قصيدة أبى الطيب الرُّندي في رثاء الأندلس

 دراسة بلاغية تحليلية

للدكتور/ السعيد عبد المجيد النوتى

 قسم البلاغة والنقد ـ كلية اللغة العربية ـ جامعة أم القرى بمكة المكرمة


 

 

 

الحمد لله الذي لم يستفتح بأفضل من اسمه كلام، ولم يستنجح بأحسن من صنعه مرام، الحمد لله الذي جعل الحمد مستحق الحمد حتى لا انقطاع، وموجب الشكر بأقصى ما يستطاع، الحمد لله الذي أقل نعمه يستغرق أكثر الشكر، والحمد لله الذي لا خير إلا منه، ولا فضل إلا من لدنه، والصلاة والسلام على خير من نطق بلسان النسيم، فأفاض ماء النعيم، جاء بأمته من الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم الظل بعد الحرور، وعلى آله الذين عظمهم توقيرا، وطهرهم تطهيرا، وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين وبعد:

فلفظ "الشعر فى لسان العرب موضوع للدلالة على كلام شريف المعنى، نبيل المبنى، محكم اللفظ، يضبطه إيقاع متناسب الأجزاء، وينظمه نغم ظاهر للسمع، مفرط الإحكام والدقة فى تنزيل الألفاظ، وجرس حروفها فى مواضعها منه، لينبعث من جميعها لحن تتجاوب أصداؤه فى ظاهر لفظه، ومن باطن معانيه، وهذا اللحن المتكامل هو الذى نسميه: القصيدة، وهذا اللحن المتكامل مقسم تقسيما متعانق الأطراف، متناظر الأوصال، تحدده قواف متشابهة البناء والألوان، متناسبة المواقع، متساوية الأزمان، هذا هو الشعر"([1])

ومعلوم أن الشعر هو الاستخدام الفني للطاقات الحسية والعقلية والنفسية والصوتية للغة، لأنه بناء لغوي مميز ينبني على تفجير طاقة اللغة عند الشاعر، ويجعلها تضيف إلى نفسها ومن داخلها عنصراً آخر هو الإيقاع، الذي يسهم بدوره في شحن الدفقة الشعرية.

كما يتميز باستثمار خصائص اللغة، بوصفها مادة بنائية، فالكلمات والعبارات في الشعر يقصد بها بعث صورة إيحائية، ومن خلال هذه الصور يعيد الشاعر إلى الكلمات قوة معانيها التصويرية الفطرية في اللغة.

ومن خلال الشعر عرفنا أخبار من سبقونا, فكم من حوادث وسير مضت ولكنها لا تزال محفوظة في الذاكرة بفضل ما ورد لنا عنها عبر القصائد التي حفظت ولا يزال يرددها الناس

لقد صور الشعر لنا الحياة والمجتمع الذي يعيشه الشاعر فمثلا: العصر الجاهلي لم نعرف عن تلك الحقبة شيئا لولا شعر شعرائها فقد كان التدوين معدوماً آنذاك، ولذلك عرفنا  قصة داحس والغبراء، وعنترة وعبلة وغيرها، وكان الشعر العربي في هذا العصر ديوان العرب حقاً، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم أصح منه، واستمر بعد تلك الحقبة فنا أدبيا بارزا، وكانت العرب تقيم الأفراح إن برز من أبنائها شاعر مبدع، فالشعر عند العرب قديما كان يرفع من شأن القبيلة ويحط من قيمة الأخرى.

قال ابن فارس: والشعر ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب، وعرفت المآثر، ومنه تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله، وغريب حديث رسول الله r ، وحديث صحابته والتابعين([2]).

وكان الشعر في عصر صدر الإسلام وسيلة من وسائل الدفاع عن رسالة الإسلام ضد مشركي قريش، كما كان الشعر في عهد بني أمية وفي عصر العباسيين وسيلة من وسائل الفرق السياسية والفكرية المتنازعة، قصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها، فلا يخفى إذاً دور الشعر في نشر الإسلام ونصرة الحق، ودوره في العصور التي أتت بعده.

وقد جاء عنه r أنه قال: لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين، ويقول ابن عباس t : الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه‏، وعنه t قال‏:‏ إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فان الشعر ديوان العرب ([3])، وكان ينشد الشعر إذا سئل عن القرآن.

وبهذا يتبين أن الشعر من مصادر الاستشهاد المهمة عند العلماء فى شرح ما غمض من آى الذكر الحكيم.

وما الهدف من دراسة شعر العربية إلا "إحسانا فى الولوج إلى إحسان الإيمان بالله U ، ذلك أن الإحسان فى قراءة شعر العربية إنما هو المهيع إلى حسن تدبر القرآن الكريم، ولا يكون البتة حسن إيمان علما والتزاما إلا من حسن علم وفقه بيان القرآن، ولن يكون حسن علم وفقه بيان القرآن الكريم إلا من حسن قراءة الشعر العربى قراءة عربية ماجدة، لا قراءة أعجمية، ولا تجد فقيها عالما عاملا بكتاب الله U إلا كان فقيها فى بيان القرآن الكريم والسنة النبوية من حسن قراءته شعر العربية الماجد"([4]).

وقد وقع الاختيار على قصيدة أبى الطيب الرندى لما تعبر به عن حال الأمة الآن حقاً، فضلا عن وصفها للأندلس وصفا بارعا يجعل القارئ كأنه يعيش اللحظة مع الشاعر،  ولذلك عدت هذه القصيدة من روائع ما قيل في الشعر العربي في رثاء الممالك والمدن، إن لم تكن أروعها على الإطلاق، بالإضافة إلى تميّز أبى البقاء ببراعة أدبية، وقدرة إبداعية على النظم والتأليف.

ولم لا ! وذكرى الأندلس لا تزال وستظل عالقة بقلب كل مسلم أدرك ما كان للإسلام بها من عز وجاه، وما أشاعه من حرية وعدالة ومواساة، وما أَوجده من حضارة زاهية ومدنية عامرة، وتقدم عظيم، وقد ساعدت طبيعة هذه البلاد على ازدهار الحضارة الإسلامية بها، وكان لخصوبة الأرض وسهولة العيش ورفاهية البلاد دور كبير فى ازدهار مدنية حضارية فقامت القصور العالية في كل بلد، وأنشئت المساجد المزخرفة التي لا تزال إلى اليوم تنطق بما كان لأصحابها من تقدم في الفن المعماري، فضلا عن مجالس العلم الحافلة بالعلماء والطلاب، مما أدى إلى وجود حركة علمية مميزة .

أما الأدب شعراً ونثراً فقد وجد من البيئة المترفة والحضارة الزاهرة، والمشجعين من الحكام والخلفاء ما جعله يضارع أدب المشرق قوة وخصوبة، فقد نشأَ في الأندلس مِن الأْدباء والشعراء من يجلسون في منزلة واحدة مع كبار الأدباء في الشرق، حتى عرف من بينهم: متنبي الغرب وبحتريّ الغرب، وهما: ابن هانىء، وابن زيدون.

الشاعر أبو الطيب الرُّندى:

حياة أبى الطيب تكاد تكون مجهولة، ولولا شهرة هذه القصيدة وتناقلها بين الناس ما ذكرته كتب الأدب، وإن كان له غيرها مما لم يشتهر، غير أنه قد علم أنه أمضى جزءا من حياته فى أشبيلية التى تلقى العلم فيها، وكل ما علم أنه: صالح بن يزيد شريف بن صالح بن موسى الرندي الأندلسي، وقد اختلف في كنبته، فعند لسان الدين بن الخطيب في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة": أبو الطيب([5])، وعند المقرّي في "نفح الطيب": أبو البقاء([6]) وبها اشتهر، إلا أن الأرجح والصحيح أن كنيته: "أبو الطيب" لقرب زمان لسان الدين بن الخطيب منه، وذلك أن أبا الطيب من وفيات سنة (684 هـ)، ولسان الدين من وفيات سنة  776 هـ

عاش أبو الطيب في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وعاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الداخل والخارج في بلاد الأندلس وشهد سقوط معظم القواعد الأندلسية في يد الأسبان ولد سنة (604هـ)، كان حافظا للحديث، فقيها، ألف في الفرائض (تقسيم الإرث) نظما ونثرا بارعا في منظوم الكلام ومنثوره، من أشهر أدباء الأندلس، بل شاعر الأندلس وأديبها في زمانه، وصاحب مرثيتها المشهورة، توفي في النصف الثاني من القرن السابع ولا نعلم سنة وفاته على التحديد.

ولا غرو فهو أديب وشاعر وناقد، قضى معظم أيامه في مدينة رندة، واتصل ببلاط بني نصر (ابن الأحمر) في غرناطة، وكان يفد عليهم ويمدحهم وينال جوائزهم، وكان يفيد من مجالس علمائها ومن الاختلاط بأدبائها، كما كان ينشدهم من شعره أيضا، قال عنه عبد الملك المراكشي في الذيل والتكملة: كان خاتمة الأدباء في الأندلس بارع التصرف في منظوم الكلام ونثره فقيهاً حافظاً فرضياً له مقامات بديعة في أغراض شتى وكلامه نظماً ونثراً مدون([7]).

وأما شعره فكان أبو الطيب من أفاضل العلماء بالأندلس، ومن شعرائها، له قصائد طنانة ونظم رائق في وصف العقل والبحر وغير ذلك مما يدل على رفيع أدبه وجزالة شعره أذكر منها على سبيل المثال: ما جاء في وصف الجيش وأبطال المسلمين، وذل الكفر والكافرين:

وكتيبة بالدَّارعين كثيفة
روضُ المنايا بينها القُضُب التي
فيها الكُماة بنو الكُماة كأَنهم
مُتهلِّلين لدى اللِّقاء كأَنهم
من كلِّ ليثٍ فوق برقٍ
من كلِّ ماضٍ قد تقلَّد مثله
لبسوا القلوب على الدروع
وتقدموا ولهم على أعدائهم
فارتاع ناقوس بخلع لِسانه
ثم انثنوا عنه وعن عُبّادهِ

 

جرَّت ذيول الجحفل الجرار
زُفَّت بها الرَّايات كالأَزهار
أُسد الشَّرى بين القنا الخَطّار
خُلِقت وجوههم من الأَقمار
خاطف بيمينه قدرٌ من الأَقدار
فيصُيبَّ آجالاً على الأَعمار
وأَسرعـوا لأكفِّهم ناراً لأهل النار
حُنقُ العِدا وحميَّةُ الأنصار
وبكى الصَّليب لِذلَّة الكفار
 وقد اْصبحوا خبراً من الأخبار

وله شعر جميل في وصف العقل  والغربة:

ما أحسن العقل وآثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه
لاسيما إن كان في غُربةٍ

 

لو لازم الإنسان إيثارهُ
كما يصون الحر أسرارهُ
يحتاج أن يُعرف مقدارُه

وله في المحاكمة بين السيف والقلم إذ يقول:

تفاخر السيف فيما قيل والقلم
كلاهما شرَّف الله درَّهُما

 

والفضل بينهم لاشك منفهم
وحبَّذا الخُطّتان الحُكم والحَكم

وقال في أخوة السوء:

ليس الأُخوةٍ باللسان أُخُوَّة
لا أنت في الدنيا تُفرج كربة

 

فإذا تُراد أخوَّتي لا تنفعُ
عنِّي ولا يوم القيامة تشفعُ

 

مناسبة القصيدة: معلوم أن العرب قد سيطروا في نهاية حكمهم على بلاد الأندلس، وما لبث هذا الحكم أن تضاءل شيئاً فشيئاً بسقوط بعض المدن الإسلامية الهامة في أيدي الفرنجة، وأصبحت البلاد تروّع كلّ يوم بغارات الأعداء دون أن تجد قوة إسلامية تصد الزحف الصليبي المتوغل، وقد أدرك الأدباء والمفكرون هول هذا الخطر الداهم، فانطلق الشعراء والأدباء، يصوّرون النهاية المتوقعة في حسرة بالغة، ومما قيل في هذه المأساة ما بين أيدينا من أبيات صاغها شاعر متفجع يبكي الوطن الضائع، ويحذّر المسلمين في شتى البقاع.

