها ساعيا حثيث الخطى، وثيق العرا.

إن القرآن الكريم وضع المسلم في وضعه الرشيد بين الدين والدنيا:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 9-10].

وهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة: ثم صلاة وسعى إلى ذكر الله ثم – بعد انقضاء الصلاة- انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله، وفضل الله هنا هو الرزق والكسب.

ورواد المساجد في الإسلام ليسوا شيئا متعطلا، ولا رهبانا متطلبين، وإنما هم كما وصفهم القرآن: (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) [النور: 37].

فهم أناس لهم دنياهم وأعمالهم من تجارة وبيع، وما أشد ما تشغل التجارة والبيع، ولكن ذلك لم يلههم عن حق الله.

وفي سياق الحج برسم القرآن الكريم  لنا صورة واضحة لصنفين من الناس الذين يدعون الله ويسألونه في تلك المنازل، قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ* وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [البقرة: 200-202].

هكذا قسم القرآن الناس في الموقف الذي تسمو فيه الأرواح وتدنوا القلوب من ربها، وتهب عليهم نسمات الذكريات المحمدية من قريب، والذكريات الإبراهيمية من بعيد.

قسمان فقط ذكرهما القرآن: طلاب دنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، وهم ذلك الصنف الذي توعده الله في آية أخرى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) [الإسراء: 18]، وطلاب دنيا وآخرة يطلبون الحسنة في الحياتين، والسعادة في الدارين، دعاؤهم: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً) والحسنة في الدنيا ذهب العلماء إلى أقوال متعددة فيها: العافية، والمرأة الصالحة، الأولاد الأبرار، أو العلم النافع،أو الرزق الواسع، أو المحبة بين الناس، أو نحو ذلك، فكل هذا مما يحقق حسنة الدنيا([892]).

ولم يذكر القرآن الكريم  القسم الثالث من الناس  -بحسب التقسيم العقلي- وهو من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، وما له في الدنيا من أرب، وكأنه يعلمنا أن هذا الصنف لا يكاد يوجد في الناس، فالحياة بمتاعبها الجمة وحقوقها المتنوعة، تفرض على طالب الآخرة أن يدعو ربه لييسر له سبيل دنياه ويعينه على أداء حقوقها، ويخفف عنه متاعبها ثم هو يشعرنا أن إهمال الدنيا، وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة إنما هو أمر مذموم خارج عن سنة الفطرة، وصراط الدين معًا.

ولهذا لم يقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكرة الانقطاع عن الدنيا من أجل الرغبة في الآخرة، والاعتزال المطلق لعبادة الله، وكلما رمق في بعض أصحابه نزعة إلى هذا اللون من السلوك الذي عرف في بعض الأديان الأخرى، ثوم عوج أفكارهم، وهداهم للتي هي أقوم([893]).

إن وسطية القرآن الكريم  في العبادة، جعلت العبادة لا تنعزل عن الدنيا، والدنيا لا تحيف على العبادة؛ بل جمعت بين الأمور بدون إفراط أو تفريط أو غلو أو حفاء.

رابعًا: الرخص والتخفيفات في العبادة دليل على وسطية القرآن:

قد علمنا أن من ملامح الوسطية رفع الحرج في الشريعة، واليسر في الأحكام، وعدم التكليف بما لا يطاق ويظهر رفع الحرج في باب العبادة واضحا في الرخص والتخفيفات التي تدل على اليسر ورفع الحرج  في عباداته وتكاليفه في عامة الأحوال، فإن القرآن الكريم ، والسنة النبوية شرعت ألوانا من الاستثناءات والإعفاءات والتسهيلات في أحوال خاصة، وهي تلك التي توجد للإنسان نوعا من المشقة يؤوده ويثقل ظهره، ويقعد به عن مواصلة السير، فالسفر مثلا تقتضيه مطالب الحياة التي جاء الدين بإقرارها، بل بتمجيدها والدعوة إليها.

كالسفر في طلب الرزق (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) [الملك: 15].

والسفر للحج إلى بيت الله (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ) [الحج: 27].

والسفر لطلب العلم، وغير ذلك من الأغراض الدينية والدنيوية والمرض مثلا من ضرورات الحياة وبلائها الذي لا يكاد يسلم منه إنسان بمقتضى النشأة الإنسانية، والتركيب البشري (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4].

والجهاد من مطالب الحياة وضروراتها معا، إذ الإسلام لم يشرعه إلا دفاعا عن النفس، وتأمينا للدعوة، ودرءا للفتنة، وإنقاذًا للمستضعفين وتأديبا للناكثين.

وفي هذه الأمور الثلاثة – السفر والمرض والجهاد- قرر الإسلام تيسرت شتى:

من رخص الصلاة:

فجعل للمسافر في الصلاة القصر: يصلي الرباعية – كالظهر والعصر والعشاء- ركعتين فقط، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"([894]).

