أولا: مقدمة  في حقيقة الكفر.

1-  أنواع الكفر

الكفر نقيض الإيمان. والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. ومن المتفق عليه بين أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل. فكذلك الكفر عندهم: قول وعمل.

وقد استدلوا على هذا التقسيم بالأدلة، كما استدلوا على تقسيم الإيمان بالأدلة.

والعقل يؤيد هذا التقسيم: فإن النقيضين لهما الأقسام والمراتب نفسها. كالليل والنهار لهما الحدود نفسها؛ بداية ونهاية، وأجزاء، ووجودا.. ويختلفان في الكنه والحقيقة.*

والقول متعلق بالقلب واللسان، والعمل متعلق بالقلب والجوارح. فأنواع الكفر متعلقة بهذه الأقسام الأربعة، فعلى القلب كفران: قولي، وعملي. وعلى اللسان كفر قولي، وعلى الجوارح كفر عملي.

-       فأما مثل كفر القلب القولي، فالتكذيب أو الجحود.

-       وأما كفر اللسان القولي، فسب الله تعالى.

-       وكفر القلب العملي، بغض وكراهية دين الله تعالى.

-       وكفر الجوارح العملي، التولي والإعراض.

وتلك أمثلة لأنواع الكفر، ليس استقصاءا.

*       *       *

2-   قاعدة التلازم. 

وقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن، الذي يدل عليها:

1- النص الشرعي:كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).[1]

2- والفطرة، فالإنسان مفطور على الخضوع لأحكام النفس، وتأثر النفس بأحكام الظاهر.

3- والعقل، فإنه يقضي بأن ما في النفس لا بد وأن يظهر على الجوارح، والعكس، يثبت ذلك بالتجربة وإقرار العقلاء.

هذه القاعدة تبين:

أن الكفر الظاهر، الذي هو: قول اللسان، وعمل الجوارح. لا بد وأن يرتبط به كفر الباطن: قول القلب، وعمل القلب. بالمقابلة والمناسبة.. والعكس كذلك، كفر الباطن مع الظاهر.

ومن هذا نفهم:  أن كل أنواع الكفر لها ارتباط بالباطن:

-       فالكفر القلبي؛ قولا وعملا، في أصله وذاته محله الباطن.

-       والكفر القولي على اللسان، والعملي على الجوارح لهما ارتباط بالباطن؛ أثرا وتبعا.

هذا الارتباط للجميع بالباطن، قد يحدث: خلطا، وتداخلا، وعدم تمييز بين الأقسام ؟. لكن تصنيف الأولين بالأصل والذات، والآخرين بالتبع والأثر: يمنع هذا الخلط، والتداخل، وعدم التمييز.

*       *       *

وقد يتخلف التلازم بين الظاهر والباطن، لكن هذا استثناء وليس بأصل، وله سبب ؟.

فقد يكون الكفر في الباطن قولا أو عملا، وأثره لا يبدو على الظاهر (= قول اللسان، وعمل والجوارح) لمانع مثل الخوف، وهذا هو حال المنافقين.

وقد يكون الكفر في الظاهر قولا أو عملا، لكن من دون أن يكون له أصل في الباطن (قول وعمل القلب)، لمانع من: جهل، أو إكراه، أو تأول. وهذا ظاهر في: قصة عمار بن ياسر، والذي ضيع راحلته، والذي طلب من بنيه أن يحرقوه إذا مات، ونحوهم.[2]

وإذا أطلق الكلام عن قاعدة التلازم، فالمقصود الأصل لا الاستثناء.

وإنما كان الأصل التلازم؛ لأنه يحقق: تكامل الإنسان، وانسجامه، واتصال بعضه ببعضه. أما عدم التلازم (= الاستثناء) فهو: نقص، وانفصام، وتفكك. وهو خلاف فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالله تعالى خلق الإنسان سليما مجموعا، باطنه وظاهره غير منفصلين.

*       *       *

وهنا تفصيل آخر لهذا التلازم والخُلْف فيه:

حقيقة الكفر هو: انشراح الصدر بالكفر.

هذا هو أصله، وهو في القلب، كما في الآية: {ولكن من شرح بالكفر صدرا..} [النحل 106] وكل كفر في الظاهر فإنما يرجع إليه. وما على اللسان والجوارح من الكفر فهو تطبيق فعلي لهذا الانشراح.

فتخلف التطبيق الفعلي (= قولي، أو عملي) يكون:

-       إما لعدم وجود الانشراح بالكفر، وهذا حال المؤمنين بالله تعالى.

-       أو لوجوده، لكن لمانع من خوف يتخلف، كحال المنافقين.

ووجود التطبيق الفعلي ( = قولي، أو عملي) يكون:

- مع وجود الانشراح بالكفر. وهذا حال المرتد والكافر الأصلي.

- ومع انتفاء الانشراح بالكفر. لكن بسبب: الجهل، أو الإكراه، أو التأويل.

هذا التلازم يعني اجتماع كفرين معا، في كل ذنب هو كفر؛ قوليا أو عمليا كان، أحدهما: باطن. والآخر: ظاهر.

وهذا حين التلازم، وهو الأصل كما تقدم. أما عند تخلف التلازم، وهو الاستثناء فكفر واحد منفرد، إما بالظاهر، أو بالباطن.

*       *       *

3- ما الكفر ؟.

من حيث المبدأ: كل ما هو نقيض الإيمان فهو الكفر. ويمكن أن يقال: هو عدم الإيمان.