ومما يميز القصيدة عن مثيلاتها: بكاء الشاعر على ضياع الأندلس بكاء صادقا ذا شجون وتأثير عجيب لدرجة أنها لم تفقد حرارتها حتى الآن، لأنها من قلب عاش القضية وتأثر بضياع تلك البقعة المهمة فى حياة المسلمين وتاريخهم

ومما زاد في شهرتها: ارتباطها بتلك الأحداث المؤلمة التي عصفت بدولة الإسلام في الأندلس، ولهذا كانت واضحة فى صدقها وحرارة عاطفتها، وقوة معانيها المعبرة، التى أضفت طابع الحزن علي النص.

ولهذه الخصوصية يقول الدكتور أحمد أمين: لقد رأينا مدنا فى الشرق تتساقط كأوراق الشجر تستوجب الرثاء والبكاء، كما سقطت بغداد فى أيدى التتار، وأزالوا كل ما لفيها من مظاهر المدنية والحضارة، وفعل التتار بها ما لا يقل عما يفعله الأسبانيون فى الأندلس، وغزا هولاكو وتيمور لنك بلاد الشام وأسقطوها بلدا بلدا، فما رأينا عاطفة قوية، ولا رثاء صارخا، ولا أدبا رقيقا، ولا تاريخا مسجلا كالذى رأيناه فى الأندلس، فإن قلنا: إن هذه الناحية فى التاريخ الأندلسى أقوى وأشد لم نبعد عن الصواب([8])

ولذلك تميزت بسهولة الألفاظ، والابتعاد عن التعقيد اللفظي والمعنوي، فالموقف موقف بكاء، ولا يحتمل ذلك تضمين الحكمة لأخذ العبر من الأمم السابقة كما ورد في الأبيات الثلاثة الأولى، وذكر أحوال الأمم السابقة مثل : قوم عاد، والفرس .... وغيرهم.

كما شاع فى القصيدة التساؤلات العديدة التى خرجت كلها على سبيل التعجب والتحسر، بالإضافة إلى ما سيظهر أثناء تحليل النص بمشيئة الله تعالى.

و لا شك فإنها من أجمل ما قيل في رثاء بلاد المسلمين، وترجع روعتها أنها لا تعني فقط الأندلس بعينها ـ وإن كانت أبياتها تذكر معالم الأندلس ـ بل تعني كل بلد من بلاد المسلمين سُلبت من بين أيدي أهلها، كما حدث لكثير من البلاد الإسلامية، حدث كل هذا لما غيّر الناس وبدلوا في دين الله بأهوائهم، واشتغلوا بالملذات.

والمتأمل فى النص يلاحظ أنه ملحمة تمثل المرحلة التاريخية التي عاشها أهل الأندلس خير تمثيل، وإن كان في الحقيقة سقوط الأندلس، فقد كان خبرها مدوياً في الأمة الإسلامية ومزعجاً، فى اللحظة التى كانت تنتظر نصراً مؤزراً، وفتحاً مبيناً فإذا بها تتجرع كأس الهزيمة وكأس المرارة، وفقد المسلمون الأندلس بعد أن بقي الإسلام فيها قرونا طويلة منذ أن فتحت على يد طارق بن زياد، وموسى بن نصير ـ رحمهم الله ـ (92 هـ) إلى أن حل بها ما حل.

قال المقري: انتهت القصيدة الفريدة ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة، وبسطة، وغيرهما مما أخد من البلاد بعد موت صالح بن شريف، وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته، ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة، وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس، إذ كان أهلها يستنهضون هِمم الملوك بالمشرق والمغرب فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات ([9])

ولم يكن الرثاء في الأندلس من الأغراض الرائجة ولكنه ظل يحذو حذو نماذج الشعر المشرقي حين يستهل برد الفواجع ووصف المصيبة التي حلت بموت الفقيد إلخ، وعادة تستهل القصيدة بالحِكَم وتختتم بالعظات والعبر، أما رثاء المدن والممالك، فهو الغرض الأندلسي الذي نبعت سماته وأفكاره من طبيعة الاضطراب السياسي في الأندلس، وكان مجال إبداعٍ في الشعر الأندلسي، وهذه قصيدته الرائعة التى رثى فيها الأندلس([10]):

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ
يمزق الدهر حتما كل سابغة
وينتضى كل سيف للفناء ولو
أينَ الملوكُ ذوو التيجان من يَمَنٍ
وأينَ ما شَادهُ شدادُ في إرمٍ ؟
وأينَ ما حازهُ قارونُ من ذهبٍ
أتى على الكل أمرٌ لا مَردّ لهُ
وصارَ ما كانَ من مُلكٍ ومن مَلكٍ
دار الزمان على دارا وقاتله
كأنما الصعب لم يسهل له سبب
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللحوادثِ سُلوانٌ يُسهلها
دهى الجزيرة أمرٌ لا عَزاء لهُ
أصابها العين فى الإسلام فامتحنت
فاسأل بلنسية: ما شأن مرسية؟
وأين قرطبة دار العلوم فكم
وأين حمص وما تحويه من نزه؟
قواعد كن أركان البلاد فما
تبكي الحنيفية البيضاءُ من أسفٍ
عَلى ديارٍ من الإسلام خالية
حيثُ المساجدُ قد صَارت كنائسَ ما
حتى المحاريب تبكي وهي جامدةٌ
يا غافلاً ولهُ في الدهر موعظة
وماشيا مرحا يلهيه موطنه
تلك المصيبةُ أنست ما تقدمها
يا راكبينَ عِتاقَ الخيلِ ضَامرة
وحاملينَ سيوفَ الهندِ مُرهفة
وراتعين وراء البحر فى دعة
أعندَكمُ نبأ من أهلِ أندلسٍ
كم يستغيث بنا المستضعفونَ وهم
مَاذا التقاطعُ في الإسلام بينكمُ
ألا نفوس آبيات لها هِمَمٌ
يَا مَن لذلة قومٍ بعد عِزهمُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم
يا رب أم وطفل حيل بينهما
وطفلة مثل حسن الشمس إذا طلعت
يقودها العلج للمكروه مكرهة
لمثلِ هذا يذوبُ القلبُ مِن كمَدٍ

 

فلا يغر بطيب العيش إنسانُ
من سره زمن ساءتهُ أزمانُ
ولا يدوم على حالٍ لها شانُ
إذا نبت مشرفيات وخرصان
كان ابن ذى يزن والغمد غمدان
وأينَ منهم أكاليلٌ وتيجانُ؟
وأينَ ما ساسهُ في الفرسِ ساسانُ
وأينَ عادٌ وشدّاد وقحطان؟
حتى قضوا فكأنّ القومَ ما كانوا
كما حَكى عن خوالي الطيف وسنانُ
وأم كسرى فما آواه إيوان؟
يوما ولا ملك الدنيا سليمان
وللزمانِ مَسراتٌ وأحزان
وما لمَا حل بالإسلام سُلوانُ
هوى لهُ أحدٌ وأنهدّ ثهلانُ
حتى خلت منه أقطار وبلدان
وأين شاطبة؟ أم أين جيان؟
من عالم قد سما فيها له شان؟
ونهرها العذب فياض وملآن
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ
قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ
فيهنّ إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المنابر تَرثي وهي عيدانُ
إن كنتَ في سِنَةٍ فالدهر يقظانُ
أبعد حمص تغر المرء أوطان
وما لها من طوال الدهر نسيانُ
كأنّها في مجال السبقِ عُقبانُ
كأنها في ظلام النقعِ نيرانُ
لهم بأوطانهم عز وسلطان
فقد سَرى بحديث القوم ركبانُ
قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ
وأنتمُ يا عبادَ الله إخوانُ
أمَا على الخير أنصارٌ وأعوانُ
أحالَ حالهمُ كفر وطغيانُ
واليومَ هُم في بلاد الكفر عُبدانُ
عليهم من ثياب الذل ألوان
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
كما تفرق أرواح وأبدان
كأنما هى ياقوت ومرجان
والعين باكية والقلب حيران
إن كانَ في القلب إسلامٌ وإيمانُ

 

 

 

ويمكن تقسيم القصيدة إلى أفكار:

الفكرة الأولى: سنة الله فى خلقه، وحكم الدهر:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ
يمزق الدهر حتما كل سابغة
وينتضى كل سيف للفناء ولو

 

فلا يغر بطيب العيش إنسان([11])
من سره زمن ساءته أزمان(
[12])
ولا يدوم على حالٍ لها شانُ
إذا نبت مشرفيات وخرصان(
[13])
كان ابن ذى يزن والغمد غمدان(
[14])

يفتتح الشاعر قصيدته بذكر حكمة بالغة ومؤثرة تعبر عما يكابده ويلاقيه من الأسى والحرمان والحزن فى لوعة متعظة، وعبرة مفكرة، فهو يقرن الماضي بالحاضر، ويقيس الغائب على الشاهد فيرى أن لكل شيء نهاية، ولكل تمام نقصانا، فعلى العاقل ألا يخدع بما يرى من عيش هانئ، فوراء ذلك خطوب وأهوال، لأن الأيام دول تتقلب، ومن سره زمن فلا بد أن يسيئه زمن تال، ثم كرر هذا المعنى مما يدل على تأثره وانفعاله، وميله إلى اليأس والتشاؤم.

ثم يؤكد بمؤكد ثالث على عدم الاغترار بالحياة، لأنها لا تدوم لأحد، وأن الدهر لا يستقر على حال، فبعد أن يعطى الإنسان النعم السابغة، ومعها الأمن والأمان فإذا بالدهر يفجعه ويمزق كل ما أعطى، ويخلفه وراءه مقيدا ومثقلا بالهموم والأحزان، ذلك لأن الدهر أقوى من كل عظيم، ومن الجبابرة حتى لو كان سيف بن ذى يزن!