ورخص له في الجمع بين الصلاتين – الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء – فأجاز جمعها في وقت إحداهما تقديما أو تأخيرًا كما رخص للمريض أن يصلي قاعدًا أو مضطجعا على جنبه، أو مستلقيا على ظهره، حسب استطاعته، وليس على المريض حرج، وفي (الطهارة) –التي هي شرط لصحة الصلاة- رخص لمن يتعذر عليه استعمال الماء من مريض أو مسافرا أو نحوهما أن يترك الوضوء إلى التيمم بالصعيد الطيب من رمل أو تراب أو حجر أو نحوه، تيسيرًا من الله ورحمة بعبادة.

قال تعالى: (وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنْتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6].

وقد ذكر القرآن هذا الحكم أيضًا:

في سورة النساء قائلا: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيِكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 43].

وفي هذه الآيات يتبين للمسلم أن هذه الرخص في العبادات مظهر يتجلى الله فيه بأسمائه: (العفو الغفور، الكريم الرحيم، الذي يريد أن يطهر عباده ويتم عليهم النعمة)([895]).

وهذا دليل على وسطية القرآن في العبادات.

من رخص الجهاد:

وفي الجهاد شرع الله صلاة الحرب أو الخوف، وجعلها في الرباعية (ركعة واحدة) تيسيرا، وإعانة لهم على عدوهم وعند التحام الصفوف قبل الله منهم الصلاة كيف استطاعوا (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: 239].

فلا يشترط فيها ركوع ولا سجود ولا استقبال قبلة.

ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يفرقون بين الصلاة والجهاد، فتلك عمود الإسلام، وهذا ذروة سنامه، وقد فرض الله على المجاهدين أن يحملوا أسلحتهم ويأخذوا حذرهم وهم بين يديه خاشعون، ولربهم مبتهلون مناجون: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً) [النساء: 102].

رخص الصيام:

وفي صيام رمضان رخص المولى -عز وجل- للمسافر في الإفطار، بل لأجبه عليه إذا كان في صومه مشقة ظاهرة عليه، ففي الصحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر"([896]).

وبذلك أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل صراحة: أن الصيام إذا أتعب صاحبة وأجهده لا يجوز له صيام.

وكذلك رخص المريض بالفطر في رمضان، ويقضي هو والمسافر عدة أيام آخر، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185].

ورخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمجاهدين بالفطر في الصيام عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد([897]) أفطر، فأفطر الناس"([898]).

ومبدأ التخفيف والتيسير في العبادة من أجل المرض والسفر والجهاد مبدأ نزل به القرآن منذ مطلع فجر الإسلام في مكة ففي سورة المزمل قال تعالى: (عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المزمل: 20].

وبهذا يتضح للقارئ الكريم عظمة المنهج الرباني ووسطيته في كافة المجالات التشريعية من عقائد، وأخلاق، وعبادة، وحرصه على رفع الحرج وتيسير الأمور وتسهيلها على الناس والله هو الهادي إلى سواء السبيل.


الفصل الثاني

وسطية القرآن في الأخلاق

تمهيد:

معني الأخلاق: يعني بأخلاق القوى والسجايا النفسية الراسخة، التي تصدر عنها أنماط السلوك الإنساني الخارجي، من خلال إرادة حرة، وهي تمثل الصورة الباطنية للإنسان، كما أن الخلق يمثل الصورة الظاهرة، وكلاهما يكون حسنا أو قبيحا، والأصل في الخلق أن يكون اختياريا يكسب بالتخليق والجهد والمثابرة على التزام جانب التسامي، ولذلك  يمدح به الإنسان أو يذم، ويثاب عليه أو يعاقب، بخلاف الخلق فهو فطرة مقسومة محدودة، لا مدخل لأحد فيها ولا اختيار، ولا يتعلق بها لذاتها مدح أو ذم، ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب([899]).

ومعلوم لدى أصحاب الفطرة السليمة أن الله تعالى فطر الإنسان على الخير، وركز في فطرته أصول الأخلاق والفضائل السامية، وركب فيه حب موافقتها، بغض إليه مخالفتها إلا من انتكست فطرته تحت وطأة البيئة، وضلال التربية، وإغواء النفس والشيطان والاختيار (الخلق) حينئذ يكون في اتجاه الإنسان مع أصول فطرته، ومقاومة عوامل التدني والتضليل المذكورة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (      وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 7-10].

والإلهام: إلقاء الشيء في النفس، والمعنى: أفهم النفس الأمرين، أو عرفها حالهما، وما يؤدي إليه كل منهما، ومكنها من اختيار أيهما شاء، فيفوز من تطهر من الدنايا، ويخيب من طمس فطرته، ومعنى دساها: أخفاها بالفجور والمعاصي.

والآيات الكريمة تجمع بين الإلهام الإلهي للإنسان بمقتضى فطرته، والجهد الاختياري له في التزكية، أو التدسية.