وقد تقدم أن الإيمان أربع مراتب، فكذلك الكفر، لكن بالنقيض:

-       فالكفر القولي القلبي هو: التكذيب أو الجحود.(1) ونقيضه في الإيمان: التصديق، أو الإقرار. دليله: قوله تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} [الزمر 32]. وقوله: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام33].

-       والكفر القولي اللساني هو مثل: الاستهزاء بالله. ونقيضه في الإيمان: الشهادة. دل عليه قوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ...} [التوبة 65-66] .

-       والكفر العملي القلبي هو: البغض والكراهية، ونقيضه في الإيمان: المحبة. دل عليه: قوله تعالى: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد 9].

-       والكفر العملي على الجوارح: التولي، والإعراض. ونقيضه في الإيمان: الانقياد، والطاعة. دليله:  قوله تعالى: {الذي كذب وتولى} [الليل 16].

وتلك أمثلة، وليست للحصر، والنقيض معروف من جهة: العقل، والفطرة، والشرع.

فهذه النصوص:

- إما أن يذكر فيها وصف تلك الأعمال بصريح الكفر، مثل سائر النصوص الآنفة.

- أو يأتي فيها ما يدل على أنها أعمال للكافرين، وأنهم بها دخلوا النار بعد حبوط أعمالهم.

فنخرج من ذلك: أن الكفر – ظاهرا أو باطنا - هو: العمل الموصوف بأنه كفر، أو عمل للكافرين استحقوا به دخول النار،* كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر 65].

*       *       *

وقد يرد هنا: أن طائفة من الأعمال وصفت بالكفر، وهي بالاتفاق ليست مخرجة من الملة، مثل قتال المسلم: في قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)[3]؛ أي العراك.

كذلك طائفة من الأعمال جاء الوعيد في حق مرتكبيها بالخلود في النار، وحبوط العمل، كقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء 93].

فما الذي أخرجها من هذا الحكم ؟.

الجواب: أن الذي أخرجها الصارف:

-       في قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات 9]، فسماهم مؤمنين مع قتالهم، فعلم أن المقصود بالكفر هنا: الأصغر منه.

-       وفي قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء 48، 116] ، والقتل دون ذلك.

ويمكن بذلك أن يعرف الكفر بزيادة قيد فيه هو: أن لا يصرفه صارف. فيقال:

هو العمل أو القول - الظاهر أو الباطن- الموصوف في النص بالكفر، أو العمل من أعمال الكافرين أو قولهم جاء الوعيد فيه بالخلود في النار وحبوط العمل.. ولم يصرفه صارف إلى الأصغر.

وهكذا يتحدد الكفر: متى يكون ؟، وعلى أي عمل يطلق ؟.

ويبقى تحديد متى يكون ظاهرا، ومتى يكون باطنا ؟.

وهذه مسألة لا تحتاج إلى خوض، فإن الأعمال الباطنة محدودة باللغة، وبالعرف كذلك*.

فالمحبة عمل باطن، والصلاة عمل الظاهر..

 كما أن البغض عمل باطن، وإهانة المصحف عمل ظاهر.

 

 


*-  استعمال الدليل العقلي هنا لبيان: صحة المقابلة في التقسيم بين الإيمان والكفر إلى قول وعمل. ثم إن الحكم الشرعي يوافق ولا يعارض العقل، فبيان موافقته هنا زيادة برهان.  

[1] - رواه البخاري في الإيمان، باب: فضل من استبرء لدينه 1/28. ومسلم في المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات 3/1219.

[2] - انظر الآثار في المصادر التالية:

  1. أثر عمار بن ياسر في تفسير ابن جرير الطبري، في تفسير قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد  إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، [النحل 106].
  2. أثر المضيع راحلته في البخاري، كتاب الدعوات، باب: التوبة 5/2325 (5949)، وفي مسلم، في التوبة، باب: الحض على التوبة والفرح بها ونصه في مسلم: ( لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك، إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح).
  3. الأثر الثالث في البخاري، كتاب الأنبياء [3/1283 (3291)]، عن أبي سعيد مرفوعا: (أن رجلا كان قبلكم، رغسه الله مالاً، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم ؟، قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف. ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك ؟، قال: مخافتك،. فتلقاه برحمته). ظن أن الله تعالى لن يقدر على جمعه، فلن يبعث.

 

(1) - الجحود هو: التكذيب مع العلم بالصدق. والتكذيب وحده يكون مع الجهل، قال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}.

* - هنا يجوز أن نقول: دخول النار. أو نقول: الخلود في النار. ولسنا ملزمين بأحد التعبيرين؛ كون السياق خالص في حق الكافرين، فما يفهم من معنى الخلود، هو نفسه المفهوم من معنى الدخول؛ أي كلاهما يفهم على وجه البقاء الأبدي في النار. إنما نحتاج إلى استعمال لفظة: "الخلود" إذا كان في سياق المقارنة بين ذنبين؛ أحدهما: كبيرة. والآخر: كفر. فنصف حينئذ بأن صاحب الكفر خالد. فهو الأدق.

[3] - رواه البخاري في الإيمان، باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر 1/27 (48).

* - كونها محدودة بهذين لا ينفي أنها محددة شرعا، فهي محددة بها جميعا، والمقصود من ذكر العرف واللغة: أن لا أحد يخالف في كونها قلبية، حتى المخالف في الدين، فهي أمور معلومة فطرة.