ويلفت نظرنا أبو البقاء بحسن براعته فى اختيار المطلع حيث قوله:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

 

فلا يغر بطيب العيش إنسان

والبلاغيون يهتمون اهتماما كبيرا بمطلع الكلام وابتدائه، بل كان بعضهم يحكم على الشاعر من ابتداءاته، ففى الصناعتين: سئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من يتفقد الابتداء والمقاطع([15])، وكان بعضهم يوصى البعض بتعهد ابتداء الكلام وتحسينه، إذ قال بعض الكتاب: "أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن من دلائل البيان"([16]) ويعد فى الوقت نفسه منفذا للتلقى لدى النفس الإنسانية التى تتأثر وتستجيب لمثل هذا، يقول السعد: أما الابتداء فلأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان عذبا حسن السبك صحيح المعنى أقبل السامع على الكلام فوعى جميعه وإلا أعرض عنه ورفضه، وإن كان الباقى فى غاية الحسن([17]) ، ويرجع سر بلاغة وحسن المطلع عند أبى البقاء إلى: أنه جاء فى ثوب الحكمة، "والحكم المأثورة تستوقف النفوس، وتأسر القلوب"([18])

ونلاحظ تقديم المسند: (لكل شئ) على المسند إليه: (نقصان) ليفيد التخصيص كما يقول الخطيب: وأما تقديم المسند فلتخصيصه بالمسند إليه([19]) وكذلك للاهتمام به وقد حصر المسند عموم كل شئ، فكان التقديم أولى، ويشتاق الإنسان لمعرفة المسند إليه فإذا ما تم صادف نفساً متشوقة فيؤثر فيها تأثيرا بالغا، ولهذا حصر الزركشى الوجوه التى يحسن فيها التقديم فى ستة أشياء، وذكر منها: أن تكون الحاجة إلى ذكره ـ أى المقدم ـ أشد، وإلى العلم به أهم كما قال سيبويه: وإن كانا جميعا يهمانهم([20])

ومعلوم أن التقديم أحد أساليب البلاغة التى يؤتى بها للدلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم، وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق.

ومن العناصر الأسلوبية التى استعان بها الشاعر فى رؤيته الخاصة بضياع الأندلس: أسلوب الطباق فى البيت الأول بين: تَمّ ، ونقصان، ليبرز المعنى الذى أراده الشاعر وقد أثار الانتباه إلى الفكرة، ورسخها في النفس وأكدها؛ ففى الوقت الذى يمعن الإنسان النظر ويرى التمام، فى الوقت نفسه يرى النقصان، وتلك سنة يجب على العاقل أن يضعها نصب عينيه، وللطباق مزية ما كانت لو افتقدناه.

وواضح ما للجملة الاعتراضية فى قوله: إذا ما تمّ ، من تقرير غرض الشاعر في نفس السامع، وهذا النوع من الجمل باب من أبواب البلاغة العالية؛ "لأن هذه الجملة دخلت فى حرم جملة أخرى، واقتحمت موطنها، واحتلت مساحة بين طرفى هذه الجملة، أو بين أفراد عائلتها، وعزلت هذه الأطراف، وباعدت بينها، وقامت كالشئ فى الحلق، وكأنها جملة ذات طبيعة عدوانية، لأنه ليس لها أرض خاصة بها، وإنما تراها أبدا مُقحمة فى قلب نسيج تباعد تواصله، وتواشجه"([21]).

وقد جاء الاعتراض ثلاث مرات فى القصيدة بخلاف ما سبق مثل قوله: هي الأمور ـ كما شاهدتها ـ دول، وقوله: يمزق الدهر ـ حتما ـ كل سابغة.

ولا يخفى دور المقابلة في قوله : من سره زمن ـ  ساءته أزمان، وتحريكها للنفوس، وقد كشفت لنا عن المعانى، وتجلت سافرة بذكر أضدادها، ومزية المقابلة: أنها شكلت علاقة بين الطرفين تحركت في تواتر متجاذب كأنها شبكة تتابع خيوطها، وتتبادل مواقعها، وتتشابك أطرافها، كما قامت بدور حيوي فعال في تأسيس البنية الحركية في النص.

وفى قوله: هي الأمور كما شاهدتها دول، كناية عن تغير الحال وعدم ثبات الحياة على وتيرة واحدة، وجاء تقديم ضمير الشأن (هي) للتخصيص؛ إذ يريد أن يلفت انتباه السامع لهذا الأمر.

وإفراد الزمن مع المسرة وجمعه مع الإساءة يؤكد أن لحظات السعادة قليلة بالنسبة للحظات الشقاوة.

وللمبالغة والإيجاز، والتأكيد، وإثارة الخيال، استخدم الشاعر المجاز الحكمى فى قوله: من سره زمن ساءته أزمان، فقد أسند الفعل: (سرّ) إلى: (زمن)، والفعل: (ساءته) إلى: (أزمان)، والزمن ليس فاعلا للسرور، ولا للإساءة، لكن السرور والإساءة واقعان فيه، وفى ذلك مبالغة فى حدوث الفعل، وضرب من التوسع والتفنن فى بناء العبارة، أو كما يقول الإمام عبد القاهر: .... وهذا الضرب من المجاز على حدته: كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، وأن تجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام، ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائكن وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها فليس هو كذلك أبدا؛ بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق بها([22]).

وجاء الوصل بين قوله: (وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ)، وقوله: (ولا يدوم على حالٍ لها شانُ) لاختلافهما خبرا وإنشاء، ولو فصل بينهما لأوهم خِلاف المَقصود.

وجاء تعريف المسند إليه: (وهذه الدار) بالإشارة ليميّزه تمييزا واضحاً، وفى الوقت نفسه يمنح الخبر مزيدا من القوة والتقرير، وقد شبه الدار بالإنسان الذي يتحرك فيعطي ويترك على سبيل الاستعارة المكنية.

وكذلك فى قوله: (يمزق الدهر حتما كل سابغة) استعارة مكنية شخصت الدهر وجعلته مفترسا يمزق كل نعم أُنعم بها على الإنسان، وقد جعلت الاستعارة القارئ "يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، إذ صورت المنظر للعين ونقلت الصورة للأذن، وجعلت الأمر المعنوي ملموسا محسا"([23])، نحن إذاً أمام قطوف دانية وموحية جعلت "الجماد حيا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية، والمعاني اللطيفة قد جسمت حتى رأتها العيون" ([24])

ولا شك فإن للاستعارة المكنية هنا أثرا كبيرا في نقل المشهد إلى السامع، والوصول به إلى الغرض لما لها من قدرة فائقة على التصوير الخيالي، ونقله في صورة محسوسة شاهدها المتلقي فتحركت نفسه وانفعلت معها.

وإيثاره لـ يمزق، على غيره من المرادفات لمزية فى المفردة اللغوية لا توجد فى مثيلاتها فقد مزقهم الدهر، وشردهم، وقطع دابرهم، وفرقهم في أنحاء البلاد مبددي الشمل، وأزال ملكهم، وعادوا أحاديث يرويها الرواة، وكأنه اقتبس المعنى من قوله تعالى: ]فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ[([25]) ، وغالبا ما يكون الباعث على الاقتباس: الاستئناس، أو الاستدعاء، "وذلك عندما يتناول الشاعر معنى يذكره بآية أو بعض آية فيذكرها على سبيل التداعى أو الاستئناس"([26])

ولتجدد الصورة واستحضارها، ولتجسيد الأمر الغائب عن الأذهان جاء التعبير بالفعل المضارع فى قوله: يغر ـ تبقي ـ ولا يدوم ـ يمزق ـ وينتضى.

***


 

الفكرة الثانية: دوام النعم من المحال  

أينَ الملوكُ ذوو التيجان من يَمَنٍ؟
وأينَ ما شَادهُ شدادُ في إرمٍ ؟
وأينَ ما حازهُ قارونُ من ذهبٍ؟
أتى على الكل أمرٌ لا مَردّ لهُ
وصارَ ما كانَ من مُلكٍ ومن مَلكٍ
دار الزمان على دارا وقاتله
كأنما الصعب لم يسهل له سبب
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللحوادثِ سُلوانٌ يُسهلها

 

وأينَ منهم أكاليلٌ وتيجانُ؟([27])
وأينَ ما ساسهُ في الفرسِ ساسان؟(
[28])
وأينَ عادٌ وشدّاد وقحطان؟(
[29])
حتى قضوا فكأنّ القومَ ما كانوا
كما حَكى عن خوالي الطيف وسنانُ
وأمّ كسرى فما آواه إيوان؟
يوما ولا ملك الدنيا سليمان
وللزمانِ مَسراتٌ وأحزان
وما لمَا حل بالإسلام سُلوانُ

       يمضى الشاعر فى فكرته ويقلّب صفحات التاريخ فيتساءل عن الملوك ذوي التيجان، ممن كانوا يحكون اليمن، ويسيطرون على الناس ببأسهم الغالب، وقد بنوا المدائن الشهيرة، فما بقيت وما بقوا، ويمضي في تساؤله فيبحث عن مصير بلاد الفرس، وما أعده ساسان فيها من ذخيرة وعتاد، ثم يجيب عن ذلك كله بأن الخاتمة قد لحقتهم وأذهبت ريحهم، وقضي عليهم حكم القدر فأصبحوا أثراً بعد عين، ولم تغن عنهم أموالهم وتيجانهم شيئا، وطاروا كالأحلام الذاهبة أثناء النوم دون بقاء.

       ثم يسلي الشاعر نفسه ويعزيها عما حلّ بديار المسلمين من دمار وتخريب ليأخذ المسلمون العبرة من ذلك، ويتعظوا بما حدث، ويقول: إن هذا الأمر ليس غريبا فقد دار وانقلب الزمان على "دارا" وقاتله كما أمّ الناس وتولاهم ولكن لم يحمه إيوانه وقصره العظيم منهم ومن كيدهم، ومع هذا ترى للزمن أياما سعيدة، وأياما حزينة.

وبمرور الأيام ينسى الإنسان ما نزل به، وإن مصائب الدهر وحوادثه الضخمة الشديدة عزاء لما أصابه، ولكن ما حل بالإسلام ليس له عزاء لشدة وعظم المصيبة فلا يستطيع أي إنسان نسيان هذه المصيبة (ضياع دولة المسلمين في الأندلس) وهذا ليس غريبا فقد حصل ذلك أيضا للعديد من الممالك والملوك، ولكن الإنسان لن يجد عزاء فى ضياعها؛ فقد كانت قلعة للإسلام وحاضرة للمسلمين، وإن كل مصائب الدنيا لها سلوان، أما المصائب التي حلّت بالإِسلام والمسلمين فما لها من سلوانٍ!

ويتساءل الشاعر متعجبا متحسرا متوجعا مما وقع للسابقين: (أين الملوك ذوو التيجان من يمن؟)، (وأين منهم أكاليل وتيجان؟) (وأين ما شاده شداد في إرمٍ ؟)، (وأين ما ساسه في الفرس ساسان؟)، (وأين ما حازه قارون من ذهب؟)، (وأين عاد وشداد وقحطان؟) بهذه الاستفهامات الإنكارية التعجبية المجازية التى تحمل المخاطب على إعادة النظر فيما قاله الشاعر بعد التدبر واستعمال العقل.