وواضح أن الله تعالى يدعو إلى طريق الخير بما وصفه بالتقوى، وفلاح صاحبه، ويكره الطريق الآخر بما وصفه بالفجور، وخيبة صاحبه، ولو شاء منعه قهرا، ولكن حكمته اقتضت الاختيار والأخلاق لذلك تمثل جانبا خطيرا في الحياة الإنسانية؛ بل هي إحدى الميزات العظيمة التي تميز الإنسان([900]).

إن الأخلاق كان لها في المنهج الرباني أهمية كبرى، فصاغها على وفق اتجاهه في الاعتقاد، وبناها على أساس الحقيقة الكبرى للكون والحياة، وغاية الجنس البشرية ومآله ومهمة وجوده من حيث هو خليفة في الأرض، يقيم فيها شريعة الله ومنهاجه.

ويبين القرآن الكريم  مهمة الأخلاق الخطيرة مع الإنسان منذ النشأة الأولى، حين ذكر توبة أبينا آدم، وأنه ثاب إلى خلق رضي من أخلاق الإيمان وهو الاعتذار عن الخطأ، والاعتراف به،والافتقار إلى مولاه فقال هو وزوجه: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

ويقارن القرآن الكريم  هذا الخلق بخلق مضاد له وه الاستكبار والإباء عن أمر الله -عز وجل- الذي أهلك إبليس، وطرده من رحمة الله عن سعتها([901]).

تحديد الأخلاق:

من فضل الله علينا أنه تعبدنا بخلق محدد على ألسنة الرسل، ولم يتركنا لأحاسيس الفطرة وحدها التي قد تخطئ أو تضل أو تضلل، ولا لنظرات العقول، واجتهاد الأفكار البعيدة عن المنهج الرباني ولذلك تتضارب وتتباعد ويحث الغلو والجفاء، ويندر في هذا الباب المنهج الوسط، ولذلك فقد عنى القرآن به عناية خاصة، وجاءت الآيات تترى توضح هذا المنهج وتدعو إليه، وتربي الأمة عليه، وتحذر مما يضاده غلوا أو جفاء، إفراطا أو تفريطًا.

إننا نحن المسلمون لدينا مرجع تفصيل واف بصحيح الأخلاق وفاسدها، وما يحمد منها وما يذم، وقد اتفقت على ذلك كلمة الرسل جميعا، لأن الأخلاق أحد الأصول المشتركة التي لا تتغير في دين الله -عز وجل-([902]).

ولقد جاءت الأخلاق في هذا المنهاج على أسمى درجات السمو والارتقاء، لأن الله –سبحانه وتعالى- جعل نفسه (المثل الأعلى) لأخلاق المؤمنين، وطلب منهم أن يتخلقوا على نمط ما أعلمهم عن نفسه جل شأنه من رحمة، وود، وحلم، وعفون وسخاء، وإتقان، وإحسان، وشكر، وصبر، ومغفرة، وصدق، وعدل،ووفاء بالعهد، بل وبطش بأعداء الحق بعد المطاولة والإعذار، مع ملاحظة الفارق التام بين صفات الخالق والمخلوق في كل شيء. قال تعالى: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [النحل: 60].

ولقد نصب لهم من أنفسهم رسله الأكرمين فمعصمهم، وطهرهم، وكملهم، وجعلهم (المثل البشري الأعلى)، في التخلق بما أمر ورسم جل شأنه، وجعلهم خير قدوة، وأحسن أسوة لقومهم، وللناس أجمعين.

ومن الواضح أنه لا سبيل إلى مقارنة الخلق بالخالق، ففي جانبه تعالى الكمال مطلق، وهو وصف ثابت له، وفي جانبهم الكمال نسبي إضافي، ثم هو لهم غاية تطلب ويسعى إليها، فالرسل يتابعون الترقي نحوها، وعامة البشر يقاومون التدلي، ثم يبذلون الجهد ليبلغوا أقصى طاقتهم من الكمال الممكن لهم. وبذلك أتيح للأخلاق أعلى قدر من السمو والثبات، وإن حسن الخلق بالنسبة للمسلم هدف سامي يحرص عليه قربة لله تعالى لأن هدفه من ذلك رضا الله وطلب ثوابه، والخوف من سخطه وعقابه وبذلك اكتسب هذا المطلب قدسية دينية جعلت مزاولته من أعلى درجات الإيمان قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أكمل المؤمنين إيمان أحسنهم خلقا وخياركم خياكم لنسائهم"([903]).

وصار الحرص على حسن الخلق عبادة يستحق بها صاحبها ثواب العابدين لما وراءها من دافع تعبدي يتطلب مرضاة الله، ويجتنب سخطه، وبذلك أصبحت الأخلاق الإسلامية نمطًا فريدًا لا يقاربه ولا يدانيه شيء من حكم الحكماء، أو نظر الفلاسفة، أو شرائع المشرعين، أو عادات الأمم وآداب