وحين يخرج الاستفهام من الأسلوب الحقيقى إلى الأسلوب المجازي ليؤدي ظاهرة جمالية وبلاغية لا تعرف في الأسلوب الحقيقي الذي يسأل به المتكلم عن شيء معروف ومشهور يتوجه فيه المتكلم إلى نفسه قبل أن يتوجه به إلى الآخرين.

وقد اتضح أن أسلوب الاستفهام المجازي يشكل أساليب جمالية مثيرة في النفس تمتاز بالتموج الصوتي والتنوع الإيقاعي الصادر عن أدوات الاستفهام؛ وإقامة التناسب بينها وبين العناصر الفنية الأخرى؛ ومن ثم دقة إيحائها بدلالاتها.

ولا غرو فإن الاستفهام المجازي على اتصال بجمالية الإيحاءات العظيمة في الدلالة، ما يجعلها تتجه إلى الإيجاز والاقتصاد اللغوي، وبهذا تحث الفكر على تأمل واعٍ ومرهف لكل نمط استفهامي حتى يستطيع المتلقي الانفتاح على هذا النمط أو ذاك.

يقول حازم القرطاجني: ... يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه، ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه في النفوس من جهة هيأته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس، من جهة هيئاتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها، وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس ....." ([30]).

وفى قوله : (أمر لا مرد له) كناية عن الموت الذى لا مفر منه، وإيثاره: لا مرد له على لا مانع له لما فيها من النهاية التى لا يُرجى معها بقاء، ويبدو الاقتباس من القرآن الكريم فى قول أبى البقاء:   

أتى على الكل أمرٌ لا مَردّ لهُ

 

حتى قضوا فكأنّ القومَ ما كانوا

فهو مقتبس من قوله تعالى: ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ[ ([31])

وكذلك فى قوله: (فما آواه إيوان) كناية عن غلبة الموت على كل ما من شأنه أن يتحصن فيه الإنسان، وفي الكناية: إثارة للعواطف وتحريك للأذهان؛ لأنها تمثل المعانى وتصبها في قوالب حسية لها فعاليتها وأثرها العميق، "ولها قدرة على إبراز المعانى وأدائها خير أداء، إذ كل كناية تتضمن الحكم مصحوبا بدليله، وذلك أبلغ في تأدية المعنى وتثبيته في النفس"([32]).

ومن الأدوات الفنية التى وظفها الشاعر فى رثائه: الصورة التشبيهية الموروثة عن البيئة العربية فى عاداتها وتقاليدها، وهى بسيطة، قريبة التناول، سريعة الفهم، واضحة الدلالة، يفسر بها بعض المعطيات، ويوضح بها بعض الحقائق والأحداث، حيث قوله:

وصارَ ما كانَ من مُلك ومن مَلك

 

كما حكى عن خوالي الطيف وسنان

فقد شبه الملك والملوك بخيال الطيف الذى لا وجود له، إنما الطيف ما يمر بخيال الإنسان وهو لا حقيقة له، ومن باب أولى لا حقيقة للخيال، فالأصل: (الطيف) لا يرى، فكيف بخياله؟

ويؤكد التشبيه بآخر فى قوله:

أتى على الكل أمر لا مَردّ له

 

حتى قضوا فكأنّ القوم ما كانوا

حيث شبه هؤلاء بعد اندثارهم، بالشئ المعدوم الذى لا أثر له، ليؤكد أن الأمر كان عجبا فى القضاء عليهم، وكان يجب على العقلاء أن يستوعبوا الدرس، ليحافظوا على بلادهم، وقد رأوا الأقوام أمامهم كأن لم يكونوا .

وواضح شيوع الجناس الناقص فى الفكرة بين: (شاده ـ شدّاد)، (ساسه ـ ساسان) والجناس التام بين: (ملك ـ ملك)، (التيجان ـ تيجان) ومزيته أنه ذو وقع شجى، وتأثير قوى فى استمالة النفوس، وتنشيط الأذهان، وإنصات الآذان، وبخاصة أنه جاء عفوا دون قصد، يقول الإمام عبد القاهر: ... وعلى الجملة فإنك لا ترى تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذى طلبه، واستدعاه، وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغى به بدلا، ولا تجد عنه حولا، ومن هنا، كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه ..... ([33]).

وفى قوله: (دار الزمان ـ أمّ كسرى ـ فجائع الدهر) استعارة مكنية شبه الزمان بالشيء الذي يغدر وينقلب على صاحبه.

ويرجع سر إيثار الشاعر لها لأنها تحمل المتلقي على التخيل، لأنها تبرز صورة جديدة غير ما ألف المتلقي حتى ينسى مع هذا المجال وتلك الروعة ما تضمنته الاستعارة من تشبيه، فمزيتها أن فيها ابتكارا وخيالا رائعا ومتعة، مع بروز المعنى في صورة "خلابة جذابة وقد جسم وشخص، فتنتشر ظلاله في النفس فيحدث في جوانبها حركة حية ترهف الحس"([34])

وكان عبد القاهر على حق حين قال عن الاستعارة: .... ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها، أنَّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدَفة الواحدة عدة من الدرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، وإذا تأملت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حد البلاغة، ومعها يستحق وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حلاها، وتقصر عن أن تنازعها مداها وصادفتها نجوما هي بدرها، وروضا هي زهرها، وعرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل.([35])

ولروعة الاستعارة المكنية عقد لها قدامة بن جعفر في كتابه "نقد النثر" بابا تحدث فيه عن الحاجة إليها في كلام العرب ومفهومها عنده، كما تحدث عن الاستعارة المكنية، وإن لم يسمها الاسم الذي عرفت به فيما بعد، وفي ذلك يقول ابن جعفر: .... وربما استعاروا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز([36])

ويعتبر البلاغيون هذا النوع من أجمل الصور البيانية لما فيه من التشخيص والتجسيد وبث الحياة والحركة في الجمادات وتصوير المعنويات في صورة محسة حية.

واستخدم الشاعر الطابق فى قوله: (مسرات ـ وأحزان) ليجلى لنا المعانى فى أبدع المعارض، ويظهرها فى أبهى الحلل، ولا غرو فإن الإنسان يهتز لمثل هذه الأساليب التى تحرك الطاقة الفكرية، ويتضاعف إحساسه بالمفارقة بين الضد والضد حين جمع بينهما الشاعر وقد تعانقا وتصافحا، وكل منهما يأخذ بتلابيب الآخر.

***


 

الفكرة الثالثة: ضياع الأندلس  

 

دهى الجزيرة أمرٌ لا عَزاء لهُ
أصابها العين فى الإسلام فامتحنت
فاسأل بلنسية: ما شأن مرسية؟
وأين قرطبة دار العلوم فكم
وأين حمص وما تحويه من نزه؟
قواعد كن أركان البلاد فما

 

هوى لهُ أحدٌ وأنهدّ ثهلانُ([37])
حتى خلت منه أقطار وبلدان
وأين شاطبة؟ أم أين جيان؟(
[38])
من عالم قد سما فيها له شان؟
ونهرها العذب فياض وملآن
عسى البقاء إذا لم تبق أركان

يتحسر الشاعر ويدلل على ما قاله في الأبيات السابقة فيصور هول المصيبة وشدتها بسبب ضياع الأندلس، ولم لا! وقد سقط وتصدع لهول هذه الفاجعة وعِظَمِ هذه المصيبة جبلان عظيمان من الجبال الراسيات: (أحد ، وثهلان)

ثم ذكر ما أصاب ديار الإسلام في الأندلس متحسرا على تلك المدن التي ضاعت من أيديهم لاسيما: (مرسية ـ شاطبة ـ جيّان ـ قرطبة ـ حمص) بعد سقوطِها في أيدي الأعداء وقد تهاوت، فحدث ما حدث وخرجت عن بوتقتها الإسلامية، ويبين ما حل بها من مصائب وأهوال ويعدد مناقب هذه المدن وفضائلها قائلا: أين قرطبة كعبة العلوم وقبلة العلماء؟التي كانت تزخر بالعلوم والمعارف والتي أخرجت الكثير من العلماء الذين أصبح لهم شأن كبير في سبيل الرقي والازدهار، وأين حمص وروابيها وأزهارها ومتنزهـاتها الكثيرة؟ ونهرها العذب (الوادِي الكبير)؟  

أين هذه البلاد التى كانت هدفا لكل حسود تمنى زوالها لكثرة علمها وثقافتها وحضارتها

ويعود للسؤال فيقول: لقد كانت هذه الحواضر ركائز بلاد الأندلس وأركانها فـماذا يبقى من الأندلس بعد سقوط أركانها؟

المتأمل في هذه القصيدة يلاحظ أنها مليئة بأساليب المبالغة للتدليل على عظمِ الفاجعة التي حَلّت بالمسلمين بسقوط الأندلس في أيدي الصليبيين الأسبان، ففى قوله: فاسأَل بلنسية، سؤال  ليس على حقيقته، إذ وجه السؤال لغير العاقل على سبيل المبالغة والتهويل، ولبيان ما حلّ بهذه المدن بعد سقوطها، ومعلوم أن المبالغة من الأساليب التى ترسم المعانى فى صورة واضحة، وتتكشف بها الأبعاد الشعورية كما أحسها الشاعر.

"والمبالغة فى الشعر ثمرة من ثمرات التجويد، أو سمة من سماته، والباعث عليها: حالة نفسية معينة، ومعنى قوى يريد الشاعر أن ينقل لنا إحساسه به فيسكنه صورة المبالغة، فيكون هدفها حينئذ الكشف عن طبيعة الشعور، والقدرة على التأثير فى المخاطبين، ومحاولة إشراكهم لحظات الإحساس، فضلا عن كونها زفرة لما تعتمل به النفس؛ لأن النفس الإنسانية تمل الواقع إذا لاصق، وتميل إلى ما يحلق بها"([39]).

ويرجع سر شيوع أسلوب الاستفهام فى قوله: ما شأن مرسية؟  وأين شاطبة؟ أم أين جيان؟ وأين قرطبة دار العلوم؟ وأين حمص وما تحويه من نزه؟ للتحسر والتعجب والأسف على ضياع هذه البلاد، وعلى حالها، وهو استفهام لاستعظام أمر ظاهر المزية خافي السبب، يراد به المبالغة في إظهار التعجب والتحسر والألم مما يحدث.

ولا غرو فإن المنوال البلاغي في أسلوب الاستفهام التعجبى والتحسرى قد اكتسب لذته الجمالية من عمق التأثير الذاتي والروحي للنفس التي اصطدمت بالحيرة والهموم والفواجع، وهل من هموم وفواجع أكثر من ضياع الأندلس؟ فكان التحسر والتعجب أولى الأساليب هنا.

أما قوله: فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان؟، فالاستفهام فيه إنكارى غرضه: الإنكار على المخاطب، أو توبيخه وتبكيته، ولأهمية هذا النوع جعله الإمام عبد القاهر أحد أربعة مقاصد للاستفهام المجازي، فيقول: ... واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار فإن الذي هو محض المعنى أنه لتنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيي بالجواب إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، فإذا ثبت على دعواه قيل: فافعل، فيفضحه ذلك، وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ، وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته([40]).

وكعادة أبى البقاء فى النص: إيثاره الأساليب الخيالية، كالاستعارة المكنية فى قوله:

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له

 

هوى لهُ أحدٌ وأنهد ثهلان

حيث شبه الأندلس بإنسان تساقطت وهوت عليه المصائب، ويرفض قبول العزاء، وكذلك فى قوله: أصابها العين فامتحنت ، فقد جعل الأندلس كالرجل الذى يحسد، ولا شك فإن جمال الاستعارة وأثرها الكبير في نقل المشهد إلى السامع والوصول إلى الغرض؛ سببه: قدرتها الفائقة على التصوير الخيالي، ونقله في صورة محسوسة يشاهدها المتلقي فتتحرك نفسه وتنفعل معها، وهذا مما دعي ابن الأثير إلى القول بأن: المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك، لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانا ([41]).

       ويعضد هذا الكلام ابن رشيق: ... والمجاز في كثير من الكلام يأتي أبلغ من الحقيقة وأحسن موقعا في القلوب والأسماع([42]).

       وإيثار قوله: هوى على سقط وانهار؛ لما يتضمنه كل هذه المعانى، وكأن الجبلين مع ضخامتهما تساقط كل واحد منهم تبعا للآخر.

وفي قوله: أصابها العين، كناية عن الحسد، وكذلك فى قوله: هوى له أحد وثهلان،  ففيه كناية عن شدة وقع المصيبة وهولها.

ويجرد الشاعر من نفسه إنسانا فيخاطبه من باب التجريد فيقول: فاسأل بلنسية، والتجريد كما يقول ابن جنى:  فصل من فصول العربية طريف حسن‏‏، ومعناه: أن العرب قد تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر كأنه حقيقته ومحصوله([43])‏، ولذلك فهو مبنى على المبالغة، وكسب الكلام رقة ورونقا، وبتأمل مثل هذه الأساليب نلاحظ أن فيها تصويرا وتخييلا وتلوينا فى الصياغة يجذب الانتباه.‏

يقول فضيلة الدكتور محمد أبو موسى: "التجريد لا يكون إلا فى المعانى التى لها شأن، الشاعر فيها هو الذى يقول، وهو الذى يسمع، هو المتكلم والمخاطب معاً، هو الذى يرسل أشجانه وآلامه ورموزه، هو الذى يستقبل هذا كله، وكأنه أغلق دائرة البث والاستقبال عليه وحده، وكأنه يُسر بهذه الأحوال إلى نفسه، ويضن أن يخاطب بها غيره؛ لأن الذى أصابه ضرب من البلوى ... " ([44])

وواضح التشبيه فى قوله: قواعد كن أركان البلاد، فقد شبه الحـواضر التي سقطت بالأركان بالنسبة إلى بلاد الأندلس بجامع الأساس في كل، فكما أن الأركان لأيِّ شيء هي أساسه، فكذلك هذه الحواضر هي الأسس والعُمُد بالنسبة إلى بلاد الأندلس، فإذا سقطت الأركان سقط كل شيء عليها.

وترجع مزية التشبيه إلى: كونه عنصرا أساسيا في التركيب الجملي، والمعنى العام المراد لا يتم إلا به، فالنص لا يقصد إلى التشبيه بوصفه تشبيها فحسب، بل بوصفه حاجة فنية تبنى عليها ضرورة الصياغة والتركيب، فهو وإن كان عنصراً أساسياً يكسب النص روعة واستقامة وتقريب فهم، إلا أنه يبدو عنصرا ضروريا لأداء المعنى المراد من جميع الوجوه، لأن في التشبيه تمثيلا للصورة، وإثباتا للخواطر، وتلبية لحاجات النفس.

وتستطيع من خلال التشبيه تكييف النص الأدبى نحو المعنى المراد، دون توقف لغوي، أو معارضة بيانية، مسيطرا على الموقف من خلال تصورك لما تريد إمضاءه من حديث، أو إثباته من معنى.

***

الفكرة الرابعة: حزن الإسلام

تبكي الحنيفية البيضاء من أسفٍ
عَلى ديارٍ من الإسلام خالية
حيثُ المساجدُ قد صَارت كنائسَ ما
حتى المحاريب تبكي وهي جامدةٌ

 

كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ([45])
قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ
فيهنّ إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المنابر تَرثي وهي عيدانُ

ويمضى الشاعر فينتقل من الماضي البعيد إلى الحاضر المشاهد، فيعلن أن جزيرة الأندلس، قد دُهيت بما يزلزل الجبال من الخطوب، وقد اشتهرت نكباتها بين الناس، إذ مضى بحديثها الركبان! وهو حديث مؤلم فاجع، أتى على الإسلام في أمنع حصونه فبكت الشريعة من أسف لما حل بأهلها من خطوب! وما لها لا تبكي على  ديار خلت من الإسلام، وعمرت بالكفر، فالمساجد الإسلامية تحولت إلى كنائس مسيحية، تدق فيها النواقيس بعد أن شرفت بالأذان، والمحاريب ريعت لهول ما نزل، فبكت وهي من جماد، وكذلك المنابر أعلنت فجيعتها، وهي من أخشاب! فيا لها من فجيعة ما أمرّها! ومصيبة ما أعظمها! وطامة ما أكبرها! ولم لا! والجمادات قد فزعت لما حدث فأخذت المحاريب والمآذن تبكي وترثي نفسها.

ويلجأ الشاعر إلى الاستعارة المكنية للمبالغة ولتشخيص المعنويات والجمادات فى قوله: تبكي الحنيفية البيضاء ـ حتى المحاريب تبكي ـ حتى المنابر ترثي، لبيان فداحة ما حل ببلاد الأندلس، ولروعة الاستعارة ودقة تصويرها الحدث قال عنها الإمام عبد القاهر:

ومن خصائصها: ...التشخيص والتجسيد في المعنويات، وبث الحركة والحياة والنطق في الجماد، وقد التفت الجرجاني إلى هذا بقوله: فإنك لترى بها الجمادَ حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جلية، وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعز منها، ولا رونق لها ما لم تزنها، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجِبة ما لم تكنها، إن شئت أرتك المعانيَ اللطيفةَ التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطفتِ الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلا الظنون، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها ... ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت بها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة موموقة.([46]).

فالاستعارة هي التي لونت المعاني الحقيقية في النص كل هذا التلوين، وهي التي بثت فيه كل هذا القدر من التأثير الذي ارتفع ببلاغتها إلى حد الإبداع.

وإيثار الشاعر قوله: الحنيفية البيضاء لما فيه من إيحاء بالبياض والنقاء والطهارة.

ويغلف الشاعر التشبيه بالاستعارة فيقول:

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف

 

كما بكى لفراق الإلفِ هيمان

فقد شبه بكاء المسلمين على فراق هذه البلاد ببكاء المحب لفراق حبيبه على سبيل المبالغة؛ غذ هو هنا ليس أى محب، بل الذى هام فى الحب هيمانا كالمجنون المتحيِّر من شدة العشق، أو كما يقول ابن منظور: هامَت الناقةُ تَهِيم: ذهَبَت على وجِهها لرَعْيٍ، والهُيامُ نحو الدُّوارِ جنونٌ يأْخذ البعيرَ حتى يَهْلِك، والهائم: الذاهبُ على وجهه عِشْقا([47])

والتشبيه غالبا هو ذراع الشاعر اليمنى، يقرب له المعاني، وينمق له الصور، ويجلو به مكنون مشاعره، ويخرجها إلى الوجود بإيجاز وتركيز، هو بساط الريح لخيال الشاعر، وفيه قدرة على إيصال المعنى بإيجاز ونحت الصورة بدقة وشمول.

وفى قوله: (أقفرت ـ عمران) طباق جمع بين الضدين، فحرك الإنسان ليتأمل هذه البلدان كما تأملها الشاعر، يقول البلاغيون: إن الضد يكون أقرب خطورا بالبال عند ذكر الضد، حتى إن الذهن ليستحضر الضد على الفور قبل مجئ الطرف الآخر، ولهذا حق لقدامة أن يسمى هذا الأسلوب البديع: التكافؤ([48]

***


 

الفكرة الخامسة: التنبيه على هول الفادحة وتقريع المسلمين

يا غافلاً وله في الدهر موعظة
وماشيا مرحا يلهيه موطنه
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
وحاملين سيوف الهند مرهفة
وراتعين وراء البحر فى دعة
أعندَكم نبأ من أهل أندلس
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم
ألا نفوس آبيات لها همم

 

إن كنت في سنة فالدهر يقظان
أبعد حمص تغر المرء أوطان
وما لها من طوال الدهر نسيان
كأنّها في مجال السبقِ عُقبان
كأنها في ظلام النقع نيران
لهم بأوطانهم عز وسلطان
فقد سَرى بحديث القوم ركبان
قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
وأنتم يا عباد الله إخوان
أما على الخير أنصار وأعوان

ينادى الشاعر أهل الأندلس خاصة والمسلمين عامة الذين غفلوا عن بلادهم حتى ضاعت منهم، وعليهم أن يعتبروا مما حدث، وكفاهم غفلة، لأن الدهر يقظ، وقد ينزل بكوارثه ومصائبه، فيفجع الغافلين الذين لم يحتاطوا لهذا اليوم.

ويتحسر الشاعر على ضياع حمص التى لا يرضى بها بديلا، وليس هناك مصيبة تعدل مصيبة فقْد حمص التى أنسته كل المصائب، ولن ينساها مهما طال الزمن وتكاثرت السنون.

ثم ينادى هؤلاء الغافلين اللاهين عن أوطانهم التى انشغلوا عنها بنزواتهم ومطامعهم الشخصية، يناديهم ليفيقوا من غفلتهم، ولينهضوا ليعبروا عن قوتهم في الحرب وجلادهم في المعركة بضمور الخيل وسرعتها التي يركبونها فتغدو في ميدان السباق كالطيور الجارحة.

وهو بذلك إنما يعظهم ليستثير هممهم، فهم أقوياء ذوو سلطان وعز وجاه في أوطانهم، ويعيشون في لين ودعة.

 ويكرر نداءه مستنجدا ومعظما إياهم: يا من تحملون السيوف الهندية الصنع الحادة الرقيقة التي تبدو في ظلام الليل كالنيران لشدة بريقها ولمعانها، يذكرهم ببلادهم الساحرة التى كانوا يعيشون فيها فى أمن وأمان وجاه وسلطان، فكان الكل يخشاهم، ثم يتساءل: ما إذا كان أولئك الذين مدحهم واستغاث بهم وبقوتهم لديهم أنباء عن أهل الأندلس وما جرى لهم، لأن هذه الأنباء يحملها المسافرون والركبان ويتداولها الناس.

ويتوقع الشاعر أن يتحرك المستنجد بهم إذا سمعوا عما حل بالأندلس، ويقول: إن أبناء المستضعفين الأسرى والقتلى من أهل الأندلس يستغيثون، فلا يغيثهم ولا يلبى نداءهم أحد، بل إن المستغاث بهم لا تتحرك مشاعرهم تجاه المستنجدين ولا يحزنون لما أصابهم، وفي هذا توبيخ وتقريع ثم يستمر في توبيخه لهم، فهم متنازعون متقاطعون لا تربطهم مع مسلمي الأندلس علاقات الود رغم أنهم عباد الله وإخوان في الدين.

ثم يحضهم أن ينهضوا ويعينوا إخوانهم وينصروهم على الحق والخير، ويقول : أين النفوس الأبية التي ترفض الذل والهوان للإسلام والمسلمين؟

هل علمتم بما حدث من أهل الأندلس من تطاحن وتشاحن وفرقة بينهم حتى غدت الدولة هشة ضعيفة وكانت النهاية المؤلمة.

ومما وضّح الصورة وأبرزها فى أعين السامعين الطباق فى قوله: يا غافلا ـ  يقظان، ويرجع سر الجمع بين الغافل واليقظان: أن العقول تعجب بنسج مثل هذه الأساليب، والتأليف بين المتضادين، والنفوس تجتذب لإبداعه، والأذهان تدرك بلاغة صياغته، ولا يخفى ما نجده من المتعة الذهنية في الجمع بين المعاني المتضادة، وليس من المهم أن يكون للطباق سر بلاغته العامة؛ بل الأهم دوره فى السياق وهدف الشاعر منه، ولذلك اهتم علماؤنا بالكلمة وموقعها من جاراتها فى الجملة، ثم موقع الجملة فى البيت، ثم موقع البيت فى القصيدة، يقول الإمام عبد القاهر: وجملة الأمر أنا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها ومعلقا معناها بمعنى ما يليها. ([49])

وما أروع الاستفهام فى قوله: أبعد حمص تغر المرء أوطان؟ فهو استفهام تشيع منه الحسرة والتأسف على ضياع حمص، وكذلك الاستفهام فى قوله: أعندَكم نبأ من أهل أندلس؟ لكنه للتقرير؛ إذ إنهم من أهل الأندلس، ويعلمون ما حدث لها.

       وكذلك الاستفهام فى قوله: ماذا التقاطع في الإسلام بينكم؟ استفهام للتعجب من حال هؤلاء الذين خالفوا تعاليم دينهم التى تدعو إلى الإخوة والمحبة والألفة والترابط.

وواضح إيثاره للفعل: تغر، فى قوله: أبعد حمص تغر المرء أوطان؟ لينبه على خداعهم ونسيانهم الأحداث.

       وتأتى الكناية فى قوله: تلك المصيبة أنست ما تقدمها، لتكشف عن قسوة المصيبة، وشدة وقعها على النفس، وكذلك الكناية عن: رشاقة وقوة الخيل وحسن تدريبها وتهيؤها للقتال فى قوله: يا راكبين عتاق الخيل ضامرة، والكناية فى قوله: وحاملين سيوف الهند مرهفة، فهى كناية عن فهمهم ووعيهم وحسن تدريبهم على تلك السيوف، والكناية فى قوله: فما يهتز إنسان، تدل على عدم الاستجابة وعدم المبالاة بالاستغاثة، أو مجرد الانشغال بها، ولأن الكناية من نعوت الفصاحة والبلاغة‏، قال عنها ابن سنان:‏ ... وسبب حسن هذا مع ما يكون فيه من الإيجاز أن تمثيل المعنى يوضحه ويخرجه إلى الحس والمشاهدة، وهذه فائدة التمثيل في جميع العلوم؛ لأن المثال لا بد من أن يكون أظهر من الممثل، فالغرض بإيراده: إيضاح المعنى، وبيانه ([50]) ولا غرو فإنها قد عبرت عن المعانى المكنونة فى ضمير الشاعر، فغاصت وراءها ومكنتنا من الاطلاع عليها.

       ولإظهار جماليات النص يحلق بنا الشاعر فى آفاق الخيال، وعمق المعاني، فى خصوصيات تمنح الكلام أوصاف غيره، فيلجأ إلى التشبيه حيث قوله:

يا راكبين عتاق الخيل ضامرة

 

كأنها في مجال السبقِ عقبان

       فقد شبه الخيل بالنسر فى القوة والانقضاض والسرعة، وعلى القارئ أن يلتقط سر هذا النسيج، والوصف الدقيق، والخيال الواسع، يقول ابن الأثير: ... فالتشبيه إذاً يجمع صفات ثلاثة هي المبالغة والبيان والإيجاز، وأنه من أبين أنواع علم البيان مستوعر المذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة، وسبب ذلك: أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة وإما معنى يعز صوابه، وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر. ([51])

       وكذلك التشبيه فى قوله:

وحاملين سيوف الهند مرهفة

 

كأنها في ظلام النقع نيران

فقد شبه هيئة السيوف وهى تبرق وسط غبار المعركة الكثيف لامعة بالنار التى تضئ ظلام الليل فتبرز وتتضح.

كم يستغيث بنا المستضعفونَ وهم

 

قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ

ومن باب التكثير والمبالغة فى طلب النجدة يستخدم الشاعر: كم التى تفيد التكثير فى قوله:

ولأن الشاعر أراد أن يعرض المعانى فى نسق خيالى، وأسلوب جمالى، لجأ إلى المجاز المرسل حيث قوله: ألا نفوس آبيات لها همم: فالنفوس ليست وحدها آبيات، بل الإنسان كله ولكنه عبّر بالجزء عن الكل لمزيد اختصاصه بالمعنى المطلوب.

وتلك مهارة في تخير العلاقة بين المعني الأصلي والمعني المجازي حيث صوّر المجاز المعني المقصود خير تصوير، بالإضافة إلى ما فيه من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلاباً، وترجع قيمة المجاز المرسل هنا: أنه وقع من النفس موقعا مؤثرا، فوفّى المعنى، وأوجز القول، وبسّط التركيب، بالإضافة إلى أنه جاء بمعانٍ غير معهودة، يقول فضيلة الدكتور محمد أبو موسى: والملكة البيانية التى تتراءى فى هذه اللغة ملكة شديدة الميل إلى التركيز، قادرة على اللمح بواسطة القرائن، بارعة أحسن البراعة فى الاختصار، وحذف زوائد الكلام، والاكتفاء بأصوله المجملة التى تطوى وراءها كثيرا من التفصيل والتفريع ... ([52]

وإيثاره: راتعين، على غيرها؛ لما فيها من معانى الأكل بلا إحساس، يقول الراغب: الرتع أصله: أكل البهائم، يقال: رتع يرتع رتوعا ورتاعا ورتعا، قال تعالى: ]يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ[ ([53]) ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير([54]

ولأن الاستعارة صورة فنية تتميز بالخيال الواسع، وجمال الصورة، جاءت مكنية فى قوله: الدهر يقظان، وسر تأثيرها يكمن في تأليف الألفاظ وابتكار المشبه به مما لا يجول في خاطر المرء العادي بل يحسنه الشاعر الذي وهبه الله تعالى استعداداً سليماً لربط المعاني وتوليد بعضها من بعض، وواضح من خلال إيثار هذه الاستعارة أنها من أهم وسائل التعبير عند أبى البقاء، إذ أطلقت له العنان ليشخص ويجسد المعنويات والجمادات، فجعلها حيّة نابضة بالحركة والحياة، ولم لا! وقد بعث الحياة فى الدهر فجعله كالإنسان المستيقظ المترقب، وله ما للإنسان من صفات.

***

الفكرة السادسة: تنكيل وحسرة واستصراخ

يَا مَن لذلة قومٍ بعد عِزهمُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم
يا رب أم وطفل حيل بينهما
وطفلة مثل حسن الشمس إذا طلعت
يقودها العلج للمكروه مكرهة
لمثلِ هذا يذوبُ القلبُ مِن كمد

 

أحالَ حالهمُ كفر وطغيان
واليومَ هُم في بلاد الكفر عُبدان
عليهم من ثياب الذل ألوان
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
كما تفرق أرواح وأبدان
كأنما هى ياقوت ومرجان
والعين باكية والقلب حيران
إن كانَ في القلب إسلامٌ وإيمانُ

يذكر الشاعر بحال المسلمين حين تحولت عزتهم وقوة منعتهم لما شاعت بينهم المنكرات بلا نكير، إلى ذل وهوان وانكسار، سامهم إياه النصارى حتى بيع سادة المسلمين آنذاك في أسواق الرقيق، وهم يبكون، وحالوا بين الأم وطفلها، وفرقوا بينهما عند البيع كما تفرق أرواح وأبدان، فلو رأيت هذا المنظر، وتلك الذلة لراعك الأمر ولأحزنك، فأي كربة وأي شدة مرت على المسلمين؟ فلمثل هذا يذوب القلب من الكمد والحزن، ذلك إن كان في القلب إسلام وإيمان، فالقلوب التي فيها إيمان تذوب من شدة الحزن لمثل هذه المصائب التي وقعت على هذه الديار وأهلها، فمن ذا الذي يستطيع أن يعين هؤلاء الناس الذين أصبحوا أَذلة بعد أن كانوا أَعزة وغير الظلم أحوالهم؟

ويا لروعة الاستغاثة فى قوله: يا من لذلة قوم بعد عِزهم، وفيه إيجاز بالحذف، فالوقت لا يسعفه، والتقدير: يا من يقيل ذلة قوم بعد عزهم، وكذلك قوله: يارب أم وطفل حيل بينهما.

ولنتأمل جمال الجمع بين: ذل ـ عز ، ولا يجمع ب

لا تسقني ماء الملام فإنني

 

صب قد استعذبت ماء بكائي

ينهما إلا عن طريق الطباق، ليظهر كل منهما الآخر، وكذلك المقابلة الرائعة في قوله:

بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم

 

واليوم هم في بلاد الكفر عُبدان

فقد قابل بين ثلاثة: (الأمس ـ منازلهم ـ ملوك) وبين: (اليوم ـ بلاد الكفر ـ عبدان)، وتستمد المقابلة قيمتها الفنية، ومزيتها البلاغية من الدور الذى أدته فى النص، وكأنها قد عقدت موازنة ليتحرك الإنسان وينهض، وينقذ ما يمكن إنقاذه.

وجاءت الكناية فى قوله: فلو تراهم حيارى لا دليل لهم، لتدل على انقيادهم لغيرهم، وأما التشبيه فى قوله:

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم

 

عليهم من ثياب الذل ألوان

فقد ابتكر الشاعر فيها ابتكارا، ونوّع فألبسهم ثياب الذل بكل أشكاله وأنواعه، وروعة التشبيه ترجع إلى إضافة المشبه به إلى المشبه، فصارا لحمة واحدة لا ينفكان، وكأن الذل قد غطاهم وسيطر عليهم، وإضافة المشبه به(ماء) إلى المشبه(الملام) يذكر بقول أبى تمام:

لا تسقني ماء الملام فإنني

 

صب قد استعذبت ماء بكائي

وقول الآخر

الريح تعبث بالغصون وقد جرى

 

ذهب الأصيل على لجين الماء

فقد أضاف المشبه به (ذهب) إلى المشبه(الأصيل)

ويجنح أبو الطيب للخيال فيؤثر الاستعارة المكنية فى قوله:

ولو رأيت بكاهم عند بيعهم

 

لهالك الأمر واستهوتك أحزان

إذ شبه احتلال البلاد، ووقوع الأفراد فى قبضة المحتل، وتحكمه فيهم بسلعة تباع، ثم يشبه الأحزان بشئ محبب للنفس تستهويه فيقول: واستهوتك أحزان، على طريق الاستعارة المكنية التهكمية، وكذلك فى قوله: والقلب حيران، وقوله: لمثلِ هذا يذوب القلب مِن كمد، فقد شبه القلب بشئ يذوب، لأن الحزن قد قضى عليه.

لقد نجح الشاعر في تشخيص الأمور المعنوية وتجسيدها وبث الحياة والحركة في الجمادات، التي جعلت كل من يقرأ هذه القصيدة يتصور حالهم وكأنه معهم، والاستعارة صورة من صور التوسع والمجاز في الكلام، وهي من أوصاف الفصاحة والبلاغة العامة التي ترجع إلى المعنى.

وإذا كان البلاغيون ينظرون إلى المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية على أنها عمد الإعجاز وأركانه، وعلى أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، وتوجب الفضل والمزية، فإنهم يجعلون المجاز والاستعارة عنوان ما يذكرون وأول ما يوردون، ولم لا! ومعلوم أن من خصائص الاستعارة: تجسيم الأمور المعنوية بإبرازها للعيان في صورة شخوص وكائنات حية يصدر عنها كل ما يصدر عن الكائنات الحية من حركات وأعمال.

    يقول ابن الأثير: إنما سمّي هذا القسم من الكلام استعارة لأنّ الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير الناس من بعضهم شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض.

      فالمشاركة بين اللّفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشّخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر([55]).

ويأتى التشبيه فى قوله:

يا رب أم وطفل حيل بينهما

 

كما تفرق أرواح وأبدان

ليشبه فرقة الأم عن طفلها، بفرقة الروح عن الجسد، فبُعد الطفل عن أمه، وبعدها عنه موت لكليهما، وخص الطفل دون الولد أو الابن، لشدة ارتباطه بها كما يرتبط الجسد بالروح، فيكون الجزع أشد، والحزن على الفراق أصعب، وتكون الحاجة للنصرة والنجدة أسرع.

وكذلك إيثاره: طفلة فى قوله:

وطفلة مثل حسن الشمس إذا طلعت

 

كأنما هى ياقوت ومرجان

فقد شبه الطفلة بالشمس؛ لأنها تبث الدفء لوالديها كما تبث الشمس الدفء للخليقة، ثم يشبهها بالياقوت والمرجان فى نفاستها وارتفاع قيمتها، لهذا وجب عليهم أن يكونوا أشد حرصا عليها، وواضح اقتباسه التشبيه من القرآن الكريم، حيث قوله تعالى: ]كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ[ ([56]

ولاختياره لألفاظ المقطع دلالة على تمكنه من مفردات اللغة؛ فقوله: واستهوتك من  الهوى، وهو كما يقول ابن منظور: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوي: سقوط من علو إلى سفل. ([57])

وقوله فى وصف الكفار المغتصبين: العلج، والعِلج: الرجل الشديد الغليظ، والعِلج: الرجل من كفار العجم، والعِلج: حمار الوحش لاستعلاج خلقه وغلظه؛ ويقال للعَيْر الوحشي إِذا سمن وقوي: عِلج. وكل صُلْب شديد: علج. ([58])

وقوله: حيران، من حار يحار حيرة، فهو حائر وحيران، وتحير واستحار: إذا تبلد في الأمر وتردد فيه. ([59])

وقوله: يذوب يدل على سيلان القلب تغيرا لما حدث لهذه البلاد.

وقوله: كمد، بمعنى: تغير اللون، وذهاب صفائه وبقاء أَثره، وكمد لونه إِذا تغيَّر، ورجل كامد، وكمد: عابس، والكمد: الحزن المكتوم، والكمد: أَشد الحزن([60])

***

وختاما أقول:

تعد مرثية أبى الطيب الرندى صرخة حزينة تعلن عن فزع صاحِبها اللهيف، وهو في تصوير عواطفه كالخطيب منفعل يتحدّث بسهولة لا تعرف التنميق، بل يرسل عواطفه الحزينة في تدفق، والصور الخيالية تدل على شاعرية موفقة! فالحنيفية تبكي، والمحاريب تئن، والمنابر ترثي! كل ذلك تصوير رائع.

وثقافة الشّاعر التاريخيّة واضحة، فهو يستعين بما يعرف من أحداث الزمان ليضرب الأمثلة على تقلّب الأيام، وفواجع الدهر، وقد سلك جانب الوضوح السهل لأنه يخاطب العامة، ولم ينظم القصيدة ليقال: إنه شاعر مصور ذو إبداع، بل ليحرك العواطف بكلام طبيعي ينتقل عفواً من خاطره، وهو مع ذلك مؤثر تمام التأثير، لأنه صادق مخلص، لا يتكلف ولا يفتعل.

وأبيات القصيدة تدور حول رثاء الأندلس وما حل بها وبأهلها من ذل وهوان بعد أن كانوا يرفلون بثياب عز الإسلام، وقد صاغ أبو الطيب هذه المعاني بأسلوب قوي جزل واضح خال من التعقيد يميل إلى التدبر والعظة.

وإن حاضر المسلمين اليوم كماضيهم الغابر يوم حلت ببلاد الأندلس مصائب الهزيمة والسقوط وأنهم الآن يضيعون أوطانهم ويضعفون بتفرقهم وتمزقهم، كما ضاعت أوطانهم الإسلامية في الأندلس.

وجاءت ألفاظ الشاعر وعباراته كما هي في الشعر الأندلسي واضحة، سهلة معبرة عن الأسى والحزن بسبب ما حل بالأندلس ومن تلك الألفاظ: أين قرطبة دار العلوم؟ ، تبكى الحنيفية البيضاء، حتى المحاريب تبكى، حتى المنابر ترثى، نفوس آبيات، بكاهم عند بيعهم، لمثل هذا يذوب القلب من كمد، وغيرها، ولهذا فهى أكثر وضوحاً، وبها موسيقى، تدل على أن وراءها هندسة تزن الكلام، وتختار منه ما يحدث في السمع رنيناً هادئاً يطرب النفس.

كما أنها تميزت بالقوة والرصانة والفصاحة، وجاءت العبارات مناسبة للموضوع في التزامه بحدة الوزن والقافية، وأما مجئ الألفاظ على رتب المعانى، وملاءمة الأساليب الخبرية والأساليب الإنشائية للحقائق التاريخية فلون من الترابط العضوى، إضافة إلى وضوح المعنى، وبعده عن التعقيد الفلسفي أو الغوص على المعاني وتشقيقها.

وسهولة الألفاظ وسلاستها، والبعد عن التعقيد والغموض ناتج عن بساطة الأندلسيين وبعدهم عن التعقيد في كل شيء، وقلة الدخيل والألفاظ الأعجمية؛ وقد لوحظ أن الأندلسيين أكثر تمسكاً بالعربية الفصحى من غيرهم.

وعاطفة الشاعر: عاطفة إسلامية حيث صور ونقل إحساسه وشعوره لما حدث لمعاقل المسلمين، فلا غرو أن تكون صادقة أثّرت فينا حين قرأناها، إذ حركت إحساسنا خاصة ونحن نمرّ في هذا الزمان بأحداث مشابهة، فما العراق عنّا ببعيد، وواضح التحام الموسيقى الداخلية مع عاطفة الشاعر ومع الموضوع.

وبرز فى المرثية: الترابط العضوى؛ أى التلاحم بين الأدوات التعبيرية: (اللفظ والأسلوب والصياغة والتصوير والموسيقى) مع المعنى والسياق الفنى والتاريخى.

ثم إن مجئ المحسنات البديعية لم تكن لذاتها، بل لوظيفتها فى النص وبخاصة: (الطباق، والمقابلة، والمبالغة، وغيرها)، وفى الوقت الذى ابتعد فيه عن المحسنات اللفظية المتكلفة والمبالغة الممقوتة، برزت التشبيهات الجميلة والاستعارات الدقيقة وغيرها من فنون البلاغة، ولهذا التحمت الموسيقى الداخلية مع عاطفة الشاعر ومع الموضوع، وكذلك الصور الشعرية التى ارتبطت بالبيئة، وبالموضوع، وبالعاطفة، كل ذلك لون من الترابط العضوى، لأن الشاعر صاحب قضية، فجاءت وسائله التعبيرية وسيلة لغاية، وحب الشاعر للإسلام والمسلمين، وبغضه للشرك والمشركين لون من ألوان العاطفة فى النص.

كما أن القصيدة من بحر البسيط الذى يتألف من:

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

 

مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

وهذا الوزن يتناسق تناسقا تاما مع جو الرثاء والحزن الذى خيم على أبى الطيب فى فقد أعز بلاد المسلمين، كما يتناسب مع النَفَس الذى يفرج عن الشاعر وينفس عنه الأحزان والآلام، فهو بحر إطلاق الآهات.

والملاحظ أن كثرة المدات وحروف اللين فى القصيدة تمنح الشعر إيقاعا يساعد على كشف الجزع والحزن فى نفس الشاعر، ومعلوم أن النَفَس يمتد ويطول مع حروف المد وحروف اللين وهذا مناسب لمقام الحزن تمام التناسب.

وقد تميزت المرثية بالتفصيل واستقصاء المعاني ولذلك أتاحت للذهن المعايشة والرضي والقناعة بما تسمع منه والإقناع وعمق التأثير، وتميزت بأنها لحمة واحدة لو حذفت منها شيئا لانفرطت واختل المعنى تتميز بالملاءمة بين الألفاظ والأفكار، وبتتبع أجزاء المعنى، وتلك مقدرة لا تتاح لكثير من شعراء المعاني والاستيعاب، وتميز أبو الطيب بحرارة العاطفة، وطرافة التأمل العقلي والتشخيصي الحسي.

ويا سبحان الله! بالأمس ضيعنا الأندلس، واليوم نضيع بلاد العرب والمسلمين حذواً حذوا، لذلك رأينا من يتألم، ومن يفزع، ومن يبكى، فالشاعر الذي ذبح قلبه ضياع الأندلس يؤلمنا في أيامنا ما آلمه!فهل نجد له مثيلا فى أيامنا؟

إن على المسلمين كي ينتصروا على عدوهم أن يتحدوا ويعتصموا بحبل اللّه جميعا، ويحققوا الوحدة والأخوة الإِسلامية فيعظم أمرهم ويحافظوا بذلك على بلادهم وأوطانهم الإسلامية.

***


 

وقد عارض أ.د. سعد بن ناصر الرشيد([61]) قصيدة أبي الطيب الرُّندي بقصيدة تحت عنوان: النهر المسترخي، يقول فيها:

أرى دمشقَ حِداداً لفّ سدّتـَهُ
وهذه المرجةُ الحسناءُ شاحبةٌ
النهر يجري بها مسترخياً هرماً
هل شِختَ يا (بَرَدى) في عنفوان صبا
أم أنّ وقذَ هوىً أضنى بحدّتِهِ
أم أنّ دعوةَ سِلمٍ بات يطلقُها
أتتك فوق جناح الليلِ نغمتُها
أما فتئتَ تعيشُ الحزنَ مكتئباً
حتى ضويتَ هزالاً ما تحركنا
إن كان ضعفُك من مجرى برِرتَ بهِ
فابحث لدفقِك عن مجرى يليقُ بهِ
واصرفه عن قنواتٍ ماؤها أسِنٌ
متى أراك فإن القلبَ مضطرمٌ
لتجرفَ الشوكَ عن دربِ الأُلى عزموا
وتغسلَ الأرضَ من أوصابِها أبداً
فالويلُ مستعرٌ والظلمُ منتشرٌ
تـبًّا لمبدأِ أحزابٍ تفرقنا
يوماً سنكشفُ عن بُطلانِ زخرفِها
حتى تكونَ بلادُ اللهِ واحدةً

 

على عيوني فهذا الزهرُ صُوّانُ
(ميسونُ) غائبةٌ عنها و(حسّانُ)
هل صار بينهما صدٌّ وهجرانُ؟
أم أثقلتْك انتكاساتٌ وأحزانُ
ينبوعُ كِبْرِك إن الحبَّ سلطانُ
دعاةُ سِلْمٍ غووا، والسلمُ خذلانُ
فشلّ سطوَك مأجورٌ وعدوانُ
قد قدّموكَ كأنّ الأرضَ قربانُ
خريرُ مائك منهوكٌ ووسنانُ
وما يحُفُّ به حُورٌ ولا بانُ
ولو تولّد فيك اليومَ عصيانُ
فآسنُ الماءِ لا يهواهُ إنسانُ
وأنتَ من غضبٍ يعلوك طوفان؟
فالشوكُ في دربِهم للمجدِ ألوانُ
حتى تطيبَ؛ فإن الأرضَ أدرانُ
والعيشُ فيها حزازاتٌ وأضغانُ
وإننا في رباطِ الله إخوانُ
قد آنَ أن يجمعَ الأقوامَ قرآنُ
ثهلانُ قيسونُ ، أو قيسونُ ثهلانُ

ولا غرو فإن القصيدة تتميز بعدة أشياء:

  • ·       جودة أسلوبِها، وسهولة ألفاظها، وقرب معانيها، تدرج أفكار النص، فمن تمنيه زوال الظلم، وزوال الأضغان والتعصبات والأحزاب، وبطلان زخرفها واجتماع الناس حول القرآن الكريم متحابين إلى الهدف الذى قصده، وهو تمنيه أن تكون بلاد الله واحدة، لا فرق بين عربي وأعجمي.
  • ومما ميّز القصيدة: استعماله عنصر الرمز، كما فى قوله: (النهر المسترخي)، (شيخوخته)، (دمشق)، (ميسون)، (حسان).
  • ·       استخدامه للصور الخيالية المجسمة المثيرة كقوله: (النهر يجري)، (مسترخياً)، (هرِماً)، (شخت يا بردى)، (ينبوعُ كبرك)، (الحب سلطان)، (ضويت هزالاً)
  • ·       كثرة التساؤلات فى النص مما أضفى عليه جوا من الإثارة، كقوله: (هل صار بينهما...؟)، (هل شخت يا بردى؟)، (أم أثقلتك ...؟)، (أما فتئت؟)، (متى أراك؟)

وواضح أن مرثية أبى البقاء تتميز بصدق العاطفة وعمق الشعور بالأسى والحزن، والتصوير الواقعي لحال المسلمين وما صاروا عليه من تناحر واقتتال، وكذلك د. ناصر، إلا أن أبا الطيب عاش القضية، أما الدكتور الرشيد فقد عاش مأساة الأمة ونكبتها فى فلسطين، وقد دهى العرب في الأندلس أحداث وهزائم مريرة أدت إلى سقوطها؛ فكان الشاعر راصدا تلك الأحداث معللا ومبررا، كاشفا وموضحا، ناقدا ومعالجا، وفوق كل هذا وذاك منفعلا وفاعلا، يرصد خلجات تلك النفس بكلمات دقيقة معبرة.

واصطبغت قصيدة أبى الطيب بصبغة تراثية شكلا ومضمونا، فقد قرأ التاريخ فيها قراءة واعية، ولذلك استشهد بأحداثه.

واضح أيضا أن نونية د. الرشيد لم تتسق مع نونية أبى الطيب فى عدد الأبيات؛ فقد جاءت نونية أبي الطيب في واحد وأربعين بيتا، بينما لم تتجاوز معارضة د. الرشيد تسعة عشر بيتا.

 

***


 


([1])  انظر: قضية الشعر الجاهلى فى كتاب ابن سلام 37 للعلامة محمود شاكر ط المدنى

 

([2])  الصاحبي في فقه اللغة 130 ط1 مكتبة المعارف بيروت 1414هـ 1993م

 

 

([3])  الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى2/55 تحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ط المكتبة العصرية بيروت لبنان1407 هـ 1987م

 

([4])  قطرات الندى (معالم الطريق إلى فقه الشعر) لفضيلة الدكتور محمود توفيق سعد /3 (بتصرف يسير جدا) ط1 مطبعة النعمان الحديثة 1422هـ

 

([5])  3/192 ، انظر ترجمته في الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة لأبى عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي تحقيق: إحسان عباس ط1 دار الثقافة بيروت لبنان 1965 4/ 137 ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري  11/ 480

 

([6])  نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد بن المقري التلمساني تحقيق إحسان عباس ط1 دار صادر بيروت 1968

 

([7]) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة  11/ 487

 

 

([8])  انظر: ظهر الإسلام للأستاذ الدكتور أحمد أمين

 

([9]) نفح الطيب 4/ 489

 

([10]) نفح الطيب 4/ 487 : 489

 

([11])  غر فلان فلانا: خدَعَه والمصدر : غرور، ويقصد: الذى يصيبه الغرور

 

([12])  دول: لا تثبت على حال واحد

 

([13])  مشرفيات: سيوف

 

 

([14])  ينتضى: يذهب، ابن ذى يزن: أحد ملوك اليمن العظماء

 

 

([15]) الصناعتين لأبى هلال العسكرى 454 بتحقيق البجاوى ومحمد أبى الفضل إبراهيم ط المكتبة التجارية

 

 

([16])  نفسه 454

 

 

([17]) المطول لسعد الدين التفتازانى 478 ط 1330 هـ

 

 

([18]) نظرات فى المحسنات البديعية للدكتور محمد شادى 123 ط1 الدار الإسلامية 1407هـ 1986م

 

 

([19]) بغية الإيضاح 1/ 161 للشيخ عبد المتعال الصعيدى ط مكتبة الآداب - القاهرة 1991

 

 

([20]) البرهان في علوم القرآن3 / 151  للزركشى ط3 دار التراث 1984

 

 

([21]) قراءة فى الأدب القديم/ 55 لفضيلة الدكتور محمد أبى موسى ط2 مكتبة وهبة 1419 هـ 1998م

 

 

([22]) دلائل الإعجاز 295 بتحقيق السيد محمد رشيد رضا  ط6 صبيح 1380 هـ 1960م

 

([23]) التعبير الفني في القرآن د/ بكرى شيخ أمين  195 ط2 دار الشروق بيروت 1976 بتصرف كبير

 

([24]) أسرار البلاغة 136 بتحقيق السيد محمد رشيد رضا  ط دار المطبوعات العربية

 

([25]) سبأ 19

 

([26]) نظرات فى المحسنات البديعية للدكتور محمد شادى 162

 

 

([27]) هم الحميريّون والسبئيون وكانوا أصحاب سلطان، أكاليل: جمع إكليل وهو ما  يوضع فوق رأس الملك

 

 

([28])  شاده: بناه، شداد: ملك حميريٌ في اليمن ، وإرم: مدينة تاريخية كانت مضرب المثل بروعتها، ساسان: ملك الفرس           

 

 

([29])  حازه: ناله

 

([30]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء 17 لحازم القرطاجني تحقيق محمد الحبيب بن خوجة ط2 –1981م دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان

 

([31]) يونس بعض آية 24

 

([32]) أسلوب الدعوة القرآنية / 296 لفضيلة الدكتور عبد الغنى بركة ط1 مكتبة وهبة 1983

 

([33]) أسرار البلاغة 99: 105

 

([34]) البلاغة فنونها أفنانها – بتصريف – 214  للدكتور فضل حسن عباس ط 1 دار الفرقان - الأردن 1987

 

([35]) أسرار البلاغة  32 ، 33  

 

 

([36]) نقد النثر لقدامة بن جعفر 64 تحقيق د. عبد الحميد العبادى ط المكتبة العلمية بيروت 1400 هـ 1980م

 

([37])  دَهَـى:  أصابها وحلّ بها ونزل بها في قسوة ، والجزيرة: بلاد الأندلس، أُحُـد: الجبل المعروف بالمدينة المنورة، وثَهْلان : جبل بنجد  

 

([38])  بلنسية: مرسية، جيان: مدن

 

([39]) نظرات فى المحسنات البديعية /76 لفضيلة الدكتور محمد إبراهيم شادى ط1الدار الإسلامية للطبع والنشر 1407هـ ـ 1986م

 

([40])  انظر دلائل الإعجاز 90

 

([41])  المثل السائر فى أدب الكاتب لأبى الفتح ضياء الدين بن الأثير 2/35  تحقيق محمد محى الدين عبد الحميد ط المكتبة العصرية  صيدا ـ بيروت

 

([42])  العمدة 1/184 لابن رشيق القيروانى تحقيق محمد قرقزان ط1 دار المعرفة بيروت 1408هـ 1988م

 

([43])  الخصائص 2/ 24 لابن جنى تحقيق محمد على النجار ط المكتبة العلمية

 

([44])  قراءة فى الأدب القديم 114

 

([45]) الهيمان: الـمحب حبا جما لدرجة الذهول عن غير ما يحب

 

 

([46]) أسرار البلاغة  32 ، 33  

 

 

([47])  لسان العرب / هيم

 

 

([48]) نقد الشعر 147 وما بعدها لقدامة بن جعفر تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجى ط دار الكتب العلمية بيروت

 

 

([49]) دلائل الإعجاز 367

 

 

([50]) سر الفصاحة 223 شرح عبد المتعال الصعيدى ط صبيح 1389 هـ 1969م بتصرف يسير

 

 

([51]) المثل السائر 1/ 378

 

 

([52]) التصوير البيانى 353  ط 3 مكتبة وهبة 1413هـ

 

 

([53])  يوسف 12

 

 

([54]) معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهانى تحقيق إبراهيم شمس الدين / رتع ط دار الكتب العلمية بيروت 1425 هـ 2004 م 

 

 

([55]) المثل السائر 364

 

 

([56]) الرحمن 58

 

 

([57]) لسان العرب / هوى

 

 

([58]) نفسه / علج

 

 

([59]) نفسه / حير

 

 

([60]) نفسه / كمد

 

 

([61]) د. ناصر بن سعد الرشيد، أستاذ الأدب بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، وقد ألقاها قبل حرب رمضان1393هـ أكتوبر 1973م،  وكان في ذلك الوقت في دمشق وقد أحس كما يقول: .... أحسست بأن شيئاً كالسلم سيحصل.